← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

خطاب مفتوح إلى البابا بنديكتوس السادس عشر د. زينب عبد العزيز حضرة أسقف روما، والحبر الأعظم للكنيسة العالمية، وكبير أساقفة إيطاليا، والمطران الأسقفي للمقاطعة الرومية، ورئيس دولة مدينة الفاتيكان ـ ولم أذكر «بطريرك الغرب» لأنكم تنازلتم عنه.. كما لا يجوز لي إغفال لقب: رئيس مكتب عقيدة الإيمان (محاكم التفتيش سابقاً) والأستاذ المتفرغ بالجامعات الألمانية، البابا بنديكتوس السادس عشر: السلام على من اتبع الهدى. أبدأ بهمسة عتاب كزميلة في اللقب الجامعي ـ وهو المستوى الذي يدور في نطاقه هذا الخطاب ـ وكإنسانة مسلمة، نالها من الإهانة والمرارة والألم ما نال المسلمين في العالم أجمع مما ورد في المحاضرة التي ألقيتموها، في جامعة راتيسبون بألمانيا، تحت عنوان: «العنف يتعارض مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح» فمن يحمل على كاهله أمانة ومسؤولية كل هذه الألقاب، عار عليه أن يتدنى إلى مستوى السب العلني لدين يتمسك به ويتّبعه أكثر من خُمْس سكان العالم.. وعار عليه أن يختار موقف التحدي الاستفزازي للنيْل من الإسلام والمسلمين، وهو موقف يندرج بلا شك ضمن مسلسل الإساءة والمحاصرة الذي بدأ منذ بداية انتشار الإسلام ويتواصل حتى يومنا هذا؛ إنه موقف وضعكم على أرض احتقار الآخر، والكذب، والجهل، باختياركم، وكلها تشبيهات لا تليق بمن في مثل منصبكم؛ فهو موقف يكشف عن مدى جهلكم بدينكم وبدين الآخرين من جهة، ومن جهة أخرى، هو موقف أشبه ما يكون بإطلاق العنان لحملات صليبية جديدة ما أغنانا جميعاً عنها. وتؤكد جريدة «لاكروا» النصرانية الصادرة في ١٧ / ٩ / ٢٠٠٦، أن المحاضرة قد تم الإعداد لها طويلاً، وقرأها العديد من المحيطين بكم، مثلما يحدث مع كافة النصوص العامة على الأقل. كما تؤكد الجريدة أنه منذ يوم الإثنين (١١ / ٩) و «بينما لم يكن البابا قد نطق محاضرته بعدُ، صدرت الصحف الإيطالية بعناوين حول «بنديكت السادس عشر والإسلام» وهو الأمر الذي يؤكد ربط هذه المحاضرة في هذا التوقيت بمسرحية الحادي عشر من سبتمبر.. فما أصبح معروفاً يقيناً، رغم التمويه الشديد، أن الأيادي المدبرة أمريكية رفيعة المستوى. وكان هدف المحاضرة واضحاً في ربطه بين الإسلام والإرهاب والشر.. أي أنه موقف متعمّد. ولقد جاء ردكم وتعبيركم عن «الحزن» الذي انتابكم من ردود الأفعال التي أثارتها محاضرتكم كعذر أقبح من ذنب؛ فالباحث الأكاديمي حينما يستشهد في بحثه، يكون ذلك لأحد أمرين: إما لتأييد موقفه، وإما لنقد ذلك الاستشهاد ـ ولا يوجد هناك ما يسمى باستشهاد لا يعبر عن رأي كاتبه بالمعنى الذي حاولتم التبرير به: فالكاتب هو الذي يستشهد. وقولكم إن هذه العبارات لا تعبر عن رأيكم الشخصي، في الوقت الذي يؤكد صُلب المحاضرة وسابق كتاباتكم؛ وخاصة أن خطاباتكم كلها كتابات تؤكد أنكم تعنونه، وذلك يضعكم في مصاف أولئك الباحثين الذين يضعون أفكارهم على لسان غيرهم حتى لا تحسب عليهم خشية عواقبها، وهو موقف علمي يوصف بالجبن ولا يليق بمن في مكانتكم. وحتى التصريح الصادر عن المكتب الإعلامي للفاتيكان يوم السبت ١٦/ ٩/ ٢٠٠٦ والذي استشهد فيه المتحدث الرسمي بقرار وثيقة «في زماننا هذا» الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثاني سنة ١٩٦٥، فهو أيضاً بمثابة عذر أقبح من ذنب، ويكشف عن الموقف الغريب والملتوي ـ لكي لا أقول ذا الوجهين للفاتيكان. فمن يطّلع على محاضر صياغة هذا النص تحديداً يصاب بالغثيان من كثرة ما جاهد كاتبوه لاستبعاد أن العرب من سلالة إسماعيل، الابن البكر لسيدنا إبراهيم، ولا ينتمون إليه، وإنما يتخذونه مثلاً، واستبعاد حتى إن الله قد خاطب المسلمين عن طريق الوحي إلى سيدنا محمد #. والمرجع صادر عن الفاتيكان بعنوان: «الكنيسة والديانات غير النصرانية» ، وبه محاضر الجلسات المخجلة؛ وهو الأمر الذي يوضح مدى تمسككم باستمرار ذلك الموقف غير الأمين تجاه الإسلام والمسلمين، لعدم الاعتراف به كديانة توحيدية. وسواء اعترفتم أو لم تعترفوا به؛ فالإسلام موجود ومعترف به من الجميع على أنه الرسالة التوحيدية الكبرى الثالثة المرسلة للبشر، ورفضه أو إنكاره لا يدين إلا شخصكم. ولا يسع المجال هنا لتناول مختلف النقاط التي طرحتموها في تلك المحاضرة والتي تزيد عن العشرين موضوعاً، وسأكتفي بالرد على ما يخص الإسلام. وهما نقطتان أساسيتان: ما وصفتم به الله في «المذهب الإسلامي» من أن التصعيد المطلق لله عبارة عن مفهوم لا يتفق ولا يتسق مع العقل والمنطق، ولا يمكن فهمه، وأن إرادته لا ترتبط بأي واحدة من فئاتكم المنطقية، ولا حتى فئة المعقول؛ وأن محمداً ـ عليه صلوات الله ـ لم يأت إلا بكل ما هو شر وغير إنساني، مثل أمره بنشر العقيدة التي يبشر بها بالسيف. وأول ما يجب توضيحه هنا هو أن الإسلام ليس بمذهب، كما وصفتموه، وإنما هو دين توحيدي متكامل، شامل الأركان، ثابت وراسخ، وخاصة أنه شديد المنطق والوضوح وهو ما يجذب الناس إلىه. ومجرد إغفال مثل هذه الحقيقة يصم موقفكم بالإساءة المتعمدة، ويكشف عن مدى عدم الأمانة العلمية والموضوعية التي تتمسكون بها. ولن أحدثكم هنا عن الإسلام الذي يمكنكم دراسته إن شئتم، لكنني سأسألكم عن الكتاب المقدس لديكم بعهديه، والذي ترون أنه بقسميه القديم والجديد يتفق مع العقل والمنطق بعكس القرآن، مشيرين في موضع آخر «أن العنف يتعارض مع طبيعة الله وطبيعة الروح، وأن الله لا يحب الدم؛ والتصرف بمنافاة العقل يعد ضد طبيعة الله» . وهنا لا يسعني إلا أن أسألكم عن كل ما هو وارد بالعهد القديم من أمرِ (الإله يَهْوَهْ) لأتباعه بإبادة كل القرى وحرقها وذبح الرجال والنساء والأطفال بحد السيف وأخذ الذهب والفضة ... وفي مكان آخر يطلب تعذيبهم وتقطيعهم وحرقهم في افران الطوب ... هل تتمشى مثل هذه الآيات مع العقل والمنطق في نظركم؟ وخاصة هل ترونها تخلو من الشر وغير الإنسانية؟! أم أن هذا هو التسامح الذي تقرونه؟ وما هو وارد في (سفر حزقيال) حين يأمره الرب أن يأكل خبزاً وعليه «خراء الإنسان» وحينما اشتكى النبي حزقيال أَمَرَهُ أن يضيف عليه روث البقر! هل يتمشى هذا مع العقل والمنطق في نظركم؟! وأخجل حقاًً من ذكر بعض الإباحيات الواردة بهذا النص وغيره رغم محاولة درئها بتغييرها أو تعديلها من طبعة لأخرى.. والنصوص والطبعات المتضمنة ذلك ما تزال موجودة ومتداولة. أما في النصرانية التي تترأسون أعلى المناصب فيها، فأبدأ بسؤالكم عن (تأليه السيد المسيح) في مجمع نيقية الأول سنة ٣٢٥م، رغم وجود العديد من الآيات التي يقول فيها السيد المسيح إن «الرب إلهنا واحد» (مرقس ١٢: ٢٩) ، «ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله» (مَتَّى ١٦: ١٩) ، «إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم» (يوحنا ٢٠: ١٧) ، «للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد» (مَتَّى ٤: ١٠) ، وما أكثر الآيات التي يوضح فيها أنه إنسان: «أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله» (يوحنا ٨:٤٠) . كما أن هناك آيات تقول: «هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل» (٢١: ١١) ، و «قد قام فينا نبي عظيم» (لوقا ٧: ١٦) .. ورغم كل هذه التأكيدات التي لا تزال موجودة ولم ُتمْحَ بعدُ، قامت المؤسسة الكنسية بإعلان أن يسوع «إله حقيقي من إله حقيقي، مولود وليس مخلوق، ومشارك للأب في الجوهر» .. وبعد ذلك جعلت الله شخصاً؛ فهل تتمشى كل هذه المغالطات مع العقل والمنطق ـ رغم أنها أدت إلى تقسيم النصرانية وإلى مذابح بين أتباعها؟! وفي مجمع القسطنطينية الأول تمت إضافة أن «الروح القدس مشارك للأب في الجوهر» ، مما أدى إلى انفصال آخر للكنائس. وفي مجمع أفسوس سنة ٤٣١ أقر المجمع بدعة «أن مريم أم الله» مما أدى إلى معارك وانفصالات اخرى.. وفي مجمع خلقيدونيا سنة ٤٥١ أقر «الطبيعة الثنائية ليسوع» .. وكلها عقائد وقرارات لا يذكر ولا يعرف عنها يسوع أي شيء؛ فهل هذا يتمشى مع العقل والمنطق؟! والمعروف من إصداراتكم أنه لم يتم تقبُّل عقيدة التثليث لقرون طويلة بين الكنائس، بحيث نطالع في قرار مجمع فلورنسا المنعقد سنة ١٤٣٩، الذي راح يحدد لليعاقبة معنى الثالوث لفرضه بلا رجعة، وينص القرار على ما يلي: «إن العلاقة وحدها هي التي تفرق بين الأشخاص، لكن الأشخاص الثلاثة يكوّنون إلهاً واحداً وليس ثلاثة آلهة؛ لأنهم من جوهر واحد، وطبيعة واحدة، وألوهية واحدة، وضخامة واحدة، وخلود واحد، وأن ثلاثتهم واحد؛ حيث لا تمثل العلاقة أي تعارض» وعلى الذين لا يروقهم هذا الوضوح تجيب الكنيسة: إنه سرّ! فهل مثل هذا المنطق هو الذي ترونه يتمشى مع العقل السليم؟! لقد اعتبرتم أن نصوص الكتاب المقدس بعهده القديم، القائم على الترجمة السبعينية، وأناجيله الأربعة وباقي الكتب المرفقة، هو الكتاب الذي يعتد به؛ فهو يحتوي على الإيمان الإنجيلي وتستعينون بفكره طوال محاضرتكم بعد استبعاد القرآن. والمعروف تاريخياً أن القديس جيروم هو الذي صاغه بأمر من البابا داماز، بعد توليفه من أكثر من خمسين إنجيلاً كانت منتشرة ومستخدمة حتى القرن الرابع، وعند الفراغ من مهمته كتب مقدمة للعهد الجديد موجهاً إياها للبابا داماز يقول فيها: من جيروم إلى قداسة البابا داماز: تحثني على أن أقوم بتحويل عمل قديم لأخرج منه بعمل جديد، وتريد مني أن أكون حَكَماً على نُسَخ كل تلك النصوص الإنجيلية المتناثرة في العالم، وأن أختار منها وأقرر ما هي تلك التي حادت أو تلك التي هي أقرب حقاًً من النص اليوناني؟ إنها مهمة ورعة، لكنها مغامرة خطرة؛ إذ سيتعيّن عليّ تغيير أسلوب العالم القديم وأعيده إلى الطفولة. وأن أقوم بالحكم على الآخرين وهو ما يعني في الوقت نفسه أنهم سيحكمون فيه على عملي. فمن من العلماء أو حتى من الجهلاء، حينما سيمسك بكتابي بين يديه ويلحظ التغيير الذي وقع فيه، بالنسبة للنص الذي اعتاد قراءته، ولن يصيح بالشتائم ضدي ويتهمني بأنني مزوّر ومدنس للمقدسات؛ لأنني تجرأت وأضفت، وغيّرت، وصححت في هذه الكتب القديمة؟ «وحيال هذه الفضيحة، هناك شيئان يخففان من روعي: الأمر الاول: أنك أنت الذي أمرتني بذلك؛ والأمر الثاني: أن ما هو ضلال لا يمكن أن يكون حقاًً. وهو ما تقره أقذع الألسنة شراسة. وإذا كان علينا أن نضفي بعض المصداقية على مخطوطات الترجمة اللاتينية، ليقول لنا أعداؤنا أيها أصوب؛ لأن هناك من الأناجيل بعدد الاختلاف بين نصوصها. ولماذا لا يروق لهم أن أقوم بالتصويب اعتماداً على المصادر اليونانية لتصويب الأجزاء التي أساء فهمها المترجمون الجهلاء، أو بدّلوها بسوء نيّة، أو حتى قام بعض الأدعياء بتعديلها؟ «وإذا كان علينا دمج المخطوطات؛ فما يمنع أن نرجع ببساطة إلى الأصول اليونانية ونبعد بذلك عن أخطاء الترجمات السيئة أو التعديلات غير الموفقة من جانب الذين تصوروا أنهم علماء، أو الإضافات التي أدخلها الكتبة النعسانون؟ إنني لا أتحدث هنا عن العهد القديم والترجمة السبعينية باللغة اليونانية التي لم تصلنا إلا بعد ثلاث ترجمات متتالية من العبرية إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية. ولا أود أن أبحث هنا ما الذي سيقوله (أكويلا) أو (سيماك) ، أو لماذا آثر (تيودوسيان) الوسط بين المترجمين القدامى والمحدثين. لذلك سأعتمد على الترجمة التي يمكن أن يكون قد عرفها الحواريون. «وأتحدث الآن عن العهد الجديد، المكتوب بلا شك باللغة اليونانية فيما عدا إنجيل مَتَّى الذي كان قد استعان أولاً بالعبرية لنشره في منطقة اليهودية. إن هذا الإنجيل يختلف يقيناً عن الذي بلغنا نظراً لتعدد المصادر التي استعانوا بها لتكوينه. وقد آثرت أن أرجع إلى نص أساسي، فلا أود الاستعانة بترجمات المدعوين (لوشيانوس) أو (هزيكيوس) التي يدافع عنها البعض بضراوة بغير وجه حق، اللذين لم يكن من حقهما مراجعة العهد القديم بعد ترجمة السبعينية، ولا أن يقوما بمراجعة النصوص الجديدة؛ فالنصوص الإنجيلية التي وصلتنا بلغات شعوب مختلفة توضح مدى الأخطاء والإضافات التي بها. وإذا كنت قد قمت بذلك بالنسبة للنسخ المكتوبة بلغتنا فلا بد أن أعترف بأنني لم استفد منها شيئاً» . ذلك هو حال الكتاب الذي تعتبرونه مقدساً! وأكتفي بهذا القدر من الاستشهاد؛ لأن باقي النص متعلق بترتيب الأناجيل وتبويبها. وكان ذلك في القرن الرابع الميلادي. أي أنه حتى ذلك التاريخ لم تكن الأناجيل المعروفة حالياً قد استتب أمرها. واندلعت الخلافات بين الكنائس لمدة قرون طويلة، حتى قامت المؤسسة الكنسية الكبرى بفرض هذا الكتاب المقدس على الأتباع على أنه نص منزل و «أن مؤلفه هو الله» ، وذلك في المجمع التريدنتي سنة ١٥٤٧. ثم قام مجمع الفاتيكان الاول المنعقد في عامي ١٨٦٩ و ١٨٧٠ بإعلان أن الكتاب المقدس بعهديه «كتب بإلهام من الروح القدس، وأن مؤلفه هو الله، وأنها قد أُعطيت هكذا للكنيسة» .. أما مجمع الفاتيكان الثاني المنعقد بعد ذلك بحوالي تسعين عاماً، ظهرت خلالها من الدراسات والأبحاث التي أطاحت بمصداقية الكتاب المقدس، وهو ما جعله يعلن عن إصحاحات هذا الكتاب المقدس قائلاًً: «إن هذه الكتب وإن كانت تتضمن الناقص والباطل، فهي مع ذلك شهادات لعلم تربية إلهي حقيقي» !.. تُرى يا أيها البابا: هل هذا هو المنطق الذي ترونه حقاً ومفهوماً؟! ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى «ندوة عيسى» التي عقدت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٩٢، حيث إن أهم ما خرج به فريق العلماء المساهمين فيها، وهم حوالي ٢٠٠ باحث لاهوتي وأكاديمي، أن ٨٢ % من الأقوال المنسوبة إلى يسوع لم يتفوه بها وإنما صاغها كَتَبَةُ الأناجيل، وأن موت يسوع وبعثه حدث في المكان وبالكيفية التي أرادها كتبة الأناجيل.. (صفحة ٢٤ من مقدمة الكتاب الصادر عن الندوة) .. وما يأسف له هؤلاء العلماء هو الجهل الشديد لدى عامة النصارى بكتابهم المقدس وخاصة بالعهد الجديد، وهو مستوى يرون أنه يصل إلى درجة الأمية! اللهم لا تعليق على ما تعتبرونه مصدراً للعقل والمنطق والإلهام!! تقولون في خطبتكم تلك إن سيدنا محمد ﵊ لم يأت إلا بأشياء شريرة وغير إنسانية، من قبيل أمره أن يتم نشر ما يبشر به بالسيف ... لعلكم لا تجهلون أن (البابا أوربان الثاني) هو الذي أعلن قيام الحروب الصليبية باسم الرب في (مجمع كليرمونت) قائلاً: «إن الله يريدها» ، وأنه أطلق على المساهمين فيها لقب «جند يسوع» وأمرهم بوضع علامة الصليب على ثيابهم وعتادهم، ووعد بغفران ذنوبهم وإعفائهم من الضرائب، وأغدق عليهم العطايا. ويصف ذلك المؤرخ المرافق للحملة والمعروف باسم «لانونيم» قائلاً: «تم طرد المدافعين عن المدينة (القدس) بقتلهم وبترهم بالسيوف أحياء، حتى معبد سليمان، وقد وقعت مجزرة لا مثيل لها بحيث إن جنودنا كانوا يغوصون بأقدامهم في الدماء حتى عراقيبهم» ، ثم يضيف بعد ذلك قائلاً: «لعل ما أدى إلى نجاح ذلك الهجوم وغيره الانقسام الذي كان سائداً آنذاك بين المسلمين» . وعندما سادت المجاعة أيام حصار عكا كان الصليبيون يسلقون أطفال المسلمين ويأكلونهم.. أذلك هو ما يندرج تحت مسمى العقل والأعمال الإنسانية وعدم الانتشار بالسيف؟! كما تم إنشاء محاكم التفتيش لتواكب أعمالها ولتواصل ما أُطلق عليه عصر الظلمات الذي أمتد حوالي ألف عام، بمنع الأتباع من قراءة إنجيلهم ومنع التعليم إلا على رجال الدين. والمعروف أن الحروب الصليبية لم توجه ضد المسلمين وحدهم في الأراضي المقدسة، وإنما امتدت إلى إسبانيا لتعاون في اقتلاع الإسلام، كما امتدت إلى أوروبا وجنوب شرق فرنسا لاقتلاع شعوب الكاتار والبوجوميل والفودوَا؛ لأنهم حتى ذلك الوقت (وهم نصارى) كانوا رافضين لبدعة تأليه السيد المسيح. وما تذكره المراجع التاريخية والعلمية عن عمليات التعذيب التي تفننت فيها محاكم التفتيش من حرقها الناس أحياء أو طرق عيونهم أو انتزاع ألسنتهم وهم أحياء أو دهن أرجلهم بالزيت ووضعها فوق النار بعد ربطهم حتى لا يتحركوا من أماكنهم ليصيب القارئ بالغثيان. وما كتبه القس (بارتولوميه دي لاس كازاس) عن وحشية أعمال مبشريكم، ورجال الكنيسة وجنودها عند غزوهم شعوب امريكا الجنوبية يفوق الخيال في بشاعته.. ولم يُسمح بنشر مذكراته إلا في أواخر القرن العشرين. ولا يسع المجال هنا للتحدث عن الحروب الدينية بين النصارى أنفسهم، كحرب الخمسين عاماً، والمائة عام، والمجازر المميزة كمجزرة البروتستانت المعروفة باسم (سانت بارتليمي) ولا عن سرد كيفية فرض النصرانية بالسيف على أوروبا وما جاورها أو على عدد من شعوب العالم. وإذا ما تم حصر أعداد كل الذين تم قتلهم بأمر من الكنيسة الكاثوليكية الرومية الرسولية فإنه سيصل إلى مئات الملايين من الأبرياء، وهو ما تزخر به المراجع. فمثل هذه الأعمال تندرج تحت أي منطق في نظركم؟ أم لعلكم تباركونها لبراءتها وتسامحها النصراني؟ أيها الباحث الكبير! إن كل ما تقدم وأكثر منه بكثير هو ثابت علمياً وتاريخياً ووثائقياً، بل أكثر منه جد كثير، ولا يسع المجال هنا لذكره.. إنها مجرد شذرات. تقولون في الفقرة الثالثة من محاضرتكم: (إن الله لا يحب الدم) ومع ذلك تصرّون على استمرار العقيدة التي تفرض على الأتباع شرب دمه وأكل لحمه عند تناول (الإفخارستيا) ومن لا يؤمن بذلك إيماناً قاطعاً بأنه يشرب دم الرب فعلاً ويأكل لحمه فعلاً يكون كافراً وملعوناً!! ومن الواضح أن هناك العديد من الأتباع الذين ينفرون من مجرد هذه الفكرة. وتفاوتت حدة الصراعات الرافضة للإفخارستيا بالمعنى الكنسي، وكان من أشهر هؤلاء (جان فيكليف) الذي أدانه مجمع كونستانس ١٤١٨ لأنه نادى بأن الخبز والنبيذ لا يتبدلان في القربان ولا يتحولان، وأن المسيح لا يوجد فعلاً بلحمه ودمه في القربان، فأدان المجمع كل مؤلفاته واتهمه بالهرطقة، وبعد موته أمر المجمع بنبش قبره لإلقاء عظامه بعيداً عن المدافن الكنسية (المجامع المسكونية، ج٢ صفحة ٨٥٩) . ثم قام مجمع لاتران بإدخال هذا الطقس الدموي ضمن عقيدة الإيمان. وكانت آخر محاولة مبذولة لدراسة كيفية فرض فكرة أكل لحم المسيح وشرب دمه فعلياً وحقيقياً، ذلك العام الذي كرسه (البابا يوحنا بولس الثاني) في أكتوبر ٢٠٠٤ والذي أنتهى (بانعقاد السينودس) الذي أقيم من ٢ إلى ٢٣ أكتوبر ٢٠٠٥، وحضره ٢٥٦ أسقفاً من ١١٨ بلداً حول موضوع: «الإفخارستيا في الحياة والرسالة الحالية للكنيسة» ، وقد قمتم بترؤسه لوفاة البابا السابق. وتم أختيار هذا التاريخ ٢٣ أكتوبر لإنهاء أعمال المؤتمر، ليتفق مع «اليوم العالمي للتنصير» ... وهو ما يكشف عن أن عقيدة الإفخارستيا تقف عقبة في طريق عمليات التبشير التي تخوضونها وتجاهدون لتدارس كيفية فرضها. ومن الواضح أن الإصرار على فرض هذه العقيدة بمثل هذا التشبث، هي عملية تبرير لاستمرار ضرورة وجود طبقة القساوسة التي هي وحدها تمتلك سر تحويل الخبز والنبيذ «بقدرتهم السرّية» إلى لحم ودم المسيح الذي يتعيّن على الأتباع أكله وشربه وإلا فلا يمكنهم الحصول على الخلاص! ولا نملك إلا أن نتعجّب لما تعتبرونه معقولاً ومنطقياً ويتفهمه العقل والمنطق، ولعل ذلك هو ما دفع الكاتب الفرنسي (إميل زولا) أن يقول في إحدى رواياته: «إن الحضارة الإنسانية لن تتقدم إلا إذا سقط آخر حجر من آخر كنيسة على رأس آخر قسيس» ! أنتقل بعد ذلك إلى مجمع الفاتيكان الثاني وقراراته سنة ١٩٦٥ التي تمثل خروجاً سافراً على نصوص وتعاليم العهد الجديد، والتي تمثل جزءاً كبيراً من المشكلات التي تواجه العالم حالياً. فعلى الرغم من اتهامكم اليهود في قداس كل يوم أحد بأنهم قتلة الرب، وعلى الرغم من وجود أكثر من مائة آية صريحة الوضوح في اتهامها بالعهد الجديد، نص ذلك المجمع من ضمن ما نص عليه في نصوصه المتعددة، على: | تبرئة اليهود من دم المسيح. | اقتلاع اليسار في عقد الثمانينيات (من القرن العشرين) . | اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم، وإن كانت هذه التوصية بدأت بعبارة هي «توصيل الإنجيل لكل البشر» . | إعادة تنصير العالم. | توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما. | فرض المساهمة في عملية التنصير على كافة المسيحيين الكنسيين منهم والمدنيين، وهي أول سابقة من نوعها. | استخدام الكنائس المحلية في عمليات التنصير، وهو الأمر الذي يضع الأقليات النصرانية في البلدان التي يعيشون فيها في موقف عدم الأمانة أو الخيانة الوطنية لصالح التعصب الكنسي. | فرض بدعة الحوار، كوسيلة لكسب الوقت حتى تتم عملية التنصير بلا مقاومة تذكر. | إنشاء لجنة الحوار. | إنشاء لجنة خاصة بتنصير العالم. لن أطلب منكم تقييم قرارات هذا المجمع من حيث العقل والمنطق، أو من حيث الشرور وغير الإنسانية التي تمخضت عنها، فهي ليست بحاجة إلى تقييم، إنها تجأر بنفسها؛ لكنني سأضيف أن البابا يوحنا بولس الثاني كان قد وعد بتبديل وتغيير سبعين نصاً من نصوص الأناجيل لتتمشى مع مسلسل التنازلات التي تقدمونها للصهاينة. وللحق لا أعرف إن كان قد تمكن من إتمام ذلك قبل وفاته أم سيقع عليكم الوفاء بهذا الوعد. ومن بين كل القرارات السابقة لن أعلق إلا على نقطة بدعة الحوار بين الأديان، لأستشهد ببعض النماذج الكاشفة من الوثائق الفاتيكانية: | أخطر ما يمكن أن يوقف الحوار: أن يكتشف من نحاوره نيتنا في تنصيره. | من أهم عقبات الحوار ما قمنا به في الماضي ضد الإسلام والمسلمين، وأخيراً، فقد أضيفت الآن (قضية إسرائيل) وموقف الغرب منها، ونحن كنصارى نعرف ما هي مسؤوليتنا حيال هذه القضبة. | ضرورة القيام بفصل المسيحية في حد ذاتها عن العالم الغربي ومواقفه المعادية والاستعمارية؛ فالمسلم لم ينس ذلك بعد. | إن الحوار الصحيح يرمي إلى تجديد كل فرد بالارتداد الباطني والتوبة، اعتماداً على الصبر والتأني والتقدم خطوة خطوة وفقاً لما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا. | يتعيّن على النصارى أن يساعدوا مؤمني العقائد الأخرى على التطهر من تراثهم الديني لتقبل عملية الارتداد. | إن أعضاء الديانات الأخرى مأمورون بالدخول في الكنيسة من أجل الخلاص. | الحوار يعني فرض الارتداد والدخول في سر المسيح. | إن (الكرسي الرسولي) يسعى إلى التدخل لدى حكام الشعوب والمسؤولين عن مختلف المحافل الدولية، أو الانضمام إلىهم بإجراء الحوار أو حضهم على الحوار لمصلحة المصالحة وسط صراعات عديدة. وأكتفي بهذا القدر القليل من غثاء جد كثير لأسأل غبطتكم: هل مثل هذا التعامل غير الأمين وغير الإنساني هو ما تعتبرونه مقبولاً من العقل والمنطق؟! وهنا تجدر الإشارة إلى خطابكم الأول «الله محبة» ولا يسع المجال لتناوله بالتفصيل؛ فقد أفردتُ له مقالاً آنذاك بعنوان «تنازلات على نغمة المحبة» ! ومن أهم ما يجب الإشارة إلىه اعتباركم أن اليهود والنصارى وحدهم هم الذين يعبدون الله الحقيقي!! ثم قيامكم بالربط بين الإسلام والانتقام والكراهية والعنف باسم الله، وأن الكنيسة الكاثوليكية وحدها هي التي عليها أن تسود العالم، وكم من التنازلات الممجوجة التي قدمتمونها للصهاينة، وهو ما يؤكد أن استشهادكم في المحاضرة لم يكن من قبيل المصادفة وإنما تقصدونه؛ لأنه يمثل رأيكم الدائم. ولا يسعني عند نهاية خطابي المفتوح هذا إلا أن أسألكم: يصر الفاتيكان على أن رسالته هي تنصير العالم، وهو يبذل قصارى جهده وبكافة الوسائل الصريحة والملتوية لتحقيق ذلك، بل لا يكف عن حث الكنائس الأخرى وتوحيدها لاستخدامها في عملية التنصير، ولقد تم فرض هذا الموقف على الأتباع وعلى الكنائس المحلية في كل مكان بزعم أن هذا هو الوسيلة الوحيدة للتصدي للمد الإسلامي، كما تم استصدار القوانين الأمريكية الترويعية لتنفيذ ذلك.. غير آخذين في الاعتبار أن ذلك تحديداً هو ما يشعل الفتن ويولد العنف دفاعاً عن الذات وعن الدين وعن الهوية؛ فما عساكم فاعلين بتلك الدويلة الدينية العنصرية التي ساعد الفاتيكان على تثبيتها ظلماً وعدواناً وانتزاع الأرض من أصحابها لقوم لا حق لهم فيها وفقاً للنصوص؟ بل ما عساه فاعلاً بهذه الدويلة العنصرية التي يعد إنشاؤها خروجاً سافراً على دينه وتعاليمه ـ وهناك من الأبحاث اللاهوتية ما تؤكد أنه لا حق لهم شرعاً في هذه الأرض، وذلك من قبيل رسالة (الأب لاندوزي) ؟ ولا نسخر حين نتساءل بكل مرارة وألم: تُرى، هل سيقوم سيادة البابا بتنصير اليهود، أم أن الفاتيكان هو الذي سيتهوّد؟! أليست دعوتكم الظالمة هي تنصير العالم؟! إن من يحمل على كاهله مثل هذا التاريخ الملطخ بالدماء، ومثل هذا التراث القائم على التزوير والتحريف، ويقوم بمثل هذه السقطة الاستفزازية وسب الإسلام والمسلمين عن عمد، فلا يجب عليه الاعتذار الواضح فحسب وإنما يجب عليه التنحي عن مثل هذا المنصب. وهو أقل ما يجب عليه أن يفعله إن كانت هناك أمانة علمية أو دينية.

стр. 5777

بريئون أمام شاشة غير بريئة رائد حماد في الوقت الذي تشتدُّ فيه الهجمة على الإسلام بحجّة الحرب على الإرهاب، ويضيق فيه على بوادر الصحوة الإسلامية التي تنشر نورها في جميع أنحاء العالم، تطلُّ علينا بعض القنوات العربية الفضائية بمجموعة من البرامج؛ لتساهم في المعركة الدائرة بين أُمّة الإسلام ومن يناصبونها العداء، ولتكون في الصف المعادي، إذ تعمل هذه البرامج ـ التي تعتمد اعتماداً كلياً على مخاطبة الغرائز والعواطف ـ على زعزعة القيم الإسلامية في نفوس المشاهدين، جاعلةً من الرقص والمجون والاختلاط مضماراً للتنافس بين مجموعة من الشباب والشابات، وشاغلةً بذلك مئات الآلاف من أبناء الأمة في مشاهدتها والمشاركة فيها، عبرَ تصويتهم لاختيار نجم الضّياع في هذه المجموعة، وهو من يعتقدون أنه الأفضل في الرقص والمجون! وتتضاعف خطورة هذه البرامج عندما تتجمَّع الأُسرة حول الشاشة ليشترك الآباء والأمهات والأبناء في مشاهدتها، ناهيكَ عن المشاركة فيها بالتصويت. ويُعتبر الأطفال والمراهقون أكثر الفئات تضرّراً من مشاهدتها؛ لصغر سنِّهم واندفاعهم، وذلك بسبب قدرة هذه البرامج على التأثير على قيمهم وشخصياتهم وسلوكهم. انتشرت في الآونة الأخيرة برامج تلفزيون الواقع، وبخاصة القنوات الفنية وغيرها من الفضائيات، وهي برامج تعتمد على الواقعية والطبيعية في التصوير وتسلسل الأحداث، فهي لا تحتاج إلى إعداد ولا تحضير، ويطلق عليها أيضاً برامج النجوم، إذ يتم تجميع عدد من الشبّان والشابات بعد اجتيازهم امتحانات في الرقص والغناء في مدرسة موسيقية داخلية، فيعيشون هناك حياة مشتركة، ويتم تصوير كل لحظات حياتهم، وأسوأ ما في الأمر أنها حياة عادية طبيعية وليست تمثيلاً، الأمر الذي يضاعف من تأثيرها على مشاعر الفتية والمراهقين، فتتولّد في داخلهم الرغبة في أن يكونوا مثلهم، وأن يعيشوا تجربتهم، وهنا يكمن الخطر من هذه البرامج. يستطيع الأشخاص البالغون والذين يملكون القدرة على السيطرة على تصرفاتهم أن يدّعوا أنهم يشاهدون هذه البرامج من باب الفضول، أو لقتل الوقت، أو كما تقول بعض النساء لتشاهد الملابس وقصات الشعر، ويمكنهم الادِّعاء كذلك أن هذه المشاهدة لا تؤثر على سلوكهم وقيمهم، على اعتبار أنهم لا يزالون يؤدّون الصلاة ويتمسكون بالحجاب ويرفضون الاختلاط، متناسين أن مجرد المشاهدة معصية، وأن ارتكاب المعصية دون إحساس بذنب والعمل على تبريرها هو بداية التأثير. وتقول الطالبة «إحسان» من الجامعة الإسلامية في غزة: إن هذه البرامج غير هادفة، وتعمل على انسلاخ الأمة عن عاداتها وتقاليدها وإبعادها عن قيم الإسلام، وتجعلنا دائماً في ذيل القافلة. أما «أحمد» الطالب في قسم الإعلام في جامعة الأقصى فيقول: على القائمين على الإعلام في هذه القنوات أن يتقوا الله في الأمة، وفي توجيه إعلامهم المسموم بدلَ مسابقات الرقص والمجون، لماذا لا يُوجَّه إعلامنا إلى محاربة الفساد، ونشر دعوة الإسلام، وتوجيه النشء إلى الصواب؟! إنَّ تمسُّك الآباء والأمهات بل وحرصهم الشديد على متابعة هذه البرامج يشجِّع الأبناء من أطفال ومراهقين على مشاهدتها، هذا بالإضافة إلى حثِّ أصدقائهم وزملائهم على المشاهدة وتصبح حديث الساعة، والدعوة إلى تقليدهم في الملابس وقصَّات الشعر وتعليق صورهم في غرف النوم. ولا يتوقف تأثير هذه البرامج عند حدود التأثير على القيم وزعزعتها، بل يتعدّاها إلى التأثير السافر على مشاعر الأطفال والمراهقين، عبرَ تركيزهم على إثارة الغرائز الجنسية لدى المشاهدين. ü كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته: إن الأطفال والمراهقين لا يملكون الوعي الكافي الذي يمكِّنهم من مقاومة ما تتعرض له عقولهم من تشويش، ومشاعرهم وقيمهم من إفساد، فهم يتعاملون مع جهاز التلفاز ببراءة، ويقدمون على مشاهدة ما تشاهده الأسرة، فحتى لو قرّرت الأسرة منع أطفالها من مشاهدة هذه البرامج فإنها لن تتمكن من ذلك، ما دامت الأم تشاهدها أو الأب يتابع أحداثها. فعلى الآباء والأمهات أن ينبِّهوا أولادهم من خطر هذه البرامج الساقطة وتأثيرها على القيم والعادات التي شدّدت على التحلّي بها شريعة الإسلام. إن المنع والتعتيم لا يفيد كثيراً في تعديل سلوك الطفل أو المراهق، لذا يجب على الأسرة أن تقوم بحملة مضادة تعزّز فيها قيم أبنائها، وتوضح فيها سخافة هذا الطرح في وقت تتراكم فيه المسؤوليات المعطّلة على كاهل أبناء الأمة الإسلامية، وأن تحثّه على متابعة قضايا الأمة، وأن تعزِّز في داخله الوازع الديني، وأن تنمّي علاقته بالله وأن هناك جنةً وناراً. وعلى الدعاة إلى الله، وعلى المثقفين من أبناء هذه الأُمّة، أن يقوموا بحملة مضادة ضدّ هذه البرامج المشبوهة. إن أبناءنا أمانة في أعناقنا، ونحن مسؤولون عن تربيتهم أمام الله، فهل نعي خطر المسؤولية الملقاة على عواتقنا؟

стр. 5778

صور من الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية أ. د. مصطفى رجب يتفاخر بعض الأكاديميين العرب بأنه تلقى علومه، ونال عليا شهاداته من جامعات الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وتشعر في حديث هذا النفر من الأكاديميين بنبرة التعالي والتفاخر، من خلال أسلوبه في الحديث، وحركات يديه ووجهه، كأنه وُلد لأبوين أمريكيين وجدين هولنديين، ولا علاقة له بأهله العرب المسلمين. ولا خلاف مع أمثال هؤلاء المستلَبين ثقافياً على أن الجامعات الغربية تهتم بدراسة الإسلام؛ فهذه حقيقة لا شك فيها، ولكن الشك كله يحيط «بدوافع» تلك الدراسات. فما الذي يبحث عنه الباحثون في الجامعات الغربية وهم يدرسون الإسلام في أبحاثهم العلمية؟ هل تكون لديهم آراء مسبَّقة يريدون تدعيمها بنتائج بحوث معتمدة بأختام كبريات جامعاتهم لتغدو كأنها حقائق؟ هل يبحثون فعلاً عن الحقيقة بقلوب وعقول فارغة من أية أحكام مسبقة؟ في السطور التالية سأحاول ـ من خلال استعراض عدد من تلك الدراسات ـ فَهْمَ نظرة الغرب للإسلام والمسلمين كما تعكسها الدراسات الأكاديمية في بعض الجامعات الغربية: أولاً: الاهتمام بأحوال تنصير المسلمين (١) : اهتم بعض الباحثين بدراسة أحوال المسلمين المرتدين عن دينهم، وأوضحت دراسة قدمها (سوراجارامان) للحصول على درجة EDD من (مدرسة الثالوث اللاهوتي البروتستانتية) عام ١٩٩٣م، وتقع في ١٧١ صفحة تناول ما أسماه بـ (الخبرات المتطورة للمسلمين المتحولين إلى النصرانية) . وسعى الباحث في هذه الدراسة للتعرف على أحوال المسلمين المتحولين للنصرانية من خلال اختيار عينة من ثلاثين رجلاً وامرأة تنصروا من مسلمي ولاية إلينويز Illinoys الأمريكية. وقابلهم الباحث مقابلات شخصية، وقد راعى الباحث بعض المعايير عند إجراء مقابلاته مع هؤلاء المفحوصين منها: ١ ـ أن تتوفر لديهم قدرة على التحدث والتفاهم باللغة الإنجليزية. ٢ ـ أن يوافقوا على إجراء هذه الدراسة عليهم ويعلموا بأهدافها المعلنة (المغلفة بعبارات طنانة مثل: التقارب، والتفاهم الأفضل ... إلخ) . ٣ ـ أن يكون منهم ممثلون لمناطق جغرافية مختلفة، فكان منهم أفراد من آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط. وقدم الباحث لهذه العينة قائمة موضوعات مرتبة أبجدياً ليجيبوا عنها، وفي نهاية دراسته توصل إلى عدد من النتائج نعرضها فيما يلي بالطريقة التي عرضها بها صاحب الدراسة: ١ ـ اتضح من النتائج أن العلاقات بين المسلمين والنصارى مهمة لبناء ثقة متبادلة وتفاهم متبادل من خلال الصداقات والتواد العائلي. ٢ ـ يجب أن يتعاون المسلمون والنصارى في الانفتاح بعضهم على بعض، وعقد ندوات مفتوحة لمناقشة بعض الأمور المتعلقة بالإنجيل والقرآن. ٣ ـ التعاون النصراني الإسلامي مطلوب من أجل مصلحة الطرفين. ويبدو من هذه النتائج أن أداة البحث التي وزعت على عينة المفحوصي ن لم تكن محايدة، وإنما اختيرت عباراتها بذكاء شديد لتسمي (الاستهواء) تعاوناً، و (الاستقطاب) تفاهماً مشتركاً. إن الباحث حين تحدث عن أسباب تحول المسلمين إلى النصرانية ركز على (المعاناة) بوصفها أحد الأسباب التي دعت للتنصر، كما أشار الباحث إلى قيام المجتمع النصراني بتلقف هؤلاء المتنصِّرين وتوفير الراحة، والمأوى، والنصيحة لهم، بعد نبذ عائلاتهم المسلمة لهم إثر ارتدادهم عن دينهم. وركزت نتائج البحث على ما يعانيه المتنصرون من مشكلات تتعلق بعائلاتهم المسلمة السابقة وعلاقاتهم بها، وعلى الضغوط التي يتعرضون لها من السلطات الإسلامية بنوعياتها المختلفة. وقد أوصى الباحث الكنائس بتوجيه دراسات تتعلق بالتخطيط التعليمي لاستقطاب المزيد من المسلمين لكي يتنصروا، وتدريب النصارى على مهارات إنشاء علاقات مع المسلمين القابلين للاستهواء، وتوجيه دراسات نحو المعاناة الناجمة عن التحول للنصرانية ومحاولة تذليلها. وبالجملة: فإن مثل هذه الدراسة تهدف ـ بوضوح ـ إلى تقديم يد العون لهؤلاء المسلمين المرتدين وتخفيف معاناتهم. ثانياً: دراسة ارتباط الدين بالسياسة في المجتمعات النامية (١) : ومما يهتم به الباحثون في الجامعات الغربية، العلاقة بين الدين والسياسة، ولا سيما السياسة الخارجية، في عدد من كبريات الدول النامية. فقد قدم الباحث (أوليوفولا جيمي ادجوكن) رسالته للدكتوراه إلى جامعة هارفارد الأمريكية عام ١٩٩١م في ٢٨١ صفحة حول (تأثير الدين في السياسة الخارجية النيجيرية) حيث قام الباحث بتحليل المعلومات التي حصل عليها من الوثائق الحكومية والمقالات الصحفية والمقابلات الشخصية مع عدد من الشخصيات المسؤولة في الحكومة والتي تنتمي إلى الديانتين الكبريين في نيجيريا وهما: الإسلام والنصرانية. وعند حديثه عن الإسلام كان الباحث يشير كثيراً إلى ما أسماه: «ارتباط المتدينين بالجماعات التي لها المعتقدات نفسها خارج نيجيريا» وكأنه يريد أن يقول: إن المسؤولين الحكوميين غير منتمين لمصالح دولتهم بقدر ما هم منتمون لدينهم، ومن ثم فإن السؤالين الكبيرين اللذين قامت عليهما الدراسة هما: ١ ـ هل يعكس الانقسام النصراني ـ الإسلامي في نيجيريا خلافاً عرقياً؟ ٢ ـ ما درجة تأثير الجماعات الدينية الخارجية على سياسة نيجيريا الخارجية؟ ومن النتائج العجيبة التي توصلت إليها هذه الدراسة هو أن النصارى الذين يتركزون في جنوبي البلاد يصدِّقون أن (إسرائيل) دولة نصرانية! أو أنه أوعز إليهم بهذا. ولا يشترط أن يكون الباحثون في مثل هذه الموضوعات من الغربيين؛ فقد يوجه الأساتذة طلابهم المسلمين المبتعَثين إلى دراسة موضوعات تلبي حاجات الأساتذة وأجهزة الاستخبارات التي يعملون لصالحها. فلا ينكر أحد أن كثيراً من الجامعات الغربية تتيح نتائج بحوثها لمن يطلبها من الأفراد، ولأي هيئة تطلبها ما دامت تدفع التكاليف. وقد يكون من هذا النوع رسالة الدكتوراه التي تقدم بها محمد نور مونتي (١) إلى جامعة تمبل ١٩٩٠م وتقع في ٤٥١ صفحة وتدرس (التغير الاجتماعي في ماليزيا المعاصرة) وبالرغم من هذا العنوان، فإن اهتمام الدراسة انصب على التنظيم الطلابي المؤثر الذي نشأ في ماليزيا ١٩٧١م تحت اسم (جمعية الطلاب المسلمين الوطنية) والتي يرمز لها بالحروف (A.B.I.M) ومدى قدرة هذا التنظيم على التأثير في قرارات الحكومة الماليزية داخلياً وخارجياً؛ فقد اهتم الباحث بمحاولة استكشاف توجهات وقرارات الحكومة الماليزية خلال سنوات طويلة ومدى تأثر تلك التوجهات والقرارات بجماعة الـ (A.B.I.M) بوصفها جماعة ضغط لها تأثيرها في الأوساط الشبابية خاصة، وفي الحياة بمجالاتها المختلفة بعامة. ثالثاً: الاهتمام بدراسة أوضاع المرأة المسلمة: إن الغرب يدرك تماماً الدور الخطير المنوط بالمرأة في بناء المجتمعات، ومن ثم فإن هناك اهتماماً متزايداً بتوجيه الدراسات نحو المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية، أو غير الإسلامية (الأقليات المسلمة) . ففي دراسة الدكتوراه التي قُدِّمت من الباحثة دينا إسحق جراح ١٩٩٠م عن المرأة الفلسطين ية: (وضع ودور المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية) (٢) أشارت نتائج الدراسة إلى تأثير الدين على الاتجاهات الثقافية والفلسفات الاجتماعية، والعلاقات بين الأجناس المختلفة، وبعد أن درست الباحثة تعليم المرأة الفلسطينية وتاريخها توصلت في نتائجها إلى أن العادات الاجتماعية والدين هما السبب في الاضطهاد الاجتماعي للمرأة! في حين اهتمت دراسة أخرى للدكتوراه في جامعة إلينويز للباحثة لوسي آني والي عام ١٩٩٣م بدراسة الأوضاع المجتمعية لنساء إحدى مناطق أندونيسيا في غرب سومطرة؛ حيث ركزت الباحثة على نساء الطبقة الوسطى من المجتمع من خلال فئتين تناولتهما بالبحث وهما: المسلمات اللاتي يعملن بحرف بسيطة وهن غير متزوجات، ومسلمات أخريات يعملن كمعلمات في مدارس إسلامية داخلية للبنات. وقد أثبتت الدراسة أن النساء في أندونيسيا ـ كما تُظهرهن عينة الدراسة ـ يحافظن على الالتزام بأحكام الإسلام وآدابه في سلوكهن وعاداتهن اليومية، لكن في النهاية كما وصفتهن الباحثة في عنوان دراستها: تقيات ومنتجات (٣) . ومن العروض الموجزة السابقة نستطيع أن نستنتج ما يلي: ١ ـ أن الجامعات الغربية تعمل كوكالات لأجهزة الاستخبارات أعلنت ذلك أم لم تعلن، قصدت ذلك أم لم تقصده. فمن المستبعد أن يكون اختيار موضوعات البحوث يتم بشكل عشوائي كما هو الحال في الجامعات العربية والإسلامية التي يعاني البحث العلمي فيها من النمطية والتكرار والسطحية في كثير من الأحوال. ٢ ـ أن الطلاب المبتعثين إلى تلك الجامعات من الدول النامية يعانون حالة من الاستلاب الثقافي يجعلهم ـ تحت تأثير الانبهار الحضاري ـ أبواقاً للثقافة الغربية يروجون لها، ويخدمون قضاياها أعلنوا ذلك أم لم يعلنوه، قصدوا ذلك أم لم يقصدوه. ٣ ـ أن موضوعات البحوث حول الإسلام تدور في عدة محاور تستهدف في النهاية إما التنديد بالإسلام والزراية عليه والحط من شأنه كدين، وإما خدمة قضايا التنصير والتهويد.

стр. 5779

الرؤية عند الأديب المسلم يحيى بشير حاج يحيى بادئ ذي بدء نقول: إن الرؤية الإسلامية ـ كما نتصورها ـ لا بد فيها من أربعة أمور: أولها: الفهم الواعي لدور الإسلام في الحياة. وثانيها: معرفة التيارات الوافدة قديماً وحديثاً. وثالثها: الاهتمام بقضايا المسلمين. ورابعها: الالتزام الذي ينبع من الإيمان العميق. وثمة سؤال: هل الرؤية هذه مجرد عاطفة تنطلق في المناسبات؟ أم هي عملية تقويمية تنطلق من خلال الإسلام، وتنظر بمنظاره؛ فتُخَطِّئ وتصوب وتمجِّد؟ إنّ ممّا تمتاز به الرؤية عند الأديب المسلم أنها منطلق مبدئي، والتزام أخلاقي. فهي ليست ـ على سبيل المثال ـ بكاء على المظلومين، ولا دعوة إلى إنصاف المحرومين؛ ثم البحث عن حياة خاصة، ولو كانت في بروج الظالمين. وهي رؤية تتسم بالصدق مع النفس والواقع، وحب الخير، والإيمان باستمرار الصراع بين الحق والباطل، وانتصار الحق أخيراً، والأخذ بالأسباب، والحنين إلى الماضي المجيد واستلهامه، والإفادة من تجاربه. وهي ليست موقفاً انعزالياً، ولكنها مخالطة ومعاناة وإحساس بما يجري، ومحاولة جادة لتوجيهه وتقويمه. وهي إيمان بالحل الإسلامي لقضايا الحياة والإنسان، وقد أثبتت التجارب أن الإسلام هو الحل، بعد أن أخفقت كل الحلول المستوردة. وهي أخْذ بالمنظار الإيماني في التعامل مع المدنية الوافدة، فتأخذ منها وتدع بما يتوافق مع مقتضى هذا الإيمان. وهي ليست نظرة قُطْرِيّة تعُنى بقُطْرٍ دون آخر، فحيثما حَلَّ المسلمون فثمة الهم. وهي بالنسبة للماضي؛ ليست مجرد نظرة إلى تراث مجيد، ولكن تراث لجيل فريد، والتعمق في تجارب الذين اتبعوهم بإحسان، فاقتربوا أو ابتعدوا عن المنهج بحسب التزامهم به. وهي ليست إعجاباً بفرد، وإن كانت البطولة في التعالي على ضروريات الحياة وقمع هوى النفس مما يهز الوجدان المسلم، ولا إعجاباً بتجربة، ثم الوقوف عندها، دون مقارنة لها بما عند الآخر. وهي بالنسبة للحاضر؛ تتمثل في الدعوة إلى الالتزام بالإسلام، وتقديمه منهجاً للحياة، وتبيين أحقية هذا الدين في حكم الحياة وسياسة المجتمع. ثم هي لفت لأنظار الغافلين إلى المآسي التي يجرها البعد عن الإسلام، وذلك بتقديم صورٍ للمآسي المعاصرة، وتوضيح لتداعي الأعداء على مختلف توجهاتهم ضد المسلمين. وهي بالنسبة للمستقبل؛ تتمثل في يقين الأديب المسلم أنّ المستقبل لهذا الدين، وفي النظرة المتفائلة لما ستؤول إليه نتيجة الصراع مع الباطل، وأن تجارب التاريخ البعيد والقريب تؤكد أن المستقبل للإسلام؛ وهي بذلك موقف استشرافي للآتي. وإذا قلنا في البداية بأنها: ليست عاطفة، ولا حديثاً عن المناسبات؛ فليس معنى ذلك أن ننفيهما، ولكن قصدنا أن العاطفة وحدها لا تكفي، وأن الحديث عن المناسبات دون استلهامها لا يؤدي المقصود. مع يقيننا بأن العاطفة من أخص خصائص العمل الأدبي، وأن الذين ينقطعون عن تاريخهم يعيشون غراساً ليس لها جذور، منبتة في أرض من الرمال.

стр. 5780

هذا عيدنا إبراهيم بن صالح الدحيم عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر» (١) ، وعن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ، وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما» فلما غفل غمزتهما فخرجتا (٢) ، وفي رواية: «يا أبا بكر! إن لكل قوم عيداً؛ وهذا عيدنا» (٣) . وأذن النبي ﷺ للسُّودان أن يلعبوا بالدَّرق والحِراب في مسجده، وقال لعائشة: «تشتهين تنظرين؟» قالت: نعم! فأقامني وراءه، خدّي على خدّه وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة!» (٤) ، وفي رواية: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة» (٥) . ما هي النظرة الصحيحة للعيد؟ وماذا يجب أن يكون عليه المسلم في العيد؟ هذا ما أرجو أن تكون الإجابة عليه في هذه الكلمات اليسيرة. وحتى نلمّ شعث الحديث ونجمع شتاته نعرض له في عدة قضايا: القضية الأولى: العيد تأكيد لتميز المسلم عن المشرك والكافر، واستغنائه بالشرع المبارك عن عادات الشعوب البائدة وتقاليد الأمم الماضية: «قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر» ، «هذا عيدنا» نعم! هذا عيدنا، خير مما هم فيه من اللهو واللعب مع الغفلة والإعراض، أما عيدنا فهو مزيد اتصالٍ بالله؛ فهو نفحة قدسية ورحمة إلهية. نفتتحه بالتكبير والذِّكر والصلاة والشكر لله على تمام عدة الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . [البقرة: ١٨٥] القضية الثانية: خرج النبي ﷺ من مكة متخفّياً، حتى إذا وافاه العيد في المدينة لم يشأ أن يقتل البسمة أو يرضَّ الشفاه أو يطبق الأفواه، بل أعلن فرحة العيد، وأظهر سروره به مع أنه يلاقي ما يلاقي من كيد الأعداء ومكرهم؛ لكنها العزائم القوية والنفوس الكبيرة؛ حيث تجد متسعاً للفرح برحمة الله وفيضه وإن عظمت فيها الجراح وتتابعت عليها الضربات. أليس يهزّك الفرح حين تسمع بانتصار المسلمين في مكان مع أن جراحاتهم في أماكن أخرى لا زالت ملتهبة، ودماءهم لا زالت نازفة؟ بل إن المسلمين يفرحون في الغَزاة الواحدة بالنصر الذي يحرزونه، مع أنهم قدّموا في الغَزاة نفسها دماءً وأشلاء.. نقول ذلك لأناس يريدون منا أن نرضَّ شفاهنا ونقتل في نفوسنا كل فرحة، ونطفئ كل بسمة، يريدون أن تتحول أفراحنا إلى مناحات - وإن كان ذلك منهم عن حسن نية - لكن هدي النبي ﷺ أتم وأكمل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ، لسنا نريد من وراء هذا الكلام أن تُنسى الجراح التي يعيشها إخواننا في أصقاع المعمورة، لكن نريد أن نفرح بفضل الله ورحمته: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] . إن التزام المسلم للحزن والكآبة كلَّ حين من شأنه أن يُقعد النفوس عن العمل، وأن يوقف الدم عن الحركة، والذهن عن الفكر، فلا نستطيع بذلك أن نحرز نصراً، أو نشبع جوعة، أو نغيث لهفة، وإنما نزيد الطين بلّة، ونضع ضغثاً على إبَّالة (١) . قال ابن مسعود ﵁: «أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أُكره عمي» (٢) ويقول أبو الدرداء ﵁: «إني لأستجمُّ نفسي بالشيء من الباطل - غير المحرم - فيكون أقوى لها على الحق» (٣) . القضية الثالثة: في مشروعية الفرح بالعيد في هذين اليومين بعثٌ للأمل في الأمة، وإحياء للتفاؤل فيها، فَفَرْحة العيد تلقي في روعنا أن أيام الحزن مهما امتدت سيأتي بعدها يوم فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، سيأتي يوم تشرق الدنيا بعزِّ الإسلام وعلوّ أهله؛ فالعسر يتبعه اليسر، والشدة يتلوها الفرج، وبعد الحزن يأتي الفرح. يأتي العيد فنفرح وتشرق نفوسنا بالأمل، ونتعلم من هذا الفرح أن أمتنا لا زالت قوية متينة؛ فهي تستطيع أن تفرح مع أنها مثخنة بالجراح، وسيأتي يوم تُشفى من جراحها وتضاعف فرحتها بالعيد. إن تكبيرنا في العيد يملأ نفوسنا اعتزازاً، ونؤمن أنه ليس من أحد أكبر من الله ولا أقوى منه (وهو الكبير المتعال) . ونحن المكبرون جند الله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده؛ والعاقبة للمتقين. إنه الأمل المشرق كلما أشرق العيد.. فأبشروا وأمّلوا فعُمر الإسلام أطول من أعمارنا، وأُفقه أوسع من أوطاننا، وما كان لعدو أن يحيط بالإسلام فيطفئ نوره: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . القضية الرابعة: العيد فاصل ضروري في حياة المسلم، يُرَوِّح به عن نفسه من ثقل العمل المتتابع الجاد، ليعود إلى الجادة مرة أخرى أجود ما يكون وأكمل رغبة ونشاطاً. إلا أن هذا الترويح الذي يزاوله المسلم في العيد لا يصح أن يخرج به عن حدود الشرع، وأن يوقعه في الأَشَر والبطر فيضل ويخزى. - لا يصلح أن تلهينا فرحة العيد فنغفل في زحمتها عن ذكر الله وعن الصلاة. - ولا يصح أن يكون فرحنا بالعيد على حساب أذية الآخرين وإلحاق الضرر بهم، لا في أبدانهم ولا أولادهم ولا ممتلكاتهم ولا سياراتهم، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً» (٤) . - لا يصح أن تتحول فرحة العيد إلى غناء ماجن وسهرات راقصة، أو جلسات غنائية لاغية يُستجلب بها غضب الله بعد أن كان الناس يتقلبون في روضات رضاه، فنكون كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] - لا يصح أن يكون العيد فرصة اختلاط بين الرجال والنساء، أو تكشّف وسفور وغزل ممقوت؛ والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] . ويقول ـ أيضاً ـ: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] . قال بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت مع سفيان ﵀ يوم العيد فقال: «إن أول ما نبدأ به يومنا هذا غض البصر» (٥) . - لا يصح أن نبذّر في العيد تبذيراً، في موائد ينقطع منها البصر، أو مسابقات تذهب الممتلكات وتوقع النفس في الحسرات. إنه حين يتحول العيد إلى مثل هذه التصرفات المنحرفة والأحوال الغافلة فإنها تصبح بذلك مجالس لهو ولعب وغفلة لا يجوز للمسلم أن يسهم فيها أو يمتّع ناظريه بحضورها؛ لأن الله حكم وقضى فقال: ﴿وَإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . ولأن جلوسك مع الغافلين ولو للفرجة فيه إعانة على الباطل. عن ابن مسعود ﵁ أنه دُعي إلى وليمة فلما جاء ليدخل سمع لهواً فرجع، فقيل له في ذلك، فقال: «من كثَّر سوادَ قوم فهو منهم، ومن رضي عملَ قوم كان شريكاً لمن عمله» (٦) . هذا عيدنا ـ أهلَ الإسلام ـ ذكرٌ ودعاءٌ، وأُنْسٌ وصفاء، وروح وهناء، وحب ووفاء، وعلو وأمل.

стр. 5781

٢٣١ - ذو القعدة - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5782

المتطاولون على الصحابة ﵃ إلى متى ؟! علي العيسى التطاول على الصحابة ﵃ والجرأة في تنقُّصهم، سنّة الزنادقة وأهل الأهواء قديماً وحديثاً. واللافت للنظر أن هذه الجرأة ازدادت حدّتها في الآونة الأخيرة بشكل يثير الاستغراب؛ تارةً باسم النقد التاريخي، وتارةً ثانية باسم البحث العلمي، وتارةً ثالثة تحت عنوان: حرية الفكر! والجديد في هذا السياق أمران: الأول: أن الشيعة راحوا يؤزّون بعض أهل الأهواء من العلمانيين والليبراليين ـ وخاصة بعض أُغَيْلِمَة الصحافة ـ لمثل هذه المرتقيات الصعبة، ويستثيرونهم لافتعال ذلك النقد المزعوم دون تحقيق علمي أو دراسة موضوعية، وصدق المولى ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿وَإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] . الثاني: تطاول بعض أهل الفنِّ على الصحابة ﵃ من خلال المسلسلات التاريخية التي هدفها في الظاهر إبراز مآثر المسلمين التاريخية، وفي باطنها لمزُ بعض الصحابة الأجلاء ﵃ وإسقاط هيبتهم، والعبث بتاريخهم! لقد أدرك علماء الأمة منذ وقت مبكر أن القدح في الصحابة ﵃ قدحٌ في النبي ﷺ ، وقدحٌ في دين الإسلام، ولهذا اشتدَّ نكيرهم على أولئك المتطاولين، وتواتر تحذيرهم منهم، وها هو ذا الإمام مالك ﵀ يقول في الذين يسبون الصحابة ﵃: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ ، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يُقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين) !! وقد آن الأوان أن نجتهد في الذبِّ عن الصحابة ﵃، ونبرز مآثرهم وسيرهم العطرة، ونقدّمهم قدوات مباركات يهتدي بها من أراد الهداية. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .

стр. 5783

كونوا انصار الله علي العيسى بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ وبعد: فإن بشائر انتصار الإسلام وانتشاره، أصبحت بادية للعيان، متزايدة مع الأيام، بالرغم من كل مظاهر الإحباطات والإخفاقات وعظائم التحديات. فقد تعهد القادر القاهر ـ سبحانه ـ بنصرة دينه وإعزاز أوليائه، فقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] . وهي غلبة مسنَدة إلى الله، ومسنودة بقوة الله، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] ، ولكن حكمة الله اقتضت أن تكون نصرة الدين مرتبطة بأنصارٍ، يُجري الله على أيديهم سننه، ويُوفي لأجلهم عهده. فهكذا شاء الله أن يبتلي المؤمنين ويبتلي بهم: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] . والنوازل والابتلاءات التي تتوالى على الأمة في عصرنا الراهن، تتطلب أن ينتدب لها جمهور أكبر من الأنصار؛ فضربات الأعداء تتلاحق، وخناجرهم تسفك دمنا، وحناجرهم تهجو ديننا؛ وسفهاؤهم يتطاولون على حرماتنا ومقدساتنا، ولم تعد الأمة تدري بِمَ تبدأ في التداعي للدفاع والنصرة بعد أن أصبحت كل قضايا الدين تحتاج إلى نصرة؛ فعقيدتنا وشريعتنا المستباحة على ألسنة السفهاء والمعطلةُ بسبب الأعداء؛ تحتاج إلى نصرة، ورسولنا المصطفى ﷺ الذي تطاول عليه أكابر المجرمين وأصاغرهم، تتوجب له النصرة، وأصحاب نبينا ﷺ ورضي عنهم الذين ولغ في سيرتهم قالة السوء قد تعينت للدفاع عن أعراضهم النصرة، وأهلونا المستضعفون في الأرض، المستباحون في الروح والدم والعرض في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وغيرها، هؤلاء يفتقرون إلى المزيد من النصرة، وإخواننا المجاهدون الذائدون عن الحرمات، والمرابطون على الثغور، قد أوجبوا باستنصارهم في الدين الكثير من النصرة. إن كل هذه القضايا المستوجبة للنصرة، أصبحت تحتاج من الأمة، أن يهب منها الأخيار، ليكوِّنوا جيلاً جديداً من الأنصار. \ ولِمَ لا ... ؟ لماذا لا تشرئب الأعناق وتتطلع الأبصار، للسير على خطى المهاجرين والأنصار؟! صحيح أن منزلة السَبْق سبقت لأهلها، ولكن ... ألم يقل الله ـ تعالى ـ عن الأنصار الأولين وإخوانهم المهاجرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ؛ فلماذا لا نكون من ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ﴾ لعلنا أن نكون من الذين ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ؟ لقد قال الشيخ رشيد رضا ﵀ في تفسير تلك الآية: «لا شك في مشاركة كل المؤمنين لأولئك الصحابة الكرام في رِضى الله وثوابه، بقدر اتباعهم لهم في الهجرة إن وجدت أسبابها، والجهاد بالأموال والأنفس لنصرة الإسلام» (١) . إن النصرة ـ كما قال الشيخ القاسمي ﵀: «منقبة شريفة؛ لأنها إعلاء كلمة الله، ونصر رسوله وأصحابه» (٢) . ولأمر يريده الله ـ تعالى ـ فقد اصطفى لكل دعوة صالحة أنصاراً، وفي ذروه السَّنام من ذلك: الأنبياءُ ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ فقد اجتبى لهم محبين وحواريين، يذيعون الحق وينشرونه، ويذودن عنه ويحمونه؛ فقد قال الرسول ﷺ : «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون» (٣) . وقد أشاد الله ـ تعالى ـ في القرآن بحواريي نبي الله عيسى ﵇ الذين استجابوا له عندما قال: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] ، فسارعوا ملبين: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ . وقد كان للنبي ﷺ أعظم المحبين من المهاجرين، وأخلص المؤيدين من الأنصار الذين سبقوا إلى بيعته ونصرته في بيعتَيِ العقبة الأولى والثانية، ثم لما وفد إليهم هو وأصحابه المهاجرون، تسابقوا في الاقتداء به والافتداء له حتى أثنى الله ـ تعالى ـ على عطائهم ونصرتهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] ، وأعلى ذكرهم في الكتب السابقة قبل أن يأتوا إلى الدنيا: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إلى قوله ـ تعالى ـ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ... ﴾ [الفتح: ٢٩] ، ووعدهم في الكتاب الخاتم بالفلاح والنجاح، فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . \ وفي عصرنا أنصار: إن عصرنا المليء بالتحديات الكبار لا بد له من ركب جديد من الأنصار في كل ميادين النُّصْرة؛ فكل ميادين الدين اليوم تحتاج إلى نُصرة، ولقد دعانا الله ـ تعالى ـ كما دعا الذين من قبلنا إلى الاستجابة لنصرة دينه، فقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] . فَلْنُجِب الدعوة بشروطها، ولْنستجبْ لداعي النصرة، لكن لا بد أولاً من أن نعي فقه النصرة، حتى لا تصبح مجرد شعار ظاهري أو دثار خارجي لا تأثير له في الواقع، وحتى لا تقصر عنها أفهام أقوام، فينصرون الدين على غير ما يريد رب العالمين؛ فالله ـ تعالى ـ لم يترك أمر النصرة الحقة لادِّعاء مدَّعين أو اجتهاد مجتهدين، بل وضع لها أسباباً ووضَّح لها شروطاً، حتى لا يتحول الحواريون أو أنصار الدين إلى خُلُوف كما قال النبي ﷺ : «يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون» . فاتخاذُ اللهِ أنصاراً لدينه، أمرٌ جرت به السنن ومضت به الأزمنة، وطالما ظل هؤلاء على العهد؛ بقي لهم هذا الشرف، لكن إذا تخلوا عنه، خَلَوْا منه، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] . وقد اشتملت هذه الآيات على الأسباب والمرتكزات التي ينبغي توافرها فيمن يأتي الله بهم، ليُجري سنن النصر على أيديهم. وبالنظر والتأمل في هذه المرتكزات نجد أن في استكمالها استكمالاً لأسباب النصر والتمكين، وفي غيابها أو غياب بعضها ينقُص النصر أو يُنقَض أو يُختطَف، ولْنُعِد التأمل فيها: المرتكز الأول: بَذْلُ أسباب محبة الله لهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤] . ومحبة الله للمختارين لنصرة الدين، تستوجبها أسباب عديدة، عَدَّ الإمامُ ابن القيم ﵀ منها عشرة، ووصف منزلة المحبة بأنها: «هي المنزلة التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شَخَصَ العاملون، وإلى عَلمِها شَمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروَّح العابدون» (٤) . المرتكز الثاني: حُبُّهم هم لله ﴿ويحبونه﴾ بأن تكون أعمالهم وقُرُباتهم نابعة من خالص الحب المقترن بخالص التذلل، وهم بهذا يحققون جوهر العبودية التي قال ابن القيم عنها: «معقد نسبة العبودية هو المحبة؛ فالعبودية معقودة بها، بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية» . والمحبة مطلوبة هنا بلوازمها، ومن لوازم محبة العبد لربه كما قال الشيخ السعدي ﵀: «أنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً في أقواله وأعماله وجميع أحواله.. كما أن من لوازم محبة العبد لله أن يكثر من التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل ... ومن لوازم محبة الله معرفته ـ تعالى ـ والإكثار من ذكره؛ فإن المحبة بدون معرفة الله ناقصة جداً، بل غير موجودة، وإن وجدت دعواها، ومَنْ أحبَّ اللهَ أكثر من ذكره، وإذا أحب اللهُ عبداً قَبِلَ منه اليسير من العمل، وغفر له الكثير من الزلل» (٥) . المرتكز الثالث: التذلل والتواضع والشفقة والرقة والرحمة بأهل الإسلام ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ . قال علي ﵁ كما نقل ذلك عنه ابن جرير في تفسيره ـ: «أهل رقة على أهل دينهم» (١) . فأهل النصرة ليسوا من أهل الغلظة والشدة الذين يستحلون أعراض المؤمنين أو أموالهم أو دماءهم، وإنما هم حافظون أمناء، ورؤوفون رحماء، مقتدون برسول الله ﷺ في رأفته ورحمته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . المرتكز الرابع: العزة على أهل الباطل من الكفار، والشدة في إبطال باطلهم ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، وبخاصة إذا جاهروا بالعداء، أو ظاهروا الأعداء؛ حيث بذلك تكمل عقيدة الولاء والبراء. قال البغوي ﵀: «أشداء على الكفار يعادونهم ويغالبونهم، كما قال عطاء: أعزة على الكافرين كالسبع على فريسته» (٢) . وهذه العزة مشروطة بعدم الظلم وعدم الغدر، وعدم النقض للعهود أو الخَفْر للذمم. وأهل نصرة الدين لا يتعززون على الكفار انتقاماً لذواتهم، أو تكبراً بخواصهم من عرق أو لون أو جنس، وإنما يفعلون هذا انتصاراً لدينهم، وانتصافاً لكرامة إخوانهم. بقول سيد قطب ﵀: «فهؤلاء فيهم على الكافرين شِمَاس وإباء واستعلاء، ولهذه الخصائص هنا موضع.. إنها ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس، إنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين، إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير، وأن دورهم أن يطوِّعوا الآخرين للخير الذي معهم، لا أن يطوِّعوا الآخرين لأنفسهم» (٣) . المرتكز الخامس: افتداء الدين بالغالي والثمين، جهاداً بالنفس وجهاداً بالمال وبالوقت والجهد، مع احتساب الأجر على الله وحده: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٤] فالجهاد ذروة سَنام الإسلام؛ وأعلى الجهاد وأغلاه الجهاد بالنفس قتالاً في سبيل الله. فالجهاد المذكور في النصوص الشرعية ينصرف إلى هذا في الأساس، وما عداه من أنواع الجهاد تبع. وقد وصف النبي ﷺ أنصار الدين، أو الطائفة المنصورة بأنهم «يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرُهم المسيحَ الدجال» (٤) . وفي زمنٍ استأسد فيه أهل الباطل، وتدججوا بكل أنواع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية لا يصح أن يكون أهل الحق مدجَّنين في مواجهة هؤلاء المدجَّجين، ولن تقوم دعوة الإسلام الكاملة الصحيحة إلا بالمزج بين الأمرين. قال ابن القيم ﵀: «أقام الله الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان؛ فكلاهما في نصرة الدين شقيقان» . المرتكز السادس: الصَّدْعُ بالحق والشهادة بالصدق، مع عدم الاعتبار بإنكار المنكرين ولوم اللائمين في مرضاة الله رب العالمين ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] . فأنصار الله بمجموع صفاتهم السابقة، سوف يستجلبون حتماً، سخط الساخطين، وتبرم المتضررين من علو شأن الدين، سواء كان هؤلاء من الكفار أو المنافقين أو العصاة المفرِّطين، وهنا لا بد لأنصار الله من المضي في سبيلهم المَرْضي عند الله، دون التفات للومة لائم، أياً كان هذا اللائم؛ فمحبة الله ورضاه مقدَّمة على محبة أي مخلوق سواه: ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . [التوبة: ٢٤] وقد بايع المؤمنون الأوائل من المهاجرين والأنصار رسول الله ﷺ على عدم الخوف من لوم اللائمين في سعيهم لإقامة الدين. قال عبادة بن الصامت ﵁ كما أخرجاه في الصحيحين: «بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أَثَرَةٍ علينا، وعلى ألاَّ ننازع الأمرَ أهلَه، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» (٥) . قال ابن كثير في تفسير ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ : «أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وقتال أعدائه وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك رادٌّ، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل» (٦) . فالمداهنة في الدين ليست من خُلُق الصادقين ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] . إن القيام بهذه المرتكزات، والتخلُّق بتلك الصفات يحتاج إلى رجال، يستحقون المنة والإفضال من ذي الكبرياء والجلال ـ سبحابه وتعالى ـ ولهذا قال عُقَيْب الصفات المذكورة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] . وبهذا الفضل العظيم يستوفي المؤمنون مؤهلات التمكين وصفات أنصار الدين الموجبة لولاية رب العالمين، ولهذا قال الله ـ تعالى ـ في الآيات بعدها: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦] . فاللهم اجعلنا من أوليائك وحزبك، وهيئنا لأن نكون من أنصار دينك! (آمين!)

