الاختراق الكبير
د. يوسف بن صالح الصغير
لا يخفى أن التيار الشيعي الحالي ما هو إلا نتاج من نتائج التيار الصفوي الذي فرض التشيُّع على سُنَّة إيران. ويلاحظ أن المناطق الفارسية التي كانت في السابق القريب سنية شافعية حُوِّلت بالقهر إلى المذهب الإثني عشري، وكانت المدن تُخَيَّر بين السيف والتحوُّل، ولذا لم يبقَ أثر للسنّة في إيران إلا في مناطق الأكراد والبلوش. ولم يمنع تنفيذ المخطط الصفوي في العراق إلا تدخل الدولة العثمانية العسكري، ولكن هذا لم يمنع الشيعة من التمدد السلمي في العراق؛ حيث جرى التركيز على العشائر العراقية عن طريق تردد دعاة الرافضة عليهم في غفلة وغياب من علماء السنة. ففي سنة ١٣٢٦هـ، كشف الشيخ العلاَّمة محمد كامل الرافعي في رسالة أرسلها من بغداد لصديقه الشيخ رشيد رضا، ونشرتها مجلة المنار في المجلد السادس عشر، ما يقوم به علماء الشيعة من دعوة الأعراب إلى التشيع واستعانتهم في ذلك بإحلال متعة النكاح لمشايخ قبائلهم. وإليك اسماء بعض العشائر التي دخلها التشيع في القرنين الأخيرين: ربيعة، وتميم، والخزاعل، وعشيرة زبيد، بنو عمير وهم بطن من تميم، والخزرج وهم بطن من بني مزيقيا من الأزد، وشمر طوكه، والدوار، والدفافع، وآل محمد، وعشيرة بني لام، وعشائر الديوانية، وعشيرة كعب. وكان التوسع في التعليم بعد ثورة ١٩٥٨م رافداً لهذا التسلل عن طريق المعلمين الشيعة في المناطق النائية والبدوية. ولا شك في أن مبادرة الشيعة لفتح مكتب للتقريب بين السنَّة والشيعة في القاهرة عام ١٩٤٦م ما هو إلا محاولة لاختراق مصر ونشر التشيع فيها سلمياً؛ استكمالاُ للهلال الشيعي. وكان من الملاحظ أن من يبني موقفه من التشيع على حوارات ولقاءات مع عناصر شيعية منتقاة لهذه المهمة تجيد مبدأ التَّقِيَّة سيؤيد التقارب بين المذاهب، ويضمحل عنده الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهب الإمامية إلى خمسة في المئة يُحشَر فيها كل الفروق من عصمة أئمتهم وسب الصحابة وتحريف القرآن. وقد ساهمت الأحداث الساخنة في العراق وقيام الشيعة بحملة تصفية وإبعاد للسنة في المناطق المختلطة، ومحاولة فك الطوق السني حول بغداد، وتحوُّل تيار الصدر من تقريبي إلى صفوي، ومن معارض سلمي للاحتلال إلى محارب لأهل السنة تحت شعار (تنقية عراق آل البيت من النواصب الوهابية التكفيريين) ـ لقد ساهم ذلك وغيره في تنبيه بعض علماء السنة الأجلاَّء إلى هذا الخطر. ولا أملك هنا إلا أن أشيد بالموقف الشجاع للشيخ يوسف القرضاوي الذي وضع النقاط على الحروف، وأطلقها مدوية تثبت تمسك الشيعة حالياً بمصحف فاطمة وسب الصحابة، وحذر من اختراق الشيعة لمصر وأنهم أتخذوا من التصوف قنطرة للتشيع، وحذر بصورة مبطنة من حسن نصر الله وأنه لا يختلف عن الشيعة المتعصبين؛ فهو متمسك بشيعيته ومبادئه. وأخشى ما نخشاه أن يتحول كل الشيعة إلى صدريين، وأن يبقى السنة تقريبيين.
стр. 5742
سَيِّدَ الأزمَان
عبد الله بن سالم العطاس
قلبي لمزنك والهٌ ظمآنُ
يا سيد الأزمان يا رمضانُ
يا شهر كل فضيلةٍ وكريمةٍ
الكونُ في لقياك كم يزدان!
يا مالئ الدنيا ضياءً مبهجاً
في حقل جودك يورق الإحسان
تبدو الصحارى المقفرات نواضراً
مخضرَّة، وربيعها فينان
أَقبِلْ علينا نفحةً قدسيةً
يهفو لطيبِ نسيمِها الوجدان
واملأْ فضاء المخبتين بشائراً
القائمين كأنهم عمدان
القارئين تدبراً ومهابةً
آياً، لها تتهدم الأركان
القائلين الصدقَ يعذب لفظه
فحديثهم من حسنه عقيان
الباذلين المال كفَّاً سحّةً
كالبحر، لكن ما له شطآن
الذائدين عن الحمى بنفوسهم
وأقل ما في وصفهم شجعان
رمضان يا شهر الصيام تحيةً
تكسو محيَّا بشرها الأحزان
ها أنت تأتي والمآسي جمَّة
وبأمتي يتلاعب العدوان
إنْ أنَّتِ القدسُ الحبيبةُ غدوةً
ردَّت عشيَّ أنينها بغدانُ
وإن اشتكت كشميرُ من هندوسِها
بسطت نفوذ ضلالِها إيران
وإذا يلوح بأرض بيروت الأسى
أواه مَنْ لك ـ يا ترى ـ لبنان؟
في كل أرضٍ أمتي مجروحة
وشفاؤها حتماً هو القرآن
стр. 5743
الغرور العقلي.. والانتكاس الفكري
عبد الله بن محمد السعوي
لو ألقينا نظرة تأمُّلية تبحث عن العوامل الفعّالة التي تقف خلف كثير من التحولات الفكرية الحادة عند بعض النماذج والتي تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على نحو يستعصي معه الفهم والتحليل؛ لألفينا أنها لم تنبثق من فراغ بقدر ما هي أثر حتميّ أفرزته بواعث متنوعة بينها تسلسل سببي وروابط عليّة متبادلة ومتفاعلة أسجّل باعثين هنا منها على سبيل الإجمال، مقتصداً جهد الطاقة حتى لا أثقل على ذاكرة القارئ الكريم:
أولاً: القراءة المكثفة في كتب أهل الأهواء مع ضآلة العلم الشرعي في منحاه العقدي خاصة:
إن الفضول المعرفي بطبيعته يدفع إلى مزيد من النّهم القرائي اللامنضبط ـ أحياناً ـ مما يدفع بالفرد إلى قراءة كل ما يقع في متناول يديه من أطروحات فكرية قراءةً غير موجهة بحكم عدم استنادها إلى قدرات علمية عليا، ولذا فهي تولد الاتجاه السلبي أكثر مما تعزّز التوجه السلفي كإفراز حتميّ ناشئ عن ضمور مكتسبه المعرفي في جانبه العقدي على وجه الخصوص.
إن هشاشة الوعي ومحدودية القدرات العلمية تجعل من البنية الذهنية أرضاً خصبة مهيّئة لاستقطاب الأبنية المفاهيمية والمعاني المزيفة والرُّؤى الممعنة في التضليل باعتبارها أفقاً للوعي لا يسع المرء إلا الامتياح منه والتماهي مع معطياته.
إن إثارة الشبهات والتشكيك في العقائد والإطاحة بالتصورات الإيجابية هو الهدف المحوري الذي تتغيّاه كتب ومقالات أهل الأهواء، الشأن الذي جعل رسول الله # يتمعّر وجهه عندما شاهد صحيفة من صحف أهل الكتاب مع عمر ابن الخطاب ﵁ وهو الفاروق المبشَّر بالجنة، ونهاه عن قراءتها. ولقد كان سلفنا الأفاضل يحرِّمون علم الكلام ويشدّدون في عدم السماع من أهل الأهواء أو النظر في مؤلفاتهم حتى ولو احتوت على شيء من الحق؛ لأن هذه الأطروحات تورّث شُبهاً تضلّل المتلقِّي وتستهويه وتؤثِّر على قناعاته، وهذا التأثير عائدٌ ـ في تصوّري ـ لعاملين:
أحدهما: أنها تعتمد في بنائها التعبيري والفكري آليات فلسفية ترتكز على الفذلكة الكلامية والحذاقة اللفظية لتستهوي الفكر وتأخذ بلباب العقل وتلبس عليه وتسيطر على مساربه فيتلقف بعض الشبهات دون وعي، يتلقاها بلا غربلة ولا تمحيص، تتلبّسه الفكرة ويتلبّس بها، ترتسم في عقله ويتفاعل مع أدقِّ تفاصيلها ويغنى بها عن غيرها، تكبِّله بقيودها وتحجبه عن معاينة ما باينها، وتزجُّ به في دائرة مغلقة خانقة فيسيطر عليه شعور بصوابية ما يعتنقه بل يعتبره هو الحق المطلق، ومن ثم تتعسر عليه المراجعة، وتحت هذا الضغط النفسي الشديد تستبدُّ به الفكرة فلا يرى إلا ما يتقاطع معها، فيندفع للعمل بمقتضاها دون وعي، إنه يعيش في غيبوبة أفضت به إلى عزلة لا مادية خانقة نائية به عن مدِّ جسور التواصل والتماس والتفاعل الحيوي مع الأفكار المغايرة لها، قد ملكت عليه لُبّه ووجدانه على نحوٍ بات معه مفتقداً للرؤية الموضوعية النافذة مثله كما المحاط بألسنة اللهب، فرؤيته محدودة محصورة في ذاته وما يحيط بها من دخان كثيف.
العامل الثاني: أنها تملك مهارات عالية وكفاءة بارعة في تمرير مشروعها الفكري، وذلك من خلال ضخِّ المعاني ذات الطابع المادي التي تدغدغ حوائج الناس وتستجيب لعواطفهم، ومن هنا تصرفهم عن الحق بهذه المداخل الباطلة التي تتظاهر بالعلمية وتدّعي الموضوعية، الشأن الذي يهدينا إلى تبيّن السر الكامن خلف اتِّساع القاعدة الجماهيرية المتناغمة مع أهل الأهواء، حتى صاروا بجملتهم أكثر كمية من أهل السُّنّة والجماعة، وهذا مؤشر يبرهن ـ بجلاء ـ على أن التماهي الوجداني مع المضامين الدلالية لهذا الخطاب ليس حقيقة شعورية منبعثة من رؤية منهجية وصياغة فكرية صائبة بقدر ما هي نتيجة للانسياق للمحركات الوجدانية.
إن القارئ المتسطح الذي يعاني من الهزال في بنيته المعرفية يتعسّر عليه ـ إن لم يتعذّر ـ أن يقرأ بروح تمحيصية ناقدة، فهو لا يملك القدرة على سبر أغوار الروح العامة وتفكيك البنية الشاملة التي ينهض عليها هذا الخطاب، ولذا يقع فريسة سهلة للأفكار السالبة بكافة ضروبها، ويسيطر عليه ما يشبه عمى الألوان، فيتجاوب مع المادة المطروحة، ويتذوّقها، وتنطبع لديه في أعماق الضمير، والمصيبة الأعظم تكمن في عدم شعوره بما ينطوي عليه من إشكال معرفي حادّ سهّلَ من اختطاف عقله ومن ثم مصادرته في بُعْده الإنساني.
إن قصور الاستعدادات المعرفية لدى المتلقّي يفضي ـ بالضرورة ـ إلى إضعاف شخصيته الثقافية، ولذا؛ فإنه بمجرد اطِّلاعه على مجموعة مقالات أو بضعة كتب من الكتب الفارغة إلا من الغُثَاء التراكمي فإنها كفيلة بإحداث هزّة عنيفة في كيانه تعصف بما تأصّل لديه من قناعات على نحو يجعله يتنكّر لما نشأ عليه من قيم، ولا ريب أن هذا يبرهن ـ بجلاء ـ على عمق الانفصال بينه وبين الفقه العقدي من جهة، وعلى أساليب الطرح الماكرة القادرة على التسلل بسهولة إلى التركيبة الذهنية للمتلقِّي من جهة أخرى.
تُعدّ العزلة الشعورية، والنَّأْي عن النهل من العلم المؤطر بالمنهج الرباني، وعدم التفاعل المثمر مع قادة الفكر وأرباب المعرفة وذوي الحسّ الحي في الأمة، والتجافي عن المصادر المعتبرة التي تشكل الفكر الموضوعي؛ من أكبر العوامل الموهنة للتماسك العقدي والمؤسسة لتداعي المسلَّمات القطعية، والتي تحيل الفرد إلى هدف سهل المنال لمختلف الوافدات والمؤثرات الثقافية المناهضة لمكوّناته الأساسية، والمناقضة للسلّم القيمي الذي تشكّل وفق دلالاته، والمخالفة للأدوات المعيارية التي على ضوئها يقيم أحداث الحياة. هذه البواعث تعرِّض كثيراً من الأسس المفاهيمية إلى التزعزع والتآكل الداخلي.
إن هذا المتلقِّي بفعل ما يحتوي عليه من فقر علمي وجهل عميق لديه ضرب من السلوك الازدواجي الذي يتجلَّى على نحو واضح في تباين تعاطيه مع الأفكار المجسّدة والمجرّدة وتباين مواقفه إزاء كل منها، مما يشي بإمَّعية فكرية ضُربت بعمق في أعماق أغواره فأضعفت عناصر المقاومة في ذهنه فضلَّ عن الحق وتاهَ في بَيْداء الوهم والخيال كأثر حتمي لتزاوج الهوى الحاجب لصفاء الحقيقة والجهل اللامحدود الذي بفعله باتت رؤيته سطحية هامشية فاقدة للرؤية النقدية التي تعتمد التجرد والموضوعية أبرز أدواتها.
إن مما يبعث الأسى هو أن المتلقّي السالف الذِّكْر قد يكون أحياناً ممن يساهمون ـ في تصوّره ـ بإثراء الحركة العقلية ودفعها ـ لا لتأهيله لذلك، وإنما لاحتلاله مكاناً أكبر بكثير من مقاساته المعرفية والعقلية ـ وهنا تعظم المأساة، حيث إن جملة الأفكار التي تسرّبت إلى جنانه واستقرت في حسِّه وتراكمت في عقله الباطن هو الآن يتبنّى العمل على تصديرها وإنتاجها يستهدف بها متلقّياً ـ هو الآخر بالمواصفات ذاتها ـ يستلهمها فتعانق وعيه وتكتسح لُبَّه فيتقولب بمضامينها التي تتغلغل فتلامس كل جزئية من وجدانه، وهكذا تجري عملية التسويق عن طريق الاجترار بتبادل الأدوار على نحو يثير الشعور بالأسى والشّجن.
إن هذا الطرح ذا النزعة الليبرالية يعكس ـ بنقاء كامل ـ الصورة عن عقول مصادرة تتظاهر بالتحرّر والانفتاح الذي لا يتحقق ـ من وجهة نظرها ـ إلا بالخروج عن منطق التجانس الجمعي، واستفزاز الساكن، ومخالفة السائد، وتحريك الراكد، واختراق (التابو) ، والتمرد على المقاييس والأعراف المعتبرة، واستدبار النصوص، وإسقاط مكانة العلماء، والتقليل من خصوصية المجتمع، والمبالغة في السقوط الأخلاقي بحجة التطوير والتجديد.
إن الحقيقة التي يجب أن تكون حاضرة في أذهاننا دائماً هي أن التجديد لا يكمن في الإقصاء لأخلاقٍ واستدعاءِ أخرى على الضدِّ منها، وإنما يتم التجديد من خلال توسيع مدى الأبعاد الدلالية لبعض الأبنية المفاهيمية الأخلاقية، وابتكار الآليات الفعّالة لعولمتها وجمهرة ممارستها وتكثيف الدعاية لها والإعلاء من قيمتها في النَّسَق الأخلاقي العام ودفعها نحو نقلة ارتقائية تحتلُّ جراءها موقعاً أعلى في درجات السلّم القيمي.
إن ثمَّة ثلة من الكُتّاب لديهم تصور ذاتي وهمي، فهم يرون ذواتهم أنهم طليعة هذه الأمة والناطق بلسانها والمعبِّر عن آلامها وآمالها، وهم فقط الذين يملكون عناصر الترشيد الضرورية للنسيج الاجتماعي الذي استقرَّ في وعيهم أنه بخاصته ودَهْمَائه (١) وبسُراته وبُسطائه وبتنويعاته وتعبيراته وبمكوّناته وقياداته الدينية وبفعالياته الثقافية وبرموزه العلمية؛ عبارة عن قطيع غوغائي ومزيج نَتِنٍ من الإمَّعات والسطحيين الذين يعيشون في واقع استاتيكي سكوني يغلب عليه طابع النمطية والاطّراد العشوائي على نحو يدفع هؤلاء الكُتّاب ـ من وجهة نظرهم ـ إلى الاشتغال على تهيئة بنية هذا المجتمع لخصائص جديدة، وذلك من خلال تطوير أنماط سلوكهم وتوسيع آفاقهم بعَصْرنة مفاهيمهم ولَبْرلة توجّهاتهم.
الفلسفة التي يصدر عنها الطرح الليبرالي تكمن في اختزاله كافة أشكال الرقي في البُعْد المادي المحض، وتتجلّى في طبيعته الموضوية الرافضة للماضوي والعاملة على تجسيد القطيعة المعرفية معه تمهيداً لمحوه من الأذهان ومن ثم تهميشه في عالم الواقع الفعلي، وفي سبيل هذه الغاية فإنه يلحُّ ـ وعلى نحو مستمر ـ على جملة معانٍ محددة يتغيّا استقطابها لإذاعتها وجمهرتها على أرض الواقع العملي.
تحرير المرأة، إلغاء تعدد الزوجات، الحرية المطلقة، الثورة على التراث السلفي، تحرير العقل من سلطة النقل..إلخ؛ كلها مفردات تكتظُّ بها هذه الأطروحات على تباين جليٍّ في مستوى شفافيتها وتغاير واضح في القوالب المستخدمة لتسويق تلك الرُّؤى على نحو يضمن لها القبول والانتشار والتمدد.
إذا تبلور ما سلف وصلنا إلى نتيجة راسخة مفادُها أن رفع منسوب العلم الشرعي ـ وفي بُعْده العقدي خاصة بوصفه هو الذي يهندس الشخصية الإسلامية ويوجِّه طاقاتها ويرشد حركة معرفتها ـ شرطٌ موضوعي يلزم توفّره في كل فرد بحسبه.
وتتأكد أهمية توفّره في كل من ينزع إلى التواصل القرائي مع مختلف الأطروحات المنتمية إلى منظومات فكرية مغايرة أخرى؛ لأن العلم الشرعي بحسبه يمثِّل بنية معرفية عميقة بالنسبة للعلوم الأخرى هو الذي يكسب حامله حسَّاً نقدياً ورؤية نافذة قادرة على إزاحة الستار وإدراك ما يحتجب خلفه من منطلقات وما يكمن من خيوط دقيقة ضامرة في أعمق أغواره.
إن الإلمام بالعلم الشرعي والتشبّع بالفقه العقدي وفق منهج سلفي مطلبٌ جوهري في غاية الأهمية والإلحاح، مطلبٌ يمنح صاحبه حصانة فكرية، ويزوِّده بمناعة نفسية، ويورِّثه عزّةً وقناعة تامة بصوابية توجّهه، ويمدّه بحيوية ذهنية وقدرة فذّة على القراءة النقدية التي تضعه أمام الحقيقة الموضوعية لهذه الأفكار الوضعية التي تغذِّي أخيلة مستهلكيها بالمفاهيم الكاسدة والمتشابكة مع أسسنا الفكرية لسلّمنا القيمي المستوحى من نصوص الوحيين.
إن العمق المعرفي الشرعي هو الذي يمنح المتلقِّي عقلاً متحرّراً من علائق التبعية لكل فكر متوتر معزول عن وحي السماء، ويمكِّنه من الصيرورة إلى تملّك أفق شمولي واسع يمنحه أعظم صور البلورة النقيّة التي توقفه على حقيقة مقروئه فيعرِّي سوأته ويجلي ثغراته ويعي مدى ما تولّده من مفاسد في البنية العقلية وحجم ما تقرّه من خلل في الكينونة الثقافية.
إن التأهيل وبقدر كافٍ للذات ـ من خلال توثيق الاتصال الفعّال بمنابع الثقافة الإسلامية ـ شرطٌ يجب استدعاؤه لاستثمار معطياته بحسبانها هي من يزوّد الفرد بالنظرة العميقة المخترقة لحدود الإدراك الظاهر والسابرة لأغوار المقروء وغربلته، ومن ثم مواراة الأفكار المولدة للتصورات المغلوطة في الزوايا المظلمة من الذاكرة ليجري استحضارها في الظرف الملائم، وذلك عند إرادة تجلية مساحات التفوق وإظهار القيم الجمالية وإبراز خطوط التميّز في الفكر السلفي، والذي تتجلّى روعته الأخّاذة عند مقارنته بضدِّه، وكما قال الأول: وبضدِّها تتميّز الأشياءُ.
ثانياً: المبالغة في إيراد الأسئلة والاستفهامات على العقل وتحميله ما لا يحتمل بجعله الإطار المرجعي الأول بعيداً عن النص:
إن الحضور الفعّال للبُعْد التساؤلي في حسِّ الفرد يُعدّ من أهمِّ الشروط اللازمة لتفتيح ملكاته الفطرية ونموّ كينونته المعرفية وتكوين نظرته الشمولية. ولذا؛ فإن تطلّع الفرد إلى استكناه المجهول وإيراده للتساؤلات الهادفة ـ التي تطرح أبعاداً غائبة لم تُمنح ما تستحقه من عناية ـ وتشوّفه إلى معرفة الخيوط التي نُسج منها الواقع، وبحثه عن إجابات تمكّنه من فرز التباسات الآني المعقد وتبيّن تشابكاته وتداعياته ومن ثم تحسس المسارات الآمنة ينمّ عن عمق في الوعي، واستنارة في العقل، وتحسّن في مستوى الإدراك، وانعتاق من قيود النمطية والتقليد، وثمّة بَوْنٌ ذهني لصالحه يكشف المساحة الشاسعة بينه وبين الأذهان الببغاوية التي لا تتقن سوى التقليد والمسكونة بكافة ضروب البلادة والتسطح لما تنطوي عليه من افتقار مطلق للبعد العقلاني المرتكز على العلم الموسوعي والتفكير الإبداعي الجادّ، والذي توفّره مربوط إلى حدٍّ كبير بوجود التساؤلات بكثافتها الكمِّية من ناحية، وبطبيعتها النوعية من ناحية أخرى، وقديماً أجاب ابن عباس ﵄ عندما سُئل عن السرّ الكامن خلف ما يتوفر عليه من رصيد علمي هائل بقوله: (.. بقلب عقول ولسان سؤول) .
إذاً؛ فثقافة التساؤل من حيث المبدأ هي ثقافة ينبغي تفعيلها وإشاعتها، ولكن ثمَّة ملحظ يجب استحضاره في هذا السياق، مؤدّاه أن الأسئلة تتباين باعتبار طبيعتها الماهية، فثمَّة أسئلة لها عوائد إيجابية وثمَّة استفهامات لها مردودها المكتظّ بالسلبية، كما هو الحال في الاستفسارات ذات النزعة الفلسفية المتمحورة حول ذات الخالق ـ جلَّ وعلا ـ وأسمائه وصفاته وأفعاله.
إن ثمَّة أموراً يجب أن يقف عندها العقل موقف التسليم والخضوع أُشير إلى جزء منها على نحو مجمل كما يلي:
أولاً: القدر، فهو سرّ الله في خلقه، والرب ﵎ يعلم الأصلح للخلق الذين لم يتعبَّدوا بالبحث عنه، وإنما تعبَّدوا بالرضى الوجداني والتسليم المطلق والامتثال اللامشروط، ولقد كان سلفنا الأوائل نموذجاً مثالياً يجدر الاحتذاء به في هذا الشأن، وكانت مواقفهم حازمة إزاء من يتمادى في إثارة الأسئلة والإشكالات في القدر، كما نرى في موقف الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ تجاه بعض أهل الذمة؛ كـ (قسطنطين) الذي سلَّم مفاتيح بيت المقدس لعمر ﵁ وقد أفصح عن شعور يخالجه بالاعتراض على القدر، فتوعّده عمر ﵁ حتى فاء إلى الحق. وكذلك قصة ذلك الشاب الذي أفرط في التفاعل مع الخواطر العارضة التي ترد على ذهنه، فجاء به والده إلى ابن عباس ﵄ فزوّده بجرعات تعليمية حتى آبَ إلى النهج السوي، وكذلك أيضاً قصة (صبيغ التميمي) وهي مشهورة في هذا السياق.
ثانياً: الغيبيات عموماً سواء منها ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله بكيفياتها، أو ما يتعلق بأخبار الغيب الأخرى كأحوال الآخرة أو عالم الشهادة الذي ليس بمقدور مداركنا تناوله، فهذا كله يجب الكف عنه وتجنّب البحث في تفاصيله.
ثالثاً: بعض حِكَم التشريع؛ لأن حِكَم التشريع متباينة، فثمَّة جملة منها قد يُدرك من قِبَل عامة الناس، وجزء آخر قد لا يدركه إلا العلماء، وهناك جزء يختص الخالق ـ جلَّ وعلا ـ بمعرفته، وهو سرٌّ من أسراره الخفية المغيبة عن البشر.
إن الإفراط في طرح المزيد من التساؤلات سلوك له إفرازاته السلبية؛ لأن للسؤال قدرة هائلة على التشعب والتكاثر والسير في كل اتجاه، فالسؤال السابق يفضي إلى السؤال اللاحق الذي بدوره يستدعي إجابة تكتظ بمواطن الأسئلة اللامتناهية، وهكذا تتواصل الأسئلة على نحو توالدي يعي العقل ويرفعه إلى مشارف الهاوية، فتتنازعه مشاعر متناقضة تعصف به وتحيطه بدائرة من الكآبة المقلقة والتوترات النفسية المرشحة للتفاقم والاستفحال.
إن ضغط الأسئلة اللامشروعة على الطاقة الذهنية هو في حقيقته ليس إعمالاً للعقل بقدر ما هو إهمال له وشرعة لاغتياله. تفعيل العقل يكمن في عقلنته بالدلالات المضمونية للنصوص الشرعية، لا بالقفز على هذا البُعْد الشرعي بالاعتماد على الرُّؤى المشوَّهة والطرح المُرْبك للوعي الإنساني.
إن الذي أوجد العقل حدّد له دائرة عمله، ووضع له الأُطر التي يجب أن لا يتجاوزها، وجعل منه قاعدة ينطلق منها الفرد في وعيه عن الله وأحكامه ومراده ومرامي تشريعاته، وهو بتآزره مع النص يشكل تصورات الفرد لأهداف الحياة والغاية من الوجود الإنساني.
لقد ضلَّت طوائف شتَّى بفعل جهلهم بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده، وإقحامه في غير ميدانه، كما نلحظ ذلك جليّاً عند الفلاسفة، حيث أنفقوا طاقاتهم العقلية في سبيل أن يدرك المحدودُ غيرَ المحدود، فتاهوا في محيط من الجدل المتناقض الذي لا يركن إلى قرار، وقالوا: إن وجود الخالق وجود مطلق بشرط الإطلاق، فجرّدوه من الوجود الذاتي، وحصروه في الوجود الذهني الذي لا حقيقة له في الخارج، والمعتزلة قدّسوا العقل وجعلوا النص يدور في فلكه، فأدَّى بهم ذلك إلى القول بخلق القرآن، وقال بعضهم: بمنع التسلسل في صفات الخالق جلَّ شأنه، وأوجبوا عليه فعل الأصلح، والصوفية بفعل انحسار دور النص قالوا: بوحدة الوجود، واعتمد بعضهم على (حدّثني قلبي عن ربي) ، والجهمية منحوا العقل مكانة لم يُؤهل لها، ونقلوا قدراته من النسبي إلى المطلق، فقالوا: بنفي النقيضين عن الله، ومنهم من قال: بالحلول، ومنهم من قال: بالاتحاد، وجملة منهم حصروا الإيمان بالمعرفة المجردة فحسب، والقدرية جعلوا للعقل الهيمنة الكاملة والمرجعية المطلقة، فقالوا: بأن العبد خالق أفعاله وأن الله لم يقدّرها، والمرجئة جعلوا السيادة للعقل وعملوا على إقصاء النقل فقالوا: بنفي الكفر عمن تلبّس به والتاث بسلوكياته.
والثنوية ألّهوا العقل وخرجوا به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم، فقالوا: بوجود خالقين لهذا العالم، والخوارج وسّعوا دائرة صلاحيات العقل وأَعْلوا من وظائفه فرَمَوا بالكفر من هو منه بَراءٌ، وسلكوا منهج العنف ذي الطابع الراديكالي، والدهرية جعلوا العقل هو الصانع المنتج للوعي والمحدد لإطاره فأنكروا وجود الخالق جلَّ في علاه، والأشاعرة والماتريدية جعلوا العقل هو الركيزة الأساسية التي يصدرون عنها، فقالوا: بظنّية الدلالات الشرعية ويقينية القواطع العقلية، ووصفوا الخالق بالنقص عندما قالوا بعدم ظهور آثار أسماء الخالق وصفاته إلا بعد أن خلق هذا العالم المنظور، والقرآنيون أطلقوا العنان للعقل فذبلت في حسّهم مدلولات النص القرآني وأبعاده الحقيقية فأفضى بهم ذلك إلى تهميش السُّنة وحجب أبعادها الدلالية الملزمة، وهكذا تيارات متعددة تاهتْ عن الطريق الفطري الميسر بفعل تجاوزها لحدود الإدراك الإنساني ولإنفاقها للطاقة العقلية سفهاً في غير مجالها المأمون.
إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أنه ليس ثمَّة تعارض بين العقل الصريح الخالي من الشبهات والنقل الصحيح، بل التوافق بينهما هو الحقيقة الجلية التي لا تخطئها عينُ منصف، والشريعة لا تأتي بمحالات العقول بل بمحاراتها، وتأمَّل معي هذا الكلام القيم لابن تيمية في كتابه الموسوم بـ (درء تعارض العقل والنقل) ـ هذا السِّفر الذي يُعدّ عملاً علمياً فذّاً لا يضارعه إلا القلة النادرة ـ حيث يقول: «إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده وإن لم يعارض العقل وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع» ١/١٩٤، إذاً؛ فتوهّم التعارض بين العقل والنص الصحيح آية على ارتباك العقل وفساده. ويقول في موضع آخر من درء التعارض: «إن النصوص الثابتة عن الرسول # لم يعارضها قط صريح معقول، فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها، وإنما الذي يعارضها شُبَهٌ وخيالات مبناها على معانٍ متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شُبَهٌ سفسطائية لا براهين عقلية» ١/١٥٥، ١٥٦، ويقول أيضاً في الدّرء: «والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول # هو الحق الموافق لصريح المعقول» ٣/٨٧.
إن كل رؤية عقلية لها حظ من البُعْد الموضوعي وتصح من الناحية الاستدلالية يقول بها أهل الأهواء فإن لها ما يعضدها في المصادر التشريعية، يقول ابن تيمية: «فوجدت كل طائفة من طوائف النظار أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلاً صحيحاً يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، حتى الفلاسفة القائلين بقِدَم العالم كـ (أرسطو) وأتباعه ما يذكرونه من دليل صحيح عقلي فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه» درء التعارض ١/١٣٣، إن الاجتراء الصارخ على قدسية النص ـ إما بإقصائه، وإما باستقطاب الترجمة المشوهة غير الأمينة التي لا تعكس حقيقته ـ ممارسة عبثية لا علمية تشتغل على تهميش العقل الذي تحتِّم مقتضياته أن يكون النص الشرعي هو الضابط لإيقاعه والمحدِّد لمساره والموجِّه لتطلُّعاته، يقول صاحب الدّرء: «إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دلّ على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول #، فلو أبطلنا النقل لكنّا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه وهذا بيّن واضح، فإن العقل هو الذي دلَّ على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال فضلاً عن أن يُقدَّم، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله، وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه، والقدح فيه يمنع دلالته، والقدح في دلالته يقدح في معارضته كان تقديمه عند المعارضة مبطلاً للمعارضة، فامتنع تقديمه على النقل، وهو المطلوب» ١/١٧٠، ١٧١.
إنه ليس من العقل تحكيم العقل؛ لأن العقول مضطربة ومتباينة وليس ثمَّة ما يسمّى بالعقل البشري كمدلول مطلق يكون مرجعاً يُحتكم إلى معطياته وعنصراً حاسماً يضع الأمور في نصابها، يقول صاحب الدّرء: «والمسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه العقلاء ولم يتفقوا فيها على أن موجب العقل كذا، بل كل من العقلاء يقول: إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ ما يقول الآخر: إن العقل نفاه أو أحاله أو منع منه بل قد آلَ الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية، فيقول هذا: نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر: إنه غير معلوم بالضرورة العقلية» ١/١٤٤، ١٤٥.
ويقول في موضع آخر من الكتاب ذاته: «فلو قيل بتقديم العقل على الشرع ـ وليست العقول شيئاً واحداً بيِّناً بنفسه ولا عليه دليل معلوم للناس بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب ـ لوجبَ أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته ولا اتفاق للناس عليه» ١/٤٦.
إن الشارع حكم بتحديد مجال النظر العقلي وصيانة الطاقة العقلية أن تتبدّد وراء الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشري أن يحكم فيها وإنما يخضع ويذعن، والعقل التسليمي هو الأمر الذي كان الإسلام ـ بوصفه النَّسَق الذي يشكل الإطار المفاهيمي الموضوعي ـ يحث على الصيرورة إليه بعيداً عن العقل الشكي الديكارتي التائه في أودية الخيال. يقول ابن القيم ﵀ في كتابه الصواعق المرسلة: «إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورُسُله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحكِ الله ـ سبحانه ـ عن أمّة نبي صدّقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلّغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيّها، بل انقادت وسلّمت وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها، وكان رسولها أعظم في صدورها من سؤالها عن ذلك، كما في الإنجيل: «يا بني إسرائيل لا تقولوا: لِمَ أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بِمَ أمر ربنا؟» ، ولهذا كانت هذه الأمة ـ التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً ـ لا تسأل نبيها: لِمَ أمر الله بذلك؟ ولِمَ نهى عن كذا؟ ولِمَ قدَّر كذا؟ ولِمَ فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام» ٤/١٥٦٠، ١٥٦١.
وجماع القول أن إشكالية التحولات الفكرية إشكالية تطرح نفسها على الوسط الفكري بإلحاح يستدعي معاينتها وفق رؤية شمولية تتغيّا الاتجاه إلى العوامل الباعثة لها للعمل على تجفيف منابعها، وهذا لا يعني أن ثمَّة كثافة كمّية مقلقة في هذا السياق ـ كما أسلفت آنفاً ـ ولكن كضرب من الفعل الوقائي الذي يعصم من إفراز إرهاصات بدأت نذرها بالتشكل على نحو قد يلامس حدود التأسيس لظاهرة باعثة على القلق في هذا المقطع الزمني المتّسم بتداخل الثقافات وثورة المعلومات وكونية التفاعل الثقافي، وفي هذا الراهن الآني الذي استحال فيه العالم إلى غرفة إلكترونية محدودة المساحة الشأن الذي يجد فيه كلُّ معنيٍّ بالهمِّ الدعوي نفسه ملزماً أمام ضميره الخاص بتوظيف خبراته المتراكمة لإبداع الأُطر التي تعينه على رفع درجة الوعي لدى العقل الجمعي، وتبصيره بأن التقدم إلى الأمام مرهون بالعودة إلى الخلق المتمثل في القرن الهجري الأول، الذي تبوَّأ فيه المسلمون القمة السامقة في سلك التطور الارتقائي.
وصفوة القول أنه لا مناص من تسليط أشعة النقد على كل فكر ملوّث وكشف تناقضاته الفجّة؛ لإيقاف مفعول الشحنة السلبية التي تستهدف مجتمعاً يسعى لاستئناف مسيرته الحضارية ولإعادة هذا الفكر الظلامي ـ الذي تشكل النزعة الطوباوية أحد أبرز ملامحه ـ إلى مكانته الطبيعية التي هو قمين بها، ليظل قابعاً في أزقة الحضارة وموارياً في مزابل التاريخ.
стр. 5744
مُسلَّمات الخطاب العلماني
بلال التليدي
كل توجه سياسي يسعى لامتلاك مشروع مجتمعي يستمد منطلقه من رؤية فكرية يحاول أن يجد لها القبول بالتماس جملة من المسلمات التي تحظى بقدر من الإجماع. والتوجه العلماني الغربي ما زال يسعى لامتلاك رؤية فكرية لتمرير خياراته وبرامجه. وإذا كان التتبع والرصد لمقولات الخطاب العلماني الغربية لا يسعف في تلمس معالم النسق الفكري المنسجم، فإن النظر لبعض تلاوين الخطاب بعد جهد المقاربة والتسديد والتفريع والتأصيل تنبئ عن وجود محاولة حثيثة لاستجماع بعض المسلمات لبناء الرؤية الفكرية العلمانية الغربية.
وبالنظر إلى جملة الكتابات ذات النَفَس العلماني يمكن الوقوف على بعض المسلمات:
\ المسلمة الفكرية:
مسلمة الرشد الإنساني: وهي في الأصل مقولة للفيلسوف محمد إقبال بسط عناصرها في كتابه (تجديد الفكر الديني) ، غير أن سياقها واتجاهها يختلف تماماً عن التوجيه العلماني.
فبينما يتأمل (إقبال) في مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن، يقفز التوجه العلماني على هذين المفهومين ليخلص بتبسيط مخل إلى أن البشرية عبر مسارها الطويل قد وصلت إلى مرتبة الرشد الإنساني، ذلك الرشد الذي يؤهلها للنظر الذاتي في تدبير شؤونها، وبناء نظم حياتها التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية من غير حاجة إلى نصوص الشرع.
والحاصل من خلال هذه النظرة: أن بإمكان البشرية الاستغناء مطلقاً عن الأحكام الشرعية الواردة في نصوص الشرع من القرآن والسنة، والانصراف عن مفهوم الصحابة والسلف الصالح مادام العقل البشري قد اكتملت آلته واستجمع عناصر رشده، خاصة بعد الثورة التقنية والثورة المعلوماتية.
والناظر إلى حاصل هذا التصور يدرك أن فيلسوف الإسلام لم ينظر إلى مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن بهذا النظرة الاختزالية التبسيطية.
فإذا كان جوهر الرسالة مرتبطاً ـ نسقياً ـ بوجود القرآن، وإذا كانت الرسالة قد ختمت بوفاة النبي # فإنَّ التوجه الذي بسطه محمد إقبال هو: أن البشرية قد وصلت إلى النضج العقلي الذي يجعلها تتعامل مع نصوص الشرع انطلاقاً من البيان الوارد في الكتاب والسُنَّة معاً، واعتماداً على آليات النظر المعتبرة والتي استمدّت أدلتها وحجيتها من القرآن والسنة.
فإذا كانت البشرية سابقاً وفي كل طور من أطوارها تحتاج إلى رسول مبلغ، فقد اكتمل النضج الإنساني لتتلقى الرسالة والبيان من غير حاجة إلى وجود الرسول الذي يمشي بين الناس.
إنّ البشرية رشدت ببداية تعلقها بالأفكار والمفاهيم من غير حاجة إلى تجسدها في عالم الأشخاص.
إن هذا هو المعنى الذي فصّله محمد إقبال في كتابه (تجديد الفكر الديني) ، والذي يبدو أن الطرح العلماني حاول أن يختزله، وأن يفرغه من مضمونه؛ ليكتسب أولاً: تمرير المضمون (الاستقلال عن الوحي) ثم ثانياً: عمق التأصيل، وذلك من خلال الانطلاق من مقولة محمد إقبال من غير التزام بمفهومها ولا اتجاهها.
\ المسلمة التاريخية:
وهي التي سال فيها مداد كثير، وهي في جوهرها تنصرف إلى بحث العلاقة بين الديني والسياسي داخل التجربة التاريخية الحضارية؛ سواء تعلق الأمر بتاريخ الغرب الذي تسعف فيه الأمثلة والشواهد، أو تعلق الأمر بتاريخ الإسلام الذي كثيراً ما تخون فيه الوقائع والحوادث منطلق هذا التفكير.
ويقصد الطرح العلماني بهذه المسلمة التاريخية إلى تبيين تأثير السياسة في الدين، واستغلال السلطة للدين للإجهاز على المجتمع. وتجتهد المقاربة العلمانية في التفصيل في بعض المراحل التاريخية من تاريخ الإسلام؛ لتأكيد هذا المضمون، ويظهر ذلك من خلال تغطية مرحلة الخلافة والخلاف عليها بكتابات كثيرة أغلبها مكرور، أو بالتركيز على سلوكيّات الحكام من بني أميَّة أو بني العباس لإبراز التوظيف السياسي للإسلام.
وهكذا تجد الكتابات العلمانية ضالتها على مستوى الحدث التاريخي من خلال الصراع السياسي على الحكم، أو الممارسة السياسية للحكم التي كانت تتخذ مفاهيم الإسلام أيديولوجية لتصفية خصوم الحكم، أو على الأقل لإعطاء الشرعية لنظام الحكم وسياسته.
فلا غرابة أن نجد معظم الكتابات العلمانية تتحاشى الحديث عن مرحلة النبوة؛ بل تتعمد إضفاء الطابع التربوي والأخلاقي على الرسالة المحمدية بقصد استبعاد كل مفاهيم السياسة والحكم عن هذه التجربة التاريخية.
وحتى إنِ اضطرّت لذلك فإنها تجتهد في تأكيد الطابع التاريخي لهذه المفاهيم، بما يعنيه ذلك من المشروطية بحيثيات الزمان والمكان، واعتبارات تطور الوعي البشري بالقياس إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وهي إذ تفعل ذلك تقرر ضمن مسلماتها أن لا نموذج لنظام حكمٍ يستمد قواعده وآليات اشتغاله من الدين الإسلامي.
\ المسلمة الشرعية:
السجال الفكري والنظري هو الذي يحدد حقول الاستدلال؛ فبينما انطلقت العلمانية ضعيفة التأصيل الفكري إذ بدأت منبهرةً بمنتجات الغرب العمرانية، ثم انتقلت للحديث عن قيم الغرب خاصة منها الحرية والديمقراطية والحداثة وغيرها من المفاهيم، لتصل إلى مقصودها ونظامها المتلخص في فصل الدين عن الدولة؛ كانت تطرح هذا المفهوم بمنطق حجاجي سجالي تستدل أحياناً ببعض الشواهد والاعتبارات فاقدةً كل بُعد نسقي مستمد من عمق فلسفي، وأحياناً كانت تركب لغة النكتة والسخرية بأسلوب متناقض عارٍ من الموضوعية العلمية كما هو الحال عند (فرج فودة) ، وأحياناً كانت تؤسس لمقولاتها من ارتباطها بالعلم والعقلانية قاعدة استدلالها ومناط قوتها.
والواقع، أنَّ كل ذلك لم يقوِّم من منطق حجاجها. لقد كان خصمها يمتح من حقول استدلالية متشعبة بالنص، ومسيَّجة بجملة من المعارف والعلوم التي تدور رحاها حول النظر في النص والاجتهاد فيه.
لقد اضطرت العلمانية أن تجدد منطق حجاجها، فراحت توسع من حقول استدلالها فوجدت نفسها أمام علم القرآن وعلم الأصول.
أما علوم القرآن فبها تثبت تاريخية النص، وأنه يخاطب قوماً معينين في مرحلة زمنية معينة مشروطة بحيثيات الزمن والمكان واعتبارات تطور الوعي البشري بالقياس إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وأما علم الأصول فلإثبات كون مجمل القواعد والضوابط ـ التي تجعل اليوم كآليات للنظر في النص ـ هي ذاتها غير مقدسة؛ وإنما هي اجتهادات لعلماء عاشوا مرحلة تاريخية معينة مشروطة بنفس الحيثيات.
والحاصل من كل ذلك، أن الكتابات العلمانية تريد تحقيق مقصدين:
الأول: أن تقنع المتلقي بكون النص القرآني والحديثي هو نص تاريخي فاقد لعنصر التعدِية التاريخية.
الثانية: مادام كل العلماء اجتهدوا، وأصّلوا الأصول، وقعّدوا القواعد انطلاقاً من نظرهم التاريخي الخاص، فلنا الحق أن ننظر بآلياتنا الخاصة بما يتناسب مع المفاهيم الحديثة خاصة تلك التي لها تعلق بمفهوم التسامح والانفتاح. ولا معنى للانضباط لنفس الآليات والقواعد التاريخية؛ لأن ذلك يعتبر هروباً إلى الماضي ونزوعاً نحو اللاتاريخية والعدمية.
وهكذا تركز بعض الكتابات العلمانية داخل علوم القرآن على مفهومين:
المفهوم الأول:
مفهوم (سبب النزول) لإثبات ارتهان النص للظرف والحدث التاريخي، مبطلة بذلك قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصية السبب) باعتبارها اجتهاداً بشرياً قابلاً للمراجعة والنقد.
المفهوم الثاني:
مفهوم (النسخ) لتؤكد اعتراف القرآن بتاريخية بعض نصوصه التي يتغير حكمها بتغير الحال والزمن والشخص. وإذ تطرح الكتابات العلمانية التغييرات الكبرى في حقل الاجتماع تؤكد من خلال تفحص مفهوم «النسخ» تاريخية النص واستحالة مفهوم التعدية التاريخية التي تعني: قدرة النص على محاورة المعضلات المستجدة في شتى مناشط الحياة.
أما علم الأصول فتجتهد بعض الكتابات العلمانية في بيان محدودية القيام باعتباره آلية الاجتهاد الكبرى التي تربط العلاقة بين النص والواقع. فبعض الكتابات العلمانية تنظر إلى بنية القياس على أنها تتركب من مفهومين: مفهوم اللغة، ومفهوم الإلحاق.
أما ارتهان القياس إلى اللغة فمعناه: أن المشكلة ليست في بُنى الواقع المتحركة، وإنما هي في فهم اللغة ودلالاتها.
وهكذا فعوضنا عن تحليل الظاهرة الاجتماعية وعلاقتها بالحقول الأخرى نناقش دلالة العبارة والإشارة والاقتضاء، ودلالة الدلالة، ومفهوم الموافقة والمخالفة، وغيرها من المفاهيم المستقرة في علم الأصول من مبحث الدلالات.
أما عملية الإلحاق ذاته فتخفي حسب الكتابات العلمانية عيباً خطيراً، ذلك أننا لا نفهم الظاهرة في ذاتها، وإنما بشيء يشابهها ويناظرها. إننا لا نفهم ـ مثلاً ـ المخدرات في ذاتها من خلال دراسة صفاتها الذاتية، وإنما من خلال حيث تشابهها مع الخمر، وتلك معيارية بعيدة عن التعاطي الموضوعي حسب الطرح العلماني.
فإذا اعترض على هذه الكتابات بدعوى وجود نظريات أصولية تعدت مفهوم القياس وتجاوزته بالمفهوم الإيبستمولوجي؛ كما هو الشأن عند (الشاطبي وابن تيمية وابن القيم والعز بن عبد السلام) همشت هذه النظريات، أو تمّ تأويلها وقراءتها بنحو مخل فيه كثير من التكلف. ثم تأتي على موضوع النص والتأويل، وتجعله قاعدة نظرها وانطلاقها.
والحقيقة، إن الكتابات العلمانية لا تعير اهتماماً لمفهوم (التأويل) كما استقر عند علماء التفسير وكما تطور عند علماء الأصول، إنما تمزج بين دلالة التأويل في الحقول الشرعية وبين دلالته في الحقول الأدبية والفلسفية الحديثة، ذلك المزج غير الموضوعي هو الذي يدفع للاعتقاد باختلاف أنظار الناس بخصوص النص. فالنص واحد والتأويلات مختلفة بحسب الشخص وإيديولوجيته وموقعه الطبقي وبحسب الظرف التاريخي.
وحصيلة استدلال العلمانيين أن يحققوا هدفين:
الأول: إن النص متعدد القراءات، والاستناد إليه في حقل السياسة مع أخذ الاعتبار لقدسيته معناه تضارب المطلقات في حقل السياسة النسبي، ذلك التضارب والتناقض الذي يؤسس لمفاهيم الإقصاء والعنف والإرهاب، وهي مفاهيم لا تنتمي إلى حقل السياسة.
الثاني: إن فضاء النص بتنوع دلالاته يتمتع بنوع من الجمالية الأدبية التي تخاطب الجانب الجوابي للإنسان. وتلك وظيفة تتناسب مع طبيعة الدين عند العلمانيين التي لاينبغي أن تتجاوز محاورة الكينونة الذاتية الداخلية للإنسان، والارتقاء بنفسه وقيمه الأخلاقية بعيداً عن أي تدخل في بنى الواقع الموضوعية.
\ المسلمة العلمية:
وملخصها أن العلمانية: هي حركة بعث للعلم وقيم العقل، والدين هو التطور الطبيعي للفكر الخرافي والفكر الأسطوري.
فكلما عجز العقل عن تفسير ظاهرة من ظواهر الطبيعة انبرت الخرافة لتبني سلطتها على العقل، ثم تطورت سلطة الخرافة وأعادت بناء خطابها، فصار الدين هو التركيب الجديد للخرافة، ولا سبيل إلى بناء النهضة الشاملة دون تحرر للعقل ومراجعة لأحكامه وتصوراته وحتى قواعد تفكيره. وهذا طبعاً لا يُتصور من غير إعادة النظر في نظام التفكير السابق القائم على الخرافة والفكر الديني.
ولهذا يتبنى الفكر العلماني النظرة الوضعية التي نظر لها (أوجست كونت) وهو يفصّل في مراحل تطور الفكر الإنساني في تسلسل معرفي يفرض حتمية الانتقال إلى الفكر العقلاني التجريبي ثم الوضعي. إن هذا الطرح يدفعنا لتسجيل جملة من الملاحظات:
الملاحظة الأولى:
إن التحليل الذي يعتبر الدين والفكر الديني هو عبارة عن: مرحلة من مراحل التطور في الوعي البشري يحتاج إلى مراجعة. فقد تكون الخرافة والأسطورة ناتجة عن العجز عن تفسير ظواهر الطبيعة، لكن الشيء المؤكد أن تطبيع العلاقة بين الخرافة والأسطورة والدين فيه كثير من المزايدة والتضليل.
فبالإضافة إلى نفي القداسة عن الدين وإعلان بشرية نصوصه، فالتوجه العلماني يسعى إلى جعل التفكير الديني مجرد مرحلة من مراحل تطور النشاط الذهني للإنسان بما يعني حتمية التحرر من عقاله.
الملاحظة الثانية:
إن الحديث عن تحرير العقل من سلطة التفكير الديني وكون ذلك هو المدخل الطبيعي للنهضة إحالة على التجربة الغربية؛ بل إن مجرد الاستشهاد بنظرية (أوجست كونت) في تطور مراحل التفكير الإنساني هو استنساخ غير واعٍ للتجربة الغربية.
فالصراع المحموم بين التحرر والدين الذي كان واقعاً تاريخياً عاشته الحضارة الغربية في صيرورة تطورها أمر لم يرد في تاريخ حضارتنا الإسلامية.
وهذا يعني أن هذا التوجه يستوحي النموذج الغربي ويحول استنساخه ويؤمن بمركزيته، وهو مانشك في قدرته على أن يشكل نموذجاً كونياً عالمياً.
الملاحظة الثالثة:
إن النقاش العلمي ينبغي أن يفكك بنية التفكير الخرافي وبنية التفكير الديني، وأن يفرق بينهما؛ فإذا كان التفكير الخرافي يستمد مرجعيته خارج العقل، فإن التفكير الديني يستند أساساً على محورَيْ: الغيب والشهادة.
وإذا كانت الشهادة مما يدرك بقواعد العقل والحس فلا علاقة للغيب بالخرافة. فالغيب هو اللامدرك بالعقل؛ ولكنه ليس خارجاً عن العقل.
إن العقل بمحدوديته لا يستطيع إدراكه بخلاف الخرافة فهي مما يرفضه العقل؛ لأنه يتناقض مع أصوله وقواعده.
أما الغيب فهو فوق العقل وليس خارجاً عنه؛ فإذا كانت بعض المعارف التي تنتمي إلى عالم الشهادة لا تدرك بالعقل لعجزه عن إدراك كنهها وكيفية اشتغالها؛ فهو محدود بالنظر إلى عالم الغيب، ثم إن مجال انسياب الغيب هو العقائد واليقينيات التي تحتاج إلى التصديق، فلا تجد الغيب ينصرف إلى عالم العادات والشرائع التي تخضع لقانونية وسننية يضبط العقل إيقاعها، بل إن معقد الغيب هو إيضاح أصول العقائد واليقينيات التي يعجز العقل والتقدير فيها فضلاً عن الإتيان بحقائق نسبية حولها.
الملاحظة الرابعة:
إن التحرر الأوروبي كان ناتجاً عن ثورة اجتماعية، وهذه الثورة كيفما كان لونها ومرجعيتها هي التي أسهمت في هذه الانطلاقة.
وفي حضارتنا الإسلامية لا يتصور انطلاق لثورة محركة لكل شرائح المجتمع دون أن يكون الدين ناظمها، وهذا ما يعطي للدين ذلك المضمون الثوري باعتبار الارتباط الجذري بين قيمه وتطلعات الجماهير.
وبعد فهذه بعض الملاحظات نسجلها على التوجه العلماني، والقصد الكشف أولاً عن ثوابت في بنية التفكير العلماني، ثم إدارة حوار هادئ يأتي على كل الموضوعات، ويناقش فصولاً في المنهج، ويبسط بعض المآخذ والانتقادات حتى نسهم بقدر من الأقدار في تجميع شتات الفكر العلماني الذي إلى هذا الوقت لم يستطع أن ينظم موضوعاته، ولا أن يحسم في منهج بسطه لتصوراته ومقولاته.
стр. 5745
منتدى القراء
فلسطين السليبة ودورنا المنشود
إن فلسطين الحبيبة مسرى رسولنا محمد ﷺ وقبلتنا الأولى لها من المكانة في قلوبنا ما الله به عليم، وإنه ليعتصر قلوبنا الألم ونحن نرى دولة اليهود المقيتة تسرح وتمرح فيها بدون رقيب أو حسيب. إنه لخزي وعار على كل مسلم أن يفعل اليهود في إخواننا أهل فلسطين الويلات والقتل والتدمير وهو سارح في لهوه وغيه، ولكن يبقى الأمل المنشود في الله أولاً ثم في أمة الإسلام عالياً وشامخاً أمام كل الصعاب والمؤامرات على وأد تلك القضية من قلوب المسلمين.
نملك من الطاقات والقدرات الشيء العظيم التي تتمحور أهم مرتكزاتها في أمور عدة، والكلام يطول فيها ويزيد، واختصارها ـ فيما أراه ـ فيما يلي:
- الدور الفردي:
يستلزم أن يعيش كل فرد بمشاعره وأحاسيسه تلك القضية؛ فهذا الإحساس بالمسؤولية هو نقطة رسم خط النصر، وقد تطول الفترة الزمنية لتحقيق ذلك أو تقصر، فذلك كله بيد الله .
- الدور الأسري:
إن للأسرة دوراً عظيماً إذا فُعِّلَ، حيث إنها منطلق نشأة فكر الأبناء وتوجههم في المستقبل، فعلى كل رب أسرة أن يزرع في نفوس أبنائه وأسرته حب فلسطين والتعريف بقضيتها، وعليه أن يبذل ما يستطيع من أجل أن يوصل رسالته إلى عقول أبنائه حتى يعوها ويفهموها.
- الدور الإعلامي:
مما يدمي القلب أنك تجد الوسائل الإعلامية للدول الإسلامية تستقي أخبارها الإعلامية من قنوات أخرى، كـ: (إنترفاكس) الروسية، والـ (بي بي سي) البريطانية، و (CNN) الأمريكية وغيرها التي تدور في فلك بني صهيون. وتلك القنوات تركز على الجانب السلبي من جهة الفلسطينيين، حتى ترسم صورة سيئة لدى متابعيهم من المسلمين مع الزمن.
والجانب الإعلامي في زمننا الحاضر يمثل قوة هائلة لا يستهان بها، فبه تبدأ الحروب، وفي خضمِّه تدور، وبه تختتم.
- الدور السياسي:
إن الساسة المسلمين تعلق عليهم الآمال وينظر إليهم بأنهم محرّكو دفة سفينة الأمة؛ فعليهم أن يعوا الدور المناط بهم، وأن يكونوا مبادرين لا انهزاميين، وأن يتعاملوا مع ما بأيديهم من قضايا أو ما يستحدث منها بروح الفأل وبنفسيات ومعنويات عالية حتى يضعوا النقاط على الحروف بوضع إيجابي لا منكسر وانهزامي.
سعد عبد الله عثمان
توسع الاجتهاد في الأحداث
لربما كان مدار الخلاف في العمل الاجتهادي هو درء المفسدة أو جلب المصلحة، فيقرر هذا أن المصلحة موجبة لكذا؛ مع أن المصلحة قد لا يقررها بعيد أو حتى قريب جاهل بالوضع لا بالأصل، فمن زعم أن من يقرر المصلحة هم العلماء قيل له: وأي علماء تقصد؟ فعندنا من العلماء من قرر المصلحة، فيضرب خبره بعضه ببعض لتلقينه هذه الكلمة التي لا يعي معناها ولا يعرف إلى أي شيء توصل، ثم يعود فيحصر هذه المصالح وهذه المفاسد على جهة معينة ويكون تبيينها وتبنّيها حكراً عليهم، فيكون انفكاك بين جهات القول وجهات العمل، مما يجعل الثقة تزول من كلا الطرفين. فحين يعلم الشخص أن مصلحته المزعومة إنما هي مفسدة تكاد تكون بحتة فيُترحم بتلك على أسس قد أصيبت. وليس الذي تأثر فقط الأمر الاجتهادي فيرى تراشق بالتهم بدل العمل التعاوني الجماعي، ويكون الاستدلال بالمصلحة أبغض ما يبغضه العامل بسبب تلك التُّكَأة التي يتكئ عليها أصحاب الظواهر الصوتية في نظره، وتكون المفسدة التي كان يتكلم عنها هي محل المفاخر فيتمسك بها؛ كل ذلك ردة فعل ممن يجهل حقيقة الأحكام الأصولية على من يجهل تطبيقها.
من أجل ذلك كانت كلمة «المصلحة كذا» من أصعب الأحكام، فيقع الشخص الجاهل حين يعجز عن بعض الجمع ولا يكل أمره لغيره في تعارض، وعلى مثل هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا باب التعارض باب واسع جداً لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات ووقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجِّحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون إلى الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة أو المضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم على العمل بالحسنات وترك السيئات؛ لكون الأهواء قارنت الآراء، ولهذا جاء الحديث: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» ا. هـ. وكذلك ربما بنى الشخص مصلحته على أن هذه المرحلة شبيهة بالمرحلة المكية، والآخر يرى شبهها بالمرحلة المدنية، فيريد صاحب إحدى المرحلتين أن يبين ما عنده بإجبار الآخر على الأخذ برأيه، وإلا كان ليس عدواً فقط، بل ربما كان مظاهراً للمجرمين عليه، ضارباً بكل ما يصله به من الأخوة الإسلامية ـ فضلاً عن العمل الإسلامي ـ عرض الحائط، متخلياً عن كل سبب بينه وبين أخيه.
عبد العزيز المشعلي
أهلاً رمضان
أخي الحبيب! أختي الكريمة!
ـ تعالا معي لنرسم لوحة جديدة في الفضاء، ونتوّجها بألوان من الورود الحمراء، وننثرها بين يدي كل تائب وتائبة جعلا من رمضان سابقة للعود الحميد، وأملاً في الفوز برضى الرحمن.
ـ تعالا معي لنجدد العهد مع القرآن، الذي طالما هجرناه؛ لنترنّم بآياته ونتدبر معانيه، ليكن أنيسنا في الدنيا وأنيسنا في القبر وقائدنا إلى الجنان.
ـ تعالا معي لننفق من أوقاتنا ساعات نقضيها في بر الوالدين، وساعات نحث فيها الخطى لمساعدة الفقراء، وساعات نتصدق بها على أنفسنا بركعات في جوف الليل ودعوات ترفع إلى السماء.
ـ تعالا معي لنرسل الدمع مدراراً، ونطرب القلب أشجاناً مع الحور العين.
قال صاحبي: بينما أترنم مع آي القرآن في إحدى العشر الليالي الأخيرة من رمضان إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بالحوراء قد ركلتني برجلها وقالت: أترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور في خيام اللؤلؤ؟!
فقمت فزعاً وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي!
آه! أين الخطّاب؟ أين العشاق؟ أين المهر الذي يُنال به هذا النعيم؟
إنه التوبة، إنه الإقبال على الله، صلاة في جوف الليل، وقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار.
عبد الكريم عبد العزيز القصير
الإعراض عن ذكر الله وآثاره السيئة
الإعراض في القرآن لفت الوجه عن الشيء؛ لأنه مشتق من العارض وهو صفحة الخد؛ لأن الكاره للشيء يصرف عنه وجهه، وقد لا يكرهه، وإنما يصرف وجهه عنه لأمر ما، ويعرضُ عنه إعراضَ من لا يحتاج إليه، وهذا هو المقصود هنا.
ولقد وصف الله المعرضين عن ذكره بأوصاف ثلاثة:
الوصف الأول: الإعراض عن الذِّكر وعدم الالتفات إليه، والاستغناء عنه، والإعراض عنه إعراض من لا يحتاج إليه.
الوصف الثاني: التكذيب، أعقبَ الإعراضَ التكذيبُ، وهو أزيدُ من الإعراض، إذ المُعرض قد يكونُ غافلاً عن الشيء بدون تكذيب ولا جحود ولا استهزاء، وهذه الرتبة الثانية.
الوصف الثالث: الاستهزاء والسخرية، فأعقب التكذيبَ الاستهزاءُ، وهو أزيدُ من التكذيب، لأن المكذّبَ بالشيء قد لا يبلغ تكذيبُه به إلى حدّ الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحدّ فقد بلغ الغاية القصوى في الإنكار.
وهذه الأوصاف الثلاثة تُستفاد من صريح الآية الكريمة: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: ٤ - ٥] .
وقد توعّد الله بالوزر العظيم من أعرض عن ذكره فقال: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١] .
وينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمل فيه.
عواقب الإعراض عن ذكر الله:
ذكر القرآن عواقب شديدة ونتائج سيئة لمن أعرض عن ذكر الله ـ تعالى ـ ولم يلتفت إليه.
الأولى: جعل الله قِلّةَ الذكر من أوصاف المنافقين: ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢] .
وجعل عدم الذكر من أوصاف الكافرين، فلشدّة إعراضهم عن الذّكر إذا ذُكِّرُوا لا يحصلُ فيهم أثرُ تذكُّر ما يُذكَّرونَ به، قال الله فيهم: ﴿وَإذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] .
الثانية: لا أحدَ أظلم لنفسه من المعرض عن ذكر الله، حيث ذُكّر بآيات الله فأعرض عنها، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧] .
الثالثة: ومن النتائج السيئة والعواقب الوخيمة ما قاله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإن تَدْعُهُمْ إلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إذًا أَبَدً﴾ [الكهف: ٥٧] .
الرابعة: توعد الله بالانتقام من المعرضين عن ذكره، وقد سمّاهم مجرمين، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] .
الخامسة: توعد الله بالويل والهلاك لمن قسا قلبه، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] .
السادسة: يحمل المعرض عن ذكر الله يوم القيامة وزراً عظيماً من الذنوب، قال ـ تعالى ـ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١] .
السابعة: النّاسِي لذكر الله هو من حزب الشيطان، قال ـ تعالى ـ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] .
الثامنة: يُعذب الله المعرض عن ذكره يوم القيامة عذاباً شديداً، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] .
التاسعة: يعيش المعرض عن ذكر الله عيشة قاسية، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] .
العاشرة: الخسران المبين، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] .
الحادية عشرة: تَهْيئَةُ شياطين الإنس والجن لمن يتعامى عن ذكر الله، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧] .
أحمد شرشال
حرية الصحافة في أبجديات بني صهيون!!
لقد تَحولت حُرية الصحافة إلى كنز مَفقود للصحفي الفلسطيني الممنوع من الحركة والوصول إلى أماكن الحدث في وَطنه المغتصب، هذا الصحفي مُعرَّض في كُل لحظة إلى الضرب والاعتقال وانتهاكات حُرية التعبير فضلاً عن حَملات التحريض والتشويه للأحداث والحقائق من قِبَل العدو الصهيوني المجرم، كل هذا بهدف إخراس الصحافة الفلسطينية ومنعها من نقل أخبار جرائم وفظائع الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
إن حرية الكلمة والتعبير في فلسطين مغتصبة كما هي فلسطين مُغتصبة، وربما تعجز كلماتنا وتقف عن التعبير عن تقديرنا العالي لما يَبذله الصحفي الفلسطيني في التعبير عن قضيته ونضال شعبه الكبير، وعندما نسمع عن اعتداء على صحفي وانتهاك لحرمته وحرمة قلمه نُصاب بالذهول من شدة الحدث وندخل في حالة صمت رهيب، رُبما لأن الموقف عندها يصبح أكثر من كلمة، ورُبما لأن الكلمة عندها تذوب في طوفان الذهول، فنَعجز عن استيعاب الأمور والتفكير في إحداثياتها، ونرفض ونرفع صوتنا عالياً: «نعم لحرية الصحافة في فلسطين» .
غسان مصطفى الشامي
ghasanp@hotmail.com
الإعلام الإسلامي
يعتبر الدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية واجباً على كل مسلم ومسلمة. والدفاع عن الإسلام والمسلمين يجب أن يكون بشتى الطرق والمجالات.
فمن الممكن أن ندافع عن الإسلام باستخدام وسائل الإعلام، وذلك عن طريق:
أولاً: العمل على إيجاد جيل مسلم واعٍ قادر على تحمل المسؤولية، جيل لو خُيّر بين أن يُلقى في النار أو أن يتنازل عن دينه لاختار الخيار الأول على أن يتنازل عن دينه وإيمانه.
