← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

عودة الحجاب تعد حركات (تحرير!) المرأة من أقدم المشروعات العلمانية التغريبية في بلادنا الإسلامية. ولم تتعرض قضية من قضايا الأمة للتشويه والتلبيس كما تعرضت له قضية الحجاب. لقد صور إعلامنا العربي الحجاب على أنه رمز من رموز التخلف الحضاري والانحطاط الثقافي، وارتفعت الأصوات التغريبية بكل حدة تسخر منه بكل ألوان السخرية والاستهزاء! وبعد عقود متتابعة من ذلك الكيد والمكر: هل تخلّت المرأة المسلمة عن حجابها..؟ الواقع يحدثنا بأن عودة النساء إلى الحجاب أصبحت ظاهرة متصاعدة؛ ففي بلد مثل تونس يصنَّف الحجاب رسمياً على أنه (زي طائفي!) وتحاصَر المرأة المحجبة حصاراً مستفزاً في دوائر العمل والمؤسسات العامة، ومع ذلك فالحجاب هو السِمَة السائدة في الشارع التونسي، ليس في الأرياف والمدن الصغيرة؛ بل في العاصمة والمدن الكبيرة..! وعندما تتأمل تصريحات وزير الثقافة المصري الأخيرة بشأن الحجاب والمحجبات، تدرك يقيناً أنها تصريحات المحبَط الذي يرى الجهود التغريبية تتآكل كل ثمراتها، وتذبل بوضوح في الشارع المصري، وحسبك أن تنظر إلى ردود الفعل الغاضبة من كافة شرائح المجتمع المصري، التي أصبحت أكثر وعياً وإدراكاً بطبيعة تلك المعارك المفتعلة. إنها بكل وضوح عودة صادقة للحجاب. لقد وجدت المرأة المسلمة أن الحجاب ليس مجرد رمز تقليدي أو شعبي لا معنى له؛ بل هو رمز ديني تعتز به وتفخر.. وجدت فيه معنى العفة والكرامة.. إنه شعيرة لا تقبل المساومة أو المزايدة..!!

стр. 5812

إمبراطورية المحافظين الجدد: الداية والنهاية صالح عبد الله الجيتاوي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ، وهذا ما يعنيه الله ـ جل وعلا ـ وهو يحذِّر أهل الكتاب مما فعله رجال دينهم من تحريف الكتب الإلهية المنزلة على أنبيائهم. فقد رأينا وقرأنا التحريف في كتبهم المقدسة في مختلف طبعاتها لا سيما وقد فضحهم العلماء والباحثون والمتخصصون في مقارنة الأديان. وبالاطلاع على كتاب العلاّمة (موريس بوكاي) المعنون بـ (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) يتضح للقارئ الكريم مصداق ذلك؛ حيث يرى التناقض والكذب وما لا يليق في حق الرسل والأنبياء. والمحافظون الجدد هم أصلاً من المهاجرين الأوائل إلى أمريكا؛ إذ ينحدرون من (الأنجلو ـ ساكسون) القادمين من الجزيرة البريطانية (ويدينون) بالبروتستانتية، وتتالت بعدهم الهجرات الأوروبية الأخرى القادمة من ألمانيا وإيرلندا وإيطاليا وبولونيا، وسُموا بـ (التحالف العظيم) . وجاءت بعدهم الهجرات اليهودية التي استطاع اليهود بتنظيمهم الداخلي وعصبيتهم، التي يصعب معها اندماجهم في المجتمع الجديد، وظلوا عنصراً متميزاً داخل هذا التحالف، وأبَوْا إلا أن يكون لهم فيها حصة. والمحافظون الجدد ليسو جدداً إلا في إعادة ممارسة دورهم؛ فالفكر المحافظ هو لب القيم الأمريكية منذ تأسيس دولتهم؛ ولكن خلاياهم النائمة عادت للظهور المتطرف في برامجهم ومبادئهم (١) . ويُعَدُّ المحافظون الجدد أول جماعة صغيرة شكَّلها اليهود الليبراليون خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الميلادي الماضي، وقد لعبت عوامل كثيرة في تكوين الثقافة الأمريكية المؤثرة حقاً في سلوكهم؛ ومن هذه العوامل: التراث اليهودي والنصراني اللذان حملا الثقافة الغربية، ويعتبر اليمين النصراني المتطرف أساسها في أمريكا بمعظم فئاته؛ حيث يسود الأوساط البروتستانتية بصورة خاصة. ويمكن تلخيص المبادئ الأساسية التي يؤمنون بها على النحو التالي: ١ ـ دعواهم عصمة الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد! ٢ ـ اعتقادهم أن كل حرف كتبه مؤلفو (الكتاب المقدس) بجميع أسفاره هو وحي من الله أو من الروح القُدُس الذي حل فيهم كما يزعمون! ٣ ـ القراءة الحرفية للكتاب المقدس واعتقادهم دقة نبوءاته بكل تفاصيلها. ٤ ـ زعمهم تحقُّق جميع النبوءات على الأرض! ٥ ـ قولهم بحتمية الصراع بين قوى الخير (جيش المسيح) والمنتمين إليه! وقوى الشر وهم (جيش الشيطان) والمنتمون إليه، وانتصار قوى الخير في معركة هرمجدُّون كما يزعمون. ٦ ـ ربطهم المباشر بين يهود اليوم والدولة العبرية؛ ولذلك سُمي اليمين المتطرف بـ (النصارى المتصهينين) (١) . وانتشر فكر المحافظين الجدد في أمريكا بشكل خاص، وفي أوروبا كذلك، فلا يكاد يوجد بلد دون أن يكون فيه حزب للمحافظين، وهم الذين ناصروا الإدارة الأمريكية اليمينية في حروبها المجنونة ضد الإسلام والمسلمين فيما يسمى بـ (الحرب على الإرهاب) فانتكست أحزابهم بفشلها لمناصرتها تلك الحرب الغاشمة، وتساقُطِ رؤسائها سواء في أسبانيا أو إيطاليا؛ وبريطانيا ربما على الطريق. ومن أبرز ما يتسم به أولئك المحافظون هو دعوة كل النصارى، وخاصة (البروتستانت) إلى دعم الدولة الصهيونية ليكونوا مهمين ـ بزعمهم ـ في ميزان الله، وليس ذلك حباً في اليهود؛ بل للاعتقاد بأن اليهود ستقوم دولتهم في أرض الميعاد (أي فلسطين) فهي مكان دولتهم الذي يعتقدونه محطة نزول المسيح ﵇ في عودته الثانية (٢) . وهذه هي عقيدة (بوش) الذي جاء لأبوين متدينين (بوش الأب) و (باربارا بوش الأم) عام ١٩٣٦م، وانتقل به أبوه وهو صبي إلى (تكساس) التي أصبحت موطنه ومكان صعود نجمه السياسي؛ فهو في البداية لم يسر على خطى والديه المتدينين؛ بل كان مدمناً على الخمر ومتسبباً في إزعاج زوجته (لورا) التي كانت صاحبة الفضل في إقناعه بالكف عن الشراب والأخذ بيده إلى الكنيسة، ولكن الرجل الذي انتقل به نقلة جذرية من حياة الإدمان واللهو إلى حياة الأصولية هو القس (بيلي جراهام) الذي هو بمثابة شيخه، ويعتبر أبرز وجوه اليمين النصراني المتصهينين في أمريكا، وكان ابنه (فرانكلين) هو الذي قام بالصلوات في تدشين (رئاسة) بوش الابن لأمريكا. فهل سُعار (بوش الابن) الديني هو مصدر قوته وطاقته؟ أم هو مصدر ضعفه وسوء تقديره للأمور؟ والأخير فيما نحسب هو الصحيح؛ وليس هذا رأي أعدائه ومنتقديه فقط؛ بل هو قول مساعديه ومقربيه. فقد ذكرت صحيفة (النيوزويك) أن مستشاري الرئيس يدركون ذلك، وكثير من المحافظين والدارسين يعتبرونه قد أعمته معتقداته المتطرفة وأفقدته بصيرته عن رؤية الآثار السلبية في غزوه للعراق في٢٠ مارس ٢٠٠٣م، والتي سقط فيها آلاف المدنيين والعسكرين الأمريكيين، و (خطابات فخامته!) تذكِّر بخطابات المستعمرين في القرن الـ ١٩ وأوائل القرن العشرين عند حديثهم فيما يزعمونه عن مسؤولية (الرجل الأبيض) والهمّ الذي يحمله بين جنبيه، والعبء الملقى على عاتقه لنشر الحضارة وتمدين الشعوب المتوحشة!! ويأخذ بعضهم على فخامته! نظرته التي تتسم بها رؤيته الشخصية والسياسية؛ فالكاتبة الأمريكية (دانا مليابانك) تشير إلى أن الحرب على العراق اعتبرها بوش سياحة؛ بينما سماها الكثيرون مغامرة كارثية، لكن بوش يعتبرها من واقع عقيدته (حتمية تاريخية) . وقبل ذلك غزوه لأفغانستان وما لاقاه الجيش الأمريكي من قتل وإبادة؛ إلا أن إسقاطهم لإمارة طالبان لم يسقط معها تأثيرها في المجتمع الأفغاني، بل عادت للمقاومة من جديد وسامت الأمريكيين سوء العذاب، وبالرغم من ذلك فـ (الرئيس بوش) يعتبر قيادته لرئاسة أمريكا، بزعمه، أمراً إلهياً واختياراً ربانياً؛ كما جاء في (الواشنطن بوست) في ٢٩/٢/٢٠٠٢م، وتكرر ذلك كثيراً في غمرة حربه الإعلامية على الإرهاب، وهذا ما أسمته الكاتبة السابقة الذكر: «روح السذاجة التي تتسم بها خطاباته وقراراته» فضلاً عن اتهامه بالغباء وهو ما أطلقه عليه الرئيس الجنوب أفريقي السابق (نيلسون مانديلا) ، والكاتب الأمريكي الساخر (مايكل مور) في كتابه (رجال بيض أغبياء) . وثمة مآخذ على الرئيس بوش ومَنْ وراءه من مدرسته الأصولية النصرانية الذين يمثلون اتجاهات أصولية أساسها العنف والكراهية والتكبر في وقت تحتاج فيه البشرية إلى التواضع والإنصاف، واعتماد النسبية في تقويم الأفراد والأمم؛ فلا يوجد من البشر المعاصرين من هو شرير بشكل مطلق ولا خيِّر بشكل مطلق كما يريد بوش أن يوهمنا في كثير من خطاباته ورؤاه؛ فهو ليس إنساناً ذا بعد واحد؛ مما يفسر شخصيته تفسيراً أحادياً، فشخصيته مركبة من الحماس الديني والنفعية السياسية (٣) . \ مظاهر الإخفاق في الإدارة الأمريكية: منذ بدايات الرؤى المتغطرسة والسياسات المتهورة التي تبنتها الإدارة الأمريكية في سياساتها المخالفة للعقل الرشيد والفكر السديد، والتي أصبحت ظاهرة للعيان، أصبحت محل النقد والرفض من قِبَل كل المنصفين من الكُتَّاب والساسة والمفكرين، لما تحمله من اتجاهات منحرفة ومنها: ـ الرؤى العنصرية للمحافظين الجدد: وبخاصة محاباتهم الدولة العبرية على حساب الحق الفلسطيني ووقوفهم مع الصهاينة بشكل واضح، والسكوت عن سياسات (اليهود) الخرقاء وتصرفاتهم العدوانية؛ بل والدفاع عن الصهاينة ضد القرارات الأممية التي أدانتهم وإفشالها باستخدام حق الرفض (الفيتو) لمصلحة العدو الصهيوني، مما كانت معه محل النقد والتذمر لا سيما من دولة لها وزنها العالمي، وهذا بلا شك عدوان على الحق واستهتار بالحقيقة لا يقره عاقل. وإذا عرفنا سياسات الحزب الجمهوري المتطرفة ومنها مناصرتهم للباطل، فمندوبهم في هيئة الأمم (جون بولتون) الذي عُيِّنَ بأمر رئاسي رغم أنف الكونجرس؛ حين عرف فشل حكومته وانهزام حزبه استقال مؤخراً وهو أحد رموز اليمين المتطرف، بعدما علم كذلك أنه على كف عفريت. ـ الفشل في الحروب الاستباقية: وهي الحروب التي نادى المحافظون بها ضد غيرهم، وخاصة من يرون فيهم تهديداً لهم. فالدعاوى التي قدموها تسويغاً لغزو العراق، بزعم وجود أسلحة الدمار الشامل لدى الحكومة العراقية السابقة قبل الغزو، قد عرف الجميع كذب هذه الدعاوى، ومنذ تم الغزو إلى الآن لم يعثروا على تلك الأسلحة المزعومة، وقد حرثوا العراق طولاً وعرضاً ولم يجدوها. ـ النقد الموضوعي الذي يقوم به المنصفون في أمريكا ضد المحافظين الجدد: أصبح نقد القوم محل الإعجاب من الرأي العام الأمريكي. فمثلاً كتابات ومؤلفات المفكر المعروف (نعوم تشومسكي) حيث هاجم في كتاباته العلمية الناقدة سياسات الإدارة الأمريكية؛ مما هو معروف للجميع، وكتب الاقتصادي الأمريكي الشهير (جورج سورس) في كتابه (فقاعة التفوق الأمريكي) ما سلط به الأضواء على اقتصادهم؛ ففي الجزء الأول الذي عنونه بـ (رؤية ناقدة) فكَّك وانتقد وهاجم واتهم، وفي الجزء الثاني المعنون بـ (رؤية بنَّاءة) قدم البدائل؛ فصاغ ما رآه حلولاً ومقترحات تُخرج أمريكا من الوحل الذي ورطها فيه الرئيس بوش، وانتقد إدارته المحافظة؛ حيث رأى أن حكومة أقوى دولة على وجه الأرض في يد من يرى أنهم مجموعة من المتطرفين الذين سماهم بـ (الدارونية الاجتماعية) ويعني بهم اليمين المحافظ الحاكم؛ حيث دعوا إلى انتقال أمريكا إلى الهجوم والسيطرة العالمية من دون تحفُّظ؛ ليضمنوا بقاءهم على موقعهم القيادي لهم في القرن الحادي والعشرين، وبحسب هذا المشروع يجب على أمريكا أن تنطلق لتحقيق أهدافها غير آبهة بأحد، وأنها لن تتعاون مع الدول أو مع الأمم المتحدة إذا ما رأت أن مصالحها ممكن تحقيقها من دون ذلك؛ لأن عليها مواجهتهم بالقوة العسكرية والحسم، وأنها يمكن أن تقوم بذلك من دون تردد. ووضح الكاتب فشل مشروعهم (القرن الأمريكي الجديد!) وختم حديثه عن أنه لن يمر وقت على أمريكا، حتى يتدهور وضعها في العالم في وقت قياسي (١) . هذه بعض الأسباب التي أدت إلى فشل الحزب الجمهوري الحاكم بعد الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي بعد سقوط بعض أعضائه وانتقال بعضهم للحزب الديمقراطي الذي نال الأغلبية، وهناك دعوات أمريكية لإنقاذ الرئيس من المحافظين الجدد الذين اختطفوه وارتهنوه في سياساته المتهورة، وفي حروبه الفاشلة التي سبق الإشارة إلى بعضها يوم خدعوا الشعب الأمريكي بمنطلقاتهم. ونتيجة لهذا الفشل تساقط أعضاء الإدارة الأمريكية؛ فاستقال وزير الدفاع (رامسفيلد) وكذلك مندوبهم في هيئة الأمم (جون بولتون) ، والحبل على الجرّار، وفوز الحزب الديمقراطي ـ فيما نحسب ـ بسبب غضب الشعب الأمريكي من بوش وحكومته في سياساتها المتطرفة التي هي محل النقد والسخط من المواطن الأمريكي الذي يرى أهمية محاكمة الرئيس على جرائمه، وكذلك محاكمة رموز حزبه اليميني المتطرف على ما اقترفوه في حق شعبهم والشعوب الأخرى التي نالها الظلم والدمار بسبب سياسات الحزب الجمهوري الحاكم المتهورة. فمن يردُّ للآباء والأمهات فلذات أكبادهم؟ ومن يرد للمظلومين حقوقهم المنتهكة؟ ومن يرد لأمريكا سمعتها التي وصلت إلى الحضيض في انتهاكها حقوق الإنسان؟ بينما هي تتبنى بكذب مكشوف اتهامات كثيرة من الدول لحقوق الإنسان، وهي أول من انتهكها وداسها منذ تأسيسها بإبادة الهنود الحمر! فإلى متى تبقى أمريكا أسيرة للصوت الصهيوني؟ حيث وصلت الإدارة الأمريكية إلى حال لا تحسد عليها من الضعف. ولا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى ما ذكره مؤلفا كتاب (أمريكا لوحدها: المحافظون الجدد والنظام العالمي) أن الأحداث الأخيرة التي مرت بأمريكا أثبتت ما يلي: ١ ـ خطأ المنهج الذي سار عليه المحافظون الجدد. ٢ ـ خطأ نظرية نشر الديمقراطية الأمريكية بالقوة. ٣ ـ استيقاظ الرأي العام الأمريكي، وعدم تصديقه لما يحدث من نكبات تبنتها حكومتهم. وهذه بداية النهاية للمحافظين الجدد. وقد توقع المؤلفان ردود فعل داخلية وعدائيه ضدهم (٢) ؛ فقد مل الشعب الأمريكي مبادئ القوم وفشلهم في تحقيق أهدافهم المتطرفة مع الخسائر الكبرى التي تكبدوها. وصدق الله العظيم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ .

стр. 5813

دروس من الحج في زمن التغيير محمد بن عبد الله الخطابي حين تشتد الهاجرة وتلفح الوجوهَ سمومُ التبديل والتخذيل والبدعة، ويسطعُ غبارها ابتغاء الفتنة عن الحق وابتغاء التأويل بما يرضي المشرق والمغرب؛ فإن الملجأ يكون إلى المحاضن الآمنة والمعاهد الحصينة. وحين يُوري المبطلون زند العوائق ويتطاير شررها فإن الرِّي والرَّواء والمرتعَ والمغتبق هناك في حمى «النص» وفسطاط التسليم للكتاب والسُّنة وفهم السلف. ولا زال المصلحون وأصحاب الدعوات وأرباب التغيير، من العلماء العاملين والحكام المقسطين والمجاهدين الصادقين، يثوبون إلى ذلك المأزر الرشيد، ويركبون له الصَّعب والذلول موئلاً وثمالاً، وقد وثقوا؛ أنه لا يُصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به وعليه أولها. ويصوَّنون ويحذَرون أن يواقعوا خُطَّة التبديل، أو أن يجذبهم شَرَك البدعة عن سيرهم إلى الله. قال ابن وضَّاح ـ عليه رحمة الله ـ فيما رُوي عن بعض السلف: «يأتي على الناس زمان يسمّن الرجل راحلته حتى تعقد شحماً، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقصاً، يلتمس من يفتيه بسنَّةٍ قد عُمل بها فلا يجد من يُفتيه إلاّ بالظن» ، قال ابن وضاح ـ سنة ٢٨١ ـ: سمعت سحنوناً ـ أحد علماء المالكية المشهورين ـ يقول منذ خمسين سنة: «إني أظن أنّا في ذلك الزمان، فطلبت أهل السُّنة في ذلك فكانوا كالكواكب المضيء في ليلة مظلمة» (١) . ـ وقال ابن عبد البر في التمهيد ـ في حديث لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه ـ: «وذلك لمَا يحدث فيه من المحن والبلاء والفتن، وقد أدركنا ذلك الزمان كما شاء الواحد المنان لا شريك له، عصمنا الله ووفقنا وغفر لنا. آمين» (٢) . ولئن كان السالفون الصالحون الأولون يخافون أشد الخوف ويحذرون من ذلك أشد الحذر وهم في زمن الراية والرواية وصَوْلة السنة فلئن يحذر أهل زماننا أوْلى وأجدى وأجدر ... لذا فهذه وقفات خيِّرات، تبضُّ بمروفها تلك المواسمُ المباركة الفاضلة وتستجلبها المشاعرُ من المشاعر، مهَّد لقطب رحاها النظرُ في حال الأمة والتفكر الحثيث في مشروع نهضتها وسبيل ارتقائها، وإذ اعتاد علماء أمتي وطلابُهم في هذه المواسم المباركة عقد حِلَق الفقه والعلم؛ لتدارس مسائل الحج ومناسكه وأحكامه، فنِعمَ إذاً رديف ذلك أن يُتحدث عن تلك الفوائد واللطائف والدروس، في الدعوة والمنهج والتغيير والأسباب والسنن الثابتة، التي يغذوها الحج بمناسكه ومواطنه ونصوصه.. إذ لا يرعى الهشيم من وَجَدَ الجميم، ولا ينتجع الغيث في أقطاره من سقاه ريّق الوبل في دياره. فمن أعظم تلك الدروس المستفادة من مواطن الحج ونصوصه ومناسكه ما قد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتم حُمَّى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحُمَّى ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا» (٣) . وفي هذا الحديث الجليل تقرير لما قد تمهَّد في الأصول الشرعية من مشروعية مراغمة الكافر ومماتنته، حتى قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين: (لا شيء أحبّ إلى الله من مراغمة وليّه لعوده، وإغاظته له، وقد أشار ـ سبحانه ـ إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه ... ) بل جعلها هذا الإمام السلفي الجليل ذريعةً من ذرائع الصدِّيقية، ووليجة يلج بها العبد المنيب المخبت لبحبوحتها فقال: (فمن تعبَّد الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصدِّيقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة) (١) . وإذا قرأت هذا علمت عُظْم الشطط والدّرَك المنحط الذي هوى إليه دعاة التسامح الديني والطائفي ـ كما زعموا ـ وعلمت أيَّ ركن من الديانة يسعى أولئك المنهزمون المبدلون إلى أن يهدموه، وعلمت أيضاً أن قرناً للبدعة قد ذرَّ طالعه وبدا أوله وفسق بصياصيه، ولئن كانت الأمة قد فتنت في قرون مضت بما أخذت من أمم الكفر السالفة من علم المنطق والكلام والفلسفة حتى تشذرت بدداً وطرائق قدداً، ونُصب قدر البدعة على أثافي الهوى قروناً متطاولة، فإن بدعة أعظم وأطَمَّ وأحبُولة للتبديل والخروج من الديانة أكبر وأدهى قد رُكزت أعلامها في أسواق الأهواء فراجت بأسماء الإخاء الديني والتسامح الحضاري والحوار مع الآخر، وولجت في الأمة بدعاية نبذ التطرف والعنصرية والكراهية، كأن الكلب لم يأكل لهم عجيناً، وكأن القوم لم يقرؤوا قول الله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . قال محمد بن عبد الوهاب ﵀: (إنه لا يستقيم للإنسان إسلام ولو وحَّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض) (٢) . فسبحان الله! ماذا أُنزل من الفتن (٣) ، حتى فُوِّقت سهام اللوم والتخطئة لمن نادى ودعا إلى هذه الشعيرة الجليلة؛ ولكنا كما قال ابن القيم في عبودية المراغمة: «وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذّته بكى على أيامه الأُوّل» (٤) . ومن عجائب الأمر أن هذه الشعيرة مما تكاثرت عليه النصوص حتى لا يكاد يعشو عن منازلها إلا من أعمى الله بصيرته، بل قال الشيخ الصالح محمد بن عتيق ﵀ عن هذا الحكم الجليل «الولاء والبراء» : (ليس في كتاب الله ـ تعالى ـ حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) (٥) . والناظر في نصوص متفرقة في الحج ومناسكه يرى رعي الشريعة لمثل هذا الأمر الكُبّار، حتى كانت خطبته ﷺ في حجة الوداع تأكيداً لهذا الشأن فقال ﷺ : «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (٦) ، هكذا بهذه الصفة المنفّرة التي تشي بكل معاني الاحتقار للجاهلية والاستعلاء عليها والترفّع عنها وعن أصحابها (٧) . والحج كلّه تأكيد لهذا الأمر وتأكيد لمعناه وتربية للقلوب عليه، فقد خالف النبي ﷺ المشركين في أفعالهم في الحج كما ثبت في البخاري من حديث عمرو بن ميمون قال: «شهدت عمر ﵁ صَلَّى بجُمْع ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرقْ ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» (٨) . ومما يبين أيضاً هذا الأمر من نصوص الحج، ويزيد هذه القضية إيضاحاً ـ وهي والله الواضحة الجليّة ـ ما ثبت عند الترمذي وصححه النسائي (٩) عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله الوم نضربكم على تنزيله ضرباً يُزيل الهام عن مقيله ويُذهل الخليل عن خليله فقال له عمر ﵁: يا ابن رواحة! بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر! فقال له النبي ﷺ : «خلِّ عنه يا عمر! فلهي أسرع فيهم من نضح النبل» ، فانظر إلى حَوْط الشريعة وتقريرها لقاعدة البراء من المشرك ومراغمته بالإعلام المسموع في مواسم الحج والعمرة، وإكبار هذا وإشهاره ومدح فاعله، فأين من يدعون إلى التسامح مع الآخر والانفتاح على ثقافته وعدم الكراهية للمختلف الثقافي (الديانة ـ الكافر) ؟ أين هم من هذه الواضحات وهم يُجادلون في الله وهو شديد المحال، ويأخذون بشدق المنهج، ويضعون ويخبُّون في نصر باطلهم؟ بل إن الحديث يدل على جواز مراغمتهم بالقوم في حال العهد فضلاً عن حال المقاتلة والحرب، ولهذا الشأن موطن غير هذا الموطن، لكن الغرض بيان عُظْم هذا الأمر وتقرره لدى الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ بل إن النبي ﷺ في عام الحديبية أهدى جملاً كان لأبي جهل في رأسه بُرة فضة، قال ابن عباس ﵄: «يغيظ بذلك المشركين» (١٠) . ومما يتصل بهذا ما ذكره بعض العلماء في سبب تسمية عمرة القضيّة بهذا الاسم؛ حيث اختلف الفقهاء: هل هو مأخوذٌ من القضاء للعبادة (العمرة الأولى) ؟ أم من المقاضاة للكافر؟ على قولين، اختار ابن القيم الثاني (١١) . ـ ومن ذلك ومما يحسن إيراده هُنا، والقلوب إن لم تسافر أبدانها إلى تلك البقاع المباركة سافرت بفكرها وشوقها وتأملاتها وكأنها تنظر إلى النبي ﷺ وهو يقول يوم النحر وهو بمنى: «نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر» (١) ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا يُناكحوهم ولا يُبايعوهم حتى يُسلِموا إليهم النبي ﷺ . هكذا يُظْهر المؤمن صولة الحق والإيمان والسنة في مواطن حُورب فيها الحق والسنة، وتُربط الفهوم في عباداتها بالصرِّاع مع الكافر وديمومته حتى يجيء المؤمنون وهم يؤمّون تلك المشاعر المباركة، فيتذكرون صراع الحق مع الباطل وظهور الحق بعد جولة الباطل ... وبقاء الحق ظاهراً عالياً، ولتتذكَّر الملايين من المسلمين وهي تطأ أرض تلك المشاعر والمناسك فضلَ إظهار شعار الإسلام وصولته، وأن الصراع مع الكفر والبدعة والفجور باقٍ ما بقيت تحادّ الله وشرعه وسنة نبيه محمد ﷺ ، ولذا استحب العلماء ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله وإظهار شعار المسلمين (٢) . ـ ومن لطيف ما يظهر للناظر في دروس الحج ما يؤخذ من حديث جابر ﵁ في السنن: «أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] » (٣) . وهي سور البراءة من الكافرين والتسليم لرب العالمين، وليكون العابد الحاج مرتبطاً بمثل هاتيك المعاني العظيمة، وليعقد أنامله عليها ويستمسك بمقتضياتها. ـ ومن هذه الدروس المستفادة من طُيوب تلك العبادة ما يؤخذ من فعل النبي ﷺ لما رقى الصفا فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» (٤) . إنه التذكير بالانتصار على القوى العالمية الكافرة على يد الثلّة المؤمنة الصابرة، وهي الكلمات التي يُردّدها كلُّ عابد وكل عالم وكل مجاهد وتتناقلها الأجيال في كلاءة السناء، ولا ريب أنه مهما بلغ عتو الكافر وتجبّره وظلمه فإن النصر للموحدين الصادقين، بل لقد منَّ الله ـ سبحانه ـ بأنواع من النصر والتأييد في هذه العصور المتأخرة ما تعجز عنه ألسنتنا شكراً وتكلُّ عنه ثناء؛ حيث نشر الله مذهب السلف في الأسماء والصفات والأسماء والأحكام وغيرها من مسائل الاعتقاد، وكثُر الداخلون في الإسلام، وغدا للمسلمين من الهيبة والصولة ما لم يتحصل منذ قرن وأزيد من الزمان. والملايين اليوم وهي تقف على الصفا صُعُداً يجب أن تعلم وأن توقن أن جند الله هم الغالبون، ولا بد أن تعلم وتتعلم علاقة النصر بالعبادة وعلاقة النصر بالشكر وعلاقة النصر بكمال التوحيد وتحققه في القلوب، ومن الدروس التي تغذوها عبر الحج ومواطن المناسك وترتبط في نفس كل مسلم وقلب كل مؤمن ذلك التسليم المطلق والتفويض العظيم لأمر الله ورسوله ﷺ في قصة أم إسماعيل ... كما ثبت في البخاري عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄: «أن إبراهيم جاء بها وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قَفَّا إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم! قالت: إذاً لا يضيعنا، ثم رجعت) (٥) . إنه منهج التسليم للنص، ونبذ الرأي، وطرد الخصومة في التشريع.. وهو الأساس الذي يقوم عليه المعتقد السلفي الصحيح، وهو القاعدة الأولى في الديانة، وعليه إجماع السلف، وإليه موئلهم، وعليه نَفَص الخارجون عن السنّة، وبتركه وقع أهل الأهواء في التبديل والبدعة.. ولذا اشتد نكير السلف وأتباعهم على من ترك الآثار وردّ النص. قال الإمام البربهاري: (إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يردّ الآثار أو يريد غير الآثار فاتّهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع) (٦) . وقال إبراهيم النخعي: (لو أن أصحاب محمد ﷺ مسحوا على ظفرٍ لما غسلته التماس الفضل في اتباعهم) (٧) . وحين تشتد غربة المسلمين اليوم بكثرة من ينادون بالتجديد في الدين (بما يلائم العصر) وترك ـ ما يزعمونه ـ الرسوم التي عفت! (وخلا في الغابر أصحابها) ونبذ النصوص والخروج على فهم السلف لها، والدعوة إلى إيجاد فهم عصري للنصوص على غير أصول السلف، بل الدعوة للتجديد بالطمس والمسخ للعلوم المعيارية في الشريعة كأصول الفقه ومصطلح الحديث، ليتَقوَّض البناء، ويسقط عمود الفسطاط، ويتثلم الصرح. حين تُزعج النفوس المؤمنة بتلك الأطروحات والندوات تجد في قصة أم إسماعيل وأمثالها الجلال والجمال والقدوة العطرة، ثم يعلم المسلم وهو يُقلّب نظره بين البيت وزمزم والصفا والمروة عِظم بركة (عبادة التسليم لله) وكبير ثوابه ـ سبحانه ـ وجزيل عطائه لمن تعبَّده بذلك، ألم ترَ أن الله جعل لأم إسماعيل الذكرى الخالدة والثناء الحسن ولسان الصدق في الآخرين إلى يوم الدين جزاء تسليمها للنص وتفويضها للأمر، فإذا بملايين البشر على ضوء الأمر الإلهي يخطون على خطاها، ويتخذون من طريقها بين الصفا والمروة مثابة تعبّد وشعيرة نُسك؟ ولا يزال كذلك ما تعاقب النيّران وتقلب الجديدان، وإن عبداً بلغ من أمره أن يجعل الله من عَفْو فعله عبادةً ومنسكاً على طريقته وهيئته لذو قربى وزلفى عند الله سبحانه، وكل صاحب اتباع وتسليم ونبذ للرأي فله حظ من ذلك بحسبه، وله نصيب من هذا بقدره، والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. بل إن من عجيب ما في قصة أم إسماعيل أنها حين خالطت بتحويطها لزمزم وحرصها الفوت، وداخَلَ أمرَ زمزم مع أم إسماعيل صنعُ البشر وكسبهم، نَقَص من ذلك بقدر الحرص البشري، مع أنها لم تعترض على نص ولم تردّ سنة ولم تدفع شريعة، ولم تترك التسليم لأمر الله، لكنها كانت على حالٍ لو كانت على أزكى منها ـ وهي الزكية البرة ـ لكان أعظم بركة وأجزل مثوبة، ليس لها فقط بل وللأمم والأجيال المتعاقبة بعدها. وانظر إلى هذا الحديث وهو يبين أثر ذلك في البركة والخيرية والزكاء؛ قال ابن عباس ﵄ فجعلت: «أم إسماعيل تحوِّضه ـ أي الماء ـ وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف» ، قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم ـ أو قال لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عيناً معيناً» (١) ، وعلى أصحاب الدعوات والإصلاح والتعليم والجهاد أن يعلموا أنه بقدر ما يخالط أعمالهم من ركونٍ إلى الرأي وترك للنص وبُعْدٍ عن منهج السلف ينقص بقدره من الفلاح والنُّجح والبركة، وكل صاحب دعوة فعليه أن يحتاط لنفسه ويحذر ويتقي، مخالفة التبديل في الأمر والانزلاق عن السنة ومنهجها، وتحرير طريق السلف في فقه الإنكار والتغيير والاحتساب على العِليّة وطرائق الدعوة والتربية، ووسائلها، ومعاملة المبتدع، وهجر المبدِّل، وأحكام أعوان الظَّلَمة، وضوابط المداراة، وحدود المداهنة، وغيرها مما يمس مناهج الدعوة والتربية والجهاد في هذا العصر، (جاء عن ابن المسيب أنه رأى رجلاً يكثر من الركوع والسجود بعد طلوع الفجر فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة) (٢) . ومن لطيف ما يُذكر هنا أنهم كانوا يحرصون ﵏ على إخراج المبتدع من الثغر، وسلامة الجيوش الإسلامية في غزوها من البدع والمبتدعة لما تقرر لديهم من أثر البدعة في الخذلان، حتى: (روى ابن أبي عاصم عن علي بن بكار قال: كان ابن عون يبعث إليّ بالمال فأفرِّقه في سبيل الله، فيقول: لا تُعط قدريّاً منه شيئاً ـ وأحسبه قال فيه ـ ولا يغزون معكم فإنهم لا ينُصرون) (٣) . وجاء في ترجمة العابد الزاهد أبي إسحاق الفزاري الثقة المخرّج له في الكتب الستة: «قال العجلي: كان ثقةً رجلاً صالحاً صاحب سنةٍ، وهو الذي أدّب أهل الثغر وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجلٌ مبتدع أخرجه» (٤) . وأعظم وأجلّ من قصة أم إسماعيل قصة أبي إسماعيل ـ رحمة الله وبركاته عليهم أهل البيت إنه حميد مجيد ـ إذ أُمر بذبح ابنه (٥) ، فاستجاب وسلّم وامتثل، ولبّى نداء ربه في التضحية الكبرى ولم يضن بابنه، ولم يتأخر في البذل، وقال عنه ربه: ﴿وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٦) [النجم: ٣٧] . والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى مثل هذه الصفات الإبراهيمية من العلم بالله والدعوة إليه إلى تحطيم الأصنام، ثم الصبر على البلاء ومفارقة الأوطان، والثبات في التضحية في سبيل نشر دين الله ونشر السنة والدفاع عن أعراض المسلمين وحرماتهم. والملايين التي تؤمّ وأمّت بيت الله وهي تقتدي بإبراهيم ﵇ في رمي الجمار والذبح والأضاحي (٧) ، ينبغي أن تقتدي بإبراهيم ـ أيضاً ـ في مواطن الدعوة والتضحية والصبر، وهي تنظر إلى تلك الأماكن المباركة التي كان عليها أعظم مواقف التضحية والبذل في سبيل الله، فتجتهد إذاً في رفع الجهل والظلم والبدعة والفجور عن الأمة، وتحذر من تبديل المبدلين وتخذيل المخذلين، وتحذر أيضاً من قومٍ تزيّلوا عن طريق السلف في الدعوة ولم يمسكوا بعروة التسليم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨) [النحل: ٩] .

стр. 5814

نماذج مضيئة في تحقيق عقيدة الولاء والبراء خالد بن عبد المحسن التويجري لقد حقق سلف هذه الأمة وعلماؤها العاملون عقيدة الولاء والبراء في حياتهم، فكانوا موالين لأهل الإيمان، محبين لهم، ناصرين لهم، وأيضاً أعلنوا بوضوح براءتهم من أهل الكفر، وعدواتهم وبغضهم لهم. وسأعرض لبعض النماذج والأمثلة المشرقة من حياتهم؛ لعلنا نحذو حذوهم ونقتدي بهم. فمن صور تحقيقهم للولاء والبراء: ١ ـ إظهار البراءة من المشركين، ومحبة النبي ﷺ والمؤمنين حتى عند الشدائد والمحن. وأبرز مثال على ذلك قصة زيد بن الدَثِّنة ﵁ الذي اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فخرجوا بزيد إلى (التنعيم) ، حيث اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدِّم ليقتل: أنشدك الله يا زيد: أتحب محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه؛ وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً. ثم قتلوا زيداً ﵁ (١) . فانظر إلى ولاء زيد ﵁ الصادق للنبي ﷺ ، فهو لا يحب أن يصيب النبي ﷺ شوكة؛ فضلاً عن أن يصيبه ما هو أعظم من ذلك! وها هو أبو الفرج الجوزي يروي لنا قصة الشهيد أبي بكر النابلسي فيقول: أقام (جوهر) القائد لأبي تميم صاحبِ مصر أبا بكر النابلسي فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة؟ قال: ما قلت هذا؛ بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم؛ وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً؛ فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية. فضربه، ثم أمر يهودياً فسلخه، فكان يذكر الله ويقرأ قوله ـ تعالى ـ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ . ويصبر حتى بلغ الصدر فطعنه، ثم حُشي تبناً، وصُلِب. وقد حكى ابن السعساع المصري أنه رأى في النوم أبا بكر النابلسي بعدما صلب، وهو في أحسن هيئة، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: حباني مالكي بدوام عزٍ وواعدني بقرب الانتصار وقرّبني وأدناني إليه وقال: أنعِمْ بعيشٍ في جواري (٢) فتأمل شدة بغض أبي بكر النابلسي ﵀ لأعداء الدين، وبراءته منهم، وإنكاره علهم، وكيف لم يخَفْ في الله لومة لائم؟! وانظر إلى طريقة أهل الكفر والنفاق في التنكيل بعلماء الإسلام ومحاربتهم! وذلك لما يحملونه في صدورهم الخَربة من بغض المؤمنين وعداوتهم. وهذا ما تواطأت عليه قلوب جميع أعداء الملة، فهم؛ وإن اختلفوا فيما بينهم؛ إلا أنهم يجتمعون في شدة عدواتهم للمسلمين. ٢ ـ البراءة من أهل الكفر والمشركين وإن كانوا من الأقربين: وذلك تحقيقاً لقوله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... ﴾ [المجادلة: ٢٢] . قيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حيث سب أبو قحافة النبي ﷺ ، فصكه أبو بكر ﵁ صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك، فقال ﵊: «أوَ فعلته؟! لا تعد إليه» فقال: «والذي بعثك بالحق نبياً، لو كان السيف مني قريباً لقتلته» . وقال ابن مسعود ﵁: «نزلت في أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، [وقيل: يوم بدر] ، وكان الجراح يتصدى لأبي عبيدة، وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر؛ قصد إليه أبو عبيدة، فقتله» ، وقيل في سبب نزول الآية غير ذلك. بل يصل الأمرُ أحياناً بأولئك الصادقين إلى الرغبة في التمكين من قتل أقربائهم من الكفار؛ ليُرُوا اللهَ منهم خيراً بذلك، وابتغاءً لمرضاته. فها هو النبي ﷺ عندما استشار الصحابة ﵃ في أسرى بدر، فقال: «ما ترى يا بن الخطاب؟» قال عمر ﵁: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر؛ ولكن أرى أن تُمكِّنني من فلان [قريب لعمر] فأضرب عنقه، وتُمكِّن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان [أخيه] فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين» (١) . وقد روي «أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لسيعد ابن العاص ﵁ إني أراك كأنك في نفسك شيء! أراك تظن أني قتلت أباك؟ إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه (٢) ؛ فحدت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله. فقال سعيد بن العاص ﵁: «لو قتلته لكنت على حق وكان على الباطل» فأعجبه قوله» (٣) . ٣ ـ ثبات المؤمن على عقيدته مع شدة إغراءات أهل الباطل بضمه إليهم: فقد يبذل الحاقدون على المسلمين إغراءاتهم وما بوسعهم في سبيل تخلي المسلمين عن دينهم، ويسلكون في ذلك وسائل مختلفة للوصول إلى هذا الهدف. وفي قصة عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ ما يدل على ذلك: فإنه قد أُسِر في أحد المعارك مع الروم، فعرض عليه ملك الروم أن يتنصَّر، فرفض، ثم قال له: إن فعلتَ شاطرتُك مُلْكي، وقاسمتك سلطاني، فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن ديني طرفة عين؛ ما فعلت ذلك، ثم هدده الملك بالقتل، وصَلَبَه ورماه قريباً من رجليه وقريباً من يديه، وهو يعرض عليه مفارقة دينه، فأبى، فقال له: هل لك أن تقبِّل رأسي وأخلي عنك؟ فقال عبد الله له: وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً؟ قال نعم: فقبَّل رأسه، فأمر الملك بإطلاق سراحه وسراح جميع المسلمين المأسورين لديهم، وقدِم بالأسرى على عمر ﵁ فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن ىُقبِّل رأس ابن حذافة؛ وأنا أبدأ، فقبَّل رأسه (٤) . إنها عزة المسلم الحق، وثباته عند الشدائد، وعدم تنازله عن دينه؛ حتى لو أدى ذلك إلى موته. وتأمل حب عبد الله ﵁ لأسرى المسلمين واهتمامه لهم! فإنه لم يغفل عنهم في تلك الظروف الحرجة؛ بل حرص على فكاك أسرهم. والمؤمن مطالب ومأمور بولائه لدينه ولرسوله ﷺ وللمؤمنين؛ وإنْ هَجَرَه المؤمنون لسبب من الأسباب المشروعة لذلك. وهذا يذكرنا بما حدث لكعب بن مالك ﵁ الذي هجره المسلمون حتى في رد السلام..، فابتلي في هذا الوقت العصيب بإغراء عظيم من قبل أحد الملوك في ذلك الوقت، فرفض ذلك الإغراء وثبت ﵁. يقول حاكياً ما حدث: « ... فبينما أنا أمشي في سوق المدينة؛ إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني؛ دفع إليِّ كتاباً من ملك غسان، فإذا فيه: «أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحقْ بنا نواسِك!» فقلت لما قرأتها: وهذا من البلاء. فتممت بها التنور فسجرته بها ... » (٥) ، فرفض ﵁ هذا الود الظاهر في وقت هو فيه أحوج ما يكون إلى من يواسيه ويواليه؛ لكن لِما قام في قلبه من عظم الولاء لله ولرسوله، والبراءة من أعداء الدين؛ رفض هذه الدعوة التي كشفت له بصيرته ما وراءها، فرفضها وعدَّها بلاءً آخر فكانت عقباه الخير. فكيف أخي المسلم بمن يتنازل عن ثوابت دينه ومعتقده؛ خوفاً من أعداء الدين، أو حباً في مال أو رئاسة في هذه الدنيا الزائلة؟! ٤ ـ دور الخلفاء والسلاطين في موالاة المؤمنين ونصرتهم، والبراءة من المشركين ومحاربتهم: وشواهد التاريخ على هذا كثيرة، من ذلك ما يروى من أنه عندما أسر الرومُ أحد المسلمين قال له ملك الروم: ماذا يريد خليفتكم من الإغارة علينا؟ أما تكفيكم بلادكم؟ فأخبره الجندي المسلم أنهم يهدفون إلى نشر الإسلام، وإقامة العدل بين الناس الذي افتقده الناس؛ بسبب بعدهم عن الحق، فغضب عند ذلك البطريرك الذي كان جالساً قرب الملك، وقام من مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة، وأمر به إلى السجن، ثم بعد ذلك جرى تبادل الأسرى بين المسلمين والروم، وعاد الجندي المسلم إلى أهله، واستدعاه الخليفة وأكرمه، وسمع خبره، ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود تنكَّروا على شكل صيادين حتى وصلوا إلى القسطنطينية، فدخلوها، واحتالوا على البطريرك؛ فقبضوا عليه، وجاؤوا به مكبلاً إلى أن أُدخل على مجلس الخليفة معاوية ﵁، وكان الجندي الذي أُسِر بجانب الخليفة، فقال له معاوية ﵁: أهذا هو؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له: دونك فاقتص منه! فقال الجندي: بل عفوت عنه يا أمير المؤمنين. فقال معاوية ﵁ للبطريرك: اذهب إلى مَلِكِك، وقل له: إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص من الجاني حتى من مملكتك (٦) ؛ فرضي الله عن معاوية بن أبي سفيان الذي ضرب بتلك الحادثة أروع الأمثلة في مدافعة الحاكم المسلم عن حقوق المسلمين أفراداً وجماعات. وروي أن أحد الجنود المسلمين وقع أسيراً في حوزة الرومان، وأنهم حملوه إلى إمبراطورهم الذي حاول أن يُكْرِهَه على ترك إسلامه، فرفض الأسير المسلم، فأمر الإمبراطور أن تُفقأ عيناه..، وسمع عمر بن عبد العزيز ﵀ بذلك، فكتب إلى ملك الروم يقول: «أما بعد: فقد بلغني ما صنعت بالأسير المسلم، وإني أقسم بالله لئن لم ترسله إليَّ من فورك لأبعثنَّ إليك من الجند؛ ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي» . وعندما وصل الخطاب تراجع ملك الروم أمام هذه العزيمة، وأمر بإعادة الأسير المسلم إلى أهله وقومه (١) . ومن ذلك أيضاً ما اشتهر عن المعتصم في نصرته لتلك المرأة التي صاحت بأعلى صوتها: (وامعتصماه!) ؛ حيث كانت ضمن الأسرى عند الروم، فنقل بعضُ الحاضرين هذه الصيحة إلى المعتصم فنهض مردداً: لبيكِ لبيكِ! يا أختاه، وأمر بالنفير العام، واستدعى القضاة والشهود، وأشهدهم على وصيته: أن ماله إذا استُشهد في هذه المعركة يقسّم إلى ثلاثة أقسام: ثُلثه صدقة، وثُلثه لأولاده، وثُلثه لمواليه. وسار بنفسه ومن معه من المسلمين، فحاصر عموريَّة حتى فتحها بعد حصار شديد، وثأر المعتصم من أعداء الله، واسترد كرامة المسلمين، وتبيَّن كيف تكون غضبة الحاكم المسلم إذا انتُهكت حرمات الله (٢) . ٥ ـ دور علماء الأمة في بيان الولاء والبراء، والحث على تحقيقها وذلك عبر: الفتيا، الرسالة، التصانيف، والردود. يُروى أنه نشأ خلاف كبير بين الأخوين: سلطان الشام الملكُ الصالحُ إسماعيل، وسلطان مصر الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان من نتيجته أن استعان الملك إسماعيل بالصليبيين أعداء الإسلام، وتحالف معهم على قتال أخيه نجم الدين، وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا، وكذلك قلعة (صفد) وغيرها؛ بل سمح للصليبيين أن يدخلوا دمشق، ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب، وما يريدون! فأثار هذا الصنيعُ المنكر استياءَ علماء الإسلام، فقام سلطانُ العلماء العزُّ بن عبد السلام وأنكر على السلطان فعلَه ذلك، وأفتى المسلمين بتحريم بيع النصارى السلاح. فسُجن بسبب ذلك (٣) . هذا في الفتيا. وشواهد ذلك كثيرة، حفظها لنا التاريخ، وحفظ لنا أيضاً تلك الرسائل التي خطَّها علماء السُّنة اقتداءً بنبيهم ﷺ في مراسلاته للملوك ورؤوس الكفر، كما مر معنا. فقد أرسل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالةً إلى ملك قبرص (سرجوان) يخاطبه في شأن أسرى المسلمين، فمما ورد في كلامه ﵀ بعد دعوته للإسلام: « ... ومن العجب أن يأسِر النصارى قوماً غدراً أو بغير غدر، ولم يقاتلوهم ... ، وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين؛ فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص؟! فما يُؤمِّنُ الملكَ أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم ربُّ العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم؟ وما يُؤمِّنُه أن تأخذ المسلمين حميةٌ إسلاميةٌ؛ فينالون منها ما نالوا من غيرها؟ ... » (٤) . وهذه الرسالة من شيخ الإسلام للملك النصراني تبين شدة ولائه ﵀ وحبه للمسلمين، والسعي في تخليص أسراهم من الكافرين) ، وفيها بيان لعزِّة المؤمن بقوة إنكاره وشدته على أهل الباطل، وفيها أيضاً بيان لأهمية دور العلماء في الذود عن الحق وأهله أينما كانوا. كذلك فإن أهل العلم حرصوا على التصنيف والتأليف في هذا الموضوع المهم في حياة المسلمين. فمن ذلك: ما قاله الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد ﵀ في رسالته (الهدية الثمينة في ما يحفظ به المرءُ دينَه) ؛ إذ قال ﵀: «لمَّا رأيت ما عمّ وطمّ من انقلاب الأكثرين عن دين الإسلام، وموالاتهم لعبدة الأوثان وأعداء الشريعة من: النصارى، والملحدين، والرافضة، حملتني العزة الدينية والشفقة الإنسانية أن أجمع بعض آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومن كلام علماء السُّنة المقتدى بهم، نبذةً يسيرةً في بيان تحريم مخالطة المشركين ووجوب البعد عنهم، وحكم التولي والموالاة والسفر إلى بلادهم، وما يجب على من اضطُّر إلى العمل مع الشركات الأجنبية؛ لتكون تذكرة للمؤمنين وحجة على المعاندين، وسميتها: (الهدية الثمينة في ما يحفظ به المرء دينه) » (٥) . وأختم هذه النماذج المباركة بإضاءة من حياة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ الذي كان ينبِّه بين وقت وآخر، في دروسه ومحاضراته وفي ردوده، على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين. ومن ذلك ردّه على ما جاء في أحد الصحف، وهو خبر يتعلق بإقامة صلاة الجمعة في مسجد قرطبة، وذُكر فيه: إن الاحتفال بذلك يعد تأكيداً لعلاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين: الإسلام والمسيحية، فقال ﵀ في رده عليهم: « ... ونظراً إلى ما في هذا الكلام من مصادمةِ الأدلةِ الشرعية الدالة على أنه: لا أخوةَ ولا محبة بين المسلمين والكافرين؛ وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم، وأنه لا اتحاد بين الدينين الإسلامي والنصراني؛ لأن دين الإسلام هو الحق الذي يجب على جميع أهل الأرض المكلفين اتباعُهُ، أما النصرانية فكفرٌ وضلال بنص القرآن الكريم» . ومن ذلك قوله ﵀: « ... فقد نشرت بعض الصحف المحلية تصريحاً لبعض الناس قال فيه ما نصه: «إننا لا نَكِنُّ العداء لليهود واليهودية، وإننا نحترم جميع الأديان السماوية» ، ولما كان هذا الكلامُ في شأن اليهود واليهوديةِ؛ يخالف صريحَ الكتاب العزيز والسُّنة المطهرة، ويخالف العقيدةُ الإسلامية، وهو صريح يُخشى أن يغتر به بعض الناس؛ رأيت التنبيه على ما جاء به من الخطأ نصحاً لله ولعباده، فقد دلَّ الكتابُ والسُّنة وإجماع المسلمين على أنه: يجب على المسلمين أن ىُعادوا الكافرين من اليهود والنصارى وسائر المشركين، وأن يحذروا مودتَهم واتخاذهم أولياء (٦) » ا. هـ. نعم.. تلك أفعال لا أقوال، وحقائق لا أوهام، وتلك نتفٌ يسيرة من سِيَر أقوام، نحسبهم ـ والله حسيبهم ـ رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهلاَّ اتبعنا أثرهم، واقتدينا بهم في هذا الزمان الذي وهنت فيه الأمة، وضعفت شوكتها، وهانت على بنيها قبل أعدائها! وما أصابها ما أصابها إلا من ضعف تحقيق هذا الأصل العظيم: الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراءة من الكفار والمشركين وأعداء الدين.