стр. 5784

مقاصد الحج د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي إن حج بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، فرضه الله على عباده مرةً في العمر، من استطاع إليه سبيلاً، لا ليستكثر بهم من قلة، ولا ليستعز بهم من ذلة؛ فهو الغني الحميد؛ من أطاعه فقد رشد، ومن كفر فلن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ . [آل عمران: ٩٧] والحج، بالنسبة للفرد، مدرسة إيمانية تربوية، ومَعْلَمُ طريق في حياته، وحدث تاريخي، لا يزال يلهج بذكره. يمضي الحاج أياماً في رحلة قدسية، أنسية، يجتمع له فيها شرف الزمان، وشرف المكان، وشرف العمل: ١ - فالزمان: أيام عشر ذي الحجة، التي أقسم بها الرب فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] ، وقال عنها نبيه ﷺ : «أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهن في سبيل الله، إلا رجل عفَّر وجهه بالتراب» رواه البزار، وابن حبان، وصححه الألباني. ٢ - والمكان: بيت الله الحرام، والمشاعر العظام: منى، ومزدلفة، وعرفة. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] . ٣ - والعمل: أحب العمل إلى الله، قال ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه، وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري. وأي عمل أعظم مما اختصه الله بها، وهو الحج الذي قال فيه ﷺ : «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» رواه مسلم. والحج، بالنسبة للأمة، مؤتمر سنوي، وتظاهرة عالمية ليس لها نظير، تنصهر في رحابه مختلف الأعراق، واللغات، والبلدان، والطبقات، في وحدة إيمانية، ولُحمة أخوية، ومناسك مشتركة تدهش الناظرين، وتدل على حكمة أحكم الحاكمين. وقد وعد الله عباده المستجيبين لندائه شهود منافع مطلقة، لا حصر لها، ولا حد، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨] . وفيما يلي التماس لأهم تلك المنافع التي يشهدها حجاج بيت الله الحرام، ويرجعون بها إلى أهليهم، ويبقى لهم غُنْمُها: ü أولاً: التوحيد والإخلاص: إن القارئ لآيات بناء البيت، ورفع قواعده، والأذان بالحج، يلحظ التلازم الوثيق بين هذا الحدث الكبير، وتقرير التوحيد، ونبذ الشرك. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] . ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٣١] . ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] . كما يجد المتتبع لسياق حجة النبي ﷺ إعلان التوحيد، في عدة مشاهد مشرقة، منها: ١ - التلبية: ففي حديث جابر بن عبد الله ﵄: «فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد، والنعمة، لك، والملك، لا شريك لك» رواه مسلم. ٢ - سؤال الله الإخلاص: فقد سأل ﷺ ربه قائلاً: «اللهم حجة، لا رياء فيها ولا سمعة» رواه ابن ماجه. فإن بذل الأموال، ومفارقة الأهل والوطن، والتعرض للأخطار، مظنة لتسلل العُجْب والرياء إلى النفس. ٣ - قراءة سورتي التوحيد: العملي، والعلمي: الكافرون، والإخلاص، في ركعتي الطواف. ٤ - ذكر الصفا والمروة: قال جابر ﵁: «فاستقبل القبلة، فوحَّد الله، وكبَّره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . ٥- الدعاء: وهو من أعظم مظاهر التوحيد، حين يُقبِل العبد على ربه، بكليته؛ خائفاَ، راجياً، طامعاً، راغباً، راهباً، منيباً، متضرعاً، مبتهلاً. وقد وقع ذلك للنبي ﷺ في ستة مواقف طوال في حجة الوداع: على الصفا، وعلى المروة، وفي عرفة، وعلى المشعر الحرام في المزدلفة، وبعد رمي الجمرة الصغرى، وبعد رمي الجمرة الوسطى، في سائر أيام التشريق. فحري بمن أشهده الله هذه المواطن الشريفة، أن يفقه هذه المعاني الشريفة، وأن ينفض الغبار عن نفسه، ويجلو صدأ قلبه، ويذكي جذوة التوحيد في روحه. فكما أن الكعبة بيت الرب في الأرض، فالقلب بيت الرب في العبد. وكما أن الكعبة يطيف بها الحجاج والعمار، فينبغي أن يطيف بالقلب الخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، وغيرها من وظائف القلب السليم. وقد جعل النبي ﷺ خير الذكر والدعاء، ما يكون في خير يوم طلعت فيه الشمس، يوم عرفة، فقال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» رواه الترمذي، وفي لفظٍ: «أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة ... » رواه الطبراني، وحسنه. ü ثانياً: المتابعة والانقياد: ما من عبادة من العبادات يتجلى فيها الانقياد التام، والمتابعة المطلقة لرسول الله ﷺ ، كالحج؛ فالحاج يتقلب في مناسك متنوعة، ويتنقل بين مشاعر متعددة، لا يعقل لكثير منها معنى، سوى الامتثال لأمر الله، والتأسي برسول الله. فهو يقبِّل حجراً تارةً، ويرمي حجراً تارةً أخرى؛ وهو يتجاوز مشعراً، ليصل إلى آخر، ثم يعود إلى الأول؛ وهو يطوف سبعاً، ويسعى سبعاً، ويرمي بسبع، دون أن يدرك معنى خاصاً للعدد. وقد أدرك الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أهمية المتابعة، وشعروا بالحاجة إلى تصحيح مناسك إبراهيم، ﵇، وتنقيتها مما شابها من شرك الجاهلية وبدعها، على يد أوْلى الناس به، محمد ﷺ ، فما أن أُذِّن في الناس في السنة العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاجٌّ، حتى «قدم المدينة بشر كثير» رواه مسلم، وفي رواية: «فلم يبق أحدٌ يقدر أن يأتي راكباً، أو راجلاً، إلا قدِم» رواه النسائي، «كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله» رواه مسلم. ويصف جابر ابن عبد الله ﵄ ذلك المشهد العجيب، والموكب النبوي المهيب، حين استوت به ناقته على البيداء، بقوله: «فنظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب، وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به» رواه مسلم. كما أنه ﷺ ظل ينبه على هذا المعنى، من المتابعة والانقياد، فيقول: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلِّي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم. وقد فقه الصحابة هذا المعنى، فلما قبَّل عمر ﵁ الحجر الأسود، قال: «إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك، ما قبلتك» رواه الجماعة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي قول عمر هذا، التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ ، فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه» فتح الباري: ٣/٤٦٣. وقال عمر ﵁ أيضاً: «ما لنا وللرَّمَل، إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله. ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه» رواه البخاري. وفي رواية: «فيما الرَّمَلانُ الآن، والكشف عن المناكب، وقد أطَّد الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك، لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ » رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. ولم يكن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يسألون النبي ﷺ ، في المناسك، ولا في غيرها: أَوَاجبٌ هذا أو سنةٌ؟ بل كانوا يعظمون سنته، ولا يماكسون فيها، ولا يتتبعون الرخص والشاذ من الفتاوى، كما يصنع الناس اليوم، ويعملون بمقتضى قوله ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم» متفق عليه. ü ثالثاً: إقامة ذكر الله: إن من أعظم مقاصد الحج، وأهمها، إقامة ذكر الله. ويلحظ القارئ لآيات المناسك تكرار الأمر بذكر الله عقيب كل منسك، قال ـ تعالى ـ: ﴿فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ . [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠] ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] . ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] . ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧] وقال ﷺ : «إنما جُعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله في الأرض» رواه الترمذي، وقال: «أفضل الحج: العجُّ والثجُّ» ، وقال له جبريل ﵇: «كن عجَّاجاً ثجاجاً» رواه أحمد. والعجُّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: إهراق دم الهَدْي. فينبغي لمن تلبَّس بهذه المناسك أن يستشعر هذا المعنى الجليل، وأن يلهج لسانه بذكر الله، وتكبيره، واستغفاره، ودعائه، كما أمر؛ فإن الله يحب أن يُذكر اسمُه. وكثير من الناس ينهمك في أداء المناسك ببدنه، وقلبه غافل، ولسانه عاطل. كما ينبغي لمن أكرمه الله بإقامة ذكره في الحج أن يحفظ الدرس، ويرجع ذاكراً، شاكراً، حامداً، مهللاً، مكبراً، لا يزال لسانه رطباً بذكر الله في جميع تقلباته، وأحواله؛ فالذكر جماع الخير، ومنبع الفضائل؛ فعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فبابٌ نتمسك به جامع؟ قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله » رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. ü رابعاً: تعظيم شعائر الله وحرماته: قال ـ تعالى ـ في سياق آيات الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «حرمات الله: كل ما له حرمةٌ، وأمر باحترامه من عبادةٍ أو غيرها؛ كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها؛ فتعظيمها إجلالاً بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون ولا متكاسل ولا متثاقل» ثم قال: «المراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها: المناسك كلها؛ كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، ومنها: الهدايا والقربان للبيت ... ومنها: الهدايا؛ فتعظيمها باستحسانها، واستسمانها، وأن تكون مكمَّلة من كل وجه. فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب؛ فالمعظم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله) . تيسير الكريم الرحمن: (٣/ ١٠٩٨-١٠٩٩) إن هذا الحس الإيماني المرهف، الذي يستقرئ المعاني من وراء الصور والأعيان في مناسك الحج وشعائره، ينبغي أن يستصحبه المؤمن في سائر شعائر الله الزمانية والمكانية؛ فيعظم ما عظم الله، ويهوِّن ما هوِّن الله، ويقدِّم ما قدم الله، ويؤخر ما أخر الله، وتستقيم مشاعره مع شعائر الله، ويكون هواه تبعاً لما جاء به نبيه ﷺ . وكثير من الحجاج ينهمك في أداء المناسك الظاهرة؛ من طواف، وسعي، ورمي وغيرها، دون أن يصاحب ذلك تعظيم باطني لشعائر الله؛ فلهذا يتشاغل برؤية الغادي والرائح، ويبدو عليه الفتور والملل، ويبحث عن شواذ الرخص؛ بخلاف من عمر قلبه بجلالة الموقف، ولذة العبادة. وهذا ينسحب على بقية شرائع الدين. ü خامساً: الولاء والبراء: عجباً لهذا الدين العظيم! كيف ينشئ في نفوس معتنقيه وحدةً فريدة، ولُحمةً متينة، وانتماءً عميقاً، يتخطى الحواجز المكانية والزمانية، ويتسامى على الفروق العرقية والاجتماعية، ويتجاوز الخلافات السياسية والمادية، ويصهر التنوعات اللغوية والثقافية، لمختلف الشعوب والقبائل في نهر كبير مطَّرد، اسمه (الأمة الإسلامية) ! حين يلفظ العربي الفصيح، والأعجمي بلكنته: (لا إله إلا الله. محمد رسول الله) . وحين تصطف صفوف الصلوات الخمس خلف إمام واحد، يصلون لرب واحد. وحين يقتطع المسلم الغني زكاة ماله ليرفد بها إخوانه الفقراء في أصقاع الأرض. وحين يمسك أكثر من مليار من البشر عن الأكل والشرب، في شهر واحد. وحين تبعث كل أمة بوفدها إلى بلدٍ واحد، في شهرٍ واحد، لأداء نسكٍ واحد، على صعيد واحد، لباسهم واحد، يلبون لرب واحد، نبيهم واحد، وكتابهم واحد. حين يفعلون ذلك، يتجلى بشكل واضح أحد مقاصد الدين العظام، ألا وهو تحقيق الموالاة بين المؤمنين، وشعورهم برابطة الأخوة الإيمانية التي تجتاح جميع الروابط، وتذيب جميع الفوارق. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ *﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦] ، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وهذه الموالاة تفرض حقوقاً وحرمات على أعضاء الجسد الواحد، ولَبِنات البنيان الواحد، جسَّدها النبي ﷺ في خطبة عرفات، وبين يديه مائة ألف أو يزيدون، حين قال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» رواه مسلم. وبإزاء هذه الموالاة، ومن لازمها ومقتضاها: البراءة من الكفار على اختلاف أصنافهم ومللهم. وقد كان موسم الحج الميدان المناسب لإعلان تلك البراءة، زماناً ومكاناً، حيث أنزل الله ـ تعالى ـ صدر سورة براءة: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ١ - ٣] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: «بعثني أبو بكر ﵁ تلك الحجة في المؤذنين، بعثهم يوم النحر، يؤذنون بمنى: ألاَّ يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» رواه البخاري. وقد تضمنت حجة النبي ﷺ العديد من شواهد البراءة من المشركين، ومخالفة هديهم: ١ - في التلبية: كانوا يقولون: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، ملكته وما ملك» فأهلَّ بالتوحيد. ٢- الجواز إلى عرفة: مخالفةً لمشركي قريش الذين كانوا يقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه. ٣- الدفع من عرفة بعد مغيب الشمس، وذهاب الصُّفْرة، خلافاً للمشركين الذين كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال. ٤- الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، خلافاً للمشركين الذين كانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، لجبلٍ في المزدلفة تشرق عليه الشمس. قال ابن القيم، ﵀: «استقرت الشريعة على قصد مخالفة المشركين، لا سيما في المناسك» . تهذيب سنن أبي داود: (٣/٣٠٩) وقد قرر هذه البراءة من الجاهلية وأهلها في خطبة عرفة حين قال: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة ... وربا الجاهلية موضوع ... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدُ إن اعتصمتم به: كتابَ الله» . رواه مسلم. إن الدرس العظيم الذي ينبغي أن يرجع به كل حاج أن يشعر أنه من أمة مصطفاة خُيِّرت على سائر الأمم، وهُديت لأفضل السبل، وأنْ ليس ثَمَّ إلا إسلام أو جاهلية، هدىً أو ضلالة، حزب الله، أو حزب الشيطان، صبغة الله، أو صبغة الذين لا يعلمون ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨] ، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] . وهذه الأمة، وإن بدت متخلفةً مادياً وعسكرياً، بسبب تقصير أهلها بالأخذ بأسباب القوة والإعداد، إلا أنها تأوي إلى ركن شديد من العقائد، والشرائع، والأخلاق، ما إن يأذن الله بالفتح والفرج، حتى تعود لخيريتها، وتؤدي دورها الذي أكرمها الله به. قال ـ تعالى ـ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . فلا ينبغي للمؤمن أن يهون، ولا يحزن، مهما بلغ الحال من الهزيمة الظاهرية: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . وما أحرى الأمة، بجميع فئاتها وتخصصاتها، أن تتخذ من موسم الحج موسماً للتلاقي، والتباحث في مصالحها المختلفة؛ فتعقد المؤتمرات السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والاجتماعية في موسم الحج، ويتكرر ذلك كل عام، إذاً لانحلت مشكلات كثيرة، وتذللت صعاب جمة، وبدت الأمة أمام خصومها قويةً متماسكة. ü سادساً: ابتغاء فضل الله بالتجارات: عن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ، ومَجَنَّة، وذو المجاز، أسواق الجاهلية، فتأثموا أن يتَّجِروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ رواه البخاري. وعن أبي صالح، مولى عمر ﵁ قال: قلت: يا أمير المؤمنين! كنتم تَتَّجِرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟ إن موسم الحج فرصة لالتقاء مختلف الشعوب الإسلامية لتحقيق منافع مشتركة، ومصالح متبادلة، ومنها المنافع التجارية، والمصالح الاقتصادية، دون أن يغض ذلك من قدر النُّسُك؛ فقد رفع الله الجُناح عن الأمة في مزاولة هذه المناشط الحيوية التي تعود عليها بالقوة والخير. ولو أحسن المسلمون اليوم استغلال هذا الموسم من هذا الجانب، لأمكن أن يؤسس لما يسمى (السوق الإسلامية المشتركة) من خلال عرض منتجاتهم، وإبرام العقود والاتفاقيات التجارية، ويحققوا فيما بينهم الاكتفاء الذاتي، ويستغنوا، أو يكادوا، عن الابتزاز العالمي المذل. ü سابعاً: التقوى: جميع شرائع الدين تهدف إلى تحقيق التقوى؛ بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه. وآيات الحج، بصفة خاصة، مختتمة بالأمر بتقوى الله. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] . ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ . [الحج: ٣٧] فهي تخاطب في الناسك خبيئة قلبه، وتستثير ورعه، ألاَّ يرتكب محظوراً، ولا يفرط في هَدْيٍ، أو فديةٍ، أو كفارةٍ، وألاَّ يقع في رفثٍ، أو فسوقٍ، أو جدالٍ، أو إثمٍ في الحج. وإلى جانب ذلك تشعره أن جميع قُرُباته، مهما دقت، معلومة، محفوظة، مشكورة: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] . إن هذه الرقابة الذاتية الصارمة التي يلتزم بها الحاج أياماً معدودات، يمكن أن تتحول إلى منهج، وسلوك مستديم، يرجع به الحاج الموفق إلى وطنه، وكأنما تنبه من غفلة، أو استيقظ من رقاد. ü ثامناً: حسن الخلق: الحج سفر، والسفر قطعة من عذاب. وفي الحج من بُعد الشُّقة، وزيادة الكلفة، وحصول الازدحام، ما يتطلب مستوىً خلقياً رفيعاً، من الصبر والاحتمال، تدفع الضجر، وأريحية بالغة، تتسامى عن الأثرة، وتحمل على الإيثار، والصفح، ومجاهدةً وغالبةً للنفس الأمارة، تهزم الشهوات وحظوظ النفس. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . قال عطاء ﵀: (الجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك) . ومن أجمل الأخلاق الاجتماعية: الرفق، وقد دفع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع وراءه زجراً شديداً، وضرباً للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: «أيها الناس! عليكم بالسكينة؛ فإن البِرَّ ليس بالإيضاع» رواه البخاري. ومن الأخلاق الكريمة: التواضع، وقد أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس ﵄ لما دفع من المزدلفة، وشرب زمزم من دلو يشرب منه سائر الناس. رواهما مسلم. ومن مكارم الأخلاق حُسن معاشرة الزوجة؛ فحين حاضت عائشة ﵂ ودخل عليها فوجدها تبكي، سلاَّها، وعزَّاها، قائلاً: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم» ، وحين ألحَّت أن تأتي بعمرة بعد الحج، قال: «اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم» «وكان رسول الله ﷺ رجلاً سهلاً، إذا هويت الشيء تابعها عليه» رواهما مسلم. إن هذه الرحلة الشاقة، والآداب الصارمة، يمكن أن تؤسس لقيم خلقية ثابتة، يلتزمها الحاج بعد رجوعه، ويتحلى بها في رحلة العمر كله، بعد أن لمس آثارها، وجنى ثمارها، في تلك الأيام المعدودات. ü تاسعاً: التوبة والاستقامة: الحج حدث عظيم في حياة المسلم، يعلق عليه كثير من المسلمين آمالهم، ويرونه مفرق طريق، وإيذاناً باستئناف حياة جديدة يستشرفون فيها المستقبل بتفاؤل وعزم على الاستقامة، وهجرٍ لحياة التفريط والمعاصي. لا غرو؛ فالحج أحد المكفرات الكبار التي تجُبُّ ما قبلها؛ فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: ابسط يدك فلأبايعك. قال: فبسط، فقبضت يدي، فقال: «ما لك يا عمرو؟» قلت: أشترطُ. قال: «تشترط ماذا؟» قلت: أن يُغفَر لي. قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله» رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» متفق عليه. وفي هذا الحديث بشارة وإشارة: ١- فالبشارة ظاهرة، وهي مغفرة السيئات، فيرجع ابن تسعين، إذا وفَّى بالشرط كابن ساعة، لا خطيئة عليه، صفحته بيضاء نقية. ٢- وأما الإشارة: فينبغي لمن حظي بهذه الكرامة أن يحافظ عليها، فلا يلطخ صحيفته البيضاء بسواد المعاصي. وقد فسر الحسن البصري ﵀ الحج المبرور بقوله: (أن يرجع زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة) . وهذا من أعظم علامات القبول. نسأل الله أن يمن علينا بحج مبرور، وسعي مشكور، وتجارة لا تبور، وأن يصلح لنا ولأمتنا جميع الأمور، إنه غفور شكور. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 5785

طريق التقوى في الحج إبراهيم بن صالح الدحيم جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أريد السفر فزوّدني؛ فقال: «زوّدك الله التقوى» (١) ، وجاء آخر فقال: يا رسول الله! إني أريد السفر فأوصني، قال: «عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف» (٢) . إنها وصية جامعة، قليلة في مبناها عظيمة في معناها. وإذا كان كل مسافر يحتاج الوصية بالتقوى، ويُؤمر بسؤال الله لزومَها فيه كما في دعاء السفر المشهور: «اللهم إني أسألك في سفري البرَّ والتقوى» (٣) ؛ فإن الحاجَّ والمعتمر قد خص بالوصية بالتقوى، وأن يجعلها زاداً يتزود منه في طريقه، يهلك عند إهماله، كما قال ـ تعالى ـ في آيات الحج: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] . وزاد التقوى لا يقدر قدره إلا أصحاب العقول التامة، والبصائر المنيرة، ولذا عناهم بالتأكيد فقال: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، أما سواهم فليس في قاموس أزوادهم ذكر التقوى، بل هو الطعام الشهي، والمركب الفاره، والفراش الوثير.. سارت مشرقة وسرت مغرّباً شتان بين مشرّق ومغرّب! قال ابن رجب ﵀: «فما تزوّد حاجٌّ ولا غيره بأفضل من زاد التقوى، ولا دُعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى» (٤) . وقد كان السلف يوصي بعضهم بذلك، قال بعضهم لمن ودّعه: اتقِ الله؛ فمَنْ اتقى الله فلا وحشة عليه. وقال آخر لمن ودّعه للحج: أوصيك بما وصى به النبي ﷺ معاذاً حين ودّعه: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالقِ الناس بخُلُق حسن» (٥) . وحيث إن الأمر بالتقوى أمر عظيم يشمل فعل الأوامر واجتناب النواهي مما لا يأتي عليه الحصر فإني أجد نفسي مضطراً لبيان طريق التقوى في الحج في عددٍ من النقاط، حتى يقع الحج على التقوى، ويكون ناتجه التقوى بإذن الله. * أولاً: وأتموا الحج والعمرة (لله) : الإخلاص وتجريد العبادة من الشريك مطلوبة في كل عمل، وإنما خص الحج والعمرة بالذِّكر (من أجل أنهم - المشركين - كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم، فخصها بالذِّكر لله ـ تعالى ـ حثّاً على الإخلاص فيهما ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور) (١) . وعندي وجه آخر: وهو أن الحج والعمرة فيهما من المشقة الظاهرة ومفارقة الأوطان ما يظهر أمره للناس، ويعظم عندهم فيه الثناء لعِظَم الجهد والتضحية - خاصة عند قلّة الظَّهر وبُعْد الشقة - وهذا قد يغري النفس بممدحة الناس وحسن ثنائهم، فتقع في شَرَك الرياء، وحبائل التسميع، فوجب التأكيد على الإخلاص. وقد رُوي عن بشر بن الحارث أنه قال: (الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد.. ثم قال: ذاك يركب ويرجع ويراه الناس، وهذا يعطي سراً، لا يراه إلا الله (٢) . و (بِشْرٌ) في قوله هذا: نظر إلى جهة قرب العمل للإخلاص والتجرد، وأن ما خفيَ كان أقرب، وإلا فالحج والعمرة والجهاد أعمال عظيمة لا يقارن بها غيرها إذا لازمها الإخلاص وبُنيت على التقوى. إن الله ـ تعالى ـ أمر أن يُعبد وحده دون سواه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ـ تعالى ـ: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٣) . أرأيت كيف يذهب الجهد، وكيف تضيع التضحيات، حين يكون القصد لغير الله أو يكون لله فيه شريك؟ حجَّ النبي ﷺ على رحل رثٍّ وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي أربعة دراهم ثم قال: «اللهم حَجّةٌ لا رياء فيها ولا سمعة» (٤) . قال رجل لابن عمر ﵄: ما أكثر الحاج! فقال ابن عمر: ما أقلّهم! وقال شريح ﵀: الحاج قليل والركبان كثير (٥) . خليليَّ! قطاع الفيافي إلى الحمى كثيرٌ، وأما الواصلون قليلُ وجوه عليها للقبول علامةٌ وليس على كل الوجوهِ قبولُ ومِنْ خفي الرياء ومدخول العمل أن تنشط النفس عند رؤية الناس، وتقعد وتموت في الخلوة، بل ربما ساء منها الفعل وقبح. ذكر ابن رجب أن بعض المتقدمين كان يحج ماشياً على قدميه كل عام، فكان ليلةً نائماً على فراشه، فطلبت منه أمه شربة ماء، فصعب على نفسه القيام من فراشه ليسقي أمه، فتذكر حجه ماشياً كل عام وأنه لا يشق عليه ذلك فحاسب نفسه، فرآى أنه لا يُهوّنه عليه إلا رؤية الناس له ومدحهم إياه فعلم أنه كان مدخولاً (٦) . ورُوي عن بعض السلف أن رجلاً جاءه فقال: أريد أن أحج، فقال: كم معك؟ قال: ألفا درهم، قال: أما حججت؟ قال: بلى، قال: فأنا أدلّك على أفضل من الحج، اقضِ دين مَدِين وفرّج عن مكروب، فسكت، فقال: ما لك؟ قال: ما تميل نفسي إلا إلى الحج، قال: إنما تريد أن تركب وتجيء ويُقال: قد حجّ! (٧) . ونحن لا ننكر نشاط النفس مع الرفقة الصالحة، وانبعاثها للعمل بينهم، لكن محلّ الذم أن تنقطع النفس أو تنقلب إذا خلت، مما يوقع الريب في صدق العامل ورغبته. فيا مَنْ توجَّه نحو البيت، وشدَّ إليه رحاله، اجعل وجهك رب البيت، لا يكن قصدك من الحج رياء ولا سمعة، فإن «من الناس من يحج ليُقال له: الحاج فلان، أو ليُحْتَفل بقدومه، وهذا من أخسِّ ضروب الرياء» (٨) ، وفي الحديث عنه ﷺ قال: «من سمَّع سمَّع الله به ومن راءى راءى الله به» (٩) . أيها الحاج! أتدري من تقصد وإلى من تعمد؟! (أتظن الحج مفارقة الأوطان، وترك مفارقة النسوان، وجَوْب السباسب على النجائب وقطع المراحل على الرواحل؟! كلا والله، بل هو خلوص النية للبَرِّ ـ سبحانه ـ قبل استقبال البرية، وإصلاح الطوية قبل امتطاء المطية، وخلع الشريك مع خلع الثياب للإحرام، وتجريد القلب لله قبل تجريد البدن من المخيط) . \ ثانياً: خذوا عني مناسككم: أذّن المؤذن في السنة العاشرة من الهجرة أن رسول الله ﷺ يحج السنة، فقدم المدينة بشرٌ كثير، كلهم يريد أن يأتمَّ به ﷺ ، كيف لا؛ ومحمد ﷺ سيكون المرشد العام في الحج.. أرأيت لو كنت حاضراً تلك السنة أتُراك تتخلّف عن الحج معه؟! أم تُراك تطلب رفقة أحدٍ سواه؟! أما وقد خُلِّفْتَ بعده وليس لك إلى صحبته سبيل، فعليك بسنّته وهديه ﷺ إن كنت صادقاً في دعوى الصحبة، فقد أرشدك فقال: «خذوا عني مناسككم» . وها هي سنَّة نبينا ﷺ قد دوّنت فالزمْها، محفوظة فاعمل بها، فإن العمل كلما كان أقرب إلى السُّنَّة كان أرجى للقبول، وأدلّ على التقوى. صحّ عنه ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (١) ، فاحذر أن تترك السُّنَّة والشرع بحجة جريان العادة بخلافها، فإن مقابلة الشرع بالعادة من حال الذين لا يؤمنون ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . فعلى الراغب في اقتفاء سنة نبيه ﷺ أن يستعدَّ لتعلُّمها قبل الحج، بحضور دورات أو دروس في فقه الحج وسننه وآدابه، ويقرأ ما كتبه العلماء - بعبارة واضحة - في ذلك، ويستمع لما سجّلوه من تسجيلات، وأن يصحب عارفاً بالأحكام حريصاً على حفظ الليالي والأيام. \ ثالثاً: لازم العمل الصالح: حافظ على العمل الصالح وعليك بالازدياد منه، فذلك من دلالات التقوى، ومعالم البرّ، قال ابن رجب: من حجَّ من غير إقامة للصلاة كان بمنزلة من سعى في ربح درهم وضيّع رأسماله وهو ألوف كثيرة (٢) . لقد دأب السلف في الحج أن يحافظوا على نوافل الصلاة فضلاً عن إقامة الفريضة على أحسن حال. كان محمد بن واسع ﵀ يصلي الليل في طريق مكة في مَحْمله يُوْمئ إيماءً، ويأمر حاديه أن يرفع صوته خلفه، حتى يُشْغَل عنه بسماع صوت الحادي فلا يُتفطن إليه (٣) . وكان المغيرة بن حكيم الصنعاني يحجُّ من اليمن ماشياً، وكان له ورْد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن، فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورْده، ثم يلحق بالركب متى لحق وربما لم يلحقهم إلا آخر النهار (٤) . سلام على تلك الأرواح، رحمة الله على تلك الأشباح، ما مثلنا ومثلهم إلا كقول القائل: نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبَيْداء أبعد منزل وعليك بالصدقة والدعاء والذِّكر والحمد والثناء، لازمْ قرع الباب فقد دنا فتحه؛ علَّ دعوة منك تستجاب فتسعد في دنياك وأُخراك. فمن الناس من يأخذه التجوال عن التسبيح والسؤال، وينشغل بالمحادثة عن النافلة، فإياك وتضييع الأوقات في غير طائل، وذهاب الأيام الفاضلة وأنت غافل، واجتهد تلقَ رحيق العنبري. \ رابعاً: الخدمة والإحسان: عليك بالإحسان إلى الناس وخدمتهم، وحسن الخُلق معهم، والصبر على أذاهم، وأحقُّهم بذلك من جمعتك بهم رفقة السفر، فالإحسان إليهم وخدمتهم أفضل من العبادة القاصرة على النفس. كان رسول الله ﷺ في سفر في حرٍّ شديد ومعه صائم ومفطر، فسقط الصُّوَّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال ﷺ : «ذهب المفطرون بالأجر» (٥) . وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة ﵁ قال: «قدم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ من سفر يثنون على صاحب لهم قالوا: ما رأينا مثل فلان قط ما كان في مسير إلا كان في قراءة، ولا نزلنا منزلاً إلا كان في صلاة، قال: فمن كان يكفيه ضيعته.. حتى ذكر من كان يعلف دابته؟! قالوا: نحن. قال: فكلكم خير منه» (٦) . وعن مجاهد قال: صحبت ابن عمر ﵄ وأنا أريد أن أخدمه وكان يخدمني أكثر (٧) . وكان كثيرٌ من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم؛ اغتناماً لأجر ذلك، منهم: عامر بن عبد قيس، وعمر بن عتبة بن فرقد، وكان إبراهيم بن أدهم يشترط الخدمة والأذان. وعليك أن تحسن إلى الحجيج عامة، وأن تبشَّ في وجوههم، وتعينهم في قضاء حوائجهم، ولا تحقرنَّ من ذلك شيئاً، فقد أوصى النبي ﷺ أبا جري الهجيمي فقال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تنحّي الشيء عن طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض» (٨) ، الوحشان: المغتم. وفي الحج تكثر حاجة الناس إلى بعض، فجُدْ بنفسك ولا تبخل. عليك أن تصبر على ما في الناس من هفوات، وأن تلجم نفسك بلجام الصبر والحِلْم، وإن سابَّك أحد أو شاتمك أو زاحمك فقل: «إني حاج» ، واصبر على ما يصيبك من زحام أو ما ينالك من شغف ومشقة، وإياك أن تحتقر ضعيفاً لضعفه أو فقيراً لفقره، واعلم أن الحج ليس محلاً للتباهي بالمظاهر الدنيوية من مراكب ومفارش ومساكن أو ترف مقيت، بل قد استحبَّ بعض أهل العلم أن يكون الحاج أشعث أغبر؛ لما جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الله ـ تعالى ـ يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي أَتوني شُعْثاً غبراً» (١) . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحاجّ الشعث التفل» (٢) ، وهذا لا يعني أن يسعى المسلم إلى اتّساخ بدنه أو قبح منظره، بل المقصود أن يجهد المسلم في عبادته لربه ويحتمل في سبيل ذلك ما قد يصيبه من مشاقّ وشعث - إذ الحج مظنّة ذلك - وليعلم أن آثار العبادة ونتائجها محلّ ثناء الله وشكره، وأنها تقع من الله بمكان. قال ﷺ في الصائم: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٣) ، وقال في الدم الخارج من الشهيد الذي ذهبت نفسه في سبيل الله: «اللون لون الدم والريح ريح المسك» (٤) . \ خامساً: اختر صاحباً صالحاً: إذا اخترت الحج واشتاقت نفسك إليه فاختر صاحباً مصاحباً، راغباً مشتاقاً، له قلب خاشع، ومحجر دامع، حتى تنال من الحج بغيتك، وتجد في مشاعره منيتك، عندها يتضاعف فيك الجِدّ، وتعظم الرغبة، وترتفع الهمة، ويحسن العمل.. عن مُخَوَّل بن راشد قال: جاءني بُهيم العجلي فقال لي: تعلم رجلاً من جيرانك أو إخوانك يريد الحج ترضاه يرافقني؟ قلت: نعم، فذهبت به إلى رجل من الحي له صلاح ودين، فجمعت بينهما، وتواطآ على المرافقة، ثم انطلق (بُهيم) إلى أهله، فلما كان بعد أتاني الرجل وقال: يا هذا! أحب أن تزوي عني صاحبك ويطلب رفيقاً غيري. فقلت: ولِمَ؟! والله لا أعلم بالكوفة له نظيراً في الخُلق والاحتمال. قال: ويحك حُدِّثتُ أنه طويل البكاء لا يكاد يفتر، فهذا ينغص علينا العيش، فقلت: ويحك إنما يكون البكاء أحياناً عند التذكرة، أوَ ما تبكي أنت؟ قال: بلى؛ ولكنه قد بلغني عنه أمر عظيم من كثرة بكائه، قلت: اصحبه لعلك تنتفع به، فقال: أستخير الله، فلما كان اليوم الذي أرادا أن يخرجا فيه جيءَ بالإبل ووطئ لهما، فجلس (بُهيم) في ظل حائط يبكي فوضع يده تحت لحيته، ثم على صدره حتى والله رأيت دموعه على الأرض، فقال لي صاحبي: يا مخول! قد ابتدأ صاحبك، ليس لي برفيق. فقلت: ارفق، لعله ذكر عياله ومفارقته إياهم. وسمعها (بُهيم) فقال: يا أخي! والله ما هو بذاك، وما هو إلا لأني ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة، وعلا صوته بالنحيب، فقال لي صاحبي: ما هي بأول عداوتك لي، ما لي ولبُهيم؟! إنما كان ينبغي أن ترافق بين (بُهيم) وبين داود الطائي وسلام أبي الأحوص حتى يبكي بعضهم إلى بعض، فيشتفون أو يموتون، فلم أزل أرفق به وقلت: ويحك لعلها خير سفرة سافرتها، وكل ذلك لا يعلم به (بُهيم) ، ولو علم ما صاحبه، فخرجا ورجعا، فلما وصلا جئت أسلِّم على جاري، قال لي: جزاك الله يا أخي عني خيراً، ما ظننت أن في الخُلق مثل أبي بكر، كان والله يتفضل عليّ في النفقة وهو معدوم وأنا موسر، وفي الخدمة وأنا شاب وهو شيخ، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم. فقلت: فكيف كان أمرك معه في الذي كنت تكرهه من طول بكائه؟ قال: ألفت والله ذاك البكاء وَسرَّ قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذَّى بنا الرّفقة، ثم ألفوا ذلك، فجعلوا إذا سمعونا نبكي يبكون، وجعل بعضهم يقول لبعض: ما الذي جعلهم أَوْلى بالبكاء منا والمصير واحد؟! فيبكون ونبكي. ثم خرجت من عنده فأتيت (بُهيماً) فقلت: كيف رأيت صاحبك؟ قال: كخير صاحب، كثير الذِّكر لله، طويل التلاوة، سريع الدمعة، جزاك الله عنّي خيراً (٥) . وإياك وصحبة مترف قاعد، ذي عزم راكد، وهمٍّ فاسد، يقطعك إذا تقدمت، ويردّك إن أقبلت، طوَّاف بالأسواق، لا ينتهي حديثه، ولا يسلم منه جليسه. قال أبو منصور الكرماني: (.. وينبغي أن يجتنب الرفيقَ السوء والفاسق، فإن ذلك سبب لحِرْمان الطاعات، وترك المندوبات والواجبات، ويحرّضه ـ أيضاً ـ على ارتكاب المناهي والمعاصي) (٦) . وصدق ﵀ فكم سمعنا من أصحاب سوءٍ من أفسدوا الحج والعمرة على صاحبهم، بل ربما أجبروه على قطع نُسْكه، وحلّ إحرامه، والرجوع إلى بلده، لمجرد أنه تأخر عن أداء النسك لعذر نوم أو نحوه، فلم يحتملوا الانتظار حتى يتم نسكه، وهذا تكرر كثيراً! \ سادساً: فلا رفث ولا فسوق: قال ـ تعالى ـ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ قال: «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (٧) . عليك اجتناب المنكرات أو الآثام واحذر أن تكون ممن زين له الشيطان عصيان ربه في أعظم البقاع، واعلم أن من أهل العلم من قال: من همَّ بسيئة داخل الحرم عُوقب عليها وإن لم يفعلها (٨) ؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ، وعن ابن مسعود ﵁ موقوفاً عليه: «لو أنَّ رجلاً أراد بإلحادٍ فيه بظلم وهو بعَدَن أبين (١) ، لأذاقه الله من العذاب الأليم (٢) . فيكون ذلك تخصيصاً لما جاء في الحديث من العفو عن الهمِّ المجرد وحديث النفس. وعن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم..» (٣) الحديث. والإلحاد هنا هو الميل والحيد عن دين الله، يدخل فيه الشرك والبدع، أو فعل شيء مما حرم الله، أو ترك شيء ممن أوجبه الله، أو انتهاك حرمات الحرم، حتى قال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك احتكار الطعام بمكة (٤) ، فما بالُك بمن يعمل ما هو أعظم منه؛ كأكل الربا والتعامل به، أو شرب الخمر، أو الزنا، أو ترويج المخدرات، أو بيع آلات اللهو والدخان وغير ذلك؟! أليس هذا من الإلحاد في الحرم؟ أليس من انتهاك حرمة المكان والزمان؟ قال أبو جعفر الطبري بعد أن ذكر الأقوال في الآية: (وأَوْلى الأقوال بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس ﵃، من أن المعنيَّ بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله، وذلك أن الله عمَّ بقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ولم يخصص به ظلماً دون ظلم في خبرٍ ولا عقلٍ، فهو على عمومه، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع مؤلم له) (٥) . إن من أشدِّ الناس حِرْماناً من يطوي المراحل إلى البيت، ويفني الظهر، ويهلك النفس، ثم لا يعود إلا بالبوار، يا حسرة من وقف في الحج مع الناس ببدنه، وقلبُه في أودية الهوى يهمُّ، لم تلتقط عدسات عينيه دعاء الداعين ولا كثرة الملبِّين، بل وقعت على ما يهواه قلبه، فازداد بذلك فتنة، وتقطَّعت نفسه حسرات، وحُرم لذّة العبادة، ونسي الطاعة. أطبْ نفقتك في الحج فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وقد ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام فأنّى يُستجاب لذلك؟! (٦) ، وحكى ابن رجب: أن رجلاً مات في طريقه لمكة فحفروا له فدفنوه، ونسو الفأس في لَحْده فكشفوا عنه التراب ليأخذوا الفأس فإذا رأسه وعنقه قد جمعا في حلقة الفأس، فردوا عليه التراب، وسألوا أهله عنه، فقالوا: صحب رجلاً فأخذ ماله فكان منه يحج ويغزو! (٧) . إذا حججتَ بمالٍ أصله سُحْتٌ فما حججتَ ولكن حجّتِ العيرُ لا يقبل الله إلا كلَّ طيبة ما كلُّ مَنْ حجَّ بيت الله مبرورُ إن أقبح الناس جريمة، وأعظمهم سرقة للمال، من يسرق ضيف الله والوافد إلى بيته، الآمن في حرمه!! ففي الصحيح من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ رأى النار في صلاة الكسوف ... قال: «ورأيت صاحب المحجن يجرّ قصبه في النار، كان يسرق الحاجّ بمحجنه، فإن فطن له، قال: إنما تعلَّق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به» (٨) . إن من دلائل التقوى الأخذ على يد العاصي، والاجتهاد في إزالة المنكرات، وتطهير بلد الله منها؛ تحقيقاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ، وقياماً بتعظيم شعائر الله: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . قال شجاع بن الوليد: كنت أحج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاًً (٩) . إن التقصير في ذلك يجعل الشر يزداد في خير البقاع - كيف والوارد كثير - ثم قد ينتهي الأمر بالناس إلى اعتياد المحرمات، ونسيان السنن والواجبات، فتحلّ البدعة مكان السُّنّة، والمعصية بدل الطاعة، والله المستعان. إن أقبح شيء أن يقطع المسلم إلى بيت الله الفيافي والقفار، يريد بذلك مغفرة الغفّار، ثم لا يعود منها إلا بالخَسَار! قد اسودّت صحيفته، مما جنتْه يداه، وكسبه لَحْظه، أو نطق به فِيْه، وأين؟! في البلد الحرام! ألم ترني وموسى قد حججنا وكان الحج من خير التجارة فآبَ الناس قد برّوا وحجّوا وابْنا موقرين من الخسارة نعوذ بالله من ضياع الأعمال، وذهاب الأعمار، ونسأله حسن القصد، وهداية السبيل، وتمام النهاية، والله أعلم، وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5786

موتوا بغيظكم يا عباد الصليب عبد العزيز بن ناصر الجليل (*) الحمد الله الذي رضي لنا الإسلام ديناً، ونصب لنا الدلالة على صحته برهاناً مبيناً، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقاً يقيناً، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجراً. فالإسلام دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه، فبه اهتدى المهتدون وإليه دعا الأنبياء والمرسلون ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ، فلا يقبل من أحد ديناً سواه من الأولين والآخرين، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . وحكم ـ سبحانه ـ بأنه أحسن الأديان، ولا أحسن من حكمه ولا أصدق منه قيلاً، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفوته من خلقه وخيرته من بريته، وأمينه على وحيه، الذي بشرت به الكتب السالفة، وأخبرت به الرسل الماضية، وجرى ذكره في الأعصار وفي القرى والأمصار والأمم الخالية، وضربت لنبوته البشائر من عهد آدم أبي البشر، إلى عهد المسيح ابن البشر. رضي المسلمون بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، ورضي المخذولون بالصليب والوثن إلهاً، وبالتثليث والكفر ديناً، وبسبيل الضلال والغضب سبيلاً؛ أما بعد: فإن من بعض حقوق الله على عبده: رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان (١) . وإن ما تفوَّه به عابد الصليب وإمام الكفر ورئيسه في (الفاتيكان) من الشتم والنقائض في حق رسولنا الكريم وديننا الحنيف لم يكن هو الأول من نوعه، وليس غريباً أن يخرج من أفواههم النجسة مثل هذا الكلام؛ لأنه وأمثاله قد مُلِئوا كفراً وحقداً؛ وكل إناء بما فيه ينضح. ومثل هذا الكفر المتجدد إنما هو زيادة في الكفر على كفرهم وإملاء من الله لهم حتى يسرعوا إلى الأجل الذي قدره الله لهم ليقصمهم فيه ويمحقهم. قال الله : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وليس الغرض من هذه الكتابة الرد على ما تفوَّه به إمام الكفر ومرجع النصرانية الوثنية في العالم اليوم؛ فقد كفانا الرد على شبهاتهم أئمة الإسلام في القديم والحديث كشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه العظيم (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) وتلميذه الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه النفيس (هداية الحيارى) . هذا لو كان ما قاله رئيس الكفر ناشئاً عن جهل بالإسلام ورسول الإسلام، أما وإنه يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة نبينا محمد ﷺ كما يعرف أبناءه وما صده عن ذلك وجعله يقول ما قاله من تخرصاته إلا العناد والاستكبار؛ فإن مثل هذا لا يستحق الرد ولا الالتفات وإنما الله هو الذي يتولى الرد على هذا وأمثاله بما يشاء: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍٍ﴾ [الحج: ٣٨] ü المقصود من هذه المقالة: وإنما المقصود من هذه الكتابة مخاطبة إخواني المسلمين الموحدين بتوظيف هذا الحدث في التركيز والتأكيد على بعض المسائل والأصول المهمة التي يسعى أعداء هذا الدين من الكفرة والمنافقين في توهينها والتشويش عليها لعلمهم بأنها هي التي تحفظ للمسلمين كيانهم وعقيدتهم وأخلاقهم. ويمكن الحديث عن هذه المسائل المهمة في ظل هذه الهجمة الشرسة من أئمة الكفر على ديننا حسب الوقفات التالية: ü الوقفة الأولى: النظر إلى هذه الأحداث في ضوء السنن الإلهية: يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . ويقول ـ سبحانه ـ: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: ٤٣] . والآيات من كتاب الله في الحث على النظر في السنن الربانية كثيرة جداً وبخاصة عند التقديم والتعقيب على قصص الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مع أقوامهم. إنه من الواجب على دعاة الحق والمجاهدين في سبيل الله أن يقفوا طويلاً مع كتاب الله وما تضمن من الهدى والنور؛ ومن ذلك ما تضمنه من السنن الربانية المستوحاة من دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وذلك لأن في معرفتها والسير على هداها أخذاً بأسباب النصر والتمكين والفلاح، ونجاة مما وقع فيه الآخرون من تخبط وشقاء، وفي الغفلة عنها تفريط في الأخذ بأسباب النجاة، وحرمان التوفيق في النظر الصحيح للأحداث والمواقف. وليس المقصود هنا التفصيل في موضوع السنن الربانية فهذا له مقام آخر، وإنما المقصود هو الاستضاءة بهذه السنن في الوصول إلى الموقف الحق الذي نحسب أنه يرضي الله ؛ وذلك في الأحداث الساخنة التي تدور رحاها اليوم في حرب الإسلام وأهله. وأكتفي بذكر سُنَّة واحدة من سنن الله ـ تعالى ـ تتناسب وهذا الحدث الذي نحن بصدده. وبفهم هذه السُنَّة يزول الاستغراب مما يحدث ونتمكن من الفهم الصحيح لحقيقة هذه الهجمات المتتالية من أعداء الإسلام ودوافعها وحكمة الله في إيجادها؛ لأن من أسمائه ـ سبحانه ـ: العليم الحكيم. ومن آثار هذين الاسمين الكريمين اليقين بأن أي شيء يحدث في خلقه ـ سبحانه ـ فإنما هو بعلم الله ـ تعالى ـ وإرادته وحكمته البالغة. وهذه السنَّة التي أعنيها هنا والتي هي مقتضى حكمته ـ سبحانه ـ وعلمه هي سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل: يقول الله : ﴿فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] . ويقول الله ﵎: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *﴾ [الحج: ٤٠] . في هاتين الآيتين أبلغ دليل على أن الصراع حتمي بين الحق وأهله من جهة، والباطل وأهله من جهة أخرى؛ هذه سنة إلهية لا تتخلف؛ ووقائع التاريخ القديم والحديث تشهد على ذلك. وهذه المدافعة وهذا الصراع بين الحق والباطل إنْ هو إلا مقتضى علمه ـ سبحانه ـ وحكمته ورحمته ولطفه، وهو لصالح البشرية وإنقاذها من فساد المبطلين، ولذلك ختم الله آية المدافعة في سورة البقرة، بقوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، حيث لم يجعل الباطل وأهله ينفردون بالناس، بل قيض الله له الحق وأهله يدمغونه حتى يزهق؛ فالله ـ تعالى ـ يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] . إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة بدون هذه السنَّة ـ أعني سُنَّة المدافعة مع الباطل وأهل الفساد ـ إنهم يتنكَّبون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله الذي ارتضاه واختاره لهم، وإن الذين يُؤْثِرون السلامة والخوف من عناء المدافعة مع الفساد وأهله، إنهم بهذا التصرف لا يسلمون من العناء والمشقة، بل إنهم يقعون في مشقة أعظم وعناء أكبر يقاسونه في دينهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وهذه هي ضريبة القعود عن مدافعة الباطل، وإيثار الحياة الدنيا. والمدافعة بين الحق والباطل تأخذ صوراً متعددة: فبيان الحق وإزالة الشُّبَه ورفع اللَّبْس عن الحق وأهله مدافعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدافعة، وبيان سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين مدافعة، والصبر والثبات على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة مدافعة، ويأتي الجهاد والقتال في سبيل الله على رأس وذروة هذه المدافعات لكف شر الكفار وفسادهم عن ديار المسلمين ودينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم. واليوم لم يعد خافياً على كل مسلم ما تتعرض له بلدان المسلمين قاطبة من غزو سافر وحرب شرسة على مختلف الأصعدة؛ وذلك من قِبَل أعدائها الكفرة، وأذنابهم المنافقين. فعلى الصعيد العسكري ترزح بعض بلدان المسلمين تحت الاحتلال العسكري لجيوش الكفرة المعتدين التي غزت أهل هذه البلدان في عقر دارهم كما هي الحال في أفغانستان والشيشان والعراق وفلسطين وكشمير. وعلى صعيد الحرب على الدين والأخلاق والإعلام والتعليم والاقتصاد لم يسلم بلد من بلدان المسلمين من ذلك. وقد تقرر عند أهل العلم أن الجهاد يتعين على المسلمين إذا غزاهم الكفار في عقر دارهم، ويصبح واجباً على كل مسلم قادر أن يشارك في دفع الصائل عن بلده بكل ممكن؛ فإن كان الغزو عسكرياً وبالسلاح وجب رده بالقوة الممكنة والسلاح، وإذا كان الغزو بسلاح الكلمة والكتاب والمجلة والوسائل الإعلامية الخبيثة بأنواعها المقروءة والمسموعة والمشاهدة منها أقول: إذا كان الغزو من الكفار للمسلمين في عقر دارهم بهذه الوسائل والمعاول الخطيرة والتي يباشر الكفار بعضها وينيبون إخوانهم من المنافقين في بعضها فإن الجهاد بالبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمدافعة والتحصين يصبح واجباً عينياً على كل قادر من المسلمين كلٌّ بحسبه. وحينما نربط هذه السُنَّة ومقتضى اسمائه الحسنى بهذه الأحداث التي تزامنت وتتالت وتشابهت قلوب أصحابها في الهجوم على دين الإسلام وأهله وبلدانه تتضح لنا هذه السُنَّة بجلاء؛ وحينئذ يرتفع الاستغراب مما يقوم به الكفار من هجوم وافتراء على دين الإسلام، ويشمِّر المسلم للدخول في الصراع ضد أعداء الله ـ تعالى ـ بما يستطيع من نفسه وماله ولسانه وقلمه. قال ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (رواه النسائي (٣٠٤٥) وصححه الألباني) . ü الوقفة الثانية: ذكر بعض الحِكَم والألطاف الإلهية المتجلية في هذه الأحداث يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «أسماؤه الحسنى تقتضي آثارها، وتستلزمها استلزام المقتضي المُوجب لمُوجبه ومُقتضاه، فلا بد من ظهور آثارها في الوجود؛ فإن من أسمائه: الخلاَّق المقتضي لوجود الخلق، ومن أسمائه الرزاق المقتضي لوجود الرزق والمرزوق، وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو، وكذلك الرحمن الرحيم، وكذلك الحكم العدل، إلى سائر الأسماء، ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود، والوجود متضمن لخلقه وأمره، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره؛ فمصدر الخَلْق والأمر عن هذين الاسمين المتضمنين لهاتين الصفتين، ولهذا يقرن ـ سبحانه ـ بينهما عند ذكر إنزال كتابه، وعند ذكر ملكه وربوبيته؛ إذ هما مصدر الخلق والأمر) . (الصواعق المرسلة: ٤/١٥٦٤) اذا تبين لنا هذا الأصل العظيم أيقنا أن ما يجري اليوم من كيد وافتراء وهجوم شرس من الكفار على دين الإسلام فإنما هو بعلم الله ـ تعالى ـ وإرادته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] ، وأن له ـ سبحانه ـ الحِكَم البالغة في ذلك. والمؤمنون يحسنون الظن بربهم ـ سبحانه ـ ويوقنون أن عاقبة هذه الأحداث التي يقدرها الله هي خير ومصلحة ولطف بالموحدين إن شاء الله ـ تعالى ـ. ومع أن المعركة مع الكفار لا زالت في بدايتها، ومع أنها موجعة وكريهة إلا أننا نلمس لطف الله ورحمته في أعطافها. وأقتصر على ثلاث من أهم هذه الألطاف والثمار العظيمة: ü اللطيفة الأولى: تلك اليقظة الشاملة بين المسلمين والوعي بحقيقة أعدائهم وما يكيدون به للإسلام وأهله. ومع أن هذا العداء والكيد من الكفار قد حذرنا الله منه في كتابه الكريم إلا أن كثيراً من المسلمين وبحكم غفلتهم عن كتاب ربهم ـ سبحانه ـ تلاوة أو تدبراً لم يتعظوا بكلام ربهم ـ سبحانه ـ فنسوا حظاً مما ذُكِّروا به وغفلوا عن عدوهم. ولذا فمن رحمته ـ سبحانه ـ أن يقدر أحداثاً مؤلمة للمسلمين لكنها تحمل في طياتها خيراً، ومن ذلك ـ كما أسلفت ـ يقظة المسلمين ورجوعهم إلى دينهم وتقوية عقيدة الولاء والبراء، وشحذ هممهم وعزائمهم لنصرة الدين والبراءة من أعدائهم وجهادهم باللسان والسنان. وهذا مكسب عظيم إذا قارناه بأحوال الأمة قبل ذلك وما كانت تعيشه من الغفلة والانخداع بما يزعمه الكفرة والمنافقون أنهم دعاة سلام وأمن وحرية. والمتدبرون لكتاب الله ـ تعالى ـ وتاريخ الصراع بين الحق والباطل لم يكونوا بحاجة إلى إقناعهم بعداوة الكفار وكيدهم من خلال هذه الهجمات الأخيرة، بل إن هذه الهجمات زادتهم إيماناً ويقيناً لما حذرهم الله منه في كتابه الكريم. ومن هذه التحذيرات قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ، وقوله : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] . وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] . وقال ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] . إذن فلا غرابة إذا هاجموا دين الإسلام ورسول الإسلام ﷺ ؛ فهذا شأنهم وشنشنتهم في قديم الزمان وحديثه، وأعظم من ذلك وأشنع سبهم لله وطعنهم في ربوبيته وألوهيته بنسبة الولد إليه وجعله شريكاً مع الله في ربوبيته وألوهيته؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ولكن الملفت في هذه الهجمات المتأخرة تزامنها وتتابعها وتوزيع الأدوار بين رموز الكفر عندهم بمختلف توجهاتهم، السياسية، والدينية، والثقافية، والعسكرية. والتصريح الذي صدر من رئيس الفاتيكان يأتي في سياق حملة عالمية وراءها اليهود والنصارى وأذنابهم من المنافقين على الإسلام والمسلمين بدأت في دوائر الثقافة والفكر والإعلام فيما سمي بصراع الحضارات، وما سمي بنهاية التاريخ، وعبر عنه المحافظون الجدد في أمريكا والأحزاب والأنظمة والشخصيات المتناغمة معهم في أوروبا وأستراليا، وأيضاً عبر عنه الإنجيليون وعبرت عنه التجمعات الماسونية المختلفة في العالم، ثم تحولت هذه الحملة المحمومة المسمومة الحاقدة إلى فعل سياسي واحتلال عسكري يمارس من خلال الجيوش الغربية، حين أعلن الطاغوت الأول «بوش» أنها حرب صليبية، واحتلت العراق وأفغانستان، وتهدد وتحاصر البلدان الإسلامية الأخرى وتمارس عليها الضغوط، ومن ذلك كلام بوش الأخير ووصفه للمسلمين بالفاشيين، وقبله كلام رئيس الوزراء الإيطالي عن الحضارة والإسلام، وبعده الرسوم المسيئة في الصحف الدانماركية؛ ثم ها نحن نرى الآن رئيس الفاتيكان يبارك هذه الجهود، ويعلن من كرسي البابوية انسياقه في هذه الحملة، وهذا يذكِّرنا بدور الباباوات في الحروب الصليبية السيئة الذكر، التي حفل بها تاريخ الغربيين. إذن فإن يقظة المسلمين ووقوفهم على حقيقة أعدائهم وما يخططون من حروب صليبية بدأت طلائعها في بعض بلدان المسلمين. إن هذا من فوائد هذه الأحداث المرة والتي يجب على دعاة هذه الأمة وعلمائها توظيفها في شحن الهمم وتقوية عقيدة الولاء والبراء ودعوة كل قادر في هذه الأمة إلى مواجهة هذا الغزو الخطير على بلدان المسلمين عقدياً وعسكرياً، واستنفار المسلمين في جهاد الأعداء الغزاة باللسان والبيان والسنان. ü اللطيفة الثانية: فضح الدعوات التي يرفعها رموز المنافقين وبعض المهزومين من المسلمين التي تدعو إلى التعايش مع الآخر وترك تسميته بالكافر والقضاء على مشاعر الكراهية نحوه، بل الدعوة إلى محبته وموالاته!! فها هو حقد الآخر وكيده وحربه؛ فماذا يقول دعاة (نحن والآخر) ؟ وماذا يقوله رموز السلام الذين يريدون نزع الكراهية والبراءة من الكفار من صدور المسلمين؟ يقول كلينتون ـ الرئيس الأمريكي الأسبق ـ في تصريحات لشبكة (سي. إن. إن) الإخبارية: إن البابا ساهم من خلال هذه التصريحات في إضعاف تأثير رجال الدين الإسلامي المعتدلين الذين يحاولون «استعادة» راية دينهم من الإسلاميين المتعصبين، وقال أيضاً في برنامج (لاري كينج لايف) الحواري الشهير على الشبكة الأمريكية: «إن كل شخص منا يدلي بهذه التصريحات وخاصة إذا كان في منصب مرموق مثل البابا، يزيد من صعوبة مهمة المعتدلين في العالم الإسلامي» . إنهم يفتضحون وتتهاوى دعواتهم وبرامجهم، هذا عن المنافقين منهم. أما من انخدع بهذه الدعوات من جهلة المسلمين ومهزوميهم فأحسب أن الغفلة والتلبيس قد زالت عنهم وحل مكانهما الشعور بكراهية الكافر والبراءة منه ومن كفره، والاستعداد لجهاده ورد كيده وكفره. وهذه ثمرة عظيمة أفرزها هذا الهجوم السافر الظالم من رموز الكفار المحاربين لله ولرسوله: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . [النساء: ١٩] ü اللطيفة الثالثة: السقوط الذريع لما يسمى بالدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها. ومع أن هذه الدعوة الخطيرة متهافتة وباطلة من أصلها بما تعرفه من استحالة اجتماع التوحيد مع الشرك حيث علَّمنا الله أن لا وحدة ولا تقارب ولا تفاهم بين الإيمان والكفر وذلك في كتابه ـ سبحانه ـ حيث قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] ويبين لنا ـ سبحانه ـ موقف الكفار مع انبيائهم الذين يدعونهم إلى التوحيد بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] . وقال ـ سبحانه ـ عن نبيه هود عليه ـ السلام ـ وهو يتحدى قومه الكفار: ﴿إن نَّقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥] . ومع وضوح هذه الأدلة الدامغة إلا أنه وجد من المسلمين من انخدع بمثل هذه الدعوات، فراح يضيع عمره في اللهث وراءها. ولكن من رحمة الله ـ تعالى ـ ولطفه أن يقدر مثل هذه الأحداث التي تبين خبث القوم وكيدهم وغطرستهم مما كان له الأثر الكبير في استيقاظ المخدوعين من المسلمين على استحالة هذا التقارب وبطلانه من أصله. ومن باب الفائدة في هذا المقام أحيل القارئ الكريم إلى فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية في حكم الدعوة إلي وحدة الأديان وتقاربها وتحمل هذه الفتوى رقم (١٩٠٤٢) : ü الوقفة الثالثة: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ وفيها بيان أسباب تلك الحملة: يعجب بعض المتابعين من الحملة المتزايدة على الإسلام من بعض الزعماء الدينيين والسياسيين النصارى في السنوات الأخيرة، ويتساءل بعضهم عن سر التوقيت والتزامن؛ فمن كلام بوش عن المسلمين الفاشيين، إلى كلام بابا الفاتيكان بندكت السادس عن النبي ﷺ ، وقبلها كلام رئيس الوزراء الإيطالي عن الحضارة الإسلامية، وبعده الرسوم المسيئة، وغير ذلك من حملات التشويه. ويتساءل البعض عن الأسباب الكامنة في هذه الحملات ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ ولا شك أن هناك أسباباً لهذه الحملات في هذا الوقت بالذات من أهمها ما يلي: السبب الأول: الانتشار الواسع لدين الإسلام في معاقل النصرانية: والذي أقض مضاجعهم وملأ قلوبهم غيظاً وحقداً وحسداً على أهل الاسلام والتوحيد، ويمثل هذا الانتشار الواسع لدين الإسلام وكثرة المعتنقين له في المظاهر التالية: أـ زيادة أعداد المساجد في دول الغرب والشرق: ففي قلب أوروبا بدأت أعداد المساجد فيها تنافس أعداد الكنائس في باريس ولندن ومدريد وروما ونيويورك، وصوت الأذان الذي يُرفع كل يوم في تلك البلاد خمس مرات، خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً جديدة وأتباعاً جدداً. فقد أصبح للأذان من يلبيه في كل أنحاء الأرض، من طوكيو حتى نيويورك. وعند نيويورك ومساجدها نتوقف؛ ففي أوقات الأذان الخمسة ينطلق الأذان في نيويورك وحدها في مائة مسجد، وبلغ عدد المساجد في الولايات المتحدة الأمريكية ما يقرب (٢٠٠٠) مسجد والحمد الله، وترتفع في بريطانيا مآذن نحو (١٠٠٠) مسجد، وتعلو سماء فرنسا وحدها مآذن (١٥٥٤) مسجداً ولا تتسع للمصلين، وأما ألمانيا فتقدر المساجد وأماكن الصلاة فيها بـ (٢٢٠٠) مسجد ومصلى، وأما بلجيكا فيوجد فيها نحو (٣٠٠) مسجد ومصلى، ووصل عدد المساجد والمصليات في هولندا إلى ما يزيد عن (٤٠٠) مسجد، كما ترتفع في إيطاليا وحدها مآذن (١٣٠) مسجداً، أبرزها مسجد روما الكبير، وأما النمسا فيبلغ عدد المساجد فيها حوالي (٧٦) مسجداً. هذه فقط بعض الدول في أوروبا الغربية، عدا عن أوروبا الشرقية، والإقبال يزداد يوماً بعد يوم، ومن هذه المساجد يتحرك الإسلام وينطلق. ب ـ تحذير الصحف الغربية من انتشار الإسلام: فقد بدأت الصحف الغربية تطلق صيحات تحذير من انتشار واسع لدين الإسلام بين النصارى، ومن ذلك ما جاء في مقال نشر في مجلة (التايم) الأمريكية «وستشرق شمس الإسلام من جديد، ولكنها هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا، فهي لا تشرق من المشرق كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب» . مجلة (لودينا) الفرنسية قالت بعد دراسة قام بها متخصصون: «إن مستقبل نظام العالم سيكون دينياً، وسيعود النظام الإسلامي على الرغم من ضعفه الحالي؛ لأنه الدين الوحيد الذي يمتلك قوة شمولية هائلة» . ج ـ انتشار بيع نسخ القرآن الكريم والكتب الإسلامية: وذلك بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، التي كان لها آثار سيئة واسعة على النشاطات الإسلامية في الغرب وعلى دول الإسلام، إلا أنه مع ذلك ازداد في العالم الغربي الإقبال على التعرف على الإسلام بصورة غير متوقعة، وأصبحت نسخ القرآن الكريم المترجمة من أكثر الكتب مبيعاً في الأسواق الأمريكية والأوروبية حتى نفدت من المكتبات، لكثرة الإقبال على اقتنائها، وتسبب ذلك في دخول الكثير منهم في الإسلام، وفي ألمانيا وحدها بيعت خلال سنة واحد (٤٠) ألف نسخة من كتاب ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية. كما أعادت دار نشر (لاروس) الفرنسية الشهيرة طباعة ترجمة معاني القرآن الكريم بعد نفادها من الأسواق. د ـ تزايد أعداد الداخلين في الإسلام: ففي عام ٢٠٠١م نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) مقالاً ذكرت فيه أن بعض الخبراء الأمريكيين يقدرون الذين يعتنقون الإسلام سنوياً بـ (٢٥) ألف شخص، وأن عدد الذين يدخلون دين الله يومياً تضاعف أربع مرات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حسب تقديرات أوساط دينية. والمدهش أن أحد التقارير الأمريكية الذي نُشر قبل أربع سنوات ذكر أن عدد الداخلين في الإسلام بعد تلك الواقعة قد بلغ أكثر من ثلاثين ألف مسلم ومسلمة، وهذا ما أكده رئيس مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكي؛ إذ قال: «إن أكثر من (٢٤) ألف أمريكي قد اعتنقوا الإسلام؛ وهو أعلى مستوى تحقق في الولايات المتحدة منذ أن دخلها الإسلام» . أما في فرنسا فقد أوردت صحيفة (لاكسبرس) الفرنسية تقريراً عن انتشار الإسلام بين الفرنسيين جاء فيه: «على الرغم من كافة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفرنسية مؤخراً ضد الحجاب الإسلامي وضد كل رمز ديني في البلاد، أشارت الأرقام الرسمية الفرنسية إلى أن أعداد الفرنسيين الذين يدخلون في دين الله بلغت عشرات الآلاف مؤخراً، وهو ما يعادل إسلام عشرة أشخاص يومياً من ذوي الأصول الفرنسية، هذا خلاف عدد المسلمين الفعلي من المهاجرين ومن المسلمين القدامى في البلاد» . وقد أشار التقرير إلى أن أعداد المسلمين في ازدياد من كافة الطبقات والمهن في المجتمع الفرنسي، وكذلك من مختلف المذاهب الفكرية. وهذا الانتشار الواسع لدين الإسلام يحصل مع التضييق الشديد على الأنشطة الإسلامية والجمعيات الخيرية الإسلامية في كثير من الدول، ومع وجود الجهود الهائلة والإمكانات الضخمة التي يبذلها النصارى في نشر الديانة النصرانية والصد عن الإسلام على كافة الأصعدة حتى بلغت ميزانيات بعض الكنائس العالمية أكثر من مليار دولار للسنة الواحدة. ا. هـ. (باختصار عن مقال في موقع أنا المسلم) . وصدق الله العظيم فـ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] . كل هذا مما أغاظ الكفار ونفسوا عن هذا الغيظ والحقد بهذة الهجمات المخذولة. وهنا نقول ما قال الله لسلفهم ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . [آل عمران: ١١٩] السبب الثاني لهذه الحملات: ما حققه الله على أيدي المجاهدين في هذه الأمة ـ جزآهم الله خيراً ـ من نكاية وإثخان في الغزاة: حيث نسمع ونرى من انتصارات المجاهدين في أفغانستان والعراق وفلسطين ما يثلج الصدور ويغم الكفار؛ حيث أصبح الكفرة الغزاة في متناول المجاهدين الأسود تنالهم أيديهم ورماحهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب ورد الله كيدهم في نحورهم، وصاروا يفكرون في الخروج من مأزقهم بعد أن ظنوا أن ديار المسلمين لقمة سائغة لهم. ولما رأى رموز الكفر في الغرب السياسيون منهم؛ والدينيون تصاعد العمل الجهادي أمامهم وتصاعد الكراهية والبغض والبراءة منهم كل هذا زادهم غيظاً وحنقاً فلجؤوا إلى هذه الحملات الفجة الحاقدة على الإسلام لينفسوا عن غيظهم. نسأل الله أن يزيدهم حسرة وأن يموتوا بغيظهم: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . السبب الثالث: التغطية على جرائمهم البشعة: بنشر التشويه لسمعة المسلمين في العالم وتبرير حملاتهم البربرية على بلدان المسلمين بحجة الحرب على الإرهاب ونشر السلام؛ حيث إن هذه الحملات تأتي بمباركة رئيس الفاتيكان كما كان ذلك في الحروب الصليبية القديمة التي حفل بها تاريخ الغرب الصليبي حيث سبقها مباركة الباباوات وتشجيعهم للنصارى على حرب المسلمين، وتصويرهم لأنفسهم بأنهم رسل حضارة وتقدم، وإظهار إبادتهم للمسلمين بأنها دعوة للسلام والحرية والديموقراطية. ü الوقفة الرابعة: رمتني بدائها وانسلَّت: هذا المثل يضرب لمن يعيِّر غيره بعيب هو فيه (انظر مجمع الأمثال ٢/٢٣) وإنه لمن العجائب والمضحكات أن يتهم عابد الصليب دين الإسلام بأنه مخالف للعقل والمنطق أو أنه متعطش للدماء، وأنه ما قام إلا على العنف والحقد والإكراه. إن عابد الصليب حينما تفوَّه بهذا الكلام من فمه النجس ليعلم في قرارة نفسه أنه كذاب وأن دين النصرانية الذي هو رئيسه اليوم غارق في أوحال الشرك والهمجية وإلغاء العقل والتفكير، كما يعلم في الوقت نفسه أن دين الإسلام بريء من كل ما قال، وأنه ما من دين أكرم العقل ووضعه في مكانه اللائق به كالإسلام. إن رئيس الفاتيكان يعلم ذلك علم اليقين، ولكنه الاستكبار والحسد والغيظ، فقد قال الله عن سلفه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] . وقال عمن آمن منهم وانقاد للتوحيد والإسلام: ﴿وَإذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] . فسبحان من وفق من شاء من عباده إلى هدايته، وحرم من حرم منهم حكمة منه وعدلاً. وأكتفي بمثال واحد ساقه الإمام أبن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ من دين النصارى المحرف يدل على همجية عقولهم وانتكاسها. قال ـ رحمه الله تعالى ـ: «وكيف لا يميز من له أدنى عقل يرجع إليه بين دين قام أساسه وارتفع بناؤه على عبادة الرحمن، والعمل بما يحبه ويرضاه مع الإخلاص في السر والإعلان، ومعاملة خلقه بما أمر به من العدل ولإحسان، مع إيثار طاعته على طاعة الشيطان، وبين دين أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار بصاحبه في النار، أسس على عبادة النيران، وعقد الشركة بين الرحمن والشيطان، وبينه وبين الأوثان، أو دين أسس بنيانه على عبادة الصلبان والصور المدهونة في السقوف والحيطان، وأن رب العالمين نزل عن كرسي عظمته فالتحم ببطن أنثى، وأقام هناك مدة من الزمان بين دم الطمث وظلمات الأحشاء تحت ملتقى الأعكان، ثم خرج صبياً رضيعاً يشب شيئاً فشيئاً ويأكل ويشرب ويبول وينام، ويتقلب مع الصبيان. ثم أودع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلم ما ينبغي للإنسان، هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان، ثم جعل اليهود يطردونه ويشردونه من مكان إلى مكان. ثم قبضوا عليه، وأحلوه أصناف الذل والهوان، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجاً من أقبح التيجان، وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان، ثم ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعاً مبصوقاً في وجهه، وهم خلفه وأمامه وعن شمائله وعن الأيمان. ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعر منه القلوب مع الأبدان، ثم شدت بالحبال يداه مع الرجلين، ثم خالطهما تلك المسامير التي تكسر العظام وتمزق اللُّحمان (١) ، وهو يستغيث: يا قوم ارحموني! فلا يرحمه منهم إنسان. هذا وهو مدبر العالم العلوي والسفلي الذي يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شان» (٢) . ولكن العجيب المضحك ـ كما أسلفت ـ هو أن يرمي هذا المخذول خصمه بما هو غارق فيه وفي أوحاله ولكنها الغطرسة والاستخفاف بعقول الناس؛ إذ كيف يرمي غيرَه بحجر مَنْ بيته من زجاج؟! أما الأشد عجباً وسخفاً فهو رميه لدين الإسلام بأنه متعطش للدماء والعنف، وأنه انتشر على جماجم الناس وأشلائهم!! ألا يستحي هذا الظالم المخذول من نفسه؟ إنه والله يعلم أنه كاذب، وأن الناس يعلمون أنه كاذب؛ ولكنه الاستخفاف بعقول الناس والكبر والغطرسة. وإلا فماذا يقول عُبَّاد الصليب عن حروبهم الدينية المخزية عبر مئات السنين التي شنوها قديماً في حروبهم الصليبية؟! ومَنِ الذين وراءها؟ وماذا يقولون عن محاكم التفتيش؟ وماذا يقولون عن الحربين العالميتين التين قتل فيهما الملايين من بني جلدتهم ومن غيرهم؟ ومن الذين غزوا بلاد المسلمين واحتلوها في القرن الماضي؟ ومن الذين قتلوا عشرات الآلاف بالقنبلة الذرية التي تحرق الأخضر واليابس؟ ومن الذين قتلوا وشردوا مئات الآلاف في أفغانستان والعراق؟ ومن الذين قتلوا المسلمين ودفنوهم في مقابر جماعية في حرب البوسنة والهرسك؟!! ومن الذين ساهموا في المذابح المروعة في أفريقية بمباركة قسيسي ورهبان الهوتو التي حدثت لقبائل التوتسي؟ ومن ... ومن؟ إن كل هذه الجرائم والدماء والأشلاء إنما تمت على يد النصارى بمباركة قساوستهم؛ فكيف لا يستحي هذا المتغطرس النجس من هذه الجرائم؟ لكنهم استخفوا بعقول الناس، وبدلاً من الاعتراف بهذه الجرائم والانكفاء على أنفسهم راحوا يزيدون جرائمهم ويشعلونها حرباً على الإسلام، ثم يسمون جميع ضحاياهم إرهابيين أو أنهم دعاة للإسلام بالعنف، ويسمون إبادتهم دعوة للسلام والحرية والديمقراطية!! إنهم هم فقط لهم حق القتل والإبادة، ويجب أن يقبل المسلمون بالموت وأن يعتبروه حرية وتقدماً وسلاماً مسيحياً. ü الوقفة الخامسة: بل انتشر الإسلام بالسيف والبيان: إنه لمن المؤسف أن يضع بعض الدعاة والمفكرين من المسلمين أنفسهم موضع المتهم المنهزم الذي يريد أن يبرئ نفسه من تهمة ويحسِّن وضعه عند خصمه. إن هذا المنهج الأعوج هو ما يتبناه اليوم بعض من قام بالرد على عابد الصليب المخذول عندما قال: إن الإسلام أنتشر بالسيف، فبادر هؤلاء بالرد عليه بقولهم: إن الإسلام لم ينتشر بالسيف، وإنما بالدعوة والبيان، وإنما كان السيف للدفاع عن النفس وعن الديار فقط. ولا يخفى ما في هذا الكلام من مخالفة لما ذكره الله في كتابه الكريم عن غاية الجهاد، وما فيه أيضاً من مخالفة لسيرة الرسول ﷺ والخلفاء وأمراء المسلمين من بعده في تسيير الجيوش لفتح الدنيا وإزالة الطواغيت الذين يصدون عن الدين الحق وحتى لا تكون فتنة أي شرك. ويكون الدين كله لله. يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: (والسيف إنما جاء منفذاً للحجة مقوماً للمعاند، وحداً للِّجاح. قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . دين الإسلام قام بالكتاب الهادي ونفذه السيف الماضي. شعر: فما هو إلا الوحي أو حدُّ مرهفٍ يقيم ضباه أَخْدَعَيْ كل مائلِ فهذا شفاء الداء من كل عاقل، وهذا دواء الداء من كل جاهلِ (٣) ويقول سيد قطب ـ رحمه الله تعالى ـ: «إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر، وتحت الهجوم الاستشراقي الماكر، يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة؛ لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة. والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيداً أن هذه ليست الحقيقة، ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة؛ ومن ثَمَّ يقوم المنافحون ـ المهزومون ـ عن سمعة الإسلام، بنفي هذا الاتهام، فيلجؤون إلى تلمس المبررات الدفاعية، ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته، وحقه في «تحرير الإنسان» ابتداء. والمهزومون روحياً وعقلياً حين يكتبون عن «الجهاد في الإسلام» ليدفعوا عن الإسلام هذا الاتهام يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة، وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه، والتي تعبِّد الناس للناس وتمنعهم من العبودية لله، ومن أجل هذا التخليط ـ وقبل ذلك من أجل الهزيمة ـ يحاولون أن يحصروا الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم: «الحرب الدفاعية» . والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم، ولا بواعثها، ولا تكييفها كذلك. إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة «الإسلام» ذاته، ودوره في هذه الارض، وأهدافه العليا التي قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة، وجعله خاتم النبيين، وجعلها خاتمة الرسالات. إن هذا الدين إعلان عام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد ـ وذلك بإعلان ألوهية الله وحده ـ سبحانه ـ وربوبيته للعالمين. تُرى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ قد أَمِنُوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة أكانوا يقعدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض؟ وكيف كانوا يدافعون هذا المد، وأمام الدعوة تلك العقبات المادية من: أنظمة الدول السياسية، وأنظمة المجتمع العنصرية؟ إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير «الإنسان» نوع الإنسان، في «الأرض» ملء الأرض، ثم تقف أمام العقبات تجاهدها باللسان والبيان! إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يُخَلَّى بينها وبين الأفراد، تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات. فهنا: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من الأغلال» (١) . ولقد وقفت على مقال مسدد في موقع (المختصر) أحسب ان صاحبه وُفِّق لبيان الحق في هذه المسالة ومن باب الفائدة أنقله مختصراً: «إنَّ الإسلام يحتاج اليوم إلى من يقدمه للناس كما هو بِعزَّة ووضوح، نعم! بحكمة، ولكن دون تحريف أو انهزام. والذي أعتقده أنَّ الفرصة هذه الأيام سانحة لمثل هذا التقديم، فلا ينبغي تضييعها. والإسلام ليس ضعيفاً كي نضعه في قفص الاتهام، ثم نجهد في الدفاع عنه لإخراجه منه. وهكذا أوقعونا في الفخ فقالوا: إنَّ إسلامكم انتشر بالسيف، ودينكم دين إرهاب، وإنَّ نبيكم لم يأتِ إلا بالدمار للعالم! وأنتم معشرَ المسلمين تحبون الدماء. فقام المخلصون، وهم إما جهلة، وهم منهزمون، وإما يريدون تجميل الإسلام إلى أن يفتح الله، وإما ـ وللإنصاف ـ مجتهدون، يَردون: كَلاَّ ديننا لم ينتشر بالسيف، انظروا إلى شرق آسيا لم يدخله الإسلام إلا عن طريق التجار، وكَلاَّ نحن لسنا إرهابيين، نحن ألطف مَن خلَقَ الله! ونبينا نبي الرحمة، حتى الحيوانات لم تهملها رحمته. أما عن حبنا للدماء فإشاعات مغرضة والله! ألا دعونا مما قاله رئيس الفاتيكان وأجداده وأبناؤه، وقولوا لنا: ماذا قال الله ـ سبحانه ـ وماذا قال رسوله ﷺ ؟ دعونا من فقه الأزمة هذا الذي يقودكم وخذونا إلى فقه الرشد الذي دلَّنا اللهُ عليه ورسولُه، وحمله الصحابةُ ومن بعدهم من كبار الأمة وفقهائها وعليه ساروا حتى وهم في أصعب حالاتهم أيام الصليبيين والتتار، ذلك أنَّ الهزيمة لا تقاس بـ: (كم احتُلَّ من أشبار) وإنما بـ: (كم احتُلَّ من قلوب) ؟ قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وقد بينت الآية القاعدة التي يقوم عليها الإسلام، وهي الكتاب، والقوة. وقد قال ابن تيمية ﵀: «قِوام الدين: كتاب يهدي وسيف ينصر» . لقد جاء الإسلام معلناً للحق، ومؤيداً للحق في الوقت نفسه؛ وما الطغيان الذي نراه اليوم إلا لأن الحق لا قوة له، ولذلك أمر الله المسلمين بالإعداد ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . أمر بذلك؛ لأنه لا يوجد مبدأ دون قوة، وسواء كان هذا المبدأ حقاً أم باطلاً، أرضياً أم سماوياً فلا بد له من قوة تحميه. الإسلام دين السيف؛ لأنه جاء لقيادة البشرية نحو خيرها، فمن حقها أن تَبْلُغَها الدعوةُ، ولا يمكن هذا إلا بتحطيم الأنظمة التي تحول بين الناس وبين أن يسمعوا كلمة الله. والإسلام دين السيف لمنع الفتنة التي يقترفها المفسدون في الأرض، وليكون الدين كله لله «لا بمعنى إكراه الناس على الإيمان، ولكن بمعنى استعلاء دين الله في الأرض» . قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] لقد آن للمسلمين أن يتحولوا إلى موقف الهجوم بدلاً من موقف الدفاع الذي لصقوا به دهراً طويلاً، وليقولوا للعالمين: إذا كان الإرهاب لحفظ الحق، فنحن إرهابيون؛ ذلك أن الإرهاب ليس وصفاً مطلقاً؛ فقد يكون خيراً، وقد يكون شراً؛ كالقتل: منه ما هو شر، ومنه ما هو خير؛ فقتل النفس البريئة شر، وقتل القاتل خير، وهكذا ... إن من يتهمنا بالإرهاب هم آخر من يحق لهم الكلام عنه؛ فلسنا نحن الذين استعمرنا العالم في القرون الوسطى، وما أنهكنا الشعوب وسرقنا خيراتها، ولسنا نحن الذين اصطحبنا رجال الدين ليخدعوا الشعوب باسم الرب، ولسنا نحن الذين أشعلنا أقذر حربين في قرن واحد أكلتا ملايين البشر، ومحقتا خيرات الدنيا ... والقائمة تطول» (١) ا. هـ. «هذا هو قوام الأمر في نظر الإسلام. وهكذا ينبغي أن يعرف المسلمون حقيقة دينهم، وحقيقة تاريخهم، فلا يقفوا بدينهم موقف المتهم الذي يحاول الدفاع، إنما يقفون به دائماً موقف المطمئن الواثق المستعلي على تصورات الأرض جميعاً، وعلى نظم الأرض جميعاً، وعلى مذاهب الأرض جميعاً، ولا ينخدعوا بمن يتظاهر بالدفاع عن دينهم بتجريده في حسهم من حقه في الجهاد لتأمين أهله، والجهاد لكسر شوكة الباطل المعتدي، والجهاد لتمتيع البشرية كلها بالخير الذي جاء به، والذي لا يجني أحد على البشرية جناية من يحرمها منه، ويحول بينها وبينه؛ فهذا هو أعدى أعداء البشرية، الذي ينبغي أن يطارده المؤمنون الذين أختارهم الله وحباهم بنعمة الإيمان؛ فذلك واجبهم لأنفسهم وللبشرية كلها، وهم مطالبون بهذا الواجب أمام الله. جاهد الإسلام أولاً ليدفع عن المؤمنين الأذى، والفتنة التي كانوا يسامونها، وليكفل لهم الأمن على أنفسهم، وأموالهم، وعقيدتهم، وقرر ذلك المبدأ العظيم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] . فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها، وفتنة أهلها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها. فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم، وإذا كان المؤمن مأذون في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله، فهو من باب أوْلى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه. وجاهد الإسلام ثانياً لتقرير حرية الدعوة ـ بعد تقرير حرية العقيدة ـ فقد جاء الإسلام بأكمل تصور للوجود والحياة، وبأرقى نظام لتطوير الحياة؛ جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلها، ويبلغه إلى أسماعها وإلى قلوبها؛ فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا إكراه في الدين، ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة؛ كما جاء من عند الله للناس كافة، وأن تزول الحواجز التي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا. ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نظم طاغية في الأرض تصد الناس عن الاستماع إلى الهدى، وتفتن المهتدين أيضاً، فجاهد الإسلام ليحطم هذه النظم الطاغية؛ وليقيم مكانها نظاماً عادلاً يكفل حرية الدعوة إلى الحق في كل مكان، وحرية الدعاة. وما يزال الجهاد مفروضاً على المسلمين ليبلغوه إن كانوا مسلمين. وجاهد الإسلام ثالثاً ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرره ويحميه؛ وهو وحده النظام الذي يحقق حرية الإنسان تجاه أخيه الإنسان؛ حينما يقرر أن هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال؛ ويلغي من الأرض عبودية البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها» (٢) . وقد يستغرب القارئ هذا الاستطراد في هذه المسألة، ولكن هذا الاستغراب يزول إذا نظرنا إلى ضخامة هذا التلبيس والتضليل الذي تتعرض له ثوابت هذا الدين وشعائره. فعندما ندرك خطورة هذا التبديل في دين الله فإنه لا يستكثر الكلام في إزالة هذا اللبس وبيان الحق للناس. بل إن الأمر يستحق بسطاً وتفصيلاً أكثر من ذلك، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله. والله ـ سبحانه ـ الموفق والمعين والمسدد. وفي ختام هذه المقالة أقول ما قاله ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ من كتابه (هداية الحيارى) : «فلله الحمد الذي أنقذنا بمحمد ﷺ من تلك الظلمات، وفتح لنا به باب الهدى فلا يغلق إلى يوم الميقات، وأرانا في نوره أهل الضلال وهم في ضلالهم يتخبطون، وفي سكرتهم يعمهون، وفي جهالتهم يتقلبون وفي ريبهم يترددون، يؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت، يؤمنون ويعدلون، ولكن بربهم يعدلون، ويعلمون ولكن ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون ولكن للصليب والوثن والشمس يسجدون، ويمكرون ولكن لا يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] . الحمد لله الذي أغنانا بشريعته التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وتتضمن الأمر بالعدل والإحسان، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، فله المنة والفضل على ما أنعم به علينا وآثرنا به على سائر الأمم، وإليه الرغبة أن يوزعنا شكر هذه النعمة، وأن يفتح لنا أبواب التوبة والمغفرة والرحمة) .