ثانياً: وضع خطط وبرامج لبيان حقيقة الإسلام السليم، وإبعاد كافة الشبهات التي يضعها الغرب حوله؛ وذلك باستغلال نقاط القوة وإيجابيات الإعلام الإسلامي وإبراز الإسلام بنظامه الشامل الكامل، والوقوف على نقاط الضعف في الإعلام الغربي وإظهار سلبياته.
ثالثاً: الاتصال والتواصل (وجهاً لوجه) بين المسلمين وغيرهم من غير المسلمين في المؤتمرات العالمية والندوات والجلسات الحوارية والنقاشية، ومن خلال الصحيفة والمجلة والأجهزة المرئية والشبكة العنكبوتية؛ لنستطيع أن نبث وننقل للعالم أخبار الأمة الإسلامية الصحيحة بموضوعية ونزاهة وحيادية تامة، إضافة إلى تقديم حلول لمشاكل وهموم المجتمع الإسلامي من وجهة نظر إسلامية.
رابعاً: الوحدة تحت راية واحدة وشعار متميز وهو رفع راية الإسلام خفاقة عالية في السماء. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
وأخيراً؛ فإن مشهد الإعلام الإسلامي الحالي يعطي المرء قدراً من الأمل لما يراه من انتشار قنوات إسلامية هادفة ترقى بالفرد المسلم، وتقدم كل ما يهم الأمة الإسلامية على الرغم من قلة عددها مقارنة بقنوات الترفيه التي كثر عددها وقلَّت فائدتها.
إنشاد جوهر
стр. 5746
التلازم بين الديمقراطية والرفاهية
د. عبد الحميد الدخاخني
كثيراً ما سمعت حوارات بين مثقفين وأنصاف مثقفين وبسطاء ... مليئة بالوصفات السحرية لحلِّ المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا المسكينة، هذه الحلول مثل حلول (جنرالات المقاهي) الذين يخوضون في كل شيء؛ من السياسة إلى الدِّين إلى الطب. ولكن من أكثر ما سمعت في الآونة الأخيرة كان الحديث عن الديمقراطية باعتبارها العلاج الناجع لكل أمراضنا المزمنة، وهي النهاية الحاسمة لاستبداد المستبدين، والأهم من كل ذلك أنها هي التي ستنهي فقر بلادنا ومعاناتنا؛ حيث ستنهمر الخيرات على البلاد والعباد بمجرًّد تناول الوصفة السحرية.
ذهب أحد محافظي مصر المشهورين إلى النمسا في زيارة، ولما سأل عن سرِّ نظافة البلاد، أخبروه بنظامهم، ومن ضمنه الأكياس السوداء لجمع القمامة، فتركَّز نظر الرجل على فكرة الأكياس السوداء، فلما عاد سرعان ما طلب تطبيقها في مصر المحروسة، وكالعادة ـ فالباشا دائماً على حق ـ تمَّ تعميم هذا الأمر، وكالعادة ـ أيضاً ـ ازدادت المشكلة؛ فهناك جيش من جامعي هذه الأكياس لإعادة تدويرها، حيث يفرغون محتوياتها في الشارع ويمضون بالأكياس سعداء، وهناك جيوش من القطط والكلاب الضالّة تبحث عن أقواتها في هذه الأكياس دون أن تعبأ بالأنظمة السخيفة التي اخترعها البشر دون مشورتها، وهناك الكثير من أفراد الشعب يستمتع بصوت رمي القمامة من الشبابيك، خاصة في أنصاف الليالي، ونسي المحافظ المسكين كل هذه الفروق بين التجربة التي رآها وانبهر بها، وبين البيئة التي يحكمها وهو مسؤول عنها، فكانت الكارثة.
عندما كتب «فوكوياما» أحد المفكرين الأمريكيين نظرية (نهاية التاريخ) كان ظنُّه أن الغلبة ستكون للديمقراطية والقيم الغربية، وأن الحضارة الغربية ستعمُّ كل الدنيا، ومن سيعترضها سيُسحق أو يذوب في ثناياها. بعد عدة سنوات تراجع الرجل عما ظنَّه نهاية للتاريخ، وكان عنده من الشجاعة ما يعلن به تراجعه.
المشكلة عندنا أن أنصاف المثقفين الذين يجترّون ما يلقه الغرب في أفواههم دون أن يميزوا ما ينفعهم مما يضرهم أو ما يصلح لمجتمعاتهم مما يتنافى معها.. هؤلاء لا يتراجعون أبداً عما تعلَّموه من السادة ذوي الشُّعور الشقراء والعيون الزرقاء. تلقَّفوا منهم أن الديمقراطية هي الحل الشامل لكل المشكلات، ونسوا أن هناك بلاداً عريقة في تطبيق الديمقراطية ومع ذلك هي إحدى أبشع أمثلة الفقر على كوكبنا، مثل: الهند، التي يزيد عدد الفقراء من سكانها على (٨٠%) .
ونسوا أن هناك أنظمة طالما وصفها الغرب بالدكتاتورية وإهدار حقوق الإنسان وهي تحقق معدلاً من التنمية كثيراً ما فاق (٨%) سنوياً، مثل: الصين، وبدأت الصين تدخل الآن في حالة من الرفاهية تختلف تماماً عما كان الحال عليه قبل عشرين بل قبل عشر سنوات فقط.
بدأت الديمقراطية في الغرب منذ القِدَم عبر التجربة اليونانية؛ حيث كان الناس (وهم الأحرار اليونانيون من الذكور فقط) يجتمعون للتشاور وتقرير أمور المدينة، ثم انتهت بسرعة مع تكوين الدول المركزية واتِّساع حدود الإمارات اليونانية، ثم جاءت بعدها الدولة الرومانية بقناصلها المنتخبين من الشعب، وسرعان ما تحوَّلت إلى إمبراطورية على يد أوكتافيان (أغسطس) ابن قيصر بالتبنِّي. ثم غابت هذه الديمقراطية عن الغرب حتى جاءت على استحياء في بريطانيا أولاً، ثم فرنسا بالثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م، وانتشرت منها إلى كل أوروبا نظرياً؛ أما عملياً فقد جاء نابليون قائداً للجمهورية وانتهى إمبراطوراً منفياً.
أما في معظم البلدان الإسلامية فلا الديمقراطية تملأ سياساتنا ولا الرأسمالية يمكن تطبيقها في مجتمعات إسلامية ذات قيم ومواريث وأخلاقيات تضبط جنوح الأفكار البعيدة عن الدِّين والحضارة الإسلامية.
ثم هل الرفاهية هي المطلب الأول أو الأوحد للمسلم؟
هل حقّقت الرفاهية الأوروبية السعادة لرجل الشارع العادي الذي يخاف النزول إلى الشارع بعد الثامنة مساءً؟
هل حقّقت الرفاهية السعادة عند تفسُّخ المجتمعات وانهيارها؟
ألا يجدر بنا مراجعة أولوياتنا بدلاً من الجري وراء السَّراب.. أو دخول جحر الضبِّ خلف من دخلوا واختنقوا وهلكوا؟
стр. 5747
٢٣٠ - شوال - ١٤٢٧ ه ـ
(السنة: ٢١)
стр. 5748
لغة الهزيمة
لغة الهزيمة لغة وضيعة تسقط فيها كل ألوان العزة والكرامة..!
لغة الهزيمة لغة تافهة، مقيَّدة بإسار التبعية، لا تجيد إلا المحاكاة والتقليد الأعمى.
إنها آية من آيات السقوط الفكري والإنساني، تتقاصر بكل مهانة عند مخاطبة من يسمونهم بالآخَر، وتتعالى بكل قسوة على الأهل والأصحاب؛ فعقدة تحقير الذات تحاصرها من كل زاوية.
خبرنا هذه اللغة ردحاً طويلاً من زمن العنتريات العروبية الثورية، وها نحن نجني ثمراتها في الخطاب الليبرالي المتزين بقبعة الغرب.
خبرنا هذه اللغة؛ فهي ليست جديدة علينا، لكن المؤسف حقاً أن بعض معالم ذلك الخطاب المنهزم بدأ يتسلل أحياناً إلى بعض روّاد الخطاب الإسلامي، ممَّن كان ينبغي أن تكون العزة شعاره والأنفة دثاره؛ فصار بعض خطابه واهن القوى، منخفض الصوت، يسري على استحياء..!
وحسبنا ها هنا أن نذكِّر ببعض الأمثلة:
فبعد الهبَّة الشعبية لنصرة النبي الخاتم ﷺ ، وبعد أزمة الرسوم الدانمركية، ظهرت عند بعض المفكرين والدعاة لغة اعتذارية باردة لا يخفى ضعفها، بل لا يخفى انحرافها؛ فنحن نحب السلام، ونحترم جميع الأديان وندعو إلى التعايش، ولا نستعدي الآخرين، ولا ندفع العالم إلى الصراع الحضاري؛ فلماذا تستفزون شعوبنا..؟!
وعندما تجرأ بابا الفاتيكان وانتقد الإسلام، وعرَّض بالنبي ﷺ ، بادر بعضهم للمطالبة بالهدوء وعدم التشنج، ودعا إلى الحوار والاعتراف بالآخر، وأنه لا سبيل لإطفاء التطرف من الطرفين إلا بالتقارب بين العقلاء، بل نهى بعضهم عن تكفير النصارى، وعدّ ذلك من الإقصاء الذي لا ينبغي ذكره في هذه المرحلة..!
وعندما زعم البابا أنَّ الإسلام انتشر بحدِّ السيف، بادر بعضهم إلى نفي التهمة، وأنكر جهاد الطلب، وقصر الجهاد في الإسلام على جهاد الدفع فحسب.
وعندما دخل بعض الإسلاميين حلبة المعترك السياسي شن العلمانيون هجوماً شرساً على المشروع الإسلامي وما أسموه بـ (الدولة الثيوقراطية) فلم يجد بعض هؤلاء إلا المناداة بالدولة المدنية، ونحو ذلك من الشعارات الانهزامية..!
إنَّ هذه الانهزامية ترسِّخ نمطاً من أنماط التبعية التي همها إرضاء الناس، ولا تلتفت كثيراً إلى رضا الخالق .
صحيح أن زمن الاستضعاف له فقهه وأولوياته، لكن لم يقل أحد من أئمة العلم أن تحريف الدين أو التنازل عن بعض أصوله وأحكامه من الفقه في شيء؛ فمن لم يستطع أن يقول الحق، فلا يجوز له أن يقول الباطل.
стр. 5749
وما تخفي صدورهم أكبر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وصحابته ومن والاه. أما بعد:
فإن كتاب الله ـ تعالى ـ فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا، هو الجد ليس بالهزل، من أنزله من نفسه هذه المنزلة نفعه الله بما فيه، وسعد به في الدنيا والآخرة، وعرف صديقه من عدوه، وتمكن من إفساد مخططات الأعداء بمجرد متابعته حتى ولو لم يعلم بهذه المخططات، وقد أظهر الله ـ تعالى ـ في كتابه كثيراً مما يريده بنا أعداؤنا من أهل الكتاب، حتى لقد بدت البغضاء من أفواههم. لكن رغم كثرة هذه الظاهرة؛ فما تخفي صدورهم أكبر. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ثم يعقب القرآن على تلك الحقيقة الثابتة في عداوة أهل الكتاب للمسلمين: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] فتبين أن الذين يتبين لهم عداوة الكفار للمسلمين هم الذين يعقلون، وأن من غابت عنهم هذه الحقيقة فهم من ناقصي العقل. يقول ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: قال ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، أي: قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل؛ ولهذا قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] (١) ؛ وقال القرطبي: قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم.
وقد ظهرت في هذه الأيام من بعض المسلمين اتجاهات تحاول تبرئة الكفار أعداء الله ورسوله من كل هذه الأمور التي أثبتها القرآن لهم، فزعموا أن هذه الأحكام كانت في أول الأمر حين كانت العلاقة بين الإسلام وبين مخالفيه متوترة، ولكن بعد استقرار الأوضاع عادت العلاقات بين المسلمين وبين مخالفيهم من أهل الكتاب إلى مجراها الطبيعي من حيث التعاون من خلال التعددية التي هم عليها، فكانت هذه الاختلافات مدعاة للتعاون والتكامل وليس التناحر والتطاحن.
فها هم يقفزون على كل النصوص الشرعية وكل حقائق التاريخ، في سبيل ترويج هذه الفِرية، لكنَّ الله ـ تعالى ـ يأبى إلا أن يكشف خَطَلَهم وخللهم من خلال الوقائع التي لا يماري في دلالتها إلا الذين لا يعقلون، فقال ـ تعالى ـ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] . فالله ـ تعالى ـ يُري الناس من الدلالات والعلامات التي يتبين بها أن ما أخبر به ـ سبحانه ـ حق وصدق لا يتخلف؛ لأنه كلامُ مَنْ هو بكل شيء عليم.
قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ أي: سنظهر لهم دلالاتنا وحُجّجنا على كون القرآن حقاً منزلاً من عند الله على رسوله ﷺ بدلائل خارجية ﴿فِي الآفَاقِ﴾ من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان» (١) .
وقد تواتر من العلامات والدلالات على مدار التاريخ ما يبين أن ما أخبر الله ـ تعالى ـ به في هذه القضية هو الحق؛ فهناك الحملات الصليبية التي استمرت قرنين من الزمان، حاول فيها أهل الكتاب النيْل من الإسلام؛ لكنها بفضل الله اندحرت بعد طول مواجهات، ثم جاءت فترة الاحتلال العسكري تحت مسمى (الاستعمار) والتي ظلت ما يقرب من قرنين من الزمان، ولم تتوقف في تلك الفترة الحملات التنصيرية على المسلمين، حتى إن جهدهم في تنصير المسلمين وإخراجهم من دينهم أكبر من جهدهم في دعوة الوثنيين إلى دينهم، ومع دخول التقنيات الحديثة في وسائل الاتصال لم تنقطع حملاتهم من خلال الطعن في الإسلام وفي رسول الله ﷺ ؛ فها هي القنوات التنصيرية الموجهة إلى المستمع المسلم، ثم ها هي عمليات الغزو والاحتلال لبلاد المسلمين، التي لم يخجل من يقوم بها بتسميتها باسمها الصريح وهو (الحرب الصليبية) وإن كان هناك من بني جلدتنا من يحاول أن يُخرِج تلك الألفاظ عن ظاهرها، ثم ها هي الحملات الإعلامية للقدح في رسول الله ﷺ ؛ وما خَبَرُ الصور القبيحة التي رسمتها الصحيفة الدانماركية لرسول الله ﷺ خير الورى، ثم تبعتها فيه كثير من صحف النصارى في سباق محموم، حتى وصل الأمر أن يخرج زعيم النصارى وكبيرهم ورأس المشركين وعابدي الأوثان ليعلن ويصرح بالقدح في الإسلام وفي رسول الله ﷺ .
والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يؤمنون برسول الله ﷺ وأن ما جاء به هو الحق، وان هذه الأقوال الفاسدة التي يتقيؤها كبير النصارى ومن هم على شاكلته لن تؤثر في يقينهم وإيمانهم، وهم لا يحتاجون بعدُ حتى إلى جواب عن تلك الشبهات.
والإسلام لم ينتشر بين الناس بحد السيف كما يروِّج لذلك من يروِّج له، وإنما انتشر بين الناس لما حواه من الحق الذي لا تملك معه النفوس السوية والقلوب السليمة إلا التسليم والإذعان والقبول به عن رضا واختيار، وإلا فليقل لنا هؤلاء: كيف آمن أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ وغيره من سادات المسلمين؟ بل ليقل لنا هؤلاء: كيف آمن النجاشي ملك الحبشة في زمن البعثة، قبل أن يُفرَض الجهاد وهو في بقعة بعيدة من الأرض لا تناله فيها جيوش المسلمين ولا سيوفهم؟ بل كيف آمن عبد الله بن سلام الحِبْر اليهودي مع مقدَم رسول الله ﷺ إلى المدينة بمجرد رؤيته ومعرفته بالعلامات التي دل عليها كتابهم، وغير هؤلاء من كبار القوم الذين دفعهم ما في الإسلام من براهين قطعية على صدق الرسول ﷺ وعلى صواب ما جاء به إلى الإيمان به والدعوة إليه وليكونوا من جنوده الأوفياء؟
إن الإسلام لم تكن منه حرب واحدة من أجل استعباد الناس وسرقة خيراتهم واحتلال بلادهم، وإنما كان الجهاد فيه من أجل إعلاء كلمة الله ـ تعالى ـ ولإخراج الناس من ظلمة الجهالة إلى نور الحق واليقين، وقد تجشم المسلمون في سبيل هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور الكثير من الصعاب؛ فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم!
إن جيوش المسلمين التي كانت تخرج في سبيل الله كانت تخرج لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأنظمة القائمة إلى عدل الإسلام؛ فلم تؤمن بلدة أو محلة وكانت من المسلمين إلا كان لها ما للمسلمين وعليها ما على المسلمين، دون أدنى فرق، بل كان المسلمون يولُّون على أهل الأرض المفتوحة أمراءهم الذين كانوا عليهم قبل دخول الإسلام، فلم يكن جهاد المسلمين لاستعباد الناس أو العلو بالباطل عليهم أو سرقة خيرات بلادهم. أخرج البخاري في صحيحه أن مَيْمُونَ ابْنَ سِيَاهٍ سأل أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: «يَا أَبَا حَمْزَةَ! مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ» .
ليقل لنا كبير النصارى ومن سار على طريقه: أي معركة قام بها أتباعه من أجل إقامة حق أو دفع باطل؟ وليقل لنا: ما المسوِّغ الذي استباحت فيه النصرانية قتل مئات الآلاف من اليابانيين بالأسلحة التي يسعون لحرمان مخالفيهم منها؟ وما المسوغ الذي استباحت به النصرانية قتل الهنود الحمر أصحاب البلاد الأصليين والاستيلاء على بلادهم وديارهم وأراضيهم وسلخهم كما تسلخ الشاة وهم أحياء؟ بل ما المسوغ الذي استباحت به النصرانية طرد شعب فلسطين من أرضه وإعطاء دُورهم وبلادهم لليهود ومعاونتهم بكل سبيل على التمكن من الأرض المسروقة، حتى يندر أن يمر يوم لا يقتل اليهود فيه فلسطينياً أو جماعة من الفلسطينيين؟ بل ما المسوغ الذي استباحت به النصرانية الهجوم على البلاد الأفريقية واختطاف أهلها منها وجلبهم إلى بلاد النصارى وبيعهم في أسواق النخاسة كما تباع الماشية ليكونوا لهم عبيداً؟
والإسلام كان وما زال دعوة إلى الخير والبعد عن الشر. يقول الرسول ﷺ فيما يتكلم به عن الله ـ تعالى ـ: «والشر ليس إليك» فأقوال ربنا وأفعاله وما شرعه للناس ليس فيه شر، بل فيه الخير كل الخير ولكن أكثر الناس لا يعلمون. لكن ليقل لنا كبير النصارى المشرك عابد الأوثان: هل هناك شر أكثر من عقيدة تزعم أن الله ـ تعالى عما يقولون ـ قتل ابنه لكي يخلص الناس من الخطيئة؟ فأي رحمة أو خير فيمن يقتل ابنه ليخلص غيره من الخطايا والذنوب والآثام؟ وإذا كان إلههم عندهم على كل شيء قدير؛ فما الذي أحوجه إلى التضحية بابنه لتكفير الخطايا؟ ألا يستطيع ربهم وإلههم أن يكفِّر خطاياهم بغير هذا الطريق الدموي، الذي يدل على أن دين هؤلاء قائم على سفك الدماء بالذرائع الكاذبة، وهو ما يثبته الواقع في تعاملهم مع مخالفيهم حتى من بني ملتهم؟
لكننا نعود ونقول: ما الذي جرأ هذا المشرك الضال عابد الأوثان على إظهار الطعن في دين الإسلام ورسول رب العالمين؟
قد لا يكون مستغرباً أن يكفر أهل الكتاب بالإسلام رغم ما في كتبهم من البشارة برسولَ الله ﷺ ، قد لا يكون مستغرباًً أن لا يحب أهل الكتاب رسول الله ﷺ ، قد لا يكون مستغربا أن يكره أهل الكتاب دين الإسلام، وأن يحقدوا على رسول الله ﷺ الذي أبان شركهم وضلالهم وانغماسهم في ظلمات الجهل، والذي أخرج بالحق الأبلج الذي جاء به من ربه كثيراً من النصارى من ديانتهم الباطلة إلى دين الحق، والذي أزال ملكهم عن كثير من البلدان والممالك التي تسلطوا عليها ظلماً وقهراً، والذي ما زال حتى الآن - رغم ضعف أتباعه - يُخرج كثيراً من نوابغ العلماء منهم ومن غيرهم بالحق الذي احتواه ـ يخرجهم من كفرهم وضلالهم إلى توحيد الله ونفي الشريك والصاحبة والولد، الذي تثبته ديانة النصارى.
لكن لماذا تجرأ كبير المشركين في العالم ورأس عابدي الأوثان على إظهار ما بداخلهم من الحقد والغيظ والكره للإسلام، وكانوا من قبلُ يخفون كثيراً منه؟
إن ما حدث لم يكن زلة لسان أو سوء فهم، وإنما هو عن عمد وإصرار، والذي نراه اليوم ما هو إلا جزء من حرب يشنها النصارى في العالم على الإسلام يشارك فيها السياسيون والفنانون والإعلاميون والقساوسة والرهبان، ولسنا في حاجة إلى التذكير بأن أهل العهد إذا كان لهم عهد عند المسلمين فإن عهدهم ينتقض بإظهار الطعن في دين الإسلام ولسنا في حاجة إلى الرد على سخافات هذا الجاهل الكبير؛ فإن كلماته أحقر من أن يتكلف المسلم الرد عليها، بل هو من أوائل من يعلم كذبها وبطلانها.
فهل أظهر كبير المشركين في العالم هذا الطعن؛ لأنه رأى أن حكام المسلمين لا يشغلهم غير الحفاظ على كراسيهم وأنهم حريصون بكل سبيل على التقرب من كبير رعاة البقر، وإظهار المودة له وعدم إغضابه ولو على حساب دينهم وأوطانهم وشعوبهم؟ هل أظهر ذلك؛ لأنه رأى من كثير من علماء الدين التهالك على حطام الدنيا ومتابعة السياسيين في بلادهم وتسويغ كل تصرفاتهم؟ وهل أظهر ذلك؛ لأنه رأى ضعف الشعوب وعدم قدرتها على الاستمرار في عمل يهدد النصارى أو يضيِّق عليهم؟ فهذه المقاطعات الشعبية لا تلبث أن يخمد لهيبها بالالتفاف عليها من قِبَل بعض الناس حتى تصبح المقاطعات غير ذات جدوى. وهل أظهر ذلك؛ لأنهم علموا أن القوة المادية التي تحسم كثيراً من نتائج الحروب صاروا هم صناعَها والمالكين لتقنيتها، وأن المسلمين ليس عندهم من وسائلها إلا ما يشترونه من دول الكفر، وأن الأسلحة التي تشتريها دول المسلمين ليست للدفاع عن العقيدة وإنما للدفاع عن كراسي الحكم المهزوزة في كثير من البلدان؟
إذا كان السبب هو أحد هذه الأسباب المتقدمة أو كلها مجتمعة، أو غير ذلك من الأسباب، فإننا ـ بمجموع الأمة ـ مدعوون بكل قوة إلى الثبات على ديننا والمحافظة عليه والرد على الطاعنين فيه، وتأديبهم التأديب اللائق الموجع الذي يعلمون به أن الطعن في الإسلام ليس مجرد نزهة فكرية. إن طلب الاعتذار ممن يسب ديننا ورسولنا ﷺ في ظل ضعفنا وتخاذلنا عن نصرة ديننا، لا يعدو أن يكون مجرد استعطاف لهم، وهل يكفي في ذلك اعتذار حتى لو فعلوه؟ إن من لا يملك القدرة على العقاب، فكيف يعتذر له اللئام عن خطيئاتهم؟
فهل يعي المسلمون الدرس، ويعرفون حقيقة أعدائهم، أم لا يزال كثير منهم يسبح في أوهام حوارات الأديان والتحالف من أجل مقاومة اللادينية؟
نريد اليوم مشروعاً عملياً قابلاً للتنفيذ والبقاء والتأثير، وليس مجرد هبَّة أو غضبة بحسب الظروف والأحوال، ولا مندوحة عن الوصول إلى ذلك المشروع؛ فهل نتداعى جميعاً من أجل أن يرى هذا المشروع النور، وأن ننصر ديننا وكتابنا فنعمل به ونحكِّم شريعتنا في الدقيق والجليل، ونؤدب كل من تسوِّل له نفسه الضالة المنحرفة عن سبيل الهدى أن يقترب من حياض الإسلام؟ ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] .
стр. 5750
التعاون مع أهل القبلة «الشروط والمحاذير»
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
ظهرتْ في العصر الحاضر مذاهب الإلحاد من شيوعية وبعثية ووجودية وليبرالية ونحوها، فانبعثتْ الصحوة الإسلامية تدافع هذه الأهواء والمقالات، وتدعو الأجيال إلى الانتماء إلى الإسلام والتمسك به، فلقد كان ظهور أولئك الزائغين من أسباب ظهور هذه الصحوة المباركة.
ثم إن هذه الصحوة ازدادت نضجاً وسداداً، فلم تكتفِ بعموم الدعوة إلى الإسلام، بل ضمّنت برامجها وأدبياتها الاعتصام بالسُّنّة، والتمسك بمنهج أهل السُّنّة والجماعة عقيدةً وسلوكاً، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وخلّفت ـ بتداعياتها وآثارها ـ مراجعات وتراجعات، فاختزل بعضهم همّه في الحديث عن مرونة الإسلام وسماحته ويُسْره، وانتكس آخرون فطعنوا في ثوابت الشريعة وشعائرها، وآثر البعضُ الانكفاء فاعتزلوا واقع الناس؛ إذ لم يستبن لهم سبيل التعامل مع تلك المتغيرات والأحداث.
وغابَ في زحمة الوقائع وتراكم النوازل المسلك العدل تجاه تلك القضايا، ومن هذه القضايا: سُبُل التعامل مع أهل القبلة، وحجم التعاون معهم في قضايا مشتركة سواء أكان في مواقف علمية أم عملية.
والناس إزاء هذه القضية على طرفي نقيض؛ فمنهم من ينادي بالاتحاد والالتحام مع أهل القبلة، ويطالب بطرح الفروق ونبذها، والدعوة إلى التقريب مع سائر المنتسبين للإسلام بلا قيد أو شرط، ويقابلهم بعض المتسنّنة الذين لا يقيمون لهذه المسألة اهتماماً، فلم يعنوا بها بحثاً وتقريراً، فضلاً عن تحقيقها وتطبيقها.
ولعل هذه المقالة تكون لبنة في هذا الموضوع الكبير، ونرجو من أرباب الشأن أن يسهموا في هذه القضية.
ـ فنقول ابتداءً: المراد بأهل القبلة: أهل الإسلام ـ وإن كانوا قد تلبّسوا ببدعة أو فجور ـ وهم المذكورون في قوله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمّة الله وذمّة رسوله، فلا تُخْفروا الله في ذمّته» (١) .
وقد يطلق عليهم وصف «الإسلاميين» أو أهل الصلاة، وكما هو ظاهرُ عنوان كتاب أبي الحسن الأشعري: «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» .
ـ يبدو جلياً عناية أهل السُّنّة بالتعاون مع أهل القبلة على البرِّ والتقوى، وموالاتهم والقيام بحقوقهم، وفق ما جاءت به الأدلة الشرعية والمصالح المرعية.
ومن ذلك: صلاة الجمعة والجماعة خلف كل برّ وفاجر من أهل الإسلام؛ فقد قرر أئمة أهل السُّنّة ذلك في عقائدهم، حتى قال سفيان الثوري في عقيدته: «يا شعيب! لا ينفعك حتى ترى الصلاة خلف برٍّ وفاجر» (٢) .
ويقول ابن تيمية: «وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين» (٣) .
كما بيّن أئمة السُّنّة مشروعية الصلاة على من مات من أهل القبلة، فقال قوام السُّنّة أبو القاسم الأصفهاني (ت ٥٣٤ هـ) ، مقرراً لهذه المسألة: «فمن مذهبهم الصلاة على من مات من أهل القبلة» (٤) .
وشملت عقائد أهل السُّنّة مشروعية الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ مع أولي الأمر من المسلمين برّهم وفاجرهم إلى قيام الساعة.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ) : «ومن قول أهل السُّنّة أن الحج والجهاد مع كل برّ أو فاجر من أهل السُّنّة والحق، وقد فرض الله الحج فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وأعلمنا بفضل الجهاد في غير موضع من كتابه، وقد علم أحوال الولاة الذين لا يقوم الحج والجهاد إلا بهم، فلم يشترط ولم يبيّن، وما كان ربك نسياً» (٥) .
ـ وقد حوى تاريخ الإسلام وقائع تحكي تعاوناً بين أهل القبلة ـ سواءً كانوا فجّاراً أو مبتدعة ـ، ومن ذلك: أن يزيد بن معاوية غزا بلاد الروم سنة تسع وأربعين من الهجرة، وبلغ قسطنطينية، وكان معه سادات الصحابة ﵃ كابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي أيوب الأنصاري (٦) .
فلم يكن ظلم يزيد وجوره مانعاً لهؤلاء الصحب الكرام أن يجاهدوا معه ضد الروم النصارى.
ومن جهود أهل القبلة تجاه الكفار والمرتدين ما فعله الخليفة العباسي القادر بالله (ت ٤٢٢ هـ) في سبيل مواجهة المدّ الباطني العبيدي، إذ استفحل نفوذ العبيديين ـ في عصر القادر بالله ـ فنشط دعاتهم في نشر المذهب الباطني، وانتشروا في أطراف البلاد، فاتخذ القادر بالله سنة ٤٠٢ هـ ـ من أجل مواجهة العبيديين ـ محضراً يتضمن الطعن في أنسابهم، ويكشف حقيقة مذهبهم، وأنهم زنادقة كفّار، وخلاصة المحضر أن الفاطميين ملوك مصر، منسوبون إلى (ديصان الخرّمي) ، فليسوا من أهل البيت، وأنهم كفار ملحدون زنادقة، وللإسلام جاحدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبّوا الأنبياء، ولعنوا السلف (٧) .
وقد كُتِب هذا المحضر، وأقرّه جمع من الأشراف والقضاة والفقهاء والعدول.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم» ، إلى أن قال: «وهؤلاء بنو عبيد القداح ما زالت علماء الأمة المأمونون علماً وديناً يقدحون في نسبهم ودينهم..» (٨) .
كما أن جهود الخليفة القادر بالله ـ ضد الباطنية ـ شجعت علماء الإسلام في الرد على الباطنية، فكتب (الباقلاني الأشعري) : «كشف الأسرار وهتك الأستار» وبيّن فيه قبائحهم، كما صنف (علي بن سعيد الاصطخري) ـ أحد شيوخ المعتزلة ـ للقادر بالله كتاب «الرد على الباطنية» فأجرى عليه جراية سنية (٩) .
وبالجملة: فتاريخ الإسلام حافلٌ بجهود متعددة لعلماء الإسلام تجاه النوازل والوقائع المشتركة، مثل: جهاد أهل الإسلام ضد الصليبيين والتتار ونحوهم، والاهتمام بتميّز المجتمع الإسلامي وحفظ خصائصه، وذلك من خلال التحذير من التشبه بالكفار، وإقامة الشروط العُمَرية على أهل الذمّة، ونحوها.
ـ ويمكن في هذا العصر الاجتماع والتعاون مع سائر أهل القبلة؛ فما أكثر القضايا التي هي محل اجتماع واتفاق بين أهل الإسلام، ومن ذلك: مواجهة الطغيان الأمريكي، ومقاومة التغريب والتفلّت الأخلاقي، ومدافعة العلمانية المتمردة، وكذا مدافعة التنصير، والاحتساب على المنظمات والمؤتمرات الدولية في مواقفها العدائية للإسلام، ومناصرة المجاهدين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان.. إلخ.
ـ إنّ إبراز هذه القضايا ـ ونظائرها ـ والقيام بها يحرِّك أهل الإسلام عموماً، ويدفعهم إلى نصرة دين الله ـ تعالى ـ والذبِّ عن شعائر الإسلام، وعندئذ تتسع دائرة الدعوة والإصلاح والتغيير.
كما أنّ تبني تلك القضايا المشتركة يخفف الفرقة والنزاع بين أهل الإسلام، ويحقق الألفة والأخوة الإيمانية.
وقد أشار ابن تيمية إلى ذلك بقوله: «فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع؛ فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم، وألّف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذّبهم الله بأن يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض..» (١) .
لكن التعاون مع أهل القبلة لا يعني أن يتخلّى أهل السُّنّة عن شيء من خصائصهم الاعتقادية والمنهجية، كما لا يعني التهاون في إنكار منكرات المبتدعة ومناصحتهم بالحجة والبرهان، كما أن المنتسبين إلى أهل القبلة ليسوا سواءً؛ فهم متفاوتون في هذا الباب، فمنهم: من لا يرجى نفعه ولا يؤمن أذاه، كالرافضة ـ مثلاً ـ الذين فارقوا أهل الإسلام سواء من جهة التلقي أو الاعتقاد، وقد كانوا مع التتار والصليبيين ضد المسلمين، ولا يزالون مع المستعمر ـ في هذا الزمان ـ ضد أهل الإسلام، فلا سبيل إلى التعاون مع قوم أُشربوا عبادة الأئمة وحبّ «التقيّة» وبُغْض الصحابة ﵃.
ويراعى ـ أيضاً ـ نوعية التعامل وحجم التعاون مع طوائف أهل القبلة، فالقضايا متنوعة، والتعاون يختلف حسب النوازل والأحوال، وتقدير ذلك من أبواب السياسة الشرعية التي تتطلب فقهاً وورعاً من أهل العلم، كما تتطلب تشاوراً بين أهل الرأي حتى يُقدَّر لكل حالة قدرها.
ولا بدّ من استقراء وقائع التاريخ الماضي والحاضر، والاستفادة من التجارب الناجحة والمتعثرة؛ فإذا كان اجتماع أهل القبلة في الردّ على العبيديين، وجهاد الصليبيين ـ زمن صلاح الدين الأيوبي ﵀ من التجارب الرائعة والمفاخر الظاهرة، فإن جهاد أهل السنة ـ ومعهم علماء المالكية في القيروان بالمغرب ـ سنة ٣٣٣هـ مع أبي يزيد الخارجي من التجارب الموجعة؛ فمع أن الخوارج «أصدق الناس وأوفاهم بالعهد» (٢) . إلا أن أبا يزيد الخارجي أظهر الخيانة وغدر بأهل السُّنة، فإن علماء المالكية جاهدوا مع أبي يزيد الخارجي ضد العبيديين باعتبار أن الخوارج من أهل القبلة، وأما العبيديون فكفار مرتدون.. فلما خرج أولئك العلماء مع أبي يزيد الخارجي، وظهرتْ بوادر النصر على العبيديين، قال أبو يزيد لأصحابه: إذا لقيتم القوم فانكشفوا عن علماء القيروان حتى يتمكن أعداؤهم منهم، فَقُتِل جمعٌ كثير من الفقهاء والصالحين، وتغلّب العبيديون (٣) .
وعلينا أن نتفطن إلى أن هذا التعامل والتعاون لا يعني تزكيةً مطلقة لأولئك الإسلاميين، أو تساهلاً في بيان أخطائهم، وأن لا يكون ذلك سبيلاً إلى تسلّطهم على أهل السُّنة أو إظهار بدعتهم بين الناس.
وأخيراً؛ فإن الاجتماع مع أهل القبلة لا يتحقق إلا باتّباع نصوص الوحيين؛ فالمصالح الوطنية أو العرقية وما أشبهها لا تورث اجتماعاً ولا تعاوناً، كما هو مشاهد ومجرّب.
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: «ولست تجد اتفاقاً وائتلافاً إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث، وما يتبع ذلك، ولا تجد افتراقاً واختلافاً إلا عند من ترك ذلك وقدّم غيره عليه، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] ، فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولاً وفعلاً ... » (٤) .
(*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض.
(١) أخرجه البخاري، رقم (٣٩١) .
(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنّة (١٥٤/١) .
(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٥٤٢/٤) .
(٤) الحجة في بيان المحجة (٤٧٧/٢) .
(٥) أصول الدين لابن أبي زمنين، ص (٢٨٨) .
(٦) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، (٣٢/٨) .
(٧) انظر: المنتظم لابن الجوزي، (٨٢/١٥ ـ ٨٣) ، والبداية لابن كثير (٣٤٥/١١) .
(٨) مجموع الفتاوى (١٢٨/٣٥ ـ ١٣١) باختصار.
(٩) انظر: البداية لابن كثير (٣٤٦/١١ ـ ٣٥٢) .
(١) مجموع الفتاوى (٤٤/١٥ ـ ٤٥) .
(٢) مجموع الفتاوى (٤٨٤/٢٨) .
(٣) انظر تفصيل ذلك في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (/٢ ٢٩ ـ ٣١) .
(٤) مجموع الفتاوى (٥٢/٤) .
стр. 5751
تتبع الرخص (التأصيل والواقع)
عبد اللطيف بن عبد الله التويجري
- مدخل:
الناظر في كتب أصول الفقه يجد أنه لا يخلو كتاب أُلِّفَ في هذا الفن قديماً وحديثاً إلا ويوجد به تعريف للرُّخصة الشرعية، ولهذا؛ فقد كثرت تعريفات العلماء لها واختلفت، وأجود هذه التعريفات ـ كما قال الشيخ الشنقيطي (١) ـ تعريف «السبكي» لها بأنها: (الحكم الشرعي الذي غُيّر من صعوبة إلى سهولة لعذر اقتضى ذلك، مع قيام سبب الحكم الأصلي) (٢) .
وهذه الرُّخص التي جاءت بها الشريعة لها أحكامها وشروطها وضوابطها، ولذلك أفرد لها علماء الأصول أبواباً مستقلة في كتبهم تناولت ذلك كله، فإذا أُطلقت الرُّخصة في كلام أهل العلم فإنما يراد بها هذا المفهوم المتقدم، والذي يراد به بمجيء الشريعة بالتخفيف عن المكلّفين، وتسهيل الأحكام وتيسيرها، والسماح بتناول القدر الضروري من المحظورات عند الحاجة، فالذي لا يستطيع ـ مثلاً ـ استعمال الماء لعدم القدرة عليه أُبيح له التيمم، قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] .
وأيضاً؛ فإن حكم أكل الميتة محرَّم بنص القرآن بقوله ـ تعالى ـ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] .
لكن جاءت بعد ذلك الرُّخصة الشرعية المشروطة بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] .
قال ابن قدامة: (فإن قيل: فكيف يسمى أكل الميتة رخصة مع وجوبه في حال الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث إن فيه سعة، إذ لم يكلّفه الله ـ تعالى ـ إهلاك نفسه..) (٣) .
والأمثلة على هذا الباب كثيرة، وهذا كله جاءت به نصوص عديدة من الكتاب والسنة تدل عليه، مثل قوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وبقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
[الحج: ٧٨] .
وبقوله ﷺ : «عليكم برخصة الله الذي رخص لكم..» (٤) .
فدلَّ هذا أن التيسير والتخفيف والترخيص عند المشقة مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، وأصل مقطوع به من أصولها (١) ؛ لتحفظ على الناس ضروراتهم وحاجاتهم.
وبناءً على ورود هذه الآيات والأحاديث في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قرّر أهل العلم قواعد كثيرة في ذلك، منها: (المشقة تجلب التيسير) ، و (الحرج مرفوع) ، و (لا ضرر ولا ضرار) ، و (الضرر يزال) ، و (إذا ضاق الأمر اتّسع) .. إلخ (٢) .
وبعد؛ فإن مفهوم هذه الرُّخص الشرعية، ليس المراد في حديثنا بمسألة تتبُّع الرُّخص، وإنما ذكرنا ذلك لكي لا يلتبس الأمر، فالرُّخص الشرعية لا خلاف في الأخذ بها إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، وسيأتي الإشارة إلى بعض ذلك في حكم الأخذ بالرُّخص، أما مسألة تتبُّع الرُّخص بأخذ الأسهل من الأقوال في مسائل الخلاف فهي مدار بحثنا وحديثنا، وسيأتي بيان ذلك في العناصر القادمة بإذن الله تعالى.
- ثانياً: تعريف تتبُّع الرُّخص:
وردت عدة تعريفات في معنى تتبُّع الرُّخص، فمنها: ما عرَّفه «الزركشي» بأنه: (اختيار المرء من كل مذهب ما هو الأهون عليه..) (٣) . وعرَّفه «الجلال المحلي» بقوله: (أن يأخذ من كل مذهب ما هو الأهون فيما يقع من المسائل) (٤) ، وهذه المعاني هي المعنية بهذا البحث، فالمقصود هو تتبُّع رخص العلماء باتِّباع الأسهل من أقوالهم في المسائل العلمية، بحيث لا يكون اتِّباع المكلف لهذه الرُّخص بدافع قوة الدليل وسطوع البراهين، بل الرغبة في اتِّباع الأيسر والأخف، سواء كان ذلك بهوى في النفس أو بقصد التشهي أو الجهل أو لأسباب أخرى سيأتي بيانها في العناصر التالية.
- ثالثاً: بين التلفيق وتتبُّع الرُّخص:
لمسألة التلفيق (٥) علاقة وثيقة بتتبُّع الرُّخص، ولذا فإنه يحسن أن نقف عندها، ونبين الفرق بين التلفيق وبين تتبُّع الرُّخص.
فالمقصود بالتلفيق عند العلماء هو: الإتيان بكيفية لا يقول بها مجتهد، وذلك بأن يلفِّق في قضية واحدة بين قولين أو أكثر يتولّد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها أحد (٦) .
وقد اختلف العلماء في حكمه: فمنهم من منعه مطلقاً، ومنهم من أجازه مطلقاً، والصحيح ـ والله تعالى أعلم ـ التفصيل في ذلك، وهذا هو الذي أقرَّه مجمع الفقه الإسلامي (٧) ، وهو جواز التلفيق إلا أنه يكون ممنوعاً في الأحوال التالية:
١ ـ إذا أدَّى ذلك إلى الأخذ بالرُّخص الممنوعة، كـ: تلفيق الشاعر «أبو نواس» في أبياته المشهورة، حيث زعم أن الإمام أبا حنيفة النّعمان قد أباح النبيذ، والشافعي قال: النبيذ والخمر شيء واحد، فلفّق من القولين قولاً نتيجته إباحة الخمر (٨) .
٢ ـ إذا أدَّى التلفيق إلى نقض حكم الحاكم؛ لأن حكمه يرفع الخلاف درءاً للفوضى.
٣ ـ إذا أدَّى إلى نقض ما عمل به تقليداً في واقعة واحدة (٩) .
٤ ـ إذا أدَّى إلى مخالفة الإجماع أو ما يستلزمه (١٠) .
٥ ـ إذا أدَّى إلى حالة مركبة لا يقرُّها أحد من المجتهدين، كمن تزوج امرأة بلا ولي ولا شهود، مقلّداً الإمام أبا حنيفة في عدم اشتراط الولاية، ومقلّداً الإمام مالكاً ـ في رواية له ـ في عدم اشتراط الشهادة بذاتها، ويكفي إعلان الزواج.
فهذا الزواج غير صحيح؛ لأنه لا يجيزه الإمام أبو حنيفة ولا الإمام مالك على هذه الصورة الملفّقة؛ لأنه تولّد منه قول آخر مخالف لرأي هؤلاء العلماء على كيفية لا يصححونها، ولا يصح أيضاً؛ لأنه مخالف للأدلة الصحيحة الواردة في هذه المسألة، ولأن الأصل في الأبضاع (الفروج) التحريم، ولا شك أن فيه تلاعباً بالشريعة وخروجاً عن مقاصدها (١) .
وبعد أن تبين لنا مفهوم التلفيق وحكمه نستطيع أن نبين الفرق بين التلفيق الممنوع وتتبُّع الرُّخص، فبينهما فروق من نواحي عديدة، منها (٢) :
١ ـ أن التلفيق جمع بين أقوال العلماء وتصرف فيها بقول لا يصححه أحد من المجتهدين، وقد ينتج عن ذلك إحداث قول جديد في المسألة لم يقل به مجتهد، بينما الأخذ بالرُّخص ليس فيه إحداث قول جديد، وإنما يأخذ برخصة قالها أحد العلماء.
٢ ـ أن التلفيق قد يؤدي إلى مخالفة إجماع العلماء؛ بخلاف تتبُّع الرُّخص، فإنه يكون بأخذ قول أحد من العلماء.
- رابعاً: حكم الأخذ بالرُّخص:
حديثنا في ذلك يأتي على نوعين:
الأول: حكم الأخذ بالرُّخص الشرعية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
الثاني: حكم الأخذ برخص الفقهاء والعلماء التي من آرائهم واجتهاداتهم المخالفة للأدلة.
فإذا كان الأخذ والعمل برخص الشارع فإن جمهور العلماء (٣) يرون أن الرُّخصة الشرعية تأتي على أنواع، منها (٤) :
ـ الرُّخصة الواجبة: كأكل الميتة للمضطر.
ـ الرُّخصة المندوبة: كالقصر في الصلاة في السفر إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع.
ـ الرُّخصة المباحة: كالسَّلَم (٥) ، والتكلّم بكلمة الكفر عند الإكراه مع طمأنينة القلب.
قال في شرح مختصر الروضة: (والرُّخصة قد تجب، كأكل الميتة عند الضرورة، وقد لا تجب ككلمة الكفر) (٦) .
ـ الرُّخصة التي على خلاف الأولى: ومثّلوا لها بفطر المسافر الذي لا يتضرر بالصوم؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
أما بالنسبة إلى النوع الآخر وهو حكم أخذ المكلّف برخص العلماء وزلاتهم والانتقاء من أقوالهم الأيسر والأخف في بعض أقوالهم المخالفة للأدلة النقلية الصحيحة فهو مما نقل تحريمه بالإجماع كما نقل ذلك غير واحد من أهل العلم كابن حزم وابن عبد البر والباجي وابن الصلاح وغيرهم (٧) .
ولأجل هذا فقد جاءت عبارات العلماء شديدة في النهي عن فعل ذلك ومشنعة على من فعلها، مثل: قول الإمام الأوزاعي: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام) (٨) . وقول سليمان التيمي: (لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله) (٩) ، إلى غير ذلك من الأقوال التي تبين مدى خطورة العمل بهذه الرُّخص التي يؤدِّي العمل بها إلى آثار ونتائج معارضة لأصل الشريعة كما سنبينه في العنصر التالي، علماً أن هذا الحكم خاص فيمن تتبَّع الرُّخص لمجرّد اتِّباع الهوى، أو بحث عن الحكم الأسهل، أو حاول الإعراض أو التجاهل للأدلة، أما إذا كان غير ذلك فقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي الأخذ بالرُّخص بمراعاة الضوابط الشرعية التالية (١٠) :
١ ـ أن تكون أقوال الفقهاء التي يترخص بها معتبرة شرعاً ولم توصف بأنها من شواذّ الأقوال.
٢ ـ أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرُّخصة؛ دفعاً للمشقة سواء كانت حاجة عامة للمجتمع أو خاصة أو فردية.
٣ ـ أن يكون الآخذ بالرُّخصة ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.
٤ ـ أن لا يترتّب على الأخذ بالرُّخص الوقوع في التلفيق الممنوع.
٥ ـ أن لا يكون الأخذ بالرُّخص ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.
٦ ـ أن تطمئنَّ نفس المترخص للأخذ بالرُّخصة.
إشارة:
أوضح بعض العلماء كابن الصلاح والنووي وابن القيم وغيرهم (١) ، أن من صح مقصده، واحتسب في تطلّب حيلة لا شبهة فيها، ولا تجرّ إلى مفسدة للتخلّص ـ مثلاً ـ من ورطة يمين ونحوها، وهو ثقة، فذلك حسن جميل، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف، كقول سفيان: (إن العلم عندنا الرُّخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد) .
قال ابن الصلاح: (وهذا خارج على الشرط الذي ذكرناه، فلا يفرحن به من يفتي بالحيل الجارة إلى المفاسد (٢)) .
- خامساً: الآثار المترتبة على تتبُّع الرُّخص:
لا شكَّ أن لتتبُّع الرُّخص آثاراً ونتائج سلبية تؤدي إلى مسلك خطير. وقد توسع في الحديث عنها «الإمام الشاطبي» في كتابه النفيس (الموافقات) ، وأيضاً هناك بعض الإشارات من علماء آخرين كابن الصلاح والنووي وابن القيم.. أجملُها في نقاط (٣) :
١ ـ أن فيها مخالفة لأصول الشريعة ومقاصدها، وذلك لأن الشريعة جاءت لتخرج الإنسان من داعية هواه، وجاءت بالنهي عن اتِّباع الهوى، وتتبُّع الرُّخص حثٌّ لبقاء الإنسان فيما يحقق هواه، واتِّباع ما تميل إليه نفسه.
٢ ـ الانحلال من رِبْقَةِ التكليف، يقول «الشاطبي» وهو يتكلم عن ذلك: (فإنه مؤدٍّ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، وهو عين إسقاط التكليف) (٤) .
٣ ـ ترك اتِّباع الدليل إلى اتِّباع الخلاف، وهذا مخالف لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] .
٤ ـ الاستهانة بالدين وشرائعه، إذ يصير بذلك سيالاً لا ينضبط.
٥ ـ قد يفضي إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماع العلماء.
- سادساً: المُفتون والواقع:
إن الناظر في حال بعض المُفتين اليوم يخشى أن يشملهم ذلك الوعيد والزجر الذي قاله العلماء وحذروا منه في من تتبَّع الرُّخص الممنوعة، وذلك لأجل وقوعهم في المحظور المنهي عنه، ولكونهم ـ أيضاً ـ أخذوا التيسير منهجاً في الفتوى بناء على أخذ الأسهل من الأقوال، وتساهلوا فيها بحجة مجيء الشريعة باليُسْر والسهولة ورفع الحرج؛ لكون ذلك مقصداً من مقاصدها العظمى التي امتازت به.
وكونُ الشريعة الإسلامية جاءت بذلك مما لا شك فيه؛ لأنه قاعدة كلية عظمى.
لكن هناك فرق بين هذه القاعدة وبين التساهل وتتبُّع رخص العلماء ورفع مشقة التكليف باتِّباع كل سهل بدون أصول وضوابط، فحينما نبني الفرع الفاسد على الأصل الصحيح، أو نأخذ برخصة إمام من الأئمة خالف فيها الدليل الصحيح الصريح لأسباب وأمور هو معذور فيها (٥) ، بحجة القاعدة الكبرى وهي التيسير ورفع المشقة والحرج.. فهذا غير صحيح، ويوصلنا إلى منهج يعارض أصل الشريعة ومقاصدها وانضباطها، ولذلك سدَّ العلماء هذا الباب وحرّموه، يقول ابن مفلح: (يحرم التساهل في الفُتْيا، واستفتاء من عرف بذلك) (٦) ، ويقول ابن القيم: (الرأي الباطل أنواع، أحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحل الفُتْيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد) (٧) .
وللأسف فإن الذين عرفوا بذلك واتخذوا التيسير المحظور منهجاً لهم فقد وقعوا في محظورات وأخطاء أكبر، فها هم يريدون تطويع الفتوى بحجة مسايرة الواقع ومواكبة العصر ومتغيراته، ولم يفرِّقوا بين الثابت والمتغير، وأرادوا أن يغيّروا الفقه الإسلامي تغييراً موافقاً لقواعدهم، لكي يكون الفقه الإسلامي فقه التيسير والوسطية، وهو كذلك، لكن ليس على قاعدتهم ونظرتهم، ونتيجة لذلك فإن تساهلهم أوصلهم إلى أقوال غريبة وشاذّة، حتى ميّعوا الدين واستطال الجُهّال عليه، وعطّلوا بعض الحدود والأحاديث، وأصبحنا نرى فتاوى يستنكرها العوام أصحاب الفطر السليمة فكيف بأهل العلم!! فهذا يرى جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة، وذاك يفتي بجواز شرب الدخان لمن يقدر على شرائه، وهذا يرى أنه لا ينبغي إقامة حدّ الردة على المرتدّ في هذا الوقت، وآخر يرى جواز مصافحة المرأة الأجنبية للرجال وتقبيلها ضارباً على الأحاديث الصريحة عرض الحائط، ولا تعجب أن تسمع من يقول لأحد اللجان الوضعية في بلاده: «ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه موافق الزمان والمكان، وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنصٍّ من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم..» (١) .
إن من يسمع لمثل هذه الفتاوى أو يقرؤها ليتبادر إلى ذهنه سؤال كيف وصل الأمر إلى ذلك؟ وهل يجوز لهذا المفتي أو غيره من المُفتين الإفتاء في دين الله بالتشهي والتخيّر؟! وهل يجوز البحث عن الأقوال التي توافق غرض المفتي وهواه؟! أو غرض من يحابيه.. فيفتي به ويحكم به؟ يُجيب عن ذلك ابن القيم بقوله: (هذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر والله المستعان..) (٢) .
وهذا «الإمام الشاطبي» ينقل في (موافقاته) كلاماً جميلاً للإمام الباجي قال: « ... لا خلاف بين المسلمين ممن يعتدُّ به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه وسخط من سخطه، وإنما المفتي مخبر عن الله ـ تعالى ـ في حكمه، فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حَكَمَ به وأوجبه؟ والله ـ تعالى ـ يقول لنبيه ﵊: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] (٣) .
ونظراً لأهمية هذه المسألة فقد عدَّ بعض العلماء ـ كالسمعاني وغيره ـ الكفّ عن الترخيص والتساهل شرط من شروط المفتي (٤) .
ولو تأملنا ما رواه البيهقي (٥) بإسناده عن إسماعيل القاضي يقول: (دخلت على المعتضد بالله فدفع إليّ كتاباً، فنظرت فيه، فإذا قد جمع له من الرُّخص من زلل العلماء، وما احتج به كل واحد منهم، فقلت: مصنِّفُ هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر ـ النبيذ ـ لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلّة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب) (٦) . فهذا المذهب والمسلك الذي سلكوه ليس جديداً كما ترى، بل عُمل من قبل، وأنكره العلماء، وبيّنوا أنه مبنيٌّ على أصول فاسدة تذهب الدين وتفسده.
يقول الإمام النووي: (لو جاز اتّباع أيّ مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعاً لهواه ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز وذلك يؤدي إلى الانحلال من رِبْقَةِ التكليف) (٧) .
فلا شك أن الواجب على الناظر والباحث في النصوص الشرعية أن يخلع على عتبته آراءه الخاصة، ويسلم قياده لهذا النص، يتجه به حيثما توجه، جاعلاً له منهجاً صحيحاً، مراعياً الشروط والضوابط، واضعاً الأشياء في مواضعها الصحيحة، متجرداً للحق، مبتعداً عن الهوى والتعصب، جاعلاً الشمولية وجمع الأدلة نهجه ومعلمه، والحق بدليله مقصده، ومن ثم يعرض الأقوال كلها ويقارنها ويحرّرها وينظر الموافق إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة فيتّبعه، وعليه أن لا يصدر الحكم قبل البحث والتحرّي، فإذا أصدر الحكم قبل البحث صار البحث انتقائياً جزئياً واستدلالاً للحكم الذي رآه واختاره من قبل، فينبغي أن يستدل أولاً للمسألة، ثم يعتقد وليس له أن يعتقد ثم يستدل تبعاً لرأيه ورغبته، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم في زاد المعاد (٨) . أما الذين يدرسون النصوص لتأييد مقررات سابقة في نفوسهم فإن الغالب عليهم عدم الانتفاع بهذه النصوص، فالإخلاص في طلب الحق شرط أساس لتحصيل الهداية وإدراكها.. والله المستعان.
قال الإمام الشاطبي: (فإن في مسائل الخلاف ضابطاً قرآنياً ينفي اتّباع الهوى جملة، وهو قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان فوجب ردها إلى الله والرسول وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول..) (٩) .
ويقول ابن الصلاح: (لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عرف بذلك لم يجز أن يُستفتى، وذلك قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة، والإبطاء عجز ومنقصة، وذلك جهل، ولأن يُبطئ ولا يخطئ، أجمل من أن يعجل فيضلَّ ويُضل..) (١) .
- سابعاً: المُستفتون والواقع:
التساهل.. عدم مراقبة الله .. ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض.. الانتقائية.. سؤال أكثر من عالم وتبنّي أخف قول وأقربه إلى هواه ورغبته.. هذا هو واقع كثير من المُستفتين، بينما لو تأمّلنا ما رواه عبد الرازق عن معمر قال: (لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر ـ النبيذ ـ كان شر عباد الله) (٢) .
قال ابن النجار: (يحرم على ـ العامي ـ تتبُّع الرُّخص ويفسق به) (٣) . ونقل ابن عبد البر الإجماع على عدم جواز تتبُّع العامي للرُّخص (٤) .
وقد أشار «الشاطبي والنووي» إلى أنه إذا أصبح المستفتي في كل مسألة عرضت وطرأت عليه يتتبَّع رخص المذاهب ويتبع كل قول يوافق هواه فإن ذلك يؤدي إلى خلع رِبْقَةِ التقوى والتمادي في متابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشارع (٥) .
قال صاحب كتاب (زجر السفهاء عن تتبُّع رخص الفقهاء) : (ومن الأبواب التي فتحها الشيطان على مصراعيها للتلبيس على العباد، بابُ تتبُّع رخص الفقهاء وزلاتهم، وخدع بذلك الكثيرين من جهلة المسلمين، فانتُهكت المحرمات، وتُركت الواجبات تعلّقاً بقول زَيْفٍ وتمسكاً برخصة كالطَّيف، وإذا ما أنكر عليهم مُنكر تعلّلوا بأنهم لم يأتوا بهذا من قِبَل أنفسهم، بل هناك من أفتى لهم بجواز ذلك. يا حسرةً على العباد! جاءت الشريعة لتحكم أهواء الناس وتهذّبها فصار الحاكم محكوماً والمحكوم حاكماً، وانقلبت الموازين رأساً على عقب، فصار هؤلاء الجهلة يُحكِّمون أهواءهم في مسائل الخلاف، فيأخذون أهون الأقوال وأيسرها على نفوسهم دون استناد إلى دليل شرعي بل تقليداً لزلّة عالم لو استبان له الدليل لرجع عن قوله بلا تردّد ولا تلكُّوءٍ.
فإذا نُصحوا بالدليل الراجح وطُولبوا بحجج الشرع الواضح تنصّلوا من ذلك بحجج واهية، وهي أن من أفتاهم هو المسؤول عن ذلك وليسوا بمسؤولين، فقد قلّدوه والعهدة عليه إن أصاب أو أخطأ، معتقدين أن قول فلان من الناس يصلح حجة لهم يوم القيامة بين يدي الملك الديّان.
فإن تعجب من ذلك فدونك ما هو أعجب منه: إنهم يأخذون برخصة زيد من الفقهاء في مسألة ما، ويهجرون أقواله الثقيلة في المسائل الأخرى، فيعمدون إلى التلفيق بين المذاهب والترقيع بين الأقوال، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولا يخفى عليك ما في هذا من التهاون بحدود الشرع وقوانينه..) (٦) .
فلا شك أن على كل واحد من المستفتين مسؤولية يتحمّلها في مسألته التي يريد السؤال عنها وعن مقصده فيها، وأيضاًً على العلماء والدعاة مسؤولية أخرى كبيرة؛ من توعية المجتمع وتعليمهم واستغلال ذلك في المحاضرات والخطب ووسائل الإعلام؛ لأنه لا يخفى أن حاجة المسلمين إلى العلم وإلى الفتوى مستمرة في كل زمان ومكان، ويحسن في ذلك تكثيف الحديث عن الشروط المعتبرة التي ذكرها العلماء فيما يلزم المستفتي، وهي أربعة شروط (٧) :
أولاً: أن يريد باستفتائه الحق والعمل به، لا تتبُّع الرُّخص أو مجرد الهوى.
ثانياً: ألا يستفتي إلا من يعلم أو يغلب على ظنّه أنه أهل للفتوى، وينبغي أن يختار أوثق المفتين عنده.
ثالثاً: أن يصف حالته وسؤاله وصفاً دقيقاً واضحاً.
رابعاً: أن ينتبّه لما يقول المفتي من الجواب ويفهمه فهماً واضحاً، ولا يأخذ بعضه ويترك الآخر.
فإذا نشرت هذه الشروط على نطاق واسع كان في ذلك توعية للناس، وكان ذلك أدعى لأن يكونوا أكثر انضباطاً ودقّة؛ لأنها أصول الاستفتاء التي يلزم على جميع المستفتين العمل بها، فكما أن العلماء يوصون قبل أخذ الفقه بدراسة أصوله، وقبل دراسة التفسير التعرف على أصوله، فكذلك قبل الاستفتاء ينبغي التعرف على أصوله وشروطه.
وأخيراً؛ هذا ما تيسر كتابته والإشارة إليه، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5752
الدولة المدنية صورة للصراع
بين النظرية الغربية والمحكمات الإسلامية
(٢ـ٢)
محمد بن شاكر الشريف
تحدث الكاتب ـ وفقه الله تعالى ـ في الحلقة الماضية عن الدولة المدنية في التراث الإسلامي وفي التراث الغربي، وبيّن الاتجاهات الموجودة
٣ عناصر الدولة المدنية:
لو كان لنا أن نتجاوز ما تقدم كله، وندخل في التفاصيل بعيداً عن الوقوف عند حد التعريفات؛ فما عناصر الدولة المدنية؟ وما علاقة ذلك بالإسلام؟
يدور الحديث عن عناصر الدولة المدنية حول عدة محاور تقول: «فطبيعتها تتلخص في وجود دستور يعبر عن قيم ومعتقدات وأعراف المواطنين في الدولة، وفي الفصل بين السلطات الثلاث الآنفة الذكر (١) ، وفي اكتساب الحقوق على أساس المواطنة، وعدم التمييز بين المواطنين لا بسبب المذهب أو الطائفة أو الثقافة أو العرف، وفي كفالة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، واحترام التعددية والتنوع» (٢) .
من خلال ما هو مطروح من المداخلات والمساجلات يتبين أن هناك عدة عناصر، منها:
وجود دستور مكتوب: والدستور هو أعلى وثيقة قانونية في الدولة وهو المرجعية النهائية لجميع القوانين والأنظمة؛ فكل ما خالفه من أفعال أو تصرفات فهي موصوفة بالبطلان المطلق، وكل قانون أو تنظيم يُسَن مخالفاً للدستور، هو باطل ولا تترتب عليه النتائج التي تغيَّاها القانون أو التنظيم، وكل ما خالف الدستور فيجب نقضه وإلغاؤه.
وقد يختلف الناس في شأن تدوين دستور، وهل هناك حاجة إلى ذلك لتحديد الحدود والالتزامات والحقوق والواجبات بين مختلف فئات المجتمع، وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أم يُكتفى بما هو موجود في النصوص الشرعية؛ وبما هو موجود في القضايا الاجماعية، والمعلوم من الدين بالضرورة؛ لوضوحه في الدلالة على ما يراد منه.
والخلاف في ذلك سائغ وهو خلاف في الفقهيات وليس في العقائد، يحكم عليه بالصواب أو الخطأ، ولا يحكم عليه بالحق أو الباطل، أو بالإيمان أو الكفر، ولا يمكن أن يُمنع الخلاف في ذلك بين الناس إلا في ظل القهر والاستبداد، وليس هذا هو جوهر القضية، وإنما جوهر القضية: ما الأساس الذي يُدَوَّن عليه الدستور إذا قيل بتدوينه؟ هل هو الكتاب والسنة وما دلاَّ عليه بوجوه الدلالات المعتبرة، وَفْق القواعد الشرعية المنضبطة، أو الأساس هو العقل والمصلحة، والخبرة والتجارب؟ لا شك أن الخلاف في هذا غير سائغ، وهو خلاف عقدي يحكم عليه بالحق أو الباطل أو بالإيمان أو الكفر، وليس خلافاً فقهياً يحكم عليه بالصواب أو الخطأ.
٣ إمكانية تداول السلطة:
المراد بالسلطة في هذا الكلام (الحكومة) بما لها من حقوق وما عليها من واجبات وتبعات، وهي بلا شك في كل الأنظمة سواء الإسلامية وغير الإسلامية لها شروط ومواصفات، ينبغي تحقيقها والتحلي بها، والمشكلة لا تكمن في تداول السلطة؛ فقد قال عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ الخليفة الثاني: «إِنِّي إنْ شاءَ اللَّهُ لَقائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي الناسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤلَاء الَّذِين يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ.. ثم قال عندما قدم المدينة: مَن بَايعَ رَجُلاً عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فلا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلا» (١) ؛ فعمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يبين أن البيعة، أي تولية السلطة، لا تكون إلا بمشورة المسلمين، ويحذر الناس ممن يبايع من غير مشورة، ويبين أن هذا غصب لأمور الناس، ثم يبين أن من فعل ذلك فلا ينبغي مبايعته هو أو الذي بايعه، وقد قال ذلك في المدينة النبوية في خطبة الجمعة أمام الصحابة كلهم بمن فيهم من الفقهاء والعلماء، فلم يعترضه أو ينكر عليه أحد، فدل ذلك على أن هذا هو المعروف لديهم.
وعندنا من الواقع العملي أن السلطة تولاها بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وهو من بني تيم، ثم تولاها عمر وهو من بني عدي، ثم تولاها عثمان وهو من بني العاص، ثم تولاها علي وهو من بني هاشم ـ رضي الله تعالى عن الجميع. فالسلطة انتقلت وتداولها المسلمون وَفْقَ الشروط والمواصفات التي دلت عليها الأحكام الشرعية، ولم يحتكرها أحد ويقصرها على نفسه. لكن ليس من معنى تداول السلطة أن يُحدَّد وقت معين لولي الأمر يفقد بها صلاحيته لولاية الأمر حتى يجدد اختياره من جديد.
