التأثير الهامشي
د. عبد الكريم بكار
قد نكون في هذه الأيام في حاجة ماسَّة إلى إنعاش (التفكير العلائقي) ؛ وهو نوع من تشغيل الذهن، يستهدف اكتشاف العلاقات التي تربط بين الظواهر التي تشغل بالنا، أو تؤثر في حياتنا. ويبدو لي أن هذا اللون من التفكير يميل إلى التعقيد، ونتائجه غير حاسمة، ولهذا فإن الناس يعرضون عنه؛ مع أن له أهمية بالغة في فهم الأحداث والوضعيات! ولعل لاعتماد على السنن هو أفضل وسيلة لفهم الروابط والتأثيرات الكائنة في هذا الوجود. وسنحاول في هذا المقال تقديم نموذج يشرح هذه الفكرة، ويقربها من أذهان الإخوة القراء.
إننا إذا نظرنا في مختلف الظواهر والوضعيات الملموسة، سنجد أن لكل واحدة منها وجودين: وجوداً بوصفها كياناً متكامل الأركان والقسمات والحدود، ووجوداً بوصفها أجزاء من منظومات أكبر وأوسع.
إن العلاقة بين الزوجين ـ مثلاً ـ هي جزء من علاقة أوسع، وهي علاقة أفراد الأسرة: الآباء والأمهات والأبناء، وعلاقة الأسرة جزء من علاقات أهل الحي أو أهل القرية، وهذه الأخيرة تشكّل جزءاً من علاقات المجتمع في قُطْر من الأقطار. والفقر الموجود لدى شخص من الأشخاص هو جزء من الفقر السائد في بلدته، وفقر أهل بلدته جزء من الفقر السائد في إقليمه أو قطره، وهذا جزء من محيط أوسع، إلى أن نقول: إن فقر أي شخص في العالم هو جزء من فقر العالم جميعه.
يتشكل الوجود المستقل للظواهر والوضعيات من ملامحه وحيثياته الدقيقة والخاصة. أما الوجود العلائقي، فهو مدين للملامح العامة الظاهرة، والقوانين التي تحكمها على مستوى الكون، ومدين للتأثير الذي يتركه المحيط فيها.
وقد فطر الله الخلائق ـ بدءاً بالفيروس وانتهاء المجرات ـ على السعي الدائب نحو الاستقلال، وذلك من خلال المحافظة الشديدة على المقومات والخصائص والميزات، لكن بما أن كل شيء هو جزء من سلسلة أو منظومة، وبما أن لكل منظومة وكل سلسلة طبيعتها وعلاقاتها، فإن سعي الخلائق إلى الاستقلال سيظل منقوصاً ومحدوداً، كما أن الممانعة التي تبديها الأشياء في سبيل المحافظة على كينوناتها، تظل غير كاملة؛ بسبب تأثير محيطها ومنظوماتها. والتأمل في هذه الشؤون المنظمة غاية التنظيم يوقفنا على حقيقة كبرى، هي أن كل ظاهرة وكل وضعية تخضع لنوعين من العوامل المؤثرة: عوامل داخلية، وعوامل خارجية، ويظل تأثير العوامل الداخلية أقوى وأعظم، ويظل تأثير العوامل الخارجية هامشياً أو محدوداً، ما لم يتمكن العامل الخارجي من اختراق المنظومة الداخلية للظاهرة، ويجعل من نفسه جزءاً منها، فإذا تمكن من ذلك زاد تأثيره، وصارت تسميته بالعامل الخارجي شيئاً لا معنى له. وسأقدم مثالين لشرح هذه الفكرة:
الأول: الفقر: وهو يعني عجز الإنسان عن توفير حاجاته الأساسية من مسكن وملبس ومطعم وتدفئة ودواء.