стр. 5787

استقطاب المطوعين في القطاع الخيري بين الواقع والمأمول عمر بن نصير البركاتي ü أولاً: المداخل والمقدمات: ١ - ما هو الاستقطاب؟ يعرِّف خبراء الإدارة الاستقطاب بأنه: تشجيع الأفراد الذين يملكون المهارات المطلوبة للتقدم للعمل في المنشأة (١) . ٢ - من هو المتطوع؟ المتطوع: هو شخص يقدم خدمة بإرادته الحرة، دون الحصول على تعويض مالي (٢) . إن استقطاب المتطوعين يعني كيفية انتقاء المتطوعين واستثمار خبراتهم ووقتهم وحماسهم، وتسخيرها للعمل التطوعي (٣) . ٣ - مصادر التطوع: كافة أفراد المجتمع يمكن الاستعانة بهم في مجالات العمل التطوعي، وهذه إشارة إلى بعض المصادر التي يغفل عنها بعض قادة القطاع الخيري: أ - الطلاب على مختلف مستوياتهم خصوصاً أهل التخصص في الخدمة الاجتماعية؛ لأنهم أكثر إدراكاً لحاجة المجتمع للتطوع. ب - المتقاعدون. ج - النساء. د - الأطفال. هـ - المستفيدون من الجمعيات الخيرية. ثانياً: تقنيات الاستقطاب (١) : ١ ـ تحديد الحاجة إلى المتطوعين: فليس المراد هو كثرة أعداد المتطوعين، بل المطلوب المتطوع المناسب في العمل المناسب، وإن أية محاولة لتوظيف المتطوع دون أن يكون هناك إعداد لوظيفة مناسبة له، كالذي يبيع سلعة لا وجود لها. ٢ - الاختيار الصحيح للمتطوع: وهذا يسهم في توفير القدرة على استغلال سليم لطاقات المتطوع، وتخفيض كلفة الإعداد، وعدم تحميل المتطوع فوق طاقته، وتفهم المتطوع لأهداف وتطلعات الجمعية أو المؤسسة. ٣ - التدريب والتأهيل: إذ إن التدريب سوف يبلور موقف المتطوع، ويساعده على إنجاز العمل المطلوب بكفاءة أعلى، كما أنه يلعب دوراً بارزاً في شد المتطوع للجمعية، واستمراره متطوعاً لأطول فترة ممكنة، واستغلال طاقاته بشكل أفضل على الصُّعُد كافة. ٤ - الإطار التنظيمي: وتكمن أهمية ذلك في أن المتطوع مُعرَّض للشطط من ناحية، وللتوقف عند مواجهة أية صعوبات من ناحية أخرى؛ فتأطير العمل يساعد على تحقيق مسألتي الاستمرارية والمتابعة. ٥ - توفير الإمكانات: حتى يعمل المتطوع وينجز العمل المكلف به لا بد من توفير التجهيزات المساعدة، سواء كانت معدات، أو آلات، أو وسائل، أو مكاتب؛ لأن ذلك يوفر للمتطوع الجو المناسب للعمل. ٦ - التقييم: من المفيد تقييم جهود المتطوعين تقييماً علمياً، كما أنه لا بد من اشتراك المتطوعين في هذه العملية؛ من أجل التعرف على النتائج المحققة، وسد الثغرات في رسم الخطط المستقبلية. ٧ - التحفيز والتنشيط: ومن ذلك الاعتراف الدائم بإنجازات المتطوع وعطاءاته، والمشاورة وتقبل الاقتراحات، والشكر والتقدير، وإزالة العقبات، إلى غير ذلك من الوسائل. ü ثالثاً: عوامل نجاح عملية الاستقطاب: من أهم عوامل النجاح لعملية الاستقطاب: ١ - إعداد قسم مختص يشرف على شؤون المتطوعين. ٢ - لوائح ونظم إدارية تحكم عمل المتطوعين، وتوضح مسؤولياتهم وواجباتهم وحقوقهم. ٣ - أعمال حيوية ذات طبيعة جذابة، وإنتاجية ملموسة (٢) . ٤ - الاستفادة من تجارب الجمعيات الخيرية التطوعية في البلدان المختلفة، والاستنارة بخططها (٣) . ٥ - تطبيق تقنيات الاستقطاب. ٦ - دراسة أسباب التسرب التطوعي للمتطوعين داخل الجمعيات والمؤسسات الخيرية لمعالجة الأخطاء وتجنبها مستقبلاً. ü رابعاً: الفوائد والآثار الإيجابية لعملية الاستقطاب: تتعدد الفوائد والآثار الإيجابية لعملية الاستقطاب، ولعل من أبرزها: ١ - تغطية النقص أو القصور الذي يمكن أن تعاني منه الجمعيات أو المؤسسات الخيرية سواء من الناحية المالية أو القوة البشرية، ومن ثم تحقيق أهداف الجمعيات دون تحمل أعباء مالية إضافية إذا ما قام بالعمل موظفون رسميون، ويمكن الاستفادة من هذه الأموال في مشاريع أخرى مع التنبيه على الحقائق التالية: أ - إن المؤسسات والجمعيات الخيرية لا تستطيع الاستغناء عن العمل التطوعي، كما أنها بحكم واقعها المؤسسي تحتاج إلى العمل المأجور الذي يضمن لها حداً أدنى من الاستقرار والإنجاز؛ لذلك لا بد من وضع هيكلها التنظيمي بحيث يجمع بين هذين النوعين من الأعمال، فتخصص للعمل المأجور المفاصل الأساسية التي تشكل البنية التحتية المستمرة للمؤسسة، وتستفيد من العمل التطوعي في أذرعها التنفيذية. ب - للقوى العاملة في المؤسسات والجمعيات الخيرية مجهود ضخم، وليس من الإنصاف أن تهضم حقوق هذه الفئة؛ بحجة دعم العمل التطوعي، بل لا بد من توفير الرواتب والعطاءات المجزية، والسعي لتطبيق سقف من الضمانات المحفزة لبقاء اليد العاملة (٤) . ج - عند تعيين عدد كبير من الموظفين لتنفيذ العمل فإن هذا يعني إهدار الكثير من المال، وللأسف تتبنى بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية هذا الاتجاه، كما هو الحال في بعض الشركات التجارية، إضافة إلى ما يصاحب ذلك من إشكالات أخرى. أما عن حجم الإنفاق على القوى العاملة فالتقارير السنوية لا تتعرض لذكره (٥) ، إضافة إلى أن بعض الإدارات الخيرية تمانع في البوح بها، وتعتبرها من الأسرار الخاصة، كما أن بعض المؤسسات تشكو من عدم الاستقرار الوظيفي لديها. ٢ - يساهم استقطاب المتطوعين في علاج مشكلة البطالة؛ فهو يعوِّد الإنسان على العمل والإيجابية، وقد تفسح له فرصة للعمل، ومن ثم الحماية من الوقوع في السلوك المنحرف. ٣ - اكتشاف القيادات وتدريبها وزيادة مهارتها. ٤ - زيادة إنتاجية الأعمال الخيرية؛ فمما لا شك فيه أن إسهامات المتطوعين تزيد من الإنتاج؛ وذلك لامتياز العمل التطوعي بالحماس في الأداء ـ وهذا ما يُفقد في العمل الروتيني ـ وإمكانية سد الثغرات الموجودة في الجمعيات في بعض التخصصات النادرة. وبالنظر إلى لغة الأرقام يكفي أن نعلم أن معدل ساعات التطوع في أمريكا عام ١٩٩٤م كان موازياً لعمل (٩) ملايين موظف، وبلغت قيمة ما تُطُوِّع به من وقت (١٧٦) بليون دولار (١) ، ويقول «بيتر أف دراكر» : وقليل من الناس يعرفون أن قطاع الهيئات التي لا تبغي الربح هو إلى مدى بعيد يعتبر أكبر صاحب عمل في أمريكا، ويعمل فيها واحد من بين كل اثنين من البالغين ـ إجمالي عددهم يزيد عن (٨٠) مليون شخص متطوع لمدة خمس ساعات في المتوسط لكل أسبوع في مؤسسة واحدة أو عدة مؤسسات مما لا تبغي الربح، ويعادل ذلك عشرة ملايين وظيفة لكل الوقت، ولو أن هؤلاء المتطوعين حصلوا على مقابل عملهم لبلغ أجرهم محسوباً على الحد الأدنى حوالي (١٥٠) مليار دولار أو (٥%) من إجمالي الناتج المحلي؛ والعمل التطوعي آخذ في التغير السريع (٢) . فكيف لو توفرت مثل هذه الأرقام لجمعياتنا الخيرية؟! ومما يؤكد هذا الأثر تنوع اختصاصات المتطوعين؛ حيث يغطون معظم التخصصات التي تحتاجها الأعمال الخيرية ومساهمتهم في جمع التبرعات، ورسم سياسات الجمعيات التي يتطوعون فيها، وكل تلك الأعمال تسجل زيادة في الرصيد الإنتاجي للجمعيات. ومما تحسن الإشارة إليه أن هذه الزيادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحسن إدارة الجمعية للمتطوعين والاستغلال الأمثل لطاقاتهم وقدراتهم. ٥ - توفير وقت الموظفين لنواحي العمل التي تتطلب مهارات فنية أكثر (٣) . ü خامساً: محاذير وأخطاء في عملية الاستقطاب: ١ - أن يصبح الاستقطاب تعصباً للجمعية أو المؤسسة ومواجهة مع الجمعيات الأخرى، ولو كانت تعمل في المجال نفسه والأهداف ذاتها. ٢ - انتفاء الطابع المؤسسي للعمل التطوعي؛ فهذا ينضم إلى الجمعية لوجود أصدقائه فيها، وآخر يسيطر على العمل دون التزام بنظام محدد.. إلخ. ٣ - استقطاب عدد كبير من المتطوعين فوق الاحتياج؛ نتيجة لفقد التخطيط السليم. ٤ - عدم الاهتمام والعناية بالمتطوعين بعد استقطابهم؛ مما يسبب رحيل كثير منهم، وقد أفادت الدراسات أن المتطوعين يميلون قبل الاستمرار في العمل التطوعي إلى اعتماد أسلوب التجربة أولاً، ومن ثم اتخاذ قرار الاستمرار أو الانقطاع. ٥ - استخدام المتطوعين في أي عمل حتى الأعمال المستقرة والنمطية، وهذا ضار؛ فينبغي توظيف عاملين للأعمال الرتيبة والمستقرة، وتفريغ المتطوعين للأعمال التي تحتاج إلى التخطيط والتفكير والتجديد. ٦ - إثقال كاهل المتطوع بالأعمال وعدم مراعاة أحواله وقدراته. ü سادساً: أمثلة من استقطاب المتطوعين: ١ - استقطب الهلال الأحمر السعودي (١٠٠٠) متطوع من خلال الحملة التي قام بها للتعريف بالتطوع وأهميته، واعتمد فيها على إقامة الندوات، وورش العمل، ومعسكرات التطوع، وفي مدينة الطائف حالياً يبلغ عدد المتطوعين (٣٦) طبيباً وطبيبةً (٤) . ٢ - استطاعت «دار تنمية الأسرة» بقطر استقطاب (١٥٠) متطوعاً من جميع الجنسيات، منهم (٩٢) امرأة؛ وذلك عن طريق إقامة ملتقى للمتطوعات، وأصبح الآن يقام كل سنة. ٣ - استطاع «صندوق الزكاة» بقطر من خلال تبنيه لفكرة الدلالة على الفقراء بواسطة المتطوعين من استقطاب عدد كبير؛ كان لهم دور مؤثر في تحقيق نتائج نوعية، وغير مسبوقة (٥) . ٤ - نجحت «إدارة المتطوعين بالهلال الأحمر» الإماراتي في استقطاب عدد من المتطوعين من خلال نشر استمارة دعوة للتطوع في المؤسسات الحكومية، وتعزيز الدور الإعلامي في مجال العمل التطوعي (٦) . ٥ - استقطبت «لجنة التعريف بالإسلام» في الكويت (٣٦) داعياً وداعيةً، يتحدثون بلغات مختلفة؛ لدعوة أبناء جالياتهم؛ وذلك من خلال الفروع المنتشرة في البلاد (١) . ٦ - أطلقت «إدارة الدفاع المدني» بدبي حملة استقطاب واسعة من خلال مشروع (المسعف المتميز التطوعي) والذي يقوم بتدريب المتطوعين على العديد من مراحل الإسعافات الأولية، ويأمل القائمون على هذا المشروع التطوعي في استقطاب (٣٠٠) متطوع في نهاية العام (٢) . ü سابعاً: عوائق استقطاب المتطوعين: ١ - حملات الاتهام والدعاوى الجائرة التي تواجهها الجمعيات الخيرية (٣) . ٢ - عدم وجود أهداف واضحة لدى الجمعية أو المؤسسة الخيرية من استقطاب الكم الكبير من المتطوعين. ٣ - عدم تعريف المتطوع بالجمعية، وأهدافها وطرق تنظيمها. ٤ - عدم قدرة الإدارة العليا في الجمعية على التعامل مع المتطوعين لغرقها في العمل الروتيني اليومي. ٥ - ظن بعض العاملين الرسميين في الجمعية بأن استقطاب المتطوعين يعد تهديداً لأعمالهم ومكانتهم الوظيفية، فلا يحصل منهم أي حماس لفكرة جذب المتطوعين. ٦ - عدم مناسبة العمل لقدرات ومؤهلات المتطوعين. ٧ - عدم وضوح الإجراءات واللوائح المتعلقة بالجمعية للمتطوعين. ٨ - إسناد عملية الاستقطاب إلى شخص حاد الطبع، ومدرسته الإدارية صارمة (٤) . ٩ - السعي وراء موارد الرزق، وهذا يفسر عدم اهتمام الفقراء بالمشاركة التطوعية. ١٠ - انتشار نسبة الأمية. ١١ - الخبرة السلبية السابقة للمتطوع، والتي يمكن أن تحول بينه وبين أي مشاركة تطوعية أخرى. ١٢ - قلة الخبرة بالعمل التطوعي وما يتضمنه. ١٣ - عدم إعلان الجمعيات عن حاجتها لمتطوعين؛ فقد يوجد الكثير ممن لديهم الاستعداد للتطوع، ولكن لا يعلمون شيئاً عن هذه الجمعيات أو ما يحتاجون إليه. ١٤ - عدم فهم المسؤولين في الجمعيات لدور المتطوعين؛ فبعضهم لا يدرك أهمية مشاركتهم، ولا ما يقدمونه من أدوار مهمة. ١٥ - المفهوم الخاطئ المتمثل في القيام (بالكل) أو (لا شيء) ؛ فليس صحيحاً أن المتطوع لا بد أن يقوم ببذل الجهد التطوعي طيلة الوقت، وإلا اعتبرت جهوده التطوعية ضعيفة (٥) . ١٦ - ضعف التجربة في الجهد التطوعي. ١٧ - البعد وضعف المواصلات، خصوصاً في المجال النسائي. ١٨ - الفهم غير الصحيح لدى بعض المتطوعين لمفهوم التطوع؛ فهو يرى أنه باستطاعته أن يحضر ويخرج كما شاء، وأن يبدأ العمل ويوقفه كما يريد، كما أنه ليس لأحد أن يحاسبه على التقصير، وإتمام العمل وجودته. ١٩ - عدم تهيئة الأماكن المناسبة للعمل والإنتاج. ٢٠ - عدم تقدير المجتمع للمتطوع. ٢١ - عدم الجدية والاستمرار في العمل من قِبَل بعض المتطوعين. ٢٢ - تعرض العاملين في العمل التطوعي للقدح والطعن. ٢٣ - تعارض وقت التطوع مع العمل الرسمي أو الدراسة. ٢٤ - زيادة متطلبات الحياة المادية الحديثة. ٢٥ - زيادة معدل التفكك الأسري، وتفكك العلاقات والروابط الاجتماعية؛ نتيجة للبعد بين أفراد الأسرة، وتلبية لمتطلبات العمل. ٢٦ - قلة تشجيع العمل التطوعي. ٢٧ - الكسل والاتكالية. ü ثامناً: أفكار عملية لاستقطاب المتطوعين: ١ - تقديم حوافز للمتطوعين والمتطوعات، مثلاً: منح المتطوع إجازة مدفوعة الأجر. ٢ - إيجاد مراكز ومواقع إلكترونية تقوم بتوفير فرص للعمل التطوعي حسب المناطق، خصوصاً في فترات الإجازات، مع الحض على الانضمام إليها من خلال المراكز الصيفية وبرامج الصيف. ٣ - إقامة ملتقى التطوع الخيري. ٤ - تخصيص ساعات من أوقات الطلبة في مراحل التعليم النهائية للمشاركة في العمل التطوعي. ٥ - تفعيل فكرة التطوع الصيفي لاستقطاب الطلاب في فترات الإجازات السنوية. ٦ - إيجاد فرص لأعمال تطوعية للمتقاعدين، ويجري ذلك من خلال الشركة أو المؤسسة التي كان يعمل بها المتقاعد. ٧ - نشر استمارات دعوة للتطوع في المؤسسات والشركات والمدارس. ٨ - إقامة دورات تدريبية عن التطوع في مختلف مجالاته. ٩ - إعداد برامج مرئية في مجال العمل التطوعي.

стр. 5788

الدُّعاة والعمل السياسي دعوة للمراجعة فيصل بن علي البعداني ولجَ بعض رجالات الأمة ودُعاتها في بعض الدول في خضمِّ المعترك السياسي، سواء أكان ذلك في الجانب التشريعي أم التنفيذي؛ بهدف مدافعة طليعة الغرب وأذنابه في بلداننا من دعاة المدِّ العلماني الجارف بكافة أطيافه والذي سُلِّط على الأمة وتسرّب إلى مناحي حياتها المختلفة، والسعي لتخفيف ضرر جنايته، وحماية الأمة ودعوتها المباركة من بعض شروره، وإبقاء بعض الفضاءات متاحة أمام الجهود الخيرة التي يمكن أن تنتشل الأمة من مرحلة الهوان والتبعية وفترة التسلُّط القاسي التي تمرُّ بها. وبكل تأكيد فقد صاحب هذه التجربة جوانب نجاح وإخفاق، وبغضِّ النظر عن ذلك فمن صدقت نيّته من أولئك الفُضلاء، وتخلّص من حظوظ نفسه فهو دائر بين الأجر والأجرين، والله غفور رحيم جواد كريم. وليس الهدف بالأساس هنا تقويم التجربة أو الحكم عليها فلذلك رجاله وساحاته، إلا أن المشاهَد في هذا الاتجاه في الآونة الأخيرة فشو بعض المظاهر شديدة الجنوح عن المنهج النبوي الراشد في الإصلاح والتغيير، ومن ذلك: والحديث هنا ليس عن أصل المشاركة، فتلك قضية اجتهادية، المشارك فيها والمحجم عنها كلاهما على خير إن شاء الله، وإنما الحديث عن تصريحات الخلط وخُطبه ومحاضراته، وعمليات الدفاع المستميت الذي يتصدر له بعض الجهلة من المحسوبين على الدعوة؛ بغرض إعطاء تلك المزالق التي تبنّتها جماعاتهم بُعْداً شرعياً، وإظهارها بمظهر المتوافق مع الشريعة، لا بل والمنطلق منها! ونتيجة لذلك وجدنا ـ مثلاً ـ بعض طلبة العلم المنتمين إلى بعض تلك الفصائل الدعوية الخائضة في هذا الجانب من يصف من يراد تقديمه للعامة من المرشحين بالزهد والربانية، مع أن ذلك الرجل لا تظهر عليه بوادر الاستقامة فضلاً عن أن يُعدَّ من أهل الدعوة! في الوقت الذي يرى المرء فيه في المقابل سخرية شديدة، وهزءاً حادّاً من دعاة وطلبة علم شهيرين في الساحة لا ينتمون لتلك الفصائل ولا يرون مناسبة الخوض في خضمِّ المعترك السياسي وقتاً أو رؤية، حتى إن بعض كبار الخطباء وقيادات العمل الفاضلة التي ولجت في هذا الباب قامت بإسقاط آيات النفاق عليهم، وكأن شعار (لنعمل فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) ـ مع التحفظ النسبي عليه ـ لا يطبق إلا في داخل الأسوار المغلقة لتلك الفصائل، أو مع حلفائها من خارج الساحة الدعوية! فيا لله كم صرْنا في زماننا نبصر الكثير من الخلط والعجائب! فكيف إذا انضافت إلى ذلك الخطل شرور أخرى؛ كتصدير بعض الجهلة ورقيقي الديانة، واستمراء الكذب، وممارسة الخداع والغش والتزوير، تماماً كما يمارسه العلمانيون ومن يدور في فلكهم من أهل الأهواء والشهوات، وإن كان بحجم أقل، تحت مبرّر المعاملة بالمثل، وأنه كذب للدين وتزوير من أجل الفضيلة، متناسين ما قد تقرَّر في محكمات الشريعة من أن الوسيلة القذرة لا تبررها الغاية النبيلة البتة. وفي هذا السياق أؤكد أن المشاركة السياسية التي يُعْمَل من خلالها على جلب بعض المصالح ودَرْء بعض المفاسد قد تكون مفهومة بل ومقدّرة، في حال أعطيت حجمها، ووضعت في سياقٍ عمليٍّ تكامليٍّ مع المقاصد الكبرى للدعوة، أما أن تتحول من وسيلة إلى غاية، في مقابل تسطيح الطرح النظري والتبنِّي العملي لأصول الدعوة، وليس هذا فحسب، بل ويمارس دوراً إقصائياً لكل طرح يدعو للتوازن والانضباط في هذا الجانب من داخل الصف أو خارجه، وتسقط عليه نصوص التخذيل وبعض خِلال المنافقين، في وقت يتحالف فيه مع قلاع العلمنة وعتاة أهل الأهواء والبدع، وتفتح فيه بوابات التحاور والتنسيق المشبوه مع بعض السفارات الغربية تحت مبرر حماية الدعوة، والظهور بمظهر الاعتدال والوسطية، مع أن المولى القدير يقول: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ، فهو أمر غاية في الغرابة بل والخطل، ويزداد الأمر شناعة حين يُغرس ذلك القصور والتمييع في نفوس الأتباع، ويتحول في السياق التربوي والطرح الفكري لبعض الفصائل الكبرى للعمل الإسلامي اليوم إلى مظهر رشد وحنكة، وشعور عالٍ بالمسؤولية، وقاعدة راسخة ونهج تطبيقي ثابت! ولو أردنا أن نحلِّل الأسباب التي أدَّت إلى تلك المظاهر الخطرة لوجدنا أن من أبرزها: وما لم يُبثّ علم الوحي المطهر في الأمة، وينتشر الفقه، وتزكى النفوس، وتربى على الإيمان، فإن الانتقال إلى المراحل التالية ـ فيما أحسب ـ استعجالٌ وجرٌّ للأمة إلى مرحلة لم تتهيأ لها بعد. وأمام هذا الواقع فالدعاة إلى الله ـ تعالى ـ مطالبون بجملة من المعالجات التي قد تعين على الخلاص من جوانب النقص والقصور في هذا الباب، ولعلَّ من أبرز عناصرها: والمسؤولية تقع في هذا الجانب بالأساس على العلماء والمفكرين، إذ الضعف ضعفهم، والتقصير تقصيرهم، وإن من أمانة العلم ومسؤولية حفظ الدين التي استرعاهم الله ـ تعالى ـ عليها أن لا يتركوا الأمة ينهشها الزيغ العقدي والانحرافات الفكرية، وتغرق في بحور الشهوات، وعندهم من الله ـ تعالى ـ وصف علاجها. وختاماً: فلا بد من سلوك نهج النبي الكريم ﷺ في الإصلاح والتغيير؛ لأن دين رب العالمين على مرِّ تاريخ البشرية الطويل لم يقم به وينصره إلا نبي أو سائرٌ على نهج نبي، على أن مرمى هذا الحديث هو الدعوة للمراجعة فقط، وليس تقويماً للتجربة، كما أنه لا يصلح أن يُعدَّ بمثابة أرضية لإعطاء صورة متكاملة عن المشاركة السياسية للدعاة؛ لأنه بمثابة الحديث الانتقائي الذي يركز على بعض جوانب الخلل التي قد تدقّ أو تجسر، بغرض معالجتها والمبادرة إلى تلافيها. وأرجو أن لا يفهم من خلال هذا الطرح أنه بمثابة دعوةٍ إلى الإقدام أو الإحجام عن الخوض في هذه التجربة إذ ذاك ليس من هدف المقالة، كما أنها لا ترمي بحال إلى تبرير موقف طائفة فضلى من أهل العلم والدعوة انكفأت على نفسها وفشلت في مواكبة واقعها، ولم تستطع حتى الآن على الأقل أن تواكب الأحداث الجسام التي تمرّ بها أمة الإسلام في أكثر من موقع وعلى أكثر من صعيد بالصورة المرجوة. اللهم وفّق دعاة الإسلام المصلحين في كل مكان، واحفظهم، وبارك فيهم ولهم، وألهمهم رشدهم، وسدّد رأيهم، وجنّبهم الوقوع فيما لا يرضيك عنهم بفضلٍ منك وإحسان يا أرحم الراحمين. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 5789

العمل والتربية الحياتية من منظور إسلامي د. بركات محمد مراد الأصل هو أن العمل ضروري لكسب المعيشة وتحقيق المستهدفات الأخرى في الحياة. والعمل له أيضاً وظيفة اجتماعية ونفسية؛ فهو يسبغ على صاحبه قيمة معينة، ويساعده في تحقيق الذات، ويعطيه جملة من المشاعر الإيجابية نحو نفسه ونحو الآخرين. وفي المجتمع العربي والإسلامي نجد الدين الإسلامي والتراث ومختلف أدوات التنشئة من مناهج تعليمية وبرامج إعلامية وغيرها تحرّض على العمل وتدعو إلى احترامه. ويعتبر العمل واجباً إسلامياً على كل فرد؛ حيث إن قواعد الإسلام، وسلوك الأنبياء والصالحين تشير إلى وجوب العمل في مختلف أشكاله. فقد عرف الأنبياء ﵈ قيمة العمل على هذا النحو؛ حيث كان إدريس خياطاً، وزكريا بحاراً، وموسى أجيراً، ومحمد تاجراً مع عمه أبي طالب، ثم لحساب خديجة بنت خويلد قبل أن يتزوجها، وكذلك كان راعياً للغنم. ولا يجوز لنا أن نستهين بأي مهنة أو حرفة مهما بدت ضئيلة القيمة؛ فإنها في النهاية لها أهميتها في حركة الحياة، ولا تستقيم الحياة بدونها، والتوجيه النبوي يقول: «اعملوا؛ فكل ميسَّر لما خُلق له» (١) . والعمل الذهني مثله مثل العمل العضلي كلاهما ضروري لحركة الحياة ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر. وقد كان أنبياء الله جميعاً يمارسون بعض الحرف وفي مقدمتها رعي الغنم، ولم يقلل ذلك من قيمتهم ومكانتهم. ولذلك يقول النبي ﷺ : «ما أكل أحد طعاماً قطُّ خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (٢) . وهنا يقول ابن حجر العسقلاني شارحاً: «في الحديث فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره. والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله ـ تعالى ـ وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل، ولهذا أورد النبي ﷺ قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد ... إلخ» (٣) . كما يقول النبي ﷺ إن الله يحب العبد المؤمن المحترف» (٤) . ويقول: «من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفوراً له» (٥) . وفي الأثر أنه قبّل يداً وَرِمَتْ من العمل، وقال: «هذه يد يحبها الله ورسوله» . ومن قبل قال لقمان لابنه: «يا بني! استعن بالكسب الحلال على الفقر؛ فإنه ما افتقر أحد قط، إلا أصابته ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الثلاثة استخفاف الناس به» (١) . وقد عرف المسلمون هذا الأمر، فقال علي بن أبي طالب ﵁: «قيمة كل امرئ ما يحسن» (٢) . وقال ابن مناذر: «سألت أبا عمرو بن العلاء: متى يحسن المرء أن يتعلم؟ قال: ما دامت الدنيا تحسن به» (٣) كما قال الغزالي: «من العلوم الشرعية علوم محمودة، ترتبط بها مصالح أمور الدنيا كالطب، والحساب» (٤) . إن الإنسان ـ كما أكدت دراسات الروح المعنوية في الصناعة، ودراسات الإشباع الاجتماعي المهني ـ لا يعمل لمجرد الحصول على الأجر أو لمجرد الحصول على الطعام والمأوى، وإنما بجوار ذلك الهدف فهو يعمل لإشباع مجموعة من الحاجات، كالحاجة إلى الأمن، والاحترام، والتقدير، والحاجة الفسيولوجية، والحاجة إلى تحقيق الذات وسعادتها. \ العمل بين الإسلام والتراث الغربي: إذا كانت مهمة الإنسان في هذه الحياة هي إعمار الأرض؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] ، فإن ذلك لن يتحقق إلا بالعمل من أجل البلوغ إلى تحقيق الهدف. فالحياة بلا عمل موات، والإنسان قد أعطاه الله من القوى والطاقات ما يجعله قادراً على قيادة سفينة الحياة بالعمل الجاد المنتج الذي يعود على الفرد والمجتمع بالخير العميم. ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالعمل اهتماماً بالغاً؛ فالإسلام يربط بشكل مستمر بين الإيمان والعمل الصالح. وهذا العمل الصالح يعني كل الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حياته ويقصد من ورائها وجه الله ـ تعالى ـ ونفع الناس ودفع الأذى عنهم، وجلب المصالح والمنافع لذاته ولأهله ولكل من هو مسؤول عنه. وكل عمل يشتمل على ذلك فإنه يندرج أيضاً تحت مفهومي العبادة والتقوى. وآيات القرآن الكريم التي تشتمل على الربط بين الإيمان والعمل الصالح تفوق الحصر، وقد جاء في الآثار ربطٌ حكيم بين الإيمان والعمل بقول الحسن البصري: «ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في الصدر وصدقه العمل، وإن قوماً غرتهم الأماني، وقالوا: نحسن الظن بالله، وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل» (٥) . ومن شأن العمل أن يؤدي إلى تطوير الحياة. ومن خلاله يحصل الناس على أقواتهم فيزرعون ويحصدون. والقرآن الكريم يأمرنا أن نجوب الأرض بحثاً عن الرزق، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] . والحياة سلسلة من الأعمال متصلة الحلقات، والذي يقعد عن العمل مع القدرة عليه لا يستحق الحياة؛ لأنه بذلك يصبح عبئاً على غيره، ويصير طفيلياً على الحياة ذاتها؛ فالقعود عن العمل كسل ممقوت. ومن أجل ذلك يقول عمر بن الخطاب: «لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وإن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ . [الجمعة: ١٠] » وهذا يعود إلى أن الإسلام ـ بنصوصه وروحه ـ دستور ونظام، وعقيدة وشريعة، والإسلام عمل للدارين: الآخرة والأولى، وهما في الإسلام موصولتان. والفقه الإسلامي شقان متكاملان متلازمان: عبادات ومعاملات «فإلى جانب أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج، نجد أحكام الشراكة والمزارعة والمساقاة والمضاربة والوكالة والكفالة والحوالة إلى آخر هذه الأمور التي تتصل أوثق اتصال بالحياة الدنيا، والتي تستوعب الأبواب الكثيرة للمعاملات، ونجد أوامر بالوفاء بالعقود وبأداء الأمانات إلى أهلها، وبرد المظالم، وإعطاء كل ذي حق حقه. والعمل قيمة ينبغي الحرص عليها؛ فالأخذ بها يؤدي إلى التقدم والارتقاء، والتخلي عنها يؤدي إلى التخلف والجمود والموت. ونحن لا نقصد هنا بالعمل القيمة المطلقة للعمل فحسب، كشيء فطري في الخلق، وإنما نعني بالعمل ارتباط الفكر بساحات الأداء البشري المفصل، واتصال المعارف بالتجربة والتطبيق. فالواقع الراهن يؤمن بالحركة العملية؛ فهو لم يعد شغوفاً بالفلسفة النظرية والتأملية الخالية من المعنى، بل إن العمل يُعطي للأفكار قيمتها، وإشعاعها، ويبرهن على عبقرية الجهد الإنساني الواقعية. وقد كان هذا طابع العمل دائماً في الحضارة العربية والإسلامية، بخلاف كثير من الحضارات السابقة، التي نظرت إلى العمل نظرتها إلى شيء دنئ ومنحط، ولذلك أعلت من شأن الفكر وحياة التأمل، وأعرضت عن حياة العمل والممارسة والتجربة؛ بخلاف التوجه الإسلامي الذي دعا الإنسان إلى الاهتمام بالصناعات بقدر اهتمامه بتحصيل العلوم النظرية والسعي إلى فهم الكون والوجود فهماً عقلياً وروحياً. فللعمل ـ في الإسلام ـ شرف كبير ليس له مثله في غيره من الأديان والثقافات. فالتراث الإغريقي ـ مثلاً ـ وهو الذي ترك آثاره واضحة في الفكر الغربي ـ لا يقف عند تجاهل شرف العمل، بل يرى بعض العمل عاراً؛ فقد كان العمل غير الذهني ـ عند الإغريق ـ وصمة اجتماعية توجب لصاحبه التحقير، وكانوا يرون أن الاضمحلال البدني الناشئ عن هذا العمل يستتبع انحطاط الروح، وكانوا يرون المواطن الصالح لا يكون أبداً من العمال (١) . واليهودية والنصرانية ـ مثلاً ـ تعتبران العمل عقوبة رمي الله بها البشر جزاء بما عصاه أبوهم آدم في الجنة؛ فقد كان من نتائج هذه المعصية أن طرده الله، وقال له: «ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها أيام حياتك» (٢) ، « ... بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض» (٣) . وحتى بعد قيام الثورة الصناعية في أوروبا في بداية العصر الحديث، ظل بعض الشعراء والقصصيين الغربيين أمثال شيلر Schiller، ووردز ويرث Wordsworth وكير جارد Kieegaed وفولكنر Fau Lkner ظلوا يحطون من شأن المجتمع الصناعي باعتبار أنه ـ في رأيهم ـ يقضي على القيم الإنسانية. أما في الإسلام، فيكاد يكون من المعلوم منه بالضرورة أن العمل شيء يُطلب، ويُحث عليه، وتحصل بسببه المثوبة. وقد نوَّه القرآن الكريم ببعض الصناعات الهامة على عهد نزوله بالنسبة للمجتمع الإسلامي، تنويهاً يشير إلى عظيم آثارها وجليل فضلها، وإلى أنها من أكبر النعم التي يمنُّ بها الله على عباده؛ فقد نوه بمختلف الصناعات والحِرَف البشرية مثل: | صناعة الحديد والمعادن: حيث يقول ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، ويقول في الحدادة: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] . ونوه بصناعة التعدين؛ حيث يقول: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] ، أي النحاس المذاب الذي يستعمل في صنع الجفان والقدور. وكذلك يقول: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾ [الرعد: ١٧] ، كما أشار إلى صناعة الدروع بقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ، وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] ، وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] . | وصناعة الكساء: في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] وحيث يقول: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] . ويقول: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] ، ويقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] . | وصناعة الجلود: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] . | وقال في بناء المساكن: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤] ويقول: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] . | وفي صناعة السفن: يقول: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] ، ويقول: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ، ويقول: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ، ويقول: ﴿وتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ١٢] . | وفي الصيد وصناعاته: يقول ـ سبحانه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] ، ويقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] ويقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] . ويقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] . | وفي الفلاحة: يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] . ومما أشارت إليه السنَّة أن الأنبياء ﵈ مع علو درجتهم كان العمل طريقهم: فآدم احترف الزراعة، ونوح النجارة، وداود الحدادة، وموسى الكتابة، كان يكتب التوراة بيده، كل منهم قد رعى الغنم، وكان زكريا ﵇ نجاراً (٤) . وفي الآثار أيضاً أن إدريس كان خياطاً، وسليمان كان يصنع المكاتل من الخوص، وعيسى يأكل من غزل أمه الصدِّيقة (٥) وقد عمل هو نفسه في حداثته صباغاً (٦) . ومحمد ﷺ بدأ حياته عاملاً؛ ففي صباه رعى الغنم لأهل مكة تلقاء قراريط، وفي شبابه عمل في التجارة لحساب غيره. وأصحابه الأدنَوْن، عمال مثل: خباب بن الأرت الحداد (٧) ، وعبد الله بن مسعود الراعي، وسعد بن أبي وقاص صانع النبال، والزبير بن العوام الخياط، وبلال بن رباح العبد الخادم، وسليمان الفارسي الحلاق، وعلي بن أبي طالب الذي سقى بالدلاء على تمرات ... إلخ (١) . وقد كان عمر بن الخطاب يقول: «إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أَلَهُ حِرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط في عيني» (٢) . وعمر ـ في ظل الروح الإسلامية ـ لا يستثني القراء، مع أنهم أهل رأيه ومشورته، ومحل ثقته وتقديره، على الترفع عن أن يكونوا عالة على الناس، يقول لهم: «معشرَ القراء! التمسوا الرزق، ولا تكونوا عالة على الناس» (٣) . \ العمل فريضة إسلامية: والعمل بقصد الاكتساب فرض عين على المسلم؛ لأن إقامة الفرائض تقتضي حتماً قدرة بدنية ونفسية، وهذه لا تتأتى إلا بطعام ونفقة «وما لا يتوصل إلا به إلى إقامة الفرائض يكون فرضاً» (٤) وفي الحديث: «طلب الحلال فريضة بعد الفريضة» (٥) . كما أن العمل للاكتساب للإنفاق على العيال من زوجة وأولاد فرض عين كذلك؛ لأن إنفاق المرء على زوجته وأولاده مستحق عليه. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] . وقال : ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] . وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وإنما يتوصل إلى إيفاء هذا المستحق بالكسب. وقال ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (٦) والتحرز من ارتكاب المأثم فرض؛ كما أن الكسب الحلال طريق إلى رحمة الله، يقول النبي ﷺ : «رحم الله امرأً اكتسب طيباً» (٧) . والسعي على العيال، والهموم في طلب المعيشة تكفر ذنوباً لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به، ودينار أنفقته على أهلك: أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك» (٨) . كما أن الإسلام يمنح كل الأعمال احتراماً بعيد المدى، ما دامت مشروعة. ومن إكرام الإسلام للعمل والعمال، أن رب العمل ملزَم ـ بنص السنة ـ أن يعتبر خدمة إخوته، وعليه أن يطعمهم مما يطعم، ويلبسهم مما يلبس، ولا يكلفهم من العمل ما يغلبهم؛ فإذا كلَّفهم أعانهم. يقول النبي ﷺ : «إخوانكم خولكم (أي خدمكم وحشمكم) فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» (٩) . \ العالم الإسلامي والصناعة: ومن هنا أصبح العمل ونشاطاته المختلفة، خاصية أساسية من خصائص الحضارة العربية الإسلامية، فاندفع المسلمون يمارسونه على المستوى العقلي والعملي، ويطبقون كل النظريات العلمية التي يتوصلون إليها تطبيقاً عملياً بما ينفع الناس ويرتقي بمستواهم الحضاري والاجتماعي، ومن هنا كان ازدهار الحضارة الإسلامية لقرون عديدة في كل المجالات العلمية والصناعية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة حين توفر العقيدة الإسلامية لأتباعها أهم مقومات النظر السليم في التعامل مع الواقع، ومع البيئة المسخرة لهم من قِبَل الله ـ تعالى ـ وَفق تشريعات حكيمة بنظم الحياة في كل جوانبها ومرافقها، وعندما يتصالح الفكر مع الواقع يكون الإنسان أكثر قدرة على بناء صرح الحضارة المتوازنة روحياً ومادياً. وإن استخدام هذه الخاصية في الحياة العقلية والثقافية للحضارة، وفي السلوك العام للإنسان مكنه من امتلاك المنطلق العملي الذي يجعله يربط الفكر بالواقع، ويربط العمل بوسائله المكافئة بشكل واضح يحكمه؛ فالعملية كذلك تعني كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه؛ وذلك حتى لا نستسهل أو نستصعب شيئاً، بغير مقياس يستمد من واقع الوسط الاجتماعي، وما يشتمل عليه من إمكانيات (١٠) . ولنا في تاريخ الإسلام خير مثال، عندما أنتج علماء المسلمين فكراً يتلاءم مع واقعهم، وقدموا للعالم حضارة زاهرة معمرة، كما قدموا حلولاً شافية للمشكلات البيئية التي واجهتهم على المستويين الفكري والعملي، ذلك أن العلم والفكر اللذين لا يعمر بهما الكون، ولا تصلح بهما البيئة والواقع، ولا ترقى بهما الحياة، في جانبيها الروحي والمادي معاً، هما علم وفكر قاصران وضررهما أكبر من نفعهما (١١) . ولذلك قامت في المجتمع الإسلامي، منذ قديم، صناعات عامة اقتضت بطبيعتها تجميع أعداد كبيرة من العمال والصناع، ومن ثَمَّ كان الإنتاج كبير الحجم؛ فقد قامت مثلاً صناعة الأسلحة في مصر، وكان هذا طبيعياً جداً في بلد بلغ جيشه أيام الطولونيين حوالي مائة ألف جندي وأيام الإخشيديين أربعمائة ألف جندي. وكانت القاهرة مركزاً لتلك الصناعات الحربية (١) كصناعة الدبابات والمنجنيق وصناعة السفن والمراكب الحربية، وقد أنشأ ابن طولون مائة سفينة حربية، كما أنشأ المعز الفاطمي دار الصناعة بالمقس بالإسكندرية، وأنشأ بها ستمائة مركب «لم يُرَ مثلها في البحر على ميناه» (٢) . كما كانت في مالقة بالأندلس «دار صناعة لإنشاء المراكب» (٣) . ومما يذكر أن الأوروبيين في العصور الوسطى أخذوا لفظ «دار الصناعة» عن العربية، فهو في الإيطالية Arse nale Arzenale وفي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية Arsenal. ولما أنشأ محمد علي داراً للصناعة أخذ اللفظ الأجنبي المحرف، وزدنا في تحريفه، فكان «الترسانة» . كما عرف المسلمون استخراج المعادن، وفي حديث ابن مماتي عن الصناعات في مصر يقول: «وبها معدن الذهب، ومعدن الزمرد وليس في الدنيا معدن زمرد إلا في مصر» (٤) ويقول في موضع آخر: «وبها حجر السنباذج الذي تقطع به سائر الأحجار» (٥) . وفي كرمان مدينة رهزان يقول عنها ابن الفقيه: «هي مدينة كبيرة واسعة، وبها أكثر معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والنوشادر والصفر» (٦) وكانت «مالقة» بالأندلس مختصة «بصنائع الحديد كالسكاكين والمقص ونحوها» (٧) . وعرف المجتمع الإسلامي ـ كما يقول د. لبيب السعيد (٨) ـ مؤسسات صناعية تحدثت كتب الفقه تفصيلاً عن مشتملاتها ومواصفاتها، وحالة العمل فيها. ومن هذه المؤسسات: بيت الدهان، والطاحونة، وبيت الطحانة، والمجمدة، والمثلجة، والملاحة، وعين القير أو النفط، وبيت الطراز (٩) . وعُني المجتمع الإسلامي بصناعات النسيج، واشتهرت مصر بأنواع الحرير والكتان النقي الفاخر خاصة «تنيس» و «دمياط» وامتازت بعض البلاد المصرية بصناعة المنسوجات الصوفية كالملابس والشيلان والأبسطة. وقلد أهل «أسيوط» النسيج الذي اختصت به بلاد أرمينيا وصنعوا نوعاً من العمائم لا نظير له في العالم، واشتهرت «طحا» بعمل الثياب الصوفية الرفيعة (١٠) . كما اشتهرت «القصير» بعمل الثياب والأنسجة من الصوف. وقد ترافق ازدهار الحضارة العربية مع نشوء المدن الكبيرة وتزايد حاجات المجتمع، ونمو جهاز الدولة بإداراته العديدة وما تدعو الحاجة إليه من إعداد الجيوش وبناء الأساطيل، وفي الوقت نفسه نمت التجارة الدولية وحدثت الثورة الزراعية العربية، وقد أدى كل ذلك إلى تزايد الطلب على المنتجات الصناعية، فنمت الصناعات وتطورت وتنوعت، ولقد ازداد عدد الحرفيين والصناع نتيجة لذلك ونمت خبراتهم، وكان ضمن كل صناعة عدد من الصناع من اختصاصات مختلفة، ويمكننا أن نعرف أسماء مختلف الحرف من كتب الحسبة (١١) والجغرافيا والتراجم والتاريخ، وكذلك فإن الكتابات والنقوش على المباني التاريخية، وعلى التحف المتبقية تعتبر مصدراً له أهميته (١٢) ، وقدر عدد الحرف اليدوية في القاهرة في عهد الفاطميين والأيوبيين بأكثر من ٢٦٥ حرفة، وقدرت مختلف الحرف والصناعات في دمشق في أواخر القرن التاسع عشر بأكثر من أربعمائة كان نصفها تقريباً من الحرف الإنتاجية (١٣) . أدى العدد الكبير من الصناعات والحرف واختلاف طبيعة كل منها إلى تنظيمها في أسواق متخصصة، وكان مثل هذا الفصل ضرورياً؛ إذ إن بعض الصناعات تولد الدخان والروائح وهذه كانت تقام في أطراف المدن، وكان لهذا التنظيم فوائده للجمهور وللتجار وللحرفيين أنفسهم، كما أنه ساعد السلطات على مراقبة جودة المنتجات. \ التربية الحياتية والعمل: الحديث عن الجانب الحضاري والمادي المتصل بالإنشاء والبناء والخاص بالحضارة العربية والإسلامية، حديث لا يمكن الإحاطة به، وخاصة أن الحضارة الإسلامية قد ازدهرت وامتدت في مساحات شاسعة من العالم، كما أنها استغرقت من الزمن الكثير من القرون، جمع فيها الإنسان المسلم بين التقدم العلمي والتطبيق التكنولوجي، بشكل غير مسبوق، وذلك لاحترام الإسلام للعلم، وكذلك لاهتمامه بالعمل، ولاعتباره أن رسالة الإنسان في هذه الحياة بعد عبادة الله ـ تعالى ـ وتوحيده والإعمار المستمر والعمل الدؤوب. من هنا كان اهتمام الإسلام بالسعي في بناء الحضارة وازدهار المدنية يتوازى مع العمل للآخرة والسعي لما بعد الموت، ولقد حقق الدين الإسلامي وحدة ثقافية عالمية ارتبطت بلغة أدبية وعلمية هي اللغة العربية التي سرعان ما حلت محل لغات قومية عديدة، وأصبحت أداة التعليم والاتصال. ولا ننسى أثر الدين الإسلامي في الاهتمام بالحضارة وفي قيام المدن وإعمارها وازدهارها، وتحقيق الرخاء المادي الذي ساعد عليه قيام صناعات محلية بها، ساندتها تجارة محلية وعالمية نشطة، وحرية الانتقال وسهولته عبر مسافات هائلة من العالم، وهو الأمر الذي أوجد تكاملاً اقتصادياً حقيقياً، وصاحب ذلك تبني سياسة تعليمية رشيدة، انفتحت على تجارب العالم، والأمم السابقة والمعاصرة لها، إلى جانب اهتمام غير مسبوق بإنشاء المكتبات والجامعات والمراصد والمستشفيات، وهي تلك المؤسسات التي أصبحت من بعد مثالاً يُحتذى في الحضارة الأوروبية الحديثة، والتي ترسخت من خلالها قيم رفيعة للبحث العلمي المثمر، وما كان هذا الإنجاز العلمي والتكنولوجي ليتحقق في الدولة الإسلامية لولا الرعاية والحماية التي كان يحظى بها العلماء والباحثون وطلاب العلم (١) . وقد تأثر الغرب بتوجيهات الحضارة العربية والإسلامية، في الاهتمام بالحياة الدنيا والسعي للارتقاء بها، بعد أن كان سكان أوروبا في العصور الوسطى يعيشون في جهالة دامسة، ويخضعون لخرافات مسيطرة انتشرت بفضل الفهم القاصر لكنائس العصور الوسطى والتي كانت تدعو إلى الزهد والرهبانية، وعدم الالتفات إلى هذا العالم الذي هو مدنس بالخطيئة والواقع تحت سيطرة الشيطان. وفي بداية العصر الحديث أخذ العمل طابعاً إيجابياً، حيث سما لمكانة اجتماعية مرموقة، وأصبح ذا مسؤولية أخلاقية، وقد أدخل (مارتن لوثر) ومن بعده (جون كالفن) القول المأثور الذي يقول: «إنك عندما تعمل فإنك تحقق رغبة الرب» . وفي العصر الحديث جاء (جون ديوي) (٢) مؤكداً دور العمل حيث قال: «إن العمل بالنسبة للتلاميذ الأسنِّ يقوم بدور في النمو التربوي للأنشطة الفطرية الفجة يضارع دور اللعب لدى التلاميذ الأحدث منهم سناً» (٣) . ومن خلال هذا التوجه الحضاري برزت حركة حديثة يطلق عليها «التربية الحياتية» Career Education تنادي بإعداد الأفراد للقيام بأدوارهم الحياتية أو المعيشية بشتى أشكالها. وفي الحقيقة نشأت حركة التربية الحياتية نتيجة لمشاكل اقتصادية واجتماعية أجبرت القائمين على المؤسسات التربوية على البحث في إيجاد مجتمع يُلِمُّ أفراده بالمهارات والخبرات المعيشية. كما أن الاهتمام الذي تبديه المجتمعات المتطورة بالحركة يرجع أيضاً في أساسه إلى الافتراض القائل بأن شباب العصر الحالي لم يعد يرغب في القيام بشتى الأعمال بدرجة الأجيال السابقة. ويشير المربون التربويون إلى أنه عند مناقشة أولياء الأمور حول طموحاتهم في تعليم أبنائهم ـ خاصة في العالم العربي ـ تبرز أسطورة مهنية وراء الأسباب التي تدفعهم إلى متابعة واستمرار تعلم الأبناء وهي الحصول على الشهادة الجامعية. في حين يرى الاقتصاديون والسياسيون ورجال الأعمال المهتمون بالإنتاجية Productivity بأنه يجب ألا يمنع التعليم في الجامعة، غير أنه ينبغي ألا يستمر في إعلانه الطريق المقبول الفعلي والوحيد للتهيئة للحياة الوظيفية والمهنية، وبأنه ينبغي عدم التشديد على أن الشهادة الجامعية شرط أساس للنجاح المهني في الحياة، حيث إن ذلك يتجاهل العلاقات الوثيقة المتزايدة بين التربية والعمل. وينتقد هؤلاء الافتراض السائد بأن أفضل طريقة لتهيئة التلاميذ للعالم الواقعي هو بقاؤهم منعزلين عن ذلك العالم، ويؤكدون على أن تقوم المرحلة الابتدائية بتدريس المهارات الأساسية اللازمة للنجاح في كل أنواع الوظائف باعتبار أن التعليم أداة لإكساب المهارات والخبرات الحياتية، ولذلك يؤكد الباحث سعد الهاشل (٤) على ظهور التربية الحياتية في العالم المتقدم بشكل واضح في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، وتدور حول ربط مناهج التعليم بالواقع الوظيفي والحياتي، وبإبعاد العزلة القائمة بين التعليم النظري وبين التعليم التطبيقي، وبإعداد التلاميذ سواء من يكمل الدراسة الجامعية أو من لا يكملها، لمجالات حياتية مختلفة بتركيز المقررات التدريسية الحالية حول تلك المجالات. ومن هذا يتضح أن التربية الحياتية تبحث في ربط الدراسات النظرية في المراحل التعليمية وما بعدها بالعالم الوظيفي وإبعاد العزلة الحالية الموجودة بينهما، وأنها تركز على المشاركة الفعلية للمنزل، والمجتمع بمؤسساته المختلفة في إكساب الأفراد المعرفة والمهارات الوظيفية. وعلى الرغم من هذا ما زالت النظم التعليمية العربية، وخاصة في جامعاتنا تصطنع المواجهة بين النظري التجريدي وبين التطبيقي العملي. وتصل الأمور إلى حد التمييز بين جامعات تصطبغ تجربة البحث العلمي فيها بالنظري التجريدي، وجامعات تصطبغ تجربة البحث العلمي فيها بالتطبيقي العملي. وفي هذا السياق ترتفع الأصوات وترفع الشعارات لجعل الجامعة مختبراً للمجتمع ومركزاً استشارياً لمؤسساته وهيئاته. \ فلسفة التربية الحياتية وأهميتها: هنا تأتي أهمية التربية الحياتية، والتي تبدأ مع تنشئة الطفل العربي في مراحل دراسته الأولى، وخاصة أن فلسفة هذه التربية ـ كما ذكرها «كينيث هويت» Kenneth Hoty في كتابه عن التربية الحياتية، تقوم على أساسين: الأول: أن جوهر السعادة البشرية هو الشعور بالقيمة الشخصية، مع عمل يكون المقوم الأساسي لهذا الشعور عند الأفراد. والثاني: أن النجاح في الحياة العملية لا يتطلب المهارات الضرورية للقيام بحرفة من الحرف فقط، وإنما يتطلب بالإضافة إلى ذلك الاتجاهات والقيم والقدرات العامة التي تؤثر في مقدرة الفرد عند العمل وتقوده إلى أن يكون شخصاً منتجاً على مدى الحياة (١) . ومن هذا يتبين أن العمل ليس المصدر الرئيس للدخل فحسب، وإنما هو أيضاً مصدر في تقدير الذات ومنحها الإحساس بالسعادة. وبحكم أن السعادة تعتمد اعتماداً كبيراً على القيمة الشخصية والتي تعتمد بدورها على الإنجازات الحياتية، لذا أصبح دور التربية في إعداد الأفراد للإنجاز الذي يشكل مصدر السعادة هدفاً ذا أهمية بالغة، يتطلب من المدرسة والمؤسسات الوظيفية والمجتمع أن تكرّس كامل طاقاتها لبلوغه. ولهذا أكد «فرانك براترند» في بحث قدم في مركز التعليم الفني والمهني في (جامعة أوهايو) على أن أحد أهداف وظائف النظام التربوي هو مساعدة الفرد على تحقيق ذاته Fuifillment Self بطرق مقبولة اجتماعياً. كما تحاول «التربية الحياتية» أن تسهم في تنمية مهارات العلاقات البشرية وفي المحافظة على الصحة العقلية والبدنية، كما تحرص في الدرجة الأولى على الإلمام بالمفاهيم لدى أصحاب العمل والتي تدور حول العلم والتكنولوجيا، بالمهارات والاتجاهات الكامنة والمستخدمة لدى أصحاب العمل والتي تعتبر ضرورية لسوق العمل. وقد أشار (ألفن توفلر) Alvin Toffler في كتابه «التعلم من أجل المستقبل» إلى أن الأطفال لا يكتسبون مهارات التكيف وتقنيات التخطيط من خلال المحاضرات والتلقين العادي وإنما هم يتشربون ويتعلمون من خلال الممارسات والخبرات التي تساعدهم في التعرف على الاختيارات البديلة الممكنة، وذلك لإيجاد بيئة مستحبة ومرغوبة لهم وللعالم البشري الذي يتعاملون معه (٢) . كما يجب أن تركز البرامج التدريسية في الصفوف الأولى على تنمية الإدراك الحياتي بربط مناهج المهارات الأساسية بهيكل المعلومات الحياتية، كالتطرق لما يعمله الناس من أجل العيش وطرق معيشتهم ... وأن تصبح مهن أولياء الأمور (الطبيب، النجار، الشرطي.. إلخ) موضوعات لدروس القراءة، وتمارين الكتابة، ودروس التاريخ والجغرافيا، حيث إن هذه الدروس والمتطلبات تساعد الطفل على تشكيل سلوكه وتنمية فكره وإحساسه بالعالم المحيط به. وقد أورد «ميلتون» أن سلوك الطفل يتشكل بناء على المتطلبات الخارجية المفروضة عليه من قِبَل المجتمع، وإن إجاباته لتلك المتطلبات تساعد على نموه العقلي (٣) . وأخيراً: تجدر الإشارة إلى الفرق بين التربية الحياتية Career Education والتربية المهنية Vocational Education وفي الحقيقة هناك تشابه بين المفهومين في بعض النقاط؛ وذلك أن كليهما يُعنى بالعمل، وأنهما متشابهان في بعض النقاط والاستراتيجيات كاستخدام الورش والمختبرات عند العمليات التدريسية. إلا أن مفهوم التربية الحياتية أكثر شمولاً من التربية المهنية؛ حيث إن هذه الأخيرة هي جزء من التربية الحياتية، ولذا فإن نجاح التربية الحياتية يثبت عند حسن اختيار المتعلم لمهنة من المهن وفقاً لميوله ورغباته وقدراته الفردية من ناحية ومعرفته المهنة المختارة من ناحية ثانية. وبالرغم من ذلك التشابه إلا أن هناك بعض الاختلافات تظهر أن الأفراد الذين يتلقون برامج التربية المهنية هم في الواقع من يرغبون في التدريب على مهنة ما، كما تهتم التربية المهنية بإعداد المهندسين ومساعدي المهندسين والفنيين لمختلف الحرف. في حين أن التربية الحياتية تهتم ببناء الإدراك عند الأفراد حول عالم العمل، والفرص المتاحة، وبالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم كمواطنين، وأرباب أسر، ومستهلكين، كما تحرص التربية الحياتية على مساعدة الأفراد في كيفية قضاء وقت الفراغ، وفي اكتساب المهارات اللازمة في صنع القرارات. إن هدف التربية الحياتية ليس العمل في الدرجة الأولى، بل تهيئة التلاميذ للحياة المعيشية باكتساب المعارف والمهارات والاتجاهات التي تساعدهم على القيام بأدوارهم الحياتية.