والمشكلة الجوهرية مع أنصار الدولة المدنية في هذه المسألة تكمن في الشروط والمواصفات التي ينبغي توافرها فيمن يُولَّى الأمر، وليس في تداولها؛ فهل من شروط الحاكم عندهم أن يكون مسلماً، أم يجوز أن يكون كافراً شقياً ما دام أنه يتمتع بصفة المواطنة؟ وهل يشترط عندهم أن يكون صالحاً تقياً، أم يجوز أن يكون فاسقاً عصياً لرب العالمين؟ وهل يشترط عندهم أن يكون رجلاً أم يجوز أن تكون امرأة؟
لكن أهمية الحديث عن تداول السلطة عند كثيرين تنبع من أن السلطة في عرفهم صارت مغنماً من المغانم وليست مغرماً، لذلك يطالبون بنصيبهم من هذا المغنم، ورضي الله ﵎ عن عمر عندما رَفَضَ أن يعهد بالأمر من بعده لابنه عبد الله، وقال: لا أتحملها حياً وميتاً. والتداول لا يمثل قيمة جوهرية في الفقه السياسي الإسلامي، وإنما القيمة تكمن في قدرة ولي الأمر على القيام بمهامه على الوجه الأحسن؛ فإذا كان ولي الأمر قائماً بما يجب عليه، محققاً للمقصود من نَصْبِه من غير إخلال أو تقاعس عن القيام بمهامه وواجباته، فليس هناك معنى معقول لإخراجه عن السلطة بزعم تداولها. وفي الجهة المقابلة فإنه متى تقاعس ولي الأمر عن القيام بواجباته، ولم يكن نَصْبُه محققاً للغرض المقصود منه فإن الشريعة لا تأمر بالإبقاء عليه واستمراره في منصبه، بل يوعظ وينصح ويوجَّه؛ فإن استقام وإلا فالعزل طريقه.
٣ الاعتراف بالآخر:
ما المراد بالاعتراف به؟ الاعتراف بوجوده، أم الاعتراف بحقوقه التي كفلتها له الشريعة، أم الاعتراف بواجباته التي أناطتها به الشريعة، أم الاعتراف بأنه على دين يخالف دين الإسلام، أم الاعتراف بأن له الحق في أن يدعو بين المسلمين إلى دينه، وأنه يحق له إقناعهم بالتحول إليه؟
ونقول: الاعتراف بالموجود لا حاجة له؛ فنفس وجوده دليل عليه، وهذا من البدهيات لا يحتاج إلى اعتراف. وأما الاعتراف بحقوقه وواجباته وفق الشريعة فلم يعارض في ذلك أحد ممن يؤخذ عنه العلم، ولا ينبغي أن يعارض في ذلك أحد. وأما الاعتراف بأنه على غير دين الإسلام فهذا من أساسيات الإسلام؛ فكل من لم يشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ فهو على غير دين الإسلام.
ما بقي إلا شيء واحد وهو أن يكون الاعتراف بالآخر يعني الاعتراف بحقه في أن يدعو المسلمين إلى دينه، أو أن يُمكَّنوا من بناء أماكن لعبادتهم (٢) في أمصار المسلمين التي لم يكونوا بها من قبل، بل مصَّرها المسلمون. لكن نحن نسألكم: هل هناك أدلة تدل على ذلك؟ وإذا لم تكن هناك أدلة تدل على ذلك، بل كانت الأدلة تدل على عكسه، كانت المطالبة به على أساس أنه من مواصفات الدولة المدنية، قدحاً في تلك الدولة؛ لأنها تقوم على مخالفة الشرع.
٣ قبول الديمقراطية:
وقد تقدم الحديث عنها في مقال سابق فلا مسوغ للإعادة (١) ، لكنا نقول: لقد أثبتت حوادث الأيام أن الديمقراطية في تلك الدول التي تزعم ريادتها في هذا المجال مجرد شعار أجوف؛ فلقد شنت أمريكا الدولة الديمقراطية ومعها بريطانيا الدولة الديمقراطية أيضاًً، وبالتحالف مع عدة دول ديمقراطية أيضاًً، حرباً ظالمة على العراق بزعم وجود أسلحة دمار شامل في ذلك البلد، ثم تبين بعد ذلك أن هذه الأخبار كانت ملفقة؛ حتى إن وزير الخارجية الأمريكي السابق (كولن باول) اعترف بذلك؛ فماذا كانت النتيجة: هل اعترفت أمريكا وبريطانيا وذيولهم بالخطأ، وندموا على ما فعلوا وقدموا تعويضات لهذا الشعب الذي قتل منه بسبب هذه الحرب الهمجية أكثر من مائتي ألف مواطن؟
لقد اعترضت طوائف كثيرة من شعوبهم على تلك الحرب غير الأخلاقية فما أصغوا إليهم، ثم أين سيادة القانون التي يدعونها، وهم قد خالفوا القانون الدولي الذي يلزمون به الدول الأخرى، وذلك بالتدخل في شؤون دولة مستقلة من غير تفويض من (المجتمع الدولي) بذلك؟ والأغرب من ذلك أن الأمم المتحدة نفسها قامت على أساس غير ديمقراطي؛ حيث هناك خمسة دول كل دولة منها تملك تعطيل أي قانون أو مشروع حتى لو وافقت عليه دول العالم كلها؛ فأين الديمقراطية في ذلك؟ أم أنها احتكار للقرار الدولي؟ فلو وضع صوت دولة من هذه الدول في كفة وبقية العالم في كفة لرجحت كفة هذه الدولة؛ فما أشد هذا الظلم وأقساه على النفوس الأبية! وكم ذقنا من مرارته كثيراً! فها هم اليهود يعتدون على إخواننا الفلسطينيين ويقتلون منهم في سيناريو شبه يومي؛ فلو قدر أن ضمير العالم صحا لهذا الظلم الشنيع، وأخذ قراراً بالإدانة، مجرد قرار، لا يترتب عليه شيء في الواقع، لوجدنا أمريكا تعترض عليه، بما لها من هذا الحق غير (الديمقراطي) فيصبح كأنه لا شيء.
٣ الحفاظ على حقوق الإنسان:
الناس لهم حقوق كثيرة كفلتها لهم الشريعة ينبغي أن يُمَكَّنوا منها، ولا يجوز لأحد أن يحول بينهم وبين حقوقهم التي منحها الله لهم، ولا يفعل ذلك إلا جبار عنيد؛ فالحقوق ممنوحة من الله ـ تعالى ـ لم تمنحها الطبيعة ولم يمنحها الحاكم، وفي هذا أعظم صيانة لهذه الحقوق، ومن هذه الحقوق أن الكافر لا يُكْرَه على الدخول في دين الإسلام، بل يُعرَض عليه الإسلام؛ فإن قَبِلَه ونطق الشهادتين دخل في الإسلام، وإن أبى وأصر على البقاء على دينه فلا يُكرَه ولا يجبر على تغييره، وكل ما يُطلب منه في هذه الحالة أن يفي بعقد الذمة الذي بينه وبين الدولة المسلمة ولا ينقضه، وهذا أمر مقرر، وكل ذلك لا خلاف عليه بيننا وبين من يقبل به سواء كان من أدعياء الدولة المدنية أم من غيرها.
لكن هل من الحقوق أنه يجوز للمسلم أن يغير دينه إلى اليهودية أو النصرانية أو إلى لا دين؟ هذا محل خلاف بيننا وبين دعاة الدولة المدنية، هم يرون ذلك حقاً له، وأنه لا حد في الردة، وأن المرتد هو الشخص الخارج على النظام؛ فهذا الذي يجب قتله. ومن غير كبير خوض في التفاصيل فإن كل مسألة من تلك المسائل قد يستغرق الكلام فيها حيزاً كبيراً، فنقول: أنتم لستم أول المسلمين، ولا أنتم صحبتم رسول الله ﷺ وفقهتم عنه، كما أن الإسلام لم يكن معطلاً قبلكم حتى جئتم أنتم تطبقونه، فخبِّرونا مَن مِن أهل العلم الذين يُرجَع إلى أقوالهم عند الخلاف قال بهذا القول؟ فإذا لم تستطيعوا ـ ولن تستطيعوا ـ أن تثبتوا أن أحداً من أهل العلم بدين الله ـ تعالى ـ قد سبقكم بما تقولون، فقد أحدثتم في دين الله ـ تعالى ـ وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وهو حديث متفق عليه أخرجه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليس عليْه أَمْرُنَا فهو رَدٌّ» .
على أن هناك حادثتين تتعلقان بهذا الموضوع يحسن بنا إيرادهما تُبينان أن الكلام على حقوق الإنسان والدندنة حولها ليس في حقيقته أكثر من تمكين فئات الأقلية من التحكم في الأكثرية، تحت ضغط الدول المدنية الكبيرة وتأثيرها على متخذي القرارات في الدول الضعيفة؛ فقد حدث أن امرأة نصرانية في مصر اهتدت إلى أن الإسلام هو دين الحق فأسلمت، لكن الذين يتكلمون عن حقوق المواطنة هاجوا وماجوا ومن ورائهم ضغط الدول المدنية الكبيرة حتى سَلَّمت الدولة المصرية المرأة المسلمة إلى الكنيسة لتعتقلها داخل الدير، وقد يضغطون عليها هناك تحت ظروف الاعتقال فيردونها إلى الكفر مرة أخرى، فجعلت منها دولة داخل الدولة، ولم نسمع أي نكير من أي دولة مدنية كبيرة أو صغيرة على هذا الاعتداء الصارخ على حقوق الإنسان، ولو قارنت هذا بما حدث من رجل أفغاني ارتد عن دين الإسلام حينما قُدِّم للمحاكمة، كيف قام العالم النصراني كله يدافع عن حقه في اختيار الدين الذي يريده، وأن محاكمته على اختياره هو اعتداء على حقوق الإنسان، وضغطوا على حكومة ذلك البلد حتى خرج في أقل من ثمانية وأربعين ساعة من أمام المحكمة التي يحاكم بها، ليسافر معززاً مكرماً لاجئاً إلى بلد نصراني.
٣ السماح بالحريات:
الحرية مطلب تحرص عليه النفوس الأبية التي تأنف أن تكون ذليلة أو تابعة لبشر مثلها، ولا ينبغي أن يُحْجَر على الإنسان ويمنع من حريته التي كفلتها له الشريعة. لقد كان الاختلاف المذهبي أحد أبرز مظاهر حرية الرأي عند المسلمين؛ فرغم أنه خلاف في فهم الدين والعمل، فإنه لا جبر ولا إكراه على القبول برأي لا يرضاه الإنسان، ولكل إنسان الحق في الاحتفاظ برأيه والعمل به ما دام رأيه لا يصادم النصوص الشرعية ولا يخالف القواعد المرعية، ويحق للمسلم التمسك برأيه ولو كان في مواجهة رأي الخليفة، وهناك نماذج وأمثلة كثيرة حدثت في تاريخ المسلمين.
فالخلاف في الرأي والتصورات ظاهرة إنسانية لا يمكن نفيها ولا القضاء عليها، والخلاف ليس مقصوراً على المسلمين؛ فكل أصحاب المذاهب الأخرى يختلفون، ولكن بفارق مهم جداً وهو أن المسلمين لهم مرجع يرجعون إليه جميعاً، يكون لهم ضابطاً يعصمهم من تحول الخلاف في الرأي إلى افتراق وتشتت بين أفراد الأمة وانقسامها إلى طوائف وشيع وأحزاب؛ بعكس المذاهب الأخرى؛ فليس لهم مرجع يرجعون إليه غير ما تهديهم إليه عقولهم وغير ما يظنون منفعته وفائدته، وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان متقلباً لا يستقر على رأي أمداً طويلاً، بسبب قصور علم الإنسان وجهله؛ فما كان حقاً وصواباً عندهم اليوم قد يرونه غداً خطأً وضلالاً (١) ، لكن: هل من حرية الرأي أن يعيب المسلم أو غير المسلم الدين ويقدح في الشريعة؟ فالمسلم مطالب بأن يعظِّم شعائر الله، وأن يعظم حرمات الله؛ فمخالفة ذلك ليس من حرية الرأي، بل من الخروج على الدين الذي ينبغي أن يحاسب عليه مَنْ فَعَلَه، وهل من الممكن تحت زعم عدم التضييق على الإبداع والمبدعين أن يترك لهم الحبل على الغارب فيعيثوا في أخلاق الأمة وعقيدتها وشعائرها فساداً؟ وأما غير المسلم فلا يطالب بذلك مثل المسلم؛ فإن عدم إسلامه يعني طعنه في دين الإسلام، لكن لا يُقبل منه إظهار ذلك بين المسلمين، والإعلان به، أو الدعوة إليه.
وهكذا لو ذهبنا نعدد كثيراً من تلك الأمور التي يعدونها من عناصر الدولة المدنية؛ فقد لا نجد اختلافاً عند الكلام المجمل، ولكن المحك الحقيقي عند ذكر التفصيلات حيث يظهر الاختلاف؛ فمثلاً مَنْ مِنَ الناس لا يريد العدل ولا يطالب به؟ لكن ما هو العدل؟ هذا يختلف باختلاف كل أمة؛ فما يكون عدلاً عندك قد يكون ظلماً عند الآخرين؛ فأمريكا اليوم مثلاً ترى من العدل والحق أن يقوم اليهود بضرب الفلسطينيين في غزة بالطائرات والمدافع من أجل فك أسر جندي يهودي مأسور، بينما ترى أن محاولة الفلسطينيين فك أسراهم من الظلم الذي ينبغي أن يعاقبوا عليه.
وبكلام مجمل: نقول لدعاة الدولة المدنية والمبشرين بها:
ـ هل ما تذكرونه عن الدولة المدنية من حيث معناها وعناصرها، دل عليه ديننا وشريعتنا بأي نوع من الدلالات المعتبرة عند أهل العلم؟ فإن قلتم: نعم دل على ذلك! قلنا: أين هي النصوص التي تتحدث عن ذلك وما وجه دلالتها؟ وإن قلتم: لم تدل على ذلك النصوص وإنما دلت على خلافه، قلنا: لا حاجة لنا فيما يخالف شرعنا. وإن قلتم: إن النصوص لم تدل على اعتباره كما أنها لم تدل على إلغائه، فاجتهدنا نحن في ذلك من باب المصالح المرسَلة، قلنا: لستم أنتم من أهل الاجتهاد؛ فليست لكم أية دراسات مقدرة في الشريعة، وكل علم له رجاله المتخصصون فيه، وهذه بدهية من بدهيات العلوم، ومن تكلم في غير فنه أتى بالأعاجيب. وإن قلتم: نحن لا يعنينا الاتفاق أو الاختلاف مع الأحكام الشرعية، والذي يهمنا هو ما نرى فيه المصلحة، قلنا: إذن؛ فقد خلعتم بذلك ربقة الإسلام من أعناقكم.
ـ أنتم في ظاهركم تقرون وتعترفون أن الله ـ تعالى ـ هو خالق هذا الكون العجيب بسماواته العظام وأراضيه الشاسعة، وخالق الحياة كلها، والذي أحكم هذا الكون إحكاماً يحار فيه أولو الألباب، مقرين بعلم الله ـ تعالى ـ وحكمته وعظمته، أفتستكثرون على الله ـ تعالى ـ أن ينزِّل على عباده ما يهديهم في شؤون حياتهم، أم تظنون أن الله ـ تعالى ـ خلق الخلق ورزقهم من المال والبنين، ثم تركهم يديرون حياتهم بغير هداية منه ورشاد؟ ألم يقل الله ـ تعالى ـ منكراً على من يريد أن يستقل ويضع بنفسه ما يحكم به مجتمعه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
ـ ما الذي يدعوكم للمطالبة بالدولة المدنية، وما الذي يحملكم على التضحية بدين الأمة، وما المكاسب التي ترونها في التمسك بالدولة المدنية، وهي ليست في الدين؟ وهل هناك ما يدعو إلى استخدام هذا الاسم المشتمل على قضايا مقبولة، وقضايا تتعارض مع الدين؟ ولماذا العدول عن اسم الدولة الإسلامية أو الشرعية أو الدينية؟ ما الذي تنقمونه من هذه التسمية، هل تشتمل على قضايا غير مقبولة؟ إن كانت هناك ممارسات غير مقبولة وقعت من بعض المسلمين أو حكامهم؛ فهل هي مقبولة إسلامياً؟ بمعنى آخر: هل هي من نواتج التمسك بالإسلام أو من نواتج البعد عنه والخروج عليه؟ وإذا كانت من نواتج البعد عنه والخروج عليه؛ فلماذا تلصقونها به، وتحمِّلونه ما هو منه بريء؟
ـ هناك من يحاول أن يبين أن الدولة المدنية هي دولة المؤسسات، وأنها لا تعارض الدين ولا تعاديه ... إذا قلتم هذا؛ فلماذا تأبون وصفها بدولة إسلامية أو شرعية أو دينية، ولماذا التركيز على أنها دولة مدنية، وهل كانت الدولة التي أقامها رسول الله ﷺ دولة مدنية أم دولة إسلامية؟ وكذلك الدولة التي أقامها خلفاؤه من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهلم جراً.
ـ هناك من يقول: نريد دولة مدنية بمرجعية إسلامية، إن هذا القيد في حد ذاته يمثل اتهاماً حقيقيا للدولة المدنية من قِبَل دعاتها؛ فإن هذا الكلام يبين أن المرجعية الدينية ليست من صفات الدولة المدنية ولا من خصائصها وأركانها، وإلا لما احتاج هذا المتكلم إلى إضافة ذلك القيد.
ـ والدولة المدنية لم تمنع السلطة من تفسير القانون حسب ما تهوى، واعتبر ذلك بما حدث من احتجاز أمريكا الدولة المدنية الكبرى لأكثر من أربعمائة مسلم في معتقل بخليج جوانتنامو مخالفة بذلك القانون الأمريكي والقانون الدولي واتفاقيات الأسرى بجنيف، بل وصل الأمر إلى أكثر من ذلك حيث التنصت على مكالمات الأمريكيين أنفسهم دون سند قانوني، وكل ما قدمته الإدارة من تفسير في ذلك أن الوضع خطير، وأنه لا يمكن محاربة الإرهاب إلا بتلك الطريقة؛ وهذه دعاوى لا يعجز أحد عن تقديمها؛ فماذا فعلت الدولة المدنية إزاء ذلك؟
وأخيراً: إن المشكلة الحقيقية التي تحياها مجتمعاتنا لا تحل بمجرد إقرار لفظ أو نفيه؛ فهناك كثير من الدول العربية التي تقول عن نفسها إنها دولة مدنية ولم يخرجها ذلك عن حالة التخلف التي هي سمة لكثير من مثل هذه المجتمعات. إن المشكلة الحقيقية تكمن في انفصال العمل عن القول، وإن كثيراً من النخب الحاكمة تتعامل مع الحكم وكأنه تركة من حقها أن تفعل به ما تشاء، في ظل غياب رقابة شعبية ورسمية حقيقية قادرة على الفعل، ولو ولت النخب الحاكمة وجهها شطر شرع الله ـ تعالى ـ لأفلحت ونجحت، ولقادت مجتمعاتها من حالات التخلف الراهنة في أغلب الميادين، إلى مدارج العُلا. ائتوني على مدار التاريخ الإسلامي كله في البلاد التي حكمها الإسلام، بدولة تمسكت بالإسلام حقاً، ثم لم تكن متقدمة على نظرائها في أغلب المجالات؟!
٣ شبهات والجواب عنها:
من الشبهات التي يعترض بها البعض أن القول بإسلامية الدولة يعني عدم إمكانية سؤال الحاكم أو محاسبته: فيقولون: كون الدولة إسلاميةً أو شرعيةً أو دينيةً يمنع من نقد الحكام عند وقوعهم في الخطأ، ويجعلهم في مكانة عالية لا يقدر أحد على حسابهم؛ إذ كل ما يقولونه فهو تعبير عن الإرادة الإلهية. ونحن نقول لهم: أنتم تتحدثون عن دين غير دين الإسلام، وإلا فائتوا لنا بآية أو حديث يدل على هذا الزعم، أو يمكن أن يستفاد منه هذا الزعم، ثم هذا تاريخ المسلمين: مَنْ مِنَ الحكام ادعى هذه المنزلة؟ ومَنْ مِن أهل العلم قال بشيء مثل ذلك؟ وأمامكم سِيَرُ الخلفاء؛ حيث كانت رعيتهم تنصحهم وتنتقد عليهم ما يرونه خطأ من تصرفاتهم، والأمثلة كثيرة وهي معلومة لكثير من الناس ومعلومة لكم أيضاًً، بل حتى في أشد المواقف حُلكة كان الناس يراجعون ولاة أمورهم أو يعترضون عليهم. فهذا أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما أراد قتال مانعي الزكاة، بعد وفاة الرسول ﷺ عارضه عمر، وقال: كيف تقاتل الناس.. الحديث (١) ، فلم يمنعه أبو بكر من ذلك، ولم يقل له ـ كقول البطالين ـ: نحن في زمن حرب، ولا صوت يعلو على صوت المعركة، بل بَيَّن له بالدليل صواب موقفه، حتى اقتنع عمر ﵄ بذلك. وهذا عبد الله بن عمر يختلف مع خالد بن الوليد ـ رضي الله عن الجميع ـ وهو أميره في غزاة غزاها معه، ويمتنع من تنفيذ ما أمر به، لمخالفة خالد باجتهاده للسنة الصحيحة؛ فلما بلغ رسولَ الله ﷺ الأمرُ لم يعنِّف عبد الله على عدم طاعته لخالد، بل قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ـ مرتين (٢) . ولو قُدِّر أن هناك أحداً من الولاة منع من ذلك لعُدَّ عند الناس ظالماً؛ مما يعني أن الثقافة الشعبية لا تقبل مثل هذا الادعاء.
ومن الشبهات: أن الدولة الإسلامية أو الشرعية أو الدينية يترتب عليها ظلم المخالفين في الدين: وهذا مجرد ادعاء عارٍ عن الدليل؛ كما أن التاريخ والسيرة العملية التي درج عليها المسلمون في تعاملهم مع المقيمين بينهم من أهل الديانات المغايرة لدين الإسلام تدحض ذلك. أما إذا كانت هناك حالات فردية يقع فيها بعض الناس في ذلك، فلا يسلم من ذلك أحد سواء في معاملته مع من هو من أهل دينه أو مع من يختلف معه، وإنما الشأن أن يكون النظام العام هو الذي يشرع ذلك أو يقبله.
ومن الشبهات: أن يقال: إن الدولة الإسلامية أو الدينية تحمل المخالفين على تغيير دينهم: وهذا أيضاًً ادعاء لا تعضده نصوص شرعية أو واقع تاريخي. والغريب أن هؤلاء الذين أهمهم هذا الأمر، لم يهمهم أمر الأمة كلها؛ فهم من أجل ألا يُحَمَل المخالفون على تغيير دينهم بزعمهم، يطالبون الأمة بأن تتخلى عن التمسك بدينها في السياسة والاقتصاد والقضاء والمعاملات، والرجوع في ذلك كله إلى عقول الناس وخبرتهم، وهذا من أغرب أنواع الظلم؛ إذ بزعم العدل مع المقيمين من غير المسلمين في بلاد المسلمين، يُظلم المسلمون أنفسهم في بلادهم، وهل هناك ظلم أشد من أن يُحمل المسلمون على ترك الكثير من أمور دينهم؟
ومن الشبهات: أن يقال: إن تعبير الدولة الدينية قد أسيء استخدامه في العصور المظلمة من تاريخ الغرب مع كنيسته، ولا نريد استخدام لفظ مُحمَّل بمثل هذه الدلالات، حتى لا نحمل أوزار أمور لسنا المسؤولين عنها، ويقال: إن ما يذكر هنا ليس راجعاً إلى اللفظ نفسه، وإنما هو راجع إلى سوء استغلاله، ولو ترك استعمال لفظ صحيح لا يحتمل أموراً خاطئة من أجل أن هناك من استعمله بطريقة خاطئة لم يكد يسلم لنا شيء، وهذا بعكس ما إذا كان الخطأ راجعاً لاحتمال اللفظ نفسه أو لصلاحيته للدلالة على أكثر من معنى بعضها صواب وبعضها خطأ؛ فهذا الذي يمكن أن يقال فيه ذلك؛ على أنكم إذ أنكرتم هذا فقد وقعتم فيما تفرون منه؛ إذ إن لفظ الدولة المدنية لم يسلم من هذا الذي تذكرون؛ فإن أغلب حديث الناس عن الدولة المدنية أنها الدولة العلمانية، ومن ثم لا يصلح الانتقال إليه حتى لو قلتم لا نريد منه هذا المعنى. ولماذا لم تقولوا بالدولة الدينية، وتقولون: لا نريد منها المعنى الذي استقر في أذهان الغرب، أليس هذا أوْلى؟ ولماذا لم تبحثوا عن مصطلح آخر يحقق ما تأملونه من خير من غير أن يكون حاملاً لتلك الدلالات الفاسدة؛ فقد كان بإمكانكم أن تختاروا مثلاً مصطلح الدولة الإسلامية، أو مصطلح الدولة الشرعية أو الدولة الراشدة، أو الصالحة، أو أي مصطلح لا يحمل البذور الفاسدة.
ومن الشبهات: أن حقوق المواطنة لا يمكن الحفاظ عليها إلا في ظل دولة لا تتخذ من الدين مرجعية لها، أي أن الدولة ينبغي أن تكون علمانية لا دينية وهي الدولة المدنية. أما المواطنة بمعنى الاعتراف لكل قاطن في الدولة الإسلامية سواء كان من المسلمين أو كان من غيرهم بأنه مواطن؛ فهذا لا ينازع فيه أحد، وكل واحد من مواطني الدولة الإسلامية له حقوق وعليه واجبات؛ فكل إنسان له حق في العيش الكريم، وله حرمة سكنه وماله وعرضه، وله حق التكسب سواء عن طريق التجارة أو الصناعة أو الزراعة، وله الحق في أن يلقى معاملة عادلة لا ظلم فيها، وله حق التنقل والسكن في أي مكان يشاء، وله الحق في سرية مراسلاته، وله الحق في أن يبقى على دينه ولا يُكرَه على تغييره، وله الحق في العبادة، وله الحق في أن يتناول ما يبيحه له دينه وإن كان محرماً في شريعة الإسلام، وهذه الحقوق التي يعطاها المواطن غير المسلم في الدولة الإسلامية لا يعطاها كثير من المسلمين الصادقين في بلادهم التي يزعم قادتها أن دولتهم دولة مدنية. لكن هناك بعض الأمور التي يختلف فيها غير المسلم عن المسلم؛ وهذا أمر لا غرابة فيه، ما دام أن هذا الاختلاف مقرر بالشرع الذي يؤمن به المسلمون. لكن الذي لا يمكن قبوله أن تختلف بعض أحكامهم انطلاقاً من الهوى لا من الشرع، ومن أراد أن لا تختلف بعض أحكامهم المقرر اختلافها بالشرع، فهو شهادة منه على أن الالتزام بالدولة المدنية معناه مخالفة الشرع والخروج على أوامره.
وعندنا من النصوص الشرعية ما يحفظ حق هؤلاء بل يصير إيصال الحقوق لهم وعدم الانتقاص منها من الدين الذي ينبغي اتباعه. قال رسول الله ﷺ المبلِّغُ عن ربه وحيَه وأمرَه فيمن قتل ذمياً بغير جرم: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً» (١) . وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ـ رضي الله تعالى عنها ـ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ: الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ» (٢) ، وقد قال المسلمون لعمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّها ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ» (٣) . وهذا عمر بعدما طُعِنَ وفي هذه الشدة وذلك الموقف العصيب، لكن هذا لم يَحُلْ بينه وبين الوصاة بأهل الذمة، فقال يوصي الخليفة من بعده «.. وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ» (٤) ومر عمر ابن الخطاب ﵁ بباب قوم وعليه سائل يسأل: وهو شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: مِن أيِّ أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزيةَ، والحاجةُ والسنُّ، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضُرَباءه؛ فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه» (٥) . وفي عقد الذمة الذي عقده خالد لنصارى الحيرة: «وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله» .
ومن الشبهات أيضاًً حيادية الدولة: حيث يرون أن الدولة المدنية دولة حيادية تجاه جميع الأديان في المجتمع، بينما الدولة الإسلامية لا تتمتع بهذا الحياد «إن مفهوم الدولة المدنية هو باختصار يعني حيادية الدولة التام تجاه الأديان، وهو ينهل أساساً من مفهوم حرية العقيدة الذي جاء به الإسلام أولاً» (٦) ، «علمانية الدولة ببساطة شديدة هي أن تقف الدولة موقف الحياد من العقائد والمذاهب التي تدين بها مكونات شعبها؛ بمعنى ألا تكون في قراراتها وسياساتها وخططها وتعييناتها ـ بما في ذلك مناهجها التعليمية وسياساتها الإعلامية والثقافية ـ منطلقة من مذهب أو عقيدة أو مرجعية دينية معينة، وإن كانت عقيدة ومرجعية الأغلبية، لما في ذلك من تهميش لعقائد الآخرين وتمييز ضدهم وإخلال بمبادئ المساواة والعدالة والمواطنة، ومن هنا حرصت البلاد التي انتهجت الديمقراطية الليبرالية الحقة وأقامت الدولة المدنية الحديثة على عدم تضمين دساتيرها ما يفيد بديانة الدولة» (٧) .
والحيادية تجاه الأديان تعني عدم ميل الدولة تجاه دين معين، وأنها تتعامل مع الجميع على قدم المساواة، فلا تمدح ديناً أو تدعو إليه، ولا تذم ديناً أو تهاجمه، وهذه الحيادية التي يتكلمون عنها غير موجودة في واقع الأمر في الحقيقية في أي بلد من البلدان؛ فها هي فرنسا التي تعد على رأس الدول المدنية لننظر كيف منعت النساء المسلمات في فرنسا من ارتداء الحجاب، وهذه دولة الدانمارك وهي دولة مدنية كيف سخر رساموها من خير البرية ﷺ ، ثم هي من منظور آخر تناقض الإسلام مناقضة تامة؛ حيث سوَّت بينه وبين الأديان المحرفة كالنصرانية واليهودية وغيرها، ومن أغرب الغرائب أن يعمد هؤلاء الكتاب إلى المطالبة بتهميش عقيدة الأغلبية حرصاً على عدم تهميش عقيدة الآخرين، فأيُّ عقل منكوس هذا الذي يقرر مثل هذا الكلام؟ ثم هذه الحيادية المزعومة ليست حيادية؛ لأنها فقط أقصت الدين، وانحازت إلى العقل والخبرة والتجارب، والإسلام وإن كان لا ينكر دور العقل الذي هو مناط التكليف وكذلك دور الخبرة والتجارب، لكن ذلك لا يمكن أن يكون عوضاً عن الإسلام نفسه، أو يعارَض به.
وأما أن الإسلام لا يُكرِه أحداً على الدخول فيه فهذا حق، لكن هذا لا يعني أبداً حيادية الدولة الإسلامية تجاه الإسلام؛ فإن من أهم واجبات ولي الأمر المسلم التي نص عليها أهل العلم باتفاق هي إقامة دين الله ـ تعالى ـ وتحكيم الشريعة، وسياسة الدنيا بالدين.
стр. 5753
جوانب من حياة الشيخ عبد الله بن قعود «﵀»
١٣٤٣هـ ١٤٢٦هـ
عبد الله بن سليمان آل مهنا
هو الشيخ المربي الأثري (عبد الله بن حسن بن محمد بن قعود) ، وُلد ﵀ سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف من هجرة المصطفى ﷺ في بلدة (الحريق) جنوب الرياض، نشأ وترعرع في بيئة صالحة لا تعرف شيئاً من أسباب الانحراف، فنشأ صالحاً تقياً، وتعلّم القرآن في كُتّاب القرية عند الشيخ (محمد بن سعد آل سليمان) ، ثم تدرج في مدارج طلب العلم، فالتحق بحلقة قاضي البلد الشيخ (عبد العزيز بن إبراهيم آل عبد اللطيف) ، فحفظ بعض مختصرات شيخ الإسلام (ابن تيمية) والإمام (محمد بن عبد الوهاب) رحمهما الله.
وكانت نفس هذا الشاب توّاقة للمعالي، وكانت أخبار (ابن باز) تطير في الآفاق ـ آنذاك ـ، فهو (الشيخ) إذا أُطلق في تلك الأماكن من جنوب الرياض، فتاقت نفس الشاب (عبد الله ابن قعود) للّحوق بركب ذاك العلاّمة الذي يؤمّه طلاب العلم من العراق، وفلسطين، وجنوب الجزيرة، ونجد من باب أولى، فانضمّ لكوكبة الطلاب في (الدلم) في شهر صفر سنة ١٣٦٧هـ، ووجد في (ابن باز) بغيته، فقد كان العالم المتفنّن، صاحب السماحة والكرم، القاضي الفاضل العادل، الوجيه، الداعي إلى الخير، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، بل هو الشخصية التي جمعت من الخصال ما لم يجتمع إلا في القلائل من العلماء، هذه الخصال أثرت في شيخنا ﵀ تأثيراً واضحاً، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وفي أثناء وجوده في (الدلم) عند شيخه التقى بعدد من طلاب العلم، ممن وفدوا على الشيخ (ابن باز) ، فانتفع بهذا المزيج من أبناء العالم الإسلامي، فأفادهم وأفادوه، وقرأ على بعضهم ما لم يدرّس في نجد من العلوم، فقد حدثني ﵀ أنه أخذ علم العروض في (الدلم) على يد الشيخ (صالح ابن حسين العراقي) ، والتقى بعدد من الطلاب الأدباء عند الشيخ ﵀ فاستفاد منهم بلا شك، منهم الشيخ (راشد بن صالح بن خنين) ختم الله له بالصالحات، فقد كان له ردّ على (القصيمي) صاحب (الأغلال) ، وكان هذا الردّ نَظْماً، وقد أثنى عليه شيخه (ابن باز) ﵀، وممن ردّ عليه نَظْماً ـ أيضاً ـ الشيخ (صالح العراقي) المذكور آنفاً.
ومما حدثني به شيخنا ﵀ أن من أسباب اتجاه الشيخ (ابن باز) ﵀ للحديث وقد كان فقيهاً على طريقة مشايخه أن الطلاب الوافدين من خارج المملكة كانوا يكثرون على الشيخ في دروس الفقه من السؤال عن الدليل للمسألة، ولم يكن الشيخ يعتني بذلك، فكان بعد ذلك يحضّر للدرس بالمطالعة في كتب الحديث استعداداً للدرس، فاتجه للحديث، وهذا من فضائل الطلاب على شيوخهم.
انتفع شيخنا ـ أيضاً ـ بالحياة التربوية التي عاشها إبان وجوده في (الدلم) ، فقد كان (ابن باز) ﵀ عالماً مربياً لتلاميذه، يخرج بهم في رحلات تربوية يمازحهم، ويلقي عليهم المسائل بطريقة المسابقات، حسن المعشر لهم، حلو المفاكهة.
في هذا الجو العلمي الأدبي التربوي، تكوّنت شخصية (ابن قعود) ، ولذا كان يكرر في دروسه ويقول: أنا أفتخر بتتلمذي على (ابن باز) . وهذا من شيخنا ﵀ بلا شك من التحدّث بنعمة الله، ومن معرفة الفضل لأهله.
مكث شيخنا ﵀ أربع سنوات عند شيخه الكبير، حفظ فيها متون العلم، كـ: (زاد المستقنع) ، و (بلوغ المرام) ، الكتابان اللذان مَنْ حفظهما صار من أهل العلم المتأهلين للقضاء والفتوى. وكان ﵀ يروي لنا أن زميله الشيخ (راشد ابن خنين) كان يقول:
حفظُ الزاد والبلوغ ü كافيان في النبوغ
وحفظ أيضاً (العقيدة الواسطية) و (كتاب التوحيد) و (الآجرومية) و (نخبة الفكر) وكثيراً من (ألفية ابن مالك) في النحو وغير ذلك من المتون التي كانت تدرس في ذلك الزمان.
وبعد أن فتحت المعاهد العلمية في الرياض وغيرها، التحق الشيخ ﵀ بالمعهد العلمي بالرياض، في مطلع سنة ١٣٧١هـ، ثم التحق بكلية الشريعة سنة ١٣٧٧هـ، والتقى وتتلمذ في الرياض على علماء أجلاء، منهم (محمد الأمين الشنقيطي) صاحب (أضواء البيان) ، والشيخ (عبد الرحمن الأفريقي) ، والشيخ (عبد الرزاق عفيفي) ، والشيخ (عبد العزيز ابن محمد الشثري ـ أبو حبيب) . وبعد حج ١٣٧٠هـ درس علم التجويد في مكة المكرمة على الشيخ (سعد وقاص البخاري) ﵀. وكان الشيخ ابن باز ﵀ ممن درس على هذا الشيخ أيضاً.
وقفات من حياة الشيخ ﵀:
لعلّي أسرد شيئاً من الوقفات في حياة الشيخ؛ ليتعرف القارئ الكريم على شيء من شخصية الشيخ، وأعتذر عن ترتيبها حسب الأهمية:
١ ـ الشيخ ﵀ متجرد للحق لا يبالي بمن خالف الدليل كائناً من كان، وهذا من آثار تتلمذه على الشيخ (ابن باز) رحم الله الجميع، ولهذا خالف علماء الوقت في عدد من المسائل، ومنهم شيخه وأعضاء هيئة كبار العلماء، ومما أذكره من المسائل: «مسألة الحد في الخمر، فهو يرى أن حدَّ الخمر أربعين، مخالفاً مجلس هيئة كبار العلماء، ويرى عدم جواز رمي الجمار بالليل خلافاً لعلماء الوقت، ويرى أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى طلوع الفجر لا إلى نصف الليل، ويرى عدم مشروعية دعاء ختم القرآن المعمول به في كثير من المساجد، ويرى جواز جمع العصر إلى الجمعة، ويرى عدم مشروعية تحديد المهور، ويرى وقوع طلاق الحائض.
٢ ـ الشيخ ﵀ يعتني بتحرير المسائل العلمية، ويدرسها دراسة عميقة ويخرج برأي واضح فيها، ولذا لا تكاد تجد لديه تغيّراً في آرائه العلمية، وكان كثيراً ما يقول لنا في أثناء الدروس: «هذا الرأي كوّنته لنفسي منذ خمس وثلاثين سنة» ، وأحياناً في بعضها يقول: «منذ أربعين سنة» ، وكان يقول: «أنا أقول للإخوان في المجلس ـ يعني: مجلس هيئة كبار العلماء ـ: كيف تحتاجون بحث هذه المسألة؟ المفروض أن الإنسان قد كوّن له رأياً فيها من قبل» .
٣ ـ الشيخ ﵀ موضع ثقة عند شيخه (ابن باز) ﵀، فقد كان يكلفه بمهمات خاصة، منها ما ذكره الدكتور (سعد بن مطر العتيبي) ـ وفَّقه الله ـ في مقال له: أن الشيخ (ابن باز) أرسله ـ أي: ابن قعود ـ بخطاب إلى الرئيس الباكستاني (ضياء الحق) يطلب منه الشفاعة لدى الرئيس التركي (كنعان إيفرين) ليفرج عن البرفيسور (نجم الدين أربكان) ، فذهب الشيخ بالخطاب وسلّمه لـ (ضياء الحق) ﵀.
وأضيف إلى ذلك ما حدثني به الشيخ ﵀ أن ضياء الحق ﵀ لما أراد تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاده أعدَّ نظاماً للحدود الشرعية، ثم بعثه للشيخ (ابن باز) ﵀ لمراجعته، وبعد تعديله ومراجعته أرسله (ابن باز) مع شيخنا (ابن قعود) ﵀، وسلّمه لـ (ضياء الحق) ﵀ بيده.
وأرسله الشيخ ـ أيضاً ـ هو والشيخ (صالح بن سعود العلي) والشيخ (صالح المزروع) لقادة الجهاد الأفغاني؛ لجمع كلمتهم على إثر خلاف بينهم.
وذكر الدكتور (سعد العتيبي) أن الشيخ (ابن باز) ﵀ بعث شيخنا إلى رجل مدّعٍ للنبوة في أمريكا لمناظرته.
٤ ـ الشيخ ﵀ كما حدثني بنفسه فقال: أنا أول من غيّر أسلوب الخطابة في الرياض. قلت: كان الخطباء في عموم نجد حتى العلماء منهم يقرؤون الخطبة من ديوان (خُطب المخضوب) وهي خُطب معدّة على مدار العام بأسلوب مسجوع. فنقل الشيخ ﵀ الخطبة من ذاك الأسلوب القديم إلى أسلوب جديد أدبي مشحون بالأدلة من الكتاب والسُّنّة، يعالج فيه القضايا العصرية، منطلقاً من توحيد الله وتعظيمه، ملامساً حاجات الناس، ولذا كان الناس يقصدونه من أنحاء مدينة الرياض حتى العلماء، بل حتى الملك فيصل ﵀ كان يصلي معه في جامع الملك عبد العزيز ﵀ بالمربّع، وكانت خطبه مرتجلة يستدل فيها كثيراً بالنصوص الشرعية، وربما ذكر فيها أبياتاً أدبية، كثير الخشوع والبكاء، وسئل عن ذلك فأجاب: إنه لا يملك نفسه.
وله ﵀ منهج فريد في اختيار الخطبة، فقد سمعته مرةً يقول: إن بعض الإخوان يقول لي: ما هذه الموضوعات التي تطرقها في الخطبة؟ من أين لك عناوينها؟ فقلت له: في أثناء قراءتي للقرآن تسنح لي موضوعات من الآيات، فأربط الآيات بعضها مع بعض فيتكون لدي موضوع مفيد (معنى كلامه ﵀ ، ولهذا فإن الشيخ ﵀ هو مجدد في هذه البلاد فيما يتعلق بخطبة الجمعة.
٥ ـ الشيخ ﵀ كان له منهج في التعامل مع الفتن، فكان يوصي طلابه في أزمنة الفتن بقوله: اسمع أكثر مما تتكلم، وإذا خاض الناس في الأشخاص الذين يذكر عنهم سوء عمل أو معتقد أو نحو ذلك فإن الشيخ ﵀ يكلهم إلى خالقهم، فكان يقول: الله ـ تعالى ـ هو الذي يعلم المفسد من المصلح (اقتباساً من القرآن الكريم) ، ولذا كان يقول في دعائه في الخطبة أيام الهرج والمرج والاختلاف: اللهم إنك تعلم المفسد من المصلح اللهم فـ ... فلا يعين أحداً بدعاء أو قدح. ولعلك ـ أخي القارئ الكريم ـ تستفيد من رسالته ﵀ المسمّاة (الفتن المعاصرة وموقف المسلم منها) .
٦ ـ الشيخ ﵀ كان لا يقبل أعطيات السلطان، مع أنني لم أسمعه يحرمها، لكنه كان يقول: ما حاله ـ أي: الآخذ ـ قبل العطية وبعدها؟ كأنه يقول: إن الأعطية لا بدّ أن تؤثر في الآخذ لا محالة.
٧ ـ الشيخ ﵀ صاحب سماحة وكرم في الأخلاق لا يعرف له نظير فيما أعلم، يعرف دقائق ذلك مَنْ أكثرَ الجلوس معه، حتى إنه يصوّب ويوجه كلام السائل والمتكلم إذا أخطأ؛ حتى لا يقع في إحراج، وتواضعه ﵀ يعرفه كل أحد، فلا يردّ السائل المسترشد أيّاً كان، وربما جلس مع بعض الشباب الصغار وقتاً طويلاً لحل مشكلته، من غير ضجر ولا تذمّر، أما استقباله للزائرين عند الباب وخروجه معهم إلى الباب فكلُّ الناس يعلم ذلك ويدركه، سواءً كان الزائر صغيراً أو كبيراً عالماً أو عامياً ...
٨ ـ الشيخ ﵀ ناصح للخاص والعام، في قضايا الأمة، والمنكرات، والمناصحات الشخصية، ويشهد بذلك خواصّه. وقد كلّمته يوماً في منكر لعلّه يناصح صاحبه، فخرجت منه كلمة أجزمُ أنه لا يقصدها، قال لي: «أنا كثير النصائح» ، ويشهد لذلك نوعية الرسائل الموجودة في «مجموعه» فكثير منها مناصحات شخصية أو عامة لفئة من المجتمع، كـ: العلماء، والخطباء، والمجاهدين، والدعاة ونحوهم.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء التاسع من شهر رمضان سنة ست وعشرين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى ﷺ أفلَ نجم هذا الشيخ الكريم عن عمر بلغ ثلاثاً وثمانين سنة، وفقدت الأمة بموته عَلَماً من أعلامها ومرجعاً من مراجعها، فرحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5754
الأزمة ومنهج التغيير
د. محمد أمحزون
بدأ التخلف والجمود يطرقان أبواب عالمنا الإسلامي في القرون الأخيرة لأسباب وعوامل ليس هذا مجال ذكرها؛ لكن الغرب اللاتيني بعد ميلان موازين القوى لصالحه لجأ إلى تفكيك العالم الإسلامي لتصفية العالمية الإسلامية ومقوماتها الحضارية، واعتماد نموذجٍ للغزو؛ ركز في البداية على تفكيك المرتكزات والأصول، بحيث اعتمد التفكيك على المرحلية، وترتيب الأولويات، وتوظيف كل التقنيات العسكرية والمدنية (الفكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية) في سبيل ذلك (١) . واعتمد في سبيل ذلك على عدة مراحل تتلخص فيما يلي:
المرحلة الأولى: على التطويق والحصار الجيو ـ سياسي منذ ما يطلق عليه عصر الاستكشافات الجغرافية، بالعمل على التقليص الجغرافي للأرض الإسلامية باقتطاع أجزاء منها في الأندلس وأندونيسيا والقوقاز وأوروبا وإفريقيا والهند ... ، وتحويل طرق التجارة التقليدية التي تمر عبر بعض البلدان الإسلامية إلى المرور عبر المسالك البحرية الجديدة مثل طريق رأس الرجاء الصالح، والهيمنة على المنافذ والممرات البحرية (مضيق باب المندب، مضيق السويس، مضيق جبل طارق، مضيق الدردنيل، ومضيق البوسفور) التي تربط العالم الإسلامي بالعالم كله (٢) .
المرحلة الثانية: اعتمد على خطة التغلغل المدني (التجاري والمالي [القروض] والسياسي) للهيمنة على الثروة الإسلامية وتعطيل التجربة الاقتصادية (الصناعية) الذاتية، وربط العالم الإسلامي بالتبعية الاقتصادية للعالم اللاتيني حتى لا يعود مستقلاً اقتصادياً، وبالتالي لا يملك القدرة على التفلت من الهيمنة العسكرية والفكرية معاً (٣) .
كما قام في هذه المرحلة بتفكيك الوحدة الإسلامية بإدخال نظام الحدود الوطنية الجغرافية الضيقة بين الولايات الإسلامية، واستعمال الجوازات والتأشيرات الجمركية بين بعض البلدان الإسلامية لأول مرة انطلاقاً من منتصف القرن التاسع عشر، مما جعل البلد المسلم الواحد يتحول إلى محميات (فرنسية وإيطالية وأمريكية وبريطانية ... ) (٤) .
وهكذا أصبح المحميون يخضعون لنفوذ الدولة الحامية وقوانينها.
والأخطر من ذلك أنْ تمّ إلغاء بعض القوانين الشرعية الإسلامية وتعويضها بقوانين لاتينية في النظام المالي والضريبي والتجاري، وفي الاستثمار والاستغلال. وقد أدت البنوك والشركات اللاتينية دوراً سلبياً في تغيير العلاقات والقوانين الإسلامية بعلاقات وقوانين لاتينية، بحيث اعتُمِدت كآليات لتنفيذ الإجراءات الخاصة بتفكيك النظام الإسلامي في الجوانب الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وتغيير نظام الاستهلاك الذاتي بنظام استهلاك لاتيني في طريقة اللباس والمسكن والمواد الغذائية، بل في السلوكيات والأخلاق (١) .
المرحلة الثالثة: اعتمد الغرب اللاتينيون على الاحتلال العسكري، وتغيير الواقع الجيو ـ سياسي للعالم الإسلامي لتقسيمه إلى كيانات وطنية صغيرة متخلفة ضعيفة متناحرة فيما بينها، خاصة في مسألة الحدود التي تركها المحتل غير واضحة المعالم كقنابل موقوتة.
وبدأ يغرس فيها تدريجياً مؤسسة التغيير السياسي والفكري والثقافي والاقتصادي والإعلامي، لسلخها شيئاً فشيئاً عن هويتها وخصائصها الحضارية، فأحلَّ الفكرة العلمانية (فصل الدين عن الحياة) محل فكرة العقيدة، ورسخ الفكرة الوطنية محل فكرة الوحدة الإسلامية. وأصبحت القوانين الدستورية الوضعية هي التي تنظم علاقة المواطنين بالدولة، وأصبحت قوانين ومبادئ الاقتصاد اللاتيني هي التي تنتظم على أساسها العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي.
المرحلة الرابعة: كان قد منح الاستقلال الشكلي للمحميات أو المستعمرات الإسلامية وسيلة تخدم هدفاً مزدوجاً هو: حراسة مصالح المحتل، وتكوين السبل الكفيلة بدعم برامج التغريب التي تطمح إلى طبع البلدان الإسلامية بطابع الحضارة الغربية.
فحينما شمل التغريب كل الميادين، حيث تغلغل في السلوك الفردي، والفنون والآداب، والمناهج، والبرامج الدراسية، والإعلام، والاقتصاد، والقوانين ... أصبح الدمج الحضاري هو الهدف النهائي في عملية التغيير البطيئة لكنها أكيدة المفعول، كما يقول المثل الإنجليزي: (Slowly but sure) .
وفي ظل التحديث القائم على محاكاة النموذج الغربي في التنمية مما أدى إلى الاحتواء والتبعية، وتجسيد للفصام النكد والتشوه الحضاري الذي أصاب المجتمعات الإسلامية بالتقليد، فقامت على مضامين أيديولوجية مادية؛ ليبرالية واشتراكية، ووجودية وبراجماتية تشكل خطراً على الثقافة المحلية والأصالة، فأصبحت مجتماعتنا تبعاً لذلك أسيرةً للأنساق الثقافية الوافدة، والحلول التقنية الدخيلة، فاقدة للثقة بالقدرة على الابتكار والتجديد (٢) .
٣ ضرورة التغيير:
وانطلاقاً من العوامل والظروف والأحوال السالفة الذكر، والتي أدت إلى تفكك نظام الأمة على جميع الأصعدة، وتذويب الذات الإسلامية في العالمية اللاتينية، برزت عند الغيورين من الدعاة والمفكرين الإسلاميين فكرة المراجعة الإسلامية الجديدة، منطلقة من ممارسة قوانين التغيير والبناء للحد من النزيف في الجسم الإسلامي الذي تسعى العولمة الغربية المعاصرة إلى الإجهاز عليه والقضاء على عوامل المقاومة فيه؛ للتحكم بصفة نهائية في شؤون ومصائر الأمة الإسلامية.
وأمام هذا التحدي الخطير، فإن وضع أسس منهج التغيير كإطار لتأسيس تيار التغيير الفاعل والمجدي هو القانون الشرط الذي يقوم عليه تأسيس آليات حمل وتطبيق المشروع الحضاري الإسلامي، وتصحيح توجهات الأمة في مختلف المجالات، والعودة إلى إحياء دورها الرسالي، وهو في الوقت ذاته الرد الموضوعي على الأسباب التي أدت إلى الانهزام والسقوط. ذلك أن الهيمنة الكاملة غير ممكنة ما لم تُحطّم المرتكزات العقدية والخصائص الحضارية، وتحل محلها مقومات التبعية من خلال إقامة المجتمع الاستهلاكي التابع. وبذلك تدخل الشعوب الإسلامية في مضمار «العولمة الطوعية» (٣) ؛ وهي أخطر أنواع العولمة، إذ يدخل فيها الفرد باختياره وملء إرادته، حيث توجد عولمة لا شعورية تلقائية يصل فيها المرء باختياره إلى الانهزامية والاستلاب في مواجهة النموذج الغازي.
ولعل ذلك ما قرره ابن خلدون في (مقدمته) : بأن المغلوب لا يزال مولعاً بتقليد الغالب (٤) .
لكن القرآن الكريم يطرح مبدأ التغيير الذاتي في مقابلة حتمية السقوط. إنَّه يمنح الإرادة المؤمنة فرصتها في صياغة المصير في استعادته إذا ما أفلت من بين أيديها. ومن ثم فإنه ما إن تتهيأ هذه الإرادة للعمل عن طريق الشحذ النفسي والاستعداد الأخلاقي، حتى تكون قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية من أي نوع كانت، وبأي درجة جاءت، فتعجنها وتصوغها من جديد لصالح الإنسان والمجتمع (٥) .
٣ مقومات التغيير:
١ ـ الانشداد إلى الأصول:
الأصل لم يكن أصلاً إلا ليكون منارة يهتدى بها، ومنطلقاً تنسب إليه الفروع، وتقاس عليه المستجدات، وتعتبر به الثوابت والمتغيرات (٦) .
والدوران في فلك الأصول والثوابت ضرورة ملحة وشرعية في آن واحد؛ لأنها تقي من الانحراف والزيغ عن الطريق القويم، وتمثل طوق النجاة بالنسبة للمجتمع المسلم، إذ تحميه من التفكك والتشرذم، ومن الفرقة والخلاف. على أن المجتمع المتراص في جوهره تعبير عن مجمل العقائد والمفاهيم والأعراف، وما ينبني عليها من علاقات ومصالح تسود رقعة مكانية معينة، وتخضع لها مجموعة بشرية محددة (١) .
وجدير بالإشارة أن للعقيدة دوراً رئيساً وفعالاً في تحديد ماهية الفعل الاجتماعي، إذ أنها تحدد اتجاهه. كما أنها تفسره، وتظهر مسوغاته، وتكشف عن منطقيته، وكذلك تحدد أهدافه، وترشد إلى كثير من نظمه ووسائله (٢) .
وإن كثيراً من التمزق والازدواجية والتيه الذي أصاب مجتمعات المسلمين المعاصرة، هو بعض نتائج ضمور عقيدة التوحيد على مستوى تمثلها وفهمها أولاً، ثم على مستوى فاعليتها وعملها في حياة الناس ثانياً، لأنها تعتبر عاملاً في توجيه السلوك، ومصدر دفع إلى البذل والتضحية.
فحين تشكل العقيدةُ القاعدةَ الأساسية للحياة الفكرية تتوحد نظرة الناس إلى قضايا عديدة، مثل: الحلال والحرام، والمال والجاه والسلطة، والإيثار والأَثَرَة، وخلاف التنوع وخلاف التضاد، وأسس التفاضل والنجاح، وقطعيات الخطأ والصواب. وهذا الأسلوب من التطابق في وجهات النظر على العموم يولد اتجاهاً موحداً للعواطف، ويحدد ملاقي التعاضد والتآزر، والتعاون والتكامل، والتقدير والاحترام، والتواصل الاجتماعي (٣) .
فبوحدة المفاهيم والأصول يرقى المجتمع ويبلغ درجة من التنظيم والتنسيق تجعل فوضوية الفرد وأنانيته منبوذة وعالية التكلفة، على أنه ليس في المجتمع البدائي المتخلف أحكام وقيم ثابتة مستقرة، وليس فيه أشخاص مستعدون للتضحية في سبيل انتظام مصالح المجموع والرقي العام.
إن الإيمان الحي المتدفق هو الطاقة الكبرى التي نحتاجها في مرحلة الإقلاع والتأسيس، ومن ثم فإن الأخذ بأسباب تنميته يعد من الأولويات. وإذ نحاول أن ننطلق نحو آفاق رحبة لتغيير الواقع من سيء إلى حسن، ونجدد مضامين الانطلاقة الأولى التي قادها النبي ﷺ وأهل القرون المفضلة من بعده، فإن ذلك يستدعي إيجاد نواة صلبة مؤثرة من الرواد الذي يتلقون تربية مكثفة متميزة ترسخ فيهم معاني الإيمان، وتجعل منهم قاعدة فريدة تتحمل عناء البناء والتغيير؛ ففي الحديث الشريف: «الناس كالإبل المائة قلَّ أن تجد فيها راحلة» (٤) .
ومن الخصائص الروحية والخلقية التي يتميز بها هؤلاء الرواد الذين تشربوا حقيقة الإيمان الصحيح ما يلي:
١ ـ الصلة القوية بالله ـ تعالى ـ التي تغمر كيان المسلم، وتنقل إيمانه من حيز التصديق القلبي إلى حيز العمل القلبي؛ من الصدق والإخلاص والإنابة والخشوع والرضا واليقين والمحبة وغيرها من أعمال القلب التي تحوّل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية، حتى يصل المرء إلى درجة الإحسان.
٢ ـ الصبر وطول النفس؛ حيث إن الواقع السيء الذي تعيشه الأمة الإسلامية ما هو إلا خلاصة لتراكمات أخطاء قرون عديدة. ولكي يتحسن الواقع بصورة جيدة؛ فإنه يحتاج إلى زمن مديد وجهد كبير؛ فالإمامة والريادة لا تنال إلاَّ بالصبر واليقين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] .
٣ ـ التضحية والعطاء السخي، وبذل المال والوقت والنفس في سبيل الله ـ تعالى ـ سمة مهمة في الرائد. فعلى الرغم من أن هذه المعاني عميقة في ثقافة المؤمن ومتجذرة في وجدانه، إلاَّ أن الناس يبحثون دوماً عن القدوة والنموذج المحسوس، إذ هو أسهل في الإدراك وأعظم في التأثير (٥) .
إن الطريق الأقوم لفهم العصر والمشاركة في صناعته هو معرفة الثوابت على نحو جيد، والتفريق بينها وبين المتغيرات، وإعمال المنهج الرباني في الصور الذهنية التي نُكوّنها عن الواقع، إذ يعد الوحي الإطارَ المرجعي، ومركز الرؤيا، ومؤشر الهداية الذي يمنح العقل القيم التي تعصمه من الزيغ والانحراف.
ولأجل ذلك؛ فإن تجديد أمر الدين مرتبط أساساً بإصلاح عالم الأفكار، وتغيير العقليات، وتجديد مناهج التفكير، وإعادة تشكيل العقل المسلم المعاصر ليستوعب محكمات وقطعيات العقيدة التي تعد بمثابة أسس ومعايير فكرية يستند إليها في اقتحام معترك العالمية، مستفيداً من المعارف والمناهج والوسائل النافعة، ومن خبرات الآخرين، مع نوع من الانفتاح المنضبط وممارسة النقد وفق معايير شرعية وحضارية ومصلحية.
إن سلامة الاعتقاد والتصور شرط لإنتاج المعرفة الصحيحة، وإنتاج المواقف والسلوكيات المتزنة، وضمان العطاء والفاعلية، وبناء مجتمع على أسس قويمة.
فتغيير واقع الأمة يتطلب في المستوى الأول تغيير النفوس، ومن عناصر ذلك التغيير: تعميق الفهم، وتجديد الفكر، وتصحيح المفاهيم التي من أهمها مفهوم الفرد الذي يعد عنصراً أساسياً في بناء الأمة، ولكن بشرط أن يقوم بدوره الأكمل بتعاونه مع بقية أفراد الأمة، وتصحيح مفهوم الجماعة التي تتوحد أفكارها وممارستها من أجل تحقيق رسالة الأمة.
وهذا يستدعي إجراءات منها: فكّ الارتباط القائم بين العمل الإسلامي والأطر الحزبية الضيقة؛ ليتقبل العمل الإسلامي الفكرة الصائبة الموصلة إلى الهدف سواء انبعثت من داخله أو خارجه، وتنمية الصفات التي تحقق التفاعل بين الأفراد وتعميقها؛ كالأخوّة، والشورى، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والعطاء المتبادل، والقدرة على التجميع في نطاق رابطة العقيدة لا الحزب (١) .
ذلك أن طبيعة البناء الحضاري أصبحت اليوم ـ ونحن على مشارف العصر العالمي ـ معقدة للغاية، ولذا فحاجتها ماسة جداً إلى الفعل المنهجي المنظم أو برنامج العمل الذي يحافظ للحركة التغييرية على خطها الفكري الأصيل، مع منحها القدرة على استيعاب التجارب المعاصرة وخبرات الآخرين، كما أن حاجتها ماسة إلى الوسيلة الكفؤة والمناسبة والمشروعة، وإلى الأسلوب الأمثل والفعال.
٢ ـ استيعاب وسائل العصر:
إن حضارة هذا العصر قائمة على أساس المعرفة. والمعرفة اليوم أهم الأسلحة المستخدمة في الصراع بين الأمم، فعن طريقها يتم تطوير كل الأسلحة الأخرى، وعن طريقها تتم السيطرة على عقلية الخصم وهزيمة نفسيته وروحه. ومدخلنا إليها لن يكون إلا عن طريق شحذ الفعالية العلمية للأمة، واستيعاب طرائق ونظم التقنية المعاصرة لتفعيل البناء الحضاري.
ولهذا الغرض ينبغي تأسيس المعرفة؛ لأن الإنسان حين يمتلك المعرفة فإنه في الحقيقة يملك قوة تفوق القوة العسكرية والقوة الاقتصادية؛ ذلك أن القوة العسكرية مع أنها يمكن أن تؤدي إلى نتائج تغييرية إلا أنها تبقى في الشكل لا في المضمون، إذ يمكن قلب الوضع في المجتمع بالقوة العسكرية وإرغام الناس على سلوك معين، ولكنّ الجوهر يبقى ثابتاً في المجتمع، ويبقى الناس في دواخلهم كارهين للوضع الجديد.
وبالصورة نفسها؛ فإن القوة المالية قد تؤثر في إرغام الفرد أو المجتمع من منطلق الحاجة إلى الانتقال من وضع إلى آخر، إلا أنَّ الجوهر يبقى ثابتاً.
أما القوة المعرفية؛ فإنها تفوق في الجانب النوعي والتأثيري القوتين السابقتين، من حيث أنَّها يمكن أن تستخدم للإقناع، أو الاستدراج، أو التلبيس والتمويه، أو التخويف النفسي والإرغام، وبالتالي التحويل شكلاً وجوهراً.
ولذلك، فإن الغرب أدرك هذه الحقيقة مبكراً في هذا العصر، حيث يقول (ونستون تشرشل) : «إن إمبراطورية المستقبل هي إمبراطورية العقل» (٢) .
ولأجل هذا؛ بذلوا جهداً ووقتاً ومالاً واسعاً لامتلاك هذه القوة بمعرفة المجتمعات الأخرى، ومسحها مسحاً شاملاً من أصولها الأولى إلى ذروتها ثم انحطاطها لأجل السيطرة عليها، وبمعرفة مجتماعتهم أنفسهم لتأهيلها للقيام بدور الريادة والقيادة عالمياً.
وعلى سبيل المثال؛ الولايات المتحدة هي بجملتها مؤسسة ضخمة تضم في غضونها عدداً هائلاً من المؤسسات مختلفة التخصصات، ولا تتغير استراتيجياتها الرئيسة ومصالحها الحيوية بتغير أفراد حكوماتها ورؤسائها، بل من منطلق مصلحي جماعي.
٣ منهج التغيير ومراحله:
إن التغيير اليوم من متطلبات استمرارية الأمة، ومن شروط استعادتها لمكانتها ولهيبتها الحضارية، فهو الذي يتيح للدعاة رواد العملية التغييرية فرصة توفير موجبات (الوراثة الحضارية) ، ويعينهم على تحقيق هذه السنة الربانية: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ .
[الأنبياء: ١٠٥]
وجدير بالذكر أن منهج الدعوة لبناء مشروع التغيير ينبغي أن يقطع ثلاث مراحل رئيسة، كل مرحلة تتميز عن الأخرى بأولويات ومواصفات معينة، وكل مرحلة هي تدرج نحو المرحلة الأعلى وذلك وفقاً لما يلي:
أولاً: المرحلة التربوية:
وهي المرحلة التي يتميز فيها العمل ويتركز على التشكيل العلمي والتربوي للأفراد من أجل إعادة بناء العقل الرسالي عندهم؛ نظراً لغياب هذا العقل عموماً في واقع المسلمين منذ أمد بعيد؛ بسبب انتشار ثقافة إسلامية تهيمن عليها المفاهيم والأفكار السكونية السلبية والانعزالية، وترجيح الفردية، والاستسلام للتقاليد والعادات، وتبعيض الإسلام وغلقه داخل حدود العبادات الفردية غالباً.
إن إعادة بناء العقل الرسالي في هذه المرحلة ينبغي أن يتم على أساس برنامج يعالج عند المدعوين أربعة أمور رئيسة:
١ ـ إدراك قوانين بناء تيار التغيير: والتي تقوم بالضرورة على فقه الدين، وفقه الدعوة، وفقه الواقع، في إطار نظام عقدي عملي حي يحقق بالنسبة لفقه التدين تصحيحات ثلاث في مسارات متوازنة هي:
أـ تصحيح التصور الإسلامي باعتباره قانوناً يتجاوز التصور المنحرف الشركي أو البدعي.
ب ـ ربط السلوك الإسلامي بالتصور العقدي على صعيد الفعل؛ لتجاوز السلوك المنحرف.
جـ ـ تصحيح الالتزام الإسلامي باعتباره ضرورة؛ لتجاوز الالتزام الوهمي الخادع (١) .
وإذا كان الفرد هو محور هذه المرحلة، فلأنه هو الخلية الحضارية التي يجب تكوينها وبناؤها ورعايتها، وتأمين المحضن المناسب لها. إننا إذا اهتممنا بالفرد ونمّينا قدراته، وصقلنا مواهبه وشحذنا فعاليته، وفجرنا طاقاته، استيقظت فيه روح العمل، وتدفق عطاؤه، وغدا بإمكاناته الروحية والمادية مستعداً للتلقي والإبداع، وملاحقة العصر، ومواكبة حضارته بنظرة ثاقبة، وبصيرة نيّرة، وعزيمة وثّابة تتجاوز مظاهر الخمول والكسل والسلبية التي يعاني من رواسبها الإنسان المسلم في الوقت الحاضر (٢) .
إن تكوين الفرد على هذه الوتيرة يجعله يعيش عصره بكفاءة وفعالية بحيث يشعر بقدرته على التغيير؛ تغيير نفسه، وتغيير محيطه ورؤيته للأشياء، فيمتلك القدرة على مغالبة الرتابة والعادات السلبية والتفوق عليها، وتحديث أساليب الدعوة والخطاب بصورة مستمرة.
٢ ـ تحديد عناصر الأزمة التي تولدت عن الأزمة الأصل: وذلك حتى يستوعب تيار الصحوة الأسباب التي فتكت بالأمة وقعدت بها عن النهوض والتوثب الحضاري، وشوهت حقيقة الإسلام، وشكلت أوضاع التخلف التي ترزح بظلالها وقتامتها على الواقع العام الإسلامي اليوم.