стр. 5815

كيف نحيي رسالة المسجد شوقي عبد الله عبّاد لا يخفى على مسلم ما للمسجد من دور في حياة المؤمن؛ فهو المدرسة الأولى التي تخرَّج فيها الصحابة ﵃. فكان لهم كبير الأثر في جميع المجالات العلمية والدعوية والقضائية والأدبية وغيرها؛ ذلك أن المسجد أدى دوره وقام برسالته التي جاء من أجلها؛ فلم يكن في عهود الإسلام الأولى دار صلاة فحسب، بل كان مع ذلك دار اجتماع لكل المسلمين، ومركزاً لإرسال السرايا والجيوش، ومنه ينطلق الدعاة إلى الله يجوبون الأرض يعلِّمون الناس الخير. وفي هذا المقام أود التذكير برسالة المسجد، وإحياء هذه الرسالة التي كادت أن تموت، ولا سيما أننا في وقت يحارب فيه المسلم بوسائل مختلفة، وأساليب متعددة. وهذه بضع عشرة وسيلة استخلصتها من هدي الإسلام وقواعده العامة، نستطيع من خلالها معاً أن نفعّل دور المسجد ونحيي شيئاً من رسالته؛ فإن غياب هذا الدور، واندراس تلك الرسالة، من أسباب تعرض المسلم للانجراف وراء التيارات المنحرفة المفسدة المشبوهة، التي تستهدف تضليل الناشئة بالدرجة الأولى، وإبعادهم عن دينهم وإغراقهم في أوحال الرذيلة مستخدمة في ذلك شتى الوسائل من دور سينما ووسائل إعلام وشبكات اتصال. وسائل تفعيل إحياء رسالة المسجد: ü الوسيلة الأولى: عقد الدروس الشرعية والدورات العلمية: وذلك بواسطة العلماء وطلاب العلم في شتى صنوف العلوم الشرعية من عقيدة وفقه وحديث وتفسير وغيرها، وذلك بين الفينة والأخرى، لا سيما في مواسم العُطَل والإجازات. ومما يدل على أن المسجد كان مهد مثل هذه الدروس العلمية قصة أبي هريرة ﵁ حين مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: «يا أهل السوق! ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله ﷺ يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذوا نصيبكم منه! قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة! قد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نرَ فيه شيئاً يُقْسَم. فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى! رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام. فقال لهم أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث محمد ﷺ » (١) . ولهذا كان الواحد من السلف، إذا أراد أن يطلب العلم، توجه أول ما يتوجه إلى بيت الله؛ فعن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، فقلت له: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم، فقال: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم تحفّه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا، من محبتهم لما يطلب» (١) . وقد ألمح ﷺ إلى ذلك حين قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله» (٢) والشاهد من الحديث قوله: «في بيت من بيوت الله» وذلك لأن الغالب في حلقات القرآن وفي دروس العلم أن تكون في بيوت الله (٣) . ومن أولى أولويات الدروس العلمية: حلقات تحفيظ القرآن الكريم للناشئة؛ فما زالت مساجد المسلمين عامرة منذ القديم بمثل تلك الحلقات التي يتخرج فيها حفظة كتاب الله، وهناك بعض المساجد تجعل حلقات التحفيظ في مدرسة أو دار خاصة بالتحفيظ مستقلة عن المسجد، مستقلة عنه حسب الظروف. ü الوسيلة الثانية: إلقاء المحاضرات والندوات: والمقصود بذلك المحاضرات التي يحتاجها المسلمون في حياتهم، وهذه تختلف عما سبق من حيث إنها لا تركز على شريحة معينة من المجتمع كطلبة العلم، بل تتوجه إلى عموم الناس: المتعلم وغير المتعلم، من النساء والرجال، وقد قال ﷺ : «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (٤) ، وإن من أهم المواضيع العامة التي يحتاجها الناس كلهم بيان أركان الدين الخمسة، وأعظمها الصلاة، وحث الناس على أدائها في جماعة، خصوصاً فريضة الفجر؛ فما بنيت المساجد إلا للصلاة وذِكْر الله. ومن المواضيع المناسبة في هذا الموطن ما يتعلق بالأسرة والبيت وتربية النشء ومسائل النكاح والطلاق والمشاكل الاجتماعية والأسرية التي تعاني منها كثير من بيوت المسلمين. ü الوسيلة الثالثة: إلقاء بعض الكلمات والمواعظ الموجزة: يتم إلقاؤها بين فينة وأخرى يستفيد منها جميع روّاد المسجد خاصة أهل الحي، على أن يُرَاعى في ذلك كله الأوقات المناسبة حتى لا يملّ الناس، وهكذا كان هديه ﷺ ؛ فقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٥) ؛ هذا وهو رسول الله ﷺ أحسن الناس موعظة، وهؤلاء هم الصحابة أحب العالمين للموعظة. وكان ابن مسعود ﵁ يذكّر الناس كل خميس اتباعاً لهدي النبي الكريم. والمهم في هذا الأمر عدم إملال الناس وتنفيرهم، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فقد يكون التذكير يوماً بعد يوم، أو يوماً بعد يومين، وقد يكون أسبوعياً، والضابط في ذلك كله هو الحاجة مع وجود النشاط (٦) . ü الوسيلة الرابعة: إنكار المخالفات الشرعية نصحاً لعامة المسلمين: وذلك عند وقوع أحد منهم في مخالفة داخل المسجد، وقد جاءت السنَّة بالنهي عن أمور تتعلق بالمساجد كالبيع والشراء فيها (٧) ، ونشدان الضالة (٨) ، ورفع الأصوات (٩) ؛ ونحو ذلك. ولعلِّي أضرب مثالاً واحداً لإحدى المخالفات التي أعتقد أنها منتشرة وقلّ أن يخلو منها مسجد، تلك هي المرور بين يدي المصلي، والمرء يعجب أشد العجب من تهاون الناس في هذا الأمر؛ فالمار لا يبالي كثيراً بأخيه المصلي، بل لا يبالي بإخوانه المصلين، فتجده يقطع صفوف المصلين واحداً تلو الآخر وكأنه لم يقع في محرم بَلْهَ كبيرة من كبائر الذنوب (١٠) . ومن جانب آخر تجد المصلين أنفسهم يتساهلون في عدم دفع هذا المار بين أيديهم وكأن الإثم يقع على المار فحسب، والأشد عجباً هو تخلي جمهرة المسلمين ـ خصوصاً أئمة المساجد ـ عن القيام بواجبهم في النصح والإرشاد لهذا الأمر المتكرر يومياً، وللأسف فإن المسجد الحرام أخذ النصيب الأوفر من الوقوع في هذه المخالفة الشرعية، بحجة أن بعض العلماء أجاز ذلك عند الضرورة كالزحام الشديد، ولكن الناظر لحال الناس هنالك يرى عدم التفات الناس إلى تلك الضرورة أو الحاجة، بل أصبح الأمر عادياً حتى إن البعض يمر بين يدي المصلين ذهاباً وإياباً دون أي مبالاة. هذا مثال واحد من المخالفات في بيوت الله جل وعلا، وإذا كان نشدان الضالة وإشهار السلاح ونحوها، يندر أن تقع في المساجد اليوم؛ فهناك ما هو أشد منها كإصدار النغمات الموسيقية أو الأغاني عبر الهواتف المحمولة وغيرها من الأمور التي تحرم في كل مكان فضلاً عن المساجد والتي هي أحب البقاع إلى الله. ü الوسيلة الخامسة: إماتة البدع وإحياء السنن: يجب التعاون على إماتة البدع والخرافات من المسجد إن وُجدت، ثم إحياء السنن التي أُميتت وما أكثرها! والبدع هي من المخالفات التي ينبغي القيام بالنصيحة عند حدوثها (١) ، ولكني أفردتُ البدع عن سائر المخالفات لفداحة الآثار المترتبة على ارتكابها مقارنة بالمخالفات التي تم الإشارة إلى بعضها؛ فالبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها كما قال سفيان الثوري ﵀، ولست بحاجة لأن أعدّد البدع، بل الشركيات المتفشية في مساجد المسلمين ودور عبادتهم؛ فمن أخطر البدع ـ وهذا على سبيل المثال لا الحصر ـ التي لا تزال للأسف موجودة في مساجد المسلمين دفن الأموات ـ لا سيما من يُعتقَد فيه الصلاح والخير ـ إما في قبلة المسجد، وهذا أشنعها، أو في طرف منه، أو في صحنه، أو حتى في فنائه، وكذلك العكس أي إقامة المسجد وبنائه على قبر، ولم يكن هذا تعامل السلف الصالح مع القبور إطلاقاً، بل إن الذي أحدث المشاهد، وعظّم القبور في ملة الإسلام هم المبتدعة (٢) . ومما يدل على خطورة هذا الأمر أن التحذير من الوقوع فيه كانت آخر وصايا النبي ﷺ حيث قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . وإن مما يندى له جبين المؤمن تلك الإحصائيات المروّعة، حول انتشار هذه البدعة في مساجد المسلمين حول العالم (٤) ؛ وهذا يحتم علينا جميعاً التكاتف في تحذير الناس منها، والرفع إلى من يهمه الأمر بخطر مثل هذه البدع المفضية ولا شك إلى الشرك الأكبر، هذا مثال واحد من أعظم البدع ناهيك عند البدع الأخرى التي تكثر في المساجد وبدع الاحتفالات بالمناسبات الحولية، مثل الاحتفال بالمولد النبوي، أو الاحتفال بليلة النصف من شعبان، أو غيرها من المناسبات، وكذلك البدع المتعلقة بالأذان وبالأذكار دبر الصلوات، وكلها مما ينبغي التعاون على إزالته، فوالله لو لم نجنِ من تفعيل دور المسجد إلا تطهير بيوت الله من مثل هذه الخزعبلات لكفى. ولا ينبغي تهوين مثل هذه الأمور والنظر إليها بعين التساهل لعلاقتها الوثيقة بجناب التوحيد والذي بسلامته ينجو الإنسان من النار ويدخل الجنة، نسأل الله من فضله. وبعد إماتة البدع (٥) ينبغي العمل على إحياء السنن الخاصة بالمساجد، وهي كثيرة، وإنما تُرِكَت لتعلق الناس بالبدع، وينبغي التدرج في إحياء السنن في المسجد وتقديم الأهم فالمهم، حتى لا ينفر الناس من السنَّة أو ينكروها؛ فالسنن المتعلقة بصفة الصلاة وتسوية الصفوف مثلاً تُقدّم على سنن الدخول إلى المسجد والخروج منه، وهذا الأمر يحتاج إلى فقه المقاصد وفقه المصالح والمفاسد، ومن لم يكن ذا مَكِنَة فلا يتجشم عناء التغيير، فقد يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح. ü الوسيلة السادسة: جمع التبرعات والصدقات للمحتاجين في الأرض المحتلة: والمقصود هو الدعم المالي المتواصل للمحتاجين من الأسر الفقيرة القاطنة بالحي، ولدعم المشاريع الخيرية أو لقضايا المسلمين في الخارج، وكان من هدي النبي ﷺ الدعوة إلى الدعم المالي للكيان المسلم في المسجد، كما في دعوته للإنفاق في غزوة تبوك (٦) ، ودعوته للتبرع حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار (٧) ، وكان إذا جاءه مال الغنيمة، أو الفيء، نثره في المسجد يقسمه بين الناس، وبوّّب على ذلك الإمام البخاري فقال: باب القسمة وتعليق القِنْوِ في المسجد (٨) ، قال ابن رجب: «المقصود بهذا الباب: أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء، وخُمْس الغنيمة، وأموال الصدقة، ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها» (٩) ، وكان الصحابة ﵃ يأخذون صدقاتهم إلى المسجد لعلهم يجدون من يأخذها منهم من فقراء المسلمين كما في قصة يزيد بن الأخنس ﵁ حين أخذ صدقته إلى المسجد ليتصدق بها (١٠) . وجاء في وصف سبعين من خيار الصحابة أنهم كانوا يشترون طعاماً لأهل الصُّفَّة القاطنين بالمسجد (١١) ، وقال يزيد بن أبي حبيب: كان مرثد بن أبي عبد الله اليزني ـ ويكنى بأبي الخير ـ أول أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلاً المسجد قط، إلا وفي كُمِّه صدقة: إما فلوس، وإما خبز، وإما قمح يتصدق به (١٢) . فهذه نماذج تدل على مكانة المسجد، ودوره في تدعيم الجانب الاقتصادي للمسلمين، وأن الصدقات والتبرعات وما شابهها كانت تنطلق منه (١٣) . ولعل ما يمر به العمل الخيري من تضييق الخناق عليه، ومن حملات مسعورة تدعو لإيقافه، محفز لنا لإحياء دور المسجد في هذا الجانب، وتفعيل ذلك الدور ولو على المستوى الفردي، وإني على يقين جازم أنه لو اعتنى كل مسجد بهذا الجانب، وقام بأداء رسالته كما كانت في العهد الأول، مع شيء من التنظيم والترتيب الذي يتطلبه مثل هذا العمل، من حيث التوزيع الدقيق للمستحقين، وصرف الصدقات في أبواب البر التي يحتاجها المجتمع، وقبل ذلك وبعده الإخلاص لله في ذلك، لانتفع كثير من المحتاجين، وسُدّت أفواه، وأُشبعت بطون. ü الوسيلة السابعة: بناء المساجد وتشييدها: والنصوص الدالة على فضل بناء المساجد كثيرة، من أشهرها حديث عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجداً لله يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة» (١) ، وفي رواية «بنى الله له مثله في الجنة» . وإن التوسع العمراني في المدن من أهم الدواعي في الإكثار من بناء المساجد وتشييدها، فينبغي حث أهل الغنى والجِدَة على بناء المساجد خصوصاً في المناطق النائية، أو المجمعات السكنية التي يقطنها أعداد كبيرة من المسلمين، وكذلك الشركات التجارية الضخمة، التي يرتادها مئات الموظفين يومياً. ومن أهم المحاذير المتعلقة بتشييد المساجد والتي ينبغي الحذر منها: الإسراف والتبذير في البناء ومتعلقاته، ومن أبرز مظاهر التبذير التي قلّ أن يخلو منها مسجد: الزخرفة والتزيين؛ فإن ذلك فضلاً عن أنه منهي عنه (٢) ؛ ففيه من الإسراف والتبذير الشيء الكثير، بل فيه إضاعة لأموال المسلمين فيما لا فائدة فيه، وقد نُهِينا عن إضاعة المال (٣) بالإضافة إلى إشغال المصلي عن صلاته التي هي سبب وجود المسجد، والأَوْلى صرف مثل هذه الأموال في ما يتطلبه المسجد من حاجات بعد البناء كترميمه، أو تنظيفه، أو نحو ذلك. ü الوسيلة الثامنة: عمارة المسجد الحسّية: لا شك أن الاهتمام بعمارة المسجد الحِسِّية من شعائر الله التي أمرنا بتعظيمها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] ، قال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها (٤) . وفسر مجاهد رفعها ببنائها (٥) : فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسات والأذى (٦) . ومما يدخل في الاهتمام بالعمارة الحسية للمساجد العناية بتنظيفها وتطييبها بين فينة وأخرى؛ إذ المساجد هي أحب البقاع إلى الله جل وعلا (٧) ؛ فهي أوْلى بالتنظيف والرعاية من غيرها. قالت عائشة ﵂: «أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظّف وتطيّب» (٨) ، وبيّن النبي ﷺ أن التفل في المسجد خطيئة وأن كفارتها دفنها (٩) . ومن ذلك أيضاً أن لا يأتيها الإنسان وهو متلبس برائحة كريهة تصدر من جسمه أو ثوبه أو فمه تتأذى بها ملائكة الرحمن، ويتأذى إخوانه المصلون؛ ففي الحديث: «من أكل من هذه الشجرة ـ يعني الثوم ـ فلا يأتينّ المساجد» (١٠) ، وبيّن في حديث آخر علة هذا النهي المتمثلة في إيذاء الملائكة وبني آدم من هذه الروائح (١١) . والأحاديث والآثار الواردة في الأمر بتنظيف المساجد وتطييبها كثيرة، ويتأكد هذا الأمر في حال اجتماع الناس أوقات الصلاة، أو يوم الجمعة، أو في رمضان، ونحوها من المناسبات. كما ينبغي توفير وسائل الراحة لرواد بيت الله كبرادات مياه الشرب، وأجهزة التكييف خصوصاً أثناء فترة الصيف في البلاد الحارة خاصة، وكذلك السخانات الكهربائية وأجهزة التدفئة في فترة الشتاء، وأدوات التنظيف والكنس الحديثة، وغيرها من نِعَم الله التي أنعم بها علينا، والتي لم تكن متوفرة إلى عهد قريب، بل ولا تزال كثير من مساجد الله خالية منها؛ فقد كان الخدَم في سالف العهد، يُكلّفون بتنظيف المسجد، وكنسه بأيديهم، وبوّب الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب الخدَم للمسجد، وذكر حديث المرأة السوداء التي كانت تقمُّ مسجد رسول الله ﷺ (١٢) ، وفي بعض طرق الحديث أنها كانت تلتقط العيدان والخرق بيديها (١٣) . ولا يظنن ظان أننا نهمل عمارة المسجد المعنوية بذكرنا للعمارة الحسية، بل إن الأمر على النقيض من ذلك؛ فإن الله جمع العمارتين في آية واحدة، فقال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ١٨] الآية. وما ذكرنا من وسائل لإحياء دَوْر المسجد هي صور للعمارة المعنوية للمسجد، ولذلك فإن المقصود من إفراد العمارة الحسية للمسجد بالذكر من باب كونها سبباً في تحصيل العمارة المعنوية التي اهتم بها الشارع الحكيم. ü الوسيلة التاسعة: العناية بمصلىات النساء: ويشمله كل ما يشمل مصلى الرجال، مع مراعاة الفوارق الشرعية؛ فقد كان ﷺ يهتم بشان النساء في المسجد، فأذن لهن في الحضور إلى المسجد، ونهى عن منعهن من ذلك (١) ، مع إشارته إلى أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد (٢) . ومع إذن الشارع الحكيم للنساء بشهود جماعة المسلمين بالمسجد إلا أنه حدّ حدوداً لا ينبغي تجاوزها، ومن تلك الحدود منع النساء من حضورهن متزينات متعطرات، فقال ﷺ : «وليخرجن تَفِلات» (٣) ، وفصلهن عن صفوف الرجال درءاً لوقوع ما لا تحمد عواقبه، وكان من هديه ﷺ تخصيص يوم للنساء يعظهن فيه ويذكِّرهن (٤) . ومما يؤسف له أن الكثير من المساجد لا تعطي مصليات النساء أهمية كبيرة؛ فمن المساجد ما لا يوجد فيه مكان خاص للنساء أصلاً فضلاً عن أن يُهتم به، ومن المساجد ما لا تعير مصلى النساء اهتماماً، من حيث تنظيفه وتطييبه، بل تجده مهجوراً، وكأنه ليس تابعاً للمسجد، ومن مصليات النساء ما لا يُفتح إلا أياماً محددة كالجمعة من الأسبوع أو رمضان من السنة فحسب؛ وكأن النساء لسن شقائق الرجال كما جاء في الحديث (٥) . إنني أنصح القائمين على بيوت الله أن يعيدوا النظر في أحوال المصليات النسوية بالمساجد، وأن ينظروا ما تحتاجه تلك المصليات، حتى تقوم بدورها كجزء مهم من أجزاء المسجد، وإذا كان هذا الأمر مهمّاً في الماضي فهو أكثر أهمية في الحاضر مع اشتداد الهجمة على المرأة المسلمة وثوابتها. ü الوسيلة العاشرة: تعويد الصبيان على ارتياد المسجد: لا سيما المميزين منهم؛ مع تعليمهم آداب المسجد، وكان الصبيان ـ المميِّز منهم وغير المميِّز ـ في عهد السلف يدخلون المسجد، وكل ما ورد من أحاديث في منع الصبيان من دخول المسجد فلا تصح ويردُّها فعل النبي ﷺ وفعل الصحابة، ولا ينبغي تنفير الأولاد من بيوت الله بحجة أنهم مصدر إزعاج للمصلين، أو سبب لذهاب الخشوع في الصلاة؛ فهذه حجج واهية، وما وسع الصحابة ينبغي أن يسعنا، ومثل هذا الإزعاج إن صدر يمكن معالجته بأساليب صحيحة أخرى، غير الطرد من المسجد، فإن الطرد فيه مفاسد كثيرة، أولها بُغض الصبي للمسجد، ونفرته منه، لا سيما إذا كبر، وكفى بهذه مفسدة، والشارع الحكيم حرص على ترغيبهم في الصلاة بالمسجد لا تنفيرهم منه، بالإضافة إلى أن تعويدهم الحضور للمسجد، فيه فوائد أخرى عدا أداء الصلاة، ومن ذلك رؤيتهم منظر التلاحم بين المسلمين بمختلف فئاتهم، ولمسهم معالم التآخي بين المصلين، فينشؤون على مثل هذه المفاهيم، وإذا حضروا الجمعة تعلموا أدب الإنصات وحُسن الاستماع، هذا إذا كانوا غير مميِّزين، أما المميِّز منهم فإنه لا شك سيستفيد مما يسمع من خطبة أو محاضرة، وسيتعلم الأحكام الشرعية، والآداب الإسلامية، والتي سينقلها إلى أهل بيته لاحقاً؛ فإن الاستجابة في الناشئة أسرع منها في الكبار (٦) ، وكما قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوهُ ü الوسيلة الحادية عشرة: مكتبة المسجد: إن إنشاء مكتبة للاستعارة والمطالعة بداخل المسجد تحت إشراف طلبة العلم المميزين، أو بجانبه، من مستلزمات إقامة الدروس العلمية، والدورات الشرعية، التي سبقت الإشارة إليها (٧) ، فلا شك أن طلبة العلم الذين يفترض حضورهم للمسجد، من أجل الدروس والمحاضرات، سيحتاج أكثرهم لشيء من الكتب والمراجع الموثوقة، ويحذر من كتب المبتدعة وأهل الضلال. ـ ويجب تشجيع أهل المسجد ورواده على زيارة المكتبة، وحثهم على القراءة؛ إذ هي الغاية من وجود المكتبة. ـ تحديد أوقات معلومة لفتح المكتبة وإغلاقها، ووضع نظام للاستعارة، وكذلك الإعلان عن كل مادة جديدة في المكتبة من كتب وأشرطة كاسيت وأقراص حاسوبية ونحوها. ü الوسيلة الثانية عشرة: تعيين أئمة وخطباء من أهل العلم والإصلاح: إن كل ما ذكر من وسائل لتفعيل دور المسجد متوقف على طبيعة القائمين على بيوت الله، ويأتي في أولهم إمام المسجد وخطيبه، وكذلك مؤذنه، والأصل في هذه الوسيلة هو قوله ﷺ : «يؤمُُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله..» (٨) ، ففيه بيان أهمية هذه الولاية، وأنه ليس كل أحد أحق بها، وأكثر كتب الحديث وكتب الفقه تحدثت عن الإمامة والخطابة والأذان في أبواب خاصة، حيث يتم ذكر الصفات الواجب توفرها في كل من إمام المسجد، وخطيبه ومؤذنه، بل أُفرِدَ هذا الأمر بالتصنيف في كتب مستقلة لأهمية الدور المنوط بهؤلاء القائمين على بيوت الله. يقول الشيخ خير الدين وانلي: «ولا يمكن للمسجد أن يقاوم السينما والمدارس التبشيرية واللادينية إلا إذا كان المسؤولون عنه ذوي مستوى عالٍ من الثقافة الإسلامية والنخوة الإسلامية والوعي الإسلامي، وإلا إذا حرصت وزارات الأوقاف الإسلامية على العناية بإعداد هؤلاء المسؤولين وكلما كان المسؤولون عن المسجد محتسبين لوجه الله كانت الفائدة منهم أكبر» (١) . ولعل من الأساليب الحديثة في إعداد مسؤولي المساجد، عقد الدورات التدريبية لهم خصوصاً للأئمة منهم بهدف تعليمهم ما قد يجهلونه من أحكام تخص المسجد وتنمية معارفهم، وهذا التثقيف والتحصيل من متطلبات الولاية التي تقلدوها، وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه؛ إذ كيف نرجو قيام المسجد برسالته، وبدوره الفعال، والقائمون على المسجد من أجهل الناس، وأدناهم ثقافة ووعياً؟ ولعل من أحسن الأمثلة الدالة على الثمرة اليانعة من تطبيق هذه الوسيلة، ما ذكره الشيخ محمد لطفي الصباغ من قيامه في فترة شبابه أثناء دراسته النظامية بجامعة دمشق ـ الجامعة السورية قديماً ـ قيامه مع عدد من إخوانه الصالحين بإعادة مسجد الجامعة الذي حولته القوات الفرنسية إلى بار، ومن ثم إلى مستودع، أعادوه إلى ما كان عليه قبل دخول الفرنسيين (٢) ، ثم قاموا بتشكيل لجنة تُعنى بالمسجد وأموره، فنظموا البرامج التوعوية والأنشطة العلمية، في فترة عصيبة كانت بلاد الشام تعيش بين نارين: التيارات الفكرية المنحرفة والطرق الصوفية المبتدعة، فاستضافوا أهل العلم لإلقاء الكلمات والمحاضرات بالمسجد، كالشيخ مصطفى السباعي والشيخ مصطفى الزرقا (٣) ، وراسلوا العلماء للإجابة عن أسئلة الناس واستفساراتهم، ولا سيما تلك التي تتعلق بالسنن والبدع، فراسلوا الشيخ الألباني للإجابة عن أسئلة الناس واستفساراتهم. يقول الألباني في مقدمة رسالته (الأجوبة النافعة عن أسئلة مسجد الجامعة) متحدثاً عن ذلك المسجد مثنياً على لجنته. ü الوسيلة الثالثة عشرة: تفعيل أمر الأوقاف: من أهم مزايا الوقف في الشريعة الإسلامية أنه مستمر لا ينقطع ودائم لا يتوقف، وبهذا يتم الحفاظ على حياة الجهات التي أوقف عليها، وتاريخ الإسلام حافل منذ القدم على الوقف في وجوه البر المختلفة من مساجد ودور علم ومدارس ومستشفيات ورعاية أيتام وغيرها، حتى أصبح هناك ديوان في عصر الأيوبيين والمماليك خاص لأوقاف المساجد (٤) ، وكان كثير من الصحابة والتابعين من الحكام والمحكومين يحبسون ـ يوقفون ـ ما يقدرون عليه من أموالهم في سبيل الله، وإذا كان العلماء اختلفوا في مشروعية الوقف على أمور معينة فقد اتفقوا على مشروعية الوقف على المساجد ودور العبادة (٥) . والواجب على أهل المسجد تفعيل دور الأوقاف كوسيلة لإحياء رسالة المسجد من ناحيتين: الأولى: نشر ثقافة الوقف على المساجد، وما يتعلق بها من دروس علمية، وحلقات لتحفيظ القرآن، ومكتبات ونحوها، وتوعية الناس بها وحثهم على ذلك. الثانية: العناية بأوقاف المساجد، والاهتمام بها، والحرص عليها من عبث العابثين؛ فإن الكثير من أوقاف المساجد لا يَرجِع رَيْعُها إلى المساجد، وإن عاد من ذلك شيء فهو نزر يسير جداً، لأن جُلّ هذه الأوقاف قد اندرست أو اغتُصبت، فإذا حرص القائمون على المسجد بالاعتناء بأوقاف المسجد، وضمان أن تعود ثمرة الوقف إلى المسجد، لا إلى جهات أخرى، فإن ذلك سوف يسهم في تأدية المسجد لدوره في الحياة. ü الوسيلة الرابعة عشرة: اللقاءات مع أهل الحي: إن قيام المسجد بأنشطة مختلفة: علمية ودعوية واجتماعية وثقافية وغيرها يتطلب تقييماً لمثل هذه الأنشطة بين فترة وأخرى؛ لأنها تبقى أولاً وأخيراً أعمالاً بشرية، يعتريها النقص ويكتنفها الخلل، ومن أحسن الأساليب لعمل مثل ذلك التقييم، عقد لقاء دوري يجمع أهل الحي بإمام المسجد أو من ينوب عنه، لمراجعة أحوال المسجد وشؤونه. ومن فوائد مثل هذا اللقاء ما يلي: ـ سد أي خلل أو نقص فيما يتعلق بشؤون المسجد عموماً ولا سيما الأنشطة سالفة الذكر. ـ الاستفادة من مقترحات أهل الحي وآرائهم. ـ تشجيع المبادرات المتميزة بالمسجد ومكافأة من يقوم بها. ـ الاطلاع على أنشطة وبرامج المساجد الأخرى للاستفادة منها. والله أسأل أن ينفع بهذه الوسائل قارئها والعاملين عليها والمشاركين في قيامها ابتغاء مرضاة الله.

стр. 5816

الشجاعة محمد بن عبد الله السحيم إن مما اتفق على استحسانه وامتداح صاحبه خلقي الشجاعة والكرم، وعليهما كان يدور عامة فخر الشعراء ومدحهم، والعكس بضده، والقضايا التي يتفق عليها بنو آدم لا تكون إلا حقاً (١) ، وقد جاء الشرع بتأييد هذا، وتوجيهه وتهذيبه، قولاً في الوحيين، وتطبيقاً من سيد المرسلين ﷺ ، ومنهجاً في سيرة سلف الأمة وهداتها؛ فبهما فضَّل الله السابقين فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] (٢) . يقول ابن كثير: «وقد كان للصحابة ﵃ في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم بِبركة الرسول ﷺ ، وطاعتهم فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم، والفرس، والصقالبة، والبربر، والحبش، وأصناف السودان، والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين عاماً» (٣) . وأخبر الرسول ﷺ أن شرّ خلال المرء الجبن والبخل؛ فقال: «شر ما في رجل شح هالع، وجبن خالع» (٤) ، واستعاذ من ذلك فيما يكرره من دعائه الذي يقول فيه: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل» (٥) ، وأخبر عن نفسه حين خُطِفَ رواؤه بعد قفلته من حنين، فقال: «أعطوني روائي! لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً» (٦) ، ووصفه ملازمه وخادمه أنس بن مالك ﵁ فقال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس، ولقد فزع أهل المدينة فكان النبي ﷺ على فرسه، وقال: وجدناه بحراً» (١) ، بل إن هاتين الصفتين ـ الكرم والشجاعة ـ هما الجهاد بالنفس والمال في سبيل الله؛ يقول شيخ الإسلام ﵀: «وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته ـ سبحانه ـ» (٢) . وعليها تأسيس الفضائل، يقول ابن القيم ﵀: «وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل» ، ثم قال: «والشجاعة تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وَتحْملُه على كظم الغيظ والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش، كما قال النبي ﷺ : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على خصمه» (٣) . يقول الطرطوشي: «واعلم أن كل كريهة ترفع، أو مكرمة تكتسب لا تحقق إلا بالشجاعة» (٤) ، وقال الأبشيهي: «اعلم أن الشجاعة عماد الفضائل، ومن فقدها لم تكمل فيه فضيلة يعبر عنها بالصبر وقوة النفس. قال الحكماء: وأصل الخير كله في ثبات القلب» (٥) . ونظراً لاتساع نطاق هذه الأخلاق، وتغلغلها في عروق ممارسات الناس الجالبة للخير والدارئة للشر قولاً وفعلاً؛ يقول شيخ الإسلام ﵀: «ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم؛ بيّن ـ سبحانه ـ أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] (٦) . ولا شك أن صلاح الدين والدنيا أساس السعادة، وللشجاع وقرينه الكريم من ذلك النصيب الوافر إن حققاهما على مراد الشرع؛ يقول ابن القيم ﵀: «فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدراً، وأحصرهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سعد الروح ولذتها، ونعيمها وابتهاجها، فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل» (٧) . والحاجة إليهما في وقت الفتن والشدائد أشد وأشد؛ يقول شيخ الإسلام: «فهذه الأخلاق (الشجاعة والسماحة) والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموماً، وخصوصاً في أوقات المحن والفتن الشديدة؛ فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم، ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضى للفتنة عندهم، ويحتاجون أيضاً إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم، وكل من هذين فيه من الصعوبة ما فيه، وإن كان يسيراً على من يسره الله عليه، وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح» (٨) . وتزداد حاجة الفرد إليها أكثر حينما يكون كبير قوم، فمن الفوائد التي ذكرها الحافظ في شرح حديث (٣١٤٨) : «وفيه ذم الخصال المذكورة، وهي: البخل والكذب والجبن، وأنَّ إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها» (٩) . تلكم المقدمة على طولها وميض مختصر في بيان منزلة الشجاعة وقرينها الكرم، وفيما سيأتي سيحصر الكلام على مسائل الشجاعة، وهي كالتالي: أولاً: ما هي الشجاعة؟ جاء في اللسان: «الشجاعة: شدة القلب في البأس» (١٠) ، وبتفصيل أكثر يقال: الشجاعة: «الإقدام بصبر وثبات على الأمور النافع تحصيلها أو دفعها» (١١) . وهذا التعريف شامل لعناصر الشجاعة، وأصلها، ومجالاتها. ثانياً: عناصر الشجاعة: ثمت خلط لدى الكثير في تحديد عناصر الشجاعة المكونة لها، مما أدى إلى تداخل مفهوم الشجاعة بغيره من الجرأة والتهور وشجاعة اليأس؛ فما هي عناصر الشجاعة؟ بالنظر إلى التعريف السابق، يلوح أن للشجاعة خمس دعائم تقوم عليها، إن اختل منها واحد لم يصدق مسمى الشجاعة على ذلك الفعل أو القول، وهي: ١ ـ العلم بنفع الفعل أو القول (قنوات الشجاعة) : يقول شيخ الإسلام ﵀: «والمحمود منها [أي من الشجاعة] ما كان بعلم ومعرفة؛ دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم، ولهذا كان القوي الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح، فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد» (١) . والعلم إما أن يكون بيقين أو غلبة الظن، والنفع إما أن يكون نفعاً بلا مضرة مطلقاً، أو بوجودها وتغليب المصلحة الراجحة عليها، أو بدفعها تغليباً على المصلحة المرجوحة؛ تطبيقاً للقاعدة المقررة شرعاً: «يختار أهون الشرين لدفع أقواهما» . «فالشجاعة المحمودة تتوسط خلقين مذمومين، وهما الجبن والتهور» (٢) . وهكذا ينبغي تناول العلم بشقيه الشرعي والواقعي (٣) ؛ بأن تكون القناة غير مخالفة للشرع، ممكنة التطبيق والتعلم، بعد الاستخارة والاستشارة. ٢ ـ الإقدام: بأن يُقدِمَ على الشجاعة مختاراً بعد علمه، فأما المغلوب على أمره فليس بِشجاع كما تقدم، والإقدام إما أن يكون تحركاً لتحصيل النفع ومبادرة إليه، وإما أن يكون مُلازَمَةً له وثابتاً عليه، كثبوت الإمام أحمد على القول بعدم خلق القرآن في تلك الفتنة الشعواء. ٣ ـ وجود المخاطر والمخاوف والمكاره: وهذا ما يستدعي الصبر والثبات؛ فالإقدام في غير مخاطرة لا يعتبر من الشجاعة، بل هو نشاط وهمة (٤) . فالشجاعة في القتال يكتنفها القتل والأسر والجرح، والشجاعة في طلب العلم يعتريها التعب وغلظة المعلم وقلة ذات اليد، والشجاعة في التجارة يعتريها الخسارة والسلب والغش، وهكذا تتعدد المخاوف وتتفاوت وتتباين في كل مجال توجد فيه. ٤ ـ الصبر: يقول شيخ الإسلام ﵀: «وقد تقدم أن جمع ذلك [أي الشجاعة] الصبر. والصبر صبران؛ صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة، كما قال الحسن: «ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة» ، وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم. وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم» (٥) . قال عمر بن الخطاب ﵁ لبعض بني عبس: «كم كنتم في يوم كذا؟ قال: كنا مائة، لم نكثر فنتواكل ونفشل، ولم نقل فنُذل. قال: فبِمَ كنتم تظهرون على أعدائكم ولستم بأكثر منهم؟ فقال: كنا نصبر بعد الناس هنيهة» (٦) . فيقول الشاعر (٧) : ويومٍ كأن المصطلين بحرِّه وإن لم يكن نار قيام على الجمرِ صبرنا له حتى تقضّى، وإنما تُفرّجُ أيام الكريهة بالصبرِ وقيل: الشجاعة صبر ساعة. «وأحسن ما وصف به الصبر أنه حبس النفس عن المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى، والمكابدة في تحمله، وانتظار الفرج» (٨) . فمن رام خير عيش فليلزم الصبر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: «وجدنا خير عيشنا بالصبر» (٩) . ٥ ـ الثبات: وذلك أن الأمر مكتنف بالمخاوف والمكاره، فربما صبر المرء في أوله وخار بعده، فلابد من ثبات لتحصيل المراد، ولا سيما أنه أقدم عليه بعد كدحِ نفعه، وخوض لججه، وينبغي ألاّ تشغله المكاره عن تلمس طرق الفرج؛ إذ ذاك من الصبر والثبات عليه، قال هشام لمسلمة: «يا أبا سعيد، هل دخلك ذعرٌ قط لحرب أو عدد؟ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي، قال هشام: هذه البسالة» (١٠) . تلكم هي الدعائم الخمس التي يقوم عليها قصر الشجاعة العتيد، فإن نقص أحدها أو سقط، فلا قيام لذلك البناء. ثالثاً: أصلها: الشجاعة خلق محله القلب، ويظهر أثره في الأفعال والأقوال والتروك، يقول شيخ الإسلام ﵀: «والشجاعة ليست هي قوة البدن، وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته» (١١) . رابعاً: أنواعها: الشجاعة كسائر الأخلاق منها الفطري والمكتسب، يقول عمر ابن الخطاب ﵁: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومرؤته خلقه. والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء؛ فالجبان يفر عن أبيه وأمه، والجريء يقاتل عما لا يؤوب به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف. والشهيد من احتسب نفسه على الله» (١) . كما إن النوع الفطري والمكتسب متفاوت بين أهله. ومما يدل على إمكانية اكتساب هذا الخلق قوله ﷺ لأشج بن عبد القيس حين سأله، بعد أن أخبره بمحبته ـ سبحانه ـ للأناة والحلم اللتين فيه، فقال: «خلقين تخلّقتُ بهما، أو جبلني الله عليهما؟» ، فقال: «بل جبلت عليهما» (٢) . يقول ابن القيم ﵀: «وفيه دليل على أن الخلق قد يحصل بالتخلق والتكلف» (٣) . والعرب تقول: «تشجع الرجل: إذا أظهر ذلك من نفسه وتكلف، وليس به» ، وتقول: «شجّعه: إذا جعله شجاعاً وقوّى قلبه» (٤) . خامساً: مغذياتها ووسائل اكتسابها: تقدم أن الشجاعة خلق فطري ومكتسب، وله وسائل تغذيه وتقويه وتوجده، فمن تلك الوسائل والمغذيات: ١ ـ الإيمان بأركانه الستة: (بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خير وشره) . يقول ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] ، ويقول ـ تعالى ـ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] . فالله «يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على أعدائهم، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله. وعلى قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفاً ورعباً، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء» (٥) . والحديث عن أثر الإيمان في تقوية القلب وتثبيته يطول، ولنأخذ أثراً واحداً موجزاً لركن واحد من أركان الإيمان؛ الإيمان بالقضاء والقدر؛ فالإيمان به يورث القلب طمأنينة تامة تجاه أشد المخاوف وأعتاها؛ إذ قد تقرر في عقيدته الراسخة ألا تكون مصيبة إلا بقضاء الله وعلمه ومشيئته وخلقه، فالأمر أمره، فإن أصابه ما يكره بعد تمثله المنهج الشرعي؛ رضي به، وسعى في دفعه دون جزع أو تسخط؛ فأنى لهذا أن يخذل أو يستكين؟ ولا سيما أنَّ الله قد حف عبده المؤمن برعايته ووعده بالدفاع عنه، بسكينة يتنزلها على قلبه، أو جند من جنده: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] . ٢ ـ التوكل على الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، فالتوكل بشقيه المكونين له؛ الثقة بالله وحسن الظن، مع مباشرة الأسباب المشروعة، عاملٌ أساسي في إمداد القلب بالشجاعة، فـ «متى اعتمد القلب على الله، وتوكل عليه، ولم يستسلم للأوهام، ولا مَلَكتْه الخيالات السيئة، ووثق بالله وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم، وزالت عنه كثير من الأسقام البدنية والقلبية، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه. فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ولا تزعجه الحوادث؛ لعلمه أن ذلك من ضعف النفس، ومن الحذر والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة؛ فيثق بالله ويطمئن لوعده، فيزول همه وقلقه، ويتبدل عسره يسراً، وترحه فرحاً، وخوفه أمناً» (٦) . كتب أنوشروان إلى مرازبته: «عليكم بأهل الشجاعة والسخاء، فإنهم أهل حسن الظن بالله تعالى» (٧) . ٣ ـ الإكثار من ذكر الله: إذ إنه الاتصال بالقوة التي لا تُغلب، والثقة بالله الذي ينصر أولياءه، وله أكبر الأثر في الثبات الذي هو بدء الطريق إلى النصر (٨) ، يقول ـ تعالى ـ معلماً عباده المؤمنين آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء (٩) ، في مواطن من مواطنها، وما عداها مقيس عليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦] . «فأمر ـ تعالى ـ بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم؛ فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه؛ بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم تلك» (١) . «فهذه هي عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر، والطاعة لله والرسول، وتجنب النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، والحذر من البطر والرفاه والبغي» (٢) . ولهذا الذكر صور شتى من الاستغفار، والدعاء، وتلاوة القرآن، واستحضار عظمة الله ... ، ونصوص الوحيين كثيرة في ذلك، كقصة طالوت وجنده، وموقف النبي ﷺ في: بدر، وأحد، والخندق، واستعاذته من الجبن والخوف، وإرشاده إلى دعاء الكرب والخوف ... إلخ (٣) . ٤ ـ اليقين بسلامة المبادئ، ووضوحها، ومقاصدها: وهذا من العوامل الرئيسة للثبات والصبر، يقول شيخ الإسلام: «ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئنُّ به، ويتنعم به ويغتذي به، وهو اليقين، كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أيها الناس، سلوا الله اليقين والعافية، فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيراً من العافية؛ فسلوهما الله» (٤) . وهل الشجاعة إلا صبر؟ (٥) . والمتأمل في حال أغلب الناكصين لَيَجدُ أن قناعاتهم ومبادئَهم لم تكن متقررة بأسس سليمة مبنية على ما تحقق علمه وتيقن مصدره، أو كانت ولكن لم تتقاصد. ومن أبرز الأمثلة الدالة على هذا السبب، قصة غلام الأخدود؛ الذي ثبت على حداثة سنه ومخالفة بيئته، وضحّى بروحه في نصرة مبدئه. وخير ما تؤسس به القناعات والمبادئ نصوص الوحييْن وإجماع الأمة والعقلاء، وهل كان من مقاصد التذكير إلا ذلك؟ ٥ ـ الإقناع: فللإقناع تأثير فعال في غرس الأخلاق أو تهذيبها في الأنفس، فمن عرف فضيلة الشجاعة وفوائدها ـ وهو ماذكر في التمهيد ـ ورذيلة الجبن ومضاره، وأقنع نفسه بأن معظم مثيرات الجبن لا تعدو كونها أوهاماً لا حقيقة لها؛ تكونت لديه عناصر مهمة مساعدة على اكتساب خلق الشجاعة، وكذلك سائر الأخلاق (٦) . ٦ ـ البيئة المناسبة، والتدريب (٧) : إذ المرء ابن بيئته؛ فتجد أهل البادية يتمتعون بشجاعة اجتياز المفاوز ومقارعة خطوبها، وأهل الجبال يتمتعون بشجاعة ارتقاء شواهقها واختراق عقباتها، وأهل السواحل يتمتعون بشجاعة ركوب البحار وخوض غمارها. وبإمكان الإنسان خلق بيئة مناسبة له تمده وتعينه على ذلك الخلق، إما بالمعايشة الحياتية، أو بقراءة سير الشجعان في شتى مجالاتها، والبحث عن أخبارهم، وهكذا بالتدريب العملي؛ «فإن الشجاعة، وإن كان أصلها في القلب؛ فإنها تحتاج إلى تدريب النفس على الإقدام وعلى التكلم بما في النفس، بإلقاء المقالات والخطب في المحافل، فمن مرّن نفسه على ذلك، لم يزل به الأمر حتى يكون مَلَكَةً له، كذلك يدرب نفسه على مقارعة الأعداء ولقائهم والجسارة في ميادين القتال، فيقوى بذلك قلبه ونفسه، فلا يزال به الأمر حتى لا يبالي بلقاء الأعداء ولا تزعجه المخاوف» (٨) . وهكذا يدرب نفسه على عدم الركون إلى الدنيا، والقعود على شظف العيش، إذ التعلق بها من أبرز أسباب الجبن، كما قال النبي ﷺ في صورة منها: «الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة» (٩) ، ومن التدريب أيضاً أن يتعود على رباطة الجأش، وأخذ التنفس العميق، إلى غير ذلك مما هو معروف ومثبت بالتجارب، ولا نغفل أهمية الالحتاق بالدورات المهارية في ذلك، والعناية بتنشئة الصغير في هذا الميدان كي يشب عليه، ولا بد في ذلك من مراعاة سنن التدرج، وإعمال قاعدة المصالح والمفاسد، وخلق جو التنافس كما كان ذلك هدي الرسول ﷺ ؛ كي تؤتي الشجرة ثمرها. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 5817

الدعوة في الحج أمانة فيصل بن علي البعداني يتوافد على بيت الله العتيق في موسم حج كل عام من آفاق الأرض مئات الآلاف من البشر من كافة الثقافات وبعامة الألسنة، وعامتهم من ذوي العاطفة الدينية الجياشة التي أقبلت على الله ـ تعالى ـ وجهدت في نيل رضاه ـ سبحانه ـ فمنهم من باع أرضه، ومنهم من رهن بيته، ومنهم من مكث السنين الطوال يجمع الدينار فوق الدينار حتى تمكن بعد لأي وطول انتظار من توفير متطلبات حجه والمال الذي سينفقه في سبيل ذلك. هذه هي النفسية المشرئبة للخير، المتطلعة للظفر برحمة الله ـ تعالى ـ وغفرانه. إلا أن المتأمل في واقع الحجيج اليوم يشاهد مظاهر جهل صارخة في الدين بعامة، وفيما يتعلق بأمر الأنساك بصفة خاصة، وليس هذا فحسب؛ بل إن السنَّة في أحيانٍ تتحول في عقلية بعضهم إلى بدعة، والجهل إلى معرفة. وعند إرادة تحليل أسباب تلك الأمية الشرعية المخيفة نجدها تعود إما إلى تقصير الحاج في التفقه بالدين ومعرفة الأحكام التفصيلية المتعلقة بشأن الحج والعمرة والزيارة، وإما إلى جغرافية المكان العسرة الفهم في مكة والمشاعر على الآتي لها لأول مرة، وإما إلى مبادرة كثير من الجهلة وأنصاف المتعلمين إلى الفتيا والتوقيع عن رب العالمين، وإما إلى وجود عدد ليس بالقليل من المعنيين بشأن الحج من أصحاب البعثات والحملات والمؤسسات العاملة في الموسم ممن أعمتهم الدنيا فصيَّرت شغلهم الشاغل كيف تتضخم أرصدتهم ويجنون المزيد من الربح. فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجود جهد كبير ومنظم لطوائف من أهل الزيغ والضلالة تستهدفت إغواء الحاج، وتعمل على استثمار الموسم في تزييف باطلها والدعوة إلى ضلالاتها، مستغلة الغفلة عنها، والأجواء العالمية العاملة على إطفاء الدين الخالص وتجفيف منابعه والحيلولة دون نجاح مواسمه، ورغبة بعض المعنيين بشأن الحج في الظهور بمظهر المتسامح مع كافة الطوائف والمذاهب؛ مع أن القوم لن يرضيهم غير نهج عقائدهم واتباع مذاهبهم. ومع الجهود الضخمة المشكورة التي تبذلها المؤسسات الرسمية وكثير من الأفراد والمؤسسات الدعوية والاجتماعية الخيرية لمساندة الحجيج وعونهم في جانب التوعية والتوجيه إلا أن تلك الجهود لم ترقَ بعدُ إلى مستوى الحد الأدنى، وما زالت غير متناسقة البتة مع الجهود الضخمة المبذولة في عمارة الحرمين الشريفين والعناية بالمشاعر وتوفير سبل الراحة والأمن والطمأنينة للحجاج والزائرين. ولو أردنا أن نتعرف على بواعث ذلك الإشكال الضخم مع صدق النوايا الموجود ـ فيما نحسب والله حسيب الجميع ـ لوجدناه يعود مثلاً في كثير من مؤسسات التوجيه الرسمية العاملة في الحج ـ إضافة إلى محدودية الإعداد والتخطيط ـ إلى ضعف الكفاءة، والرتابة والجمود، والخوف من الخطأ، ومهابة التجديد والإبداع، وسيطرة عقلية الاحتكار، ووجود فئات محدودة ولكنها بالغة التأثير داخل بعض تلك الجهات أشغلت نفسها والآخرين عن الممارسة وبذل الجهد المطلوب بتصنيف الناس وإشعال معارك متوهمة أدت إلى إقصاء كثير من أهل العلم والدعوة القادرين على تقديم عطاء متميز في هذا الموسم المبارك افتراءً وظلماً وعدواناً. وحين نتجه إلى الجهات الدعوية الخيرية العاملة في الحج نجد كثيراً منها ينطلق من الإدارة بالمال لا الفكر، ويعاني من ضيق في الأفق، وضعف في التخطيط، وقلة المتابعة، كما يعاني من أزمة تكرار الأعمال القائمة، ومحدودية التنسيق والتكامل مع الجهات العاملة. وفي المقابل فإن كثيراً من الأشخاص المهتمين بالدعوة والتعليم من خلال موسم الحج نجدهم يعانون من محدودية الإمكانات أو ضعف الجدية ومحدودية المبادرة. وهذا لا يعني عدم وجود أعمال وبرامج تتسم بالجد والقوة، كلاَّ؛ فهي كثيرة بحمد الله وإحسانه؛ بدليل ما نراه من تحسُّن في هذا المضمار عاماً بعد آخر، لكن الحديث عن الممكن فعله، وعن وجود فجوة واسعة بين الواقع والمأمول، وعن ضرورة إحداث حراك ضخم ـ نوعاً أو كمّاً ـ في دوائر الجهات المعنية بالدعوة والتوجيه في الحج؛ ليتعمق من خلالها التدين، ويذيع العلم، وينتشر الخير، وتحارَب البدعة، وتضيق مساحات الأمية الشرعية. وفي اعتقادي أن المدخل الصحيح للرقي بشأن التوجيه والتوعية في الحج يكمن في الآتي: | النظر إلى الجهود المبذولة في الحج من كونها مجرد توعيةٍ وتوجيهٍ بشأن المناسك وبعض أحكام الدين تستهدف شخص الحاج في زمن الحج ـ وهي كذلك ـ إلى كونها جهداً كبيراً محكماً وعملاً منظماً يستهدف شخص الحاج ومَنْ خلفه من بني جلدته في زمن الحج وما بعده، يصحَّح عبره النهج، ويهذَّب السلوك، ويملك الحاج من خلاله قوة في الإيمان، وطريقة راشدة في التلقي والاستدلال، وباعثاً على الدعوة وتبليغ ما يعلم من أمر الدين. وعندما نصل إلى هذا المستوى نكون قد استثمرنا فرصة مهدرة تستهدف نخبة مختارة من أهم نخب المسلمين وخيارهم، وحُلْنا بين قوى الاستكبار وأذنابهم في بلداننا، والذين يسعون إلى تسطيح التدين وتجفيف منابع الخير، والحيلولة بين الناس ودين الله . | تشجيع كل صاحب جهدٍ خيِّرٍ ومنهج منضبط على المبادرة والعمل، ومساعدته، والقيام بتأهيله، وفتح قنوات للانطلاق والعمل أمامه، والحرص على تسديده أثناء وبعد العمل، وفي المقابل الاستعداد لتحمُّل ما قد يصدر عن بعض العاملين من تصرُّف خاطئ غير مقصود واجتهاد غير سوي ووضعه في مساقه الطبيعي، وبخاصة متى كان الدافع خيراً والنية صادقة. | فتح مؤسسات متخصصة في جوانب الدعوة والتوعية المختلفة في مواسم الحج بدلاً من جعلها تحت مظلة واحدة، وعدم قصرها على الجهات الرسمية، بحيث تكون هذه للكتاب، وتلك للشريط، والأخرى للمصاحف وترجمات معاني القرآن، وغيرها للدعاة والمترجمين، فإن تعسر التقسيم النوعي فلا أقل من التقسيم المكاني بحيث تكون هذه للمطارات، وتلك لمدن الحجيج، وثالثة للمواقيت، ورابعة لعرفة ومزدلفة، ويمكن تقسيم منى على أكثر من مؤسسة بحيث يتم الدخول في شراكات حقيقية فاعلة بين مؤسسات العمل الخيري والمؤسسات الرسمية، لتتكامل الجهود وتُستوعَب الطاقات كما هو الحال في جهد إمارة مكة المكرمة المشكور في ما يتعلق بالسقيا والرفادة، ومشروع تعظيم البلد الحرام، وهيئة العناية بالزوار المنطلقة سابقاً من أمارة المدينة، وكما هو التنظيم المعتمد لدى وزارة الحج فيما يتعلق بمؤسسات الأدلاَّء والطوَّافة. | تفعيل الدرس والتوجيه والإفتاء داخل الحرمين الشريفين وساحاته العامة ومساجد مكة والمدينة من خلال اختيار شخصيات علمية ودعوية مقبولة ومؤثرة لدى الحجاج، وقادرة على النطق المباشر بلغات المسلمين الحية سواء كانوا من داخل المملكة أم من خارجها ما داموا من المشهود لهم بالعلم والكفاءة، ومن الأشخاص المعروفين بالاتزان والحكمة؛ إذ الوضع الراهن اليوم مع الجهود المبذولة لا يزال دون المستوى المقبول بحده الأدنى، وبخاصة متى علمنا أن هذه البلاد الطيبة يعيش في كنفها ويتعلم في جامعاتها آلاف من القادرين على الإسهام الفاعل في هذا الجانب، والذي سيزيل عنها ما قد يوجه لها من لوم، ويرقى ـ متى تم ـ بالبناء المعنوي للحرمين ومساجد مكة والمدينة رقياً عالياً يجعله يتوازى مع الجهود التي فاقت في أحيانٍ المنشودَ فيما يتعلق بالعمارة الحسية. | تولية شأن الدعوة والتوعية في موسم الحج لجهة مستقلة متخصصة في هذا الجانب ليس لها عمل إلا ذلك، كما هي الحال في رئاسة شؤون الحرمين، ومرتبطة بولاة الأمر مباشرة، ويزداد مسيس الحاجة لذلك في وقتنا بعد فتح أبواب العمرة طوال العام؛ على أنه ما لم يتم اختيار الكفاءات الفاعلة لتلك الجهة، والقادرة على الإبداع وتفعيل كافة الطاقات فسيبقى الأمر عملياً في مكانه. | تأسيس شركة أو مؤسسة متخصصة في الإنتاج الفني والإعلامي لإعداد جملة مناسبة من المواد العلمية والدعوية المتعلقة بالعمرة والحج والزيارة وما لا ينبغي جهله، بالسبل والوسائل واللغات المختلفة، والقيام بتسبيلها وتشجيع كل جهد عامل على نشرها وتوزيعها بمقابل أو غير مقابل، على أن لا تعتمد على الترجمة، بل تكون كتابات أصيلة من مُجيدٍ، لكل لغة، من شخصيات معروفة لأبناء تلك البيئات ومقبولة فيها. | قيام علماء الآفاق ودعاتهم بواجبهم في هذا الجانب، بحيث تنشأ مؤسسة في كل بلد مهيأ لذلك، تكون متخصصة في تأهيل الحجاج والمعتمرين، وتفقيههم فيما يحتاجون إليه من معارف وأحكام. | تفعيل دور سفارات المملكة وقنصلياتها والملحقات الدينية والثقافية في توعية الحجاج وإرشادهم وهم ما زالوا في بلدانهم، ولو من خلال توزيع كتاب وشريط وخارطة لمكة والمدينة والمشاعر أثناء إعطاء التأشيرة لكل حاج ومعتمر وهو ما زال في بلده. | فتح حوارات سنوية جادة يدعى إليها كل كفؤ قادر لمناقشة التوعية في الحج، وسبل تطويرها والرفع من كفاءتها. اللهم هيئ لأمتنا من أمرها رشدها، واحفظ عليها عقيدتها وأمنها ومصادر قوتها، وهيئ لها من أمرها رشداً، وصلى الله وسلم على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5818

النسيان في ضوء القرآن توفيق علي مراد النِّسيان: ضدُّ الذِّكْر والحِفظ. والنِّسيانُ: الترك (١) . وهو تركُ الإنسان ضبط ما استُودِع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى ينحَذِِف عن القلب ذِكرٌ. والنِّسيان أنواع: الأول: ما كان أصله عن تعمُّد: وهو كل نسيان من الإنسان ذمَّه الله ـ تعالى ـ به. الثاني: ما عُذِرَ فيه الإنسان (٢) . وهو ما عرّفه ابن رجب ﵀ فقال: (أن يكون ذاكراً لشيءٍ، فينساه عند الفعل وهو معفوٌّ عنه، بمعنى: أنه لا إثم فيه، ولكن الإثم لا ينافي أن يترتّب على نسيانه حكم) (٣) . (والنِّسْيُ: ما نُسِي وما سَقَط في منازل المُرتحلين من رُذال أمتعتهم. وفي حديث عائشة ﵂: «وَدِدْتُ أني كنتُ نِسياً مَنْسِيّاً» أي: شيئاً حقيراً مُطَّرَحاً لا يُلْتفت إليه) (٤) . وللنِّسيان صور، منها: ü أولاً: نسيان النفس: كيف ينسى العبد نفسه؟ قال ـ تعالى ـ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ، وقال أيضاً: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] . فعاقب ـ سبحانه ـ من نَسِيَهُ عقوبتين: إحداهما: أنه نَسِيَهُ. والثانية: أنه أنساه نفسه. ونسيانه ـ سبحانه ـ للعبد إهماله وتركه وتخلِّيه عنه وإضاعته، فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم. وأما إنساؤه نفسه فهو: ١ ـ إنساؤه لحظوظها العالية، وأسباب سعادتها وفلاحها وما تكمل به، ينسيه ذلك جميعه فلا يخطره بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همّته فيرغب فيه، فإنه لا يمرُّ بباله حتى يقصده ويؤثره. ٢ ـ وأيضاً يُنسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها. ٣ ـ وأيضاً يُنسيه أمراض قلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها، والسعي في إزالة عِلَلِها وأمراضها التي تؤول به إلى الفساد والهلاك، فهو مريض مُثخن بالمرض، ومرضه مترامٍ به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه، ولا يخطر بباله مداواته، وهذا من أعظم العقوبة العامة والخاصة. ٤ ـ وأيضاً يُنسيه العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار، والتجارة التي اتّجر فيها لمعاده، فإن كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرته. قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] . فالنِّسيان يؤدي إلى نسيان العبد حظَّه من هذه التجارة الرابحة، وتشكّله بالتجارة الخاسرة، وكفى بذلك عقوبة. وأيُّ عقوبة أعظم من عقوبة مَنْ أهمل نفسه وضيّعها، ونسيَ مصالحها، وداءها ودواءها، وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المُقيم (١) . وقال ـ تعالى ـ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] . قال الطبري ﵀: (وتتركون أنفسكم من طاعته) (٢) . وقال القرطبي ﵀: (اعلم ـ وفقك الله تعالى ـ أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البرِّ، لا بسبب الأمر بالبرِّ، ولهذا ذمَّ الله ـ تعالى ـ في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البرِّ ولا يعملون بها، ووبّخهم الله توبيخاً يُتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة) (٣) . ü أثر مخالفة القول الفعل على المدعوين: (والدعوة إلى البرِّ والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. وهي تبلبل قلوب وأفكار الناس وأفكارهم؛ لأنهم يسمعون قولاً جميلاً، ويشهدون فعلاً قبيحاً، فتتملّكهم الحيرة بين القول والفعل، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يُشعه الإيمان ولا يعودون يثقون في هذا الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين. إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنّانة رنّانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن إنسان بما يقول حقاً إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيماً واقعياً لما ينطق، عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق.. إنها حينئذ تستمدُّ قوتها من واقعها لا من زينتها، وتستمدُّ جمالها من صدقها لا من بريقها، إنها يومئذ دفعة حياة؛ لأنها منبثقة من حياة) (٤) . عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله: عن أسامة بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان! ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» (٥) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أُسري بي رجالاً تُقرض شفاههم بمقارض من نار، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبرِّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» (٦) . ü كيف نطابق بين القول والفعل؟ (والمطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك، ليست أمراً هيّناً ولا طريقاً مُعبّداً، إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة، وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه. والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته؛ لأن قوى الشرّ والطغيان والإغواء أكبر منه، وقد تغالبها مرة ومرة ومرة، ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله، فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي، أقوى من كل قوى. قوي على شهوته وضعفه. قوي على ضروراته واضطراراته. قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه) (٧) . قال أبو الدرداء ﵁: «لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتاً» . وقال أبو جريج: (أهلُ الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويَدَعون العمل بما يأمرون به الناس، فعيَّرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشدَّ الناس فيه مُسارعة) (٨) . ثانياً: نسيان الله: قال ـ تعالى ـ: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] . قال الطبري ﵀: (تركوا طاعة الله، فتركهم من رحمته وهدايته) (٩) . وقال الألوسي ﵀: (المراد لم يطيعوه ـ سبحانه ـ، «فنسيهم» منع لطفه وفضله عنهم) (١٠) . وقال السعدي ﵀: (فنسيهم من رحمته، فلا يوفقهم لخير، ولا يدخلهم الجنة، بل يتركهم في الدرك الأسفل من النار خالدين فيها مخلَّدين) (١١) . لأنهم لا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس، يذلّون لهم ويدارونهم، فنسيهم الله، فلا وزن لهم ولا اعتبار. وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله. وما يحسب الناس حساباً إلا للأقوياء الصُّرحاء، الذين يجهرون بآرائهم، ويقفون خلف عقائدهم، ويواجهون الدنيا بأفكارهم، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار. أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس، فلا يخشون في الحق لومة لائم، وأولئك يذكرهم الله فيذكرهم الناس ويحسبون حسابهم (١) . باعوا النفس لربّها وتذوَّقوا طعمَ الشهادة وهو حلو مذاق فازوا بها فكأنها وكأنهم مشتاقة تسعى لمشتاق (٢) وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] . (وليحذر العبد أن يُشابه قوماً نسوا الله، وغفلوا عن ذكره، والقيام بحقِّه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها فلم ينجحوا ولم يحصلوا على طائل. بل أنساهم الله مصالح أنفسهم وأغفلهم عن منافعها وفوائدها فصار أمرهم فُرُطاً، فرجعوا بخسارة الدَّارين، وغبنوا غبناً لا يمكن تداركه، ولا يجبر كسره. فالذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشدُّه إلى أفق أعلى، وبلا هدف يردعه عن السائمة التي ترعى. وفي هذا نسيان لإنسانيته. وهذه الحقيقة تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أُخرى وهي نسيان هذا المخلوق لنفسه فلا يدّخِر لها زاداً للحياة الطويلة الباقية، ولا ينظر فيما قدم لها في الغداة من رصيد) (٣) . (ومن أعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه، وإهماله لها أو إضاعته حظَّها ونصيبها من الله، وبيعه ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن، فضيّعَ من لا غنى عنه ولا عوض له منه واستبدل به عنه كل الغنى أو منه كل العوض. قيل: من كل شيء ضيعته عوض وما من الله إن ضيعته عوض فالله ـ سبحانه ـ يعوض عن كل ما سواه ولا يعوض منه شيء. ويغني عن كل ما سواه ولا يغني عنه شيء. ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء. ويمنع من كل شيء ولا يمنع منه شيء. فكيف يستغني العبد عن طاعة مَنْ هذا شأنه طَرْفة عين؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه، فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم؟ فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه) (٤) . ثالثاً: نسيان عهد الله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] . أي: (تركوا نصيباً من أوامر الله وأحكامه فلم يعملوا بها) (٥) . (أي: نسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد ﷺ وبيان نعته) (٦) . (فإنهم ذُكِّروا بالتوراة، وبما أنُزل على موسى فنسوا حظّاً منه. وهذا شامل لنسيان علمه، وأنهم نسوه، وضاع عنهم، ولم يوجد كثير مما أنساهم الله إياه، عقوبة منه لهم. وشامل لنسيان العمل، الذي هو الترك، فلم يُوفقوا للقيام بما أُمِروا به) (٧) . (فهذه سِمَات يهود التي لا تفارقهم ... نسيان وإهمال لأوامر دينهم وشريعتهم، وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم؛ لأن تنفيذها في حياتهم يكلِّفهم الاستقامة على منهج الله الطاهر النظيف القويم) (٨) . رابعاً: نسيان اليوم الآخر: قال ـ تعالى ـ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] . قال الطبري ﵀: (ففي هذا اليوم ـ يوم القيامة ـ نتركهم في العذاب جياعاً عِطاشاً، كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا) (٩) . وكأنهم لم يُخلقوا إلا للدنيا، وليس أمامهم عَرْض ولا جزاء. خامساً: نسيان آيات الله: قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦] . (أي: دلالاتنا على وحدانيتنا وقدرتنا، «فنسيتها» أي: تركتها ولم تنظر فيها وأعرضت عنها، «وكذلك اليوم تُنسى» أي: تُترك في عذاب جهنم) (١٠) . سادساً: القعود مع الظالمين ونسيان النهي عن ذلك: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . قال الطبري ﵀: (وإن أنساك الشيطان نهيَنا عن الجلوس معهم، ثم ذكرت ذلك فلا تقعد بعد التذكر معهم، وليس على من اتقى الله فأطاعه شيء من التبعة والإثم، إذا اجتنبهم وأعرض عنهم) (١) . (والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير موضعها) (٢) . (ويشمل الخائضين بالباطل، وكل مُتكلِّم بمُحرَّم، أو فاعل لمُحرَّم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم عمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المُحرَّم، أو يسكُت عنهم وعن الإنكار. فإن استعمل تقوى الله ـ تعالى ـ بأن يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زواله وتخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم) (٣) . ü من أسباب النّسيان: أولاً: استحواذ الشيطان على القلب: (قال ـ تعالى ـ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] . الحوذ: أن يتبع السائق حوذ البعير، أي: أدبار فخذيه فيعنف في سوقه، يُقال: حاذ الإبل يحوذها أي: ساقها سوقاً عنيفاً. وقال الأصمعي: الأحوذي: هو المشمِّر في الأمور القاهر لها الذي لا يشذ عنه منها شيء. وقالت عائشة ﵂ عن عمر بن الخطاب: كان أحوذياً نسيج وحده) (٤) . (غلب على قولهم بوسوسته وتزيينه حتى اتبعوه فكان مستوياً عليهم، فلم يمكنهم من ذكره بما زيّن لهم من الشهوات، فهم لا يذكرونه أصلاً لا بقلوبهم ولا بألسنتهم) (٥) . وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] . ثانياً: ترك التقوى: قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩] . (أمر ـ سبحانه ـ بتقواه ونهى أن يتشبّه عباده المؤمنون بمن نَسِيَه بترك تقواه. وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي: أنساه مصالحها، ونعيمها، فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نَسِيَه من عظمته وخوفه والقيام بأمره) (٦) . ثالثاً: الترف والنعيم: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] . وإذا أصاب الإنسانَ بلاءٌ وشدة ومرض تَذكَّر ربه، فاستغاث به ودعاه، ثم إذا أجابه وكشف عنه ضرَّه، ومنحه نِعَمه، نَسِيَ دعاءه لربه في حال الرفاهية. رابعاً: التمتُّع بالمال والعافية: قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨] . أي: طال عليهم العمر حتى نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك، حتى ساروا هلكى لا خير فيهم (٧) . ü آثار النسيان: أولاً: الاستدراج: قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . (أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، «فتحنا عليهم أبواب كل شيء» أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون) (٨) . وهذا استدراج منه ـ تعالى ـ وإملاء لهم، عياذاً بالله من مكروه. قال الحسن البصري ﵀: (مُكِرَ بالقوم وربِّ الكعبة، أُعطوا حاجتهم ثم أُخِذوا) . وقال قتادة ﵀: (بَغَتَ القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله فإنه لا يغترّ بالله إلا القوم الفاسقون) (٩) . ثانياً: ضعف الإرادة: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: ١١٥] . (ولقد وصينا آدم، وأمرناه وعهدنا إليه عهداً يقوم به، فالتزمه وأذعن له، وانقاد، وعزم على القيام به ومع ذلك نَسِيَ ما أُمر به، وانتقضت عزيمته المُحكمة فجرى عليه ما جرى، فصار عبرة لذرِّيته وصارت طبائعهم مثل طبيعة آدم، فنَسِيَ، فنَسِيَت ذرِّيته، فخطئ فخطئوا، ولم يثبت على العزم المؤكد وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقرَّ بها واعترف، فغفرت له، ومن شابَه أباه فما ظلم) (١) . (وعهد آدم كان الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة، تمثل المحظور الذي لا بدَّ منه لتربية الإرادة وتأكيد الشخصية، والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية الانطلاق من الضرورات عندما تريد، فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها. وهذا هو المقياس الذي لا يخطئ في قياس الرُّقي البشري، فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سُلّم الرُّقي البشريّ، وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى. من أجل ذلك شاءت العناية الإلهية التي ترعى هذا الكائن الإنساني أن تعده لخلافة الأرض باختبار إرادته وتنبيه قوة المقاومة فيه، وفتح عينيه على ما ينتظره من صراع بين الرغائب التي يزينها الشيطان، وإرادته وعهده للرحمن، وها هي التجربة الأولى تُعلن نتيجتها) (٢) . ü نسيان الرُّسل والأنبياء: أولاً: نسيان آدم ﵇ (٣) : قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: ١١٥] . ثانياً: نسيان موسى ﵇ عهده مع العبد الصالح «الخضر» : ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ . [الكهف: ٧٣] (أي: لا تُعَسّر عليَّ الأمر، واسمح لي، فإن ذلك وقع على وجه النِّسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة، فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنه ما ينبغي لك أيها الخضر الشدة على صاحبك، فسمح عنه الخضر) (٤) . قال القرطبي ﵀: (فيه دليل على أن النِّسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف ولا يتعلق به حكم) (٥) . ثالثاً: نسيان يوشع بن نون: قال ـ تعالى ـ على لسان يوشع بن نون: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ [الكهف: ٦٣] . (قال له خادمه: أَتذكُرُ حين لجأنا إلى الصخرة التي استرحنا عندها؟ فإني نسيت أن أخبرك ما كان من الحوت، وما أنساني أن أذكر ذلك لك إلا الشيطان، فإن الحوت الميت دبَّتْ فيه الحياة، وقفز في البحر، واتخذ له فيه طريقاً، وكان أمره مما يُعْجَبُ منه) (٦) . رابعاً: نسيان نبينا محمد ﷺ : من ذلك: ١ ـ « ... صلى الظهر خمساً» (٧) . ٢ ـ «.. وقام في ثنتين من الظهر ونسيَ الجلوس» (٨) . ü النّسيان لا يجوز في حق الله: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] . (أي: لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئاً، ويصف علمه ـ تعالى ـ بأنه بكل شيء محيط وأنه لا ينسى شيئاً ﵎، وتقدّس وتنزّه ـ، فإن علم المخلوق يعتريه نَقْصان: أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء. والآخر: نسيانه بعد علمه. فنزّه نفسه عن ذلك) (٩) . ü علاج النّسيان: أولاً: ذكر الله: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] . يؤخذ من عموم النص: (الأمر بذكر الله عند النِّسيان، فإنه يزيله، ويُذكّر العبد ما سَهَا عنه، وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله، أن يذكر ربه ولا يكونن من الغافلين) (١٠) . قال ابن عباس ﵄: «في الرجل يحلف قال له أن يستثني ولو إلى سنة» (١١) . ثانياً: الدعاء: عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله المَوْعِدُ، كنتُ رجلاً مسكيناً، أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فقال رسول الله ﷺ : «من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئاً سمعه مني» ، فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه، ثم ضممته إليّ، فما نسيت شيئاً سمعته منه (١) . ثالثاً: الاستعاذة من الشيطان: لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] . رابعاً: ترك المعاصي: وقد أشار إليه الإمام الشافعي ﵀ حين قال: شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلمَ نورٌ ونورُ الله لا يُهدى لعاصي وقال: سهري لتنقيح العلوم ألذُّ من وَصْلِ غانية وطيب عناق ونقري لألقي الترب عن أوراقها أبهى من الدوكاء (٢) والعشاق وأبيتُ سهران الدّجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي خامساً: تفريغ القلب من الشواغل الدنيوية. وهناك أمور أخرى تساعد على التذكر وعدم النِّسيان، منها: ـ تكرار قراءة الشيء بوعي، وخصوصاً القرآن الكريم؛ فإن القارئ الذي لا يتعاهد القرآن يتفلت منه، وقارئ القرآن لا يخرف. ـ كتابة ما يريد حفظه أو تذكره، فتقييد العلم بالكتابة. ـ التؤدة والتأنِّي أو التمهُّل. ـ الراحة العقلية والقلبية والبدنية: وعدم الإجهاد الذي يكون بإفراط، وفي أول الأمر وآخره. تجمع بين شيئين، الطاعة مع الاهتمام والجِدّ والاجتهاد فذلك يجعل الإنسان ذاكراً متذكراً. ü من فضل الله على الأمة الإسلامية: أولاً: تعليمهم الطلب ليعطيهم، ويرشدهم للسؤال ليثيبهم: قال ـ تعالى ـ على لسان المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . هذا تعليم للعباد كيف يكون الدعاء: (أي قولوا: «يا ربنا اصفح عنا، ولا تعاقبنا على شيء قصَّرنا فيه، أو أخطأنا في فعله على غير قصد منا إلى المعصية» (٣) . أو تركنا فرضاً على جهة النِّسيان أو فعلنا حراماً كذلك أو أخطأنا أي: الصواب في العمل جهلاً منا بوجهه الشرعي) (٤) . وهذا في غاية الكرم ونهاية الإحسان، يُعلِّمهم الطلب ليعطيهم، ويرشدهم للسؤال ليثيبهم، ولذلك قيل: لو لم تُرِد نيل ما أرجو طلبه من فيض جودك ما علمتني الطَّلبا (٥) (وهذا الدعاء يصوِّر لنا حال المؤمنين مع ربهم، وإدراكهم لضعفهم وعجزهم، وحاجتهم إلى رحمته وعفوه، وإلى مدده ودعوته، وإلصاق ظهورهم إلى ركنه، والتجائهم إلى كنفه، وانتسابهم إليه، وتجرُّدهم من كل ما عداه، واستعدادهم للجهاد في سبيله، واستمدادهم النصر منه. فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه. وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح. وليس هو التبجح ـ إذاً ـ بالخطيئة أو الإعراض عن الأمر أو التعالي عن الطاعة والتسليم أو الزيغ عن عمد وقصد.. ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه، وليس في شيء من هذا يطمع في عفوه أو سماحته إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب، وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين) (٦) . ثانياً: عدم المؤاخذة بالخطأ والنسيان: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنِّسيان وما استُكرهوا عليه» (٧) . والأظهر ـ والله أعلم ـ أن النَّاسي والمخطئ إنما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما؛ لأن الأمر مرتَّب على المقاصد والنيات، والنَّاسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما. وأما رفع الأحكام عنهما فليس مراداً من هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر (٨) .