стр. 5790

قيادة المؤسسة الأسرية سالم بن عبد الله القرشي ترى أحدهم يقود مؤسسة أو منظمة عاملة في الحقل الصناعي أو الخدمي وله نشاطه وتخطيطه ورؤيته المستقبلية، وأهدافه البعيدة والأخرى القريبة. ترى تحفيزاً للعاملين، وإكراماً للمجتهدين، بل إنك ترى الموظف المثالي والفريق المثالي. لا تخطئ عيناك أَثَرَ ذلك في الإنتاجية المرتفعة والأرباح الهائلة. وكم هو أثر ذلك في مجموعه على اقتصاد البلد، من نموٍّ اقتصادي مرتفع وزهو اجتماعي وثقافي ونفسي كبير. إنه قمة الرُّقي الحضاري تعيشه تلك المؤسسة وذلك القطر. ويبقى السؤال الكبير: هل نمارس ـ نحن الآباء وقادة العمل المؤسسي ـ جزءاً ولو يسيراً من هذا التخطيط المنظم داخل المؤسسة الأسرية؟ لا أستطيع فلسفة هذا الضمور الذهني والفكري عن هذه الحاجة الملحة والضرورية لبناء مؤسسة هي النواة في كيان الأمة وفي كيان الدولة الحديثة. حديثنا يملأ السماء ضجيجاً عن حاجتنا هذه الأيام ـ وخصوصاً مع دخولنا منظمة التجارة العالمية ـ إلى رسم الخطط والاستراتيجيات الإدارية والثقافية المتطورة والآخذة بالنُّظم الحديثة المراعية لحركة التقدم المتسارع في التقنية والتحرر الاقتصادي والتجاري الآخذ في الطغيان حركةً وتطوراً مع تسارع الأحداث والتغيرات. ما أجمل هذا وأحسنه لو سار جنباً إلى جنب مع الأخذ بزمام المبادرة لصنع توجهات وسياسات أُسرية لصنع رؤية فردية وخطط استراتيجية وأهداف دقيقة لتربية وصناعة جيل أسري فريد! إن المؤسسة الأُسرية أحوج ما تكون لهذه الخطط التي يصنعها المنظرون الإداريون للمنظمات الناجحة. إنه استثمار في الإنسان من نوع آخر. فهل يأتي علينا يومٌ نرى الأُسر تتسابق كسباق المؤسسات الأخرى في صناعة الأسرة المتميزة، الأسرة الرقمية في زمن العولمة، بدل أن يعولم الغرب نظام أسرته إلينا؟ أسرة مؤهلة تربوياً وأخلاقياً وعلمياً وثقافياً. هل يأتي علينا يومٌ نرى أن لكل أسرة صندوقها التنموي لتطوير وتدريب أفرادها؟ إن شيئاً من ذلك بدأت ملامحه تلوح في الأفق.

стр. 5791

أولاد الصالحين (٢) محمد بن عبد الله الدويش تناولنا في العدد السابق طائفة من مشكلات أولاد الصالحين، ويتواصل حديثنا عن الموضوع في هذا العدد. من مشكلات أولاد الصالحين التوقعات العالية لدى والديهم؛ فيتسم كثير من الآباء والأمهات الصالحين بحرص بالغ في رعاية أولادهم وتنشئتهم، وتعلو توقعاتهم وطموحاتهم، وهو مطلب إيجابي؛ فالطموح والرغبة في تميز الأولاد مطلب لكل الناس؛ فضلاً عن الصالحين الذين يدركون المسؤولية، ويتطلعون إلى أن يسهموا في إحداث تغيير إيجابي في الواقع من خلال أولادهم، وإلى أن يحقق أولادهم كثيراً مما لم يحققوه هم. لكن المشكلة حين تكون الطموحات معيارية يحاكمون أولادهم عليها، ويقيسون النجاح والفشل من خلالها. إن مجرد الطموح والتوقعات العالية للوالدين ليست العامل الوحيد في تأهل الأولاد للمستويات المرجوة؛ فهو يرتبط بالقدرات والمؤهلات الشخصية، وبوجود المنهج التربوي الملائم، وبالقدرة على تطبيقه بصورة تربوية صحيحة. يصر بعض الآباء والأمهات على أن يُتِمَّ أولادهم حفظ القرآن الكريم، أو إنجاز بعض المشروعات العلمية على حساب تمتعهم بطفولتهم، وقد يتحقق شيء من ذلك تحت سَوْط الإكراه والضغط؛ وحين يشب الأولاد يتمرودن على ما تلقوه. ومن المشكلات: أن الصالحين كغيرهم من الناس لهم سمات شخصية؛ فمنهم من يكون بسيط التفكير، أو ضيق الأفق، أو حاد الطبع، أو عنيفاً، أو متشائماً؛ فتترك هذه السمات أثرها على علاقتهم بأولادهم، وتزداد المشكلة حين تجد أن من يتسمون بهذه السمات لا ينفكون عنها في تعاملهم مع قضايا التدين؛ فقد يضفي أحدهم الصبغة الشرعية على تصرفاته التي يكون مصدرها سماته الشخصية. ومن المشكلات: عدم استيعاب طائفة من الصالحين تنوع الناس واختلافهم؛ فعلى سبيل المثال يمثل التوجه للتخصصات الشرعية في التعليم مطلباً مشتركاً بين الصالحين، لكن ليس كل الأولاد متهيئاً لذلك؛ فالمبالغة في إصرار الوالدين على هذا والربط بينه وبين الصلاح والاستقامة قد يقود إلى مشكلات في تربيتهم. وما أجمل ما قاله ابن القيم ﵀: «ومما ينبغي أن يتعهد: حال الصبي، وما هو مستعدٌ له من الأعمال، ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوقٌ له، فلا يحمله على غيره، ما كان مأذوناً فيه شرعاً؛ فإنه إن حمله على غير ما هو مستعدٌ له لم يفلح، وفاته ما هو مهيأ له» (١) . ومن المشكلات: أنهم - وبالأخص أولاد المشاهير - تحت الأضواء وتحت نظر الآخرين من زملائهم وأساتذتهم؛ فكثيراً ما يلامون على ما لا يلام عليه غيرهم، أو يتوقع منهم ما لا يتوقع من غيرهم، مما يقود بعضهم إلى القلق من هذه النظرة، أو ينشئ لديهم ردة فعل معاكسة. ومنها حديث والديهم معهم على أنهم يمثلون والديهم، وعلى أن الناس يلومونهم ويقولون: هؤلاء أولاد فلان وفلانة؛ مما يشعر الأولاد أنهم يراد منهم الانضباط لأجل سمعة والديهم، أو أنهم يُحرَمون مما لا يحرم منه غيرهم حتى لا يلام آباؤهم وأمهاتهم. ويسيطر على بعض الآباء والأمهات هاجس مبالغ فيه حول انتقاد الآخرين لهم ولأولادهم؛ فيظهر هذا الهاجس في أسلوب تعاملهم مع أولادهم وتوقعاتهم منهم. ومنها: كثرة انشغال والديهم، وبالأخص من له مشاركة في ميدان العلم والدعوة؛ فيقود الانشغال إلى حرمان أولادهم من الحياة الأسرية الطبيعية، وإلى غفلة الوالدين عن كثير مما يجري لأولادهم. ومنها: المبالغة في حرمانهم من كثير من المتع المباحة بحجة الورع أو البعد عن الشبهات، ولا شك ان البعد عن الشبهات مطلب، والورع هو السلوك اللائق بالوالدين، لكن حين يتحول إلى معاناة لدى الأولاد، وإلى رقيب خارجي يبحثون عن التفلت منه فإنه يؤدي إلى نتائج سلبية. إن أولاد الصالحين كغيرهم من الناس يحتاجون إلى المتعة، وإلى الترفيه، وإلى اللهو، وأن يشعروا أن التدين لن يكون عائقاً لهم عن أن يتمتعوا كما يتمتع به الآخرون ما دام ذلك في إطار المباح.

стр. 5792

حواء.. عندما تكون مديرة ! إبراهيم بن سليمان الحيدري (*) من بين تلك السحب المتلبدة في الأفق، يلمح المتفائل بين الحين والآخر نجوماً ساطعة تبشر بمستقبل مشرق. أحد هذه النجوم تلك المنظمات الخيرية النسائية ذات التوجه الإسلامي والتي تدار بسواعد نسائية طموحة. علاقة حواء بالإدارة الخيرية في كثير من البلدان العربية علاقة حديثة إلى حد كبير، وفي مثل كل البدايات؛ فإن هناك نجاحات وهفوات، إلا أن الملاحظ أن تجربة المرأة في حقل الإدارة الخيرية بدأت في زمن يمتاز بوعي إداري يتنامى وثقافة تنظيمية تتزايد، ووسائل تطويرية تتجدد وتتوفر بيسر وسهولة، والمنتظَر والحال كذلك أن تستثمر حواء هذا الوضع وتترجم ذلك في أساليب إدارية راقية استثماراً واعياً للموارد البشرية والمالية. هناك تحديات أمام حواء وهي تدخل تجربة الإدارة الخيرية من شأنها أن تعطل مسيرة العمل، وتعرقل سير الخطط، وتهدر الموارد، إلا إذا استطاعت التعامل معها بحكمة وموضوعية، ومن ذلك: الوقت، والعاطفة. فالوقت الذي يمضيه المدير داخل أروقة منظمته عامل مهم في النجاح؛ وحتى مع التطور التقني الذي نعيشه يبقى وجود المدير في منظمته واستنشاق هوائها اليومي مهم لاستيعابٍ أشمل، وتجاوب أسرع، وإدارة أنجح للمنظمة. التحدي الذي يواجه المرأة المديرة هو أن دورها الاجتماعي في الحياة زوجة وأمّاً يتطلب المكوث في البيت، وهو عمل جليل ولا شك، وبه يصلح حال الأسرة. إلا أنه من جهة أخرى يعني مكوثاً أقل داخل المنظمة، مما يؤثر سلباً على أدائها الإداري. ويزداد الوضع وضوحاً مع المديرات العاملات، وهو حال كثير من الداعيات. كان هذا التحدي الأول. أما الثاني: فهو العاطفة، ولو حق لنا أن نلخص الدور الرئيس للمدير في جملة بليغة لكانت: صنع القرارات واتخاذها. والمديرون في صنع القرارات أصناف، وأسوؤها ذلكم الصنف الذي يتجاهل الطريقة العلمية ويعتمد على شخصيته في صنع القرار واتخاذه. التحدي هنا أن للعواطف في شخصية المرأة حجماً كبيراً، وهو متطلب بلا مناقشة لدورها الرئيس؛ إلا أن عدم اكتراث المديرات بأثر العواطف في القرار الإداري سبب كافٍ لخروج قرارات وتصرفات يعوزها النضج ويلازمها الفشل. إن في جعبة حواء ودهاليز الإدارة ـ بعد توفيق الله ـ ما ييسر التعامل مع هذه التحديات، ويجعلنا نستشرف أعمالاً إسلامية نسائية يفوح شذى جودة التنظيم منها، وتعبق بإدارة حديثة ناضجة.

стр. 5793

هيام بالغرب يُعمي ويُصِم أ. د. جعفر شيخ إدريس قبل أيام أرسل إليّ أحد الإخوان بالبريد الإلكتروني مقالاً لم أرَ مثله مصوراً لحال المتيَّمين بحبِّ الغرب حبّاً يُعمي ويصم، لذلك رأيت أن أجعل التعليق على بعض ما جاء فيه موضوعاً لمقالي هذا الشهر؛ لما قد جمع فيه صاحبه ـ وبكثير من الجُرْأة والاعتداد والتعالم ـ جملة مما تفرّق في كتابات أمثاله من الحُجج الواهية والدعايات الكاذبة والعبارات المتناقضة التي تُساق للترويج لحضارة الغرب وثقافته، والتنقّص من كل ما هو عربي أو إسلامي. الهدف الواضح من مقاله ـ وهو مقال في ظاهره عن الحوار ـ أن نعترف بأن الآخر ـ ويعني به الغرب ـ خير منا في كل شيء، فعلينا أن لا ننتقده أو نعترض عليه أو نحاربه، بل علينا أن نخضع له ونستسلم. وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية المرذولة فإنه يحشد جملة من الحُجج الواهية والأفكار المتناقضة ما لو قرأه مثقف غربي لسخر منه وأنهضه دليلاً على انحطاط الفكر العربي. ١ ـ بدأ صاحبنا المفتون هذا مقالَه بالحوار مع الآخر بمبادئ وشروط ما أنزل الله بها من سلطان، منها: أن الهدف من الحوار هو تفهّم المواقف وليس تغيير المواقف. أقول: مع أن الحقيقة هي أن فهم موقف الآخر شرط سابق للحوار معه؛ لأنني إذا لم أكن على علم بموقفه ففِيْمَ أحاوره؟ وفهم موقف الآخر لا يحتاج إلى حوار بل قد يكون في صيغة سؤال وجواب، فإذا عرفت موقفه فإما أن ترضى عنه فلا يكون بينك وبينه حوار لأنك صرت مثله وفي مكانه، أو تخالفه وتطمع في أن تغيّر موقفه فيكون هنالك داعٍ لحوارك معه. ٢ ـ ثم يحذرنا بقوله: من لديه قناعة تامة بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة لا يمكنه الدخول في حوار مثمر مع أي طرف آخر؛ لأن الطرف الآخر ـ أيضاً ـ له مواقفه التي تخدم مصالحه وقناعاته التي تتماشى مع طريقته في التفكير. والله إنني لأعجب كيف يفكر هذا الرجل! ما الذي يمنع مدّعي الحقيقة المطلقة (إن كان في الوجود شخص كهذا) من الحوار المثمر مع غيره؟! لماذا لا يكون هدفه إقناع كل من خالفه في أيِّ شيء كان أنه جاهل وأن مخالفته له مخالفة للحقيقة المطلقة؟! يعلّل الكاتب عدم الإمكان هذا بقوله: «لأن الطرف الآخر ... » إذا كان هذا هو السبب الذي يمنعه من الحوار مع مدّعي الحقيقة المطلقة فليمنعه من الحوار مع أيّ أحد كان؛ سواء ادّعى ملكية الحقيقة المطلقة أم لم يدّعها. ثم ما المقصود بملكية الحقيقة المطلقة وهي عبارةٌ كثيراً ما أراها تُردّد في نقد الإسلاميين؟ أيقصد بها الادّعاء بالعلم المحيط بكل شيء؟ لكن المسلم العارف بدينه هو أبعد الناس عن مثل هذا الادّعاء؛ لأنه يعتقد أن الله ـ تعالى ـ هو وحده الذي أحاط بكل شيء علماً، ولأن ربّه قد بيّن له أن الناس لم يُؤتوا من العلم إلا قليلاً. وأما إذا كان المقصود بها العلم اليقيني ببعض الحقائق؛ فهذا أمر مشترك بين الناس جميعاً، إذ ما منهم إلا وهو على علم يقيني ببعض الحقائق، وإن اختلفوا في نوع ما هم موقنون به. ٣ ـ ويحذرنا ـ أيضاً ـ بقوله: الذهنية التي ترى أن قناعاتها فقط هي الصحيحة وما خالفها من القناعات خاطئة هي أقرب إلى الذهنية البدائية التي تؤمن بالمطلق وترفض التعددية. أقول: إذاً؛ ذهنيتك أيها الكاتب هي من هذا النوع البدائي؛ لأن مقالك كله في تخطئة مخالفيك ودعوتهم إلى الأخذ برأيك. وهل الإيمان بالمطلق قاصر على أصحاب الذهنية البدائية؟ إذاً؛ فإن عدداً من مفكّري (العالم المتحضّر) هم من هذا النوع. والتعددية لا توضع في مقابل المطلق إلا إذا كان المؤمنون بها يعتقدون أن كل ما يرونه هو حقيقة مطلقة، وما أظن أن في الوجود أناساً كهؤلاء، ولا سيما أناساً يؤمنون بمبدأ الاجتهاد وتعرّض المجتهد فيه للخطأ والصواب. ٤ ـ ويؤكد لنا شيئاً هو من أبطل الباطل فيقول: لقد أدرك العالم المتحضّر بعد صراع طويل مع المطلق أن كل شيء مرهون بزمانه ومكانه وظروفه التاريخية والبيئية، وأن الأمور في نهاية المطاف كلها نسبية، من النسبية الرياضية التي نادى بها (أينشتاين) إلى النسبية الثقافية التي نادى بها (الأنثروبولوجيون) . أقول: أولاً: إذا كنت ممن يرون رأي العالم المتحضّر هذا فكان عليك أن لا تكتب شيئاً ولا تناقش أحداً، بل تقول لنفسك: إن كل من خالفني في رأي أو موقف، بل كل من شتمني، فإنه إنما يقول ما أملاه عليه زمانه ومكانه، ولو كنت أنا في زمانه ومكانه لقلت ما قال ورأيت ما رأى. ثانياً: إن القول بالنسبية ليس شيئاً جديداً على الفكر الغربي، ولم يأت بعد أيّ نوع من الصراع مع المطلق، وإنما هو شيء قديم، ويقولون أن أول من عُرف بالقول به السوفسطائي اليوناني (بروتاجوراس) في عبارة له مشهورة: «الإنسان معيار كل شيء» . ثالثاً: ينسب الكاتب القول بنسبية الحقائق إلى العالم المتحضر، فكأن الناس في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من دول (العالم المتحضر) قد أجمعوا كلهم على هذا الرأي، أو كأنه قد أصبح الرأي الغالب عندهم، هذا مع أن القول بنسبية الحقيقة إنما هو قول لقلّة من الفلاسفة، أما جماهير الناس عندهم ـ كما الناس في كل بلاد الله ـ فلا تقول بها، خذْ مثلاً على ذلك: تقول الإحصاءات الغربية: إن معظم الناس عندهم يؤمنون بوجود الخالق، فهل تراهم يؤمنون بأن وجوده حقيقة نسبية تصح في مكان دون مكان وفي زمان دون زمان؟ والقلّة الملحدة منهم هل تقول: إن عدم وجوده أمر نسبي يصح في مكان دون مكان وزمان دون زمان؟ والنصارى المؤمنون بأن المسيح ابن الله، هل يعتقدون أن هذه حقيقة نسبية؟ وعلماء الطبيعة هل يقولون: إن كل ما اكتشف من حقائق الطبيعة هو أمر نسبي، وأنه سيأتي زمان يصح فيه القول بأن الأرض ليست كروية، وأنها أكبر حجماً من الشمس، وأنها ثابتة لا تدور؟ القول بالنسبية ليس ـ إذاً ـ أمراً مجمعاً عليه بين الغربيين، بل ولا هو رأي أغلبيتهم، بل إن القائلين بها يختلفون في معناها ومداها اختلافاً كبيراً، ولعل من غلاة القائلين بها الفيلسوف الأمريكي المعاصر (رورتي) الذي ذهب إلى حدِّ القول بأن كلام العلماء الطبيعيين عن الواقع هو وجهة نظرٍ شأنها في ذلك شأن كلام الشعراء! رابعاً: الدعوة إلى النسبية دعوة تحمل نقضها في أحشائها؛ لأنك إذا قلت: إن الحقيقة نسبية، فإن هذا يصدق على كلامك هذا فهو ـ أيضاً ـ نسبي، أي: إن القول بأن الحقيقة نسبية هو نفسه حقيقة نسبية. خامساً: ولذلك فإنه يتعذر على القائلين بها أن يلتزموا بنتائجها فيما يقولون، بل إنهم يفترضون كما يفترض كاتبنا هذا أن قاعدة كل شيء نسبي لا تنطبق على ما يقول هو أو يراه. سادساً: نسبية (أينشتاين) (لست أدري لماذا وصفها الكاتب بالرياضية مع أنها فيزيائية) وإن رأى فيها بعض عوام المثقفين في الغرب ما رأى الكاتب إلا أن كبار علمائهم وفلاسفتهم يقولون: إنه لا علاقة لها بالقول بنسبية الحقائق أو القيم إلا لفظ النسبية، ولذلك قال بعضهم: إن تسميتها بالنسبية لم تكن تسمية موفقة، وأنها لو سميت بالمطلقية لكان اسماً أقرب إلى حقيقتها. وملخص دليلهم على ذلك أنها نظرية تستند إلى حقيقتين تجريبيتين ليستا بنسبيتين، هما: عدم تغير القوانين الفيزيائة، وثبات سرعة الضوء مهما كان حال المراقب. سابعاً: نعم؛ إن من علماء الأنثروبولوجيا من قال بهذا، لكنَّ كثيرين منهم ردّوا على زملائهم، بل إن منهم من أثبت أن هنالك قيماً مشتركة بين كل الثقافات بغضِّ النظر عن أزمانها وأماكنها، واستنتجوا من هذا أن في الثقافة ما هو إنساني يكون مع الإنسان حيث كان. ٥ ـ يقول الكاتب: أضف إلى ذلك نظرية التطور التي تقول: إن التغير سنّة من سنن الكون الذي لا يمكن الوقوف في وجهه. أقول: أضيفُ ماذا إلى ماذا؟ أأضيف القول بأن هنالك سنّة ثابتة لا يمكن الوقوف في وجهها إلى القول بأن كل شيء مرهون بزمانه ومكانه؟ ماذا يتحصل عندي إذاً؟ هذا نوع من إلقاء الأقوال على عواهنها من غير تصوّر لحقائقها أو للعلاقات بينها. ٦ ـ بعد هذه العمومات الباطلة يصل الكاتب إلى بيت قصيده ليقول لنا: إنه لا جدوى من حواركم مع الغرب؛ لأنكم تريدون منه شيئاً لا يمكن أن يفعله؛ لأن من يعيش في مجتمع يحكمه القانون وتسوده العدالة وتتحقق فيه كرامة الفرد وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير لا يمكن أن يتراجع عن كل هذه المكتسبات ويعود القهقرى لينفض الغبار عن قناعات خَبرَها وكافح ليتخلّى عنها ويودّعها إلى غير رجعة. لكن الواقع وأنفُ أمثال هؤلاء راغم أن كثيراً من الغربيين يحاوروننا ويقرؤون كتاب ربنا فيدخلون في دين الله أفواجاً، حتى إن إحصاءاتهم تقول: إن الإسلام أكثر الأديان (أقول وسائر الأيدلوجيات) سرعةً في الانتشار حتى في عواصم الدول الغربية. إنهم يقبلون عليه مثل هذا الإقبال لأنهم لا يرون فيه ما يرى المرتدون عنه دعوة إلى التخلّي عن خير مادي أو معنوي توصّلوا إليه، وإنما يرون فيه خير هادٍ لهم إلى معرفة ربهم والسعادة بعبادته واتّباع شرعه، بعد أن دلّتهم خبرتهم على أنه ليس بالتقدُّم المادي وحده يسعد الإنسان. ٧ ـ لكن أمثال هذا الكاتب يرددون أباطيل قال بها منكرو الرسالات النبوية قبلهم. فإذا كان كاتبنا يقول: إننا بينما نسمح لأنفسنا أن نستمتع وبشراهة منقطعة النظير بكل ما تنتجه مصانعه من أجهزة ومعدات فإننا في الوقت نفسه نرفض وننكر ما يقف وراء هذه المنجزات التقنية من علم وفكر.. بدلاً من تعمير هذا الكون الذي هو أعظم مسؤولية ألقاها الخالق على عاتق الإنسان وأعظم كرامة كرّمه الله بها. فإنه إنما يردد من حيث لا يشعر حجة لجأ إليها الكفار في إنكارهم للرسالة المحمدية: ﴿وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِءْيًا﴾ [مريم: ٧٣ - ٧٤] . وكاتبنا هذا وأمثاله يرون في تفوّق الغرب المادي وتعميره الأرض دليلاً على تفوّق معتقداته وقيمه وأفكاره. بماذا ينصحنا الكاتب إذاً؟ أن لا نكتفي بشراء بضائعهم بل نشتري معها شرْكهم وإلحادهم وتدهور خُلقهم وظلمهم للشعوب واحتلالهم لها وفرض ثقافتهم وقيمهم الفاسدة عليها؟! إنه مما لا ريب فيه أن التقدّم المادي الذي نشاهده في الغرب بُني على حقائق من العلوم الطبيعية، وأننا قصرنا في هذا الجانب تقصيراً كبيراً كان سبباً في إذلالنا، لكننا نعلم أنه تقصير مهما كانت أسبابه فلا علاقة له بديننا الذي كنا بسببه أئمة العالم في مجال هذه العلوم، وأنه ليس منا الآن من يرفض الحقائق الرياضية أو التجريبية، لكننا نعلم أنه ليس في معرفة هذه العلوم والاستفادة منها في المنجزات المادية ما ينهض وحده دليلاً على صحة معتقدات العالمين بها، أو حسن خُلقهم، أو صواب فكرهم السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. لو كان هذا صحيحاً لكانت عقائد بناة الأهرامات صحيحة، ولكانت الكنفوشية والشيوعية التي تدين بها الصين صحيحة، ولكانت البوذية والهندوسية أيضاً صحيحة؛ لأن أصحاب كل هذه المعتقدات هم الآن متقدّمون في مجال المنجزات المادية تقدّماً يذهل له الغرب ويخشاه أشدّ خشية، لكن صاحبنا وأمثاله يريدون لنا أن نضيف إلى تخلّفنا المادي تخلّفاً روحياً فنخسر الدنيا والآخرة. أما تعمير الكون فما هو والله بأعظم مسؤولية ولا أعظم كرامة كرّم الله بها الإنسان. أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ لو كان هذا صحيحاً لكان ساكنو القصور العالية وراكبو السيارات الفارهة ومرتدو الملابس الفاخرة في أوروبا وأمريكا أقربَ إلى الله من عباده الذاكرين له وهم محبوسون معذَّبون في سجون (غوانتنامو) . إن عمارة الأرض ليست غاية في ذاتها لكنها وسيلة إلى خير أو شر. إن الخالق العظيم هو الذي قال: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الروم: ٩ - ١٠] . ٨ ـ ينصحنا الكاتب قائلاً: ولا ننسَ أن الآخر مؤهل للحوار معنا أكثر مما نحن مؤهلون للحوار معه. لماذا؟ لأننا لا نعرف عنه شيئاً بينما هو يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا. علينا أن نعترف أن اكتشافنا لكنوز حضارتنا جاء عن طريق مدارس الاستشراق التي نبّهتنا لهذه الكنوز ونحن عنها غافلون. أصحيح هذا؟ ألم أقل لكم: إن الرجل في حالة من الهيام الذي يعمي ويصم؟ أصحيح أننا لا نعرف عن الغرب شيئاً، نحن الذين تتكلم الآلاف منا لغات الغرب وتقرأ كتبه وصحفه وتستمع إلى إذاعاته وتتعلم في جامعاته وتزور بلاده وتساكنه فيها، بينما الذين يعرفون شيئاً من لغاتنا وثقافتنا وتاريخنا إنما هم أهل الاختصاص منهم؟ نبّهنا المستشرقون إلى كنوز لنا؟ الحمد لله، فنحن ـ إذاً ـ أمة لها كنوز يعترف بقيمتها حتى عدد من أبناء العالم المتحضر. وإذا كنا نشكر أولئك المستشرقين على اكتشاف شيء من كنوزنا فإننا نحمد الله أن جعل لنا فضل السبق إلى دين هدتهم تلك الكنوز إليه فآمن كثيرون منهم، بل يقال: آمن أكثرهم به بعد أن كانوا تائهين في ظلمات الشرك والأديان الباطلة. لقد أعطيناهم ـ إذاً ـ أحسن مما أعطونا ولله الحمد والمنّة. ٩ ـ يقول كاذباً: ... بينما نحرّم نحن على من يقيم منهم بين ظهرانينا أن يحتفل بمناسباته الدينية في بيته خلف الجدران والأبواب المغلقة. لولا أن الكاتب يقول إنه من موريتانيا لقلت: هذا رجل لا يعيش في العالم العربي. كيف يجرؤ إنسان فيه مسكة من عقل على مثل هذا القول بينما كنائس النصارى بالنسبة لأعدادهم في بلادنا أكبر من نسبة المساجد في بلادهم بالنسبة لأعداد المسلمين فيها؟ كيف يقال هذا والنصارى يحتفلون بأعيادهم في بعض البلاد العربية حتى على شاشات القنوات الرسمية؟ ١٠ ـ يقول آسفاً: وها نحن نلعنهم في صلواتنا ونفرٌ منا يمتشقون السيوف والعبوات الناسفة ليجبروا الناس على الدخول في حظيرة الدِّين بينما هم يبنون المستشفيات ويقدمون المساعدات الإنسانية ويصلون للمنكوبين. يا للعجب! أيقال مثل هذا الكلام عن الغرب الذي احتلَّ واسترق وانتهك الحرمات؟! أيقال هذا والأخبار تترى عن استمرار قوات الناتو في قصف القرى الأفغانية قصفاً لا يفرق بين محارب ومسالم، وصغير وكبير ورجل وامرأة؟! أيقال مثل هذا عن الغرب وقواته مستمرة في عدوانها على شعب العراق، وإسرائيل تدمّر البلاد وتقتل الأبرياء في فلسطين بمباركة منه؟! أيقال هذا في زمان (أبو غريب وغوانتنامو) ؟! ولكن لا عجب فإن التَّتيّم يعمي ويصم. ثم إن الذين امتشقوا السيوف صرحوا بأنهم لم يمتشقوها لدعوة إنسان إلى الإسلام، وإنما فعلوا ما فعلوا بدعوى الانتقام لإخوانهم الذين عانوا من ظلم أمريكا في فلسطين. كيف يكون قصدهم أن يجبروا على الدخول في الإسلام من هم عازمون على قتله؟ أيسلم بعد أن تفارق روحه جسده؟! ١١ ـ واستمع إلى ما يقوله عن التبشير النصراني: لا يمكننا فصل الدين عن الحضارة، فالمجتمعات المتحضرة تمارس دينها، أيّاً كان ذلك الدين، وتدعو إليه وفق أساليب متحضرة، وتقدّمه كخيار حرٍّ لمن يجد فيه ما يروي ظمأ الروح ويقود إلى طمأنينة النفس ويلبِّي حاجة الوجدان ونوازع الضمير. قارن هذه الصورة الخيالية الدعائية بالواقع الذي يرويه لنا أصحاب تلك الدول المتحضّرة. فهذا (هنتجتون) يقول ـ كما نقلت عنه في مقال سابق ـ: إن الثقافة الغربية فُرضت على الناس باستعمال العنف، وهؤلاء أئمة النصارى في أمريكا يتحدثون عن أطهر رجل عرفته البشرية بكلام بذيء لا يقال حتى عن عامة المفسدين، وهذا أحدهم يحث حكومته على دكِّ الخرطوم بالطائرات، وذاك وذاك. لكن ماذا يحدي بيان الحقائق لقوم لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون؟ ١٢ ـ يقول الكاتب في نهاية هذره هذا مادحاً نفسه: هذا الحديث عن الحوار مع الآخر ليس مجرد شطحات نظرية فأنا لا أتحدث من فراغ وإنما ... ليت الحديث كان شطحات نظرية إذاً فلربما كان أقل سوءاً.

стр. 5794

قرن الإسلام د. عبد الكريم بكار هل يمكن أن يكون القرن الخامس عشر الهجري هو قرن الإسلام؟ وهل هناك دلائل تشير إلى إمكانية هذا؟ وما السبيل إليه؟ هذه أسئلة أطرحها على نفسي وعلى الإخوة القراء، لعلنا نعثر على أجوبة مقنعة لها. لا يخفى أن الإسلام ـ ومعه المسلمين طبعاً ـ يتعرض لهجمة عالمية منظمة وواسعة، وقد اشتدت هذه الهجمة في السنوات الأخيرة على ما هو مشاهَد، فهل هذا دليل على أن الإسلام يقترب من أن يكون القوة الكبرى التي تغير ملامح الثقافات العالمية، وتخلخل المعادلات والموازين الموجودة؟ أظن ذلك، وقد صدق من قال: إذا رأيت الناس يرمونك من الخلف بالحجارة، فاعلم أنك في المقدمة. نحن نملك ملايين الشباب بل عشرات الملايين المتطلعين إلى عمل شيء ينهض بالأمة، ويُعلي من شأن الدين، لكن قد يكون كثير منهم غير عارف بالوسيلة أو الطريقة التي يمكنه اتِّباعها من أجل تحقيق ذلك. فهل نستطيع مساعدتهم في هذا الشأن؟ من المهم أن نكون على وعي بأننا لا نستطيع إعزاز الدين من غير إعزاز أهله، كما أننا لا نستطيع بناء أمة أقوى من مجموع أفرادها، ولهذا فإن طموحنا إلى أن يكون هذا القرن هو قرن الإسلام يتطلب أن تقوم أعداد جيدة من الشباب المسلم (لا تقل نسبتهم عن ٥% من مجموع الأمة) بإدخال تحسينات جوهرية على حياتها الشخصية وأنشطتها العامة، وذلك من خلال القيام بالأعمال المتميزة وتقديم النماذج الفذة. إن التحدي الذي يواجهنا على هذا الصعيد يتمثل في أن يحاول كل واحد من أهل الغيرة على مستقبل هذا الدين وهذه الأمة؛ القيامَ بعمل يرفع سوية الأخلاق والسلوكات والعلاقات السائدة في حياتنا العامة، وقد ورد في عدد من الأحاديث الصحيحة ما يومئ إلى أهمية شيوع الإنجازات الراقية، فمثلاً في حديث الثلاثة الذين ألجأهم المطر إلى غار؛ حث واضح على ذلك، حيث توسّل كل واحد منهم بعمل فذٍّ وعظيم عمله في يوم من الأيام؛ كي تنزاح الصخرة عن باب الغار ويتمكنوا من الخروج، على ما هو معروف ومشهور من أمرهم. وفي حديث الرجل الذي سقى الكلب بخفه، وحديث الرجل الذي كان يتجاوز عن المعسرين من عملائه وزبائنه، وحديث السبعة الذين يظلهم الله ـ تعالى ـ في ظله يوم لا ظَِّل إلا ظله، وأحاديث كثيرة من هذا القبيل، أقول: في كل هذه الأحاديث إشادة واضحة ببعض الأعمال المتميزة. واللافت فيها أن العمل أو الموقف الذي نال الثناء والجزاء الحسن قد يكون كبيراً في حجمه ونفعه وآثاره، وقد يكون كبيراً في دلالاته وإشاراته ولوازمه، وعلى سبيل المثال فإن ما يسديه (الإمام العادل) للأمة من نفع وما يبذله له من جهد يعد شيئاً هائلاً بكل المقاييس. أما التميز الكبير في دلالاته، وليس في حجمه، فإنه مثل ذلك الذي ذكر الله ـ تعالى ـ خالياً ففاضت عيناه، حيث إن بكاءه يعبر عن حالة شعورية راقية، قوامها الإحساس بمعية الله ـ تعالى ـ وقربه وحبه والخوف منه والشوق إليه، وهذه المعاني حين ترد على قلب، فإنها كثيراً ما تدل على بعد صاحبه عن المعاصي وإكثاره من الطاعات. ويشبه هذا في عظم الدلالة ما فعله ذلك الرجل الذي دعته امرأة ذات حسن وجمال وحَسَبٍ ليقترب منها في حرام، فاستعصم، وأعلن أن خوفه من الله ـ تعالى ـ يمنعه من ذلك، كما يشبهه في الدلالة ما فعله الذي نزع خفه وسقى به الكلب اللاهث من الظمأ ... نحن اليوم نستطيع أن نثري الأمة بالأعمال الكبيرة بحجمها، والكبيرة بدلالتها وإشاراتها من خلال المبادرات الفردية والشخصية. لدينا نخبة مثقفة ملتزمة واسعة اليوم، ومتزايدة ـ بحمد الله ـ، ويستطيع كثير من أفرادها أن يتخيل أن حياته عبارة عن مشروع أنشأته أمة الإسلام، واستثمرت فيه، ثم أوكلته إليه ليدبره، ويتابعه، ويبذل فيه من ماله ووقته وجهده، وقد قبل هذه الوكالة، وشرع يحاول في جعل ذلك المشروع ناجحاً ومثمراً، بل يحاول أن يجعل منه مشروعاً نموذجياً بين المشروعات المناظرة، كما فعل عشرات الألوف من أبطال الأمة: مجاهديها، وعلمائها، ودعاتها، وقاداتها، وتُجارها، ومعلميها وإدارييها ... هذا التخيل وهذا القبول لجعل الذات مشروعاً عظيماً، يتطلب التفكير والتخطيط والعزيمة الصارمة والرؤية الواضحة، كما يتطلب التفاؤل والثقة بالله ـ تعالى ـ ومعونته والاحتساب لديه والاستقامة على أمره؛ وهذه كلها ممكنة وقريبة التناول حين نتخيل النتائج العظيمة لمثل هذا التوجه. وتستطيع شريحة واسعة جداً من أبناء الأمة أن تقوم بأعمال صغيرة ذات دلالة كبيرة، وأنا هنا أود أن أشير إلى فكرة مهمة، هي أن الأمة الفقيرة ليست تلك التي لا تملك الكثير من المال؛ لكنها الأمة التي يتلفت صغارها وكبارها فلا يرون إلا رجالاً من الدرجة الرابعة، ولا يجدون نماذج رفيعة حية يقتدون بها، ويقبسون من روحها وسلوكها ما يشكل قسمات حياتهم. ونحن نستطيع معالجة هذه المسألة جزئياً عن طريق القيام بالأعمال الصغيرة ذات الدلالة الكبيرة، إننا نريد من كل واحد منا أن يفكر: هل يمكن أن يقدم نموذجاً في الحفاظ على الوقت، أو الفهم في القراءة، أو الحرص على صلاة الجماعة، أو في الصدق، أو التواضع، أو خدمة الإخوان، أو بر الوالدين، أو الغِيْرة على حرمات الله ـ تعالى ـ، أو نصح المسلمين..؟ وحين يتمكن (٥%) مِنَّا تَمَثُّلَ هذه الفكرة وتطبيقها، ثم نشرها والدعوة إليها؛ فإنني أعتقد جازماً أن وجه العالم سيتغير تغيراً واضحاً، وبذلك نكون قد عملنا عملاً كبيراً جداً على صعيد جعلِ هذه القرن قرن الإسلام، هذا هو التحدي؛ فأين الذين يقبلونه؟

стр. 5795

شيماء نور الجندلي بيتٌ تتصدّع جدرانه، قلبهُ يتوقّف! قذيفةٌ تحيلهُ أطلالاً، تحطّم بقايا الذكريات، وتخنقُ بسماتٍ شاحبة سكنت، واستحالت بعدها إلى قهقهة أشباح. يحلمٍ فيُغادرُ مسرعاً، فقد أعلنت حالةُ الطوارئ فجأة، وغادرت نساءُ الفلوجة على عجل ... وبقيت شيماء. الليلُ يطوفُ بوشاحِ الحزن، يعدُّ الضحايا من الطرفين، ويبتسمُ بسخرية مرّة، وتكبّر النجمات. ـ كُنَّا الأقوى. كما خمّنّا! تنتزعُ قلبها الباكي من تحت الركام، وتسير على أنقاض النصر الحزين، لتبحث في برد العالم عن ملجأ، قطعة خبزٍ، حفنة جمر، ويدٍ تكفكفُ دمعها. ليلُ النّكباتِ طويلٌ، يفزعها فيه عواءُ الذّئابِ البربريّة، تتخفّى في هيئة شبحٍ ذكوريّ، لتحمي أنوثتها من لسعات عقارب المدن، أو من نظرات خفافيشها المتعطّشة إلى دماء. تقطعُ مع الليل مسافات طويلة، تقتاتُ الهمّ كلما لمحت خيال طيرٍ، أو سمعت مواء هرّة. كم كانت تطربُ لصوتها في ذلك البيت الذي ... كان لها! قطعُ الجبنِ اعتادت أن تسكن طيّات ملابسها. أما الآن فإنها أحوجُ من هرّة إلى كسرة خبزٍ جافّة، تذكرها بأنّها ما زالت من الأحياء، هاربة من جحيمِ الموتِ، ومن جنون البشر. شلاّل الدّماء أهداها منهُ رذاذاً، فتنفّست رائحتهُ مع الفجر وقد وقفت تدعو أن تهتدي إلى مأوى. لمحت حيّة رقطاء تعود إلى جحرها، لم تقوَ إلا على حسد. ـ ليتني كنتُ حيّة لأختفي في وكري، ليتني استطعتُ أن ألتفّ على أعناقِ طائراتهم كي تسقط صريعة! أو ألدغهم بكلّ ما بثّوا في داخلي من سمٍّ، وبكلّ ما جرّعوني من أسى! ليتني ... ليتني! تغرقُ في بكاء مُرٍّ، ثمّ تنصبُ عصا الترحال وتمضي. المدينةُ تبدو ميتةً؛ بلا أضواء، بلا حياة. لقد نام الجميع وأعينهم مفتوحة، على إثر زلزال أمريكي الهوية. حتى التسوّلُ قد غفا لحظة في أعينٍ بائسةٍ يئنُّ من وطأة جوعٍ وفاقة. تناديها مئذنةٌ قريبة، تبتسم أخيراً بمرارة! تهرولُ مسرعةً إلى المسجد، يحدّقُ بها بعضهم بنظرات ملأى شكوكاً. ـ من أنتَ؟ من أينَ أتيتَ؟ ما اسمكَ؟ هيّا اعترف! ما أهدافك؟ سُنّيٌّ أم شيعيّ؟ لا تدخل قبل أن تبرز سلاحك! وبصوتٍ ممزوجٍ بتراب الأسى يخفيه لثام ... ـ اسمي عبد الله، أتيت من الفلوجة، أخوكم سُنّيٌّ، مسلم! ولا أحملُ أيَّ هويّة. تتلاشى النّظرات المُتّهِمة. ـ أهلا بالبطل، تعالَ واسترح، وتوضأ وصلِّ، وخذ بعضَ الزادِ ولا تُطلْ! المعركةُ ستحتدمُ قريباً، والمسجدُ لن يسلم من حقد، وما نراكَ إلا هارباً من بؤسٍ إلى بؤس. على السّجادة الطّاهرة تغفو أخيراً، لتفزعها أصوات الرّصاص ... تهبُّ مدافعةً بلا سلاح! أخبروني ماذا أفعل؟ كيف أُعين؟ بلهفةٍ تسأل: بلا سلاحٍ أنا، بلا قلبٍ أصبحتُ، فبِمَ أقاوم؟ يعطيها مسدّساً وبضعَ طلقات ... ـ اذهب إلى الجهة الشرقية، وقاوم هناك. تركضُ مسرعةً، تبتعد، تقفُ برهةً لتلتقط أنفاس الدّخان ... ينكشفُ لثامها عن أنوثة، وتجلس لا تدري أن الصيّاد يراقبُ من خلف الشجرة. يبحثُ عن غنيمة ... نساء يريد ... فقط نساء! التجارةُ عنده مربحةٌ، وجيوبهُ امتلأت دنساً ومرارةً تتقاطر من عيون الشّوارعِ السوداء التي شهدتْ اختطاف العفّة والمروءة. جرائمُ ترتكبُ في وضح الحقيقة، على مرأى من ملأ ماتت فيهم الروح، بعد أن سادت الحرب فأحرقت كلّ مكان. تُدركُ بلمحةِ عينٍ مغزاه. باعد بين الحركتين يقتربُ وفرحٌ آثمٌ يغمرهُ. ـ ما اسمكِ؟ وبعزّة: ـ اسمي شيماء. ـ من أين أتيتِ؟ ـ من الفلوجة. ـ لا بدّ وأنك بلا مأوى، تعالي ... سأضمّك إلى بعض الصديقات! ـ لا حاجةَ لي بكَ، فاغرب عن وجهي أيها النجس. بنتُ الفلوجة ترفعُ سلاحاً، تصوّبهُ بلا رحمة! يبتسمُ ساخراً من اضطراب اليدين، وتطلقها رصاصة ألم، تحمّلها مرارة البداية، وألم النهاية. كانوا هناكَ خلف الجدرانِ يراقبونَ ويسمعون. سمعوا الطلقة فأسرعوا نحوها مسلّحين، حاقدين. توحّدت مع الهواء فطارت كورقة خريفيّة ... واجهت نخلةً شمّاء ... كم تشبهها بالشموخ والشعرِ الغجريّ! احتمت بها، وقالت: أنا شيماء. أغمضت عيناها تنادي: الله أكبر ... أخيراً تحررت. وتنطلقُ قذيفة محمومةٌ تحيلها والنّخلة إلى أشلاء.

стр. 5796

العراق: الضرورات التي تبيح المحظورات ربيع الحافظ (*) حقوق تقتضي الذود عنها، ومفاهيم ينبغي الوقوف عندها، ومحظورات لا ينبغي تجاوزها، ولكن يبقى لكل محظور ضرورات تبيحه. لنتوقف أمام مكونات الصورة التالية القائمة في العراق، ثم نستأنف الموضوع: احتلال أجنبي/ تحالف بين الاحتلال والطوابير الطائفية المحلية/ حكومة تتشكل من ميليشيات الطوابير/ تهميش الكتلة السياسية الكبرى وهم العرب السنة (٤٢% حسب الانتخابات) / حرب أهلية غير متكافئة/ محاصرة الدولة للمدن السنية/ فِرَق موت بإشراف وزارة الداخلية/ تطهير عرقي وطائفي تحت عيون الدولة/ انتخابات مزورة/ دستور يقنن تقسيم البلاد/ رفض العَلَم العراقي/ فدرالية إقليمية تتجاوز العاصمة/ اتفاقيات لصالح الشركات «المفضلة» / تصفية علماء السُّنَّة ونخبهم وعسكرييهم/ مصادرة المساجد وقتل الأئمة والمصلين/ خطف النساء/ حملات إعلامية وثقافية واقتصادية بتمويل إيراني/ انتشار المخابرات الإيرانية في المدن/ هيمنة إيرانية على الحوزة الشيعية العربية/ شيوع اللغة والعملة الفارسية في المدن الجنوبية/ زخم شعوبي لشيعة عراقيين من أصول هندية وفارسية/ دور إيراني مستقبلي في العراق/ إغلاق المناطق الكردية في وجه العرب/ إيقاف تدريس اللغة العربية في المناطق الكردية ... والقائمة تطول. السؤال: كم أبقت هذه الصورة من معاني الوطن والمواطنة؟ وماذا بمقدور السياسي فعله في مناخ كهذا المناخ؟ صادفت أحد الأصدقاء، وهو كاتب ومحلل سياسي، فسألته عن سبب احتجابه عن الكتابة، فرد بالقول: هذا زمان عندما ينطق فيه القلم تردُّ الرصاصةُ، ومقارعة الحجة بالحجة فيه وسيلة لا توصل إلى غاية. ذكَّرني قوله بحديث آخر، وهو أن الشعوب عندما تُهَدَّد في وجودها، فإنها تبحث لا عمن يثبت مظلوميتها أمام محافل حقوق الإنسان، وإنما عمن يحقق لها الأمان على الأرض، ويتراجع في هذه الحقب الأداء الفكري لصالح «الأداء العضلي» . هذه حقيقة، وهي تفسر جانباً من أسباب بقاء الشعوب العربية حقباً طويلة تحت حكم المماليك ومن بعدهم العثمانيون التي توصف بأنها حقب عسكرية. لم تكن «الحقب العسكرية» في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية حقب عطاء ثقافي، لكنها حفظت الأنفس وصانت الدين أمام أعاصير ثقافية ومذهبية وشعوبية عصفت بشعوب الحضارة. وتكررت خلال هذه الحقب مشاهد الانتشال السياسي للعرب على أيدي الشعوب غير العربية في منظومة الحضارة العربية الإسلامية، بل إن امتدادها هو الأطول في السلم الزمني للحضارة، وكان آخر فصولها رفض الأتراك العثمانيين بيع فلسطين، لتضيع في حقبة المسار القومي العربي الوريث. وبلغة العصر: يمكننا أن نقول: هامش الخيارات أمام العرب السنَّة كان ضيقاً، وانحصر الاختيار بين البقاء على قيد الحياة السياسية، ولكن في مقعد خلفي، أو الاختفاء من الخريطة، فاختاروا الحياة. عنصر آخر يضاف إلى مكونات الصورة السابقة، وهو أن سُنَّة العراق المحاصرين في الداخل، لا يجدون عند «دول الطوق» العربية رغبة في إلقاء أطواق النجاة إليهم، أو مصلحة في إعادة خلط الأوراق لمصالحهم. يبدو أن البر التركي هو الأقرب والمنظور من على متن سفينة أهل السنة المتعبة، ويذكر العالم أن هذا البر، وفي ذروة الإعداد لحرب أمريكا على العراق، وتقسيم بوش لأمم الأرض إلى فسطاطين: «معنا أو ضدنا» ، وتسابق الأمم إلى فسطاط «معنا» كان قد منع نزول الجيش الأمريكي على رماله، ورفض أن يكون معبراً إلى غزو العراق، مثلما كانت مياه إيران وسماؤها التي تحولت إلى معبر للقلاع الطائرة (ب ٥٢) الأمريكية القادمة من قواعد المحيط الهندي والذاهبة لإنزال الدمار فوق العراق. دنو السفينة المتعبة من هذه الشواطئ والرسو في مياهها يبدو أسهل مما هو عليه واقع الحال. لندع البحر ونعود إلى اليابسة، هناك نجد أن حقبة الدولة العربية المعاصرة التي انهارت في ٩ نيسان ٢٠٠٣ كانت فاصلاً زمنياً طويلاً بين حقبتين من سجال مذهبي ذي امتدادات سياسية دولية على أرض العراق، كان قطباه الدولة العثمانية وإيران الصفوية، وكان قيام الدولة المعاصرة نهاية للحقبة الأولى وبداية لهدنة غير معلنة، وجاء سقوطها في ٩ نيسان ٢٠٠٣ استئنافاً للسجال. ما ميز فترة الهدنة غير المعلنة هو غياب الحضور العثماني عن العراق بجميع أشكاله، وخروج العراق والعرب ـ الذين شاركوا العثمانيين نظامهم السياسي أربعة قرون من جدول أعمال الدولة التركية الوريثة، وتبني هذه الدولة للقومية الطورانية، وتخليها عن أدوار الدولة الإقليمية الكبرى، واكتفائها بشؤون الأقليات التركمانية. على الجانب الآخر من الحدود، أوجدت أدبيات الدولة القومية جُدر فصل ثقافي شاهقة على امتداد الحدود، اعتبرت الحقبة العثمانية حقبة احتلال أجنبي، لينشأ طور من الصراع الأيديولوجي بين شركاء الأمس. في المقابل، لم يكن على امتداد حدود العراق مع إيران موانع ثقافية بين الفرس والشيعة العرب، ولم تمر الشراكة الشيعية (الفارسية ـ العربية) التاريخية في فترة انقطاع خلال حقبة الدولة الحديثة، التي واصل الشريك الفارسي حضوره في العراق فيها بأشكاله الكاملة: البشرية والفقهية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وظلت إيران على الدوام الرقم الحاضر الغائب في المعادلة الداخلية العراقية، والعمق الاستراتيجي والروحي المهيمن على الحوزة، حتى لحظة سقوط بغداد، وهو حضور طوّر الخلاف المحلي السني الشيعي، واختزل فرص الوفاق. مما أعان على الحضور الإيراني هو حذر الأنظمة السياسية الإيرانية المتعاقبة الدائم من الزعامات العراقية العربية، السنية بشكل خاص، باعتبارهم عصب الجيش والمصدر التقليدي للانقلابات العسكرية، فكان التغاضي ـ بل تفضيل ـ العنصر الفارسي في الحوزة الشيعية العربية ومرافق أخرى في الدولة، ولم يخرج صدام نفسه عن هذه الحسابات بالكلية، حتى أثناء الحرب مع إيران، وكان أول اصطدام لحكومة البعثيين مع المؤسسة الدينية في مطلع السبعينيات ضد أهل السنة وليس الشيعة كما هو شائع وهماً. يمكن القول: إن ٩ نيسان ٢٠٠٣ كان عودة للسجال، لكنها عودة أحادية القطب هذه المرة، وفي مناخات مختلفة من التركة الثقافية للدولة المدنية (بالنسبة لأهل السنة) ، حيث لا ميليشيات للدفاع عن الذات، ولا مصادر تمويل ذاتية، ولا ثقافة سوى ثقافة المدرسة، ولا مؤسسات خدمية بموازاة مؤسسات الدولة، لذا كان أهل السنة هدفاً رخواً وصيداً سهلاً لإيران والميليشيات العاملة تحت إمرتها التي تتمتع بنظام مؤسساتي شامل وعالي الإعداد بموازاة مؤسسات الدولة، وكان ٩ نيسان بحق محطة تاريخية هامة في التقويم الصفوي، ختمت بها إيران فصلاً مهماً من سجالها الطويل مع محيط الأغلبية من حولها. أحاديث الماضي العثماني هذه كانت، وحتى عقدين ماضيين، غزْلاً على نول الماضي العربي في فردوس الأندلس الضائع، وشأناً من أدبيات المدرسة الإسلامية، التي يفترض أن عصر الدولة القومية تجاوزها. لكن التدهور الذي يعيشه النظام السياسي العربي، والتسيب السياسي الإقليمي، وانفراد العولمة الأمريكية بدُوله، الواحدة تلو الأخرى، استفز القناعات الفكرية في الطيف السياسي العربي، ودفع هذا المفهوم باتجاه مساحات جديدة من الطيف، لم تُستثنَ منها النخب القومية التي كانت حتى الأمس القريب تفك «الوثاق التركي» عن المعصم العربي. ليس من المبالغة القول: إن حالة من البحث عن انتماء إقليمي يعيد للمنطقة تماسكها تجتاح الطيف السياسي العربي، في مواجهة واقع التردي الإقليمي، وحجم التدمير الذي يمكن أن تلحقه قوة خارجية بالمنطقة بأسرها، كما وقع في العراق. يقول محمد حسنين هيكل في هذا السياق: «باتت تركيا ودولة الصهاينة الدولتين الوحيدتين المؤهلتين سياسياً لتزعم المنطقة، إذا تأخر أحدهما ظفر الآخر. وبالرفض الطبيعي للمرشح الصهيوني تبقى تركيا المؤهلة لزعامة المنطقة واستئناف أدوار تاريخية في حفظ التوازن السياسي الإقليمي» . سيكون من السذاجة بمكان توقع استدارة تركية مفاجئة بمقدار ١٨٠ درجة باتجاه جوارها الجنوبي. في المقابل، فإن الـ «لا» الأوروبية الأخيرة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، هي في تقدير الكثيرين مجرد مسألة وقت، ولن تكون الـ «لا» المنتظرة هي اللحظة التي ستشرع فيها تركيا في البحث عن بدائل جديدة، وإنما لحظة اعتماد البدائل الجاهزة التي لا بد أنها منكبة عليها منذ الآن وتهيئ لها الأوراق. في الوقت نفسه، فإنه ليس من قبيل السباحة في الخيال توقّع أن تضع موازنات السياسة الدولية بين يدي تركيا ونسختها من «الإسلام السياسي المعتدل» ، ومذهبها السني، أوراقاً مهمة في العالم العربي الإسلامي ذي الغالبية السنية الساحقة، والذي يشكل الفراغ السياسي فيه مصدر صداعات أمنية وسياسية متصاعدة للعالم الغربي. المتابع للمشهد يلحظ مؤشرات متتالية، وتوطئة لأدوار تركية محتملة قادمة، لعل أحدثها استباق أنقرة الآخرين، وإعلانها المبكر عن رغبة في إرسال جيشها إلى الجنوب اللبناني، الذي هو منطقة نفوذ المحور الإيراني ـ السوري، وإعلانها مؤخراً عن أن تقسيم العراق ليس شأناً محلياً، ووساطتها في الشأن الفلسطيني، بل وتشاور الفلسطينيين معها في أكثر من مرة. الحديث عن عودة دور إقليمي تركي في المنطقة العربية يقبل به العرب ـ ناهيك عن استدعائهم له ـ كان وحتى ٩ نيسان ٢٠٠٣ أقرب إلى استغراقات البحوث الأكاديمية منه إلى الواقع. لكن مستجدات كبيرة أخرجت هذه الأحاديث من الأروقة الأكاديمية إلى الورشات العملية، منها: ١ ـ إقليمية: الهزة الإقليمية العنيفة التي أحدثها احتلال العراق، في منطقة هشاشة سياسية، في وقت تنهمك فيه الشعوب الأخرى في عملية إعادة اصطفاف وبناء تكتلات إقليمية بإمكانها قول «لا» (كما في أمريكا اللاتينية) ، هذه الهزة وجهت لكمة قاسية للأداء الأمني المحلي والإقليمي للدولة القُطرية، وقدرتها على الصمود منفردة في وجه مشروع إقليمي عبثي بحجم مشروع الشرق الأوسط الجديد. ٢ ـ محلية: نشوء محاور قوى بين أقليات المنطقة ودول خارجية على حساب مصالح الأغلبية السياسية التاريخية فيها، كتحالف القطاعات الشيعية الرئيسية في العراق مع إيران وأمريكا، واستقوائها على شركاء الوطن من السنَّة، الذي عُدّ انسحاباً من العقد الوطني بأوضح أشكاله، وإعذاراً للطرف المعتدى عليه للانصراف نحو استراتيجيته، والبحث عن عمقه التاريخي الطبيعي وروابطه الثقافية، وهي أدوار كان السنة قد رضوا بحذفها من العقول والمناهج عند تأسيس الدولة الحديثة، لصالح صورة من التوفيق (أو الترقيع) الثقافي مع الأقليات الذي سمي (الثقافة الوطنية) وأحرقوا بذلك جسور العودة إلى عمقهم الإقليمي الطبيعي، مما أوقعهم في تناقضات فكرية لصالح مشروع ثبت لهم اليوم أنه كان قصير النظر. (يمكن إدراج نظام الأقلية النصيرية في سورية في سياق الدور التقويضي المحلي والإقليمي، الذي فتح أبواب سورية العربية السنية على مصراعيها أمام غزو فارسي استيطاني، وحملات تشييع طائفية منظمة، في بلد لا يتجاوز الشيعة فيه نسبة ١%، وتساهل أمام نشر اللغة الفارسية، ورهن اقتصاد البلاد وأمنها وسياستها للدولة الإيرانية، وفعَل الشيء ذاته في لبنان إبان احتلاله له. ويندرج تحته التحركات الطائفية في مصر المدعومة من إيران، التي أعلن علماء ومثقفو مصر عن تذمرهم منها وتجاوزها لحدود الاختلافات المذهبية) . نزول القطاعات الشيعية العراقية الرئيسية في «المستنقع الصفوي» ، (مصطلح المفكر الإيراني علي شريعتي للتعبير عن سياسة تأليب القوى الأجنبية على الجوار عند الصفويين) ، مَثَّل تدويلاً للجانب السياسي من الخلاف بين الشيعة والسنة، الذي هو أقرب إلى حالة التظلم المحلي، التي لن تستعصي على الحل في مناخ متبادل من الجدية والصدق. مما أصبح مسلَّماً به لدى الطيف السياسي العربي من أقصاه إلى أقصاه، أمام المعطيات الآنفة الذكر، وتسارع إيقاع الأحداث، أن الجسد السياسي العربي الكسيح بحاجة إلى عمود فقري سليم يمكّنه من النهوض، وإلى عوامل ثقة تمنح صاحبه الشجاعة وتدفعه لإجراء العملية، مثلما كانت ألمانيا العمود الفقري لمنطقة وسط وغرب أوروبا (الاتحاد الأوروبي حالياً) ، وكان اقتصادها المتين هو المفهوم الإقليمي الذي أحدث أولى الثغرات في الجُدُر القومية العازلة بين شعوب أوروبا، لتتوالى الثغرات وتتسارع وتتعدد أشكالها. ليس في المنطقة اليوم ـ كما مر ـ سوى مرشحين اثنين لزعامتها، إذا تأخر أحدهما ظفر الآخر، ولا زال العرب أمام تركة تسعة عقود من الجدر العازلة مع المرشح الطبيعي، وأمام بناء المفاهيم التي ستفتح الثغور الأولى في الجدر العازلة. كان أروع ما أقدم عليه عقلاء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، التصميم على إيجاد تكتل سياسي بين شعوب القارة المنهكة، وإخفاء النُّدَب الثقافية والمذهبية التي تعلو وجه القارة، وتوفير أسباب الحياة للتكتل المنشود، فالتفوا على التاريخ الدامي بالاقتصاد الواعد. ليس من المصادفات أن ينجح تكتل سياسي على فسيفساء كأوروبا، وبين شعوب لم تعرف حقبة سلام متواصل بينها أكثر من ستين عاماً. لقد أعاد الأوروبيون تعريف مفاهيمهم، وبالغوا في ذلك، واعتبروا ضرورات المصلحة العامة مسوغاً لتجاوز المحظورات، وإن اصطدمت بثوابت الديمقراطية والسيادة، وهو ما فعله الاتحاد الأوروبي عندما حاصر النمسا، بعد فوز حزبها اليميني في الانتخابات، بزعامة رئيسه ذي الذيول النازية، وإرغامه على التنحي والتواري السياسي، وحدث ما أراده الاتحاد؛ إذ لا حرية مطلقة أو شعارات شاذة للدولة أو الشعب ضمن الكتلة الإقليمية، مثلما أنه لا حرية مطلقة للفرد ضمن الوطن. ü التحالف المشبوه مع المحتلين: يجدر في هذا السياق التذكير بأن الأحزاب الشيعية المتحالفة مع المحتل الأمريكي، كانت قد أعادت لنفسها ولجماهيرها تعريف مفاهيم الاستقلال والسيادة والمقاومة، من منظور يستقيم مع اعتباراتها التاريخية والمذهبية وحساباتها المستقبلية. شعوبنا، وفي أجواء الهشاشة الإقليمية القائمة، بحاجة حقيقية إلى إعادة تعريف مفاهيم السيادة والاستقلال فيما بينها، على أسس من التاريخ والدين والحضارة المشتركة يحقق لها اصطفافاً جديداً، تفتح الطريق أمام عوامل تعاضد مقيدة الآن، وتمنح شعوب المنطقة شخصية جديدة ذات مدلولات واضحة. إن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ليست مهمة مستحيلة على الدوام، فقد حُمِلت شعوبنا عليها (أي إعادة صياغة الشخصية) قبل مئة عام فقط، وفي الاتجاه المعاكس لـ ١٤ قرناً كاملاً من النسق التاريخي والسياسي. لم تكن مهمة منظري القومية العربية المشرفين على المشروع يومئذ نزهة فكرية، لكنهم وصلوا إلى نتائج مهمة نعاينها ونعاني منها اليوم. فزع شعوب المنطقة من المتغيرات السياسية الجارية والقادمة هو قاسمها المشترك اليوم، وهو سر تماسك الأمم، الذي إذا لم يكن موجوداً أوجدته، وما القرن الواحد والعشرين الأمريكي، والحرب على الإرهاب، وترحيب الشعوب بإهدار أموالها لصالح الحروب، إلا ظواهر لمؤسسات قائمة على قاعدة الفزع، وإن كان زائفاً. المساس بعقارب الساعة هو أكثر واقعية اليوم من أي وقت مضى، يؤيده في ذلك استعداد النفوس ـ أو شوقها ـ لمعرفة الاتجاه الذي كانت عليه العقارب قبل حقبة التيه هذه، وتدفع باتجاه ذلك مجريات الأحداث. في هذا السياق لا زال أهل السنة ورغم إدراكهم الجيد لأبعاد الاحتلال، يُخضِعون مواقفهم إلى مفاهيم تجاوزتها الأحداث وأسقطها الآخرون، ويقطعون الطريق دون عمد أمام مجريات سُنَّة التدافع بين الأمم، التي تعيد التوازنات السياسية وتخدم الحاجة الراهنة، ولولاها لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. من الراجح اليوم، وبعد ما يزيد عن ثلاثة أعوام من حمامات الدم الصفوية المتوقعة سلفاً، أن رفض المقاومة لدخول مبكر للجيش التركي، واعتباره احتلالاً أجنبياً يجب محاربته أسوة بالقوات الغازية قد سجل تراجعاً اليوم، إن لم يكن عند النخب؛ فعند الناس العاديين، الذين يأخذون بالاعتبار الأدوار المفصلية التي كان يمكن أن يقوم بها الجيش التركي في حماية المدن والأحياء والحرمات السنية المستباحة من الميليشيات الشيعية والإيرانية، وفي تأثيره على الموازنات السياسية التي تتصرف بها المخابرات الإيرانية، وتعطيله للمشاريع الانفصالية. رغم الانسحابين الواضحين الشيعي والكردي من العقد الوطني، وامتداداتهما الخارجية، لا زال أهل السنة يتحركون بأوراق محلية فقط، وتثنيهم مفاهيم يكفر بها «شركاء الوطن» صباح مساء عن قرارات مصيرية. مفاهيم أهل السنة في المقاومة والاستقلال والسيادة والهوية، أمور لا تلبيها الأوراق التي بين أيديهم. الخطورة هي أنّ تعذُّر التلبية يعني شيئاً واحداً: تعاظم فرص المشروع الصفوي في العراق، وإنجاز أجندته على وجهه الأكمل من دون ثلمة. (وبالمفهوم نفسه، فإن مطالب شعوب المنطقة، لا تلبيها الأوراق المتاحة لدولها كل على انفراد) . مرة أخرى: هامش الخيارات أمام أهل السنة العرب ضيق، ومستقبلهم السياسي ينتظر قرار الحسم. ومن غير المفترض أن تستفز الاستراتيجية الإقليمية للأغلبية السياسية في المنطقة الأقلية «المنتصرة» في هذه الجولة؛ فقد كان لهذه الأقلية السبق في تفعيل «ضروراتها» التاريخية والمذهبية الخاصة بها، التي أباحت انتهاك محظورات الدين والحضارة والوطن والعروبة، لتلتقي مع ضرورات إمبراطورية مارقة اسمها أمريكا، انتهكت المحظورات الدولية وغزت دولة مستقلة، لينشأ «العراق الجديد» ومن بعده الشرق الأوسط الجديد. نظرة سريعة إلى محطات الحضارة العربية الإسلامية، تظهر أن اقتحام دولة بحجم وثقافة أمريكا قلبَ العالم الإسلامي ومعقل حضارته، يشكل محطة كبرى تبعد عن أقرب مثيلاتها قروناً من الزمن، وأن المناخ السياسي والثقافي الراهن يفصله عن مناخات الانقلاب السياسي في تاريخ الحضارة جهد غير يسير، ومع ذلك فهذه هي خصائص النهضة في هذه الحضارة، التي لا تأتي إلا مسبوقة بتعافٍ ثقافي وسياسي. ونظرة سريعة إلى سنن الأمم والشعوب، تظهر أنه ما من كتلة من غير مركز ثقل، ولا حضارة من دون طيف ذي مقومات أكبر وصلاحيات أوسع، ولا معتقد إلا وفيه مدرسة هي الأقرب إلى فطرة الإنسان أو أواسط الأمور، وجميعهم يؤدي دور القاطرة، ويشكل موضع الزخم؛ فالأمم كالأفراد في سلوكها، تبحث عن القوي وتلتف حول من يمنحها الاطمئنان. الحضارات لا تقودها الأقليات، وإنما تتسع للأقليات وخصوصياتها، وحقها على الأقليات أن تحترم مفاهيمها فتكون جزءاً من كيانها، وهي أقلية فكر ومذهب، لا أقلية عدد وعرق، وإذا كانت اتفاقية سايكس ـ بيكو قد جزأت رقعة الحضارة، وجعلت من الأقليات أكثريات عددية هنا وهناك، فإن المفاهيم لا تتجزأ كلما تجزأت الجغرافيا وتبدلت الحدود. ليست الأغلبية التاريخية في وارد إعادة تعريف مفهوم الأقلية والأكثرية، على أسس سايكس ـ بيكو، أو الشرق الأوسط الجديد، وإنما هي في وارد إحياء وتصويب المفاهيم، وإعادة الأمور إلى نصابها، بعدما طفح الكيل، وحل الصغار محل الكبار. صحيح أن الناس استفاقوا على ثغرات فكرية ومذهبية سهلة، ولج منها المحتل وشركاؤه المحليون، لكن الثغرات لا تزال مكشوفة من الناحية الميدانية، ولا تزال سالكة أمام الاحتلال ولا سيما في طوره المدني المسمى (حكومة وطنية) . إن التسليم بحتمية إعادة الاصطفاف السياسي والإصلاح الثقافي، وسد الثغرات، هو مبعث الأمل والتفاؤل الوحيد في هذه المعركة ـ بعد الله وإن بدا بطيئاً، وهو الظهير السياسي الذي تحتاجه كل مقاومة مسلحة في أشواطها الميدانية المتقدمة. وعلى العكس، فإن الاعتقاد بوجود حلول سريعة لحدث بهذا العمق هو خروج على سنن التاريخ، ومواجهة للخصم بظهر مكشوف، وتفعيل من جديد لدور الثغرات المكشوفة، وهو التثبيط عينه، وليس هذا تعارضاً مع الحاجة إلى الوسائل الآنية والموضعية على طريق الحلول الدائمة. مرة أخرى، لقد صاغت أوروبا لشعوبها شخصية جديدة ومفاهيم تنسجم مع تحديات القارة، ورصدت لذلك علماء اجتماع، ولم يكن من قبيل العبث إطلاق اسم الشخصية الجديدة على العملة النقدية الأوروبية. إنها ضرورات إجرائية لقرارات حتمية. الفارق الإيجابي هو أن الشخصية الأوروبية مصطنعة، مادتها الاقتصاد، ومنشؤها السوق، ومن صنيع الحكومات الذي يتعارض بالأصل مع رغبات الشعوب الأوروبية. وشخصيتنا طبيعية، مادتها الإسلام والعروبة، ومنشؤها الحضارة، وشريان حياتها فصول التاريخ، وهي من صنيع الشعوب الذي تعترض النظم السياسية طريقه. مهمتنا أقل مشقة من مهمة الأوروبيين، وهي في حكم المنجَز الذي لا يعوزه سوى المصادقة السياسية ليكون نمط حياة. ستبقى منطقتنا بحاجة إلى مفاهيم تنقل التماسك القائم بين شعوبها من صوره العاطفية العفوية في شوارع إستانبول ودمشق وعمان وبيروت والقاهرة، إلى صيغة أيديولوجية منهجية في أروقة السياسة، وتفعّل جهاز المناعة الإقليمي الذي يقيها آثار الصدمات العنيفة، ويملأ الفراغ السياسي والأمني في رقعتها المهمة، ويؤهلها لنادي الكبار.