وإذا نظرنا في أحوال الفقراء وجدنا أن ما هم فيه من بؤس وقلة يعود إلى نوعين من العوامل: داخلية، وخارجية. فبعض الناس يكون فقيراً؛ بسبب عدم تعلمه وعدم نيله شهادة يدخل بها سوق العمل، وبعضهم يكون فقيراً؛ بسبب كسله، أو انعدام طموحه، أو تكبله بالأوهام التي تمنعه من رؤية الفرص التي أمامه، وبعضهم بسبب تغير الظروف عليه وعدم استطاعته التلاؤم مع الظروف الجديدة؛ كما يحدث مع المشرَّد الذي فقد وطنه وصار لاجئاً، وكما يحدث مع الذي احترق بيته ومتجره وصار من غير مأوى وعمل. ومن الناس من يبذل كل جهده، ويعمل كل ما عليه، ويأخذ بكل ما يعرفه من الأسباب، ثم يجد نفسه في صفوف الفقراء والمعوقين أو من قُدِر عليهم رزقهم، فلا يكاد يصل إلا إلى بعض حاجاته الضرورية. وفقر هذا الصنف من الناس يعود إلى أسباب خارجية، تعود في الغالب إلى البيئة التي يعيش فيها، وذلك كمن يعيش في صحراء ويقتات من الماشية والأنعام التي يملكها، ثم توالى عليه القحط عاماً بعد عام إلى أن هلك كل ما لديه، وهو يجد نفسه مضطراً للإقامة؛ بسبب وجود والديه معه وصعوبة انتقاله إلى مكان آخر. وإذا ألقينا نظرة على واقع الفقراء في محيطنا، فإننا سنجد أن فقر السواد الأعظم منهم يعود إلى عوامل ذاتية داخلية، على نحو ما أشرنا إليه قبل قليل، وفئة محدودة منهم تعاني بسبب صعوبة البيئة أو ضغوط وعدوان الآخرين، ولدينا براهين ساطعة على صحة ما نقول، من أهمها: وجود أعداد كبيرة من الفقراء في بيئات ثرية وممتازة؛ حيث تجد من جاء من أقصى الأرض ليكسب رزقه وبعد مدة يصبح ثرياً، وتجد من وُجد في تلك البيئة هو وعشرون جداً من أجداده؛ لكنه لا يتمكن من الحصول على الضروريات! وفي المقابل نجد في بيئات صعبة، تسودها الحروب والقحط والخوف من يستطيع أن يعيش، وينفق على عياله، ويدخر.
إن الله ـ سبحانه ـ أعطى الإنسان قدرات كامنة عظيمة، ومن خلال استغلال تلك القدرات يتغلب على الكثير من العقبات والصعوبات التي تعترض طريقه، وهذا ما يفعله كثير من الناس؛ حيث يمتلك الإنسان العزيمة والإصرار على تطوير ذاته واكتشاف الآفاق الجديدة، ويتخذ من (الزمن) وسيلة أساسية في حل المشكلات، إذ إن العوامل الخارجية يتهاوى الواحد منها تلو الآخر. وقد شاهدنا كثيراً من المقدمين الذي يملكون الطموح، فعملوا بجدية وصبر حتى ملكوا نفقات السفر، وتخلصوا من بيئاتهم قاصدين بيئات جديدة، يتوفر فيها العلم أو فرص العمل، وخلال سنوات قليلة تغيرت أحوالهم، بل انقلبت رأساً على عقب. وحين تؤثر الظروف الصعبة في الفقير، فتحوِّله إلى إنسان يائس بائس خائف وقانع، إنسان يجد، في سؤال الناس والاستدانة منهم والخضوع لشروطهم، مخرجاً وحيداً مما هو فيه، فإن العامل الخارجي يتحول حينئذ إلى سمة ذاتية للفقير تحطِّمه، وتسدّ كل الآفاق أمامه. وفي الدول الثرية مدمنون ومتشردون اختاروا عن طيب خاطر العيشَ على هامش المجتمع وفي أوكار الرذيلة، ومع كثرة المحاولات من أجل مساعدتهم لم يطرأ أي تحسِّن على حياتهم؛ وذلك بسبب رفضهم قبول المساعدة، وعجزهم عن مساعدة أنفسهم.
في المقال القادم سأذكر بإذن الله ـ تعالى ـ مثالاً ثانياً على سيطرة العوامل الداخلية مع الإشارة إلى بعض التدابير ... والله مولانا.
стр. 5847
ضوء القمر
طارق شديد
دخل حجرته الخاصة المكتظة بالكتب، أو (صومعته) كما يحلو له أن يسميها، متأبطاً حافظة أوراقه ومجموعة الصحف والكتب الجديدة التي ابتاعها وهو عائد من الجريدة، مسح كتبه ـ المتراصة في أناقة ونظام، والتي تغطي فراغات الحجرة ـ بنظرة إعجاب حانية، ألقى ما يتأبطه فوق مكتبه، أنار (كشاف القراءة) ، هَمَّ بتصفُّح المطبوعات الجديدة، وقعت عيناه على ساعة المكتب أمامه، كانت عقاربها متعانقة معلنة انتصاف الليل، ندَّت عنه شهقة مندهشة:
ـ «مرت ساعتان على خروجي من مكتبي، ولم أكتب بعد! بل ولم أستقر على فكرة الموضوع الذي سأسلمه غداً لرئيس التحرير كي ينشر في زاوية (الرأي الحر) لهذا الأسبوع» .