стр. 5819

كيف نكتشف أطفالنا المبدعين أ. د. مصطفى رجب يتميز هذا العصر بالتقدُّم العلمي الزاخر الذي تجرف أمواجه العاتية، يوماً بعد يوم، تلك المجتمعات الكسلى التي لا تستطيع السباحة وسط تلك الأمواج العلمية الطاغية التي تتدفق من مراكز البحوث العلمية حاملةً معها أمواجاً موازية من التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولا ينشأ التقدُّم العلمي ويزدهر إلا على أيدي العباقرة والمبدعين، وهؤلاء ـ بدورهم ـ لا ينشؤون في فراغ، بل لا بد من استنباتهم كما تُستنبت السلالات النادرة من النبات والحيوان. إذا سلّمنا بهذا؛ وجب علينا أن نؤمن بما للأسرة من دور خطير في تنشئة المبدعين ورعايتهم، والأسرة ـ بهذا الدور ـ تسهم في ترقية مجتمعاتها، وتلك ـ فيما أحسب ـ هي «الفريضة الغائبة» في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. ü متى بدأت دراسة الإبداع؟ رغم حداثة علم النفس نسبياً بالمقارنة مع العلوم الأخرى، فإن الإبداع ـ بمعنى: دراسة القدرة العقلية للمتفوقين والموهوبين ـ قد بدأ مبكراً، فقد بدأت الأسرة الأولى لدراسة الإبداع عام ١٨٩٦م، أي: بعد نحو سبعة عشر عاماً من نشأة علم النفس بوضعه علماً مستقلاً عام ١٨٧٩م على يدي (ولهلم فونت) ، غير أن المحطة الرئيسة والعلامة البارزة في تاريخ الدراسات النفسية الخاصة بالإبداع بدأت على يدي (جيلفورد) عام ١٩٥٠م، بمقال ألقاه في صورة خطاب أمام جمعية علم النفس الأمريكية. وتوالت بعده الدراسات المتخصصة في هذا المجال، وساعد على نموّ تلك الدراسات ما ساد العلم من اتجاه نحو العنف وتسخير العلم في خدمة التسليح مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء ظهور بوادر الحرب الباردة التي كان السباق العلمي والتنافس التقني أهمَّ ملامحها. ü كيف نكتشف أطفالنا المبدعين؟ لن ندخل في جدلٍ لغويٍّ حول ماهية الإبداع وتعريفاته، فهذا مجاله الدراسات العلمية المتخصصة، وإنما نكتفي ـ هنا ـ بتعريف بسيط للإبداع بأنه: (عملية إنتاج أفكار جديدة تتميز بدرجة عالية من الخروج على المألوف، وتستند هذه العملية إلى قدرات عقلية عالية، وسِمَات شخصية خاصة أبرزها المعرفة العلمية والدافعية للإنجاز والتميّز) . وبالطبع؛ فإن هذا التعريف يشمل المفكرين والأدباء والعلماء المتفردين باختراعات خاصة بهم، وعباقرة الأطباء والمهندسين، ويدخل فيه بعد ذلك أصحاب المهن الأخرى كالمحامين وغيرهم. والسؤال الذي يهمّنا طرحه الآن: كيف تكتشف الأسرة أن طفلها هذا أو ذاك «مشروع» إنسان مبدع؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال يجب علينا تحديد ملامح أو سِمَات شخصية المبدع التي يمكننا إجمالها فيما يلي: ١ ـ الطلاقة: وتعني: قدرة الفرد على توليد الأفكار بعضها من بعض، واكتشاف بدائل عديدة للحلول المطروحة، والقدرة على حلِّ الألفاظ والمشكلات بأساليب غير مألوفة. ويمكننا أن نقدِّم مثالاً على ذلك بأن نفترض أن أمامنا مجموعة من الطلاب نريد أن نختبر قدرتهم على الطلاقة الفكرية، فنسألهم عما يمكن أحدهم أن يفعله إذا كان في قطار ـ مثلاً ـ واكتشف أن هذا القطار على وشك الوقوع في خطر، أو الاصطدام بقطار قادم. هنا ستتوالى الأفكار نتيجة الشعور بالمأزق، فمنهم: من يقترح الاتصال بالسائق، ومنهم: من يفضّل البحث عن طريقة للقفز ينجو من خلالها بنفسه، ومنهم: من يفكر في البحث عن «فرملة» الطوارئ الموجودة في كل عربة ... إلخ. وقطعاً سيصل أحدهم إلى فكرة لم تكن واردة في ذهن واضعي الاختبار، وسيجد واضع الاختبار نفسه مبهوراً بتلك الفكرة الجديدة التي يمكن عدّها إبداعاً أو مشروعاً لإنسان مبدع في المستقبل. ومثال آخر لاختبار الطلاقة اللفظية يمكننا فيه أن نؤمن لبعض الدارسين صوراً متعددة لوجوه بشرية ونطلب التركيز على حركة العينين ونوعية النظرة التي فيها والتعبير عنها بفعل مضارع، مثل: (يرى ـ يشاهد ـ ينظر ـ يتأمل ـ يرمق ـ يُمْعن النظر ـ يشاهد ـ يرنو ـ يشرئبّ ـ يتطلّع ـ يلاحظ ـ يتابع ـ ... إلخ) . والقدرة على توليد مترادفات مثل هذه تُعدّ مثالاً للطلاقة اللفظية. ٢ ـ المرونة: ضدّ التحجّر والجمود، ومعناها قريب من معنى الطلاقة، فهي تعني ـ أيضاً ـ: القدرة على الاهتداء لأفكار جديدة، ولكن بينها وبين الطلاقة فروق، فالطلاقة تعني: ثراء الأفكار واللغة أكثر من المرونة. والمرونة تعني: القدرة على الالتفاف حول الفكرة أو الجملة أو الكلمة والانحراف بها إلى معانٍ أخرى أو دلالات أخرى. وقد كان العرب يعبِّرون عن مفهوم المرونة بما كانوا يسمّونه (سرعة البديهة) ، مثل: ما روي عن الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان ﵄ أنه قال لعبد الله بن عباس ﵄ بعد أن فقد بصره في أواخر عمره: «ما لكم تصابون في أبصاركم يا بني هاشم؟» فردَّ عليه ابن عباس في الحال: «كما تُصابون في بصائركم يا بني أمية» . وكتاب علي بن ظافر الأزدي (بدائع البدائه) حافل بمئات الأمثال لهذه التلقائية في الردِّ التي كانوا يسمونها (سرعة البديهة) . فالتلقائية سِمَة من سِمَات المرونة، وكذلك القدرة التكيفية العالية بمعنى: قدرة الفرد على أن يتعايش مع أيِّ متغيرات تصيب حياته. فإذا لاحظت الأسرة أن أحد أطفالها متشدّد في مطعمه وملبسه وطريقة نومه واستيقاظه ومذكراته ... إلخ، فلا يجب أن تفرح بهذه السلوكيات وتصف هذا الطفل بأنه «ذو عقل جامد» ، و «مخّه ناشف» كما يقولون. بل يجب عليها أن تفزع؛ لأن هذه الصفات (الجمود ـ التشدّد) تدل على مستقبل غير سعيد لهذا الطفل. وعلى العكس إذا لاحظت قدرة عالية على التكيّف لدى الطفل واستعداده للتأقلم مع أيِّ تغيير فعليها أن تدرك أنها أمام «مشروع» إنسان مبدع. ٣ ـ الإفاضة: الإفاضة قريبة المعنى من الطلاقة ـ أيضاً ـ ولكنها تعني بدرجة أكبر: القدرة على إعطاء تفاصيل لم ولا تخطر على بال الطرف الآخر. ونستشهد على هذا بذلك البدوي حينما قال: هي عصا، أعدّها لعداتي (أي: أعتمد عليها كسلاح) وأسوق بها غنمي، وأركزها لصلاتي، وهي مشجب ثيابي، وعلاّقة أدواتي، وأعتمد عليها في مشيي ليتّسع بها خطوي..، ولي فيها مآرب أخرى. فانظر إلى هذا الرجل كيف ذكر العديد من الاستعمالات في إفاضة وبلاغة وقدرة عالية على التفصيل، ولم يكتف بذلك بل أجملَ في النهاية وظائف أخرى لم يفصلها. ٤ ـ حب الاستطلاع: من أبرز سِمَات المبدعين التي يمكن للأسرة اكتشافها بسهولة، حب الاستطلاع، فكلما كان لدى الطفل شرهٌ للمعرفة ورغبة جارفة في الاكتشاف والتعرّف على الأشياء وخصائصها، كان ذلك دليلاً على جودة بذرة الإبداع في نفسه، وهنا يتعين على الأسرة الانتباه إلى هذه العبقرية الوليدة وتعهّدها بالرعاية؛ من خلال توفير العديد من القصص ذات الألغاز والحكايات المثيرة والمعلومات المتدرجة في التعقيد حتى تشبع لدى هذا الطفل تلك الحاجات التربوية شديدة الأهمية في حياته. ü دور المدرسة في اكتشاف المبدعين: إذا آنسَ المعلم في بعض تلاميذه قدرة على الإبداع فإن عليه أن ينمِّي هذه القدرة ويبذل الجهد الكبير لاصطفاء أولئك التلاميذ ذوي القدرات العقلية المتميزة بتقريبهم إليه وتشجيعهم على المزيد من التفكير ـ طبعاً من دون أن يهمل الآخرين ـ ويمكنه أن يفعل ذلك من خلال: أـ تكليف هؤلاء الطلاب المتميزين بقراءة بعض القصص التي يختارها لهم من مكتبة المدرسة، وبعد ذلك تكليفهم كتابة قصص جديدة، ثم يعيد توزيعها عليهم، ويطلب منهم وضع عناوين متعددة لكل قصة، فمثل هذا العمل ينمِّي القدرة على الطلاقة اللفظية والفكرية لدى الطلاب. ب ـ تكليف الطلاب المتميزين ذكر استعمالات كثيرة مختلفة لأشياء معروفة كالحبل والورق وما شابه ذلك، ففي هذا تحدٍّ للعقول المبدعة كي تتفق مواهبها وينطلق خيالها. جـ ـ استخدام الألغاز في التدريس، أو أن يطلب المعلم من تلاميذه صياغة ألغاز حول بعض المواد التعليمية التي يقدمها إليهم. ü دور الأسرة في تربية الإبداع: وإذا كنا قد أشرنا إلى دور المعلم، فإن دور الأسرة هو المحور الأساسي في هذا الميدان، فالطفل يقضي معظم وقته ـ لاسيما السنوات الأولى من عمره ـ في أحضان أسرته، وعلى الأسرة أن تقدّم الرعاية الخاصة لأطفالها الذين تلمس لديهم قدرة أو ملامح قدرة إبداعية خاصة. ويمكن للأسرة أن تؤدِّي هذا الواجب من خلال: ١ ـ تشجيع الاختلاف بين الأبناء، فلا ينبغي أن تنزعج الأسرة إذا وجدت نشوزاً أو إعراضاً من أحد أبنائها عن سلوك أخيه أو إخوته، بل يجب أن تدعم هذا الاختلاف بحيث يؤدي في النهاية إلى التميّز لا إلى العدوان. ٢ ـ عدم الإسراف في العقاب البدني أو النفسي. ٣ ـ عدم الإسراف في الحماية الزائدة لأطفالها. ٤ ـ تقبُّل أخطاء الأطفال المتميزين بصدر رحب. ٥ ـ مساعدة الطفل على استغلال كل إمكاناته المادية والبدنية والعقلية. ٦ ـ توفير مكتبة في المنزل مهما تكن إمكانات الأسرة المالية. ٧ ـ تجنيب الأطفال العزلة؛ لأنها تدمّر نفسية الطفل وتخلق لديها بوادر الاكتئاب والإحباط. ٨ ـ تعليم الطفل كيفية تقبُّل الفشل والخطأ. ٩ ـ انتقاء ألعاب تنمِّي الخيال والابتكار.

стр. 5820

ما من نبي إلارعى الغنم محمد بن عبد الله الدويش عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (١) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ نجني الكباث وإن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بالأسود منه؛ فإنه أطيبه» . قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «وهل من نبي إلا وقد رعاها؟» (٢) . إنه أمر اختاره الله ﵎ لأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، والأغلب أنه كان قبل النبوة كما في سيرة محمد ﷺ وموسى. ولنا مع ذلك وقفات عدة: \ تقديرُ الله هذا الأمرَ للأنبياء جميعهم دليلٌ على أنه أمر مقصود؛ فرعيُه أو رعي موسى للغنم، أو غيرهما من الأنبياء؛ كل ذلك لم يحصل اتفاقاً إنما هو أمر قدَّره الله . \ في هذا دليل على حاجة النفوس للبناء والإعداد؛ فإذا هيأ الله لصفوة خلقه - الذين اختارهم واصطفاهم من بين الناس - ما يكون له أثره على بنائهم وشخصياتهم فغيرهم من الناس من باب أوْلى؛ فحري بالدعاة والمصلحين والمربين ألاَّ يشعروا أنهم قد استغنوا عن التربية والإعداد. \ رعي الغنم ليس فيه تعليم أمور ذات صلة مباشرة بالتدين، بل هو لاكتساب مهارات يحتاج إليها الأنبياء، ذكر شراح الحديث منها الصبر والحلم وقيادة الناس ... إلخ، وهذا يؤكد سعة مفهوم التربية وحاجتنا للأخذ بالمفهوم الأوسع في بناء النفوس. ولعل تأمل الواقع الدعوي يكشف لنا أن كثيراً من جوانب القصور في البناء التربوي تنتمي لجوانب تتصل ببناء الشخصية، وهذه الجوانب ليست محل اعتناء كثير من المربين، والإخفاق الحاصل من تخلُّفها كثيراً ما يعالَج من خلال الجانب المعرفي، أو من خلال انتقاد مظاهر القصور. \ كان رعي الغنم في مراحل أولى من حياة الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ مما يؤكد على أهمية المراحل العمرية - كالطفولة وما يليها - في التربية، وأهمية رسم الصورة المتكاملة لما نريد تحقيقه في نفوس أولادنا. \ إذا كان الأنبياء وهم يمثلون قمة الصفات البشرية يتأثرون بالغنم ومصاحبتهم لها؛ فهو دليل على أثر البيئة في تشكيل شخصية الإنسان، سواء كانت بيئة مادية أم معنوية، مما يتطلب وعي المربين به، وسعيهم لعلاج جوانب القصور المتصلة بذلك. \ تأثير الأتباع على قائدهم ومربيهم؛ فالأنبياء يتعلمون ويكتسبون سلوكاً ومهاراتٍ من رعيهم للغنم؛ فكيف بمن دونهم، مع البشر الذين يتواصلون ويتفاعلون معهم؟

стр. 5821

الانفتاح على مبادئ الحياة د. عبد الكريم بكار فطر الله ـ تباركت أسماؤه ـ مخلوقاته على طبائع وصفات محددة، فلكل حدث ولكل شيء ولكل مجال ... طبيعته الخاصة به، والتي يجب التعرف عليها بعمق حتى نحسن التعامل معه ونحسن استثماره على أحسن وجه؛ بل ربما جاز لنا أن نقول: إن لكثير من الأشياء طبيعتين: طبيعة في حالة انفراده، وطبيعة في حالة اجتماعه مع غيره؛ وإدراك الطبيعة الثانية أدق وأصعب. إن الانفتاح على المعلومات والمفردات والمعطيات الجزئية يثري الثقافة الشخصية للإنسان، لكن الانفتاح على المبادئ وفهم الطبائع يساعد على بلورة الرؤى المنهجية والأفكار الكبرى، ونحن في أَمَسِّ الحاجة إلى هذا النوع من الثراء الفكري؛ وقد قال أحد الحكماء: إن من يملك معلومة كمن يملك قطعة ذهبية، أما من يملك منهجاً فإنه وضع يده على مفتاح منجم ذهب! وأنا لا أستطيع أن أتناول كل مبادئ الحياة في مقالة أو في كتاب، وإذاً فلأَتحدث عن نماذج مما أعنيه؛ لعلي أحرك الهمم نحو السعي إلى اكتشاف المزيد من المبادئ والطبائع. ١ ـ إذا كان المرء قوياً، ذا نفوذ أو ذا مال أو ذا ميزات خاصة جداً، فعليه أن يخشى على نفسه من الكِبْر والغرور والبغي والطغيان؛ القوة تجذب التجاوز وعبور الحدود، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حيث قال : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] ، ولما كان فرعون ملكاً جباراً خاف موسى وهارون ﵉ من طغيانه عليهما وبطشه بهما، فقالا: ﴿ ... رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] . إن القوة بكل أشكالها تغري صاحبها بالعدوان؛ لأنها توفر له شعوراً بالأمن من الإفلات من العقاب، كما أن المرء كلما كان أقوى كثر المحتاجون إليه، وكثرت مصالح الناس عنده، وهذا يوفر له فرصة التحكم بهم وظلمهم؛ وهذا يعني أن على جميع الناجحين والمميزين وذوي المكنة والنفوذ أن يمارسوا نوعاً من الرقابة على أنفسهم حتى لا يقعوا في شكل من أشكال البغي والطغيان. وفي المقابل فإن الضعيف والفقير والعاطل عن العمل وكل من يعيش في ظروف قاسية وصعبة، يكونون على حافة المذلة والإهانة والقبول بالظلم، وما ذاك إلا لشعورهم بالحاجة إلى الآخرين، وشعورهم بالعجز عن القيام بشؤونهم ومتطلباتهم الشخصية على نحو مقبول. وعلى هؤلاء أن يتعلموا كيف يتخلصون من أوضاعهم أولاً، كما أن عليهم أن يتعلموا كيف يحمون أنفسهم من المهانة ثانياً، وذلك من خلال الصبر والتعفف ومقاومة التسلط، والنظر إلى الكرامة الشخصية على أنها شيء لا يقبل المساومة. ٢ ـ الكم لا يكون إلا على حساب الكيف؛ وذلك لأننا نحن البشر محدودون في أعمارنا وإمكاناتنا ورؤانا وطاقاتنا الروحية، ولهذا فإننا لا نستطيع أن ننفق من رأس مالنا المحدود على ما نعالجه ونعانيه بشكل غير محدود، ولذا فلا بد أن نختار بين التركيز على الكم أو التركيز على الكيف؛ حيث إن من الواضح أن المعلم ـ مثلاً ـ لا يستطيع أن يعتني بأربعين طالباً، تم حشدهم في فصل دراسي، عناية تماثل عنايته بطلابه العشرة أو الخمسة عشر. والمؤلف الذي أخرج كتاباً في خمس مجلدات خلال ثلاثة أعوام، لا يستطيع خدمة مسائله على مستوى عالٍ من التدقيق والتحقيق والنقد على النحو الذي يقوم به طالب الدراسات العليا حين يسلخ من عمره ثلاث سنوات في كتابة ثلاثمائة صفحة. وقد ورد في حديث (القصعة) ما يدل على أن المشكلة الحضارية للأمة ستكون مع الكيف، وليس مع الكم: « ... أنتم يومئذ كثيرون، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» . ومن الواضح أن الأمم التي تحقق الغلبة على غيرها ليست كثيرة العدد، لكن عنايتها بتعليم أبنائها وتدريبهم عالية جداً. التجربة الحضارية لأمتنا تدل على أن الاهتمام بالكيف يجب أن يستولي على اهتماماتنا وخططنا المستقبلية. ٣ ـ كلما اتجهنا نحو الأصول والكليات وجدنا أنفسنا أقرب للاتفاق ووحدة الرأي، وكلما اتجهنا نحو الفروع والجزئيات صار الاتفاق أمراً عسيراً، وصار التعاذر أمراً لا مناص منه، والأمثلة تفوق الحصر. وعلى سبيل المثال: فإن البشرية مجمعة على أهمية (بر الوالدين) بوصفه قيمة من القيم الإنسانية الكبرى؛ لكن حين نصير إلى التفاصيل والجزئيات والتطبيقات العملية، فإننا سنجد الاختلاف في بعض مفاهيم (البِر) داخل الأسرة الواحدة: الأسرة المسلمة والأسرة غير المسلمة. إذا أخطأ والد أحدنا؛ فهل نصحُه من البر أو من العقوق؟ بعض الشعوب تعد نصيحة الآباء نوعاً من العقوق، وشعوب أخرى ترى في ذلك مطلباً شرعياً. وقد ذكر لنا القرآن الكريم أن إبراهيم ﵇ كان ينصح أباه ويعظه، ثم تبرأ منه؛ بسبب إصراره على الكفر. والبشرية متفقة على فضيلة (الصدق) وضرورة الالتزام به؛ لكن إذا كان الصدق سيؤدي إلى قتل نفس بريئة ظلماً وعدواناً؛ فهل نقول الصدق، أم يكون الكذب هو المطلوب؟ وإذا كان الكذب لن يؤدي إلى قتل بريء؛ لكنه سيؤدي إلى تفويت مصلحة مشروعة، فهل يكون الكذب جائزاً؟ وهكذا ... إذا فهمنا هذا المبدأ من مبادئ الحياة، فربما نعمل على عدم طلب الإجماع في أمور فرعية، كما نعمل على مقاومة الاختلاف في الأمور الكلية. ... للحديث صلة.

стр. 5822

الشافي بسام الطعان وجد (ياسر) نفسه فريسة سهلة لمرض غامض ومحبط، مرض زرع الخوف والأنين في جسده، يبدو أنه في عجلة من أمره، يريد أن يهوي عليه كشفرة المقصلة ويزيله من جغرافيا الحياة، ولم يأت وحده، وإنما جاء معه اكتئاب شديد، لم يُبْقِ فيه ولو قيد شبر بغير احتلال، اكتئاب دخل في جسده كالسهم، وشق روحه التي سرقها من قبل الشحوب الرمادي الداهم. كانت زوجه تجلس إلى جانبه، تواسيه، تشجعه على النهوض من الفراش، تتأمل وجهه الذي يكاد يكون مفرغاً من الحياة، وتبكي بكاءً صامتاً، وكان ذلك شبيهاً بتدفق كابوس مرعب بالنسبة لها. حين استمر المرض في غزوه السريع، وداهمه طغيان الوجع، وظلت الأوهام تنحت في أروقة صدره العذاب، وتراخى جسده، ونقصت همته، وصارت شمسه على حافة الأفول، كان من الطبيعي أن يستجيب لدعوة زوجه التي حاولت أن تطرد المشهد الخرائبي وقالت له: ـ تزود بقدر من بأسٍ يا ياسر! واذهب إلى الطبيب.. إن الألم صعلوك أمام الإرادة. عاد إلى البيت وقطيع من الأوهام يتسمر عند حافة عقله، بينما رأسه مدلّى في أبد الصمت، والموت كأنه يراه، ويحسه، موجوداً معه، حضوره إلى جانبه يكاد يلمسه، عيناه متعبتان، ونفسه كعادتها منطوية ومستسلمة للحزن والخمول. في كل يوم يمر، تغرق الأشياء حول ياسر في لون رمادي، تئن الدموع في عينيه، تسكنه الوحشة، يجري الإحباط في شرايينه، ويصبح قلبه عصفوراً يختلج في صدره الكسيح، بينما زوجه تنظر إلى وجوده الذابل وتحاول ما بوسعها التخفيف عنه. استشف في نظراتها التي حاولت أن تلملمها بعيداً عنه حزناً عميقاً، فقال لها: ـ أتمنى أن أفعل ذلك لكنني لا أستطيع. رفعت رأسها، استغاثت بالله « ﷻ » ، وأجهشت بحرقة والتياع، دموعها مستديرة صافية، قطرة بعد قطرة، وكل قطرة تقيم في نفسها القلق، وتجعل الحزن يشحذ شفرته ويغرزها دون رحمة في ثناياها، كيف لا وقد أصبح قلبها مسكناً جميلاً له. ذات يوم دافئ، نهض قبل أن ينهض الصبح من نومه، مضغ تعاسته كعلكة بائرة، أسند رأسه إلى مسند السرير وهو يشعر بالشيخوخة تدب في كل أنحاء جسده، حاول أن يهدهد حزنه الشامل، لكن الحزن زمجر في وجهه، وظل يسحقه دون هوادة، حاول أن يتذكر كل تفاصيل الحلم، تجول في ردهات ذاكرته، لكنه لم يستطع أن يتذكر إلا جملة واحدة سمعها في الحلم: «إنه الشافي» . تاه في دروب الحلم الوعرة، وأصبحت نفسه مجرد خيال، شبح، كائن يتحرك بصعوبة، وفي النهاية قال لنفسه: «هل آن الأوان أم ما زال في الروح بقية؟» . مرت أيام أخرى، وظلت الجملة تعلو قلعة انكساره، همست في داخله المخاوف، وطافت به الأوهام من جديد، ومع الهواجس والخيالات، والأسى واللوعة، الخوف والشجاعة، الوعي واللاوعي، لمعت في ذهنه فكرة دفعته من السرير دفعاً، وهدّأت خواطره المتكدرة، فلم ينتظر طويلاً، أعلن بدء انتحار الخوف والصمت، وبدء نمو زهور التحدي، لملم بعضه ليطفو على قمة الصحة، يسمو نحو الخلاص، ويحلم بالحياة، فالقلب متعب ويريد أن يقطع الدروب المعفَّرة بالعذاب، ارتدى الفجر والوجع قميصاً بلا أزرار وخرج كمكفوف يريد أن يخرج من ظلمته الأبدية، خرج مع بؤسه وهزاله، احتسى غبش الفجر وطارد غزلان الخلاص، بينما الكآبة لا تزال تجأر في خطواته وتسد باب الشفاء، وبشيء من صبر أيوب، سار على الرصيف المغسول بمطر الصباح المبكر الذي أعادته المدينة. الألم يملأ الفم والخاصرة، ولا يهتم؛ فقد قرر البحث عن الشافي بعدما ضاق ذرعاً بحياة الاكتئاب والعقاقير والرطوبة والظلام. وصل إلى المسجد ووجهه شرخ يدل على انشطاره، أسند ظهره إلى الحائط، تنفس ارتياحاً، اغمض عينيه للحظات، ثم دخل بخطوات بطيئة، توضأ، وأمام القبلة صلى ركعتي استخارة، توسل لله أن يبعث له الدواء والشفاء. بعد الصلاة خرج من المسجد، وفي الطريق إلى البيت خفق قلبه على نحو لم يخفق خلال الأعوام التي عاشها، وفجأة تناثرت الكآبة ومعها التعاسة والوجع والخمول والانطواء والبؤس حطاماً، وأحس أن قلبه قد أصبح سماء خضراء لا تتسع لورقة صفراء، وأن الحياة تفجرت في عروقه في أروع شكل لها. حمل بيدر صحته، اتجه صوب بيته شاهراً فرحته، تحدو به مشاعر عذبة، وأمام الباب، سمع صوت الحياة تنشد ألحانها في أعضائه، فربط قلبه بشريط من الفرح، وأحس بأجنحة لا يراها تحمله، فتح الباب، وعندما رأته يتأبط الفرح والراحة، وعلى شفتيه تلك الابتسامة التي كانت غائبة، بُهِتَتْ زوجته وهتفت بصوت ضاحك: ـ ما شاء الله يا ياسر! أرى الصحة تتلألأ على وجهك. جلس أمام النافذة وهو يستمع في نشوة إلى رفيف الأجنحة، عصر رحيق الشمس بين يديه ومنح نفسه قطرة ضوء اشتاقت لها، طلب الطعام الذي هجره طويلاً بفرح طفولي: ـ تخلصي يا زوجتي من كل تلك الأدوية! لقد اهتديتُ إلى الشافي.

стр. 5823

التغلغل الصهيوني في العراق بات حقيقة د. أكرم المشهداني | الدور الصهيوني في الحرب الأمريكية على العراق: ليس سرّاً أن حماية أمن كيان الدولة الصهيونية هو من أهمِّ أهداف غزو القوات الأنجلو أمريكية للعراق، إضافةً إلى السيطرة على منابع النفط العراقي، والهيمنة العسكرية والسياسية المباشرة على الممرات البحرية وطرق المواصلات العالمية. ويرى الباحثون الاستراتيجيون أن أمن العدو الصهيوني قد توفر وتعزز في الوقت الراهن بعد تدمير أمريكا القدرات العسكرية العراقية وبعد إنهاء أيّ قدرة على تهديد ذلك العدو عقب قرار (بول بريمر) بحلِّ الجيش العراقي بكافة أسلحته: الجوية والصاروخية والبرية والبحرية، وهذا الأمر يؤكد أن حرب غزو العراق قامت بها القوتان الاستعماريتان أمريكا وبريطانيا نيابةً عن (الدولة الصهيونية) ؛ لأن هذه الدولة ترى أن العراق يشكل خطَّ مواجهة وليس قوة مساندة فقط لأي معركة عربية ـ صهيونية مستقبلاً، كما ترى أن ضرب وتفكيك وتقسيم وتجزئة العراق هو مصلحة صهيونية بالدرجة الاولى، كما أن (العراق) من الدول العربية القليلة التي شاركت في حرب ١٩٤٨م ولم توقع على الهدنة مع ذلك العدو، وتعتبر نفسها في حالة حرب معه. ولقد رأى الصهاينة ـ كما أكّد أكثر من مسؤول منهم ـ بالحرب الأمريكية على العراق الفرصة الذهبية لتحقيق ما كانت تمنِّي الدولة الصهيونية نفسها به؛ من تفتيت العراق وإضعافه، وإثارة الفتن المذهبية والعرقية، وغرس الموساد في مختلف مناطق العراق. وقد كشفت صحيفة (إيديعوت أحرونوت) في ٥/١٢/٢٠٠٤م عن وجود عشرات الخبراء العسكريين الصهاينة المرسلين من قِبَل شركات أمنية صهيونية لتدريب أطراف عراقية في قاعدة عسكرية شمال العراق، كما كشفت الجريدة في تقريرها أن الشركات الصهيونية انطلقت من بناء مطار دولي في منطقة أربيل. ولتأكيد هذه المعلومات نشرت الصحيفة صورةً ولافتة للمطار وأمامه وحدة أمنية متنقلة. إضافة إلى ذلك كشفت الصحيفة معلومات سبق أن تردّدت كثيراً وحاول مسؤولون عراقيون إنكارها تفيد أن الشركات الصهيونية تغلغلت في العراق، وتعمل بصورة سرّية، وتحمل أسماء متعددة للتمويه، فيما أكدت معلومات أخرى أن شبكات الموساد الصهيونية عملت على إثارة الفتن الطائفية والمذهبية، ونفذت عمليات إرهابية ضد المدنيين، محاولةً تشويه صورة المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي وتشويه صورة الإسلام والمسلمين على حدٍّ سواء، كل تلك دلائل على الدور الصهيوني في تخريب العراق، ناهيكَ عن الحقد التاريخي. ومؤخراًً ذكرت صحيفة (معاريف) الصهيونية أن ما يسمى حكومة كردستان العراق على استعداد تامّ لافتتاح قنصلية صهيونية في مدينة أربيل في المستقبل القريب، وكان (مسعود البارزاني) قد صرحّ في الكويت مؤخراً أن «إقامة علاقات مع الدولة الصهيونية ليست جريمة، فأنا مستعد لافتتاح قنصلية صهيونية في أربيل في حال قررت الحكومة العراقية افتتاح سفارة صهيونية في بغداد» . وصرَّح أحد الشخصيات العراقية البارزة لصحيفة (الشروق) المصرية مؤخراًً قائلاً: «إن الوجود الصهيوني معلن وسافر في الفنادق والمراكز السياحية بشمال العراق، ويظهر ذلك التواجد العلني حيث يحرص الصهاينة على ارتداء غطاء الرأس الخاص بهم؛ حتى يقدّموا رسالة لها معنى فيه تحدّ للشعب العراقي وكل العرب بأنهم موجودون في العراق وتحت رعاية وحماية الأكراد. ولا يقتصر ذلك الوجود على الشمال فقط، وأذكر أن أحد كبار الضباط السابقين في الجيش العراقي قال لي: أنه توجّه مؤخراً إلى مقرِّ وزارة الدفاع للعمل بها بعد أن أصبح محتاجاً إلى العمل أو إلى مصدر للدَّخْل بعد تسريح الجيش عقب الاحتلال، وأخبرني أنه رأى أحد اليهود من الذين يرتدون القبعة اليهودية يروح ويجيء داخل مكاتب الوزارة، والمؤكد أن جهاز المخابرات الصهيونية (الموساد) موجود في أماكن كثيرة رسمية داخل العراق، مستغلاً العلاقة الوثيقة مع الاحتلال الأمريكي، وقد بثّت المقاومة أشرطة مسجلة لعمليات تصفية عملاء الموساد» . كما كشفت تقارير إعلامية عراقية عن (أن شركة صهيونية فازت بعقدين للاستثمار في مجال التنقيب عن النفط الخام في العراق. وذكرت الأنباء أن شركة سرسل الصهيونية ـ التي أدرجها النظام العراقي السابق على القائمة السوداء للشركات المحظور التعامل معها ـ حصلت من خلال شركة عراقية على عقدين نفطيين للاستثمار في مجال التنقيب عن النفط الخام. وأوضحت الصحيفة أن الشركة ـ ومقرّها تل أبيب ولديها فرع ثانٍ في فرنسا ـ حصلت على العقدين تحت عباءة شركة عراقية تدعى (أميرة بكس) يقودها ويشرف عليها فاسدون في شركة الاستكشافات النفطية التابعة لوزارة النفط، وهي تنتظر الفوز بعقد ثالث) . ü الحقد اليهودي التاريخي للعراق: ويبدو أن الأساطير اليهودية الصهيونية هي التي روَّجت لضرورة سحق القوة العراقية مبكراً، حيث يجد اليهود في تلمودهم المزعوم أن خراب دولتهم الثانية سيكون على أيدي جندٍ أولي بأس شديد يخرجون من أرض بابل مثلما خرج (نبوخذ نصّر) الذي خرّب دولتهم الأولى قبل آلاف السنين، وسباهم رجالاً ونساءً أسرى وعبيداً من أورشليم إلى بابل. وكان الصهاينة وعلى رأسهم (الإرهابي شارون) هم أكثر الفرحين والشامتين بدخول القوات الأمريكية الغازية شوارع بغداد، وبينما كان العرب والمسلمون يعتصرهم الألم كان الصهاينة فرحين والابتسامات تعلو وجوههم، ويتبادلون التهاني، ويتعاقرون الخمر سعادةً وطَرَباً بالإنجاز العظيم الذي حقّقه لهم بوش وبلير. \ غزو العراق يمهّد لإقامة الدولة الصهيونية الكبرى من النيل إلى الفرات: إذاً؛ فأمريكا غزت العراق من أجل تأمين الدولة الصهيونية كقوة عظمى وحيدة في المنطقة، وطَمْس هوية العراق العربية والإسلامية، وقطع كل صلاته بتاريخه الحضاري العريق، وتوتير علاقاته مع دول الجوار وخاصة مع العالم العربي. ولو تأملنا أساليب تعامل قوات الغزو الأمريكي مع العراقيين أفراداً ومُدناً وتأمّلنا صور التعذيب الأمريكية ولجوء قوات الاحتلال إلى دهم البيوت ونسف المنازل وجرف المزارع وقلع البساتين.. لوجدناها تتطابق تماماً في تفصيلاتها مع ما تمارسه القوات الصهيونية في فلسطين. وقد تبين فعلاً أن خبراء صهاينة في فنون التعذيب والاعتداءات الجنسية هم الذين درّبوا الجنود الأمريكيين على أساليب التحقيق الوحشية مع المعتقلين العراقيين والتعامل مع المدن الخارجة عن الطاعة! فعند بدء الاستعدادات العسكرية الأمريكية ـ البريطانية لغزو العراق، وضع الكيان الصهيوني نفسه في واجهة الأحداث الأمامية لهذا الغزو، باعتبار أن الحرب التي تشنّها أمريكا وبريطانيا على العراق هي (حرب صهيونية) بالدرجة الأولى، تأسيساً على الفكرة (الإسرائيلية) القائلة: بأن أيَّ حدث أو تغيير قد يتأتَّى عن هذا الغزو سيغيّر الوضع في المنطقة وفي الكيان الصهيوني بالذات، لذا فإن نتائج الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق ستنصبّ في خدمة الأهداف الاستراتيجية الصهيونية، وتفتح الأبواب على مصراعيها أمام نشوء أوضاع جديدة ومختلفة، تُخرج الكيان الصهيوني من المستنقع الفلسطيني الذي بات يغوص فيه، وتخلّصه من الورطة الاستراتيجية التي تعيشها آلته العسكرية وانسداد أيّ أفق سياسي لحلِّ الصراع حسب المقاس الشاروني الصهيوني، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تهدد بانهيار الاقتصاد الصهيوني والانقسامات السياسية والاجتماعية والإثنية والطائفية التي تنخر جسد الكيان الصهيوني. ü التغلغل الصهيوني في العراق إبّان الغزو وبعده: أول ثمرة قطفها الصهاينة من وراء احتلال أمريكا وبريطانيا للعراق هي إنهاء العراق كقوة إقليمية لا يُستهان بها، هذا على الصعيد الاستراتيجي، أما الثمرة الأخرى فتمثلت في الاختراق الاستخباراتي للعراق أرضاً وإنساناً، فعلى هذا الصعيد أنشأت الدولة الصهيونية فرعاً للموساد في بغداد، وذلك حسب المصادر العراقية؛ لتنفيذ مهام خطيرة تتعلق في مطاردة العلماء العراقيين، والبحث عن أرشيف المخابرات العراقية، وتجنيد العملاء المحليين، بالإضافة إلى اختراق المجتمع العراقي، والتغلغل في أوساط النخبة السياسية والحركات والمنظمات السياسية الناشئة، والتقصِّي والتفتيش عن برامج أسلحة الدمار الشامل، والبرنامج النووي العراقي الذي كانت هذه الدولة قد سدّدت له ضربة قاتلة بقصفها مفاعل (تموز) العراقي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. ومن مظاهر التغلغل الصهيوني في العراق بعد الغزو افتتاحُ مركز صهيوني للدراسات الشرق أوسطية في العاصمة العراقية أول أغسطس ٢٠٠٣م، ويحتلّ المركز مبنى كبيراً في شارع (أبو نواس) المطلّ على نهر دجلة، ويُعدّ المركز أول مركز صهيوني يعمل علانية في بغداد بعد سقوطها، وقد تمكن من الحصول على التصريحات اللازمة من قوات الاحتلال الأمريكية، ومن وزارة الدفاع البنتاغون، كما أن حراسة أمريكية مشددة تُفرض حوله، وهذا المركز يتبع مؤسسة صهيونية تدعى «ميمري» (مركز الصحافة العربية) الذي أنشئ عام ١٩٩٩م ومقره الرئيس في العاصمة الأمريكية واشنطن، وله فروع منتشرة في لندن وبرلين والقدس الغربية، والمركز يتولى ظاهرياً متابعة الصحافة العربية الصادرة في الوطن العربي والدول الأوروبية ولا سيما بريطانيا، حيث يقوم بترجمة المقالات الهامة الصادرة في الصحف العربية إلى اللغات العبرية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وتوزيعها على المشتركين، كما يقوم بتزويد المؤسسات الصهيونية الرسمية بهذه الترجمات. وتسرّبت معلومات عن أن وحدات أمنية صهيونية دخلت بغداد في اليوم الثاني لسقوطها، حيث تحركت تلك الوحدات من أربيل باتجاه كركوك، ثم استقرت في بغداد، وكانت برفقة قوات كردية. وقالت المصادر العراقية: إن الوحدات الصهيونية التابعة للجنرال الصهيوني (ديفيد تزور) ـ المعنيّ بتطوير التعاون الأمني مع الأمريكيين في العراق ـ دخلت بغداد مرتدية ملابس مدنية، وبسيارات مدنية ـ أيضاً ـ مكتوب على لوحاتها «السليمانية، وأربيل» ، وبتنسيق كامل مع قنوات أمنية أمريكية. في هذا الأثناء كشفت المصادر الصحافية أن الوحدات الأمنية الصهيونية في بغداد وبالتنسيق مع حزب الجلبي كان هدفها اكتشاف مخبأ أرشيف المخابرات العراقية لأسباب ترتبط بعمليات «الموساد» الصهيوني خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وخاصة تلك المتعلقة بصلة المخابرات العراقية مع أجهزة الأمن الفلسطينية التي قادها صلاح خلف «أبو إياد» وخليل الوزير «أبو جهاد» . ü الصهاينة يدرّبون الأمريكان على حرب المدن: وتعود أخبار التسلّل الصهيوني إلى ما قبل الغزو الأمريكي البريطاني، حين نشرت صحيفة (هاآرتس) الصهيونية تقريراً يفيد أن القوات الأمريكية الغازية تستعين بخبرات صهيونية في فنون وأساليب حرب المدن وقمع المقاومة المسلحة إبّان الاحتلال، وفي هذا الإطار ألقى الكولونيل الصهيوني (موشيه تامير) قائد فرقة جولاني الصهيونية محاضرة على ضباط قوات المارينز الأمريكي تمحورت حول الدروس التي تعلَّمها جيش الاحتلال الصهيوني من الصراع المسلّح مع حركات المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى. وركزت محاضرة الكولونيل الصهيوني على عملية «السور الواقي» التي شنّتها قوات الاحتلال الصهيوني على الشعب الفلسطيني في إبريل ٢٠٠٢م، ومحاضرته كانت جزءاً من سلسلة محاضرات وتدريبات حول حرب المدن التي كانت تتوقعها القوات الأمريكية مع الجيش العراقي. وخلال أيام الحرب أعلنت القيادة العراقية أنها عثرت على بقايا صواريخ تخص الجيش الصهيوني، وهي إشارة واضحة تؤكد أن الدولة الصهيونية خاضت الحرب على العراق جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فالعراق وإلى قبيل الغزو الأمريكي البريطاني كان يشكل تهديداً مباشراً للأمن الصهيوني الاستراتيجي، ويقف عقبة في وجه التفوق العسكري للصهاينة، ويحول دون التوسع الجغرافي لدولة يهود الذين يحلمون بإقامة (إسرائيل الكبرى) التي حدودها من النيل غرباً إلى الفرات شرقاً، ومن جبال الأرز شمالاً في لبنان وحتى نخيل خيبر جنوباً في المملكة العربية السعودية، وهذا حلم إبليس في الجنة. ولا غرابة أن يسعى الصهاينة لقضم ما تيسر لهم من كعكة العراق حتى وإن تعثّر الأمريكان والبريطانيون في تثبيت أقدامهم على بلاد الرافدين جرّاء المقاومة المسلحة العراقية التي توالي تكبيدهم خسائر كبيرة وعلى رأسها حصد أرواح الجنود الأمريكان. ونشرت صحيفة (جيروسالم بوست) في ١٥/٨/٢٠٠٣م تقريراً مفادُه أن جنوداً أمريكيين تلقّوا تدريباً في مدرسة مكافحة الإرهاب قرب «موديعين» في ضواحي القدس. وتابعت «ذي تايمز» الموضوع وحصلت على تأكيد من الدكتور (تال توفي) ـ وهو خبير في حرب العصابات في كلية الأركان العسكرية في الدولة الصهيونية ـ بأن المارينز ووحدات جوالة في الجيش الأمريكي قامت بزيارات متكررة إلى الدولة الصهيونية للمشاركة في مناورات، وكان هناك تعاون وثيق على صعيد التكتيكات. وقال (تال توفي) في ١٩/٨/٢٠٠٣م: «لدينا خبرة كبيرة في حرب العصابات، وأظهر الأمريكيون اهتماماً خاصاً بثلاثة مجالات: استخدام مروحيات (أباتشي) لعمليات قتل مستهدفة، وحرب المدن، وكيفية القيام بعمليات عسكرية كبيرة في مناطق مكتظة بالسكان. نملك الكثير من الخبرة في هذا المجال» . ü مسؤولون صهاينة يزورون العراق: بتاريخ: ٢٠٠٥/٥/٢م أذاع راديو سوا (صوت أمريكا) خبراً مفادُه أن ثلاثة مسؤولين صهاينة دخلوا العراق بجوازات سفر تركية، وذلك للتحضير لوفود صهيونية أخرى للقاء رجال الدين اليهود هناك، وفحص حالة القبور والأماكن الأثرية اليهودية في كردستان والموصل. ü جريدة (هاآرتس) تكشف زيارة مساعد الجلبي للدولة الصهيونية واتصالات عراقية صهيونية: وكان بعض المسؤولين العراقيين الجُدد مستعجلاً أكثر من اللازم في تنفيذ المخطط الصهيوني الأمريكي من احتلال العراق، فقد نشرت جريدة (هاآرتس) الصهيونية في عددها الصادر في ٤/٩/٢٠٠٤م تقريراً عن زيارة (مثال الآلوسي) مساعد أحمد الجلبي إلى الدولة الصهيونية لحضور ندوة عن (الإرهاب) أقامها مركز دراسات هرتزليا، وقد وصل (مثال) عن طريق تركيا، وكان يشغل وظيفة مدير ما يسمى بهيئة اجتثاث البعث التي شكّلها الحاكم الأمريكي السابق (بريمر) لفصل مئات الألوف من العراقيين من أجهزة الدولة ومحاربتهم في رزق عائلاتهم. وزعم (مثال) للجريدة أن الكثير من العراقيين يريدون إقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة الصهيونية. وأضاف: «إن العديد من المثقفين العراقيين يدركون أن الدولة الصهيونية يجب أن تؤخذ بالاعتبار كحقيقة موجودة، وأن أجيالاً من الناس قد خُلقوا هنا، وأن من مصلحة العراق أن تكون له علاقات مع الكل وهو ما نريده» . ü الحاكمون الجُدد في العراق راغبون في علاقات مع الكيان الصهيوني: صحيفة (هاآرتس) الصهيونية نقلت في ٤/٩/٢٠٠٤م عن (صلاح الشيخلي) سفير بغداد في لندن قوله: «إن موضوع العلاقات الدبلوماسية مع الصهاينة سوف يبحث بعد الانتهاء من الانتخابات العامة في العراق» . وأضاف (الشيخلي) في لقاء خصَّ به مراسل الصحيفة الصهيونية في لندن (شارون ساديه) : «إن مجموعة ضغط قوية من رجال الأعمال والمسؤولين السياسيين في العراق تعمل في بغداد من أجل إقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة الصهيونية» . وتابع (الشيخلي) حديثه قائلاً: «أنا لا أمانع شخصياً في إقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة الصهيونية أو في قيام مواطنين صهاينة بزيارة العراق» . ü الصهاينة يسيطرون على وثائق مخابرات النظام السابق: بعد دخول القوات الأمريكية العراق بأيام، كان رجال الموساد ينامون في مقارّ خاصة بـ (حزب المؤتمر) في المنصور ببغداد، حيث كشف تقرير نشرته صحيفة عراقية تواطؤ المؤتمر مع الدولة الصهيونية في تنفيذ اغتيالات وسرقة وثائق حساسة جداً تخص النظام السابق من مبنى المخابرات، حيث كان نظام (صدام) يحتفظ فيها بوثائق حساسة جداً، وخصوصاً أرشيف جهاز المخابرات العراقية الذي جرى تخزينه على أسطوانات «سي. دي» خاصة. واتهم التقرير الجلبي بأنه ساعد الموساد على اقتحام متحف بغداد وسرقة مئات القطع الأثرية الثمينة والنادرة، وأن جزءاً من هذه الآثار موجود بالفعل في الدولة الصهيونية. وأفاد التقرير أن بين التاسع من أبريل سنة ٢٠٠٣م ويونيو من السنة ذاتها كان رجال الموساد ينامون في مقارّ خاصة بحزب الموتمر. الأمر الخطير الآخر في التقرير المنشور كشف أن أرييل شارون وافق شخصياً على منح حزب المؤتمر مبلغ مليون ونصف المليون دولار شهرياً؛ دعماً لأنشطة الحزب داخل العراق ضمن خطة معدّة لتجنيد سياسيين وقادة مجتمع لبناء ما يسمى النفوذ الصهيوني في هذا البلد العربي الكبير والحيوي. واتّهم التقرير الدولة الصهيونية بتقديم بعض الأسلحة إلى عناصر حزب المؤتمر وتدريب قسم منهم في معسكرات خاصة بالموساد في دول إفريقية، وأن البعض من هذه العناصر مجنّد في المخابرات الصهيونية بشكل مؤكد. ü كوماندوز صهاينة يقتلون علماء عراقيين: وفي هذا السياق كشف جنرال فرنسي متقاعد عن وجود (١٥٠) من وحدات الكوماندوز الصهيونية داخل العراق؛ لاغتيال العلماء الذين وردت أسماؤهم فى قوائم مفتّشي الأسلحة الدوليين! وقال الجنرال الفرنسي المتقاعد ـ في تصريحات لقناة التلفزة الفرنسية الخامسة يوم ٨ أبريل ٢٠٠٤م ـ: «إن أكثر من (١٥٠) جندياً صهيونياً من وحدات الكوماندوز دخلوا الأراضي العراقية في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين، الذين كانوا وراء برامج التسلّح العراقية، وقُدّمت أسماؤهم إلى لجنة مفتشي الأسلحة الدولية برئاسة (هانز بليكس) » . وقال الجنرال الفرنسي: «إن مخطط الاغتيال هذا تمَّ وضعه من قِبَل مسؤولين أمريكيين وصهاينة، وأن لديه معلومات دقيقة بوجود الكوماندوز الصهاينة داخل العراق حالياً، بهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا نواة برامج التسلّح الصاروخي والنووي والكيماوي، التي أرعبت الدولة الصهيونية، وعددهم ـ حسب الجنرال الفرنسي ـ قرابة ثلاثة آلاف و (٥٠٠) عالم عراقي عالي المستوى، من بينهم نخبة تتكون من (٥٠٠) عالم عملوا في تطوير مختلف الأسلحة، وهذه النخبة هي المستهدفة من العمليات الصهيونية بالدرجة الأولى» . ü طالباني يدعو رجال أعمال الدولة الصهيونية للاستثمار في العراق: ونشرت (القدس العربي) خبراً من مراسلها في فلسطين المحتلة، أن الرئيس العراقي جلال طالباني قال في مقابلة خاصة بثّتها القناة الثانية للتلفزيون الصهيوني أن التقدّم في العملية السلمية بين العدو الصهيوني والفلسطينيين سيفتح الباب على مصراعيه لإقامة علاقات بين تل أبيب والعراق. واعتبر طالباني أنه لا توجد عداوة بين العراق والدولة الصهيونية. وأضاف أن العراقيين لا يريدون أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم. أما حول الاستثمار الصهيوني في العراق فقال طالباني: إن بلاده مفتوحة أمام رجال الأعمال الصهاينة، وأنه يرحب بكل مبادرة منهم لفتح باب التبادل التجاري مع العراق بصورة علنية، ووجّه لهم دعوة رسمية إلى استثمار أموالهم في العراق. ü (المصافحة) العراقية الصهيونية هل كانت مفاجأة عابرة حقاً؟! من ناحية أخرى، تصافح وزير الخارجية العراقي (هوشيار زيباري) ووزير البنية التحتية الإسرائيلي (بنيامين بن أليعازر) على هامش المنتدى الاقتصادي للشرق الأوسط في الأردن. وقد تقدّم (بن أليعازر) من (زيباري) في أحد الممرات بين قاعات المنتدى، وقال لهوشيار بالعربية: «أنا عراقي.. شلونك؟» . وردَّ عليه وزير الخارجية العراقي بالإنجليزية قائلاً: «أنا بخير» ، ثم قال بالعربية: «الحمد لله» . وفي تصريحات لاحقة لـ (الشرق الأوسط) نفى (زيباري) أن تكون المصافحة مرتبة، وأكّد أنها لا تمثل موقفاً سياسياً من قِبَل الحكومة العراقية، وشدّد على أنه لا توجد ترتيبات لأيِّ لقاءات مستقبلاً. ü ضباط صهاينة يعملون بمعيّة الجيش الأمريكي في العراق: كشفت إحدى الصحف الصهيونية أن الجنرال (أهارون زئيفي فاركاش) رئيس قسم المخابرات العسكرية الصهيونية يعمل مستشاراً لدى قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال (كيسي) ، وأن هذا العمل طبيعي في أعقاب إرسال الرئيس بوش لعدد من الضباط الأمريكيين إلى الدولة الصهيونية لتبادل الخبرات والتدريب من أجل ضبط الحرب في العراق. وكانت «المؤسسة اليهودية للشؤون الاستراتيجية» في مقدّمة من عرض على بوش مقترحات تدعو إلى الاعتماد على الخبرة الصهيونية، وحددت له أسماء بعض الضباط المهمين لمساعدته في الحرب على العراق منذ بدايتها وحتى الآن. واعتبر التحليل المنشور أن إدارة بوش والمحافظين الجُدد المتشددين داخلها وجدوا أن اليهود الأمريكيين أو الصهاينة لديهم دوافع أكثر من الأمريكيين في تحطيم الإرادة العراقية خصوصاً إذا ما كانوا قد اطلعوا على ما قالته التوراة حول سبي اليهود إلى بابل قبل ما يزيد عن ألفي عام، ولذلك يكشف التحليل أن (تومي فرانكس) القائد الأعلى السابق لقوات الاحتلال في العراق من أصل يهودي روسي، وهو من الجيل الثاني الذي نشأ صهيونياً متشدداً، وأن الجنرال الأمريكي (ريتشارد ناتونسكي) القائد العسكري الذي تولّى مهمة الهجوم المكثف على الفلوجة من الصهيونيين اليهود القادمين من أوكرانيا. ويذكر أن (ناتونسكي) قال: «إن الفلوجة سرطان، فالمسلمون فيها يستخدمون المساجد والمدارس لنصب الكمائن لقوات المارينز، ولذلك وجدنا في كل مسجد مخزن سلاح ومصنع متفجرات ووسائل قتالية» . وكشف ـ أيضاً ـ أن العقيد الصهيوني (نوعام تيفون) شارك في تدريب عدد من ضباط وجنود المارينز على اقتحام مداخل مخيم يضم بعض المساجد بعد مناورة مع الجيش الصهيوني انطلقت من نيتسانيم قرب قطاع غزة. وفي المعارك التي جرت في الفلوجة استعانت القوات الأمريكية ـ بموجب المصادر نفسها المذكورة ـ بعقيد من الجيش الصهيوني هو (إيغئال شارن) ومعه (٨٠٠) من قوات الكوماندوز الصهيوني. وذكرت المصادر أن العقيد (إيغئال شارن) قال: «إن الأمريكيين تبدو عليهم السذاجة تجاه حداثة المعركة ضد المقاتلين المسلمين، ولذلك شعروا بالامتنان لشركائهم الصهاينة» . ü أصابع الموساد في تعذيب العراقيين في أبو غريب: وفي سجن (أبو غريب) ـ الذي شهد أسوأ أنواع التعذيب الجسدي والنفسي التي مُورست على المعتقلين العراقيين بعد الاحتلال ـ فإن الأصابع الصهيونية ظهرت واضحة في الأساليب التي كشفت عنها الصحافة ولجان التحقيق الأمريكية نفسها حول ما جرى في ذلك السجن. ولا تستبعد مصادر الأنباء وجود أصابع لـ (الموساد) الصهيوني (جهاز التجسس والمهام الخاصة الصهيوني) في عدد من العمليات التفجيرية التي نسبتها الولايات المتحدة للمجموعات الأصولية الإسلامية المسلحة منذ التسعينيات من القرن الماضي حتى الآن. ü العدو الصهيوني: (قواتنا في العراق) : صحيفة (معاريف) الصهيونية كتبت تحت عنوان (قواتنا في العراق) بقلم الكاتب الصهيوني (بوعز غاوون) الذي قال فيه: «إن الدولة الصهيونية دخلت العراق لتأخذ حصتها» ! واللافت أن أكثر الجهات التي تقوم بفضح وكشف مثل هذا التواجد هي الجهات الصهيونية وعلى مختلف مشاربها، وقد تكون الصحافة الصهيونية واحدة من هذه الجهات، وبدءاً من صحيفتي (معاريف) و (هاآرتس) ، وانتهاء بصحيفة (إيديعوت أحرونوت) التي ذكرت في تقرير لها أن (٨) خبراء صهاينة يعملون الآن في العراق للمساعدة على إعادة بناء البنية التحتية للبلاد. ويشارك الخبراء الثمانية (حسب الصحيفة) ـ الذين توجهوا إلى العراق بدعوة من أمريكيين ـ في برنامج عام لإعادة إعمار أحد مجالات البنية التحتية، وقالت: إن وصولهم كان بالتنسيق مع الحكومة العراقية. كما يشارك في البرنامج عديد من الشركات والمؤسسات الصهيونية الخاصة التي تعمل في مجال تصنيع الأجهزة التقنية والنظم المتطورة. ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين في الوفد الصهيوني قوله: «إن النشاط الحالي هو ثمرة جهود سرية، وإن أول اتصال بين السلطات الصهيونية والعراقية تمَّ من خلال وساطة دولة شرق أوسطية ولكنه لم يكشف عنها» . ولم تقتصر متابعة أخبار التواجد والتغلغل الصهيوني على الصحافة الصهيونية وحسب، وإنما اهتمت بذلك صحافة الدول الإقليمية، حيث ذكرت صحيفة (جمهوريت) التركية بتاريخ ١٨/١١/٢٠٠٤م من خلال تقرير لها في الموضوع نفسه، يؤكد على أن النشاطات والفعاليات الصهيونية مستمرة في شمال العراق منذ عام ١٩٩٣م، وتريد الدولة الصهيونية من ذلك تأمين خط أنابيب بترول من شمال العراق إلى حيفا في فلسطين المحتلة، وتشغيله بأسرع وقت ممكن؛ لزيادة القوة الاقتصادية للدولة الصهيونية، ولهذا قامت الدولة الصهيونية بشراء أراضٍ في مدينة كركوك بمساحة ستة آلاف دونم، إضافة إلى شراء خمسمائة منزل في مدينة الموصل، وألفي دونم وثلاثين مبنى في أربيل، ولقد حصلت الدولة الصهيونية على بعض المساعدات من اليهود الأتراك في منطقة شمال العراق حسب تقرير الصحيفة التركية. وإذا كان العديد من الحقائق قد أكدت على الدور الصهيوني في العراق، الذي ارتدى لبوسات مختلفة، فإن معركة الفلوجة قد كشفت الدور العسكري للكيان بعد أن اعترفت المصادر الصهيونية أن عدداً من الجنود اليهود من حملة الجنسيتين الصهيونية والأمريكية قُتلوا في الهجوم الأخير على مدينة الفلوجة، إذ قالت صحيفة (هاآرتس) في ٢١/١١/٢٠٠٤م على لسان أحد كبار الحاخامات اليهود في القوات الأمريكية في العراق: إن المقاومة العراقية تمكنت من قتل ضباط وجنود يهود أمريكيين في الفلوجة، وأكّد على ذلك مراسل الصحيفة المذكورة في نيويورك وعلى لسان الحاخام (آرفننج آلسون) وهو برتبة رائد في الجيش الأمريكي حيث قال الأخير: «إن هناك العديد من اليهود قُتلوا في المعارك الأخيرة في الفلوجة، ومنهم: المقدَّم (آندي شتيرن) ويعمل في سلاح المدفعية، وجرى دفنه في المقبرة العسكرية الأمريكية في «آرلينغتون» في أمريكا، ومنهم ـ أيضاً ـ (ماك أفين) وهو قناص يهودي وحفيد أحد الحاخامات الكبار في أمريكا» . وكشف الحاخام في كلمته التي نشرتها صحيفة (هاآرتس) عن وجود عدد كبير من الجنود اليهود في الجيش الأمريكي، معظمهم يعملون في القنص، وتتراوح أعمارهم بين (١٨ و١٩) عاماً، منهم مجندات يهوديات. ودعا الحاخام عائلات الشباب اليهودي الأمريكي إلى إرسال أبنائهم إلى العراق للحرب ضدّ من أسماهم أعداء الدين اليهودي، معتبراً أن القتال ومساعدة الأمريكان في العراق أفضل كثيراً من العمل الديني في المعابد اليهودية. وكشف الحاخام (آرفننج) عن عدد الجنود اليهود في العراق قائلاً: «إنهم حوالي (١٠٠٠) جندي، منهم بعض الضباط العاملين في الجيش الأمريكي» . ü تحطم طائرة نقل عسكرية صهيونية أثناء هبوطها في مطار حرير: في ١١/٩/٢٠٠٥م وفي إطار السعي الصهيوني المحموم لبناء جيش انفصالي كردي في شمال العراق، تحطمت طائرة شحن صهيونية محملة بمعدات عسكرية وأسلحة مرسلة من الدولة الصهيونية إلى الميليشيات الكردية أثناء هبوطها في مطار حرير الذي طوّره خبراء صهاينة ليكون بمقدوره استقبال الطائرات ذات الحمولة الثقيلة. المصادر الكردية المسؤولة عن هذه العملية تفرض تكتُّماً شديداً على مثل هذا النشاط خشيةَ ردة الفعل الغاضبة من العناصر الكردية الوطنية المغيبة من قيادات الأحزاب الكردية المتواطئة بالتنسيق المباشر مع الموساد الصهيوني. إن معسكرات تدريب عديدة أقيمت في المنطقة الكردية بشمال العراق، بإدارة وإشراف خبراء صهاينة، الذين يقومون بتدريب الآلاف من الأكراد بشكل علني. ونقلت مصادر خاصة أن وحدات عسكرية صهيونية قوامها ثلاثمائة عنصر وصلت بداية أغسطس الماضي إلى المنطقة الكردية، في إطار خطة لتشكيل جيش كردي بتدريب صهيوني، ووقّع قادة الأكراد على اتفاقيات مع الدولة الصهيونية تقوم تل أبيب بموجبها ببناء مطارات مدنية وعسكرية ومستودعات للأسلحة ومعسكرات للجيش الكردي الذي يقوم خبراء صهاينة بتدريبه والإشراف عليه وتشكيله. وذكرت المصادر أن النفوذ والتغلغل الصهيوني لم يعد يقتصر على إقامة مكاتب التجسس ومحطات التنصّت والتجنيد، بل امتدّ ليشمل كافة المرافق وبشكل خاص إنشاء جيش كردي. وقالت المصادر: إن شحنات من الأسلحة دفعت بها الدولة الصهيونية إلى المنطقة الكردية وهي بداية لعملية تسليح صهيونية للجيش الكردي، في حين حصلت شركات عسكرية ومدنية صهيونية على عقود استثمار متنوعة في كردستان العراق. وأكدت المصادر أن الزيارات المتبادلة بين القادة الأكراد والمسؤولين الصهاينة لم تتوقف، بل ازدادت وباتت الحركة نشطة بين أربيل وتل أبيب. وهناك ضباط من البشمركة (الميليشيا الكردية) يتلقون تدريبات عسكرية في مراكز تدريب داخل الدولة الصهيونية. وقالت المصادر: إن شحنات من الأسلحة دفعت بها الدولة الصهيونية إلى المنطقة الكردية وهي بداية لعملية تسليح صهيونية للجيش الكردي، في حين حصلت شركات عسكرية ومدنية صهيونية على عقود استثمار متنوعة في كردستان العراق، وأكدت المصادر أن الزيارات المتبادلة بين القادة الأكراد والمسؤولين الصهاينة لم تتوقف، بل ازدادت وباتت الحركة نشطة بين أربيل وتل أبيب. وهناك ضباط من البشمركة (الميليشيا الكردية) يتلقون تدريبات عسكرية في مراكز تدريب داخل الدولة الصهيونية. لا شك أنه لا شيء يسير مصادفة فيما يتعلق بالمخطط الأمريكي ـ الصهيوني لإعادة فكّ وتركيب العالم العربي والإسلامي بما يخدم المصالح الصهيونية، ولا شك أن هدف الحرب الأمريكية على العراق ليس فقط امتصاص دم (بترول) العراقيين، ولكن ـ أيضاً ـ تأمين الجبهة الشرقية للدولة العبرية من الخطر العراقي الذي كان يقضّ مضاجع الصهاينة، وقلب العداء العراقي ضد الصهاينة إلى علاقات دبلوماسية بين البلدين رغماً عن أهل العراق. فقد كانت مفاجأة غريبة أن يعلن (جروسمان) ـ المسؤول عن وضع خطة سيناريو المستقبل بالنسبة للعراق ـ أن إقامة العراق علاقات دبلوماسية مع الدولة الصهيونية دليل على ديمقراطية هذه الدولة العراقية المستقبلية! والأغرب أنه رغم أن الكعكة العراقية لم تنضج، ولا تزال في فرن المحرقة العسكرية الأمريكية، إلا أن الصهاينة وأعوانهم في البيت الأبيض قد شرعوا في تحديد نصيبهم منها، خاصة نفط العراق. وفي الختام: أقول للمسلمين وخصوصاً الغافلين منهم عمّا يُحاك ضدهم: متى تكون الصحوة؟ ومتى يكون الانتباه؟!