стр. 5797

ماذا يُراد بمسلمي جُزر القمُر ؟ محمد البشير أحمد موسى ü مدخل للموقع الاستراتيجي ومطامع الأعداء. جزر القُمُر دولة إسلامية «سنية» ، تقع عند مضيق موزمبيق بين مدغشقر والساحل الإفريقي، وتبلغ مساحتها نحو (٢٢٣٦ كم٢) ، وتتكون من أربع جزر، إلا أن الجزيرة الرابعة (مايوت) ما زالت محتلة من قِبَل الفرنسيين، وإن كان القُمُريون يحنَّون إليها، فيضعون النجمة الرابعة في علمهم لتظلَّ عالقة في أذهان الأجيال القادمة بأن هذه الجزيرة ما زالت مغتصَبة من قِبَل المستعمرين. فرضت فرنسا سيطرتها على جزيرة مايوت عام ١٨٤٣م، ثم احتلت جزيرة موهيلي عام ١٨٨٦م، وأصبحت الجزر الأربع عام ١٩١٢م مستعمرات فرنسية. واحتلت بريطانيا هذه الجزر ولمدة وجيزة أثناء الحرب العالمية الثانية، واتخذت منها قاعدة عسكرية في المحيط الهندي، وما إن انتهت الحرب العالمية ووفقاً للاتفاقيات التي تمت بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم العالم الإسلامي أو تركة «الرجل المريض» حتى أضحت هذه الجزر من نصيب فرنسا. وفي عام ١٩٥٨م وهو العام الذي أعلن فيه «ديجول» عن إجراء استفتاء في جميع مستعمرات فرنسا وبخاصة في القارة الأفريقية للاختيار بين الاستقلال أو البقاء ضمن المجموعة الفرنسية، اختارت جزر القُمُر الخيار الثاني وهو البقاء ضمن المجموعة الفرنسية مع حكم ذاتي. ولكن هذا القرار لم يكن مطلب جميع القُمُريين وإنما لفئة معينة، فبدأت موجة الاضطرابات تدريجياً في الداخل منذ عام ١٩٦٣م، واتخذت فرنسا حيال هذه الموجة أساليبها المعتادة من قتل وتشريد وحبس وغيرها من الأساليب الوحشية تجاه شعب أعزل عرف في تاريخه الطويل بالطيبة وحسن التعامل مع الآخرين! واعتمدت فرنسا سياسة عدم استقرار هذه الجزر بحبك المؤامرات الداخلية والخارجية عليها، من قِبَل عملائها في المنطقة وعلى رأسهم «بوب دينار» ، الذي كان يشكل مع باقي زمرته أكبر العصابات الإجرامية في القارة كلها؛ حيث سفكوا دماء الكثيرين من أبناء القارة بأدوارهم الخبيثة. ولم تكن جزر القُمُر بدعاً من دول القارة؛ فقد قام العميل «المشهور» بمعظم الانقلابات وزرع بوادر فتنة انفصال بعض الجزر عن الاتحاد الحالي بإيجاد مبدأ «فرق تسد» بين أبناء هذه الجُزر، ورفع شعارات بأن حقوق بعض الجزر مهضومة من قِبَل الجزيرة الكبرى (مع أن الواقع أن فرنسا هي التي أفقرت هذه الجزر وما زالت إلى هذا اليوم تنهب من خيراتها، وهي التي أوصلت جزر القُمُر إلى الحالة التي لا تُحسَد عليها) ، فألقوا باللائمة على جزيرة قُمُر الكبرى مما تسبب في العمليات الانفصالية التي شهدتها جزر القُمُر في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وقد ظهر هذا الدور الفرنسي عبر عملائها جلياً من خلال الشعارات المرفوعة آنذاك من المنشقين أو الانفصاليين: «الفرانكفونيين» ! وقد توصل الفرقاء إلى اتفاق، فحلت المسألة آنياً، وقُدّم بوب دينار إلى محاكمة صورية أجاد الفرنسيون تمثيلها وغاب المذكور عن جلساتها فحوكم غيابياً لمرضه المزعوم؛ وذلك في التاسع من مارس ٢٠٠٦م مع ٢٦ مرتزقاً من أتباعه، وانحصرت المحاكمة فقط في قضية محاولة الانقلاب على الرئيس السابق سعيد محمد جوهر في عام ١٩٩٥م، ولم يحاكم على باقي جرائمه سواء في جزر القُمُر أو غيرها من المناطق في القارة وعلى رأسها دولة زائير؛ علماً أنه في جزر القُمُر وحدها كان هو المنفذ الحقيقي لحوالي عشرين محاولة انقلابية، ابتداء من عام ١٩٧٥م. ومن خلال الدور الذي تقوم به فرنسا في هذه الجزيرة وما أسفر عنه من انتهاك لحقوق الإنسان القُمُري، طالبت (منظمة الوحدة الأفريقية) من المجتمع الدولي وعلى رأسه الأمم المتحدة في عام ١٩٧٢م باستقلال هذه الجزر عن فرنسا، ولهذه التحركات السياسية من جانب منظمة الوحدة الأفريقية اضطرت فرنسا في ١٥/٦/١٩٧٣م إلى توقيع معاهدة استقلال الجزر في غضون خمسة أعوام بعد أن يجري استفتاء عام. ومن خلال ما اتخذته فرنسا من تدابير احترازية في الحفاظ على أهم الجزر وهي جزيرة «مايوت» ، فقد وافق ٩٦% من سكان الجزر على الاستقلال، في حين وافق ٧٤% من سكان جزيرة مايوت على البقاء تحت الحماية الفرنسية، ويشكل المرتزقة الأوروبيون القدر الأعلى من هذه النسبة، وهكذا وفي ٦ يوليو عام ١٩٧٥م تم استقلال الجزر الثلاث عن فرنسا. ولِمَا تشكله دولة جزر القُمُر من أهمية استراتيجية لموقعها الاستراتيجي والتي يمر من خلالها النفط الإسلامي متجهاً إلى الدول الغربية، وكرابط أيضاً بين دول الجنوب الأفريقي مع دول الجنوب الآسيوي. هذه الأهمية جعلتها هدفاً لدول كثيرة من الدول الغربية ابتداءً من البرتغال (١٥٠٢م) ، ومروراً ببريطانيا وفرنسا والتي ما زالت تسيطر على جزيرة «مايوت» الاستراتيجية منذ عام (١٨٤٣م) ، حيث جعلت منها مصدر قلق وعدم استقرار لباقي الجزر التي تشكل الاتحاد القُمُري، وكقاعدة تنصيرية أيضاً في الجنوب الشرقي للقارة الأفريقية، تتحرك منها قوافل المنصِّرين إلى المناطق المجاورة كمدغشقر، بالإضافة إلى كونها قاعدة عسكرية وتجارية تصدر عبرها إلى فرنسا كل المنتجات القُمُرية، والتي تُصَدَّر بدورها إلى العالم باعتبار أنها صناعات فرنسية خالصة، وخاصة العطورات الباريسية الشهيرة. ومع أنه قد صدرت عدة قرارات أممية بحق جزر القُمُر باسترجاع هذه الجزيرة، ومنها القرار (٣٣٨٥) في الدورة (٣٠) في ١٢ نوفمبر ١٩٧٥م، والخاص بقبول دولة جزر القُمُر بجزرها الأربع في المنظمة الدولية الأمم المتحدة، بالإضافة إلى القرارات الصادرة عن منظمة الوحدة الأفريقية؛ إلا أن تلك القرارات لم تجد تطبيقاً على أرض الواقع؛ لأن القرارات الصادرة من هذا المجلس لا تطبق إلا على الدول المستضعفة، أما أعضاؤها فهم فوق القانون. هذه الأهمية الاستراتيجية لهذه الجزر وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م ووسط تصاعد وبروز النفوذ الأمريكي في المنطقة والصراع الدائر حول الممتلكات الفرنسية السابقة في القارة، بدأت الولايات المتحدة السير قدماً في إيجاد موطئ قدم لها في هذه الجزيرة كحلقة من حلقات التآمر الدولي التي مرت بها هذه الجزر. وكخطوة أولية بدأت أمريكا بالجوانب الاقتصادية كمشروع تنمية السياحة في هذه الجزر، ووجود أحد أبناء جزر القُمُر ضمن قائمة المتهمين من قِبَل السلطات الأمريكية في الاعتداءات على سفارتيها في شرق أفريقيا، اعتبر فرصة قوية لها في السعي إلى السيطرة على هذه المنطقة بحجة محاربة الإرهاب، وإن كان الدور الأمريكي يمر الآن بمرحلة الهدوء الذي تعقبه العاصفة. ü الانتخابات القمُرية والتحالف المشبوه: وسط هذه الأهمية الاستراتيجية لهذه الجزر عُقدت الانتخابات الدورية الرئاسية، ووفقاً لاتفاقية انتقال السلطة بين الجزر الثلاث، بعد الأحداث الدامية التي مرت بالجزيرة عند مطالبة جزيرتي «أنجوان وموهيلي» بالانفصال عن الاتحاد القُمُري والانضمام إلى فرنسا، توصل الفرقاء إلى حل بأن تكون الرئاسة متنقلة بين الجزر الثلاث وهي (القمر الكبرى وفيها العاصمة الاتحادية مدينة موروني، وجزيرة أنجوان، وجزيرة موهيلي) وذلك في «٢٠ ديسمبر ٢٠٠٣» . وأجريت انتخابات للجمعية الاتحادية وكذلك للجمعيات الإقليمية في عام ٢٠٠٤م، وتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في يوليو ٢٠٠٤م، والتي ترأسها الرئيس السابق عثمان غزالي وهو من جزيرة القُمُر الكبرى. ووفقاً لهذه الاتفاقية فإنَّ الانتخابات الأخيرة والتي جرت في يوم ١٤ مايو ٢٠٠٦م، كانت منحصرة في جزيرة «أنجوان» لأن الرئيس القادم للبلاد من نصيب هذه الجزيرة. ومع وجود تحفظات من قِبَل الاتحاد الأفريقي على بعض البنود الواردة في اتفاقية الصلح، والتي على أساسها أجريت الانتخابات، وخوفاً من عودة الجزيرة إلى عهد الانقلابات؛ فقد أوفد الاتحاد قوة عسكرية بقيادة جنوب إفريقيا قوامها (٤٦٢) جندياً للحفاظ ـ كما قيل ـ على الأمن وسلامة ونزاهة سير الانتخابات. خاض هذه الانتخابات ولأول مرة في تاريخ جزر القمر، المدعو (آية الله أحمد سامبي) الذي كان طالباً فاشلاً في دراسته في إحدى الدول الخليجية، ففصل من دراسته، وانتقل إلى كينيا فتلقفته المخابرات الإيرانية هناك، وتمَّ نقله إلى إيران ليُعَدَّ في «قم» كالمتبع، ويرجع إلى بلده وقد أصبح آية من الآيات الرافضية، ليبدأ خطواته التمهيدية للوصول إلى سدة الرئاسة، وهذا ما تم مع الأسف وليحمل التوجهات الإيرانية في هذه المنطقة نيابة عنهم، والتي أهلها كلهم من أهل السنة وعلى المذهب الشافعي السائد هناك، وفي مسعى من الحركة الرافضية بقيادة إيران لفرض حصار جديد على أهل السنة في المنطقة الشرقية الجنوبية من القارة الأفريقية، ولتكون احتلالاً رافضياً لأهم المناطق الاستراتيجية في القارة الأفريقية، ولتشكل هذه المجموعة الشيعية في جزر القُمُر مع باقي المجموعات الرافضية في المناطق المطلة على الساحل الأفريقي وخاصة في تنزانيا وكينيا حزاماً شيعياً على طول الحدود الشرقية للقارة، لتكون حلقة من مسلسل التآمر النصراني الرافضي لاحتلال مناطق ودول أهل السنة، وتمييع نشر الرسالة الإسلامية، وتحويل مجرى الدعوة الإسلامية الأصيلة إلى دعوة رافضية صوفية تشوه صورة الإسلام الحقيقي في هذه المنطقة الهامة من العالم الإسلامي، ولإخراج وتكوين جيل لا يفقه من أمر دينه إلا تلك الصورة المشوّهة التي يصورها له الرافضة وبعض المتصوفة لأهداف لم تعد خافية على أحد. وقد نافس الآية القمري المزعوم على الرئاسة أربعة عشر مرشحاً. ولكن اثنين من هؤلاء وهما محمد جعفر، وحاليدي إبراهيم، من أقوى من المنافسين له ومن أكثر القيادات المقربة للتوجهات الفرنسية، ومدعومين من قِبَلها، وكان من المفترض أن يشكلا عقبة أمام التوجهات الإيرانية الرافضية والمتمثلة في أحمد سامبي، لولا وصول الطرفين «أي الفرنسي والإيراني» إلى اتفاق! وذلك أثناء زيارة السفير الفرنسي «كريستيان جوب» للمرشح الشيعي في منزله، وبعد مفاوضات سرية تم التوصل إلى اتفاق بقبول الرافضي سامبي رئيساً للبلاد في المرحلة القادمة لتشهد الجزيرة ولأول مرة في تاريخها حاكماً شيعياً. وهكذا تمَّ حبك المؤامرة على جزر القُمُر بتحالف نصراني رافضي؛ حيث فاز أحمد سامبي بما نسبته ٥٧.٣٧% في المرتبة الأولى، ويليه في المرتبة الثانية حاليدي إبراهيم، حيث أحرز ما نسبته ٢٨.٥٤%، وجاء محمد جعفر في المرتبة الثالثة، بما نسبته ١٤.٠٩% من الأصوات. إذاً؛ فإن التحالف الفرنسي الإيراني هو للحيلولة دون اتساع المصالح الأمريكية في هذه المنطقة الحيوية، وتكوين أقلية شيعية في المنطقة لتكون شوكة في حلق الأغلبية السنية من أهل الجزيرة. علماً أن نسبة الخريجين من الجامعات العربية والإسلامية، والذين تبوؤوا مناصب عليا في الدولة في تزايد مستمر وكلهم من أهل السنة، وأن الكثيرين منهم يتقنون لغتين أو أكثر، وهذا ما يقلق السلطات الفرنسية والكنائس الغربية. وللحيلولة دون وصول أي من هؤلاء إلى سدة الحكم وتغيير الوجهة التي تسير عليها البلاد حالياً، فلا بدَّ من البحث وسط هؤلاء عمَّن باستطاعتهم أن يوجهوه الوجهة التي يريدونها، ويحافظ على مكتسباتهم في هذه المنطقة، لذا كان اختيار أحمد سامبي آية الله القمري نتيجة تلقائية كأفضل من يمثِّل المصالح الفرنسية والشيعية معاً في المرحلة القادمة من خريجي الجامعات العربية والإيرانية. ü أهداف التحالف المشبوه في جزر القمر: لقد كان وصول أحمد سامبي إلى سدة الرئاسة نتيجة خطة مدروسة تَمَّ إعدادها بكل عناية ودهاء ومكر بين المخابرات الإيرانية والفرنسية، لم تستغرق منهما سوى أعوام قليلة ليجنوا ثمرة مكرهم وكيدهم، وتآمرهم على الإسلام والمسلمين. ففرنسا والمنظمات النصرانية الغربية تنشط في جزيرة «مايوت» لتنصير المسلمين وبث سمومها إلى الجزر الأخرى، واستخدام كل الوسائل المتاحة من توزيع للنشرات والكتيبات النصرانية في سبيل ذلك. وأما إيران فتنشط في جزيرة «أنجوان» لتكون قاعدة للرافضة ينتقلون منها إلى الجزر الأخرى وإلى الدول المجاورة، وبخاصة في المناطق التي يجهل أهلها خطورة الرافضة على الإسلام. إن التوجهات الرافضية في القارة الأفريقية واضحة لكل متابع للأحداث، وقد ازداد هذا الدور بعد الحملة الصليبية على المنظمات الإسلامية العاملة في القارة، وتجفيف منابع تلك المنظمات، بل وإغلاق العديد منها. وفي المقابل لم يشمل هذا الحظر وهذه الحملة النصرانية المنظمات الرافضية العاملة في القارة، وبخاصة في جزر القمر، وكيف تُجمَّد أنشطة الرافضة، وقد قال الرئيس الإيراني السابق «علي أكبر هاشمي رفسنجاني» وعلى صفحات صحيفة الشرق الأوسط في عددها (٨٤٧٤) يوم السبت في ٢٦ ذي القعدة ١٤٢٣هـ الموافق ٩/٢ / ٢٠٠٢م، السنة (٢٤) ، في خطبة الجمعة في جامعة طهران: «إنّ القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، وإنّه لو لم تُساعد قوّاتنا في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني. يجب على أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان» ! هذا تحالفهم مع النصارى في أفغانستان، أما في العراق فلا يخفى على أحد الدور الذي يؤدونه هناك! فلا غربة إذاً أن يتحالف النصارى والرافضة مرة أخرى وفي بقعة أخرى من بقاع الإسلام في جزر القُمُر لتنصيب أحد أعوانهم رئيساً، ليؤدي الدور المطلوب منه وفق الخطة الموضوعة على أكمل وجه؛ فهل نعي ذلك؟ ü المفاهيم التي يصور بها الرافضة وتأثير ذلك على الشباب المسلم: لقد ساهم بعض قيادات العمل الإسلامي في بعض البلاد، ومن خلال الكلمات التي صدرت وما زالت تصدر منهم بالثناء والتمجيد للثورة الإيرانية الخمينية، والدعاية لها، واعتبار الخميني أحد المجددين، ودعوتهم كذلك إلى ما يسمونه بتقارب المذاهب الإسلامية، إلى القيام بالدعاية المجانية عن هذا الفكر الرافضي وسط الشباب السني في القارة، الذي يجهل خطورته، والذي يبحث وسط الأمواج المتلاطمة عن بريق أمل، وعن كل جديد لتغيير واقعه السيئ إلى واقع أفضل يكون خيار الإسلام فيه واضحاً وخاصة في القارة الأفريقية. لقد كانت تلك التزكيات أحد الأسباب القوية لنشر هذا الفكر الضال في القارة الأفريقية، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرافضة استطاعوا اختراق بعض المؤسسات التعليمية العربية والإسلامية التي يتوافد عليها كثير من الشباب الأفريقي، وبخاصة في مصر والسودان؛ مما أوجد أرضاً خصبة وصالحة لنشر أفكارهم ومبادئهم وعقائدهم الباطلة، وسط جو طلابي متعطش لتغيير واقع بلاده السيئ، بالإضافة إلى اتخاذهم الوسائل الأخرى المعتادة بدعوة هؤلاء إلى عقيدتهم، ومتابعة من اعتنق فكرهم في دولهم بعد التخرج سواء أكان ذلك مباشرة عبر السفارة الإيرانية التي لها وجود قوي في معظم دول القارة، أو من خلال من تم تلقينه هذه العقائد في طهران، وأكبر مثال على هذه المتابعة (الحالة السامبية) في جزر القُمُر، والحالة النيجيرية والمتمثلة في المدعو «آية الله إبراهيم زكزكي» ! ü ما هي ملامح المرحلة القادمة في جزر القمر؟! فما هي إذاً ملامح المنطقة في المرحلة القادمة بعدما تَمَّ هذا التحالف بين فرنسا والمرشح الشيعي آية الله أحمد سامبي ووصوله إلى منصب الرئاسة كأول شيعي يصل إلى هذا المنصب وهو من جزيرة «أنجوان» ؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار تنامي النفوذ الشيعي في المنطقة الإسلامية كلها، والمنقطة الأفريقية على وجه الخصوص؛ فهل سيشكل ذلك سنداً وعضداً قوياً للتوجهات الإيرانية في المنطقة الإسلامية ببسط نفوذها على أهم الممرات الاستراتيجية في المنطقة، وسط ما نشاهده ظاهرياً من شد وجذب بين إيران وأمريكا وحلفائها؟ وهل سيشكل ذلك أيضاً حداً للسيطرة السنية على مقاليد ريادة وزعامة العالم الإسلامي بإيجاد خطاب رافضي يتمثل في عدد من الدول الشيعية في العالم الإسلامي ينافس ذاك الخطاب الإسلامي الموصوف بالسنِّي؟ وما هو دور الدول العربية السنية تجاه هذا التحالف النصراني الرافضي في جزر القُمُر والهيمنة على أهم الممرات الاستراتيجية بالنسبة لهم؟! وما خطورة ذلك على «مصالحهم الخاصة» في هذه المنطقة؟! وهل تفتح الجامعات الإسلامية أبوابها لأبناء المسلمين والتي أُغلقت في وجوههم في السنوات الأخيرة ليكونوا صيداً ثميناً في أيدي المخابرات والسفارات الإيرانية، وليصبحوا دعاة للاتجاهات المشبوهة؟ وقصة آية الله المزعوم (أحمد سابي) ناقوس يقرع في آذان الجميع؛ فهل نعي الخطر؟! والله المستعان.

стр. 5798

تهمة الإبادة الأمريكية: هل تدفع بالقوات الأممية إلى دارفور ؟ إبراهيم الأزرق تكثف الإدارة الأمريكية الحالية الحديث عن الإبادة الجماعية التي تحدث في دارفور. والإبادة الجماعية من محرمات القانون الدولي منذ عام ١٩٤٦م، فقد أعلنت إذ ذاك الأمم المتحدة بقرارها ٩٦/د/١ ـ المؤرخ في ١١ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٤٦م، أن الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، تتعارض مع روح الأمم المتحدة وأهدافها، ويدينها العالم المتمدن. وفي المصطلح الأممي لا تعني الإبادة الجماعية بالضرورة قتل جماعة بأسرها، بل جاء في نص الاتفاقية المبرمة عام ٤٨م ما يوضحها، إذ تقول: «في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية، أو إثنية، أو عنصرية، أو دينية، بصفتها هذه: أـ قتل أعضاء من الجماعة. ب ـ إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة. ج ـ إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً. د ـ فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة. هـ ـ نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى» . وقد جاءت التهمة الأمريكية بالإبادة الجماعية بعد أن مهدت لها بمزاعم؛ حاصلُها أن حصيلة القتلى في ولاية دارفور ربما وصلت إلى ٣٠٠ ألف قتيل وفقاً لبعض اللجان التابعة لمجلس العموم الأمريكي (١) . أما الرقم الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية فهو نحواً من ٧٠ ألف قتيل وذلك قبيل عام وأربعة أشهر تقريباً، وتذكر بعض المصادر نحواً من ٢٠٠ ألف قتيل حتى اليوم، أما تقديرات الحكومة السودانية فكانت حتى أبريل من عام ٢٠٠٤م تذكر نحو ٦٠٠ قتيل على أقصى تقدير، كما ذكر السيد مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية إذ ذاك (٢) . وبعد بضعة أشهر من تصريحه كانت الإحصائيات الأممية تتحدث عن نحو ٣٠ ألفاً إلى ٥٠ ألف قتيل، وقد علق الوزير على ذلك قائلاً: إن الأرقام أعلى بعشرة أضعاف من الأرقام الحقيقية. وقال أمام مؤتمر صحفي عقده في القاهرة: إنه وفقاً للتقديرات الحكومية لا تتجاوز تكلفة النزاع الدائر منذ ١٧ شهراً ٥٠٠٠ قتيل من ضمنهم ٤٨٦ شرطياً. وقال: إن الأرقام مبالغ بها، وأتحدى الأمم المتحدة أن «تعطينا أسماء أو تُرينا قبور» أولئك الذين زعمت أنهم توفوا. ولعل الوصول إلى حقيقةٍ وسط هذا التباين عسير؛ بيد أن بعض المؤشرات ربما أشارت إلى عدم دقة الإحصاءات الأممية وكذلك الأمريكية، فكما أشار الوزير فإن تلك الأرقام لا تعدو كونها مجرد تكهنات لن تسمي قتلى ولن تعد قبوراً، فهي لم تخرج بإحصائيات من مراكز صحية، وإنما تعويلها على حوادث محدودة، وشهادات وأقاويل لأفراد يقول غيرهم كلاماً آخراً، ونقطة أخرى مهمة تدفع للتشكيك في الإحصاءات الأممية فضلاً عن الأمريكية؛ ألا وهي عدم وجود هؤلاء على أرض دارفور التي يتحدثون عن إحصائياتها إلاّ في المدة الأخيرة، فلم يتمكن الصليب الأحمر ولا الجمعيات من الانتشار بأي شكل في دارفور حتى نيسان/أبريل عام ٢٠٠٤م. والحاصل هنا ثلاث مجموعات للأرقام عن حصيلة القتلى: مجموعة تقدمها الحكومة، وأخرى تقدمها الأمم المتحدة، وثالثة تقدمها الولايات المتحدة بلجانها المختلفة. ü هل الولايات المتحدة جديرة بتقديم مثل هذا الاتهام؟ وأياً ما كان الصواب؛ فإن السؤال الذي يرتسم في سماء الشرق الأوسط بمداد من دخان وغبار الآليات الأمريكية والحليفة في المنطقة يقول: هل يحق لأمريكا أن تتحدث عن خطر إبادة جماعية في دارفور، فضلاً عن أن تتخذ ذلك ذريعة للتدخل؟ لقد اعترفت الإدارة الأمريكية بمقتل نحو ثلاثين ألف مدني حيث تدخلت في العراق، وقد جاء هذا الاعتراف على لسان الرئيس الأمريكي قبيل مطلع العام الجاري والذي تصاعدت فيه أعمال القتل على نحو غير مسبوق، بينما تميل الجهات المعارضة للاحتلال إلى تقدير عدد القتلى بنحو ثلاثمائة ألف قتيل منذ بداية الحملة، وترى جهات أخرى توصف بالحياد أن عدد القتلى ابتداءً من عام ٢٠٠٣م وحتى اليوم بلغ ٤٩٧٦٠ قتيلاً وفقاً لما يبث في مصادر الإعلام المنتخبة الموثوقة (١) ، وأما قبلها فقد نشرت صحيفة (فيليج فويس) الأمريكية في عدد يوم الأحد الموافق ٣١/٨/٢٠٠٣م استناداً إلى دراسة ميدانية قام بها مئات الأفراد من (حزب الحرية العراقي) الجديد أوصلوا عدد القتلى العراقيين (المدنيين) منذ بداية الضربة الوقائية الأمريكية إلى حوالي ٣٧ ألفاً و ١٣٧ قتيلاً، لتكون الحصيلة الإجمالية نحو بضعة وثمانين ألف قتيل، فضلاً عن المعاقين والمهجرين والمشردين. وفي دراسة أخرى نشرتها قبل عامين تقريباً المجلة البريطانية الطبية (لانسيت) بالتعاون مع جامعة المستنصرية العراقية، قدر عدد المدنيين القتلى ذلك الوقت بنحو من مائة ألف مدني منذ ٢١ آذار عام ٢٠٠٣م وحتى أيلول عام ٢٠٠٤م، وقبل بضعة أشهر قُدر تجاوز العدد مائتي ألف قتيل، في حين تقدر بعض الجهات العراقية أعداد القتلى بما يربو على ذلك، فضلاً عن المفقودين ـ وهم ألوف ـ اختطفوا أو خرجوا، ولم يعثر لهم على أثر. ولعل الثقة في الأرقام الصادرة عن مجلات طبية ودراسات ميدانية ربما كانت أكبر، فالدراسات والمسح والإحصاءات أقرب للواقع من تخرصات الرئيس الأمريكي الذي نفى قائده العام (تومي فرانكس) قيامهم بإحصاء لعدد القتلى فقال: «We don't do body counts» (٢) وهذا ـ كما لا يخفى ـ أمر مثير للدهشة؛ ولا سيما إن كان هؤلاء الذين لا يحصون القتلى، الذين سقطوا بأيديهم أو تحت حكمهم أو وصايتهم؛ يبالغون في عد القتلى بأرض لم يطؤها! وقد أكدت دراسة صدرت حديثاً (٣) من جامعة (جونز هوبكنز) الأميركية، وتُموِّلها جامعة أخرى مرموقة هي (متشجن MIT) واقعية الدراسات السابقة فقد قال (جيلبرت برنهام) من مدرسة (جونز هوبكنز بلومبرج) للصحة العامة بالولايات المتحدة: «نقدر أنه نتيجةً لغزو التحالف في ١٨ مارس ٢٠٠٣م توفي ٦٥٥ ألف عراقي وكانت وفاتهم زيادة على عدد الذين كان يتوقع وفاتهم في وضع لا يوجد فيه صراع» . وأضاف أن ذلك يعني أن ٢.٥ بالمئة من السكان العراقيين لقوا حتفهم نتيجة للغزو والقتال المترتب عليه. ونشرت الخبر شبكة (BBC) في موقعها الإلكتروني تحت عنوان: واحد من بين كل ٤٠ عراقياً يموت في العراق. الجدير بالذكر هو أن الحكومة البريطانية وكذلك الأمريكية شككتا في هذه الإحصائية نظراً لكونها قائمة على المقابلات مع العائلات بدلاً من إحصاء الجثث جثة جثة! مع أن الدراسة قد شملت نحو ١٨٤٩ أسرة تضم ١٢٨٠١ فرداً في ٤٧ موقعاً، وقد تم اختيارهم عشوائياً من أنحاء مختلفة في العراق. فكان من جملة رد الباحثين أن أساليب المسح نفسها استُخدمت لتقدير الوفيات في مناطق صراع أخرى مثل الكونغو وكوسوفو والسودان. بل قال (جيلبرت) : «في دارفور استُخدم هذا النهج ذاته ... واستُخدم هذا النوع نفسه من الدراسات في شرقي الكونغو، كما استُخدم في البوسنة» (١) . ودافع الباحث (جيلبرت برنهام) عن المنهج الذي اتبعته الدراسة، ووصف صعوبة جمع البيانات في أوقات الحرب. وقال: إن ٣١% من العائلات التي شملتها العينة حمَّلوا قوات التحالف مسؤولية وفاة ذويهم. وإذا بدا جلياً أن الوضع في العراق الرازح تحت نير الإدارة الأمريكية وأحلافها ليس خيراً من الوضع في دارفور، فهل يحق للإدارة الأمريكية أن تتهم غيرها بالإبادة الجماعية؛ بينما يباد في العراق شعب بفعلها أو تحت مرآها وسمعها؟ بل وفي أفغانستان وفي كل أرض وطأتها أقدام جندها! ثم هل هي أهل لبسط الأمن حقاً؟ للأسف لم نرَ ما يشهد لها بالريادة في هذا الصدد، أما إشعال الحروب وإثارة النعرات العرقية والطائفية فقد رأينا قدرتها عليها. بل فضلاً عن المناطق الملتهبة؛ هل حفظت الولايات المتحدة الأمن في أرضها! لعل كثيراً من الناس يعلم أن ولاية تكساس ـ وهي ثاني أكبر ولاية من حيث المساحة بعد ألاسكا ـ تبلغ مساحتها نحو مساحة ولاية دارفور الكبرى، ولكن الذي لا يعلمه كثير من الناس هو أن عدد جرائم العنف في تلك الولاية خلال الأعوام ما بين ٢٠٠٠ ـ ٢٠٠٤م قد بلغ ما يربو على الستمائة ألف جريمة وفقاً لإحصائيات وزارة العدل الأمريكية (٢) ، فتأمل حال من يزعم الإزماع على بسط الأمن! ü دوافع الحملة الأمريكية الغربية: أما الدوافع المعلنة من قبل الإدارة الأمريكية فهي الدوافع الإنسانية، ولعل الدوافع الإنسانية الأمريكية من العسير أن يصدقها العقل العربي ما لم تقرن بعقيدة أو مصالح ظاهرة، وإلاّ فأين تلك الدوافع الإنسانية يوم يباشر الإسرائيليون وظيفتهم في التخريب بكل إخلاص؟! فلا يبالون بهدم المنازل وإن كان فيها من فيها، حتى بلغ عدد القتلى من اللبنانيين خلال شهر نحواً من ألف قتيل، وبينما تقترف الجريمة الإسرائيلية وضح النهار، وتُنقل جهاراً على شاشات التلفزة، ويعج ببثها على رؤوس الأشهاد أثير السماء، وعلى الرغم من أن اليد الإسرائيلية قد طالت بقاعاً خارجة عن حدودها باعتبارها دولاً مستقلة كلبنان وقطاع غزة، وعلى الرغم من أن العالم أدان واستنكر، وشجب وندد، على الرغم من ذلك كله تظل الإدارة الأمريكية في أحسن أحوالها فاقدة لمشاعر الإنسانية بما فيها الحواس الخمس: فلا ترى.. لا تسمع.. ولا تتكلم، فإن نطقت قالت هُجراً، وآذت الأسماع بنصرها العدوان والاستبداد الصهيوني. ولعله من الطبيعي بعد ذلك أن يشق على الشرق أوسطيين أن يصدقوا الدوافع الإنسانية للإدارة الأمريكية. ومهما حاولت الإدارة الأمريكية التفريق بين الصورتين تظل القناعة الراسخة في جمهور الشرق الأوسط بأنه لا فارق إلاّ من حيث الأيدلوجية الصهيونية أو المصالح الأمريكية. وهذا ما يفسر به بعض المعنيين سعي الإدارة الدؤوب للتدخل في منطقة دارفور. فمن جهة فإن هناك حرباً مستترة بين الولايات المتحدة وفرنسا على مناطق النفوذ في القارة السمراء، وقد اكتسبت أمريكا جولات على أراض كانت السيطرة فيها فرنسية، مثل: زائير، وراوندا، وبوروندي، ولا تزال الحرب سجالاً في كل من: موريتانيا وأفريقيا الوسطى بما فيها تشاد، ولعل من الصعب فصل تطورات الأوضاع في السودان عن الأهداف الفرنسية في تشاد، فتشاد لا تزال في دائرة النفوذ الفرنسي، تتمركز فيها قوات فرنسية، كما تسيطر الشركات الفرنسية على المشروعات النفطية الناشئة فيها، وتذهب بعض التحليلات إلى اعتقاد أن الامتداد بين دارفور وتشاد ليس امتداداً قَبَلياً فقط، بل امتداد نفطي على الأرجح، فالخزانات النفطية الجوفية في تلك الرقعة يتوقع أن تكون ممتدة على جانبي الحدود. ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتخفيض وارداتها من نفط الشرق الأوسط بحلول عام ٢٠٢٥م بنسبة ٧٥%، وقد جاءت هذه الدعوة على لسان الرئيس الأمريكي جوج بوش (٣) ، ولن يتأتى لها ذلك إلاّ مع الاستعانة بموارد النفط في آسيا الوسطى وأفريقيا. ومن وجهة نظر أخرى قد تفسر حرص بعض الأطراف الأوروبية على التدخل؛ فقد تحدث بعض المحللين عن تداول إمكانية ربط النفط السوداني، تحديداً من مناطق بحر الغزال، بشبكات أنابيب تمتد عبر تشاد إلى ليبيا، بما يسهل تصدير النفط السوداني والتشادي إلى أوروبا عبر سواحل البحر المتوسط. وهو مشروع تحدث عنه إبان اكتشافات النفط السوداني، وثمرته التقليل من تكلفة نقل النفط إلى أوروبا، كما أنه يؤَمِّن للأوروبيين مصادر نفطية إضافية قريبة، ويقلل من اعتماد الأوروبيين على النفط من مناطق يعد حلفها الأمريكي أقوى من الأوروبي. ومن جهة ثالثة فإن تلك المنطقة الواسعة غنية بالثروات المهملة، فقد أشارت عدة تقارير صحفية إلى وجود معادن وثروات جديرة بالعناية الغربية. ومن جهة رابعة فإن صورة (التوتسي) و (الهوتو) في راوندا ربما غلبت على مخيلة بعض القوى الدولية أثناء التفكير في شأن دارفور، ولا سيما مع كم أرقام القتلى الهائلة المتداولة في الإعلام الغربي بل العالمي، وقد كان لتأخر تدخل المنظمة الدولية في راوندا مطلع التسعينات من القرن الماضي؛ للحيلولة دون استمرار التطهير العرقي الذي مارسته مجموعتا التوتسي والهوتو بحق بعضهما؛ سبباً في إفناء مئات الآلاف في راوندا، وتبعاً لذلك تعطلت كثير من المصالح والطاقات. ومن جهة خامسة فإن الفرصة سانحة لنشر قيم وأخلاقيات تعتقد صلاحيتها وجدارتَها بالانتشار بعضُ الدول التي عرفت برعاية (التنصير) باسم (التبشير) ، وذلك وسط أمة مسلمة يغلب فيها الجهل، وتثار فيها النعرات تجاه كل أصل عربي. ومن جهة سادسة فإن دخول القوات الأممية قد يمهد في مستقبله إلى ملاحقة المطلوبين أمريكياً بعد أن تعطى المطالبة طابعاً أممياً، أياً كانت مناصبهم. ومن خلال ما سبق يظهر أن دوافع التدخل متعددة دينية، ودنيوية، وأخلاقية وفقاً للقيم والمعايير الغربية. ü المقترح (الأمريطاني) وتقييمه: صدر مشروع (بريطاني أمريكي) يتداول الآن بين أروقة الأمم المتحدة، وتأمل أمريكا في موافقة فورية إجماعية عليه، «ومن شأن مشروع القرار الأميركي ـ البريطاني المقترح، في حال صدوره، تخويل تشكيل قوة من ١٧ ألفاً و٣٠٠ عسكري و٣ آلاف و٣٠٠ عنصر من الشرطة المدنية و ١٦ وحدة شرطة عسكرية» (١) . وإذا استحضرنا مرة أخرى الوضع في العراق وأضفنا إليه حقيقة أخرى؛ وهي أن عدد القوات الدولية الموجودة في العراق يفوق بنحو عشرة أضعاف القوات المقترحة لدارفور، مع أن مساحة دارفور تزيد على مساحة العراق بقرابة المائة ألف كيلومتر مربع، بدا جلياً أي ضرب من حفظ الأمن أو الحرية والديمقراطية يرجى أن تبسطه تلك القوات! ولا سيما في ظل تدخل تعارضه الدولة. ولا ينبغي أن يغيب عن فطنة القارئ الكريم أن تعداد السكان في العراق يربو على ستة وعشرين مليوناً، وهذا يمثل نحو خمسة أضعاف سكان دارفور، الأمر الذي يحتم ألاَّ تقل القوات المبسوطة فيها عن خُمْسِ التي تم بسطها في العراق لتخرج بنتيجة (مشابهة) ! وذلك مع إهمال فارق المساحة، وهذا يتطلب مضاعفة العدد المقترح، طالما كان الوضع على تلك الصورة المأساوية التي تصورها الإدارة الأمريكية. ü التباين في موقف الحكومة إزاء دخول القوات الأممية والأجنبية في مناطق مختلفة: لعل ما سبق أحد الأسباب التي حَدَتْ بالرئيس عمر البشير إلى اتخاذ موقف صلب من دخول القوات الأممية، فضلاً عن اقتطاع خمس مساحة السودان من سيادة الدولة بدخول تلك القوات مطلقة اليد، وزِد على ذلك التهديد الاقتصادي الذي قد ينجم عن انفلات الأمور من قبضة الحكومة في مناطق قريبة من حقول النفط، والتي قد يُتغول عليها بدعوى الإشراف وضبط الأمور، وأضف إلى ذلك التهديدات الثقافية لرقعة لم يكن ـ حتى عهد قريب ـ يعرف فيها غير الإسلام ديناً بخلاف الجنوب، مع عدم استبعاد تأجيج صراع عرقي قُدِحَتْ شرارته في تلك الأرض على غرار ما تأجج في العراق من احتراب طائفي وعرقي، وقد يفضي بالبلدين إلى تقسيم ليشهد الشرق الأوسط الجديد دويلات متجاورة متنافرة بينها ما صنع الحداد الأمريكي، وكل ذلك في عصر التكتلات الأممية الغربية، وعلى أحسن الأحوال يظل كيان الدولة هشاً مفتقراً إلى اليد الغربية مدة مديدة. ولعل مما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد هو وجود نحو عشرة آلاف من القوات الأممية في أرض السودان بموجب اتفاقية سلام الجنوب، وقد يتساءل البعض: لماذا هذا الموقف المتشنج من البشير تجاه دخول قوات أممية في دارفور مع إذنه الفعلي بوجود قوات أممية في الجنوب؟! وبينما يرى البعض هذا الموقف ضرباً من التعارض والتناقض، يراه آخرون ضرباً من الوعي والنظر النافذ، فالبَونُ بين القوات الأممية في الجنوب والقوات الأممية المقترحة لدارفور كبير، فدخول الأولى تمَّ تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة (١) وهذا يقضي بأن طبيعة تلك القوات محدودة الصلاحيات تتلخص في العمل على مساندة حكومة السودان في حفظ السلام، وتفاصيل عملها وفقاً لنص القرار الصادر من الأمم المتحدة كالتالي (٢) : «سيكون هنالك ٧٥٠ مراقباً عسكرياً سيقومون بأداء مهام المراقبة والتحقق في مناطق مسؤولياتهم المحددة. من بين قوات حفظ السلام، البالغ تعدادها ١٠.٠٠٠ جندي، سيكون هنالك حوالي ٤.٠٠٠ عسكري يشكلون قوة حماية تكون مسؤولة عن توفير الحماية لموظفي الأمم المتحدة ومعداتها ومنشآتها؛ إضافة إلى مساعدة السلطات السودانية في حماية المدنيين المُعرَّضين إلى خطر داهم. سيكون هنالك ٤.٠٠٠ آخرون يعملون في الأنشطة الإدارية واللوجستية؛ إضافة إلى أداء مهام نزع الألغام وإعادة البناء» . فتلك هي مهام القوة الأممية في الجنوب، ولعل هذا ما يفسر عدم الجدية في إكمالها؛ إذ لم يرسل من العدد المقرر غير نصفه، مع ما تسرب من تجاوزات مالية وغيرها متعلقة بهذه القوة السلمية (٣) ، وقد نجم عن ذلك إهمال اللاجئين والنازحين من سكان الجنوب، والذين يقدر تعدادهم بخمسة ملايين نسمة، فلم تقدم لهم الأمم المتحدة أو الولايات الأمريكية أو بريطانيا مع بقية الدول التي تطالب اليوم بإرسال قوات دولية لدارفور؛ لم تقدم الدعم المقرر، فقد جاء في تقرير المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن عدد اللاجئين الذين عادوا للجنوب بمساعدة المفوضية بلغ ١٠ آلاف شخص من بين ٥٠٠ ألف شخص، وبينما تكلف الإعادة نحو ٣٧٦ مليون دولار؛ لم تتسلم المفوضية العليا سوى ٣٩ مليون دولار، أي قريباً من عُشِر المبلغ المقرر! وقد صرح الدكتور (لام أكول) ـ وزير الخارجية الجنوبي التابع لحركة تحرير السودان ـ بأن المانحين الذين تعهدوا في العام الماضي بتقديم ٥.٤ مليارات للسودان لم يقدموا سوى ٣٠% مما وعدوا به. هذا ما يتعلق بقوات حفظ السلام الدولية في الجنوب، وأما قوات الاتحاد الأفريقي فلا تتجاوز وظيفتها حفظ بنود اتفاقية (أبوجا) التي تمت برعاية أفريقية، كما أن طبيعة تلك القوات مكونة من خليط؛ في جملتهم قوات تجمع دولها مع السودان مصالحُ مشتركة كـ: مصر، وليبيا، وموريتانيا، والجزائر، ونيجيريا وغيرها. وأما القوات الأممية المقترحة لدارفور فقد كانت أولاً مخولة للتدخل تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛ والذي يخولها صلاحيات مطلقة لفعل ما تراه مناسباً دون كبير اعتبار لوجود دولة لها نظامها، بل ربما كانت الدولة في نظرها شأنها شأن أي جماعة متمردة، وقد جُوبه هذا القرار بالرفض التام من قبل حكومة السودان. ثم جاء مشروع القرار الأمريكي البريطاني والذي وصفته الحكومة السودانية بأنه: «خبيث ومضلل» ، مع أنه صمم باعتباره ضمن الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، ولكنه في نظر الحكومة صيغ صياغة حملته كل جينات البند السابع الذي يتحدث عن التدخل بالقوة لفرض الأمن، متجاهلاً حكومة السودان، متعاملاً مع الوضع وكأن السودان دولة بلا حكومة، بل أعضاء حكومتها قد يتم التعامل معهم كما يتعامل مع المتمردين سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وعلى كافة الأصعدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعل مما يفسر التصلب إزاء التدخل الأممي هو أن الحكومة قد رأت الآثار التي ترتبت على دخول القوات الأممية تحت الفصل السادس، وعلمت ما قدمته للبلاد وماذا أخرت، وهذا كفيل بوضعها حداً لما كان على شاكلة تلك التدخلات أو أشد خطراً. ومن جهة ثالثة فإن الحكومة السودانية فيما يبدو تطمع في نقاش مشكلة دارفور ضمن إطارها الإقليمي عن طريق الاتحاد الأفريقي، أو جامعة الدول العربية، أو منظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك وفقاً للفصل الثامن المتعلق بالتنظيمات الإقليمية من ميثاق الأمم المتحدة، ولا تريد تدخلاً أممياً مشبوهاً، خاصة مع الإقرار الجزئي بتحسن الأوضاع بعد اتفاق (أبوجا) ، بالإضافة إلى اختلاف الصورة المقدمة عن الأوضاع المتدهورة سواء من حيث أعداد الضحايا أو غيرها بين كل من الحكومة والمنظمة الدولية، فبينما تصور الوضع الولايات المتحدة والمنظمات الحقوقية على أنه إبادة جماعية، فإن الحكومة السودانية ترى أن ذلك مبالغ فيه؛ بل هو مشكلة قصارها أن تكون إقليمية يمكن حلها عبر المنظمات الإقليمية. ومن جهة رابعة لئن كان دخول القوات الأممية ابتداءً في الجنوب ضمن البند السادس، ربما ساغ اضطراراً نظراً لاشتراط طرف الصراع (الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة قرنق) دخولها وإلزامها به من أجل تحقيق السلام، فليس ثم ما يُلزم الحكومة بذلك من الجهة القانونية في دارفور. وأخيراً لا ينبغي أن يُغْفل احتمال تمهيد الدخول إلى المطالبة بمجرمي حرب وفق التقييم الأمريكي، ومن ثم تنفيذ قرار المطالبة من قبل القوات الأممية إذا تم تبنِّيه، وهذا ما قد يطال مسؤولين ربما كان تسليمهم تسليماً لسيادة الدولة بكاملها على أرضها. وكل تلك عوامل معتبرة في القرار السوداني. ü خيار الحكومة السودانية وواجبها: عوداً على بدء؛ وعلى الرغم من كل ما قد قيل؛ فإنه لا ينبغي أن تتلكأ الحكومة السودانية في البحث عن حل شامل لمشكلة دارفور، فلاشك أن في دارفور خللاً ينبغي أن يسدد، وشيء من انفلات أمني يجب أن يحفظ، ولئن كان الوضع في تحسن ـ باعتراف الأمين العام للأمم المتحدة ـ فإن عجلة ذلك التحسن غير مرضية من جهة، كما أن العوارض التي تعتريها ربما أرجعتها القهقرى ما لم تتخذ التدابير الكافية. ولعل حفظ الأمن في تلك الرقعة، التي لا تزال مضطربة، من جملة واجبات الدولة، ولا يفترض أن تنتظر موافقة الأمم المتحدة على خطة مقدمة منها لأجل حفظ الأمن، ولئن كانت الدولة على قناعة من أن بسطها عشرة آلاف جندي كفيل بإحلال الأمن؛ فحري بها أن تبادر إلى تطبيق ذلك. وإلاّ؛ فإن التقاعس وعدم طرح البرامج العملية لحل المشكلة كفيل بالتمهيد لدخول القوات الأممية ولو بعد حين، بخلاف ما لو تولت الدولة زمام المبادرة، وسجلت وجوداً في أرض الواقع قبل غيرها، وسعت في علاج الوضع الراهن، فربما أكسبها ذلك نقطة في الصراع من أجل حل الأزمة. ولعل هذه الخطوة لا بد منها لأجل ضبط الأوضاع، وإن أجلبت عليها بخيلها ورجلها بعض المنظمات الحقوقية التي تعتبر الحكومة السودانية، إلى جانب المليشيات، شريكاً في الإبادة المزعومة. ومن الأمور التي تَسَعُ الحكومة أيضاً العملُ على تفعيل قوات الاتحاد الأفريقي للقيام بدور أكثر إيجابية، فالذي يظهر من التصريحات والتقارير الأممية والأمريكية وجود قناعة بأنه لا سبيل لإحلال قوات بديلة عن القوات الأفريقية قبيل مطلع العام المقبل، مع التصريح بضرورة العمل على تحسين أدائها، كما يظهر من تصريحات الحكومة رضاها بالتعامل مع القوات الأفريقية، ولذا حسنت استفادتها من تلك القوات ذات الكم المقدر والبالغ نحو سبعة آلاف. وعلى صعيد آخر لا بد من التحسب لرد الفعل الأممي الذي ربما تطور إلى نوع من فرض العقوبات الاقتصادية، كـ: منع تصدير النفط وغيره، وتحجيم ورود أنواع الحاجيات، ويكون ذلك ببذل الجهد السياسي الواعي الذي لا يغفل تفعيل الأحلاف الإقليمية ـ على ضعفها ـ لإيقاف تمرير قرار كهذا من شأنه أن يقهقر العملية السلمية في المنطقة، ويزيد معاناة المنكوبين أضعافاً، وبالإضافة إلى الجهد السياسي؛ لا بد من تفعيل جهود داخلية لإدخال الشعار القديم المتهالك: «نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع» حيز التنفيذ من جديد. وأما الجبهة الداخلية فلا مناص من العمل على توحيدها على المصالح الوطنية، وهذا يتطلب التعامل مع أذرع المعارضة الداخلية المختلفة، والاستعانة بأولئك الذين يمانعون دخول القوات على الداعين إليها، والعمل على توعية من يعي منهم بسلبيات التدخل الأجنبي على المصالح الوطنية، والتي ربما جاء يوم من الدهر فملكوا زمام التصرف فيها، مع عدم إغفال خطاب القاعدة الشعبية وتنويرها، عن طريق الوسائل الإعلامية، بسلبيات دخول القوات الأممية. ومما ينبغي التحسب له أيضاً رد الفعل الأمريكي المحتمل، والذي قد يصل إلى الدعم المباشر لأذرع التمرد، ولا مناص من التعامل معه سياسياً بالترغيب والترهيب، وعسكرياً بالتعبئة الجادة، مع التيقظ والردع الصارم. وفي هذا الصدد يتوقع بعض المحللين بعض الخيارات الأممية المفتوحة، مثل: التدخل القسري المباشر في دارفور، أو التعامل مع رأس القيادة في الخرطوم، ولعل هذه الخيارات مستبعدة على الأقل في الوقت الراهن، على أن أقربها منالاً للحكومة الأمريكية التدخل القسري باستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، وهذا له آثار سلبية من شأنها تفجير الأوضاع في دارفور وغيرها، الأمر الذي لن يكفل تحقيق مصالح غربية، ولا قيم إنسانية، ولا سيما مع عرض الحكومة حل الأزمة بإرسال قوات قوامها نحو عشرة آلاف جندي إلى هناك. ومن تأمل ماضي الخلاف حول قضية دارفور يجد أن الحكومة السودانية، خلافاً لما يصوره البعض، قد أفلحت في كسب نقاط على المائدة الدولية، وحسبك أن العقوبات كان يراد لها أن تُفرَض على الحكومة منذ يونيو ٢٠٠٤م، وفقاً للقرار ١٥٥٦، بالإضافة إلى التغير الملموس في المقترح الأمريكي ليكون التدخل الأممي أقل حدة في مشروعه الجديد من سابقه المقترح تحت البند السابع، ولعل الحكومة السودانية تستطيع ـ بموقفها الصلب المعلن وعملها السياسي الدؤوب ـ التقليل من حدة المشروع الأخير، ليكون الخيار الأسوأ دخول قوات حفظ السلام الأممية تحت الفصل السادس وفقاً لمشروع يهذب المشروع (الأمريكي البريطاني) من بعض ما جاء فيه. وبعد؛ فيظل المطلوب من الحكومة كثيراً.

стр. 5799

الأجندة الخفية للقوات الدولية في لبنان محمد مصطفى علوش (*) يبدو أن القوات الدولية التي قدمت إلى لبنان، عقب القرار (١٧٠١) لتشرف على تطبيق ذلك القرار، لها أجِنْدَة خفيَّة غير معلنة كان قد تم التخطيط لها في كل من: تل أبيب، وباريس وألمانيا، وواشنطن؛ والسبب الذي يدعونا إلى مثل هذا الظن هو تصريح وزيرة الخارجية الصهيونية (ليفني) لِمجلة ألمانية بداية الشهر الحالي أن القرار (١٧٠١) صيغ في مكتبها قبل أن يعرض على مجلس الأمن. ويأتي هذا التصريح بالتزامن مع كلام (أنجيلا ميركل) المستشارة الألمانية بأن: القوات الدولية جاءت إلى لبنان لحماية الحدود الصهيونية. والسؤال الآن: هل هذه الأجِنْدَة الخفيَّة تكمن في نزع سلاح (حزب الله) فقط؛ بعد أن تكشف مؤخراً الحوار الذي دار بين البطريرك (صفير) الزعيم الروحي للمسيحيين في لبنان وبين أحد كبار المسئولين في البيت الأبيض؛ حين طلب البطريرك (صفير) وقف الحرب على لبنان؛ أجابه الأخير بغضب شديد قائلاً له: «لقد أخرجنا لكم سورية من لبنان مقابل نزع سلاح (حزب الله) ؛ ولم تقوموا بنزعه حتى الساعة» ؟ أم إن الأجِنْدَة الخفيَّة للقوات الدولية في لبنان تتعدى موضوع سلاح (حزب الله) حتى تصل إلى سلاح الفلسطينيين في المخيمات مع ضعف الدولة اللبنانية في حل هذا السلاح؟ أم إن الأجِنْدَة الخفيَّة من قدوم القوات الدولية تأسيس قاعدة لحلف شمال الأطلسي في لبنان ومراقبة الحدود البحرية؟ حيث يمثل لبنان موقعاً استراتجياً بحرياً خطيراً في ملف الحرب على الإرهاب، بعد صدور عدة تقارير تشير إلى أن القاعدة في طريقها إلى لبنان وسورية والأردن؛ بعد كتابة أحد رموزها، وهو أبو مصعب السوري، كتاباً يزيد عن ١٠٠٠ صفحة يتوقع فيه أن المعركة القادمة بين الإسلاميين والأمريكيين ومن لفَّ لفَّهم، بعد غزو أفغانستان والعراق، هي في بلاد الشام؛ داعماً نظريته بحديث نبوي يشير فيه النبي ﵊ على اجتماع ٨٠ راية من رايات الشرك لتقاتل المسلمين في بلاد الشام. أم إن وجودها - أي القوات الدولية - لاستكمال ولادة طبيعية لشرق أوسط جديد، يعاد فيه ترتيب المنطقة بما يتفق مع منظومة المصالح الغربية، خصوصاً بعد صدور تقرير في مجلة القوات المسلحة يشير فيه إلى إعادة رسم خريطة للمنطقة تُولَد فيه دول جديدة تكون مع دولة الصهاينة من أكثر الدول حماية للمصالح الغربية؛ وهي دولة كردستان الكبيرة، والتي من خلال هذا التقسيم سيصبح وجود دولة العدو الصهيوني في الجسم العربي، أو الشرق أوسطي، طبيعياً بعد ولادة دول ذات طبيعة عرقية أو طائفية؟! لقد صرح (داليما) رئيس وزراء إيطاليا، الذي تقود دولته القوات الدولية في لبنان، بأن إيطاليا ستشارك بفاعلية في السياسة الدولية، ولن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يحدث في المنطقة. ومن هنا أرادت إيطاليا استضافة أول لقاء حصل بين الحكومة اللبنانية والصهاينة بحضورٍ (خليجيٍّ فرنسيٍّ) لبحث مشكلة الحرب على لبنان في الوقت الذي كانت طائرات وبوارج العدو تضرب الحجر والبشر، وكان لها ما أرادت؛ حيث استطاعت أن تقود القوات الدولية القادمة إلى لبنان مع صدور القرار (١٧٠١) ، كما أن فرنسا، الدولة الأوروبية التي كانت خلف القرار (١٥٥٩) ، القاضي بنزع سلاح الميليشيات وحلها، وإخراج القوات الأجنبية من لبنان؛ في إشارة صريحة إلى سورية، بعد أن تأزمت الأوضاع بين فرنسا وسورية قبيل اغتيال الحريري وحتى الآن؛ كان لها الدور البارز في الإعداد لقدوم قوات دولية إلى لبنان البلد الذي استعمرته فرنسا طويلاً، وتعتبر نفسها راعية للنصارى فيه والساهرة على حقوقهم، في بلد تتعدد فيه الطوائف بشكل كبير على اختلاف مشاربها ودلالاتها. في الوقت الذي تعزز فيه الولايات المتحدة الأمريكية وجودها في المناطق القريبة من النفوذ الفرنسي في أفريقيا؛ لا سيما في القرن الإفريقي وأفريقيا الوسطى وبعد صدور القرار (١٧٠٦) الخاص بـ (دارفور) ؛ ترى فرنسا أن وجودها مهدد داخل القارة السمراء، حتى إن عدد قواعدها العسكرية التي كانت تتعدى المائة قاعدة انحسرت ليبقى منها ست قواعد فقط موجودة في: السنغال، وساحل العاج، والجابون، وتشاد، وجيبوتي، والكاميرون. كانت عين فرنسا تقع على بقية مستعمراتها السابقة، والجميع يعلم كم تسعى فرنسا لتعزيز الفرانكفونية في العالم بكل ما تملك من الوسائل، وفي ظل هذا المناخ كان لبنان يحتل موقعاً مرموقاً لفرنسا على هذه الاستراتجية، حيث يعتبر البوابة التي من خلالها تستطيع فرنسا أن تدخل بقوة إلى سائر الدول العربية؛ لا سيما سورية. كان لا بد من صفقة أمريكية فرنسية تتمثل في إطلاق يد فرنسا في لبنان من خلال الاتحاد الأوروبي مقابل فتح المجال قليلاً للولايات المتحدة في توسيع نفوذها في القارة السمراء، وبما أن معظم الطوائف اللبنانية ينظرون بعين الريبة تجاه فرنسا لتاريخها المخزي في لبنان؛ كان لا بد أن تكون القوات الدولية تحت إمرة غير فرنسية من حيث الظاهر، تمثلت بإيطاليا، في الوقت الذي تحرك جميع الخيوطَ القواتُ الفرنسية فيما يتعلق بدور القوات الدولية. وكما أن لهؤلاء مصالح في لبنان؛ فإن لتركيا، المشاركة في القوات الدولية، مصالح أيضاً؛ ولكن في مكان آخر. فقد كشف تقرير صدر مؤخراً يؤكد أن اتفاقاً تم بين تركيا من جانب والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من جانب آخر؛ على أن تقوم تركيا بمراقبة الطائرات الإيرانية المتوجهة عبر أراضيها إلى كل من لبنان وسورية مقابل غض الطرف عن ملاحقة تركيا لحزب العمال الكردستاني، بعد أن تبين حسب صحيفة (يو إس توداي) أن صوراً عالية التقنية التُقِطت لجنود إيرانيين في قاعدة جوية إيرانية وهم ينقلون ثمانية صواريخ (سي ٨٠٢) المضادة للسفن، ويشحنونها على متن طائرات شحن إيرانية توجهت فيما بعد إلى سورية؛ مما دفع الإدارة الأمريكية إلى القبول بالصفقة التركية بعدم السماح للطائرات بعبور أجوائها إلا بعد القيام بتفتيشها مقابل إطلاق يدها في ملف حزب العمال الكردستاني. أما بالنسبة لمصر فقد كانت المكافأة لها في إنجاح هذا المشروع هو السماح لها في تطوير أبحاثها النووية؛ حيث أكدت الولايات المتحدة الأمريكية قبل يومين أنها لا تمانع من أن تساعد مصر في استعمال التقنية النووية. وكان الرد المصري غير الرسمي على لسان جمال مبارك، أمين عام الحزب الوطني الحاكم، الذي تناول لأول مرة موضوع الطاقة في مصر، وأن مصر ينبغي أن تطور من موارد الطاقة لديها بما فيها الطاقة النووية. والسبب في هذا التطور الغريب لموقف الولايات المتحدة من موضوع التقنية النووية لدولة عربية، مع سكوت مطبق للصهاينة حول الموضوع؛ فالولايات المتحدة، وبعد قصور أجهزة المخابرات والتجسس لديها في معرفة النقطة التي وصل إليها برنامج إيران النووي، والتي تشير كثير من التقارير إلى أن إيران وصلت إلى نقطة اللاعودة في برنامجها النووي ولا يستطيع أحد أن يوقفها عن دخول النادي النووي، كان لا بد من إيجاد منافس لها غير الدولة الصهيونية، وكانت مصر الدولة المرشحة للعب هكذا دور. فالولايات المتحدة توهم العرب أن سلاح إيران النووي هو لمواجهة العرب، وليس لمواجهة الصهاينة، فإيران لها مطامع كبيرة في النفط العربي في الخليج، ودورها في سرقة العراق لا يخفى على أحد. أما بالنسبة للدولة العبرية؛ فإن قدوم القوات الدولية خطوة مهمة جداً لها في مرحلة تغير الجغرافيا السياسية للمنطقة؛ حيث تخشى أن تتعرض لهجمات عديدة من قبل حركات مقاومة، وقد بدا هذا القلق في تصاريح عدة مسئولين كـ (آرييل شارون) و (بنيامين نتنياهو) حول أن الدولة العبرية تعيش في «جوار خشن» ، حيث لا يستمع أعداؤها سوى لمنطق القوة. كما أن ما كشفه التقرير السنوي للمخابرات الصهيونية بأن العام ٢٠٠٧م سيكون الأقسى من الناحية الأمنية، مع احتمالات فتح جبهة جديدة هي الجبهة السورية إلى جانب الجبهة الشمالية في لبنان مما يجعلها بحاجة لمن يحمي ظهرها من صواريخ المقاومة اللبنانية و (هجمات القاعدة) ؛ التي بدأت الاحتمالات تزداد بقرب توجهها من الأهداف الصهيونية عبر الحدود اللبنانية. ولمواجهة هذا السيناريو كان للصهاينة رغبة في إنشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني لفصل لبنان، ولو شكلاً في هذه المرحلة، عن الصراع العربي الصهيوني عسكرياً وأمنياً دون أن يحد من نشاط الصهاينة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي المصلحة المشتركة لكل هذه الدول على الأراضي اللبنانية؛ بدءاً من الدولة الصهيونية، ومروراً بالعالم الغربي، وانتهاء بالدول العربية؛ لا سيما مصر والأردن؟ الجواب نجده ماثلاً غاية الوضوح في تصاريح جميع زعماء هذه الدول من خلال حديثهم عن ما يسمونه (الإرهاب الإسلامي) ، والذي يهدد كل المتواطئين مع العدو وممولته. إنه يراد غسل دماغ هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، من الداخل والخارج، من التفكير بمقاومة أي مشروع يُفرض عليها، ولا يتم ذلك إلا بالقضاء على الحركات المقاوِمة كـ (حزب الله) في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والقضاء على تنظيم طالبان في أفغانستان، وبخاصة المقاومة في العراق؛ في إطار صفقةٍ تقوم على أساسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بغض النظرِ عن التجاوزات اللاأخلاقية لبعض الدول العربية في قمع شعوبها؛ مقابل المحافظة على المصالح الغربية في البلدان العربية؛ ولكن للأسف فإن الدول العربية، أو بالأحرى الأنظمة العربية، لا تقرأ التاريخ جيداً؛ فقد قامت بريطانيا بلعب هذا الدور مع الشريف حسين في مكة لمقاتلة الدولة العثمانية مقابل مساعدته في بسط يده على الدول العربية؛ إلا أن البريطانيين فعلوا عكس ذلك؛ فجعلوا الدول العربية كلها تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني وِفقَ اتفاق (سايكس بيكو) ، فهل يا ترى يقوم المستعمر الجديد بلعب الدور نفسه؛ لا سيما أن التاريخ يعيد نفسه؟ نعم صدر القرار الدولي (١٧٠١) ، وكان شديد الغموض؛ فالقرار يحتمل تأويلات وتفسيرات عديدة تصل حد التناقض، ويبدو أن القرار كان قد صيغ بعناية في مكتب وزيرة الخارجية الصهيوني قبل أن تضع عليه الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا اللمسات الأخيرة، حتى يكون القنبلة الموقوتة التي تفجر الأزمات اللاحقة كما هو الأمر مع كثير من القرارات الدولية التي يرعاها ويصوغها الكبار كالولايات المتحدة، ولا أدل على ذلك من البند ١٥ من القرار الدولي (١٧٠١) الذي يدعو كل الدول «أن تتخذ الإجراءات الضرورية للحؤول دون أن يتم من خلال مواطنيها، أو انطلاقاً من أراضيها، أو عبر استخدام مراكبها أو طائراتها بيع أي كيان أو فرد في لبنان، أو تزويده بأسلحة ومواد ذات صلة من أي نوع؛ ولا سيما منها أسلحة وذخائر ومعدات شبه عسكرية، باستثناء ما تسمح به الحكومة اللبنانية أو اليونيفيل» . أما بالنسبة للدولة اللبنانية فهمُّها الوحيد: كيف تمارس حكمها في لبنان؟ وهاجسها رغبة الصهاينة بنزع سلاح (حزب الله) وتحويل لبنان إلى منتجع سياحي وعنصر جذب لكل ما هو غربي، ولا يعنيها بحال ما إذا كانت هناك أجِنْدَة خفية للقوات الدولية أم لا؛ فالسيادة اللبنانية غائبة أصلاً ولم تكن حاضرة في يوم من الأيام منذ ٣٠ سنة، أي منذ دخول قوات الردع العربي السوري إلى لبنان في عام ١٩٧٥م. لقد قدِمت القوات الدولية بعد صراع طويل في مجلس الأمن، أعلن خلاله الوفد العربي نجاح دبلوماسيته في جعل القرار الدولي (١٧٠١) تحت البند السادس الذي يجعل من القوات الدولية ذا طبيعة ردعية وليس طبيعة هجومية، إلا أن الكاتب العربي المعروف محمد حسنين هيكل تناول هذا الأمر بالسخرية، وقال معلقاً على القرار: إن تفسيره يحتمل وضع القوات الدولية تحت الفصل السابع، أكثر مما يحتمل وضعها تحت الفصل السادس، والإشكالية هنا لم تكن من قِبَل الحكومة اللبنانية؛ بل من قِبَل (حزب الله) ؛ لأنه لا يرغب أن تقوم القوات الدولية بالتجسس على تحركاته، ومن ثم تقوم بنزع سلاحه بحجة تطبيق القرار الدولي. وبعد شهرين من صدور القرار تقريباً بدأت تتكشف الحقائق والمؤامرات، وأن القرار وُجِدَ ليكون عبئاً على (حزب الله) ، وحمايةً للحدود الشمالية للعدو، وربما في المستقبل أن تقوم القوات الدولية بنزع سلاح (حزب الله) نيابة عن الحكومة الصهيونية. وإلا، كيف نفسر استقدام فرنسا فوج المدفعية ٥٧ إلى لبنان، المجهزة بالأسلحة المضادة للجو كنظام قذيفة (فرانكو) الألماني أرض - جو قصير المدى، وقذيفة (المسترال) تحت الحمراء أرض - جو، بالإضافة إلى دبابة Leclerc، التي تعتبر آخر التقنيات العسكرية بدلاً من الدبابة الكلاسيكية، هذه المعدات التي صنعت أصلاً للعمليات الهجومية، وليس للردع فقط؟! ثم كيف نفسر الاحتياطات الأمنية المبالغ فيها التي اتخذتها القوات الفرنسية في بلد آمن أصلاً، إن لم يكن هناك أجِنْدَة خفية غير المعلن عنها؟ لقد جاءت القوات الدولية إلى لبنان مع وجود أكثر من ٢٥٠ جهاز تنصت حديث متطور في البحر، قادر على التقاط كل المكالمات الهاتفية؛ الثابتة والخلوية واللاسلكية، فضلاً عن مراقبة البريد الإلكتروني والفاكس، وذلك باللغة العربية واللغات الأجنبية كافة، وخصوصاً الفرنسية والإيطالية والإنكليزية والإسبانية. ويقوم بتشغيل أجهزة التنصت هذه مهندسون في الاتصالات، ومتخصصون في تفكيك الشفرة والرموز والرسائل المرمَّزة. ومن تجهيزات القوات الفرنسية التابعة للقوات الدولية، عددٌ من الشاحنات التي تحمل رادارات متنقلة قادرة على تحديد مصدر إطلاق الصواريخ. وما يزيد الشكوك أكثر حول طبيعة مهمة القوات الدولية في لبنان؛ تجميدُ عمل المدير العام للأمن العام اللبناني مؤخراً لمدة عشرين يوماً - وهو رجل شيعي قريب من توجهات أمل و (حزب الله) - من قِبَل وزارة الداخلية، والتي يسيطر عليها تيار المستقبل، الذي أصر على قدوم القوات الدولية إلى لبنان، وكان التجميد على إثر إشكال بدأ يتفاعل في الآونة الأخيرة في جنوب الليطاني، بين قيادة القوات الدولية وقيادة الأمن العام على خلفية مسعى دولي غير معلن يقوده الجنرال (آلان بيل لغريني) لإقفال مركز الأمن العام الحدودي بين لبنان والعدو في الناقورة، وهو ما أبلغه قائد القوات الدولية (آلان بيل لغريني) عبر رسالة إلى قيادة الأمن العام طالباً إقفال المركز، وسحب عناصره بذريعة: أنه معرض للخطر من جانب الصهاينة، بما في ذلك خطر إطلاق النار، وأن الأمم المتحدة لا تريد أن تتحمل المسؤولية، وأشارت إلى أن جواب الأمن العام بعد مراجعات رسمية قضى بالإبقاء على المركز، لا؛ بل تعزيزه، وتحمل تبعات ذلك. لقد تحولت شواطئ لبنان ميداناً للسفن الحربية الغربية في خِضمِّ التحولات الجغرافية السياسية لمحاصرة سورية، ووجود هذه الأساطيل قرب الشواطئ اللبنانية جوهره إشراك أوروبا في إعادة رسم المنطقة العربية امتداداً إلى «الشرق الاوسط الجديد» الذي يشمل: إيران، وتركيا، وأفغانستان، وباكستان، إضافةً إلى شمال إفريقيا العربية، ووصولاً إلى السودان، كما هو واضح وجلي لكل ذي لب، أو لمن له عينان!