وتحديد عناصر الأزمة ينبع أصلاً من فهم الواقع فهماً عميقاً يمكن الوصول إليه باكتساب رؤية منهجية في دراسة الأحداث والمشكلات، أي دراسة حركة الخلق ووجهتها الحضارية، ومعرفة مواقفهم من القضايا التي تواجههم، وإمكانياتهم: الفكرية، والعقلية، والروحية، والسلوكية، والجسدية، ومعرفة أوضاعهم: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، والعسكرية، وإدراك كل ما يتعلق بحياتهم الفردية والجماعية بشروط قيامها وعوامل انهيارها، وكذلك ما يتصل بعلاقاتهم مع الخالق ومع بعضهم بعضاً، ومع الكون المحيط بهم (٣) .
٣ ـ تحديد الملامح العامة لمشروع التغيير المطلوب لتحقيقه واقعاً:
التغيير الذي نحتاجه اليوم هو التغيير الإحاطي الذي يساعد على رؤية الخيارات ويطرح البدائل، ويدرك التأثيرات المتبادلة والآثار المترتبة على كل خيار، وهذا لن يتأتى إلا من خلال المعرفة المتنوعة (٤) .
على أن الرؤية الشاملة هي رؤية تركيبية متحركة ومتطورة؛ إذ العالم من حولنا يتغير بإمكاناته ووسائله وأدواته، وهذا يعني أن الصور التي نُكوّنها عن محيطنا الأدنى والأقصى يجب أن تكون قابلة للمراجعة والمتابعة والإضافة والتشذيب، وإلا تفلّت الواقع من بين أيدينا وصرنا إلى الرؤية الضبابية التي تخلط بين الألوان (٥) .
| متلازمِ الشروط المكونة للمشروع: باعتبارها في سنة التغيير لا تقبل التقسيم والتجزئة والفصل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] ، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يقول ـ تعالى ـ آمراً عباده المؤمنين به المصدقين لرسوله ﷺ أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك» (٦) .
وهذه كلمة جامعة تفيد وجوب أخذ الإسلام جملة وتفصيلاً، فهو لا يقبل التجزئة والانتقال وأنصاف الحلول على صعيد الأصول والثوابت.
ولذلك فالله ـ تعالى ـ وبّخ أولئك الذين جعلوا القرآن الكريم عضين؛ فجزؤوا كتبهم المنزلة عليهم، فآمنوا ببعضها وكفروا ببعض: ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٠ - ٩٢] .
٤ ـ تحديد أهداف المشروع والتي منها بالخصوص:
ـ بناء المسلم النموذجي المجدِّد.
ـ ربط الأمة المسلمة بمفهوم العبادة الشاملة في الحياة، وتقوية صلتها بالله ، والقيام بدور الاستخلاف في الأرض المنوط به؛ لتحكيم الشريعة الإسلامية في جميع مناحي الحياة، وعمارة الأرض وفقاً لمنهجها.
ـ إخراج الأمة من أوضاع الحصار والقمع والاستغلال والظلم والقهر والتخلف الشامل، وإعادة بنائها من جديد وفق مقاصد الإسلام.
ـ فتح آفاق الخطاب مع العالم والحوار معه بشكل علمي حر ونزيه، والتعامل معه على أساس المقاصد العليا، والمصالح الإنسانية الكبرى.
على أن إعادة بناء العقل الرسالي على هذه الأسس هو هدف المرحلة التربوية التي ترنو إلى:
أـ تشكيل عقل جديد.
ب ـ تشكيل عزم جديد.
جـ ـ تشكيل سلوك جديد.
د ـ تشكيل التزام جديد (١) .
ونتيجة لهذا التشكيل الشمولي يمكن أن يحدث تغير في قناعات الإنسان المسلم، وتحول في استعداداته، ونقلة نوعية في سلوكه وحركته، ويصبح نتيجةً لذلك قادراً على نشر الفكرة الإسلامية الأصيلة في محيطه وخارجه، مستعداً لأن يجعلها قابلة للانتشار بوسائل متنوعة ومختلفة تكون قادرة على منع أي تيار أو مخطط من أن يمحوها أو يطوقها أو يصادرها (٢) .
إن الهدف من هذه المرحلة التربوية هو جعل الفكرة الإسلامية المتمثلة في (الوعي بالتغيير، ومشروع التغيير، وضرورة التغيير) فكرة واضحة مغروسة متمكنة عند عدد لا بأس به من الأفراد يُكوِّنون القاعدة الصلبة المؤثرة؛ فالسنن الربانية في الأمم، والقوانين الثابتة في الاجتماع تدل على أن التغيير إلى الإصلاح لا بد أن يعتمد على نواة صلبة جداً، ونقية، ومؤثرة إلى حد بعيد، تجتمع في فلكها عناصر: الصلابة، والنقاء، والتأثير.
والمطلوب في هذه المرحلة هو تشكل نظام الجماعة باعتباره نخبة أو صفوة تمثل نوعية ممتازة لديها القدرة على الانتشار في مختلف المواقع، بسبب تأهيل الأقوياء الأمناء الأكفاء في كل مجال وفي كل قطاع حيوي.
ثانياً: المرحلة الاجتماعية:
والمقصود بها المرحلة التي يتقرر فيها إعادة ترتيب أولويات وسائل العمل الدعوي، باعتماده منهجاً تعطى فيه الأولوية للوسائل والأدوات التي تُمكِّن من التغلغل والانتشار في المجتمع، والامتداد في كل شرائحه ومستوياته ومواقعه من أجل تأسيس (تيار إسلامي) ، أي: رأي جماهيري عام مقتنع بالفكرة الإسلامية ومتشبع بالمنهج الإسلامي باعتباره الحل الحقيقي للأزمة بكل تشعباتها ومشكلاتها المتنوعة.
فالهدف من هذه المرحلة التغييرية هو إقناع المجتمع بالفكرة الإسلامية باعتباره مشروعاً حضارياً، وربط المجتمع بهذا المشروع، وجعله يقتنع تماماً بأن مصالحه المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، استقراره وحريته وعدله، ورسالته كأمة حضارية، وحركته التاريخية، وقدرته على التدافع، ونجاحه في الخروج من الفقر والجهل والتخلف والاستبعاد إلى الاستقلال الحقيقي تتحدد وتتلخص بشكل حاسم ونهائي في المشروع الحضاري الإسلامي.
فإذا اقتنع المجتمع بهذه الرؤية بواسطة قنوات وآليات متعددة، وانشغل أساساً بضرورة تحكيم الإسلام في حياته، تأسس ما يمكن أن نطلق عليه: تيار التغيير.
أما آليات ووسائل هذه المرحلة فتشمل كل أداة يمكنها التأثير في المجتمع، ومنها على سبيل المثال:
١ ـ التعليم: بفتح المدارس الحرة في المراحل المختلفة من الروضة إلى الجامعة، لإعادة صياغة عقلية الناشئة عن طريق تبليغ وترسيخ الأصول والمعارف الإسلامية في نفوسها، حتى يتأسس بتراكمها قواعد ومناهج تساعد على إعادة تشكيل قناعات المجتمع، وتحديد توجهاته، وبناء مواقفه واختياراته على أساس المرجعية الإسلامية، والضوابط الشرعية.
على أن يتمّ ربط التعليم بالتربية لنقل المفاهيم والمبادئ إلى سلوكيات عملية تتكامل فيها التزكية والفقه، والعلم والعمل.
٢ ـ الإعلام: في عصرنا الحاضر تطورت وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة تطوراً كبيراً، حيث أصبحت سلاحاً خطيراً يتعدى دورها الترويج والترفيه والأخبار، ليعمل على تبديل المفاهيم وصناعة الاتجاهات، مما أكسبها قدرة ملموسة على الاستقطاب والتأثير والتوجيه.
ولما كان التغيير نحو الأحسن هو قَدَرُ الدعوة الإسلامية، فقد أصبح لزاماً عليها أن تنظر إلى الإعلام باعتباره أداة مؤثرة على الرأي العام المحلي من جهة، ووسيلة فعالة للتعريف بالإسلام وتبليغ رسالته عالمياً من جهه أخرى، مما يتطلب ضرورة الوصول إلى خطاب إعلامي متميز وشامل يقوم بوظيفة البلاغ المبين، ويقدم رسالة الإسلام إلى الناس كافة بأنها الأصلح لهم والأنفع لدنياهم وأخراهم.
على أن الإعداد المهني لحامل الرسالة الإعلامية ينبغي أن يكون وفق برامج تدريبية مدروسة ذات أهداف واضحة على أيدٍ مخلصة واعية خبيرة، ويشمل كافة المجالات مثل:
ـ مجال المناظرة والحوار والندوة.
ـ مجال الكتابة الصحفية والأدبية.
ـ مجال الإلقاء والإعداد البرامجي في الإذاعة والتلفاز عبر إذاعة وقناة إسلامية شرعية.
ـ مجال المعارض.
ـ مجال المؤتمرات.
وبذلك يتحقق للإسلام أصالته وتمايزه عن الإعلام الغربي (٣) .
هناك بطبيعة الحال وسائل أخرى يمكن استثمارها في مجال التغيير؛ مثل: الجمعيات والنوادي الثقافية، والاتحادات والنقابات، وهيئات الإغاثة والمعونة التي تقدم الخدمات الاجتماعية للناس وتتبنى قضاياهم، وتحقق مصالحهم ومنافعهم اليومية.
ثالثاً: المرحلة التنزيلية:
وهي المرحلة التي ينبغي فيها انطلاق عملية تنزيل البدائل الإسلامية على أرض الواقع، لمعالجة مصادر الأزمة والأوضاع التي ساهمت فيها. ومن المفروض أن تكون المرحلة الاجتماعية السابقة قد حققت فيها شوطاً مهماً على مستوى البُنى التحتية؛ مثل (التربية والتعليم، والإعلام، وقوى الضغط الاجتماعي مثل النقابات والجمعيات ... إلخ) (١) .
ولما كان التغيير الحقيقي والحاسم عادة ما يواجه بعوائق وصعوبات، ولذلك فهذه المرحلة التنزيلية عادة ما تبدأ بمواجهة التحديات، فهي بذلك أصعب مرحلة في مسلسل التغيير.
وفي هذه المرحلة ينبغي أن تمتلك الدعوة الإسلامية رصيداً كبيراً في الأمة، وتستند إلى قاعدة عامة قوية تدخل بها دائرة النضج والاكتمال. ولكي تحقق هذه الغاية لا بد أن تشقّ الطريق نحو القاعدة أكثر فأكثر، فتدخل في نسيجها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وتوظف مختلف الإمكانيات والوسائل المتاحة للقيام بالتغيير المنشود.
وعندما يصبح الكم والكيف في الحدود المطلوبة والكافية، عندئذ تبدأ تلك المرحلة التي قد تطول بدورها لفترة غير محدودة، لكنها محسومة بإذن الله ـ تعالى ـ لمصلحة الفئة المؤمنة المحتسبة الصابرة المستقيمة على منهج الله ـ تعالى ـ ورسوله ﷺ .
وبعبارة أخرى: إن تكوين القاعدة حسب المواصفات المذكورة سلفاً، مع حضور شعبي للدعوة، وتأثير واقعي مترادف في كافة المواقع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية ستسهم جميعها في أن تصل قوة المد الدعوي كماً وكيفاً إلى مرحلة التمكين لهذا الدين بإذن الله.
وهذا يقضي سبر أغوار سنة الإعداد، وهي ثمرة الفهم الصحيح والقصد السليم والصبر الطويل.
والإعداد يجب أن يشمل الجوانب الآتية:
أـ الإعداد العلمي والمعرفي، والتفقه في الدين والبصيرة فيه.
ب ـ الإعداد التربوي والسلوكي.
جـ ـ الإعداد المالي.
د ـ الإعداد الإعلامي.
هـ ـ الإعداد البدني (٢) .
وعلى العموم، من علامات تلك المرحلة أن تتوفر لدى العمل الإسلامي من القوى عددياً ومادياً ما هو أعلى من الحد الأدنى المطلوب، لكن هذا الأمر لا يمكن ادعاء حصره أو توقيته؛ إذ أنه ينبني على جملة من العوامل؛ منها: مدى قوة الصدق والإخلاص في النفوس، ومدى الاستعداد للتضحية وبذل الوقت والمال، وهذا بدوره يرجع إلى الإعداد التربوي، ومدى إحكام التخطيط، والإعداد على كافة الأصعدة.
٣ الخاتمة:
ممّا لا ريب فيه أن المخْرَج من التبعية التي تؤسسها العولمة في المجتمعات الإسلامية اليوم يوماً بعد يوم ينحصر في أمرين:
الأول: استعادة الوعي بالهويّة الإسلامية، وتحصين العقل المسلم من الاختراق الثقافي والاستلاب الفكري في مجال القيم والمبادئ والأصول الثابتة التي لا غنى عنها في مواجهة خطط تذويب الذات، وتدمير البنية التحتية العقدية والفكرية التي تحفظ للأمة شخصيتها واستقلالها. علماً بأن الهوية تعتبر الآن عنصراً هاماً واستراتيجياً بالنسبة لأمن الأمم والدول في إدارتها للصراع والتنافس مع الدول الأخرى. والمطلع على خطط الدول الأمنية أو التنموية يلحظ أن مسألة الهويّة تختص بعناية واهتمام؛ لأنها خط الدفاع الأول عن ذاكرة الأمة ولغتها وتاريخها وقيمتها الحضارية. على أن الإسلام يمتلك منظومة من القيم تحقق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهي شروط ضرورية لبناء مجتمع منظم ومتحضر وقوي يستطيع أن يواجه تحديات العولمة الغربية.
ولتحقيق ذلك لابدّ من التركيز على الجانب النفسي والتربوي في بناء العقل المسلم المعاصر، وذلك بدمج العملية التعليمية والتربوية في إطار واحد، بإرساء وغرس قواعد البعد العام الاجتماعي في التكوين النفسي والتربوي للفرد المسلم، وما يتبعها من مبادئ وقيم؛ كالعدل، والشورى، والمساواة، والحرية، والصدق، والإخلاص، والتضامن، والتكافل، والتضحية، والبذل، وتقدير قيمة الوقت، وامتلاك روح الجَلَد، والصبر على العمل والإنتاج، والتعود على النظام، وإحكام التخطيط، وتربية روح الانتماء لدى الفرد، والحرص على مصالح الأمة وحقوقها ورعايتها، وحماية مؤسساتها العامة، والمحافظة على النظام العام وغير ذلك، حيث تصبح هذه القيم عرفاً ملزماً للجميع يهتزّ لها ضمير المجتمع في حال المساس بها.
والثاني: الانفتاح على الحضارات الأخرى في مجال التقنية وعلوم الوسائل، حرصاً على امتلاك المعرفة ثم القوة في المجالات المختلفة لدعم التنمية الشاملة، وذلك بربط السياسات الفعلية والتربوية بسياسات التنمية في تلك القطاعات وتفجير الطاقات الكامنة في المجتمعات الإسلامية.
فالتقدم الحقيقي لا يمكن إحرازه إلا بالجمع بين الأصالة والمعاصرة أو بعبارة أخرى بين الثابت والمتغير؛ ثابت يجب الحفاظ عليه ويتضمن العقيدة واللغة والتاريخ وقيم التنشئة الاجتماعية، ومتغير يفتح المجال للتفاعل مع علوم العصر، مع إيجاد المناخ الملائم للابتكار والإبداع والتجديد.
إن التغيير الاجتماعي شيء محتوم، ومعادلته الجمعُ بين الأصالة والمعاصرة، وإن علينا أن نرشِّده بدل أن نقاومه، وترشيده يكون من خلال المراقبة الدقيقة والمتابعة والمراجعة، فنضع الخطوط الحمراء في وجه كل تغيير يمس الأصول والثوابت، والأهداف الكبرى، والمبادئ العليا للأمة، ونرحب؛ بل ونبدع في الوسائل والأدوات، ونجدد الأساليب والآليات التي تساعدنا على تنشيط وظائف نظمنا الدعوية والاجتماعية، وتوظيف كل طاقاتنا وإمكاناتنا على طريق تحقيق آمالنا وأهدافنا السامية في هذه الحياة التي هي مسرح الابتلاء والتدافع: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .
стр. 5755
التلازم بين العقيدة والدعوة
سعد بن ناصر الغنَّام
الحديث عن الدعوة ذو شجون؛ لأنك تقتفي آثار المصطفى ﵊ في أعظم أعماله، بل الهدفَ من بعثته وهو دعوة الناس إلى الخير. والعجيب أن أكثر الناس يحرصون على ترسُّم خطاه في كل صغيرة وهذا حق، مثل: تحريك الأصابع في التشهد، أو الإشارة بها؛ وهذا هو الصحيح، ولكن لا يتصورون أنَّ التأسِّيَ يكون في حركته الدعوية في المجتمع، وتنقُّله بين الديار والقبائل والمجالس حاملاً همّ الدعوة إلى الله - تعالى -
إنها مفارقة عجيبة تحتاج إلى تأمل!
وعندما نبحث عن الأسباب نجدها كثيرة. يهمنا هنا الجهل بالترابط الوثيق بين العقيدة والدعوة إلى الله ـ تعالى ـ، لذلك نحاول الربط بين الأمرين من خلال مسائل معينة، وبالله التوفيق.
أولاً: كلمة العقيدة كما نفهمها من لغتنا العربية تُفيد الربط والإحكام، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وقال : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
فكيف يُتَصوّر أن ينطلق إنسان من دعوة لم تنعقد بعدُ في قلبه بشكل واضح وقوي؟ لأن الدعوة كما أنها تشريف؛ فإنها تكليف بأعباء وأثقال لا يقوى عليها إلا من تربى تربية عميقة على العقيدة. قال ـ تعالى ـ بعد الأمر بقيام الليل: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] .
وهذه فرصة للتذكير بأحد جولات النبي ﷺ الدعوية، من خلال الجهاد في غزوة أحد، حيث تجلّت مواقف البطولة عند أصحاب العقيدة، وتكشفت صور النكوص والهزيمة عندما ضعفت العقيدة. أترك الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول هذا، حيث ذكر بعد حصول رجوع رأس النفاق (عبد الله بن أُبيِّ) : انخذل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء المضروب به المثل.
فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق لماتوا على الإسلام (١) .
إذن طريق الدعوة طويل يحتاج إلى طول نفس وعمق في العقيدة، نسأل الله الثبات والإعانة.
ثانياً: إذا لم تكن العقيدة واضحة في ذهن الداعية، فإلامَ سيدعو الناس؟!
هل سيدعوهم إلى قضايا وهمية؟ أم تناقضات عقلية؟
فما أجملَ قوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ! [يوسف: ١٠٨] .
لذلك رتّب النبي ﷺ الأولويات عند معاذ ﵁ فقال: «وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» . وهذا الترتيب الشرعي في الدعوة يؤدي إلى قبول الناس للدعوة، والعمل بمقتضاها من التشريعات والأحكام، وهذا مثل جذور الشجرة، وجذعها وفروعها وأوراقها، فعلى قدر ترسخ الجذور يكون النمو في الخارج، لذلك تجد القرآن يربط بين الجذور العقدية والتطبيقات الشرعية، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١ - ٥] .
إذاً لا يمكن الانضباط الشرعي في السلوك والأخلاق، إلا بالشعور بقضية عقدية مهمة؛ وهي البعث.
وتأمل كلام ابن القيم في زاد المعاد، عندما تكلم عن الصيام، قال ـ رحمه الله تعالى ـ: «تأخرّ فرضُه إلى وسط الإسلام (٢) ؛ لأن فطم النفوس عن مألوفاتها أمر شاق. ولكن لما توطن التوحيد في القلوب، واستقرت العقيدة نزل فرضه» . وهكذا شأن القرآن المكي يغلب عليه الطابع العقدي، بينما المدني يغلب عليه الطابع التشريعي بعد ترسخ العقيدة.
فدعوة الناس إلى قضايا فرعية، مع أهميتها، قبل التذكير بقضايا العقيدة وإحيائها؛ كالحرث في الماء والزراعة في الهواء.
ثالثاً: استحضار العقيدة يُريح الداعية كثيراً ممّا يزعجه، كما أزعج ذلك المصطفى ﷺ حتى أتاه البيان من ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] .
إذن ليس عليك هداهم، ولكنّ الله يهدي من يشاء.
فشأنك وشأن الدعاة جميعاً البلاغ المبين بالأسلوب الرفيق الذي يُقرِّب ولا يفتن. أما أمر القلوب فعند مقلبها.
هذه بعض جوانب الربط بين العقيدة والدعوة، وهي أكثر من ذلك، وبالله التوفيق.
أسأله أن يحبب إلينا الإيمان، وألَّا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه سميع مجيب.
стр. 5756
حتى لا يكثر المتجرئون على الفتيا !
فيصل بن علي البعداني
دخل رجل على فقيه المدينة ومفتيها ربيعة الرأي ـ رحمه الله تعالى ـ فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا، ولكن استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، بعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السُّرَّاق (١) .
وما ذاك منه ـ رحمه الله تعالى ـ إلا لأن الفتيا عظيمة الخطر، كبيرة الموقع، جليلة المنزلة؛ إذ هي توقيع عن الله ـ تعالى ـ ووقوف بين الله ـ تعالى ـ وخلقه. وقد جاءت النصوص والآثار محذرة من الإقدام عليها قبل امتلاك أدواتها، فقال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، وقال : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ، وقال ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهَّالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٢) . وعن حِبْر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ قال: «من أفتى بفتيا يُعَمَّى عليها فإثمها عليه» (٣) .
ولهذا الترهيب الشديد وَجِل من الفتيا الأئمة وخاف منها السلف، وأقوالهم المنبهة على ذلك أكثر من أن تحصى. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: «من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون» (٤) ، وروي عن ابن عباس ﵄ مثله (٥) . وعن البراء ﵁ قال: «لقد رأيت ثلاثمائة من أصحاب بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا» (٦) ، وقال ابن أبي ليلى: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يُسْألُ أحدُهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول» (٧) . وقال عطاء: «أدركت أقواماً يُسْألُ أحدُهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد» (٨) ، وقال سفيان: «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا» (٩) ، وقال مالك: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك» (١٠) ، وقال أبو إسحاق السبيعي: «كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يُدفَع إلى مجلس سعيد بن المسيب؛ كراهيةً للفتيا» (١١) . وكان سعيد بن المسيب «لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني» (١٢) . ويزيد العلاَّمة ابن القيم الأمر إيضاحاً فيقول: «كان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى» (١٣) .
ومن أجل أن لا يتصدر للفتوى كل أحد وضع العلماء شروطاً لا بد من توافرها في المتصدر للفتيا من أبرزها: العدالة، والاجتهاد. قال النووي: «واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه، ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين» (١٤) . وقال أبو يعلى: «من لم يكن من أهل الاجتهاد لم يجز له أن يفتي ولا يقضي، ولا خلاف في اعتبار الاجتهاد فيهما عندنا» (١٥) . والمتأمل في واقع الصحوة المباركة اليوم يلحظ حدوث تطاول متكرر على مقام الفتوى من بعض أبنائها، قد يصل بالأمر من كثرته إلى درجة المشكلة، وليس هذا مقصوراً على صغار أبناء الدعوة، بل إن ممن خاض في ذلك شخصيات مشهورة تزعم نفسها أمام الملأ أنها من قيادات الصحوة وكبار دعاتها وإدارييها، وصدق فيهم قول أبي الحصين الأسدي: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر» (١) .
وهو أمر محزن، يزيد من شدته ومرارته إدراك أن الفتوى لا تجوز بالتقليد؛ فكيف تجوز بمحض الجهل؟ (٢) . وبمقارنة حال هؤلاء بمثل حال الأئمة يظهر الفرق؛ فهذا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن مسألة فقال: لا علم لي، ثم قال: «وَابَرْدَها على الكبد! سُئلت عما لا أعلم فقلت: لا أعلم» (٣) ، وهذا ابن مسعود ﵁ يقول: «من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] » (٤) و «جاء رجل إلى ابن عمر يسأله عن شيء، فقال: لا علم لي بها، ثم التفت بعد أن قفى الرجل، فقال: نِعْمَ ما قال ابن عمر، سئل عَمّا لا يعلم فقال: لا أعلم» (٥) . وهذا فقيه المدينة القاسم بن محمد يقول: «لأن يعيش الرجل جاهلاً خير له من أن يفتي بما لا يعلم» (٦) . وهذا شيخ الإسلام ابن سيرين «كان إذا سئل عن شيء من الفقه: الحلال والحرام، تغير لونه وتبدل، حتى كأنه ليس بالذي كان» (٧) . وهذا أبو حنيفة النعمان يقول: «من تكلم في شيء من العلم وتقلده وهو يظن أن الله لا يسأله عنه كيف أفتيت في دين الله؟ فقد سهلت عليه نفسه ودينه» (٨) ، وهذا إمام دار الهجرة مالك بن أنس ـ رحمه الله تعالى ـ كان ربما يُسأَل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها (٩) ، وكان يقول: «من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها» (١٠) ، «وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف، ألم تسمع قوله جل ثناؤه: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] ، فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يُسأَل عنه يوم القيامة» (١١) . وقال أبو داود: «ما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أدري. قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري» (١٢) .
وكل ما يُخشَى منه أن يكثر المتجرئون على الفتيا (١٣) ، وأن تزداد أصواتهم ارتفاعاً، وحركتهم انتشاراً، فيسدلوا الستار على أهل العلم والاختصاص، فيحولوا بينهم وبين كثير من خواص الأمة فضلاً عن عامتها، وبخاصة أن كثيراً من هؤلاء الجسورين على الفتوى لا يعرف أنه جاهل، ولا يدرك أن قيمة المرء ما يحسن، ولذا فقد أخذ يتحدث في كل شيء بدءاً بأصول الشريعة ومقاصدها، ومروراً بنوازل الأمة وقضاياها الكبرى، وانتهاء بأقسام المياه وأحكامها، ورحم الله ـ تعالى ـ أيوب السختياني حين قال: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً باختلاف العلماء، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء» (١٤) . وكل ما يُخشى منه أن يأتي اليوم الذي يكون فيه المتصدرون للفتوى - ممن لم يبلغ مرتبتها - أكثر من طالبيها.
حقاً إن استفحال هذه الظاهرة أمر يستدعي من العلماء والمربين سرعة المعالجة حتى لا يكون ذلك بوابة لفُشُوِّ أمراض أكثر خطورة، مثل: ضعف الخشية، والإعجاب بالنفس، وعدم احترام العلماء وإنزالهم المنزلة التي أنزلهم الله ـ تعالى ـ إياها، وفشو ظاهرة التعالم، والجرأة على النص، والخروج عن فهم السلف وطريقتهم في العلم والعمل والدعوة، وإضلال الناس، وتعلقهم في مسائل الشريعة برؤوس جهال ... ونحو ذلك من الأدواء الفتاكة. ولله در علماء السلف الصالح الذين كانوا ينكرون على العُبَّاد إقدامهم على الفتوى مع معرفتهم بكثير من العلم؛ لأنهم لم يجمعوا شروط الفتوى؛ فكيف لو رأوا في أيامنا هذه تخبيط بعض أبناء الصحوة وجرأتهم على اقتحام بوابة الفتوى دون رسوخ في العلم فضلاً عن قلة التعبد.
ولعل من أبرز ما يعين على معالجة هذا الأمر: أن يقوم العلماء بدورهم في سد الفراغ الذي تحتاجه الأمة، والذي لولا التقصير فيه لما لجأ أفراد من الأمة إلى استفتاء هؤلاء؛ لأنه - كما قيل -: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
ومما يعين أيضاً: جدية الدعاة والمربين في نشر العلم الشرعي في أوساط أبناء الصحوة وفق سلم علمي معتبر؛ لأن المرء كلما ازداد معرفة كلما عظم إدراكه لجهله وأنه ما أوتي من العلم إلا قليلاً. ومما يعين أيضاً: التعريف بأهل العلم وبطرائقهم في التعلم والتعليم والعمل؛ لكي ينغرس إجلالهم في نفوس أبناء الصحوة، فيهابوا العلم، ويُنزلوا العلماء المنزلة التي أنزلهم الله ـ تعالى ـ إياها.
اللهم قِنَا الضلال والفتنة، ولا تجعلنا من رؤوس الجهالة، الذين يأتون الناس بالعجائب، ويفسدون في الأرض أكثر مما يصلحون، بجود منك وإحسان يا رحمن يا رحيم! وصلى الله وسلم على النبي الكريم، وعلى الآل والأصحاب أجمعين.
стр. 5757
عدة الصابرين وذخيرة المساهمين
د. نايف بن أحمد الحمد
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ وبعد: فقد أُصيب المضاربون في الأسهم بانهيارات متتابعة خلال الأسابيع الماضية؛ حيث هبطت أسعار كثير من الأسهم أكثر من ستين في المائة، ولا زالت في اضطراب. وقد سمعت وقرأت شيئاً مما أصاب الناس بسبب ذلك، من وفاة بعض المساهمين وجنون آخرين، وهلوسة آخرين، وأصبح هذا الهم هو حديث الناس في مجالسهم، فأحببت أن أواسي إخواني بشيء مما جاء في فضيلة الصبر، وحرمة الجزع والسخط، فأقول مستعيناً بالله ـ تعالى ـ:
أولاً: لا يخفى على الجميع أن جملة من الأسهم المتداولة هي محرمة شرعاً باتفاق العلماء؛ كأسهم البنوك الربوية، ومع ذلك فإنك ترى من يتداولها بيعاً وشراءً، ولا شك أن هذا من السُّحت الذي تُمحق بسببه البركة، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ، فهذا المرابي خسر ماله في الدنيا وبقي حسابه يوم القيامة إن لم يتب من ذلك. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] ، ولعل ما حدث يكون درساً لهؤلاء وباباً للتوبة. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما ظَهَر في قومٍ الرِّبا والزِّنى إلا أحَلُّوا بأنفسهم عِقاب الله » (١) . فهذا الذي حدث عقوبة للمرابين، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ، وابتلاء لغيرهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] .
ثانياً: لعل من أسباب الانهيار امتناع جملة من المساهمين من إخراج زكاة الأسهم، متعذرين بأسباب واهية كعدم وجود السيولة لديهم؛ فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما خالطت الزكاة مالاً قط إلا أهلكته» (٢) . وقال ـ تعالى ـ ذاكراً عقوبة من منع المساكين حقهم: ﴿إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إنَّا إلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ٣٣] ؛ فإن قيل: فهناك المزكون وغير المرابين في السوق وقد شملتهم الخسارة؟ أقول: أذكرهم بحديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، أنهلكُ وفينا الصالحُون؟ قال: نعم! إذا كثُر الخبثُ» (١) .
ولعل من أهم ما ينبغي فعله عند هذا الابتلاء:
أولاً: الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ وتذكر أحكامه، والعمل بها. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] .
ثانياً: الصبر؛ وهو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش (٢) . والصبر: هو الأساس الأكبر لكل خلق جميل، والتنزه من كل خلق رذيل، وهو حبس النفس على ما تكره وعلى خلاف مرادها؛ طلباً لرضى الله وثوابه (٣) .
وهو عبادة غفل عنها الكثير؛ لذا لا بد منه، واستحضار الأجر العظيم والثواب الكبير الذي أعده الله ـ تعالى ـ للصابرين، ومن ذلك:
١ ـ محبة الله ـ تعالى ـ لهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ، وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله ـ تعالى ـ إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٤) .
٢ ـ إن الصبر سبب لرفع الدرجات وتكفير السيئات. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، قال سليمان بن القاسم: كل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر (٥) .
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفّر الله بها سيئاته؛ كما تحط الشجرة ورقها» (٦) ، وقال ﷺ : «ليس من مؤمنِ يُصيبه نكْبةُ شوكة ولا وجع إلاَّ رفع الله له بها درجةً، وحطَّ بها عنه خطيئةً» (٧) .
والصبر مثل اسمه مرٌ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسلِ (٨)
٣ ـ أنه ـ سبحانه ـ جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور. أي: مما يعزم من الأمور التي إنما يعزم على أجلِّها وأشرفها، فقال: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] .
وقال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] .
٤ ـ قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «إنه ـ تعالى ـ جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم، وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] ، وقال بعض السلف وقد عُزِّي على مصيبة نالته فقال: ما لي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها؟!» (٩) ا. هـ.
صابر الصبرَ فاستغاث به الصبرُ فصاح المحب بالصبر: صبرا
وقيل أيضاً:
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني صبرت على شيء أمرّ من الصبرِ
٥ ـ أنه ـ سبحانه ـ جعل الصبر عوناً وعدة، وأمر بالاستعانة به. قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ، فمن لا صبر له لا عون له (١٠) .
ثالثاً: أنْ نعلم أنَّ الله ـ تعالى ـ هو المعطي وهو المانع، بيده ملكوت كل شيء. قال ـ تعالى ـ: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، كلُّكم جائع إلا من أطعمتهُ؛ فاستطعموني أُطعِمكمْ، يا عبادي، كلُكمْ عارٍ إلا من كسوته؛ فاستكسوني أكسُكُم ... » إلى قوله: « ... يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي؛ إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر» (١) .
رابعاً: أن نعلم أن النبي ﷺ لم يكن يخشَ الفقر علينا. فعن عمرو بن عوف ﵁ قال: «قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرضوا له، فتبسَّم رسول الله ﷺ حين رآهُم، ثمَّ قال: «أظُنُّكم سمعتُم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟» فقالوا: أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأمَّلوا ما يسُرُّكُمْ، فو الله ما الفقر أخشى عليكم؛ ولكني أخشى عليكم أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككُمْ كما أهْلكتْهُم» (٢) .
وكيف أخاف الفقر والله رازقي ورازق هذا الخلق في العسر واليسر؟
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم وللوحش في الصحراء والحوت في البحرِ (٣)
خامساً: سوق الأسهم من أكثر الأسواق صدمات:
فيومٌ علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر
وقال أبو الأسود:
وإن امرءاً قد جرب الدهر لم يخف تقلب عصريه؛ لغيرُ لبيب
وما الدهر والأيام إلا كما ترى رزيَّة مال أو فراق حبيب
وقيل:
إذ ما أتاك الدهر يوماً بنكبة فافرغ لها صبراً ووسع لها صدرا
فإن تصاريف الزمان عجيبة فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسرا
قال محمود الوراق:
إني رأيت الصبر خير معوّل في النائبات لمن أراد معولا (٤)
لذا لا بد أن يربي المشارك فيه نفسه، ويهيئها على تحمل الصدمات مع الاحتساب، ففي الحديث: «إنما الصبرُ عند الصدمة الأولى» (٥) .
والاسترجاع عند وقوع المصيبة من العبادات التي نسيها كثير من المساهمين. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] ، وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها» ، فهذا إخبار الصادق المصدوق بأن من قال ذلك سيُعوضه الله خيراً مما فقد؛ لذا لابد من التزام ذلك والثقة به، مع عدم الاستعجال؛ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يستجاب لأحدِكُم ما لم يَعْجَلْ، يقول: دعوتُ فلم يُستْجب لي» (٦) ، وهذا «يقتضي الإلحاح على الله في المسألة، وألّا ييأس الداعي من الإجابة، ولا يسأم الرغبة، فإنه يستجاب له، أو يكفر عنه من سيئاته، أو يدخر له» (٧) ا. هـ. فالدعاء تجارة رابحة على كل حال.
وما مسني عسر ففوضت أمره إلى الملك الجبار إلا تيسرا (٨)
قال العلامة السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: «متى مرن العبد نفسه على الصبر، ووطنها على تحمل المشاق والمصاعب، وجدَّ واجتهد في تكميل ذلك، صار عاقبته الفلاح والنجاح، وقلَّ من جَدَّ في أمر تَطَلَّبه، واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر» (١) ا. هـ.
صبرنا له صبراً جميلاً، وإنما تفرج أبواب الكريهة بالصبر
سادساً: أن نعلم أن الصبر يحتاج إلى مجاهدة وتحمل، فهو لا يأتي بسهولة ويسر؛ قال النبي ﷺ : «ومن يتصبر يُصبرهُ الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر» (٢) .
فصبراً يا بني الأحرار صبراً فإن الدهر ذو سعة وضيق
وهذه سنة الله ـ تعالى ـ الكونية؛ في تغير أحوال الناس كتغير فصول العام، من غنى وفقر وصحة وسقم.
اصبر لدهر نال مننك فهكذا مضت الدهورُ
فرحٌ وحزنٌ تارةً لا الحزنُ دام ولا السرورُ (٣)
السابع: لا بد أن نعلم أن من أركان الإيمان: أن نؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره. قال ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] ، وعن ابن عباس ﵄ قال: كنت رديف النبي ﷺ فقال: «يا غلام ـ أو يا غُليم ـ ألا أُعلِّمُك كلمات ينفعُك الله بهنَّ؟» فقلت: بلى. فقال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلىه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جفَّ القلمُ بما هو كائنٌ، فلو أن الخلق كُلَّهُمْ جميعاً أرادوا أنْ ينفعوك بشيء لم يكْتُبْهُ الله عليك لم يقْدِروا عليه، وإن أرادوا أنْ يضرُّوك بشيء لم يكتُبه الله عليك لم يقدِروا عليه، واعلم أنَّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرْب، وأن مع العسر يُسراً» (٤) .
لذا ذكر العلماء أن أنواع الصبر ثلاثة:
صبرٌ على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبرٌ على امتحان الله (٥) .
«ولهذا قال غير واحد من السلف والصحابة والتابعين لهم بإحسان: لا يبلغ الرجل حقيقة الإيمان حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. فالإيمان بالقدر، والرضا بما قدره الله من المصائب، والتسليم لذلك هو من حقيقة الإيمان» (٦) ا. هـ.
هوِّن عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيُّها ولا قاصر عنك مأمورها (٧)
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «إنه ـ سبحانه ـ قَرَنَ الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها، فقرنه بالصلاة؛ كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ، وقرنه بالأعمال الصالحة عموماً؛ كقوله: ﴿إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] ، وجعله قرين التقوى؛ كقوله: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] ، وجعله قرين الشكر؛ كقوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] ، وجعله قرين الحق؛ كقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] ، وجعله قرين الرحمة؛ كقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] ، وجعله قرين اليقين؛ كقوله: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] ، وجعله قرين الصدق؛ كقوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ، وجعله سبب محبته ومعيّته ونصره وعونه وحسن جزائه؛ ويكفي بعض ذلك شرفاً وفضلاً» (٨) ا. هـ.
فقد ذكره الله ـ تعالى ـ في مواضع كثيرة قال الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ: «ذكر الله ـ سبحانه ـ الصبر في القرآن في تسعين موضعاً» (٩) ا. هـ.
قال الأبشيهي: «فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأمنى المواهب، لما أمر الله ـ تعالى ـ به رسله ذوي الحزم، وسمّاهم بسبب صبرهم أولي العزم، وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم وسؤالهم، ومَنَحَهم من لدنه غاية أمرهم ومأمولهم ومرامهم، فما أسعد من اهتدى بهداهم واقتدى بهم، وإن قصر عن مداهم! وقيل: العسر يعقبه اليسر، والشدة يعقبها الرخاء، والتعب يعقبه الراحة والضيق» (١) ا. هـ.
الثامن: أنْ نعلم أن بعد العسر يسراً. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طريق قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية فقال: «لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله» (٢) .
قال ابن مسعود ﵁: «لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه» (٣) .
إذا ضاقت بك الدنيا ففكر في «ألم نشرح»
فعسر بين يسرين متى تذكرهما تفرح
وقيل:
أيها البائس صبراً إن بعد العسر يسراً
وقيل:
اصبر قليلاً فبعد العسر تيسير وكل أمر له وقت وتدبير
وقيل:
فكم من رجل رأيناه باكيا فما دارت الأيام حتى تبسّما
وهذه ليست بأول شدة تمرُّ على البلاد أو العباد، بل قد مرَّ عليها غير ذلك وكشفها الرحمن الرحيم.
هي شدةٌ يأتي الرخاء عقيبها وأسى يبشر بالسرور العاجل
وقيل:
وكل شديدة نزلت بقوم سيأتي بعد شدتها الرخاء
وقيل:
اصبر لأحداث الزمان فإنما فرج الشدائد مثل حلِّ عقال
وقيل:
بالصبر تدرك ما ترجوه من أمل فاصبر فلا ضيق إلا بعده فرج
وقيل:
أما والذي لا يعلم الغيب غيره ومن ليس في كل الأمور له كفو
لئن كان بدء الصبر مراً مذاقه لقد يجتني من بعده الثمر الحلو (٤)
التاسع: أنه عند حلول المصائب انظر إلى من مصيبته أعظم من مصيبتك، وخسارته أكثر من خسارتك؛ فسيهوِّن ذلك عليك.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ِ- ﷺ : «انظُرُوا إلى من أسفل منكم، ولا تنظُرُوا إلى من هو فوقكُم، فهو أجدر ألاّ تزدروا نعمة الله» (٥) .
بنا فوق ما تشكو، فصبراً لعلنا نرى فرجاً يشفي السقام قريبا
أما الجزع عند المصائب فهو من المحرمات. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ليس منَّا من لطم الخُدُود، وشق الجُيُوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٦) ، «وكل هذا حرام باتفاق العلماء» (٧) .
للبكاء النساءُ عند الرزايا ولحسن العزاء الرجالُ
وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إنَّ الله ـ تعالى ـ إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٨) .
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .
ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله عند الإله، وأنجاه من الجزع!
من شدَّ بالصبر كفاً عند مؤلمه ألوت يداه بحبل غير منقطع (١)
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها» (٢) .
وجاء في الحديث «ولا يحبط جزعُك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد شيئاً ولا يدفع حزناً، وما هو نازل فكان قد» (٣) .
ضجرُ الفتى في الحادثات مذمَّة والصبر أحسن بالرجال وأليق
قال أبو بكر ﵁: «ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة» (٤) ا. هـ.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك وأنت مأثوم» (٥) ا. هـ.
واصبر، ففي الصبر خير لو علمت به لكنت باركت شكراً صاحبَ النعم
واعلم بأنك إن لم تصطبر كرماً صبرت قهراً على ما خُط بالقلم
قال يحيى بن زياد ـ رحمه الله تعالى ـ: «أما بعد: فإن المصيبة واحدة إن صبرتَ، ومصائب إن لم تصبر» (٦) ا. هـ.
وقال ابن السماك ـ رحمه الله تعالى ـ: «عليكم بتقوى الله والصبر؛ فإن المصيبة واحدة إن صبر لها أهلها، وهي اثنتان إن جزعوا» (٧) ا. هـ.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «وأُمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره، والجزع والتسخط والتشكي يزيد في المصيبة ويذهب الأجر» (٨) ا. هـ.
وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: «إن العبد لا بد أن يُصاب بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وهو بين أمرين: إما أن يجزع ويضعف صبره، فيفوته الخير والثواب، ويستحق على ذلك العقاب، ومصيبته لم تقلع ولم تخف، بل الجزع يزيدها؛ وإما أن يصبر، فيحظى بثوابها. والصبر لا يقوم إلا على الإيمان، وأما الصبر الذي لا يقوم على الإيمان كالتجلد ونحوه، فما أقل فائدته، وما أسرع ما يعقبه الجزع! فالمؤمنون أعظم الناس صبراً ويقيناً وثباتاً في مواضع الشدة» (٩) ا. هـ.
لا تيأسن إذا ضقت من فرج يأتي به الله في الروحات والدلج
وإن تضايق باب عنك مرتتج فاطلب لنفسك باباً غير مرتتج
فما تجرع كأس الصبر معتصم بالله إلا أتاه الله بالفرج (١٠)
ومهما يكن فإنه مع كل ما حدث، وزَعْمِ أكثر المساهمين أنه قد أخطأ في دخول سوق الأسهم، وأنه يتمنى الخروج منه برأس المال، مع ذلك كله وكثرة مرددي ذلك؛ إلا أني أجزم بأن السوق لو ارتد لعادوا إليه، ونسوا كل ما حدث: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] .
أسأل الله ـ تعالى ـ أن يفرج هم المهمومين، وينفس كرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، إنه جواد كريم، والله ـ تعالى ـ أعلم وأعظم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5758
أولاد الصالحين
محمد بن عبد الله الدويش
الصالحون كغيرهم من الناس يشاركون الآخرين سائر مشكلاتهم وأزماتهم؛ فهم جزء من المجتمع يتأثرون بما فيه.
وفي المقابل لهم خصوصيات نتيجة تدينهم، أو نتيجة أدوارهم التي يؤدونها في المجتمع، أو نظرة الآخرين لهم، أو توقعاتهم منهم.
ومن أكثر ما يعانيه الصالحون اليوم - كغيرهم من الناس - شأن تربية الأولاد؛ إذ لم تعد الأسرة أو أي مؤسسة تربوية تستقل برعاية نشئها؛ فالواقع مليء مزدحم بالمؤثرات.
وبقدر ما يعيش أولاد الصالحين ثمرات صلاح والديهم وبيئتهم فهم يعايشون أزمات ومشكلاتٍ؛ شأنُهم في ذلك شأن سائر الناس.
لأود الصالحين مكاسب ليست لغيرهم من الآخرين، وهي تتطلب ممن يرعى شأنهم الوعي بها وتوظيف ما يمكن توظيفه منها.
ومن هذه المكاسب:
٣ بركة صلاح والديهم؛ فإن صلاح الوالدين له أثره على صلاح أولادهم؛ فقد أخبر أن الغلامين اليتيمين في المدينة قد أدركتمها بركة صلاح والديهما: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] .
٣ ومن آثار صلاح الوالدين أنهما في الأغلب أكثر صلة بالله ، وأكثر دعاء وتضرعاً له ـ سبحانه ـ بصلاح الذرية، وأنهما في الأغلب أقرب لإجابة الدعاء.
٣ البيئة الصالحة المحافظة التي يعيشونها في منازلهم؛ فهي تحميهم من كثير من المؤثرات التي امتلأت بها بيوت الآخرين، وتبعدهم عن التعرض لكثير من العوارض السيئة التي يتعرض لها غيرهم.
٣ اعتناء الآخرين بهم، وشعورهم بأنهم محط الأنظار والاهتمام من الآخرين مما يقودهم إلى التحرُّج عن بعض ما يسوغ لغيرهم، وإلى الشعور بأنهم قد يسيئون لأهلهم حين يسايرون الآخرين فيما هم عليه.
والحديث عن الفرص والمزايا واسع، وأغلبها مما لا يحتاج إلى تعداد وتأكيد.
لكن في مقابل ذلك مشكلات يحتاج الوالدان ومن يتعامل مع أولاد الصالحين إلى الوعي بها.
ومن هذه المشكلات:
اعتقاد كثير من الصالحين أن التربية إنما تتم من خلال التوجيه المتصل بالتدين، وأن التدين الشخصي وحده كافٍ في تأهيلهم لمواجهة مشكلات الحياة ومواقفها، ومن ثم يهملون بناء شخصية أولادهم، فيأتيهم الخلل حتى في تدينهم من خلال ذلك، ومن هذا على سبيل المثال:
يحتاج الأولاد في هذا العصر، حتى يواجهوا المؤثرات، إلى: قوة الإرادة والعزيمة، وإلى الثقة بالنفس، ويحتاجون إلى الاستقلالية في الشخصية، وإلى القدرة على التفكير السليم ... إلخ.
فيجهل الوالدان أحياناً أهمية هذه الجوانب، بل ربما قادت كثير من ممارساتهم - التي يسعون من خلالها إلى تنمية التدين لدى أولادهم - إلى الخلل في شخصية أولادهم مما يهيئ فرصاً أكبر لديهم للانحراف.
ومما يتصل بذلك عدم شعور بعض الوالدين بالحاجة إلى تعلُّم ما يعينهم على تربية أولادهم، اكتفاء بما استقر لديهم من أن التربية إنما تتم من خلال تصحيح تدينهم وفق الأسلوب الذي يراه الوالدان.
وللحديث متابعة يتم تناولها بإذن الله في العدد القادم.
стр. 5759
الطابور
إبراهيم بن سليمان الحيدري
يشدك منظر الأزهار بتنوع أشكالها وتباين ألوانها؟ هل وقفت مرة لتتأمل مشهد الغروب الأخَّاذ؟ واحد من تلك المناظر التي تعجبني وأستمتع بالنظر إليها هو منظر (الطابور) .
نعم (الطابور) ! ذلك الصف البشري الذي يتراصُّ فيه الناس بطريقة عفوية بعضهم خلف بعض للحصول على مبتغى مشترك.
إن جَمال (الطابور) ليس في شكله الخارجي، بل في تلك المعاني الجميلة التي تنبعث من خلاله؛ إذ إن (الطابور) ثمرة لمجموعة من القيم والمبادئ التي يؤمن بها المصطفون فيه: أحدها: ثقافة التنظيم التي يؤمن بها المجتمع وتربى عليها فصار سلوكاً يعيشه وتصرفاً يمارسه، فترى الصغير والكبير، المستعجل والمتأني، يندمج فيه بكل عفوية وهدوء. ومن تلك المعاني: العدل؛ فالمعيار فيه واضح ومنصف، والأولوية لمن يأتي أولاً لا لأصحاب النفوذ والعلاقات. ومنها أيضاً أنه ممارسة اجتماعية متكررة لخُلُق الصبر الكريم الذي حث عليه الشارع في أكثر من موضع. وهو في النهاية ترجمة فعلية لاحترام الآخرين والاعتراف بحقوقهم.
(الطابور) كحركة المرور في الشارع مؤشر نسبي على مستوى تحضُّر المجتمع ودرجة رقي تعامل أفراده بعضهم مع بعض، وقوة أو ضعف أجهزته الحكومية.
لا شك أن طوابير العالم ليست كلها متشابهة؛ إذ إن ذلك النوع من (الطابور) الذي لا يتكون إلا من خلال سَوْط جلاَّد أو بعد موجات صوتية من السب وسيل من الشتائم، لا شك أنه لا يحتوي ولا يدل على أي معنى جميل، ولا أظنه منظر يجذب العين أو يدغدغ أصحاب المشاعر المرهفة.
بقي الإشارة إلى أنه ما لم تتطور دولنا العربية لنستطيع أن نطلب الخدمات والسلع من خلال الإنترنت أو الهاتف، ونحصل عليها من خلال البريد فإنه ينبغي أن نمارس (الطابور) عن طواعية، أو أن نرضى بتزاحُمِنا على نوافذ صغيرة وتَكَدُّسِنا عند الأبواب في ممارساتٍ البقاءُ فيها للأقوى جسداً، والأكثر علاقاتٍ.
стр. 5760
انتشار النصرانية بالسيف
أ. د. جعفر شيخ إدريس
نقل البابا عن الإمبراطور البيزنطي كلمته الفاجرة التي قال فيها لمن زعم أنه محاوره: «دلني على شيء جاء به محمد كان جديداً، ولن تجد إلا أشياء شريرة وغير إنسانية مثل أمره بأن تنشر العقيدة التي جاء بها بالسيف. إن الله لا تسره الدماء، ولا تسره التصرفات غير العقلية» . فقلت سبحان الله! رمتني بدائها وانسلت. وهل عَهِدَ الناس أهل دين هم أبعد عن العقلانية وأكثر ولوغاً في الدماء وفي ظلم العباد من المنتسبين إلى ما يسمونه بالمسيحية؟
رددت على السخافات التي جاءت في محاضرة البابا كما رد عليها كثيرون غيري من المسلمين وغير المسلمين (١) ، وبينَّا أن الحروب التي خاضها المسلمون كانت حروباً ضد الظلم، الظلم بكل أنواعه، ظلم المعتدين على المسلمين، وظلم الصادين الناس عن الدين، وظلم الناقضين لعهود أبرموها مع المسلمين، ولم تكن أبداً لإدخال الإيمان كرهاً في قلب أحد من العالمين. وبينَّا أنهم لم يحاولوا ذلك؛ لأنهم علموا من دينهم أن الإيمان مسألة قلبية، وأنه لا مخلوق له سلطان على قلوب العباد.
لكننا في هذا المقال نود أن نقول للبابا: إنه كان يجدر به أن يتكلم عن العنف الذي استعمله قومه الغربيون على مر الزمان لإكراه الناس على قبول دينهم وثقافتهم. ولا نريد أن نفعل كما فعل هو حين استشهد على افترائه بشهادة رجل من بني دينه عدو حاقد مغلوب. لن نستشهد على زعمنا بشهادة رجال مسلمين، وإنما سنُشهِد عليه شهداء من غير المسلمين، فنقول:
أولاً: هذه هي المؤرِّخة الشهيرة (Karen Armstrong كيرن آرمسترونج) تكتب رداً على محاضرة البابا تبين فيها:
١ ـ إن زعم رجال الفاتيكان بأن غرض البابا هو «أن ينمي اتجاه احترام وحوار نحو الأديان والثقافات الأخرى، ومن البديهي نحو الإسلام» ليس أمراً واضحاً في كلماته، وتشبهه في هذا برجل دين مثله في القرن الثاني عشر وجَّه رسالة إلى المسلمين بدأها بقوله: «إنني أريد أن أواصلكم بالكلمات لا بالسلاح، وبالعقل لا بالعنف، بالحب لا بالبغض» . لكنه جعل عنوان رسالته «ملخص لهرطقة العرب الشيطانية كلها» . وتحدث فيها عن «قسوة الإسلام الحيوانية» وزعم أن محمداً وطَّد أمره بالسيف. «هل كان محمد نبياً حقاً» ؟ تساءل ثم أجاب «سأكون أسوأ من حمار إذا وافقت. أسوأ من الأنعام إذا أقررت» .
٢ ـ تُنكِر المؤرخة أن يكون الإسلام قد انتشر بالسيف، وهي صاحبة كتاب بالإنجليزية عنوانه «موجز لتاريخ الإسلام» A Short History of Islam. .
٣ ـ وتذكِّر البابا «بأن بعض الصليبيين الأوائل بدؤوا رحلتهم إلى الأرض المقدسة بذبح كل الجماعات اليهودية الساكنة على ضفاف نهر الراين، وأنهم أنهوا حربهم الصليبية في عام ١٠٩٩ بعد أن ذبحوا ثلاثين ألف مسلم ويهودي في القدس» .
ثانياً: كتب رئيس حركة السلام الإسرائيلية يوري أفنيري (٢) Uri Avnery ـ الذي وصف نفسه بأنه يهودي ملحد ـ رداً علمياً على البابا ذكر فيه من بين ما ذكر المسائل التالية:
١ ـ أن الحوار المزعوم أمر مشكوك فيه، وأن الإمبراطور لم يذكر لنا اسم الرجل الذي حاوره.
٢ ـ أن الإمبراطو عمانيويل الثاني الذي تولى الحكم في عام ١٣٩١ كان على رأس إمبراطورية تحتضر؛ إذ لم يبق لها من محافظاتها إلا القليل، وكان هذا القليل واقعاً تحت تهديد الأتراك.
٣ ـ في يوم ٢٩ من شهر مايو عام ١٤٥٣ وبعد عدة سنين من موت هذا الإمبراطور سقطت عاصمته، القسطنطينية (إسطنبول) في يد الأتراك.
٤ ـ إبان حكمه تجول هذا الإمبراطور في أوروبا محاولاً أن يقنع الأوروبيين بمساعدته ضد الأتراك، وأن يبدؤوا حرباً صليبية جديدة، واعداً إياهم بأنه سيوحد الكنيسة. وأن هذه الرسالة كتبت في هذا الوقت لأسباب سياسية.
٥ ـ محاضرة البابا بندكت السادس عشر كانت أيضاً خدمة للإمبراطور الجديد جورج بوش الذي يسعى لتوحيد العالم النصراني ضد محور الشر الذي هو في غالبه مسلم، وضد مجيء الأتراك إلى أوروبا.
٦ ـ إن قضية معاملة المسلمين لأهل الأديان الأخرى يجب أن يحكم عليها بسؤال بسيط: ماذا فعلوا بهم عندما كانت لهم القدرة على إكراههم على الإسلام؟ إنهم لم يفعلوا شيئاً من هذا. لقد حكم المسلمون اليونان لعدة قرون؛ فهل صار اليونانيون مسلمين؟ لقد تبوأ اليونان النصارى مناصب كبيرة في الإدارة التركية. لقد عاش البلغاريون والصرب والرومانيون والهنغاريون وغيرهم من الأمم الأوروبية تحت الحكم التركي في وقت أو آخر لكن أحداً لم يكرههم على الدخول في الإسلام، فظلوا على دينهم النصراني.
٧ ـ في عام ١٠٩٩ تغلب الصليبيون على القدس وذبحوا سكانها من المسلمين والنصارى؛ في ذلك الوقت ـ وبعد ٤٠٠ عام من الحكم الإسلامي كان النصارى ما زالوا أغلبية في القطر.
٨ ـ ليس هنالك من دليل ألبتة على فرض الإسلام على اليهود. وكما هو معروف؛ فإن اليهود تمتعوا تحت الحكم الإسلامي في أسبانيا بازدهار ليس له مثيل إلا في ما يقارب هذه الأيام. كانوا كُتَّاباً وشعراء ووزراء وعلماء. لقد كان ذاك هو عهدهم الذهبي؛ فكيف يمكن لهذا أن يحدث إذا كان النبي قد أمر بنشر الإسلام بالسيف؟
٩ ـ عندما استولى الكاثوليك على أسبانيا مرة أخرى فإنهم أنشؤوا عهداً من الرعب الديني؛ إذ إنهم خيَّروا المسلمين واليهود بين أن يتنصَّروا أو يُذبحوا أو يغادروا البلاد. أين ذهب اليهود الذين فضلوا البقاء على دينهم؟ هاجروا إلى العالم الإسلامي، وانتشروا فيه من دولة المغرب في الغرب إلى العراق في الشرق، إلى بلغاريا (التي كانت تابعة لتركيا) في الشمال، إلى السودان في الجنوب.
١٠ ـ إن كل يهودي مخلص يعرف تاريخ قومه لا يملك إلا أن يشعر بالعرفان العميق للإسلام الذي حمى اليهود لمدة خمسين جيلاً، بينما كان العالم المسيحي يعذبهم ويحاول إكراههم بالسيف على التخلي عن دينهم.
ثالثاً: إن استعمال النصارى للعنف في فرض ثقافتهم على غيرهم لم ينته بنهاية القرون الوسطى، وإنما هو أمر مستمر إلى يومنا هذا. استمع إلى (هنتنجتون) وهو يقول في كتابه الشهير (صراع الحضارات) وفي صراحة عجيبة:
«لم يتغلب الغرب على العالم بتفوق في أفكاره أو قِيَمه أو دينه (الذي لم تعتنقه إلا قلة من أبناء الحضارات الأخرى) وإنما غلب بتفوقه في العنف المنظم. إن الغربيين كثيراً ما ينسون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسونها أبداً» (٢) .
رابعاً: إن غزو الغرب للعالم باستعمال ذلك العنف المنظم كان أمراً تواطأ عليه كل الناس في الغرب إلا ما ندر؛ فها هو الأستاذ (إدوارد سعيد) يحدثنا في كتابه (الاستعمار الثقافي Cultural Imperialism) أنه كان أمراً تواطأ عليه السياسيون والمفكرون والفلاسفة والشعراء وكُتَّاب القصص الشهيرة من أمثال ديكنز وغيرهم.
أقول، ونحن كثيراً ما ننسى أمراً يؤيد كلام (إدوارد سعيد) هذا: إن الحركة الإمبريالية الاحتلالية للعالم كانت بقرارات ديمقراطية في كل البلاد الأوروبية، وأن حركة استجلاب الأفارقة من بلادهم واسترقاقهم كانت أيضاً بقرارات ديمقراطية (بينما لم يكن تحريرهم بقرار ديمقراطي كما يحدثنا فريد زكريا في كتابه عن مستقبل الحرية) مما يعني أن غالبية ممثلى الأمة بمن فيهم المتدينون كانوا مؤيدين لها.
خامسا: وهذا (كيفن فيليبس Kevin Philips) يصدر كتاباً جديدا يسميه (أمريكا الثيوقراطية) (١) يذكر فيه حقائق مذهلة عن العلاقة القوية بين الدين وسياسة أمريكا الخارجية، بل والتأثير الكبير للدين على سياسة أوروبا طوال القرون.
من هذه الحقائق:
١ ـ أن الاستعمار الأوروبي للعالم ولا سيما العالم الإسلامي كانت له دوافع أو مسوغات دينية، بل كانت هنالك روابط قوية بين التوسع الإمبراطوري وبين الدعاة الدينيين «انظر إلى المبشرين الذين صارت أسماؤهم رموزاً للاستعمار: (ديفيد لفنجستون) المستكشف، (الجنرال غردون) الذي ذُبح في الخرطوم، والجنرال هنري هيفلوك» (ص. ٢٥٥) .
٢ ـ ينقل الكاتب عن المؤرخ آرثر ماروك قوله: «إن كبار رجال الكنيسة أقدموا بحماس على (الحرب المقدسة) » وقوله: نقلاً عن قسيس كاتدرائية سنت جايلز بأدنبرة قوله: «إن الكنيسة قد صارت إلى حد مؤسف أداة في يد الدولة، وأنه في كثير من المنابر الكنسية كان الواعظ قد تقمص مهمة الرقيب العسكري المكلف بالتجنيد، وأن العلم البريطاني ارتفع على كل أماكن العبادة في طول البلاد وعرضها» . (ص٢٥٥) .
٣ ـ أما الدوافع الدينية لبوش وجماعته في سياستهم الخارجية بل والداخلية فأمر لا شك فيه كما يبين الكاتب. فهو يقول إنه ثبت عن بوش قوله: «أعتقد أن الله يتكلم بوساطتي، ولولا ذلك لما استطعت أن أؤدي مهمتي» . وينقل عن توم دي لاي قوله: «إن الله يستعملني دائماً وفي كل مكان للدفاع عن نظرة الكتاب المقدس العالمية في كل ما أفعل وحيثما كنت. إنه هو الذي يدربني» .
٤ ـ قبيل الهجوم الأمريكي على العراق في عام ٢٠٠٣ كتبت مجلة نيوزويك مقالاً عن رحلة بوش من العربدة إلى التدين، ذكرت فيه أن الرئيس ينغمس كل صباح في قراءة مواعظ تبشيرية للواعظ الأسكتلندي المتجول أوزولد شيمبرز الذي كان قد قضى أيامه الأخيرة في وعظ الجنود الأستراليين والنيوزيلنديين الذين كانوا قد حشدوا في مصر في عام ١٩١٧ تمهيداً لغزو فلسطين والاستيلاء على القدس في يوم عيد الميلاد.
٥ ـ بعد عام من استيلاء الجيش الأمريكي على بغداد كانت هنالك ثلاثون منظمة تبشيرية، كما وجدت جريدة لوس أنجلس تايمز في استطلاع لها أخبرها فيه المدير الإداري لرابطة المبشرين القومية: «أن العراق سيكون المركز الذي تنتشر منه رسالة المسيح عيسى إلى إيران وليبيا وكل مكان في الشرق الأوسط» . وقال مسؤول في منظمة أخرى: إن الأحوال في العراق: «حرب من أجل الأرواح» . ولهذا فإنه في غضون سنتين انطلقت سبع منظمات تبشيرية في بغداد وحدها.
أقول: إن ما يحدث في العراق هو ديدن الحركة الإمبريالية منذ بداياتها، إن قواتها تكون دائماً هي الحامية للمنظمات التبشيرية. حدث هذا في السودان حين انتشرت المنظمات التبشيرية في الجنوب وكان من نتائج ذلك ما كان، وهي تنتشر الآن في دارفور.
وأقول: إذا لم يكن كل هذا نشراً للمسيحية بالسيف؛ فلست أدري ما معنى النشر بالسيف؟ لقد كنا نقلل من أهمية الدافع الديني في السياسة الخارجية الغربية، ونعتقد أن الأمر ـ كما يظهر ـ إنما هو مطامع اقتصادية ونزوات سياسية، لكن عزاءنا أنه هكذا كان يظن كثير من علماء السياسة ومنظروها من الغربيين أنفسهم كما يقول صاحب هذا الكتاب، حتى كان غلو بوش هو الذي نبههم إلى أن الأمر ليس كما كانوا يظنون، وأنه إذا كان بوش قد غلا في الأمر، فإنه ليس أول من بدأه، وإنما هو شيء درجت عليه السياسة الغربية ولا سيما فيما يتعلق بالعالم الإسلامي.
فماذا بعد أن انتبهنا وعرفنا الحقيقة؟
стр. 5761
قلب
السيد حسن
قلب يردد حالماً نجواهُ
قلب يتوق إلى السماء؛ فما له
هو صادحٌ مترنمٌ بغنائِهِ
ترجيعُهُ صبحٌ، له إشراقُهُ
تسبيحُهُ فجرٌ له آذانُهُ
لو مسَّ أكمامَ الزهور تفتحتْ
وحديثهُ ليلٌ له تَذكارهُ
لو مسَّ إحساسَ الصخورِ أذابَهُ
هذي صلاة النفس تشرق بالنهى
هذا دعاء القلب حين يهزني
يغدو دعائي في الصباح قصيدة
فأزفُّها للتائهينَ لعلها
وأزفها للطيبين أزفها
وأصيحُ يا رباه! قلبي ظامئ
ويبث غيمات الفضاء نِداهُ
كل الطيور تصاعدت إلاهُ؟
فالكون يسمعه وليس يراهُ
وله رقيقُ نسيمِهِ ونَدَاهُ
تكبيرُه، تهليلُهُ، ودعاهُ
أو جاءَ ظمآنَ الفؤاد سقاهُ
وله تألقُ أفقهِ ومداهُ
أو مسَّ وجدانَ الحياةِ شجاهُ
فأخُطُّ من شوقٍ إليك سبيلا
أرنو إلى صفوِ السماء طويلا
نشوى تضيء سرائراً وعقولا
تغدو له وسط الدجى قنديلا
فيصيرُ شعري فوقهم إكليلا
والعقل يشكو حيرةً وذهولا
وابعث لقلبي من هداكَ دليلا
(صلاة)
стр. 5762
التفكير النقدي
د. عبد الكريم بكار
كثيراً ما يجفل وعيُنا من النقد والنقّاد، ونقف موقف الحذر من أولئك الذين يكشفون عن المفارقات المقلقة في حياتنا العامة، ولست أدري لماذا يحدث ذلك: هل لأن النقد يكسر إلْفنا للأوضاع السائدة، ويطالبنا ـ من ثم ـ بالتغيير؟ أو لأن النقد ينطوي على نوع من الإدانة لنا بسبب إبرازه للعيوب والأخطاء؟ أو لأن النقد يمنح صاحبه تفوّقاً فورياً على أقرانه، على حين أن التفكير البنائي يحتاج إلى فترة طويلة حتى تظهر ثماره، مما يدفعنا إلى الغيرة من النقّاد؟ أو أن هناك أسباباً أخرى لنفورنا من النقد وأهله؟ على كل حال؛ فإن الذي نعتقده هو أن الخدمة التي يقدِّمها التفكير النقدي على صعيد محاصرة الأخطاء والشرور لا تقدر بأيِّ ثمن. والذي أودُّ أن أنبِّه عليه في البداية هو أن النقد لا يعني: التركيز على السلبيات والمعائب والنواقص فحسب، كما قد يُتوهم، وإنما يعني: الكشف عن مساحات الجمال والإبداع في العمل أو النشاط، كما هو الشأن في النقد الأدبي، حيث إن الناقد لا يتحدث عن هفوات الشاعر أو الناثر فحسب، وإنما يتحدث أيضاً عن الأفكار العظيمة في العمل الأدبي، وعن الصور البيانية الرائعة. وهذه بعض الملاحظات في مسألة التفكير النقدي:
١ ـ التفكير النقدي هو أرقى أنواع التفكير، وهو في الحقيقة أحد ألوان التفكير الإبداعي، وهو على درجة عالية من الأهمية على طريق التغيير والإصلاح. وأنا أدعو إلى التدرّب الشخصي عليه، كما أدعو إلى تدريب الناشئة على مهاراته؛ وإن كل واحد منا سيكون في إمكانه ممارسته إذا عرف قواعده وأصوله وصقل معارفه بالمَرَانة والمِرَاس.