стр. 5824

الانتخابات النيابية والبلدية في موريتانيا أحمد ولد محمد ذو النورين يصل عدد سكان موريتانيا (بلاد الشنقيط) قرابة ثلاثة ملايين نسمة، يسكنون في مساحة قدرها ٤١٩٢١٢ ميلاً مربعاً وهو ما يعادل (١٠٣٧٥٠٠ كلم٢) . يتكون النسيج الاجتماعي الموريتاني في معظمه من القبائل العربية (٤/٥) ، وبعض المجموعات العرقية (الزنوج) ، وقد ظلت اللُّحمة قوية بين فئات هذا المجتمع المسلم رغم التعدد العرقي، وذلك للرباط الإسلامي الذي يدين به الجميع. مع بداية القرن العشرين الميلادي تم احتلال موريتانيا من قِبَل الاستعمار الفرنسي الذي انتهج كافة السبل لقطع صلتها بالإسلام، وعمل على إذكاء جذوة الأعراق، والعزف على وتر القوميات ... تجسيداً لسياسة السيادة على حساب التشتت. لم يتمكن الفرنسيون من تحقيق مآربهم وإن أحرزوا بعض النقاط على الطريق. بعد ثلثي قرن من السيطرة الاستعمارية رحل الاستعمار في الظاهر، وترك ممثلين مظهرهم المواطنة ومخبرهم العمالة، كما هو الشأن في جل البلاد الإسلامية التي رزحت تحت نير الاستعمار، ورغم أولئك فإن الهوية الحضارية للبلد ظلت راسخة أمام عواصف التغريب. بعد ما يناهز العقدين من حكم المدنيين لموريتانيا كانا من أكثر فتراتها استقراراً دخلت البلاد سلسلة انقلابات كان أسوأها من حيث الخطر الفكري والأيديولوجي على المجتمع؛ ذلك الانقلاب الذي جاء بولد الطايع سنة ١٩٨٤م إلى سدة الحكم. منذ وصول ولد الطايع إلى السلطة طفق يبذل قصارى جهده من أجل بتر أي صلة للمجتمع الموريتاني بالإسلام، وقد عمل ذلك بشكل مؤسَّس ومنظم تدعمه رياح العولمة المشؤومة. فبادر بالعلاقة مع الكيان الصهيوني، وعمل على فرنسة التعليم، وغيَّر المناهج، وأغلق المعاهد الإسلامية، وغيَّب العلماء والدعاة في غياهب السجون، وسن قانوناً لتعطيل المساجد، واستخف بشعبه واستهزأ بالإسلام وحَمَلَته.. وعادت البلاد إلى أجواء الانقلابات من جديد حتى كادت بلاد شنقيط بعد أن كانت تعرف ببلاد المليون شاعر تتحول إلى بلاد المليون انقلاب (كناية عن كثرتها) . وفي غمرة ذلك جاء انقلاب الثالث من أغسطس/ آب عام ٢٠٠٥م بزعامة أحد ركائز النظام السابق.. عاش الناس في اللحظات الأولى لهذا الانقلاب فرحة عارمة دون أن يهتموا بما ستؤول إليه الأمور؛ لأنهم يرون أن مجرد التخلص من ولد الطايع ونظامه يعد إنجازاً لا نظير له. وفور مجيء المجلس العسكري أطلق وعوداً بإرساء الديمقراطية من خلال إجراء انتخابات نزيهة وشفافة.. وهو الأمر الذي دفع الفرقاء السياسيين إلى الدخول في حلبة سباق محموم مدفوع بجملة من القناعات والمصالح والآمال المشوبة بالحذر، يريد كل امرئ منهم أن يجد موطئاً في هرم السلم. لقد خطا المجلس العسكري بعد الانقلاب خطوات جيدة على طريق الإصلاح، سوى أن تلك الخطوات ظلت تعاني من ملحوظات خطيرة عدة، كان من أهمها: | الاحتفاظ بمجموعة من السجناء الإسلاميين لأسباب لا تمت إلى إقامة الحق والعدل بصلة. | تأكيد هذا المجلس العسكري على لسان رئيسه في كل مناسبة ـ من غير حياء ـ على أهمية العلاقة مع الكيان الصهيوني، ودفاعه المستميت عن تلك العلاقة معه، والتي تعد وصمة عار في جبين كل الوعود والإنجازات؛ وبخاصة أنها كانت قد اتخذت منعرجاً خطيراً في أيام ولد الطايع؛ حيث وصلت إلى توقيع بروتوكولات بين تجار موريتانيين والصهاينة كما وقع بين أحد البنوك الموريتانية والصهيونية. رغم تلك المآخذ بدأت البلاد تستعد لاستقبال سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية في سابقة لم تشهد مثلها؛ إذ تجاوزت اللوائح البلدية ٢٠٠ لائحة، وقاربت النيابية ٤٥٠ لائحة، في خطوة تكتسي أهمية كبيرة على مستوى التربية السياسية والتعاطي مع الجو الديمقراطي، في تحد للثقافة التقليدية وجفاء الصحراء والتمايز الطبقي وأمواج المعاناة العاتية. إننا في هذا السياق ـ لا نزكي الديمقراطية أبداً ـ بل نراها إيديولوجية أرضية الابتكار، وثنية المنشأ، دنيوية الأمل، علمانية المحضن، غربية المنطقة، نصرانية الحماية، قائمة على الكيل بمكاييل متعددة، وهي قبل هذا وذاك من تشريع البشر وتجسيد لحاكمية غير الله. إلا أننا نرى أن ترك الحرية للناس في مسؤولياتهم عن شؤونهم ومشاركتهم في واقعهم يعتبر أقل شيء في حقهم. ظل الموريتانيون يتوقون إلى أي شيء يجدون من خلاله متنفساً بعد عقدين من حبس الحريات ومصادرة الآراء وفشوِّ الاستبداد وانتشار الظلم وقتامة الظروف وسوء الأحوال. بدأ المجلس العسكري مساراً إصلاحياً حامت حوله شُبَهٌ كثيرة، لما اعتوره من انتقادات حادة، ظلت تصدر بين الفينة والأخرى من مختلف الفرقاء السياسيين فساءت الظنون ... ورغم ذلك وُجدت إصلاحات سياسية تمثلت أهم محطاتها فيما يلي: | تعديل الدستور بشكل يسمح بتحديد الفترة الرئاسية مرة واحدة. | إصلاح الإعلام وإلغاء المواد المقيدة لحرية الصحافة. | سن رزمة من القوانين تجسد أهمها في القانون الانتخابي ونظام الترشح. وكان أغرب النظم تلك: تخصيص (٢٠%) من المقاعد البرلمانية للنساء، ذلك النظام الذي هو تحقيق لنبوة المصطفى ﷺ كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم ... » . إن نظام (الكوتا) النسوية هذا موغل في التقليد الأعمى للديمقراطيات المصطنعة في البلدان المتخلفة، وهو في واقع الأمر ليس إلا قراراً ارتجالياً استباقياً سينتج بتطبيقه في الغالب انتخاب نوعية من النساء، ضاربة أطنابها في الأمية الدينية، قاصرة عن تدبير شؤونها الخاصة وبالأحرى القضايا العامة، وقد عُد هذا القرار مأخذاً على هذه الانتخابات، وأثار حفيظة الأحزاب السياسية التي لم تجد بداً من التسليم به. فالمتابع للواقع الموريتاني له أن يتساءل ـ نظراً لتواضع التجربة الدستورية وبساطتها ـ عن حقيقة إمكانية الانتقال إلى نظام تسوِّقه نخبة تمتلك القدرة على إنجاز برامج إصلاحية من شأنها النهوض بالمجتمع على كافة الأصعدة. ذلك التساؤل المستشرف لحقيقة تلك الوعود التي ظلت تحوم حول الوفاء بها شكوك جمة، زادت من تلهف الناس إلى خطوة إقامة انتخابات بلدية وتشريعية حرة ونزيهة، وضاعفت من تَوَقانهم إلى تلك الانتخابات بقدر كبير من الاهتمام والترقب، فغدا كثيرون يتطلعون بشغف بالغ إلى ما ستؤول إليه هذه الانتخابات، باعتبارها المحك الحقيقي والمسار الرئيس الذي يتيح فرصة الحكم على أهم وعود المجلس العسكري، الذي أنشأ هيئة مستقلة تم اختيارها بالتشاور مع مختلف الشركاء السياسيين، وظيفتها الإشراف على الانتخابات المذكورة، كما التزم بفتح المجال أمام مراقبين محليين ودوليين. وقد وفَّى المجلس بما وعد، فتم الاقتراع في موعده المحدد (١٩ نوفمبر ٢٠٠٦م) ، وجاء أهم ما تميزت به على النحو التالي: | فجأ الحياد التام من قِبَل الإدارة والعسكر في عمليات الاقتراع كافة من في الميدان، وأجمعت ألوان الطيف السياسي أن العملية جرت بنزاهة وشفافية، ولم يسجل تدخل مؤثر من ِقبَل الجهات الحكومية في سير الانتخابات التي لم تترشح فيها أي شخصية رسمية، وإن سعت فلول من بقايا النظام السابق إلى إشاعة مسلكيات غير متحضرة كالخروقات التزويرية واللعب على عقول الناخبين من خلال الإشاعات المغرضة والضغوط المادية والمعنوية، وهو الأمر الذي كان مبرراً آخر للتخوفات السابقة والتي سبقت الإشارة إلى أنها نشأت لدى الأحزاب بعد ترشحات بعض المستقلين، الذين كانوا قد أذهلوا المشهد السياسي بتسارع استقالاتهم من الأحزاب وخاصة الحزب الحاكم سابقاً، وسابقوا إلى الترشح كمستقلين. | لقد انجلى واقع كثير من الأحزاب التي بلغت (٢٥ حزباً) ، واتضح أن بعضها ليس سوى حوانيت تجارية تفتقر إلى القواعد الشعبية، ذلك ما أبرزته نتائج الاقتراع، مما يعطي انطباعاً بأن الجدير بالبقاء من هذه الأحزاب أقل من النصف.. تلك الأحزاب التي تبوأت من النتائج صدارتها وهي: ـ حزب التكتل: بقيادة أحمد ولد داده، ويعد من أهم وأعرق أحزاب المعارضة ـ التحالف الشعبي ويرأسه (مسعود بن بلخير) هذا الحزب الذي يقال إنه قام على زواج بين الشرعية الناصرية (القوميين) وشعبية الحراطين (الزنوج) !. ـ الإصلاحيون الوسطيون: وهم كتلة سياسية تمثل تيار الإسلاميين، الذي لم يسمح له بإنشاء حزب، فعمل تحت مظلة مستقلة شبيهة بالحزب السياسي.. هذه الجماعة التي تتهمها جهات متنافسة معها في الميدان السياسي باستغلال الدين لمصلحة السياسة، وتنبزها جهات سلفية بالخضوع للعمل الاستبدادي، والتشنيع على المجاهدين والرضى بتحكيم شرائع من عمل البشر، سوى أن بعضهم يردُّ بأن الإسلام سياسة، وأن الجهاد يحتاج إلى دعوة بالحسنى تصاحبه، وحوار مرن يتم في ظله إبرام معاهدات مع العدو. ـ الحزب الجمهوري: وهو الممثل لكتلة السياسيين من بقايا نظام ولد الطايع، والمزوَرّين خلف النهج الليبرالي المتربص بالإسلام، هذه الكتلة مدعومة من قِبَل رجال أعمال ومتنفذين ووزراء سابقين. ـ حزب حاتم: الذي يعتبر امتداداً لحركة فرسان التغيير، وأغلب قادته من العسكريين الذين حاكمهم ولد الطايع إثر محاولاتهم المتكررة للإطاحة بنظامه، وهو برئاسة صالح ولد حننّ، وقد حقق هذا الحزب رغم حداثة نشأته مساحة من الثقة لا يستهان بها، خاصة لدى الشباب والطبقات الفقيرة في مناطق من البلاد.. وهناك أحزاب أخرى. ومن الملاحظ أن نطاق الترشحات في هذه الانتخابات قد اتسع بشكل لافت للنظر؛ حيث فاق عدد المترشحين كل التوقعات، فتم إيداع (٤٤١) قائمة انتخابية للتنافس على مقاعد الجمعية الوطنية البالغ عددها (٩٥) مقعداً، موزعة بين لوائح حزبية وصلت (٢٦٠) ، و (١٢٤) قائمة مستقلة، و (٣٢) وطنية. أما عدد الترشحات للمجالس البلدية فقد وصل (١٢٦٤) لائحة حزبية ومستقلة أو متحالفة للتنافس على (٢١٦) بلدية. رغم حياد الإدارة وشفافية الانتخابات فإن التحالف القبلي والحضور النسبي لأصحاب النفوذ التقليدي كان له بعض الأثر خاصة في المناطق النائية. لقد وصلت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات زهاء (٧٥%) ، وهو أمر مثير للانتباه، والراجح أنه يعود ولو جزئياً إلى كثرة المتنافسين، كما اتسمت أجواؤها بالهدوء، ولم تسجل فيها حوادث أمنية، ولم تستغل فيها وسائل الدولة كما كان يحدث أيام ولد الطايع. | جاءت نتائج هذه الانتخابات قلباً للمعادلة السياسية، حيث تبوأت أطراف معارضة هرم الاستحقاقات بعد أن ظلت تعاني من التهميش والإبعاد، في حين تقهقر الحزب الجمهوري الذي جثم على زمام السلطة قرابة العشرين سنة استأثر خلالها بكل مقدرات البلاد، ودأب على نشر الظلم والفساد. | تميزت هذه الانتخابات بالمشاركة المعتبرة للإصلاحيين الوسطيين (الإسلاميين) خاصة في العاصمة نواكشوط التي فازوا في ثلاث من أكبر مقاطعاتها التسع، وأخذوا مقعداً من مقاعد نوابها الأحد عشر، واحتلوا المرتبة الثالثة فيها بعد أكبر حزبين معارضين هما حزب التكتل والجمهوريين. لقد تميزت هذه الانتخابات بغياب أغلبية لأي حزب، نظراً لتشرذم الأصوات بين الطوائف المتعددة والأطياف المختلفة، مما ينذر بوجود صعوبة بالغة في تشكيل حكومة منسجمة، واستحالة قيام حكومة ذات قرار مركزي. إن مرور هذه الانتخابات بشكل نزيه وشفاف فتح آفاقاً واعدة، وأعطى انطباعاً جيداً عن وفاء المجلس العسكري بالتزامه، كما نزع جزءاً من الغشاوة التي دارت حول وعوده، بعد الشُّبَه التي أثيرت تجاه تصرفات رأى فيها بعضهم تحيزاً وتملصاً من الضمانات. وجاءت هذه الانتخابات تعبيراً عن مستوى نضج النخبة السياسية الموريتانية، كما أنها بعثت آمالاً وأومضت إشارات اطمئنان لما سيكون عليه النزال الرئاسي بعد أربعة شهور. إن الأمل كبير في ظل ما تم من إنجازات لحلحلة بعض النقاط التي لا تزال محتاجة إلى التسوية من قِبَل المجلس العسكري، كما هو الشأن بالنسبة لملف الإسلاميين المعتقلين دون تقديمهم للمحاكمة، وكذلك الإصرار الفج على العلاقة المقيتة مع الكيان الصهيوني. لكن السؤال الذي يبقى عالقاً مفاده: هل الديمقراطية بقضها وقضيضها وأيديولوجيتها في مصلحة هذا الشعب المسلم المسالم ذي النسيج الاجتماعي المتنوع؟ أم أن العودة إلى الإسلام الصحيح في شوريته وتطبيقاته السبيل الأمثل والمنهج الأكمل الذي ضمن خلال قرون آصرة هذا المجتمع في أبهى صورها ونقائها، وفي أكثر عصوره رفاهاً وازدهاراً؟ وهو الوحيد (الإسلام) القادر على منحه تلك الصورة في حركته الحضارية الحديثة. إن في الإسلام حرية مؤطرة بالعبودية لله وحده، ومساواة لا نظير لها، وعدالة لا يشوبها ظلم، وإنصافاً لا يخالطه حيف. فبه تمام النعمة وكمال السعادة، وهو هداية وبشرى. قال ـ تعالى ـ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . وقال جل شأنه: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . [المائدة: ١٥ - ١٦]

стр. 5825

حسن الحكيم وعبد العزيز نصرالله ! أحمد فهمي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وحزب الله في لبنان، ظاهرتان جديرتان بالدراسة والاعتبار، فكلٌّ منهما يمثِّل بحاله نهجاً مستقلاً في الخطاب والأداء والأثر، ورغم اختلافهما في ذلك إلا أنهما يتكاملان على نحو مدهش، وربما تزول الدهشة لو تناولنا ما يتفقان فيه قبل المختلف. حزب الله والمجلس الأعلى هما أبرز منظمتين شيعيتين عربيتين تعتنقان مبدأ ولاية الفقيه على الطريقة الإيرانية، وكلاهما يعتبر مُرْشد إيران مرجعهم في التقليد. وقد تأسس الحزبان في نفس العام ١٩٨٢م، وأشرف على تأسيسهما الحرس الثوري الإيراني برعاية الخميني، ولكل منهما جناح سياسي وآخر عسكري. أما ما يختلفان فيه أو بالأحرى يتكاملان، فهو الخطاب والأداء، فالمجلس الأعلى ـ الذي يرأسه حالياً عبد العزيز الحكيم ـ يتم إبرازه على أنه زعامة سياسية عراقية مقبولة دولياً، فهو بالأساس مبرمج دولياً، وبالأخص فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ومرفوض شعبياً لدى الرأي العام العربي، ولذلك ليس غريباً أن يتم استقباله في البيت الأبيض وكأنه زعيم دولة. بينما سبقه هادي العامري قائد فيلق بدر وسفاح العراق الأكبر إلى زيارة بريطانيا، حيث التقى مسؤولين في حكومة طوني بلير، وعقد ندوة في البرلمان البريطاني. أما حزب الله فقد تمت برمجته شعبياً، أي: اختراق الرأي العام العربي، ولذلك أصبح مقبولاً من فئات عربية كثيرة، لكنه مرفوض دولياً، ولنتأمل الموقف الأمريكي المتناقض من كلا الحزبين رغم معرفة الأمريكيين أنهما وجهان لعُمْلة واحدة تصدر في طهران.. ألا يُعدّ ذلك نجاحاً لافتاً للمخطط الإيراني؟! ومن علامات التناقض الأمريكي في المستنقع الإيراني ـ أيضاً ـ أن الحكيم يطالب بوش صراحة بعدم سحب القوات الأمريكية من العراق، بينما يقيم نصر الله لبنان ولا يقعدها ضد حكومة يعتبرها مواليةً للبيت الأبيض، وفي العراق يرفض الحكيم تماماً مناقشة اقتراح السُّنّة إقامة حكومة وطنية، في حين يعتبر نصر الله هدفه الأول في معركته السياسية الأخيرة: إقامة حكومة وحدة وطنية، بينما لا يزال العرب يراوحون ويريحون أنفسهم بالتحذير من الهلال الشيعي الذي أوشك أن يصبح بدراً مكتملاً. وفيما يتعلق بالخطاب، فإنه يجب أن نثبت تفوق نصر الله في هذا المضمار بمراحل على عبد العزيز الحكيم، فرغم ازدواجية الخطاب لدى كليهما، إلا أن الأول يبدو أكثر احترافاً من الثاني، وربما يكون سبب ذلك اختلاف التخصص، فأحدهما شعبي والآخر دولي. يتبادل قادة الأحزاب الشيعية هذه التقاسيم والتنويعات انسجاماً مع (المايسترو الإيراني) ، بينما تمارس أحزاب السُّنّة أداءً نشازاً، فلا زعماء مؤثرين للسُّنّة في لبنان، وفي العراق يبدو أكبر زعيمين للسُّنّة على طرفي نقيض، فالحزب الإسلامي أصدر بياناً مقتضباً تعليقاً على قرار توقيف الشيخ حارث الضاري، بينما شارك الأستاذ طارق الهاشمي في البيان المشترك مع الرئيس العراقي وعبد العزيز الحكيم؛ لاستنكار تفجيرات مدينة الصدر، وهو ما شجَّع نوري المالكي ـ رئيس الوزراء العراقي ـ أن يحتجَّ على زيارة الشيخ الضاري للأردن، وكأنه أصبح مطلوباً دولياً، وفي نفس الوقت بدأت المؤامرات على هيئة العلماء، وتناقلت فضائيات الشيعة إشاعات عن انقسامها ورغبة علماء سُّنّة في تشكيل هيئة جديدة. ولنتأمّل جدياً هذه التراتبية العجيبة، أولاً: مؤامرة ضد الشيخ حارث الضاري لتحويله إلى زعيم للمعارضة العراقية السُّنّية من الخارج، وتهميش دوره في الداخل، ثانياً: بوش يعلن عن استقبال الحكيم في واشنطن، ثالثاً: بعد ذلك بشهر بوش سيستقبل الهاشمي ـ أيضاً ـ في البيت الأبيض، هل أصبحنا في حاجة للبحث عن طهران سُنّية؟!!

стр. 5826

أين المفر ؟ د. يوسف بن صالح الصغير من المعلوم أن أكبر مظاهر الفشل والتردي هو تحوُّل أسباب القوة إلى مظاهر ضعف، وتحوُّل القوى الداعمة إلى قوى معيقة، وانقلاب الصفات المرغوبة والأخلاقيات المفضلة إلى سبة ومنقصة، وهنا لا مناص من الاختيار بين التغيير الكامل أو الانهيار الكامل، وإذا أردنا دراسة أحد الأمثلة المعبرة فإنها تنطبق على المأزق الأمريكي. فقد أدى سقوط الاتحاد السوفييتي السريع إلى فقدان الولايات المتحدة لتوازنها، حيث فوجئت بأنها أصبحت سيدة العالم بلا منازع، ودخلت في مشاريع كثيرة اعتُني فيها بالعناوين والبدايات وأهملت التفاصيل والاحتمالات؛ لأن النجاح مضمون ومؤكد؛ وبدأت موجة من التغيير في أوروبا الشرقية، وتحت رايات الحرية والوعود بالرفاه، وصل إلى الحكم من يحمل الجنسية الأمريكية، وبعد سنوات قليلة اكتشف الناس أن الذي انتقل إليهم من الغرب هو مستوى الأسعار، بدل مستوى المعيشة، وأن النظام الاقتصادي الجديد نجح في تصدير سلعة منافسة وحيدة، إنها اللحم الأبيض؛ فقد اهتم الغرب بالسيطرة وأهمل التنمية؛ لأنها تفاصيل لا داعي لها، خاصة عندما يكون الربح مضموناً، ولذا بدأ الناس رحلة العودة إلى الماضي القاسي هرباً من الحاضر الأقسى؛ وفي هذه الحالة فلا شك أن الروس قادمون من جديد. أما في أصقاع العالم الإسلامي فقد رفع الغرب شعارات الحرب الاستباقية على الإرهاب ومواجهة محاور الشر ونشر الديمقراطية والإعمار؛ وأخيراً حماية إسرائيل. واستغلت أمريكا دخول صدَّام للكويت وأحداث الحادي عشر من سبتمبر في تكثيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة واحتلال أفغانستان والعراق واستكمال السيطرة على منابع النفط. إنها إنجازات هائلة في زمن وجيز وبدون خسائر تذكر؛ ففي بداية الحرب على أفغانستان أحس الغرب بأهمية الاستعانة بقوى محلية وإقليمية؛ ومع إجبار باكستان على المشاركة تم الاتفاق مع إيران على مشاركة فعالة حتى إن أحد المسؤولين الإيرانيين صرح أنه ما كان لأمريكا دخول كابل بدون المساعدة الإيرانية، وبقدر ما كان عنوان النجاح مبهراً في تنصيب الأفغاني المقيم في أمريكا رئيساً وإقامة حكومة أفغانية تابعة لهم، وإقناع حلف الناتو بالمشاركة، وإقامة مؤتمرات الدول المانحة لما يسمى (إعمار أفغانستان) فإن المشكلة تكمن في التفاصيل؛ فطالبان نجحت في الاحتفاظ بقوتها وتأجيل المواجهة والذوبان في المجتمع، وتحالف الشمال يحس أنه يتعرض للتهميش والإبعاد حتى إن (رباني) صرح باحتمال العودة لحمل السلاح ضد الاحتلال في الوقت المناسب. إنها تفاصيل مهمة خاصةً إذا علمنا أن طالبان التي تحتفظ بكامل قواها تسخِّن الوضع إلى الحد الذي يدفع الغرب إلى إرسال مزيد من القوات والتورط التدريجي بحيث يصبح وجودهم كبيراً مما يعني أن هزيمته تعني القضاء على الحلف وتفكيكه، وهذا هدف تسعى إليه أيضاً كل من الصين وروسيا؛ ولذا فإنه عندما يصرح رئيس الأركان البريطاني بأن الوضع في أفغانستان أكثر سوءاً من العراق فإنه يعني أن الأمور تسير إلى وضع عسكري أصعب من العراق؛ لأن سياسة طالبان قائمة على أساس أن إغراق الضحية يجب أن يكون في وسط المستنقع. وإذا كانت خطط احتلال أفغانستان قد أعدت على عجل؛ فإن غزو العراق دُرِس بعناية بقدر ما تسمح به قدراتهم الذهنية، واتخذ القرار قبل أكثر من خمس سنوات من الغزو، ومع ذلك فقد كثرت العناوين والشعارات وغابت التفاصيل. لقد اعتمد الغزو على قوة امريكية مفرطة وقوى محلية عراقية اجتمعت على هدف إسقاط النظام أساسها الزعامات الكردية في الشمال والقوى الشيعية المرتبطة بإيران التي كان لها حضور قوي في الاجتماعات التمهيدية لهذه القوى مع الجانب الأمريكي الذي اهتم بالعنوان ولم يُلْقِ بالاً لأطروحات الآخرين وتصوراتهم لعراق المستقبل. لقد تبخر شعار تحرير العراق غداة سقوط بغداد السريع، وتحولت القوات الأمريكية رسمياً إلى قوات احتلال، ولا يتصور أن أياً من القوى المشاركة سيكون له دور مؤثر، حيث تم تعيين حاكم عسكري. وصرحت كونداليزا رايس من بغداد بأن النجاح في العراق مقدمة لنجاحات أخرى في المنطقة، وتم التصريح باسم سورية؛ حيث إن احتلالها يجعل سورية الكبرى تحت النفوذ الأمريكي المباشر. وبدأ التحرش بإيران؛ لأن سكرة النصر السريع جعلتهم يحسون بعدم الحاجة لأي خدمات جديدة من إيران، وحيث إن دور العملاء يتعاظم مع تعاظم الحاجة لخدماتهم فقد حرصت إيران وسورية على إثبات الحاجة إليهما؛ وهنا تاهت أمريكا في التفاصيل التي تكرهها فلم يقبل السُّنَّة التهميش والاحتلال، ولم تمانع الدولتان في تنامي المقاومة السنية في أفغانستان والعراق؛ بحيث أصبحت إيران وسورية ممراً آمناً لمن يريد الانضمام للمقاومة السنية، وكان تصاعد المقاومة في العراق دافعاً لبناء جيش وأمن عراقي جديدين، وكلما نمت المقاومة السنية تضطر أمريكا لزيادة حجم وتسليح القوى العراقية الجديدة المكونة أساساً من الشيعة، وارتفع العدد من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف، ومع انشغال أمريكا بمواجهة السنَّة تم نسيان التعمير؛ بل تم نسيان نفط العراق وتسلَّم الشيعة القادمون من إيران التابعون لحزب الدعوة والثورة الإسلامية مقاليد السلطة. وتحت شعار مواجهة الإرهاب دخلت الميليشيا الشيعية التابعة لإيران على الخط، وبدأت تحت حماية قوات الاحتلال والحكومة بتنفيذ عمليات فرز طائفي تمهيداً لقيام كيان شيعي خالص في جنوب ووسط العراق، وكان الرد الأمريكي مزيداً من التخبط العسكري والاستمرار في محاولة كسر شوكة السنَّة مع إطلاق التهديدات لإيران وسورية. وكانت حرب لبنان الأخيرة وسقوط الحزب الجمهوري في انتخابات الكونجرس من الأمور الحاسمة في دفع الإدارة الأمريكية إلى محاولة أخيرة للتخلص من المصيدة العراقية، وبدأ أقطاب الإدارة في القدوم إلى المنطقة طلباً للمعونة بدلاً من إصدار التوجيهات، وكان اجتماع عمَّان الأخير علامة فارقة يمثل فيه الملك الشاب عبد الله بن الحسين دور الوسيط والمشير. ولأنه لا يوجد حل مريح لأمريكا فلم يجد بوش بداً من تكرار ما كان يقوله سابقاً أنه لن ينسحب من العراق قبل إتمام المهمة، ولم ولن يسأله أحد ما هي المهمة؛ لأن الحقيقة أن المهمة قد سُلِّمت لإيران وسورية، وإذا كان يحس أن المالكي ممثل حزب الدعوة لا يستطيع القيام بالمهمة جيداً، فلم يجد بداً من دعوة عبد العزيز الحكيم لواشنطن للتباحث معه حول العراق، ولم يزد الرئيس بوش على أنه نفض يده من يد إيران اليسرى ليمسك بيدها اليمنى؛ فأمريكا تمر الآن بمرحلة حساب للمخاطر المحتملة على مصالحها في المنطقة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولذا فإنها على استعداد لتسليم العراق لإيران، وعودة سورية للبنان. ومن هنا نفهم زيارة الرئيس العراقي لطهران واستضافة وزير الخارجية السوري في بغداد وترك حكومة السنيورة لمصيرها أمام معارضة مرتبطة بوضوح بالمحور السوري الإيراني، اجتمع فيها حزب الله ومنظمة أمل. لقد ادعت أمريكا أن العميل المزدوج (أحمد الجلبي) هو الذي أقنع الإدارة الأمريكية بسهولة غزو العراق وإسقاط نظامه، ولا نستبعد أن أمريكا سترد الجميل لإيران وتدخلها في العراق، ومن ثم يتحول الصراع في المنطقة من مقاومة النفوذ الأمريكي إلى مواجهة السيطرة الباطنية، وستخوض دول المنطقة صراع وجود جديداً تترحم فيه على أيام التهديد الصدَّامي. ولا أدري: هل تكون أمريكا في وضع يمكِّنها من تطبيق نظرية الاحتواء المزدوج للشيعة والسنة، أم أنها ستضطر للتفرج من بعيد وتكتفي بمحاولة حماية مصالحها المهددة في حديقتها الخلفية؟

стр. 5827

مرصد الأحداث أحمد فهمي من هنا وهناك - توقع مصرف الكويت الوطني أن يبلغ فائض الموازنة العامة لهذا العام في الكويت ٤.٥ مليار دينار، أي أكثر من ١٥ مليار دولار، مع بلوغ عائد النفط ١٤.١ مليار دينار، بافتراض سعر برميل البترول ٥٦.١ دولاراً، وهذا الفائض هو ثاني أكبر فائض على الإطلاق، وكان فائض العام الماضي ٦.٧ مليار دينار هو الأكبر، وتستثمر الهيئة العامة للاستثمار في الكويت أصولاً تبلغ قيمتها ١٠٠ مليار دولار. [صحيفة المستقبل ٢٨/١١/٢٠٠٦م] - ذكر الصحفي الإيراني أمير طاهري أن عدد رجال الدين في إيران يقدر بـ ٣٩٩ ألف. [الشرق الأوسط ١٣/١٠/٢٠٠٦م] - قال ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق السابق في قضية مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في حديث أجرته معه قناة «الحرة» ١٢/١١/٢٠٠٦م عبر برنامج «ساعة حرة» : «نحن واللجنة ذكرنا في تقريرنا إلى مجلس الأمن أننا لمسنا أن هناك أدلة قاطعة على انخراط الاستخبارات السورية في عمليات الاغتيال» . - قدمت القناة الرابعة البريطانية برنامجاً وثائقياً عن فرق الموت في العراق، والتي تختص بقتل السنة العرب، وصور البرنامج عشرات الجثث لعراقيين مغدورين وأيديهم مقيدة من الخلف بقيود معدنية تستخدمها الشرطة، وصرحت سيدة بريطانية من أصل عراقي كانت تعمل في منظمة لحقوق الإنسان في عهد وزير الداخلية السابق بيان جبر صولاغ، أن هذا الأخير يكذب عندما ينكر ما حصل في وزارته، وذكرت المراسلة أن المستشار الأمريكي لصولاغ، مايك كاريم قال: أن صولاغ عندما كان وزيراً للإسكان جرد الوزارة من السنّة والأكراد وكل الطوائف الأخرى، ووظف شيعة مكانهم، وكان له المئات من الحراس الذين يلبسون السواد. وكان شرطي بريطاني أشرف على تدريب الشرطة العراقية ذكر لمراسلة التلفزيون البريطاني أن الميليشيات كانت تدخل سلك الشرطة بأعداد غفيرة وعندما قدم شكوى لرامسفيلد لم يكترث بها، وحاولت المراسلة لقاء مقتدى الصدر لكنه رفض؛ لأنه يرفض الحديث مع أجانب حسب زعمها، فتحدثت مع رئيس الكتلة الصدرية في البرلمان بهاء الأعرجي الذي ضحك وقال لها: هناك من يلبس ملابس جيش المهدي ويقتل العراقيين. [مجلة الشراع، نوفمبر ٢٠٠٦م]

стр. 5828

هموم يحيى بشير حاج يحيى «إلى الذي لم يتمغر وجهه مرة واحدة لما يصيب المسلمين» هُمومُ المسلمينَ أسىً دَفوقُ وَمَا لَكَ لَسْتَ تَعْبأُ بالمَآسي لَيالِيهمْ ظَلامٌ في ظَلامٍ وقد أَمْسى حِماهُم دونَ حامٍ فَبُوذِيٌّ يُذَبِّحُهم جِهاراً وكم ذاقُوا الأَذى في دارِ غَرْبٍ وكم أَجْرَىُ الشيوعيونَ دَمْعاً إذا غَضِبَ النَّصارَى أَنْصَفُوهم وإِنْ غَضِبَ اليهودُ فَإنَّ أَلْفاً وما لِلْمسلمينَ إذا تَنَادَوْا تُحيقُ بهم هُمومٌ قاتِلاتٌ فكُلُّ مصائِبِ الدنيا توالَتْ ولنْ تَجِدَنَّ أَرْخَصَ مِنْ دِمانا أَتَلْهو؟! ما خُلِقْتَ لِمثْلِ هذا أأنتَ وَرِيثُ مَنْ فَتَحوا بِرِفْقٍ فَوَجْهُكَ مِنْ صَفاقَتِهِ مَرايا تُرَدِّدُ ما يُقالُ بغيرِ فَهْمٍ فليتَكَ ـ والرَّزايا كالِحاتٌ ـ إِذا لم تَسْتَفِقْ عند البَلايا فما لَكَ لا تُحِسُّ ولا تُفيقُ؟! تُحاصِرُهم! فما هذا المُروقُ؟! فلا بَدْرٌ يَلوحُ، ولا بُروقُ! وبينَ حَصادِهِمْ شَبَّ الحَريقُ وهِنْدوسِي، وسِيخيٌّ صَفِيقُ وكم ضاعَتْ لهم فيها حُقوقُ؟! لهم ودَمَاً، وكم غُصَّتْ حُلوقُ؟! وحاوَرَهم بإحسانٍ «رَفيقُ» ! مِنَ الأعذارِ يَبْذُلُها «شَفوقُ» ! لِنَيْلِ حُقوقِهم إِلاَّ العُقوقُ ولولا العَجْزُ ما كانت تَحيقُ فَتَهْجيرٌ وتَجويعٌ وضِيقُ تُراقُ! وأنتَ دَمْعَكَ لا تُريقُ فَشَعْبُكَ في مآسيه غَريقُ قلوبَ الناسِ؟ حَاشا لا يَليقُ لِظُلمِ الظالمينَ، وأَنْتَ بُوقُ كِضِفْدَعَةٍ يَطيبُ لها النَّقِيقُ تُحِسُّ بِهِنَّ يوماً، أو تَضِيقُ فَلَسْتُ إِخالُ أَنَّكَ تَسْتَفِيقُ

стр. 5829

منظور لغوي للواقع السياسي د. جمال الحسيني أبو فرحة لا شك أن اللغة مرآة للفكر، فنحن بمجرد سماعنا لشخص يتكلم يمكننا أن نحدد ـ بدرجة كبيرة ـ بلده، ونتعرف على خلفيته الثقافية والعقدية؛ بل وأحواله الصحية والنفسية إلى حدٍّ كبير، ومن هنا قال سقراط قولته الشهيرة: «يا هذا! تكلم حتى أرى مَنْ أنت» . وإذا كان هذا الأمر مشاهداً منا جميعاً، ولا يمكننا إنكاره؛ فإني أزعم أن الأمر لا يقف عند هذا الحدِّ، بل يتعدَّاه إلى أن كل لغة إنما تعبِّر عن خلفيات كثيرة لكل أبنائها، خلفيات اجتماعية وثقافية ودينية.. إلخ، أي: أنها تعبِّر عن العقل الجمعي لأربابها. وعليه؛ فإذا أردنا أن نفهم الغرب جيداً، وخاصة في هذه المرحلة ـ التي كُشف لنا فيها عن وجهه القبيح ـ فلا بدّ أن نتوقف أمام لغته؛ لنكتشف حقيقة ما يقبع تحت هذا الستار اللفظي من أفكار وتصورات وخصائص لا بدّ لنا من معرفتها. وأكتفي في هذا المقام بالتمثيل لما قصدتُ بكلمتين وبقاعدة لغوية في الإنجليزية. أما الكلمتان فهما: كلمة (يهودي jew) ، وكلمة (فلسطيني Philistine) . وأما القاعدة فهي: تقديم الصفة على الموصوف. وأول ما نلاحظه على هذه الكلمة (jew) أنها لا تدل في اللغة الإنجليزية على اليهودي وحسب، بل لها معانٍ أخرى. يقول معجم (إلياس) :jew: يهودي، إسرائيلي، غشَّ، ضحك على. ويجعل معجم (OXFORD) من معاني كلمة: (jew) : offensive، cheat، grasping person.. إلخ. وكلمة (offensive) تعني: مهاجم، مزعج، مسيء، مؤذٍ للشعور، نابٍ، منفر، خبيث، كريه، سمج، يحدث اشمئزازاً. وكلمة (grasping) تعني: جشع، طماع. وكلمة (cheat) تعني: مخادع، غشاش، محتال. وهذا الربط اللغوي بين كلمة (يهودي) وهذه المعاني لا شك يعبِّر عن صورة ذهنية لليهودي في الفكر الإنجليزي مرتبطة بهذه المعاني، وهي صورة لا شك سيئة، وهي لا تعبِّر عن رأي فرد بل رأي أمة، ولا تعبِّر عن رأي عصر محدود، بل تاريخ طويل لا بدّ منه لتكتسب الكلمات معانيها المعجمية الجديدة. على أن هذا الذي تضع اللغة يدنا عليه في دقيقة يؤكده تاريخ الأدب الإنجليزي: شعر، مسرح، رواية.. إلخ، وليس أشهر في الدلالة على هذه المعاني من مسرحية (تاجر البندقية) لشكسبير، ومسرحية (يهودي مالطة) لكريستوفر مارلو.. إلخ. ولكن لنا أن نتساءل: إذا كانت هذه هي صورة اليهودي في الفكر الإنجليزي؛ فبماذا نفسِّر مساعدات أمريكا وإنكلترا على وجه الخصوص للدولة اليهودية؟! وهنا نجد الإجابة من تأمّلنا لبعض التراكيب اللغوية في الإنجليزية، وأكتفي في ذلك بمثال واحد لضيق المقام، وهو تقدُّم الصفة على الموصوف، وهذا التقديم في رأيي يعبِّر عن خلفية فكرية مهمة لأرباب هذه اللغة، فهو يعبِّر عن أن نظر أصحاب هذه اللغة إلى الصفات يسبق نظرها إلى الذات المتجردة عن الصفات. وذلك ـ في تصوّري ـ يعني أن أهمية المرء تُقدّر بالنظر إلى صفاته لا بالنظر إلى ذاته كآدمي وكإنسان بصرف النظر عن أيِّ صفة له ككونه ذا عرق، وذا دين، وذا لغة، وذا ثقافة وحضارة، وذا مال وقوة.. إلخ. بمعنى: أن صورة اليهودي في الفكر الإنجليزي ـ كما توضحها دلالات كلمة (jew) ـ وإن كانت مدعاة لكراهيته، إلا أنها في الوقت نفسه بالنظر إلى القاعدة اللغوية (تقديم الصفة على الموصوف) مدعاةٌ لمساعدته في إٍقامة وطن قومي في فلسطين؛ تخلّصاً منه ومن صفاته القبيحة بإبعاده عن الغرب، واستغلالاً لصفاته القبيحة في تحقيق أطماع الغرب الاستعمارية، حتى وإن كان ذلك على حساب إنسانية الإنسان الفلسطيني وسلبه كل حقوقه الإنسانية. وخاصة بعد أن نجح الإعلام اليهودي في تشويه صورة الفلسطيني أمام الفكر الإنجليزي، حتى غدا من معاني كلمة (فلسطيني Philistine) في اللغة الإنجليزية كما يقول معجم (WEBSTER) : an individual guided by material rather than intellectual or artistic values. أي: شخص تتحكم فيه المادة أكثر من العقل أو القيم الأدبية. أو كما يقول معجم (OXFORD) : «Unecultured person» أي: شخص غير مثقف. فتعامل الغرب مع القضية الفلسطينية من منطلق نظرته إلى صفات اليهودي القبيحة، وصفات الفلسطيني المزعومة، لا من منطلق إنسانية كل منهما وحقوقه الإنسانية التي منها محاولة الأخذ بيده لا التخلّص منه ولا سحقه. أما اللغة العربية (لغة القرآن) ، فتنظر إلى إنسانية الإنسان قبل أن تنظر إلى صفاته، فتقدم الموصوف على الصفة، فتراعي إنسانية الإنسان قبل أن تراعي أي صفة أخرى لهذا الإنسان؛ من انتمائه إلى عرق أو ثقافة أو دين مغاير، وهو ما يؤكده تاريخ العرب وواقعهم. قد يقال: إن دلالة التركيب اللغوي على سِمَات خلقية معينة لأرباب اللغة التي تستخدمه ليست قطعية في دلالتها على هذه السِّمات، فقد نجد أرباب لغات تقدمت الصفة على الموصوف في لغتهم ولم تتقدم في نظرتهم ومعاملاتهم مع غيرهم. وهذا في رأيي أمر صحيح، ولكنه لا يعني بحال الغضّ من شأن هذه الدلالة رغم أنها قد تختلف في بعض اللغات؛ لأنها ـ أيضاً ـ قد تتأكد في لغات أخرى إذا انضمت إليها قرائن من تاريخ طويل، وفلسفات معلنة، وأحداث معاصرة مشاهدة صباح مساء. نعم؛ إن القرينة لا تدل بمفردها وقد تتخلف أحياناً، إلا أنها أيضاً تتقوى إذا اجتمعت مع قرائن أخرى، حتى إنها قد توصلنا إلى علم يقيني ـ ما أحوجنا إليه ـ إذا كثرت واستفاضت. وختاماً أقول: صدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] .

стр. 5830

تاريخ الأندلس والدراسات الاستشراقية الإسبانية صالح عبد الله الجيتاوي يشكل تاريخ المغرب والأندلس حلقة متميزة من حلقات التاريخ العربي الإسلامي، وقد حظيت بعض محطاته بعناية كثير من المؤرخين شرقاً وغرباً. فمن المشارقة أذكر على سبيل المثال: عبد الله عنان، إحسان عباس، محمود علي مكي، حسين مؤنس ... ومن المغاربة الذين اهتموا بذلك: المقري، عبد الله كنون، محمد حجي، إبراهيم حركات، محمد بن شريفة ... ومن الغربيين أذكر: كوندي، دوزي، سكوت، لاين بول ... كل هؤلاء كتبوا عن تاريخ المغرب والأندلس، وهي بالطبع كتابات تختلف من كاتب لآخر منهجاً وتحليلاً، لكنها تتحد في الحديث عن أنها حضارة، وعقيدة، وعن فكرة إنسانية، وعن تجربة عمرت زمناً، واختلفت اختلافاً جذرياً عمَّا كان سائداً. والسؤال المطروح في بداية هذا المقال: ما الغاية التي نتغياها من وراء دراسة تاريخ الأندلس؟ وما الفائدة التي نرجوها من ذلك؟ وما هي نظرة المستشرقين الإسبان لتاريخ الأندلس؟ الحقيقة أن مثل هذه التساؤلات هي التي رسمت ووجهت المسار العلمي للمؤرخ (حسين مؤنس) وكان لها أكبر الأثر في اختياره التخصص في تاريخ الأندلس. فهل دراستنا لهذا التاريخ هي من أجل البكاء على ضياع الأندلس؟ أو كما قال المؤرخ الإسباني (بول برودل) : «أنا أعرف أنكم - والكلام موجه هنا للعرب عامة، ولحسين مؤنس خاصة - تحبون القراءة عن الأندلس؛ لأنكم تحبون البكاء عليه، وأنا معكم في أنكم أسديتم إلى إسبانيا خدمات كبرى وقلوبكم كلها حزن عليه، ولكن الحزن لا مكان له في العلم؛ فإذا كنت سترضى بالتخصص في الأندلس فأرجوك ألا يكون ذلك تخصصاً في البكاء» . لذا وجبت دراسة تاريخ الأندلس بروح المؤرخ المتجردة عن العواطف الإيجابية أو السلبية لضمان دراسة موضوعية وعلمية نزيهة؛ فالمؤرخ يجب أن يكون كالطبيب الجراح في عمله؛ لأن الطبيب الناجح لا بد أن يجد لذة في الجراحات، ولا بد أن يستمتع بالقطع والدخول في الجراح، ولكنه كإنسان لا يمكن أن يحب هذا العمل. وتبقى الغاية الأساسية من دراسة هذا التاريخ بالإضافة إلى توخي الموضوعية والعلمية المذكور آنفاً، أنها عبرة مهمة للاتعاظ؛ فهي تقدم لنا قصة طويلة مُشْجِيَة من تقلُّب المصائر والحظوظ، تتناوبها صور متباينة من القوة والعظمة، والضعف والانحلال، والاتحاد والتفرق، والنعماء والضراء، ولكن يميزها دائماً ذلك الطابع الحضاري المؤثر، الذي جعل من الأندلس المسلمة، أمة نموذجية عبقرية، تتفوق على سائر أمم العصر بعلومها وفنونها، والتي استطاعت بها تحويل القفار الإسبانية الموحشة إلى حدائق مزهرة وحقول غناء، بهرت بها الجيران في شبه الجزيرة من الممالك النصرانية، كما بهرت أمم الفرنج الأوروبية، التي كانت تتخبط في موجات من الجهالة والتأخر. \ الاستشراق في اللغة والاصطلاح: أ- الاستشراق لغة: الاستشراق لفظة لم ترد في المعاجم العربية المختلفة، (أتحدث هنا عن المصادر) مثل لسان العرب لابن منظور أو القاموس المحيط للفيروز آبادي (١) . ولكن يمكن تفكيك اللفظة؛ فهي مشتقة من الشرق، وهي تعني مشرق الشمس وترمز إلى هذا الحيز المكاني من الكون.. أما إذا أضيف إليها الألف والسين والتاء (أي الاستشراق) فهي تعني طلب الشرق، أي علوم الشرق وآدابه وأديانه بصورة شاملة؛ هذا في معاجم اللغة العربية. أما في اللغات الغربية فهناك من يرى أن المقصود بالشرق ليس الشرق الجغرافي، وإنما الشرق المقترن بمعنى الشروق والضياء والنور (٢) . ب - أما في الاصطلاح، فأود الإشارة في البداية إلى أنني سأتوقف عند نماذج لتعريفات معينة، ولن أدخل في تفاصيل ما قدم من تعريفات وخلافات حول المفهوم، تكاد تتعدد باختلاف الباحثين في هذا المجال، ويمكن للباحث تصفح الدراسات التي كتبت حول الموضوع ليتبين له كثرتها وتعددها، ولذا آثرت ذكر تعريفين هما: | الأول: أكاديمي صرف، وهو التعريف الذي قدمه (أحمد سمايلوفتش) حيث قال: «علم الشرق أو علم العالم الشرقي. ويشمل كل ما يتعلق بمعارف الشرق من لغة وآداب وتاريخ وآثار وفن وفلسفة» . | الثاني: تعريف رحب واسع، أطلقه إدوارد سعيد: «الاستشراق هو أسلوب في التفكير قوامه التمييز الوجودي والمعرفي بين غرب قادر على معرفة نفسه، وشرق عاجز عن معرفة ذاته، وقابل لمعرفة الغرب لها» (٣) . وأوضح أنور عبد الملك في دراسته الرائدة «الاستشراق في أزمة» (١٩٦٣) أن المشكلة في التخصص الاستشراقي مزدوجة: هناك أولاً: النقد الاستعماري الذي يعتبر الاستشراق بطرائقه الفيلولوجية والتاريخانية من مواريث عصر الاستعمار. وهناك ثانياً: النقد العلمي الذي يعتبر أن الاستشراق لم يفد من الثورة الحاصلة في العلوم الاجتماعية والتاريخية. وجاءت دراسة إدوارد سعيد عام ١٩٧٨ التي أثبتت (أو أقنعت بذلك) أن الاستشراق تخصص استعماري، أي انه نشأ في حضن الاستعمار، ونقل أطروحاته، أو أنه حشر الإسلام والشرق في صورة أشبعت وتُشبع طموحات الغرب ومطامعه في استعمار واستمرار امتلاك الإسلام والعالم الإسلامي (٤) . لا بد من الإشارة في البداية ولو في عجالة للدوافع الأساسية لهذه الظاهرة، ويمكن إجمالها في ثلاثة أمور أساسية وهي: ١ - دوافع دينية تنصيرية. ٢ - دوافع سياسية استعمارية. ٣ - دوافع علمية صرفة. \ المدرسة الاستشراقية الإسبانية: إن غياب الأندلس عن ذاكرة الإنسان العربي، بعد سقوطها في أيدي الإسبان صاحَبَهُ حضور قوي للأندلس والأندلسيين في واقع الأمة الإسبانية، التي تشكّلت في شبه الجزيرة الأيبيرية عقب سقوط غرناطة. وهكذا نشط الاستشراق الإسباني، منذ مطالع القرن التاسع عشر، وظهر التراث الأندلسي لأوائل المستشرقين الإسبان «كنزاً» ثميناً، فأقبلوا عليه جيلاً بعد جيل، يدرسونه ويقوِّمونه، مقدرين ما ينطوي عليه من الإبداع والمعارف والعلوم. فعدُّوا المخطوطات الأندلسية تراثاً لهم، ولذا أخذوا في ترجمة بعضها إلى الإسبانية ودراستها، والاستفادة من مادّتها الغزيرة، الأدبية والعلمية، مثل تآليف (ابن الفرضي) و (ابن بشكوال) و (الضبّي) و (ابن الأبّار) . وقد نشأ الاستشراق الإسباني في أحضان حركة عدائية لكل ما هو عربي ومسلم، وكان هدفها التحقير والانتقام والتشويه، وقد وصف المستعرب الإسباني (خوان غويتسولو) في كتابه (في الاستشراق الإسباني) (١) نماذج من هذا النوع حين يكتبون عن الإسلام والمسلمين بقوله: «إنهم إنما يكتبون ويتصرفون وينطقون باسم المسيحية في مواجهة حضارة متدنية، وفي أفضل الأحوال فإن استحضار الماضي المجيد الذي عرفه العالم الإسلامي يدفعهم إلى التفجُّع على نحوٍ متحذلق على الانحطاط الحالي (الذي كان في رأيهم محتماً ولا مناص منه) وعلى عجزه الطبيعي عن هضم التقدم الأوروبي» . ووصف (غويتسولو) دراسات المستشرقين الأسبان للغات الإسلامية بأنهم يدرسونها كما لو كانت «لغات حضارات منقرضة، ومقطوعة عن اللغات الحالية التي هي وريثها الشرعي، حاكمين عليها بذلك أنها تشكل عدماً أو ما هو أقل من العدم» . واختلط الدافع الديني الحاقد بدافع استعماري سياسي حينما بدأت حركات الاحتلال الأوروبي للعالم الإسلامي وطمعت إسبانيا في المناطق المجاورة لها، فجندت مستشرقيها لإعداد الدراسات لمعرفة مواصفات السكان وطبائعهم وتجارتهم وزراعتهم، وكذلك معرفة اللغات واللهجات المحلية، وقد أنشأت الحكومة الأسبانية العديد من المراكز لتعليم العربية والعامية المغربية، وقد تجاوزت الخمسين مدرسة. وما تزال إسبانيا تحتفظ بالكثير من المخطوطات العربية في مكتباتها الكبرى كمكتبة الأسكوريال، ومكتبة مدريد الوطنية، ومكتبة جمعية الأبحاث الوطنية. أياً كانت ميول المستشرقين الإسبان وفئاتهم، فإنها تنطلق من موقف ديني نصراني موحد هو عدم الاعتراف الكامل بمساهمة الحضارة الإسلامية الأندلسية في النهضة الأوروبية. والمستشرقون الإسبان اعتزّوا بالتراث الأندلسي الباقي في بلادهم، وجعلوه (إسبانيّاً دماً) ، مُغْفِلين، أو متجاهلين أنه (إسلاميُّ الروح) (٢) . \ منطلقات الدراسات الاستشراقية الإسبانية: ١- التحليل العرقي: عندما انطلقت الأيديولوجيات التي كانت سائدة في أوروبا لتناول مجموعة من المواضيع، ومن بينها: العمارة، المدينة ... كان دائماً المعتمد أو السند هو البحث عن الأصل الإغريقي الروماني؛ فنجد على سبيل المثال (كلوديو سانشيز) يحلل المجتمع الأندلسي بتحليل عرقي منطلقاً من دعوى مفادها أن التركيبة السكانية في الفتوحات الإسلامية الأولى كانت قليلة من حيث العدد، وهذه القلة العددية لم تستطع أن تؤثر الأثر الكبير في السلالة الإسبانية التي كانت كبيرة وواسعة الانتشار، وقد قاد هذا التعصب إلى حد اعتبارهم عمالقةَ الفكر الأندلسي كـ (ابن حزم) وغيره إسبانيين؛ لأن الإسلام - في نظرهم - دين شبقي عاجز عن إنتاج مثل أولئك العمالقة، وحتى (ابن الحاج القرطبي) واضع أكبر ناعورة في فاس أرجعوا ذكاءه وألمعيته إلى تكوينه في وسط أسرة مسيحية، رغم أنه كان من الفقهاء الذين خلَّفوا ثروة علمية هامة. ٢ - الدراسات الاستشراقية الإسبانية تتحدث بالأساس حول استبداد الشرق وعدم استقلاله وهذا النمط من التحليل ساد في معظم الدراسات. ٣ - قضية إلغاء الفرد أو الفردية، وهي ظاهرة موجودة في جل الدراسات الاستشراقية، ومفاد هذه النظرة التركيز على بعض القبائل التي كان لها القدرة على التسيير الذاتي، وهو أمر استعمل في تحليل جل المجتمعات، ومثال ذلك التركيز على المجتمع المغربي من خلال إبراز الفسيفساء الاجتماعية التي كانت عائقاً أمام الوحدة السياسية، في بعض الفترات التاريخية. وجدير بالذكر أن هذه المنطلقات التي تحكمت في الدراسات الاستشراقية الإسبانية، هدفت بالأساس إلى ترسيخ مجموعة من المفاهيم في ذهن المتلقي، من بينها: | أن الوجود الإسلامي في الأندلس كان بمنزلة وجودٍ كارثي، لكن سرعان ما امَّحى مع حروب الاسترداد بالأندلس. | أن قيم الجدة والنبوغ في العطاءات الأندلسية لا يمكن فهمها إلا بالدم الإسباني؛ فـ (ابن القوطية) مثلاً في نظرهم كان مرتبطاً بالفكر الهلِّيني. و (ابن حزم) في كتابه (طوق الحمامة) كان من المتأثرين بالروح المسيحية أكثر من تأثره بالروح الإسلامية؛ لأن الروح الإسلامية في نظرهم روح عاجزة عن إبداع مثل تلك الأحاسيس الجياشة. \ تميز المسلمين باللاعقلانية، وبعقيدة جبرية، وبشبقية حيوانية: للمدرسة الاستشراقية الإسبانية خصوصيات، منها أن المستشرق الأسباني (ميكال بارسو) يرى أنه لا يمكن إدراج الدراسات الإسبانية ضمن الكم الهائل من الدراسات الاستشراقية؛ فقد تم تقدير حوالي ٦٢ ألف عنوان أنجز ما بين ١٨٠٠م -١٩٥٠م، كان فقط حول الإسلام والمسلمين. لكن لا يمكن الوقوف على خصوصيات الدراسات الاستشراقية الإسبانية إلا من خلال معرفة المحيط السياسي المؤثر فيها، ومنه تقسيم هذا الخطاب إلى ما يلي: ١ - هناك خطاب رجعي عدمي تعود جذوره إلى مرحلة طرد (المورسكيين) ، ويهدف هذا الخطاب إلى محاولة محو الوجود الثقافي للعرب والمسلمين في الأندلس. ٢ - وفي المقابل هناك خطاب ليبرالي متعاطف مع (المورسكيين) من قِبَل طبقة تقليدية محافظة ومن أمثالها (كوندي) و (سافيدرا) . ٣ - وهناك أيضاً خطاب مدافع ومنافح عن الثقافة العربية الإسلامية في الأندلس، ومن هؤلاء أذكر على سبيل المثال: (أمريكو كاسترو) الذي أكد في غير ما مرة على الخصوصية الثقافية الإسلامية ومساهمتها في تاريخ الأندلس، ودافع عن الحضور الإيجابي للمسلمين في تاريخ الأندلس. ومن الباحثين (١) من قَسَّم رواد المدرسة الاستشراقية الإسبانية إلى ثلاثة أقسام: ١ ـ مغرضين: ونموذج هذه الفئة المستشرق (كلاوديو سانشيث البرنوث) وله كتابان: (إسبانيا الإسلامية) ، (إسبانيا الإسلامية والغرب) . ٢ ـ معتدلين ... ولكن: ونموذج هذه الفئة المستشرق (إميليو جاريا جومث) . ٣ ـ منصفين: وتتكون من مجموعة من الشبان الذين تخلصوا من كابوس محاكم التفتيش ومن عقدة نقاوة الدم. ففي المجال الأدبي نذكر: (خوان غويتسولو) ، (أنطونيو غالا) ، (أنطونيو مونيوز مولينا) ، (رامون مايراتا) في روايته: (علي باي العباسي) (٢) . لكن رغم اتصاف هؤلاء بالإنصاف (ونموذج ذلك غالا) نجد الصورة التي رُسمت بها الشخصية الإسلامية في روايته (المخطوط القرمزي) (٣) كانت صورة سلبية جداً؛ فهي تمثل أخلاقيات ومعايير مجد زائل؛ وذلك في مقابل الشخصيات المسيحية التي تمثل إرهاصات مُلك في طريقه إلى الوقوف على قدميه، وإن كان ذلك يستند إلى دعائم واهية (٤) . و «الوله التركي» لا يقل سلبية في وصفه للمرأة المسلمة، (والصورتان السابقتان لغلاف الروايتين) . \ خاتمة: إن جل الدراسات التي درست الظاهرة الاستشراقية، كانت ذات رؤية قاصرة لم تتجاوز عتبة الوصف والتجميع المعجمي ذي الطابع المدرسي، ولم تَرْقَ إلى مجال التحليل والنقد العلميين، فبقيت سجينة رؤية تقريظية تسجل للمستشرقين ما لهم وما عليهم (٥) . ومنها دراسات انخرطت في بلورة استنساخ ردود فعل انفعالية ومتشنجة، اكتفت برد مجموع الجهد الاستشراقي إلى أهواء ورغبات المستشرقين وميولهم المتربصة بالإسلام والعرب، انطلاقاً من مواقف وميول واضحة (٦) . وعليه؛ فإن معالجة إشكالية الاستشراق في مختلف دراساته، يجب أن تتم بعيداً عن تناول أغراض ونوايا وميول المستشرقين، والابتعاد في الوقت نفسه عن الانزواء داخل منهجية الانتماء الملي العقدي؛ لأن الهدف الأساس هو النفاذ إلى إشكالية الاستشراق والحفر في مكوناتها، وآلياتها التي تسمح بوجودها؛ وبهذا يستطيع الباحث الوصول إلى الخيط الناظم، ويقف على المنطلقات الأساسية لهذه الدراسات. وجدير بالذكر أن هذه العملية دشنها (سالم يفوت) في كتابه: (حفريات الاستشراق: في نقد العقل الاستشراقي) . محمد السروتي (*)