أزاح المطبوعات الجديدة جانباً، تلقف قلماً من المقلمة، استل أوراقاً بيضاء من حافظة أوراقه.. انكب عليها يريد أن يسودها حتى يثبت لرئيس التحرير أنه أهل للثقة التي خصه بها دون زملائه، أخذ يشجع نفسه على الكتابة:
ـ «هيا! لقد أُتيحت لك فرصة ذهبية، ستكتب زاوية (الرأي الحر) الموقوفة على كبار المفكرين، والتي ظل رئيس التحرير يرفض مساهمة أي عضو من أسرة التحرير فيها، حتى ولو كان في مرتبة رئيس قسم» .
لقد استدعاه اليوم رئيس التحرير وطلب منه الاتصال بالأساتذة المفكرين المتعاملين مع الجريدة، ورغم عكوفه على الهاتف أكثر من ساعة لم يفلح في انتزاع وعد من أحدهم بكتابة زاوية (الرأي الحر) لهذا الأسبوع، فهذا مشغول بإعداد بحث سيلقيه في مؤتمر سيعقد قريباً، وذاك يضع اللسمات الأخيرة على كتاب جديد، وثالث عازم على السفر غداً للمشاركة في أعمال ندوة، ورابع مرتبط بموعد الليلة ولا يستطيع كتابة سطر واحد!
حكى لرئيس التحرير محاولاته الفاشلة في استكتاب أحد المفكرين البارزين.. فاجأه رئيس التحرير بقوله: «تكتب أنت المساهمة؛ وأستلمها منك غداً..!» .
ظن في البدء أن رئيس التحرير يمزح معه، لكن سرعان ما انقشعت سحائب ظنه أمام جدية ملامح رئيس التحرير وتواصل حديثه: « ... ثقتي فيك كبيرة؛ فأنت مثال للصحفي المسلم الواعي المجتهد» .
خرج من مكتب رئيس التحرير ولسانه يلهج بعبارات الشكر والامتنان، وقلبه مثقل بالفرح الممزوج بعبء المسؤولية، ظل طوال طريقه إلى بيته يستعرض الأفكار التي جرت العادة على معالجتها في هذه الزاوية ليستبعدها تباعاً، استمر يتذكر ويستبعد، حتى لحظة جلوسه إلى مكتبه في (صومعته) ، كان لا يزال يجهل: أيَّ موضوع سيطرق في زاويته المرموقة!
مع أنه أمسك بقلمه وانحنى فوق أوراقه فارضاً على نفسه وضعية الكتابة، على أمل أن تترفق به الأفكار فتهبط عليه سخية، إلا أنه مكث لحظات طوالاً عاجزاً عن خط حرف واحد، نهر نفسه: «ماذا بك؟! ألم تعد قادراً على طرح فكرة ومعالجتها؟! هل استفحل العقم في عقلك وخيالك إلى حد شل يدك عن الكتابة؟!» .. لكن هذا التوبيخ لم يأتِ بالمردود المرتجى.
خطر بذهنه أن يصنع لنفسه (فنجاناً) من القهوة ينبهه ويشحذ ذاكرته، بعد أن احتسى قهوته في تؤدة ـ محاولاً بين رشفة وأخرى لملمة شوارد أفكاره ـ وجد قلمه ما يزال جامداً في يده، والأوراق أمامه تتحداه ببياضها الناصع.
حاول مرة أخرى، قبض على قلمه بعزم.. خط في أعلى ورقة بيضاء كلمتَي: (الرأي الحر) ، مع أنه ظل قابضاً على القلم، فقد تعذر عليه تسطير كلمة واحدة أخرى، نظر في حنق إلى (رأس) القلم، ضغط بأصابعه على (جسمه) وكأنه يحاول إرغام كلمة، قد انتصبت في (حلق) القلم، على الخروج؛ ولكن الكلمة في عنادها متشبثة!
شعر بصداع خفيف يغزو رأسه.. قام وابتلع قرصين لصد الغزو، عاد إلى أوراقه يشجع نفسه: «هيا! اعصر دماغك وفكر ملياً!» ولكن يبدو أن الفشل قد صار حليفه!
تلصصت عيناه بقلق على ساعة المكتب أمامه، «أووه!!» .. زفر بها في حدة وغضب؛ طارت على أثرها عصافير اليأس واخترقت رأسه.. تسللت رويداً رويداً عبر شرايينه إلى جميع خلايا جسده، لقد صار الليل شيخاً هرماً ولم تبزغ بعد فكرة جديدة، ولم يطلق هو سراح قلمه، شعر بخدر عميق يسري في عروقه! تسارعت نبضات قلبه، تفصد جبينه عرقاً بارداً، أحس باختناق شديد، اندفع نحو شرفة (صومعته) يتلمس نسمات تسعفه، صافحت وجهه نفحات ربيعية ناعمة، أحس شيئاً من الانفراج، سبح ببصره في أرجاء القبة السماوية المرقطة بقطع الألماس اللامعة، أعمل عدسته التدبرية، فاستدعت هذه اللقطة الباهرة ـ في مخيلته ـ لوحة السماء نهاراً، وتعجب كيف أن رسول النور ـ منذ إشراقه ـ يحجب عن بصره العالم الأكبر كله، فيصبح أعمى لا يراه، وعندما يغيب رسول النور ويحل الظلام، يصبح أهدى، ويكون للعالم الأكبر أبصر!