لا شك أن التفكير النقدي متصل بما لدى المرء من قدرات ذهنية، لكن يمكن للمرء ـ إن لم يستطع أن يكون ناقداً من الطراز الرفيع ـ أن يباشر النقد عند المستوى العادي، كما يمكنه أن يقف الموقف الموضوعي ممن يمارسون النقد.
إننا حين نفكر ونخطط ونحلم، نقوم بكل ذلك على نحو طليق وسخيٍّ، لكن حين نأتي للتنفيذ نجد أننا مقيَّدون بقيود الزمان والمكان والإمكانات المتاحة، وأحياناً تتدخل رغباتنا وأهواؤنا وقصورنا التربوي، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى وجود مفارقة ـ كبيرة أو صغيرة ـ بين ما نقول ونطلب ونتمنى وبين ما هو موجود على أرض الواقع؛ وهذا هو الذي يجعل النقد شيئاً مشروعاً ومطلوباً. فالناقد الجيد الذي نحتاج إليه في كل مجالات الحياة، هو ذلك المفكِّر الذي يرى المفارقة أو المسافة الفاصلة بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون، أو ينبغي أن يكون؛ لأن هذه المسافة هي جماع العِلل والمشكلات والأزمات التي تعاني منها الأمة، إنها المسافة الفاصلة بين المرض والعافية والتدهور والازدهار، لكن لا بد من القول: إن رؤية الناقد للصورة التي ينبغي، أو يمكن أن نصير إليها هي رؤية اجتهادية ظنية، كما أن رؤيته للواقع تصدر عن قناعة شخصية ومن زاوية خاصة، فهي أيضاً اجتهادية، وينبني على هذا أن تكون الرّؤى النقدية عبارة عن رُؤى اجتهادية غير ملزمة، لكن الناقد يُضيء المناطق المظلمة في واقعنا ورُؤانا، ويثري الحلول المطروحة والاجتهادات المتوفرة، وهذا ليس بالشيء القليل.
٢ ـ فطر الله ـ سبحانه ـ الصغار على حب التساؤل والتشوق إلى فهم كل ما يحيط بهم، وكأن ذلك يشكل الخطوة الأولى على طريق ممارسة (التفكير الناقد) لكن معظم الناس لا يتعلمون فنَّ طرح الأسئلة، ولا يملكون الخبرة والمعرفة الكافية لرؤية المفارقات والتقصيرات، ومن ثمّ فإنهم يألفون الواقع الرديء ويكابدون المشاقّ، دون أن يهتدوا إلى سبيل الخلاص! لنشجع أطفالنا وطلابنا على طرح الأسئلة المتنوعة، ولنحاول أن نصل معهم إلى أجوبة مقنعة وصحيحة قدر الإمكان؛ وقد قال أحد الحكماء: «قد منحني الله ـ تعالى ـ ستة رجال أقوياء يخدمونني، ويعلمونني كل شيء، وهم أصل كل ما أعرفه: (ماذا) ، و (كيف) ، و (متى) ، و (لماذا) ، و (أين) ، و (مَنْ) .
إن رجاله الذين يتعلم منهم هم هذه الأدوات الاستفهامية التي تحيط بأيِّ ظاهرة، وتوفر مدخلاً لتسليط نور الوعي على أيِّ قضية أو مشكلة.
إن الطرح المنظم للأسئلة حول قضية (تراجع الهمِّ الدعوي) ـ على سبيل المثال ـ سوف يساعدنا على زيادة الوعي بأبعاد هذه القضية: مظاهرها، حجمها، الأشخاص أو الفئات أو التيارات التي حدث لديها التراجع أكثر من غيرها، أسباب التراجع، علاج التراجع: مدّته، تكاليفه وأدواته، العقبات التي تواجهه ... إن التساؤل حول هذه الأمور سيساعدنا على فهم القضية وعلاجها، لكنه إلى جانب ذلك سوف يكشف عن شيء خطير؛ هو أن المعلومات الموثوقة والدقيقة التي في حوزتنا حول هذه المسألة هي شبه معدومة، وهذا يؤكد على أهمية جعل التساؤل أساساً في نقد أيِّ قضية من القضايا.
٣ ـ يكون التفكير النقدي تفكيراً إبداعياً بامتياز حين يركِّز على إيجاد البدائل؛ والحقيقة أن من النادر أن نجد مفكِّراً ممتازاً ينقد ظاهرة من الظواهر، ويكشف عِللها الكامنة دون أن يكون في ذهنه بعض الأفكار حول ما ينبغي عمله وإحلاله محلّ الأشياء المعطوبة، فإذا وجدنا من ينقد ويجأر بالشكوى من سوء الأحوال في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو التعليم، ثم لم يقدِّم لنا أيَّ حلول أو علاجات أو وصفات إصلاحية، فهذا يعني أنه يقوم بعملية احتجاج مبهمة، ينفِّس فيها عمّا في صدره ليس أكثر. أفضل النقد هو ذلك الذي يتم في ظلال البناء، وإذا تباطأت حركة اليد، فلا بد أن تتباطأ حركة الفكر، فدعوتنا ـ إذاً ـ إلى شيئين: عمل يَتْبعه نقد، ونقد يَتْبعه تغيير وإصلاح. والله وليُّ التوفيق.
стр. 5763
الدكتور حامد أبو أحمد أستاذ الأدب الأندلسي ينعي العقل العربي
أجرى الحوار: صلاح حسن رشيد
- المفكرون العرب فشلوا في إبراز حضارة الأندلس للجيل الجديد من الإسبان.
- العقل العربي عاجز عن ابتكار أي نظرية معرفية اليوم.
- (لوركا) تأثَّر بكتابات (ابن زيدون) و (ابن حزم) في أشعاره.
- الترجمة أكبر عائق يقف أمام وصول الأدب العربي للعالمية.
- المسلمون مطالبون بعدم التباكي على زوال حضارتهم في الأندلس، بل بإشادة حضارة عصرية تضارعها.
يؤكد الدكتور حامد أبو أحمد - أستاذ الأدب الأندلسي بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر ـ أنَّ أوروبا لا زالت عالة على الحضارة والفكر الأندلسي الإسلامي، مشيراً إلى أن الحضارة الغربية ما كانت لتكون أو لتظهر لولا تأثرها الكبير والواضح - والذي أكّده العلماء الغربيون الثقاة - بالنهضة الشاملة التي أحدثها المسلمون في الأندلس.
حول الأندلس.. الفردوس المفقود، والحضارة والعلم، وقضايا أدبية أخرى نحاور د. حامد أبو أحمد:
البيان: ما سبب الإلحاح المستمر من قِبَل العرب والمسلمين للحديث عن الأندلس (المكان والزمان والحضارة) ؟ وما قيمة هذا الآن؟
٣ إن نجاح العرب والمسلمين في فتح جنوب أوروبا والاحتكاك بالفرنجة ـ فرنسا حالياً ـ وإيطاليا، وإقامة دولة ممتدة الأرجاء متقدمة فكرياً ودينياً وإنسانياً وعلمياً، هو انتصار للمسلم في كل زمان ومكان، مكّنه من اعتلاء صرح الحضارة الإنسانية اليوم مثلما كان قديماً، ومن هنا رأى أن الإلحاح الواضح منا في الحديث عن الأندلس (الجنة المفقودة) هو تمنّي إقامة ذات الحضارة والدور حالياً، كما أن حضارة المسلمين في الأندلس تبرز للأوروبيين والغربيين مدى تقدُّم المسلمين وقيادتهم للعالم يومذاك، وتعريفهم بأنه لولا الحضارة الإسلامية في الأندلس ما تقدَّم الأوروبيون علمياً ولا حضارياً؛ لأنهم كانوا يعيشون في تخلّف حادٍّ، وجهل مطبق، وهمجية رعناء.
انتشلهم المسلمون بفضل حضارتهم التي تشمل قيماً إنسانية وفكرية لم يعرفوها من قبل، انتشلوهم من هذه الرَّقْدة والسُّبات العميق ومن عصور الظلام إلى نور الحق والعلم والمدنية والإنسانية الرَّحبة.
فاعلون لا تابعون
البيان: هل على العرب والمسلمين في هذه الفترة الحرجة أن يظلّوا يتباكون على الأندلس السليب، وعلى حضارتهم التي أضاءت أوروبا في مختلف الفروع والعلوم؟ أم أنهم مطالبون بالقيام بذات الدور الحضاري؛ لكيلا يكونوا عالة على أحد؟
٣ إن علماء أوروبا يشهدون على تفوّق حضارة الأندلس على حضارة أوروبا اليوم، مستدلين بالقيم الفكرية والآثار المعمارية في قرطبة وإشبيلية، مثل: قصر الحمراء الذي يعتبره الأوروبيون تحفة ليس لها نظير في أي عاصمة أوروبية أخرى، وأجزم أن العرب والمسلمين مطالبون ليس بالبكاء على حضارتهم السليبة؛ ولكن بالبناء عليها والعمل المتواصل من أجل إقامة حضارة عصرية تضارع تلك الحضارة التي شادوها في الأندلس؛ حتى لا يكونوا مجرّد تابعين لا فاعلين في عالم اليوم.
البيان: وكيف ترى الإسبان اليوم؟ وماذا يقولون عن الأندلس ودور المسلم في الحضارة الإنسانية؟
٣ فريق كبير من علماء الإسبان ثقاة يعترفون، بل ويشيدون بإسهامات المسلمين العلمية والحضارية والتربوية والاجتماعية والدينية، ويرون أن أثر الأندلس واضح في عالم اليوم، ويقولون أن أوروبا متأثرة إلى أبعد حدٍّ بالفتوح العلمية والاكتشافات التي توصّل إليها المسلمون في الأندلس، كما أنهم لا يستطيعون أن يغمطوا حق العرب والمسلمين من السبق والعبقرية والنبوغ عندما فتحوا جنوب أوروبا، ووصلوا إلى مشارف جبال الأندلس، ولكن هناك بعض الإسبان الذين يتجنون على المسلمين ويتجاهلون إسهاماتهم وما أشاعوه في أوروبا من نهضة كبرى في ذلك الوقت.
البيان: يقال: إن الشاعر الإسباني الكبير (لوركا) اطّلع على كتابات المسلمين في الأندلس، لا سيما الشعر، وأنه كان مفتوناً بكل ذلك إلى أبعد حدّ؛ فما صحة ذلك؟!
٣ هذه حقيقة لا ينكرها إلا جاحد، ففي الكتب والصحف الإسبانية نلمس مدى تأثُّر (لوركا) بإنسانية الشعراء المسلمين في الأندلس، وقوله: إن العرب سبقوا أوروبا في معرفة جوهر الإنسان وإنسانيته التي غفلت عنها الحضارة الأوروبية وتناستها إلى غير رجعة، ومن الشعراء الذين كان لهم أثر طيب لدى (لوركا) (ابن زيدون وابن خفاجة وابن قزمان) ، إضافة إلى كتاب (طوق الحمامة) لابن حزم، حيث وجد فيها (لوركا) معيناً خصباً وواحة فيحاء استمد منها مضامينه الشعرية ومناداته بالعدالة والحرية والسلاح.
البيان: بوصفكم ناقداً أدبياً متخصصاً في الأدب الأندلسي؛ هل نجح المفكرون المسلمون في إبراز المناحي المتشعبة والفريدة لحضارتهم في الأندلس اليوم؟ أم أنهم عجزوا عن ذلك؟
٣ رغم أن كل الجامعات العربية الإسلامية توجد بها أقسام لدراسة الأدب الأندلسي، فإن المسلمين قصّروا في هذا الجانب، فلم يكتبوا للإسبان عن أوجه السبق والتفرد التي تميزت بها حضارة الأندلس، في حين أن هؤلاء المسلمين كتبوا فقط لأبناء وطنهم، ومن هنا وقعوا في الخطأ الكبير الذي كنا دائماً نخاف منه، وكنا نعتقد أنهم سيهدفون في كتاباتهم مخاطبة شباب الإسبان اليوم بأسلوب سلس يبرز عظمة ودور المسلمين في إشادة حضارتهم التي استمرت ثمانية قرون، أحدثت من خلالها إشعاعات ثقافية وتربوية وعلمية، وخرجت علماء أفذاذاً لا يقلّون عن علماء أوروبا اليوم في شيء، إن مفكرينا يجب أن يوجهوا كتاباتهم وخطابهم الفكري والثقافي لأفئدة الأجيال الجديدة في إسبانيا؛ لكي يعرفوا أنهم مدينون للعرب والمسلمين حضارياً.
فردية وعشوائية
البيان: ما المعوقات التي تقف دون وصول الأدب العربي إلى العالمية مثل الآداب الأخرى في الصين وأمريكا الجنوبية واليابان مثلاً؟
٣ أهمُّ عائق يحول دون ذلك هو الترجمة، فحتى الآن تتمّ ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية بطريقة فردية وعشوائية، وبدلاً من أن يكون هذا العمل جماعياً وتحت إشراف جامعة الدول العربية ـ مثلاً ـ لكي يصل إلى قمَّة الجودة والفن، فإنه يتم وفق انطباعات خاصة، وربما يشوبه ضعف في الترجمة، وعدم دقّة في اختيار العمل المترجم، ومن هنا لا يُقْبِل الناشر الغربي على الكتاب العربي لكي يترجمه إلى لغته الأوروبية، إضافة إلى أن جهد المترجمين عندنا ينصبُّ فقط على بعض الكتابات غير جيدة المضمون والشكل، ومن ثمّ فإن حركة الترجمة العربية للآداب الأخرى ليست فعالة، إذ لا تتناسب مع حجم ومكانة العرب والمسلمين، ولا مع عدد المبدعين والمفكرين الذين تمتلئ بهم جنبات عالمنا الإسلامي الفسيح، ومن هنا أؤكد ضرورة تكاتف الهيئات العلمية والحكومية العربية من أجل إقامة مشروع للترجمة موحد لتعريف العالم بمفكرينا وبأدبنا الزاخر بالأسماء والقضايا الجوهرية والقيم الفنية والتربوية العالية.
البيان: إلى متى سيظل المسلمون تابعين للغرب؟ ومتى ينتج النقاد العرب نظرية نقدية ذات بُعْد عالمي تثبت تفوقهم ووجودهم في عالم اليوم؟
٣ لسنا مؤهلين حالياً لإنتاج نظرية نقدية، إذ تسيطر على ساحتنا الثقافية والأدبية حركة النقل عن الغرب والتقليد لما ينتج هناك، والتبعية المطلقة للعقل الغربي؛ لذلك لا أعتقد أن بإمكاننا في ظل ظروف الضعف الفكري التي نعيشها أن نتوصل إلى تلك النظرية؛ لأن هذا صعب في هذه الفترة وفقاً للمعايير الحضارية والثقافية. إذاً؛ العقل العربي عاجز عن إنتاج أية نظرية في أي مجال معرفي من مجالات الحياة. ثم إن الوضع الأدبي والفكري حالياً في البيئة العربية يؤكد استفحال ظاهرة عدم إعمال العقل لإنتاج أي شيء ذي قيمة، لينعكس أثر ذلك على العقلية العربية التي أصابها التجمُّد الفكري، والتكلُّس المعرفي، مما كان له أثره في تبعيتنا الواضحة للنموذج الغربي.
стр. 5764
في فلسطين.. البلاء من هؤلاء
د. عبد العزيز كامل
كنت قد كتبت مقالاً في أعقاب فوز حماس في الانتخابات النيابية الفلسطينية بعنوان (معركة حماس الأخطر.. هل هي مع الإسرائيليين، أم العلمانيين الفلسطينيين؟) ولكني ترددت كثيراً في نشره في ذلك الوقت؛ لأن الأجواء بفوز حماس حينها، كانت لا تزال متفائلة، على غير ما كان الشعور عندي، لاعتقادي وقتها أنه لا المعادلات الدولية، ولا الحسابات الإقليمية العربية، ولا الحساسيات الفلسطينية الداخلية في ظل هزيمة حركة فتح، ستسمح باستمرار نجاح حماس وبقائها في السلطة، بل كان ظني الغالب أن هذا النجاح سيُحاصر دولياً وإقليمياً وفلسطينياً ... وأن بقاء حماس في السلطة لن يطول في ظل إصرار المجرمين في العالم على إفشال أي نموذج إسلامي وبخاصة في المنطقة العربية، وبوجه أخص في فلسطين التي تستوطن معظم أراضيها عصابات يهودية مغتصبة، لا يمكن أن يدوم اغتصابها إذا وُجد نموذج إسلامي ناجح ومستقر في فلسطين؛ فكيف إذا كان هذا النموذج سُنياً في زمن العداء لأهل السُّنة، وجهادياً في زمن محاربة المجاهدين، ومهدداً لليهود في زمن العلو العالمي لليهود، ومعارضاً للأمريكان في حقبة حربهم العالمية المعلنة على الإسلام؟
لم أشأ أن أقطع على الناس تفاؤلهم، ولهذا أحجمت عن الكتابة في الشأن الفلسطيني الداخلي منذ ذلك الوقت.
كان يقيني ـ ولا يزال ـ أن اليهود في عصرنا، قد مُد لهم حبلان من الناس، بهما أُخرجا من الذلة والمسكنة إلى حين، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أما حبل الناس الأول فمن بلاد الغرب، وبخاصة بريطانيا وأمريكا، وأما الحبل الثاني، فمن بلاد العرب؛ حيث انتدب أعراب منافقون منذ البدايات المبكرة للمشروع الصهيوني للتواطؤ معهم، والتولي لهم، والتخذيل عنهم، حتى تطور ذلك إلى الحراسة لحدودهم من الخارج، والتصدي لمقاوميهم ومجاهديهم من الداخل؛ في سلسلة ممتدة من الخيانة والخَوَر، والمداهنة والفشل الذي أنتج الواقع المر الذي تمر به القضية الفلسطينية اليوم، وقد اجتمعت آفات الخيانات العلمانية كلها مؤخراً لتتواطأ مع أعداء الأمة، لإلحاق هزيمة نهائية بالمشروع الإسلامي في فلسطين لحساب المشروع العلماني، وكان فوز حماس في الانتخابات النيابية فرصة لا تعوَّض عند هؤلاء، لإفقاد الناس حماسهم لحماس، وإذهاب تعاطفهم معهم في الداخل والخارج.
واليوم وبعد ما يقرب من ثمانية أشهر من التآمر المتواصل العالمي والعربي والفلسطيني العلماني على حركة حماس من أجل إفشال نموذجها كسلطة فلسطينية ذات مرجعية إسلامية؛ تتضح أكثر صورة مواقف العلمانيين عموماً؛ فالبرغم من تراكم تجاربهم الفاشلة في مواجهة العدو اليهودي سلماً أو حرباً خلال ما يقرب من ستين عاماً؛ فلا يزالون يصرُّون على احتكار واجهة الصراع، الذي صغَّروه وقزَّموه من إسلامي يهودي إلى (صراع عربي إسرائيلي) إلى «نزاع» فلسطيني إسرائيلي؛ فوَّضوا فيه (حزب المنافقين) فرع فلسطين، هؤلاء الذين يضغطون اليوم بإلحاح على كل الإسلاميين ليلحقوا بهم في مسلسل التنازلات المخزية: الاعتراف بحق دولة اليهود في الوجود على ثلثي أرض فلسطين، ونبذ مقاومتهم كعدو محتل، والاشتراك في معاهدات السلام معهم والاستسلام لهم.
ولأجل الوصول بحماس إلى ثلاثية الهزيمة هذه؛ جرت وتجري وستجري كل أحداث التآمر علىها، وعلى الشعب الفلسطيني كله، لكي يكفر بحماس وبمنهج حماس ولاءات حماس الثلاث الرافضة لتلك الضغوط الرهيبة عالمياً وعربياً وفلسطينياً.
إن من يتابع فصول المعركة الحالية بين الإسلاميين والعلمانيين في فلسطين، لا بد أن يخرج بنتيجة واحدة، كان من المفترض أن تكون بدهية منذ البداية، هذه النتيجة هي: أن هناك تحالفاً على إفشال النموذج الإسلامي، وقد اختيرت فلسطين ميداناً له، بعد الجزائر وأفغانستان والسودان والشيشان، ونحن نخشى أن تتحول جهود هذا التحالف الحاقد بعد فلسطين إلى الصومال.
هناك قوى (وطنية) داخل فلسطين تمارس الآن دوراً خيانياً، حتى بالمفهوم الوطني؛ فماذا يعني تسهيل مهمة الأعداء في تجويع وتركيع الشعب الفلسطيني من أجل إثبات (فشل حماس) في إدارة السلطة؟!.. وماذا يعني تهييج العسكر بسلاحهم في وجه إخوانهم من المجاهدين الفلسطينين بدعوى الاحتجاج على عدم دفع الرواتب التي صنعوا هم أزماتها؟ وماذا يعني تدبير عمليات الإضراب في المدارس والمعاهد والمستشفيات وغيرها لإحراج حكومة حماس وإظهارها بأنها أصبحت معادية للشعب؟!
وماذا تعني عمليات التخريب والإحراق والتهديد بالقتل والاغتيال والانتقام من رموز حماس وكوادرها؟
ستظل تفاعلات نجاح حماس في الانتخابات عام ٢٠٠٦، تتداعى بها الأحداث وتتنوع بها المواقف، ولكن مهما تداعت هذه أو تنوعت تلك، فإن لها أبعاداً ثلاثة ستظل ذات تأثير كبير على مستقبل الأوضاع المتعلقة بالقضية الفلسطينية ما دام الإسلاميون في السلطة:
البعد الأول: هو البعد الخارجي، ونعني به كل ما هو خارج عن إطار الفعل العربي والإسلامي، وتعبر عن مواقفه الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا و (إسرائيل) .
والبعد الثاني: هو البعد الإقليمي العربي والإسلامي بشكليه الرسمي والشعبي.
والبعد الثالث: هو البعد الفلسطيني بشقيه الإسلامي والعلماني.
فهذه الأبعاد الثلاثة ستظل لها خلفياتها المؤثرة على المواقف.
أما البعد الأول؛ فإنا إذا نظرنا فيه وجدنا ظرفاً دولياً استثنائياً، يقوم على تحكم القطب الواحد (أمريكا) في معظم مفاتيح المعادلات الدولية، وهي تسخرها منذ مدة لخدمة أهدافها ومشروعها الإمبراطوري وحربها العالمية التي أعلنتها ضد ما تسميه بالإرهاب، وهي تسعى بكل جهد لإبقاء مفهوم الإرهاب مرناً مطاطاً، حتى تُدخِل فيه كل حين من تريد، لتعمل ضده هي وحلفاؤها. وقد كانت حركة حماس إحدى ضحايا هذا التمطيط لمفهوم الإرهاب؛ حيث أُدرجت على قوائمه في أمريكا وأوروبا، بسبب عدم اعترافها بدولة اليهود، وعدم التزامها بالاتفاقيات المبرمة معها من قِبَل السلطة الفلسطينية، وعدم تخليها عن نهج مقاومتها ومجاهدتها كعدو غاصب محتل. وهنا لا بد أن يتذكر المهتمون بالشأن الفلسطيني أن الولايات المتحدة التي كان لها دائماً مواقفها النظرية والعملية التي تلتزم فيها بتأمين وحماية دولة اليهود من أي خطر، لن تسمح بأي ظروف يمكن أن توصل إلى هذا الخطر، فهذا تاريخها معها، حيث تعهدت بحمايتها من عهد (ترومان) الذي اعترف بدولتها بعد عشر دقائق من إعلانها رسمياً إلى عهد (ريجان) الذي تحالف معها استراتيجياً، إلى عهد (بوش الأب) الذي خاص بالنيابة عنها حرب الخليج الثانية، وصولاً إلى عهد (بوش الابن) الذي فجَّر لأجلها حرب الخليج الثالثة وربما يفجر الرابعة، لهذا نقول: لا ينبغي أن تسبح بالبعض الأوهام أكثر من هذا، فيتخيلوا أن أمريكا ستغض الطرف عن قيام كيان يُخشى منه على (إسرائيل) فهي عندما خافت عليها من قوة العراق؛ ساعدت في ضرب مفاعله النووي عام ١٩٨١، وتدمير جيشه عام ١٩٩١، ثم غزت أرضه عام ٢٠٠٣، وعندما خافت على إسرائيل من إيران؛ أقحمتها في حرب الثمانية أعوام مع صدام، ثم ها هي تدخلها في معمعة الأزمات الدولية، بذريعة طموحاتها النووية، هذا كان ديدن الأمريكان مع كل من يمثل خطراً واقعاً أو متوقعاً ضد دولة اليهود.
والموقف الأوروبي لا يختلف كثيراً، بل إن الاتحاد الأوروبي هو الضاغط الأكبر على السلطة التي تسلمتها حماس، بمنعه الدعم المالي الذي كان مربوطاً بوجود السلطة في يد حكومة علمانية موالية له.
وفي كل الأحوال فإن أي كيان إسلامي مستقل ذي مرجعية إسلامية مهما كان ضعيفاً أو معزولاً، فإنه يمثل شبحاً مرعباً عند أمريكا وحلفائها وأوليائها، ولهذا لم يصبروا على دولة الطالبان، ولن يصبروا على السودان أو الصومال أو غيرها من البلدان التي تحاول الاستقلال على أرضية إسلامية. ولا يعني هذا أن تتوقف كل المشروعات الإسلامية خوفاً من هذا العدو المتربص، ولكن المقصود أن لممانعة المجرمين ومقاومتهم زمناً، وللتمكين زمن، وليس هذا وقت تصرُّف الفلسطينيين ولا غير الفلسطينيين على أنهم قوم مُمَكَّنون.
لا يختلف الكلام بشأن أمريكا وأوروبا هنا، عن الكلام بشأن روسيا وغيرها من القوى الدولية المناوئة للمسلمين فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ فخلاصة مواقفهم جميعاً تنتهي إلى أنه إذا كان لا بد من دولة فلسطينية، فلا بد أن تكون علمانية وملتزمة بالاستسلام ومنزوعة السلاح بل منزوعة الإسلام.
أما دولة اليهود نفسها، فلو كانت صبرت على عرفات مع كل ما قدمه لها، لكان يمكن لنا أن نتصور منها صبراً ـ ولو قليلاً ـ على حكومة حماس، ولكن الأيام القلائل التي أعقبت انعقاد أول جلسة للمجلس التشريعي الفلسطيني، أثبت اليهود فيها أنهم سيضعون أمام حكومة حماس ما لا يحتمل من المعوقات والإحراجات، وكان أول ذلك إعلان (إيهود ألمرت) وقتها ـ وكان لا يزال رئيساً للوزراء بالوكالة ـ عن نيته ترسيم حدود «نهائية» لدولة اليهود، في حاله فوزه بمنصب رئيس الوزراء، وهي بالطبع حدود تبلع القدس، وتبلغ ما هو داخل أسوار الفصل من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م. وهو ما يعني عملياً إلغاء مشروع الدولة الفلسطينية من أساسه، وهذا ما جعل (خالد مشعل) يقول وقتها: إن تصريح ألمرت هو بمثابة إعلان حرب على الفلسطينيين.
أما البعد الثاني: وهو البعد الإقليمي والإسلامي؛ فالجانب الرسمي فيه كان واضحاً منذ البداية أنه لن يخرج في أكثره عن حدود المسموح به أمريكياً وحدود المصالح الضيقة إقليمياً ومحلياً، وهو ما كان يعني ألا أمل كبيراً في الاتكاء والاعتماد الطويل على دعم ممنوح من الأنظمة الرسمية، التي يطبخ لكل منها أيضاً ما يشغلها ويذهلها عن غيرها.
أما الجانب الشعبي فإن قلب الأمة الإسلامية والعربية وعقلها وروحها كانت دائماً في انحياز دائم إلى فلسطين وأهلها، والإسلاميون على وجه الخصوص وعلى اختلاف فصائلهم كانوا وسيظلون متعاطفين مع حماس، ومشفقين عليها من ثقل التبعة وجسامة المسؤولية وصعوبة المهام.
والبعد الثالث: هو البعد الداخلي الفلسطيني بشقيه الإسلامي والعلماني:
إن كل ما يقال ويعرف عن مواقف الأطراف الخارجية الأجنبية، منتظر ومتوقع؛ فماذا يُنتظر من الأعداء أو الضعفاء؟ أما ما أثار الغرابة وبعث على العجب، فهو مواقف الجهات التي يفترض أنها شريكة الواجب، وقرينة المصير في الداخل الفلسطيني، ونعني بهم الشرائح الفلسطينية التي تصف نفسها بالوطنية، فهذه الشرائح ظهر منذ البداية أن منها من يريد أن يكون رأس حربة في صدر الإسلاميين في المرحلة المقبلة، ليجهضوا مشروعهم، ويشوهوا صورتهم، ويعطوا الفرصة لأعداء الخارج كي يُمعنوا في الحرب ضدهم على أنهم إرهابيون ومتطرفون!! وقد تعجَّب البعض حينما حذر المشفقون من ذلك، ولكن الحقيقة هي كذلك. صحيح أن التعميم في الحكم غير صواب ولكن التعامي أيضاً غير مقبول؛ فكل المراقبين للشأن الفلسطيني، يعلمون أن تاريخ فلسطين المعاصر شهد ظاهرة علمانية فلسطينية؛ تزامنت مع الظاهرة العلمانية العربية التي استشرت في الأمة بعد إسقاط الخلافة، وهذه الظاهرة العلمانية الفلسطينية، قد شاركت الظاهرة العلمانية العربية في صنع كل الهزائم أمام اليهود على مدى ما يقارب ستة عقود، بإصرارها على التزام أركان العقيدة العلمانية القائمة على هجر مرجعية الشريعة، ونبذ عقيدة الولاء والبراء، واستبعاد الراية الإسلامية في أي مواجهة عسكرية، وإحلال الراية القومية والوطنية مكانها.
المواقف المبكرة في مسيرة حماس في العمل السياسي، أظهرت أن خصومهم من العلمانيين وعلى رأسهم المتنفذون في حركة فتح، يستعملون حيلاً شيطانية، للإيقاع بها في أتون مشاكل لا تنتهي، وقد ظهرت إرهاصات ذلك منذ الجلسة الأولى للمجلس النيابي الفلسطيني برئاسة حماس، حيث شهدت حملة تشويش وتشويه منظمة، كان نواب فتح فيها يمثلون أدوار الطلبة الفاشلين في مدرسة المشاغبين، في مشاهد تثير الاستهجان والغرابة من ذلك السلوك الحسود الحقود غير المسؤول، الذي يصر على إظهار الأغلبية الإسلامية بمظهر العجز والجهل والتعصب وضيق الأفق، لدرجة أن منهم من سخر من رفع الأذان وقت الصلاة، مما اضطر رئيس المجلس وقتها أن يحذر من السخرية من شعائر الإسلام تحت سقف البرلمان. وقد أعطى هذا السلوك العلماني انطباعاً عاماً لما ستكون عليه تصرفات فتح في المراحل المقبلة.
لقد رأى فريق من العلمانيين منذ البداية، أنه يتعين أن تُترك (حماس) لتلقى مصيرها تحت أنقاض الفشل الذي ستمنى به في مواجهة المشكلات الداخلية والخارجية، تلك المشكلات التي يعلم أولئك العلمانيون قبل غيرهم أنها لم تكن من صنع حماس. وإنما كانت من جنايات وخطيئات الإدارة العلمانية للسلطة الفلسطينية، وقد رأى فريق آخر أنه ينبغي إدماج حماس في المنظومة الوطنية التي تغلب عليها الصبغة العلمانية، لعلها تخفف من تمسكها في النهاية وتليِّن من مواقفها.
وقد كان المقلق منذ البداية، أن العلمانيين ظلوا ممسكين بمفاتيح الكثير من عناصر القوة التي لوَّحوا بها في وجه حماس، مثل السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية التي يعدونها للآن (الممثل الشرعي والوحيد) للشعب الفلسطيني، وظلوا يرونها صاحبة الصلاحية والمصلحة في الإبقاء على كل الاتفاقات والالتزامات مع العدو اليهودي؛ لأنها هي الموقعة عليها، وهي القادرة على الاحتفاظ بها وأنه لا يمكن إلغاؤها إلا بموافقة الثلثين في كل المؤسسات الفلسطينية، وهي النسبة التي يجب تحققها أيضاً لتغيير أي بند في القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور) . كما أن رئاسة السلطة التي يمثلها محمود عباس، تجعله بحسب القانون الأساسي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو المسؤول عن تعيين أو إعفاء أصحاب المناصب، وهو المسؤول المباشر عن جهاز الاستخبارات والأمن الوطني المكون من خمسين ألف عنصر، إضافة إلى عشرين ألف عنصر من أجهزة أمنية أخرى، بما يوصل العناصر المسلحة إلى ٧٠ ألف مسلح تحت إمرة عباس، يمثلون في عددهم عدة جيش كامل في دولة عربية كبيرة. ولكنه جيش لم يجهز لمقاومة اليهود، وإنما لمقاومة من يقاومهم.
العلمانيون كانوا يقبضون أيديهم منذ البداية، عن تقديم أي مساعدة لحماس في مهامها الشاقة مع قدرتهم الكاملة على ذلك؛ ولهذا رفضوا الانضمام للحكومة التي شكلتها منذ البداية إلا بشرط التزامها بالاتفاقات المبرمة مع دولة اليهود. وقد قذفوا وجه حكومة حماس منذ المراحل الأوائل بورقة إثارة القلاقل عن طريق الميليشيات التابعة لحركة فتح؛ حيث جعلوها بمثابة قنبلة موقوتة تهدد الأوضاع بالانفجار في حالة تأخر حماس عن دفع رواتبها التي تبلغ نحو عشرين مليون دولار، وهو ما حصل بالفعل، إذ أحرقت تلك العناصر مقر المجلس النيابي ومبنى رئاسة الوزراء! وهو تطور خطير قد يؤذن بما هو أخطر، وحتى كتابة هذه السطور فإنه يترجَّح أن يُقْدِم محمود عباس على حل السلطة بعد أن صرح بأن مقترح إنشاء حكومة وحدة وطنية قد وصل إلى طريق مسدود، بسبب عدم تنازل حماس عن لاءاتها الثلاث، وقد ينشئ حكومة طوارئ، أو يدعو إلى انتخابات مبكرة، وسواء بكّر بهذا أو تأخر، فإن الأمور قد وصلت مع العلمانيين إلى طريق اللاعودة.
السلطة في حد ذاتها ليست غاية حماس، كما كرر قادتها ذلك صادقين، غير أن المشكلة هنا ليست في ذهاب السلطة، ولكن في آثار المكر الكُبَّار الذي سعى فيه خبثاء العلمانيين، الذين لم يستطيعوا تشويه صورة المقاومة بالتنازلات السياسية، فلطخوها بالإخفاقات الاقتصادية والمعيشية التي تمس حاجات بل ضرورات الناس الحياتية، وهذا سلاح فتاك قاتلوا به حماس، وللأسف فإنهم نجحوا في إلحاق كثير من الأذى بالوجه الوضيء لها في انظار العامة.
والناس معذورون؛ فالحماس وحده لا يُطعم الجوعى، ولا يشفي المرضى، ولا يسد حاجة المحتاجين.
كنا نتمنى لو احتفظت حماس بموقعها كقوة معارضة مؤثرة في البرلمان واحتفظت فقط ببعض الوزارات البنائية التي تخدم المشروع الإسلامي، مع البقاء في موقعها الطليعي على أخطر وأكبر ثغور الأمة، في بيت المقدس وأكناف بين المقدس؛ فهذه المهمة هي أعظم وأكرم المهمات على أرض فلسطين، وهي تحتاج ـ كما كانت دائماً ـ إلى أن يظل رموزها نائين بأنفسهم عن مهاترات العلمانيين وسفاهات المنافقين على الصفحات وأمام الفضائيات ... فكم كان لافتاً الفارق الشاسع بين حديث هؤلاء المفتونين عن مجرمي اليهود ـ حيث اللباقة واللياقة والكلمات المهذبة المشذبة، وبين حديثهم عن قادة حماس ... حيث الجلافة والسخافة والفجور في الخصومة!!
أحسب أن (أوسلو) بنتائجها وآثارها ورموزها، كبنيان متهالك على شفا جرف هارٍ، ما كان يصلح أن تُضيَّع الجهود وتنفق الأعمار من أجل ترميمه وتجديده، فضلاً عن الارتفاع به إلى طوابق جديدة ... وأحسب أيضاً أن ما جرى قد استفاد منه أصحاب أوسلو أكثر من حماس.
نحن نعلم أن مشروع حماس، كان ولا يزال مشروع تحرير وتعمير، لكن الذين تصدوا لهم في مهمة التحرير وأنشؤوا من أجل ذلك ما سُمي بـ (جهاز الأمن الوقائي) لوقاية اليهود من ضرباتهم، هم الذين يتصدون لهم اليوم في مهمة التعمير، لإفساد المشروع الإسلامي برمته، تحريراً كان أو تعميراً بالتعاون مع الأعداء الظاهرين والمستترين ... وهل يكون هذا إلا من منافقين معادين للأمة؟!
لكنا نقول لهم ولمن يقف وراءهم: إن المشروع الإسلامي سينجح في بيت المقدس في يوم من الأيام، وهو آتٍ عما قريب بإذن الله، ونجاحه لن يتمثل في إقامة دولة إسلامية قوية فحسب، بل سيكون بداية لعودة الكيان الإسلامي العالمي المرتقب انطلاقاً من الأرض المقدسة؛ فقد قال النبي #: «إذا نزلت الخلافة الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام» (١) وقال: «بينما أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتُمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعُمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام» (٢) .
إن هذا سيكون خاتمة جهاد طويل على أرض الشام، نرجو أن يكون للفصائل المجاهدة على أرض فلسطين ـ وفي مقدمتهم حماس ـ شرف البدء في مسيرته المظفرة. قال #: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، كالإناء بين الأكلة، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (٣) .
стр. 5765
من المكتسبات بعد الانقلاب في العسكري في موريتانيا
أحمد ولد محمد ذو النورين
لا وجه لإهمال المسلم واقعه أو ابتعاده عن مجريات الأحداث في محيطه؛ إذ المسلم بما يتحمله من مسؤوليات وما يجب أن يعيه من أمور، وما يحيط به من مخاطر، يظل لزاماً عليه أن يبقى في قلب الحدث.
والمتتبع الفطن لأحداث التاريخ يستخلص بوضوح خطورة التغافل والانعزال عن شؤون الحياة من قِبَل المسلم؛ فكثير مما حصل في بلاد المسلمين من إبعادٍ لتعاليم الإسلام واستذلال لأهله ناتج في الغالب عن تقوقعهم وابتعادهم عن الأمور العامة، وعن تخاذلهم وعدم مواكبتهم للتعاطي مع الوقائع، وخاصة في أمور الدولة وما يتصل بها.
لا وجه لإهمال المسلم واقعه أو ابتعاده عن مجريات الأحداث في محيطه؛ إذ المسلم بما يتحمله من مسؤوليات وما يجب أن يعيه من أمور، وما يحيط به من مخاطر، يظل لزاماً عليه أن يبقى في قلب الحدث.
والمتتبع الفطن لأحداث التاريخ يستخلص بوضوح خطورة التغافل والانعزال عن شؤون الحياة من قِبَل المسلم؛ فكثير مما حصل في بلاد المسلمين من إبعادٍ لتعاليم الإسلام واستذلال لأهله ناتج في الغالب عن تقوقعهم وابتعادهم عن الأمور العامة، وعن تخاذلهم وعدم مواكبتهم للتعاطي مع الوقائع، وخاصة في أمور الدولة وما يتصل بها.
ففي المشهد الموريتاني الحديث نجد أن أغلب الدعاة والمتدينين قد انشغلوا بأمور الدعوة واستحثاث الهمم للعمل التعليمي والدعوي في نطاق ضيق، متجاهلين أو متجاوزين ما يتصل بالعمل السياسي، مسايرين بذلك مستندات فكرية مبنية على معيار قياس الوسائل والحاجات والأولويات انطلاقاً من خلفية قوة المسلمين وسيادة أخلاقهم وتعاليمهم، بعيداً عن مراعاة المتغيرات والمستجدات؛ وهو الأمر الذي أخلى الساحة السياسية من المتدينين، فظلت مسرحاً للفاسدين والحاقدين على التدين يمرحون فيها كيف يشاؤون، في غيبة أهل الصلاح وانشغال منهم بالدعوة والمجالات الاجتماعية والأخلاقية، ظانين أن الطريق بيِّن، وأن الأمور ستظل سائرة في مسارها الصحيح؛ فلم يلبث أهل الفساد ـ في بلاد شنقيط ـ أن وقفوا في منتصف الطريق حاسرين الأقنعة عن وجوههم، معلنين محاصرتهم للعمل الإسلامي بكافة طرقه ووسائله، متخذين لذلك شتى الذرائع، متكئين على نظام أراد أن يناصب الدين وأهله العداء، بعد أن تنكر لدينه وقيم مجتمعه، فأفلس أخلاقياً واجتماعياً، حين طبخ زاده لمحاربة الدين في مراجل صهيون، متوسلاً بالنظام العالمي الجديد، مبدياً وجه العداوة لأهل الخير، محاولاً عزلهم والنيْل من مكانتهم، بعد أن عرّوه في وضح النهار؛ بإعلانهم كلمة الحق رغم غلاء الثمن وصعوبة الطريق.
لقد وصل النظام البائد بزعامة (ولد الطائع) إلى درجة من المكاشفة والمصارحة بحقده وعدائه للعمل الإسلامي، لم يوازها إلا عدله في توزيعه للظلم على الناس ... لقد أغلق المساجد والمعاهد، وجند كل قواه الأمنية والإعلامية لسد أبواب الدعوة، مؤسساً لكل خطوة يخطوها في سبيل ذلك على آراء حثالة من المتعاملين لم يحظوا بالفهم السليم، ولم يوفقوا للاتباع ولم يراعوا للكرامة ذماماً، فعظمت الجراءة على الله، وتم التطاول على العلماء، ولويت أعناق النصوص، وتم القفز على المفاهيم والقيم، فألقي في السجن كل داعية إلى الله، وجففت منابع الخير وروافده، وأوصدت ديار العلم ومعاهده، فماج الناس في ظلام مدلهمّ، واشتد الحصار على المساجد، وخنقت المحاظر، وتم طمس السنة وإنكارها، بل والسخرية منها والاستهزاء بأهلها ووصمهم بكل نقيصة، وأُشهرت البدع، وانتشر الباطل، وتجمعت الأزمات بشكل خانق كاد أن ينزلق بالبلاد في أتون حرب أهلية غير محسوبة العواقب.
فنشأت في خضم ذلك مرحلة لم يعد بعدها الوضع مطاقاً، فعجت البلاد بالكراهية والظلم والحقد والمكر، فكان أمل كل موريتاني أن يزول (ولد الطائع) ولو كان بانقلاب من الشيطان.
فجأر الناس إلى خالقهم، والتجؤوا إلى فارج الكرب، فجاءت المفاجأة من حيث لم تكن متوقعة، وأزال رأس النظام أقربُ معاونيه، فكان انقلاب الثالث من أغسطس ٢٠٠٥م، بمستوى من السهولة والإتقان غير معهودة؛ فلم يُرَق دم، ولم تقع بلابل ولا اضطرابات.
لم يعلق الناس في البداية آمالاً كبيرة على الانقلاب؛ لأن من قام به هم شخصيات من أهم ركائز النظام، خاصة قائده الذي ظل مديراً للأمن طيلة حكم (ولد الطائع) . حصل ذلك التغيير وتنفس الموريتانيون نسائم الأمل، رغم حمله لبعض رواسب الماضي المتجذر لدرجة يصبح الإصلاح معها عسيراً. غير أن خطوات إصلاحية بدأت تتحرك رويداً؛ حيث تم التشاور بين المجلس العسكري وأطياف واسعة من مختلف الفرقاء السياسيين، ففتحت المساجد من جديد وخاصة في وجه أنشطة الوسطيين، وتراجعت الشرطة عن مطاردة المصلين، وشهد الإعلام قفزة نوعية؛ فصار مشاعاً ـ إلى حد ما ـ بين أغلب شرائح المجتمع، بعد أن كان محتكراً على التطبيل والتزمير لسدنة القصر، وتراجعت الدعاية ضد المرجعيات الإسلامية التي حاول النظام البائد أن يحيدها عن محيط الثقة والتقدير.
وأفسح المجال أمام أهل الدعوة من جماعة الإخوان المسلمين، وتولت عنهم عيون البولسة، ومات قانون المساجد المشؤوم، وأعدت تعديلات دستورية من شأنها تقليص الفترة الرئاسية، والقضاء على التشبث بالكرسي إلى الأبد، وتلاشى التخندق في بوتقة الحزب الواحد.
وقد ظهر جلياً بعد هذا التغيير أن الإسلاميين يملكون مكانة لا يمكن تجاهلها ولا تخطيها، مما جعل كل القوى السياسية في البلاد اليوم تدرج ضمن برامجها وخطاباتها، بل وأنشطتها، كافة ما يغازل شعورهم، وإن كانت تخالفهم في الرؤية والتصور.
ولقد وصلت حرية المجال الدعوي إلى معاودة بعض الجمعيات المجتمعية ذات النزعة الإخوانية العاملة في الحقل الدعوي عملها، وإن كانت أخرى سلفية لا تزال موصدة الأبواب. هذا إضافة إلى رفع الحظر عن الدروس الثابتة والمنابر التعليمية والليالي التربوية التي يقوم بها الوسطيون؛ علماً بأنه تم الفسح للعديد من التظاهرات والمسيرات المعبرة عن التضامن مع الأشقاء في فلسطين ولبنان مثلاً، تلك التظاهرات التي كانت تعبيراً صارخاً عن الرفض الكلي للعلاقة مع اليهود الغاصبين، وهو الأمر الذي كان مستحيلاً في ظل الحكم البائد الذي كان سنداً مستميتاً وشريكاً مخلصاً لليهود.
وفي ميدان رقابة المال العام كان هناك تحسن ملحوظ، بعد أن ظلت المؤسسات المالية فوضى في أيدي المفسدين ينهبونها كيف شاؤوا دون رقيب أو حسيب، في ظل نظام كانت ولاءاته قائمة على العبثيات والنهب والغبن، وهو ما تم الحد منه بشهادة الجميع.
صحيح أنه بقي الكثير والكثير مما يحتاج إلى إصلاح، وصحيح كذلك أن الظلم لا تزال بعض رواسبه جاثمة على الصدور، كما لا تزال بعض هياكله تعيق الطريق، خاصة بعد تبدد آمال كثيرين حين تواصلت الاعتقالات التعسفية في صفوف السلفيين، مع العلم أنه تم إطلاق سراح جماعة من أهم رموزهم.
ولقد بدأت روافد الظلم ـ والحمد لله ـ تضعف، وجعلت لوبياته تتخلخل وتتفكك وتحس بالخجل والخوف، وإن كان القضاء على الظلم بشكل كلي لن يتحقق إلا بتراكمات من الإصلاح ونضوج للوعي الجمعي الذي أوهنه عشرون عاماً من الأيام العجاف ماتت خلالها الضمائر الحية وقبرت قيم الفضيلة، ونمت بدل ذلك روح الانتهازية والانتفاع والنهم المتأجج في دوائر جهوية وقبلية، يحتضنها إطار من الاستفهامات يُفقِد العاقل صوابه، والثابت توازنه، والرحيم إنسانيته.
غير أن الأمل ينتعش حين يرى المراقب للواقع الموريتاني، بعد التغيير، إقبال فئات عديدة على دعم مبادرات الخيرين من الإصلاحيين الوسطيين وتشجيعهم على المستويات الدعوية والسياسية والاجتماعية.
ينضاف ذلك إلى أن القائمين الجدد على القرار، وإن لم يفتحوا المجال في الظاهر ـ على الأقل ـ ويمارسوا بأنفسهم الأنشطة الدعوية ذات الصبغة الوسطية؛ إلا أنهم يتغاضون عنها ويتركون قافلتها تسير من غير وضع عراقيل أو معوقات، بل يعلنون تعويلهم عليها في إرساء موازين العدل والاستقرار ونشر الفضيلة
وخلاصة القول أن هناك نتائج ملموسة تم إحرازها على المستوى الإسلامي يتمثل أهمها في انفتاح الحكام الجدد على البلدان الإسلامية؛ وذلك بالسعي الحثيث إلى إٍقامة علاقات دبلوماسية ودية مع بعضها بعد أن لم تكن، كما هو الشأن مع السودان، والعمل على تحسين وتوطيد العلاقات مع البعض الآخر، كما هو الحال مع المملكة العربية السعودية.
وعلى الصعيد الداخلي:
تم إطلاق سراح أغلب المعتقلين، خاصة كبار العلماء والدعاة مثل الشيخ محمد الحسن الددو والشيخ محمد سيديا النووي.
كما تمكن عدة شخصيات وسطية من العودة إلى البلاد بعد أن كانوا ممنوعين بسبب المتابعات الأمنية أو الأحكام القضائية الجائرة، إضافة إلى فتح وسائل الإعلام الرسمية أمام شخصيات إسلامية وسطية كان بعضها مسجوناً أو مطارداً، مما أتاح لبعض هذه الشخصيات المشارَكة ببرامج معروفة في الإذاعة الوطنية.
ورغم أن الدولة لم تعترف بأي حزب إسلامي؛ إلا أنها تغض الطرف عن عمل ونشاط الإسلاميين الوسطيين علناً وفي أغلب مناطق البلاد.
وفي ميدان العمل الاجتماعي والثقافي والعلمي هناك هيئات إخوانية تنشط تحت مظلة منظمات غير حكومية، إضافة إلى رفع الرقابة أو تقليصها عن المساجد؛ إذ أصبح الدعاة والوعاظ والأئمة يقدمون داخلها الدروس والخطب بحرية كبيرة، مقارنة مع ما كان عليه الوضع أيام المخابز.
ولقد تم الترخيص رسمياً لبعض المعاهد التي كانت قد أغلقت في ظل النظام السابق.
وكذلك تشكَّل اتحاد الطلاب في الجامعة لأول مرة، وهو منبر متميز للإسلاميين الوسطيين لسيطرتهم عليه منذ فترة؛ ولا يزال الناس ينتظرون المزيد من المكاسب بشيء من الترقب والحذر، نظراً للوعود الوردية التي قطعها المجلس العسكري على نفسه صبيحة الانقلاب، والتي لا يزال المنجَز منها على أرض الواقع دون التطلعات، وخاصة إذا نظرنا إلى الطريقة التي تم التعامل بها مع السلفيين وملفاتهم القضائية، رغم تبرئة القضاء لهم، وثبوت بُعدهم عما اتهموا به من صلات بالإرهاب وما وُصِموا به من تهديد للأمن، فلا العدالة شملتهم، ولا الحقوق القانونية والمدنية والإنسانية حمتهم؛ فقضيتهم ستظل وصمة عار في جبين النظام الجديد ما لم تجد حلاً منصفاً عادلاً. ولا ندري؛ فلعل الأمور تصير إلى الأحسن إذا تعززت المفاهيم والقيم، وتأسس العدل، واتسع هامش الحرية، وترسحت دعائم النظام، وحَسُنت النوايا.
فبلاد شنقيط لا تزال تحن إلى الإسلام الصافي وحملته، فهي التي دأبت على احتضان الدعوة السلفية منذ تأسيس الدولة المرابطية خطاباً ونهجاً، فأنجبت ربوعها العلماء، وترعرعت على أحقافها (١) بذور الحسبة وخصوبة الإصلاح، ولم يعتكر جو الإنبات فيها إلا بعد اجتيالها (٢) من قِبَل شرذمة من أهل الشر، في غفوة من أهل الحق واستغلال لظرف دولي جِبِلَّةُ أهله الظلم والاعتداء ...
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] .
زبد البحر تراه رابياً واللآلي الغر في القعر رُسَّبُ
стр. 5766
الفتنة الطائفية ومستقبل المنطقة
مازن أبو بكر عبد الله باحميد
بات من الواضح أن هناك جهات نافذة في العراق تدفع بالبلاد نحو مواجهات طائفية بين الشيعة والسنة. ففي حين تبادر هيئات عراقية إلى تجريم أي عمليات قتل تنال المدنيين في العراق شيعة وسنة، تحجم جهات أخرى عن انتقاد عمليات القتل التي تنال الرموز السنية؛ وتبين لاحقاً وحسب تصريحات (الشيخ حارث الضاري) أن هناك فصيلاً سياسياً شيعياً على الأقل يشارك في عمليات التصفية التي تنال علماء وائمة السنة بدافع طائفي مستغلاً في ذلك وجود الاحتلال الأمريكي؛ حيث تجري مثل هذه العمليات تحت اسم محاربة الإرهاب والتي تعتبر بدورها مطلباً أمريكياً ملحّاً لإحكام القبضة الأمريكية على بلاد الرافدين.
وفي تصريح خطير حول حادثة قتل تعرض لها مجموعة من الشيعة في العراق قبل شهور قال (عبد العزيز الحكيم) : إن الإرهابيين قد عزموا على قتل الشيعة ولا بد من إبادتهم ـ القول إن (الحكيم) قصد الإرهابيين دون المقاومة الوطنية خطأ فادح؛ لأن (الحكيم) لا يعترف بوجود مقاومة مشروعة أصلاً ـ ولا تزال تصريحات (الحكيم) تدور في هذا الفلك، وهو بذلك يريد أن يحمِّل المقاومة السنية المسلحة المسؤولية عما يحدث. ومثل هذا التصريح يعبر بوضوح عن النظرة الطائفية التي ينظر بها المذكور إلى الأحداث، ويبين رغبته في أن تُفهَم أعمال المقاومة التي تنفذها فصائل المقاومة السنية ضد الاحتلال الأمريكي في العراق بأنها مواجهة بين هذه المقاومة والفصائل الشيعية المسلحة بصورة مباشرة لاتخاذ ذلك ذريعة لتصفية الرموز والقيادات السنية في العراق.
إن حرباً أهلية في العراق قد تكلف الجميع سنة وشيعة الكثير؛ وحرب مثل هذه لن تكون مضمونة النتائج لأي من الطرفين؛ حيث ستلعب الأطراف الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية دوراً كبيراً في أي حرب طائفية؛ فإيران لن تكون بعيدة عن أي مواجهات طائفية شاملة في العراق، وهذا ما سيفرض على دول المنطقة (وبخاصة دول الخليج العربي) ودول أُخرى بعيدة عن المنطقة استحقاقات أمنية تدفع بها إلى دعم الطرف السني في حرب كهذه؛ وذلك لكبح النفوذ الإيراني حول منابع نفط الخليج وهو ما سيعيد المنطقة إلى أجواء الحرب العراقية الإيرانية، وهي مرحلة لا يرغب الجميع في أن تعود مرة أخرى.
إن فهم تصريحات (الحكيم) هذه والتي قد تكشف جزءاً من السياسات الشيعية في العراق، وهل هي دعوة لحرب طائفية أم لا يجب أن يؤخذ في الاعتبار البعد الطائفي الذي ترتكز عليه مثل هذه التصريحات؟ وإذا كان ذلك حاضراً فمن الضروري أن ننظر للحدث كجزء من التحركات الطائفية التي لا تعترف بالحدود إلا ما كان حداً طائفياً؛ حيث تشهد المنطقة ومنذ سنوات حراكاً سياسياً وتبشيرياً شيعياً إقليمياً يدار وينظم من داخل الجمهورية الإيرانية.
إن المتابع للتحركات الشيعية في المنطقة بمجملها يدرك تماماً أنها تسير وفق منهجية سياسية مترابطة ومرسومة سلفاً، وتسير باتجاه تحقيق هدف واحد. فمنذ قيام ثورة الخميني في إيران رفعت شعارات تصدير الثورة بوصفه هدفاً استراتيجياً للسياسة الإيرانية لمرحلة ما بعد الثورة، وهو ما يعني أن إيران ستعمل على توسيع هيمنتها الثقافية والسياسية لتعم منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. ونتيجة لضعف الأداء السياسي للقيادة الإيرانية آنذاك وعدم قدرتها على انتقاء أساليب التغيير المناسبة واختيارها لأسلوب القوة والمواجهة لتصدير الثورة دخلت المنطقة على إثر ذلك في مرحلة من الاحتقان الأمني، واشتعلت خلالها الحرب العراقية الإيرانية نتيجة طبيعية لمقاومة الرغبة الإيرانية في التوسع.
وبعد أن دخلت المنطقة تحت الوصاية الأمريكية في أعقاب حرب الخليج الثانية لم يعد أمام القيادة الإيرانية هامش للمناورة العسكرية؛ وذلك لوجود الثقل العسكري الأمريكي بالمنطقة، فدأبت إيران من حينها على العمل السياسي عن طريق دعم الكتل السياسية الشيعية في البلاد المجاورة وعلى رأسها العراق ـ بعد أن تعلمت من حربها مع العراق أن لا جدوى من الأسلوب التصادمي لتصدير الثورة ـ وذلك لإحداث اختراقات سياسية قد تفتح الطريق أمام تحقيق حلم تصدير الثورة والهيمنة الإيرانية على المنطقة، كما أزداد النشاط التشييعي كداعم مهم للتحركات السياسية الإيرانية في المنطقة، وأوضح مثال على ذلك (حركة بدر الدين الحوثي) في اليمن التي انتهت بمواجهات في جبال مران مع الحكومة اليمنية. وقد تركز النشاط في دول بلاد الشام لوجود تجمعات شيعية قادرة على تحقيق مكاسب سياسية. وقد بات واضحاً أن هناك ملامح لهلال شيعي يتشكل ليمتد من إيران وحتى الجمهورية اللبنانية مروراً بالعراق وسورية؛ حيث سيكون هذا الهلال بمنزلة قاعدة للانطلاقة الكبرى لتصدير الثورة والنفوذ نحو المنطقة الأوسع في الجنوب؛ وهو الأمر الذي دفع بالملك عبد الله ملك الأردن إلى التحذير من ذلك بسبب أن الأردن أقرب الدول جغرافياً من الهلال الشيعي المرتقب.
وقد حققت السياسة الإيرانية الكثير في هذا الجانب نتيجة لعدم وجود مشروع سياسي أو ثقافي منافس ـ لم يعد للمشروع القومي وجود والمشروع السياسي الإسلامي لم يرَ النور بعد ـ حتى جاءت أحداث سبتمبر التي فرضت على الولايات الأمريكية أولويات في سياساتها الشرق أوسطية ـ حيث تنظر أمريكا إلى المنطقة على أنها مصدر الإرهاب المعادي لأمريكا والغرب، ولا بد من إعادة الصياغة الثقافية والسياسية للمنطقة بما يضمن محاربة الإرهاب وانكفاءه في المنطقة كما يرون ـ بما يتماشى مع المطلب الأمريكي، وبما يضمن الأمن القومي للولايات المتحدة على المدى الأطول. وتبلورت السياسة الأمريكية في المنطقة في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تعمل الولايات المتحدة من خلاله على تطويع الثقافة والسياسة في المنطقة لتكون في خدمة المصالح الأمريكية والغربية، وترتب على ذلك إعادة ترتيب الخريطة السياسية للمنطقة، وبدأ المشروع الأمريكي كنهاية لكل المشاريع السياسية والثقافية العاملة في المنطقة بما في ذلك المشروع الإيراني الشيعي.
وهكذا فان المتابع للأحداث في بلدان الهلال الشيعي المرتقب يلحظ القوة التدميرية للمشروع الأمريكي ـ لبنان أوضح مثال ـ الذي يستند إلى التفوق المطلق الذي تتمتع به الولايات المتحدة في كل موازين القوى، كما يلحظ المراوغة التي يبديها المشروع الشيعي الذي يعتمد على استغلال الطائفية لتحقيق مآربه، والذي يجتهد اليوم في تحصيل سياسات توافقية لتحقيق مكاسب سياسية في ظل الأجواء السياسي التي فرضها المشروع الأمريكي في واقع المنطقة. ويبدو المشروع الإيراني هو الأضعف إذا ما حسبنا نقاط القوة والضعف بين المشروعين؛ ومن هنا نفهم الليونة الإيرانية وتحاشي الارتطام المباشر مع المشروع الأمريكي؛ فالإيرانيون على قناعة من أن المشروع الأمريكي مشروع قوي وجاد ولا يمكن إيقافه، وأنه قد بات واقعاً في المنطقة ولا بد من البحث عن أمثل الطرق للتعامل معه.
ولعل الحسابات السياسية الإيرانية في المرحلة الحالية تنطلق من الأتي:
١ ـ قناعة النظام في إيران بعدم قدرة الجمهورية الإيرانية على مقاومة المشروع الأمريكي عسكرياً أو استخباراتياً، أو الوقوف بأي شكل من الأشكال أمام القوة الأمريكية للتفوق الأمريكي المطلق في موازين القوى المادية، لكنَّ الإيرانيين على استعداد للقيام باي إجراء تكتيكي من شانه التضييق على المشروع الأمريكي.
٢ ـ قناعة النظام في إيران بأن المشروع الأمريكي وإن التقى مع المشروع الإيراني في وحدة العدو (أهل السنة) إلا أنهما لن يلتقيا في الأهداف النهائية؛ فالهدف الأمريكي هو تعزيز النفوذ الأمريكي الغربي في المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وأن الولايات المتحدة لن تسمح بقيام أنظمة حكم تدار من طهران وتدعم النفوذ الإيراني بطريقة يُقوَّض من خلالها النفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة كما يحلم الإيرانيون.
٣ ـ ولكن مع ذلك لا بد من استغلال نقاط التوافق لتوجيه ضربات قوية للسنَّة في المنطقة على الصعيد السياسي والثقافي، واستغلال الأمريكيين لإضعاف السنة، وكذلك استغلال السنة لإضعاف المشروع الأمريكي ما أمكن ذلك؛ بحيث تكون إيران هي المستفيد الأكبر مما يجري اليوم، ولتبقى هي القوة الوحيدة التي ستجني ثمار ما يحدث اليوم في نهاية الأمر.
٤ ـ قناعة النظام في إيران بأن المنطقة قادمة على حدوث تغيير مرتقب يبدو أنه سيكون على الطريقة الأمريكية، وسيلقي هذا التغيير بثقل سياسي كبير على النظام في إيران بخاصة والعالم يعيش في عصر الإنترنت والآفاق المفتوحة. وقد يكون هذا التغيير على طريقة القوى السياسية الفاعلة في المنطقة (من الإسلاميين) وذلك في حالة حدوث انسحاب أمريكي، وترى إيران أنه لا بد من عمل شي لاستيعاب هذا التغيير القادم.
إن أهم ما تعترض عليه المرجعيات الشيعية في المشروع الأمريكي أنه يساوي بين السنة الذين لا يوجد منسِّق لجهودهم والشيعة الذين توجد لهم دولة تدعمهم بالمال وتنسق جهودهم وتصوغ سياساتهم، وهي العوامل التي ساعدت الشيعة على تحقيق نجاحات كبيرة على الصعيد السياسي؛ حيت ترى هذه المرجعيات الشيعية أن المشروع الأمريكي يفوِّت عليها فرصة ثمينة لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية في هذه المرحلة من تاريخ السنة الذي يتميز بالضعف الشديد.
عندما نتحدث عن السنَّة يجب أن نفرق بين معنيين: السنَّة بمعنى الهوية التي يكتسبها الإنسان بطريقة وراثية تلقائية، والسنة كهوية ليست محارَبة من الأمريكيين؛ فهي مثل أي هوية اخرى، وهذا المعنى ما نقصده هنا. والمعنى الثاني للسنة في السياسة هو الفكر السني المنبثق عن الكتاب والسنة؛ وهذا هو المحارَب من قِبَل الغرب والولايات المتحدة على اعتباره ـ بزعمهم ـ ثقافة الإرهاب.
أما الشيعة فهم لا يفرقون بين الفكر السني والهوية السنية؛ فكلاهما محارَب لاعتبارات طائفية تاريخية ـ ولتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية للشيعة في ظل التغيير الحاصل والظروف التاريخية الآنية في المنطقة مما يجب الحد من حجم الشريك السني والإبقاء عليه ضعيفاً لا يستطيع تسوية صفوفه تحت قيادة قوية وموحدة؛ وذلك عن طريق القضاء على كل ما قد يساعد في قيام ودعم تكتلات سنية سياسية فاعلة تكون نداً حقيقياً للقوى الشيعية الفاعلة اليوم، وخاصة في دول الهلال الشيعي الذي أنفقت إيران فيها الكثير من الجهود والأموال لترسيخ المشروع الإيراني. وتأتي تصفية القيادات السنية البارزة كحل أمثل؛ حيث يضمن المشروع الشيعي من خلال تصفية الرموز والقيادات السنية المؤثرة في الشارع السني إضعاف التكلات السنية؛ بحيث تصبح هذه التكلات غير قادرة على الاستفادة القصوى وتحقيق مكاسب سياسية في أجواء التغيير الأمريكي الذي يهب ريحاً عاصفة على المنطقة الإسلامية؛ وذلك لعدم وجود قيادات ذات كفاءة تستطيع أن تحشد الشارع السني خلفها، وتستطيع أن تناور القوى الشيعية، أو مَنْ يدور في فلكها.