стр. 5800

القرابين البشرية د. يوسف بن صالح الصغير (*) عندما نبحث عن شيء يجتمع فيه الذكاء والغباء مع طهارة الشعار الممزوج بعهر الاختيار فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ويخطر على البال شعارُ الحرب على الإرهاب، الذي تجاوز شعارات نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في الطرح السياسي الأمريكي، إنه شعار برّاق فيه جاذبية، وسيلته الحرب التي توحي بالقوة، وهدفه تخليص العالم من الشرِّ المتمثِّل برموز الإرهاب وأدواته. وحيث إن الإرهاب لم يتم تعريفه فإنه يمكن تصوّر المقصود باستقراء الأحداث والمواقف الجارية التي تؤدي إلى أن الإرهاب المقصود هو كل فكر أو سياسة أو ممارسة تؤدي ـ أو يمكن أن تؤدي ـ إلى التأثير السلبي على الهيمنة الأمريكية، ولذا نجد أن الأهداف المختارة في هذه الحرب تشمل المصحف الشريف بتدنيسه، والمسلم العفيف بإذلاله جنسياً في (أبو غريب وغوانتنامو وباجرام) ، وتشمل ـ أيضاً ـ تتبّع المناهج التعليمية وتعديلها، وتحجيم المدارس والجامعات الإسلامية بل وتدميرها. لقد وضعت السياسة الأمريكية دول العالم الإسلامي أمام خيارات تنحصر في أن يتمَّ إرجاعها إلى العصر الحجري على يد سيدة العالم، أو الدخول في عملية تدمير ذاتية بجرِّ الحكومات إلى صراعات داخلية لا نهاية لها. إنها سياسة أذكى ما فيها هو السلاح. إذا كان السودان قد حسم أمره بعدم الخضوع والسماح للقوات الدولية باحتلال السودان فإن اليمن قد بدأ يعي مخاطر الدخول في صراع داخلي بتوجيهات أمريكية، ولذا سارع بتبرئة من اعتُقلوا بتُهم التخطيط لمهاجمة أهداف أمريكية في اليمن، فقد تمَّ اعتقالهم ضمن سياسة تقديم القرابين البشرية التي تستمتع بها الإدارة الحالية في البيت الأبيض. أما باكستان فإنها تقدِّم مثالاً حيّاً للطغيان الأمريكي والخضوع الإسلامي وآثاره الكارثية على الجانبين؛ فمع التهديد الصريح لباكستان، ومسايرة الحكومة الباكستانية لهذا الهوس الأمريكي بالقرابين البشرية، وقيامها ببيع أمريكا مئات المعتقلين عشوائياً حتى امتلأت بهم معتقلات (غوانتنامو وباجرام) والسجون السرية حول العالم؛ فقد وقعت أمريكا في مشكلة أن آلاف المعتقلين دون أدلة أو تُهم قد أصبحوا حقاً ـ بعد سنوات من الاعتقال ظلماً ـ أعداءً حقيقيين لأمريكا، وأصبح إطلاق سراحهم يمثل خطراً على الأمن القومي، أما إبقاؤهم دون محاكمة فإنه يعري العدالة الأمريكية المزعومة. لقد مثلت هذه المسايرة الباكستانية بداية لابتزاز أمريكي متواصل تجاوز إلى محاولة جرِّ الحكومة إلى صراع داخلي؛ من استهداف للمدارس الإسلامية، إلى سحب للجيش الباكستاني من الحدود الهندية إلى مناطق القبائل ودخوله في صراع دموي ستكون نتيجته سقوط الحكومة أو تفكّك باكستان. ولذا نجد أن قادة الحكومة يصرّحون أن تصرّفاتهم محكومة بدرجة التهديد الأمريكي، وأنّ كل ما قاموا به وما سيقومون به هو مجرد تنفيذ لرغبات أمريكية، فقد نقلت صحيفة (دون) الباكستانية عن وزير الخارجية (خورشيد محمود قصوري) قوله: «تأييدنا للولايات المتحدة أمر إلزامي لم يكن اختيارياً، ولو كانت باكستان أبدت موقفاً غير متعاون مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب كان يمكن أن تتحول البلاد إلى حالة مشابهة لما يحدث في العراق» . لقد تجاوز الأمر القيام بأعمال لا تخدم مصلحة باكستان إلى اقتراف جرائم بشعة وتبنِّيها وتبرئة أمريكا من أيِّ دور مباشر فيها، فقد تواردت الأنباء بقيام الجيش الباكستاني بعملية برّية وجوّية استهدفت مركز تدريب للمتطرفين ـ كما زعموا ـ ومقتل عشرات المسلّحين ثم تبين أن العملية قامت بها طائرة من طراز (أباتشي) عن طريق صواريخ موجهة (ذكية) . ومع اتهام المعارضة لأمريكا بتنفيذ العملية سارع الناطق باسم الجيش الباكستاني بنفي اشتراك قوات أمريكية في الهجوم، ثم اعترف ناطق عسكري باكستاني أن الجيش استعمل معلومات استخباراتية أمدّته بها قوات الاحتلال التي تعمل تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان. وما لم يجب عنه الناطق هو: منذ متى تملك باكستان طائرات (الأباتشي) ؟ وهل تمَّ التأكد من صدقيّة المعلومات الأمريكية؟ وإذا كانت الجثث لمسلّحين فلماذا لم يتم التحفّظ عليها وعرضها مع متعلّقاتها من السلاح إعلامياً؟ ولماذا تُرك أمر التكفين والدفن لأهالي المنطقة مع غياب تامٍّ للقوات التي قامت بالهجوم البرّي المزعوم. إن ما شاهدناه هو مصاحف ممزّقة وجثث بعضها لأحداثٍٍ صغار السِّنّ. إن قيام الحكومة بالسماح لأمريكا بضرب مدرسة وقتل ما يقارب المئة من طلبة العلم الشرعي أمرٌ شنيع، وقيام الحكومة الباكستانية بتبنِّي هذه الجريمة أو القيام بها نيابة عن الأمريكان أمرٌ أكثر شناعة. وما أنا متأكد منه أن مبدأ طلب رضا أمريكا سيجرّ إلى مزيد من التجاوزات والجرائم، فأمريكا لم تعد ترضيها القرابين الحيّة، بل تجاوزتها إلى القرابين الميتة؛ تطبيقاً للحكمة الغربية أن المسلم الطيب هو الميت. ونذكّر كل صاحب سلطة تجاوز الحدود بالظلم وسفك الدماء المسلمة البريئة التي عصمها الله بقوله # في الحديث القدسي: «من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب» ، فلهم أن يختاروا بين حرب البشر وحرب الله.

стр. 5801

مرصد الأحداث أحمد فهمي من هنا وهناك - ذكرت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن ١.٦ مليون عراقي على الأقل شردوا داخل البلاد بمن فيهم ٤٢٥ ألفاً فروا من بيوتهم هذا عام بسبب العنف الطائفي، وأضافت أن ١.٨ مليون عراقي لجؤوا إلى دول أخرى، من بينهم عدد ممن فروا قبل عام ٢٠٠٣م، وقالت المفوضية إن نحو ٤٠ ألف، عراقي يصلون إلى سورية وحدها كل شهر، وأنه يوجد في سورية حالياً ٦٠٠ ألف لاجئ عراقي، وفي الأردن ٧٠٠ ألف وفي مصر ١٠٠ ألف على الأقل، و ٥٤ الفاً في إيران، ونحو ٤٠ الفاً في لبنان.. [ميدل إيست أون لاين: ٢٠٠٦/١١/٣م] - نقلت صحيفة واشنطن بوست عن البيت الأبيض أنه لا يحق لمن اعتقلوا في سجون سرية تابعة للمخابرات المركزية الأمريكية أن يصفوا أمام محكمة كي يتم استجوابهم بحجة أن أساليب الاستجواب المخابراتية من بين أكثر أسرار الأمن القومي حساسية، وأن من المتوقع أن يتسبب الكشف عنها «في حدوث ضرر خطير للغاية» ، وقالت الحكومة للقاضي (ريجي والتون) : إن «الإرهابيين» قد يستخدمون هذه المعلومات في تدريباتهم لمواجهة الاستجواب. [رويترز: ٢٠٠٦/١١/٤م] - اعلنت شركة نيتكرافت لمراقبة الإنترنت أن عدد مواقع الإنترنت في العالم تجاوز ١٠٠ مليون موقع للمرة الاولى، وقال ريتش ميللر المتحدث باسم نيتكرافت إن أكثر من ٢٧.٤ مليون موقع جديد أضيفت هذا العام، وتعني الأرقام الجديدة أن الإنترنت تضاعف في الحجم منذ مايو ٢٠٠٤ عندما وصل المسح إلى ٥٠ مليون موقع حيث كانت المدونات والمواقع الصغيرة للشركات وراء زيادة المواقع.. [وكالات] - كشفت وثيقة تم نشرها مؤخراً في بريطانيا حملت عنوان «المجتمع تحت الرقابة» أن هناك تزايداً كبيراً في نشر كاميرات المراقبة، وتسجيل تحركات الأشخاص وجمع المعلومات وتحليلها عن عادات السكان الشرائية والاستهلاكية والتنصت على هواتفهم الخلوية واهتماماتهم على شبكة الإنترنت، وذكرت الوثيقة أن عدد الكاميرات يبلغ حالياً ٤.٢ مليون في بريطانيا أي بمعدل كاميرا واحدة لكل ١٤ شخصاً.. [ميدل إيست أون لاين: ٢٠٠٦/١١/٢م] علامة تعجب «الهلال الشيعي» أكد الناطق باسم حزب الله اللبناني الشيعي (حسين رحال) أن الحزب لن يتراجع عن المهلة التي حددها للنزول إلى الشارع بعد أسبوع من انطلاق جلسات التشاور رغم أنها مقررة لأسبوعين، محملاً المسؤولية لفريق الأكثرية وقال: «لقد جعلنا شهر رمضان ٤٥ يوماً، كرمى للرئيس (نبيه) بري، ولن نمدده أكثر «في إشارة منه إلى هدنة رمضان التي أعلنها الحزب، ثم مددها أسبوعين بسبب دعوة (نبيه بري) القيادات السياسية إلى التشاور. [الشرق الأوسط: ٢٠٠٦/١١/٤م] «عندما تتبرج العقول» في برنامج تلفزيوني حواري، تحمست ضيفة البرنامج لمهاجمة النقاب، وقالت: إنها تشعر «.. بالاشمئزاز كلما رأت امرأة منقبة، أو امرأة عارية، وأن الذين يفتون بالنقاب لا علم عندهم، وإنما مجرد جهلاء..» ؛ وتعمل الضيفة أستاذة الفقه الإسلامي بجامعة الأزهر في مصر، وهي ضيفة شبه دائمة على عدد من البرامج الدينية في بعض القنوات الفضائية، ويتم إبرازها بوصفها داعية متنورة، والاشمئزاز في اللغة يَرِدُ بمعنى النفور والانقباض والقُشَعْرِيرة. [بتصرف عن العربية نت: ٢٠٠٦/١٠/١٧م] «المحافظون.. على ماذا؟» العضو الجمهوري مارك فولي في الكونجرس الأمريكي عن ولاية فلوريدا، تم انتخابه ست مرات لمنصبه، وهو معروف بكونه حامي حمى الأطفال من الاستغلال الجنسي المتفشي في الولايات المتحدة، وهو رئيس للتجمع الذي يعنى بالأطفال المستغلين في مجلس النواب، وحضر قبل شهرين حفلاً في البيت الأبيض للتوقيع على قانون سلامة وحماية الأطفال للعام ٢٠٠٦م، ومع ذلك تكشفت مؤخراً فضيحة حول تبادله لرسائل جنسية تفصيلية مع مراهقين قُصَّر ذكور، إضافة إلى ممارسات متدنية، مما اضطره للاستقالة الفورية في محاولة لمنع تكشف المزيد، خاصة وقد تبين أن حامي الحمى: شاذ جنسياً؛ ويذكر أن الحزب الجمهوري يسيطر عليه المحافظون الجدد. [نيوزويك: ٢٠٠٦/١٠/٢٤م] مطاردة الأخت «فلة» يعاني النظام الحاكم في تونس من مرض غريب اسمه «متلازمة الحجاب» ، وهذا المرض يجعل المصاب به يشعر بحالة من الهياج والهيستيريا لمجرد رؤية الحجاب، ولو كان منكمشاً في صورة غطاء على رأس امرأة، وقد تطور المرض مؤخراً لمرحلة بالغة الخطورة؛ إذ بدأت الأعراض في الظهور لمجرد رؤية دمية أطفال اسمها «فلة» ، هذه الدمية تصور فتاة ترتدي حجاباً «عصرياً» . وحفاظاً على الأمن العام شنت السلطات حملات دهم واسعة النطاق لمطاردة «فلة» في جميع المحلات والأسواق، وأخيراً تمت السيطرة على الأزمة وألقيت «فلة» في غياهب المجهول، مع حرية الشعب التونسي، فداء لحامي الديار. البيت الأبيض، ليس غاضباً من زيادة أسعار النفط: أثارت شركات النفط الأمريكية غضب الديمقراطيين بسبب الأرباح الهائلة التي تحققت لها مع تزايد أسعار النفط، خاصة في العام الأخير. ويقول (جون كيري) المرشح الديموقراطي الذي خسر الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٤: «إن الأرباح التي تحققت في هذا الفصل وحده ناجمة عن الامتيازات التي حصلت عليها الشركات الكبرى بعد أن ساهمت مباشرة في وضع قانون الطاقة، واستفادت من البرامج التي تم تمويلها من المال العام وحصلت على حق استغلال موارد الدولة لغايات تجارية» . وأضاف: «لكن كيف لنا أن نعجب من ذلك حين نعلم أن أكسون قدمت للجمهوريين ٨٩% من مساهمتها في تمويل الأحزاب السياسية؟» . وفي الصيف الماضي ذهبت عضو مجلس الشيوخ الديموقراطية (بربارا بوكسر) إلى اتهام الشركات النفطية «بالتلاعب بالعرض» لزيادة أسعار الوقود. أما (هيلاري كلينتون) التي يحتمل أن تكون المرشحة الديموقراطية للانتخابات الرئاسية للعام ٢٠٠٨ فتطالب بإلغاء الامتيازات الضريبية التي تمنح للشركات النفطية، وأن توضع المبالغ المتأتية من هذا الإلغاء في «صندوق استراتيجي» يهدف إلى تطوير الطاقات البديلة. ويدافع مديرو الشركات النفطية عن أنفسهم بالقول: إن تكاليف استخراج النفط من بعض المناطق باهظة، كما يذكرونَ أن ارتفاع الأسعار سببه أيضاً الطلب المتزايد من دول مثل الصين والهند. وتتربع شركتا إكسون موبيل وشيفرون على عرض النفط في أمريكا والعالم، وتفوق أرباح الشركة النفطية الأمريكية الأولى (إكسون موبيل) في الفصل الثالث أرباح جميع الشركات الأمريكية الكبرى الرائدة في مجالها سواء كان في القطاع المصرفي أو التكنولوجي أو الغذائي. وقد بلغت ارباح هذه المجموعة ١٠,٤٩ مليار دولار أي ما يعادل ١١٤ مليوناً يومياً مع رقم أعمال قدره ٩٩,٦ مليار دولار، وعلى فترة سنة أزدادت هذه الأرباح بنسبة ٢٦% مع زيادة أسعار النفط خلال الصيف حين وصل سعر البرميل إلى مستويات قياسية متخطياً ٧٨ دولاراً قبل أن يتراجع مرة أخرى، والعشرة مليارات دولار التي ربحتها «إكسون موبيل» بين تموز/ يوليو وأيلول/ سبتمبر تتخطى مجموع أرباح كل من المجموعة المصرفية الأولى «سيتي غروب» (٥,٥ مليار دولار) وشركة «غوغل» للإنترنت (٧٧٣ مليون) وكوكا كولا (١,٥ مليار) . أما ثاني شركة نفطية أمريكية «شيفرون» فقد بلغت أرباحها في هذا الفصل خمسة مليارات دولار (+٤٠%) فيما حصدت الشركة الثالثة «كونوكو فيليبس» ٣,٨٧ مليار دولار. وتنتقد المعارضة الديموقراطية الامتيازات الضريبية التي تمنح للشركات النفطية، في الوقت الذي وصلت فيه الأسعار في محطات الوقود إلى معدلات لم تشهد الولايات المتحدة مثلها من قبل (نحو ٢,٢٠ دولار للغالون الواحد أي ما يعادل ٣,٨ ليترات) .. [موقع صحيفة الحقائق ٢٨ ١٠// ٢٠٠٦م] مرصد الأخبار أثارت شركات النفط الأمريكية غضب الديمقراطيين بسبب الأرباح الهائلة التي تحققت لها مع تزايد أسعار النفط، خاصة في العام الأخير. ويقول (جون كيري) المرشح الديموقراطي الذي خسر الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٤: «إن الأرباح التي تحققت في هذا الفصل وحده ناجمة عن الامتيازات التي حصلت عليها الشركات الكبرى بعد أن ساهمت مباشرة في وضع قانون الطاقة، واستفادت من البرامج التي تم تمويلها من المال العام وحصلت على حق استغلال موارد الدولة لغايات تجارية» . وأضاف: «لكن كيف لنا أن نعجب من ذلك حين نعلم أن إكسون قدمت للجمهوريين ٨٩% من مساهمتها في تمويل الأحزاب السياسية؟» . وفي الصيف الماضي ذهبت عضو مجلس الشيوخ الديموقراطية (بربارا بوكسر) إلى اتهام الشركات النفطية «بالتلاعب بالعرض» لزيادة أسعار الوقود. أما (هيلاري كلينتون) التي يحتمل أن تكون المرشحة الديموقراطية للانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠٨ فتطالب بإلغاء الامتيازات الضريبية التي تمنح للشركات النفطية، وأن توضع المبالغ المتأتية من هذا الإلغاء في «صندوق استراتيجي» يهدف إلى تطوير الطاقات البديلة. ويدافع مديرو الشركات النفطية عن أنفسهم بالقول: إن تكاليف استخراج النفط من بعض المناطق باهظة، كما يذكرونَ أن ارتفاع الأسعار سببه أيضاً الطلب المتزايد من دول مثل الصين والهند. وتتربع شركتا إكسون موبيل وشيفرون على عرش النفط في أمريكا والعالم، وتفوق أرباح الشركة النفطية الأمريكية الأولى (إكسون موبيل) في الفصل الثالث أرباح جميع الشركات الأمريكية الكبرى الرائدة في مجالها سواء كان ذلك في القطاع المصرفي أو التكنولوجي أو الغذائي. وقد بلغت أرباح هذه المجموعة ١٠,٤٩ مليار دولار أي ما يعادل ١١٤ مليوناً يومياً مع رقم أعمال قدره ٩٩,٦ مليار دولار، وعلى فترة سنة أزدادت هذه الأرباح بنسبة ٢٦% مع زيادة أسعار النفط خلال الصيف حين وصل سعر البرميل إلى مستويات قياسية متخطياً ٧٨ دولاراً قبل أن يتراجع مرة أخرى، والعشرة مليارات دولار التي ربحتها «إكسون موبيل» بين تموز/ يوليو وأيلول/ سبتمبر تتخطى مجموع أرباح كل من المجموعة المصرفية الأولى «سيتي غروب» (٥,٥ مليار دولار) وشركة «غوغل» للإنترنت (٧٧٣ مليون) وكوكا كولا (١,٥ مليار) . أما ثاني شركة نفطية أمريكية «شيفرون» فقد بلغت أرباحها في هذا الفصل خمسة مليارات دولار (+٤٠%) بينما حصدت الشركة الثالثة «كونوكو فيليبس» ٣,٨٧ مليار دولار. وتنتقد المعارضة الديموقراطية الامتيازات الضريبية التي تمنح للشركات النفطية، في الوقت الذي وصلت فيه الأسعار في محطات الوقود إلى معدلات لم تشهد الولايات المتحدة مثلها من قبل (نحو ٢,٢٠ دولار للغالون الواحد أي ما يعادل ٣,٨ ليترات) .. [موقع صحيفة الحقائق ٢٨ ١٠// ٢٠٠٦م] ولا يزال البحث جارياً عن «المعتصم» ... كشف تقرير أصدرته الشبكة الاتحادية الإقليمية للأنباء «يرين» الشهر الماضي والتي تتبعت حركة تهريب آلاف الفتيات العراقيات إلى بعض الدول في منطقة الخليج العربي، والشرق الأوسط، أن الفتيات يتم استغلالهن في أعمال منحرفة، وخاصة ممارسة الزنا، ومن بينهن ٣٥٠٠ فتاة سجلن كمفقودات في العراق، وأورد التقرير وقائع لفتيات مثل مريم ١٦ عاماً، التي سلمها والدها تحت ضغط الفقر مقابل ستة آلاف دولار إلى أشخاص، وعدوه أنهم سيرسلونها إلى مدينة عربية لتعمل في تنظيف البيوت، على أن يعيدوها إليه بعد عام، مريم وافقت على الذهاب للمساعدة في تربية إخوتها، خاصة بعدما قتلت قذيفة أمريكية والدتها في بغداد عام ٢٠٠٣، ولكنها فوجئت بأنها ترغم على ممارسة الفاحشة، وبرفقتها عشرات الفتيات اللاتي يتم تهديدهن بالقتل في حال رفضهن متابعة الأعمال الفاحشة، وأخيراً تمكنت من الفرار والعودة إلى بغداد.. يذكر أن الشبكة الاتحادية الإقليمية للأنباء «يرين» التي أعدت ونشرت التقرير تتبع بشكل شبه رسمي للأمم المتحدة، وتتلقى دعماً مالياً رسمياً من دول مثل أستراليا، وكندا، والدانمرك، واليابان، وبريطانيا، والولايات المتحدة. وبالرغم من كونها مركزاً إخبارياً تابعاً للمنظمة إلا أن تقاريرها لا تعبر بالضرورة عن رأي المنظمة. وذكر التقرير الذي نشرته الشبكة التابعة أن تجار الرقيق الأبيض يعملون بحرية في العراق وقالت «نهى سليم» ناشطة في إحدى الجمعيات النسائية: إن وقف هذه العملية مستحيل. وقالت ناشطة أخرى: إن هناك نحو عشرة آلاف امرأة من أصول مختلفة، يتم استعمالهن من قِبَل عصابات عالمية منظمة في هذا العمل في المنطقة العربية. وذكر التقرير أن سورية تعتبر من الدول التي تستخدم كمحطة لتهريب الفتيات من العراق، ولكن يبدو أن الأمر لا يثير حفيظة أحد طالما أن الأمر لا يتعلق بتهريب المتطوعين للمقاومة في العراق. [بتصرف عن موقع صحيفة الحقائق] بوش يحطم الأرقام القياسية: أجرت جامعتا جونز هوبكنز ومعهد ماستشوستس للتكنولوجيا الأمريكيان وجامعة المستنصرية العراقية مسحاً لأعداد القتلى في العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣، وأظهر المسح أن ٦٠٠ ألف عراقي قتلوا في أحداث عنف منذ فترة وجيزة قبل الغزو الأمريكي للعراق وحتى الآن، وذكر المسح المشترك أن ٣١ % قتلوا على أيدي التحالف أي ما يقرب من ٢٠٠ ألف عراقي، وشملت الدراسة قيام أطباء عراقيين بزيارة أكثر من ١٨٠٠ منزل لسؤال ساكنيها عن الضحايا والاطلاع على شهدادت وفاة أصحابها، والمثير أن هؤلاء الأطباء أنفسهم تعرضوا للقتل على يد الميليشيات المسلحة رغم أن الأطباء كانوا يلبسون المعاطف البيضاء ويعلقون السماعات حول أعناقهم، ويزعم جورج بوش أن عدد القتلى لا يتجاوز ٣٠ ألف قتيل، وتذكر أرقام وزارة الصحة العراقية أن القتلى ١٥٠ ألف قتيل، بينما ذكر الدكتور حارث الضاري أن عدد القتلى من السنَّة فقط ٢٠٠ الف، مائة ألف منهم بيد الاحتلال والبقية بيد الميليشيات الشيعية. وذكرت مجلة لانسيت البريطانية الطبية المعروفة أن عدد القتلى في العراق بلغ ٦٥٥ ألف قتيل خلال أعوام الاحتلال، وحسب أرقام الجامعات الثلاث فإن رقم ٦٠٠ ألف يمثل ٢.٥ % من الشعب العراقي، ويمثل وفاة ١٥ ألف قتيل شهرياً. ويذكر أن القوات الأمريكية تسببت في قتل نحو ١٠% من الفيتناميين في حربها الطويلة ضد هذا البلد؛ فهل ينتظر الأمريكيون أن يحققوا رقماً قياسياً في العراق قبل أن ينسحبوا؟ [الإحصاءات من مجلتي نيوزويك ٢٤ ١٠/ ٢٠٠٦/م والحوادث ٢٤ ١٠/ ٢٠٠٦/م] «سي آي إيه» هل تصبح «م م أ» ؟ تواجه الاستخبارات الأمريكية أزمة كبيرة في ترجمة الوثائق المتراكمة والمتزايدة بصورة هائلة باللغة العربية، ولجأت الإدارة الأمريكية للاستعانة بمترجمين أميركيين عرب يعملون من منازلهم وبدوام جزئي، وقال مدير المركز الوطني الافتراضي للترجمة إيفيريت جوردان: «لدينا أناس لديهم عمل بوقت كامل ويعملون لحسابنا بضعة ساعات في الأسبوع حين يمكنهم ذلك» . وأنشئ المركز الوطني الافتراضي للترجمة في ٢٠٠٣ من قِبَل الكونغرس، وذلك للاستجابة جزئياً لحاجات أجهزة المخابرات والبنتاجون.. وأقام المركز شبكة مترجمين يعملون من منازلهم في الولايات المتحدة ويترجمون وثائق بعشرات اللغات، غير أن اللغة العربية هي الأكثر طلباً في هذه الفترة بسبب الحرب في العراق، والحرب الأمريكية ضد الحركات الإسلامية، بدعوى محاربة الإرهاب ... ويعاني المركز من نقص في المترجمين العرب وهو في تنافس مع باقي أجهزة الدولة على التعامل معهم، وأبرم عقوداً مع الجامعات من أجل إعداد موظفين مستقبليين. وقال جوردان: «الجميع يبحث عن أشخاص يتحدثون العربية» . غير أن التكلم باللغة العربية وحده غير كاف إذ يجب أيضاً التحدث بطلاقة باللغة الإنكليزية، وامتلاك خبرة في مجالات تخصص مثل أسلحة الدمار الشامل وذلك للتمكن من ترجمة وثائق تقنية. وصرح جوردان: «هذا الأسبوع لدينا ١٥٠ شخصاً يعملون» مترجمين من العربية، وأوضح أن عقود العمل يمكن أن تكون قصيرة جداً ليومين أو ثلاثة أيام، للقيام بمهمة محددة وهو ما يفسر تغير أعداد العاملين. ويدفع للمترجمين باحتساب عدد الكلمات أو الساعات في حال تعلق الأمر بشريط مسجل، وحالياً العمل في الترجمة من اللغة العربية هو الذي يدر أعلى الأجور؛ إذ يتم دفع ٣٩ دولاراً عن الساعة، وهو أجر أعلى بكثير من الترجمة من الأسبانية التي يدفع ٢٧ دولاراً لقاء ساعة ترجمة منها إلى الإنكليزية. ولا يعرف المترجمون أي فرع في الحكومة الأمريكية طلب ترجمة الوثيقة التي يترجمونها، وتتم معالجة الوثائق التي تصنف من أسرار الدفاع، ما يمثل ربع عمل المركز، من قِبَل مترجمين في مكاتب مؤمَّنة تابعة للحكومة الأمريكية. ويجب أن يكون المترجمون العاملون لحساب المركز الافتراضي للترجمة من حاملي الجنسية الأمريكية، ويتم إجراء عمليات تثبُّت من ماضيهم وعلاقاتهم. وتحت ضغط توسع عمليات التجسس على كل ما هو عربي أضطرت الأجهزة الاستخباراتية إلى إدخال مرونة على معايير اختيار المترجمين، خاصة ما يتعلق بعلاقاتهم العائلية في الخارج. وأضاف: «إن ذلك يجعل عمليات التثبت أكثر تعقيداً» . بيد أنه أشار إلى أن الأمر يستحق المخاطرة بالنظر إلى أن هؤلاء المترجمين «يحملون معهم تجربة ثقافية غنية، مرتبطة بعلاقاتهم العائلية، وهذا يضاف إلى قيمة ترجمتهم للمعلومة» . [بتصرف عن موقع ميدل إيست أون لاين: ٢٠٠٦/١١/٢م] س وج س: كيف يمكن معرفة العدد الحقيقي للقتلى الأمريكيين في العراق، وسط فيض المعلومات والتحليلات المتضاربة؟ ج: وفقاً لموقع «تي بي آر الإخباري» وهو موقع يتابع دورياً أعداد القتلى والجرحى من الجنود الأمريكيين في العراق، فإن عدد القتلى من الجنود الأمريكيين قد فاق الـ ١٥٠٠٠ جندي أمريكي، وزاد عدد الجرحى عن ٢٧٠٠٠ جندي أمريكي. وذكر كاتب أمريكي اسمه (براينج هارينج) في مقالة على نفس الموقع، أنه تمكن من استلام نسخ عن قوائم الشحن الخاصة بوحدة النقل العسكري الجوي للجنود الأمريكيين، الذين تم نقلهم إلى قاعدة «دوفر» الجوية، وهي تظهر أن أعداد الجنود الذين تمّ شحنهم أكبر بكثير عن الأرقام الرسمية المعلنة. كما يؤكّد الكاتب، وهو محلل ومراسل في المجال العسكري والاستخباراتي، أنّه يمتلك وثيقة رسمية نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية ثمّ أعادت سحبها مباشرة، وهي تشير إلى أن عدد القتلى الأمريكيين في العراق قد بلغ ١٠٠٠٠ قتيل في الفترة الممتدة من آذار/ مارس عام ٢٠٠٣ إلى تموز/يوليو ٢٠٠٥، ويستنتج (هارينج) أنّه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار اعتراف المصادر الرسميّة الحكومية بوجود ١٥٠٠٠ إصابة بالغة وخطيرة إضافة إلى ٢٥٠٠٠ جندي جريح، فإنّ عدد القتلى الأمريكيين الذي لا يتعدى وفق الإحصاءات الرسمية الـ ٣ آلاف قتيل يصبح غير واقعي على الإطلاق، نظراً لنسبته القليلة. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه وفق التقرير إلى هروب ما لا يقل عن ٥٥٠٠ جندي أمريكي إلى أيرلندا، وكندا، ودول أوروبية أخرى. وكانت جمعية المحاربين الأمريكيين القدامى كشفت عن وثائق رسمية تفيد بأن العدد الحقيقي للقتلى الأمريكيين في حرب فيتنام يزيد بحوالي ٢٠٠٠٠ قتيل، عن الأرقام الرسمية التي كانت تنشر للجمهور آنذاك؛ إذ أوردت الأرقام الرسمية الأمريكية سقوط ٥٨١٨٢ أمريكياً بينما العدد الحقيقي وفق تلك الوثيقة يبلغ أكثر من (٧٨٠٠٠) . وحسب تقديرات الجماعات الجهادية في العراق فقد نشرت مجلة الفرسان على الإنترنت والتي تصدر عن عن هيئة الإعلام المركزي في الجيش الإسلامي في العراق أن إجمالي القتلى الأمريكيين يزيد على ٢٥٠٠٠ قتيل وعشرات آلاف الجرحى منذ بدء الاحتلال. وتذكر بعض المواقع الإخبارية العربية على الإنترنت تقديرات تصل إلى ما يقرب من ٣٤ ألف قتيل، منذ بدء الاحتلال، كما يذكر موقع المختصر، والذي يعتمد في مصادره المعلوماتية في هذه القضية على موقع مفكرة الإسلام ووكالات الأنباء والمواقع العراقية ثمّ موقع الجزيرة الإخباري. وللجمع بين الإحصاءات المتضاربة نورد عدة ملاحظات: أولاً: إنّ الأعداد الرسمية الصادرة عن الحكومة الأمريكية أو البنتاغون لا يمكن أن تكون حقيقية أو حتى قريبة من الحقيقة. ثانياً: الأرقام الرسميّة الأمريكية لا تشمل الجنود الذين يموتون خلال عمليات إسعافهم أو عند نقلهم، كما لا تشمل الموظّفين الأمريكيين أو المتعاقدين الأمريكيين أو المرتزقة. ثالثاً: يجب أن نأخذ بعين الاعتبار حجم العمليات اليومية للمقاومة، وقد ذكر (بوب ودوورد) الصحفي الأمريكي البارز، أن هناك ما بين ٨٠٠ إلى ٩٠٠ عملية تنفذ أسبوعياً ضدّ القوات الأمريكية، وهذا يعني أكثر من ١٠٠ هجوم يومياً، أي بمعدل أربع هجمات بالساعة. وأفاد الجيش الإسلامي في سبتمبر أنّ عدد العمليات التي قام بها خلال الأربعة أشهر الأخيرة بلغ ٢٦٠٠ عملية عسكرية متنوعة. خامساً: كتيبة القنص في الجيش الإسلامي أردت حوالي ٦٦٦ جندياً أمريكياً قتيلاً (عدد كبير منها مصور) . سادساً: اعترف البنتاغون بأن أكثر من ٥٥٠٠ جندي فروا من الخدمة منذ بداية حرب العراق، وقد نقل عن خط هاتفي أقيم لمساعدة الجنود الذين يريدون ترك القوات المسلحة، أن عدد المكالمات التي يتلقاها الآن هي ضعف عددها عام ٢٠٠١، وقد رد هذا الخط الهاتفي الساخن على ٣٣ ألف مكالمة في العام الماضي!! العدد التقريبي للقتلى الأمريكيين في العراق: بالنظر لما ورد أعلاه من معطيات؛ نلاحظ أنّ هناك أربعة أرقام رئيسية فيما يتعلق بعدد القتلى الأمريكيين في العراق هي: ١ - ٢٧٩٠ قتيلاً وفقاً للأرقام الرسمية الأمريكية. ٢ - أكثر من ١٥٠٠٠ قتيل وفقاً لتقديرات المصادر الأجنبية المستقلة. ٣ - أكثر من ٢٥٠٠٠ قتيل وفقاً لتقديرات الجماعات الجهادية في العراق (الجيش الإسلامي) . ٤ - ٣٣٦٩٣ قتيلاً وفقاً لتقديرات المواقع الإخبارية العربية (المختصر للأخبار) . ونستطيع أن نقول إن متوسط هذه الأرقام الثلاثة الأخيرة مجتمعة يساوي أكثر مِن ٢٤٠٠٠ قتيل أمريكي، وهو رقم منطقي ومقبول لعدد قتلى الأمريكيين في العراق والذي يتوافق مع الحقائق والمعطيات والوثائق، وهو يشكّل نسبة حوالي ٩.٨% من حجم الأمريكيين الكلي الموجود في العراق. [باختصار عن مقال للكاتب (علي باكير) ، الموقع الشخصي] أخبار التنصير السلطات السعودية توقف منصّر فلبيني بتبوك: اعتقلت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة تبوك بالمملكة العربية السعودية وافداً أجنبياً يدعو للتنصير. وصرح الشيخ فهد السويح رئيس هيئة الأمر بالمعروف فرع «سلطانة» أن الوافد فلبيني الجنسية، وقد استأجر إحدى قاعات الأفراح بتبوك وأخذ يقرأ على الحاضرين أحد كتب الإنجيل، وكان الحاضرون قرابة ١٥٠ فرداً من جنسيات شتى، مشيراً إلى أن هذا المنصر قد استعان بأجهزة عرض مرئية. وأضاف الشيخ فهد أن هذا المنصر هو قس يدعى «توني باباكيارو» ويبلغ من العمر ٤٠ عاماً، وأنه على الرغم من فداحة ما صنع هذا المنصر إلا أنهم دعوه لاعتناق الإسلام، وقدمت له الجاليات الكتب والشرائط التي توضح دين الإسلام. [صحيفة المدينة السعودية ١٦ أكتوبر] الكنيسة المصرية تستعد لإطلاق ثاني قناة فضائية: كشفت قيادات كنسية في مصر عن قرب تدشين قناة فضائية باسم «قبط - سات» ؛ لتكون ناطقة بلسان الكاتدرائية المرقسية القبطية، وتعبر عن الكنيسة الأرثوذكسية في مصر. وألمحت القيادات الكنسية إلى أنه تمت الموافقة على طلب الكنيسة ببث القناة على القمر الصناعي المصري «نايل سات» ، وهو ما لم يؤكده المسؤولون عن القمر المصري. وستكون هذه القناة بمثابة ثاني فضائية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية المصرية يجري تدشينها بعدما احتفلت الكنيسة المصرية يوم ١٤ نوفمبر ٢٠٠٥م ببدء البث التجريبي لقناة «أغابي» - التي تتخذ من الكاتدرائية المرقسية أيضاً مقرّاً لها - على القمر الصناعي الأمريكي. وتقول قيادات كنسية: إن الاستعدادات تجري حاليّاً للبدء في أقرب وقت بالبث التجريبي لقناة «قبط سات» ، وأن أستوديو القناة الرئيسي تم بناؤه على مساحة ألف متر مربع تحت إشراف عدد من الإعلاميين الأقباط. وتضيف أن البث الرئيسي للقناة سيبدأ عندما يكون لديها أكثر من ٢٠٠ ساعة بث مسجلة، زاعمة أن البرامج والمواد التي ستعرض على القناة لا تخاطب إلا النصارى خاصة في مصر، وأنها ستعرض الكثير من النشاطات الكنسية. [موقع: إسلام أون لاين ١/١١/٢٠٠٦م] الجزائر تكشف حملات تنصير من مغتربين في فرنسا: كشف وزير الأوقاف الجزائري تورّط مغتربين جزائريين بفرنسا في حملات التنصير في بلاده خلال السنوات العشر الماضية. وقال وزير الأوقاف بو عبد الله غلام الله إن هؤلاء المغتربين يتظاهرون بزيارة موطنهم الأصلي كل سنة لقضاء عطلة الصيف، إلا أن هدفهم الحقيقي هو جلب كتب تبشيرية يوزعونها على الناس، وهو ما أنتج بحسبه تنصّر عدد غير قليل من الجزائريين. وأضاف الوزير على هامش افتتاحه فعاليات جائزة الجزائر الدولية الثالثة لحفظ القرآن الكريم: إنّ الكنيسة البروتستانتية في الجنوب الفرنسي تلجأ إلى إعداد وطبع نسخ من الإنجيل وكتب تنصير بـ «الأطنان» وتطلب من المغتربين الجزائريين توزيعها في بلدهم. [صحيفة الخليج الإماراتية ٤/١١/٢٠٠٦م] ترجمات عبرية خاصة بالبيان الشاباك يقتل المرضى الفلسطينيين: «جهاز الأمن العام لدينا متهم من قِبَل رابطة أطباء من أجل حقوق الإنسان بأنه يتبع سياسة منهجية لمنع دخول المرضى الفلسطينيين إلى إسرائيل لتلقي العلاج بزعم اعتبارات أمنية وهمية، والرابطة تؤكد أن الشاباك يقوم بتطبيق السياسة بشكل عشوائي يؤدي لوفاة المرضى على الحواجز» . [صحيفة هآرتس العبرية ١٢/١٠] الهروب الأمريكي من العراق: «لا شك أن الهروب الأمريكي المقترح من العراق سيعطي دفعة هائلة لحركة الجهاد العالمية، وسيفسره ملايين المسلمين بأنه دليل

стр. 5802

الحرف الأصيل سعيد بن عبد الله الزبيدي عشقت حروف البوح تنداح رقّة تذوب حنيناً ثم تنثال سلسلاً ويأسرني حرف الصفاء إذا جرى وينتزع الدمعَ العصيَّ رصينُه يصير به في لجّة الشدو سابحاً يزيح ستارَ الهمِّ عنك رنينُه وتسمو مع الحرف الزكي إذا سما هو الحرف إحساسٌ إذا رقّ دافئ يذيب فؤاد الحُرّ شجواً ونغمة مسافة في مدى الأحلام شاسعة تحيطك معنى تحتويك تأمّلاً تخال بها من نفث هاروت رقية ولست ترى زهر الحياة بدونه عشقتك يا حرف السمو لأنني بدربك خَيْلي ما سئمت صهيلها إنِ الشعرُ يرقى ترتقِ النفس عزة تصافح أهداب المشاعر بالسحرِ تتوق لها روحي ويسمو بها فكري خفيفاً على الوجدان في رقّة يسري إذا قلّبَ القلب الشجيّ على جمرِ وتبذل عيناه النفيسَ بلا مهرِ وتحيا مع الأنغام في طيِّب النشرِ تعانق شمس الكون في أُفقها تجري وسيفٌ إذا ما احتدَّ ينطق بالزّجرِ إذا ما ازدهى نبض الخواطر بالفكرِ مكانها كالسَّنا من كوكب درّي وتهطل غيثاً في مرابعك البِكْرِ يغرد فيها بالرّؤى بارق الفجرِ وكل لذيذ الصيد في لجّة البحرِ رأيت سفين الشعر دونك لا يجري وغايتك القصوى بذلت لها شعري ويغدُ لها درب المفاخر ذا أسرِ

стр. 5803

بريمر وعام في العراق ضوء على (مذكرات بريمر) بعد عام على العراق أ. د. نعمان السامرائي عيَّن الرئيس بوش السفير المتقاعد (بول بريمر) مبعوثاً إلى العراق، قضى ما بين الشهر الثالث من عام ٢٠٠٣م حتى حزيران عام ٢٠٠٤م، وكان آخر وظيفة شغلها سفيراً متجولاً لمكافحة الإرهاب. كتب مذكراته مستعيناً بحاسوب محمول، وبر جل صاحب خبرة؛ فأخرج المذكرات بعد أن سقط، أو أسقط، منها رسائل مهمة تبادلها (بريمر) مع المرجع الشيعي (آيه الله السيستاني) ، عبر وسطاء ذكر بعضهم، ورسائل لزوجته في أمريكا تصور ما كان يعانيه من ضغط، وصلت إلى حد البوح بأنه (محبط) وأنه سيكون (كبش فداء) ؛ لأنه كان يعيش ما يسميه (هاجس الإرهاب) ، وكل قضية ينظر لها من هذه الزاوية. لهذا عاش يحارب بكل ما لديه من قوة ضد سحب أية قوات أمريكية من العراق، والأمر الآخر أنه ذكر بشجاعة أنه كان يعمل وفق سياسة (فرِّق تسد) ، وقد ظل يلعب على الفرقاء الكبار في العراق، محاولاً كسب طرفين ضد الطرف الثالث، فإذا كان الطرف عربياً سنياً أو شيعياً أو كردياً فهو يحاول كسب طرفين ضد الثالث، لاعباً بمهارة على التناقضات، مُخوِّفاً كل طرف بأنه يخسر إذا تشدد أو لم يساير السياسة الأمريكية. وكان شجاعاً حين صرح أكثر من مرة أنه: يمثل قوة الاحتلال، وأن الكلمة الأولى له، ونسيان ذلك والتغني بالديموقراطية، لكنه يذكر: بأنهم لم ينفقوا الملايين ولم يضحوا بأبنائهم ليفعلوا كذا أو يضروا بكذا. كان (بريمر) خلف حل الجيش العراقي والشرطة، ابتداءً صرح بأن أصدقاءه حثوه على ذلك، لكنه راح يعتذر بأن الجيش حل نفسه، لكنه سجل الأطراف الكردية والشيعية التي أسعدها ذلك، وذكر أنها قالت: هذا أفضل عمل قام به في العراق خلال فترة وجوده، وإن كان الواقع يشهد بأنه الأسوأ، والأكثر سواداً. يسجل ـ دون مواربة ـ اهتمامه واهتمام حكومته بالمحافظة على (وزارة النفط) ؛ لأنها تحوي الكثير ممّا يهمهم، ويسكت عن حرق وإتلاف (١٤) وزارة. كما يصمت عن ذكر فتح مخازن الجيش العراقي، والسماح لكل من يريد أن يأخذ من السلاح ما يريد، ولم يذكر مصير هذا السلاح، والذي قُطِّع وبِيع (خردة) ، وأن العائد كان له مع بعض المتنفذين (الجدد) ببغداد. سأكتفي بذكر بعض القضايا، فالمذكرات استهلكت (٤٤٥) صفحة، نسقها (محترف) ليخرجها بحيث لا تسيء لصاحبها ولا لحكومته، وهذه بعض القضايا: ١ ـ (بريمر) يؤكد: نحن قوة احتلال، ولن نتحايل على ذلك، قالها في الاجتماع الأول مع العراقيين وكررها أكثر من مرة (١) . بينما يصرح عراقيون (منتفعون) : إن القوات الأمريكية قوات تحرير! ٢ ـ محاربة تأسيس الجيش العراقي: يذكر (بريمر) أن الأكراد والشيعة رحبوا بحل الجيش العراقي، وأمروا أتباعهم بالتعاون مع (التحالف) منذ (تحرير العراق) ، ولا يمكننا المخاطرة بفقدان تعاونهم (٢) . ٣ ـ يمنُّ (بريمر) على الجيش العراقي الذي حله قائلاً: نحن سندفع لأشخاصٍ كانوا قبل أسابيع فقط يقتلون الشبان الأمريكيين، لكن ذلك ثمن (يجب تحمله) . الجيش العراقي كان يحارب في بلده جيشاً جاء من وراء البحار، وخرب العراق، وقتل وما يزال، فمن هو الغازي ومن هو المغزو؟؟ وأخيراً: ما هذا الكرم الحاتمي يا (بريمر) ؟؟ ٤ ـ يصور (بريمر) الوضع في العراق في منتصف عام ٢٠٠٣م قائلاً (٣) : الكهرباء دون المستوى القياسي، وفيها الكثير من الأخطاء، ومرفق الماء والصرف الصحي يشكلان وصمة عار في بلد من أخصب المناطق في العالم، أما نظام المواصلات والاتصالات فهو من نوعية ما في العالم (الرابع) وليس الثالث، وبالإجمال فالبنية التحتية للعراق أسوأ مما هي عليه في البلدان الأخرى، أما المدارس فـ (٨٠%) منها في حالة يرثى لها ـ كما تقول اليونسيف ـ. وبعض الفصول الدراسية يحشر فيها (١٨٠) طالباً، ويوجد كتاب واحد لكل (ستة) طلاب في المتوسطة (٤) . ٥ ـ يذكر (بريمر) أن المياه تتسرب وتضيع، والمجاري تعمل بطاقة ٢٠%، والجديد أن النفايات ترمى بنهر دجلة والفرات، ويقدر تصريف ٠٠٠،٥٠٠ طن من النفايات ـ غير المعالجة ـ (برميها) في دجلة والفرات (٥) . ٦ ـ أسلحة الدمار الشامل: يذكر (بريمر) بغضب: أن حكومته أرسلت (١٤٠٠) فرد بين مدني وعسكري، يقودهم شخص اسمه (بيل) يحسن العربية ومختص بأسلحة الدمار. أقامت الحكومة الأمريكية أكبر محطة في العالم (محطة بغداد) ، ومهمتها البحث عن أسلحة الدمار الشامل، لكنها لم تجد شيئاً. يخاطب (بريمر) (بيل المذكور) قائلاً: إن البحث عن الأسلحة مهم، لكن الواجب علينا أن نهاجم من ينسفون عرباتنا ويقتلون جنودنا، ويخربون خطوط الكهرباء وأنابيب النفط، فجنودنا من المستبعد أن يُقتلوا بأسلحة الدمار الشامل، لكنهم يتعرضون يومياً للتفجير على أيدي الإرهابيين، والواجب العثور على هؤلاء والقضاء عليهم، وهو من الأولويات ... يقول (بريمر) : إن (بيل) لم يبدُ مقتنعاً (٧) . وبالمناسبة فإن هؤلاء، وغيرهم كثير، يبحثون عن نسخة من (توراة) قديمة كانت في منطقة (الكفل) في جنوب العراق واختفت، والبحث ما يزال جارياً عنها، وقد تكون وصلت لـ (الصهاينة) ، مع الكثير من التحف التي سرقت من المتحف العراقي، ومنها ألوف الألواح المكتوبة والمنقوشة بالخط المسماري، والتي لا تقدر بثمن. ٧ ـ السفير (بريمر) ينثر وعوداً لكن بدون قبض: يخاطب (بريمر) العراقيين قائلاً: ستعيشون بكرامة وبسلام وازدهار، مستقبلكم مليء بالأمل والكرامة، وإن كان من الصعب الحفاظ على الكرامة عندما تسير قوات (أجنبية) في شوارعكم، بصرف النظر عن حسن نواياها؛ لكن في الأشهر التالية سيقل عددها (٧) . الذي حصل حتى الآن عشرات الألوف من المعتقلين، ووصل عدد القتلى ٥٠ قتيلاً فأكثر، ولا ماء ولا كهرباء، ولا بنزين ولا غاز للطبخ (وستعيشون بكرامة وسلام وازدهار) !! علماً بأن خطة (بريمر) كانت ضد سحب أي جندي أمريكي من العراق، وقد حارب بكل قواه لإبقاء الجيش الأمريكي وزيادته. وصدق الله العظيم فيما ذكره عن قصة بلقيس مع نبي الله سليمان ﵇: ﴿قَالَتْ إنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] . ٨ ـ (بريمر) الذي يبدو أحياناً أنعم من الحرير، ويتحدث عن الاحتلال وأنه ضده، ولا يوجد في العالم من يقبله، ومع ذلك ينسى كل هذا فيقول ـ وهو يخاطب وزراء عراقيين ـ: أنتم الآن مسؤولون، لكن عليكم أن تعلموا من كبار مستشاريكم في الائتلاف بشأن مبادرات سياسية كبرى (مقترحة) ، أحببتم ذلك أم كرهتموه؟! بالطبع ليس من الممتع أن تكون خاضعاً للاحتلال، ويمكنني أن أضيف: أو أن تكون المحتل، فالائتلاف هو (السلطة الحاكمة هنا) (٨) . ٩ ـ شهادة صريحة: كان (بريمر) يدور في زيارات على الوزارات العراقية، وزارَ وزارة (العدل) ، وكان الوزير هاشم الشبلي، في استقباله، وبعد مباحثات قال (بريمر) (١) : كان الشبلي بالنسبة لي برهاناً على أن (الطائفة السنية) تضم قادة مهمين لمستقبل العراق، وغير ملوثين بالبعثية. تلك شهادة، مع أن سياسة (بريمر) كانت قد دمرت كل سلطة أو وجود للعرب السنة، وسلمت كل شيء لغيرهم، وهمشتهم وأقصتهم إقصاء كاملاً. بل إن (بريمر) راح يشيع أن الشيعة والأكراد يشكلون ٨٠% من سكان العراق (٢) . وهو تقدير لا صحة له (٣) . ١٠ ـ الأسلحة المفقودة: يذكر (بريمر) أن الدكتور (ديفيد كاي) جاء للعراق مع مجموعة في بداية (تشرين الأول) من عام ٢٠٠٣م، ثم قدم تقريراً لمجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين جاء فيه (٤) : فلم يكن يمتلك (صدام) ـ عند اندلاع الحرب ـ آلافاً من الأطنان من الغازات السامة أو الرؤوس الحربية لإطلاقها، من تلك التي قالت أجهزة الاستخبارات الغربية: إنه يمتلكها ... ا. هـ. ويبدو أن هذه كانت قناعة السفير (بريمر) ، لذا ذكرها دون تعليق وكان يستنكر البحث عنها، وحين سأله الرئيس بوش عن عمل (المخابرات) ؟ يخبره بصراحة: أنه غير راضٍ؛ فهي ما تزال تبحث عن الأسلحة التي لا جدوى من البحث عنها، وتترك أموراً أهم وأكبر. ١١ ـ النفط النفط: يتحدث السفير (بريمر) عن شاب عراقي لقبه (خشب) قام وعماله بحماية مصفاة حين أراد غوغاء نهبها، حتى جاء جنود أمريكان وسيطروا على المصفاة القديمة (٥) . (بريمر) هزه هذا الموقف فقال: أنت رجل شجاع، لكننا بحاجة إلى أكثر من هذه الشجاعة العنيدة، فصناعة النفط بمثابة دم الاقتصاد العراقي، وسيموت الاقتصاد إذا لم يتدفق، فالعراق يملك ثاني أضخم احتياطي نفطي في العالم، أي نحو (١١٢) مليار برميل ... ا. هـ. وهنا استذكر ما قاله مسؤول أمريكي: لو كانت الكويت تشتهر بزراعة الموز (فقط) لما أرسلنا جيشنا إلى هناك. وحين سقطت بغداد كان أول شيء فعله الجيش الأمريكي إرسال دبابات لحراسة وزارة النفط، بينما تركت (١٤) وزارة للنهب والحرق، وأحرقت مكتبة الأوقاف، وحاول الصحافي البريطاني (باتريك سيل) أن يحرك الجنود الأمريكان فلم يتحرك أحد، ونُهب المتحف العراقي ولم يتحرك أحد، ومع ذلك يريد الأمريكان إقناع العالم أنهم جاؤوا لنشر الديموقراطية وليس من أجل النفط!! ١٢ ـ اعتراف صريح: يكرر (بريمر) موضوع حل الجيش والشرطة، وكل مرة يعلل بأمر، لكنه يصرح بأنه وأحد مساعديه (والت) : ارتكبنا الخطأ المميت بتسريح القوات العراقية، ويبدو أن البنتاغون يمهد الطريق لتصحيح ذلك الخطأ. لكنه يدرك خطورة ذلك على التحالف الثلاثي ـ الأمريكي الكردي الشيعي ـ لهذا فهو يقول: إننا إذا أعدنا وحدات من الجيش القديم، فإننا نعرّض هذا التعاون للخطر، وربما ندفع الشيعة إلى معارضة الائتلاف ... ا. هـ (٦) ، أما اليوم فهناك مفاوضات جادة من أجل إعادة الكثير من الضباط. ١٣ ـ دعوة الكل وحضور خمسة فقط: بين (بريمر) ومجلس الحكم ود مفقود، وتهجم من قبل (بريمر) بمناسبة وبدونها، وقد دعاهم إلى (عشاء خاص بمناسبة عيد الشكر) لكن لم يحضر سوى خمسة فقط (أكراد وشيعة) (٧) . ظل (بريمر) يتهم مجلس الحكم بالتكاسل وعدم الفاعلية، وعدم الرغبة بالعمل، وفي كل مناسبة يسمع المجلس ما يهز البدن!! ١٤ ـ جئنا من أجل حرية العراق: السفير (بريمر) نسي مقولته عن جيش بلاده، وراح يتحدث قائلاً: ذكّرت العراقيين بأن شبابنا وشاباتنا اجتازوا نصف العالم للموت من (أجل حرية العراق) . علينا أن نفهم ما هي المخاطر التي تواجهنا اليوم، إننا نواجه تحدياً لمستقبل العراق، هل سيحكم القانون العراق؟ وهنا أستعيد ما قاله المسؤول الأمريكي عن الكويت: لو كان العراق يزرع الموز لما أرسلنا جنودنا للقتال فيه. فحرية العراق آخر ما يشغل بال السياسة الأمريكية. وأدلهم على مكان أفضل: فالحرية تقتل يومياً في فلسطين، وفي بلاد كثيرة رأس مالها أنها موالية لأمريكا عاشقة للدولة العبرية. فلماذا هذا التذاكي؟ ولماذا لم يذهب جيشكم إلى كوبا أو كوريا الشمالية مثلاً؟ ولماذا الإصرار على إرسال جيش إلى دارفور ومنع ذلك عن فلسطين؟

стр. 5804

تهديد الوهابين الأمريكيين عبد الله بن إبراهيم المسفر مقال نشر في (سان فرانسيسكو إجزامنر) ١١ نوفمبر ٢٠٠٢م، وفي (ديترويت نيوز) ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٢م، وفي (ذي مسلم أوبزفر) . لقد أصبحت مأساة ١١ سبتمبر ٢٠٠١م الآن فرصة للمشاريع الاستثمارية السياسية. هناك أناس أكثر فأكثر يستخدمونها لتحقيق التقدم للمصالح الطائفية التي غالباً ما تختلف مع المصالح القومية الأمريكية. وهناك مجموعة واحدة وهي (مجموعة من يسمونهم بالوهابيين الأمريكيين؛ والأصح أن يسموا بالمتعصبين الأمريكيين) تستخدم أكثر من غيرها أحداث ١١ سبتمبر لتنفيذ سياستها المتطرفة بروح الانتقام. إن كلمة (وهابي) في زعمهم تقدم تعريفاً لشكل أساسي للتفسير الضيق والمتعصب للإسلام. ويتسم أولئك الأمريكيون المزعومون بما يلي: ١ - معارضة الحقوق المدنية والعدالة بالنسبة للنساء والأقليات الأخرى. ٢ - يعادون العلمانية، ويؤيدون فرض الدين على الآخرين بالقوة. ٣ - لا يتسامحون على الإطلاق مع الآخرين الذين لا يشاطرونهم معتقداتهم الدينية نفسها. هؤلاء (الوهابيون) المزعومون؛ وبسبب نظرتهم غير المتسامحة وحساسيتهم تجاه قيم التحرر ومؤسسات التحرر ينغمسون على الدوام في (لاهوتية الكراهية) (١) . ولسوء الحظ فإن هناك مجموعة مماثلة للمتطرفين الدينيين المتعصبين في أمريكا تقوم بنسف الشخصية العلمانية لأمريكا، وتقلب رأساً على عقب رسالة السلام للنصرانية، وتقوم بتلويث البيئة الثقافية الاجتماعية في أمريكا. هؤلاء (الوهابيون الأمريكيون) مثلهم في ذلك مثل نظرائهم المسلمين؛ لا يتسامحون مع الشذوذ الجنسي، ولا مع الحركة النسائية، ولا مع الحقوق المدنية؛ كما أنهم لا يؤمنون بفصل الدين عن الدولة، ويكرهون أتباع الديانات الأخرى! هناك ثلاثة من أبرز القساوسة وأقواهم هم: (جيري فالويل) ، (بات روبرتسون) و (فرانكلين جراهام) يمثلون الوهابيين الأمريكيين من خلال الكلمات والخطب التي يلقونها. قد يتذكر القارئ أنه في أعقاب ١١/٩ مباشرة وجه (القس جيري فالويل) اللوم إلى مؤيدي الإجهاض والشذوذ الجنسي والحقوق المدنية؛ لأن هؤلاء قد أغضبوا الله بأفعالهم؛ مما تسبب في حدوث هجمات ١١ سبتمبر. لكنه اعتذر فيما بعد عمّا ورد في بياناته عندما اعترضت كافة الأطياف السياسية على ما قاله، بمن في ذلك الرئيس الذي وصف تعليقات (فالويل) بأنها: «غير مناسبة» كان بيان (فالويل) يخلو من الحياء، ويقدم مثالاً لا يتسم بأي حساسية لانتهازيته السياسية التي لم تسعَ فقط إلى تسييس مأساة (١١/٩) ؛ ولكنها سعت إلى إثارة الكراهية ضد الجماعات التي يستهدفها (فالويل) وأتباعه على الدوام. وإذا لم يكن (فالويل) قد جُوبه بقوة من جانب كل من عناهم؛ فإن حملته الصليبية ضد الحقوق المدنية ومن يمارسون الشذوذ الجنسي كان يمكنها أن تجد وقوداً لها في استغلال العواطف المرتبطة بـ (١١/٩) وبالتالي تكسب زخماً أكثر. خلال الأسابيع القليلة الماضية شن (الوهابيون الأمريكيون) حملة خطابية على الإسلام ورموزه الدينية، غير مدركين للكراهية التي يثيرونها ضد المسلمين في أمريكا، فضلاً عن المشاعر التي يثيرونها ضد أمريكا في العالم الإسلامي. لقد وصف كل من (القس فالويل) و (القس روبرتسون) نبي الإسلام بأنه، (إرهابي) وقالا: إن الإسلام وتعاليمه يمثلان مصدر العنف. وأعلن (القس فرانكلين جراهام) أن الإسلام وتعاليمه شريرة وخبيثة. وقد تبادلا فيما بينهما أدوار الخطابة لزرع الكراهية للإسلام والمسلمين خلال الشهور الثلاثة الأخيرة. إن رفض القيادة الأمريكية، وبخاصة رئيس الجمهورية، وضع حد لما يقومون به قد قوَّى من عزيمتهم، وبالتالي رفع مستويات فلسفة الكراهية لديهم التي يدعون إليها. لقد أثارت تعليقاتهم الغضب بين المسلمين على مستوى العالم، بما في ذلك الاضطرابات الدينية في الهند التي أدت إلى مصرع خمسة أشخاص. وكانت ردود أفعال العديد من الباكستانيين تتسم بالغضب، وقد عبروا عن رفضهم لذلك بالتصويت بقوة لصالح من يؤيد طالبان وضد التحالف الأمريكي في الانتخابات الأخيرة في باكستان. إن المشكلة مع من يدعونهم بـ (الوهابيين الأمريكيين) لا تكمن فقط في أفكارهم وفي صناعة الكراهية التي يمارسونها؛ لكنها تكمن في أنّ لديهم العديد من الموالين المؤثرين على نتائج الانتخابات؛ وبسبب أصواتهم وقدرتهم على جمع الأموال؛ فإنهم يمارسون قدراً كبيراً من النفوذ، وبشكل مباشر على الكونجرس الأمريكي وعلى الرئيس، يفوق ما يمكن أن يمارسه العلماء في الدول الإسلامية المحافظة من نفوذ. وفضلاً عن ذلك فإن هناك علاقة وثيقة بين الرئيس نفسه والقس (فرانكلين جراهام) وأعضاء آخرين في الإدارة مثل وزير العدل (أشكروفت) وهي علاقة تثير قلاقل شديدة. فهل من قبيل المصادفة أن تكون أول جماعة مستفيدة مالياً من توجه (جورج بوش) الفعلي لتأييد تمويل البرامج المستندة إلى الدين هي جماعة (القس بات روبرتسون) ؟! هل من الممكن أن يكون الهدف الرئيسي للمبادرة الفيدرالية لدعم البرامج المستندة إلى الدين؛ هو تمكين أولئك المتعصبين الأمريكيين من دمج برامجهم ضمن برامج الحكومة الفيدرالية؟ وأهداف هؤلاء المتعصبين تعود لتفعيل النبوءة الزائفة الخاصة بـ (صِدام الحضارات) . يبدو أن محور الكراهية الأمريكي الذي يضم كل من (فالويل، وروبرتسون، وجراهام) من خلال تكرارهم للتعليقات المسيئة للإسلام والمثيرة للكراهية له وللنبي محمد، مقصود بها إشعال معركة (أرماجيدون) بين أمريكا والعالم الإسلامي. عندما أحدث (إيجال عمير) هزة في العالم الغربي باغتياله لرئيس الوزراء الصهيوني (إسحاق رابين) ؛ أكدت القيادة الأمريكية ووسائل الإعلام الأمريكية بشكل متكرر: أن العنف كان هو النتيجة الطبيعية للبيانات التي تحث على الكراهية، لقد كانت كلها تشير إلى بيئة عدم التسامح التي أوجدها الصهاينة من خلال المتعصبين الدينيين اليهود الذين كانوا يعارضون السلام. لقد أدت تعليقاتهم المنطوية على الكراهية في النهاية إلى إثارة أحد المتطرفين اليهود وهو (إيجال عمير) ليقوم باغتيال (رابين) . ويبدو أننا قد نسينا بسرعة هذا الدرس القاسي وذكريات حادث اغتيال (رابين) رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق. إن المسألة مسألة وقت؛ فعندما تتكرر البيانات المناهضة للمسلمين والبيانات المناهضة للإسلام من قِبَل مَنْ يدعون إلى الكراهية في أمريكا؛ فإن ذلك سوف يترتب عليه شكلٌ مَّا من أشكال العنف الفظيع ضد المسلمين، وهناك حالات حدثت بالفعل من هذا القبيل؛ حيث قامت شرطة كاليفورنيا بالقبض على مسلحين بأسلحة ثقيلة يحتمل أن يكونوا إرهابيين يخططون للقيام بحملة تفجيرات ضد المسلمين، ويبدو أن القيادة الأمريكية، وبخاصة الرئيس الحالي، ينتظر حتى يحدث شيئاً فظيعاً قبل أن يوجه اللوم إلى القساوسة (فالويل) و (روبرتسون) و (جراهام) على «تعليقاتهم غير الصحيحة وغير المناسبة» . نحن نعيش في زمن حساس للغاية، فعدم شعور الناس بالأمان في تصاعد شديد، كما أن قدرتهم على المعاناة من الألم والتعصب والظلم يتم اختبارها بكل قسوة. إننا نواجه إمكانية اشتعال حرب عالمية بين أمريكا والعالم الإسلامي؛ والسبب الأساسي لهذه الحرب ـ لا سمح الله - لن يكون البترول، ولا الأجور الجيوساسية، ولا تغيير الأنظمة؛ لكن السبب سوف يكون الخطب المثيرة للكراهية التي لا يمكن السماح بها، والتي يلقيها المتعصبون الدينيون الذين يخلطون بين التقوى الذاتية والتقوى المصحوبة بإسباغ صفة الشيطان على الآخرين باسم الدين. منذ (١١/٩) شجب العديد من الأمريكيين، بمن فيهم المؤلف، وأدان تطرف الوهابيين المسلمين. لقد آن الأوان ليقوم الرئيس (بوش) بالإجراء الصحيح، وأن يشجب الكراهية التي يبشر بها المتعصبون الأمريكيون.