اتسعت عدسته التدبرية حين تمركز نظره على القمر شبه المكتمل والمائل نحو المغيب: «هذا الوجه الوضاء الذي ألهب خيال الشعراء، وأجج عاطفة المحبين على مر العصور، ثبت أنه قناع زائف يرتديه الوجه الذي هو ظلام، وتراب، وصخر، وخلاء، وصمت، ووحشة رهيبة مديدة» .. ثم تساءل: «هل هذا الوجه الساكن المتجهم يعبر عن حقيقة الذات القمرية؟!» .
تلاشى إحساسه بالاختناق، شعر بالدماء تتدفق في شرايين التواصل الكوني داخله، خُيِّل إليه كأن خيوطاً نسجت بين ذاته والقمر كذات عابدة ساجدة: «قاموس هذه الذات القمرية اللغوية يستوعب جميع مفردات (التسبيح والقنوت) التي نعرفها والتي لا نعرفها، ولكننا نحن الجهابذة المغرورين بقطرات علمنا المحدود لا نفهم كيفية تسبيحها المتفرد (!) هذا القمر العابد يستبشر بنا حين ننسجم معه تسبيحياً، ويكاد يتفطر كلما سمعت أذنه المرهفة أحاديثنا الجاحدة، وكلما بصرت عينه النافذة تصرفاتنا الآثمة. إنها الغيرة التي تسكن قلبه الساجد الأواب، كم حزن هذا القلب حينما رأى أول أقدام بشرية تطأه هي أقدام الجحود والضلال، وأول عَلَم يُزرع فوقه هو عَلَم الشرك والطاغوت! فكم تمناها أقدام العرفان والطهارة، وعَلَم التوحيد والهداية!» .
هذا التواصل مع إيقاعات القمر القانت الأواب جعله يتذكر فجأة أنه لم يؤدِّ صلاة العشاء؛ فقد ترك مكتبه في الجريدة دون أن يصليها في جماعة مع بعض زملائه كما تعوّد، انسل من الشرفة عازماً الوضوء، أحس بعد إسباغه الوضوء بارتياح طرح عن كاحله أحمالاً ثقيلة، افترش سجادة الصلاة.. وقف بين يدي ربه تغمره بحار الخشوع.. سجدت جميع خلاياه تسبيحاً وقنوتاً.. رفرفت روحه محلقة عبر أجوائها النورانية، شعر بانسجام الأنغام النابعة من ذاته المعزوفة الكبرى للكون الأواب من حوله.
ما إن فرغ من صلاته، وشرع في العودة إلى مكتبه لتحرير الزاوية العصيَّة؛ حتى انهمرت عليه الأفكار المنتظرة: (أزمة النخبة الثقافية السياسية في عالمنا الإسلامي) ، (خطر الاستغراب والمستغربين) ، (محنة المسلم مع حضارة العصر) ، (أمة اقرأ؛ متى تقرأ؟) ، (المسلمون والخروج من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل الحضاري) .
أوقف سيل الأفكار المتدفق عليه، مندهشاً من الجدب الذي حل بذهنه طويلاً، وفشله المرير في قنص فكرة واحدة، ثم انثيال الأفكار عليه بمجرد عودته إلى ذاته العابدة، وتجاوبها مع إيقاعات الكون القانت! تناسى الأفكار الجديدة.. مكث يتأمل تجربته ويبلور أفكارها: «إذن! الإنسان السوي المتفوق المتسامي يتحقق في مرونة، تثير الدهشة والإعجاب، حينما يلتزم بمنهج الخالق، ووجود هذا الإنسان سيحل جميع مشاكلنا المزمنة تلقائياً. ما أمسَّ حاجتنا إلى ذلك الإنسان الذي ينشده الإسلام!» .
في الحال، وقبل أن يرحل الليل وهو مستغرق في توصيف الإنسان المنشود، قبض على قلمه، بدأ بتسطير عنوان مقالته: «الإنسان الرباني.. أولاً وأخيراً» .. وفي أقل من ساعة، وقبيل أن تتناغم ذاته مع الكون الساجد تلبية لنداء الفجر؛ كان قد سود الأوراق، وأنجز الصياغة.