стр. 5831

الفساد والصلاح الإداريان وأثرهما في ازدهار التنمية حامد محمد إدريس (أريتيري) إن حركة التنمية في كل بلد تتوقف على الأخلاق الإيجابية التي يتحلى بها الراعي والرعية، ومتى اعوجت أخلاقهما فقد أثر ذلك الاعوجاج على التنمية الوطنية سلباً، وهذا الموضوع يعالج هذه القضية من الناحية الشرعية في زمن كثر فيه الفساد الإداري في كثير من البلدان في التعامل بين الطرفين (السلطة والشعب) . \ أولاً: الفساد الإداري وأثره السلبي في التنمية: \ تعريف الفساد الإداري: كثيراً ما نسمع عن مصطلح الفساد الإداري، وهو وصف تتهم به المؤسسات الحاكمة كثيراً من البلدان، ويطلق على تركيبة من الصفات السيئة يتحلى بها كثير من الموظفين، تؤدي إلى نمو المصلحة الخاصة بطرق غير مشروعة وباستغلال المناصب الوظيفية على حساب المصلحة العامة للوطن. فإذا اهتم موظفو الدولة بأنفسهم واستغلوا مناصبهم لتحقيق مصالحهم الخاصة فهذا مؤشر لوجود فساد إداري عام في أجهزة الدولة التي تبلى بهذا الفساد؛ مما ينذر بكارثة تنموية بسبب الكارثة الأخلاقية التي أصيب بها الجهاز الحاكم. والناس يراقبون سلطتهم السياسية أكثر مما تراقب هي الأمة؛ فإن وجدوها تعد بمشروعات ولا تفي بها، وتعلن عن إنجازات لم تحققها، ويرون موظفها لا يقبل معاملات الجمهور إلا بدفع الرُشا (جمع رشوة) ، ويعانون من ضياع حقوقهم لانتفاء العدل تحت ظل استشراء المحسوبية والجهوية والفئوية؛ فإنهم يقطعون بأن أخلاق نظامهم قد أوشكت على الانهيار، فتبدأ المسافة تتباعد بين الشعب والسلطة الحاكمة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى الانحطاط التنموي؛ وذلك لعدم وجود تعاون بنَّاء بين السلطة والشعب وبين أجهزة الدولة نفسها، وإن هذا ناتج عن مجموعة من الأخلاق السيئة التي يتسم بها الإداريون في تلك الدولة. الأصل أن من واجبات الدولة حماية أخلاق الناس من الانحراف، ليس فقط حماية أخلاق من يعمل تحت جهازها الإداري؛ وإنما من واجبها أن تطوف في الأسواق لمعرفة أخلاق الناس وحمايتها وإرشادها وتقويمها على النحو الذي وضحه الحديث الآتي: مر رسول الله ﷺ على صُبْرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟! من غشنا فليس منا» رواه مسلم. ومراقبة سلوك العاملين بالدولة مثل مراقبة أخلاق عامة الناس، حتى لا تنتشر العدوى الأخلاقية السلبية من أعلى السلطة إلى أدنى الأمة، وهي أضبط كذلك وأيسر؛ لمحدودية العدد، ولوجود إمكانية المراقبة الدائمة. وأفضل المراقبة أن يتلقى موظفو الدولة دورات تربوية مستمرة في الأخلاق السامية التي تتعلق بعملهم؛ من أجل أن تؤسس رقابة ذاتية داخلية للموظف كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ ، فقد كان يتخول صحابته بالموعظة بين فترة وأخرى. الغش خلق ذميم وجده رسول الله ﷺ في السوق فأخذ يوجه مرتكبه توجيهاً يحمل تعنيفاً شديداً «من غشنا فليس منا» أي إن صفة الغش إذا اتصلت بإنسان أصبح غير صالح ليكون عضواً في المجتمع المعافى؛ لأنه سيكون عامل هدم للتنمية الوطنية، وهو أمر غير مرضي عنه. ولهذا يلزم إبعاد الغاشين عن الوظيفة العامة؛ لأنهم عناصر غير منتجة وغير مؤدية لواجبها المطلوب منها. \ من الأخلاق السالبة: إن الفساد الإداري في أجهزة الحكم تعبير عن وجود مجموعة من الأخلاق السيئة التي يتحلى بها بعض الموظفين، وبموجبها قد انصرفت رسالتهم الأساسية من أداء الأمانة والقيام بواجب الوظيفة التي يتلقون الأجر مقابلها إلى مآرب أخرى خاصة بهم، وهي تنهك التنمية في أي بلد؛ لكنهم لا يبالون بمصلحة العامة ولا يهمهم تحقيق هدف رقي الوطن وتنميته. يأتي على رأس الأخلاق السلبية التي تؤدي إلى الفساد الإداري الكذب والخيانة والغدر والفجور في الخصومة كما يوضحه الحديث النبوي الشريف: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» متفق عليه. إن الموظف الذي يتسم بهذه الأخلاق يعمل في إعاقة تنمية وطنه، فهو يكذب مع مسئوليه ومع الناس، ويخون الأمانة التي فرضت عليه إن لم يقمْ بواجبه الوظيفي حق القيام، وهو يغدر بالعهد الذي أُخذ عليه يوم تقلد الوظيفة، وربما يظهر منه الفجور في الخصومة مع مخالفيه مستغلاً موقعه الوظيفي. وأي تنمية تأتي على يد من تتجمع في أخلاقه صفات الشر والنفاق من الكذب والخيانة والغدر والفجور؟! \ صور من الفساد الإداري: إن الأخلاق الذميمة التي سبق ذكرها إذا سادت في الجهاز الحاكم فسوف تجد مظاهرها وصورها في كل مرافق الدولة؛ فتحت تأثير هذه الأخلاق السيئة سيكون كل موظف يبحث عن مصلحته الخاصة ولا يهتم بواجبه المطلوب فمثلاً: شرطي المرور يظل همه الأكبر إيقاف السيارات المخالفة ليس لتأديب أصحابها على مخالفة ارتكبوها؛ وإنما يتم إيقافها سروراً بما يرجى من رزق حرام يأخذه من سائقها، وقد يتعين مقداره باتفاق بين السائق وبين الشرطي؛ الذي يصبح موقعه الوظيفي عامل تهديد يزيد الضغط على السائق حتى يدفع، ويُفَضِّل الطرف الضعيف تسوية الأمر بتكلفة أخف مما لو مشى إلى مركز الشرطة لسداد الفاتورة لصالح خزينة الدولة. وضابط الجوازات والجنسية قد يتخذ لنفسه مجموعة من الوسائط والسماسرة الذين يسعون بينه وبين المستفيدين لعقد صفقات تتيسر بموجبها المعاملة، ولولا هذه الصفقات لتعقدت الأمور؛ لأن المستفيد كلما وفّى بشرط ابتكروا له شرطاً آخر إلى ما لا نهاية. وفي ظل سيادة الفساد الإداري يصبح موظفو المطارات والموانئ بوابة دخول وخروج المحظورات تحت مظلة (الظرف المغلق، أي الرشوة) التي تتم بينهم وبين الفئات التي تحيا في الأجواء الفاسدة ولا ترضى بالقانون ليضبط حركتها. وعبر هذه البوابات يمكن أن يخرج من البلد مجرمون ويأتي إليها مجرمون، ويمكن أن تباع الثروات العامة بثمن بخس، ويمكن كذلك أن تسرب إلى البلاد عبر بواباتها بضائع وسلع خارجية تحارب الاقتصاد العام وتعيق حركة النمو الاقتصادي. وفي ظل الفساد الإداري أيضاً يصبح الحصول على الوظيفة في الدولة أو فقدانها مبنياً على المحسوبية، فيقال الموظف الصالح، ويعين الموظف الطالح، ويوسد الأمر إلى غير أهله. في كل ذلك لا يبالى بالمعيار الأخلاقي الذي وضعه رسول الله ﷺ لتقليد الولايات والوظائف: «من استعمل في عصابة رجلاً، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين» وقوله: «إنا لا نعطي هذا الأمر من طلبه، ولا من حرص عليه» . ومن صور الفساد الإداري في بعض البلدان التلاعب بالأراضي، واستغلال المناصب لسلب حق الناس فيها. ولمواجهة هذا الخلق السلبي جاءت النصوص الشرعية تحرم الظلم: «من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أراضين» متفق عليه. «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» متفق عليه. فإن كان الوعيد السابق يخص ما يتعلق من فساد إداري في الأراضي الذي بموجبه يُحرم من حقهم قوم لصالح قوم آخرين لا يستحقونه؛ فإن هناك نصوصاً أخرى تحرم على كل الإدارات الفاسدة أن تمتد يدها وبطشها إلى العباد فقد قال ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: وإنْ قضيباً من أراك» رواه مسلم. وردعاً لهؤلاء الذين يستغلون مناصبهم ويسعون في الأرض فساداً ويبنون مصالحهم بظلم الآخرين قال ﷺ لصحابته: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» رواه مسلم. فهذا الموظف الذي يستخدم سلطته لسلب أموال الناس والتعرض لأعراضهم والاعتداء على دمائهم البريئة جزء من منظومة إدارية فاسدة أخلاقياً، لا يستحقون ما هم عليه من مناصب، وذلك لأن المنصب أمانة، وهؤلاء خانوها، وإن هدف المنصب بناء ونماء الوطن، وهؤلاء لا ينمَّون إلا مصلحتهم الشخصية بمضرة الآخرين، ولا يشيِّدون إلا ما يخصهم على حساب نمو وتقدم الوطن. ولهذا فهم يستحقون ما قال في حقهم رسول الله ﷺ : «إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» . رواه البخاري. وهذا يشمل كثيراً من الأجهزة الحكومية التي تشرف على المال العام وتشرف على الإدارة العامة ائتُمنت على خزينة الدولة صرفاً وإيراداً وكلفت بواجب تنمية الوطن، فبأخلاقها المنحرفة خانت الأمانة وأعاقت مسيرة الأمة وتقدم الوطن وتنميته. فأي وطن هذا الذي ينمو وقد ذهبت إيراداته على يد جباتها من موظفي الشرطة ورجال الجمارك وموظفي مصادر ميزانية الدولة؟! وأي وطن هذا الذي ينمو وقد ذهب ما جمع في خزانته اختلاساً بيد حماتها؟! ومما يدخل في الفساد الإداري غياب الموظف عن محل عمله بلا عذر شرعي، أو جلوس الموظفين متحلقين في أحاديث فراغ خلال ساعات الدوام، أو قعود الموظف على كرسيه نائماً مُعطَّلَ الفكر والذهن، مجمد العمل والإنتاج، يهتم فقط بتسجيل الحضور والانصراف حفاظاً على وظيفته، دون أن ينظر ما الذي أضافه لتنمية الوطن، ومقابل أي شيء يتلقى الراتب الشهري من خزينة الدولة، ولا يفكر في المراجعين من الأمة الذين يزورون مكتبه راغبين في إنجاز معاملاتهم، وهو يردهم خاسرين بترحيل أجل المعاملة من تاريخ إلى تاريخ وأحياناً كثيرة يغيب عن موقع عمله، فيظل المراجع مرابطاً أمام المكتب من بداية دوام إلى نهاية دوام ... وهكذا دواليك. إن مجمل هذه الخلطة السيئة من الأخلاق هي التي توصف بالفساد الإداري الذي يعمل في إعاقة مسيرة التنمية في أي بلد، ويضر بمصالح الأمة. \ ثانياً: الصلاح الإداري وأثره الإيجابي في التنمية: \ تعريف الصلاح الإداري: إذا كان الفساد الإداري عامل هدم لتنمية أي بلد فإن الصلاح الإداري يأتي ليحل محله، فإذا تجمعت في الجهاز الموظف في خدمة الدولة بمختلف فروعها مجموعة من الأخلاق الحميدة من الصدق والوفاء والأمانة والعفو والإخلاص فإن العافية تسود، الأمر الذي يبشر بالنمو والتقدم والتطور. ويترتب على عدم الوفاء بالعقود ما دلت عليه كثير من النصوص الشرعية ومنها قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] . هذه نصوص شرعية توجب على كل موظف مراعاة العقد المبرم بين الأمة وبينه، وبينه وبين ربه، ولهذا كان من المفروض عليه أن يتصف بكل خلق حميد يساعد في أداء واجبه المناط به. \ صور من الصلاح الإداري: وإذا أردنا أن نضرب أمثلة للصلاح الإداري الذي يعمل على ازدهار التنمية نجد أنه لا بد أن يكون الفرد الموظف في الدولة صالحاً، والمراد بصلاح الموظف اتصافه بالأخلاق الحميدة التي تثمر مراعاته حق الدولة في عمله وحق الأمة، فهذان ميدانان تظهر فيهما صلاح أخلاق الموظف، ومن صلاح الأفراد الموظفين يتكون الجهاز الإداري الصالح، ومنه يأتي الأداء الإداري الصالح. يدخل العمل الوظيفي في الدولة في باب الأمانات العامة التي يلزم أن يؤديها موظفوها، فمنذ أن يتم تعيين الموظف وجب عليه القيام بأداء عمله وفاءً بالأمانة التي أمر الله بأدائها. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . ولأن الوظيفة العامة خدمة للأمة؛ فإن شاغلها يلزمه أن ينظر إليها بهذا المعنى، فمن اتخذها مطيةً لخدمة فئة دون فئة دون عموم الأمة فقد خان ولم يقم بواجبه المطلوب منه. الحرص على جودة العمل وإتقانه: ومما يدخل في الأخلاق الحميدة أن يجتهد الموظف في جودة عمله وإتقانه. وهذه درجة زائدة على الأداء العادي للواجب الوظيفي، وقد جاء الحديث الشريف مرشداً على مثل هذه الدرجة من العمل: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» ، وحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» ، وحديث: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . التعامل الطيب مع الناس: ومما يأتي ضمن الأخلاق الحميدة أن يتعامل الموظف مع الناس رؤساء ومرؤوسين بالأخلاق الطبية معاملة وتخاطباً فـ «الكلمة الطيبة صدقة» «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» «ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ... » ، وأن يتحلى بالسماحة امتثالاً لقول النبي ﷺ : «رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» . وبعد أن يتحلى موظف الدولة بكل الصفات الحميدة من الإخلاص والسماحة والطيبة وحسن التعامل وإجادة العمل يلزمه من خلال الوظيفة القيام بمراعاة حقين اثنين: حق الدولة، وحق المواطن، حتى يكون لبنة في بناء الجهاز الإداري الصالح، فهو يتحرك أحياناً في ميدانين متقابلين: قوي مسلط (الحكومة) ، وضعيف مسلط عليه (المواطن) ، وعليه أن يعطي كل ذي حق حقه. أ - مراعاة الحق العام (حق الدولة) : مع ضرورة الامتثال بالخلق الطيب في تعامله تقع على عاتق الموظف مراعاة حق الدولة، فلا يجوز أن يفرط فيه إرضاءً لأهله وعشيرته أو معارفه وأصدقائه أو مصالحه ومنافعه. فإنَّ صَرْفَ حق الدولة، من وقت ومال وأمانة، إلى غير الدولة خيانة كبيرة تستحق المؤاخذة الدنيوية والمؤاخذة الأخروية، وقد جاءت عدد من النصوص الشرعية تعد خيانة الدولة ضمن الجرائم الكبيرة، حتى وإن كانت الخيانة صغيرة في نظر مرتكبها أو بالنظر إلى حجمها، مصداق ذلك قوله ﷺ في حق عامله (ابن اللتبية) : «أما بعد: فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟! والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله ـ تعالى ـ يحمله يوم القيامة» متفق عليه. وفي حديث آخر: «كان على ثَقَل (أي العيال، وما يثقل حمله من الأمتعة) النبي ﷺ رجل يقال له: كِركِرة فمات؛ فقال رسول الله ﷺ : هو في النار. فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها» رواه البخاري. والأصل في الغلول السرقة من الغنيمة قبل قسمتها، ولأن حرمة الغنيمة أتت من كونها مالاً للدولة - وليس من كونها أخذت في حرب -؛ جاز القياس عليها لتضم كل مال تابع للدولة سواء دخل في خزينتها، أو تمت إعاقة وصوله إلى الخزينة العامة بواسطة الجباة الخونة، فيصدق الغلول المحرم - إذاً - في أي قدر من المال العام يوجه إلى المصلحة الخاصة دون إجازة من السلطة بل ودون علمها. ومن صلاح الجهاز الإداري في الدولة أن يقوم موظفوها العاملون في الموارد المالية بتوريد ما يتحصلون عليه من مال إلى الخزينة العامة دون أن يخفوا منه شيئاً ولو كان صغيراً ويسيراً في نظرهم؛ كما دل عليه قوله ﷺ : «من استعملناه منكم على عمل فكَتَمَنَا مِخْيَطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة» . رواه مسلم. وبمثل هذه الأخلاق يقاس صلاح الجهاز الإداري في الدولة ويعد قائماً بواجبه. إن من امتثل بهذه الأخلاق الحميدة هو الجهاز الإداري المعافى الذي يعمل في تنمية الوطن، ومن دلائل عافيته أن كل موظف يزيد خزينة الدولة وارداً من المال خاصاً دون اختلاس أو خيانة، ودون غش أو خداع أو كذب. ومن درهم إلى درهم يأتي به الجباة المخلصون الأمناء في مختلف وزارات الدولة ومصالحها وأجهزتها تُملأُ خزينة المال العام، وبه تؤسس المشروعات التنموية التي يقوم برعايتها الأمناء المخلصون، المجتهدون، الحريصون على تنمية الوطن، المجيدون لعملهم، المتقنون له والمبتكرون فيه. ب - مراعاة حق المواطن: سبق أن ذكرنا إجمالاً أن موظف الدولة عليه واجبان يقوم بهما؛ أحدهما تجاه الدولة كما سبق بيانه، والآخر تجاه المواطن. وإن أي تقصير في أحد هذين الواجبين يعد خيانة للأمانة. وإذا كانت الدولة تطالب الموظف أن يستوفي حقها من المواطن سواء تعلق هذا الحق بضريبة لازمة، أو غرامة على مخالفة، أو زكاة واجبة، أو رسوم معاملة، أو فواتير خدمة، أو تعلقت بتحصيل مالي خاص مقرر بوجه شرعي لمصلحة عامة؛ فإن من حق هذا المواطن، بعد أن يقوم بما عليه من واجب، أن يَسلَمَ من أذى الموظف الحكومي في دمه وماله وعرضه كما يدل عليه قوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا» متفق عليه. وقوله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله» رواه مسلم. فإذا تعدى الموظف على حقوق المواطن وحرماته بعد استيفاء حق الدولة منه فقد ظلمه. وهذا مؤشر سلبي خطير ينذر بحلول عقاب على فاعله عاجلاً أو آجلاً كما يفيده قوله ﷺ : «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» رواه مسلم. ولا يجوز للموظف الحكومي أن يضيف شيئاًً من عنده على ما تقرره الحكومة وتلزم المواطن به مصداقاً للحديث الشريف: قال ﷺ لمعاذ حين وجهه والياً إلى اليمن: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعِلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم! واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» متفق عليه. والإضافة السليبة من الموظف قد تكون صريحة؛ كأن يطالب لنفسه قدراً من المصلحة معيناً، مادية كانت أو معنوية، وقد يجبِرُ - بسوء أخلاقه - المتعاملين معه من الشعب على الدفع الظالم، وذلك حل يلجأ إليه المواطن اتقاء لشر الموظف أو تخليصاً للمعاملة المحبوسة بالمماطلة. فإن هذا الخلق من صاحبه يدخل ضمن قائمة الفساد الإداري، وقد دعا رسول الله ﷺ على كل إنسان سبب مشقة للناس حيث قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمرهم شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به» . إن صلاح الموظف معناه تحلِّيه بالأخلاق الحميدة التي بموجبها يقوم بحق الدولة على وجهه ويراعي حق الأمة على وجهه كذلك، موفقاً بين واجبيه، أداءً للأمانة ووفاءً بالعهد، ويفعل ذلك بكل إخلاص وحرص واجتهاد وإجادة وإتقان. ومن بين مجموعة موظفي الدولة المتحلين بهذه الأخلاق الحميدة يتكون الجهاز الإداري الصالح الذي يثمر الصلاح الإداري، وبه تتم التنمية الوطنية.

стр. 5832

إن شاء الله أدب مع الله متعب العصيمي إن الأدب أياً كان نوعه ـ قولاً أو فعلاً ـ خُلُق عظيم، ووصف نبيل، يعلو كلما علا شأن المتأدب معه، ويزداد علواً وعزاً وشرفاً إذا كان مع الله وهو أحق من يُتَأدَّبُ معه. والحديث عن «الأدب مع الله» حديث يشرح الصدر، ويهذب النفس ويزكيها، ويسمو بها إلى معالي الأمور؛ فلقد كان أكثر الناس وأكملهم أدباً مع ربهم هم الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ كيف لا، وهم أكرم الخلق وأتقاهم لله؟! قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . بل حثّنا على الاقتداء به ﷺ في هذا الخلق العظيم، في أقواله وأعماله وعبادته لربه، فقال ـ جلّ وعلا ـ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] . فمن الأدب مع الله قولك: (إن شاء الله) عندما تخبر عن أمر تنوي فعله مستقبلاً؛ عملاً بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ ... ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] . يقول الشيخ السعدي ﵀: «فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبَلية: (إني فاعل ذلك غداً) من دون أن يقرنه بمشيئة الله، وذلك لما فيه من المحذور وهو الكلام على الغيوب المستقبَلية، التي لا يدري العبد هل يفعلها أم لا؟ وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالاً وذلك محذور ومحظور؛ لأن المشيئة كلها لله، ولما في ذكر مشيئة الله من تيسير الأمور وحصول البركة فيها» . ومما يدل على أهمية هذا الأدب وعلو شأنه هو أن الله قد استثنى في كلامه فقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧] . قال ثعلب ﵀: «إن الله استثنى فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون» ، وقال سيد قطب ﵀: «ولكن الله ـ سبحانه ـ يؤدِّب المؤمنين بأدب الإيمان؛ فالدخول واقع حتم؛ لأن الله أخبر به ... إنه أدب يلقيه الله في رُوع المؤمنين ليستقر منهم في أعماق الضمير والشعور» (١) . وقيل: إن الحكمة من استثناء الله هو أنه ـ سبحانه ـ علم أنه يموت بعض الذين كانوا مع النبي ﷺ في الحديبية. ومما يدل على أهمية الاستثناء في تيسير الأمور وحصول مراد العبد منها ما ذكره الله لنا حكايةً عن بني إسرائيل لما طلب منهم موسى ﵇ أن يذبحوا بقرة امتثالاً لأمر الله فإنهم لو لم يستثنوا لم يهتدوا إليها. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإنَّا إن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] . ومن نماذج الأدب مع الله في الاستثناء في أقوال أنبيائه وعباده الصالحين، قول إسماعيل ﵇ لأبيه عندما عرض عليه أمر ذبحه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] . قال سيد قطب ﵀: «ثم الأدب مع الله ومعرفة حدود قدرته، وطاقته في الاحتمال، والاستعانة بربه على ضعفه، ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ومساعدته على الطاعة، ولم يأخذها شجاعة ولم يأخذها بطولة، ولم يأخذها اندفاعاً إلى الخطر دون مبالاة، ولم يُظهر لنفسه ظلاً ولا حجماً، وإنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصبره على ما يراد به؛ فيا للأدب مع الله! ويا لروعة الإيمان! ويا لنيل الطاعة! ويا لعظمة التسليم!» (١) . وقال أهل العلم: «إن إسماعيل ﵇ لما استثنى وفَّقه الله للصبر» . ومن أمثلة الأدب في الاستثناء قول موسى ﵇ للخضر: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] . فموسى ﵇ عزم على الصبر مع الخضر، وعلَّق ذلك بمشية الله قبل أن يرى الممتحَن به، والعزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله ولا حصوله، فهو لم يدّعِ حصوله في نفسه قبل أن يرى ما الذي سيمتحن به، ولذا فإن موسى لما رأى ذلك الممتحَن العظيم لم يصبر على ذلك، فهو لم يخرج على مشيئة الله له. ومن نماذج الأدب مع الله في الاستثناء أيضاً قول يوسف ﵇: ﴿إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] ، وذلك لما رأى أبويه وإخوته قد دخلوا عليه في ملكه آمنين بأمن الله. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] . ومن النماذج التي تأدّب فيها الصالحون مع ربهم في الاستثناء قول صاحب مدين (الشيخ الكبير) (٢) لموسى ﵇ بعدما عرض عليه أن يكون أجيراً عنده كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] . قال سيد قطب ﵀: «وهو أدب جميل في التحدث عن النفس وفي جانب الله، فهو لا يزكّي نفسه، ولا يجزم بأنه من الصالحين، ولكن يرجو أن يكون كذلك، ويَكِلُ الأمر في هذا لمشيئة الله» (٣) . إن مشيئة الله نافذة مطلقة ومثبتة، ومشيئة العبد تابعة تحت مشيئة الله، ولن تنفذ مشيئة العبد إلاّ بمشيئة الله. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] . قال السعدي ﵀: «فإن مشيئة الله نافذة عامة لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير؛ ففيها رد على القدرية الذين لا يُدخِلون أفعال العبد تحت مشيئة الله، والجبرية الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة ولا فعل حقيقة، وإنما مجبور على أفعاله، فأثبت الله للعبد مشيئة حقيقةً وفعلاً، وجعل ذلك تابعاً لمشيئته» (٤) . فلما كان هذا الأدب مع الله يجلب الخير للعبد من تيسير أموره، وعدم تأخرها، وحصول البركة فيها، فإنَّ تَرْكَه (٥) نسياناً قد يتسبب في تأخير ما تنوي فعله مستقبلاً، وهذا ما حصل للنبي ﷺ حينما سأله اليهود عن خبر الفتية، فقال: أخبركم غداً. ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه حتى شق عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء في مثل هذا، ولو نسيه فإنه يستثني عندما يذكره. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إذَا نَسِيتَ ... ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] . قال الشوكاني ﵀: «أي إذا نسيت الاستثناء فقل: إن شاء الله. سواء كانت المدة قليلة أو كثيرة» (٦) . وقد يكون في تركه نسياناً عدم تحقيق الفعل، أو لا يتم له حصول الفائدة منه، ومثل هذا حدث لنبي الله سليمان ﵇ عندما ترك الاستثناء ومضى في فعله. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة ـ وفي رواية: تسعين - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهنّ فلم يلد منهن إلاّ امرأة واحدة نصف إنسان، قال ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته» رواه البخاري ومسلم. فالواجب على من عزم أن يفعل أمراً مستقبلاً أن يقول: إن شاء الله، قبل أن يُقدِم على ذلك، تأدباً مع الله، وامتثالاً لأمره، واقتداء بأنبيائه وعباده الصالحين. سدّد الله الخطى، وبارك في الجهود، وهدى إلى الصواب من القول والعلم والعمل. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5833

الإفراط في النشيد د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف يُحكى أن مغنياً عزم على التوبة، فقيل له: عليك بصحبة الصوفية! فإنهم يعملون على إرادة الآخرة، والزهد في الدنيا، فصحبهم، فصاروا يستعملونه في السماع والإنشاد، ولا تكاد التوبة تنتهي إليه لتزاحمهم عليه، فترك ذاك المغني صحبتهم، وقال: أنا كنتُ تائباً ولا أدري (١) . هذه واقعة سطّرها يراع ابن القيم ﵀، وهي تذكّرنا بالإغراق والمبالغة في النشيد هذه الأيام، والذي استحوذ على فئام من أهل النشيد، حتى أفضى الأمر عند بعضهم إلى محاكاة الغناء الماجن. فصاحَب بعض الإنشاد التكسّرُ والتأوه في الإلقاء، ومشابهة لحون الغناء المتهتك، واعتناء بعض المنشدين بجمال الصورة، وتنميق المظهر، وحلق شعر الوجه؛ بل أفضى الأمر إلى استعمال المعازف في ذاك النشيد المتفلت، ويضاف إلى ذلك تقنيات الصوت ومؤثراته، والتي جعلت الأسماع لا تكاد تميّز بين غناء المجون وهذا النشيد. وقد ألمح ابن الجوزي إلى ذلك وحذّر من مغبة هذا الصنيع فقال: «ولما يئس إبليس، أن يسمع من المتعبدين شيئاً من الأصوات المحرمة كالعود، نظر إلى المعنى الحاصل بالعود، فدرجه في ضمن الغناء بغير العود وحسّنه لهم، وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء. والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج، وتأمّل المقاصد» (٢) . ـ والانهماك في كثير من هذه الأناشيد يورث عاطفة وانفعالاً عند بعض الناس، لكن دون بصيرة أو فقه، فهو يحِّرك المشاعر، ويؤجج العواطف. وقد استخوذ على الصوفية سماع القصائد فقلّ علمهم وعزّ فقههم، حتى قال سفيان الثوري: «أعزّ الخلق خمسة أنفس ـ وذكر منهم ـ: فقيه صوفي» (٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة الاعتياض بسماع القصائد عن سماع القرآن، فإنه يعطيهم حركة حبّ من غير أن يكون ذلك تابعاً لعلم وتصديق.. وله تأثير من جهة التحريك والإزعاج لا من جهة العلم» (٤) . فالأجيال العاكفة على سماع النشيد لا تنال بذلك فقهاً، ولا تحقق علماً بدين الله ـ تعالى ـ، وإنما هو ترنّم وتواجد، وانفعال عاطفي. ـ والولع بسماع النشيد يزهّد في سماع القرآن العظيم، «ولذا تجد مَنْ أكثر مِنْ سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه» (١) . وقد قال الإمام الشافعي: «خلّفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير (٢) ، يصدون به الناس عن القرآن» (٣) . قال ابن تيمية ـ معلقاً على كلام الشافعي ـ: «وهذا من كمال معرفة الشافعي وعلمه بالدين، فإن القلب إذا تعوّد سماع القصائد والأبيات والتذَّ بها، حصل له نفور عن سماع القرآن والآيات، فيستغني بسماع الشيطان عن سماع الرحمن» (٤) . ويقول ـ في موطن آخر ـ: «فإن السكر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس السكر بالأشربة المسكرة، فيصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن، وفهم معانيه، واتباعه، فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله ... » (٥) . فالقلوب أوعية، فإن كان الوعاء مملوءاً بحبّ القصائد والأناشيد، فأين يقع حبّ القرآن وذكر الله ـ تعالى ـ في ذلك الوعاء؟! وقال ابن الجوزي ـ في نقده الصوفية ـ: «وقد نشب حبّ السماع بقلوب خلق منهم، فآثروه على قراءة القرآن، ورقت قلوبهم عنده مما لا ترق عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه، وغلبة طبع ... » (٦) . ـ إن النشيد المنضبط بالضوابط الشرعية بديل محمود عن الأغاني الماجنة، لكن إذا وضع بتوازن في موضعه الصحيح، أما إذا أردنا أن نعرف الحكم الشرعي في ذلك النشيد المتفلت، فعلينا أن ننظر إلى مآلاته وعواقبه، وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم قاعدة في ذلك، وأعملاها على السماع المحدث، فكان مما قاله ابن القيم: «إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء: هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي. ولا سيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله ورسوله ﷺ موصلاً إليه. فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر؛ لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات، ثم يبيح ما هو أعظم منه سَوْقاً للنفوس إلى الحرام بكثير؟ ... » ـ إلى أن قال ـ: « ... والذي شاهدناه ـ نحن وغيرنا ـ وعرفناه بالتجارب أن ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم، وفشت فيهم، واشتغلوا بها؛ إلا سلط الله عليهم العدو، وبُلوا بالقحط والجدب وولاة السوء. والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله المستعان» (٧) . ـ هذا النشيد المتهتك أنموذج من الترخص المتفلت في واقعنا الحاضر، فقد ظهرت في الآونة الأخيرة توجهات ومؤلفات في التفلت عن ضوابط الشرع، والتواثب على حرمات ـ الله مثل: حلق اللحية، وإباحة سماع الغناء، والتوسع في أنواع من المناكح والمكاسب والمطعومات دون التحقق من أحكام الشرع. إضافة إلى ما هو أطم من ذلك كالتساهل في وسائل الشرك وذرائعه، وتهوين عقيدة الولاء والبراء، وغير ذلك. وهذا الواقع يوجب على العلماء والدعاة أن يربّوا الأمة على أخذ الدين بقوة، والدعوة إلى التمسك بالسُّنة والعض عليها بالنواجذ، والحذر من تتبع الرخص والحيل المحرمة والأقوال الشاذة، وإحياء واعظ الله في قلوب أهل الإسلام، والتذكير بالوقوف بين يدي الجبار جل جلاجه، الذي يعلم السر وأخفى، قال : ﴿بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥] .

стр. 5834

٢٣٣ - محرم - ١٤٢٨ ه ـ (السنة: ٢٢)

стр. 5835

قبل فوات الأوان ! مشهد إعدام الرئيس العراقي فجر يوم النحر في ظل صخب وضجيج الصفويين، لا يختلف كثيراً عن تلك المسرحية الهزلية التي أعقبت دخول القوات الأمريكية الغازية إلى بغداد، والتي تمثلت بإسقاط تمثال صدام حسين. صورتان متقاربتان تحملان أشد صور الهمجية والضغينة والحقد، وفي كِلا الصورتين لم يكن صدام حسين مقصوداً لذاته بالتأكيد! المسرحية الأمريكية كانت تسخر من العرب والمسلمين، وتهدف إلى سحق كرامتهم وعزتهم. أما المسرحية الصفوية فكانت تخاطب أهل السنة خصوصاً، قاصدةً ترويضهم وانتزاع البقية الباقية من أَنَفَتهم وشموخهم. نعم! انتهى صدام، ووقف بين يدي حَكَمٍ عدل لا يظلم الناس شيئاً، لكن الذي لم ينتهِ بعدُ هو حرب الإبادة الطائفية التي يقودها جيش المهدي، وفيلق بدر، والميليشيات الصفوية التي تمتلئ حقداً وبغضاً. إنها حرب تصفية جماعية لم تشهد المنطقة لها مثيلاً، هُجِّرت العوائل السنية، وحوصرت البيوت، وانتُهِكت الأعراض، ونُهِبت الأوقاف والمساجد والممتلكات، ذُبِح الأئمة والعلماء والمؤذنون ذبح الشياه، وأنهار من الدماء تملأ بغداد خصوصاً.. وتزداد وتيرة هذا الحقد ساعة بعد ساعة تحت رعاية الجيش الأمريكي وأمام سمع العالم وبصره! إن الأمر جدّ خطير، وخريطة المنطقة كلها ـ وليس العراق وحده ـ مهددة بتلك الأيدي العابثة التي راحت تصدر شعاراتها الثورية، وتستعلي بأطروحاتها الطائفية؛ فهل يبقى علماء السُّنَّة مكتوفي الأيدي أمام همجية الحاقدين؟! إنها أزمة حقيقية تُوجِب على مختلف أئمة السنة ورجالاتها ورموزها من داخل العراق وخارجه، أن يعيدوا حساباتهم من جديد قبل فوات الأوان.

стр. 5836

المقاصد الوهمية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: لقد أثيرت زوبعة منذ مدة حول المقاصد وموقعها من الشريعة وعلاقتها بالنصوص، وألحت أصوات على ضرورة توسيع دائرتها مما دفع إلى بذل جهد في إيضاح الرؤية حول تصنيف المقاصد التي قصدها الشارع والتي توهمها الناس. لقد جاءت مقاصد الشريعة نتيجة استقراء واسع لنصوص الشريعة وما حوته من كليات، من قِبَلِ الراسخين في العلم من أهل ملة الإسلام بعد أن فحصوا نصوص الوحي باعتبارها المصدر الوحيد والمنبع الفذ لاستخلاص هذه المقاصد. قال الإمامُ الغزالي: «مقاصدُ الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع؛ فكل مصلحةٍ لا ترجعُ إلى حفظِ مقصودٍ فُهِمَ من الكتاب والسنة والإجماع؛ فهي باطلة مُطَّرحة» (١) . وذلك ما عبرَ عنهُ الإمامُ الشاطبي حيث قال: «كون الشارع قاصداً للمحافظةِ على القواعدِ الثلاث: الضرورية والحاجيّة والتحسينية، لا بد عليه من دليل يستند إليه؛ والمستند إليه في ذلك إما أن يكونَ دليلاً ظنياً أو دليلاً قطعياً، وكونه ظنياً باطلٌ، مع أنه أصلٌ من أصولِ الشريعة، بل أصلُ أصولها، وأصولُ الشريعة قطعية؛ فأصول أصولها أوْلى أن تكونَ قطعية، ولو جازَ إثباتها بالظن لكانت الشريعة مظنونة: أصلاً وفرعاً، وهذا باطل، فلا بد أن تكون قطعية، فأدلتها قطعية بلا بد، دليل ذلك استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكلية والجزئية وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض بحيث ينتظمُ من مجموعها أمرٌ واحدٌ تجتمعُ عليهِ تلك الأدلة.. فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من: الظواهر، والعمومات، والمطلقات، والمقيدات، والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى ألْفَوْا أدلة الشريعة كلها دائرة على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة» (٢) . وقال الإمام العز بن عبد السلام: «أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء، طُلب من أدلة الشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح» (١) . ولقد أحسن شيخ المقاصديين الإمام الشاطبي حين أتحفنا بوضع أهم المعالم التي ننطلق منها في تصنيفنا للمقاصد إلى مقصود ومتوهم، عبر جملة من القواعد الكبرى، فقال: ـ «المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو: إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً» (٢) . ـ «وُضِعت الشريعة على أن تكون أهواء العباد تابعة لمقصود الشارع فيها، وقد وسع الله على العباد في شهواتهم وتنعماتهم بما يكفيهم ولا يفضي إلى مفسدة ولا إلى مشقة» (٣) . ـ «من سلك إلى مصلحة غير طريقها المشروع فهو ساعٍ في ضد تلك المصلحة» (٤) . ـ «إن عامةَ المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح؛ فهو عمدتهم الأولى وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع، فهو المقدم في نِِحَلهم، بحيث لا يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر ... وليس كل ما يقضي به العقل يكونُ حقاً» (٥) . ومما نأخذه من هذه النصوص أن الشاطبي يرفض جملةً وتفصيلاً التخلي عن جزئيات الشريعة ودقائقها بدعوى الحفاظ على روحها أو مغزاها أو توهم مقاصدها.. إذ كلها وأجزاؤها مرتبطة ببعض، وذلك الكل وتلك الأجزاء لم ينتجها العقل ولا التفكير ولا التوهم، وإنما وجدت تبعاً لوحي محكم لا يتبدل ولا يتغير، فلا مجال لعبث العقل.. ولا محل للارتجالية والتوهم في الدين، بل لا بد من الوقوف عند الحدود التي رسمتها نصوص الشرع والانقياد لها والاستسلام، قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، مما يبين أن توهم المقاصد وتوظيفها تبعاً لمعايير عقلية ليس إلا إقصاء للنص الشرعي، وتبريراً لحلول يمليها الاستسلام لضغط الواقع. قال ابن تيمية: «فتبين أن قول الذين يُعرِضون عن طلب الهدى والعلم في كلام الله ورسوله، ويطلبونه في كلام غيره من أصناف أهل الكلام والفلسفة وغيرهم من أجهل الناس وأضلهم بطريق العلم» (٦) . يقول الدكتور الخادمي: «المقاصد الشرعية ـ وكما تدل علىها صفتها الشرعية ـ هي المقاصد الثابتة بالشرع الإسلامي، أي بأدلته ونصوصه وتعاليمه وهديه، فهي مبنية على الشرع ومنضبطة بقيوده وقواعده، ومعلوم أن ميزان الحكم على أن هذا الفعل مصلحة أو مفسدة إنما هو الشرع وما يتعلق بذلك الفعل من الأدلة والقرائن والمعطيات الشرعية النصية والاجتهادية، والقول بغير هذا موقع بلا شك في القول بتحكيم العقل قبل مجيء الشرع وبعده» (٧) . فالله ـ تعالى ـ إنما أرسل الرسل ﵈ وأنزل الكتب ليكون الواقع خاضعاً لما جاء به أولئك الرسل ونزلت به تلك الكتب. قال ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ . [الشورى: ٥٢ - ٥٣] غير أن بعض المتعالمين سعى من خلال طلب التوسط والسماحة إلى فتح الباب على مصراعيه تحت شعار (فقه التيسير ورفع الحرج) فقاده ذلك إلى تقديم فتاوى شاذة وآراء غير ممسوكة بزمام، تخالف النصوص والإجماع وما دأب عليه الأئمة المتقدمون وما تعارفوا عليه، من الوقوف عند حدود النص والبعد عن التقوُّل بخلافه، بل والورع عن الفتوى في ما لا يعلمون، ظانين (المتعالمين) أن ذلك سينهض بالأمة ويساهم في حل أزماتها. ولله در القائل: وإذا رجوتَ المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هاري لقد راعى الشرع المطهر أحوال العباد ومصالحهم الخاصة والعامة، وأتاح الرخص وسلك التيسير، فكان مجمل نصوصه مبنياً على قصد التخفيف، مؤسَّساً على اليسر والسماحة، كما دعا إلى ربط الأحكام بمعطيات الواقع ومراعاة الظروف، مع الأخذ بقدسية النص وتطبيق مدلولاته والاستجابة له وتطبيقه، غير أن مراعاة الشريعة لتلك الأحوال وإتاحتها لفرص التيسير لم تأذن يوماً بالخروج عن النص ومن باب الأحرى أن تناقضه. فالبديل المطروح يظل متمثلاً في الرجوع إلى النصوص ودراستها واستيعابها وفهمها واستظهار مقاصدها والتعامل مع الواقع انطلاقاً منها وبها. فالحكم ليس إلا لله ـ تعالى ـ وحده والعباد محكوم عليهم. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] . وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] . فما أحوج الخلق إلى تطبيق هذا القرآن العظيم والامتثال لهذه السنة المطهرة! يقول ابن تيمية: «حاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يتلف عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» (١) . لقد ركز دعاة المعاصرة على اختلاق أو تخيل مقاصد يعملون على نسبتها إلى الشارع، وغالباً ما تكون من الارتجال أو التوهم لتبرير تصرفات، أو لإصباغ شرعية على مواقف أو أطروحات يخافون إنكار علماء الشريعة لها؛ ففي الميدان السياسي مثلاً يجنحون إلى ضرورة تطبيق الديمقراطية بدعوى تماثلها مع الشورى الإسلامية، وكذلك يدعون إلى وجود دستور للدولة المسلمة له مواد قانونية وضعية يتأسس عليها، زاعمين أن الشريعة قصدت ذلك طلباً للمصلحة، غير أن تاريخ المسلمين يكذِّب هذه الأطروحة؛ إذ حكم بلادَ الإسلام دولٌ متعاقبة على مساحات شاسعة من المعمورة، وانضوت تحت حكمها شعوب مختلفة، وقاد المسلمون تلك البقاع، وساسوا جميع هذه الشعوب بأحكام الشرع المنزل، ولم يعرفوا الديمقراطية ولم تكن لهم دساتير أو أنظمة حكم غير الكتاب والسنة وما انبثق عنهما؛ فما هي المقاصد التي فوَّتوها حتى تُسْتَدْرَك عليهم؟ أم إنه اتباع سنن اليهود والنصارى؟ حيث وضعوا نُظُماً وضعية تنظم معايشهم وأمور دولهم، وسنوا قواعد لتيسير حياتهم بعدما عانوا من ظلم الملوك ورجال الكنيسة باسم الدين، فثاروا على ذلك، واضطروا إلى وضع قوانين بشرية وضعية للتخلص من سلطان الملوك والبابوات وسدنة الكنيسة، فاتبعهم كل ناعق من جهلة أبناء المسلمين. ورغم علم هؤلاء الأتباع برفض المجتمع لما هم عليه وحتى لا يفتضح ما ذهبوا إليه من تقليدهم الأعمى للعَمَه الغربي فإنهم يتقنعون بمقاصد موهومة نسبوها إلى الشرع المطهر، وإن لم تقصدها الشريعة؛ بل قصدت خلافها حين قصدت مخالفة أصحاب الجحيم.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الله أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً، وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم، ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله، وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر، التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات التي أُنزلت على موسى ﵇ في التوراة، وإن كانت الكلمات التي أُنزلت علينا أكمل وأبلغ، وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات، وأخبر: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] » (٢) . فإن مجرد توهم المقاصد لا يجعلها شرعية؛ فالمقاصد الوهمية هي التي يُتخيَّل ويُتَوَّهم أن فيها مصلحة ومنفعة أو دفع مفسدة ومضرة، إلا أنها في الحقيقة خلاف ذلك فهي مردودة باطلة» (٣) . وخلاصة القول: إن المقاصد حتى تكون معتبرة من الشارع وغير ملغاة منه، لا بد أن تستند إلى دليل من كتاب أو سنة أو قاعدة كلية منبثقة عنهما، فلا تعارِض نصاً شرعياً ولا قاعدة ثابتة شرعاً في إطار من الموازنة واعتبار المآل، أما مجرد الوهم أو الرأي غير المستند إلى النصوص والضوابط الشرعية فهيهات أن يعتبر مرجعاً ودليلاً لاستخلاص الأحكام! قال ـ تعالى ـ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٤ - ١١٦] .