وبهذا تكون حركة الشارع السني في تخبط مستمر كما هو حاصل في العراق اليوم، بل في كل ارض تهب عليها رياح التغيير الأمريكية؛ ومن ذلك ما يجري في لبنان؛ إذ يجب أن يُنظَر لعملية اغتيال الحريري من هذا الباب ـ حيث تأتي عملية اغتيال الحريري الزعيم السني القوي بعد صدور القرار ١٥٥٩ وذلك إعادة صياغة للتوازنات السياسية في لبنان تحسباً للوضع السياسي الذي ينشأ في لبنان بعد الانسحاب السوري ـ وبهذا يستطيع الطرف الشيعي احتواء المشروع الأمريكي سياسياً وبصورة كبيرة، والتأثير في توجهاته؛ حيث ستجد الولايات المتحدة نفسها مجبرة على التعامل مع القوى الشيعية التي تتمتع بنفوذ قوي لدى الشارع الشيعي؛ إذ تستطيع القيادات الشيعية التأثير بقوة على الشارع الشيعي وتجنيده لخدمة أجندتها متى ما أرادت ذلك كما هو حاصل في العراق اليوم ـ أفراد قوات الشرطة والجيش العراقيين أغلبيتهم من الشيعة ممن استطاعت مرجعياتهم أن تدفع بهم إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية ـ وتعتبر عمليات تصفية القيادات السنية هي الأسلوب الأمثل لتقويض القوى السياسية السنية، وهي في الحقيقة بمكانة إعلان حرب طائفية لكن بأسلوب مدروس هذه المرة يحقق النتائج المنشودة (إضعاف السنة) ويقلل من الخسائر في الطرف الآخر خاصة.
وإن الوضع العالمي اليوم يمكِّن الطرف الشيعي المؤيد في تشيعه ـ الغرب لا يرى في الفكر الشيعي المنبثق عن أصول المذهب خطراً على مصالحه ـ من التحرك بقوة على حساب الطرف السني الذي تُهمتُه في سنيته؛ ومن هنا يجب أن نفهم عمليات الاغتيال التي تنفذها قوى شيعية في العراق وعلى رأسها (قوات بدر) التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق؛ وذلك في حق شخصيات قيادية سنية؛ مستغلةً في ذلك الفوضى الأمنية ووجود الاحتلال الأمريكي.
ويبدو أن الشيعة في العراق ـ على عادتهم ـ يفضلون ممارسة سياساتهم في الخفاء، لكن ما إن كشف (الشيخ حارث الضاري) أفاعيلهم تلك حتى بادر (عبد العزيز الحكيم) بتصريحات تهدف إلى التبرير لاستمرار هذه العمليات، وأعتقد أن (الحكيم) بهذه التصريحات لا يمانع من أن تحدث في العراق بعض المواجهات الطائفية المحدودة، وخاصة أن الطرف الشيعي في العراق اليوم يحتمي بالقوة الأمريكية التي تجد نفسها كذلك متورطة أمنياً في العراق ومجبرة للتعامل مع الفصائل الشيعية لكبح جماح المقاومة السنية التي ترفض الاحتلال وتدك معاقل الأمريكيين في العراق.
والواضح هنا أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف جيداً الإطار الطائفي الذي يتحرك فيه شيعة العراق، ولهذا هم لا يوافقون على أن يستحوذ الشيعة على كل مقاليد الحكم في البلاد، وبالذات المناصب المتعلقة بالجيش والدفاع، ويأملون في إسناد مثل هذه المناصب إلى من يحمل الهوية السنية دون الفكر السني؛ لأن مثل هذه المناصب إذا ما وقعت بين ايدي الشيعة في العراق فإن ذلك سيعزز الجبهة الإيرانية في المنطقة، وهو ما يخل بالتوازن الإقليمي قي الشرق الأوسط المحكوم بإرادة دولية قوية؛ لأن مصالح القوى الدولية تقتضي عدم وجود محور إقليمي قوي في المنطقة يستطيع أن يتحكم بإمدادت النفط العالمية. فالنفط هو مفتاح النشاط التجاري في الغرب ومن هذه المنطقة يتنفس الاقتصاد العالمي برمته. والغريب أن المرجعيات الشيعية الذين قامت ثورتهم في إيران على شعار (الموت لأمريكا) يفضلون التعاون مع الأمريكيين في العراق للقضاء على المقاومة السنية، ولا يفضلون التعامل مع المقاومة السنية للقضاء على الاحتلال الأمريكي؛ إنه الحقد الطائفي الذي يبدو أنه كان من أهم مبادئ ثورة الخميني في إيران والذي بدأ يؤتي ثماره الخبيثة في كثير من دول العالم الإسلامي.
стр. 5767
أمريكا في «جيب بوش»
أحمد فهمي
هل يمكن أن يمتدَّ حكم آل بوش لأمريكا إلى (٢٠) عاماً؟ يبدو ذلك قريباً جداً بعد أن تردّد كثيراً في الآونة الأخيرة رغبة العائلة في أن يترشح ولدها (جيب بوش) للرئاسة بعد انتهاء ولاية أخيه نهاية عام ٢٠٠٨م.
ولو حدث ذلك؛ فإن أسرة بوش ستكون قد حكمت الولايات المتحدة لمدة عشرين عاماً كاملة، فيما لو نجح (جيب) في الفوز برئاستين متتاليتين كما فعل أخوه، ولا يبدو ذلك بعيداً؛ فالعائلة تتحدث لوسائل الإعلام حالياً عن إمكانات (جيب) الهائلة، وقال جورج الابن: إن شقيقه «سيكون رئيساً رائعاً وعظيماً للولايات المتحدة» ، وصرّح جورج الأب في حوار مع (لاري كينج) المذيع الشهير في محطة (سي إن إن) أن ابنه (جيب) يعتبر «رئيساً جيداً للغاية» ، وأعلن جورج الابن اقتراحه بترشح أخيه أثناء زيارته لولاية فلوريدا لمدة ثلاثة أيام، وهي الولاية التي حسمت الانتخابات الأولى عام ٢٠٠٠م في مواجهة (آل جور) لصالح الأول، بعد تلاعب في الأصوات أحدث ضجة كبرى وقتها، وكان (جيب) حاكماً للولاية.
ويبلغ (جيب بوش) ٥٣ عاماً، ويبدو أن الإدمان يحتل مكانة بارزة في تاريخ العائلة، حيث يراوحون ما بين الإدمان والإيمان على الطريقة الإنجيلية، فقد اعتقلت الشرطة ابنة (جيب) وهي تعاني من إدمان المخدرات، ولكن أخاه يبذل جهوداً واضحة لتلميع صورته، فقد أرسله في جولة خارج الولايات المتحدة عام ٢٠٠٤م، من أجل تقويم خسائر الدول التي تعرضت لكارثة تسونامي. ويحتفظ (جيب) بالسر لنفسه حتى الآن، فلم يعلن بعد عن موافقته على الترشح.
وتحظى العائلة بنفوذ كبير في أوساط المال والأعمال، ولها علاقات قوية بالشركات الكبرى، وفي الولايات المتحدة تتحدد قرارات السلم والحرب في أروقة الشركات الكبرى قبل أن تنتقل إلى البيت الأبيض لوضع اللمسات الأخيرة، وحرب العراق مثال واضح، فهي تستنزف (٢) مليار دولار أسبوعياً من ميزانية أمريكا، يعني: أكثر من مائة مليار دولار سنوياً، وتجاوز الرقم منذ بدء الاحتلال (٥٠٠) مليار دولار، أين تذهب هذه الأموال؟! يتدفق معظمها في خزائن شركات السلاح والطاقة ولوازمها، وإذا كان لوبي السلاح استطاع أن يزيح الرئيس الأسبق جون كينيدي؛ لأنه أراد أن يوقف حرب فيتنام الخاسرة، فإنه يستطيع أيضاً أن يأتي برئيس يحتفظ بالدجاجة العراقية التي تبيض نفطاً، وبعد ذلك يبقى للساسة أن يتحدثوا عن «فوضى بنّاءة» في العراق، وعن نظام جديد للشرق الأوسط.
وقد بدأ جورج الابن يمهد الطريق لأخيه، بصناعة عدو جديد هو «إيران» من أجل زيادة النزيف الاقتصادي، وقد أعلن بالفعل عن إقامة قاعدة صواريخ مضادة في شرق أوروبا؛ لمواجهة أيّ صواريخ تطلقها طهران على أوروبا، وخصص لها ميزانية تتجاوز مئات الملايين من الدولارات. حقاً؛ إن أمريكا أصبحت في (جيب) آل بوش.
стр. 5768
الجرائم الجنسية: سياسة رسمية للمحتلين
د. رضا عبد الحكيم رضوان
أساليب المحتلين بالتهديدات الجنسية لا نتزاع المعلومات من المعتقلين والموقوفين
تنظم القوانين الجنائية الوطنية التصرفات المؤثمة التي تمثل انتهاكاً للأعراض بالمعنى الشامل العام، وتضع جزاءات واجبة التطبيق ضد مقترفي تلك الأفعال غير المشروعة، فيما جرت عليه التسمية المعروفة (الجرائم الجنسية) ، ويندرج تحت هذا الوصف الزنا، والدعارة، وإدارة الأماكن الخاصة لهذه الأعمال المشينة، والتحرش الجنسي، والمثلية الجنسية بين الذكور (اللواط) أو بين الإناث (السحاق) ، وهتك العرض، والاغتصاب، وغير ذلك من صور أخرى مما نص عليه في القوانين.
والذي نعلمه بالنسبة للجريمة (عموماً) في المجال الدولي، أنها تختلف عن الجريمة الوطنية الداخلية، إذ ترتكب الجريمة الدولية باسم وحساب الدولة التي ينتمي إليها مرتكبو الأفعال، والتصرفات الخارجة على قواعد القانون الدولي وأعرافه، والمعاهدات الدولية، والاتفاقيات المنظمة لحقوق الدول فيما بينها. والمقرر في هذا الصدد أن ثمة فرع قانوني خاص، هو القانون الدولي الجنائي، ومخالفته ـ فيما استقر عليه رأي الشراح ـ تمس الضمير العالمي في أعماقه، مما يخول لمنفذي هذا القانون سلطة إيقاع عقوبات ضد المخالفين؛ باعتبارهم مجرمين دوليين لا مناص، ينبغي الاقتصاص منهم حماية لحقوق المجتمع الدولي، فالعقوبة المطبقة ههنا هي باسم المجتمع الدولي، ولحماية نظامه العام الذي ينبغي أن تراعيه كافة الدول بالمعمورة.
ثمة نماذج تجريمية عديدة نُص عليها في القانون الدولي الجنائي، كجرائم الحرب العدوانية، والتآمر الدولي، والإرهاب الدولي، والتفرقة العنصرية والعرقية، وجرائم تقع أثناء الحرب وبسببها، مثل انتهاك المواثيق الدولية المنظمة لحقوق الأسرى، وغير ذلك كثير مثل: استخدام مواد وأساليب محظور استعمالها دولياً ... وهكذا.
يتوقف هذا البحث عند أنماط تجريمية غريبة ذات أبعاد أخلاقية، تم التوصل إلى التعرف على أشكالها ونماذجها من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، شاعت مؤخراً من مقتضيات الضبط العسكري أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق، ففتحت السجون والمعتقلات، وتم الزج بكثير من أبناء الشعب العراقي عسكريين، ومدنيين، وساسة، وغيرهم.
ولا تناقش الدراسة شرعية التصرفات من عدمه، فهذا يلزم له موضوع مستقل يعتمد على توثيقات ومصادر أصلية للتقرير بالرأي حول مدى التزام القوات الغازية بأحكام القانون الدولي في أحقية الحجز والحبس والاعتقال من عدمه، وذلك بصفة أساسية.
ودون الخوض في تفصيلات شرعية الاعتقال، ومدى التزام القوات المتحالفة الغازية بإحكام القانون الدولي ويهمنا إلقاء الضوء على جرائم أخلاقية وقعت داخل هذه السجون التي أدارتها السلطات العسكرية المحتلة متجاوزة الحدود الشرعية بكل ما تعنيه الكلمات من معانٍ. فالمُحقَّق هو وقوع جرائم جنسية ضد المتعقلين رجالاً ونساءً. وهكذا أجد أن الجرائم الجنسية لم يعد القانون الوطني الداخلي هو موطنها الرئيسي، بل إن الجرائم الجنسية قد تخطت حدود ذلك إلى (الدولية) ، وإنه من الإنصاف، بل إنه من اللازم والموافق للقانون الدولي أن تُفرَد نصوص خاصة تعاقب المجرمين الدوليين مقترفي الجرائم الجنسية ضد المعتقلين، وأن تكون هذه النصوص مشددة الجزاءات تحقيقاً للردع العام الدولي، ذلك إذا كان العالم المتمدن المعاصر يرغب في تحقيق الضبط والمحافظة على إنجازاته التي حققها عبر القانون.
على سند من تقرير المجموعة المستقلة لمراجعة عمليات الاعتقال من جانب وزارة الدفاع الأمريكية، والمؤرخ بتاريخ ٢٤ آب/أغسطس ٢٠٠٤م، في السنة التالية لغزو العراق اعتقلت العمليات العسكرية والأمنية الأمريكية آلاف الأشخاص، ومن هذه الأعداد ظهرت شكاوى المئات بوقوع جرائم جنسية مشينة ضدهم. ولحفظ ماء الوجه أجرت سلطات الرقابة العسكرية ـ بتوجيه سياسي ـ تحقيقات مع المسؤولين عن وقوع هذه التصرفات. فالأصل أن يعامل المعتقلون بطريقة إنسانية، وبما يتفق ـ إلى الحد الملائم والمتسق مع الضرورة العسكرية ـ مع مبادئ جنيف، والالتزام بالمعايير السلوكية لعمليات الاستجواب التي تمارس حيال هؤلاء المعتقلين ضماناً لتنفيذ نصوص معاهدة تحريم التعذيب، أي: إلحاق الأذى البدني أو العقلي بشكل قاسٍ صعب التحمل.
والحقيقة أن وزارة الدفاع الأمريكية ـ على المستوى الداخلي ـ قد نظمت بلوائح وطنية ضوابط للاستجواب بهدف الحصول على معلومات مخابراتية، بما يخدم مصالحها الحربية في مناطق العمليات، ومن هذه اللوائح مثلاً: الدليل FM-٣٤-٥٢. وقد دلت الأخبار والمعلومات على لجوء قوات الاحتلال إلى أساليب ليست متضمنة في الوثيقة المعتمدة، بل وحتى استثناءات التشدد التي صدرت تباعاً.
كانت وزارة الدفاع الأمريكية في أغسطس ٢٠٠٣م، قد أرسلت فصيلة المخابرات العسكرية رقم (٥١٩) إلى منشأة الاعتقال في سجن (أبو غريب) ؛ لإجراء عمليات الاستجواب، وجمع المعلومات بطرق المخابرات، وقد طلبت هذه الفصيلة من القائد العام للقوات الأمريكية في العراق، إصدار قرار يخولها استخدام أساليب استجوابية أكثر تشدداً، علاوة على ما هو وارد في لائحة الدليل الميداني FM-٣٤-٥٢.
يذكر ـ وهذا مؤكد باعتراف المصادر الأمريكية الرقابية ـ وقوع إساءات ضد المئات داخل المعتقل تمثل تجاوزات إنسانية على قدر كبير من الخطورة، خروجاً على اللوائح الخاصة بالسجون، وحتى ما جاء في الدليل الميداني الأمريكي والتوسعات الاستثنائية التالية. إن إجراء العنف المغالي فيه أثناء الاستجواب أسفر عن حدوث حالات وفاة، وهذه الحالات بالفعل محل تحقيقات لدى السلطات الأمريكية، وحققت السلطات الرقابية في الولايات المتحدة في واقعات وصفها المسؤولون «سلوكيات شاذة» ، كانت هذه السلوكيات قد صُور ممارستها وتم بثها إعلامياً، وفيها إكراه المساجين على ممارسات اللواط! بل وممارسة الجنود اللواط إكراهاً ضد المعتقلين، وغير ذلك من صور مقززة تم نشرها مع مطلع العام ٢٠٠٤م، وقد أكدت التقارير مسؤولية جهاز المخابرات وجنود الشرطة العسكرية والذين ارتكبوا ٤٤ حالة إساءة، وقد أدرجت الوقائع بملفات تحقيقات تتهم مباشرة اللواء رقم ٨٠٠ للشرطة العسكرية، واللواء رقم ٢٠٥ للمخابرات العسكرية، وقائد الكتبية رقم ٣٢٠ للشرطة العسكرية، ومدير المركز المشترك لاستخراج المعلومات والاستجواب.
«نرجوكم هاجموا السجن بكل ما تملكون من أسلحة ... دمروا السجن واقتلونا معهم (مع الأمريكين) ... بالله عليكم افعلوا هذا؛ لأن بطوننا امتلأت بأولاد الزنى» .
هذا هو باقتصاب شديد فحوى النداء الذي حملته امرأة عراقية، تعرضت لاعتداء جنسي في سجن (أبو غريب) ، ووصلت سراً في آذار/ مارس ٢٠٠٥م، وكان لها صدى يفوق كل وصف تقريباً في مختلف الأوساط الاجتماعية والثقافية والسياسية. الرسالة بعثت بها امرأة تدعى (نور) . إن هذه العراقية الأسيرة تعرضت وأخريات معها إلى عمليات اغتصاب منتظمة قام بها الجنود الأمريكيون المكلفون بحراسة وإدارة السجن.
والرسالة مؤرخة في ٢٠ شباط/ فبراير ٢٠٠٥م، أي بعد نحو عامين من الاحتلال، ونحو عام من تفجر فضيحة (أبو غريب) ، إثر نشر تقرير الصحافي الأمريكي الشهير (سيمور هيرش) في جريدة نيويوركر (New Yorker) .
لقد خاطبت المرأة المجهولة العراقيين جميعاً من دون أن تسمي أحداً بعينه، وطلبت منهم إذا كانوا يملكون السلاح أن يهبوا لمهاجمة السجن الرهيب، وتحطيمه لتحرير السجينات.
النداء الذي وجهته المشار لها فيما يبدو أنه يصف لحظة جزع، فالمطلوب ليس مجرد الاكتفاء بتحطيم السجن أو قتل السجانيين الأمريكيين وحدهم، بل أيضاً إلى أن يقتلوهن معهم؛ غسلاً للعار، لئلا يلحق بهم الخزي إن هم تخلوا عن الحق في القصاص من جريمة الزنى، فجريمة الزنى هذه وقعت وتكررت في السجن مرات لا تحصى من دون رادع.
فهل كانت جرائم الاغتصاب الوحشي سياسة رسمية للاحتلال؟!
ü الجنس/ نقطة ضعف الآخر:
بدأت فصول فضيحة (أبو غريب الرجالية) تتكشف في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير ٢٠٠٣م، أي بعد بضعة شهور من احتلال بغداد، عندما سلم شاب يعمل في سلك الشرطة العسكرية يخدم في السجن، قسم التحقيقات الجنائية التابع للجيش قرصاً مدمجاً (CD) مليئاً بالصور لرجال عراقيين تعرضوا خلال فترات متواصلة بعد احتلال بغداد في التاسع من نيسان/ أبريل ٢٠٠٣م لأشكال فظيعة من التعذيب، شملت أنماطاً شاذة من التعديات الجنسية، وتخللتها ممارسات لا أخلاقية فاضحة. هذه الصور هي السجل الحقيقي وشبه الكامل عن الفضيحة، وخلال ثلاثة أيام كان تقرير قسم التحقيقات الذي تلقى الوثيقة، قد وجد طريقه إلى وزير الدفاع الذي أبلغ بدوره الرئيس الأمريكي بالقضية. أما فصول فضيحة (أبو غريب النسائية) التي ما يزال البنتاغون يواصل تكتمه عن حقيقتها بالرغم من نشر مئات الصور للنساء المغتصبات على شبكة الانترنت، فإنها ستظل في أقبية الطابق السفلي وفي أدراج الغرف المظلمة، حتى من دون الاعتراف بوجود تاريخ مُدَوَّن، أو وثائق تخص الواقعة.
المجرمون غالباً ما يقومون بإتلاف الأدلة، ومحوِ آثار جريمتهم. ولكن الضحايا غالباً أيضاً ما يتمكنون في النهاية من عرض أجسادهم كدليل دَوَّن المجرمون فيه تاريخ جريمتهم.
ü من وراء حجاب:
في منتصب تموز/ يوليو ٢٠٠٣م كانت قد انصرمت ثلاثة شهور على سقوط بغداد وانهيار البلاد، وغرقها في الفوضى، عندما وردت بعض المعلومات العمومية والأولية عن وضع السجينات العراقيات في (أبو غريب) . كانت المعلومات شحيحة، وربما مشوشة في خضم أحداث متلاحقة وعنيفة. ومع ذلك، فقد كان من الواضح أن أسلوباً جديداً في انتزاع المعلومات من المعتقلين قد بات مطبقاً على نطاق واسع من قبل قوات الاحتلال الأمريكي لا في السجون؛ وإنما كذلك في معسكرات الاعتقال التي يستخدمها الأمريكيون محطات تحقيق مؤقتة قبل نقل المعتقلين إلى السجون.
لقد تجمعت معلومات وشهادات حية من مصادر موثوقة عن تجاوزات وممارسات المحتلين، ففي منتصف تشرين الأول/ أكتوبر أصبحت هناك أول شهادة حية جاهزة لأنْ تأخذ طريقها إلى وسائل الإعلام، وتتضمن تأكيداً قاطعاً بوقوع تعديات، أوله على السجينات العراقيات. تضمنت الشهادة التي سجلت أول تأكيد مدون بحصول عمليات اغتصاب مبكرة للنساء والأطفال (كان هناك اتهام رائج بين العراقيين عن اعتداءات جنسية قام بها الجنود البولونيون على أكثر من خمسة وأربعين من الأطفال القاصرين) .
والمعلومات المتوافرة حتى نيسان/ آبريل ٢٠٠٤م أي بعد عام من الاحتلال، كانت تشير إلى وجود ٢٥ امرأة في سجن (أبو غريب) جرى اعتقالهن، ونقلهن إلى السجن في خضم الفوضى. هذا على الأقل ما بدا أن قوات الاحتلال تعترف به بصورة أو بأخرى. لكن تظاهرات عارمة تم تنظيمها، وكانت لا تزال تتواصل بأشكال مختلفة كل يوم حتى مطلع العام ٢٠٠٥م في منطقة الكرخ في بغداد، وفي الفلوجة، والرمادي كبرى مدن محافظة الأنبار والموصل، ظلت تركز على مطلب الإفراج عن السجينات فوراً.
جاءت التظاهرات الصاخبة بعد تلقي الأهالي في مطلع كانون الثاني/ يناير من عام ٢٠٠٤م، بعد مرور عام على الاحتلال، نسخاً من رسائل تم تهريبها من السجن وبشكل خاص من إحدى السجينات وتدعى (فاطمة) ، قبل أن تعقبها بوقت في شباط/ فبراير رسالة أخرى من المدعوة (نور) . هذه الرسائل والتظاهرات ساهمت في إعادة طرح موضوع نساء (أبو غريب) من جديد. بدأ خطباء المساجد أثناء صلاة الجمعة في العديد من المدن العراقية يتناولون قصة اغتصاب النساء في خطبهم، ويحثون المجتمع على التحرك؛ لوضع حد لهذا النمط الشاذ من التجاوزات. وحين استجابت جماعات عشائرية ودينية، ومنظمات حقوقية لفكرة التحرك، جرى تشكيل الوفود للقاء أعضاء مجلس الحكم المؤقت (المنحل) . لقد كان إنكار وجود سجينات سياسة ثابتة في اللقاءات التي جرى تنظيمها مع الوفود، وهي في الأصل سياسة أمريكية منهجية سرعان ما تراجعت على الأقل في أوساط السياسيين العراقيين الموالين للاحتلال، وذلك لصالح القول: بأن عددهن لا يتجاوز ٧ نساء. غير أن وصول رسالة مكتوبة باسم السجينات أعاد من جديد طرح مسألة وجود ٢٥ امرأة تعرضن بانتظام للانتهاك الجنسي.
إن السجينات كن يتعرضن بالفعل لما يمكن اعتباره عمليات اغتصاب منتظمة وذات طابع نمطي. كانت هناك سجانة (مجندة) أمريكية، وهناك مجموعة من النساء المسجونات ـ تقول سيدة من وراء حجاب لإحدى الصحف الفرنسية ـ: «ومساء كل يوم تأتي السجانة ومعها عدد من الجنود، ويتم تجريدنا من الملابس لتبدأ الحفلة. وعندما كنا نمتنع ونقاوم، كان الجنود ينهالون علينا عندئذ بالضرب بواسطة الهراوات، وفي أحيان كثيرة كان الضرب يتركز على أطراف الأيدي، والأرجل، وتسدد اللكمات إلى الوجوه» .
لقد ألقى الأمريكيون القبض على السيدة صاحبة الرواية بتهمة أن زوجها من قادة المقاومة، وكان من الواضح أنهم استخدموا على نطاق واسع أسلوب التهديد الجنسي لا من أجل الحصول على معلومات مباشرة من المعتقلين، بل من أجل إرغام نشطاء المقاومة العراقية على الاستسلام. كان الابتزاز واضحاً بما فيه الكفاية في هذا السلوك.
| ذكر أحد المراسلين أثناء معارك نيسان/ إبريل ٢٠٠٤م في الفلوجة وبعدها بقليل. قام الأمريكيون بمداهمة منزل في حي الجولان بحثاً عن عضو قيادي في حزب البعث، وأحد نشطاء المقاومة (قبل اعتقاله بعدة أشهر) . لم يتمكن الأمريكيون في هذه الغارة من إلقاء القبض على الرجل المطلوب، ولكنهم شاهدوا مصادفة شابة تبلغ من العمر ٢٢ عاماً كانت لا تزال في اليوم الثالث من شهر العسل. ولم يكن من الملائم بالنسبة إليهم العودة دون صيد ثمين، فقد اقترح أحد الجنود إلقاء القبض على الفتاة، فاستشاط الأهالي غضباً، وخرج عشرات الآلاف منهم، ومعهم أهالي الفلوجة والرمادي في تظاهرات عارمة تطالب بالإفراج عن الفتاة، وطوق المتظاهرون معسكراً للقوات الأمريكية في المنطقة، وهددوا بأن تظاهراتهم ستستمر إن لم يفرج عن الفتاة.
لقد أصبح التهديد الجنسي أسلوباً شائعاً في ممارسات الجنود الأمريكيين، ولم يعد مقتصراً على السجون الرهيبة المنتشرة في العراق (بوكا في البصرة، وسجن مطار بغداد، والحبانية) . ففي الخامس والعشرين من آذار/ مارس ٢٠٠٥م، وعلى الرغم من الصدمة التي تركتها فضيحة (أبو غريب) في العالم كله، قامت وحدة خاصة كان تطارد أحد نشطاء المقاومة ـ وهو مهندس شاب أفلت من أيدي المهاجمين ثم قتل فيما بعد ـ بمهاجمة منزل عائلته في منطقة الصقلاوية شمال الفلوجة. لقد نظمت وحدة خاصة هجوماً ليلياً مباغتاً على منزل عائلة المهندس الشاب بعد منتصف الليل، وعندما اكتشفت القوة المهاجمة أن الشخص المطلوب لا يقيم مع عائلته، قام أفرادها على الفور بإلقاء القبض على والدته المسنة مع طفل صغير لا يتجاوز عامه السابع، حيث جرى نقلهما إلى سجن الحبانية. وحتى الأسبوع الأخير من آذار/ مارس ٢٠٠٥م، كانت التجاوزات التي يقوم بها الجنود المهاجمون لا تزال معتمدة بصورة رسمية، وتحظى بالقبول من جانب القادة العسكريين، فهي تمثل من وجهة نظرهم استمراراً في أساليب معتمدة من البنتاغون لانتزاع المعلومات. في الخالدية مثلاً، قام الجنود الأمريكيون أثناء مداهمة ليلية لأحد المنازل في هذه المدينة البدوية الصغيرة، بتجريد سيدة من ملابسها في تهديد صريح بالاغتصاب إن هي امتنعت عن الإدلاء بمعلومات، وهو ما يوضح إلى أي حدّ يجري استخدام أساليب التهديد الجنسي من أجل انتزاع المعلومات من المعتقلين والموقوفين، كأن دوي فضيحة (أبو غريب) لم يحدث أي أثر لصدمةٍ أخلاقيةٍ ممزقة للوجدان الأمريكي.
ü السجن والمسجد: الاغتصاب بوصفة استراتيجة عسكرية:
هذا السلوك من منظور العقيدة العسكرية الأمريكية في الحرب يدل على أن العدوان الجنسي المستمر والمتواصل بشكل متعمد على النساء في العراق مرتبط بشكل وثيق في العدوان العسكري عليه. ومن النادر ـ إذا ما عاد المرء إلى التاريخ الإمبريالي المكتوب، والمروي بطريقة تفصيلية ـ رؤية مثل هذا التلازم في أي حرب سابقة، بين استعمال الجنود السلاح والعتاد الحربي الهائل في عملية قرصنة عسكرية عدوانية شاملة للاستيلاء على هذا البلد، واستخدام السلوك الجنسي في أي حرب أمراً لا فكاك منه. إن التحريض ـ المباشر من جانب القادة العسكريين ـ على ممارسة سلوك جنسي مشين ضد النساء، ووقوع هذا الممارسات من قبل الجنود والشرطة العسكرية، ليسا ـ تماماً ـ مجرد أمر عرضي، بل هما لب سياسة السيطرة على السكان بواسطة استغلال ما يدعى (نقطة الضعف) ، أي شعور السكان بالعار والخزي، إنه جزء عضوي من سلوك متعمد أعم، وممنهج في استراتيجية الإخضاع.
هذا السلوك المشين، المصمم بصورة مقصودة فاضحة ضد مجتمع النساء من أجل الحصول؛ بواسطة الهتك العنيف والشرس للأعراض؛ على معلومات تمكن قيادة الاحتلال من فرض السيطرة، هو في خاتمة المطاف؛ وكما بينت سلسلة الوقائع؛ سلوك مراقب ومهيمن عليه، وتحت الإشراف المباشر، وليس سلوكاً عابراً وفردياً. إنه جزء فعال في الخطة العسكرية. إن أي محاولة لتبريره أو التخفيف من وقعه هو تضليل وخداع.
حين تصبح الانتهاكات الجنسية في بلد ـ كالعراق ـ سياسة ذات طابع استراتيجي، لا مجرد حالات فردية معزولة ناجمة عن التدني في معرفة ثقافة البلد وتقاليده الوطنية، أو نتيجة الضعف في التدريب أو الكفاءة، أو تراخي درجة الانضباط والالتزام بالتعليمات، فإن السلوك المشين يغدو نوعاً من عقيدة. كانت الفكرة الاستشراقية الحمقاء القائلة: إن نقطة الضعف الكبرى والمركزية عند العرب هي الجنس؛ لأنهم يشعرون بالعار والخزي من تعرض نسائهم للانتهاك، مادة حديث دائم، ومتواصل بين المحافظين المؤيدين للحرب في واشنطن خلال الأشهر التي سبقت الغزو في آذار/ مارس ٢٠٠٣م، وكان كتاب (العقل العربي) لـ (رفائل باتاي) ، المؤلف اليهودي العنصري، هو أنجيل المحافظين الجدد، حيث ضمّن المؤلف فصلاً مقيتاً وسطحياً، مملوءاً بالمغالطات التاريخية عن العرب والجنس، فما يقوله الكتاب ينطوي على تبسيط أخرق: العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، وأن أكبر ضعفهم هو الشعور بالعار.
هذه الطريقة في فهم العراق والعرب هي التي مهدت الطريق لارتكاب الجريمة في (أبو غريب) ، وقادت الجنود إلى ممارسة الجنس داخل مساجن الفلوجة!!
كانت جرائم (أبو غريب) الجنسية مستوردة بأدق المعاني تطبيقاً حرفياً لجرائم وممارسات مماثلة تشهدها المدن والسجون الأمريكية بانتظام ويعرفها المجتمع الأمريكي والغربي عموماً. بينما تبدو مثل هذه الجرائم في التاريخ الجنائي العراقي وكأنها من دون أي سياق منطقي. جرائم الشرف في تاريخ هذا البلد العربي تكاد تتمحور في موضوع واحد: علاقة عابرة بين امرأة ورجل، ينجم عنها حمل يتسبب في قتل المرأة في الغالب، بينما يفلت الرجل من العقاب، أو ينال قصاصاً مخففاً. ولذا تبدو قصة الاغتصاب في (أبو غريب) برمتها جديدة تماماً، وصاعقة بالنسبة إلى مجمتع محافظ مثل المجتمع العراقي.
القصة بدأت من التاسع من نيسان/أبريل ٢٠٠٣م من احتلال بغداد، ولكنها لم تنتهِ بعد؛ لأن فصلاً إضافياً أنجزه الجنود الأمريكيون في مساجد الفلوجة مؤخراً، يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات أخلاقية، أو يضيف أبعاداً جديدة تجعل من فضيحة السجن أقل أهمية من فضيحة تحويل المساجد إلى أمكنة عبث مفضلة. ومهما يكن من أمر، فإن توسيع نطاق السلوك الجنسي المشين، بحيث يشمل مسجد المدينة وسجنها معاً ـ أي: يقوم بدمجهما معاً في فضاء جغرافي واحد ـ من شأنه أن يدعم وجود هذه الانتهاكات، وأن يخرج بها إلى العلن على رغم كل تدابير السرية. إنه التوسع الجغرافي الذي سوف يرغم المنتهك على الكشف عن جريمة انتهاكية.
من بين أكثر الأدلة قوة على أن سلاح الاغتصاب بشكل منهجي في سياسة فرض السيطرة داخل العراق ما حدث في الفلوجة أثناء اجتياحها الأخير. تكشف صحيفة آفاق عربية، وشبكة البصرة على الإنترنت في ١٧ آذار/مارس ٢٠٠٥م النقاب عن وقوع ١٤٩ حالة اغتصاب داخل مساجد الفلوجة وحدها.
وتناول هذا تقارير خاصة تؤكد أن قوات الاحتلال انتهكت أعراض ١٤٩ امرأة داخل المساجد.
يتضمن هذا التقرير الخطر والمفجع معلومات يصعب إنكارها نظراً إلى الشواهد الكثيرة على الانتهاك والقسوة: دمار هائل، تخريب فظيع لكل شيء، والتقرير في الإطار ذاته يتضمن توثيقاً لحالات اغتصاب جرت خارج أسوار سجن (أبو غريب) .
تقع الفلوجة فعلياً في الفضاء الجغرافي لسجن (أبو غريب) الرهيب، وتربطها به شبكة طرق زراعية، فضلاً عن طريق سريع يصل ما بين بغداد والمحافظات. إن لهذا الأمر دلالة خاصة؛ لقد نقل الأمريكيون سلوك الاغتصاب الجنسي، كسياسة رسمية في استراتيجية السيطرة على المناطق، من زنازين السجن المغلقة إلى المدينة ومحيطها مروراً بالمسجد، وبذلك فإنه نوع جديد وغير مسبوق في المدينة، يعملون على تدنيسها، وتهشيم كل قدسية محتملة لها (كانت الفلوجة ولا تزال في أنظار العراقيين رمزاً مقدساً للمقاومة البطولية) .
وبذلك فإنهم، وعبر هذا النقل الميداني للعنف الحربي الممزوج بالسلوك المشين، يقومون عملياً ببناء مجتمع النساء النموذجي الذي تنقلب فيه طهارة المسجد إلى دنس، ويتحول فيه مكان العبادة إلى مكان موبوء وملوث ومتسخ ومملوء بالقاذورات. ولعل المشاهد المحزنة التي نقلتها الفضائيات لمساجد الفلوجة، وقد تحولت إلى أماكن ملوثة بفعل القاذورات، والأوساخ، والأتربة الناجمة عن الدمار، تعطي صورة دقيقة إلى حدٍ ما عن مغزى التلويث وحجمه وحدوده، والغرض منه. بيد أن وقوع حالات الاغتصاب داخل المساجد ـ وهو أمر لا شبيه له في أي حرب سابقة ـ من شأنه أن يجعل من هذه المعلومات مصدر فضيحة أخلاقية وثقافية كبرى.
لقد أصبح المسجد امتداداً للسجن بفضل هذه الاستراتجية. إنه السجن النموذجي للمسلم، سواء أكان امرأة محجبة أم رجلاً. بهذا المعنى، فإن الوظيفة الحقيقة للانتهاك الجنسي للنساء المحجبات داخل المسجد، إنما هي دمجه ومماهاته مع السجن. وبذلك يتحول المسجد إلى زنزانة، مثله مثل الحجاب في تصورات الأمريكيين له.
يلاحظ أن الجنود والضباط الذين يتولون التعذيب في سجن (أبو غريب) ينتمون ـ في غالبيتهم ـ إلى المسيحية الصهيونية، وهذا جلي في حالة سجن آخر هو سجن المطار (مطار بغداد) ، وفي سجن قصر السجود. ثمة سجن ثالث يدعى (سجن بوكا) في أم قصر، إنه من المعتقلات الرهيبة التي لم يكن العراقيون قد سمعوا بها من قبل؟! الآن تحول الميناء الجميل المطل على الخليج إلى سجن. يقول المراقبون: «كانوا يتركون السجناء من دون استحمام طوال شهر في طقس صيفي حار لا يطاق، وفي ظروف شديدة القسوة، بعد ذلك يأمرون السجناء رجالاً ونساء بالاستحمام الجماعي» . في هذه الحالة يصبح مجتمع الاغتصاب النموذجي مكتملاً من حيث معماريته الاجتماعية، فهو ينقل الاختلاط بين النساء والرجال إلى مرحلة العري البدائي الكامل، وينجز من دون تردد العودة إلى العرية الأولى: «ربي كما خلقتني» .
إن حالات العدوان هذه أضحت وسيلة أو أداة لانتزاع المعلومات، وكذلك لتدريب المجتمع المحتل بأسره على تقبل ثقافة أخرى هي ثقافة الاختلاط العاري، والعودة إلى الحرية الأولى للإنسان. وعلى الأرجح ترتبط مثل هذه الانتهاكات بشكل وثيق ـ كما بيّن التاريخ الجنسي للكولونيالية في آسيا وأفريقيا، وكما يوضِّح التاريخ الجنسي للإمبريالية الأمريكية في كوريا واليابان والفلبين ـ بدرجة تعاظم نفوذ وسيطرة القوة المحتلة، إلى الحد الذي يصبح فيه اعتداء الجنود على نساء البلد المحتل جزءاً من نظام السيطرة الثقافية.
стр. 5769
دموع التماسيح
د. يوسف بن صالح الصغير
تقوم (كوندي) في هذه الأيام بزيارة للمنطقة بهدف معلن وهو قيامها بتصنيف الزعماء والأنظمة إلى معتدلة، وغير معتدلة، ولا ندري ما هو ثمن شهادة السيرة والسلوك الممنوحة للمعنيين، وما هي تداعيات حجبها عن أي زعيم مشاكس؟ إنها محاولة أمريكية لتجنيد المنطقة إجبارياً في خدمة مشروعها الاستعماري الذي يتمدد باستمرار على الرغم من التعثر الواضح في أفغانستان والعراق، وتسليم القيادة في أفغانستان للإنجليز الذين سارعوا في تبني (نظرية مشرف) في التعامل مع القبائل الموالية لطالبان ومحاولة التهدئة والانسحاب من المناطق المتوترة. وأما في العراق فيبدو أن البلد يسير وفق المخطط الإيراني؛ فمهمة الأمريكان حالياً تتركز في التغطية على عمليات الميليشيات الشيعية في التصفية التدريجية للوجود السني في بغداد والتقسيم الفعلي للعراق؛ ومنتهى آمالهم الحفاظ على وجود محدود عبر عنه الطالباني الرئيس الشكلي للعراق ببضع قواعد. لقد بدأت أمريكا تدخل في مغامرات جديدة؛ فهي من جهة تشارك بفعالية شديدة في عملية إفشال تجربة حماس في فلسطين؛ إذ تقود عملية الحصار الشامل للشعب الفلسطيني ومنع توصيل أي مساعدات رسمية لها، ولم تكتفِ بدعم عودة فتح للسلطة بأي وسيلة، بل تجاوزت إلى محاولة شق صفوف حماس بالكلام عن قيادة دمشق. إنما يجري حالياً في فلسطين يذكِّر بفترة حصار العراق؛ فقد اجتمع حصار اقتصادي خانق وعمليات عسكرية برية وجوية مستمرة وتجاهل عربي وعالمي لما يجري، وأنكى من كل هذا أن شرط وقف العملية المتكاملة هو الاعتراف بدولة اليهود والتنازل عن الحقوق. ومما يحز في النفس أن من يمارس القتل والتجويع في فلسطين هو من يرفع عقيرته في التباكي على شعب دارفور، وتكبيد الشعب المسكين ثمناً غالياً لأهداف بعيدة عن آماله وأحلامه في عدالة التمثيل والتنمية التي يطالب بها بعض أبناء الإقليم. لقد قام الغرب بدعم التمرد المحلي بالسلاح والعتاد واستلاب القرار السياسي للمجموعات المسلحة وعندما يصبح التدخل العسكري الغربي هو الهدف؛ فإن السبيل إليه هو تعميق القتل والتهجير واستغلاله، ولا تعجب عندما تقوم المجموعات المسلحة بإفشال عمليات الإغاثة بقتل العاملين وسرقة السيارات، ويتم إعلان فشل قوات الاتحاد الإفريقي وتبني إرسال قوات دولية. وعندما تتكلم أمريكا باسم المجتمع الدولي وتصدر قرارات مجلس الأمن وفق الإرادة الدولية (أمريكا وبريطانيا) التي تخير السودان بين القبول وإلا!!!! وتهدد بمحاكمة المسؤولين السودانيين الذين يرتكبون ما يزعمونه من جرائم ضد الإنسانية، حيث لمحت أنها قد تنال الرئيس السوداني، وحتى الكونجرس أحيط علماً بما يجري وتحمس أعضاؤه لرفع الظلم الواقع على الإنسان، وأصدروا قانوناً ينص على «عقوبات تستهدف أشخاصاً مسؤولين عن الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور. ويجيز مشروع القانون من جهة أخرى لإدارة بوش أن تقدم دعماً لقوات الاتحاد الأفريقي المنتشرة في درافور في انتظار وصول قوات الأمم المتحدة، ويطالب (بطرد الخرطوم) من الأمم المتحدة» . وإذا تصورنا خضوع البشير للتهديد وسمح باحتلال جزء من السودان، وتحولت دارفور إلى ساحة حرب بين قوات التحالف بدارفور والمجموعات الجهادية التي دعت لمقاومة الاحتلال الأمريكي لدارفور؛ فما هي حال الشعب المسكين؟ إنها ستكون مثل حال الشعوب المحررة في العراق وأفغانستان، وسنسمع أن طائرات التحالف قد أتمت بنجاح ضرب أهداف يُعتقد أنها لإرهابيين، وليبكي الناس نساءهم واطفالهم.
واخيراً نذكِّر الجميع أنه يمنع دخول الصحفيين للإقليم؛ إنها تعليمات العم سام، ويا أهل الصومال خذوا حذركم!
стр. 5770
لهذا لم يعتذر (البابا) ... ولهذا لم ترتدع الدانمارك
د. عبد العزيز الحامد
تتوالى طعون الغربيين النصارى عبر السنوات والشهور الأخيرة بشكل لافت، إلى كل مقدسات وحرمات المسلمين، في حملة حضارية وثقافية صليبية، تتزامن مع الحملة العسكرية والأمنية؛ فبعد جريمة الرسوم المسيئة إلى الرسول # في الدانمارك منذ عام، خرج الفاتيكان بموقف أشنع، لم يمثله مجرد رسام هابط، أو كاتب باحث عن الشهرة، أو صحيفة تريد الرواج، وإنما صدر من أكبر رأس ديني نصراني في العالم الكاثوليكي، في تصريحات قبيحة، تنم عن عداوة صريحة، تحول بها العداء الخاص إلى استعداء عام، في نوع من توزيع الأدوار بين طوائف النصارى الثلاث، فالبروتستانت الأمريكان ـ على ما يظهر ـ تفاهموا مع رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا بنديكت السادس عشر على أن ينضم إلى الحملة العالمية ضد الإسلام، ولكن في جانبها الفكري والثقافي، ولم يتأخر (البابا) في تقديم هذه الخدمة لأمريكا، اتساقاً مع الدور المشبوه للفاتيكان منذ أيام البابا السابق، في خدمة أهداف أمريكا، أثناء صراعها مع الاتحاد السوفييتي السابق، ودول أوروبا الشرقية. لكن البابا أدى الخدمة بخبث أشد مما أُريد منه، وهو أنه باعتباره رأساً للديانة الكاثوليكية، ومتواطئ مع التوجهات البروتستانتية، تحدث عن الرسول # بـ (قلة أدب) أرثوذكسية؛ إذ إن ما نقله من نصوص حاقدة، إنما نسبه إلى إمبراطور أرثوذكسي، لتجتمع أحقاد الطوائف كلها في موقف موحَّد ... فالمتحدث يمثل الكاثوليكية، وصاحب النص من كبار الأرثوذكسية، لحساب أصحاب المشروعات البروتستانتية الإجرامية ...
ولم يكد العالم الإسلامي يسترخي بعد انتفاضته وغضبته الثانية، بصورة شعبية عالمية انتصاراً لنبيه # بعد تصريحات بابا الفاتيكان، حتى شرع الطاعنون الحقراء من طرف الحكومة الدانماركية اليمينية البروتستانتية في معاودة الإساءة للرسول # مرة أخرى، وبطريقة أخس وأنجس مما أقدموا عليه في العام الماضي؛ إذ رتبت إحدى منظمات الشبيبة التابعة للحزب الحاكم في الدانمارك (مسابقة) لأكثر الرسوم سخرية وهزءاً برسول الإسلام #!! والتفاصيل في الموقفين الحقيرين الأخيرين للبابا ولدولة الدانمارك أصبحت معروفة للجميع.
لكن خطورة الأمر، لم تعد مقتصرة على أفعال عدائية مقصودة منهم، ثم ردود أفعال تلقائية محدودة في تداعياتها وآثارها من طرفنا، وإنما تعود الخطورة إلى تحوُّل التطاول إلى ظاهرة تتسم بالعناد والتنوع، وبالاطِّراد والتصعيد بشكل متتابع يحاول أن يحوِّل الظاهرة المنكرة إلى شأن عادي وسلوك مقبول باسم الحرية.
والهدف في النهاية تعجيزنا عن الدفاع عن أعز ما لدينا من رموز وقيم وعقائد.
ü اعتداءات بلا اعتذار ... واحتجاجات بلا آثار:
عندما أقدم الدانماركيون على جريمتهم الأولى في العام الفائت، وطولبوا بالاعتذار؛ امتنعوا جميعاً من الاعتذار، بدءاً من الملكة ثم رئيس الوزراء، ثم الصحيفة التي نشرت الرسوم المسيئة ... ولم يكن في وسع المسلمين في العالم إلا أن يُظهروا الاحتجاج عن طريق المظاهرات السلمية والمقاطعة الاقتصادية للبضائع الدانماركية ... ولكن ماذا كانت النتيجة ... ؟!
لقد اختلفنا ـ نحن المسلمين ـ فيما لا ينبغي أن يُختلف فيه بعد زمن قليل من الحماس، وراح كل صاحب اجتهاد يحاول فرض اجتهاده على الأمة الغاضبة، حتى فُرِّغ هذا الغضب من مضمونه وتميعت القضية، وفتر الحماس للمقاطعة، بل بدأ البعض بتصنيف الشركات الدانماركية إلى شركات (معادية) ، وشركات (محايدة) وشركات أخرى أصبحت (صديقة) لأنها «اعتذرت» بالنيابة عن الملكة ورئيس الوزراء والحكومة اليمينية والصحيفة الصهيونية ... !!
ولما كانت الجماهير قد عرفت القليل من أسماء أشهر المنتجات الدانماركية التي تشكل قيمة في اقتصاد الدولة المعتدية على ديننا، فقد كان من الصعب أن تُكلف تلك الجماهير بعملية «تحري» الحلال من الحرام فيمن يُتعامل معه ومن لا يُتعامل معه، وفق تقسيمات الشركات الدانماركية، وانتهزت المحلات المستفيدة من ترويج تلك البضاعة في بلاد المسلمين من ذلك الاختلاف، فالتفَّت على المقاطعة، والفضل يعود إلى الفتاوى والمواقف المتميعة!
وقد أظهر هذا الارتباك ردود الفعل الإسلامية على أنها مجرد تشنجات وقتية وعواطف آنية، سرعان ما تتلاشى سُحُبها في سماء الرغبات والشهوات غير الحاجية أو الضرورية.
والسؤال هنا: كيف فرطنا في سلاح ماضٍ ـ هو المقاطعة ـ كان يمكن أن يُؤدَّب به الدانماركيون حتى لا يتجرؤوا على إعادة الكرَّة مرة أخرى؟!
الذي حدث أن الدانماركيين عادوا إلى الجريمة بشكل أشنع، ومن طريق لا يبعد عن تواطؤ الحكومة نفسها التي تمادت في التحدي؛ لأن من أمن العقوبة أساء الأدب.
ومن غير المتوقع أن تعتذر في المرة الثانية ... بعد أن امتنعت في المرة الأولى ولم تجد ما يردعها، فلا سفارة أُغلقت، ولا علاقة قطعت، ولا مقاطعة رسمية اتخذت ولا شعبية استمرت!
أما بابا الفاتيكان، فقد أثار الاستهجان بعدم اعتذاره أكثر مما أثاره بتصريحاته، وقد فوجئ الكثيرون بإصرار البابا على عدم الاعتذار الصريح، والشيء الذي ربما لم يدركه الكثيرون من المسلمين، أن من أجرم في حق النبي الخاتم المعصوم #، قد فعل ذلك وهو معتقد في نفسه ويعتقد فيه أتباعه أنه هو المعصوم!!
فبابا الفاتيكان في ديانة الكاثوليك؛ إنسان لا يخطئ..!! هكذا يقولون وهكذا يعتقدون!!
ü ما ذنبنا نحن..؟!
لأن باباهم لا يخطئ؛ فليس من حقنا أن نطلب اعتذاره وهو (المعصوم) مع أن سابقه المشؤوم؛ اعتذر لليهود عن اضطهاد الكنيسة لهم عبر التاريخ؛ فهل كان بابوات تلك الكنائس يومها غير معصومين؟! وهل كان هو قبل اعتذاره غير معصوم؟! لقد اعتذر أيضاً على المحرقة اليهودية وأدانها، مع أن سابقيه لم يفعلوا ذلك. أما الخطأ في حق المسلمين فإنه ليس بخطأ ... لا في الحروب الصليبية القديمة التي لم يعتذر عنها البابا السابق ... ولا في الحرب الصليبية الجديدة التي لم يُدِنْها البابا الحالي.
ربما لم يدرك بابا الفاتيكان (بنديكيت السادس عشر) اتساع الأصداء السلبية لتصريحاته القبيحة عن الإسلام ونبي الإسلام #، ولكنه في الوقت نفسه، كان يدرك جيداً أن هذه الأصداء من الاحتجاجات والمظاهرات والتصريحات، مهما تضاعفت؛ فإنها لن ترغمه، ولا يصلح أن ترغمه؛ على الاعتراف بالخطأ، ومن ثم الاعتذار عنه؛ لأن ذلك يعني ببساطة أنه تنازل بإرادته عن صفة يتفرد بها عن بقية البشر الساكنين على الأرض وهي صفة (العصمة) من الخطأ!!
لقد صدر (قرار) مجمع قساوسة الفاتيكان في عام ١٨٧٠ للميلاد بعصمة البابا، فأضاف عقيدة جديدة إلى المذهب، لم يكن يعلم بها البابوات القدامى منذ بدأت الكنيسة الكاثوليكية حتى ذلك العام!
ومنذ صدر ذلك القرار، والعالم النصراني الكاثوليكي يعيش تحت ولاية دينية (معصومة) برغم كل الجرائم والحروب وأنواع الإفساد التي باركها البابوات طيلة هذه السنين، وبرغم ما اشتهر من أخطاء وخطايا لبعض البابوات، كان منها عزل بعضهم، وعدم الاعتراف ببعضهم، وتعدد المتولين للبابوية في زمن واحد بسبب التنافس على المنصب.
لقد فلسف المحرِّفون لدين النصرانية هذه العصمة لبابا الكاثوليك دون بقية البابوات في الطوائف الأخرى، مستندين إلى أن (الروح القدس) أي جبريل ﵇ يؤدي وظيفة الوحي الذي لم ينقطع عن طريق الكنيسة ورجالاتها، ممثلين في شخص البابا. وبما أن (الإيمان) في العقيدة النصرانية يقوم على ثلاثة أسس، هي: الإيمان بـ (الأب والابن والروح القدس) فسيظل تطبيق الأساس الثالث مرتبطاً بعصمة البابا الذي له وضعية خاصة مع الروح القدس كما يزعمون، وأيضاً لأن ذلك البابا ـ من ناحية أخرى ـ هو النائب المفوض للقيام بوظيفة (بطرس الرسول) أحد تلاميذ المسيح ﵇، الذي يدعون أن عيسى قال له: «فوق هذا الهيكل ـ يعني الجسد ـ سوف أبني كنيستي» . يعني ستكون كنيسة المسيح في المكان الذي سيموت فيه. ولما كانت وفاة بطرس في روما، فقد أصبح لروما ـ أو جزء منها وهو الفاتيكان ـ خصوصية كنسية، وهي خصوصية ترقى إلى أن يكون المسؤول الأول عن تلك الكنيسة مفوضاً عن الإله في الحل والربط، مثلما فوض المسيح تلميذه بطرس بذلك، عندما قال له ـ كما يُدَّعى ـ: (وأعطيك مفتاح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات) [إنجيل مَتَّى ١٦ ـ ١٩] .
إن بابا الفاتيكان الذي يعتقد في نفسه، ويعتقد فيه أتباعه أنه واسطة (الروح القدس) وخليفََة (الرسول بطرس) قد صدَّق أن لديه تفويضاً من الله، يحل ما يحل، ويربط ما يربط كما يشتهي، فاتجه إلى ديننا يحل فيه ويربط، ويُرغي فيه ويزبد، ولهذا قرر ـ بناء على قرار العصمة ـ أن العقيدة في الإسلام لا تتماشئ مع المنطق أو العقل، وأن الإسلام الذي يدين به خُمْس سكان العالم، إنما انتشر بالإكراه، وتحت التهديد بحد السيف.
ü لا أمل في الاعتذار ... لكن لا بد من إعذار:
نعم! لا أمل في اعتذار البابا هذه المرة، ولا في المرات التالية من التطاول على الإسلام؛ فقد نص قرار (العصمة) على أن «الحِبْر الروماني رأس مجمع الأساقفة، ينعم بالعصمة بحكم وظيفته عندما يعلن التعاليم المتعلق بالإيمان والأخلاق، بصفته أعلى راعٍ ومعلم للمؤمنين ... إن تعاليم الحبر الأعظم الصادرة عنه شخصياً بصفته بابا، غير قابلة للتعديل أو المراجعة من أي سلطان آخر، كنسياً كان أو بشرياً» [نقلاً عن كتاب: نور الأمم ص ٢٢] .
لا أمل أيضاً في أن تعتذر الحكومة الدانماركية عن إساءاتها السابقة أو إساءاتها اللاحقة ... لأنها ـ باختصار ـ لم تجد من يوقفها عند حدها، لكن لا بد لأمة المليار، أن تقدم الإعذار إلى الله ـ تعالى ـ بطريقة أخرى غير رجاء الأشرار بالاعتذار، ولن نعدم حيلة، إن كنا مؤمنين حقاً بنصرة رسولنا # نصراً يليق بأعظم إنسان مشى على الأرض؛ فهل هان علينا رسول الله #، حتى نعجز عن الانتصار له..؟!
﴿إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] ، ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] .
стр. 5771
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
من هنا وهناك
علامة تعجب
المرصد
- قال الصحفي الأمريكي المعروف بوب ودورد في حديث مع برنامج «٦٠ دقيقة» في تلفزيون (سي. بي. إس) الأمريكي: إن هجمات المقاتلين على القوات الأمريكية في العراق تحدث كل ١٥ دقيقة، وأضاف: «إن تقدير خبراء المخابرات عن العام القادم عام ٢٠٠٧ أن الموقف سيزداد سوءاً» وانتقد تصريحات بوش والبنتاجون أن كل شيء يسير إلى الأفضل. [وكالات، ٣٠ / ٩ / ٢٠٠٦م]
- أعلن زعيم المحاكم الشرعية في الصومال الشيخ حسن ظاهر عويس أن المحاكم الـ ٢٧ التي أقيمت في المناطق الخاضعة لسيطرته ستتجسد ضمن مجلس إسلامي أعلى في الصومال، وستتوحد في هيئة واحدة تقود البلاد، في حين تعزز الحركة الإسلامية مواقعها.. [وكالة أ. ف. ب]
- كشف الشيخ محمد حسين - المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية وخطيب المسجد الأقصى المبارك - أنّ سلطات الاحتلال تستخدم مواد كيماوية لتذويب الصخور أسفل المسجد القدسي الشريف لافتاً إلى أنّ الحفريات الصهيونية تبعد الآن ١٠ أمتار فقط عن قبة الصخرة المشرفة. [الجزيرة، ٨ / ٩ / ١٤٢٧هـ]
- أعلنت الأمم المتحدة أن نحو ٦٦٠٠ شخص قتلوا في العراق خلال شهري تموز - يوليو، وآب - أغسطس، وقد أصيب ٣٧٩٣ شخصاً بجروح في تموز - يوليو و ٤٣٠٩ في آب - أغسطس.. [وكالة أ. ف. ب ٢٨ / ٨ / ١٤٢٧هـ]
- قال الجنرال جون أبي زيد قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط: إن المجتمع الدولي يجب ألا يسمح لـ «القاعدة» بإقامة وطن، وأوضح في مقابلة مع موقع «ديبلوماتيك ترافيك» أنه على عكس النازية والشيوعية لم يستطع تنظيم «القاعدة» إقامة وطن خاص به، وعلى المجتمع الدولي أن يضمن عدم حدوث ذلك. [صحيفة الرأي العام الكويتية]
- ذكر تلفزيون بي بي سي البريطاني أن جنوداً إسرائيليين سابقين دربوا جنوداً أكراداً في شمال العراق في ٢٠٠٤م و٢٠٠٥م، وبث أفلام فيديو لمعسكرات التدريب، وذكر أن الكيان الصهيوني قدم هؤلاء المدربين عن طريق شركات أمنية، ومعهم معدات تبلغ قيمتها ١٥٠ مليون دولار.
[الجزيرة ٢٨ / ٨ / ١٤٢٧هـ]
«الرئيس» والصلب
اعتبر الرئيس الباكستاني برويز مشرف خلال مؤتمر نظمه في نيويورك الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، أن من الضروري تسوية القضية الفلسطينية قبل سواها؛ لأنها في «صلب» الأزمات في العالم الإسلامي، وذكر أن النزاع الفلسطيني هو في «صلب» التطرف في باكستان أو في أفغانستان، وهو في «صلب» كل ما يحصل في لبنان أو في العراق، ولخص مشرف القضية بالقول: (آن الأوان للمضي إلى «صلب» المشكلة، ويجب ألا نفتح جبهات جديدة، إنما يجب أن نبدأ بغلق بعض الجبهات) . [الجزيرة ٢٩ ٨/ / ١٤٢٧هـ]
قصيرة طويلاً أم طويلة قصيراً؟
يتصف أسلوب تعامل البيت الأبيض مع النشاط النووي لإيران بالغموض والتردد، واتباع إستراتيجية متعددة المواعيد والتحذيرات التي تنتهي يتهديدات، ومؤخراً قام الرئيس جورج بوش بإعلان تأييده إعطاء الأوروبيين مزيداً من الوقت لإقناع إيران بتعليق برنامج تخصيب اليورانيوم، لكنه أمل أن تكون المهلة «قصيرة» ، وسألت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية الرئيس الأميركي حول المهلة المعطاة للمفاوضين الأوروبيين، فاجاب إنها: «قصيرة أكثر منها طويلة، للتأكد من أن هذه المناقشات لا تشكل محاولة لكسب الوقت إلى درجة نخسر أي مصلحة لنا في هذا الموضوع» ، وأضاف بوش: «تعمل رايس معهم للتأكد من أن هذه العملية لن تستمر إلى ما لا نهاية» . [الرأي العام، ٨ / /٩ ١٤٢٧هـ]
كذب «الناطقون» ولو صدقوا
صرّح علي الدباغ، الناطق باسم الحكومة العراقية، بأن نوري المالكي رئيس الوزراء «يتفهم تماماً المخاطر التي تتسببها الميليشيات الشيعية» لكنه قال: «إن العلاقات السياسية في العراق يمكن ان تعرض رئيس الوزراء إلى خطر كبير» ، وقال الدباغ مدافعاً عن رفض المالكي للسماح للقوات الأميركية بمهاجمة مدينة الصدر في هذا الشهر: «إن ذلك قد يولد ردود فعل سلبية، وقد يتضرر الوضع السياسي، وفي الوقت نفسه، الوضع الأمني في بغداد» . وقال الدباغ ايضاً: «ليس من العدل معاملة الميليشات الشيعية مثل المتمردين السنة» ..!! [الرأي العام ٣٠ / ٩ / ٢٠٠٦م]
شر «التقيّة» ما يضحك
حاول محمد حسين فضل الله المرجع الشيعي اللبناني الدفاع عن متانة العلاقات بين حزب الله وحركة أمل الشيعيين اللبنانيين، وذلك رداً على كلام وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الذي يشير إلى انقسام بينهما، حيث اعتبرت أن تطوراً «مثيراً أن يحصل شرخ في الكتلة الشيعية ما يمكّن أن يسمح بإجماع حكومي جديد» وقال فضل الله تعليقاً: «هذا التصريح كان يمثل بعض التمنيات الخيالية التي لا أساس لها في الواقع» ، وأضاف: «ما تتحدث عنه رايس من خلال تقارير مخابراتها لا يمثل أي حجم للانقسام، بل هو لون من ألوان حرية التعبير» . يذكر أن المشاحنات بين أنصار الحركتين لا تتوقف، وتصل في مواسم الانتخابات إلى مستوى القتل، وفي نهاية الثمانينيات أسفرت حرب بينهما عن مقتل ٢٥٠٠ شيعي. [وكالات]
стр. 5772
سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على النفط العراقي
(الدوافع والأهداف)
علي حسين باكي ر
يقول بعض المتخصصين في شؤون النفط أنّ: «النفط العراقي كنز القرن الميلادي الحادي والعشرين» . ومن المؤكد أن الحديث هنا يأتي في سياق أنّ العراق يمتلك حوالي ١٢% من الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط. وتتّضح أهمية النفط العراقي إذا تمَّ ربط ذلك الاحتياطي بمسألة الانخفاض المتتالي في قدرة الدول النفطية على زيادة إنتاجها من النفط مع إمكانية نضوب كافّة المخزونات العالمية المهمّة في الغرب وفي قزوين في الـ ١٥ سنة المقبلة.
في هذا الإطار أحاول في مقالي هذا تسليط الضوء على النفط العراقي وأهميّته العالمية والاستراتيجية، والخطط الأمريكية التي تسعى من خلالها للسيطرة عليه لأهداف كثيرة ومتعدّدة.
ü النفط العراقي في خريطة النفط المحلية والعالمية:
تشير الأرقام المتوفرة حول النفط العراقي حالياً إلى أنّ العراق يمتلك احتياطياً مؤكداً يبلغ حوالي ١١٥ مليار برميل، وفقاً لمجلة (النفط والغاز OIL & GAS JOURNAL) ، ممّا يجعله في المرتبة الثالثة عالمياً بعد المملكة العربية السعودية وكندا من حيث الاحتياطي النفطي المؤكّد، ويقع معظم هذا الاحتياطي (حوالي ٦٥%) جنوب العراق، وذلك وفقاً لوكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) في آخر تحديث لها والذي كان في كانون الأول ٢٠٠٥م. وتتفاوت التخمينات حول قدرات العراق النفطية المستقبلية بشكل كبير، على اعتبار أنّ حوالي ٩٠% من مساحة البلاد لم يتم مسحها بعد. وبحسب بعض المؤسسات البحثية والجهات المختصّة كـ: (معهد بيكر، مركز دراسات الطاقة العالمية، اتحاد العلماء الأمريكان.. إلخ) ، فإنّ هذا الاحتياطي قد يصل إلى حدود ٢١٥ مليار برميل أو أكثر إذا ما تمّ إجراء عمليات بحث وتنقيب في منطقة الصحراء الغربية الواسعة جداً، في حين يعتبر البعض الآخر أنّ الاحتياطي الذي يمكن اكتشافه فيما بعد لن يزيد عن ٤٥ مليار برميل.
تاريخياً؛ بلغ العراق ذروته في الإنتاج النفطي في العام ١٩٧٩م عندما أنتج ٣,٧ مليون برميل نفط يومياً، وقد بلغ إنتاجه قبيل غزو الكويت مباشرة في تموز ١٩٩٠م ما حجمه ٣,٥ مليون برميل نفط يومياً. ومنذ تلك الفترة انهار الإنتاج العراقي للنفط، وبدأ يعمل حثيثاً على استعادة موقعه الإنتاجي بواقع ٦٠٠ ألف برميل يومياً في العام ١٩٩٦م، وبعد صدور القرار (٩٨٦) والمتعلّق بالنفط مقابل الغذاء، تضاعف إنتاج العراق من النفط ليصل إلى ١,٢ مليون برميل يومياً في العام ١٩٩٧م، ثم ارتفع مجدداً ليصل إلى ٢,٢ مليون برميل عام ١٩٩٨م، ومن ثم إلى ٢,٥ مليون برميل في الأعوام ١٩٩٩م و ٢٠٠١م، حتى وصل قبيل الحرب الأمريكية عليه إلى ما يقارب ٢,٥٨ مليون برميل يومياً.