стр. 5848
معاناة أهل السنة في العراق إلى متى
صلاح علي حمادي
ما يلاقيه أهل السنة في العراق هو الأكبر والأقسى بين كافة مكونات المجتمع العراقي لأسباب سنأتي على ذكرها، كل في محله. وإذا أردنا أن نصور واقع المأساة والمعاناة التي يعانيها أهل السنة في العراق فلا بد أن نضع محاور بارزة للحديث، بناءً على ما اتبعته الأحداث من مسارات متميزة، ولنبدأ منذ انتهت الدولة العراقية في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣م، بناء على محورين أساسيين هما: المحور الأمني، ومحور الخدمات.
(١) المحور الأمني:
إن الحديث عن المحور الأمني لمعاناة أهل السنة يأخذ بنظر الاعتبار مجمل الحالة الأمنية لأهل السنة في العراق منذ بدء الاحتلال، دون النظر إلى الوقائع الفردية التي حدثت وتحدث حتى اليوم، ذلك أن هذا المحور بني أساساً على مواقف جماعية لا فردية لطرفي النزاع (السنة والشيعة) في التجربة العراقية هذه. ويمكن تصنيف المحور الأمني لمعاناة أهل السنة في العراق إلى محورين ثانويين متلازمين؛ ولكنهما في الوقت نفسه متميزان عن بعضهما كما يلي:
(أ) المحور الأمني الناجم عن دخول قوات الاحتلال إلى العراق.
(ب) المحور الأمني الناجم عن ممارسات الحكومة وأجهزتها الأمنية والميليشيات المسلحة.
(أ) المحور الأمني الناجم عن دخول قوات الاحتلال إلى العراق:
مع دخول قوات الاحتلال للعراق وإسقاط العاصمة بغداد في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣م، برزت حالة من التحدي واضحة المعالم غير خافية على أي متتبع للواقع العراقي، وهي أن الولايات المتحدة وحلفاءها إنما يسيرون في هذا المخطط وفقاً لعقيدة أعلن عنها الرئيس الأمريكي، حينما وصف حملته هذه بأنها (حرب صليبية جديدة) ؛ لذلك كان على هذه العقيدة أن تحدد أعداءها في العراق قبل احتلاله ـ ولا نريد أن نتشعب في الحديث عن حقيقة العداء بين النظام العراقي السابق والولايات المتحدة وحلفائها ـ فالحملة الصليبية التي قادها بوش ضد العراق إنما استهدفت ذوي العقيدة الإسلامية الحقة فقط، بعد أن خاضت ضدهم حرباً ضروساً في أفغانستان عام ٢٠٠١م وفشلت في القضاء على وجود تلك القوة المتمسكة بعقيدتها الإسلامية، رغم الإمكانيات والجهود الهائلة التي بذلت في تلكم الحرب.
لقد بحثت الولايات المتحدة عن ساحة تخوض فيها حرباً تعوض بها هزيمتها في أفغانستان، فوجدت ضالتها في نظام علماني (مارق) يُسخّر إمكانات بلده النفطي للحصول على أسلحة متقدمة، ولعل هذا أحد أهم أخطاء المحافظين الجدد الذين تسلموا السلطة في الولايات المتحدة، فأعدوا العدة وجمعوا حلفاءهم وجاءوا إلى العراق.
مع الأيام الأولى لاحتلال العراق انتفضت قوى عديدة معلنة بدء المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وبنظرة خاطفة إلى الخارطة الجغرافية لبدء عمليات المقاومة في العراق يتضح لنا أن الغالبية العظمى من العمليات المسلحة إنما كانت تتم في المناطق (السنية) من أرض العراق، مثل: الخالدية، وبيجي، والرمادي، والموصل، وسامراء، والضلوعية، والفلوجة، وبعقوبة، وراوة (ولن نتحدث عن بغداد الآن) . على أن بعض المناطق الأخرى في العراق قد شهدت بوادر مقاومة مسلحة للاحتلال ما لبثت أن خمدت شيئاً فشيئاً. وعليه فإن عقيدة معينة هي التي دفعت هؤلاء المقاومين لذلك، وهي بشكل مبدئي عقيدة ترفض احتلال الوطن، واستباحة دار المسلمين وبيضتهم، وانتهاك حرماتهم، وهذه أسس لا يمكن التفريط بها تحت أية ذريعة وفقاً لعقيدة أهل السنة.
يتميز العراق بأنه مهد لمدارس فقهية متعددة انتهجت سنة النبي محمد ﷺ ومنهج السلف الصالح في التمسك والحفاظ وإحياء هذه السنة المطهرة، حتى ضمت أرض العراق رفاة أكابر علماء السنة جنباً إلى جنب مع الأئمة من أهل بيت النبي ﷺ الذين تمسكوا أيضاً بتلكم السنة وذلكم المنهج القويم.