стр. 5837

أهل الذمة والولايات السياسية (١ ـ ٢) محمد بن شاكر الشريف \ مقدمة: منذ عقود مضت، بل منذ القرون الأخيرة ـ التي ظهر فيها ضعف المسلمين؛ حيث ركنوا إلى الحياة الدنيا وابتعدوا عما أراده الله منهم ـ أُهمِلت بعض الأحكام الشرعية وهُجِر العمل بها، ومن تلك الأحكام المهجورة الأحكام المتعلقة بأهل الذمة. لكن على رغم ذلكم الضعف وذلكم الإهمال لم يكن هذا إلا في الجانب العملي التطبيقي. أما الجانب الفقهي النظري فقد ظلت تلك الأحكام محفوظة مدونة في كتب أهل العلم، تدرّس بعض موضوعاتها للطلاب ومن طلبها وجدها. أما اليوم، وفي ظل حالة الضعف الشديدة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية، وفي ظل ظهور الكفر وأهله وعلوهم في الأرض بالباطل، فإنه يراد لهذه الأحكام أن تُهجَر فكرياً ونظرياً كما هُجرِت عملياً وتطبيقياً، فبدأت حملة تغيير المناهج في بلاد المسلمين وحذف الموضوعات التي تتعلق بتلك الأمور، وإفساد دلالة الأدلة عليها بالتحريف لها، ووجدنا من يسارع ممن ينتسبون إلى الإسلام ـ إما أفراداً وإما جماعات ـ من يوافق على هذا، بل يؤلف ويكتب فيه الكتب والمقالات داعياً وناشراً لذلك بين الناس، فوجدنا من يقول عن أهل الذمة: مواطنون لا ذميون، ويجعل ذلك عنواناً لرفض الأحكام الشرعية المتعلقة بأهل الذمة بعبارة مقبولة عند العامة، ويسوِّغ ذلك بأن تلك الأحكام كانت وقتية وواقعية مرتبطة بواقع الصراع بين المسلمين وأهل الكتاب عند بداية الدعوة ـ وهذا من تحريف الكلم ـ ووجدنا من يتبعه ممن يقول: إن المواطنة التي تمنحها الدولة لرعاياها حلت محل مفهوم أهل الذمة. وبدأت سلسلة التنازلات شيئاً فشيئاً؛ فبعد أن أعلنت بعض الجماعات الإسلامية ـ على لسان أحد المسؤولين فيها ـ أن لأهل الذمة أن يتولوا المناصب كلها في الدولة الإسلامية من وزراء ومستشارين، باستثناء رئاسة الدولة، ثم عادت تلك الجماعة بعد أكثر من عقد من الزمان على لسان أحد المسؤولين فيها أيضاً لتقول: لا مانع من أن يكون على رأس الدولة الإسلامية التي تنشدها شخص قبطي. وهكذا تتوالى التنازلات، ابتغاء تحقيق حلم هو في عداد الأوهام. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ؛ فمن رام رضى اليهود والنصارى عليه وهو يخالفهم ولا يتبعهم فهو واهم، كما قال الطبري: «والعداوة على الدين، العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما» (١) . لكنهم إذا رضوا عنه فهذا يعني موافقته لهم، أو أنه يحقق أهدافهم وطموحاتهم، وهو بذلك يكون قد أضر بدينه وأغضب الله عليه. \ ما المراد بأهل الذمة؟ أهل الذمة هم الكفار الذين أبوا الدخول في دين الإسلام، لكنهم رغبوا في البقاء في دار الإسلام والتمتع بحماية المسلمين لهم في دينهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، سواء كانوا من أهل تلك البلاد المفتوحة، أو قدموا من ديار الكفر راغبين في ذلك بناء على عقد يعقد بينهم وبين دولة المسلمين يعرف بـ (عقد الذمة) (١) ؛ حيث يرتب هذا العقد حقوقاً وواجبات على الطرفين ينبغي الوفاء بها من كليهما. ويدخل في هؤلاء الذين يجوز أن يُعقَد لهم عقد الذمة: أهل الكتاب اليهود والنصارى، ويلحق بهم في ذلك المجوس عبدة النيران، قد ثبتت النصوص بذلك وانعقد عليه الإجماع، أما من عداهم من عبدة الأوثان فقد اختلف أهل العلم بشأنهم: هل يجوز أن تعقد لهم الذمة أم ليس أمامهم إلا الإسلام أو الحرب؟، وقد رجح طائفة من أهل العلم دخول عبدة الأوثان فيمن يجوز أن تُعقَد لهم الذمة (٢) ، وهو الذي يعضده الدليل على ما تبين في حديث بريدة ﵁ مرفوعاً وفيه: « ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ـ أو خلال ـ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم ... » إلى أن يقول: « ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية؛ فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم» (٣) فعلق الحكم بلفظ المشركين وعمم، ولم يستثنِ من ذلك مشركاً من المشركين. والذمة: الأمان والعهد؛ فعقد الذمة: عقد الأمان الذي تمنحه الدولة لأهل ذمتها، وتتعهد بمقتضاه بحمايتهم وتأمينهم، وبه أحكام تفصيلية كثيرة، لكن أظهر ما فيه وأجمعه هو: قبول الكفار بجريان أحكام المسلمين عليهم في الشأن العام، مع التزام دفع الجزية، التي هي مبلغ مالي مُقدر من قِبَل الدولة، يعبر عن قبولهم بعقد الذمة والتزامهم به وخضوعهم لأحكامه، وفي مقابل ذلك يأمن الذميون على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، لا يُقرب شيء من ذلك إلا بالحق الذي بينه الله ـ تعالى ـ. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . \ معاملة المسلمين لأهل الذمة: ولقد عُومل أهل الكتاب على مدار التاريخ الإسلامي معاملة عادلة من المسلمين، لا وكس فيها ولا شطط، شهد بذلك مؤرخوهم ومفكروهم؛ فهذا عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ وهو على فراش الموت، يقول قولته المشهورة وهو يوصي من يتولى أمور المسلمين بعده: «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله #: أن يُوفَى لهم بعهدهم، وأن يُقاتل مِن ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم» (٤) ؛ فهم ذمة الله ـ تعالى ـ وذمة رسوله #، يجب الوفاء بما عوهدوا عليه، وأن لا يُنتقص منه شيء، وأن يُدافع عنهم ضد أي اعتداء، وأن لا يُكَلَّفوا من الأعمال فوق طاقتهم. وقد ذكر أبو يوسف في (كتاب الخراج) أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلاً كبيراً يسأل الناس؛ فلما علم أنه من أهل الذمة، وأنه يسأل من أجل الفقر الذي به؛ ولكي يدفع الجزية المطلوبة منه، وضع عنه عمر الجزية، وأعطاه شيئًا من عنده، وقال: «ما أنصفناه أن أخذنا منه وقت شبابه وقوته على الكسب، ثم نتخلى عنه عند ضعفه وعدم قدرته على التكسب» (٥) . وانظر موقف ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ عندما ذهب إلى ملك التتر يفاوضه على الإفراج عن الأسرى فأعطاه ملك التتر الأسرى من المسلمين، فأبى الشيخ إلا أن يفرج عن أهل الذمة أيضاً؛ لأنهم ذمة المسلمين، واستنقاذهم من بين يدي الأعداء واجب المسلمين. قال ابن الأزرق فيما نقله عن القرافي: «وقد حكى ابن حزم في (مراتب الإجماع) له، أن من كان في الذمة، وقصده العدو في بلادنا، وجب الخروج لقتالهم، حتى نموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله ـ تعالى ـ وذمة رسول الله #؛ لأن تسليمه إهمال لعقد تلك الذمة» (٦) ، وعقد الذمة عقد مؤبد ويكتسب قوته من أمر الله ـ تعالى ـ للمسلمين بالوفاء بالعقود. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . ولا تعني المعاملة العادلة أن يُعطَى أهل الذمة ما لم تعطه لهم النصوص الشرعية؛ فإن ذلك وإن كان فيه تفضل عليهم بما ليس لهم، لكنه من الناحية الثانية فيه ظلم للمسلمين بإعطاء بعضٍ من حقوقهم لغيرهم، ومن ذلك الولايات السياسية، وهو موضوع الفقرة التالية. \ الولايات السياسية: الصورة الأولى: من يكون عامَّ الولاية عامَّ العمل؛ كالخليفة والملك والسلطان والرئيس. فولايته عامة تشمل الرقعة الإسلامية كلها، ونظره وعمله في الأمور جميعها. والصورة الثانية: من يكون خاصَّ الولاية عامَّ العمل؛ كولاة الأقَالِيمِ وَأمراء الْبُلْدَانِ. فولايته محدودة بحدود إقليمه، ونظره عام في كل أمره. وَالْصورة الثالثةُ: من يكون عامَّ الولاية خاص العمل؛ كالقائد الأعلى للجيش، وكرئيس مجلس القضاء الأعلى، وَحَامِي الثُّغُورِ، وَمُسْتَوْفِي الخرَاجِ، وَجَابِي الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تعم ولايته الرقعة الإسلامية كلها، ولكنها خاصة في عمل معين. وَالصورة الرَّابِعة: مَنْ تَكُونُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً فِي الأعْمَالِ الْخَاصَّةِ؛ وَهُمْ كَقَاضِي بَلَدٍ أَوْ إقْلِيمٍ، أَوْ مُسْتَوْفِي خَرَاجِهِ أَوْ جَابِي صَدَقَاتِهِ أَوْ حَامِي ثَغْرِهِ أَوْ نَقِيبِ جُنْدٍ؛ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَاصُّ النَّظَرِ مَخْصُوصُ الْعَمَلِ، وكل هذه الأمور فيها عزٌّ وعلو اليد واستطالة، واطلاع على أسرار المسلمين ودواخل أمورهم؛ فلذا لا يجوز أن يتولاها غير المسلمين الأمناء على دينهم وديارهم (١) . وذلك أن الدولة الإسلامية دولة ذات عقيدة ولها رسالة، ورسالتها ليست قاصرة على توفير الرفاهية ورغد العيش في الحياة الدنيا لأفرادها، وإنما هي مكلفة بالعمل وفق هذه العقيدة، وتبليغ تلك الرسالة إلى كل من يمكن أن تصل إليهم؛ رحمة بهم وشفقة عليهم ورغبة في إخراج من شاء الله منهم من الظلمات إلى النور، وهذا يتطلب جهداً كبيراً وبذلاً عظيماً مع ما تحتاج إليه الدولة من الجهاد في سبيل الله لبلوغ هذه الغاية، وهذا يعني أنه لا يقوم بهذه المهمة ولا يقدر على ذلك إلا من هو مؤمن بهذه الرسالة معتقد لها، مستعد للبذل والعطاء في سبيلها، يرى في نشرها وتبليغها الفلاح في الدنيا والفوز في الآخرة، لذا كان من الأمور المنطقية ألا يقوم على هذه الدولة إلا المؤمنون برسالتها، ومن هنا يتبين أن ولي الأمر لا يجوز أن يكون ممن لا يؤمنون بهذه الرسالة. وتكليف أهل الذمة بتولي الأمر، يعني أحد أمرين: إما تكليفهم بالعمل والسعي في نصرة ما يناقض أو يخالف دينهم أو عقيدتهم؛ وهذا يعد إكراهاً لهم، وإما التفريط في رسالة الدولة وإضاعتها، وكِلا الأمرين غير مقبول. يقول محمد أسد ﵀: «إننا يجب ألا نتعامى عن الحقائق، فنحن لا نتوقع من شخص غير مسلم مهما كان نزيهاً مخلصاً وفياً محباً لبلاده متفانياً في خدمة مواطنيه، أن يعمل من صميم فؤاده لتحقيق الأهداف (الأيديولوجية) للإسلام، وذلك بسبب عوامل نفسية محضة لا نستطيع أن نتجاهلها. إنني أذهب إلى حد القول: إنه ليس من الإنصاف أن نطلب منه ذلك، ليس هناك في الوجود نظام (أيديولوجي) ، سواء قام على أساس الدين أو غير ذلك من الأسس الفكرية من أي نوعٍ، يمكن أن يرضى بأن يضع مقاليد أموره في يد شخص لا يعتنق الفكرة التي يقوم عليها هذا النظام» (٢) . وقد ورد النهي عن تمكين الكفار (أهل الذمة وغيرهم) من ولاية أمر المسلمين على أي صورة كان ذلك، وفي ذلك أدلة كثيرة، منها: ١ ـ النهي عن توليهم واتخاذهم أولياء: قد تعددت النصوص الشرعية الواردة في ذلك في مواضع عدة من القرآن وفي مواقف مختلفة، وتنوعت أساليبها؛ فمرة تنهى عن اتخاذهم أولياء، وأخرى تبين أن الكفار بعضهم أولياء بعض، وثالثة تحصر موالاة المؤمنين في المؤمنين فلا تتعداها لغيرهم، وقد تنوعت النصوص الزاجرة عن مخالفة ذلك في بيان العقوبات المترتبة على المخالفة. والموالاة المنهي عنها ليست عملاً قلبياً فقط، بل منها القلبي ومنها العملي، وكلاهما منهي عنه ومحرم على المؤمنين، وبعضه أشد جرماً ومعصية من بعض. فمن الموالاة العملية: التحالف والنصرة، والركون إليهم، والمعونة، والمظاهرة. ومن الموالاة القلبية: المحبة لهم، وركون القلب إليهم، والأنس بهم، والمودة لهم. حتى وإن كان الوادُّ المحب لا يوافقهم على دينهم، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] . وإذا كان المؤمنون منهيين عن مودة الكافرين والركون إليهم، فهل يقوم بعد هذا في تصور إنسان يعقل ويدري ما يقول ويخرج من رأسه أنه يجوز أن تقر الشريعة ولاية أهل الذمة للمسلمين؟ فالنصوص التي تنهى عن اتخاذهم حلفاء أو الانتصار بهم، تنهى من باب أوْلى عن توليتهم للإمارة أو دخولهم فيمن يسندها لمن يستحقها من المسلمين، فإن هذا من أعظم الموالاة. وقد وردت في ذلك آيات متعددة، وأهل العلم في تفسيرهم لآية من هذه الآيات يوردون الآيات الأخر، وذلك دليل على أنها كلها تدل على المعنى نفسه: فمن النصوص الواردة في المسألة قوله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . [المائدة: ٥١] قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيرها: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله ـ تعالى ذِكْرُه ـ نهَى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً ووليّاً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان» (٣) . وفي تفسيرها أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عِيَاضٍ، أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى فِي أَدِيمٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَعَجِبَ عُمَرُ، وَقَالَ: «إِنَّ هَذَا لَحَفِيظٌ؛ هَلْ أَنْتَ قَارِئٌ لَنَا كِتَاباً فِيَ الْمَسْجِدِ جَاءَ مِنَ الشَّامِ؟» فَقَالَ: إِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ، قَالَ عُمَرُ: «أَجُنُبٌ هُوَ؟» قَالَ: لا، بَلْ نَصْرَانِيٌّ، قَالَ: فَانْتَهَرَنِي وَضَرَبَ فَخِذِي، قَالَ: «أَخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (١) ، وروى ابن أبي حاتم أيضاً بسنده قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: «لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً وَهُوَ لا يَشْعُرُ» ، قَالَ: فَظَنَنَّاهُ أَنَّهُ يُرِيدُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (٢) . وقال الجصاص الحنفي في تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] : «فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الصَّغَارِ الَّذِي أَلْبَسَ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِكُفْرِهِمْ؛ وَنَحْوُهُ قَوْله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] الآيَةَ، وَقَالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فَنَهَى فِي هَذِهِ الآيَاتِ عَنْ مُوَالاةِ الْكُفَّارِ وَإكْرَامِهِمْ، وَأَمَرَ بِإِهَانَتِهِمْ وَإذْلَالِهِمْ، وَنَهَى عَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعِزِّ، وَعُلُوِّ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى يَنْهَاهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي كِتَابَتِهِ، وتَلاَ قَوْله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] (٣) . قال ابن العربي المالكي: «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلِيَ وِلَايَةً أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلِيّاً فِيهَا لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُخْلِصُونَ النَّصِيحَةَ، وَلَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» (٤) . وقال ابن كثير الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: «ينهى ـ تعالى ـ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] (٥) ، ثم أورد أَثَرَيْ ابن أبي حاتم السابقين. وقال الرازي: «رُوي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إن لي كاتباً نصرانياً، فقال: ما لك؟ قاتلك الله! ألا اتخذتَ حنيفاً! أما سمعت قول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] ؟ قلت: له دينه ولي كتابته، فقال: لا أُكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أُعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدنيهم إذ أبعدهم الله، قلت: لا يتم أمر البصرة إلا به، فقال: مات النصراني، والسلام. يعني هب أنه قد مات؛ فما تصنع بعده؟ فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره» (٦) . وقال النسفي: «أي لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم، وتؤاخونهم، وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين» (٧) . وقد ورد بمعنى الآية المتقدمة قوله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ، قال ابن كثير في تفسيرها: «نهى الله ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: من يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] وقال ـ تعالى ـ بعد ذِكْر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب ـ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] (٨) . قال أبو حيان في تفسير قوله ـ تعالى ـ: « ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤] قال: «قيل: وفي الآية دليل على أنّ الكافر لا يستحق على المسلم ولاية بوجه: ولداً كان أو غيره، وأن لا يستعان بذمي في أمر يتعلق به نصرة وولاية، كقوله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] (٩) . وقد بيَّن القرآن سبب مسارعة بعض من يظهر الانتساب للإسلام في التحالف مع الكفار، وأن ذلك نتيجة ضعف إيمانهم أو ذهابه بالكلية؛ لكي يكون لهم الكفار نصراء وحلفاء عند الحاجة. يقول ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسير الآية، وكأنه يصف حال كثيرين من أهل زماننا ممن يوالون اليهود والنصارى ويسارعون فيهم: «وقوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: شك، وريب، ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمرٌ من ظفرِ الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أيادٍ عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك» (١٠) . وهذه في الحقيقة حجة كثيرين ممن يزعمون أن لأهل الذمة الحق في المشاركة في الحياة السياسية في بلاد المسلمين؛ يصطنعون بذلك يداً عند أمم الكفر الغالبة موافقة ومداهنة لهم. ومن تتبع الشروط الواردة في ولاية أمر المسلمين في جميع كتب أهل العلم من جميع المذاهب، علم يقيناً أنه لا يجوز بحال أن يتولى كافر ولاية الأمر، سواء كان كافراً أصلياً أو كافراً لردته عن الإسلام، وسواء كان غازياً محتلاً لبلاد المسلمين، أو كان من أهل الذمة المقيمين في بلاد المسلمين؛ فما نسمعه اليوم من المنتسبين إلى بعض الجماعات الإسلامية الخائضين في الانتخابات البرلمانية، من أنه يجوز للنصراني في بلد المسلمين أن يكون ولياً للأمر هو باطل بيقين ومخالف لإجماع المسلمين. قال القاضي عياض: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الإمَامَة لَا تَنْعَقِد لِكَافِرٍ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْر اِنْعَزَلَ، قَالَ: وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَة الصَّلَوَات وَالدُّعَاء إِلَيْهَا» (١) ونقل هذا الإجماع أيضاً ابن حجر فقال: يَنْعَزِل بِالْكُفْرِ إِجْمَاعاً (٢) . وقال ابن الأزرق: « (بعدما ذكر كلام ابن العربي المتقدم) قلت: وقد ورد العمل بذلك عن السلف، قولاً وفعلاً، ويكفي من ذلك روايتان: الرواية الأولى: (وذكر رواية عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ مع أبي موسى الأشعري ـ رضي الله تعالى عنه ـ التي سبقت) ، الرواية الثانية: قال: «وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى بعض عماله: أما بعد: فإنه بلغني أن في عملك رجلاً يقال له: فلان وسماه ـ على غير دين الإسلام، والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ، فإذا أتاك كتابي هذا، فادعُ فلاناً إلى الإسلام، فإن من أعمال المسلمين، فقرأ عليه الكتاب، فأسلم» (٣) ، وما تقدم من الأدلة والأقوال دليل على أنه لا يجوز أن تكون لأهل الذمة ولاية على المسلمين، سواء كان في ولاية عامة أو خاصة، وقد سئل أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ: « (في رواية أبي طالب) نستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء» (٤) . ٢ ـ النهي عن اتخاذهم بطانة: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، بوَّب البخاري في صحيحه باب: بِطَانَة الْإِمَام وَأَهْل مَشُورَته، الْبِطَانَة: الدُّخَلاء، قَال ابن حجر في الشرح: قوله: (بَاب بِطَانَة الإمَام وَأَهْل مَشُورَته) بِضَمِّ المُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفَتْح الرَّاء: مَنْ يَسْتَشِيرُهُ فِي أُمُورِهِ، قَوْله (الْبِطَانَة: الدُّخَلاء) هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة قَالَ فِي قَوْله ـ تعالى ـ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ الْبِطَانَة: الدخلاء، وَالخَبَال: الشَّرّ. اِنْتَهَى. وَالدُّخَلاء بِضَمٍّ ثُمَّ فَتْح جَمْع دَخِيل: وَهُوَ الَّذِي يَدْخُل عَلَى الرَّئِيس فِي مَكَان خَلْوَته وَيُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهِ، وَيُصَدِّقهُ فِيمَا يُخْبِرهُ بِهِ مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْر رَعِيَّته وَيَعْمَل بِمُقْتَضَاهُ» (٥) . قال ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ: «فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاَّء وأصفياء، ثم عرّفهم بما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم» (٦) ، وقد بين ابن جرير أن هؤلاء «هم الذين وصفهم ـ تعالى ذِكْره ـ بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون، ممن كان له ذمةٌ وعهدٌ من رسول الله # وأصحابه من أهل الكتاب» (٧) . وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] الآية، فيه ست مسائل: الأولى: أكد الله ـ تعالى ـ الزجر عن الركون إلى الكفار، وهو متصل بما سبق من قوله: ﴿إن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] والبطانة مصدر، يسمى به الواحد والجمع، وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله من البطن الذي هو خلاف الظهر، وبطن فلان بفلان يبطن بطوناً وبطانة إذا كان خاصاً به. قال الشاعر: أولئك خلصائي نعم وبطانتي وهم عيبتي من دون كل قريب الثانية: نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم، ثم بين ـ تعالى ـ المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] يقول: فساداً، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم، وإن لم يقاتلوكم في الظاهر، فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة. وعن عمر ﵁ قال: لا تستعملوا أهل الكتاب؛ فإنهم يستحِلّون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: إن ههنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحدَ أكْتَبُ منه ولا أخطُّ بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين. فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والإنابة إليهم. قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله #: «لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً» (١) ، فسره الحسن بن أبي الحسن فقال: أراد ﵇: لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمداً، قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] (٢) . وقال ابن الجوزي: «قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية دلالة على أنَّه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة، ولهذا قال أحمد: لا يستعين الإمام بأهل الذِّمة على قتال أهل الحرب. وروي عن عمر أنه بلغه أنَّ أبا موسى استكتب رجلاً من أهل الذمة، فكتب إليه يعنفه، وقال: لا تردوهم إلى العزِّ بعد إذ أذلهم الله» (٣) . وذكر ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «عن ابن أبي الدِّهْقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن هاهنا غُلاماً من أهل الحِيرة، حافظاً كاتباً، فلو اتخذته كاتباً؟ فقال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذَّمَّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي يُخْشَى أن يُفْشوها إلى الأعداء من أهل الحرب؛ ولهذا قال ـ تعالى ـ: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] (٤) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتهم (٥) نوعاً من تولِّيهم (٦) . وقد حكم ـ تعالى ـ بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع البراءة والولاية أبداً، والولاية إعزاز فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبداً، والولاية وصلة، فلا تجامع معاداة الكافر أبداً» (٧) . فهذه الآية تمنع من اطلاع الكفار على أسرار المسلمين، وقد بينت الآيات العلة في ذلك وهو كُره الكفار للمسلمين ورغبتهم في حصول ما يُعنتهم ويشق عليهم، وليس هناك من اطلاع على أسرار المسلمين أكثر من أن يصير الرجل متولياً لبعض أمورهم. ٣ ـ النهي عن الركون إليهم: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] ، قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «وقال ابن جُرَيْج عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا، وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] أي: ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من عذابه» (٨) فهو نهي عن الاستعانة بالظلمة، ويدخل فيهم دخولاً أولياً أهل الذمة فهم كفار، وقد قال الله ـ تعالى ـ: [ ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «فيه أربع مسائل: الأولى: قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ الركون حقيقة: الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء، والرضا به. قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم. ابن جريج: لا تميلوا إليهم. أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وكله متقارب، وقال ابن زيد: الركون هنا: الادّهان؛ وذلك ألاّ ينكر عليهم كفرهم ... الثالثة: قوله ـ تعالى ـ: ﴿إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة فيهم وفي العصاة، على نحو قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ... ﴾ [الأنعام: ٦٨] الآية، وقد تقدم. وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة، وقد قال حكيم: عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي الرابعة: قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي: تحرقكم، بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم، وموافقتهم في أمورهم» (٩) . وكل ما أوردناه فيما سبق من الأدلة والنقول دال على عدم جواز تولية الكفار أهل الذمة وغيرهم الولاية على المسلمين. وإن كان هذا لا يمنع من استخدام من كان منهم حسنَ الرأي في المسلمين، وذلك في غير ولاية الأمر أو ما فيه علو واستطالة على المسلمين، أو ما كان فيه اطلاع على أسرارهم.

стр. 5838

الولاء والبراء بين الغلو والجفاء إبراهيم الأزرق - مكانة البراءة من الكافرين عند المؤمنين: إن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، كما جاءت بذلك الآثار (١) ؛ فإذا انْتقَضت تلك العروة فلا تسل عن محل الإيمان من أهل الزمان. قال العلاَّمة ابن مفلح: «وقال أيضاً ـ يعني ابن عقيل ـ (٢) : إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك! وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري ـ عليهما لعائن الله ـ ينظمون وينثرون، هذا يقول: حديث خرافة (٣) . والمعري يقول: تلوْ باطلاً وجلوْا صارماً وقالوا صدقنا فقلنا نعم (٤) يعني بـ (الباطل) كتاب الله . وعاشوا سنين وعظمت قبورهم واشتُريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب» . وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى» (٥) ، وقال ابن عقيل عن ابن الراوندي أيضاً: «وعجبي! كيف عاش؛ وقد صنف (الدامغ) يزعم أنه قد دمغ به القرآن، والزمرد يزري به على النبوات ثم لا يقتل؟ وكم قد قُتل لصٌ في غير نصابٍ ولا هتْكِ حرزٍ؟ وإنما سلم مدة وعاش؛ لأن الإيمان ما صفا في قلوب أكثر الخلق، بل في القلوب شكوك وشبهات، وإلا فلمَّا صدق إيمان بعض الصحابة قتل أباه» (١) . إن مداهنة أعداء الشريعة برودة في القلب وأي برودة! إنها برودة الذين غابت عن قلوبهم شمس الوحي، وسلبت ـ أو كادت تسلب ـ روح الإيمان، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع انتفاء الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب» (٢) ، وهذه الآية تتناول الإيمان الواجب الذي يأثم مخالفه، كما تتناول أصل الإيمان الذي يكفر تاركه، وإنزال ذلك بحسب نوع الموالاة ودوافعها (٣) . فإن تقرير امتناع اسم مسمى أمرٍ أمر الله به ورسوله كنفيه؛ وهذا لا يكون إلاّ إذا ترك بعض واجباته كما قرر ذلك شيخ الإسلام في الإيمان الكبير (٤) . ومعلوم أن ترك الواجب لا تلازم بينه وبين زوال الأصل، بل قد يزول وقد لا يزول، وكثير نفي الإيمان في الشرع عمن ترك بعض الواجب، «كقوله ﷺ : «لا صلاة إلا بأم القرآن» (٥) ، وقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» (٦) ونحو ذلك. فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب» (٧) . فكان نفي الواجب في ترك القراءة بأم القرآن في الصلاة مبطلاً للصلاة عند الجماهير. أما ما بعدها من الأمثلة فدلت مثل هذه النصوص على وجوبها وتأثيم تاركها، فهكذا قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١] يتناول الإيمان الذي يبطل انتفاؤه أصل الإيمان، والإيمان الذي يوجب انتفاؤه التأثيم. وأشد من هذه الآية في التهديد والوعيد قول الله ـ تعالى ـ قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض خاف أن يُغلب أهل الإسلام، فيوالي اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقادهم أن محمداً كاذب واليهود والنصارى صادقون» (٨) ، وفي معناها قال ابن جرير: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله ـ تعالى ذِكْره ـ نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان» (٩) ، ثم قال الله ـ تعالى ـ مؤكداً هذا المعنى بعدها: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] ، فبين أن الذين يسارعون فيهم قد حبطت أعمالهم، والمسارعون هم الذين: «يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر» (١٠) ، قاله ابن كثير، ولعل الذي أشعر بهذا المعنى الاستعاضة عن الموالاة بضمير الغائبين (هم) وتعدية الفعل إليه بحرف الجر (في) دون (إلى) ، فقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] (يسارعون فيهم) ولم يقل: في موالاتهم، أو إليهم، قال أبو السعود: «وإنما قيل: فيهم مبالغةً في بيان رغبتِهم فيها وتهالُكِهم عليها، وإيثارُ كلمة (في) على كلمة (إلى) للدلالة على أنهم مستقرون في الموالاة، وإنما مسارعتُهم من بعضِ مراتبها إلى بعضٍ آخر منها كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] ، لا أنهم خارجون عنها متوجِّهون إليها كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] » (١) . ولهذا قال ابن كثير: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ «يبادرون إلى موالاتهم في الباطن والظاهر» ، فمعنى المسارعة يتضمن إظهار آثار الموالاة عند أدنى مناسبة وحِيال أي ملابسة، في كل فرصة، فشبّه إظهارها المتكرّر بالمسارعة؛ فهؤلاء قوم موالاتهم للكافرين موالاة عامة في الظاهر والباطن، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الموالاة العامة هي الموافقة والمناصرة والمعاونة والرضا بأفعال من يواليهم؛ فإذا صدرت من مسلم لكافر كفر، أما مجرّد الاجتماع مع الكفار، بدون إظهار تام للدين، مع كراهية كفرهم، فمعصية لا توجب الكفر. وبعض أهل العلم يخص التولي بهذه الموالاة العامة موافقة للآية: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] . ومثل هذا الصنف من الموالين للكافرين جدير بأن يحبط عمله، حري بالخسارة، ولهذا عقب بعدها بما يزيد خسارته وحبوط عمله بياناً فذكر توعد المرتدين، وقرنه بذكر أبدالهم من المؤمنين، فخص وصفهم بضد ما ارتد به أولئك، فذكر موالاتهم للمؤمنين ومعاداتهم للكافرين، فقال بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] ، ثم أكد هذا المعنى تارة أخرى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ، فشرط للإيمان عدم اتخاذهم أولياء، وهذا بعمومه يشمل أصل الإيمان وكذلك الإيمان الواجب بحسب نوع الولاء ودوافعه، قال الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الإمام: «موالاتهم لأجل دنياهم، يجب عليها من التعزير بالهجر والأدب ونحوه ما يزجر أمثاله. وإن كانت الموالاة لأجل دينهم؛ فهو مثلهم، ومن أحب قوماً حشر معهم» (٢) . ولعل من نظر في آيات المائدة الآنفة وجد خمس تأكيدات جاءت في سياق واحد تدل على أن موالاة الكافرين خطر عظيم وشر مستطير، قد يؤول بصاحبه إلى الخسران المبين، وذلك إن كانت موالاة عامة، أو موالاة لأجل الدين. ولعل ما سبق يبين بعض مكانة البراءة من الكافرين في نفوس المؤمنين الصادقين، وخطر الإخلال بها على الدين. - ما تجب البراءة منه؟ البراءة من الكافرين تتضمن أموراً. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فقد أمرنا الله أن نتأسى بإبراهيم والذين معه؛ إذ تبرؤوا من المشركين ومما يعبدونه من دون الله، وقال الخليل: ﴿وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] ، والبراءة ضد الولاية، وأصل البراءة البغض، وأصل الولاية الحب. وهذا لأن حقيقة التوحيد أن لا يحب إلا الله ويحب ما يحبه الله لله، فلا يحب إلاّ لله، ولا يبغض إلاّ لله» (٣) . والتأسي بإبراهيم والذين معه صرح فيه بذكر ثلاثة أمور: الأول: التبرؤ من الكافرين ومما يعبدونه. والثاني: الكفر بهم. والثالث: إظهار العداوة وإعلانها أبداً حتى يؤمنوا بالله وحده (١) . - حكم التلطف واللين مع الكافرين: لعل إشكالاً قد يقع في هذا؛ فبينما يغلو أناس فيحسبون بعض الأفعال المنطوية على لين وتلطُّف لا غضاضة فيها من الموالاة الموبقة؛ يتساهل آخرون فلا يرون بأساً في أضرُب من اللين والتلطف اللذين هما من قبيل الموالاة المحرمة. ولعل الذي يظهر هو أن الفعل المشتمل على تلطف مع الكافرين ولين لهم إما أن يكون لمقتض صحيح كدعوتهم، أو لكون المخاطَب قريباً كأب وأم وأخ أو نحو ذلك، أو لا يكون، فإن كان المقتضي صحيحاً والغرض شرعياً جاءت به النصوص؛ فلا إشكال فيه، بل قد يُندَب، بل قد يجب كما قال الله ـ تعالى ـ لموسى وهارون في شأن فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ، وقال ـ تعالى ـ في الوالديْن المشركيْن: ﴿وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥] ، ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨] ، وذلك بشرط عدم المحاربة لقوله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] ، قال البخاري في صحيحه: باب الهدية للمشركين وقول الله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] . ثم أورد فيه حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة؛ أفأصل أمي؟ قال: «نعم! صِلي أمك» (٢) ، وأورد فيه كذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي ﷺ ابتعْ هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد. فقال: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة» . فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلتَ ما قلتَ فيها؟ قال: «إني لم أكسُكَها لتلبسها؛ تبيعها أو تكسوها» . فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يُسْلم (٣) . وأما إن لم يكن للتلطف واللين مقتضٍ صحيح يدفع إليه؛ فلعل الأصل فيه هو المنع؛ لأنه مظنة إخفاء العداوة المطلوب إظهارها، ولأن موالاة القوم ممنوعة، بيد أن هذا لا يمنع من البر والقسط. - اجتماع إبداء العداوة مع البر والقسط: إن إبداء العداوة لا يمنع من الصدق في معاملة الكافرين، وكذلك العدل معهم، والإحسان إليهم، طالما كانوا غير حربيين، لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . والحق أن هذه الآية محكمة والأمر كما قال شيخ المفسرين: «لا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب، غير محرم ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح» (٤) ، قال القرطبي: «وعلى هذا أكثر أهل التأويل» (١) ، وهذا لا يعارض ما تقدم من الأمر بإظهار العداوة لهم، وترك البِشْر والتلطف واللين، وإظهار التوقير لغير مقتضٍ صحيح؛ فليس من برهم في الآية ذلك، وليس من برهم كذلك الخنوع والتذلل لهم، أو الانبساط معهم، أو التودد إليهم، ونحو ذلك، ويظهر ذلك بتحرير معنى البر وأصله الذي يدور عليه في لغة العرب، أما إطلاقه فهو مجمل قد يحمله بعضهم على استخدامات لغوية صحيحة لكنها غير مرادة لبيان الأدلة الأخرى؛ فإنَّ لينَ الجانب وخفض الجناح وإطلاق الوجه والتودد لهم و «كل ما عده العرف تعظيماً، وحسبه المسلمون موالاة فهو منهي عنه» (٢) ، ما لم يقتضِهِ مقتضٍ شرعي دال على جوازه في ذلك المقام لمعنى ظاهر. ولعل المراد بالبر في الآية ونحوها أصلُ وضعه اللغوي الذي يدور على الصدق (٣) ، أو مطلق الإحسان؛ فالآية جاءت بصدقهم في المعاملة، والإحسان إليهم، والرفق بهم، والعدل معهم، ولا يخفى أن هذا يكون مع كلٍ بحسبه. وقد دلت نصوص أخرى على جواز التصدُّق عليهم وصلتهم بالمال (٤) ، فضلاً عن النفقة على من وجبت النفقة عليه منهم (٥) . وقد حمل بعض أهل العلم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ في هذه الآية على ذلك المعنى لا مطلق العدل؛ إذ العدل مفروض مع الكل، فقالوا: تقسطوا إليهم: تعطوهم قسطاً من أموالكم (٦) . ولعل حمله على العدل أجود؛ فهو أشمل معنى يدخل فيه ما ذكروا من أوجه البذل والإنفاق، كما أن للتذكير بالعدل ههنا مغزى؛ فكأنه ينبه على أهمية التزامه عند الإفضاء إليهم والتعامل معهم فلا يدفع الأمر بالبر إلى تجاوز حد الإنصاف، ولا طبيعة العداوة الدافعة إلى شيء من البغي إلى تخطي العدل «فلا تغلوا في مقاربتهم ولا تسرفوا في مباعدتهم» (٧) . ولما كان التنبيه إلى تحري العدل حال التعامل معهم مراداً لما تعتري تلك الحال من عوارض قد تصرف عنه نظراً لواقع العداوة، عدَّى القسط بإلى والأصل أن يعدَّى باللام، أو يقال: القسط مع الناس لا إليهم، ولعل النكتة تأكيد تحري العدل حال التعامل بتضمين الفعل معنى الإفضاء إليهم (٨) . وإذا علم أن البر يختلف من إنسان إلى آخر بحسبه، فالبر المفروض للوالد غير المأمور به مع عامة الناس، والإحسان المتوجب تجاهه غير الإحسان المندوب إليه مع سائر الناس. ومن تأمل حال إبراهيم ﵇ مع أبيه لحظ ذلك؛ فلم يكن إظهاره العداوة مانعاً له من بر أبيه، فما فتئ يدعوه بذلك النداء الحاني: (يا أبتِ!) ويظهر شفقته وخوفه عليه، وما استثنى القرآن من الأمر بالاتِّساء به في ذلك شيئاً إلاّ قوله: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] . ومما مضى يظهر وجه الجمع بين الأمر بإبداء عداوة القوم مع الأمر بالبر والقسط؛ فبر الكفار والعدل معهم والإحسان إليهم معنى واسع يختلف مع كل كافر بحسبه، وقد يشمل ذلك ترك إبداء عداوتهم، وقد لا يشمل ذلك؛ فكم من مقسط يحسن إلى عدوه بإعطائه ما يجب له على أتم الأوجه وأكملها، فضلاً عن أن يغمطه قدره أو يبخسه حقه، بل يصدق معه ويعدل. وليس من لازم الإحسان إخفاء العداوة فضلاً عن زوالها، بل ليس من لازمه ترك القتل إذا لزم القتل شرعاً؛ ففي حديث شداد بن أوس عند مسلم: ثنتان حفظتهما عن رسول الله- ﷺ ، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته» (١) . وقد نبه إلى شيء من هذا الإمام ابن القيم فقال: «فإن الله ـ سبحانه ـ لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفارَ أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم، توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة؛ فبين الله ـ سبحانه ـ أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة» (٢) ، وذلك لأن المودة من الموالاة ولو كان الكافر ذا رحم قريبة، وقد تكون ذنباً ينقص به الإيمان، وقد تصل إلى حد الكفر الأكبر، بحسب دافعها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد تحصل للرجل موادَّتُهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي، وأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] » (٣) . فأخطأ من ظن أن الإحسان أو العدل أو الرفق أو البر يمنع من أن تكون العداوة بادية معروفة، وأخطأ من ظن أنه يستلزم المودة المنهي عنها، ولعل تلك واحدة من نكت التعقيب بهذه الآية بعد انتهاء سياق قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] ، وما تعلق بها مما جاء بعدها، ثم قال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، فجاء هذا التعقيب البديع مشيراً إلى ما قدم. وكما يخطئ بعضهم فيظن أن من لازم الإحسان المودة، يغلط آخرون فيظنون أن من لازم إبداء العداوة العبوس وتقطيب الجبين ومَطُّ الشفة عند رؤية كل كافر، أو عند سماعه، وليس ذلك كذلك حتى في حق الحربي، بل المراد أن تكون العداوة بين فئة المسلمين وفئة المشركين ظاهرة غير خفية، وهذا لا يلزم منه ما سبق طالما كانت العداوة معلنة صريحة معروفة، بل لا يلزم من إبداء العداوة ترك التبسم بل الضحك إذا صدر عن أحدهم ما يقتضيه إن كان حقاً، ولهذا ضحك النبي ﷺ تصديقاً لقول الحَبْر، كما في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قال: «جاء حَْبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد! إنَّا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ ، حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] » (٤) ، ومن تأمل السِّيَر وجد لهذا نظائر، كما لا يلزم من البر والقسط ترك الغضب والانتقام إذا بدر من أحدهم ما يقتضيه. هذا والله أسأل أن يجعلنا سِلْماً لأوليائه، حرباً على أعدائه، نحب بحبه من أحبه، ونعادي بعداوته من عاداه، كما أسأله أن يرزقنا ديناً وَسُوطاً، لا ذاهباً شطوطاً، ولا هابطاً هبوطاً، كما رضيه وأنزله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 5839

قواعد التيسير في الفقه الإسلامي د. قطب الريسوني إن الإسلام دين رحابة وسماحة، وداعية تبشير وتيسير، نسخ شرائع الأغلال بوسطية محكمة، ورفع الآصار عن الكواهل باعتدال موزون، وهما الجناح الزفاف الذي طار به كل مطار، والآية المبصرة التي فتحت أعين الناس على قيم الحق والخير والجمال، فاستوت الإنسانية بعد إكباب، وأشرقت الأرض بنور ربها بعد إدلاج (١) . ومقصد التيسير يسري في الشريعة الإسلامية سريان الماء في العود الأخضر، ويضبط فروعها بميزان دقيق لا يجنح بالمكلف إلى طريق الحرج والعنت، ولا يميل به إلى طريق التميع والانسلاخ بعيداً عن ثوابت الدين وتعاليمه المستقرة. ولما كانت قاعدة التيسير روحاً لكيان التشريع الإسلامي لا تنفك عنه في كل شاذة ولا فاذة، استفرغ علماؤنا الوسع الجاد في صياغة قواعده الكلية بما يسعف الفقيه على الإلمام بمواضع التيسير وشروطه ومآلاته. ويمكن التمييز في قواعد التيسير بين ثلاثة أضرب (٢) : أـ قواعد التيسير الأصلي: إن المقصود من التيسير الأصلي هو ما تعلق بالإذن في المنافع وتحريم المضار بعد ورود الشرع، إذا لم ينهض من الشرع دليل يجلّي حكمهما. ويعبر فقهاؤنا عن هذه المسألة بقاعدتين جليلتين: الأولى: الأصل في المنافع الإباحة: ويقصد بهذه القاعدة انتفاع المكلف بالمنفعة المسكوت عنها شرعاً على نحو لا يتضرر به المالك ولا المنتفع؛ كالاستضاءة بضوء الغير والاستظلال بجداره (٣) ، أما ما ورد في شأنه دليل من الشرع فلا احتكام فيه إلى هذه القاعدة. والأدلة على حجية القاعدة كثيرة غزيرة، ولا يسعف المقام هنا بجلبها وبيان وجه الاستدلال بها، ولعل أقواها دلالة على المقصود، وتعلقاً بالغرض، حديث أبي الدراداء مرفوعاً: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] (١) . والحق أن دلالة الحديث صريحة في العفو عما سكت عنه، والمعفو عنه لا غضاضة في إتيانه، وهذا خاص بالمنافع دون غيرها، ولذلك عبّر ابن القيم هذه القاعدة بقوله: «كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو» (٢) ، ثم شرح معنى هذه القاعدة في أكثر من موضع من كتابه (إعلام الموقعين) فقال: « ... وهو ـ سبحانه ـ لو سكت عن إباحة ذلك أو تحريمه لكان ذلك عفواً لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرّمه الله، وما سكت عنه فهو عفو» (٣) . ولا يخفى ما لهذه القاعدة من أثر بالغ في التيسير على الناس؛ لأن العمل بمقتضاه يرفع عن المكلّف مشقتين: مشقة مادية تتمثل في إباحة المنافع؛ ما لم يرد في شأنها دليل يقضي بالمنع، ومشقة معنوية تتجلى في انتشال المكلف من حيرته وتردّده في الإقدام على ما يبدو منفعة مباحة ولم يرد في شأنه شيء، فتطمئن نفسه إلى مجانبة المحظور، ويركن إلى الفعل مستصحباً البراءة الأصلية، وفي هذا (دفع واضح لمشقة نفسية) (٤) . الثانية: الأصل في المضار التحريم: وتُذكر هذه القاعدة مرتبطة بأختها السابقة، وتوردها كتب القواعد الفقهية بصيغة: (الضرر يزال) (٥) ، وهي صيغة خبرية دالة على وجوب دفع كل الأضرار؛ كوجوب الوقاية من الأمراض، واستحقاق التعويض للغير عند إتلاف ماله، وتأديب أهل الإجرام بالعقوبات والتعزيرات. ويشهد للقاعدة الحديث المشهور: «لا ضرر ولا ضرار» (٦) ، وقد صدّر بـ (لا) ، وهي نافية للجنس على الراجح عند أكثر أهل العلم، فيكون المنفي كل ما كان من جنس الضرر، ويقدّر خبر (لا) بنحو: لا ضرر سائغ أو مباح في دين الإسلام. ومما يعضّد نفي الضرر مطلقاً ورود النكرة في سياق النفي مما يقتضي الاستيعاب واستغراق القاعدة لفروع فقهية غزيرة، «فإذا انضم النفي الذي لا اختصاص له اقتضى ذلك العموم» (٧) . وبناء على هذا التخريج تكون جملة الحديث خبرية قصد منها النهي عن الضرر والإضرار، وكل إخبار يراد به النهي يكون أبلغ في إفادة الطلب من التصريح به، يقول ابن القيم: «لقد دل الحديث على تحريم الضرر؛ لأنه إذا نفى ذاته دل على النهي عنه؛ لأن النهي طلب الكف عن الفعل، وهو يلزم منه عدم ذات الفعل؛ فاستعمل اللازم في الملزوم» (٨) . وما زال في الجعبة من بلاغة هذه القاعدة نكت كثيرة وفوائد غزار، إلا أن المقام لا يسمح بالاستقصاء والاستيفاء، وحسبنا الإشارة إلى ثراء هذه القاعدة في حمولتها الدلالية وجوهرها التشريعي. وعوداً على بدء أقول: إن قاعدة (الأصل في المضار التحريم) تستمد مشروعيتها من حديث: «لا ضرر ولا ضرار» ، وترجع إلى دليل شرعي آخر هو المصلحة؛ لأن المصلحة كما تكون بجلب المنافع تكون بدرء المفاسد، ودفع المضرة والنهي عن الوقوع فيها هو المصلحة بعينها، واليسر بذاته، إلا أن الأضرار تتفاوت قدراً وأثراً، فيوازن بينها عند التعارض والتزاحم، ويدفع الأعلى بالأدنى. ب ـ قواعد التيسير الطارئ: تحفل كتب فقهائنا بقواعد جليلة وضوابط راشدة تؤصِّل لمنافذ اليسر وفسح التخفيف في دين الله، حتى إذا ولج المكلف مضيقاً من مضايق الحرج الطارئ، وجد من الرعاية التشريعية ما يراعي أعذاره، ويدفع عنه أسباب العنت وغوائل الهلاك. وأول ما يصادفنا في كتب القواعد، مما له صلة وثقى بالتيسير ورفع الحرج الطارئ، القاعدةُ الأم: (المشقة تجلب التيسير) ؛ إذ عدّها العلماء واحدة من خمس قواعد بني عليها الفقه ودارت عليه الأحكام (١) ، ويتخرّج عليها جميع رخص الشرع وتخفيفاته، ومعناها: أن المشقة المعتبرة في التكليف تكون سبباً شرعياً في جلب التيسير بتسهيل الحكم الشرعي والتخفيف منه على نحو ما، فإذا كان الحكم الأصلي محرجاً أو معنتاً انفتح باب الرخصة إلى غاية اندفاع الإحراج والإعنات، فإذا ما اندفع ذلك عاد الحكم إلى أصله بزوال موجب الترخّص. وعبّر الشافعي عن هذه القاعدة بقوله: «الأمر إذا ضاق اتسع» (٢) ، وأجاب بها في ثلاثة مواضع: أولاً: إذا فقدت المرأة وليها في السفر جاز لها أن تولي أمرها رجلاً أجنبياً. ثانياً: يعفى عما يحمله الذباب في رجله من النجاسة. ثالثاً: يجوز التوضؤ من أواني الخزف المصنوعة بالسرجين (٣) إذا لم يوجد غيرها من الأواني الطاهرة (٤) . وللفقهاء عكس هذه القاعدة: (إذا اتسع الأمر ضاق) ، ومثاله: قليل العمل في الصلاة لمن كان يشق اجتنابه رخّص فيه، وكثيره مما لا تمس إليه الحاجة لم يرخص فيه. وقد جمع ابن أبي هريرة بين هاتين القاعدتين فقال: «وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت» (٥) ، وعبّر عنها الغزالي بقوله: «كل ما تجاوز عن حده انعكس إلى ضده» (٦) . ومن أشهر قواعد التيسير الطارئ وأسيرها قاعدةُ: (الضرورات تبيح المحظورات) (٧) ، وفروعها بحر لا تترعُه الدلاء، ومعناها: استباحة المحرّم لعسر احتمال المكلّف عسراً يجلب عليه من الضرر ما لا يقدر عليه، ومن ثم تأخذ الممنوعات حكم المباحات في الضرورة المعتبرة شرعاً. ومن فروعها: إباحة الميتة ولحم الخنزير لمن لم يجد طعاماً حلالاً وخشي على نفسه الهلاك، وشُرب الخمر لإزالة الغصة، ونبش القبور إذا دفن فيها الموتى بغير غسل، وكشف العورة أمام الطبيب لأجل المداواة. بيد أن إباحة المحرمات للمضطر ليست مقصورة على المطعم والمشرب والتداوي، وإنما القاعدة عامة لكل ما يتحقق الاضطرار إليه في معترك الحياة؛ لأجل دفع العنت واتقاء الهلاك؛ ما سلم من المعارضة المساوية أو الراجحة، ولذلك عدّ ابن القيم من فروع القاعدة: جواز الفتوى بالرأي عند غياب النص، وجعلها كالميتة التي تباح عند الضرورة، قال: «إن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة؛ فالضرورة تبيحه كما تبيح الميتة عند الاضطرار» (٨) . وتنزيل هذه القاعدة على الواقعات ترد عليه ثلاثة قيود: الأول: تصور قدر الضررين: الضرر الوارد على المكلَّف، وضرر استباحة المحرم، فأي الجانبين ترجّح كان الحكم له، ولذلك اشترط فقهاؤنا في إعمال هذه القاعدة نقصان المحظورات عن الضرورات، فلو كان الميت نبياً فإنه لا يحل أكل لحمه للمضطر؛ لأن حرمته في ميزان الشرع أعظم من مهجة المضطر. الثاني: الضرورة تقدر بقدرها، فيكتفى في استباحة المحرم عند الاضطرار بالقدر الذي ألجأت إليه الضرورة من غير مجاوزة وشطط، قال ـ تعالى ـ: ﴿ ... فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، ومن ثم لا يشرب المضطر من الخمر إلا القدر الذي يزيل به الغصة. الثالث: الضرر لا يزال بالضرر، أي: أن ضرر إنسان لا يزال بضرر إنسان آخر؛ لأن الخلق كلهم عيال الله، ومتساوون في الحرمة، ويتخرج على هذه القاعدة أن المضطر لا يأكل طعام مضطر آخر أو يقتل ولده. جـ ـ قواعد التيسير بالتدارك: إذا وجد في الشريعة من القواعد ما يكفل التيسير ابتداء أو عند قيام الأعذار، فإنها لم تعرَّ عن تيسيرات تدفع مشاقاً واقعة، وتبيّن المخارج منها بتدارك الخلل وتعقب الخطأ، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه: قواعد التيسير بالتدارك (١) . وهي كثيرة غزيرة، منها ما يتعلق بحق الله، ومنها ما يتعلق بحق العبد؛ إلا أنها تؤول جميعها إلى معنى جامع هو اغتفار الذنوب، ومحو الآثام، ليستأنف المكلّف حياته بنقاء جديد لا يعكّره شيء من عثرات الماضي أو ينغصه تخوف من عواقب المآل وحساب المستقبل. ومن أعظم قواعد التيسير بالتدارك قاعدة التوبة، وهي ذات أثر بالغ في رفع الحرج ودفع المشقة؛ وآية ذلك أن الإنسان غير معصوم من الخطأ واجتراج الإثم، لكنه في لحظة من لحظات اليقظة الإيمانية يرعوي عن غيّه، ويفيء إلى كنف الرشد، ولو حوسب بذنوب الماضي وترِكتِه، تبدّد أمله في رحمة الله، وخاب مسعاه في استئناف حياة طاهرة، وهذا منتهى الحرج وغاية الإعنات. ويذكر العلماء للتوبة شروطاً لا بد من استيفائها لتؤتيَ أكلها، وتعمل عملها في محو الماضي الكالح بخطاياه وآثامه، واستشراف المستقبل بخير الزاد وهو التقوى، ويمكن إجمال هذه الشروط فيما يلي: أولاً: الإقلاع عن الذنب. ثانياً: الندم على اجتراح الذنب ندماً صادقاً. ثالثاً: العزم الأكيد على عدم العودة إلى الذنب. رابعاً: تدارك ما أمكن تداركه من رد الحقوق إلى أصحابها، أو طلب العفو منهم. خامساً: حصول التوبة في الوقت الذي حدّده الشارع وهو ما قبل الغرغرة، أي: خروج الروح. وإذا استُوفيت هذه الشروط برمتها كان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فتغسل التوبة الحوبة، وتُذهِب الحسنات السيئات ولو بلغت عنان السماء، وهذا على مذهب من يرى أن دليل قبول التوبة قطعي، وهو المذهب اللائق بيسر الإسلام ومقاصده في التمكين لدين الله بجلب المهتدين، وإرشاد الضالين، وفتح باب الإغضاء والصفح الجميل، وإلا عاش المذنب في غياهب ماضيه محروماً من بارقة أمل في استئناف حياة النقاء والصفاء. وخالف هذا المذهب إمام الحرمين ومن لفّ لفّه، فحمل الأدلة على غير ظاهرها، وتأولها بقوله: «يقبل التوبة عن عباده إن شاء» (٢) ، بناء على أن دليل قبول التوبة ظني، وهذا مسلك غير مرضي في تفسير النصوص، ولو جرى العمل به لتعطّلت أحكام في الشريعة، وانسلخت عن مقاصدها الأصلية، وقد كفانا أبو حامد الغزالي مؤونة الردّ على منتحلي هذا المذهب فقال: «فمن يتوهّم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول، والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول» (٣) . ومن قواعد التيسير بالتدارك قاعدة الكفارات، وهي في جوهرها ومآلها جابرة للنواقص، وساترة للذنوب، ومخرج من مضايق الإثم، فلا غرو أن يذكر السلف الصالح الكفارات من جملة المخارج الشرعية التي لا تخفى آثارها الحسنة في غور المجتمع أو غور النفس الإنسانية على حد سواء. وقد علم بالاستقراء الدقيق أن الكفارات صنفان: ـ صنف عام، لم يخصّص بذنب معين، ولا يدخل في باب العقوبات الشرعية، وهو ينتظم كل ما يصيب الإنسان من قوارع الدهر، وينزل به من مكروه في بدنه وولده وماله، فقد جعل الله الابتلاء فرصة للمسلم لتكفير ذنبه، ومحو سيئاته، إذا ما لهج لسانه بحمد الله، ورضي بقدره، وأخذ نفسه بالصبر والاحتساب. ويلحق بهذا الصنف ما ينهض به المسلم من طاعات تكفّر الخطايا وتزيد في الدرجات؛ كالوضوء، والتنفل، والصدقات، ومحاسن الخلق، وغيرها. ـ صنف خاص، وهو الشائع في اصطلاح الفقهاء عند إطلاق لفظ الكفارة، وقد عُرِّفت بأنها: اسم لأشياء مخصوصة طلبها الشارع عند ارتكاب مخالفات معينة (٤) ، وهي في حقيقتها تأديب على ارتكاب معاصٍ، وتكفير عن خطايا ارتكس فيها المكلّف بسبب جهالته وضعف وازعه الديني، ولا تخرج المعصية عن ثلاثة أنواع: معصية فيها الحدّ، ومعصية فيها الكفّارة، ومعصية لا حدّ فيها ولا كفّارة، ويجتهد الإمام أو القاضي في تقدير عقوبتها، وهو ما يسمى عند أرباب الفقه بـ (التعزير) . والكفارات المعروفة في الشرع خمسة أضرب: كفارة التمتع بالعمرة إلى الحج، وكفارة اليمين، وكفارة القتل الخطأ، وكفارة الإفطار عمداً في رمضان، وكفارة الظهار. ومعنى التيسير فيها ملحوظ جليّ؛ إذ إنها مخرج للمكلّف مما تورط فيه، وتمكين له من أسباب التوبة، فضلاً عما يترتب عليها من رفع الحرج عن غير المكفّر.

стр. 5840

حتى لا يتكرر المشهد ماجد محمد الحمد عاشت الأمة حيناً من الدهر وهي تنعم بالوحدة والإخاء وسلامة المعتقد واجتماع الكلمة، لا يعكر صفوها انتحال المبطلين ولا كيد الحاقدين ـ وإن لم تسلم من شرهم ـ، حتى إذا انقضى القرن الأول ـ خير القرون ـ بدأت بعض نوابت السوء تظهر للعيان وتجاهر بمعتقداتها الباطلة، وكان من أعظمها أثراً في الأمة فرقة المعتزلة؛ التي كانت تمتاح من وثنية الإغريق، وترى نفسها النخبة التي عجز المجتمع الإسلامي بعلمائه عن مجارات خطابهم العقلاني، الذي وقف حائراً أمام النص الشرعي؛ فأقصاه واستبدله بأقيسة عقلية سقيمة. حتى إذا بان لهم عجزهم عن استمالة المجتمع لحمل قناعاتهم الفكرية، وضعفت حججهم أمام أهل العلم لجؤوا إلى حيلة أهل الباطل في كل زمان للالتفاف على هذه العزلة التي حاصرهم بها المجتمع المسلم؛ حيث استمالوا السطلة السياسية إلى تبنِّي أفكارهم وحمل الأمة على قبولها بحد السيف، فيما عرف بفتنة خلق القرآن، يفرضون وصايتهم الدينية على الأمة كلها. فوقف الإمام أحمد في وجه مشروعهم الباطل، وتحمل الأذى في سبيل نصرة الحق، مما كان له أعظم الأثر ـ بعد توفيق الله ـ في إزاحتهم عن مواقع نفوذهم، وانزوائهم في جنبات التاريخ بعد افتضاح باطلهم. وفي خِضمِّ هذا الصراع بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة؛ خرجت طائفة من أهل الكلام ـ تأثرت بأهل السنة ولم تدرك كنْهَ عقيدتهم على حقيقتها ـ رأت أنها الأقدر على فهم خطاب المعتزلة واستخدام مفردات هذه الخطاب في محاججتهم وكسر شوكتهم، عرفوا فيما بعد بـ (الأشاعرة) ، زعموا أنهم وسطيون بين من يقدم النص وبين من يقدم العقل. وقد جاء بروزهم وقت استعلاء أهل السنة واندحار المعتزلة لذا جاءت علاقتهم بأهل السنة على مرحلتين: الأولى: مرحلة الانتساب إلى أهل السنة والجماعة وإظهار ولائهم لهم، كما هو حال أبي الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) حيث نص على أنه: «بما كان يقوله به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ـ نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته ـ قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون» (١) . حتى إن الباقلاني، أحد رموز الأشعرية، كان يكتب اسمه أحياناً في بعض أجوبته: محمد بن الطيب الحنبلي (٢) . ووصف هذه العلاقة خير وصف أبو إسحاق الشيرازي عندما قال: «إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة» (٣) . وكانت الألفة هي سمة العلاقة بينهم وبين أهل السنة في هذه المرحلة، حيث كانت فجوة الخلاف لم تتسع بعد، وكانوا يداً واحدة في معاداة أهل الاعتزال والتجهم والرفض. الثانية: في هذه المرحلة اتسعت هوة الخلاف وتطور المذهب الأشعري حتى كاد يلحق بالمعتزلة في معظم أصوله، وحيث إنه تم القضاء على المعتزلة فكرياً، وضعف شأنهم وانكسرت شوكتهم، رجع الأشاعرة إلى الإساءة إلى من أحسن إليهم، فجاهروا بعداوة أهل السنة والجماعة، وسلكوا طريق المعتزلة عينه في تعاملهم مع أهل السنة؛ فبدؤوا بلمزهم بـ (الحشوية) و (المجسمة) لتنفير الناس منهم، ومن ثم تطور الخلاف إلى استعداء السلطة السياسية والتقرب إليها لترويج مذهبهم، حتى أصبحت الأشعرية معتقد معظم الدول في تلك الفترة، وفرضت على الناس اعتناقه، وأقصي مذهب أهل السنة ـ المذهب الحق ـ وحوربوا، بل وصل الحال أن نازع الأشاعرة أهل السنة في أحقيتهم بهذا الاسم؛ فكان إذا أطلق اسم أهل السنة كانوا هم المعنيين به (٤) ، أي (الأشاعرة) ، وأصبح أهل السنة الحقة مشبِّهة جهلة مخالفين لاعتقاد السلف ـ زعموا ـ. بل استطاعوا في هذه المرحلة التغلغل إلى محاضن الفكر السلفي عينه؛ ألا وهو علم الحديث علماً وتعلماً، فأصبح في عداد كبار أهل الحديث من يتبنى مذهب الأشاعرة، حيث راجت عليهم شبههم؛ فظنوهم سلفية بلبوس عقلي، بل لم يسلم من التأثر بفكرهم بعض علماء الحنابلة كابن الجوزي وابن عقيل (٥) وغيرهما، فانشق الصف السلفي حتى كاد يختفي من الساحة وتمَّحي رسومه لولا عناية الله ولطفه. فكانت هذه نهاية من رأى تغليب مصلحة مواجهة المعتزلة على إثارة نقاط الخلاف، وهذه عاقبة من لم يحصِّن أتباعه ويحذرهم من خطورة هذه الفرقة. وليس ثمة شك أن الأشاعرة أقرب المذاهب إلى أهل السنة، وأن لهم جهوداً مشكورة في محاربة المعتزلة والباطنية؛ ولكن ليس من الموازنة في شيء أن نكون قناة لتمرير باطلهم إلى عموم الناس، أو أن نكون مطية لتحقيق المشروع الأشعري في الأمة، حتى إذا اشتد عودهم رموا أهل السنة بالزور وكان الإقصاء هو الخاتمة لهذه العلاقة المتوترة. وها هو التاريخ يعيد نفسه، والمشهد ذاته تتكرر فصوله تارة أخرى بمسميات أُخر في واقعنا المعاصر. فهذه الليبرالية تطرح نفسها مشروعاً بديلاً للإسلام في بلاد المسلمين، ساعية جهدها في نشر أفكارها بين الناس، مستعينة بقوى الغرب الكافر ـ الذي رباها على عينه ـ لكسر عزلتها في المجتمع المسلم، مستقوية به لزحزحة ثوابت الأمة والمجاهرة بخلافها لمبادئ الإسلام، محاولة الوصول إلى صانع القرار السياسي لاستعدائه على خصومها من أهل السنة؛ لإقصائهم عن ريادة الأمة، وسعياً لتمرير مشروعها التغريبي في مجمل حياة الناس، وخصوصاً في واقع المرأة والحكم. وها هو المشهد الأشعري تُعاد فصوله كرة أخرى، فها هي طائفة ممن كانت من أهل الضلال والعلمنة ردحاً من الزمن أعلنت أوبتها إلى الإسلام؛ ولكن تريد أن تكون رأساً في الحق كما كانت في الباطل؛ وإن لم تحمل أهلية لذلك، حيث لا زالت مرجعيتها الفكرية هي هي، وجهلها بالإسلام هو لم يتغير، تريد جهلاً المواءمة بين الإسلام والليبرالية حتى يكون وسطياً كما تزعم، وهي في حقيقتها تريد تطويع الإسلام لمبادئ الغرب الكافر، فيقبل منه ما وافق أهواء الليبراليين، ويرفض أو يؤول ما خالف رغباتهم الفاجرة تحت عباءة تجديد الخطاب الإسلامي. وهذا التيار الذي اصطلح على تسميته بـ (الليبرالية الإسلامية) أو (العقلانيين) يقع في منطقة رمادية بين الحق والباطل، فهو يحمل بعض الحق وبعضاً من الباطل، فطائفة منهم كالحة السواد، لا تكاد تجد كبير فرق بينهم وبين الليبراليين إلا بعض كتابات في الثناء على بعض قيم الإسلام، فهم في حقيقتهم علمانيون بمسوح إسلامي لمخاتل أهله، وآخر إسلامي تأثر بفكرهم ويروج لمنهجهم في التعامل مع النصوص الشرعية، ومن بينهم ـ للأسف ـ من ينتمي للعمل الإسلامي؛ مما كان سبباً في ترويج هذا الفكر بين شباب الصحوة وبعض مثقفيها، فنتج عنه انتكاسة بعضهم ممن له سابقة في الانتماء للعمل الإسلامي، فعاد حرباً على إخوانه، زاعماً أنه يقوم بنقد التيار السلفي، وتفكيك بنيته التقليدية. وتكمن خطورة هذا التيار أنه أصبح قناة تُمرر من خلاله الأفكار الليبرالية والعلمانية إلى الإسلاميين، لذا لم يعد مستغرباً سماع الدعوة إلى (الديموقراطية) أو (الحرية الفكرية) بين الإسلاميين، وحين تستنكر هذه المفاهيم الضالة يجيبك هؤلاء: أن هذه المصلطحات ليست بمدلولاتها الغربية؛ بل تم تطويعها لتتواءم مع الإسلام، فالديموقراطية إنما جوهرها ولبها «أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم» ، والحرية الفكرية إنما عني بها أن يطرح الناس آراءهم بحرية، ما لم تخالف الثوابت الشرعية، فلم يبقَ لهذه المصلطحات من اسمها الغربي إلا رسمه، حيث تم أسلمتها، حتى إذا ألِف الناس الخلاف حولها وحسبوه خلافاً لفظياً جاءك من يعيد هذه المصطلحات جذعة كما هي عند الليبراليين، وتعظم المصيبة عندما يكون ذلك من بعض قادة العمل الإسلامي، فأحدهم يصرح أنه: يقبل أن يتولى الحكم في بلاد المسلمين نصراني أو يهودي، وآخر يدعو إلى تطبيق الديموقراطية بحذافيرها؛ فهو يستنكر حرمان الشيوعيين من تكوين أحزاب لهم في بلاد المسلمين؛ بل يدعو إلى تمكينهم من نشر إلحادهم بين الناس، ولا يمانع من نقد الإسلام ذاته من باب تكافؤ الفرص!! وآخر يدعو إلى نشر بعض الروايات التافهة التي أفتى بمنعها الأزهر لما فيها من مساس بالذات الإلهية، ويدعو المؤلف إلى عدم الالتزام بهذه الفتوى؛ لأنها تخالف حرية الفكر، كما يزعم. عند ذلك تستبين سبب الألفة بين هؤلاء (العقلانيين) و (الليبراليين) ، حيث تلحظ حضورهم المكثف في القنوات الليبرالية، فهم الذي يُدعون إلى المؤتمرات، وهم الذين يُستكتبون في صحافتهم ويُقابَلون في قنواتهم، وهم الذي يقدَّمون للعامة؛ لأنهم أصحاب «فكر إسلامي مستنير» أو «وسطيون» وغيرها من ألفاظ التزكية الليبرالية، أمَّا غيرهم ممن يخالفهم الرأي: فهو ظلامي رجعي سلفي (١) متشدد إقصائي. عندها تدرك لِمَ مراكز البحث الغربية تدعو إلى دعمهم والعناية بهم (٢) ؛ لأنها علمت أنهم حصان طروادة الذي من خلاله يتم هدم قلاع الممانعة الإسلامية من الداخل. وهم ـ شعروا أو لم يشعروا ـ أول مراحل هدم قيم الإسلام وإحلال القيم الليبرالية محلها، وهم مطية يتم من خلالها تسويق الفكر العلماني داخل المجتمعات المسلمة سواءَ أدرك ذلك بعضهم؛ فرضي بذلك مقابل الشهرة التي يمنحونها له، أو عن طيبة قلب وسذاجة فكر تم استغلاله، وهو لا يدرك خطورة الدور الذي رُسِم له. وهنا يسأل البعض: هل من الحكمة جعل هؤلاء كلهم في سلة واحدة ومخاصمتهم، والأمة تعاني من تكالب العداة ومحاولتهم بكل السبل النيلَ من ثوابتها وقيمها؟ بطبيعة الحال ليس من الحكمة فعل ذلك، ولكن إذا استشرى شرهم، وعلا ضجيجهم، وبان أثر فكرهم وخطورة انحرافهم في استقطاب كوادر العمل الإسلامي، والتأثير على محاضنه الفكرية، واستنبات بذور الفرقة داخل الصف الإسلامي بسبب جهل الكثيرين حقيقتهم، عند ذلك تكون الحماقة عينها التغاضي عن هذا الواقع ونحن نصطلي بناره، حتى يصبح المنهج الحق خارج السرب يغرد وحده، وليس من الحكمة في شيء أن نرضى بسرقة الصحوة والعمل الدعوي من قبل هؤلاء العقلانيين تحت ذريعة أنهم الأقدر على التواصل مع الغرب، والأقدر في إدارة دفة الحوار مع الآخر؛ لكونهم يملكون القدرة على تفكيك خطابه، فهم ـ إن سلَّمنا أنهم كذلك ـ من أبعد الناس عن فهم نصوص الشرع وتنزيلها على واقع الخصم. فإن لم يقم الدعاة ببيان حقيقة هذه الطائفة وتصويف باطلها؛ ساعتها سيجدون أنفسهم مقصيين عن الساحة، تعلو رؤوسهم كلمات النبز واللمز كما فُعِل بأهل السنة من قبل، فالتاريخ يعيد نفسه، ونحن نلحظ بوادر تكرار للمشهد الأشعري فنتساءل: أَأيقاظ ـ أولئك الدعاة ـ أم نيام؟