وقدرت بعض المصادر أنّ عائدات النفط العراقي بعد صدور قرار النفط مقابل الغذاء كانت تتراوح بين مليار إلى مليارين سنوياً، وكانت الكميات المهرّبة تُباع بأسعار زهيدة جداً؛ نظراً لعدم قانونيتها، فيما تغاضت العديد من الجهات الغربية عن ذلك؛ كونها كانت تستفيد من هذا الوضع، حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية أولى الدول المستوردة للنفط العراقي بمقدار ١.٢ مليون برميل يوميّاً، ويتجه نحو نصف مليون برميل إلى أوروبا، ونحو ١٥٠ ألف برميل إلى آسيا، ونسبة أخرى إلى تركيا والأردن وسورية.
حالياً يتراوح إنتاج العراق من النفط في كانون الأول ٢٠٠٥م بين ١,٩ و٢,١ مليون برميل يومياًً، ويعتقد معظم الخبراء أنّه لن يكون هناك زيادة حقيقية في هذه الكميّة على الأقل في السنتين أو الثلاث القادمة.
على أيّة حال؛ فالاحتلال الأمريكي للعراق قد غيّر كثيراً من خارطة النفط العالمية، وإن لم يكن ذلك واضحاً للعيان من الناس العاديين، فالنفط العراقي هو المفتاح للسيطرة على الدول المنافسة للولايات المتّحدة والتي تتطلع إلى الزعامة العالمية، وهذا ما سنراه تالياً.
ü مقترحات أمريكية لاستغلال النفط العراقي قبل الغزو مباشرة وبعده:
على الرغم من أنّ الإدارة الأمريكية قد أنكرت أن يكون الهدف من احتلالها للعراق هو السيطرة على آباره النفطية ومخزونه الاستراتيجي، إلاّ أنّ الجميع يذكر أنّ الاحتلال الأمريكي قام بحماية وزارة النفط عند دخوله مباشرة، فيما ترك كل المرافق العراقية العامّة والخاصّة والدوائر والوزارات عرضة للنهب والسلب والتدمير. وقد تبيّن فيما بعد أنّ هناك عدّة مقترحات كانت الإدارة الأمريكية قد طرحتها وتداولتها بين أوساطها لاستغلال النفط العراقي، وتراوحت بين ثلاثة اقتراحات:
الاقتراح الأوّل:
أنّ يتم استخدام عائدات النفط العراقي بعد السيطرة على العراق من أجل تغطية النفقات العسكرية لجيش الاحتلال الأمريكي فيه. فقد ذكرت صحيفة «نيوز ـ داي» الأمريكية في ٢٠٠٣/١/١م عن (مايك أنتون) المتحدث الرسمي باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي آنذاك قوله: «إن البيت الأبيض وافق على أن تلعب عائدات البترول العراقي دوراً هاماً خلال فترة الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وأنّ عائدات البترول العراقية سيتم استخدامها في حالة الحرب والتواجد العسكري الأمريكي في العراق، ولكن لن يتم استخدام العائدات كلها في هذا الشأن» .
الاقتراح الثاني:
أن يتم الاستيلاء على النفط العراقي ووضع اليد عليه كاملاً وذلك من خلال عقود تقوم الشركات الأمريكية بموجبها باحتكار الصناعة النفطية في العراق، أو من خلال التواجد العسكري المباشر في هذه المنطقة أو قرب آبار النفط العراقي لتأمينها والتحكّم بتدفق النفط وعائداته منها إلى الدول الأخرى. وغالباً ما كان فريق نائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) ومساعديه ومستشاريه وحلفائه من المحافظين الجُدد هم الأقرب إلى هذا الاقتراح والداعم له؛ لمصالح خاصّة واستراتيجية في الوقت نفسه.
الاقتراح الثالث:
ويتمثّل في استغلال عائدات النفط العراقية إلى حين التوصل إلى حكومة شرعية ديمقراطية، على أن يتم توزيع جزء من هذا العائد على مشاريع وجهود إعادة الإعمار وهو الشيء الذي لم يحصل حتى اليوم!
أمّا بعد أن استتبَّ الأمر لجيش الاحتلال في العراق وللحكومة العراقية، أخذ يعمل على تقنين مسألة استيلائه على النفط العراقي بطرق التفافية وغير مباشرة تحت شعارات، مثل: فتح الاستثمارات الأجنبية على مصراعيها، إزالة كل القيود عن الشركات الأجنبية المستثمرة، ضرورة الاعتماد على أحدث التقنيات والوسائل والشركات ـ وهي أمريكية بطبيعة الحال ـ لزيادة الإنتاج، ضرورة الاستعانة بخبرات أجنبية ومستشارين ... إلخ.
فقد قدّم مجلس العلاقات الخارجية بالكونجرس الأمريكي في كانون الأوّل عام ٢٠٠٢م دراسة للإدارة الأمريكية حول نفط العراق أكد فيها على مجموعة من النقاط تدور كلها حول هذا الموضوع، وهذه النقاط هي:
أولاً: أن البنية الأساسية لقطاع النفط العراقي تعيش حالة متدهورة للغاية، وتحتاج إلى إعادة إعمار لإنقاذ الإنتاج النفطي الذي يتدهور سنويّاً بنسبة ١٠٠.٠٠٠ برميل يوميّاً (آنذاك) .
ثانياً: أن إعادة إعمار القطاع النفطي العراقي تحتاج إلى استثمارات تُقدّر بمليارات الدولارات، وتحتاج إلى شهور إن لم يكُ سنين، وستحتاج تكلفة وحدات التصدير الحالية نحو (٥) مليارات دولار، بينما تحتاج تكلفة إعادة الإنتاج إلى ما كان عليه قبل عام ١٩٩٠م (٨) مليارات دولار.
ثالثاً: لا تستطيع الإمكانات العراقية الحالية الاضطلاع بجهود إعادة تحديث القطاع النفطي، ولا بدّ من الاستعانة بشركات «خارجية» ، وربما سيلجأ العراق إلى دول «عديدة» للمساعدة في ذلك.
وقد كانت أولى بوادر التطبيق العملي لهذا التوجه بعد احتلال العراق قد ظهرت في الدستور العراقي الذي ظهر بحلّته النهائية على الطاولة في ٢٨ /آب/ ٢٠٠٥م، والذي عكس ما جاء به المندوب الأمريكي الأول (بول بريمر) وهو: تحقيق طموحات المستثمرين الأجانب، إذ يُلزم الدستور الجديد الدولة العراقية بإصلاح الاقتصاد العراقي حسب أسس الاقتصاد الحديث، بطريقة تضمن الاستثمار الكامل لكل ثرواته، وتنويع هذه الثروات، وتطوير القطاع الخاص. والإصلاح الاقتصادي يعني: خصخصة القطاع العام، وحرية التجارة والسوق، وفتح المجالات. لكنّ المشكلة ليست هنا فهذا مجرد غطاء، فالمادة ١١٠ من الدستور العراقي الحالي تقول: «إن الحكومة الفيدرالية وحكومات المناطق المنتجة الأخرى، ستعمل معاً على وضع سياسة استراتيجية لتطوير الثروة النفطية والغاز من أجل مصلحة الشعب العراقي، من ثم فإنه عليها أن تعتمد على أحدث التقنيات في السوق، وتشجّع الاستثمار» . وهذا نص مبطّن لما أشرنا إليه في البداية أعلاه، إذ يُفهم من هذه المادة أنها تشير إلى الخطط التي يدعمها كبار المسؤولين العراقيين حالياً، ومنها: خصخصة شركة النفط الوطنية العراقية، وفتح الاحتياطي العراقي أمام شركات النفط العملاقة الأمريكية بطبيعة الحال.
ويسمح الدستور للأقاليم في العراق «التي من الممكن أن تتشكل حالياً أو لاحقاً» بأن تقرر سياستها النفطية «ضمن حدودها الجديدة» ، وأن تحتفظ بنسبة كبيرة من عائدات الحقول الموجودة، وأن تحتفظ لاحقاً بعائدات كل ما ستطوّره من الحقول الجديدة. وقد يكون موقف الولايات المتحدة من الفيدرالية عائداً لكون الأطراف التي ستحصل على النفط العراقي: الشيعة والأكراد، فقد أكدت علناً أنها تؤيد وتدعم الخصخصة.
وبناءً على ذلك راحت كل جهة في محاولة لاستغلال هذا النص على طريقته، ففي حين دفع (عبد العزيز الحكيم) بقوة إلى إقامة شبه دولة شيعية في الجنوب تحت إطار وحدات أو تجمّعات محافظات قامت حكومة إقليم كردستان بتكليف شركة نرويجية بالتنقيب والمسح عن البترول في مناطقها القريبة من الحدود التركية، دون الرجوع إلى الحكومة المركزيّة واستشارتها بحجة أن تصرّفها جاء استناداً إلى هذا النص الدستوري!
ü أهداف الولايات المتحدة من السيطرة على النفط العراقي:
سخر الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) ـ إبّان تسلّمه لجائزة نوبل للسلام عام ٢٠٠٢م خلال مؤتمر صحفي ـ ممّن سمّاهم «الحمقى» الذين يعتقدون أنّ سياسة أمريكا تجاه العراق مبنيّة على المصالح النفطية، قائلاً: «يمكن شراء النفط بأسعار معقولة في حدود ٢٧ دولاراً للبرميل، وهذا أقل كلفة من التكلفة الضخمة التي يستدعيها اجتياح العراق» . ووصف رئيس دائرة التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك (ريتشارد هاس) مقولة وجود دوافع نفطية دفعت أمريكا لاحتلال العراق بأنّها سخيفة.
هذا الكلام قد يبدو للوهلة الأولى صحيحاً، فهناك عدّة بلدان قد تستطيع الولايات المتّحدة أن تستعيض بنفطهم عن العراق، ومنهم: فنزويلا في أمريكا اللاتينية، وكندا في أمريكا الشمالية، والمكسيك، وروسيا، ونيجيريا، واحتياطيات ألاسكا إذا أرادوا. وفي النهاية فليس هناك من دولة تخوض حرباً لسبب واحد، فلا بدّ من وجود عدّة أسباب، ولكن لا شكّ أنّ النفط أوّلها بالنسبة للولايات المتّحدة أو ثانيها إذا قدّمنا حماية أمريكا لإسرائيل على هذا الهدف.
قد لا يكون النفط العراقي مهمَّاً بحدّ ذاته للولايات المتّحدة الأمريكية من ناحية الاستهلاك وحتى نفط الخليج أيضاً، على اعتبار أنّ متوسط حجم الإمدادات الخليجية في الربع الأول من العام الجاري ـ خصوصاً السعودية والعراق ثم الكويت ـ قد بلغ ٢.٤ مليون برميل يومياًً، كما ذكرت نشرة «Oil & Gas Journal» ، وشكل نحو ٢٠% من إجمالي واردات النفط الأمريكية، ما اعتبرته النشرة الدولية ذات الصدقية العالية نسبةً متواضعة قابلة للتعويض من مصادر النفط غير التقليدي في الولايات المتحدة والدول الأخرى من القسم الغربي من العالم، التي توفر لأميركا حالياً ما لا يقل عن ٥٠% من وارداتها الإجمالية من النفط الخام والمشتقات. لكنّ أهميّة النفط الخليجي والعراقي تحديداً تكمن في عدّة نقاط نختصرها على الشكل التالي:
أولاً: إنّ الولايات المتّحدة الأمريكية أصبحت تعي تماماً أنّها ليست وحدها على الساحة الدوليّة، خاصّة من الناحية الاقتصاديّة، وأنّ هناك دولاً عديدة تسعى إلى الوصول إلى مستواها بل والتفوّق عليها في المدى المنظور، وبناء على ذلك كان لا بدّ للولايات المتّحدة أن تعمل على إفشال وصول الآخرين إلى مستواها أو التحكم في عملية صعودهم إلى ذلك المستوى، فكان النفط الخليجي والعراقي الوسيلة إلى ذلك، إذ إنّ معظم الدول الأوروبية واليابان والصين والهند تستورد نفط الخليج، ولحسن حظ أمريكا أنّ هذه الدول وخاصّة أوروبا واليابان لا تمتلك نفطاً صالحاً للاستهلاك في أراضيها، ومن ثمّ فإنّ قوّتها الاقتصادية ترتكز بشكل أساسي على النفط المستورد من الخارج وبالتحديد من الخليج، وسيطرة أمريكا على هذا النفط سيعطيها مجالاً أكثر لتحديد كميات الإنتاج وكميات التوريد وأسعار النفط ... إلخ، مما يجعل تطوّر الدول الأخرى ونموها الاقتصادي خاضعاً بطريقة غير مباشرة للإشراف الأمريكي.
ثانياً: في حال استقرار الأوضاع في العراق، فإنّ ذلك يمكّن الشركات الأمريكية من الوصول إلى ١١٢ مليار برميل من النفط، وهو الاحتياطي المعلن للبلاد، وبعضهم يشير إلى ٢٠٠ مليار برميل، ويعتبر أهم احتياطي عالمي بعد السعودية، وهذا معناه أنّ السيطرة على العراق تعني الحصول على حوالي ربع احتياطي العالم النفطي، دون أن نذكر الأرباح التي ستأتي للشركات النفطية الأمريكية بعد إنهاء مصالح الشركات النفطية الروسية والفرنسية والصينية التي كانت قائمة في العراق إبّان حكم صدّام.
ثالثاً: تعتبر كلفة إنتاج النفط العراقي من بين الأدنى في العالم (حوالي ١,٥ دولار للبرميل كحدٍّ أقصى) ، ولذلك فإنّ الأرباح هائلة، وعدا ذلك فإنّ الأهم هو الأرقام التي تتحدث عن نسبة الاحتياط ومعدلات الإنتاج إلى الاستهلاك، أي: بمعنى آخر عدد السنوات التي سيستغرقها صرف الاحتياط النفطي بمعدلات الإنتاج الحالية، وهذه النسبة لا تزيد في الولايات المتّحدة والنرويج عن ١٠ سنوات، وفي كندا تبلغ ١على ٨، وفي إيران ١ على ٥٣، وفي السعودية ١ على ٥٥، وفي الإمارات ١ على ٧٥، وفي الكويت ١ على ١١٦، وفي العراق تبلغ ١ على ٥٢٦. ويقال: إنّ آخر نقطة نفط في العالم ستكون في العراق. إذاً؛ النفط العالمي ينضب، وخلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة سيستقر إنتاج النفط، ويتّجه فيما بعد إلى الانخفاض بحدود ٥ ملايين برميل يومياً.
والعراق وحده يمتلك قدرة عالية جداً على زيادة الإنتاج بكميات كبيرة جداً. حيث يعتقد بعض المحللين أنّ العراق في حدود السنوات الخمس القادمة سيبلغ قدرة السعودية الحالية أو بحدود ١٠ ملايين برميل نفط يومياً.
رابعاً: وجود سيطرة للقوات الأمريكية على نفط العراق والخليج سيمنع حتى إمكانية التفكير في استخدام سلاح النفط سواء ضدّ أمريكا أو إسرائيل، وستكون القوات الأمريكية جاهزة في قلب الآبار النفطية للدفاع عنها وبمقربة جميع دول الخليج النفطية في حال حصل أيّ انقلاب أو تغيير للسلطة أو لأيِّ استراتيجية يمكنها أن تهدّد الآبار النفطية وإمداداتها، ويمكّن أمريكا أكثر من الضغط على (أوبك) لاستنزاف احتياطياتها من خلال الإنتاج العالي لدرجة قصوى، مع التشديد على أن يكون سعر البرميل في حدوده الوسطى إن لم تكن الدنيا.
ففي أول تعديل لقانون الطاقة الأمريكي يستهدف دولاً ذات سيادة وافق مجلس الشيوخ بشكل مبدئي يوم ٢١ / ٦ / ٢٠٠٥م على مشروع قانونٍ تحت مسمى «لا أوبك» ، يمنح وزارة العدل الأمريكية أو لجنة التجارة الاتحادية سلطة مقاضاة (أوبك) بتهمة التلاعب بالأسعار!
وقال السيناتور الجمهوري (مايك ديوين) : «إن أسعار النفط والغاز مرتفعة جداًً، وقد حان الوقت لفعل شيء بخصوص ذلك» ، وأضاف زميله الديمقراطي (هيرب كول) الذي اشترك معه في تقديم التعديل: «لو أن (أوبك) مجموعة من الشركات العالمية الخاصة ـ لا حكومات أجنبية ـ لكان تصرّفها خطة غير قانونية للتلاعب بالأسعار» .
ü الولايات المتحدة ونهب النفط العراقي:
نشر معهد «بلاتفورم» بالتعاون مع خمسة معاهد ومؤسسات أخرى غير حكومية تقريراً ضخماً في أواخر شهر تشرين الثاني ٢٠٠٥م بعنوان: (نهب ثروة العراق النفطيّة) ، وكاتب هذا التقرير هو (كريج موتيت) الذي دعّم التقرير ـ البالغ حجمه حوالي ٤٧ صفحة، والذي يتألّف من ٦ فصول واستنتاج ـ بالعديد من الأرقام والجداول والصور.
التقرير على درجة عالية وكبيرة من الأهميّة، وهو الأوّل من نوعه بهذا الحجم وبهذه الدقّة في المعلومات والأرقام. ويأتي هذا التقرير ليدعم ويؤكّد وجهة النظر السابقة للحرب على العراق والتي تقول: «إنّ الهدف من غزو العراق ـ أو على الأقل من الأهداف الدافعة لغزو العراق ـ الثروة النفطيّة» .
كما يفضح التقرير النوايا الأمريكية بشأن نهب الثروة النفطية والتعاقدات التي تمّت وتتم الآن لمصلحة هذه الشركات، ويقول التقرير: إنّه بينما يكافح الشعب العراقي من أجل تحديد وضمان مستقبله السياسي، فإنّ أهم مورد اقتصادي لديه «النفط» يتم تحديد مصيره خلف أبواب مغلقة.
ويكشف هذا التقرير عن وجود أجندة سياسية نفطية للولايات المتّحدة الأمريكية يتم التحضير لها عبر وزارة الخارجية ليتم تنفيذها في العراق بعد انتخابات شهر كانون الأول ٢٠٠٥م وبدون مناقشة عامّة وبتكاليف باهظة جداً. وتخصّص هذه السياسة معظم حقول النفط العراقية ـ التي تضم حوالي ٦٤% على الأقل من احتياطيات البلاد النفطيّة ـ لما يسمى عمليات تطوير تقوم بها شركات نفط دولية.
وتقول الدراسة: إنّ هناك خطّة بين الحكومة الأمريكية والبريطانية من جهة، ومجموعة من السياسيين العراقيين المتمكنين من جهة أخرى، على اتباع أسلوب العقود الطويلة الأجل مع الشركات النفطية، ممّا يحول دون تدخّل المحاكم والرقابة الديمقراطية على هذه العملية فيما بعد؛ لأنّها تكون قد تمّت.
وتشير الدراسة إلى أنّ التوقعات الاقتصاديّة المنشورة لأوّل مرّة في هذا النطاق تبين أنّ نماذج التطوير المقترحة ستكلّف العراق خسائر بمليارات الدولارات، في حين أنّها ستدرّ أرباحاً خيالية للشركات الأجنبية التي سيتم التعاقد معها.
وقد توصّلت هذه الدراسة إلى نتيجتين أساسيتين:
الأولى: أنّ العراق سيخسر ما بين ٧٤ إلى ١٩٤ مليار دولار طيلة فترة العقود فيما يخص أوّل اثني عشر حقلاً نفطياً يتم تطويرها فقط، وفيما لو كان سعر برميل النفط ٤٠ دولاراً في هذه الفترة. هذه التخمينات تستند إلى تقديرات محافظة تتراوح ما بين ضعفين إلى سبعة أضعاف ميزانية الحكومة العراقية الحالية.
الثانية: أنّ أرباح الشركات النفطية وعائداتها من الاستثمار في العراق في هذه العقود وبهذه الشروط ستتراوح بين ٤٢% و١٦٢%، وهو ما يزيد عن المعدّل الطبيعي للأرباح في مثل هذه الحالات والبالغ ١٢% في حدّه الأدنى في مثل هذه الاستثمارات.
تفيد هذه الدراسة أنّ عمليات خصخصة واسعة النطاق تجري في العراق، ومن ضمنها: قطاع النفط، ولكن يتم تمويه هذه المسائل وتضليل الناس بأسماء تقنية وبقضايا إعادة بناء وصيانة وتطوير.. إلخ من هذه المصطلحات، وهو ما يسمح للحكومة والمستفيدين من الشركات إنكار حصول عمليات للخصخصة. كما أشارت الدراسة إلى أنّ عمليات التطوير التي يتم الترويج لها في العراق ـ فيما يخص حقول النفط ـ والتي يدعمها شخصيات أساسية في وزارة النفط، تستند إلى عقود تسمى بـ (اتفاقيات مشاركة الإنتاج PSAS) والموجودة في الصناعة النفطية منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي، والتي يؤكّد الخبراء أنّ الهدف منها سياسي فقط؛ لأنّه ومن الناحية التقنية تبقى الاحتياطات النفطية من الناحية القانونية بيد الدولة، ولكن عملياً توازي هذه العقود عقود التنازل لشركات النفط ولها نفس النتائج.
وتؤكّد الدراسة أنّ هناك مساعي لعقد مثل هذه العقود بأسرع وقت ممكن، خاصّة أنّ الحكومة جديدة وضعيفة، والأمن في حالة مزرية، والبلد لا تزال تحت الاحتلال، ويمكن لهذه العقود غير المنصفة أن تدوم لمدة ٤٠ سنة.
وينقل المتخصص في الشؤون الاقتصادية (فيليب ثورتون) في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية عن رئيس «مؤسسة الاقتصاد الحديث» غير الحكومية (آندرو سيمس) قوله: «إنه من الواضح الآن أن بريطانيا وأمريكا مصمّمتان على السيطرة على نسبة كبيرة من احتياط النفط العالمي، مما يعني أن العراق بدلاًً من أن يدشن بداية مرحلة جديدة، وجد نفسه محصوراً في الفخ القديم للاحتلال الذي سيكلّفه الغالي والنفيس في المستقبل المنظور» .
واستناداً لبعض المحلّلين، فإن المؤسسات البترولية الكبيرة (بريتيش بتروليوم بي بي، وإكسون موبيل، وشفرون، وشيل) كانت كلها توّاقة للرجوع إلى العراق بعد أن طردهم قرار تأميم الموارد العراقية من هذا البلد سنة ١٩٧٢م، وما يؤخر رجوعهم الآن ليس سوى الحالة الأمنية. ولهذا؛ فقد حرصت الولايات المتحدة على أن تكون القوانين العراقية التي تولت الإشراف على كتابتها ملائمة لأهدافها الاقتصادية في البلد.
وقد اعتبر (أندرو سيمس) ـ مخطّطُ السياسات بمؤسسة «الاقتصاديات الجديدة» ـ محاولات واشنطن ولندن لإبرام هذا النوع من التعاقدات تأتي في إطار سعي حكومة الدولتين للسيطرة على النفط منذ بداية اكتشافه.
وأوضح أنه «خلال القرن الماضي، تسببت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في نشوب صراعات عالمية واضطرابات اجتماعية ودمار بيئي من أجل الحصول على حصة تزيد كثيراً عن حجمهما النسبي في الموارد النفطية في العالم. ويبدو الآن أنهما مصمّمتان على المضيِّ في هذا الأمر على حساب العراق» .
وأضاف أنه «بدلاًً من أن يبدأ العراق المحطَّم بداية جديدة سقط مرة أخرى في شراك حيلة احتلالية شديدة القدم» . وأنّ الدستور العراقي ـ الذي كان لأمريكا دور في صياغته والدفع باتّجاه التصويت عليه ـ قد أعطى صلاحيات واسعة لشركات النفط الأجنبية وسمح لها بتحقيق أرباح طائلة على حساب الشعب العراقي، خاصّة أن ّالدستور يعطي للدوائر والأقاليم المحليّة سلطة التعاقد مع الشركات الأجنبية، وهو الأمر الذي سيضعضع من موقفها تجاه أي شركة كبرى، فيما كان الأمر سيختلف لو كان هناك دولة واحدة تفاوض هذه الشركات، بدلاً من الأقليم!
وفي الوقت نفسه قدّم التقرير اقتراحاً بديلاً لتطوير صناعات النفط العراقية دون اللجوء إلى اتفاقات المشاركة في الإنتاج. وقال: إنه يمكن استغلال شبكة إنتاج البترول التي يمتلكها العراق والتي تعتبر معقولة ـ بالرغم مما تعرضت له من الدمار ـ واستخدام العوائد الحالية أو الاقتراض لتمويل التوسع في الإنتاج.
| المراجع:
(EIA) , (١) Energy Information Administration country analysis briefs iraq. Last updated December ٢٠٠٥.
٢ ـ نص الدستور العراقي الصادر في /٢٨ آب/ ٢٠٠٥م.
٣ ـ مقال: النفط العراقي في الاستراتيجية الأمريكية، علي حسين باكير، موقع الجزيرة. نت، بتاريخ ٣ / ٣ / ٢٠٠٦م.
(٤) Report: "Crude Designs: The Rip-Off ,published by Platform, Iraq's Oil Wealth"
November ٢٠٠٥.
(٥) US sees Iraqi Oil Production Choked For Years, Miriam Amie, Mail and Guardian
on ١٠ january ٢٠٠٦.
стр. 5773
الفرحة الدامية
عيسى العزب
نضب الكلام فما لديَّ كلامُ
والشعر كف عن الشعور فلم تعد
ودفاتري الخرساء يمضغها الأسى
فلِمَ الحياة وأحرفي منهارةٌ
ولِمَ البشاشة والدماء غزيرة
أيكون لي ثغر ضحوك باسمٌ
يا عيد معذرةً فعطرك لم يزل
أقبلت لا أدري باي تحيةٍ
أقبلت والآمال تمضغ ذاتها
أقبلت والأرض الطهورة فوقها
يا عيد إن الظلم طال ولم تزل
تغتالنا الأذناب وهي رخيصة
مسرى النبي هناك يمسح دمعه
حتى النساء رحلن عن أوطانهن
فأرامل تلقى الردى.. وعجائز
يا عيد معذرة فإن مواجعي
أنا إن نطقت فرب حرف واحدٍ
فإذا صمتُّ فلا تقل صَمَتَ الفتى
والحبر جف وماتت الأقلامُ
في مقلتيه المفردات تنامُ
مذ غاب عنها الشعر والإلهامُ
وقصائدي فوق الرصيف حطامُ
وعلى الجراح خناجر وسهامُ
وجوارحي تقتاتها الآلامُ
عبقاً تفوح بريحه الاعوامُ
أُلقي عليك.. وهل يطاق سلام؟
وبنفسها تتعثر الأحلامُ
ينمو القتال ويُعشب الإجرامُ
تمشي على أعناقنا الأقدامُ
ويذلنا ـ نحن الكرامَ ـ لئامُ
وبنهر دجلة صدمة وصِدامُ
فلا يطيب بارضهن مقامُ
نُصبت لهن على الفلاة خيامُ
شتى ولكن حولنا إعلامُ
أدلي به.. ومصيره الإعدامُ
فالصمطت في لغة الكلام كلامُ
стр. 5774
بين الشام ومكة !
جمال الحوشبي
«أشهد بالله إنه لَلنَّبيُّ الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى ﵊ براكب الحمار كبشارة عيسى ﵊ براكب الجمل، وأن العِيان ليس بأشفى من الخبر، ولكن أعواني من الحبشة قليل، فأنظِرْني حتى أكثّر الأعوان، وأُليِّن القلوب» (١) .
ها نحن نقلّب صفحاتٍ رائعة من سِفْر الولاية في تاريخ النبوات لنشهد صوراً من التقارب والتراحم بين أنبياء الله تعالى؛ وبخاصة الثلاثة العظماء من أولي العزم: موسى وعيسى ومحمد ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الذين ترسخت في التاريخ جذور دعواتهم، وامتدت لتؤثر على الأحداث العالمية إلى قيام الساعة. ومن العجب أن تتكرر المشاهد على نسق سواء في حياة هؤلاء الأنبياء الثلاثة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فما بين آلام الوحدة واليُتْم، والتغرب عن الدار، والهجرة فراراً من العدو، إلى النهايات الأليمة على أرض التيه، والرفع إلى السماء من جوار بيت لحم، وأخيراً الاحتفاء بالنهاية المشرقة السعيدة التي رفرفت أعلامها من جوار البيت الحرام.
ولكم أن تتأملوا ذلك لتجدوا أن الرسول المكي الكريم الذي خرج من بلده مهاجراً إلى يثرب يشبه إلى حد كبير الرسول الإسرائيلي الكريم الذي خرج من مصر يريد مدين، وأنه حين انزوى في غار حراء يعبد ربه كأنه ذلك الذي قصد جبل سيناء ليناجي ربه. ثم تأمل في مسير عيسى ﵊ ليرقى جبل الزيتون ويلقي موعظته الأولى وهو ينادي بني إسرائيل؛ ألم يكن يشبه محمداً ﷺ وقد ارتقى جبل الصفا لينادي معشر قريش؟ وهذا النبي العربي الذي قاتل مشركي العرب في بدر وحُنين والأحزاب وتبوك أشبه ما يكون بموسى الذي قاتل المؤابيين والعمونيين والآموريين.
إنك حين ترى محمداً حبيب الله في فناء المسجد يقضي بين الناس بالحق ويحكم بالعدل، أو في ساحات الحرب يقاتل الكفار والمشركين كأنك ترى موسى كليم الله وهو يجاهد أعداءه ويقاتل الذين يعبدون الأوثان. وحين تلمح محمداً ﷺ يعبد ربه ويتضرع إليه في خلوة عن الناس داخل حجرة مظلمة منفردة، أو يناجيه في جوف مغارة منعزلة على قمة جبل بعيد وقد أرخى الليل سدوله فكأنك ترى عيسى ﵊ وقد خلا بنفسه يوحد الله ـ تعالى ـ ويناجيه بالعبودية له. فسبحان الذي جمع بين هؤلاء الأنبياء الثلاثة ورفع منزلتهم ثم أشركهم في القَسَم الكريم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ١ ـ ٣] .
ومن بين سائر الطرق، ظل الطريق الشامي من أرض زمزم مَعْلَماً بارزاً في تاريخ النبوات وصفحاته الخالدة شاهداً على سفر كريم من أسفار الولاية بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.
ولنوغل في أعماق التاريخ لنصل إلى المنابع الأولى لروافد تلك الولاية.
\ سر الحياة:
أطل التاريخ من نافذته الأولى على أكمة جرداء في أرض الحجاز تحيط بها صحراء قاحلة لا ساكن فيها ولا أنيس، وصفير الرياح الحارقة تحت وهج الشمس لم يكن يقطّعها إلا بكاء طفل رضيع بالقرب من صخرة يكاد ظلها ينحسر عنه.
لم يكن ثمة حياة في الجوار ولا سبب من أسباب النجاة يمكن أن يتعلق به هذا الصغير؛ فهناك قِربَة ملقاة نفد منها الماء، وعلى القرب جراب خاوٍ كانت فيه بقايا من زاد. في تلك الساعة يكاد الستار يُسدَل على نهاية أليمة، بعد أن بدأ الغلام يتلبط وكأنه يصارع سكرات الموت. لم يغيِّر سكونَ المشهد إلا خيال امرأة أنهكها التعب أقبلت من بعيد صوب الغلام. وما إن دنت منه حتى ضمته إلى صدرها، وسريعاً ما تعلق بها هو الآخر.
لقد كانت أمه، وهي منذ فارقها والده من هذا الوادي المقفر ـ بأمر الله تعالى ـ لم تزل تتردد على صغيرها لتتعلق بخيط من الأمل بعد أن دب إليها اليأس من وجود سبب للحياة في ذلك المكان. غير أنها كانت واثقة بالفرج، ولما لم تطق مشاهدة صغيرها وهو يصارع الموت عادت للبحث من جديد، تعلو رابية لتنظر منها إلى الأفق، ثم تجتازها سعياً نحو رابية أخرى. وتظل تجري، لا تدري ماذا تصنع، والسكون الرهيب لا يقطعه إلا صراخ الرضيع وهو يموت موتاً بطيئاً. ولو أُذِنَ لها بالحديث في تلك الساعة العصيبة لقالت: «يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً» .
لكنَّ أُذُنَ التاريخ تلتقط الدعوة ذاتها من مكان آخر على لسان امرأة في أرض بعيدة ... وها هو التاريخ يطل من نافذته الأخرى هذه المرة على ربوة خضراء مخصبة من أرض الشام، يتدفق حولها نهر جار، وعلى الرابية نخلة باسقة، وتحتها أم شابة تصارع آلام الوضع.
وها هو المستقبل يطوى مخلفاً وراءه ما حدث هناك ... ثم يتوقف مع ذلك اللقاء الخالد في الليلة الشريفة بين النبي العربي الخاتم من ذرية الرضيع الذي أدركه العطش في صحراء الحجاز، والنبي الإسرائيلي الخاتم الذي وضعته الأم الصالحة على تلك الرابية في بيت المقدس. ومن ذلك الوادي الحجازي الموحش يتدفق ماء الحياة فتأوي الطيور وتنمو الأشجار، ويستوطن المسافرون، وتأنس تلك الأم المباركة، وتعلو منائر الإيمان، ويرتفع الأذان بالتوحيد. ومن على تلك الرابية الشامية تعود الحياة إلى القلوب الشاردة، ويتجدد تاريخ النبوات الطويل، وترتفع منائر التوحيد، ويتنزل وحي السماء من جديد.
\ عيسى ﵊ يبشر بمحمد ﷺ :
عندما نقلب صفحة من سفر الولاية بين هذين النبيين الكريمين نجد أن بشارة عيسى بظهور محمد في آخر الزمان لا تفوقها إلا بشارة محمد بعودة عيسى في آخر الزمان ـ عليهما الصلاة والسلام ـ فقد وصف كل منهما أخاه لأصحابه وصفاً يزيل عنهم الجهل به إذا ظهر؛ فعيسى ﵊ يحدّث الحواريين عن صفات (أحمد) حتى كأنهم يرونه رأي العين. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصف: ٦] ، وها هو يرفع صوته ويطوف بالناس في أرض الخليل، يعلمهم في مجالس وعظه الكثيرة ﷺ ، ويبشرهم بنبي آخر الزمان الذي يمجد الرب وينشر رسالته: «المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد» (لوقا ٢/١٤) .
«اقترب ملكوت السماء» . «وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر من بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين» (أشعيا ٢١/١٣) . «أنا أعمِّدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس» (إنجيل مَتَّى ٣/١١) .
«ظهر القُدُس على جبال فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد» (هداية الحيارى ص ٦٨) . «سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وأثر سلطانه على ظهره، واسمه أحمد» (أشعيا باب ٤٢) .
ولأن تلك البشارة كانت أشد وضوحاً من الشمس في اليوم الصائف فقد تناقل الرهبان أخبار نبي آخر الزمان، واستخرجوا علاماته الكبرى، من ظهور نجمة في السماء، وعلامات كونية تحدث يوم ولادته، وصفة خاتم النبوة بين كتفيه، والمكان الذي سيولد فيه، والغار الذي سيتعبد فيه، والدار التي يهاجر إليها، وأنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة.
كما تواردت أخبار انتصاره على أعدائه في معركة فاصلة، وفتحه لـ (فاران) ، وتحطيمه الأصنام. وفي هذه البشارات حديث عن بعض معالم الصلاة التي يأمر بها أمته، وأنها تؤدَّى بطريقة الاصطفاف، وحديث عن قبلته التي سيتوجه إليها، وإحياؤه لسُنَّة الختان، واكتمال دينه قبل موته، واتساع ملكه ليصل إلى بيت المقدس. وفي تلك البشارات حديث آخر جميل عن صفات أمته وصفات البلدة التي سيولد فيها، وسيفتحها، وأن الله سوف يحفظها من كل جبار بعد أن حرّم دخولها على العُمْيِ الذين لا يبصرون.
ومن عجيب ما ورد في صفاتها الواضحة: «تكون هناك سكة، وطريق يقال لها الطريق المقدس، لا يعبر فيها نجس، بل هي لهم ـ أي المؤمنين ـ. من سلك في الطريق لا يضل، حتى الجهال. لا يكون هناك أسد أو وحش مفترس يصعد إليها، لا يوجد هناك، بل يسلك المفديون فيها» (سفر إشعيا ٣٥/١ـ ٩) .
هذه هي مكة التي وردت البشارة بها، بلد الله العظيم التي يسلك فيها أهل الإيمان والطهر، ويُذاد عنها أهل الفجور والكفر. وفي يوم النحر الأكبر يعمرها الحجاج ويذبحون ويفْدون لله تعالى.
وأنت ترى أنها صفات واضحة لا لبس فيها، ظل يتوارثها علماء بني إسرائيل واحداً تلو الآخر ... وأسلم بسبب التحقق منها خلق كثير من النصارى، ويكفي أن تَقرأ في قصة الغلام الفارسي الباحث عن الحقيقة لتجد التطبيق العملي لهذه الولاية في تلك النفحة المباركة التي أوصلت سلمان ﵁ من أرض فارس إلى الأرض المباركة ذات النخل والحرتين التي هام بها المؤمنون من أهل الكتاب وجداً وشوقاً للقاء النبي الأمين، وتقبيل قدميه، والبكاء الحار بين يديه ﷺ ، كما فعل سلمان ﵁ حين تجلت ساعة الحقيقة أمام عينيه.
لقد بلغت هذه البشارات بمحمد ﷺ مبلغ التواتر عند بني إسرائيل حتى إن هجرات اليهود المتعاقبة من أرض الشام إلى جزيرة العرب اكتملت تماماً قبيل ميلاده ﷺ ؛ ترقباً لظهوره؛ فقد كانت البشارات به تؤكد أن مهاجره سيكون إلى أرض ذات نخل بين حرتين. ولذا استوطن نفر من القادمين اليهود أرض خيبر لكثرة مائها ونخلها، أما الكثرة الكاثرة منهم فاتجهوا صوب يثرب؛ لأنها كانت الأقرب لذلك الوصف في النبوءات القديمة. ويكفي لتأكيد هذه الولاية بين عيسى ومحمد ﵉ أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ قال: «نعم! أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى» (رواه الإمام أحمد) .
ولقد كنت أتساءل: لماذا لم تحدث هجرة مماثلة للنصارى، مع أن بشارة عيسى بمحمد ـ عليهما الصلاة والسلام ـ كانت الأظهر، ومعرفة علماء النصارى بنبي آخر الزمان كانت الأشهر؟ والإجابة عن هذا السؤال تطول، ولها مكان آخر؛ لأنها لا تنفك عن تاريخ دخول النصرانية واليهودية إلى جزيرة العرب، والصراع المرير الذي كان يدور بينهما على النفوذ الذي ارتبط دائماً بتطلع النصارى إلى اكتساح بلدان العالم، وتطلع اليهود إلى ظهور المنقذ الذي يتقوّون به على خصومهم من النصارى والعرب معاً، وهي العقدة التي لا يزال اليهود يتحركون من خلالها حتى الآن. من هنا كان اليهود الأسرع إلى نبي آخر الزمان من النصارى؛ حتى إنهم قبل بعثة النبي ﷺ بقليل كانوا يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين، ويقولون لهم: سيُبعَث نبي آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم. غير أنه لما كان الباعث لليهود على الانضمام لنبي آخر الزمان هو الظلم والرغبة في القهر والسيطرة لا الإيمان والانقياد لله ـ تعالى ـ حرمهم الله ـ تعالى ـ الانتفاع برسالته أو التشرف بالانتساب إليه.
ومن عجيب أمر الهداية أن الله ـ تعالى ـ نفع أولئك المشركين الذين كان يهددهم اليهود بتلك النبوءة بينما حرمها اليهود أنفسهم؛ ذلك أن ستة من أهل يثرب ـ كلهم من الخزرج ـ وفدوا موسم الحج في سنةً ١١ من النبوة، ورأوا رجلاً وضيئاً من أهل مكة يعرض نفسه على القبائل لينصروه حتى يُبَلّغَ رسالة ربه، فلما سمعوه التفت بعضهم إلى بعض، وأخذوا يتخافتون بينهم ويستعيدون نبوءة اليهود؛ فلما سمع النبي ﷺ الصوت أخذ يعدو إليهم حتى لحقهم وقال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: من موالي اليهود؟ أي ـ من حلفائهم ـ قالوا: نعم! قال: ألا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى! فجلسوا، فأخذ ﷺ يُعرّفهم ربهم، ويتلو عليهم القرآن، ثم دعاهم إلى الله ـ تعالى ـ فقالوا لبعضهم: تعلمون واللهِ إنه لَلنبيُّ الذي توعّدكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه. فأسرعوا كلهم إلى الإسلام، ثم وعدوه بالدعوة إلى دينه في قومهم، وتواعدوا معه اللقاء في المكان ذاته من العام القادم.
وهكذا فشا الإسلام في دور المدينة كلها، عدا دور اليهود الذين رأوا النبي ﷺ يوم وصوله المدينة وعرفوه، ثم وقفوا منه غير الموقف الذي كانوا يتباهون به من قبل. عن صفية بنت حيي ابن أخطب أنها قالت: «كنت أحبَّ ولدِ أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف قالت: غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر مُغلِسين، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالَّيْن كسلانَيْن ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع؛ فوالله ما التفت إليَّ واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟! قال: نعم والله! قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم! قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته واللهِ ما بقيت. (وفاء الوفاء: ٢٦٩) .
وقد ذم الله ـ تعالى ـ تناقضهم ذاك، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: ٨٩ ـ ٩٠] .
غير أن الأعجب من كفران اليهود بمحمد ﷺ وهم أتباع موسى ﵊ فيما يزعمون ـ ما حدث من كفران النصارى بمحمد ﷺ وهم أتباع عيسى ﵊ فيما يزعمون ـ ومن هنا تصدى رسول الله ﷺ لتلك الانتماءات الكاذبة وقال بكل وضوح إنه أوْلى بإخوانه الأنبياء من أتباعهم، فقال: «نحن أوْلى بموسى منهم» .
وقال: «أنا أوْلى الناس بعيسى بن مريم» بعد أن شهد الله ـ تعالى ـ له بأنه كذلك أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ﷺ . فاليهود مقصرون عن الحق؛ لأنهم يعلمون ولا يعملون، والنصارى غالون في الحق؛ لأنهم يعملون بلا علم، ويجتهدون في العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون، ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره: مَنْ فسد مِن علمائنا ففيه شَبَه من اليهود، ومن فسد من عبّادنا ففيه شبه من النصارى.
وبالدعوة إلى ما كان عليه أبو الأنبياء إبراهيم ﵊ من التوحيد ظل محمد ﷺ ينادي من ضل من اليهود والنصارى، ومن هؤلاء راهب النصارى في شرق الجزيرة العربية عدي بن حاتم ﵁ حيث قال يروي قصة مقدمه لرسول الله ﷺ : «أتيت رسول ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئت بغير أمان ولا كتاب؛ فلما دُفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: «إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي» . قال: فقام، فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة، فأطال الوقوف حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما يفِرُّك؟ أيفرّك أن تقول: لا إله إلا الله؟! فهل تعلمُ مِنْ إله سوى الله؟» قال: قلت: لا. ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تفرُّ أن تقول: الله أكبر؟! وهل تعلم أن شيئاً أكبر من الله؟» . قال: قلت: لا. قال: «فإن اليهود مغضوبٌ عليهم، وإن النصارى ضُلاّل» . قال: قلت: فإني حنيفٌ مسلم. فرأيت وجهه ينبسط فرحاً. (رواه الترمذي وأحمد) .
عيسى ﵊ يتبرأ من الكافرين بمحمد ﷺ :
لا عجب أن نجد القلة الباقية من النصارى المؤمنين الذين ثبتوا على دينهم، مضطهدين منبوذين غرباء طوال تلك الفترة الفاصلة بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام؛ فقد اعتزلوا قومهم، واتخذوا مساكنهم في كهوف الجبال بعد أن تسلل شياطين اليهود بمكر إلى النصرانية وتحكموا بها وحرفوا عقيدتها حتى أصبحت تناقض عقيدة التوحيد الصافية التي جاء بها عيسى ﵊ منذ اليوم الأول لولادته. ولم يتوقف اليهود عند ذلك بل دفعهم الحقد على أتباع عيسى ﵊ أن حاربوا المؤمنين الصادقين به وأتلفوا كتبهم، ولاحقوهم في كل مكان. ولهذا قال ﷺ يصف حال العالم قبل بعثته فيما يرويه عن ربه: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (رواه مسلم) . وقد مات هؤلاء ـ أو أكثرهم ـ قبيل مبعثه ﷺ .
وعلى الرغم من أن النصارى ـ حتى الآن ـ أقرب إلى الإيمان بمحمد ﷺ من اليهود؛ إلا أن الحقيقة الغائبة عن كثير من الكافرين منهم تظهر في زيف الدعاوى الإيمانية التي يبررون بها ذلك الكفر، جاهلين أن عيسى ﵊ قد أخبر الحواريين معه عن الكافرين به في حياته من اليهود الذين وقفوا ضده وأرادوا قتله، كما أخبرهم عن الكافرين به، بعد رفعه، من النصارى الذين وقفوا ضد النبي الخاتم الذي بشر به وقاتلوه، وظاهروا المشركين واليهود عليه. ومن هنا يقف التاريخ شاهداً على قلة المؤمنين بعيسى ﵊ عندما بُعث النبي الخاتم الذي بشر به، ﵊؛ حيث لم يهبَّ أحد من النصارى لنصرته عندما كان يصارع المشركين واليهود في جزيرة العرب، وحين وقفت ضده البشرية؛ لا لشيء إلا لأنه جاء مبشراً بما جاء به إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وظل يمجد الرب العظيم الذي كانوا يمجدونه من قبل.
لقد خاب الأدعياء من أتباع موسى وعيسى وانطفأ ذكرهم حين لم يهبوا لنصرة (الفاراقليط) (١) الذي سعدت به الأرض بعد شقائها، وعَزّ به أعراب الجزيرة الذين أصابتهم بركة الرب العظيم لما آمنوا برسالته، ونصروا دينه، وفَدَوْه بدمائهم وأموالهم، واستحقوا نصر الله ـ تعالى ـ وتأييده على أعدائهم من المشركين والمجوس ومن اليهود والنصارى أيضاً.
ولا أعلم نصرانياً في زمن الفترة نال شرف النية الصالحة بنصر النبي الخاتم إلا ما كان من ورقة بن نوفل بن عبد العزى ابن عم خديجة ﵂ فقد خرج من مكة إلى الشام باحثاً عن بقايا دين إبراهيم هناك؛ فلما وقف على النصرانية تنصر، وكان يكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب ويترقب ظهور نبي آخر الزمان؛ فلما بُعِثَ النبي ﷺ كان ورقة شيخاً كبيراً قد عمي؛ فلما رجع محمد ﷺ من ليلة التكريم العظيم على سفح حراء، ترجف بوادره خوفاً مما رأى وسمع، ذهبت به خديجة إلى ورقة وقالت له: أي عم! اسمع من ابن أخيك. قال ورقة: يا بن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى ﷺ ، يا ليتني فيها جذعاً ـ أي شاباً ـ. يا ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك. قال رسول الله ﷺ : «أَوَ مخرجيَّ هم؟» . قال ورقة: نعم! لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ولم يفضُل ورقة في بحثه عن الحق وحبه لرسول الله ﷺ إلا زيد بن عمرو بن نفيل ﵀ فإن له قصة في البحث عن الحقيقة لا تقل إثارة عن قصة سلمان، ﵁؛ ذلك أنه حين بلغ الشام يلتمس دين إبراهيم ﵊ وقف على اليهودية والنصرانية لكنه أعرض عنهما ولم يجد فيهما ما يطمئن إليه، فظل يضرب في الآفاق بحثاً عن ملة إبراهيم التي لم يطرأ عليها التحريف حتى ذُكر له في الشام راهب عنده علم من الكتاب، فأتاه فقص عليه أمره، فقال له الراهب: أراك تريد دين إبراهيم يا أخا مكة! قال زيد: نعم! ذلك ما أبغي. فقال: إنك تطلب ديناً لا يوجد اليوم، ولكن الحقْ ببلدك؛ فإن الله يُبْعَثُ من قومك من يجدد دين إبراهيم؛ فإذا أدركته فالتزمه. فقفل زيد راجعاً إلى مكة يحث الخطى التماساً للنبي الموعود الذي بُعث بدين الحق؛ وبينما كان زيد في بعض الطريق. وقُبيل وصوله إلى مكة خرجت عليه جماعة من الأعراب، فأخذت ما معه وقتلته قبل أن تكتحل عيناه برؤية رسول الله ﷺ . غير أنه رفع رأسه إلى السماء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ثم قال: اللهم إن كنتَ حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيداً. وبالفعل سَعِد ابنه بصحبة النبي ﷺ ونصرته.
وهكذا كانت الشام قديماً بالنسبة لأهل مكة، تماماً كما كانت مكة لبلاد العرب؛ إذ كان سائر العرب متشبهين بأهلها؛ لأن فيها بيت الله وفيها الحج، وما زالوا معظمين لها منذ زمن إبراهيم ﵊ وعلى ملته، من التوحيد والحنيفية السمحة.
ولما آلت ولاية البيت إلى خزاعة ـ قبل قريش ـ سافر زعيمها عمرو بن لحي إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقاً؛ لأن الشام كانت محل الرسل والكتب، ثم حمل معه أصناماً من الشام ورجع بها إلى مكة، ونصب (هُبَل) وجعله في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله، فأجابوه. وأهل الحجاز في دينهم تبع لأهل مكة، فتبعهم أهل الحجاز على ذلك، ظناً أنه الحق، وهكذا فشا الشرك في جزيرة العرب وظهر إلى أن بعث الله ـ تعالى ـ رسوله ﷺ ، فكانت قبلته أول الأمر صوب بيت المقدس ـ معدن النبوات، ومحل الرسالات ـ ثم تحولت بعدُ إلى مكة حيث نشأت الحنيفية، وتتابع النداء بالتوحيد للمؤمنين من أقاصي الأرض، ومن هناك ظهرت أعلام حضارة جديدة لأمة مؤمنة مباركة وليدة متصلة بموكب النبوات القديم، وخاتمة له. وأبرز ما نجد في تاريخها ذلك النصر الكبير على أعدائها والنفوذ الذي تحقق لها في ميزان القوى.
والحديثُ عن نصر الله ـ تعالى ـ لهذا النبي الكريم والمؤمنين الجدد الذين اصطفّوا معه في موكب النبوة العظيم، يجاهدون في سبيل الله ويعظمون جميع أنبيائه وكتبه ورسله حديث طويل لا غنى عن الإشارة إليه.
\ كلمة الله هي العليا:
في أواخر السنة السادسة من الهجرة أخذ رسول الله ﷺ يخاطب الملوك ويدعوهم إلى الإسلام؛ فقد أرسل إلى النجاشي عظيم الحبشة، وما إن وصل النجاشيَّ خطابُ رسول الله ﷺ حتى وضعه على عينيه، ونزل عن كرسيه ثم أسلم على يد جعفر ابن أبي طالب ﵁ الذي كان هناك مع المهاجرين. كما راسل ملك الإسكندرية؛ فما كان منه إلا أن أكرم كتاب رسول الله ﷺ وحفظه وعظّمه، ولكنه لم يسلم وإنما أرسل يقول: كنت أعتقد بأن نبياً بقي، وكنت أظنه يخرج من الشام، ثم أرسل بهدية ثمينة لرسول الله ﷺ . وبعث ﷺ إلى كسرى ملكَ فارس، فلما وصله كتابُ رسول الله ﷺ مزّقه، فدعا عليه ﷺ وقال: «مزّقَ اللهُ مُلْكه» .
وأما هرقل عظيم الروم فقد تأكد من صدق رسول الله ﷺ وتحقق من نبوته، وكاد أن يسلم، لكنه لم يفعل واكتفى بإكرام سفير رسول الله ﷺ ، وبعث معه مالاً وكسوة هدية لرسول الله ﷺ .
غير أن الشرارة الحقيقية في مسلسل الصراع مع النصارى في أرض الشام كانت حين اعترض شرحبيلُ بن عمرو الغساني ـ عامل قيصر على البلقاء ـ سفير رسول الله ﷺ وقتله ومعه رسالة رسول الله ﷺ إلى عظيم بصرى. فتأمل كيف سقطت أعظم إمبراطوريتين في ذلك الزمان بسبب هاتين الرسالتين الكريمتين بعد أن كسر الله ـ تعالى ـ شوكة المشركين بالفتح الأعظم لمكة في السنة الثامنة للهجرة، وما ذاك إلا لمكانة هذا النبي الكريم عند ربه، ونصره له.
أما سقوط الإمبراطورية الفارسية المجوسية في الشرق فقد حدث بعد أقل من سبع سنوات من تمزيق مَلِكها خطابَ رسول الله ﷺ وتهاوت قلاعها العتيدة في معركة القادسية الفاصلة على يد سعد بن أبي وقاص في السنة ١٥ هـ. ثم انساح الإسلام في الشرق حتى وصل مشارف الصين وأطراف موسكو بعد معركة نهاوند من السنة ٢١هـ على يد النعمان بن مقرن، ولذا سميت نهاوند بـ (فتح الفتوح) .
أما سقوط الإمبراطورية الرومانية فقد حدث خلال حقبة زمنية ليست بالقصيرة؛ ففي سنة (٨ هـ) عُقدت الألوية لتأديب قَتَلة الحارث الأزدي سفيرِ النبي ﷺ إلى عظيم بصرى، ولم يكن الروم معنيين بهذه المعركة بين المسلمين والخونة من عرب الشمال، وبدلاً من تدخُّل الروم للاعتذار لرسول الله ﷺ مما فعل عاملهم الغساني قرروا المخاطرة وجازفوا بدعم ذلك الخائن بكل قوة؛ وإذا بجيش المسلمين المتواضع الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف يلتقي وجهاً لوجه مع جيش قتالي منظم قوامه مائتا ألف مقاتل، نصفه من الروم، والنصف الآخر من قبائل العرب الموالية لهم في الشام. وبعد مقتل قادة المسلمين الثلاثة تمكن خالد بن الوليد من المناورة واستنقذ الجيش الصغير من مَهْلَكةٍ محقّقة.
بعد هذه المعركة غير المتكافئة بعام واحد استعد الروم وحلفاؤهم للزحف على جزيرة العرب لاكتساح دولة الإسلام الوليدة، وحشدوا أكبر قوة عسكرية على وجه الأرض في ذلك الوقت، ثم زحفوا إلى البلقاء وهي من أعمال دمشق. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ جهّز على الفور جيشاً ضخماً وتحرك به صوب تبوك على أطرف الجزيرة من جهة الشام، ثم عسكر بها أياماً حتى اندحر جيش الروم، ولم يحدث قتال نتيجة لذلك.
بعد سنة وسبعة أشهر من تلك المناورة الضخمة جهّز رسول الله ﷺ جيشاً بقيادة أسامة بن زيد، وهو ابن القائد الأول في معركة مؤتة، وأمره بأن يمتطي فرس والده وأن يوطِئَ خيلَه (البلقاء) التي وقف عندها زحف الروم الأخير، ثم أمره بأن يتجاوز بسراياه حتى يصل تخوم (الداروان) من أرض فلسطين التي كانت تمثل أطراف مملكة الروم، في رسالة واضحة لهرقل نفسه هذه المرة. ففعل أسامة، ثم عاد مظفراً لم يواجه حرباً. ولما تولى الخلافة أبو بكر ﵁ كان هو الأقدر على فهم تلك الرسالة النبوية والعمل بها، فأرسل أربعة جيوش قوية لفتح بلاد الشام. وفي شهر رجب من السنة (١٣ هـ) ـ أي بعد سنتين وأربعة أشهر من الرسالة العملية التي أوصلها جيش أسامة بن زيد إلى الروم، وخمس سنوات فقط من أول تلاحم عسكري غير متكافئ في مؤتة ـ حدثت معركة اليرموك الخالدة بقيادة خالد بن الوليد ﵁ وهزم الله ـ تعالى ـ الروم وحلفاءهم هزيمة منكرة، وفي السنة ١٥هـ بعد معركة أجنادين الفاصلة ارتحل هرقل عن بلاد الشام كلها متجهاً إلى القسطنطينية وهو يقول: عليكِ السلام يا سوريةُ، سلاماً لا لقاء بعده.
غير أن التاريخ لم يقف هناك، وكذلك الزحف الإسلامي؛ ففي عام (٨٥٧ هـ) ـ أي بعد (٨٥١) سنة من مقتل سفير رسول الله ﷺ غدراً ـ هاهي نافذة التاريخ تطل مرة أخرى، لكن هذه المرة على ضفاف (بحر مرمرة) حيث كان الزحف الكبير يتقدم باتجاه القسطنطينية خلف قائد عظيم آخر من أتباع محمد ﷺ هو محمد الفاتح، في معركة لا تقل أهمية عن تلك التي أدارها من قبلُ خالد ﵁ وأخرج بعدها هرقل عن أرض الشام. وبعد الحصار الشديد تمكن السلطان العثماني (محمد) من فتح القسطنطينية، وكسر شوكة الروم الصليبيين في قارة آسيا كلها ودحرهم باتجاه القارة العجوز. وبهذا تحققت بشارة عيسى ﵊ في انتصارات أحمد على من كفر به حين قال مبتهجاً: «يأتي من أقصى الأرض، تفرح البرية وسكانها يهللون على كل شَرَف، ويكبِّرون على كل رابية، لا يضعف ولا يُغلب، ولا يميل إلى الهوى، ولا يُسمع في الأسواق صوته، ولا يُذل الصالحين، بل يقوّي الصدِّيقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يُطفأ، ولا يخضع، حتى تثبت في الأرض حجته وينقطع به العذر، وإلى توراته ينقاد الناس» . (أشعيا ٤٢/١باعتماد النص المحقق في كتاب: الإسلام والمسيحية ٢٢٥/١) .
\ بشارة محمد بعيسى عليهما الصلاة والسلام:
بعد أن رفع الله ـ تعالى ـ عيسى ﵊ إلى السماء، وطهره من الكافرين الذين أرادوا قتله تفرق أصحابه شيعاً؛ فمنهم المؤمنون الذين اعتقدوا بنبوته وقالوا: هو عبد الله ورسوله، رفعه الله ـ تعالى ـ إليه. ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، واعتقد صلبه ليتحمل خطايا بني آدم. ومنهم من قال: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله ـ تعالى ـ مقالاتهم في القرآن، فأثنى على المؤمنين منهم ورد على الكافرين.
ومنذ ذلك اليوم والبقية المؤمنة من النصارى، ومن جاء بعدهم من أمة محمد ﷺ يتطلعون شوقاً إلى لقاء عيسى ﵊ بعد نزوله، تماماً كما ازداد شوق المؤمنين من أتباع عيسى ﵊ إلى لقاء محمد ﷺ عند ظهوره. وكما بشّر عيسى ﵊ بظهور محمد ﷺ وذكر من علامات نبوته وآثاره المباركة على الأرض؛ فقد بشّر محمد ﷺ كذلك بنزول عيسى ﵊ فذكر علاماته وكيفية نزوله من السماء، ومكان نزوله، والزمان الذي سينزل فيه، وأنه سيكون من آخر الليل قبيل السحر وجيش المسلمين مستعدون لقتال المسيح الدجال في أرض الشام. كما ذكر البركة التي ستحل على الأرض بعد نزوله ﵊.
وها هو نبينا محمد ﷺ يقول في مجلس من مجالس أصحابه: «أنا أوْلَى الناس بعيسى بن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل؛ فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلاً مربوعاً إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان مُمصّران ـ أي ثيابه فيها صفرة لكن ليست بالكثيرة ـ كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام، فيُهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويُهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمَنَةُ على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم. فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» . (رواه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة وإسناده حسن) .
وقد وصف رسول الله ﷺ بركة ذلك الزمان الذي سيكون في عهد عيسى ﵊ بوضوح فذكر أن الله ـ تعالى ـ يرسل مطراً لا يُكَنّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض وينظفها، ثم تُنبت الأرض ثمارها وتُخرج بركتها؛ حتى إن جمعاً من الناس تكفيهم الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في اللبن حتى إن البقرة الواحدة تكفي القبيلة من الناس، ويكثر المال ويعم الرخاء، ولا تبقى بين اثنين عداوة. قال ﷺ : «لتذهَبَنَّ الشحناءُ والتباغضُ والتحاسدُ، وليُدْعَوَنَّ إلى المال فلا يقبله أحد» (رواه مسلم) .
وقال ذات يوم مخاطباً أصحابه: «من لقيه منكم فليقرئه مني السلام» . وفي رسالة واضحة للمؤمنين يخبر ﷺ أن توقيت نزول عيسى ﵊ إنما يكون في ساعة حرجة من ساعات الصراع بين الحق والباطل، وأنه سوف ينزل من السماء واضعاً يديه على جناحي مَلَكين حتى يهبط على المنارة البيضاء شرقي دمشق، ثم يدخل على المسلمين وقد صفُّوا للصلاة، فيصفُّ معهم ويأمرهم بأن يكملوا صلاتهم. قال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء تكرمةَ الله هذه الأمة» . رواه مسلم.
فإذا استتب الأمن في الأرض، وظهر التوحيد، وآمن النصارى بالله ـ تعالى ـ رب موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعادت للشام نضرتها وبهجتها امتطى عيسى ابن مريم ﵊ دابته ويمم صوب مكة ملبياً. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! ليُهِلنّ ابن مريم بفج الروحاء حاجّاً أو معتمراً أو ليثِّنينَّهما ـ أي يقرن بينهما ـ» رواه مسلم.
وهكذا يُسدَل الستار على سِفْر الولاية العظيم بين هذين النبيين الكريمين على الصعيد الطاهر الذي بُعث منه نبيُّ آخرِ الزمان ﵊.
مراجع للاستزادة:
ـ هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ـ ابن القيم.
ـ الصحيح المسند من أحاديث الفتن والملاحم ـ مصطفى العدوى.
ـ الرسالة المحمدية ـ سليمان الندوي.
ـ ما يقوله الكتاب المقدس عن محمد ﷺ ـ أحمد ديدات.
ـ الإسلام والمسيحية ـ مصطفى بكري.
стр. 5775
الأرض الطيبة
أحمد أبو شاور
لم أستطع ـ بالرغم ـ مما بذلته من محاولات أن أكفَّ بصري عن النظر إلى «أبي محمود» الذي لم يتوقف طوال المحاضرة ـ التي ألقاها علينا الخبير الزراعي ـ عن تدوين الملاحظات والتعليمات التي تهمّنا كمزارعين مثابرين، يسعون بكل طاقاتهم وإمكانياتهم لزيادة الإنتاج، وتحسينه من حيث النوع.
لا أنكر ـ في تلك اللحظات تحديداً ـ أنني غبطت «أبا محمود» على صفاء ذهنه، وكمال جاهزيته واستعداده للاستفادة من هذه المحاضرة القيمة، كما لا أنكر أنني جلدت نفسي بسياط اللوم والعتاب على تقصيري وإهمالي؛ إذ لم أتزود بورقة وقلم لأدوّن بعض تلك المعلومات التي قد يأتي عليها النسيان بمجرد الخروج من قاعة المحاضرة.
هذا الأمر على بساطته أطلق العنان لخيالي ليصوّر لي ما ليس في الحسبان.. وأنه ـ ربما ـ يكون بادرة من بوادر الفشل بالفوز بجائزة الدولة لأفضل منتج زراعي احتكرته لنفسي لثلاث سنوات متتالية كان فيها «أبو محمود» أشد المنافسين لي على هذا اللقب، وكادت شطحات خيالي أن تبعدني عن أرض الواقع، وعن الاستماع للمحاضرة، إلى أن هتف بي من داخلي هاتف:
ـ ستخرج من المحاضرة بخفّي حنين يا أبا جاسر! ما دمت تشغل بالك بأوهام وخيالات لا وجود لها، بدل أن تفتح عقلك وكل مداركك فتصغي للمحاضر وتستوعب كل ما يلقى عليك وإليك من تعليمات ... وامتثلت للهاتف من داخلي، وتحاشيت النظر إلى «أبي محمود» بل إلى الناحية التي يجلس فيها، خصوصاً بعد أن تعذّر عليّ الحصول على القلم، ولو وجدته ما استحييت أن أدوّن به بعض المعلومات على باطن كفّي أو حتى على كمّ قميصي. لكي لا تفوتني واردة أو شاردة من المعلومات، التي سرعان ما بدأت أتلقفها من فم المحاضر بكل حواسِّي، ولم تنته المحاضرة إلا وقد استوضحت عن كل لبس وغموض، فخرجت منها وفي ذهني يختمر كل ما ينبغي عليّ أن أفعله بدقة، للاستفادة من كل قطرة ماء تجود بها السماء، أو أستخرجها من جوف الأرض، بالإضافة إلى كل ما يمكن عمله من احتياطات لتجنيب مزروعاتي أخطار الموجات الهوائية الباردة، وما قد تشكله من صقيع يتلف المزروعات بالكامل. وبهذا اطمأنت نفسي، واستبشرت بالفوز بالجائزة للمرة الرابعة.. وربما بمقابلة متلفزة تخرج بصيتي عن دائرة المنطقة إلى كل أنحاء القطر، كما حدث في المرّة السابقة، فأقبل عليّ التجار والسماسرة من كل الأنحاء، واشتروا إنتاجي الزراعي بأسعار عالية لم أكن أحلم بها.
بعد أيام قليلة، هطلت خلالها الأمطار الغزيرة، وتشكل في بعض لياليها الصقيع، فألحق الأذى والضرر الواسع بالمزورعات المهملة من قِبَل أصحابها، قررت أن ألتقي بـ «أبي محمود» الذي سرعان ما قادني إلى مزرعته ولسانه يلهج بالدعاء والشكر للخبير الزراعي، الذي أبعدت تعليماته شبح الصقيع عن العديد من المزارع، ومنها مزرعة أبي محمود.