إن مدونات التوراة التي بين يدي اليهود اليوم تصرح أن الجيش الذي سيبيد (إسرائيل) إنما يأتي من بين آشور وبابل، واليهود آمنوا بذلك؛ فعملوا على مر التاريخ على تأليب القوى العظمى لاحتلال وادي الرافدين، أو بلاد ما بين النهرين (العراق لاحقاً) ، فكيف الحال بالصهاينة الذين زادوا على أكاذيب أسلافهم الكثير، فيما يتعلق بزوال ملكهم (الإلهي) على يد القادمين من شرق (إسرائيل) ؟!
لقد حمل أهل السنة في العراق لواء المقاومة المسلحة إيماناً منهم أن الله لا يرضى منهم أن تستحل دارهم، وتنتهك حرماتهم، ويتسلط الكافر على رقابهم؛ فكانت ثورتهم ضد المحتل أول خطوات إفشال المخطط الأمريكي ـ الصهيوني في العراق، والذي بشروا به جنودهم حينما أوهموهم أن العراقيين (كل العراقيين) سيستقبلونهم بالورود. فما كان من الأمريكيين بعد أن استتب لهم الأمر في شمال العراق وجنوبه إلا أن يبدؤوا حملتهم لـ (تطهير) العراق من الجماعات المسلحة المتمردة غرب البلاد وشمال غربها، ثم شرق البلاد. فكان أن أنشأت القيادة الأمريكية غرفة عمليات متكاملة لمقاتلة المسلحين فيما عرف بعدئذٍ بالمثلث السني، وهم بذلك قد أعلنوا صراحة أن المقاومة العراقية إنما ترفعها وتنوء بحملها (طائفة) ذات عقيدة ومنهج محدد في العراق.
لقد تمثلت معاناة أهل السنة، وفق المحور الأمني الناتج عن الاحتلال، بتدمير مدنهم، واعتقال عشرات الآلاف من الشباب والرجال والنساء حتى امتلأت المعتقلات الأمريكية بهم؛ بل وضاقت عليهم. وفي غضون عامين فقط من الاحتلال كان مجموع ما تم تدميره من المدن (السنية) في العراق أكثر من عشرين مدينة (الفلوجة، الخالدية، بعقوبة، راوة، حديثة، بيجي، سامراء، الضلوعية، القائم، بلد، الدور، الموصل، تكريت، تلعفر، الرمادي، بهرز، الخالص، الحويجة، أبو غريب، اللطيفية، اليوسفية، المحمودية، المدائن، ... إلخ) ؛ بل إن هذه المدن لا زالت تعاني من سلسلة من المعارك الشرسة بين فصائل المقاومة العراقية وقوات الاحتلال. فإذا كان الوازع الوطني هو وحده الذي يحث أبناء هذه المدن على مقاومة الاحتلال، وبالتالي يحث قوات الاحتلال على استهدافها وتدميرها؛ فهل أبناء باقي المدن العراقية أقل وطنية وحباً لوطنهم من أبناء هذه المدن؟! أم إنها العقيدة التي يحملونها في قلوبهم، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة؟
إن الصورة التي يرسمها الأمريكيون وحلفاؤهم في أذهانهم عن مدى خطورة هذه (الطائفة) في العراق تتمثل في خشيتهم من أن يؤول الأمر في العراق إليهم فيعيدوا تجربة طالبان (حسب زعمهم) ، وهنا تتجلى الصورة واضحة، فطالبان، والشيشان، والبوسنة والهرسك، والصومال، وفلسطين، كلها شواهد على تصدي أهل السنة لقوى شيوعية أو صليبية أو صهيونية، كانت مساهمة غير أهل السنة فيها محدودة للغاية، ما لبثت أن أنجبت صراعات طائفية وعقائدية فيما بعد.
إن معركة قوات الاحتلال ضد أهل السنة في العراق لها وجهان متضادان أساسيان: هما الواجب العقائدي الذي يفرضه الإسلام على أهل السنة لمقاومة الاحتلال، والواجب العقائدي الذي تفرضه الصهيونية والصليبية الجديدة لاستهداف أهل السنة في العراق. وهنا أجدني مضطراً للقول: إنه حتى لو قعد أهل السنة عن مقاومة الاحتلال منذ بداية دخوله العراق، لما تخلى الاحتلال عن تنفيذ مخططه الهادف لاستئصال شوكة أهل السنة دون غيرهم، بعد أن أصبح العراق معقلاً للمفكرين والدعاة المسلمين حتى في ظل النظام البعثي العلماني السابق.