стр. 5841

معالمٌ في الأزمات ناصر بن عبد الله الجربوع يعيش المسلمون هذه الأيام في أماكن شتى أياماً عصيبة، ومصائب كبيرة، فما أن يندمل جرح من جسد الأمة الإسلامية إلا وتُصاب بجرح آخر قد يكون أعظم مما سبق. ولعلَّ ما حلَّ بأهلنا في فلسطين ولبنان أظهر شاهد على ذلك. ولنا مع هذه الأزمات والأحداث العظيمة بعض المعالم والوقفات، لعلّها تكون عوناً لنا في الصبر والتسلية وفي رفع الغمّة. وهذه المعالم هي: المَعْلم الأول: أن يعلم المؤمن أن كل ما يحصل في هذا الكون من حوادث وصراعات فهو بقضاء الله وقدره وبعلمه وإرادته ومشيئته لا يخرج شيء من ذلك، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، وأنه ـ سبحانه ـ قدّر ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فلن تموت نفسٌ قبل أجلها المحدّد لها، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» (١) ، فإذا علم المؤمن ذلك وآمن به انشرحت نفسه ولم يجزع أو يتسخط، ورضي بقضاء الله وقدره، وانشغل بعبادة ربه وتحصيل معاشه بنفسٍ مطمئنة، عكس من لم يؤمن بذلك فتجد الهلع والخوف قد استولى على قلبه فلا يجد للحياة طعماً، بل يصل به الأمر إلى الوفاة أو محاولة قتل النفس للتخلُّص من الحالة التي يعيشها. المَعْلم الثاني: أن الصراع والاختلاف سُنّة ربّانية ماضية. وهذا الصراع قد يكون بين أهل الحق وأهل الباطل، وهو صراع دائم ومستمر، ولن ينتهي إلا عندما يترك أهل الإسلام دينهم كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقد يكون الصراع ـ أيضاً ـ بين أهل الحق أنفسهم، أو بين أهل الباطل أنفسهم؛ نتيجة الاختلاف في المواقف أو الأطماع. والشواهد من التاريخ على ذلك كثيرة في الماضي والحاضر، وخير شاهد ما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية. والله ـ سبحانه ـ قد يولِّي بعض الظالمين بعضاً، ويكون في ذلك الخير والفرج للمؤمنين كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] . ولهذا ينبغي للمؤمن أن لا يستغرب حدوث مثل هذه الصراعات والأزمات، بل يؤمن أنها سُنّة جارية. المَعْلم الثالث: أن ما أصاب المؤمنين من تسلُّط الأعداء عليهم وتقتيلهم وهدم بيوتهم وتهجيرهم من ديارهم قد يكون بسبب أنفسهم، كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . وإذا كان الصحابة ﵃ لما هُزموا في معركة أُحد مع رسول الله ﷺ تساءلوا فيما بينهم عن سبب الهزيمة فأنزل الله ـ سبحانه ـ قوله: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ، وكان الذنب الذي بسببه هُزموا هو مخالفة الرُّماة لأمر رسول الله ﷺ ونزولهم من الجبل.. فعلينا أن نحذر من الذنوب والمعاصي، فهي سبب الهزيمة والضعف والوهن، ولن ننتصر على عدونا الخارجي إلا إذا انتصرنا على عدونا الداخلي، وغيَّرنا من حالنا، وأقبلنا على طاعة ربنا: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . المَعْلم الرابع: من أعظم ما يجب على المؤمن التوكلُ على الله في الرخاء والشدة، واللُّجوء إليه عند المحن والأزمات، وطلب الفرج منه، فهو الناصر والمعين: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ، والثقة بنصره وعدم الخوف من كثرة العدو وقوته: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] . ولنا في سيرة رسول الله ﷺ خير برهان، فهو لم ينتصر في معاركه الكثيرة مع الكفار بكثرة جيشه وأسلحته. ومن كان الله معه فليبشر بالنصر والتمكين: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] . المَعْلم الخامس: إن أعظم ما يعين المؤمن على الثبات ويقوي قلبه وقت الفتن والأزمات بعد التوكل على الله ـ سبحانه ـ الأعمالُ الصالحة؛ من دعاء وذكر وصلاة وصيام وصدقة وغيرها، فإن الأعمال الصالحة غذاء القلب، ومادة قوته، كما أن الطعام والشراب غذاء الجسم ومادة قوته. وكان نبينا محمد ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فزع إلى الصلاة (١) ، وقد أمر الله بالاستعانة بالصلاة في سائر الأحوال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] . وأمر عند ملاقاة العدو بالإكثار من ذكره وبيَّن أنه سبب الفلاح والنصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] . المَعْلم السادس: أن النفس البشرية جُبلت على حب الحياة وكراهية الموت والقتل، وهذا لا تثريب فيه على الشخص، ولكن إذا وقعت الحروب والأزمات فعلى المؤمن أن لا يجزع من ذلك ويعترض على قضاء الله وقدره، فقد يكون في باطن ذلك الخيرُ والفرج وبداية النصر، وقد لا ندرك ولا نعلم هذا الخير؛ لقصورنا البشري كما قال ـ سبحانه ـ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢١٦] ولما عقد رسول الله ﷺ صلح الحديبية مع المشركين وكان من بنود الصُّلح أن يرجع الرسول ﷺ وأصحابه فلا يدخلوا مكة؛ أصاب أصحابه ﵃ حزنٌ شديد وشقَّ ذلك عليهم، ثم إن الله فتح بعد ذلك مكة لرسول الله ﷺ ، حيث نقض المشركون الصُّلح، فلننظر كيف أن هذا الصلح الذي كرهه الصحابة ﵃ أصبح خيراً بعد ذلك وصار سبباً لفتح مكة (٢) . المَعْلم السابع: أن يعلم المؤمن أن الباطل مهما استفحل وانتصر على الحق في أحوال فإن ذلك لا يعدو أن يكون مرحلياً ووقتياً، وأن النصر في النهاية هو للحق وأهله، وهذه حقيقة شرعية وإرادة كونية قدرية، يجب أن نؤمن بها، ونثق بوعد الله ، وأن يدعونا ذلك للتفاؤل وقت الأحداث، وأن وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر قد قرب بزوغ فجره، وأن ظلمة الباطل قريباً ما تنقشع، فهو ـ سبحانه ـ لا يخلف الميعاد: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وكان ﷺ إذا اشتكى إليه أصحابه ﵃ ما يلاقونه من عذاب وشدة من المشركين دعاهم للصبر، وعدم الاستعجال، وبشّرهم بانتصار الدين وغلبة أهله فكان يقول: «ليبلغنّ هذا الأم ر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين» (٣) . وقال ﷺ : «والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (٤) . إلا أن هذا التفاؤل وانتظار الفرج يجب أن يصحبه عمل جادّ، وبحثٌ في الأسباب والعلاج، أما التفاؤل دون ذلك فهو عجز وخَوَرٌ، ولننتظر عند ذلك أن يحلّ بنا قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ . [محمد: ٣٨] المَعْلم الثامن: إن أعظم فرصة للدعاة إلى الله ـ تعالى ـ وللعاملين بحقل التربية والتعليم اغتنامُ أوقات الأزمات والحوادث لنشر رسالتهم في المجتمع، فإن النفوس يومئد أقرب ما تكون إلى الخير وتحتاج إلى من ينير لها الطريق، وأن يقوم الداعية والمربِّي بربط ما يقع ويحدث بالسنن الإلهية الكونية. والنبي ﷺ كان في أشدِّ الظروف بل في أعظم مصيبة يُصاب بها أهل الإسلام، وهي قرب مفارقته ﷺ للدنيا ومع ذلك لم يمنعه من القيام بالدعوة إلى الله، حيث كان يقول وهو يعالج سكرات الموت: «الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانكم» (١) . إن عدم قيام الدعاة والمربين برسالتهم وقيادة المجتمع سوف يجعل المجتمع يموج كما يموج البحر تتلاطمه هواة أقلام الصحف والمجلات ومقدِّمو القنوات الفضائية والتحليلات الإخبارية. إن الداعية والمربِّي البصير من يسعى إلى أن يحوّل المحنة إلى منحة، والخوف من المستقبل إلى الثقة به. وأن يوظف ما لديه من إمكانيات التوظيف الإيجابي لتحقيق رسالته. المَعْلم التاسع: أن متابعة الأحداث والتعايش معها والتأثر لأحوال المسلمين ... ينبغي أن لا يكون مانعاً للمؤمن من السعي في عمارة الكون وتحصيل رزقه ومصالحه، ولا يعتبر هذا تعلّقاً بالدنيا وعدمَ اهتمامٍ بأحوال المسلمين. والنبي ﷺ وجّه بعمارة الأرض حتى آخر لحظة من عمر الدنيا، إذ يقول ﷺ : «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» (٢) . إن الواجب على أهل الإيمان خصوصاً وقت الأحداث المبادرةُ والسعي بأخذ أسباب القدرة والنصر المادية والمعنوية، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وأن لا يكون موقفهم موقفَ المتفرج الذي ينتظر ويستجدي وسائل النصر من غيره بل أحياناً من عدوه. المَعْلم العاشر: أن نظرية المؤامرة يجب أن لا تكون مصاحبة لنا في كل حدث نعايشه بحيث تكون هذه النظرية عقدة ملازمة لنا مع كل حدث، فإن الاختلاف بين البشر أمر فطري وسنّة ماضية، وتعارض المصالح بينهم أمر موجود حتى بين الأصدقاء أنفسهم، وخير شاهد على ذلك ما وقع في الحرب العالمية الأولى والثانية، والتي قتل فيها ما يزيد عن خمسين مليون إنسان، فقد كانت نتيجةَ اختلاف على الأطماع وسيادة بين الدول الغربية، كما أن الصراع بينهم قد يكون فيه مصلحة لأهل الإسلام وفرج لهم، ولهذا لما وقع القتال بين الدولتين العظيمتين الكافرتين الروم وفارس في زمن النبي ﷺ وانتصر الروم فرح الصحابة ﵃ بذلك لكون الروم أقرب للحق، فهُمْ أهل كتاب. المَعْلم الحادي عشر: في زمن الفتن والأحداث يروج سوق الشائعات والأخبار، وتصبح حديث المجالس، وتتعلق بها القلوب من دون تثبّت، مع أن مصدرها قد يكون تحليلاً إخبارياً عبر قناة إعلامية والتي أصبحت أكبر مصدر لها؛ لجذب أكثر عدد من المتابعين. إن الإشاعة ونقل الأخبار بمجرد سماعها وعدم التثبّت منها قد يترتّب على ذلك عواقب وخيمة في المجتمع واضطراب للأمن وخلل في الاقتصاد، وهذا أمر مُشاهد معلوم، ويكفي لبيان أثر ذلك مثال واحد حدث زمن النبي ﷺ عندما أُشيع خبر مقتله ﷺ في غزوة أحد، فكان من أثر ذلك أن قعد بعض الصحابة ﵃ عن القتال (٣) . والإسلام جعل منهجاً واضحاً عند سماع الأخبار ونقلها، وهو التثبّت والتبيّن منها، بل جعل من يحدّث بكل ما سمع كذّاباً، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» (٤) . وهذا المنهج لا يتغير سواء حال السِّلم أو الحرب، بل إنه ليتأكد حال الحرب والفتن؛ حفاظاً على أمن المجتمع وسلامته. وفي الختام نسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين من كل مكروه، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5842

قليلاً في فلسفة العمل الخيري ! إبراهيم بن سليمان الحيدري ينطلق العمل الخيري مهما اختلف حجمه وتباين نشاطه من ثلاثة محاور، هذه المحاور هي: أهداف المنظمة الخيرية، رغبات المتبرعين، وحاجات المستهدفين. عملية التوفيق بين هذه المحاور، التي قد تبدو متعارضة، هو الطريق الممهد لبقاء المنظمة الخيرية ونجاحها بعد توفيق الله، والانسياق خلف واحد منها قد يكون دهليزاً نحو الفشل. أما المحور الأول فهو: أهداف المنظمة الخيرية التي تسعى لتحقيقها وتكافح من أجلها (أو هكذا يفترض) ، وبقدر ما يسخر القائمون على المنظمة الخيرية لهذه الأهداف من موارد مالية وبشرية بقدر ما تقترب المنظمة نحو تحقيق النجاح. المحور الثاني هو: رغبات المتبرعين؛ وهي متنوعة ومتباينة بتباين قيم الناس وثقافاتهم، إلا أن ثقافة المجتمع تلعب دوراً كبيراً في توجيه رغبات المتبرعين، ولعل هذا ما يفسر تكدس الناس على مشاريع خيرية محددة وتجاهلهم لأخرى قد تكون أعظم أجراً وأكبر نفعاً. أما المحور الثالث فهو: حاجات المستهدفين، والمستفيد في هذه الحالة هو الفرد الذي (يستهلك) منتجات المنظمات الخيرية؛ سواءً كانت هذه المنتجات ملموسة أو غير ملموسة، وهناك جدل كبير: هل المستفيد قادر على تحديد احتياجاته أم لا؟ إن انطلاق المنظمة الخيرية من أحد هذه المحاور وتجاهل المحاور الأخرى سوف يقود لا محالة إلى نتائج سلبية، فالتركيز على أهداف المنظمة وتجاهل رغبات المتبرعين سيجعل المنظمة الخيرية تعاني من شح الموارد المالية؛ مما يهدد بقاءها وجودة خدماتها، كما أن تجاهل الحاجات الفعلية للمستهدفين سيقود إلى وصول المنظمة الخيرية إليهم؛ لكن ليس إلى تلبية حاجاتهم بالضرورة. من زاوية أخرى، فإن الانسياق خلف رغبات المتبرعين، أو تتبع حاجات المستفيدين وإهمال أهداف المنظمة الخيرية، قد يقود إلى تشتت الجهود وبعثرتها في مشاريع وبرامج لا تحقق في مجموعها هدفاً سامياً ومؤثراً. إن عملية التوفيق والتوازن بين هذه المحاور الثلاث تبدو كأنها مشي على الشوك، والقيادة الحكيمة للمنظمة الخيرية هي التي تستطيع أن تمزج بين عناصر هذا المركب بمقادير محددة، من خلال تفكير استراتيجي يرسم أهدافاً راسخة للمنظمة، تلبي حاجات معينة للمستهدفين وتجد صدى لدى شريحة كافية من المتبرعين.

стр. 5843

الفروق الفردية في ميزان التربية الإسلامية صالح عبد الله الجيتاوي أساس الإسلام أن العقل هو مناطق التكليف، ولذا كان العقاب والحساب على من له عقل، ولا حساب على من لا عقل له، فيقول ﵊: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشبّ، وعن المعتوه حتى يعقل» (١) . وحثَّ الرسول ﵊ على مخاطبة الناس حسب مستوياتهم العقلية والفكرية، فيقول ﵊: «نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم» (٢) . ومن الدلالات التربوية التي نستطيع أن نستنبطها من هذا الحديث: أن على المعلِّم أن يخاطب طلابه حسب مستوياتهم العقلية ومستوياتهم العلمية؛ ضماناً لحسن فهمهم، وتحقيقاً للعدل، فلا يهتم بطائفة منهم ويهمل طائفة. فنحن نجد في واقعنا بعض المعلِّمين يثنون حسن الثناء على الفائقين من طلابهم، ويوسعون ضِعاف التحصيل لوماً وتوبيخاً، حتى إن بعضهم ليتسرّبون من التعليم لهذه المعاملة. الفروق الجسدية: ويقصد بهذه الفروق عدم التماثل في جوانب النموّ الجسمي المختلفة، فالأفراد يختلف بعضهم عن بعض في الطول والحجم ولون البشرة وكذلك في صحتهم العامة، فيقول الله في قصة بني إسرائيل: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] . قال الإمام الشوكاني شارحاً هذا المعنى: «بيّن (الله) لهم وجه الاصطفاء: بأن الله زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح، وزاده بسطة في الجسم الذي يظهر به الأثر في الحروب، ونحوها، فكان قوياً في دينه، وبدنه، وذلك هو المعتبر، لا شرف النسب، فإن فضائل النفس مقدّمة عليه» (٣) . والاختلاف الجسدي ينعكس على أداء الأفراد في المجالات المختلفة، تعليمية أو غير تعليمية، فمن يعانون ـ مثلاً ـ من مشكلات في السمع أو في البصر لن يكونوا على نفس المستوى في التحصيل الدراسي في قدرتهم على السمع أو الرؤية (٤) . فعلى القائمين على العملية التربوية مراعاة الفروق الجسمية بين المتعلِّمين، وذلك بتكليف الطلبة ذوي القدرات الجسمية العالية تدريبات خاصة تنمّي قدراتهم بإشراكهم في أنشطة رياضية متنوعة، مع إهمال الطلبة ضِعاف البنية الجسمية، أو ذوي العاهات فهؤلاء لهم قدرات عقلية عالية في الحقيقة، ولكنها قد تعزُّ على الظهور، ما لم يتهيأ لاكتشافها معلّم مخلص موهوب. الفروق الاقتصادية: يقول الله : ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠] . قال الإمام البقاعي: «ولما كان سبب البخل خوف الفقر، وسبب البسط محبة إغناء المعطي، قال مسلِّياً لرسوله ﷺ عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم، لا لهوان بالمضيق عليه، ولا لإكرام للموسع عليه: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أي: المحسن إليك، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ البسط له دون غيره، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق كذلك سواء قبض يده أو بسطها، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ، ولكنه ـ تعالى ـ لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عنه أقصى مكروهه، فاستنّوا في إنفاقكم على عباده بسنّته في الاقتصاد، ﴿إنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ، أي: بالغ الخبر، بالغ البصر بما يكون من كون القبض والبسط لهم مصلحة أو مفسدة» (٥) . والفروق الاقتصادية نجدها واضحة بشكل جليٍّ ما بين الطلاب، فنجد الطالب الغني الحريص على التظاهر بغناه في المأكل والملبس، والطالب الفقير المعترف بفقره أو الفقير المتمرد على فقره، ومن هنا يظهر أهمية دور المعلِّم في مراعاة هذه الفروق بينهم، وذلك من خلال معاملتهم على أساس من العدل والمساواة، فلا فرق بين الطالب الغني والطالب الفقير. كما أن على المدرسة مراعاة هذا الجانب من خلال توفير جميع المستلزات التي يحتجها الطلبة كأجهزة الحاسوب وغيرها.

стр. 5844

برامج التدريب هل تبني الشخصية ؟ محمد بن عبد الله الدويش تشهد السوق انتشاراً واسعاً لبرامج التدريب، ويُعد التدريب من أهم الفرص والمجالات الاستثمارية، ويتجه إليه عدد من الناس رغبة في تطوير أنفسهم وبناء شخصياتهم. وكغيرها من الظواهر تشهد هذه الظاهرة جدلاً في الساحة. هل يتلاءم ما يبذل من جهد واهتمام مع أهمية التدريب؟ هل يمكن أن يكون التدريب أداة فاعلة في بناء الشخصية المسلمة؟ هل يمكن أن يكون بديلاً للمحاضرات والدروس والبرامج الثقافية؟ ومثل هذه الظواهر تحتاج إلى دراسات علمية تتعامل مع الواقع وتتجاوز الآراء الفردية والشخصية. لكن ذلك لا يمنع من التداول والتحاور وإبداء الرأي الشخصي. ويمكن أن نسجل هنا بعض الملحوظات حول هذه الظاهرة: ـ التوجه للتدريب وإدراك أهميته ودوره في التغيير يُعدُّ ظاهرة صحية وإيجابية. ـ الإنفاق على التدريب، سواء من قبل الأفراد، أم من قبل المؤسسات استثمار يستحق الكثير مما ينفق عليه. ـ لا بد من الفصل بين أهمية التدريب وجدواه وبين الممارسات في الواقع؛ فالواقع ليس بالضرورة ممثلاً للصورة المثالية. مما يؤخذ على برامج التدريب ما يلي: - غياب الوعي بفلسفة التدريب؛ فالتدريب ليس تعليماً، كما أنه ليس بديلاً للتعليم، وما يتطلب تحقيقه عن طريق التعليم فليس التدريب هو البديل الصحيح في تحقيقه. - تهميش المعرفة والتقليل من شأنها، فالمهارات والاتجاهات رغم أهميتها لا تغني عن المعرفة التي تسهم في بناء الشخصية، وتمثل عنصراً مهماً من عناصر تكوينها. - دخول كثير من المدربين في غير مجالات تخصصهم؛ فمن المألوف أن تجد برامج حول التربية الفاعلة، أو التسويق، أو الإقناع، أو القيادة ... إلخ، يقدمها من هم ليسوا أهل اختصاص في هذه المجالات. ومن غير المقبول أن يتحدث الشخص في غير تخصصه فضلاً عن أن يصبح مدرباً فيه، وحين تطَّلع على سيرة بعض المدربين وما يقدمونه من برامج فيمكن أن تجد قائمة غير متجانسة تحوي العديد من التخصصات. - عدد من البرامج التدريبية وبالأخص ما يتصل ببناء الشخصية لا يستند إلى أسس علمية، بل هو خواطر وآراء شخصية يجمعها المدرب من مصادر متفرقة أقل ما فيها المراجع المتخصصة. - تستند كثير من عوامل النجاح في هذه البرامج إلى المهارات الشخصية للمدرب وبالأخص ما يتعلق بمهارات الإلقاء والتأثير، وكثير من هذه المهارات تختفي من ورائها جوانب القصور في التكوين المعرفي والعلمي وعمق الشخصية لدى المدرب. إن الحاجة ماسة إلى التدريب والاعتناء به، لكن من المهم الوعي الجيد بفلسفة التدريب وتوجيهه للمجالات الملائمة له، وألا يقود الانبهار به إلى إقحامه في مجالات ليس هو الأداة الأفضل لتحقيقها، ومن المهم ألا يتصدى للمهام التدريبية إلا من يحمل التأهيل الكافي، وأن تستند البرامج التدريبية إلى أساس معرفي وعلمي.

стр. 5845

الاتباع العلمي.. والتبعية الجاهلية أ. د. جعفر شيخ إدريس «العلم إمام العمل» كما قال الإمام البخاري. فكل عمل لا ينبني على علم يقيني أو غلبة من الظن فهو عمل جاهلي. فما معنى الاتِّباع إذن؟ الاتِّباع في حقيقته إنما هو اتباع للعلم، ثم يدخل فيه اتباع من قام عندنا دليل علمي على أن له علماً؛ وهذا ما عنيته بالاتباع العلمي. وأما إذا لم يكن الاتباع مؤسساً على علم بأن المتبَع ذو علم، وكان مبنياً على غير ذلك من الأسباب الداخلة في مفهوم الهوى، فهو بالضرورة تبعية جاهلية. فنحن نتبع ما نجد في القرآن الكريم؛ لأنه قد قام عندنا دليل على أنه كلام الله تعالى؛ والله لا يقول إلا حقاً ولا يحكم إلا بعدل. واتِّباعُنا لمحمد ﷺ إنما هو لأنه قد قام الدليل العلمي عندنا على أنه رسول الله الذي أُوحي إليه ذلك الكتاب، ولأن الله ـ تعالى ـ يقول لنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] . ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] . ونتبع إجماع علماء المسلمين؛ لأنه قد قام عندنا الدليل القطعي العقلى والنقلي على أنهم لا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة (١) . وأما ما سوى ذلك فإننا لا نتَّبع من أفراد العلماء إلا من قام عندنا دليل على صحة ما قال أو على أن قوله أقرب إلى الصواب. وقد عبر عن هذه الحقيقة الإمام مالك بقوله: «كل إنسان يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر» (ويشير إلى القبر الشريف) . فيؤخذ ما قام الدليل على صحته أو على قربه أكثر من غيره إلى الصواب، ويترك ما لم يقم دليل على صحته أو قام دليل على بطلانه. في كتاب الله ـ تعالى ـ أدلة كثيرة على أننا مأمورون بالاتباع العلمي ونبذ التبعية الجاهلية بتلك المعاني التي ذكرناها. فنحن ندعو الله ـ تعالى ـ بأمر منه، في كل ركعة من ركعات صلواتنا قائلين: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧] . فالصراط المستقيم هو الطريق الذي قام الدليل العلمي على إيصاله سالكَه إلى الله تعالى. والذين أنعم الله عليهم هم الذين قام الدليل العلمي على أنهم سلكوا ذلك الطريق، فاتِّباعهم اتِّباع علمي. وأما المغضوب عليهم فاتباعهم اتباع جهلاني؛ لأنهم قوم أبَوْا أن يجعلوا عملهم تابعاً لما علموا. وأما الضالون فاتباعهم أيضاً جهلاني؛ لأنهم عملوا بغير علم. في هذه الآيات العظيمة أكبر دليل على أن الاتباع العلمي لا يكون إلا باتباع طريق من قام الدليل على أنهم ساروا في الطريق المستقيم، وإلا باجتناب من قام الدليل العلمي على سلوكهم غير ذلك الطريق. وما ورد في أم القرآن مجملاً ورد في غيرها من سور القرآن الكريم مفصلاً. فالجدير بأن يتبع هو الذي يأتي بالحق: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] . فالرسل يُتَّبعون؛ لأنهم هم الذين يجيئون بالحق الموحى إليهم من الله ـ تعالى ـ ولأنهم أحسن الناس اتباعاً له: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ . [الأنعام: ٨٩ - ٩٠] هنالك فروق عظيمة بين الاتِّباع العلمي والتبعية الجاهلية. فلما كان الاتباع العلمي هو في حقيقته اتباعاً للعلم؛ فإن المتبَع يستطيع أن يأتي بالدليل على صحة ما يدعو إليه، ولما كانت التبعية الجاهلية إنما هي اتباع لأشخاص؛ فإن المتبَع لا يستطيع أن يأتي بدليل ولا يستطيع أن يجيب على اعتراض، بل يُغضبه أن يُعترَض عليه، ولذلك فإنه يجعل عدم السؤال أو الاعتراض شرطاً في الاتباع. من الأدلة على هذا أن موسى لما ذهب لملاقاة العبد الصالح ورضي بأن يكون له تابعاً سوَّغ تبعيته له بقوله: ﴿عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] . ولما اشترط عليه العبد الصالح أن لا يسأله، لم يجعل ذلك شرطاً مطلقاً، وإنما قيده بقوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] . ولما قال الرجل الذي آمن لقومه: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] لم يكتف بهذه الدعوى بل بين لهم ماذا يعني بسبيل الرشاد. وأما فرعون الذي كان يريد من الناس أن يتبعوه تبعية جاهلية فقال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] فسبيل الرشاد عنده شيء تابع لرأيه وهواه لا دليل علمياً عليه. كان اتِّباع أصحاب رسول الله له اتباعاً علمياً، لذلك لم يكونوا يتحرجون من سؤاله، ولم يكونوا يرون في السؤال تنافياً مع يقينهم بأنه رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، ولم يكن رسول الله ـ بأبي هو وأمي ـ ينكر عليهم أن يسألوه أسئلة يستبينون بها الحق ويزدادون به يقيناً. فهذه أم المؤمنين عائشة تقول لرسول الله ﷺ : «كيف يُخسَف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم» فأجابها بقوله: «يُخسَف بأولهم وآخرهم، ثم يُحْشَرون على نياتهم» . لماذا سألت أم المؤمنين هذا السؤال؟ سؤالها يدل على أنها لم تستطع أن توفق بين قول النبي ﷺ وقاعدة عظيمة من قواعد الدين هي أن الإنسان لا يعاقَب إلا على جرم ارتكبه، وهي تعلم أن الدين الذي جاء به الرسول ﷺ حق لا تناقض فيه. ولما قال الرسول ﷺ : «لا عدوى ولا صفر ولا هامة» فقال له أعرابي: «يا رسول الله! فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها؟» فقال له الرسول ﷺ : «فمن أعدى الأول؟» . ولا بد أن الأعرابي إنما سأل هذا السؤال؛ لأنه يعلم أن الدين الذي جاء به الرسول ﷺ حق لا يمكن أن يخالف حقيقة تجربية واقعية. وإجابة الرسول ﷺ تدل على أنه لم يَعْنِ بعدم العدوى انتقال المرض من شخص إلى آخر، وإنما عنى به أنها ليست السبب الأول للمرض. وقصة عمر ﵁ في صلح الحديبية معروفة. أذكر بهذه المناسبة أننا كنا أيام الشباب نقرأ كتب العبقريات للعقاد، وإنه كان يقول فيها: إن لشخصية كل عبقري مفتاحاً، وإنه جُعل مفتاح شخصية أبي بكر ﵁ التسليم، وقارن في هذا بينه وبين عمر ﵁ الذي كان يسأل ويناقش؛ فلم يعجبني قول العقاد وقلت لبعض زملائي كلاماً فحواه أن تسليم أبي بكر كان تسليماً قائماً على علم حاجَّ به عمرَ ﵄. والإنسان إنما يسأل ويستفسر إذا لم يعلم. هكذا كان الاتباع في عهد النبوة والقرون الصالحة، وهكذا كان عند أئمة أهل السنة والجماعة. فما أكثر ما روي عنهم من نهي عن التقليد، وحث على البحث عن الدليل واتباعه. وما أكثر ما كانوا يحرصون على الفهم والتدبر والتفكر. وما زال مثل هذا الاتجاه معروفاً عند السالكين سبيل أولئك الأئمة. ما أكثر ما سمعت شيخنا الشيخ عبد العزير بن باز ـ عليه رحمة الله ـ يقول لطلابه: لا تحقروا أنفسكم، ثم ينصحهم بأن يبحثوا عن الدليل وأن يقولوا بما توصلوا إليه؛ فإذا تبين للواحد منهم أنه كان مخطئاً فلا بأس عليه من أن يغيِّر رأيه ويقول بما علم وهو مأجور في الأولى وفي الآخرة. لكن الذي غلب على المسلمين في أيامهم الأخيرة هو الرجوع إلى التبعية الجاهلية، تبعية لأشخاص لا علم فيها ولا سؤال ولا مناقشة ولا مطالبة بدليل ولا برهان، بل شعارها ـ بلهجتنا السودانية ـ: «اليعترض ينطرد» . وصار المثل الأعلى للمريد أن يكون بين يدي شيخه كالجنازة بين يَدَيْ غاسلها، فتحوَّل الأتباع ـ وما أكثرهم ـ من قوم خلقهم الله ليعلموا ويعقلوا ويتفكروا إلى جنائز لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر. بل حتى الذين زعموا أنهم تحرروا وصاروا علمانيين إنما كان تحررهم أن استبدلوا بالشيوخ الدينيين شيوخاً علمانيين غربيين. فكان ما كان من أمر تدهورنا في أمر الدين وما تبعه من تخلُّف في أمور الدنيا. وأنا الآن لو سُئلت: ما سبب تخلف المسلمين؟ لأجبت بكلمتين: التبعية الجاهلية. لكن هذا موضوع أرجو أن نعود إليه في مقال قادم.

стр. 5846

التأثير الهامشي د. عبد الكريم بكار قد نكون في هذه الأيام في حاجة ماسَّة إلى إنعاش (التفكير العلائقي) ؛ وهو نوع من تشغيل الذهن، يستهدف اكتشاف العلاقات التي تربط بين الظواهر التي تشغل بالنا، أو تؤثر في حياتنا. ويبدو لي أن هذا اللون من التفكير يميل إلى التعقيد، ونتائجه غير حاسمة، ولهذا فإن الناس يعرضون عنه؛ مع أن له أهمية بالغة في فهم الأحداث والوضعيات! ولعل لاعتماد على السنن هو أفضل وسيلة لفهم الروابط والتأثيرات الكائنة في هذا الوجود. وسنحاول في هذا المقال تقديم نموذج يشرح هذه الفكرة، ويقربها من أذهان الإخوة القراء. إننا إذا نظرنا في مختلف الظواهر والوضعيات الملموسة، سنجد أن لكل واحدة منها وجودين: وجوداً بوصفها كياناً متكامل الأركان والقسمات والحدود، ووجوداً بوصفها أجزاء من منظومات أكبر وأوسع. إن العلاقة بين الزوجين ـ مثلاً ـ هي جزء من علاقة أوسع، وهي علاقة أفراد الأسرة: الآباء والأمهات والأبناء، وعلاقة الأسرة جزء من علاقات أهل الحي أو أهل القرية، وهذه الأخيرة تشكّل جزءاً من علاقات المجتمع في قُطْر من الأقطار. والفقر الموجود لدى شخص من الأشخاص هو جزء من الفقر السائد في بلدته، وفقر أهل بلدته جزء من الفقر السائد في إقليمه أو قطره، وهذا جزء من محيط أوسع، إلى أن نقول: إن فقر أي شخص في العالم هو جزء من فقر العالم جميعه. يتشكل الوجود المستقل للظواهر والوضعيات من ملامحه وحيثياته الدقيقة والخاصة. أما الوجود العلائقي، فهو مدين للملامح العامة الظاهرة، والقوانين التي تحكمها على مستوى الكون، ومدين للتأثير الذي يتركه المحيط فيها. وقد فطر الله الخلائق ـ بدءاً بالفيروس وانتهاء المجرات ـ على السعي الدائب نحو الاستقلال، وذلك من خلال المحافظة الشديدة على المقومات والخصائص والميزات، لكن بما أن كل شيء هو جزء من سلسلة أو منظومة، وبما أن لكل منظومة وكل سلسلة طبيعتها وعلاقاتها، فإن سعي الخلائق إلى الاستقلال سيظل منقوصاً ومحدوداً، كما أن الممانعة التي تبديها الأشياء في سبيل المحافظة على كينوناتها، تظل غير كاملة؛ بسبب تأثير محيطها ومنظوماتها. والتأمل في هذه الشؤون المنظمة غاية التنظيم يوقفنا على حقيقة كبرى، هي أن كل ظاهرة وكل وضعية تخضع لنوعين من العوامل المؤثرة: عوامل داخلية، وعوامل خارجية، ويظل تأثير العوامل الداخلية أقوى وأعظم، ويظل تأثير العوامل الخارجية هامشياً أو محدوداً، ما لم يتمكن العامل الخارجي من اختراق المنظومة الداخلية للظاهرة، ويجعل من نفسه جزءاً منها، فإذا تمكن من ذلك زاد تأثيره، وصارت تسميته بالعامل الخارجي شيئاً لا معنى له. وسأقدم مثالين لشرح هذه الفكرة: الأول: الفقر: وهو يعني عجز الإنسان عن توفير حاجاته الأساسية من مسكن وملبس ومطعم وتدفئة ودواء. وإذا نظرنا في أحوال الفقراء وجدنا أن ما هم فيه من بؤس وقلة يعود إلى نوعين من العوامل: داخلية، وخارجية. فبعض الناس يكون فقيراً؛ بسبب عدم تعلمه وعدم نيله شهادة يدخل بها سوق العمل، وبعضهم يكون فقيراً؛ بسبب كسله، أو انعدام طموحه، أو تكبله بالأوهام التي تمنعه من رؤية الفرص التي أمامه، وبعضهم بسبب تغير الظروف عليه وعدم استطاعته التلاؤم مع الظروف الجديدة؛ كما يحدث مع المشرَّد الذي فقد وطنه وصار لاجئاً، وكما يحدث مع الذي احترق بيته ومتجره وصار من غير مأوى وعمل. ومن الناس من يبذل كل جهده، ويعمل كل ما عليه، ويأخذ بكل ما يعرفه من الأسباب، ثم يجد نفسه في صفوف الفقراء والمعوقين أو من قُدِر عليهم رزقهم، فلا يكاد يصل إلا إلى بعض حاجاته الضرورية. وفقر هذا الصنف من الناس يعود إلى أسباب خارجية، تعود في الغالب إلى البيئة التي يعيش فيها، وذلك كمن يعيش في صحراء ويقتات من الماشية والأنعام التي يملكها، ثم توالى عليه القحط عاماً بعد عام إلى أن هلك كل ما لديه، وهو يجد نفسه مضطراً للإقامة؛ بسبب وجود والديه معه وصعوبة انتقاله إلى مكان آخر. وإذا ألقينا نظرة على واقع الفقراء في محيطنا، فإننا سنجد أن فقر السواد الأعظم منهم يعود إلى عوامل ذاتية داخلية، على نحو ما أشرنا إليه قبل قليل، وفئة محدودة منهم تعاني بسبب صعوبة البيئة أو ضغوط وعدوان الآخرين، ولدينا براهين ساطعة على صحة ما نقول، من أهمها: وجود أعداد كبيرة من الفقراء في بيئات ثرية وممتازة؛ حيث تجد من جاء من أقصى الأرض ليكسب رزقه وبعد مدة يصبح ثرياً، وتجد من وُجد في تلك البيئة هو وعشرون جداً من أجداده؛ لكنه لا يتمكن من الحصول على الضروريات! وفي المقابل نجد في بيئات صعبة، تسودها الحروب والقحط والخوف من يستطيع أن يعيش، وينفق على عياله، ويدخر. إن الله ـ سبحانه ـ أعطى الإنسان قدرات كامنة عظيمة، ومن خلال استغلال تلك القدرات يتغلب على الكثير من العقبات والصعوبات التي تعترض طريقه، وهذا ما يفعله كثير من الناس؛ حيث يمتلك الإنسان العزيمة والإصرار على تطوير ذاته واكتشاف الآفاق الجديدة، ويتخذ من (الزمن) وسيلة أساسية في حل المشكلات، إذ إن العوامل الخارجية يتهاوى الواحد منها تلو الآخر. وقد شاهدنا كثيراً من المقدمين الذي يملكون الطموح، فعملوا بجدية وصبر حتى ملكوا نفقات السفر، وتخلصوا من بيئاتهم قاصدين بيئات جديدة، يتوفر فيها العلم أو فرص العمل، وخلال سنوات قليلة تغيرت أحوالهم، بل انقلبت رأساً على عقب. وحين تؤثر الظروف الصعبة في الفقير، فتحوِّله إلى إنسان يائس بائس خائف وقانع، إنسان يجد، في سؤال الناس والاستدانة منهم والخضوع لشروطهم، مخرجاً وحيداً مما هو فيه، فإن العامل الخارجي يتحول حينئذ إلى سمة ذاتية للفقير تحطِّمه، وتسدّ كل الآفاق أمامه. وفي الدول الثرية مدمنون ومتشردون اختاروا عن طيب خاطر العيشَ على هامش المجتمع وفي أوكار الرذيلة، ومع كثرة المحاولات من أجل مساعدتهم لم يطرأ أي تحسِّن على حياتهم؛ وذلك بسبب رفضهم قبول المساعدة، وعجزهم عن مساعدة أنفسهم. في المقال القادم سأذكر بإذن الله ـ تعالى ـ مثالاً ثانياً على سيطرة العوامل الداخلية مع الإشارة إلى بعض التدابير ... والله مولانا.

стр. 5847

ضوء القمر طارق شديد دخل حجرته الخاصة المكتظة بالكتب، أو (صومعته) كما يحلو له أن يسميها، متأبطاً حافظة أوراقه ومجموعة الصحف والكتب الجديدة التي ابتاعها وهو عائد من الجريدة، مسح كتبه ـ المتراصة في أناقة ونظام، والتي تغطي فراغات الحجرة ـ بنظرة إعجاب حانية، ألقى ما يتأبطه فوق مكتبه، أنار (كشاف القراءة) ، هَمَّ بتصفُّح المطبوعات الجديدة، وقعت عيناه على ساعة المكتب أمامه، كانت عقاربها متعانقة معلنة انتصاف الليل، ندَّت عنه شهقة مندهشة: ـ «مرت ساعتان على خروجي من مكتبي، ولم أكتب بعد! بل ولم أستقر على فكرة الموضوع الذي سأسلمه غداً لرئيس التحرير كي ينشر في زاوية (الرأي الحر) لهذا الأسبوع» . أزاح المطبوعات الجديدة جانباً، تلقف قلماً من المقلمة، استل أوراقاً بيضاء من حافظة أوراقه.. انكب عليها يريد أن يسودها حتى يثبت لرئيس التحرير أنه أهل للثقة التي خصه بها دون زملائه، أخذ يشجع نفسه على الكتابة: ـ «هيا! لقد أُتيحت لك فرصة ذهبية، ستكتب زاوية (الرأي الحر) الموقوفة على كبار المفكرين، والتي ظل رئيس التحرير يرفض مساهمة أي عضو من أسرة التحرير فيها، حتى ولو كان في مرتبة رئيس قسم» . لقد استدعاه اليوم رئيس التحرير وطلب منه الاتصال بالأساتذة المفكرين المتعاملين مع الجريدة، ورغم عكوفه على الهاتف أكثر من ساعة لم يفلح في انتزاع وعد من أحدهم بكتابة زاوية (الرأي الحر) لهذا الأسبوع، فهذا مشغول بإعداد بحث سيلقيه في مؤتمر سيعقد قريباً، وذاك يضع اللسمات الأخيرة على كتاب جديد، وثالث عازم على السفر غداً للمشاركة في أعمال ندوة، ورابع مرتبط بموعد الليلة ولا يستطيع كتابة سطر واحد! حكى لرئيس التحرير محاولاته الفاشلة في استكتاب أحد المفكرين البارزين.. فاجأه رئيس التحرير بقوله: «تكتب أنت المساهمة؛ وأستلمها منك غداً..!» . ظن في البدء أن رئيس التحرير يمزح معه، لكن سرعان ما انقشعت سحائب ظنه أمام جدية ملامح رئيس التحرير وتواصل حديثه: « ... ثقتي فيك كبيرة؛ فأنت مثال للصحفي المسلم الواعي المجتهد» . خرج من مكتب رئيس التحرير ولسانه يلهج بعبارات الشكر والامتنان، وقلبه مثقل بالفرح الممزوج بعبء المسؤولية، ظل طوال طريقه إلى بيته يستعرض الأفكار التي جرت العادة على معالجتها في هذه الزاوية ليستبعدها تباعاً، استمر يتذكر ويستبعد، حتى لحظة جلوسه إلى مكتبه في (صومعته) ، كان لا يزال يجهل: أيَّ موضوع سيطرق في زاويته المرموقة! مع أنه أمسك بقلمه وانحنى فوق أوراقه فارضاً على نفسه وضعية الكتابة، على أمل أن تترفق به الأفكار فتهبط عليه سخية، إلا أنه مكث لحظات طوالاً عاجزاً عن خط حرف واحد، نهر نفسه: «ماذا بك؟! ألم تعد قادراً على طرح فكرة ومعالجتها؟! هل استفحل العقم في عقلك وخيالك إلى حد شل يدك عن الكتابة؟!» .. لكن هذا التوبيخ لم يأتِ بالمردود المرتجى. خطر بذهنه أن يصنع لنفسه (فنجاناً) من القهوة ينبهه ويشحذ ذاكرته، بعد أن احتسى قهوته في تؤدة ـ محاولاً بين رشفة وأخرى لملمة شوارد أفكاره ـ وجد قلمه ما يزال جامداً في يده، والأوراق أمامه تتحداه ببياضها الناصع. حاول مرة أخرى، قبض على قلمه بعزم.. خط في أعلى ورقة بيضاء كلمتَي: (الرأي الحر) ، مع أنه ظل قابضاً على القلم، فقد تعذر عليه تسطير كلمة واحدة أخرى، نظر في حنق إلى (رأس) القلم، ضغط بأصابعه على (جسمه) وكأنه يحاول إرغام كلمة، قد انتصبت في (حلق) القلم، على الخروج؛ ولكن الكلمة في عنادها متشبثة! شعر بصداع خفيف يغزو رأسه.. قام وابتلع قرصين لصد الغزو، عاد إلى أوراقه يشجع نفسه: «هيا! اعصر دماغك وفكر ملياً!» ولكن يبدو أن الفشل قد صار حليفه! تلصصت عيناه بقلق على ساعة المكتب أمامه، «أووه!!» .. زفر بها في حدة وغضب؛ طارت على أثرها عصافير اليأس واخترقت رأسه.. تسللت رويداً رويداً عبر شرايينه إلى جميع خلايا جسده، لقد صار الليل شيخاً هرماً ولم تبزغ بعد فكرة جديدة، ولم يطلق هو سراح قلمه، شعر بخدر عميق يسري في عروقه! تسارعت نبضات قلبه، تفصد جبينه عرقاً بارداً، أحس باختناق شديد، اندفع نحو شرفة (صومعته) يتلمس نسمات تسعفه، صافحت وجهه نفحات ربيعية ناعمة، أحس شيئاً من الانفراج، سبح ببصره في أرجاء القبة السماوية المرقطة بقطع الألماس اللامعة، أعمل عدسته التدبرية، فاستدعت هذه اللقطة الباهرة ـ في مخيلته ـ لوحة السماء نهاراً، وتعجب كيف أن رسول النور ـ منذ إشراقه ـ يحجب عن بصره العالم الأكبر كله، فيصبح أعمى لا يراه، وعندما يغيب رسول النور ويحل الظلام، يصبح أهدى، ويكون للعالم الأكبر أبصر! اتسعت عدسته التدبرية حين تمركز نظره على القمر شبه المكتمل والمائل نحو المغيب: «هذا الوجه الوضاء الذي ألهب خيال الشعراء، وأجج عاطفة المحبين على مر العصور، ثبت أنه قناع زائف يرتديه الوجه الذي هو ظلام، وتراب، وصخر، وخلاء، وصمت، ووحشة رهيبة مديدة» .. ثم تساءل: «هل هذا الوجه الساكن المتجهم يعبر عن حقيقة الذات القمرية؟!» . تلاشى إحساسه بالاختناق، شعر بالدماء تتدفق في شرايين التواصل الكوني داخله، خُيِّل إليه كأن خيوطاً نسجت بين ذاته والقمر كذات عابدة ساجدة: «قاموس هذه الذات القمرية اللغوية يستوعب جميع مفردات (التسبيح والقنوت) التي نعرفها والتي لا نعرفها، ولكننا نحن الجهابذة المغرورين بقطرات علمنا المحدود لا نفهم كيفية تسبيحها المتفرد (!) هذا القمر العابد يستبشر بنا حين ننسجم معه تسبيحياً، ويكاد يتفطر كلما سمعت أذنه المرهفة أحاديثنا الجاحدة، وكلما بصرت عينه النافذة تصرفاتنا الآثمة. إنها الغيرة التي تسكن قلبه الساجد الأواب، كم حزن هذا القلب حينما رأى أول أقدام بشرية تطأه هي أقدام الجحود والضلال، وأول عَلَم يُزرع فوقه هو عَلَم الشرك والطاغوت! فكم تمناها أقدام العرفان والطهارة، وعَلَم التوحيد والهداية!» . هذا التواصل مع إيقاعات القمر القانت الأواب جعله يتذكر فجأة أنه لم يؤدِّ صلاة العشاء؛ فقد ترك مكتبه في الجريدة دون أن يصليها في جماعة مع بعض زملائه كما تعوّد، انسل من الشرفة عازماً الوضوء، أحس بعد إسباغه الوضوء بارتياح طرح عن كاحله أحمالاً ثقيلة، افترش سجادة الصلاة.. وقف بين يدي ربه تغمره بحار الخشوع.. سجدت جميع خلاياه تسبيحاً وقنوتاً.. رفرفت روحه محلقة عبر أجوائها النورانية، شعر بانسجام الأنغام النابعة من ذاته المعزوفة الكبرى للكون الأواب من حوله. ما إن فرغ من صلاته، وشرع في العودة إلى مكتبه لتحرير الزاوية العصيَّة؛ حتى انهمرت عليه الأفكار المنتظرة: (أزمة النخبة الثقافية السياسية في عالمنا الإسلامي) ، (خطر الاستغراب والمستغربين) ، (محنة المسلم مع حضارة العصر) ، (أمة اقرأ؛ متى تقرأ؟) ، (المسلمون والخروج من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل الحضاري) . أوقف سيل الأفكار المتدفق عليه، مندهشاً من الجدب الذي حل بذهنه طويلاً، وفشله المرير في قنص فكرة واحدة، ثم انثيال الأفكار عليه بمجرد عودته إلى ذاته العابدة، وتجاوبها مع إيقاعات الكون القانت! تناسى الأفكار الجديدة.. مكث يتأمل تجربته ويبلور أفكارها: «إذن! الإنسان السوي المتفوق المتسامي يتحقق في مرونة، تثير الدهشة والإعجاب، حينما يلتزم بمنهج الخالق، ووجود هذا الإنسان سيحل جميع مشاكلنا المزمنة تلقائياً. ما أمسَّ حاجتنا إلى ذلك الإنسان الذي ينشده الإسلام!» . في الحال، وقبل أن يرحل الليل وهو مستغرق في توصيف الإنسان المنشود، قبض على قلمه، بدأ بتسطير عنوان مقالته: «الإنسان الرباني.. أولاً وأخيراً» .. وفي أقل من ساعة، وقبيل أن تتناغم ذاته مع الكون الساجد تلبية لنداء الفجر؛ كان قد سود الأوراق، وأنجز الصياغة.