стр. 5805

الرد على من زعم جواز التبرك بالآثار النبوية المكانية علوي بن عبد القادر السَّقاف لقد أرسل لي أحد الفضلاء ـ جزاه الله خيراً ـ نسخة من كتاب بعنوان «الآثار النبوية في المدينة المنورة وجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها» مكتوب عليه: (وقف لله تعالى ١٤٢٧هـ) ، فشدّني عنوانه وبخاصة قوله: (وجواز التبرك بها) ، فقرأته على عجل، وشدّني أكثر تفسيره للآثار النبوية بالآثار النبوية المكانية، فعدْتُ له ثانية بعد أيام لأسجل هذه الملحوظات والوقفات مع الكتاب، ولو فسح الله في الوقت والعمر فسأفرد لهذا الموضوع كتاباً مستقلاً. يقع الكتاب في خمسٍ وسبعين صفحة من الحجم المتوسط، ويبتدئ بتقسيم الآثار إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: آثار تاريخية، كأنواع المباني والأواني والنقود القديمة، وهذا جعله الكتاب من اهتمام دارسي التاريخ والحضارة. الصنف الثاني: آثار خرافية، كالقبور والأضرحة. وهذا استنكره الكتاب ودعا لمحاربته جزاه اللهُ خيراً. الصنف الثالث: آثار إسلامية نبوية، وهذه يرى وجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها كما هو صريح عنوان الكتاب. وذكر للمحافظة على هذا الصنف أربع فوائد: الاعتبار بها، والتبرك بها، وأنها تساعد على دراسة السيرة النبوية، وأنها زينة للمدينة. وهذه الورقات تناقش الكتاب في دعوى جواز التبرك بهذا الصنف من الآثار. فدعوى الكتاب إذاً: وجوب المحافظة على هذه الآثار من أجل التبرك بها. هذا؛ وقد استدلَّ الكتاب على دعواه بأدلة لا تنهض للدلالة على تلك الدعوى بحال، ولذا أرى لزاماً بيان سرِّ الخلط الذي وقع بسببه الكتاب، ذلكم هو عدم التفريق بين التبرك والتعبد، أو قُلْ بين التبرك من جهة، وبين الاقتداء والذي منه شدة الاتباع للنبي # من جهة أخرى، وكذا عدم التفريق بين آثار النبي # التي هي جزءٌ منه ـ كنخامته، وشعره، أو ما لامس جسده الشريف الطاهر كماء وضوئه وملابسه ورمانة منبره التي كان يمسك بها أثناء الخطبة ـ وبين الأماكن التي جلس عليها أو صلَّى فيها أو مرَّ بها. أمَّا آثاره # سواءً كانت جزءاً منه ثم انفصلت عنه، أو خارجةً عنه لكنها لامست جسده الطاهر، فهذه هي التي كان الصحابة ﵃ يتبركون بها دون توسع، وربما استمر الأمر على ذلك سنوات معدودات ممن أتى بعدهم، ثم انقرضت الآثار وانقرض تبعاً لذلك هذا التبرك. أما تلك الأماكن التي جلس عليها أو صلى فيها ثم بمرور الزمن اندرس منها ما لامس جسده الشريف وبقيت البقعة المكانية كما هي، فهذه هي التي وقع فيها الخلط عند المؤلف كما هو الحال عند غيره، ولذا عدَّها بعضُ الخلف مما يُتبرك به. والتبرك معناه: طلب البركة، وهي زيادة الخير، ويكون بالأعمال كالصلاة والصيام والصدقة، وكل أمر شرعه الله ففيه بركة الأجر والثواب، ويكون بالذوات وآثارها، وقد تقدم أن ما كان بذات النبي # وما لامسها فهو جائز، والكتاب المذكور إنما يعني التبرك بالذوات سواءً لامست جسده أو لا، ولذا ذكر جواز التبرك بالمكان في الصفحات: (١٦،٢٣،٢٤،٢٥) ، وذكر جواز التبرك بالمواضع والآثار في صفحة (١٧) ، وذكر التبرك بالمسح على رمانة المنبر في صفحة: (١٣، ٢٥) . ومما يدل على أنَّ الكتاب يخلط بين هذين المعنيين ما قاله عن قول عتبان ﵁ لما طلب من النبي # أن يصلّي في بيته: «فاتخذه مصلّى» ـ وسيأتي الكلام عنه ـ، قال عنه تارة في (ص١٥) : «ومعنى قول عتبان هذا: لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلّي فيه» وقال تارة أخرى في (ص٢٣) : «أقرَّ النبي # عتبان على التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي #» . فهو تارة يجعل التبرك بالصلاة وتارة يجعله بالمكان. وقد استدل الكتاب على صحة دعواه بستة أدلة: الأول: حديث عتبان بن مالك الأنصاري ﵁ وطلبه من النبي # أن يصلّي في بيته ليتخذه مصلّى ففعل ﵊، والحديث في الصحيحين. الثاني: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ وأنه كان يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة التي كان النبي # يصلّي عندها، والحديث في الصحيحين. الثالث: تحرّي الصحابة ﵃ الصلاة عند أسطوانة عائشة ﵂، وهو حديث منكر سيأتي الكلام عنه. الرابع: حديث جابر بن عبد الله ﵄ وأنه كان يأتي مسجد الفتح ويدعو عنده، وسيأتي الكلام عنه. الخامس: ما ورد من تتبُّع عبد الله بن عمر ﵄ الأماكن النبوية تبرُّكاً بها. السادس: ما نُقل عن بعض أئمة السلف؛ كمالك وأحمد والبخاري. وقبل الإجابة عن هذه الأدلة أو الشبهات، لا بد من التأكيد على أنَّ جواز التبرك بآثار النبي # بهذا المعنى الذي ذكره الكتاب ليس مما قال به أحدٌ من سلف الأمة، بل ولا قال به أحدٌ من الأئمة الكبار عند سبر أقوالهم ومدلولاتها، وليس هو من باب ما يسوغ فيه الاجتهاد، ولذا فإن الرد على هذه الشبهات لا يتعلق بتصحيح حديث اختلف المحدثون فيه، ولا بتوثيق رجل اختلف علماء الجرح والتعديل في شأنه، ولا هو بمأخذ في دلالة لفظة، حمالة أوجه، وإنما هو في تصور الدلالة وانطباقها على الواقع، الأمر الذي غاب عن ذلك الكتاب. والرد على ما ذكره الكتاب سيكون ـ إن شاء الله ـ على وجهين: مجمل، ومفصّل. فأما المجمل، فيقال: لو كان الأمر كما قال الكتاب في (ص١٤) : «التبرك بما يسمى (الآثار النبوية المكانية) أي: الأماكن التي وُجد فيها النبي # أو صلى فيها أو سكن بها أو مكث بها ولو لبرهة» ا. هـ، لو كان المشروع من التبرك بآثاره # يبلغ هذا الحد، لكان حجم المنقول من ذلكم التبرك من أفعال الصحابة أكثر من أن يحصر وبما يغني الكتاب عن عناء تتبُّع الوارد في هذا الباب، ذلك أن عدد ما نَزَله النبي # من الأماكن يفوق العدّ والحصر، وما وطئته قدماه الشريفتان يتجاوز التعداد، ومع ذلك فلم يثبت عن الصحابة ﵃ أنهم تبركوا بالمكان الذي نزله، أو أنهم تتبَّعوا مواطئ أقدامه # لا في حياته ولا بعد وفاته كتبركهم بآثاره #؛ كشعره ووَضوئه ونخامته، دع عنك أن يتتابعوا عليه، فلما تركوه وهم من هم حرصاً على الخير وحباً للنبي # كان فيه أبلغ دليل على عدم مشروعية مثل هذا الصنيع بل وبدعيته وخروجه عن الهدي الأول. فدعوى التبرك بما مكث به ولو لبرهة دعوة للتبرك بغار حراء، وشعاب مكة، وجبال مكة والمدينة وسهولهما، وما لا حصر له من الأماكن. أمَّا الجواب المفصّل فيقال: أمَّا حديث عتبان بن مالك ﵁ فقد أورده بتمامه في (ص١٤) ثم قال: «والدلالة من هذا الحديث واضحة في قول عتبان ﵁: فأتخذه مصلّى، وفي إقرار النبي #. ومعنى قول عتبان: لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلّي فيه، قال الحافظ ابن حجر: وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي # أو وطئها، قال: ويستفاد منه أن من دُعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة. وقد علّق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على هذه الفقرة بقوله: هذا فيه نظر، والصواب أن مثل هذا خاص بالنبي #؛ لما جعل الله فيه من البركة، وغيره لا يُقاس عليه؛ لما بينهما من الفرق العظيم....» ، ثم قال الكتاب: «يفهم من كلامه هذا (أي: ابن باز) الإقرار بدلالة حديث عتبان على مشروعية التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي # وهو المقصود» ا. هـ. فأنت ترى هنا أن الدعوى أكبر من الدليل، فالدعوى هي وجوب المحافظة على آثار النبي # المكانية من أجل التبرك بها، حيث إنَّ من فوائد المحافظة عليها ـ كما ذكر في الفائدة الثانية ـ التبرك بها، فالكتاب يوجب المحافظة على هذه الآثار حتى نتمكن من التبرك بها، وأين في حديث عتبان، أو من كلام ابن حجر، أو حتى من كلام ابن باز المحافظة على هذه الآثار؟! غاية ما في الحديث أن عتبان ﵁ طلب من النبي # أن يصلّي في بيته كي يتخذه مصلّى. هذا أوّلاً؛ ثم بعد ذلك نأتي لمناقشة ما إذا كان ذلك للتبرك أم لا؟ فالحديث يحتمل احتمالات عدّة ذكرها العلماء: منها: ما نقله المؤلف عن ابن حجر. ومنها: ما لم ينقله المؤلف من قول ابن حجر في الصفحة نفسها: «ويحتمل أن يكون عتبان إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القِبْلة بالقَطْع» (هامش فتح الباري ١/٥٢٢) وقد كان ﵁ ضريراً. والاحتمال الثالث: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى ١٧/٤٦٨) حيث قال: «فإنه قصد أن يبني مسجداً وأحبَّ أن يكون أول من يصلّي فيه النبي # وأن يبنيه في الموضع الذي صلى فيه، فالمقصود كان بناء المسجد» . وقال في (اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٥٤) : «ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة رسول الله # فلا بأس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته، لكن هذا أصلُ قصدِه بناء مسجد فأحب أن يكون موضعاً يصلّي له فيه النبي # ليكون النبي # هو الذي رسم المسجد» ا. هـ. فأهل بيت عتبان ﵁ لم يُنقل عنهم أنهم فعلوا ذلك، ولا أحدٌ من الصحابة تبعه في ذلك وطلب من النبي # ما طلبه عتبان، مع أنَّ فيهم من هو أفضل وأحرص على الاقتداء بسنّة النبي # منه؛ كأبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ﵃، بل لم يُنقل عنهم حرصهم على التنفُّل في محرابه #. ثم إن هذا ينسحب أيضاً على النساء، فنساؤه في بيوته # لم يُنقل عنهن أنهن كنَّ يفعلن ذلك، أم أنَّ التبرك خاص بالرجال دون النساء؟! كلُّ ما في الأمر أن عِتبان كلَّ بصرُه، وفعل فعلاً كان يرى عليه فيه غضاضة، وهو صلاته في بيته، فأراد إقرار النبي # له على فعله، وأراد النبي # إكرامه ومواساته وهو الرؤوف الرحيم بصحابته وبالمؤمنين #. وقد ذكر الكتاب في (ص٢٣) أن عمر بن الخطاب ﵁ ذهب مع النبي # وأبي بكر ﵁ إلى بيت عتبان ﵁، وفي (ص١٤) قال: «وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب ﵁» ا. هـ، يعني بذلك حديث المعرور بن سويد والذي فيه إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على من قصد الصلاة في مكان صلى فيه النبي # وسيأتي، فهذا فقه عمر ﵁، وهو الذي ذهب مع النبي # إلى بيت عتبان بن مالك ﵁ كما ذكر المؤلف، فمن أَوْلى بالاتّباع؟! وأيّاً كان الأمر فلا يُعرف أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أو من أتى بعدهم، حافظوا على مصلّى عتبان ﵁ ليتبركوا به، إلا ما رواه ابن سعد في الطبقات (٣/٥٥٠) عن الواقدي أنه قال: «فذلك البيت ـ يعني: بيت عتبان ـ يصلّي فيه الناس بالمدينة إلى اليوم» والواقدي متروك كذاب. أمَّا الدليل الثاني وهو أَثَر سلمة بن الأكوع ﵁ فقد جاء في الكتاب المذكور في (ص١٧) : «وثبت عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه كان يتحرّى المكان الذي كان يصلّي فيه رسول الله # بين المنبر والقِبْلة، ففي الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ﵁ أنه كان يتحرّى موضع مكان المصحف يسبح فيه، وذكر أن رسول الله # كان يتحرّى ذلك المكان. وفي رواية في الصحيح أيضاً قال يزيد: كان سلمة يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت له: يا أبا مسلم! أراك تتحرّى الصلاة عند هذه الأسطوانة! قال: رأيت النبي # يتحرّى الصلاة عندها» ا. هـ. فأين في أَثَر سلمة ﵁ التبرك بالأسطوانة أو بالمصلّى خلفها، غاية ما فيه تحرّيه الصلاة عندها اقتداء بتحرّي النبي #، وهذا من جنس الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇ أو في مسجد قباء، مع أن الصلاة عندهما أَوْكد من الصلاة عند الأسطوانة؛ لما ثبت من فعله وقوله وترتيب الأجر على ذلك، ومع ذلك لم يقل أحدٌ من السلف أن الصلاة خلف المقام أو في مسجد قباء كانت للتبرك بالمكان، بل هو اقتداءٌ بالنبي #؛ طلباً للأجر لا لبركة المكان، ثم لو كان ذلك للتبرك فأين سلمة وسائر الصحابة ﵃ من محرابه #؟ وهذا ما سبق الحديث عنه من أنَّ الكتاب يخلط بين التبرك وبين التأسّي والاقتداء بالنبي #، ولذلك علّق شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى ١٧/٤٦٧) على حديث سلمة ﵁ بقوله: «وقد كان سلمة بن الأكوع يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة، قال: لأني رأيت رسول الله # يتحرّى الصلاة عندها فلما رآه يقصد تلك البقعة لأجل الصلاة كان ذلك القصد للصلاة متابعة» ا. هـ، فهي متابعةٌ قصداً للأجر وليست تبركاً بالمكان، ويتأكد هذا التخريج بأنَّ سلمة ﵁ وغيره من الصحابة كذلك ما كانوا يتحرّون كلَّ بقعةٍ صلى فيها النبي #، إنما كانوا يتحرّون ما كان يتحرّاه #، ومذهب الكتاب أن كل مكان مكث فيه النبي # ولو لبرهة فهو محلٌّ للتبرك وهو على خلاف مذهب سلمة المستدلّ بفعله، ثم أين في الأَثَر إشارة إلى التبرك المزعوم؟! غاية ما فيه تحرّيه الصلاة حيث تحرَّاها النبي #، ولو سلّمنا جدلاً أن التحرّي كان للتبرك فهو تبركٌ بما لامس جسده الشريف في ذلك الوقت، وليس تبرّكاً بالبقعة ذاتها، فلو أراد أحدٌ اليوم أن يصلّي خلف الأسطوانة تأسّياً فله ذلك، أما تبركاً فلا، أيتبرك بالفرش الأعجمية أم بأنواع الرخام المصنوع في الشرق أو الغرب؟! فليس ثمّة ما مسَّ جسده الطاهر صلوات الله وسلامه عليه. ومن الغرائب أن الكتاب يعدُّ هذا الأَثَر من قسم المرفوع حتى يعارض به أَثَر عمر بن الخطاب ﵁ فيقول في (ص٢٧) : «فهذا أَثَر موقوف على عمر ﵁ فكيف يناهض حديثين مرفوعين مقطوعاً بهما رواهما البخاري ومسلم، وهما: حديث عتبان، وحديث سلمة بن الأكوع المتفق عليه» . ولا أدري ما وجه كون حديث سلمة ﵁ مرفوعاً وهو من فعله واجتهاده بعد وفاة النبي #؟! أمَّا ثالث أدلته وهو تحرّي الصحابة الصلاة عند أسطوانة عائشة ﵂ فقد أورد فيه حديثاً منكراً، ولو صح فليس فيه دليل على التبرك، فقد جاء في الكتاب في (ص٢١) : «وأسطوانة عائشة كانت تسمى أسطوانة المهاجرين حيث كانوا يجتمعون عندها، وكان الصحابة يتحرّون الصلاة عندها، ذكر ذلك الحافظ في الفتح ... ، ثم قال: روى الطبراني في الأوسط عن عائشة، أن رسول الله # قال: إن في المسجد لبقعة قِبَل هذه الأسطوانة، لو يعلم الناس ما صلُّوا فيها إلا أن تُطَيَّر لهم فيها قرعة ... الحديث» ا. هـ. والحديث رواه الطبراني في (الأوسط ١/٤٧٥) من طريق عتيق بن يعقوب قال: حدثنا عبد الله ومحمد ابنا المنذر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ومحمد بن المنذر هو الزبيري يروي عن هشام أحاديث موضوعة ومنكرة، وعبد الله أخوه لا تُعرف له ترجمة. انظر: (السلسلة الضعيفة للألباني ٢٣٩٠) . والحديث ـ لو صح ـ ليس فيه دليل على أنهم كانوا يتحرُّون الصلاة عند الأسطوانة تبرّكاً، بل كان اقتداءً بالنبي #، بل إن الصحابة ﵃ كانوا يبتدرون السواري ـ وهي الأسطوانات وقد كانت من خشب ـ للصلاة عندها وجعلها سترة لهم، وهذا معروف مشهور. ثم إن الغريب من الكتاب أنه لم يكتفِ بأسطوانة عائشة المزعومة بل زاد عليها وقال في (ص٢٠) : «ومن الأماكن النبوية في الروضة الشريفة الأسطوانات الأخرى، وهي: أسطوانة السرير، وأسطوانة الحرس، وأسطوانة الوفود، وأسطوانة التوبة، وأسطوانة التهجد» . ولا أدري أيريد من الناس الذهاب إلى هذه الأسطوانات ليلتمسوا البركة عندها؟! مع العلم أن أيّاً من هذه الأسطوانات لم يرد فيها حديث خلا أسطوانة التوبة والتي تيب عندها على أبي لبابة ﵁ فقد ورد فيها حديث إسناده ضعيف، انظر: صحيح ابن خزيمة: رقم (٢٢٣٦) ، وضعيف ابن ماجه: رقم (٣٥٠) . أمَّا دليله الرابع فهو حديث جابر بن عبد الله ﵄ فقد جاء في الكتاب في (ص٢٣) : «وثبت عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه كان يأتي مسجد الفتح الذي على الجبل، يتحرّى الساعة التي دعا فيها النبي # على الأحزاب ويتحرّى المكان أيضاً ويقول: ولم ينزل بي أمر مهمٌّ غائظ إلا توخيت تلك الساعة فدعوت الله فيه بين الصلاتين يوم الأربعاء إلا عرفت الإجابة» . وجاء ـ أيضاً ـ في موضع آخر في (ص٥٩) بعد أن ذكر الحديث: «يقصد ﵁ أنه يتوخى الزمان والمكان، أي: يدعو في تلك الساعة في ذلك المكان الذي دعا فيه النبي # في مسجد الفتح، بدليل رواية البخاري في الأدب المفرد ولفظه:..» ثم ذكر اللفظ المتقدم آنفاً. وحديث جابر هذا رواه الإمام أحمد في المسند (٢٢/٤٢٥ بتحقيق الأرناؤوط) والبزار في مسنده. ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (١٩/٢٠٠) من طريق أبي عامر العَقَدي عن كثير بن زيد بلفظ: «إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة» ، وفي إحدى روايات البزار أنه: «يدعو في تلك الساعة في مسجد قباء» ذكرها المؤلف نفسه في (ص٥٩) ، ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/٧٣) وابن الغطريف في جزئه (ص١٠٧) . ومن طريقه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (ص٤٩) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد عن كثير بن زيد بلفظ: «إلا توخيت تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوت فعرفت الإجابة» . ورواه البخاري في الأدب المفرد (٢/١٦٧ مع الشرح) من طريق سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد بلفظ: «إلا توخيت تلك الساعة فدعوت الله فيه» . وأصح هذه الروايات إسناداً رواية أحمد؛ فأبو عامر أوثق من عبيد الله ومن سفيان، لذلك قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/١٤٢) : رواه أحمد والبزار وغيرهما وإسناد أحمد جيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/١٢) : رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات. وكثير بن زيد نفسُه فيه كلام انظر: السنن والأحكام (٤/٣٠٠) للضياء المقدسي، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/٨١٦) لابن تيمية. والحديث ضعّف إسناده الأرناؤوط في تخريجه المسند من أجل كثير بن زيد، وحسَّنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (١/٢٥٦) وصحيح الترغيب والترهيب (٢/٢٤) باللفظين معاً، وأنكر ابن تيمية أن يكون جابر ﵁ كان يتحرّى المكان، فقال في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٨١٦) : «ولم يُنقل عن جابر ﵁ أنه تحرّى الدعاء في المكان بل في الزمان» . ولو فرض ثبوته عن جابر بن عبد الله ﵄ فسائر الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافه، فلم ينقل عنهم هذا الصنيع، مع توفر الدواعي إلى نقله، فدلَّ على أن تركه هو السُّنّة. أمَّا تتبُّع عبد الله بن عمر ﵄ الأماكن النبوية فقال الكتاب في (ص١٧) : «وقد بوّب البخاري في صحيحه فقال: (باب: المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلّى فيها النبي #) ، وذكر فيه أحاديث فيها تتبّع عبد الله بن عمر ﵄ هذه المواضع والتبرك بها، ومثله سالم ابنه ﵁ كان يتحرّى هذه المواضع، ويُفهم من تبويب البخاري وذكره هذه المواضع أنه يرى مشروعية التبرك بذلك» . وفي (ص٢٣) قال: «ولذلك لم ينقل أن عمر أنكر على ابنه عبد الله شدة تتبّعه الأماكن النبوية وتبركه بها، بل لم يرد عن أيِّ أحدٍ من الصحابة أنه أنكر عليه ذلك، فهم وإن لم يُنقل عنهم أنهم كانوا يفعلون ذلك مثله لكن عدم إنكارهم يدل على مشروعية فعله ﵁» ا. هـ. والعجب لا ينقضي من صنيع هذا الكتاب! فقد زعم أن ابن عمر ﵄ كان يفعل ذلك تبركاً، وليس فيما أورده ما يشير إلى ذلك، ثم زعم أن البخاري من تبويبه السابق ذكره يُفهم منه أنه يرى مشروعية التبرك، فبنى خطأً على خطأ، والبخاري بريء من ذلك، ثم زعم أن عمر ﵁ لم ينكر على ابنه، وسيأتي أنه أنكر على ما هو أشد من ذلك، فماذا يريد الكتاب من كل ذلك؟! وهاكم نص الحديث كما أورده البخاري، ولنفتّش سويّاً عما زعمه الكتاب من تبرك ابن عمر ﵄ بهذه الأماكن، قال البخاري: «حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا فضيل بن سليمان قال: حدثنا موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرّى أماكن من الطريق فيصلّي فيها ويحدث أن أباه كان يصلّي فيها وأنه رأى النبي # يصلّي في تلك الأمكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلّي في تلك الأمكنة وسألت سالماً فلا أعلمه إلا وافق نافعاً في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء» ا. هـ. فأين في هذا الحديث أن ابن عمر ﵄ كان يتبرك بهذه الأماكن حتى يرتب عليها الكتاب كلامه السابق؟! وكذا تبويب البخاري: (باب: المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلّى فيها النبي #) أين فيه مشروعية التبرك بهذه المساجد والمواضع التي صلى فيها النبي #؟! وهذا يؤكد ما ذكرته من أنَّ مبنى خطأ الكتاب هو الخلط بين ما كان يفعله الصحابة اقتداءً واتباعاً للنبي # وما كانوا يفعلونه تبركاً. أما زعمه أن عمر ﵁ لم ينكر على ابنه عبد الله فجوابه: أنه أنكر على جمع من الصحابة فعلوا فعل ابن عمر ﵄، فعن المعرور بن سويد الأسدي قال: «وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فلما انصرف إلى المدينة، وانصرفت معه، صلى لنا صلاة الغداة، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] و ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ، ثم رأى أناساً يذهبون مذهباً، فقال: أين يذهبون هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجداً ها هنا صلّى فيه رسول الله #، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذه يتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعاً، ومن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصلِّ فيها، ولا يتعمدنها» . رواه الطحاوي في مشكل الآثار (١٢/٥٤٤) واللفظ له، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/٣٧٦) ، وهذا الأَثَر صحّح إسناده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١/٢٨١) والألباني في تخريج فضائل الشام (ص٤٩) وقال في الثمر المستطاب (١/٤٧٢) : وهذا إسناد صحيح على شرط الستة. والحديث صريح في إنكار عمر ﵁ على من فعل ذلك، وهذا الإنكار كان أمام جمعٍ من الصحابة، مع أن هذا الدليل ليس خافياً على ذلك الكتاب، فقد سبقت الإشارة إلى أن الكتاب قال في (ص١٤) : «وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب ﵁» ، فالكتاب يذكر حديث عمر الذي أنكر فيه على من فَعَلَ فِعْلَ ابنه عبد الله ثم يقول: ولم يُنقل عن عمر أنه أنكر على ابنه! ومن نظر في سيرة عمر ﵁ يجدها مُطَّرِدَةً في إنكار مثل هذا الصنيع، حتى إنه أمر بقطع الشجرة التي بويع النبي # تحتها لما بلغه أنَّ ناساً يأتونها ويصلون عندها، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٧٥) ، وقال ابن حجر في الفتح: «ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر ﵁ بلغه أن قوماً يأتون شجرة فيصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت» ، أما على رأي الكتاب فإنه تجب المحافظة على الشجرة، ويجوز التبرك عندها كذلك! قال ابن تيمية ـ كما في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٧٥٦) ـ: «كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنه تحرّى الصلاة في مصلّيات النبي #، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنّته وأتبع لها من غيرهم» ، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ـ الذي عدَّه الكتاب ممن يجيزون التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي # كما سبق نقله عنه ـ: «والحق أن عمر ﵁ أراد بالنهي عن تتبُّع آثار الأنبياء سدّ الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه ﵄ وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر، وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك؛ لأنه في حديث عتبان قد قصد أن يتأسّى به # في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها فإن التأسّي به فيها وتتبّعها لذلك غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب والله أعلم» (هامش فتح الباري ١/٥٦٩) . ثم إنَّ عبد الله بن عمر ﵄ كان من شدة تتبّعه النبي # يحب أن يقضي حاجته حيث قضاها رسول الله # كما ثبت ذلك عنه في مسند الإمام أحمد (١٠/٢٩٤ رقم ٦١٥١ بتحقيق الأرناؤوط) ، وصحيح البخاري (٢/٥١٩ رقم ١٦٦٨) ، فهل كان ذلك منه تبركاً؟! أمَّا استشهاده بأقوالٍ لأئمة السلف كمالك وأحمد والبخاري فقد قال في (ص٢٥) : «ومشروعية التبرك بالأماكن النبوية هو مذهب البخاري كما ذكرنا (يعني: تبويبه في كتاب الصلاة، باب: المساجد التي على طريق المدينة، وسبق الرد عليه) ومذهب البغوي، والنووي، وابن حجر، بل هو مذهب الإمام أحمد ﵀ وقد استدلّ الإمام على ذلك بأن الصحابة كانوا يتبركون برمانة المنبر، يتبركون بالموضع الذي مسته يد النبي #، وهو مذهب مالك، فقد روى أبو نعيم في الحلية أن هارون الرشيد أراد أن ينقض منبر النبي # ويتخذه من جوهر وذهب وفضة فقال له مالك: لا أرى أن تُحرم الناس من أَثَر النبي #، وسبق كلامه في استحباب صلاة النافلة في مكان مصلاه # من مسجده» ا. هـ. يعني بذلك ما ذكره في (ص٢٠) أن مالكاً سئل: أي المواضع أحب إليك الصلاة فيه؟ قال: أما النافلة فموضع مصلاه، وأما المكتوبة فأول الصفوف. والذي يهمنا هنا هو النقل عن الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والبخاري، وبغضِّ النظر عن صحة أسانيد هذه الأقوال فأين هي مما يدعو إليه الكتاب من المحافظة على آثار النبي # المكانية للتبرك بها؟! فكلام الإمام أحمد عن رمانة منبره #، وكلام الإمام مالك عن نقض المنبر هو عمَّا مسته يد النبي # لا عن آثاره المكانية، فأين هو المنبر اليوم وأين رمانته؟! أمَّا ما نقله عن الإمام مالك وأنه يرى أفضلية صلاة النافلة في موضع مصلاه فهذا على سبيل الاقتداء لا التبرك، وقد قال ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها (ص١٠٨) : «وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي # ما عدا قباءً وأُحداً» يعني: شهداء أحد. وقال ابن بطال في شرح البخاري (٣/١٥٩) : «روى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الرسول #، فقال: ما يعجبني ذلك إلا مسجد قباء» ، أما الإمام أحمد فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٧٥٤) : «وأما أحمد فرخَّص منها فيما جاء به الأَثَر من ذلك إلا إذا اتخذت عيداً، مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم» يعني: حتى ما جاء فيه الأَثَر كمسجد قباء يشدد فيه الإمام أحمد إذا اتخذ عيداً، فماذا بعد ذلك؟! ومن عجائب هذا الكتاب أنه يدعو إلى التبرك الآن بشرب ماء الآبار التي سقط فيها خاتم النبي # قبل أربعة عشر قرناً، وذلك في (ص١٣) : «ومنه ـ أي: التبرك ـ قصدُ الآبار النبوية التي نُقل أنَّ النبي # تفل فيها أو صبَّ وضوءه فيها، أو سقط شيء من متعلقاته فيها، كبئر أرِيس التي سقط فيها خاتمه بقصد التبرك بالشرب منها، فهذا أمر مشروع؛ لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي #، لا فرق في الحكم بينه وبين وَضوئه # الذي كان الصحابة يتسابقون إلى التبرك به» ا. هـ. وهذا لا أعرف أحداً سُبِق إليه. وقوله: «لا فرق في الحكم بينه وبين وَضوئه» غير صحيح، فالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فَرَّقوا بينهما فكانوا يتبركون بوَضوئه، ولم يُنقل عنهم أنهم كانوا يشربون من ماء بئر أرِيس تبركاً بعد سقوط خاتم النبي # فيه من يد عثمان ﵁ كما في الصحيحين. \ الخلاصة: أنَّ التبركَ بآثار النبي # الحسيَّة كبطنه وشعره ونخامته وكذا ما لامس جسده الطاهر الشريف كوَضوئه وملابسه؛ صحيحٌ، قد فعله الصحابة ومن بعدهم بعض التابعين ثم عفا الفعل كما عفا الأَثَر. وما قَصَدَه النبي # للصلاة أو الدعاء عنده من الأماكن كمسجد قباء ومقام إبراهيم ﵇ فقصدُه للصلاة أو الدعاء اقتداءً به سنّةٌ مستحبة، أمَّا التبرك بها فبدعةٌ منكرة. وأمَّا ما لم يقصده من الأماكن فالصحيح عدم قصد الصلاة عنده إلا إذا وقع اتفاقاً كأن يصلي منها دون تعمّد أو تحرٍّ. أمَّا وجوب المحافظة على الآثار النبوية المكانية لغرض التبرك عندها فلم يقل به أحدٌ من العلماء المعتبرين، وفتحه فتح باب شرٍّ وفتنة. والله أعلم وصلى الله وسلّم على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5806

من مآسي الحياة مي علي صالح أطلقت بصري متأملة في كل ما يدور في هذه الحياة فعاد إليَّ حزيناً فزعاً مما رأى، فأطلقته أخرى علَّني أجد ما ينسيه جولته الأولى فعاد إليَّ كما كان في الأولى مع يأس شديد اعتراه. لم تكن هذه النظرات والتأملات إلا في زاوية معينة من حياة البشر وما أدراك ما هذه الزاوية؟ هي في نظري سبب من أسباب تخلفنا وتقهقرنا، وأقول من الأسباب؛ لأن الضعف والتأخر لم يأتِ بسبب واحد، بل هو لأسباب مجتمعة من كل جانب من جوانب حياتنا. ولكن ما هالني هو جانب واحد ولا أريد أن أظلم الناس كلهم بأنهم واقعون في هذه المأساة؛ فقد قال ﷺ : «إذا سمعتَ الرجل يقول: هلك الناس؛ فهو أهلكهم» ، صحيح البخاري. المتأمل في حال بعض الناس يشعر بالأسى وبكثرة أتباع الهوى على خلاف قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] . فمثلاً لنشاهد حياتهم بالنظر إلى الأسرة التي هي أساس المجتمع؛ فمنها تتخرج العقول ورجال التاريخ، ومنها كذلك تُمْلأ السجون. إذا تأملت يوماً أسرة عربية فستذهل من حقيقة أن هناك كائنات تعيش بهذه الطريقة. فمن منطلق الأسرة سنستعرض ما تحويه من بعض المشكلات المسببة لتخلفنا، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: ١ - انعدام الهدف: وهو أول هذه المعضلات، ويظهر في أسباب الرغبة في الزواج منذ البداية؛ فرغبة بعضهم في الزواج لا تعدو أن تكون لإشباع غريزة جنسية أو رغبة في الاستقرار، أو هروباً من كلام الناس وأسئلتهم، أو حباً في الحصول على ولد. وهذه الأمور ليست بالمحرمة أو الممنوعة، ولكن وضعها كهدف تنطلق الحياة باتجاهه هو الخطأ والدمار عينه، وقد قال ابن القيم: (للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية. فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له. فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها. والثلاثة العالية: علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده. والقلوب جوالة في هذه المواطن) . فمن كان كما ذكرنا تاركاً أهداف الآخرة ولقاء الله فأي دنيا ستعمر من تحت يديه، وأي جيل سينشأ وهو في تحركاته كالآلة يؤدي ما عليه من واجبات سواء كان - الزوج أو الزوجة - غير واضع في ذهنه ما إذا كان هذا العمل الآلي متقناً أو لوجه الله أو بنية خالصة؛ فبهذه الأمور ينال الأجر وهو لا يدري. ولكن بعض الناس يحرمون أنفسهم حتى من الأجر في أعمالهم الدنيوية فتصبح حياتهم دنيوية بحتة، فصار كمن عشق الدنيا فنظَرَتْ إلى قدرها عنده فصيرته من خدامها وعبيدها وأذلته، ومن أعرض عنها نظرتْ إلى كبر قدره فخدمته وذلت له. وقال رسول الله ﷺ : «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرِج الله لكم من بركات الأرض» فقيل: ما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا» . فعلاقة الإنسان بالدنيا كما قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: (للإنسان في الدنيا حظ وله في إصلاحها شغل؛ فهما علاقتان: الأولى: علاقة مع القلب، وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها. أما العلاقة الثانية: مع البدن، وهو اشتغاله بإصلاحها. ولو عرف الإنسان نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها لعلم أن الدنيا لم تخلق إلا لبقاء البدن؛ فإنه لا يبقى إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن، ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا وإنما استغرقتهم بجهلهم بالدنيا وحكمتها) . فالمقصود أن لا يترك الدنيا بالكلية، ولكن يأخذ منها قدر الزاد. وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل، فيحقق بذلك التوازن والعدل في أمر الدنيا واضعاً نصب عينيه هدفاً يعيش لأجله يكون سبباً في دخوله الجنة. ٢ - سوء التربية: فلننقل بصرنا الآن إلى جانب آخر من جوانب المآسي الأسرية وهو تربية الأولاد، وهذا موضوع يطول ومكانه وتفاصيله في كتب الدين والمآثر وعلوم النفس، ولكن نذكر هنا جزءاً بسيطاً مما تفشى في مجتمعنا. فهناك أولاد يولدون في هذه الحياة، فلا يجدون أمامهم إلا أسوأ الأمثلة من سوء تعامل بين الأبوين مع بعضهما إلى طريقة كلامهما وتفكيرهما. فتحزن اشد الحزن عندما ترى أبوين تافهين رُزِقا بأطفال، فتتأمل هذا المشهد متخيلاً: كيف سيكون الأطفال في كنف أبوين كهذين إلا أن يتغمد الله الأولاد برحمته ويهديهم إلى الصواب؟ فالطفل بجوهره خلق قابلاً للخير والشر، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين لقوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» . وعن أبي حفص البيكندي، وكان من علماء سمرقند، أنه أتاه رجل فقال: (إن ابني ضربني وأوجعني. قال: سبحان الله! الابن يضرب أباه؟ قال: نعم! ضربني وأوجعني. فقال: هل علمته الأدب والعلم؟ قال: لا. قال: فهل علمته القرآن؟ قال: لا. قال: فأي العمل يعمل؟ قال: الزراعة. قال: هل علمتَ لأي شيء ضربك؟ قال: لا. قال: فلعله حين أصبح وتوجه إلى الزرع وهو راكب على الحمارِ، والثيرانُ بين يديه، والكلبُ من خلفه وهو لا يحسن القرآن فتغنى، وتعرَّضتَ له في ذلك الوقت فظن أنك بقرة؛ فاحمدِ الله حيث لم يكسر رأسك) . والله! إن القلب ليتفطر لرؤية ولد بين أبوين جاهلين أكثر من رؤية اليتيم المسكين؛ فجاهل الأبوين ناهيك عن جهلهما بالدين وادعائهما أنهما يربيان أبناءهما أحسن تربية وهي تسير في الاتجاه المعاكس للشرع والسنن؛ ففي الوقت نفسه يربى بينهم كالبهائم تأكل وترعى وتنام؛ فلا مبدأ غُرِسَ، ولا أخلاق نُمِّيت ولا روح غُذِّيت. فإذا كان الولد صالحاً كان أجره لوالده. فإن كان الوالد لا يعلِّمه القرآن والعلم، ويعلمه طريقة الفسق فإن وزره يكون على أبيه من غير أن ينقص من وزر ولده شيء. قال ﷺ : «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . ٣ - المداومة على المزاح والإفراط في الضحك: فلننتقل بأبصارنا إلى آفة أخرى يعتبرها البعض روح الحياة وانتعاشها، بل هي لديهم الحياة وبدونها فليكن الطوفان ألا وهي آفة المزاح وكثرة الضحك. قال الحسن البصري: (يا عجباً من ضاحك ومن ورائه النار، ومن مسرور ومن ورائه الموت) . فإن قلت: المزاح مطيبة وفيه انبساط وطيب قلب فلِمَ يُنهى عنه؟ قلنا كما قال أبو حامد الغزالي ﵀: (فاعلم أن المنهي عنه الإفراط فيه أو المداومة عليه، أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل، واللعب مباح ولكن المواظبة عليه مذمومة. وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك، وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال وتسقط المهابة والوقار) . فهذا سيد الخلق ﷺ يمزح وهو حاملُ هَمِّ الأمة، ولا يخفى علينا المواقف التي تخبرنا بمزاحه ولكنه قال: «إني لأمزح، ولا أقول إلا حقاً» . فنعيب على أهل زماننا كثرة المزاح والضحك بسبب وبدون سبب حتى أصبحت المجالس والاجتماعات ما هي إلا مركز لاستعراض الأشخاص لقدراتهم في إضحاك الآخرين وإظهار روحه المرحة، وأن له حضوراً في المجلس مع أن هذا الحضور وعدمه سواء عند أصحاب العقول؛ فقد قال رسول الله ﷺ : «ويل لمن يكذب ليضحك به الناس، ويل له، ويل له ـ ثلاث مرات» . فكفى بهذه الكلمات لنا رادعاً حتى نقلل من المزاح الذي بكثرته نكاد نجزم أنه لن يخلو من الكذب والمبالغات؛ فإن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها من حوله فيسخط الله بها فيصيبه السخط فيعم من حوله. واعلم أن أكثر الناس ضحكاً في الدنيا أكثرهم بكاء في الآخرة. فالمسلم يحزن لرؤية مجتمعه غارقاً في التفاهات، همه الترويح عن نفسه وتتبع النكات والمهازل محتجين بان ما يمر عليهم في يومهم من شقاء وعمل يحتاج بعده إلى الترويح عن النفس حتى إننا نرى الآن في شبكة الإنترنت مواقع فُتحت خصيصاً لتبادل النكات والقصص الهزلية والمواقف السخيفة، وأكاد أجزم أن مثل هذه المواقع تضم أكبر عدد من المشاركين والأعضاء مما يعكس ثقافة عالمنا العربي. حتى في ما يسمى بالمنتديات التي يغرك بعضها وتشعر بأنك وجدت ضالتك في البحث عن منتديات هادفة تروي ظمأك وتعطُّشك للحصول على العلم أو تبادل الحوارات الجادة. فبعد تصفح كامل لها تجد أن قسم المنوعات أو الترفيه أو أياً كان اسمه، دائماً له قصب السبق في المشاركات الهائلة والنشاطات المتناهية؛ فما كان اسم المنتدى وتصنيفه إلا غطاء ما يلبث أن يُزال، فتظهر المعلومات الضحلة والاتجاهات الحقيقية لأصحابه ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد قال عمر بن الخطاب ﵁: (من كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح استُخف به) . فالميزان في ذلك أن تمزح ولا تقول إلا حقاً، ولا تؤذي قلباً، ولا تفرط فيه، فمن الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليها. فخراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر. شاب الصبا، والتصابي بعدُ لم يشبِ وضاع وقتك بين اللهو واللعبِ وشمس عمرك قد حان الغروب لها والفيء في الأفقِ الشرقيِّ لم يغبِ فهنئوا أبصاركم بالعودة سالمة بعدما رأت وعاينت؛ فهذا غيض من فيض عسى الله أن يرحمنا ويهدينا. فلا أملك في النهاية إلا أن اختم بهذا القول لابن القيم ﵀ قال فيه: (لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فِطَرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى رُبِّي فيها الصغير، وهرم عليها الكبير فلم يروها منكراً. فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مكان العقل، والهوى مكان الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف؛ والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل. فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور، وأهلها هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلها هم المشار إليهم) «الفوائد لابن القيم» .

стр. 5807

منتدى القراء الدعوة إلى الله.. والصبر على الأذى مقام الدُّعاة إلى الله من أرفع المقامات، كيف لا وهم يتجشمون الكثير من الصعاب في سبيل الدعوة. وبقدر حجم الابتلاء يكون حجم الثواب المقدّر لصاحبه، ولذا نجد أن باب الصبر هو الباب الذي يدخل منه الداعية إلى الله، ويتجلّى ذلك الصبر في تحمّل أنواع الأذى التي يلقاها من الناس في دعوته. ولعلَّ من الأمور التي يمكنها إعانة معشر الدُّعاة على طَرْق باب الصبر استصحاب الوضع الدعوي الراهن، ومعرفة المرحلة التي تجتازها الدعوة الآن، فللدعوة مراحل تشبه إلى حدٍّ ما مراحل حياة الإنسان: طفولة ثم مراهقة ثم نضج. فهذه المراحل الثلاث تناظر المراحل الثلاث التي تمرّ بها الدعوة إلى الله في الأمة؛ فالمرحلة الأُولى وهي مرحلة ابتعاد الأمة عن منهجها القويم تقابل مرحلة ما قبل البلوغ، وفيها نجد أن الدُّعاة إلى الله يعانون كثيراً في عملية إحياء القيم الدينية وابتعاثها من جديد، وهذه تمثلها مرحلة ما قبل الصحوة الإسلامية. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة إقبال الأمة على المنهج القويم والتي تناظر مرحلة المراهقة نسبةً لما يعانيه فيها الدُّعاة إلى الله من المشقة والمعاندة، وذلك لأن الإقبال يكون بعنف شديد يطغى على المعايير، وتصحب هذه المرحلة الغلو في الدين وكثرة الجدال والجُرأة على الدُّعاة والكثير من المظاهر السلبية. فإذا لم يقابل الدُّعاة إلى الله هذه النفوس بسعة الصدر والحنو الزائد والشفقة والرحمة؛ فإن زمان مكوث الأمة في هذه المرحلة سيطول حتماً. وها نحن الآن نعايش مرحلة المراهقة؛ فإذا تغلب الدُّعاة على عقبات مرحلة المراهقة دخلت الأمة المرحلة الأخيرة في دائرة الدعوة ألا وهي مرحلة الوسطية. فعلى الدُّعاة أن يعدّوا لكل مرحلة عدّتها من الصبر، وأن يتيقّنوا حقيقة أن الله مع الصابرين. المهندس: أحمد نورين دينق أيها الأسد.. متى؟! ارتمتْ بين يديّ خريطة في هيئتها صورة للَيْث يثبُ على فريسته، تراه قد طار في الجو كالنسر سرعة، ولكنها سرعة ساكنة فوق أرض الواقع وفي ثنايا الخريطة. حملقت بنظري في هذه الخريطة، تأمّلتها، فإذا بي أجد فيها نهرين عظيمين، فهذا دجلة وهذا الفرات باقيان على مرِّ الزمان. وها هي الموصل، بل ها هي سامراء خالية، وهذه هي بغداد وقد سكن عزّها، وهذه الكوفة وقد أرهقتها صروف الدهر. إنه العراق الذي ضرب بمجده جذور التاريخ، ورافق الحياة في مسيرتها، ذاقَ حلاوة المجد، وعزة الإسلام، ورفعة العلم زمناً، ثم ذاق مرارة الظلم، والذّل والجهل، والبدع زمناً آخر. آهٍ! فكم من حرقة تشعل الكبد ناراً، وكم من لوعة تذيب القلب كمداً، كلما طرق ذكر العراق قلبي المحزون، إنه وطن من أوطان الإسلام. فكم أنجب لنا من مجد في سالف الأيام، وغابر العصور. كم من معين صافٍ للعلم كان فيه جنى منه العلماء أطايب الحكم والعلوم. وكم من صحراء فيه كانت نعم الكنانة للغة القرآن العظيم. وكم من عندليبِ شعرٍ صدح في ميادينها. آهٍ يا عراق المجد! كم من ركب سار طروباً بعبق ذكراك. وكم من خليفة فيك قد أعلى راية الجهاد. وكم من جيوش انطلقت من حماك. وكم من شرفٍ قد حيز لك. وكم من نصر ناله الإسلام بك. وكم من قوافٍ حِسان قد نُظمت فيك مدحاً. كم وكم، فآهٍ ثم آهٍ ثم ألف آه من أعماق الفؤاد على مجدك الذي اندرس في هذه الأيام! أيا عراق المجد! أين صولتك؟ وأين آباؤك؟ وأين مجدك؟ هل اطمأنت جوانحك إلى مجدك السالف؟ أم هانت في نفسك نشوة الانتصار؟! هل تنازلت عن مكانتك؟ أم تواضعت لغيرك ليأخذ مكانك في القيادة؟ هل نسيت دورك وتاريخك؟ أم أصابتك لوثة الذّل؟ أيئست من النصر؟ أم صدقك المنجمون؟ أماتت أبطالك؟ أم تبددت في نفوسهم الهمم؟ أنزعت تاج قوتك للأبد؟ أم نزعته لتعيد تنظيمه؟ كم تألم الروح يوم لا تسمع لك صوتاً مدوّياً يزيل ما أنت فيه من مآسٍ عظيمة. يا عراق المجد! لن نيأس أبداً من انتظار عودتك إلى ميادين العزة والقوة، فالخير بين ذرّات رمالك، وبين جريد نخيلك، الخير في شبابك وفي أبطالك وفي روابيك وفوق سهولك. ولكن يبقى في القلب المتلهف سؤال يدوّي صداه في الأعماق: متى تعود أيها الأسد؟ متى؟ متى؟ القارئة: وميض الأمل وعدُ الإله واصلوا حربكم.. أيها الرافضون لذلِّ الحياة.. وخذوا حذركم.. من ولاء بني جلدتي للغُزاة.. أَحْرقوا بلظى صدقكم.. صَلَف الماكرين الطُّغاة.. وارفعوا عن سمانا.. هزائمنا العاصفات.. وانعموا بالرِّضا.. أيها الواثقون بوعد الإله.. غازي المهر تنويه: في عدد رمضان وفي مقال «حزب الله على أي أساس يقاتل» وكاتبه: عبد المنعم شفيق، وُضِعَ بطريق الخطأ عنوان بريد إلكتروني لكاتب آخر من كُتَّاب المجلة، والعنوان الصحيح للكاتب: (nahl@gawab.com) .

стр. 5808

حادي المنى والمنايا على هشيم دولة الطوائف صالح عبد الله الجيتاوي حادي المُنى والمَنايا كيف أمسيت موثقاً في الزوايا كيف أخنت عليك قارعة الدهر المَهيب العُتُلُّ ذو المرتقى الصّعب أذهبت ريحك الجهالة حكماً لست أدري والنار تنهش روحي مثلَ شاة الحراج تفتح فاها نظرة الحزن تلك أم رَهَق منذ تسعين والبوار مقيم ذَلَّ من ذلل الرعية والدار ظلمة القبر للعشيرة خيرٌ منذ جاست بين الصدر وأقامت فوق عشرين غير أن مداها ركّعاً سجّداً ولكن لغير وإذا ما انثنت إلى الدار هزتها أَسلمتنا للذلِّ حتى كأنَّا أمعنت توسع القلوب دماراً لم تزل ريحها تَصِرُّ وتذرو وهي أضحوكة الزمان إذا ما صدئت في قلاعها فتداعت شيع النائبات لا بارك من بناها، من حكاها، من غذاها وأنت ابنها: زناد الرزايا أداروك في المحافل نايا لم يزل في الزمان يطوي البرايا أَأُداري شماتتي أم أَسايا بئسما أوردت فتاها الخطايا الكبر يواري حرائقاً في الحنايا وكبار النفوس راحت شظايا وأوهى عراه وزر الدنايا من ظلام الأحزاب سود النوايا دول العار تُبَّعاً وخزايا عند باب السفير يزجي العطايا الله في معبد الخنا كالمطايا وأحصت على العباد النوايا عندها أهل ذمّة لا رعايا ملأتها عقارباً وعظايا بيدر الأهل في شعاب الخفايا صهلت في البطاح خَيْل المنايا أنتنت في كهوفها كالبغايا الله عليها ولا تلاها بقايا من طواها، وهل تبوح الطوايا جلجل السخط حين أبدعك اللؤم كسيراً مذللاً كالسّبايا أم عتاب على الزمان، فما أعتب دهر، ولا أقال الضحايا أم شموخ على القيود فيا ليت شموخ الإسلام قاد السرايا

стр. 5809

حماس.. مصير القضية لا مصير الحكومة ياسر الزعاترة عندما تمَّ التوافق بين الأُطر القيادية في حركة حماس على دخول الانتخابات كان ثمّة إجماع على أن المشاركة في الحكومة ليست واردة، وأن المطلوب هو مشاركة برلمانية تمنح الحماية لبرنامج المقاومة من جهة، وتحول دون تكرار تجربة النصف الثاني من التسعينيات من القرن الماضي، حين سارت قاطرة (أوسلو) واستهدفت الحركة ومؤسساتها وقادتها بمختلف أشكال الاستهداف. كان التقدير الذي استند إليه القرار، يتمثل في أن مرحلة مفاوضات جديدة هي في طور الانطلاق بسبب تغير المعطيات العربية والدولية، وهي مرحلة تشبه إلى حدٍّ كبير مرحلة (أوسلو) مع فارق أن القيادة الفلسطينية الجديدة لا تؤمن بالمقاومة المسلَّحة بأيِّ حال، وترى استمرار التفاوض، ولو إلى يوم الدين. في المقابل كان البرنامج الإسرائيلي الذي تبنَّاه شارون هو تأبيد النزاع، عبر مشروع الحلّ الانتقالي بعيد المدى، أو مشروع الدولة المؤقتة على قطاع غزة وأقل من نصف الضفة الغربية، وهي دولة سيكون لها نزاعها الحدودي مع جارتها اليهودية، نزاع ليس مكانه ساحات الحروب ولا البنادق والرصاص، بل الجهود الدبلوماسية في الأروقة الدولية. حدث ذلك بسبب تطورات دولية وإقليمية وعربية بالغة الأهمية، فهناك ـ ابتداءً ـ إدارة أمريكية لم يعرف لها مثيل في مستوى الانحياز للهواجس الصهيونية، وهي ذاتها التي منح رئيسها في نيسان ٢٠٠٤م وعداً لشارون بشأن مفاوضات الوضع النهائي شبّهه المراقبون بوعد بلفور، وهناك أيضاً وضع دولي متراجع أمام الولايات المتحدة بعد الاجتياح السهل للعراق، فضلاً عن تأثير اليهود في القرار الأوروبي، بخاصة في فرنسا، فيما لا تميل روسيا والصين إلى أيِّ شكل من أشكال الصّدام مع الإدارة الأمريكية من أجل ملفات شرق أوسطية ما دام بالإمكان المساومة عليها مقابل مكاسب أخرى تهمُّ البلدين في قضايا أكثر أهمية بالنسبة إليهما. هناك ما هو أسوأ ممثلاً في تراجع الوضع العربي أمام الولايات المتحدة، أكان بسبب ضغوط ملف الإصلاح الذي استخدم مرحلياً في سياق الابتزاز، أم بسبب الخوف من الضغوط الأمريكية بعد احتلال العراق، أم بسبب الفزاعة الإيرانية التي استخدمت لاحقاً، وفي بعض الحالات العربية هناك ملفات داخلية خاصة، مثل: ملف التوريث في مصر. في مثل هذه الأجواء دخلت حماس الانتخابات من أجل حماية نفسها وبرنامجها، لكن النتيجة كانت مفاجأة؛ ليس فيما يتعلق بحجم حضور حماس، بل في نزاهة الانتخابات، والأهم خلافاتها الواسعة التي أفضت إلى النتيجة المذكورة، لاسيما في الدوائر الانتخابية التي تنافس فيها أكثر من مرشح بعضهم من ذوي السمعة السيئة، مع العلم أن الفارق بين الحركتين في نتيجة نظام القائمة لم يكن كبيراً، ولو كانت الانتخابات كلها وفق ذات النظام كما في الدولة العبرية لكان بوسع فتح أن تشكل الحكومة مع الآخرين، في حين ستكون حماس في المعارضة بنسبة (٤٥%) . هنا لم تجد حماس بدّاً من تجاهل قرارها بعدم المشاركة في الحكومة، إذ لا يمكن أن تدير ظهرها لمن انتخبوها ومنحوها الثقة، وهكذا مالت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، الأمر الذي وُوجه بفيتو واضح من طرف فتح، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل تمَّ التوافق في أروقة الحركة على جملة من السياسات، أهمها: حرمان الحكومة الحماسية من معظم الصلاحيات؛ الأمنية، السياسة الخارجية، الإعلامية، وحتى الإشراف على المعابر، وصولاً إلى تأشيرات الحج والعمرة! ومن ثم العمل الحثيث على استدراجها نحو خطاب سياسي جديد يشوّهها تمهيداً لإقصائها، إما بترتيب يجري التوافق عليه لاحقاً، أو حتى بانتظار نهاية المدة البرلمانية إذا لزم الأمر، حيث يمكن حينها ترتيب الانتخابات بطريقة مختلفة. من هنا بدأ التآمر على الحكومة بمشاركة الأطراف العربية الخائفة من المدِّ الإسلامي، والأمريكية والدولية والإسرائيلية، وكل ذلك بالتنسيق مع حركة فتح التي تركز هدفها في التشويه قبل الإقصاء، الأمر الذي بدا أقل أهمية بالنسبة للآخرين، لاسيما الأطراف العربية المعنية بالتخلّص من الحكومة بأيّ وسيلة. هكذا فرض الحصار المحكم على الحكومة، وحتى الأموال التي جمعتها لم تتمكن من إدخالها إلى الأراضي المحتلة بسبب تهديد البنوك من قِبَل الولايات المتحدة، في حين جرى دعم الرئيس الفلسطيني وتضخيم حرسه الرئاسي وتزويده بالأموال والأسلحة. لكن ذلك لم يخف بحال أزمة الأطراف المختلفة في مواجهة الحكومة التي منحت مهلة ثلاثة شهور للسقوط فلم تسقط، ولولا ملف الرواتب لكانت الحكومة في وضع معقول، وهو ملف عجز ـ رغم أهميته ـ عن دفع الناس إلى العصيان المدني، والسبب هو أن عودة الوضع القديم تمثل كابوساً بالنسبة للكثيرين، وما يفعله مسلّحو فتح بالناس في الضفة الغربية لا بد أن يدفعهم نحو مزيد من التمسك بالوضع الجديد، وفي العموم فإن الأمل بحلِّ معضلة الرواتب يظل قائماً ويمكن للناس أن يتدبّروا الأمر انتظاراً لذلك الحل، لاسيما أن مساعدات كثيرة لا زالت تتدفق على الناس المحتاجين بما يحقق الحدّ الأدنى، فيما يؤمل أن يتمرد الأوروبيون على التوجه الأمريكي ويتوقفون تبعاً لذلك عن سياسة حجب المساعدات بعد أن منحوا واشنطن ما يكفي من الوقت لحلِّ المعضلة دون جدوى. لا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، ذلك أن خيارات الانقلاب العسكري من خلال دعم الحرس الرئاسي وسواه من الأساليب المباشرة، قد تفضي إلى اقتتال داخلي، كما قد تفضي ـ وهو الأهم بالنسبة للإسرائيليين ـ إلى انهيار السلطة، وصولاً إلى تصعيد شامل يخشاه الأمريكان تبعاً لغرقهم في المستنقع العراقي والأفغاني، إلى جانب أزمة كوريا الشمالية التي أثّرت سلباًَ على مطاردة إيران. لكن التصعيد الإسرائيلي الأخير والتلويح بعملية عسكرية واسعة ضد القطاع قد تشير إلى جراحة من نوع آخر تنطوي على محاولة لاستعادة الهيبة بعد هزيمة لبنان من جهة، كما تسعى من جهة أخرى إلى ضرب حكومة حماس عبر شلِّ قدرات الحركة العسكرية من أجل تسهيل الانقلاب عليها داخلياً تحت ذريعة وصول الوضع الفلسطيني إلى طريق مسدود، لكن أمراً كهذا لا يعني حلاً للمعضلة بالضرورة، كما أن نتائجه ليس مضمونة. عربياً يبدو موقف الأطراف التي تناهض حكومة حماس في غاية الحرج أمام الشارع بعد ظهورها في الصف الأمريكي الإسرائيلي، فيما الفلسطينيون يناشدون العرب والمسلمين فكَّ الحصار من حولهم. أما خيار الانتخابات الجديدة التي يلوح بها البعض فلا يبدو مقنعاً، ليس فقط لأنه انقلاب مفضوح وغير مبرّر على عملية ديمقراطية نزيهة يستبطن مناشدة للناس إعادة النظر في اختيارهم فقط من أجل الرواتب! بل لأن نتائجها غير مضمونة أيضاً. من المؤكد أن أزمة الأطراف المشار إليها وبخاصة فتح قد نتجت بشكل أساسي عن العجز عن استدراج حماس إلى خطاب التراجع، وفي حين نجح قادة السلطة في الحصول على موافقة الحركة على ما عرف بوثيقة الأسرى، إلا أن الإضافات التي وضعت في مقدمة الوثيقة حالت دون القول: إن حماس قد اعترفت بالاحتلال، الأمر الذي دفع إلى تكتيك آخر يسمى محددات البرنامج السياسي لحكومة الوحدة الوطنية، وهي محددات تتضمن الاعتراف بالمبادرة العربية وما وقّعته منظمة التحرير من اتفاقات، فضلاً عن تغييب مصطلح المقاومة. ولما رفضت الحركة ذلك تعثّر مشروع حكومة الوحدة الوطنية بدعوى أن الوضع الدولي لا يقبل حكومة لا تعترف بالدولة العبرية. الآن يمكن القول: إنه ليس أمام حماس غير مواصلة الإصرار على حكومة الوحدة؛ لأن خيارات الانقلاب العسكري عليها ليست سهلة، ربما بسبب قوتها العسكرية في قطاع غزة، وإن تكن ضعيفة في الضفة، والأهم بسبب الخوف من تداعيات أمر كهذا على السلطة برمّتها، كما أشير من قبل. أيّاً يكن الأمر؛ فقد تأكد الآن أن الأزمة ليست أزمة حماس وإنما أزمة الآخرين الذين حوّلوا القضية الفلسطينية إلى قضية رواتب، وهم أنفسهم الذين رهنوا حياة شعبهم بإرادة محتلّيه، وهي معادلة يمكن كسرها لو وافقوا على حكومة الوحدة ووضعوا العالم العربي أمام مسؤولياته، ما يعني أن المسؤولية تقع عليهم، لاسيما أن ما يبشرون به لا يعدو متاهة تسوية جديدة لن تأتي إلا بأسوأ بكثير من حصاد (أوسلو) . يطرح البعض هنا حكومة كفاءات أو تكنوقراط، الأمر الذي بدا قابلاً للنقاش ـ بحسب البعض ـ لكنه خيار فاشل في أيِّ حال، ليس فقط بسبب استحالة تسيير الوضع في ظل سيطرة فتح ومليشياتها على السلطة، بل أيضاً بسبب مسار التفاوض التالي، وهو ما يدفع حماس إلى رفضها والإصرار على حكومة الوحدة، أقلّه إلى الآن. من المؤكد أن حكومة حماس تعيش أزمة، لكن أزمة الآخرين ليست أقل شأناً، بمن فيهم الإسرائيليون الذين خرجوا مهزومين من لبنان، والأهمّ الأمريكيون الذين يتخبطون في أفغانستان والعراق ومع كوريا الشمالية وإيران وأمريكا اللاتينية، بل مع روسيا والصين أيضاً. حماس في ضوء ذلك ليست قلقة، وخيارها هو الصمود وكسر الحصار بكل السُّبل المكنة، مع التمسك الواضح بالثوابت، أما الحكومة ومصيرها فمشهد عابر في مسلسل صراع تاريخي كبير، ويبقى الأمل في تجاوز فتح لثأرها والموافقة على تشكيل حكومة الوحدة على قاعدة المقاومة وليس الاستسلام لبرنامج العدو، أما إذا أصرت على استمرار التآمر، فإن نجاحها في إقصاء الحكومة يبدو وارداً، لكن ذلك لن يكون مهماً إلى حد كبير ما دامت الجماهير تعرف الحقيقة، وما دام المتآمرون قد فشلوا في ضرب ثوابت الحركة التي انتخبت على أساسها، لاسيما أن مصير رحلتهم التفاوضية الجديدة لن يكون أفضل من رحلتهم السابقة، ما يعني العودة من جديد إلى برنامج المقاومة الوحيد القادر على تحقيق الإنجازات للفلسطينيين.

стр. 5810

٢٣٢ - ذو الحجة - ١٤٢٧ ه ـ (السنة: ٢١)

стр. 5811

عودة الحجاب تعد حركات (تحرير!) المرأة من أقدم المشروعات العلمانية التغريبية في بلادنا الإسلامية. ولم تتعرض قضية من قضايا الأمة للتشويه والتلبيس كما تعرضت له قضية الحجاب. لقد صور إعلامنا العربي الحجاب على أنه رمز من رموز التخلف الحضاري والانحطاط الثقافي، وارتفعت الأصوات التغريبية بكل حدة تسخر منه بكل ألوان السخرية والاستهزاء! وبعد عقود متتابعة من ذلك الكيد والمكر: هل تخلّت المرأة المسلمة عن حجابها..؟ الواقع يحدثنا بأن عودة النساء إلى الحجاب أصبحت ظاهرة متصاعدة؛ ففي بلد مثل تونس يصنَّف الحجاب رسمياً على أنه (زي طائفي!) وتحاصَر المرأة المحجبة حصاراً مستفزاً في دوائر العمل والمؤسسات العامة، ومع ذلك فالحجاب هو السِمَة السائدة في الشارع التونسي، ليس في الأرياف والمدن الصغيرة؛ بل في العاصمة والمدن الكبيرة..! وعندما تتأمل تصريحات وزير الثقافة المصري الأخيرة بشأن الحجاب والمحجبات، تدرك يقيناً أنها تصريحات المحبَط الذي يرى الجهود التغريبية تتآكل كل ثمراتها، وتذبل بوضوح في الشارع المصري، وحسبك أن تنظر إلى ردود الفعل الغاضبة من كافة شرائح المجتمع المصري، التي أصبحت أكثر وعياً وإدراكاً بطبيعة تلك المعارك المفتعلة. إنها بكل وضوح عودة صادقة للحجاب. لقد وجدت المرأة المسلمة أن الحجاب ليس مجرد رمز تقليدي أو شعبي لا معنى له؛ بل هو رمز ديني تعتز به وتفخر.. وجدت فيه معنى العفة والكرامة.. إنه شعيرة لا تقبل المساومة أو المزايدة..!!

стр. 5812

إمبراطورية المحافظين الجدد: الداية والنهاية صالح عبد الله الجيتاوي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ، وهذا ما يعنيه الله ـ جل وعلا ـ وهو يحذِّر أهل الكتاب مما فعله رجال دينهم من تحريف الكتب الإلهية المنزلة على أنبيائهم. فقد رأينا وقرأنا التحريف في كتبهم المقدسة في مختلف طبعاتها لا سيما وقد فضحهم العلماء والباحثون والمتخصصون في مقارنة الأديان. وبالاطلاع على كتاب العلاّمة (موريس بوكاي) المعنون بـ (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) يتضح للقارئ الكريم مصداق ذلك؛ حيث يرى التناقض والكذب وما لا يليق في حق الرسل والأنبياء. والمحافظون الجدد هم أصلاً من المهاجرين الأوائل إلى أمريكا؛ إذ ينحدرون من (الأنجلو ـ ساكسون) القادمين من الجزيرة البريطانية (ويدينون) بالبروتستانتية، وتتالت بعدهم الهجرات الأوروبية الأخرى القادمة من ألمانيا وإيرلندا وإيطاليا وبولونيا، وسُموا بـ (التحالف العظيم) . وجاءت بعدهم الهجرات اليهودية التي استطاع اليهود بتنظيمهم الداخلي وعصبيتهم، التي يصعب معها اندماجهم في المجتمع الجديد، وظلوا عنصراً متميزاً داخل هذا التحالف، وأبَوْا إلا أن يكون لهم فيها حصة. والمحافظون الجدد ليسو جدداً إلا في إعادة ممارسة دورهم؛ فالفكر المحافظ هو لب القيم الأمريكية منذ تأسيس دولتهم؛ ولكن خلاياهم النائمة عادت للظهور المتطرف في برامجهم ومبادئهم (١) . ويُعَدُّ المحافظون الجدد أول جماعة صغيرة شكَّلها اليهود الليبراليون خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الميلادي الماضي، وقد لعبت عوامل كثيرة في تكوين الثقافة الأمريكية المؤثرة حقاً في سلوكهم؛ ومن هذه العوامل: التراث اليهودي والنصراني اللذان حملا الثقافة الغربية، ويعتبر اليمين النصراني المتطرف أساسها في أمريكا بمعظم فئاته؛ حيث يسود الأوساط البروتستانتية بصورة خاصة. ويمكن تلخيص المبادئ الأساسية التي يؤمنون بها على النحو التالي: ١ ـ دعواهم عصمة الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد! ٢ ـ اعتقادهم أن كل حرف كتبه مؤلفو (الكتاب المقدس) بجميع أسفاره هو وحي من الله أو من الروح القُدُس الذي حل فيهم كما يزعمون! ٣ ـ القراءة الحرفية للكتاب المقدس واعتقادهم دقة نبوءاته بكل تفاصيلها. ٤ ـ زعمهم تحقُّق جميع النبوءات على الأرض! ٥ ـ قولهم بحتمية الصراع بين قوى الخير (جيش المسيح) والمنتمين إليه! وقوى الشر وهم (جيش الشيطان) والمنتمون إليه، وانتصار قوى الخير في معركة هرمجدُّون كما يزعمون. ٦ ـ ربطهم المباشر بين يهود اليوم والدولة العبرية؛ ولذلك سُمي اليمين المتطرف بـ (النصارى المتصهينين) (١) . وانتشر فكر المحافظين الجدد في أمريكا بشكل خاص، وفي أوروبا كذلك، فلا يكاد يوجد بلد دون أن يكون فيه حزب للمحافظين، وهم الذين ناصروا الإدارة الأمريكية اليمينية في حروبها المجنونة ضد الإسلام والمسلمين فيما يسمى بـ (الحرب على الإرهاب) فانتكست أحزابهم بفشلها لمناصرتها تلك الحرب الغاشمة، وتساقُطِ رؤسائها سواء في أسبانيا أو إيطاليا؛ وبريطانيا ربما على الطريق. ومن أبرز ما يتسم به أولئك المحافظون هو دعوة كل النصارى، وخاصة (البروتستانت) إلى دعم الدولة الصهيونية ليكونوا مهمين ـ بزعمهم ـ في ميزان الله، وليس ذلك حباً في اليهود؛ بل للاعتقاد بأن اليهود ستقوم دولتهم في أرض الميعاد (أي فلسطين) فهي مكان دولتهم الذي يعتقدونه محطة نزول المسيح ﵇ في عودته الثانية (٢) . وهذه هي عقيدة (بوش) الذي جاء لأبوين متدينين (بوش الأب) و (باربارا بوش الأم) عام ١٩٣٦م، وانتقل به أبوه وهو صبي إلى (تكساس) التي أصبحت موطنه ومكان صعود نجمه السياسي؛ فهو في البداية لم يسر على خطى والديه المتدينين؛ بل كان مدمناً على الخمر ومتسبباً في إزعاج زوجته (لورا) التي كانت صاحبة الفضل في إقناعه بالكف عن الشراب والأخذ بيده إلى الكنيسة، ولكن الرجل الذي انتقل به نقلة جذرية من حياة الإدمان واللهو إلى حياة الأصولية هو القس (بيلي جراهام) الذي هو بمثابة شيخه، ويعتبر أبرز وجوه اليمين النصراني المتصهينين في أمريكا، وكان ابنه (فرانكلين) هو الذي قام بالصلوات في تدشين (رئاسة) بوش الابن لأمريكا. فهل سُعار (بوش الابن) الديني هو مصدر قوته وطاقته؟ أم هو مصدر ضعفه وسوء تقديره للأمور؟ والأخير فيما نحسب هو الصحيح؛ وليس هذا رأي أعدائه ومنتقديه فقط؛ بل هو قول مساعديه ومقربيه. فقد ذكرت صحيفة (النيوزويك) أن مستشاري الرئيس يدركون ذلك، وكثير من المحافظين والدارسين يعتبرونه قد أعمته معتقداته المتطرفة وأفقدته بصيرته عن رؤية الآثار السلبية في غزوه للعراق في٢٠ مارس ٢٠٠٣م، والتي سقط فيها آلاف المدنيين والعسكرين الأمريكيين، و (خطابات فخامته!) تذكِّر بخطابات المستعمرين في القرن الـ ١٩ وأوائل القرن العشرين عند حديثهم فيما يزعمونه عن مسؤولية (الرجل الأبيض) والهمّ الذي يحمله بين جنبيه، والعبء الملقى على عاتقه لنشر الحضارة وتمدين الشعوب المتوحشة!! ويأخذ بعضهم على فخامته! نظرته التي تتسم بها رؤيته الشخصية والسياسية؛ فالكاتبة الأمريكية (دانا مليابانك) تشير إلى أن الحرب على العراق اعتبرها بوش سياحة؛ بينما سماها الكثيرون مغامرة كارثية، لكن بوش يعتبرها من واقع عقيدته (حتمية تاريخية) . وقبل ذلك غزوه لأفغانستان وما لاقاه الجيش الأمريكي من قتل وإبادة؛ إلا أن إسقاطهم لإمارة طالبان لم يسقط معها تأثيرها في المجتمع الأفغاني، بل عادت للمقاومة من جديد وسامت الأمريكيين سوء العذاب، وبالرغم من ذلك فـ (الرئيس بوش) يعتبر قيادته لرئاسة أمريكا، بزعمه، أمراً إلهياً واختياراً ربانياً؛ كما جاء في (الواشنطن بوست) في ٢٩/٢/٢٠٠٢م، وتكرر ذلك كثيراً في غمرة حربه الإعلامية على الإرهاب، وهذا ما أسمته الكاتبة السابقة الذكر: «روح السذاجة التي تتسم بها خطاباته وقراراته» فضلاً عن اتهامه بالغباء وهو ما أطلقه عليه الرئيس الجنوب أفريقي السابق (نيلسون مانديلا) ، والكاتب الأمريكي الساخر (مايكل مور) في كتابه (رجال بيض أغبياء) . وثمة مآخذ على الرئيس بوش ومَنْ وراءه من مدرسته الأصولية النصرانية الذين يمثلون اتجاهات أصولية أساسها العنف والكراهية والتكبر في وقت تحتاج فيه البشرية إلى التواضع والإنصاف، واعتماد النسبية في تقويم الأفراد والأمم؛ فلا يوجد من البشر المعاصرين من هو شرير بشكل مطلق ولا خيِّر بشكل مطلق كما يريد بوش أن يوهمنا في كثير من خطاباته ورؤاه؛ فهو ليس إنساناً ذا بعد واحد؛ مما يفسر شخصيته تفسيراً أحادياً، فشخصيته مركبة من الحماس الديني والنفعية السياسية (٣) . \ مظاهر الإخفاق في الإدارة الأمريكية: منذ بدايات الرؤى المتغطرسة والسياسات المتهورة التي تبنتها الإدارة الأمريكية في سياساتها المخالفة للعقل الرشيد والفكر السديد، والتي أصبحت ظاهرة للعيان، أصبحت محل النقد والرفض من قِبَل كل المنصفين من الكُتَّاب والساسة والمفكرين، لما تحمله من اتجاهات منحرفة ومنها: ـ الرؤى العنصرية للمحافظين الجدد: وبخاصة محاباتهم الدولة العبرية على حساب الحق الفلسطيني ووقوفهم مع الصهاينة بشكل واضح، والسكوت عن سياسات (اليهود) الخرقاء وتصرفاتهم العدوانية؛ بل والدفاع عن الصهاينة ضد القرارات الأممية التي أدانتهم وإفشالها باستخدام حق الرفض (الفيتو) لمصلحة العدو الصهيوني، مما كانت معه محل النقد والتذمر لا سيما من دولة لها وزنها العالمي، وهذا بلا شك عدوان على الحق واستهتار بالحقيقة لا يقره عاقل. وإذا عرفنا سياسات الحزب الجمهوري المتطرفة ومنها مناصرتهم للباطل، فمندوبهم في هيئة الأمم (جون بولتون) الذي عُيِّنَ بأمر رئاسي رغم أنف الكونجرس؛ حين عرف فشل حكومته وانهزام حزبه استقال مؤخراً وهو أحد رموز اليمين المتطرف، بعدما علم كذلك أنه على كف عفريت. ـ الفشل في الحروب الاستباقية: وهي الحروب التي نادى المحافظون بها ضد غيرهم، وخاصة من يرون فيهم تهديداً لهم. فالدعاوى التي قدموها تسويغاً لغزو العراق، بزعم وجود أسلحة الدمار الشامل لدى الحكومة العراقية السابقة قبل الغزو، قد عرف الجميع كذب هذه الدعاوى، ومنذ تم الغزو إلى الآن لم يعثروا على تلك الأسلحة المزعومة، وقد حرثوا العراق طولاً وعرضاً ولم يجدوها. ـ النقد الموضوعي الذي يقوم به المنصفون في أمريكا ضد المحافظين الجدد: أصبح نقد القوم محل الإعجاب من الرأي العام الأمريكي. فمثلاً كتابات ومؤلفات المفكر المعروف (نعوم تشومسكي) حيث هاجم في كتاباته العلمية الناقدة سياسات الإدارة الأمريكية؛ مما هو معروف للجميع، وكتب الاقتصادي الأمريكي الشهير (جورج سورس) في كتابه (فقاعة التفوق الأمريكي) ما سلط به الأضواء على اقتصادهم؛ ففي الجزء الأول الذي عنونه بـ (رؤية ناقدة) فكَّك وانتقد وهاجم واتهم، وفي الجزء الثاني المعنون بـ (رؤية بنَّاءة) قدم البدائل؛ فصاغ ما رآه حلولاً ومقترحات تُخرج أمريكا من الوحل الذي ورطها فيه الرئيس بوش، وانتقد إدارته المحافظة؛ حيث رأى أن حكومة أقوى دولة على وجه الأرض في يد من يرى أنهم مجموعة من المتطرفين الذين سماهم بـ (الدارونية الاجتماعية) ويعني بهم اليمين المحافظ الحاكم؛ حيث دعوا إلى انتقال أمريكا إلى الهجوم والسيطرة العالمية من دون تحفُّظ؛ ليضمنوا بقاءهم على موقعهم القيادي لهم في القرن الحادي والعشرين، وبحسب هذا المشروع يجب على أمريكا أن تنطلق لتحقيق أهدافها غير آبهة بأحد، وأنها لن تتعاون مع الدول أو مع الأمم المتحدة إذا ما رأت أن مصالحها ممكن تحقيقها من دون ذلك؛ لأن عليها مواجهتهم بالقوة العسكرية والحسم، وأنها يمكن أن تقوم بذلك من دون تردد. ووضح الكاتب فشل مشروعهم (القرن الأمريكي الجديد!) وختم حديثه عن أنه لن يمر وقت على أمريكا، حتى يتدهور وضعها في العالم في وقت قياسي (١) . هذه بعض الأسباب التي أدت إلى فشل الحزب الجمهوري الحاكم بعد الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي بعد سقوط بعض أعضائه وانتقال بعضهم للحزب الديمقراطي الذي نال الأغلبية، وهناك دعوات أمريكية لإنقاذ الرئيس من المحافظين الجدد الذين اختطفوه وارتهنوه في سياساته المتهورة، وفي حروبه الفاشلة التي سبق الإشارة إلى بعضها يوم خدعوا الشعب الأمريكي بمنطلقاتهم. ونتيجة لهذا الفشل تساقط أعضاء الإدارة الأمريكية؛ فاستقال وزير الدفاع (رامسفيلد) وكذلك مندوبهم في هيئة الأمم (جون بولتون) ، والحبل على الجرّار، وفوز الحزب الديمقراطي ـ فيما نحسب ـ بسبب غضب الشعب الأمريكي من بوش وحكومته في سياساتها المتطرفة التي هي محل النقد والسخط من المواطن الأمريكي الذي يرى أهمية محاكمة الرئيس على جرائمه، وكذلك محاكمة رموز حزبه اليميني المتطرف على ما اقترفوه في حق شعبهم والشعوب الأخرى التي نالها الظلم والدمار بسبب سياسات الحزب الجمهوري الحاكم المتهورة. فمن يردُّ للآباء والأمهات فلذات أكبادهم؟ ومن يرد للمظلومين حقوقهم المنتهكة؟ ومن يرد لأمريكا سمعتها التي وصلت إلى الحضيض في انتهاكها حقوق الإنسان؟ بينما هي تتبنى بكذب مكشوف اتهامات كثيرة من الدول لحقوق الإنسان، وهي أول من انتهكها وداسها منذ تأسيسها بإبادة الهنود الحمر! فإلى متى تبقى أمريكا أسيرة للصوت الصهيوني؟ حيث وصلت الإدارة الأمريكية إلى حال لا تحسد عليها من الضعف. ولا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى ما ذكره مؤلفا كتاب (أمريكا لوحدها: المحافظون الجدد والنظام العالمي) أن الأحداث الأخيرة التي مرت بأمريكا أثبتت ما يلي: ١ ـ خطأ المنهج الذي سار عليه المحافظون الجدد. ٢ ـ خطأ نظرية نشر الديمقراطية الأمريكية بالقوة. ٣ ـ استيقاظ الرأي العام الأمريكي، وعدم تصديقه لما يحدث من نكبات تبنتها حكومتهم. وهذه بداية النهاية للمحافظين الجدد. وقد توقع المؤلفان ردود فعل داخلية وعدائيه ضدهم (٢) ؛ فقد مل الشعب الأمريكي مبادئ القوم وفشلهم في تحقيق أهدافهم المتطرفة مع الخسائر الكبرى التي تكبدوها. وصدق الله العظيم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ .

стр. 5813

دروس من الحج في زمن التغيير محمد بن عبد الله الخطابي حين تشتد الهاجرة وتلفح الوجوهَ سمومُ التبديل والتخذيل والبدعة، ويسطعُ غبارها ابتغاء الفتنة عن الحق وابتغاء التأويل بما يرضي المشرق والمغرب؛ فإن الملجأ يكون إلى المحاضن الآمنة والمعاهد الحصينة. وحين يُوري المبطلون زند العوائق ويتطاير شررها فإن الرِّي والرَّواء والمرتعَ والمغتبق هناك في حمى «النص» وفسطاط التسليم للكتاب والسُّنة وفهم السلف. ولا زال المصلحون وأصحاب الدعوات وأرباب التغيير، من العلماء العاملين والحكام المقسطين والمجاهدين الصادقين، يثوبون إلى ذلك المأزر الرشيد، ويركبون له الصَّعب والذلول موئلاً وثمالاً، وقد وثقوا؛ أنه لا يُصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به وعليه أولها. ويصوَّنون ويحذَرون أن يواقعوا خُطَّة التبديل، أو أن يجذبهم شَرَك البدعة عن سيرهم إلى الله. قال ابن وضَّاح ـ عليه رحمة الله ـ فيما رُوي عن بعض السلف: «يأتي على الناس زمان يسمّن الرجل راحلته حتى تعقد شحماً، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقصاً، يلتمس من يفتيه بسنَّةٍ قد عُمل بها فلا يجد من يُفتيه إلاّ بالظن» ، قال ابن وضاح ـ سنة ٢٨١ ـ: سمعت سحنوناً ـ أحد علماء المالكية المشهورين ـ يقول منذ خمسين سنة: «إني أظن أنّا في ذلك الزمان، فطلبت أهل السُّنة في ذلك فكانوا كالكواكب المضيء في ليلة مظلمة» (١) . ـ وقال ابن عبد البر في التمهيد ـ في حديث لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه ـ: «وذلك لمَا يحدث فيه من المحن والبلاء والفتن، وقد أدركنا ذلك الزمان كما شاء الواحد المنان لا شريك له، عصمنا الله ووفقنا وغفر لنا. آمين» (٢) . ولئن كان السالفون الصالحون الأولون يخافون أشد الخوف ويحذرون من ذلك أشد الحذر وهم في زمن الراية والرواية وصَوْلة السنة فلئن يحذر أهل زماننا أوْلى وأجدى وأجدر ... لذا فهذه وقفات خيِّرات، تبضُّ بمروفها تلك المواسمُ المباركة الفاضلة وتستجلبها المشاعرُ من المشاعر، مهَّد لقطب رحاها النظرُ في حال الأمة والتفكر الحثيث في مشروع نهضتها وسبيل ارتقائها، وإذ اعتاد علماء أمتي وطلابُهم في هذه المواسم المباركة عقد حِلَق الفقه والعلم؛ لتدارس مسائل الحج ومناسكه وأحكامه، فنِعمَ إذاً رديف ذلك أن يُتحدث عن تلك الفوائد واللطائف والدروس، في الدعوة والمنهج والتغيير والأسباب والسنن الثابتة، التي يغذوها الحج بمناسكه ومواطنه ونصوصه.. إذ لا يرعى الهشيم من وَجَدَ الجميم، ولا ينتجع الغيث في أقطاره من سقاه ريّق الوبل في دياره. فمن أعظم تلك الدروس المستفادة من مواطن الحج ونصوصه ومناسكه ما قد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتم حُمَّى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحُمَّى ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا» (٣) . وفي هذا الحديث الجليل تقرير لما قد تمهَّد في الأصول الشرعية من مشروعية مراغمة الكافر ومماتنته، حتى قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين: (لا شيء أحبّ إلى الله من مراغمة وليّه لعوده، وإغاظته له، وقد أشار ـ سبحانه ـ إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه ... ) بل جعلها هذا الإمام السلفي الجليل ذريعةً من ذرائع الصدِّيقية، ووليجة يلج بها العبد المنيب المخبت لبحبوحتها فقال: (فمن تعبَّد الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصدِّيقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة) (١) . وإذا قرأت هذا علمت عُظْم الشطط والدّرَك المنحط الذي هوى إليه دعاة التسامح الديني والطائفي ـ كما زعموا ـ وعلمت أيَّ ركن من الديانة يسعى أولئك المنهزمون المبدلون إلى أن يهدموه، وعلمت أيضاً أن قرناً للبدعة قد ذرَّ طالعه وبدا أوله وفسق بصياصيه، ولئن كانت الأمة قد فتنت في قرون مضت بما أخذت من أمم الكفر السالفة من علم المنطق والكلام والفلسفة حتى تشذرت بدداً وطرائق قدداً، ونُصب قدر البدعة على أثافي الهوى قروناً متطاولة، فإن بدعة أعظم وأطَمَّ وأحبُولة للتبديل والخروج من الديانة أكبر وأدهى قد رُكزت أعلامها في أسواق الأهواء فراجت بأسماء الإخاء الديني والتسامح الحضاري والحوار مع الآخر، وولجت في الأمة بدعاية نبذ التطرف والعنصرية والكراهية، كأن الكلب لم يأكل لهم عجيناً، وكأن القوم لم يقرؤوا قول الله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . قال محمد بن عبد الوهاب ﵀: (إنه لا يستقيم للإنسان إسلام ولو وحَّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض) (٢) . فسبحان الله! ماذا أُنزل من الفتن (٣) ، حتى فُوِّقت سهام اللوم والتخطئة لمن نادى ودعا إلى هذه الشعيرة الجليلة؛ ولكنا كما قال ابن القيم في عبودية المراغمة: «وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذّته بكى على أيامه الأُوّل» (٤) . ومن عجائب الأمر أن هذه الشعيرة مما تكاثرت عليه النصوص حتى لا يكاد يعشو عن منازلها إلا من أعمى الله بصيرته، بل قال الشيخ الصالح محمد بن عتيق ﵀ عن هذا الحكم الجليل «الولاء والبراء» : (ليس في كتاب الله ـ تعالى ـ حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) (٥) . والناظر في نصوص متفرقة في الحج ومناسكه يرى رعي الشريعة لمثل هذا الأمر الكُبّار، حتى كانت خطبته ﷺ في حجة الوداع تأكيداً لهذا الشأن فقال ﷺ : «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (٦) ، هكذا بهذه الصفة المنفّرة التي تشي بكل معاني الاحتقار للجاهلية والاستعلاء عليها والترفّع عنها وعن أصحابها (٧) . والحج كلّه تأكيد لهذا الأمر وتأكيد لمعناه وتربية للقلوب عليه، فقد خالف النبي ﷺ المشركين في أفعالهم في الحج كما ثبت في البخاري من حديث عمرو بن ميمون قال: «شهدت عمر ﵁ صَلَّى بجُمْع ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرقْ ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» (٨) . ومما يبين أيضاً هذا الأمر من نصوص الحج، ويزيد هذه القضية إيضاحاً ـ وهي والله الواضحة الجليّة ـ ما ثبت عند الترمذي وصححه النسائي (٩) عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله الوم نضربكم على تنزيله ضرباً يُزيل الهام عن مقيله ويُذهل الخليل عن خليله فقال له عمر ﵁: يا ابن رواحة! بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر! فقال له النبي ﷺ : «خلِّ عنه يا عمر! فلهي أسرع فيهم من نضح النبل» ، فانظر إلى حَوْط الشريعة وتقريرها لقاعدة البراء من المشرك ومراغمته بالإعلام المسموع في مواسم الحج والعمرة، وإكبار هذا وإشهاره ومدح فاعله، فأين من يدعون إلى التسامح مع الآخر والانفتاح على ثقافته وعدم الكراهية للمختلف الثقافي (الديانة ـ الكافر) ؟ أين هم من هذه الواضحات وهم يُجادلون في الله وهو شديد المحال، ويأخذون بشدق المنهج، ويضعون ويخبُّون في نصر باطلهم؟ بل إن الحديث يدل على جواز مراغمتهم بالقوم في حال العهد فضلاً عن حال المقاتلة والحرب، ولهذا الشأن موطن غير هذا الموطن، لكن الغرض بيان عُظْم هذا الأمر وتقرره لدى الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ بل إن النبي ﷺ في عام الحديبية أهدى جملاً كان لأبي جهل في رأسه بُرة فضة، قال ابن عباس ﵄: «يغيظ بذلك المشركين» (١٠) . ومما يتصل بهذا ما ذكره بعض العلماء في سبب تسمية عمرة القضيّة بهذا الاسم؛ حيث اختلف الفقهاء: هل هو مأخوذٌ من القضاء للعبادة (العمرة الأولى) ؟ أم من المقاضاة للكافر؟ على قولين، اختار ابن القيم الثاني (١١) . ـ ومن ذلك ومما يحسن إيراده هُنا، والقلوب إن لم تسافر أبدانها إلى تلك البقاع المباركة سافرت بفكرها وشوقها وتأملاتها وكأنها تنظر إلى النبي ﷺ وهو يقول يوم النحر وهو بمنى: «نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر» (١) ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا يُناكحوهم ولا يُبايعوهم حتى يُسلِموا إليهم النبي ﷺ . هكذا يُظْهر المؤمن صولة الحق والإيمان والسنة في مواطن حُورب فيها الحق والسنة، وتُربط الفهوم في عباداتها بالصرِّاع مع الكافر وديمومته حتى يجيء المؤمنون وهم يؤمّون تلك المشاعر المباركة، فيتذكرون صراع الحق مع الباطل وظهور الحق بعد جولة الباطل ... وبقاء الحق ظاهراً عالياً، ولتتذكَّر الملايين من المسلمين وهي تطأ أرض تلك المشاعر والمناسك فضلَ إظهار شعار الإسلام وصولته، وأن الصراع مع الكفر والبدعة والفجور باقٍ ما بقيت تحادّ الله وشرعه وسنة نبيه محمد ﷺ ، ولذا استحب العلماء ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله وإظهار شعار المسلمين (٢) . ـ ومن لطيف ما يظهر للناظر في دروس الحج ما يؤخذ من حديث جابر ﵁ في السنن: «أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] » (٣) . وهي سور البراءة من الكافرين والتسليم لرب العالمين، وليكون العابد الحاج مرتبطاً بمثل هاتيك المعاني العظيمة، وليعقد أنامله عليها ويستمسك بمقتضياتها. ـ ومن هذه الدروس المستفادة من طُيوب تلك العبادة ما يؤخذ من فعل النبي ﷺ لما رقى الصفا فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» (٤) . إنه التذكير بالانتصار على القوى العالمية الكافرة على يد الثلّة المؤمنة الصابرة، وهي الكلمات التي يُردّدها كلُّ عابد وكل عالم وكل مجاهد وتتناقلها الأجيال في كلاءة السناء، ولا ريب أنه مهما بلغ عتو الكافر وتجبّره وظلمه فإن النصر للموحدين الصادقين، بل لقد منَّ الله ـ سبحانه ـ بأنواع من النصر والتأييد في هذه العصور المتأخرة ما تعجز عنه ألسنتنا شكراً وتكلُّ عنه ثناء؛ حيث نشر الله مذهب السلف في الأسماء والصفات والأسماء والأحكام وغيرها من مسائل الاعتقاد، وكثُر الداخلون في الإسلام، وغدا للمسلمين من الهيبة والصولة ما لم يتحصل منذ قرن وأزيد من الزمان. والملايين اليوم وهي تقف على الصفا صُعُداً يجب أن تعلم وأن توقن أن جند الله هم الغالبون، ولا بد أن تعلم وتتعلم علاقة النصر بالعبادة وعلاقة النصر بالشكر وعلاقة النصر بكمال التوحيد وتحققه في القلوب، ومن الدروس التي تغذوها عبر الحج ومواطن المناسك وترتبط في نفس كل مسلم وقلب كل مؤمن ذلك التسليم المطلق والتفويض العظيم لأمر الله ورسوله ﷺ في قصة أم إسماعيل ... كما ثبت في البخاري عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄: «أن إبراهيم جاء بها وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قَفَّا إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم! قالت: إذاً لا يضيعنا، ثم رجعت) (٥) . إنه منهج التسليم للنص، ونبذ الرأي، وطرد الخصومة في التشريع.. وهو الأساس الذي يقوم عليه المعتقد السلفي الصحيح، وهو القاعدة الأولى في الديانة، وعليه إجماع السلف، وإليه موئلهم، وعليه نَفَص الخارجون عن السنّة، وبتركه وقع أهل الأهواء في التبديل والبدعة.. ولذا اشتد نكير السلف وأتباعهم على من ترك الآثار وردّ النص. قال الإمام البربهاري: (إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يردّ الآثار أو يريد غير الآثار فاتّهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع) (٦) . وقال إبراهيم النخعي: (لو أن أصحاب محمد ﷺ مسحوا على ظفرٍ لما غسلته التماس الفضل في اتباعهم) (٧) . وحين تشتد غربة المسلمين اليوم بكثرة من ينادون بالتجديد في الدين (بما يلائم العصر) وترك ـ ما يزعمونه ـ الرسوم التي عفت! (وخلا في الغابر أصحابها) ونبذ النصوص والخروج على فهم السلف لها، والدعوة إلى إيجاد فهم عصري للنصوص على غير أصول السلف، بل الدعوة للتجديد بالطمس والمسخ للعلوم المعيارية في الشريعة كأصول الفقه ومصطلح الحديث، ليتَقوَّض البناء، ويسقط عمود الفسطاط، ويتثلم الصرح. حين تُزعج النفوس المؤمنة بتلك الأطروحات والندوات تجد في قصة أم إسماعيل وأمثالها الجلال والجمال والقدوة العطرة، ثم يعلم المسلم وهو يُقلّب نظره بين البيت وزمزم والصفا والمروة عِظم بركة (عبادة التسليم لله) وكبير ثوابه ـ سبحانه ـ وجزيل عطائه لمن تعبَّده بذلك، ألم ترَ أن الله جعل لأم إسماعيل الذكرى الخالدة والثناء الحسن ولسان الصدق في الآخرين إلى يوم الدين جزاء تسليمها للنص وتفويضها للأمر، فإذا بملايين البشر على ضوء الأمر الإلهي يخطون على خطاها، ويتخذون من طريقها بين الصفا والمروة مثابة تعبّد وشعيرة نُسك؟ ولا يزال كذلك ما تعاقب النيّران وتقلب الجديدان، وإن عبداً بلغ من أمره أن يجعل الله من عَفْو فعله عبادةً ومنسكاً على طريقته وهيئته لذو قربى وزلفى عند الله سبحانه، وكل صاحب اتباع وتسليم ونبذ للرأي فله حظ من ذلك بحسبه، وله نصيب من هذا بقدره، والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. بل إن من عجيب ما في قصة أم إسماعيل أنها حين خالطت بتحويطها لزمزم وحرصها الفوت، وداخَلَ أمرَ زمزم مع أم إسماعيل صنعُ البشر وكسبهم، نَقَص من ذلك بقدر الحرص البشري، مع أنها لم تعترض على نص ولم تردّ سنة ولم تدفع شريعة، ولم تترك التسليم لأمر الله، لكنها كانت على حالٍ لو كانت على أزكى منها ـ وهي الزكية البرة ـ لكان أعظم بركة وأجزل مثوبة، ليس لها فقط بل وللأمم والأجيال المتعاقبة بعدها. وانظر إلى هذا الحديث وهو يبين أثر ذلك في البركة والخيرية والزكاء؛ قال ابن عباس ﵄ فجعلت: «أم إسماعيل تحوِّضه ـ أي الماء ـ وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف» ، قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم ـ أو قال لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عيناً معيناً» (١) ، وعلى أصحاب الدعوات والإصلاح والتعليم والجهاد أن يعلموا أنه بقدر ما يخالط أعمالهم من ركونٍ إلى الرأي وترك للنص وبُعْدٍ عن منهج السلف ينقص بقدره من الفلاح والنُّجح والبركة، وكل صاحب دعوة فعليه أن يحتاط لنفسه ويحذر ويتقي، مخالفة التبديل في الأمر والانزلاق عن السنة ومنهجها، وتحرير طريق السلف في فقه الإنكار والتغيير والاحتساب على العِليّة وطرائق الدعوة والتربية، ووسائلها، ومعاملة المبتدع، وهجر المبدِّل، وأحكام أعوان الظَّلَمة، وضوابط المداراة، وحدود المداهنة، وغيرها مما يمس مناهج الدعوة والتربية والجهاد في هذا العصر، (جاء عن ابن المسيب أنه رأى رجلاً يكثر من الركوع والسجود بعد طلوع الفجر فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة) (٢) . ومن لطيف ما يُذكر هنا أنهم كانوا يحرصون ﵏ على إخراج المبتدع من الثغر، وسلامة الجيوش الإسلامية في غزوها من البدع والمبتدعة لما تقرر لديهم من أثر البدعة في الخذلان، حتى: (روى ابن أبي عاصم عن علي بن بكار قال: كان ابن عون يبعث إليّ بالمال فأفرِّقه في سبيل الله، فيقول: لا تُعط قدريّاً منه شيئاً ـ وأحسبه قال فيه ـ ولا يغزون معكم فإنهم لا ينُصرون) (٣) . وجاء في ترجمة العابد الزاهد أبي إسحاق الفزاري الثقة المخرّج له في الكتب الستة: «قال العجلي: كان ثقةً رجلاً صالحاً صاحب سنةٍ، وهو الذي أدّب أهل الثغر وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجلٌ مبتدع أخرجه» (٤) . وأعظم وأجلّ من قصة أم إسماعيل قصة أبي إسماعيل ـ رحمة الله وبركاته عليهم أهل البيت إنه حميد مجيد ـ إذ أُمر بذبح ابنه (٥) ، فاستجاب وسلّم وامتثل، ولبّى نداء ربه في التضحية الكبرى ولم يضن بابنه، ولم يتأخر في البذل، وقال عنه ربه: ﴿وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٦) [النجم: ٣٧] . والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى مثل هذه الصفات الإبراهيمية من العلم بالله والدعوة إليه إلى تحطيم الأصنام، ثم الصبر على البلاء ومفارقة الأوطان، والثبات في التضحية في سبيل نشر دين الله ونشر السنة والدفاع عن أعراض المسلمين وحرماتهم. والملايين التي تؤمّ وأمّت بيت الله وهي تقتدي بإبراهيم ﵇ في رمي الجمار والذبح والأضاحي (٧) ، ينبغي أن تقتدي بإبراهيم ـ أيضاً ـ في مواطن الدعوة والتضحية والصبر، وهي تنظر إلى تلك الأماكن المباركة التي كان عليها أعظم مواقف التضحية والبذل في سبيل الله، فتجتهد إذاً في رفع الجهل والظلم والبدعة والفجور عن الأمة، وتحذر من تبديل المبدلين وتخذيل المخذلين، وتحذر أيضاً من قومٍ تزيّلوا عن طريق السلف في الدعوة ولم يمسكوا بعروة التسليم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨) [النحل: ٩] .

стр. 5814

نماذج مضيئة في تحقيق عقيدة الولاء والبراء خالد بن عبد المحسن التويجري لقد حقق سلف هذه الأمة وعلماؤها العاملون عقيدة الولاء والبراء في حياتهم، فكانوا موالين لأهل الإيمان، محبين لهم، ناصرين لهم، وأيضاً أعلنوا بوضوح براءتهم من أهل الكفر، وعدواتهم وبغضهم لهم. وسأعرض لبعض النماذج والأمثلة المشرقة من حياتهم؛ لعلنا نحذو حذوهم ونقتدي بهم. فمن صور تحقيقهم للولاء والبراء: ١ ـ إظهار البراءة من المشركين، ومحبة النبي ﷺ والمؤمنين حتى عند الشدائد والمحن. وأبرز مثال على ذلك قصة زيد بن الدَثِّنة ﵁ الذي اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فخرجوا بزيد إلى (التنعيم) ، حيث اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدِّم ليقتل: أنشدك الله يا زيد: أتحب محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه؛ وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً. ثم قتلوا زيداً ﵁ (١) . فانظر إلى ولاء زيد ﵁ الصادق للنبي ﷺ ، فهو لا يحب أن يصيب النبي ﷺ شوكة؛ فضلاً عن أن يصيبه ما هو أعظم من ذلك! وها هو أبو الفرج الجوزي يروي لنا قصة الشهيد أبي بكر النابلسي فيقول: أقام (جوهر) القائد لأبي تميم صاحبِ مصر أبا بكر النابلسي فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة؟ قال: ما قلت هذا؛ بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم؛ وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً؛ فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية. فضربه، ثم أمر يهودياً فسلخه، فكان يذكر الله ويقرأ قوله ـ تعالى ـ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ . ويصبر حتى بلغ الصدر فطعنه، ثم حُشي تبناً، وصُلِب. وقد حكى ابن السعساع المصري أنه رأى في النوم أبا بكر النابلسي بعدما صلب، وهو في أحسن هيئة، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: حباني مالكي بدوام عزٍ وواعدني بقرب الانتصار وقرّبني وأدناني إليه وقال: أنعِمْ بعيشٍ في جواري (٢) فتأمل شدة بغض أبي بكر النابلسي ﵀ لأعداء الدين، وبراءته منهم، وإنكاره علهم، وكيف لم يخَفْ في الله لومة لائم؟! وانظر إلى طريقة أهل الكفر والنفاق في التنكيل بعلماء الإسلام ومحاربتهم! وذلك لما يحملونه في صدورهم الخَربة من بغض المؤمنين وعداوتهم. وهذا ما تواطأت عليه قلوب جميع أعداء الملة، فهم؛ وإن اختلفوا فيما بينهم؛ إلا أنهم يجتمعون في شدة عدواتهم للمسلمين. ٢ ـ البراءة من أهل الكفر والمشركين وإن كانوا من الأقربين: وذلك تحقيقاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... ﴾ [المجادلة: ٢٢] . قيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حيث سب أبو قحافة النبي ﷺ ، فصكه أبو بكر ﵁ صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك، فقال ﵊: «أوَ فعلته؟! لا تعد إليه» فقال: «والذي بعثك بالحق نبياً، لو كان السيف مني قريباً لقتلته» . وقال ابن مسعود ﵁: «نزلت في أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، [وقيل: يوم بدر] ، وكان الجراح يتصدى لأبي عبيدة، وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر؛ قصد إليه أبو عبيدة، فقتله» ، وقيل في سبب نزول الآية غير ذلك. بل يصل الأمرُ أحياناً بأولئك الصادقين إلى الرغبة في التمكين من قتل أقربائهم من الكفار؛ ليُرُوا اللهَ منهم خيراً بذلك، وابتغاءً لمرضاته. فها هو النبي ﷺ عندما استشار الصحابة ﵃ في أسرى بدر، فقال: «ما ترى يا بن الخطاب؟» قال عمر ﵁: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر؛ ولكن أرى أن تُمكِّنني من فلان [قريب لعمر] فأضرب عنقه، وتُمكِّن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان [أخيه] فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين» (١) . وقد روي «أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لسيعد ابن العاص ﵁ إني أراك كأنك في نفسك شيء! أراك تظن أني قتلت أباك؟ إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه (٢) ؛ فحدت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله. فقال سعيد بن العاص ﵁: «لو قتلته لكنت على حق وكان على الباطل» فأعجبه قوله» (٣) . ٣ ـ ثبات المؤمن على عقيدته مع شدة إغراءات أهل الباطل بضمه إليهم: فقد يبذل الحاقدون على المسلمين إغراءاتهم وما بوسعهم في سبيل تخلي المسلمين عن دينهم، ويسلكون في ذلك وسائل مختلفة للوصول إلى هذا الهدف. وفي قصة عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ ما يدل على ذلك: فإنه قد أُسِر في أحد المعارك مع الروم، فعرض عليه ملك الروم أن يتنصَّر، فرفض، ثم قال له: إن فعلتَ شاطرتُك مُلْكي، وقاسمتك سلطاني، فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن ديني طرفة عين؛ ما فعلت ذلك، ثم هدده الملك بالقتل، وصَلَبَه ورماه قريباً من رجليه وقريباً من يديه، وهو يعرض عليه مفارقة دينه، فأبى، فقال له: هل لك أن تقبِّل رأسي وأخلي عنك؟ فقال عبد الله له: وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً؟ قال نعم: فقبَّل رأسه، فأمر الملك بإطلاق سراحه وسراح جميع المسلمين المأسورين لديهم، وقدِم بالأسرى على عمر ﵁ فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن ىُقبِّل رأس ابن حذافة؛ وأنا أبدأ، فقبَّل رأسه (٤) . إنها عزة المسلم الحق، وثباته عند الشدائد، وعدم تنازله عن دينه؛ حتى لو أدى ذلك إلى موته. وتأمل حب عبد الله ﵁ لأسرى المسلمين واهتمامه لهم! فإنه لم يغفل عنهم في تلك الظروف الحرجة؛ بل حرص على فكاك أسرهم. والمؤمن مطالب ومأمور بولائه لدينه ولرسوله ﷺ وللمؤمنين؛ وإنْ هَجَرَه المؤمنون لسبب من الأسباب المشروعة لذلك. وهذا يذكرنا بما حدث لكعب بن مالك ﵁ الذي هجره المسلمون حتى في رد السلام..، فابتلي في هذا الوقت العصيب بإغراء عظيم من قبل أحد الملوك في ذلك الوقت، فرفض ذلك الإغراء وثبت ﵁. يقول حاكياً ما حدث: « ... فبينما أنا أمشي في سوق المدينة؛ إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني؛ دفع إليِّ كتاباً من ملك غسان، فإذا فيه: «أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحقْ بنا نواسِك!» فقلت لما قرأتها: وهذا من البلاء. فتممت بها التنور فسجرته بها ... » (٥) ، فرفض ﵁ هذا الود الظاهر في وقت هو فيه أحوج ما يكون إلى من يواسيه ويواليه؛ لكن لِما قام في قلبه من عظم الولاء لله ولرسوله، والبراءة من أعداء الدين؛ رفض هذه الدعوة التي كشفت له بصيرته ما وراءها، فرفضها وعدَّها بلاءً آخر فكانت عقباه الخير. فكيف أخي المسلم بمن يتنازل عن ثوابت دينه ومعتقده؛ خوفاً من أعداء الدين، أو حباً في مال أو رئاسة في هذه الدنيا الزائلة؟! ٤ ـ دور الخلفاء والسلاطين في موالاة المؤمنين ونصرتهم، والبراءة من المشركين ومحاربتهم: وشواهد التاريخ على هذا كثيرة، من ذلك ما يروى من أنه عندما أسر الرومُ أحد المسلمين قال له ملك الروم: ماذا يريد خليفتكم من الإغارة علينا؟ أما تكفيكم بلادكم؟ فأخبره الجندي المسلم أنهم يهدفون إلى نشر الإسلام، وإقامة العدل بين الناس الذي افتقده الناس؛ بسبب بعدهم عن الحق، فغضب عند ذلك البطريرك الذي كان جالساً قرب الملك، وقام من مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة، وأمر به إلى السجن، ثم بعد ذلك جرى تبادل الأسرى بين المسلمين والروم، وعاد الجندي المسلم إلى أهله، واستدعاه الخليفة وأكرمه، وسمع خبره، ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود تنكَّروا على شكل صيادين حتى وصلوا إلى القسطنطينية، فدخلوها، واحتالوا على البطريرك؛ فقبضوا عليه، وجاؤوا به مكبلاً إلى أن أُدخل على مجلس الخليفة معاوية ﵁، وكان الجندي الذي أُسِر بجانب الخليفة، فقال له معاوية ﵁: أهذا هو؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له: دونك فاقتص منه! فقال الجندي: بل عفوت عنه يا أمير المؤمنين. فقال معاوية ﵁ للبطريرك: اذهب إلى مَلِكِك، وقل له: إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص من الجاني حتى من مملكتك (٦) ؛ فرضي الله عن معاوية بن أبي سفيان الذي ضرب بتلك الحادثة أروع الأمثلة في مدافعة الحاكم المسلم عن حقوق المسلمين أفراداً وجماعات. وروي أن أحد الجنود المسلمين وقع أسيراً في حوزة الرومان، وأنهم حملوه إلى إمبراطورهم الذي حاول أن يُكْرِهَه على ترك إسلامه، فرفض الأسير المسلم، فأمر الإمبراطور أن تُفقأ عيناه..، وسمع عمر بن عبد العزيز ﵀ بذلك، فكتب إلى ملك الروم يقول: «أما بعد: فقد بلغني ما صنعت بالأسير المسلم، وإني أقسم بالله لئن لم ترسله إليَّ من فورك لأبعثنَّ إليك من الجند؛ ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي» . وعندما وصل الخطاب تراجع ملك الروم أمام هذه العزيمة، وأمر بإعادة الأسير المسلم إلى أهله وقومه (١) . ومن ذلك أيضاً ما اشتهر عن المعتصم في نصرته لتلك المرأة التي صاحت بأعلى صوتها: (وامعتصماه!) ؛ حيث كانت ضمن الأسرى عند الروم، فنقل بعضُ الحاضرين هذه الصيحة إلى المعتصم فنهض مردداً: لبيكِ لبيكِ! يا أختاه، وأمر بالنفير العام، واستدعى القضاة والشهود، وأشهدهم على وصيته: أن ماله إذا استُشهد في هذه المعركة يقسّم إلى ثلاثة أقسام: ثُلثه صدقة، وثُلثه لأولاده، وثُلثه لمواليه. وسار بنفسه ومن معه من المسلمين، فحاصر عموريَّة حتى فتحها بعد حصار شديد، وثأر المعتصم من أعداء الله، واسترد كرامة المسلمين، وتبيَّن كيف تكون غضبة الحاكم المسلم إذا انتُهكت حرمات الله (٢) . ٥ ـ دور علماء الأمة في بيان الولاء والبراء، والحث على تحقيقها وذلك عبر: الفتيا، الرسالة، التصانيف، والردود. يُروى أنه نشأ خلاف كبير بين الأخوين: سلطان الشام الملكُ الصالحُ إسماعيل، وسلطان مصر الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان من نتيجته أن استعان الملك إسماعيل بالصليبيين أعداء الإسلام، وتحالف معهم على قتال أخيه نجم الدين، وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا، وكذلك قلعة (صفد) وغيرها؛ بل سمح للصليبيين أن يدخلوا دمشق، ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب، وما يريدون! فأثار هذا الصنيعُ المنكر استياءَ علماء الإسلام، فقام سلطانُ العلماء العزُّ بن عبد السلام وأنكر على السلطان فعلَه ذلك، وأفتى المسلمين بتحريم بيع النصارى السلاح. فسُجن بسبب ذلك (٣) . هذا في الفتيا. وشواهد ذلك كثيرة، حفظها لنا التاريخ، وحفظ لنا أيضاً تلك الرسائل التي خطَّها علماء السُّنة اقتداءً بنبيهم ﷺ في مراسلاته للملوك ورؤوس الكفر، كما مر معنا. فقد أرسل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالةً إلى ملك قبرص (سرجوان) يخاطبه في شأن أسرى المسلمين، فمما ورد في كلامه ﵀ بعد دعوته للإسلام: « ... ومن العجب أن يأسِر النصارى قوماً غدراً أو بغير غدر، ولم يقاتلوهم ... ، وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين؛ فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص؟! فما يُؤمِّنُ الملكَ أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم ربُّ العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم؟ وما يُؤمِّنُه أن تأخذ المسلمين حميةٌ إسلاميةٌ؛ فينالون منها ما نالوا من غيرها؟ ... » (٤) . وهذه الرسالة من شيخ الإسلام للملك النصراني تبين شدة ولائه ﵀ وحبه للمسلمين، والسعي في تخليص أسراهم من الكافرين) ، وفيها بيان لعزِّة المؤمن بقوة إنكاره وشدته على أهل الباطل، وفيها أيضاً بيان لأهمية دور العلماء في الذود عن الحق وأهله أينما كانوا. كذلك فإن أهل العلم حرصوا على التصنيف والتأليف في هذا الموضوع المهم في حياة المسلمين. فمن ذلك: ما قاله الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد ﵀ في رسالته (الهدية الثمينة في ما يحفظ به المرءُ دينَه) ؛ إذ قال ﵀: «لمَّا رأيت ما عمّ وطمّ من انقلاب الأكثرين عن دين الإسلام، وموالاتهم لعبدة الأوثان وأعداء الشريعة من: النصارى، والملحدين، والرافضة، حملتني العزة الدينية والشفقة الإنسانية أن أجمع بعض آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومن كلام علماء السُّنة المقتدى بهم، نبذةً يسيرةً في بيان تحريم مخالطة المشركين ووجوب البعد عنهم، وحكم التولي والموالاة والسفر إلى بلادهم، وما يجب على من اضطُّر إلى العمل مع الشركات الأجنبية؛ لتكون تذكرة للمؤمنين وحجة على المعاندين، وسميتها: (الهدية الثمينة في ما يحفظ به المرء دينه) » (٥) . وأختم هذه النماذج المباركة بإضاءة من حياة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ الذي كان ينبِّه بين وقت وآخر، في دروسه ومحاضراته وفي ردوده، على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين. ومن ذلك ردّه على ما جاء في أحد الصحف، وهو خبر يتعلق بإقامة صلاة الجمعة في مسجد قرطبة، وذُكر فيه: إن الاحتفال بذلك يعد تأكيداً لعلاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين: الإسلام والمسيحية، فقال ﵀ في رده عليهم: « ... ونظراً إلى ما في هذا الكلام من مصادمةِ الأدلةِ الشرعية الدالة على أنه: لا أخوةَ ولا محبة بين المسلمين والكافرين؛ وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم، وأنه لا اتحاد بين الدينين الإسلامي والنصراني؛ لأن دين الإسلام هو الحق الذي يجب على جميع أهل الأرض المكلفين اتباعُهُ، أما النصرانية فكفرٌ وضلال بنص القرآن الكريم» . ومن ذلك قوله ﵀: « ... فقد نشرت بعض الصحف المحلية تصريحاً لبعض الناس قال فيه ما نصه: «إننا لا نَكِنُّ العداء لليهود واليهودية، وإننا نحترم جميع الأديان السماوية» ، ولما كان هذا الكلامُ في شأن اليهود واليهوديةِ؛ يخالف صريحَ الكتاب العزيز والسُّنة المطهرة، ويخالف العقيدةُ الإسلامية، وهو صريح يُخشى أن يغتر به بعض الناس؛ رأيت التنبيه على ما جاء به من الخطأ نصحاً لله ولعباده، فقد دلَّ الكتابُ والسُّنة وإجماع المسلمين على أنه: يجب على المسلمين أن ىُعادوا الكافرين من اليهود والنصارى وسائر المشركين، وأن يحذروا مودتَهم واتخاذهم أولياء (٦) » ا. هـ. نعم.. تلك أفعال لا أقوال، وحقائق لا أوهام، وتلك نتفٌ يسيرة من سِيَر أقوام، نحسبهم ـ والله حسيبهم ـ رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهلاَّ اتبعنا أثرهم، واقتدينا بهم في هذا الزمان الذي وهنت فيه الأمة، وضعفت شوكتها، وهانت على بنيها قبل أعدائها! وما أصابها ما أصابها إلا من ضعف تحقيق هذا الأصل العظيم: الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراءة من الكفار والمشركين وأعداء الدين.

стр. 5815

كيف نحيي رسالة المسجد شوقي عبد الله عبّاد لا يخفى على مسلم ما للمسجد من دور في حياة المؤمن؛ فهو المدرسة الأولى التي تخرَّج فيها الصحابة ﵃. فكان لهم كبير الأثر في جميع المجالات العلمية والدعوية والقضائية والأدبية وغيرها؛ ذلك أن المسجد أدى دوره وقام برسالته التي جاء من أجلها؛ فلم يكن في عهود الإسلام الأولى دار صلاة فحسب، بل كان مع ذلك دار اجتماع لكل المسلمين، ومركزاً لإرسال السرايا والجيوش، ومنه ينطلق الدعاة إلى الله يجوبون الأرض يعلِّمون الناس الخير. وفي هذا المقام أود التذكير برسالة المسجد، وإحياء هذه الرسالة التي كادت أن تموت، ولا سيما أننا في وقت يحارب فيه المسلم بوسائل مختلفة، وأساليب متعددة. وهذه بضع عشرة وسيلة استخلصتها من هدي الإسلام وقواعده العامة، نستطيع من خلالها معاً أن نفعّل دور المسجد ونحيي شيئاً من رسالته؛ فإن غياب هذا الدور، واندراس تلك الرسالة، من أسباب تعرض المسلم للانجراف وراء التيارات المنحرفة المفسدة المشبوهة، التي تستهدف تضليل الناشئة بالدرجة الأولى، وإبعادهم عن دينهم وإغراقهم في أوحال الرذيلة مستخدمة في ذلك شتى الوسائل من دور سينما ووسائل إعلام وشبكات اتصال. وسائل تفعيل إحياء رسالة المسجد: ü الوسيلة الأولى: عقد الدروس الشرعية والدورات العلمية: وذلك بواسطة العلماء وطلاب العلم في شتى صنوف العلوم الشرعية من عقيدة وفقه وحديث وتفسير وغيرها، وذلك بين الفينة والأخرى، لا سيما في مواسم العُطَل والإجازات. ومما يدل على أن المسجد كان مهد مثل هذه الدروس العلمية قصة أبي هريرة ﵁ حين مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: «يا أهل السوق! ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله ﷺ يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذوا نصيبكم منه! قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة! قد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نرَ فيه شيئاً يُقْسَم. فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى! رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام. فقال لهم أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث محمد ﷺ » (١) . ولهذا كان الواحد من السلف، إذا أراد أن يطلب العلم، توجه أول ما يتوجه إلى بيت الله؛ فعن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، فقلت له: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم، فقال: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم تحفّه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا، من محبتهم لما يطلب» (١) . وقد ألمح ﷺ إلى ذلك حين قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله» (٢) والشاهد من الحديث قوله: «في بيت من بيوت الله» وذلك لأن الغالب في حلقات القرآن وفي دروس العلم أن تكون في بيوت الله (٣) . ومن أولى أولويات الدروس العلمية: حلقات تحفيظ القرآن الكريم للناشئة؛ فما زالت مساجد المسلمين عامرة منذ القديم بمثل تلك الحلقات التي يتخرج فيها حفظة كتاب الله، وهناك بعض المساجد تجعل حلقات التحفيظ في مدرسة أو دار خاصة بالتحفيظ مستقلة عن المسجد، مستقلة عنه حسب الظروف. ü الوسيلة الثانية: إلقاء المحاضرات والندوات: والمقصود بذلك المحاضرات التي يحتاجها المسلمون في حياتهم، وهذه تختلف عما سبق من حيث إنها لا تركز على شريحة معينة من المجتمع كطلبة العلم، بل تتوجه إلى عموم الناس: المتعلم وغير المتعلم، من النساء والرجال، وقد قال ﷺ : «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (٤) ، وإن من أهم المواضيع العامة التي يحتاجها الناس كلهم بيان أركان الدين الخمسة، وأعظمها الصلاة، وحث الناس على أدائها في جماعة، خصوصاً فريضة الفجر؛ فما بنيت المساجد إلا للصلاة وذِكْر الله. ومن المواضيع المناسبة في هذا الموطن ما يتعلق بالأسرة والبيت وتربية النشء ومسائل النكاح والطلاق والمشاكل الاجتماعية والأسرية التي تعاني منها كثير من بيوت المسلمين. ü الوسيلة الثالثة: إلقاء بعض الكلمات والمواعظ الموجزة: يتم إلقاؤها بين فينة وأخرى يستفيد منها جميع روّاد المسجد خاصة أهل الحي، على أن يُرَاعى في ذلك كله الأوقات المناسبة حتى لا يملّ الناس، وهكذا كان هديه ﷺ ؛ فقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٥) ؛ هذا وهو رسول الله ﷺ أحسن الناس موعظة، وهؤلاء هم الصحابة أحب العالمين للموعظة. وكان ابن مسعود ﵁ يذكّر الناس كل خميس اتباعاً لهدي النبي الكريم. والمهم في هذا الأمر عدم إملال الناس وتنفيرهم، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فقد يكون التذكير يوماً بعد يوم، أو يوماً بعد يومين، وقد يكون أسبوعياً، والضابط في ذلك كله هو الحاجة مع وجود النشاط (٦) . ü الوسيلة الرابعة: إنكار المخالفات الشرعية نصحاً لعامة المسلمين: وذلك عند وقوع أحد منهم في مخالفة داخل المسجد، وقد جاءت السنَّة بالنهي عن أمور تتعلق بالمساجد كالبيع والشراء فيها (٧) ، ونشدان الضالة (٨) ، ورفع الأصوات (٩) ؛ ونحو ذلك. ولعلِّي أضرب مثالاً واحداً لإحدى المخالفات التي أعتقد أنها منتشرة وقلّ أن يخلو منها مسجد، تلك هي المرور بين يدي المصلي، والمرء يعجب أشد العجب من تهاون الناس في هذا الأمر؛ فالمار لا يبالي كثيراً بأخيه المصلي، بل لا يبالي بإخوانه المصلين، فتجده يقطع صفوف المصلين واحداً تلو الآخر وكأنه لم يقع في محرم بَلْهَ كبيرة من كبائر الذنوب (١٠) . ومن جانب آخر تجد المصلين أنفسهم يتساهلون في عدم دفع هذا المار بين أيديهم وكأن الإثم يقع على المار فحسب، والأشد عجباً هو تخلي جمهرة المسلمين ـ خصوصاً أئمة المساجد ـ عن القيام بواجبهم في النصح والإرشاد لهذا الأمر المتكرر يومياً، وللأسف فإن المسجد الحرام أخذ النصيب الأوفر من الوقوع في هذه المخالفة الشرعية، بحجة أن بعض العلماء أجاز ذلك عند الضرورة كالزحام الشديد، ولكن الناظر لحال الناس هنالك يرى عدم التفات الناس إلى تلك الضرورة أو الحاجة، بل أصبح الأمر عادياً حتى إن البعض يمر بين يدي المصلين ذهاباً وإياباً دون أي مبالاة. هذا مثال واحد من المخالفات في بيوت الله جل وعلا، وإذا كان نشدان الضالة وإشهار السلاح ونحوها، يندر أن تقع في المساجد اليوم؛ فهناك ما هو أشد منها كإصدار النغمات الموسيقية أو الأغاني عبر الهواتف المحمولة وغيرها من الأمور التي تحرم في كل مكان فضلاً عن المساجد والتي هي أحب البقاع إلى الله. ü الوسيلة الخامسة: إماتة البدع وإحياء السنن: يجب التعاون على إماتة البدع والخرافات من المسجد إن وُجدت، ثم إحياء السنن التي أُميتت وما أكثرها! والبدع هي من المخالفات التي ينبغي القيام بالنصيحة عند حدوثها (١) ، ولكني أفردتُ البدع عن سائر المخالفات لفداحة الآثار المترتبة على ارتكابها مقارنة بالمخالفات التي تم الإشارة إلى بعضها؛ فالبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها كما قال سفيان الثوري ﵀، ولست بحاجة لأن أعدّد البدع، بل الشركيات المتفشية في مساجد المسلمين ودور عبادتهم؛ فمن أخطر البدع ـ وهذا على سبيل المثال لا الحصر ـ التي لا تزال للأسف موجودة في مساجد المسلمين دفن الأموات ـ لا سيما من يُعتقَد فيه الصلاح والخير ـ إما في قبلة المسجد، وهذا أشنعها، أو في طرف منه، أو في صحنه، أو حتى في فنائه، وكذلك العكس أي إقامة المسجد وبنائه على قبر، ولم يكن هذا تعامل السلف الصالح مع القبور إطلاقاً، بل إن الذي أحدث المشاهد، وعظّم القبور في ملة الإسلام هم المبتدعة (٢) . ومما يدل على خطورة هذا الأمر أن التحذير من الوقوع فيه كانت آخر وصايا النبي ﷺ حيث قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . وإن مما يندى له جبين المؤمن تلك الإحصائيات المروّعة، حول انتشار هذه البدعة في مساجد المسلمين حول العالم (٤) ؛ وهذا يحتم علينا جميعاً التكاتف في تحذير الناس منها، والرفع إلى من يهمه الأمر بخطر مثل هذه البدع المفضية ولا شك إلى الشرك الأكبر، هذا مثال واحد من أعظم البدع ناهيك عند البدع الأخرى التي تكثر في المساجد وبدع الاحتفالات بالمناسبات الحولية، مثل الاحتفال بالمولد النبوي، أو الاحتفال بليلة النصف من شعبان، أو غيرها من المناسبات، وكذلك البدع المتعلقة بالأذان وبالأذكار دبر الصلوات، وكلها مما ينبغي التعاون على إزالته، فوالله لو لم نجنِ من تفعيل دور المسجد إلا تطهير بيوت الله من مثل هذه الخزعبلات لكفى. ولا ينبغي تهوين مثل هذه الأمور والنظر إليها بعين التساهل لعلاقتها الوثيقة بجناب التوحيد والذي بسلامته ينجو الإنسان من النار ويدخل الجنة، نسأل الله من فضله. وبعد إماتة البدع (٥) ينبغي العمل على إحياء السنن الخاصة بالمساجد، وهي كثيرة، وإنما تُرِكَت لتعلق الناس بالبدع، وينبغي التدرج في إحياء السنن في المسجد وتقديم الأهم فالمهم، حتى لا ينفر الناس من السنَّة أو ينكروها؛ فالسنن المتعلقة بصفة الصلاة وتسوية الصفوف مثلاً تُقدّم على سنن الدخول إلى المسجد والخروج منه، وهذا الأمر يحتاج إلى فقه المقاصد وفقه المصالح والمفاسد، ومن لم يكن ذا مَكِنَة فلا يتجشم عناء التغيير، فقد يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح. ü الوسيلة السادسة: جمع التبرعات والصدقات للمحتاجين في الأرض المحتلة: والمقصود هو الدعم المالي المتواصل للمحتاجين من الأسر الفقيرة القاطنة بالحي، ولدعم المشاريع الخيرية أو لقضايا المسلمين في الخارج، وكان من هدي النبي ﷺ الدعوة إلى الدعم المالي للكيان المسلم في المسجد، كما في دعوته للإنفاق في غزوة تبوك (٦) ، ودعوته للتبرع حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار (٧) ، وكان إذا جاءه مال الغنيمة، أو الفيء، نثره في المسجد يقسمه بين الناس، وبوّّب على ذلك الإمام البخاري فقال: باب القسمة وتعليق القِنْوِ في المسجد (٨) ، قال ابن رجب: «المقصود بهذا الباب: أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء، وخُمْس الغنيمة، وأموال الصدقة، ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها» (٩) ، وكان الصحابة ﵃ يأخذون صدقاتهم إلى المسجد لعلهم يجدون من يأخذها منهم من فقراء المسلمين كما في قصة يزيد بن الأخنس ﵁ حين أخذ صدقته إلى المسجد ليتصدق بها (١٠) . وجاء في وصف سبعين من خيار الصحابة أنهم كانوا يشترون طعاماً لأهل الصُّفَّة القاطنين بالمسجد (١١) ، وقال يزيد بن أبي حبيب: كان مرثد بن أبي عبد الله اليزني ـ ويكنى بأبي الخير ـ أول أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلاً المسجد قط، إلا وفي كُمِّه صدقة: إما فلوس، وإما خبز، وإما قمح يتصدق به (١٢) . فهذه نماذج تدل على مكانة المسجد، ودوره في تدعيم الجانب الاقتصادي للمسلمين، وأن الصدقات والتبرعات وما شابهها كانت تنطلق منه (١٣) . ولعل ما يمر به العمل الخيري من تضييق الخناق عليه، ومن حملات مسعورة تدعو لإيقافه، محفز لنا لإحياء دور المسجد في هذا الجانب، وتفعيل ذلك الدور ولو على المستوى الفردي، وإني على يقين جازم أنه لو اعتنى كل مسجد بهذا الجانب، وقام بأداء رسالته كما كانت في العهد الأول، مع شيء من التنظيم والترتيب الذي يتطلبه مثل هذا العمل، من حيث التوزيع الدقيق للمستحقين، وصرف الصدقات في أبواب البر التي يحتاجها المجتمع، وقبل ذلك وبعده الإخلاص لله في ذلك، لانتفع كثير من المحتاجين، وسُدّت أفواه، وأُشبعت بطون. ü الوسيلة السابعة: بناء المساجد وتشييدها: والنصوص الدالة على فضل بناء المساجد كثيرة، من أشهرها حديث عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجداً لله يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة» (١) ، وفي رواية «بنى الله له مثله في الجنة» . وإن التوسع العمراني في المدن من أهم الدواعي في الإكثار من بناء المساجد وتشييدها، فينبغي حث أهل الغنى والجِدَة على بناء المساجد خصوصاً في المناطق النائية، أو المجمعات السكنية التي يقطنها أعداد كبيرة من المسلمين، وكذلك الشركات التجارية الضخمة، التي يرتادها مئات الموظفين يومياً. ومن أهم المحاذير المتعلقة بتشييد المساجد والتي ينبغي الحذر منها: الإسراف والتبذير في البناء ومتعلقاته، ومن أبرز مظاهر التبذير التي قلّ أن يخلو منها مسجد: الزخرفة والتزيين؛ فإن ذلك فضلاً عن أنه منهي عنه (٢) ؛ ففيه من الإسراف والتبذير الشيء الكثير، بل فيه إضاعة لأموال المسلمين فيما لا فائدة فيه، وقد نُهِينا عن إضاعة المال (٣) بالإضافة إلى إشغال المصلي عن صلاته التي هي سبب وجود المسجد، والأَوْلى صرف مثل هذه الأموال في ما يتطلبه المسجد من حاجات بعد البناء كترميمه، أو تنظيفه، أو نحو ذلك. ü الوسيلة الثامنة: عمارة المسجد الحسّية: لا شك أن الاهتمام بعمارة المسجد الحِسِّية من شعائر الله التي أمرنا بتعظيمها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] ، قال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها (٤) . وفسر مجاهد رفعها ببنائها (٥) : فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسات والأذى (٦) . ومما يدخل في الاهتمام بالعمارة الحسية للمساجد العناية بتنظيفها وتطييبها بين فينة وأخرى؛ إذ المساجد هي أحب البقاع إلى الله جل وعلا (٧) ؛ فهي أوْلى بالتنظيف والرعاية من غيرها. قالت عائشة ﵂: «أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظّف وتطيّب» (٨) ، وبيّن النبي ﷺ أن التفل في المسجد خطيئة وأن كفارتها دفنها (٩) . ومن ذلك أيضاً أن لا يأتيها الإنسان وهو متلبس برائحة كريهة تصدر من جسمه أو ثوبه أو فمه تتأذى بها ملائكة الرحمن، ويتأذى إخوانه المصلون؛ ففي الحديث: «من أكل من هذه الشجرة ـ يعني الثوم ـ فلا يأتينّ المساجد» (١٠) ، وبيّن في حديث آخر علة هذا النهي المتمثلة في إيذاء الملائكة وبني آدم من هذه الروائح (١١) . والأحاديث والآثار الواردة في الأمر بتنظيف المساجد وتطييبها كثيرة، ويتأكد هذا الأمر في حال اجتماع الناس أوقات الصلاة، أو يوم الجمعة، أو في رمضان، ونحوها من المناسبات. كما ينبغي توفير وسائل الراحة لرواد بيت الله كبرادات مياه الشرب، وأجهزة التكييف خصوصاً أثناء فترة الصيف في البلاد الحارة خاصة، وكذلك السخانات الكهربائية وأجهزة التدفئة في فترة الشتاء، وأدوات التنظيف والكنس الحديثة، وغيرها من نِعَم الله التي أنعم بها علينا، والتي لم تكن متوفرة إلى عهد قريب، بل ولا تزال كثير من مساجد الله خالية منها؛ فقد كان الخدَم في سالف العهد، يُكلّفون بتنظيف المسجد، وكنسه بأيديهم، وبوّب الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب الخدَم للمسجد، وذكر حديث المرأة السوداء التي كانت تقمُّ مسجد رسول الله ﷺ (١٢) ، وفي بعض طرق الحديث أنها كانت تلتقط العيدان والخرق بيديها (١٣) . ولا يظنن ظان أننا نهمل عمارة المسجد المعنوية بذكرنا للعمارة الحسية، بل إن الأمر على النقيض من ذلك؛ فإن الله جمع العمارتين في آية واحدة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ١٨] الآية. وما ذكرنا من وسائل لإحياء دَوْر المسجد هي صور للعمارة المعنوية للمسجد، ولذلك فإن المقصود من إفراد العمارة الحسية للمسجد بالذكر من باب كونها سبباً في تحصيل العمارة المعنوية التي اهتم بها الشارع الحكيم. ü الوسيلة التاسعة: العناية بمصلىات النساء: ويشمله كل ما يشمل مصلى الرجال، مع مراعاة الفوارق الشرعية؛ فقد كان ﷺ يهتم بشان النساء في المسجد، فأذن لهن في الحضور إلى المسجد، ونهى عن منعهن من ذلك (١) ، مع إشارته إلى أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد (٢) . ومع إذن الشارع الحكيم للنساء بشهود جماعة المسلمين بالمسجد إلا أنه حدّ حدوداً لا ينبغي تجاوزها، ومن تلك الحدود منع النساء من حضورهن متزينات متعطرات، فقال ﷺ : «وليخرجن تَفِلات» (٣) ، وفصلهن عن صفوف الرجال درءاً لوقوع ما لا تحمد عواقبه، وكان من هديه ﷺ تخصيص يوم للنساء يعظهن فيه ويذكِّرهن (٤) . ومما يؤسف له أن الكثير من المساجد لا تعطي مصليات النساء أهمية كبيرة؛ فمن المساجد ما لا يوجد فيه مكان خاص للنساء أصلاً فضلاً عن أن يُهتم به، ومن المساجد ما لا تعير مصلى النساء اهتماماً، من حيث تنظيفه وتطييبه، بل تجده مهجوراً، وكأنه ليس تابعاً للمسجد، ومن مصليات النساء ما لا يُفتح إلا أياماً محددة كالجمعة من الأسبوع أو رمضان من السنة فحسب؛ وكأن النساء لسن شقائق الرجال كما جاء في الحديث (٥) . إنني أنصح القائمين على بيوت الله أن يعيدوا النظر في أحوال المصليات النسوية بالمساجد، وأن ينظروا ما تحتاجه تلك المصليات، حتى تقوم بدورها كجزء مهم من أجزاء المسجد، وإذا كان هذا الأمر مهمّاً في الماضي فهو أكثر أهمية في الحاضر مع اشتداد الهجمة على المرأة المسلمة وثوابتها. ü الوسيلة العاشرة: تعويد الصبيان على ارتياد المسجد: لا سيما المميزين منهم؛ مع تعليمهم آداب المسجد، وكان الصبيان ـ المميِّز منهم وغير المميِّز ـ في عهد السلف يدخلون المسجد، وكل ما ورد من أحاديث في منع الصبيان من دخول المسجد فلا تصح ويردُّها فعل النبي ﷺ وفعل الصحابة، ولا ينبغي تنفير الأولاد من بيوت الله بحجة أنهم مصدر إزعاج للمصلين، أو سبب لذهاب الخشوع في الصلاة؛ فهذه حجج واهية، وما وسع الصحابة ينبغي أن يسعنا، ومثل هذا الإزعاج إن صدر يمكن معالجته بأساليب صحيحة أخرى، غير الطرد من المسجد، فإن الطرد فيه مفاسد كثيرة، أولها بُغض الصبي للمسجد، ونفرته منه، لا سيما إذا كبر، وكفى بهذه مفسدة، والشارع الحكيم حرص على ترغيبهم في الصلاة بالمسجد لا تنفيرهم منه، بالإضافة إلى أن تعويدهم الحضور للمسجد، فيه فوائد أخرى عدا أداء الصلاة، ومن ذلك رؤيتهم منظر التلاحم بين المسلمين بمختلف فئاتهم، ولمسهم معالم التآخي بين المصلين، فينشؤون على مثل هذه المفاهيم، وإذا حضروا الجمعة تعلموا أدب الإنصات وحُسن الاستماع، هذا إذا كانوا غير مميِّزين، أما المميِّز منهم فإنه لا شك سيستفيد مما يسمع من خطبة أو محاضرة، وسيتعلم الأحكام الشرعية، والآداب الإسلامية، والتي سينقلها إلى أهل بيته لاحقاً؛ فإن الاستجابة في الناشئة أسرع منها في الكبار (٦) ، وكما قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوهُ ü الوسيلة الحادية عشرة: مكتبة المسجد: إن إنشاء مكتبة للاستعارة والمطالعة بداخل المسجد تحت إشراف طلبة العلم المميزين، أو بجانبه، من مستلزمات إقامة الدروس العلمية، والدورات الشرعية، التي سبقت الإشارة إليها (٧) ، فلا شك أن طلبة العلم الذين يفترض حضورهم للمسجد، من أجل الدروس والمحاضرات، سيحتاج أكثرهم لشيء من الكتب والمراجع الموثوقة، ويحذر من كتب المبتدعة وأهل الضلال. ـ ويجب تشجيع أهل المسجد ورواده على زيارة المكتبة، وحثهم على القراءة؛ إذ هي الغاية من وجود المكتبة. ـ تحديد أوقات معلومة لفتح المكتبة وإغلاقها، ووضع نظام للاستعارة، وكذلك الإعلان عن كل مادة جديدة في المكتبة من كتب وأشرطة كاسيت وأقراص حاسوبية ونحوها. ü الوسيلة الثانية عشرة: تعيين أئمة وخطباء من أهل العلم والإصلاح: إن كل ما ذكر من وسائل لتفعيل دور المسجد متوقف على طبيعة القائمين على بيوت الله، ويأتي في أولهم إمام المسجد وخطيبه، وكذلك مؤذنه، والأصل في هذه الوسيلة هو قوله ﷺ : «يؤمُُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله..» (٨) ، ففيه بيان أهمية هذه الولاية، وأنه ليس كل أحد أحق بها، وأكثر كتب الحديث وكتب الفقه تحدثت عن الإمامة والخطابة والأذان في أبواب خاصة، حيث يتم ذكر الصفات الواجب توفرها في كل من إمام المسجد، وخطيبه ومؤذنه، بل أُفرِدَ هذا الأمر بالتصنيف في كتب مستقلة لأهمية الدور المنوط بهؤلاء القائمين على بيوت الله. يقول الشيخ خير الدين وانلي: «ولا يمكن للمسجد أن يقاوم السينما والمدارس التبشيرية واللادينية إلا إذا كان المسؤولون عنه ذوي مستوى عالٍ من الثقافة الإسلامية والنخوة الإسلامية والوعي الإسلامي، وإلا إذا حرصت وزارات الأوقاف الإسلامية على العناية بإعداد هؤلاء المسؤولين وكلما كان المسؤولون عن المسجد محتسبين لوجه الله كانت الفائدة منهم أكبر» (١) . ولعل من الأساليب الحديثة في إعداد مسؤولي المساجد، عقد الدورات التدريبية لهم خصوصاً للأئمة منهم بهدف تعليمهم ما قد يجهلونه من أحكام تخص المسجد وتنمية معارفهم، وهذا التثقيف والتحصيل من متطلبات الولاية التي تقلدوها، وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه؛ إذ كيف نرجو قيام المسجد برسالته، وبدوره الفعال، والقائمون على المسجد من أجهل الناس، وأدناهم ثقافة ووعياً؟ ولعل من أحسن الأمثلة الدالة على الثمرة اليانعة من تطبيق هذه الوسيلة، ما ذكره الشيخ محمد لطفي الصباغ من قيامه في فترة شبابه أثناء دراسته النظامية بجامعة دمشق ـ الجامعة السورية قديماً ـ قيامه مع عدد من إخوانه الصالحين بإعادة مسجد الجامعة الذي حولته القوات الفرنسية إلى بار، ومن ثم إلى مستودع، أعادوه إلى ما كان عليه قبل دخول الفرنسيين (٢) ، ثم قاموا بتشكيل لجنة تُعنى بالمسجد وأموره، فنظموا البرامج التوعوية والأنشطة العلمية، في فترة عصيبة كانت بلاد الشام تعيش بين نارين: التيارات الفكرية المنحرفة والطرق الصوفية المبتدعة، فاستضافوا أهل العلم لإلقاء الكلمات والمحاضرات بالمسجد، كالشيخ مصطفى السباعي والشيخ مصطفى الزرقا (٣) ، وراسلوا العلماء للإجابة عن أسئلة الناس واستفساراتهم، ولا سيما تلك التي تتعلق بالسنن والبدع، فراسلوا الشيخ الألباني للإجابة عن أسئلة الناس واستفساراتهم. يقول الألباني في مقدمة رسالته (الأجوبة النافعة عن أسئلة مسجد الجامعة) متحدثاً عن ذلك المسجد مثنياً على لجنته. ü الوسيلة الثالثة عشرة: تفعيل أمر الأوقاف: من أهم مزايا الوقف في الشريعة الإسلامية أنه مستمر لا ينقطع ودائم لا يتوقف، وبهذا يتم الحفاظ على حياة الجهات التي أوقف عليها، وتاريخ الإسلام حافل منذ القدم على الوقف في وجوه البر المختلفة من مساجد ودور علم ومدارس ومستشفيات ورعاية أيتام وغيرها، حتى أصبح هناك ديوان في عصر الأيوبيين والمماليك خاص لأوقاف المساجد (٤) ، وكان كثير من الصحابة والتابعين من الحكام والمحكومين يحبسون ـ يوقفون ـ ما يقدرون عليه من أموالهم في سبيل الله، وإذا كان العلماء اختلفوا في مشروعية الوقف على أمور معينة فقد اتفقوا على مشروعية الوقف على المساجد ودور العبادة (٥) . والواجب على أهل المسجد تفعيل دور الأوقاف كوسيلة لإحياء رسالة المسجد من ناحيتين: الأولى: نشر ثقافة الوقف على المساجد، وما يتعلق بها من دروس علمية، وحلقات لتحفيظ القرآن، ومكتبات ونحوها، وتوعية الناس بها وحثهم على ذلك. الثانية: العناية بأوقاف المساجد، والاهتمام بها، والحرص عليها من عبث العابثين؛ فإن الكثير من أوقاف المساجد لا يَرجِع رَيْعُها إلى المساجد، وإن عاد من ذلك شيء فهو نزر يسير جداً، لأن جُلّ هذه الأوقاف قد اندرست أو اغتُصبت، فإذا حرص القائمون على المسجد بالاعتناء بأوقاف المسجد، وضمان أن تعود ثمرة الوقف إلى المسجد، لا إلى جهات أخرى، فإن ذلك سوف يسهم في تأدية المسجد لدوره في الحياة. ü الوسيلة الرابعة عشرة: اللقاءات مع أهل الحي: إن قيام المسجد بأنشطة مختلفة: علمية ودعوية واجتماعية وثقافية وغيرها يتطلب تقييماً لمثل هذه الأنشطة بين فترة وأخرى؛ لأنها تبقى أولاً وأخيراً أعمالاً بشرية، يعتريها النقص ويكتنفها الخلل، ومن أحسن الأساليب لعمل مثل ذلك التقييم، عقد لقاء دوري يجمع أهل الحي بإمام المسجد أو من ينوب عنه، لمراجعة أحوال المسجد وشؤونه. ومن فوائد مثل هذا اللقاء ما يلي: ـ سد أي خلل أو نقص فيما يتعلق بشؤون المسجد عموماً ولا سيما الأنشطة سالفة الذكر. ـ الاستفادة من مقترحات أهل الحي وآرائهم. ـ تشجيع المبادرات المتميزة بالمسجد ومكافأة من يقوم بها. ـ الاطلاع على أنشطة وبرامج المساجد الأخرى للاستفادة منها. والله أسأل أن ينفع بهذه الوسائل قارئها والعاملين عليها والمشاركين في قيامها ابتغاء مرضاة الله.
следующие страницы →