إن مخطط الاستئصال هذا ليس عاطفياً ولا عبثياً، وإنما ينم عن قراءة مستفيضة لواقع حال المجتمع العراقي الذي تغير كثيراً عن حاله في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ومع انقضاء الثمانينيات وبدء تجربة الحصار الاقتصادي، كان العراق بمجمله، وأهل السنة فيه خاصة، قد أصبحوا يمثلون عمقاً استراتيجياً كبيراً للمقاومة الفلسطينية، والقضايا العربية، وحركات التحرر العالمية، ناهيك عمَّا تمخضت عنه الصحوة الدينية في العراق إبّان الثمانينيات، ومن ثم في التسعينيات من اهتمام بقضايا العالم الإسلامي، حتى أخذت جامعات العراق تستقطب اهتمام الباحثين وطلبة العلم الشرعي من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وأخذت حلقات الدعوة والإفتاء والفكر الإسلامي الهادف تظهر على القناة الفضائية العراقية، ويحمل لواءها شخصيات (سنية) معروفة على مستوى العالمين العربي والإسلامي. لذا لم تكن القوى الصهيونية والصليبية نائمة عمَّا يجري في العراق من صحوة دينية يقودها أبناء السنة فيه.
وعليه؛ فإن معركة أهل السنة ضد الاحتلال لم تأتِ تحصيل حاصل لدخول قوات أجنبية إلى العراق، وإنما سبقها إعداد فكري من قِبل قوى الاحتلال خانها فيه تصور، أو وهم، مفاده أن العراقيين سيقبلون بالاحتلال من أجل الخلاص من نظام صدام حسين، وأن العلمانية وفكر البعث قد تمكنتا من المجتمع السني، ولن تنهض فيه عقيدة الجهاد الإسلامي الصحيحة ضمن منهج أهل السنة والجماعة التي ما جاء الاحتلال إلى العراق إلا للقضاء عليها فيه، وإذا بهم يكتشفون أن عقيدة أهل السنة في العراق لا ترتبط بصدام حسين أو حزب البعث البتة؛ وإنما ترتبط، أولاً وآخراً، بما يمليه عليهم دينهم، فتحمّلوا معاناة كبيرة تمثلت في المعارك الطاحنة التي خاضوها ضد قوات الاحتلال، وما نجم عن ذلك من خراب ودمار منكر لمدنهم وقراهم وحواضرهم.
(ب) المحور الأمني الناجم عن ممارسات الحكومات المتعاقبة وأجهزتها الأمنية والميليشيات المسلحة:
متزامناً مع سابقه، ظهر على الساحة محور أمني آخر نجم عن تشكيل الحكومات (العميلة) المتتالية (علاوي، الجعفري، ثم المالكي) والطريقة التي تعاملت بها هذه الحكومات غير الشرعية مع واقع أهل السنة في العراق بعد أن اطمأن كلٌّ على مصالحه (ولو نظرياً) ولم يبقَ خارجاً عن سرب العمالة والتبعية للاحتلال إلا أهل السنة؛ وحتى إن انضمت شخصيات تنتمي لأهل السنة إلى العملية (السياسية) في ظل الاحتلال في محاولة واهية لإضفاء شرعية مفقودة على البناء السياسي الجديد في العراق المحتل. ومن أجل ألاَّ تحيد هذه الحكومات (العميلة) عن خطى السادة (وأعني قوات الاحتلال) فقد بادروا إلى (الثأر) ، والاقتصاص غير العادل من أهل السنة ومدنهم وتجمعاتهم ووجودهم المادي والمعنوي، فقامت قوات الحرس الحكومي وقوات وزارة الداخلية بشن هجمات لا تعد ولا تحصى على ما يمكنها أن تصل إليه من مدنيين: أفراداً وجماعات، حتى مرت على بغداد والمدن العراقية (السنية) سنون وهي تشيّع كل يوم عشرات من أبنائها الذين قتلتهم قوات وزارة الداخلية وألويتها جهاراً نهاراً تارة، وغدراً وغيلة تارة أخرى؛ على مرأى ومسمع من قوات الاحتلال، والحكومة العميلة، وقوات الحرس الحكومي. كما دأبت الميليشيات المسلحة المرتبطة بالحكومة وأجهزتها (وعلى رأسها منظمة بدر) على تنفيذ الاغتيالات والاعتقالات التي تنتهي بالقتل أيضاً.