стр. 5848

معاناة أهل السنة في العراق إلى متى صلاح علي حمادي ما يلاقيه أهل السنة في العراق هو الأكبر والأقسى بين كافة مكونات المجتمع العراقي لأسباب سنأتي على ذكرها، كل في محله. وإذا أردنا أن نصور واقع المأساة والمعاناة التي يعانيها أهل السنة في العراق فلا بد أن نضع محاور بارزة للحديث، بناءً على ما اتبعته الأحداث من مسارات متميزة، ولنبدأ منذ انتهت الدولة العراقية في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣م، بناء على محورين أساسيين هما: المحور الأمني، ومحور الخدمات. (١) المحور الأمني: إن الحديث عن المحور الأمني لمعاناة أهل السنة يأخذ بنظر الاعتبار مجمل الحالة الأمنية لأهل السنة في العراق منذ بدء الاحتلال، دون النظر إلى الوقائع الفردية التي حدثت وتحدث حتى اليوم، ذلك أن هذا المحور بني أساساً على مواقف جماعية لا فردية لطرفي النزاع (السنة والشيعة) في التجربة العراقية هذه. ويمكن تصنيف المحور الأمني لمعاناة أهل السنة في العراق إلى محورين ثانويين متلازمين؛ ولكنهما في الوقت نفسه متميزان عن بعضهما كما يلي: (أ) المحور الأمني الناجم عن دخول قوات الاحتلال إلى العراق. (ب) المحور الأمني الناجم عن ممارسات الحكومة وأجهزتها الأمنية والميليشيات المسلحة. (أ) المحور الأمني الناجم عن دخول قوات الاحتلال إلى العراق: مع دخول قوات الاحتلال للعراق وإسقاط العاصمة بغداد في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣م، برزت حالة من التحدي واضحة المعالم غير خافية على أي متتبع للواقع العراقي، وهي أن الولايات المتحدة وحلفاءها إنما يسيرون في هذا المخطط وفقاً لعقيدة أعلن عنها الرئيس الأمريكي، حينما وصف حملته هذه بأنها (حرب صليبية جديدة) ؛ لذلك كان على هذه العقيدة أن تحدد أعداءها في العراق قبل احتلاله ـ ولا نريد أن نتشعب في الحديث عن حقيقة العداء بين النظام العراقي السابق والولايات المتحدة وحلفائها ـ فالحملة الصليبية التي قادها بوش ضد العراق إنما استهدفت ذوي العقيدة الإسلامية الحقة فقط، بعد أن خاضت ضدهم حرباً ضروساً في أفغانستان عام ٢٠٠١م وفشلت في القضاء على وجود تلك القوة المتمسكة بعقيدتها الإسلامية، رغم الإمكانيات والجهود الهائلة التي بذلت في تلكم الحرب. لقد بحثت الولايات المتحدة عن ساحة تخوض فيها حرباً تعوض بها هزيمتها في أفغانستان، فوجدت ضالتها في نظام علماني (مارق) يُسخّر إمكانات بلده النفطي للحصول على أسلحة متقدمة، ولعل هذا أحد أهم أخطاء المحافظين الجدد الذين تسلموا السلطة في الولايات المتحدة، فأعدوا العدة وجمعوا حلفاءهم وجاءوا إلى العراق. مع الأيام الأولى لاحتلال العراق انتفضت قوى عديدة معلنة بدء المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وبنظرة خاطفة إلى الخارطة الجغرافية لبدء عمليات المقاومة في العراق يتضح لنا أن الغالبية العظمى من العمليات المسلحة إنما كانت تتم في المناطق (السنية) من أرض العراق، مثل: الخالدية، وبيجي، والرمادي، والموصل، وسامراء، والضلوعية، والفلوجة، وبعقوبة، وراوة (ولن نتحدث عن بغداد الآن) . على أن بعض المناطق الأخرى في العراق قد شهدت بوادر مقاومة مسلحة للاحتلال ما لبثت أن خمدت شيئاً فشيئاً. وعليه فإن عقيدة معينة هي التي دفعت هؤلاء المقاومين لذلك، وهي بشكل مبدئي عقيدة ترفض احتلال الوطن، واستباحة دار المسلمين وبيضتهم، وانتهاك حرماتهم، وهذه أسس لا يمكن التفريط بها تحت أية ذريعة وفقاً لعقيدة أهل السنة. يتميز العراق بأنه مهد لمدارس فقهية متعددة انتهجت سنة النبي محمد ﷺ ومنهج السلف الصالح في التمسك والحفاظ وإحياء هذه السنة المطهرة، حتى ضمت أرض العراق رفاة أكابر علماء السنة جنباً إلى جنب مع الأئمة من أهل بيت النبي ﷺ الذين تمسكوا أيضاً بتلكم السنة وذلكم المنهج القويم. إن مدونات التوراة التي بين يدي اليهود اليوم تصرح أن الجيش الذي سيبيد (إسرائيل) إنما يأتي من بين آشور وبابل، واليهود آمنوا بذلك؛ فعملوا على مر التاريخ على تأليب القوى العظمى لاحتلال وادي الرافدين، أو بلاد ما بين النهرين (العراق لاحقاً) ، فكيف الحال بالصهاينة الذين زادوا على أكاذيب أسلافهم الكثير، فيما يتعلق بزوال ملكهم (الإلهي) على يد القادمين من شرق (إسرائيل) ؟! لقد حمل أهل السنة في العراق لواء المقاومة المسلحة إيماناً منهم أن الله لا يرضى منهم أن تستحل دارهم، وتنتهك حرماتهم، ويتسلط الكافر على رقابهم؛ فكانت ثورتهم ضد المحتل أول خطوات إفشال المخطط الأمريكي ـ الصهيوني في العراق، والذي بشروا به جنودهم حينما أوهموهم أن العراقيين (كل العراقيين) سيستقبلونهم بالورود. فما كان من الأمريكيين بعد أن استتب لهم الأمر في شمال العراق وجنوبه إلا أن يبدؤوا حملتهم لـ (تطهير) العراق من الجماعات المسلحة المتمردة غرب البلاد وشمال غربها، ثم شرق البلاد. فكان أن أنشأت القيادة الأمريكية غرفة عمليات متكاملة لمقاتلة المسلحين فيما عرف بعدئذٍ بالمثلث السني، وهم بذلك قد أعلنوا صراحة أن المقاومة العراقية إنما ترفعها وتنوء بحملها (طائفة) ذات عقيدة ومنهج محدد في العراق. لقد تمثلت معاناة أهل السنة، وفق المحور الأمني الناتج عن الاحتلال، بتدمير مدنهم، واعتقال عشرات الآلاف من الشباب والرجال والنساء حتى امتلأت المعتقلات الأمريكية بهم؛ بل وضاقت عليهم. وفي غضون عامين فقط من الاحتلال كان مجموع ما تم تدميره من المدن (السنية) في العراق أكثر من عشرين مدينة (الفلوجة، الخالدية، بعقوبة، راوة، حديثة، بيجي، سامراء، الضلوعية، القائم، بلد، الدور، الموصل، تكريت، تلعفر، الرمادي، بهرز، الخالص، الحويجة، أبو غريب، اللطيفية، اليوسفية، المحمودية، المدائن، ... إلخ) ؛ بل إن هذه المدن لا زالت تعاني من سلسلة من المعارك الشرسة بين فصائل المقاومة العراقية وقوات الاحتلال. فإذا كان الوازع الوطني هو وحده الذي يحث أبناء هذه المدن على مقاومة الاحتلال، وبالتالي يحث قوات الاحتلال على استهدافها وتدميرها؛ فهل أبناء باقي المدن العراقية أقل وطنية وحباً لوطنهم من أبناء هذه المدن؟! أم إنها العقيدة التي يحملونها في قلوبهم، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة؟ إن الصورة التي يرسمها الأمريكيون وحلفاؤهم في أذهانهم عن مدى خطورة هذه (الطائفة) في العراق تتمثل في خشيتهم من أن يؤول الأمر في العراق إليهم فيعيدوا تجربة طالبان (حسب زعمهم) ، وهنا تتجلى الصورة واضحة، فطالبان، والشيشان، والبوسنة والهرسك، والصومال، وفلسطين، كلها شواهد على تصدي أهل السنة لقوى شيوعية أو صليبية أو صهيونية، كانت مساهمة غير أهل السنة فيها محدودة للغاية، ما لبثت أن أنجبت صراعات طائفية وعقائدية فيما بعد. إن معركة قوات الاحتلال ضد أهل السنة في العراق لها وجهان متضادان أساسيان: هما الواجب العقائدي الذي يفرضه الإسلام على أهل السنة لمقاومة الاحتلال، والواجب العقائدي الذي تفرضه الصهيونية والصليبية الجديدة لاستهداف أهل السنة في العراق. وهنا أجدني مضطراً للقول: إنه حتى لو قعد أهل السنة عن مقاومة الاحتلال منذ بداية دخوله العراق، لما تخلى الاحتلال عن تنفيذ مخططه الهادف لاستئصال شوكة أهل السنة دون غيرهم، بعد أن أصبح العراق معقلاً للمفكرين والدعاة المسلمين حتى في ظل النظام البعثي العلماني السابق. إن مخطط الاستئصال هذا ليس عاطفياً ولا عبثياً، وإنما ينم عن قراءة مستفيضة لواقع حال المجتمع العراقي الذي تغير كثيراً عن حاله في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ومع انقضاء الثمانينيات وبدء تجربة الحصار الاقتصادي، كان العراق بمجمله، وأهل السنة فيه خاصة، قد أصبحوا يمثلون عمقاً استراتيجياً كبيراً للمقاومة الفلسطينية، والقضايا العربية، وحركات التحرر العالمية، ناهيك عمَّا تمخضت عنه الصحوة الدينية في العراق إبّان الثمانينيات، ومن ثم في التسعينيات من اهتمام بقضايا العالم الإسلامي، حتى أخذت جامعات العراق تستقطب اهتمام الباحثين وطلبة العلم الشرعي من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وأخذت حلقات الدعوة والإفتاء والفكر الإسلامي الهادف تظهر على القناة الفضائية العراقية، ويحمل لواءها شخصيات (سنية) معروفة على مستوى العالمين العربي والإسلامي. لذا لم تكن القوى الصهيونية والصليبية نائمة عمَّا يجري في العراق من صحوة دينية يقودها أبناء السنة فيه. وعليه؛ فإن معركة أهل السنة ضد الاحتلال لم تأتِ تحصيل حاصل لدخول قوات أجنبية إلى العراق، وإنما سبقها إعداد فكري من قِبل قوى الاحتلال خانها فيه تصور، أو وهم، مفاده أن العراقيين سيقبلون بالاحتلال من أجل الخلاص من نظام صدام حسين، وأن العلمانية وفكر البعث قد تمكنتا من المجتمع السني، ولن تنهض فيه عقيدة الجهاد الإسلامي الصحيحة ضمن منهج أهل السنة والجماعة التي ما جاء الاحتلال إلى العراق إلا للقضاء عليها فيه، وإذا بهم يكتشفون أن عقيدة أهل السنة في العراق لا ترتبط بصدام حسين أو حزب البعث البتة؛ وإنما ترتبط، أولاً وآخراً، بما يمليه عليهم دينهم، فتحمّلوا معاناة كبيرة تمثلت في المعارك الطاحنة التي خاضوها ضد قوات الاحتلال، وما نجم عن ذلك من خراب ودمار منكر لمدنهم وقراهم وحواضرهم. (ب) المحور الأمني الناجم عن ممارسات الحكومات المتعاقبة وأجهزتها الأمنية والميليشيات المسلحة: متزامناً مع سابقه، ظهر على الساحة محور أمني آخر نجم عن تشكيل الحكومات (العميلة) المتتالية (علاوي، الجعفري، ثم المالكي) والطريقة التي تعاملت بها هذه الحكومات غير الشرعية مع واقع أهل السنة في العراق بعد أن اطمأن كلٌّ على مصالحه (ولو نظرياً) ولم يبقَ خارجاً عن سرب العمالة والتبعية للاحتلال إلا أهل السنة؛ وحتى إن انضمت شخصيات تنتمي لأهل السنة إلى العملية (السياسية) في ظل الاحتلال في محاولة واهية لإضفاء شرعية مفقودة على البناء السياسي الجديد في العراق المحتل. ومن أجل ألاَّ تحيد هذه الحكومات (العميلة) عن خطى السادة (وأعني قوات الاحتلال) فقد بادروا إلى (الثأر) ، والاقتصاص غير العادل من أهل السنة ومدنهم وتجمعاتهم ووجودهم المادي والمعنوي، فقامت قوات الحرس الحكومي وقوات وزارة الداخلية بشن هجمات لا تعد ولا تحصى على ما يمكنها أن تصل إليه من مدنيين: أفراداً وجماعات، حتى مرت على بغداد والمدن العراقية (السنية) سنون وهي تشيّع كل يوم عشرات من أبنائها الذين قتلتهم قوات وزارة الداخلية وألويتها جهاراً نهاراً تارة، وغدراً وغيلة تارة أخرى؛ على مرأى ومسمع من قوات الاحتلال، والحكومة العميلة، وقوات الحرس الحكومي. كما دأبت الميليشيات المسلحة المرتبطة بالحكومة وأجهزتها (وعلى رأسها منظمة بدر) على تنفيذ الاغتيالات والاعتقالات التي تنتهي بالقتل أيضاً. وفي مرحلة لاحقة، بدأت الميليشيات المسلحة غير المرتبطة بالحكومة والمسماة (جيش المهدي) بأداء الدور ذاته الذي لعبته منظمة بدر في اغتيال أهل السنة وتصفيتهم أفراداً وجماعات، وزادت عليه أن نفذت مذابح جماعية غاية في الوحشية ضد أهل السنة في أحياء بغداد، وديالى، والبصرة، وحيثما كان لها موطئ قدم، بعد أن عجزت هذه الميليشيات المسلحة على تنفيذ عملياتها في مدن أهل السنة؛ التي شهدت، ولا تزال تشهد، معارك ضد قوات الاحتلال غالباً، والحرس الحكومي أحياناً. لقد وصلت معاناة أهل السنة من الدور الذي مارسته وتمارسه قوات الحكومة والميليشيات المسلحة إلى حد ألاّ يستطيع أهل السنة دخول مناطق معينة من بغداد، أو الانتقال إلى محافظات أخرى؛ خشية قتلهم أو اعتقالهم؛ مما قطّع البلد إلى أوصال تفصلها نقاط التفتيش المشبوهة غالباً، وواقع كهذا فرض طبعاً أن يتم تهجير أهل السنة من باقي مدن العراق، قابلته هجرة غير أهل السنة من مدن أهل السنة، بعد أن أخذت جهات حكومية بالاصطياد في مياه الطائفية العكرة؛ متخذة من وجود غير أهل السنة في مدن أهل السنة وسيلة لإثارة الفتنة، ومن رحيلهم وسيلة لإثارة الفتنة أيضاً! إن الدلائل كثيرة على أدوار حكومية دنيئة لاستغلال وجود غير أهل السنة في مدن أهل السنة لتأسيس مكاتب للمنظمات والميليشيات الطائفية المسلحة في تلك المدن، والواقع يفرض عدم المبادرة بمثل تلك المحاولات لمنع إثارة الفتنة التي لا تخدم سوى الاحتلال وعملاءه. ومع بداية رحيل غير أهل السنة عن مدن أهل السنة، فقد عمدت الجهات الحكومية نفسها إلى تصوير الحالة على أنها تهجير طائفي مقصود، وعلى أجهزة الحكومة وقواتها أن تتخذ تدابير (أمنية) معينة إزاء هذا التهجير. (٢) محور الخدمات: لا يمكن فصل محور الخدمات والنواحي الاجتماعية عن المحور الأمني مطلقاً؛ لأنه نجم عنه أساساً، ثم أصبح محوراً قائماً بذاته حتى مع تشكيل حكومة يقال عنها: إنها (حكومة وطنية) ؛ والتي من المفترض أن تتحمل أعباء الخدمات وتوفيرها لمواطني البلد الذي تحكمه. لقد افتقر العراق بأكمله للخدمات والبنية التحتية مع بداية احتلاله من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، ثم بدأت بعض (الأقاليم) بالحصول على الخدمات بشكل تدريجي. فالمنطقة الشمالية كانت الأسرع من وجهة نظر الاحتلال للاستقرار، والمباشرة بمشاريع التنمية والبناء، وإعادة الإعمار، ثم تبعتها محافظات الجنوب (حسب زعم الحكومة ووسائل إعلامها) بإعادة الإعمار، وبناء المشاريع الاستثمارية، حتى دفعت القائمين عليها للتبشير بإعلان قيام فيدرالية الجنوب التي تماثل فيدرالية الشمال، ولكنها لا تضم طبعاً مدن أهل السنة (المتوترة) . لقد كشفت وقائع كثيرة عن مبادرات متتابعة لقوات الاحتلال لتسوية الأوضاع في مناطق (المثلث السني) بعد أن وجد الاحتلال نفسه عاجزاً عن بسط سيطرته العسكرية على تلك المناطق، فعمد إلى التفاوض بقصد تسليم إدارتها لمجالس محلية؛ إلا أن أصابع خفية كانت تمتد لتمنع المحتل من المضيِّ بمبادراته تلك. ومع أن أهل السنة لم يعوِّلوا على مبادرات الاحتلال مطلقاً؛ لأنها إنما طرحت لتخدم مصالح الاحتلال دون غيرهم؛ إلا أن تلكم المبادرات مثلت في وجه من وجوهها هزيمة لمشروع الاحتلال وعملائه في العراق، ولن نغفل أبداً إجراءات الاحتلال بادئ ذي بدء في منع الاستقرار عن مدن أهل السنة وتقويض أمن أهلها كما أسلفنا. وعليه، فإن تعمد منع حالة الاستقرار عن مدن أهل السنة هو أمر متعمد وغير عشوائي مطلقاً. ويمكن تقسيم محور الخدمات إلى محاور ثانوية عديدة تبعاً للقطاعات المتضمنة في هذا المحور الأساس كما يلي: أـ محور الوظائف: أدت أول تجربة سياسية خاضها الاحتلال في العراق متمثلة في مجلس الحكم الانتقالي إلى إظهار العراق بمظهر طائفي مرفوض؛ تحت ذريعة التنوع الطائفي والقومي والديني للمجتمع العراقي! ومع أول حكومة شكلها الاحتلال عمد إلى تكريس المحاصصة الطائفية؛ مما نجم عنه استئثار أحزاب وقوى معينة بإدارة الوزارات والمؤسسات الواقعة في (حصتها) من أجهزة الدولة، وهنا لا بد أن نذكر صراحة أن الوزراء من غير أهل السنة بسطوا سيطرتهم التامة على وزاراتهم، بينما لم يستطع الوزراء من أهل السنة الذين جيء بهم من أجل (شرعنة) الحكومة في بسط سيطرتهم على وزاراتهم؛ بسبب وجودهم الشكلي أساساًً وسلطة (المستشارين) القادمين مع قوات الاحتلال (إن لم يكونوا أمريكيين أصلاً) ، وكذلك بسط نفوذ الوكلاء والمديرين العامين من غير أهل السنة على عمل تلك الوزارات، فتم منع أهل السنة من التوظيف في الكثير من الوزارات والمؤسسات، وأقصي الكثير منهم تحت ذريعة التجديد، وقانون اجتثاث البعث، وهيئة النزاهة، وغيرها من الوسائل التي أوجدها الاحتلال وعملاؤه في معركتهم ضد أهل السنة في العراق. ولم يتغير الحال مع مجيء إبراهيم الجعفري وحكومته حتى وصل الأمر أن يقوم نائب رئيس الوزراء، المشرف على قطاع النفط (أحمد الجلبي) بتسريح (١٥٠) موظفاً من موظفي وزارة النفط (معظمهم من إدارات ما قبل الاحتلال) قسراً وفقاً لقانون اجتثاث البعث. كما سُجلت العديد من الحوادث في وزارة المالية ضد الموظفين من أهل السنة من ضمنها إقصاء المديرين العامين، وقد حدث الأمر نفسه في وزارات التجارة، والكهرباء، والنقل، والاتصالات، والتعليم العالي، والبحث العلمي؛ وفي الأخيرة وصل الأمر أن تتحول إحدى الجامعات العراقية إلى مؤسسة يمنع فيها نفوذ أهل السنة حتى وفق الإطار المهني الصرف. لقد فرضت إدارات الوزارات في حكومتي (علاوي، والجعفري) استحصال موافقة الأحزاب والقوى المشكلة للحكومة عند التعيينات تحت مسمى (التزكية) أو (التوصية) على أن المتقدم للوظيفة هو من المفصولين السياسيين أو المتضررين من النظام السابق، أي أن المواطن الذي لم يتضرر شخصياً من النظام السابق، أو لم يستطع أن يثبت ذلك الضرر لا يحق له التقديم للتوظيف؛ لأنه لن يستطيع استحصال تزكية أو توصية من الأحزاب والقوى التي كانت (تعارض) النظام السابق ممن استقرت في السلطة الجديدة! وهذا حال معظم أهل السنة في العراق، وخاصة أن الأحزاب والقوى المحسوبة على أهل السنة، والتي دخلت العملية السياسية في ظل الاحتلال، قد أخفقت في إثبات معارضتها للنظام السابق وتضررها منه، فضلاً عن أن تزكياتها وتوصياتها لنيل الوظائف كان مردودها عكسياً. ب ـ محور الخدمات العامة: سنطرح فيما يلي فرضية، وسنثبت صحتها سريعاً إن شاء الله. إن جدية المحاولات للسيطرة على الوزارات ذات الطابع الخدمي، والتي بذلت سلطة الاحتلال جهوداً استثنائية لتأهيلها وتشغيلها، كان لها هدف أساس؛ هو فتح الباب أمام الوزراء المنتمين إلى أحزاب وقوى معينة لاستغلال وجودهم في وزارات كهذه؛ لملء جيوبهم، وخزانات أحزابهم قبل حلول موعد الانتخابات (البرلمانية) اللاحقة؛ فقد أبرمت سلطة الاحتلال، وتحت ظلها مجلس الحكم الانتقالي ومن بعده حكومتا (علاوي، والجعفري) الكثير من العقود الحقيقية غير القابلة للتنفيذ، أو العقود الوهمية بمليارات الدولارات تحت مسميات مشاريع ضخمة، ومن أبرزها: تجهيز مواد الحصة التموينية لصالح وزارة التجارة، تأهيل مطار بغداد وموانئ البصرة وإعادة تطويرها، بناء مطار النجف الدولي لصالح وزارة النقل، تشغيل شبكات الهاتف النقال تحت إشراف وزارة الاتصالات، إعادة تأهيل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي وتأثيثها، تجهيز وزارتي الدفاع والداخلية، وتأهيل قطاع الكهرباء، وهذه القطاعات تضمنت إنفاق مليارات الدولارات دون أن يتمكن المواطن العراقي من رؤية أي من نتائج هذه العقود والمشاريع على أرض الواقع، والحجة القائمة الدائمة هي (الإرهاب) ، ولا أدري هل إبرام هذه العقود والمشاريع يتم دون استشارة متخصصين، يمكنهم القول بعدم جدوى إبرام هكذا عقود ومشاريع في ظل حالة من عدم الاستقرار، واتساع دائرة (الإرهاب) في بلد كالعراق؟! وللقارئ مقارنة واقع حال هذه القطاعات مع حجم الأموال المنفقة. بينما لم تشهد وزارات أخرى أعطيت لوزراء من أهل السنة مشاريع كهذه أو إنفاقاً كهذا، مثل: وزارات: التخطيط والتعاون الإنمائي، والصناعة والمعادن، والعلوم والتكنولوجيا، والبيئة، والعدل، مع ضرورة الإشارة إلى أن الوزارات ذات الطابع الخدمي المباشر مثل: البلديات والأشغال العامة، والصحة، والموارد المائية، والإسكان والإعمار تدار من قبل حكومة إقليم كردستان في المنطقة الشمالية، وتديرها قوى الحكومة وأحزابها في المنطقة الجنوبية، بينما لم تشهد أي تقدم يذكر لصالح المواطن العراقي في مناطق أهل السنة؛ بسبب (الإرهاب) طبعاً! وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الاحتلال، ساء واقع خدمات الكهرباء، والماء، والطرق والجسور، والري والزراعة، والإسكان في مناطق أهل السنة، بينما انعدم الإعمار، وماتت حقوق الإنسان، وأصبحت هذه المناطق ميداناً عملياً لوزارة المهجّرين والمهاجرين. وفي ظل حكومة المالكي، شهدت مناطق أهل السنة منع وصول الحصص التموينية ـ وهي حصة شهرية لمواد غذائية أقرها قانون مجلس الأمن (النفط مقابل الغذاء) وتعتمد عليهم الأسرة العراقية حتى الآن ـ وغالبية رواتب موظفي الدولة وتجهيزات المدارس، وفي الوقت نفسه تصرح وسائل الإعلام الأرضية والفضائية أن إقليم كردستان العراق يشهد ازدهاراً وتقدماً، وأن المواطن العراقي فيه يعيش حالة من الرفاهية، بينما تشهد محافظات الجنوب تنامياً ملحوظاً وازدهاراً متوقعاً، وإن المواطن ينعم بالأمن والاستقرار! ولو تابعنا الأخبار الاقتصادية للعراق يومياً فسنشهد المشاريع تلو المشاريع في مدن الجنوب، بينما لا ذكر لمدن أهل السنة في الأخبار الاقتصادية قط. ج ـ محور الخدمات الصحية: لم نكن لنتمكن من الاطلاع على واقع الخدمات الصحية في محافظات العراق الشمالية والجنوبية لولا ما تعرضه القنوات الأرضية والفضائيات العراقية؛ وخاصة العراقية، والحرية، والديار، والفرات، وبلادي، والفيحاء، وآشور، وعشتار، من خلال التقارير والتحقيقات التي تتناول أداء المستشفيات والمؤسسات والمستوصفات والمراكز والمختبرات الصحية وكيف أنها في تقدم ملحوظ ومضطرد. أما واقع الخدمات الصحية في محافظات الوسط، وخاصة المنطقة السنية، فإننا على تماس معها تقريباً. لقد افتقرت المستشفيات والمستوصفات في مناطق أهل السنة إلى التجهيزات العلاجية والدوائية بعد أن أصبحت وزارة الصحة حكراً لتيار محدد من القوى المشاركة في الحكومة (التيار الصدري) ، حتى وصل الأمر إلى تهديد وكيل وزير الصحة (وهو من أهل السنة) لترك منصبه، وقد ترك منصبه وغادر العراق فعلاً، كما جرى اختطاف مدير عام صحة ديالى (وهو من أهل السنة) داخل أروقة وزارة الصحة. كما أصبحت مستشفيات بغداد الرئيسية محظورة على أبناء أهل السنة إلا من دخول ثلاجات الطب العدلي؛ لاستلام جثث أبنائهم الذين تغتالهم أجهزة الحكومة والميليشيات المسلحة! كما تعطلت حملات تلقيح الأطفال ومكافحة الأوبئة والأمراض، وخاصة في ظل حادثة انتشار وباء إنفلونزا الطيور أواخر العام الماضي، ناهيك عمّا سببته الحملات العسكرية المتلاحقة على مناطق أهل السنة من كوارث صحية، نتيجة القتل المفرط وترك الجثث لتتفسخ على أرض المعركة، ولعل ما جرى في (سامراء، وتلعفر، وبيجي، والرمادي، وبعقوبة) يشهد على ذلك. ولدينا شريط وثائقي عن الكارثة الصحية التي حلت في مدينة الفلوجة بعد المعركة الثانية التي خاضتها قوات الاحتلال والحرس الحكومي في المدينة في تشرين الثاني/نوفمبر من عام ٢٠٠٤م. لقد تناول الإعلام العربي والعالمي ما جرى في الفلوجة بشكل مستفيض؛ إذ أدى انتشار الجثث المتفسخة وانعدام الخدمات الصحية لأسابيع، بعد انتهاء العمليات العسكرية، إلى واقع صحي قاسٍ لأبناء المدينة، مع ضرورة التأكيد أن قوات الاحتلال قد استخدمت أسلحة محظورة كالفسفور الأبيض في معاركها في مناطق أهل السنة؛ مما أسفر عن تفشي حالات مرضية داخل الوحدات المجتمعية في تلك المناطق، بينما تلجأ في عملياتها العسكرية ضد بعض رموز ميليشيا جيش المهدي في مدينة الثورة (الصدر) غالباً إلى عمليات الاغتيال عبر قصف الطائرات لسياراتهم أو بعض منازلهم، مع كامل الحيطة والحذر من المساس بالمدنيين في تلك المناطق. د ـ محور الحالات الإنسانية: تمخضت العمليات العسكرية لقوات الاحتلال في مدن أهل السنة وعمليات الاغتيال والتصفية الجسدية، التي قامت بها قوات الحكومة والميليشيات الطائفية المسلحة، عن واقع إنساني مأساوي؛ تمثل في فقدان كثير من العوائل لمعيليها، وتشريد الكثير منها بسبب التهجير القسري، مما أحدث تغيرات كبيرة في الواقع السكاني لمدن أهل السنة التي استقبلت العوائل المهجرة، وترتب على ذلك حالات إنسانية غاية في السوء؛ بسبب نقص المواد الغذائية والصحية، والوحدات السكنية، وحالة الشلل التام في الحركة الاقتصادية والعمالة والموارد المالية، خاصة في ظل الخطط الأمنية غير المجدية التي نفذتها وتنفذها هذه القوات والميليشيات، حتى لم تعد المساعدات والتبرعات التي قدمتها، وتقدمها الجمعيات الخيرية والإنسانية وجمعيات الإغاثة، كافيةً أمام حجم المأساة التي تشهدها مناطق أهل السنة. هـ ـ معاناة أئمة المساجد وخطبائها وروادها: يجب الإشارة إلى أن معاناة الأئمة والخطباء من أهل السنة في ظل واقع استثنائي للغاية في العراق قد بلغت ذروتها؛ بسبب ما تمخضت عنه تجربة الاحتلال وما تبعها من إفرازات. تمثل معاناة أئمة مساجد أهل السنة وجوامعها، ومعاناة خطبائها، محوراً يتداخل في الجوانب الأمنية والخدمية؛ إذ عانى الأئمة والخطباء في مدينة بغداد ومحافظات الجنوب من التصفية الجسدية والاغتيال غدراً، أثناء الهجمات المسلحة لقوات الاحتلال وقوات الحكومة والميليشيات الطائفية المسلحة على مساجد أهل السنة وجوامعها، رغم عظم الدور الذي اضطلعوا به ـ وما زالوا ـ تجاه المجتمع من ناحية الفتوى والعمل الشرعي، وكذلك من ناحية النصح والتوجيه والإرشاد فيما يخص تقديم الخدمات للمواطنين من: توفير المحروقات، ومواد الإغاثة، والمساعدات، ناهيك عن دور الأئمة والخطباء في مناطق أهل السنة التي استقبلت العوائل المهجرة من مناطق أخرى في إحصاء هذه العوائل وإسكانها وإغاثتها. بل قد اعتادت وسائل الاعلام الحكومية، بتأييد من وسائل إعلام دول الاحتلال وبعض دول الجوار، اتهام أئمة المساجد والمصلين فيها باتخاذها منطلقات لعمليات إرهابية ضد مدنيين، أو إظهار بعض أئمة المساجد، من الذين تشهد لهم مدن العراق بصلاحهم وورعهم وتقواهم، وهم يقرون بكل ما من شأنه النيل من عقيدة أهل السنة ودينهم، أو بالإقرارعنوة بسفاهات أخلاقية يندى لها الجبين، بل إن حكومات الاحتلال الطائفية تتباهى باقتحام المساجد وإهانة أهلها، وشتم رموز أهل السنة الدينية وأصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته أمهات المؤمنين. وكثيراً ما تم تعليق صور مراجع الشيعة داخل مساجد أهل السنة من قبل قوات الأمن الحكومية؛ بل تم بناء حسينيات تابعة لتيارات طائفية متشددة مدعومة بميليشياتها جنباً إلى جنب لمساجد أهل السنة في المناطق مختلطة السكان من المذهبين؛ للتضييق عليهم، ومنعهم وصدهم عن سبيل الله. وبعد حرق المساجد بعد أحداث سامراء وما تبعها خلت أغلب مساجد بغداد من أهلها، وهُجّر الكثير منها تماماً، وقلمّا يجد رواد صلاة الجمعة في مدينة بغداد خطيب المسجد الراتب ليخطب بهم؛ بل اعتادوا أن يعتلي المنبر من فيه جرأة من المصلين، بعد أن قُتل إمام المسجد وخطيبه، وربما قتل عدة أئمة وخطباء في المسجد الواحد تباعاً، ولازال العشرات من أئمة المساجد في سجون الاحتلال، وأضعاف عددهم في سجون الحكومة ومعتقلات الميليشيات. بينما تم اقتناص المصلين في بعض مناطق بغداد الواحد تلو الآخر ليلاً عند صلاة الفجر أو العشاء، أو نهاراً علناً وعلى مرآى ومسمع من الناس، أو تم اختطافهم والتمثيل بهم أبشع تمثيل وأشنعه، أو اعتقالهم رسمياً ومن ثم تسليمهم لمعتقلات الميليشيات للعبث بهم قبل تصفيتهم، أو توجيه التهم الملفقة لهم ومحاكمتهم وسجنهم بتهم مخلة بالشرف والدين، وتشويه سمعتهم عبر وسائل الإعلام والملصقات في الشوارع والأماكن العامة. إضافة إلى صعوبة تسلم بعض أئمة المساجد وخطبائها مرتباتهم من وزارة الأوقاف ومديرياتها؛ بسبب السيطرة التامة للميليشيات عليها، وخطورة الدخول والخروج منها وإليها بالنسبة لأهل السنة؛ مما قطع علاقة الكثير من أئمة المساجد بعملهم لاستحالة التواصل بينهم وبين وزارتهم؛ كل تلك الأسباب أدت إلى تدهور كبير في واحدة من أهم الخدمات في دولة (٩٨%) من سكانها مسلمون. إن هذه الحرب الطائفية الخبيثة التي يتعرض لها أهل السنة من قبل قوات الاحتلال والحكومات الشيعية المتعاقبة وميليشياتها أدت إلى تدهور أحوال أهل السنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخلفت آثاراً سلبية صحية ونفسية لا حدود لها، وليس هناك أي إحصاءات رسمية أو غير رسمية لضحايا التعذيب والمعوقين أو المصابين بعاهات من جرائه، ويمكن تصور الكارثة الاجتماعية للأعداد المهولة من الأرامل والأيتام، فضلاً عن أحوال المهجرين، والفقر المدقع الذي تعج به مدن أهل السنة، بعد أن ازدحمت عليهم بالمهجرين القادمين من كل أنحاء العراق، خاصة مع انعدام الخدمات أو نقصها بشدة في مناطقهم، ومنع وصول الحصة التموينية الغذائية إليهم، وانقطاعهم عن التحاكم إلى القضاء العراقي، أو اللجوء إلى مراكز الشرطة؛ بل انقطاعهم عن كل دوائر الدولة بما في ذلك المستشفيات، أو الحصول على جثث أبنائهم المغدورين من مستشفى الطب العدلي؛ خشية الوقوع بين يدي عصابات الموت الطائفية التي تتمثل بقوات الجيش والشرطة والأمن ... ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 5849

الصومال لا بواكي له ! عمرو توفيق يتعرَّض الشعب الصومالي المسلم لحرب إقليمية ودولية شعواء تهدف للقضاء على بذور اليقظة الإسلامية التي أعادت الأمن والاستقرار، وعلى الرغم من ذلك لا نكاد نسمع للدول الإسلامية والعربية همساً ولا ركزاً، وكأن مَنْ في الصومال ليسوا مسلمين عن بكرة أبيهم، أو كأن الصومال لا يمثل امتداداً استراتيجياً وثغراً متقدماً من ثغور هذه الأمة. فوسط غفلة أو تغافل العالم العربي والإسلامي، اجتاحت القوات الصليبية الإثيوبية ـ بتحريض ودعم أمريكي وبمساندة مجرمي الحرب الصوماليين ـ الأراضيَ الصومالية، واحتلّت المدن الإستراتيجية الواحدة تلو الأخرى؛ بهدف القضاء على قوات المحاكم الإسلامية التي بدأت في إعادة الأمن والاستقرار إلى الصومال الجريح، ومن ثَم إعادة الفوضى وتنصيب حكومة عميلة لتحقيق المصالح والأهداف الأمريكية. - أرض الصومال.. تحترق: عندما سقط نظام (سياد بري) عام ١٩٩١م، وانتظر فرقاء الانقلاب أن يُتّوج كل منهم زعيماً.. اندلعت شرارة الحرب الأهلية، وظهر أمراء الحرب وتجّار السلاح الذين تحولوا إلى مجرمي حرب، وفي ظل نيران العصبية والقبلية والدعوات الجاهلية ـ التي أهلكت الحرث والنسل ـ وفي ظل رغبة خارجية في فوضى مسلمي الصومال وتناحرهم، وفي ظل رغبة إثيوبية في صومال ضعيف لا يطالب بحقه، ظل الجرح الصومالي ينزف دونما التئام، ودونما بواكي ترثي صومالاً إسلامياً عربياً. لكن رحمة الله تداركت هذا الشعب المسلم، فقيَّض لهم من عباده المخلصين ممن يحملون همَّ أمتهم ومجتمعهم دونما مصالح وأهواء، لينتشلوا هذا البلد الجريح من الفوضى والخراب والدمار والدعوات القبلية المنتنة، ومن مستنقع الجهل والفقر والمرض، ليخرجوه إلى نور شرائع الإسلام.. هؤلاء هم الثّلة الوضيئة المتوضئة رجالاتُ اتحاد المحاكم الإسلامية. - المحاكم الإسلامية.. على طريق الأوائل: لقد نشأ اتحاد المحاكم الإسلامية من رحم المعاناة الصومالية، وهو ما يعبِّر عنه رئيس الاتحاد (الشيخ شريف أحمد) بقوله: «لقد برزت فكرة تأسيس المحاكم الشرعية عندما كثرت الاغتيالات، وعمليات الاختطاف، وأعمال النهب والسلب بصورة واسعة النطاق في العاصمة على أيدي العصابات المجرمة، حيث اجتمع أهل كل حي لدراسة الموقف واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال مواجهة عصابات المافيا، ووضع حدّ لممارساتهم التي تزعزع أمن المواطنين وترعبهم. وعلى هذا الأساس أُنشئت المحاكم الشرعية في معظم أحياء العاصمة الصومالية مقديشو؛ استجابة لرغبة الشعب في استتاب الأمن والاستقرار» . وتتلخص فكرة تأسيس «المحاكم الإسلامية» في أن تتولى كل قبيلة مهام إرساء الأمن في منطقتها، عبر إنشاء محكمة على رأسها أحد العلماء، تساعده مجموعة من القوات العسكرية غير النظامية. وتضم المحاكم تشكيلة متنوعة من علماء الدين وقادة إسلاميين، ورجال الأعمال الذين يموّلون نشاطها، والسكان الرافضين للخضوع للمليشيات والعصابات. ويرى المحللون أن شعبية المحاكم الإسلامية كانت لقدرتها على تجاوز العداوات العشائرية التي وقعت الصومال في خضمِّها منذ الإطاحة بنظام سياد بري، وذلك من خلال توحيد القبائل والعشائر تحت راية الإسلام القادر وحده على انتشال الصومال من مستنقع الاحتراب والاقتتال الداخلي. وشهد عام ٢٠٠٠م نهاية للمحاكم إثر موافقتها على اتفاق السلام بين الفصائل المتناحرة بمدينة «عرته» الجيبوتية، وأسفر عن تشكيل حكومة صومالية، ومن ثم انتفت الأسباب التي دفعت لقيام المحاكم وهي انتشار الفوضى وانعدام الأمن. لكن الأمور عادت من جديد إلى الفوضى والاقتتال الداخلي في ظل حكومة ضعيفة يقودها أمراء حرب يعملون لمصالحهم بعيداً عن هموم الشعب. إثر ذلك أُسِّسَ «المجلس الأعلى لاتحاد المحاكم الإسلامية» في مقديشو، برئاسة (الشيخ شريف شيخ أحمد) ، فطاردت العصابات الإجرامية في العاصمة، وقامت بتطبيق أحكام الشرعية وتنفيذ الحدود، مما أدّى إلى عودة الأمن والاستقرار إلى مقديشو. في هذه الأثناء شكّل أمراء الحرب ـ بدعم إثيوبي أمريكي ـ ما يُسمّى بـ «تحالف إعادة السلام ومكافحة الإرهاب» بهدف التصدّي لقوات المحاكم الإسلامية، حيث تقاطعت مصالحهم في القضاء على بذور اليقظة الإسلامية. إلا أن قوات المحاكم بتوفيق من الله ثم بدعم الشعب الصومالي؛ استطاعت دحر أمراء الحرب عن مقديشو، ثم واصلت تطهير المدن من فلول مجرمي الحرب، حتى توقفت عند مدينة «بيدوا» مقر الحكومة المؤقتة ورفضت اقتحامها، لتفتح ذراعيها أمام المصالحة، ووافقت على التفاوض مع الحكومة الضعيفة بشأن مستقبل البلاد. وبالفعل دخل الطرفان مفاوضات في الخرطوم بوساطة جامعة الدول العربية، واتفقا في ٤/٩/٢٠٠٦م على وقف إطلاق النار، وتشكيل قوات مشتركة، بالإضافة إلى تجنُّب الاستعانة بقوات أجنبية في إشارة إلى إثيوبية، لكن يبدو أن الحكومة الموالية لإثيوبية كانت تدخل المفاوضات بهدف إضاعة الوقت حتى يتسنّى لإثيوبية الاستعداد الجيد للغزو. - إثيوبية.. الصليب والأوجادين والسواحل: لم يكن الغزو الإثيوبي مفاجئاً لمتابعي الشأن الصومالي، فهو ثمرة لميراث من الحقد الصليبي والصراع الحدودي والطمع في السواحل الصومالية. بدأ الصراع العقدي مبكراً بين البلدين، حيث كانت التربة الصومالية أكثر تأّثراً بنور الإسلام، خاصة في منطقة الأوجادين، التي أقام بها بنو مخزوم إمارة «شوا» الإسلامية في القرن الثالث الهجري، واستمرت حتى القرن السابع الهجري، وبعد سقوطها قامت نحو سبع إمارات إسلامية شنّت الحبشة عليها حروباً واسعة، وكان النصر للمسلمين خاصة في عهد الإمام (أحمد بن إباهيم) ، لكن كما هي العادة دائماً، فقد استنجدت الحبشة بنصارى الغرب، مما دفع بالقوات البرتغالية لدخول المعركة وهزيمة المسلمين عام ٩٥٠ هـ، إلا أن الخلافة العثمانية تدخلت وقلبت موازين المعركة لصالح المسلمين. وبنفس السيناريو تدخلت مصر لنجدة المسلمين وحققت انتصارات كبيرة عام ١٢٩٢هـ، إلا أن النجدة الصليبية جاءت هذه المرة على يد بريطانيا. ذكر أحد كبار موظفي مكتب الشؤون الإفريقية في الخارجية الأمريكية أهمية إثيوبية بالنسبة لواشنطن، لأسبابٍ كثيرة وعلى رأسها «ميراثها النصراني الذي يمكن أن يكون عائقاً أمام مدّ الحركات الإسلامية» (١) ، كما ذكر تقرير فرنسي أن الغرب ينظر إلى إثيوبية وإريترية باعتبارهما حصناً منيعاً أمام الزحف الإسلامي في القرن الإفريقي (٢) . - تحقيق الأهداف الأمريكية: إضافة إلى كل ما سبق وعطفاً على البُعْد العقدي في الصراع، فإن إثيوبية تعتبر الرجل المخلص للغرب ولأمريكا بشكل خاص في المنطقة، فهي لا تستطيع البقاء في المنطقة دون مساعدة غربية قديماً وحديثاً، وباعتبارها تمثِّل الصليب في هذه المنطقة فهي دائماً تحتمي برعاة الصليب، بداية بالبرتغال ثم بريطانيا، ولما تقدمت أمريكا مؤخراً لتحمل راية الصليب أسرعت إثيوبية لتقديم الولاء والخضوع، لذا احتلت الصومال لتحقيق أهداف ومطامع خاصة، بالإضافة إلى مصالح وأهداف غربية أمريكية. - مصائب المسلمين.. أمريكا دائماً: لا يمكن استيعاب المصلحة الأمريكية في القضاء على المحاكم الإسلامية إلا باستيعاب الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الدول الإسلامية. لقد أدركت الدراسات الاستراتيجية الأمريكية أن الحلم الإمبراطوري لا تزال أمامه عقبة منيعة، تحمل في طيّاتها منافساً حقيقياً ليس قادراً فقط على عرقلة الحلم الإمبراطوري، بل استيعابه وصهره، ولن يكون بوسع أمريكا أو غيرها الوقوف في وجهه، ولم يكن هذا المنافس سوى الإسلام. لذلك اتجهت أمريكا بكامل طاقتها نحو الإسلام هدماً وتخريباً وتفريغاً من أصالته وخصائصه القادرة على منافسة الحلم الأمريكي. وكما أدركت واشنطن أن خطر الإسلام يكمن في ذاته وسِمَاته، فإنه يكمن ـ أيضاً ـ في من يجعلونه منهجاً ونظاماً للحياة ويحملونه إلى كافة أرجاء العالم، أي: في أبناء الصحوة الإسلامية، لذلك انطلقت حملات التحريض والتشويه على المستوى الفكري والسياسي، فيما كانت القوة العسكرية المباشرة وغير المباشرة تعمل لوَأْد أي بصيص من النور تحمله طلائع الإيمان في أي بقعة من العالم. وفي تفاصيل هذه المصالح الأمريكية، يمكن رصد الرغبة في السيطرة على القرن الإفريقي بما يمثله من موقع استراتيجي حيوي جنوب العالم الإسلامي، وهنا تبرز أهمية الصومال بما يملكه من سواحل بالغة الأهمية الاستراتيجية، حيث تطل على بوابة البحر الأحمر والمحيط الهندي، حيث التحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط، كما أنها تُعدّ ممراً مهماً لأيِّ تحرّكات عسكرية قادمة باتجاه منطقة الخليج العربي الغنية ببذور الصحوة الإسلامية كغناها بالنفط. كما تتمثل المصالح الأمريكية في شدِّ أطراف العالم الإسلامي ومحاصرته داخل نطاقه وعدم تمدّده، بالإضافة إلى احتلال الأطراف الاستراتيجية للعالم الإسلامي استعداداً لأيِّ مواجهة مستقبلية. بالإضافة إلى المزيد من التهديد للسودان، والتحكم في مياه النيل بما يزيد من الضغوط على مصر، ويهدد شريان حياتها إذا وصلت أي قوة إسلامية للحكم هناك. في الصومال جاء الخوف الأمريكي على المستوى الأول بسبب اليقظة الإسلامية هناك، حيث «لحق تغيير كبير بأخلاقيات المجتمع الصومالي؛ فلقد كان يميل إلى العلمانية بعض الشيء، أما اليوم فأصبحت الملابس التقليدية الإسلامية تحل محل الملابس والعادات الغربية، والسبب أن الصوماليين التفتوا نحو الخليج، وأصبح النفوذ والتأثير لجماعات المتدينين» (٣) (*) . - ملخص القضية الصومالية: يرى الدكتور (هاني رسلان) رئيس تحرير ملف الأهرام الاستراتيجي والمتخصص في الشأن الإفريقي: أن ما يحدث في الصومال هو جزء من حالة الغياب والضعف والوهن العربي كما هو ظاهر في العراق وفلسطين، فهو جزء من حالة الضعف العام، حيث لا رؤية استراتيجية موحدة، ولا نظاماً إقليمياً قادراً على تحديد مصالحه بدقّة والوقوف خلفها. لذلك يطالب الدول العربية والإسلامية بعدم ترك الصومال للهيمنة والاحتلال الإثيوبي، وذلك بدعم استراتيجية تسعى لتوحيد أراضي الصومال لمصلحة الصوماليين، وليس بغرض فرض اتجاه أيديولوجي أو سياسي معين. ويرى أنه كان من الممكن القيام بهذا الدور عن طريق دعم المحاكم الإسلامية التي كانت تستثمر الرؤية الإسلامية لتوحيد القبائل؛ لأن الإسلام هو الوحيد القادر على اجتذاب ولاء أعلى من الولاء القبلي أو المناطقي. فكانت فرصة ضائعة على العالم العربي والإسلامي لإعادة توحيد الصومال وإقامة مؤسسات الحكم والدولة فيه مرة أخرى. وحول الدور الإثيوبي الأمريكي في الصومال، يقول الدكتور (رسلان) : إن إثيوبية لا ترغب في قيام دولة موحدة مرة أخرى في الصومال؛ لأن هذا يمثِّل خطراً عليها من ناحية التماسك الداخلي، فهي تتكون من عدة قوميات وتسيطر أقلية على الحكم مما يثير القوميات الأخرى. من الناحية الأخرى، فهي تسيطر على إقليم الأوجادين الصومالي والذي لم يعترف الصوماليون بتبعيته لإثيوبية منذ استقلال الصومال عام ١٩٦٠م حتى الآن، ومن ثم فإن قيام دولة موحدة تحت قيادة المحاكم سوف يؤدي إلى إثارة هذه المطالب مرة أخرى، سواء في الأوجادين أو في الأراضي الصومالية التي تحتلها كينيا في الوقت الحالي، بالإضافة إلى أن قيام دولة موحدة صومالية تحت اتجاهات إسلامية، سوف يؤدي إلى إثارة الأقلية المسلمة كبيرة العدد في إثيوبية والتي ترى أنها مهضومة في حقوقها السياسة والاقتصادية في الوقت الحالي، فضلاً عن طمعها في السيطرة على سواحل البحر الأحمر. ولقد حاولت أمريكا من قبل أن تقضي على المحاكم عبر دعمها لتحالف أمراء الحرب، لكنهم فشلوا في مواجهة المحاكم التي حظيت بشرعية كبيرة واستطاعت فرض السيطرة على مساحة كبيرة من الصومال، لذلك لجأت إلى إعطاء الضوء الأخضر لإثيوبيا للقيام بهذه المهمة، خاصة أن هناك توافقاً في المصالح، حيث لإثيوبية مصالحها الاستراتيجية الخاصة في هذا الإطار. ومن ثم أخذت الحالة الصومالية تراوح في مكانها طوال الأشهر الماضية، حتى أتمت إثيوبية استعداداتها العسكرية، وقامت بهذا الهجوم واسع النطاق. لكن ما حدث يمثل مصلحة سلبية لأمريكا وليست إيجابية، فما حدث قد منع خطر قيام نظام إسلامي في الصومال، لكنه سيأتي بالحكومة المؤقتة، وهي ليست الحليف القوي الذي يمكن لواشنطن الاعتماد عليه في تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية بعيدة المدى. وحول مستقبل القضية الصومالية، يرى الدكتور (رسلان) أن الاحتلال الإثيوبي لن ينهي الأزمة، حيث ستتحول المحاكم الإسلامية لحرب العصابات، ومن ثم سيصعب على الإثيوبيين فرض الاستقرار عبر الحكومة المؤقتة التي سوف تحتاج إلى دعم ثابت ومستمر. بالإضافة إلى أن الأطراف صاحبة المصلحة في مناوأة الإثيوبيين لن تكفَّ عن إزعاجهم في الفترة المقبلة عبر دعم حرب العصابات في المنطقة، فضلاً عن مشاكل إثيوبية الداخلية والاقتصادية، فإن لم يكن لديها دعم قوي فلن تستطيع الصمود والسيطرة على الأوضاع. من جهته يقول الأستاذ (طلعت رميح) رئيس تحرير مجلة (استراتيجيات) والخبير في الشؤون الإفريقية: إن هناك عدة نقاط رئيسة عند الحديث عما يجري في الصومال الآن: أولاً: إن الفكرة الجوهرية فيما يحدث الآن في الصومال ليس العمل العسكري في حدِّ ذاته، إنما الوضع الإسلامي والعربي الذي سمح لإثيوبية بممارسة الفعل العسكري دون مواجهة حقيقية حتى على المستوى السياسي. وهذا الغياب الإسلامي العربي يمكن فهمه من خلال الحالة العراقية والأفغانية، فهذا يشير إلى أن الموقف على المستوى الرسمي يتعاطى مع مصالح الدولة القطرية الجزئية، التي لا تضع بالأساس مصالح الأمن، وإنما تبحث في أفضل الحالات عن مصالح الدولة نفسها، وفي الأغلب الأعم عن مصالح نظم الحكم في استمرار السيطرة على مقدرات شعوبها. ولقد كانت المصلحة الإسلامية والعربية تقضي استقرار الصومال، فكان من مصلحتها الاستراتيجية والسياسية استقرار المنطقة بوجود دولة مركزية قوية بقيادة إسلامية، لكن الإشكالية من يسمع ومن يعمل من أجل ذلك. ثانياً: كان بادياً أن القرار الأمريكي والإثيوبي ومن أطراف أخرى هو جرُّ السلطة الإسلامية الجديدة في الصومال إلى معركة مبكرة قبل أن تتمكن من تثبيت أوضاعها الداخلية. ثالثاً: كان السبب في التفكير بالمواجهة العسكرية السريعة هو ظهور الوجود الإسلامي على المستوى السياسي وتحوّله إلى حالة سلطة لقيت استجابة كبيرة جداً من الشعب الصومالي، حيث تمكنت المحاكم الإسلامية من إعادة بناء مؤسسات دولة جنينية تحقق حالة من الوحدة المركزية، وكان لذلك تداعيات وما زالت على الإقليم المحيط، وذلك بسبب وجود نشاط إسلامي فاعل في كثير من الدول المحيطة بالصومال، لذلك كان التفكير بالمواجهة. رابعاً: أعتقد أن الاندفاع الإثيوبي وإن كان وفق نظرية الحرب الاستباقية الأمريكية وبنفس الأسلوب الصهيوني في التعامل مع الحركات الإسلامية وكل التطورات في الوضع العربي، لكن يظل الفارق هنا الذي لم تفهمه إثيوبية جيداً أنها تواجه حركة إسلامية قادرة على أن تحدث حالة من تطوير الوعي والقدرة داخل الصومال، ومن شنِّ مواجهة جهادية واسعة المساحة الزمنية. وفي تقديري عندما تحدثت قيادة المحاكم عن تغيير الاستراتيجية كانت صادقة، ولنا أن نتذكر الدخول الأمريكي في أفغانستان والحالة الراهنة، حيث قامت حركة طالبان بانسحاب استراتيجي واسع لمصلحة التحول لحرب جهادية ضد الوجود العسكري. وهذا هو المأزق الذي ستعيشه إثيوبية في الفترة القادمة؛ لأنها إذا كانت بنَتْ خطتها على الهجوم السريع المباغت، فقد وقعت في محظور آخر، وهو أن طرفها الإسلامي لديه إمكانية التحول السريع إلى الحرب الجهادية. خامساً: لا يوجد فصل دقيق بين اعتبار ما يحدث في الصومال حرباً أمريكية وبين اعتباره حرباً إثيوبية أو بين اعتباره حرباً ذات مصالح مشتركة؛ وذلك لأن السلطة في إثيوبية هي ليست سلطة متحالفة مع الولايات المتحدة، بل إن وجودها مرتبط بوجود أمريكا، فواشنطن تتبنّى منذ فترة في هذه المنطقة دعم ما يسمى «القادة الجدد» الذين ساهمت في وصولهم إلى السلطة ومنهم رئيس الوزراء الإثيوبي (ميلس زيناوي) . - في الزمن الأمريكي.. الصومال لا بواكيَ له! ورغم كل هذا، فإن تطور الأحداث في الصومال يشي باقتراب نهاية المشروع الأمريكي، فمن جهةٍ يتصاعد المدّ الإسلامي في بقاع العالم شتى، ومن ثم تتعقّد المهمة الأمريكية وتصبح مستحيلة. كما أن استخدام واشنطن لإثيوبية في هذه الحرب يشير إلى مدى الإرهاق والخسائر الأمريكية جرّاء التدخل المباشر في أفغانستان والعراق، وأنها غير قادرة على خوض أكثر من حرب في وقت واحد بشكل مباشر، فضلاً عن المواجهة السياسية والإعلامية والفكرية، خاصة في ظل تصاعد قوى تناهض واشنطن في كافة أنحاء العالم وبشكل خاص في حديقتها الخلفية، حيث يتسارع صعود اليسار في أمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى محاولة روسيا العودة إلى مكانها على الخريطة الدولية، أضفْ إلى ذلك المارد الصيني القادم بقوة. لذلك فإن الذي يثير الحزن في النفس ليس التكالب الصليبي على ديار الإسلام، فهذا مما يمكن تفهمه، لكن المحزن حقاً ألا نجد من المسلمين من ينهض لنصرة أخيه المظلوم. ففي الوقت الذي تكالبت الأكلة على قصعتها من إثيوبية إلى أمريكا.. كلٌّ يريد مصالحه وأطماعه، لا نجد حراكاً للدول العربية والإسلامية، حتى من باب المصالح المهددة وليس من باب الواجب الشرعي! وإذا كان الزمن الأمريكي يمنع هذه النصرة، فهل نعدم ـ أيضاً ـ من يبكي الصومال؟!

стр. 5850

انهيار الولايات المتحدة الأمريكية (قراءة للوضع الاقتصادي) علي حسين باكير ظهرت مؤخراً العديد من الكتابات والدراسات التي تتحدّث عن انهيار الولايات المتّحدة بشكل عام؛ ولكنّ من تحدّثت منها في صلب الموضوع كان قليلاً جداً، ومن عالج المسألة بشكل مباشر كان أقل. فكثير هم من يخلطون بين أمانيهم بضرورة انهيار الولايات المتّحدة والواقع، ويبثّون آراءهم هذه في كل محنة أو مشكلة تقع فيها أمريكا. وأكثر منهم الآخرون الذين يمجدون أمريكا ويُنزّهونها عن كل نقيصة أو ضعف؛ بل وينسبون لها قوة ليست فيها، وينزلونها منزلة أكبر من مكانتها، فلا يرون إمكانية لانهيارها لا حالياً ولا لاحقاً. من وجهة نظرنا، فإنّ أي دراسة لقوّة أي أمّة أو دولة إنّما يجب أن يتم من وجهة نظرنا من خلال رصد المثلث: الاقتصادي، العسكري، والاجتماعي لها. هذا المثلث يعطينا فكرة واضحة عن موقع الدولة في ميزان القوّة والضعف، وعن كونها فتيّة وقادرة على زيادة قوّتها أم هرمة وضعيفة، وفي مرحلة الانهيار أم في مرحلة الوسط بين المرحلتين. مع العلم أن مرحلة الوسط هذه تكون في المقياس الذروة التي تصل إليها الدولة في قوّتها؛ وهي نقطة القمّة، وبعدها تأخذ قوّة الدولة في الانحدار نزولاً. ولأنه من الصعب رصد العناصر الثلاثة التي تحدّثنا عنها أعلاه في مقال واحد، فإننا سنناقش الوضع الاقتصادي المالي ومسألة الديون في هذا المقال. وسنحاول قدر المستطاع اختصار الفكرة وعرضها بطريقة مقتضبة في هذا التحليل. - الدَّين العام الفيدرالي والكلي: تشير بعض التقارير والمصادر إلى أن الدين الأمريكي الكليّ الإجمالي يقترب من ٦٥ تريليون دولار أمريكي. أما بالنسبة إلى الدين العام الفيدرالي، فقد ارتفع خلال الثمانينيات بشكل كبير؛ وذلك بسبب العجز المتواصل في الموازنات السنوية الفيدرالية، وقد تباطأ هذا الارتفاع في العجز بشكل دراماتيكي في التسعينيات لدرجة أنّ معدل ارتفاع الدين قد بدأ بالانخفاض فعلاً نهاية ذلك العقد بعد الإنجاز التاريخي للرئيس الأمريكي (بل كلينتون) والذي لم يحققه أي رئيس للولايات المتّحدة الأمريكية؛ والمتمثّل بتوفير فائض مالي في الموازنة الأمريكية بلغ ٢٣٦ مليار دولار في العام ٢٠٠٠م، والذي كان عجزاً عند استلامه للحكم في عام ١٩٩٢م بواقع ٢٩٠ مليار دولار. ثمّ ما لبث أن ارتفع الدين العام الفيدرالي بشكل كبير جداً منذ العام ٢٠٠١م؛ وذلك بسبب العجز الكبير في الموازنات السنوية الفيدرالية الجديدة. فقد حوّل بوش الابن الفائض المالي في الموازنة الفيدرالية إلى عجز هائل وقياسي أيضاً بلغ ٤١٢ مليار دولار العام ٢٠٠٤م. فيما توقع مساعد مدير مكتب الموازنة في البيت الأبيض (جويل كابلان) أن تسجل ميزانية البلاد عجزاً للعام ٢٠٠٦م يتجاوز ٤٠٠ مليار دولار، ويشكل هذا العجز نسبة ٣٠١% من الناتج القومي للولايات المتحدة. وقد بلغ دين أمريكا الفيدرالي في السنة المالية ٢٠٠٥م (تبدأ السنة المالية في الولايات المتّحدة من ١/تشرين أوّل إلى ٣٠/أيلول) وفقاً لأرقام وزارة الخزانة أو المالية الأمريكية Dep. Of Treasury ٧.٩ تريليون دولار. وقد ازداد الدين العام الفيدرالي منذ ١١ أيلول ٢٠٠١م وحتى أيلول ٢٠٠٥م حوالي ٢.٣ تريليون دولار، وهو ما يساوي حوالي ٢٩% من حجم الدين العام الفيدرالي الأمريكي منذ نشوئها حتى عام ٢٠٠٥م؛ والبالغ ٧.٩ تريليون دولار. وفيما يتعلّق بالسنة المالية الحالية ٢٠٠٦م؛ فقد بلغ الدين العام الفيدرالي استناداً إلى U.S. National Debt Clock في ٣٠/١/٢٠٠٦م ما قيمته ٨ تريليون و ١٩٨ مليار دولار أمريكي، وهو بذلك يزيد منذ ٣٠ أيلول ٢٠٠٥م بمعدّل ٢.١٨ مليار دولار يومياً، والذي إذا قسّمناه على عدد سكّان الولايات المتّحدة البالغ ٢٩٨.٣٦٧.١٨٦ مليون نسمة، فإنّ حصّة كل واحد منهم من الدين تبلغ تقريباً ٢٧.٤٧٥ ألف دولار أمريكي. أما إذا قارنّا هذا الدين العام بالنسبة للناتج المحلّي الإجمالي الأمريكي؛ فإننا سنلاحظ أنّه كان يساوي للعام ٢٠٠٤م نسبة ٦٢.٥% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً لتقرير (مايكل هودجيز) الاقتصادي فإنّ الفائدة على الدين العام الفيدرالي للعام المالي ٢٠٠٣م قد بلغت ٤١ مليون دولار في الساعة، وبذلك تكون الفائدة على الدين الفيدرالي قد ارتفعت من ٢١٤ مليار دولار في السنة في عام ١٩٨٨م إلى ٣١٨ مليار دولار في العام ٢٠٠٣م. وإذا ما حسبنا مجموع الفوائد خلال الـ ١٤ سنة هذه فإنّها ستبلغ ٥ تريليون دولار، وهو ما يعني أنّها تساوي ٧١% من مجموع الدين العام الفيدرالي البالغ ٧ تريليون دولار في العام ٢٠٠٣م. مع العلم أن هذه الفوائد ضخمة لدرجة أنّها كافية لإدارة الحكومة الفيدرالية لمدّة أكثر من سنتين دون الحصول على أي دخل مالي، أو أنها تكفي لإدارة الحكومات في الولايات لأكثر من ٣ سنوات دون دخل، أو لتغطية الأمن الاجتماعي لمدة عشرة سنوات دون ضرائب، أو العناية الصحية لمدّة عشرين سنة. أما من حيث تركيبة هذا الدين، فهو يقسم إلى قسمين: أولاً: intragovernmental holdings- أي تلك التي تحتوي الصناديق الائتمانية الحكومية، مثل: خطط الراتب التقاعدي، والدين للأمن الاجتماعي، وغيرها. وتبلغ الآن حوالي ٣.٣ تريليون دولار. ثانياً:debt held by public- أي الديون المملوكة من قبل العامة أو الجمهور وهي تبلغ حوالي ٤.٦ تريليون. ومصطلح العامة أو الجمهور هنا لا يعني فقط الأمريكيين أو المقيميين في أمريكا؛ بل الدول الخارجية أيضاً التي تمتلك ٤٤% من هذا الدين لعام ٢٠٠٤م. وتأتي في مقدّمتهم اليابان حالياً بمبلغ ١.٢ تريليون دولار لوحدها حتى آذار للعام ٢٠٠٥م، ومن ثمّ الصين بمبلغ ٢٢٣.٥ مليار دولار أمريكي. - الميزان التجاري الأمريكي: يعتبر الميزان التجاري عادة مؤشراً على قوة وقدرة البلاد الإنتاجية وعلى مدى وصولها إلى أسواق الآخرين، وهو ما يعطينا فكرة عن كون الدولة دائنة أم مدينة تجاه غيرها من الدول التي تصدّر إليها وتستورد منها، بشكل عام، سلعَ وخدمات. وقد بدأ العجز في الميزان التجاري الأمريكي (سلع وخدمات) منذ العام ١٩٧١م. وقد بلغ وفقاً لـUS. Dep. Of Commerce في العام ٢٠٠٥م مبلغ ٧٢٣.٦١٦ مليار دولار أمريكي وهو رقم قياسي جديد في العجز التجاري الأمريكي، وأسوأ بحوالي أكثر من ٢٥% من العجز المحقق في العام ٢٠٠٤م. فيما يتعلّق بالعجز التجاري في السلع، فقد بلغ ٧٨١.٦٤٢ مليار دولار في العام ٢٠٠٥م. على الرغم من انخفاض قيمة الدولار في عهد بوش الابن والتي من شأنها أن تزيد الطلب على البضائع والسلع الأمريكية؛ وبالتالي من الصادرات الأمريكية إلى الخارج. وفي حين كانت أمريكا واقعة في عجز تجاري في البضائع يبلغ حوالي ٧١٠ مليار دولار من أيار ٢٠٠٤م إلى أيار ٢٠٠٥م؛ كانت كل من اليابان وألمانيا تحققان فائضاً في هذا المجال في نفس الفترة يبلغ: (١٢٥) و (١٩٩) مليار دولار على التوالي. أما بالنسبة إلى الصين القوّة العالمية المستقبلية؛ فقد استطاعت في العام ٢٠٠١م وللمرّة الأولى تجاوز اليابان بتحقيقها الفجوة التجارية الأكبر مع الولايات المتّحدة الأمريكية. فقد ازدادت الفجوة ومعها العجز لصالح الصين بنسبة ٩٥% في السنوات الثلاث اللاحقة لتبلغ ١٦٢ مليار دولار أي حوالي ٢٦% من العجز التجاري الأمريكي للعام ٢٠٠٤م. وقد بلغت ٢٠١ مليار دولار في العام ٢٠٠٥م لصالح الصين. بالنسبة إلى قيمة الدولار، قامت أمريكا؛ معالجةً الأزمة الاقتصادية، بتخفيض قيمة الدولار الذي فقد حوالي ٣٥% من قيمته أمام اليورو منذ بداية عام ٢٠٠٢م وحوالي ١٧% مقابل سلة عملات واسعة بما فيها اليوان الصيني على أمل أن يساعد ذلك على تحريك عملية التصدير؛ للتخفيف من الركود الاقتصادي الداخلي، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي، ولدفع المستثمرين إلى الاستثمار بالدولار الأمريكي، وللحد من الآثار السلبية لارتفاع أسعار النفط بشكل هائل. إلا أن هذه السياسة في تخفيض العملة خطيرة جداً وحساسة ولا تنفع إلا في فترات قصيرة، وقد تؤدي إلى انفلات زمام التحكّم بالاقتصاد، وإلى انهيار قيمة العملة نهائياً، خاصّة في ظل وجود عملة بديلة تكمن في اليورو، وهو الأمر الذي لم يكن موجوداً إثر الأزمة الاقتصادية العالمية في الستينيات وأوائل السبعينيات، عندما هرع الجميع بمن فيهم الأوروبيون إلى دعم الدولار الأمريكي خوفاً من انهياره؛ وذلك لارتباط عملاتهم واحتياطيّاتهم به، ولكن في هذه المرّة إنْ حصل الانهيار الاقتصادي فلن تساعد الصُّدف الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت تفعل من قبل، خاصّة في ظل التقارير الدوليّة التي تفيد أن أكثر من نصف البنوك المركزيّة العالميّة قد حوّلت بالفعل احتياطيّاتها من الدولار إلى اليورو. - استنتاجات واقعية مخيفة وخطيرة: لتوضيح ما ورد في المقال على من استعصت عليه الأرقام والجمل، نورد النقاط التالية كخلاصة: أولاً: الولايات المتّحدة تستورد أكثر وتنتج أقل في مصانعها الداخلية، وهي تبيع ثروتها غير القابلة للاستبدال، ومصانعها المنتجة، وأصولها المالية الأخرى لتدفع ثمن المستوردات وخدمة الدين وما يتعلق به. ثانياً: أمريكا تخسر الملكية؛ وبالتالي السيطرة الاقتصادية، خاصّة فيما يتعلّق بعجز الميزان التجاري. إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن أمريكا خسرت في السنوات العشر الأخيرة حوالي ٣ تريليون دولار فقط في مسألة الميزان التجاري، و١.٣ تريليون من هذه الأموال عادت إلى الولايات المتّحدة عبر الدول التي تمتلكها؛ ولكن هذه المرّة لشراء مصانع الإنتاج في أمريكا نفسها، وقد بلغت ما يزيد عن ٨٦٠٠ من أفضل الشركات الأمريكية وأكبرها في هذه الفترة نفسها. ثالثاً: لا نمو إيجابي وبالتالي لا تسديد للديون. فعلى الرغم من أنّ التقارير تذكر أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ينمو سنوياً بنسبة ٤% منذ ١٠ سنوات، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الوضع الاقتصادي الصحيح، لا سيما إذا عرفنا أن حوالي ٧٠% من هذه النسبة في النمو تذهب في شق النفقات الاستهلاكية، سواء عبر استيراد السلع الاستهلاكية أو إنتاج بعضها في الولايات المتّحدة عبر الشركات المملوكة من قبل الأجانب (٢٥ إلى ٨٠% منها تعود للأجانب!) ، وهو ما يعني بدوره أنّه كلما زاد الناتج المحلي الإجمالي وفق هذه الصيغة زاد العجز في الميزان التجاري، وبمعنى آخر فإنّه كلما نما الاقتصاد زاد الدين؛ لأنّ الناتج المحلي الإجمالي لا يتطرق إلى مسالة خسارة الأصول المالية التي تمتلكها أمريكا، أو عملية دفع الديون أو خدمتها، وغيرها من هذه الأمور. وحتى لو كانت نسبة النمو هذه حقيقية فهي غير قادرة على تغطية ولو حتى جزء من الديون أمام تصاعد العجز التجاري بنسبة تقدّر بـ ٢٥% سنوياً خلال العشر سنوات الأخيرة. رابعاً: صحيح أن الدولار الأمريكي يحتل منذ حوالي ٦٠ سنة موقع الريادة بين العملات العالمية موفراً للولايات المتحدة استيراد ما تشاء من أي بلد في العالم، وتسديد قيمته بعملتها الوطنية، وتمويل استثمارات محلية أكبر كثيراً من قدرة المجتمع الأمريكي على الادخار، بحيث أصبح معدل الاستثمار لديها أعلى بكثير من معدل الادخار دون أن تضطر إلى الاقتراض من الخارج. وهو يهيمن على ثلثي سلة الاحتياطات الدولية للعملات الحرة؛ بحيث يمكّن هذا الوضع الخاص أمريكا من سد العجز الداخلي والخارجي في الموازنة العامة للدولة. إلا أن الصحيح أيضاً أن سياسة الدولار القوي قد ولّت من دون رجعة، وأن سياسة طبع الدولار الورقي، (وهي أكبر عملية نهب في التاريخ) والذي لا غطاء ذهبي له منذ عام ١٩٧١م، وشراء ما يتم استيراده به أو بيعه للدول الأجنبية؛ كسندات خزينة في سبيل تمويل العجز، لم تعد تجدي، خاصّة أن أمريكا مضطرة إلى إبقاء سعر الدولار ضعيفاً لزيادة صادراتها؛ وإلا لو كان قوياً لازداد معدّل العجز التجاري لديها. كما أن الضعف، والذي سيستمر مستقبلاً، يدفع الدول الأخرى للتخلي عن الدولار مخافة سقوطه وانهياره، وهذا ما يفسّر ضغط أمريكا على جميع الدول بضرورة ربط عملتهم بالدولار مع رفع أسعارهم مقابله؛ وذلك لأن أمريكا تعلم أن الدول بهذه الطريقة لن يكون من مصلحتها انهيار الاقتصاد الأمريكي، وستسعى إلى دعمه؛ خوفاً من أن تسقط وتنهار معه في حال انهياره. خامساً: بكل بساطة: الإفلاس والانهيار قادمان والمسألة مسألة وقت، فكيف ستستطيع أمريكا دفع خدمة الدين؛ فضلاً عن الدين نفسه (يزداد حوالي ٤٠٠ مليار سنوياً فيما يخص الموازنة الداخلية، و٦٠٠ مليار سنوياً تقريباً فيما يخص التجارة الخارجية، ناهيك عن الديون الاخرى الكليّة الداخلية والخارجية وخدمة هذا الدين) إذا كانت أمريكا تبيع أصولها المالية، ومصانعها، وشركاتها المنتجة التي لا يمكن استبدالها؛ وذلك مقابل استيراد المواد والسلع والاستهلاكيةّ؟! الأمريكيون يعتمدون بكل بساطة على الاستدانة (داخلياً وخارجياً) لتغطية نفقاتهم الاستهلاكية، ولا ثروة أو فائض مالي لديهم يقومون عبره بتمويل هذا الدين أو تغطية النفقات، فتكون النتيجة مزيداً من الاستهلاك، ومزيداً من الاستدانة، ومزيداً من بيع الأصول ومرافق الإنتاج، وبالتالي ارتفاعاً في العجز الاقتصادي والدين إلى حين الانهيار الكامل. كخلاصة، إنّهم يدمرون أنفسهم بشكل ممتاز، وكما ذكرنا فانهيار أمريكا مسألة وقت، وفي حال تخلى عنها الأقوياء والحلفاء (حتى الدول التي تعتبر ضعيفة تساعد على بقاء أمريكا واقفة على قدميها حتى الآن) فإنّ هذا بلا شكّ سيؤدي إلى انهيارها مباشرة. وبغض النظر عن هذا، فإنّ هكذا انهيارات اقتصادية تحصل بشكل مفاجئ. فلا تستغربوا مثلاً: إنْ نهضتم لعملكم في يوم من الأيام كالمعتاد، ووجدتم أن الولايات المتّحدة أعلنت الإفلاس، وانقسمت إلى ولايات أو انهارت كلّياً! فمؤشرات الانهيار موجودة؛ ولكن هل يوجد من يقرؤها؟! ومن هذا المنطلق ندعو كل الدول العربية والإسلامية إلى عدم ربط عملتها بالدولار فقط، كما ندعوها إلى أن تفّكر بشكل جدّي في إعادة النظر في روابطها الاستراتيجية مع الولايات المتّحدة، وأن تبدأ النظر باتّجاه الصين! فالصين قادمة قريباً.
следующие страницы →