كان أبو محمود يرجع بين الحين والحين إلى الورقة التي دوّن عليها تعليمات الخبير أثناء المحاضرة؛ لينظر فيها قليلاً قبل أن يعيد حديثه عن الإجراءات التي اتخذها للمحافظة على مزروعاته، بكلمات تقطر ثقةً بالنفس. وحين شرعت في مناقشته بموضوع المحاضرة، اكتشفت أنه لم يستوعب جميع المعلومات على صحتها، وأنه قد أخطأ في فهم بعض منها، وتحوّل حوارنا إلى حوار تلميذين يراجعان دروسهما وهما في طريقهما إلى الامتحان. وكدت أُصعق حين سمعته يقول:
ـ حامض النتريك ألد أعداء المزروعات.
لكنني لذت بالصمت بينما كانت نفسي تموج بأسئلة عديدة.
ـ ماذا لو أبقيت «أبا محمود» يعوم في جهله؟ لِمَ لا أتركه يتخبط في أقوال مغلوطة قد تتحول عما قريب إلى أفعال مغلوطة تضمن لي إبعاده عن طريقي كمنافس عنيد لي على جائزة الدولة، فأبقى المرشح الأوفر حظاً لنيلها؟ وكدت أستسلم لهذا النداء الخفي بداخلي، لولا أن هتف بي من داخلي هاتف آخر:
ـ لست أنت «يا أبا جاسر» الشخص الذي يرى الخطأ ولا يسعى إلى تصويبه، كيف تفعل هذا وأنت تعلم أن «الدين النصيحة» ؟ وفكّرتُ قليلاً قبل أن أقول:
ـ لكن الخبير لم يقل هذا عن حامض النتريك يا أبا محمود!
ـ فماذا قال؟
ـ قال: إنه نافع.. بل وضروري للمزروعات، واستشهد بقول رب العزة والجلالة: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٢٤] .
ـ ها أنت تقولها بلسانك: يُنزل من السماء ماء، ولم يقل حامض النتريك.
ـ ماء المطر هو الذي يحمل حامض النتريك.
ـ ومن أين جاء حامض النتريك هذا؟
ـ من النيتروجين الموجود أصلاً في الهواء.
ـ فكيف تحوّل إلى حامض مذاب في ماء المطر؟
ـ بقدرة الله الذي نظّم هذا الكون بدقة؛ فما خلق من شيء من قبيل العبث، بل اقتضته حكمته، صغر ذلك الشيء أم كبر.
ـ سبحان الله العلي العظيم، لكنك لم تجبني عن سؤالي، وهو: كيف تحوّل النيتروجين إلى حامض مذاب في الماء؟
ـ بفعل الحرارة العظيمة التي تتولد في الجو أثناء تراكم الغيوم، وحدوث عمليات التفريغ الكهربائية.
ـ ومن أين تأتي هذه الحرارة العظيمة عندما يكون الناس يرتجفون من البرد؟
ـ تتولد هذه الحرارة من تفريغ الشحنات الكهربائية التي تكون في الغيوم، والدليل على ذلك ما نراه من توهّج..
ـ أتعني البرق؟
ـ بالتأكيد «يا أبا محمود!» البرق هو الذي يصنع لنا حامض النتريك الذي لا بد منه لنمو المزروعات.
ـ سبحان الله العلي العظيم، الذي جعل البرق بعيداً عن سطح الأرض كي يقي الناس شروره.
ـ للبرق حسناته ـ أيضاً ـ غير التي ذكرتها آنفاً، فمنظره وإن كان يثير الرعب في الناس فهو يجلّي لنا فكرة عظيمة ينبغي أن لا تفارق رأس أحد منا، وهي: فكرة الاعتقاد الجازم بوحدانية الله، وعظمته في تسيير أمور كونه بحكمة بالغة.
ـ أنا أستبشر الخير برؤيتي البرق، ولا أراه إلا في الساعات التي يشتد بها هطول الأمطار.
ـ البرق أصلاً لا يحدث إلا في الغيوم المتراكمة أو «الثقال» كما وصفها القرآن الكريم.
قلتها حين كانت يد «أبي محمود» تقطف حبة برتقال، سرعان ما دفعها إليَّ وهو يقول:
ـ خذ هذه، إنها أول حبة أقطفها من النوع الحسن!
ـ تأملت حبة البرتقال التي أصبحت بيدي، وبدت بحجم زائد، لم أرَ مثيلاً لها من قبل إلا في مزرعتي النموذجية، لكنني لذت بالصمت، ولم أعقِّب، كي لا يشتمّ من كلماتي رائحة التفاخر، أو التعالي، وما أن رفعت نظري عن حبة البرتقال حتى رأيت «أبا محمود» وقد همَّ بالابتعاد، والمجرفة في يده.
ـ إلى أين يا أبا محمود؟
ـ لأخرب القناة التي حفرتها قبل أيام من سقوط المطر.
ـ حفرتها؟ أين؟
ـ بإزاء التل!
ـ لِمَ؟
ـ لكي تبعد مياه المطر الساقط على التل عن مزرعتي.
ـ أحقاً ما تقول؟
ـ أجل! لقد فعلتها اعتقاداً مني أن حامض النتريك الساقط مع الأمطار يضر بمزروعاتي.
ـ وهل تظن أنني سأنتظرك حتى تنتهي من تخريب هذه القناة وحدك.
ـ يمكنك أن تشغل نفسك بتقشير البرتقالة، والتهامها.
انتزعت المجرفة من يده، وقلت:
ـ لن أذوق طعمها، إلا بعد أن أكسب ثواباً بتخريب تلك القناة التي حرمت مزروعاتك كل ما سقط مع الأمطار من حامض النتريك.
تابعت مسيري.. على حين ظل «أبو محمود» لابثاً في مكانه وعيناه تطفحان بالسرور، وربما بدمعة شكر حائرة، لم تجد بعدُ طريقها إلى الأرض الطيبة.
стр. 5776
خطاب مفتوح إلى البابا بنديكتوس السادس عشر
د. زينب عبد العزيز
حضرة أسقف روما، والحبر الأعظم للكنيسة العالمية، وكبير أساقفة إيطاليا، والمطران الأسقفي للمقاطعة الرومية، ورئيس دولة مدينة الفاتيكان ـ ولم أذكر «بطريرك الغرب» لأنكم تنازلتم عنه.. كما لا يجوز لي إغفال لقب: رئيس مكتب عقيدة الإيمان (محاكم التفتيش سابقاً) والأستاذ المتفرغ بالجامعات الألمانية، البابا بنديكتوس السادس عشر:
السلام على من اتبع الهدى.
أبدأ بهمسة عتاب كزميلة في اللقب الجامعي ـ وهو المستوى الذي يدور في نطاقه هذا الخطاب ـ وكإنسانة مسلمة، نالها من الإهانة والمرارة والألم ما نال المسلمين في العالم أجمع مما ورد في المحاضرة التي ألقيتموها، في جامعة راتيسبون بألمانيا، تحت عنوان:
«العنف يتعارض مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح»
فمن يحمل على كاهله أمانة ومسؤولية كل هذه الألقاب، عار عليه أن يتدنى إلى مستوى السب العلني لدين يتمسك به ويتّبعه أكثر من خُمْس سكان العالم.. وعار عليه أن يختار موقف التحدي الاستفزازي للنيْل من الإسلام والمسلمين، وهو موقف يندرج بلا شك ضمن مسلسل الإساءة والمحاصرة الذي بدأ منذ بداية انتشار الإسلام ويتواصل حتى يومنا هذا؛ إنه موقف وضعكم على أرض احتقار الآخر، والكذب، والجهل، باختياركم، وكلها تشبيهات لا تليق بمن في مثل منصبكم؛ فهو موقف يكشف عن مدى جهلكم بدينكم وبدين الآخرين من جهة، ومن جهة أخرى، هو موقف أشبه ما يكون بإطلاق العنان لحملات صليبية جديدة ما أغنانا جميعاً عنها.
وتؤكد جريدة «لاكروا» النصرانية الصادرة في ١٧ / ٩ / ٢٠٠٦، أن المحاضرة قد تم الإعداد لها طويلاً، وقرأها العديد من المحيطين بكم، مثلما يحدث مع كافة النصوص العامة على الأقل. كما تؤكد الجريدة أنه منذ يوم الإثنين (١١ / ٩) و «بينما لم يكن البابا قد نطق محاضرته بعدُ، صدرت الصحف الإيطالية بعناوين حول «بنديكت السادس عشر والإسلام» وهو الأمر الذي يؤكد ربط هذه المحاضرة في هذا التوقيت بمسرحية الحادي عشر من سبتمبر.. فما أصبح معروفاً يقيناً، رغم التمويه الشديد، أن الأيادي المدبرة أمريكية رفيعة المستوى. وكان هدف المحاضرة واضحاً في ربطه بين الإسلام والإرهاب والشر.. أي أنه موقف متعمّد.
ولقد جاء ردكم وتعبيركم عن «الحزن» الذي انتابكم من ردود الأفعال التي أثارتها محاضرتكم كعذر أقبح من ذنب؛ فالباحث الأكاديمي حينما يستشهد في بحثه، يكون ذلك لأحد أمرين: إما لتأييد موقفه، وإما لنقد ذلك الاستشهاد ـ ولا يوجد هناك ما يسمى باستشهاد لا يعبر عن رأي كاتبه بالمعنى الذي حاولتم التبرير به: فالكاتب هو الذي يستشهد. وقولكم إن هذه العبارات لا تعبر عن رأيكم الشخصي، في الوقت الذي يؤكد صُلب المحاضرة وسابق كتاباتكم؛ وخاصة أن خطاباتكم كلها كتابات تؤكد أنكم تعنونه، وذلك يضعكم في مصاف أولئك الباحثين الذين يضعون أفكارهم على لسان غيرهم حتى لا تحسب عليهم خشية عواقبها، وهو موقف علمي يوصف بالجبن ولا يليق بمن في مكانتكم.
وحتى التصريح الصادر عن المكتب الإعلامي للفاتيكان يوم السبت ١٦/ ٩/ ٢٠٠٦ والذي استشهد فيه المتحدث الرسمي بقرار وثيقة «في زماننا هذا» الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثاني سنة ١٩٦٥، فهو أيضاً بمثابة عذر أقبح من ذنب، ويكشف عن الموقف الغريب والملتوي ـ لكي لا أقول ذا الوجهين للفاتيكان. فمن يطّلع على محاضر صياغة هذا النص تحديداً يصاب بالغثيان من كثرة ما جاهد كاتبوه لاستبعاد أن العرب من سلالة إسماعيل، الابن البكر لسيدنا إبراهيم، ولا ينتمون إليه، وإنما يتخذونه مثلاً، واستبعاد حتى إن الله قد خاطب المسلمين عن طريق الوحي إلى سيدنا محمد #. والمرجع صادر عن الفاتيكان بعنوان: «الكنيسة والديانات غير النصرانية» ، وبه محاضر الجلسات المخجلة؛ وهو الأمر الذي يوضح مدى تمسككم باستمرار ذلك الموقف غير الأمين تجاه الإسلام والمسلمين، لعدم الاعتراف به كديانة توحيدية. وسواء اعترفتم أو لم تعترفوا به؛ فالإسلام موجود ومعترف به من الجميع على أنه الرسالة التوحيدية الكبرى الثالثة المرسلة للبشر، ورفضه أو إنكاره لا يدين إلا شخصكم.
ولا يسع المجال هنا لتناول مختلف النقاط التي طرحتموها في تلك المحاضرة والتي تزيد عن العشرين موضوعاً، وسأكتفي بالرد على ما يخص الإسلام. وهما نقطتان أساسيتان: ما وصفتم به الله في «المذهب الإسلامي» من أن التصعيد المطلق لله عبارة عن مفهوم لا يتفق ولا يتسق مع العقل والمنطق، ولا يمكن فهمه، وأن إرادته لا ترتبط بأي واحدة من فئاتكم المنطقية، ولا حتى فئة المعقول؛ وأن محمداً ـ عليه صلوات الله ـ لم يأت إلا بكل ما هو شر وغير إنساني، مثل أمره بنشر العقيدة التي يبشر بها بالسيف.
وأول ما يجب توضيحه هنا هو أن الإسلام ليس بمذهب، كما وصفتموه، وإنما هو دين توحيدي متكامل، شامل الأركان، ثابت وراسخ، وخاصة أنه شديد المنطق والوضوح وهو ما يجذب الناس إلىه. ومجرد إغفال مثل هذه الحقيقة يصم موقفكم بالإساءة المتعمدة، ويكشف عن مدى عدم الأمانة العلمية والموضوعية التي تتمسكون بها.
ولن أحدثكم هنا عن الإسلام الذي يمكنكم دراسته إن شئتم، لكنني سأسألكم عن الكتاب المقدس لديكم بعهديه، والذي ترون أنه بقسميه القديم والجديد يتفق مع العقل والمنطق بعكس القرآن، مشيرين في موضع آخر «أن العنف يتعارض مع طبيعة الله وطبيعة الروح، وأن الله لا يحب الدم؛ والتصرف بمنافاة العقل يعد ضد طبيعة الله» . وهنا لا يسعني إلا أن أسألكم عن كل ما هو وارد بالعهد القديم من أمرِ (الإله يَهْوَهْ) لأتباعه بإبادة كل القرى وحرقها وذبح الرجال والنساء والأطفال بحد السيف وأخذ الذهب والفضة ... وفي مكان آخر يطلب تعذيبهم وتقطيعهم وحرقهم في افران الطوب ... هل تتمشى مثل هذه الآيات مع العقل والمنطق في نظركم؟ وخاصة هل ترونها تخلو من الشر وغير الإنسانية؟! أم أن هذا هو التسامح الذي تقرونه؟
وما هو وارد في (سفر حزقيال) حين يأمره الرب أن يأكل خبزاً وعليه «خراء الإنسان» وحينما اشتكى النبي حزقيال أَمَرَهُ أن يضيف عليه روث البقر! هل يتمشى هذا مع العقل والمنطق في نظركم؟! وأخجل حقاًً من ذكر بعض الإباحيات الواردة بهذا النص وغيره رغم محاولة درئها بتغييرها أو تعديلها من طبعة لأخرى.. والنصوص والطبعات المتضمنة ذلك ما تزال موجودة ومتداولة.
أما في النصرانية التي تترأسون أعلى المناصب فيها، فأبدأ بسؤالكم عن (تأليه السيد المسيح) في مجمع نيقية الأول سنة ٣٢٥م، رغم وجود العديد من الآيات التي يقول فيها السيد المسيح إن «الرب إلهنا واحد» (مرقس ١٢: ٢٩) ، «ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله» (مَتَّى ١٦: ١٩) ، «إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم» (يوحنا ٢٠: ١٧) ، «للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد» (مَتَّى ٤: ١٠) ، وما أكثر الآيات التي يوضح فيها أنه إنسان: «أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله» (يوحنا ٨:٤٠) . كما أن هناك آيات تقول: «هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل» (٢١: ١١) ، و «قد قام فينا نبي عظيم» (لوقا ٧: ١٦) .. ورغم كل هذه التأكيدات التي لا تزال موجودة ولم ُتمْحَ بعدُ، قامت المؤسسة الكنسية بإعلان أن يسوع «إله حقيقي من إله حقيقي، مولود وليس مخلوق، ومشارك للأب في الجوهر» .. وبعد ذلك جعلت الله شخصاً؛ فهل تتمشى كل هذه المغالطات مع العقل والمنطق ـ رغم أنها أدت إلى تقسيم النصرانية وإلى مذابح بين أتباعها؟!
وفي مجمع القسطنطينية الأول تمت إضافة أن «الروح القدس مشارك للأب في الجوهر» ، مما أدى إلى انفصال آخر للكنائس. وفي مجمع أفسوس سنة ٤٣١ أقر المجمع بدعة «أن مريم أم الله» مما أدى إلى معارك وانفصالات اخرى.. وفي مجمع خلقيدونيا سنة ٤٥١ أقر «الطبيعة الثنائية ليسوع» .. وكلها عقائد وقرارات لا يذكر ولا يعرف عنها يسوع أي شيء؛ فهل هذا يتمشى مع العقل والمنطق؟!
والمعروف من إصداراتكم أنه لم يتم تقبُّل عقيدة التثليث لقرون طويلة بين الكنائس، بحيث نطالع في قرار مجمع فلورنسا المنعقد سنة ١٤٣٩، الذي راح يحدد لليعاقبة معنى الثالوث لفرضه بلا رجعة، وينص القرار على ما يلي: «إن العلاقة وحدها هي التي تفرق بين الأشخاص، لكن الأشخاص الثلاثة يكوّنون إلهاً واحداً وليس ثلاثة آلهة؛ لأنهم من جوهر واحد، وطبيعة واحدة، وألوهية واحدة، وضخامة واحدة، وخلود واحد، وأن ثلاثتهم واحد؛ حيث لا تمثل العلاقة أي تعارض» وعلى الذين لا يروقهم هذا الوضوح تجيب الكنيسة: إنه سرّ! فهل مثل هذا المنطق هو الذي ترونه يتمشى مع العقل السليم؟!
لقد اعتبرتم أن نصوص الكتاب المقدس بعهده القديم، القائم على الترجمة السبعينية، وأناجيله الأربعة وباقي الكتب المرفقة، هو الكتاب الذي يعتد به؛ فهو يحتوي على الإيمان الإنجيلي وتستعينون بفكره طوال محاضرتكم بعد استبعاد القرآن. والمعروف تاريخياً أن القديس جيروم هو الذي صاغه بأمر من البابا داماز، بعد توليفه من أكثر من خمسين إنجيلاً كانت منتشرة ومستخدمة حتى القرن الرابع، وعند الفراغ من مهمته كتب مقدمة للعهد الجديد موجهاً إياها للبابا داماز يقول فيها:
من جيروم إلى قداسة البابا داماز:
تحثني على أن أقوم بتحويل عمل قديم لأخرج منه بعمل جديد، وتريد مني أن أكون حَكَماً على نُسَخ كل تلك النصوص الإنجيلية المتناثرة في العالم، وأن أختار منها وأقرر ما هي تلك التي حادت أو تلك التي هي أقرب حقاًً من النص اليوناني؟ إنها مهمة ورعة، لكنها مغامرة خطرة؛ إذ سيتعيّن عليّ تغيير أسلوب العالم القديم وأعيده إلى الطفولة. وأن أقوم بالحكم على الآخرين وهو ما يعني في الوقت نفسه أنهم سيحكمون فيه على عملي. فمن من العلماء أو حتى من الجهلاء، حينما سيمسك بكتابي بين يديه ويلحظ التغيير الذي وقع فيه، بالنسبة للنص الذي اعتاد قراءته، ولن يصيح بالشتائم ضدي ويتهمني بأنني مزوّر ومدنس للمقدسات؛ لأنني تجرأت وأضفت، وغيّرت، وصححت في هذه الكتب القديمة؟
«وحيال هذه الفضيحة، هناك شيئان يخففان من روعي: الأمر الاول: أنك أنت الذي أمرتني بذلك؛ والأمر الثاني: أن ما هو ضلال لا يمكن أن يكون حقاًً. وهو ما تقره أقذع الألسنة شراسة. وإذا كان علينا أن نضفي بعض المصداقية على مخطوطات الترجمة اللاتينية، ليقول لنا أعداؤنا أيها أصوب؛ لأن هناك من الأناجيل بعدد الاختلاف بين نصوصها. ولماذا لا يروق لهم أن أقوم بالتصويب اعتماداً على المصادر اليونانية لتصويب الأجزاء التي أساء فهمها المترجمون الجهلاء، أو بدّلوها بسوء نيّة، أو حتى قام بعض الأدعياء بتعديلها؟
«وإذا كان علينا دمج المخطوطات؛ فما يمنع أن نرجع ببساطة إلى الأصول اليونانية ونبعد بذلك عن أخطاء الترجمات السيئة أو التعديلات غير الموفقة من جانب الذين تصوروا أنهم علماء، أو الإضافات التي أدخلها الكتبة النعسانون؟ إنني لا أتحدث هنا عن العهد القديم والترجمة السبعينية باللغة اليونانية التي لم تصلنا إلا بعد ثلاث ترجمات متتالية من العبرية إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية. ولا أود أن أبحث هنا ما الذي سيقوله (أكويلا) أو (سيماك) ، أو لماذا آثر (تيودوسيان) الوسط بين المترجمين القدامى والمحدثين. لذلك سأعتمد على الترجمة التي يمكن أن يكون قد عرفها الحواريون.
«وأتحدث الآن عن العهد الجديد، المكتوب بلا شك باللغة اليونانية فيما عدا إنجيل مَتَّى الذي كان قد استعان أولاً بالعبرية لنشره في منطقة اليهودية. إن هذا الإنجيل يختلف يقيناً عن الذي بلغنا نظراً لتعدد المصادر التي استعانوا بها لتكوينه. وقد آثرت أن أرجع إلى نص أساسي، فلا أود الاستعانة بترجمات المدعوين (لوشيانوس) أو (هزيكيوس) التي يدافع عنها البعض بضراوة بغير وجه حق، اللذين لم يكن من حقهما مراجعة العهد القديم بعد ترجمة السبعينية، ولا أن يقوما بمراجعة النصوص الجديدة؛ فالنصوص الإنجيلية التي وصلتنا بلغات شعوب مختلفة توضح مدى الأخطاء والإضافات التي بها. وإذا كنت قد قمت بذلك بالنسبة للنسخ المكتوبة بلغتنا فلا بد أن أعترف بأنني لم استفد منها شيئاً» .
ذلك هو حال الكتاب الذي تعتبرونه مقدساً! وأكتفي بهذا القدر من الاستشهاد؛ لأن باقي النص متعلق بترتيب الأناجيل وتبويبها. وكان ذلك في القرن الرابع الميلادي. أي أنه حتى ذلك التاريخ لم تكن الأناجيل المعروفة حالياً قد استتب أمرها. واندلعت الخلافات بين الكنائس لمدة قرون طويلة، حتى قامت المؤسسة الكنسية الكبرى بفرض هذا الكتاب المقدس على الأتباع على أنه نص منزل و «أن مؤلفه هو الله» ، وذلك في المجمع التريدنتي سنة ١٥٤٧. ثم قام مجمع الفاتيكان الاول المنعقد في عامي ١٨٦٩ و ١٨٧٠ بإعلان أن الكتاب المقدس بعهديه «كتب بإلهام من الروح القدس، وأن مؤلفه هو الله، وأنها قد أُعطيت هكذا للكنيسة» .. أما مجمع الفاتيكان الثاني المنعقد بعد ذلك بحوالي تسعين عاماً، ظهرت خلالها من الدراسات والأبحاث التي أطاحت بمصداقية الكتاب المقدس، وهو ما جعله يعلن عن إصحاحات هذا الكتاب المقدس قائلاًً: «إن هذه الكتب وإن كانت تتضمن الناقص والباطل، فهي مع ذلك شهادات لعلم تربية إلهي حقيقي» !.. تُرى يا أيها البابا: هل هذا هو المنطق الذي ترونه حقاً ومفهوماً؟!
ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى «ندوة عيسى» التي عقدت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٩٢، حيث إن أهم ما خرج به فريق العلماء المساهمين فيها، وهم حوالي ٢٠٠ باحث لاهوتي وأكاديمي، أن ٨٢ % من الأقوال المنسوبة إلى يسوع لم يتفوه بها وإنما صاغها كَتَبَةُ الأناجيل، وأن موت يسوع وبعثه حدث في المكان وبالكيفية التي أرادها كتبة الأناجيل.. (صفحة ٢٤ من مقدمة الكتاب الصادر عن الندوة) .. وما يأسف له هؤلاء العلماء هو الجهل الشديد لدى عامة النصارى بكتابهم المقدس وخاصة بالعهد الجديد، وهو مستوى يرون أنه يصل إلى درجة الأمية! اللهم لا تعليق على ما تعتبرونه مصدراً للعقل والمنطق والإلهام!!
تقولون في خطبتكم تلك إن سيدنا محمد ﵊ لم يأت إلا بأشياء شريرة وغير إنسانية، من قبيل أمره أن يتم نشر ما يبشر به بالسيف ... لعلكم لا تجهلون أن (البابا أوربان الثاني) هو الذي أعلن قيام الحروب الصليبية باسم الرب في (مجمع كليرمونت) قائلاً: «إن الله يريدها» ، وأنه أطلق على المساهمين فيها لقب «جند يسوع» وأمرهم بوضع علامة الصليب على ثيابهم وعتادهم، ووعد بغفران ذنوبهم وإعفائهم من الضرائب، وأغدق عليهم العطايا. ويصف ذلك المؤرخ المرافق للحملة والمعروف باسم «لانونيم» قائلاً: «تم طرد المدافعين عن المدينة (القدس) بقتلهم وبترهم بالسيوف أحياء، حتى معبد سليمان، وقد وقعت مجزرة لا مثيل لها بحيث إن جنودنا كانوا يغوصون بأقدامهم في الدماء حتى عراقيبهم» ، ثم يضيف بعد ذلك قائلاً: «لعل ما أدى إلى نجاح ذلك الهجوم وغيره الانقسام الذي كان سائداً آنذاك بين المسلمين» . وعندما سادت المجاعة أيام حصار عكا كان الصليبيون يسلقون أطفال المسلمين ويأكلونهم.. أذلك هو ما يندرج تحت مسمى العقل والأعمال الإنسانية وعدم الانتشار بالسيف؟!
كما تم إنشاء محاكم التفتيش لتواكب أعمالها ولتواصل ما أُطلق عليه عصر الظلمات الذي أمتد حوالي ألف عام، بمنع الأتباع من قراءة إنجيلهم ومنع التعليم إلا على رجال الدين. والمعروف أن الحروب الصليبية لم توجه ضد المسلمين وحدهم في الأراضي المقدسة، وإنما امتدت إلى إسبانيا لتعاون في اقتلاع الإسلام، كما امتدت إلى أوروبا وجنوب شرق فرنسا لاقتلاع شعوب الكاتار والبوجوميل والفودوَا؛ لأنهم حتى ذلك الوقت (وهم نصارى) كانوا رافضين لبدعة تأليه السيد المسيح. وما تذكره المراجع التاريخية والعلمية عن عمليات التعذيب التي تفننت فيها محاكم التفتيش من حرقها الناس أحياء أو طرق عيونهم أو انتزاع ألسنتهم وهم أحياء أو دهن أرجلهم بالزيت ووضعها فوق النار بعد ربطهم حتى لا يتحركوا من أماكنهم ليصيب القارئ بالغثيان. وما كتبه القس (بارتولوميه دي لاس كازاس) عن وحشية أعمال مبشريكم، ورجال الكنيسة وجنودها عند غزوهم شعوب امريكا الجنوبية يفوق الخيال في بشاعته.. ولم يُسمح بنشر مذكراته إلا في أواخر القرن العشرين. ولا يسع المجال هنا للتحدث عن الحروب الدينية بين النصارى أنفسهم، كحرب الخمسين عاماً، والمائة عام، والمجازر المميزة كمجزرة البروتستانت المعروفة باسم (سانت بارتليمي) ولا عن سرد كيفية فرض النصرانية بالسيف على أوروبا وما جاورها أو على عدد من شعوب العالم.
وإذا ما تم حصر أعداد كل الذين تم قتلهم بأمر من الكنيسة الكاثوليكية الرومية الرسولية فإنه سيصل إلى مئات الملايين من الأبرياء، وهو ما تزخر به المراجع. فمثل هذه الأعمال تندرج تحت أي منطق في نظركم؟ أم لعلكم تباركونها لبراءتها وتسامحها النصراني؟
أيها الباحث الكبير! إن كل ما تقدم وأكثر منه بكثير هو ثابت علمياً وتاريخياً ووثائقياً، بل أكثر منه جد كثير، ولا يسع المجال هنا لذكره.. إنها مجرد شذرات.
تقولون في الفقرة الثالثة من محاضرتكم: (إن الله لا يحب الدم) ومع ذلك تصرّون على استمرار العقيدة التي تفرض على الأتباع شرب دمه وأكل لحمه عند تناول (الإفخارستيا) ومن لا يؤمن بذلك إيماناً قاطعاً بأنه يشرب دم الرب فعلاً ويأكل لحمه فعلاً يكون كافراً وملعوناً!! ومن الواضح أن هناك العديد من الأتباع الذين ينفرون من مجرد هذه الفكرة. وتفاوتت حدة الصراعات الرافضة للإفخارستيا بالمعنى الكنسي، وكان من أشهر هؤلاء (جان فيكليف) الذي أدانه مجمع كونستانس ١٤١٨ لأنه نادى بأن الخبز والنبيذ لا يتبدلان في القربان ولا يتحولان، وأن المسيح لا يوجد فعلاً بلحمه ودمه في القربان، فأدان المجمع كل مؤلفاته واتهمه بالهرطقة، وبعد موته أمر المجمع بنبش قبره لإلقاء عظامه بعيداً عن المدافن الكنسية (المجامع المسكونية، ج٢ صفحة ٨٥٩) . ثم قام مجمع لاتران بإدخال هذا الطقس الدموي ضمن عقيدة الإيمان.
وكانت آخر محاولة مبذولة لدراسة كيفية فرض فكرة أكل لحم المسيح وشرب دمه فعلياً وحقيقياً، ذلك العام الذي كرسه (البابا يوحنا بولس الثاني) في أكتوبر ٢٠٠٤ والذي أنتهى (بانعقاد السينودس) الذي أقيم من ٢ إلى ٢٣ أكتوبر ٢٠٠٥، وحضره ٢٥٦ أسقفاً من ١١٨ بلداً حول موضوع: «الإفخارستيا في الحياة والرسالة الحالية للكنيسة» ، وقد قمتم بترؤسه لوفاة البابا السابق. وتم أختيار هذا التاريخ ٢٣ أكتوبر لإنهاء أعمال المؤتمر، ليتفق مع «اليوم العالمي للتنصير» ... وهو ما يكشف عن أن عقيدة الإفخارستيا تقف عقبة في طريق عمليات التبشير التي تخوضونها وتجاهدون لتدارس كيفية فرضها.
ومن الواضح أن الإصرار على فرض هذه العقيدة بمثل هذا التشبث، هي عملية تبرير لاستمرار ضرورة وجود طبقة القساوسة التي هي وحدها تمتلك سر تحويل الخبز والنبيذ «بقدرتهم السرّية» إلى لحم ودم المسيح الذي يتعيّن على الأتباع أكله وشربه وإلا فلا يمكنهم الحصول على الخلاص! ولا نملك إلا أن نتعجّب لما تعتبرونه معقولاً ومنطقياً ويتفهمه العقل والمنطق، ولعل ذلك هو ما دفع الكاتب الفرنسي (إميل زولا) أن يقول في إحدى رواياته: «إن الحضارة الإنسانية لن تتقدم إلا إذا سقط آخر حجر من آخر كنيسة على رأس آخر قسيس» !
أنتقل بعد ذلك إلى مجمع الفاتيكان الثاني وقراراته سنة ١٩٦٥ التي تمثل خروجاً سافراً على نصوص وتعاليم العهد الجديد، والتي تمثل جزءاً كبيراً من المشكلات التي تواجه العالم حالياً. فعلى الرغم من اتهامكم اليهود في قداس كل يوم أحد بأنهم قتلة الرب، وعلى الرغم من وجود أكثر من مائة آية صريحة الوضوح في اتهامها بالعهد الجديد، نص ذلك المجمع من ضمن ما نص عليه في نصوصه المتعددة، على:
| تبرئة اليهود من دم المسيح.
| اقتلاع اليسار في عقد الثمانينيات (من القرن العشرين) .
| اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم، وإن كانت هذه التوصية بدأت بعبارة هي «توصيل الإنجيل لكل البشر» .
| إعادة تنصير العالم.
| توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما.
| فرض المساهمة في عملية التنصير على كافة المسيحيين الكنسيين منهم والمدنيين، وهي أول سابقة من نوعها.
| استخدام الكنائس المحلية في عمليات التنصير، وهو الأمر الذي يضع الأقليات النصرانية في البلدان التي يعيشون فيها في موقف عدم الأمانة أو الخيانة الوطنية لصالح التعصب الكنسي.
| فرض بدعة الحوار، كوسيلة لكسب الوقت حتى تتم عملية التنصير بلا مقاومة تذكر.
| إنشاء لجنة الحوار.
| إنشاء لجنة خاصة بتنصير العالم.
لن أطلب منكم تقييم قرارات هذا المجمع من حيث العقل والمنطق، أو من حيث الشرور وغير الإنسانية التي تمخضت عنها، فهي ليست بحاجة إلى تقييم، إنها تجأر بنفسها؛ لكنني سأضيف أن البابا يوحنا بولس الثاني كان قد وعد بتبديل وتغيير سبعين نصاً من نصوص الأناجيل لتتمشى مع مسلسل التنازلات التي تقدمونها للصهاينة. وللحق لا أعرف إن كان قد تمكن من إتمام ذلك قبل وفاته أم سيقع عليكم الوفاء بهذا الوعد.
ومن بين كل القرارات السابقة لن أعلق إلا على نقطة بدعة الحوار بين الأديان، لأستشهد ببعض النماذج الكاشفة من الوثائق الفاتيكانية:
| أخطر ما يمكن أن يوقف الحوار: أن يكتشف من نحاوره نيتنا في تنصيره.
| من أهم عقبات الحوار ما قمنا به في الماضي ضد الإسلام والمسلمين، وأخيراً، فقد أضيفت الآن (قضية إسرائيل) وموقف الغرب منها، ونحن كنصارى نعرف ما هي مسؤوليتنا حيال هذه القضبة.
| ضرورة القيام بفصل المسيحية في حد ذاتها عن العالم الغربي ومواقفه المعادية والاستعمارية؛ فالمسلم لم ينس ذلك بعد.
| إن الحوار الصحيح يرمي إلى تجديد كل فرد بالارتداد الباطني والتوبة، اعتماداً على الصبر والتأني والتقدم خطوة خطوة وفقاً لما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا.
| يتعيّن على النصارى أن يساعدوا مؤمني العقائد الأخرى على التطهر من تراثهم الديني لتقبل عملية الارتداد.
| إن أعضاء الديانات الأخرى مأمورون بالدخول في الكنيسة من أجل الخلاص.
| الحوار يعني فرض الارتداد والدخول في سر المسيح.
| إن (الكرسي الرسولي) يسعى إلى التدخل لدى حكام الشعوب والمسؤولين عن مختلف المحافل الدولية، أو الانضمام إلىهم بإجراء الحوار أو حضهم على الحوار لمصلحة المصالحة وسط صراعات عديدة.
وأكتفي بهذا القدر القليل من غثاء جد كثير لأسأل غبطتكم: هل مثل هذا التعامل غير الأمين وغير الإنساني هو ما تعتبرونه مقبولاً من العقل والمنطق؟!
وهنا تجدر الإشارة إلى خطابكم الأول «الله محبة» ولا يسع المجال لتناوله بالتفصيل؛ فقد أفردتُ له مقالاً آنذاك بعنوان «تنازلات على نغمة المحبة» ! ومن أهم ما يجب الإشارة إلىه اعتباركم أن اليهود والنصارى وحدهم هم الذين يعبدون الله الحقيقي!! ثم قيامكم بالربط بين الإسلام والانتقام والكراهية والعنف باسم الله، وأن الكنيسة الكاثوليكية وحدها هي التي عليها أن تسود العالم، وكم من التنازلات الممجوجة التي قدمتمونها للصهاينة، وهو ما يؤكد أن استشهادكم في المحاضرة لم يكن من قبيل المصادفة وإنما تقصدونه؛ لأنه يمثل رأيكم الدائم.
ولا يسعني عند نهاية خطابي المفتوح هذا إلا أن أسألكم: يصر الفاتيكان على أن رسالته هي تنصير العالم، وهو يبذل قصارى جهده وبكافة الوسائل الصريحة والملتوية لتحقيق ذلك، بل لا يكف عن حث الكنائس الأخرى وتوحيدها لاستخدامها في عملية التنصير، ولقد تم فرض هذا الموقف على الأتباع وعلى الكنائس المحلية في كل مكان بزعم أن هذا هو الوسيلة الوحيدة للتصدي للمد الإسلامي، كما تم استصدار القوانين الأمريكية الترويعية لتنفيذ ذلك.. غير آخذين في الاعتبار أن ذلك تحديداً هو ما يشعل الفتن ويولد العنف دفاعاً عن الذات وعن الدين وعن الهوية؛ فما عساكم فاعلين بتلك الدويلة الدينية العنصرية التي ساعد الفاتيكان على تثبيتها ظلماً وعدواناً وانتزاع الأرض من أصحابها لقوم لا حق لهم فيها وفقاً للنصوص؟ بل ما عساه فاعلاً بهذه الدويلة العنصرية التي يعد إنشاؤها خروجاً سافراً على دينه وتعاليمه ـ وهناك من الأبحاث اللاهوتية ما تؤكد أنه لا حق لهم شرعاً في هذه الأرض، وذلك من قبيل رسالة (الأب لاندوزي) ؟ ولا نسخر حين نتساءل بكل مرارة وألم:
تُرى، هل سيقوم سيادة البابا بتنصير اليهود، أم أن الفاتيكان هو الذي سيتهوّد؟! أليست دعوتكم الظالمة هي تنصير العالم؟!
إن من يحمل على كاهله مثل هذا التاريخ الملطخ بالدماء، ومثل هذا التراث القائم على التزوير والتحريف، ويقوم بمثل هذه السقطة الاستفزازية وسب الإسلام والمسلمين عن عمد، فلا يجب عليه الاعتذار الواضح فحسب وإنما يجب عليه التنحي عن مثل هذا المنصب. وهو أقل ما يجب عليه أن يفعله إن كانت هناك أمانة علمية أو دينية.
стр. 5777
بريئون أمام شاشة غير بريئة
رائد حماد
في الوقت الذي تشتدُّ فيه الهجمة على الإسلام بحجّة الحرب على الإرهاب، ويضيق فيه على بوادر الصحوة الإسلامية التي تنشر نورها في جميع أنحاء العالم، تطلُّ علينا بعض القنوات العربية الفضائية بمجموعة من البرامج؛ لتساهم في المعركة الدائرة بين أُمّة الإسلام ومن يناصبونها العداء، ولتكون في الصف المعادي، إذ تعمل هذه البرامج ـ التي تعتمد اعتماداً كلياً على مخاطبة الغرائز والعواطف ـ على زعزعة القيم الإسلامية في نفوس المشاهدين، جاعلةً من الرقص والمجون والاختلاط مضماراً للتنافس بين مجموعة من الشباب والشابات، وشاغلةً بذلك مئات الآلاف من أبناء الأمة في مشاهدتها والمشاركة فيها، عبرَ تصويتهم لاختيار نجم الضّياع في هذه المجموعة، وهو من يعتقدون أنه الأفضل في الرقص والمجون!
وتتضاعف خطورة هذه البرامج عندما تتجمَّع الأُسرة حول الشاشة ليشترك الآباء والأمهات والأبناء في مشاهدتها، ناهيكَ عن المشاركة فيها بالتصويت. ويُعتبر الأطفال والمراهقون أكثر الفئات تضرّراً من مشاهدتها؛ لصغر سنِّهم واندفاعهم، وذلك بسبب قدرة هذه البرامج على التأثير على قيمهم وشخصياتهم وسلوكهم.
انتشرت في الآونة الأخيرة برامج تلفزيون الواقع، وبخاصة القنوات الفنية وغيرها من الفضائيات، وهي برامج تعتمد على الواقعية والطبيعية في التصوير وتسلسل الأحداث، فهي لا تحتاج إلى إعداد ولا تحضير، ويطلق عليها أيضاً برامج النجوم، إذ يتم تجميع عدد من الشبّان والشابات بعد اجتيازهم امتحانات في الرقص والغناء في مدرسة موسيقية داخلية، فيعيشون هناك حياة مشتركة، ويتم تصوير كل لحظات حياتهم، وأسوأ ما في الأمر أنها حياة عادية طبيعية وليست تمثيلاً، الأمر الذي يضاعف من تأثيرها على مشاعر الفتية والمراهقين، فتتولّد في داخلهم الرغبة في أن يكونوا مثلهم، وأن يعيشوا تجربتهم، وهنا يكمن الخطر من هذه البرامج.
يستطيع الأشخاص البالغون والذين يملكون القدرة على السيطرة على تصرفاتهم أن يدّعوا أنهم يشاهدون هذه البرامج من باب الفضول، أو لقتل الوقت، أو كما تقول بعض النساء لتشاهد الملابس وقصات الشعر، ويمكنهم الادِّعاء كذلك أن هذه المشاهدة لا تؤثر على سلوكهم وقيمهم، على اعتبار أنهم لا يزالون يؤدّون الصلاة ويتمسكون بالحجاب ويرفضون الاختلاط، متناسين أن مجرد المشاهدة معصية، وأن ارتكاب المعصية دون إحساس بذنب والعمل على تبريرها هو بداية التأثير.
وتقول الطالبة «إحسان» من الجامعة الإسلامية في غزة: إن هذه البرامج غير هادفة، وتعمل على انسلاخ الأمة عن عاداتها وتقاليدها وإبعادها عن قيم الإسلام، وتجعلنا دائماً في ذيل القافلة.
أما «أحمد» الطالب في قسم الإعلام في جامعة الأقصى فيقول: على القائمين على الإعلام في هذه القنوات أن يتقوا الله في الأمة، وفي توجيه إعلامهم المسموم بدلَ مسابقات الرقص والمجون، لماذا لا يُوجَّه إعلامنا إلى محاربة الفساد، ونشر دعوة الإسلام، وتوجيه النشء إلى الصواب؟!
إنَّ تمسُّك الآباء والأمهات بل وحرصهم الشديد على متابعة هذه البرامج يشجِّع الأبناء من أطفال ومراهقين على مشاهدتها، هذا بالإضافة إلى حثِّ أصدقائهم وزملائهم على المشاهدة وتصبح حديث الساعة، والدعوة إلى تقليدهم في الملابس وقصَّات الشعر وتعليق صورهم في غرف النوم. ولا يتوقف تأثير هذه البرامج عند حدود التأثير على القيم وزعزعتها، بل يتعدّاها إلى التأثير السافر على مشاعر الأطفال والمراهقين، عبرَ تركيزهم على إثارة الغرائز الجنسية لدى المشاهدين.
ü كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته:
إن الأطفال والمراهقين لا يملكون الوعي الكافي الذي يمكِّنهم من مقاومة ما تتعرض له عقولهم من تشويش، ومشاعرهم وقيمهم من إفساد، فهم يتعاملون مع جهاز التلفاز ببراءة، ويقدمون على مشاهدة ما تشاهده الأسرة، فحتى لو قرّرت الأسرة منع أطفالها من مشاهدة هذه البرامج فإنها لن تتمكن من ذلك، ما دامت الأم تشاهدها أو الأب يتابع أحداثها.
فعلى الآباء والأمهات أن ينبِّهوا أولادهم من خطر هذه البرامج الساقطة وتأثيرها على القيم والعادات التي شدّدت على التحلّي بها شريعة الإسلام. إن المنع والتعتيم لا يفيد كثيراً في تعديل سلوك الطفل أو المراهق، لذا يجب على الأسرة أن تقوم بحملة مضادة تعزّز فيها قيم أبنائها، وتوضح فيها سخافة هذا الطرح في وقت تتراكم فيه المسؤوليات المعطّلة على كاهل أبناء الأمة الإسلامية، وأن تحثّه على متابعة قضايا الأمة، وأن تعزِّز في داخله الوازع الديني، وأن تنمّي علاقته بالله وأن هناك جنةً وناراً.
وعلى الدعاة إلى الله، وعلى المثقفين من أبناء هذه الأُمّة، أن يقوموا بحملة مضادة ضدّ هذه البرامج المشبوهة.
إن أبناءنا أمانة في أعناقنا، ونحن مسؤولون عن تربيتهم أمام الله، فهل نعي خطر المسؤولية الملقاة على عواتقنا؟
стр. 5778
صور من الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية
أ. د. مصطفى رجب
يتفاخر بعض الأكاديميين العرب بأنه تلقى علومه، ونال عليا شهاداته من جامعات الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وتشعر في حديث هذا النفر من الأكاديميين بنبرة التعالي والتفاخر، من خلال أسلوبه في الحديث، وحركات يديه ووجهه، كأنه وُلد لأبوين أمريكيين وجدين هولنديين، ولا علاقة له بأهله العرب المسلمين. ولا خلاف مع أمثال هؤلاء المستلَبين ثقافياً على أن الجامعات الغربية تهتم بدراسة الإسلام؛ فهذه حقيقة لا شك فيها، ولكن الشك كله يحيط «بدوافع» تلك الدراسات. فما الذي يبحث عنه الباحثون في الجامعات الغربية وهم يدرسون الإسلام في أبحاثهم العلمية؟ هل تكون لديهم آراء مسبَّقة يريدون تدعيمها بنتائج بحوث معتمدة بأختام كبريات جامعاتهم لتغدو كأنها حقائق؟ هل يبحثون فعلاً عن الحقيقة بقلوب وعقول فارغة من أية أحكام مسبقة؟
في السطور التالية سأحاول ـ من خلال استعراض عدد من تلك الدراسات ـ فَهْمَ نظرة الغرب للإسلام والمسلمين كما تعكسها الدراسات الأكاديمية في بعض الجامعات الغربية:
أولاً: الاهتمام بأحوال تنصير المسلمين (١) :
اهتم بعض الباحثين بدراسة أحوال المسلمين المرتدين عن دينهم، وأوضحت دراسة قدمها (سوراجارامان) للحصول على درجة EDD من (مدرسة الثالوث اللاهوتي البروتستانتية) عام ١٩٩٣م، وتقع في ١٧١ صفحة تناول ما أسماه بـ (الخبرات المتطورة للمسلمين المتحولين إلى النصرانية) .
وسعى الباحث في هذه الدراسة للتعرف على أحوال المسلمين المتحولين للنصرانية من خلال اختيار عينة من ثلاثين رجلاً وامرأة تنصروا من مسلمي ولاية إلينويز Illinoys الأمريكية. وقابلهم الباحث مقابلات شخصية، وقد راعى الباحث بعض المعايير عند إجراء مقابلاته مع هؤلاء المفحوصين منها:
١ ـ أن تتوفر لديهم قدرة على التحدث والتفاهم باللغة الإنجليزية.
٢ ـ أن يوافقوا على إجراء هذه الدراسة عليهم ويعلموا بأهدافها المعلنة (المغلفة بعبارات طنانة مثل: التقارب، والتفاهم الأفضل ... إلخ) .
٣ ـ أن يكون منهم ممثلون لمناطق جغرافية مختلفة، فكان منهم أفراد من آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط.
وقدم الباحث لهذه العينة قائمة موضوعات مرتبة أبجدياً ليجيبوا عنها، وفي نهاية دراسته توصل إلى عدد من النتائج نعرضها فيما يلي بالطريقة التي عرضها بها صاحب الدراسة:
١ ـ اتضح من النتائج أن العلاقات بين المسلمين والنصارى مهمة لبناء ثقة متبادلة وتفاهم متبادل من خلال الصداقات والتواد العائلي.
٢ ـ يجب أن يتعاون المسلمون والنصارى في الانفتاح بعضهم على بعض، وعقد ندوات مفتوحة لمناقشة بعض الأمور المتعلقة بالإنجيل والقرآن.
٣ ـ التعاون النصراني الإسلامي مطلوب من أجل مصلحة الطرفين.
ويبدو من هذه النتائج أن أداة البحث التي وزعت على عينة المفحوصي ن لم تكن محايدة، وإنما اختيرت عباراتها بذكاء شديد لتسمي (الاستهواء) تعاوناً، و (الاستقطاب) تفاهماً مشتركاً.
إن الباحث حين تحدث عن أسباب تحول المسلمين إلى النصرانية ركز على (المعاناة) بوصفها أحد الأسباب التي دعت للتنصر، كما أشار الباحث إلى قيام المجتمع النصراني بتلقف هؤلاء المتنصِّرين وتوفير الراحة، والمأوى، والنصيحة لهم، بعد نبذ عائلاتهم المسلمة لهم إثر ارتدادهم عن دينهم.
وركزت نتائج البحث على ما يعانيه المتنصرون من مشكلات تتعلق بعائلاتهم المسلمة السابقة وعلاقاتهم بها، وعلى الضغوط التي يتعرضون لها من السلطات الإسلامية بنوعياتها المختلفة.
وقد أوصى الباحث الكنائس بتوجيه دراسات تتعلق بالتخطيط التعليمي لاستقطاب المزيد من المسلمين لكي يتنصروا، وتدريب النصارى على مهارات إنشاء علاقات مع المسلمين القابلين للاستهواء، وتوجيه دراسات نحو المعاناة الناجمة عن التحول للنصرانية ومحاولة تذليلها.
وبالجملة: فإن مثل هذه الدراسة تهدف ـ بوضوح ـ إلى تقديم يد العون لهؤلاء المسلمين المرتدين وتخفيف معاناتهم.
ثانياً: دراسة ارتباط الدين بالسياسة في المجتمعات النامية (١) :
ومما يهتم به الباحثون في الجامعات الغربية، العلاقة بين الدين والسياسة، ولا سيما السياسة الخارجية، في عدد من كبريات الدول النامية.
فقد قدم الباحث (أوليوفولا جيمي ادجوكن) رسالته للدكتوراه إلى جامعة هارفارد الأمريكية عام ١٩٩١م في ٢٨١ صفحة حول (تأثير الدين في السياسة الخارجية النيجيرية) حيث قام الباحث بتحليل المعلومات التي حصل عليها من الوثائق الحكومية والمقالات الصحفية والمقابلات الشخصية مع عدد من الشخصيات المسؤولة في الحكومة والتي تنتمي إلى الديانتين الكبريين في نيجيريا وهما: الإسلام والنصرانية.
وعند حديثه عن الإسلام كان الباحث يشير كثيراً إلى ما أسماه: «ارتباط المتدينين بالجماعات التي لها المعتقدات نفسها خارج نيجيريا» وكأنه يريد أن يقول: إن المسؤولين الحكوميين غير منتمين لمصالح دولتهم بقدر ما هم منتمون لدينهم، ومن ثم فإن السؤالين الكبيرين اللذين قامت عليهما الدراسة هما:
١ ـ هل يعكس الانقسام النصراني ـ الإسلامي في نيجيريا خلافاً عرقياً؟
٢ ـ ما درجة تأثير الجماعات الدينية الخارجية على سياسة نيجيريا الخارجية؟
ومن النتائج العجيبة التي توصلت إليها هذه الدراسة هو أن النصارى الذين يتركزون في جنوبي البلاد يصدِّقون أن (إسرائيل) دولة نصرانية! أو أنه أوعز إليهم بهذا.
ولا يشترط أن يكون الباحثون في مثل هذه الموضوعات من الغربيين؛ فقد يوجه الأساتذة طلابهم المسلمين المبتعَثين إلى دراسة موضوعات تلبي حاجات الأساتذة وأجهزة الاستخبارات التي يعملون لصالحها. فلا ينكر أحد أن كثيراً من الجامعات الغربية تتيح نتائج بحوثها لمن يطلبها من الأفراد، ولأي هيئة تطلبها ما دامت تدفع التكاليف.
وقد يكون من هذا النوع رسالة الدكتوراه التي تقدم بها محمد نور مونتي (١) إلى جامعة تمبل ١٩٩٠م وتقع في ٤٥١ صفحة وتدرس (التغير الاجتماعي في ماليزيا المعاصرة) وبالرغم من هذا العنوان، فإن اهتمام الدراسة انصب على التنظيم الطلابي المؤثر الذي نشأ في ماليزيا ١٩٧١م تحت اسم (جمعية الطلاب المسلمين الوطنية) والتي يرمز لها بالحروف (A.B.I.M) ومدى قدرة هذا التنظيم على التأثير في قرارات الحكومة الماليزية داخلياً وخارجياً؛ فقد اهتم الباحث بمحاولة استكشاف توجهات وقرارات الحكومة الماليزية خلال سنوات طويلة ومدى تأثر تلك التوجهات والقرارات بجماعة الـ (A.B.I.M) بوصفها جماعة ضغط لها تأثيرها في الأوساط الشبابية خاصة، وفي الحياة بمجالاتها المختلفة بعامة.
ثالثاً: الاهتمام بدراسة أوضاع المرأة المسلمة:
إن الغرب يدرك تماماً الدور الخطير المنوط بالمرأة في بناء المجتمعات، ومن ثم فإن هناك اهتماماً متزايداً بتوجيه الدراسات نحو المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية، أو غير الإسلامية (الأقليات المسلمة) .
ففي دراسة الدكتوراه التي قُدِّمت من الباحثة دينا إسحق جراح ١٩٩٠م عن المرأة الفلسطين ية: (وضع ودور المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية) (٢) أشارت نتائج الدراسة إلى تأثير الدين على الاتجاهات الثقافية والفلسفات الاجتماعية، والعلاقات بين الأجناس المختلفة، وبعد أن درست الباحثة تعليم المرأة الفلسطينية وتاريخها توصلت في نتائجها إلى أن العادات الاجتماعية والدين هما السبب في الاضطهاد الاجتماعي للمرأة!
في حين اهتمت دراسة أخرى للدكتوراه في جامعة إلينويز للباحثة لوسي آني والي عام ١٩٩٣م بدراسة الأوضاع المجتمعية لنساء إحدى مناطق أندونيسيا في غرب سومطرة؛ حيث ركزت الباحثة على نساء الطبقة الوسطى من المجتمع من خلال فئتين تناولتهما بالبحث وهما: المسلمات اللاتي يعملن بحرف بسيطة وهن غير متزوجات، ومسلمات أخريات يعملن كمعلمات في مدارس إسلامية داخلية للبنات.
وقد أثبتت الدراسة أن النساء في أندونيسيا ـ كما تُظهرهن عينة الدراسة ـ يحافظن على الالتزام بأحكام الإسلام وآدابه في سلوكهن وعاداتهن اليومية، لكن في النهاية كما وصفتهن الباحثة في عنوان دراستها: تقيات ومنتجات (٣) .
ومن العروض الموجزة السابقة نستطيع أن نستنتج ما يلي:
١ ـ أن الجامعات الغربية تعمل كوكالات لأجهزة الاستخبارات أعلنت ذلك أم لم تعلن، قصدت ذلك أم لم تقصده. فمن المستبعد أن يكون اختيار موضوعات البحوث يتم بشكل عشوائي كما هو الحال في الجامعات العربية والإسلامية التي يعاني البحث العلمي فيها من النمطية والتكرار والسطحية في كثير من الأحوال.
٢ ـ أن الطلاب المبتعثين إلى تلك الجامعات من الدول النامية يعانون حالة من الاستلاب الثقافي يجعلهم ـ تحت تأثير الانبهار الحضاري ـ أبواقاً للثقافة الغربية يروجون لها، ويخدمون قضاياها أعلنوا ذلك أم لم يعلنوه، قصدوا ذلك أم لم يقصدوه.
٣ ـ أن موضوعات البحوث حول الإسلام تدور في عدة محاور تستهدف في النهاية إما التنديد بالإسلام والزراية عليه والحط من شأنه كدين، وإما خدمة قضايا التنصير والتهويد.
стр. 5779
الرؤية عند الأديب المسلم
يحيى بشير حاج يحيى
بادئ ذي بدء نقول: إن الرؤية الإسلامية ـ كما نتصورها ـ لا بد فيها من أربعة أمور:
أولها: الفهم الواعي لدور الإسلام في الحياة.
وثانيها: معرفة التيارات الوافدة قديماً وحديثاً.
وثالثها: الاهتمام بقضايا المسلمين.
ورابعها: الالتزام الذي ينبع من الإيمان العميق.
وثمة سؤال: هل الرؤية هذه مجرد عاطفة تنطلق في المناسبات؟ أم هي عملية تقويمية تنطلق من خلال الإسلام، وتنظر بمنظاره؛ فتُخَطِّئ وتصوب وتمجِّد؟
إنّ ممّا تمتاز به الرؤية عند الأديب المسلم أنها منطلق مبدئي، والتزام أخلاقي. فهي ليست ـ على سبيل المثال ـ بكاء على المظلومين، ولا دعوة إلى إنصاف المحرومين؛ ثم البحث عن حياة خاصة، ولو كانت في بروج الظالمين.
وهي رؤية تتسم بالصدق مع النفس والواقع، وحب الخير، والإيمان باستمرار الصراع بين الحق والباطل، وانتصار الحق أخيراً، والأخذ بالأسباب، والحنين إلى الماضي المجيد واستلهامه، والإفادة من تجاربه.
وهي ليست موقفاً انعزالياً، ولكنها مخالطة ومعاناة وإحساس بما يجري، ومحاولة جادة لتوجيهه وتقويمه.
وهي إيمان بالحل الإسلامي لقضايا الحياة والإنسان، وقد أثبتت التجارب أن الإسلام هو الحل، بعد أن أخفقت كل الحلول المستوردة.
وهي أخْذ بالمنظار الإيماني في التعامل مع المدنية الوافدة، فتأخذ منها وتدع بما يتوافق مع مقتضى هذا الإيمان. وهي ليست نظرة قُطْرِيّة تعُنى بقُطْرٍ دون آخر، فحيثما حَلَّ المسلمون فثمة الهم.
وهي بالنسبة للماضي؛ ليست مجرد نظرة إلى تراث مجيد، ولكن تراث لجيل فريد، والتعمق في تجارب الذين اتبعوهم بإحسان، فاقتربوا أو ابتعدوا عن المنهج بحسب التزامهم به.
وهي ليست إعجاباً بفرد، وإن كانت البطولة في التعالي على ضروريات الحياة وقمع هوى النفس مما يهز الوجدان المسلم، ولا إعجاباً بتجربة، ثم الوقوف عندها، دون مقارنة لها بما عند الآخر.
وهي بالنسبة للحاضر؛ تتمثل في الدعوة إلى الالتزام بالإسلام، وتقديمه منهجاً للحياة، وتبيين أحقية هذا الدين في حكم الحياة وسياسة المجتمع. ثم هي لفت لأنظار الغافلين إلى المآسي التي يجرها البعد عن الإسلام، وذلك بتقديم صورٍ للمآسي المعاصرة، وتوضيح لتداعي الأعداء على مختلف توجهاتهم ضد المسلمين.
وهي بالنسبة للمستقبل؛ تتمثل في يقين الأديب المسلم أنّ المستقبل لهذا الدين، وفي النظرة المتفائلة لما ستؤول إليه نتيجة الصراع مع الباطل، وأن تجارب التاريخ البعيد والقريب تؤكد أن المستقبل للإسلام؛ وهي بذلك موقف استشرافي للآتي.
وإذا قلنا في البداية بأنها: ليست عاطفة، ولا حديثاً عن المناسبات؛ فليس معنى ذلك أن ننفيهما، ولكن قصدنا أن العاطفة وحدها لا تكفي، وأن الحديث عن المناسبات دون استلهامها لا يؤدي المقصود. مع يقيننا بأن العاطفة من أخص خصائص العمل الأدبي، وأن الذين ينقطعون عن تاريخهم يعيشون غراساً ليس لها جذور، منبتة في أرض من الرمال.
стр. 5780
هذا عيدنا
إبراهيم بن صالح الدحيم
عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر» (١) ، وعن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ، وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما» فلما غفل غمزتهما فخرجتا (٢) ، وفي رواية: «يا أبا بكر! إن لكل قوم عيداً؛ وهذا عيدنا» (٣) .
وأذن النبي ﷺ للسُّودان أن يلعبوا بالدَّرق والحِراب في مسجده، وقال لعائشة: «تشتهين تنظرين؟» قالت: نعم! فأقامني وراءه، خدّي على خدّه وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة!» (٤) ، وفي رواية: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة» (٥) .
ما هي النظرة الصحيحة للعيد؟ وماذا يجب أن يكون عليه المسلم في العيد؟
هذا ما أرجو أن تكون الإجابة عليه في هذه الكلمات اليسيرة. وحتى نلمّ شعث الحديث ونجمع شتاته نعرض له في عدة قضايا:
القضية الأولى: العيد تأكيد لتميز المسلم عن المشرك والكافر، واستغنائه بالشرع المبارك عن عادات الشعوب البائدة وتقاليد الأمم الماضية: «قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر» ، «هذا عيدنا» نعم! هذا عيدنا، خير مما هم فيه من اللهو واللعب مع الغفلة والإعراض، أما عيدنا فهو مزيد اتصالٍ بالله؛ فهو نفحة قدسية ورحمة إلهية. نفتتحه بالتكبير والذِّكر والصلاة والشكر لله على تمام عدة الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . [البقرة: ١٨٥]
القضية الثانية: خرج النبي ﷺ من مكة متخفّياً، حتى إذا وافاه العيد في المدينة لم يشأ أن يقتل البسمة أو يرضَّ الشفاه أو يطبق الأفواه، بل أعلن فرحة العيد، وأظهر سروره به مع أنه يلاقي ما يلاقي من كيد الأعداء ومكرهم؛ لكنها العزائم القوية والنفوس الكبيرة؛ حيث تجد متسعاً للفرح برحمة الله وفيضه وإن عظمت فيها الجراح وتتابعت عليها الضربات.
أليس يهزّك الفرح حين تسمع بانتصار المسلمين في مكان مع أن جراحاتهم في أماكن أخرى لا زالت ملتهبة، ودماءهم لا زالت نازفة؟ بل إن المسلمين يفرحون في الغَزاة الواحدة بالنصر الذي يحرزونه، مع أنهم قدّموا في الغَزاة نفسها دماءً وأشلاء.. نقول ذلك لأناس يريدون منا أن نرضَّ شفاهنا ونقتل في نفوسنا كل فرحة، ونطفئ كل بسمة، يريدون أن تتحول أفراحنا إلى مناحات - وإن كان ذلك منهم عن حسن نية - لكن هدي النبي ﷺ أتم وأكمل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ، لسنا نريد من وراء هذا الكلام أن تُنسى الجراح التي يعيشها إخواننا في أصقاع المعمورة، لكن نريد أن نفرح بفضل الله ورحمته: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] .
إن التزام المسلم للحزن والكآبة كلَّ حين من شأنه أن يُقعد النفوس عن العمل، وأن يوقف الدم عن الحركة، والذهن عن الفكر، فلا نستطيع بذلك أن نحرز نصراً، أو نشبع جوعة، أو نغيث لهفة، وإنما نزيد الطين بلّة، ونضع ضغثاً على إبَّالة (١) . قال ابن مسعود ﵁: «أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أُكره عمي» (٢) ويقول أبو الدرداء ﵁: «إني لأستجمُّ نفسي بالشيء من الباطل - غير المحرم - فيكون أقوى لها على الحق» (٣) .
القضية الثالثة: في مشروعية الفرح بالعيد في هذين اليومين بعثٌ للأمل في الأمة، وإحياء للتفاؤل فيها، فَفَرْحة العيد تلقي في روعنا أن أيام الحزن مهما امتدت سيأتي بعدها يوم فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، سيأتي يوم تشرق الدنيا بعزِّ الإسلام وعلوّ أهله؛ فالعسر يتبعه اليسر، والشدة يتلوها الفرج، وبعد الحزن يأتي الفرح.
يأتي العيد فنفرح وتشرق نفوسنا بالأمل، ونتعلم من هذا الفرح أن أمتنا لا زالت قوية متينة؛ فهي تستطيع أن تفرح مع أنها مثخنة بالجراح، وسيأتي يوم تُشفى من جراحها وتضاعف فرحتها بالعيد.
إن تكبيرنا في العيد يملأ نفوسنا اعتزازاً، ونؤمن أنه ليس من أحد أكبر من الله ولا أقوى منه (وهو الكبير المتعال) . ونحن المكبرون جند الله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده؛ والعاقبة للمتقين.
إنه الأمل المشرق كلما أشرق العيد.. فأبشروا وأمّلوا فعُمر الإسلام أطول من أعمارنا، وأُفقه أوسع من أوطاننا، وما كان لعدو أن يحيط بالإسلام فيطفئ نوره: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] .
القضية الرابعة: العيد فاصل ضروري في حياة المسلم، يُرَوِّح به عن نفسه من ثقل العمل المتتابع الجاد، ليعود إلى الجادة مرة أخرى أجود ما يكون وأكمل رغبة ونشاطاً. إلا أن هذا الترويح الذي يزاوله المسلم في العيد لا يصح أن يخرج به عن حدود الشرع، وأن يوقعه في الأَشَر والبطر فيضل ويخزى.
- لا يصلح أن تلهينا فرحة العيد فنغفل في زحمتها عن ذكر الله وعن الصلاة.
- ولا يصح أن يكون فرحنا بالعيد على حساب أذية الآخرين وإلحاق الضرر بهم، لا في أبدانهم ولا أولادهم ولا ممتلكاتهم ولا سياراتهم، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً» (٤) .
- لا يصح أن تتحول فرحة العيد إلى غناء ماجن وسهرات راقصة، أو جلسات غنائية لاغية يُستجلب بها غضب الله بعد أن كان الناس يتقلبون في روضات رضاه، فنكون كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]
- لا يصح أن يكون العيد فرصة اختلاط بين الرجال والنساء، أو تكشّف وسفور وغزل ممقوت؛ والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] . ويقول ـ أيضاً ـ: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
قال بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت مع سفيان ﵀ يوم العيد فقال: «إن أول ما نبدأ به يومنا هذا غض البصر» (٥) .
- لا يصح أن نبذّر في العيد تبذيراً، في موائد ينقطع منها البصر، أو مسابقات تذهب الممتلكات وتوقع النفس في الحسرات. إنه حين يتحول العيد إلى مثل هذه التصرفات المنحرفة والأحوال الغافلة فإنها تصبح بذلك مجالس لهو ولعب وغفلة لا يجوز للمسلم أن يسهم فيها أو يمتّع ناظريه بحضورها؛ لأن الله حكم وقضى فقال: ﴿وَإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . ولأن جلوسك مع الغافلين ولو للفرجة فيه إعانة على الباطل. عن ابن مسعود ﵁ أنه دُعي إلى وليمة فلما جاء ليدخل سمع لهواً فرجع، فقيل له في ذلك، فقال: «من كثَّر سوادَ قوم فهو منهم، ومن رضي عملَ قوم كان شريكاً لمن عمله» (٦) .
هذا عيدنا ـ أهلَ الإسلام ـ ذكرٌ ودعاءٌ، وأُنْسٌ وصفاء، وروح وهناء، وحب ووفاء، وعلو وأمل.