وفي مرحلة لاحقة، بدأت الميليشيات المسلحة غير المرتبطة بالحكومة والمسماة (جيش المهدي) بأداء الدور ذاته الذي لعبته منظمة بدر في اغتيال أهل السنة وتصفيتهم أفراداً وجماعات، وزادت عليه أن نفذت مذابح جماعية غاية في الوحشية ضد أهل السنة في أحياء بغداد، وديالى، والبصرة، وحيثما كان لها موطئ قدم، بعد أن عجزت هذه الميليشيات المسلحة على تنفيذ عملياتها في مدن أهل السنة؛ التي شهدت، ولا تزال تشهد، معارك ضد قوات الاحتلال غالباً، والحرس الحكومي أحياناً.
لقد وصلت معاناة أهل السنة من الدور الذي مارسته وتمارسه قوات الحكومة والميليشيات المسلحة إلى حد ألاّ يستطيع أهل السنة دخول مناطق معينة من بغداد، أو الانتقال إلى محافظات أخرى؛ خشية قتلهم أو اعتقالهم؛ مما قطّع البلد إلى أوصال تفصلها نقاط التفتيش المشبوهة غالباً، وواقع كهذا فرض طبعاً أن يتم تهجير أهل السنة من باقي مدن العراق، قابلته هجرة غير أهل السنة من مدن أهل السنة، بعد أن أخذت جهات حكومية بالاصطياد في مياه الطائفية العكرة؛ متخذة من وجود غير أهل السنة في مدن أهل السنة وسيلة لإثارة الفتنة، ومن رحيلهم وسيلة لإثارة الفتنة أيضاً!
إن الدلائل كثيرة على أدوار حكومية دنيئة لاستغلال وجود غير أهل السنة في مدن أهل السنة لتأسيس مكاتب للمنظمات والميليشيات الطائفية المسلحة في تلك المدن، والواقع يفرض عدم المبادرة بمثل تلك المحاولات لمنع إثارة الفتنة التي لا تخدم سوى الاحتلال وعملاءه. ومع بداية رحيل غير أهل السنة عن مدن أهل السنة، فقد عمدت الجهات الحكومية نفسها إلى تصوير الحالة على أنها تهجير طائفي مقصود، وعلى أجهزة الحكومة وقواتها أن تتخذ تدابير (أمنية) معينة إزاء هذا التهجير.
(٢) محور الخدمات:
لا يمكن فصل محور الخدمات والنواحي الاجتماعية عن المحور الأمني مطلقاً؛ لأنه نجم عنه أساساً، ثم أصبح محوراً قائماً بذاته حتى مع تشكيل حكومة يقال عنها: إنها (حكومة وطنية) ؛ والتي من المفترض أن تتحمل أعباء الخدمات وتوفيرها لمواطني البلد الذي تحكمه.
لقد افتقر العراق بأكمله للخدمات والبنية التحتية مع بداية احتلاله من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، ثم بدأت بعض (الأقاليم) بالحصول على الخدمات بشكل تدريجي. فالمنطقة الشمالية كانت الأسرع من وجهة نظر الاحتلال للاستقرار، والمباشرة بمشاريع التنمية والبناء، وإعادة الإعمار، ثم تبعتها محافظات الجنوب (حسب زعم الحكومة ووسائل إعلامها) بإعادة الإعمار، وبناء المشاريع الاستثمارية، حتى دفعت القائمين عليها للتبشير بإعلان قيام فيدرالية الجنوب التي تماثل فيدرالية الشمال، ولكنها لا تضم طبعاً مدن أهل السنة (المتوترة) . لقد كشفت وقائع كثيرة عن مبادرات متتابعة لقوات الاحتلال لتسوية الأوضاع في مناطق (المثلث السني) بعد أن وجد الاحتلال نفسه عاجزاً عن بسط سيطرته العسكرية على تلك المناطق، فعمد إلى التفاوض بقصد تسليم إدارتها لمجالس محلية؛ إلا أن أصابع خفية كانت تمتد لتمنع المحتل من المضيِّ بمبادراته تلك. ومع أن أهل السنة لم يعوِّلوا على مبادرات الاحتلال مطلقاً؛ لأنها إنما طرحت لتخدم مصالح الاحتلال دون غيرهم؛ إلا أن تلكم المبادرات مثلت في وجه من وجوهها هزيمة لمشروع الاحتلال وعملائه في العراق، ولن نغفل أبداً إجراءات الاحتلال بادئ ذي بدء في منع الاستقرار عن مدن أهل السنة وتقويض أمن أهلها كما أسلفنا. وعليه، فإن تعمد منع حالة الاستقرار عن مدن أهل السنة هو أمر متعمد وغير عشوائي مطلقاً.
ويمكن تقسيم محور الخدمات إلى محاور ثانوية عديدة تبعاً للقطاعات المتضمنة في هذا المحور الأساس كما يلي:
أـ محور الوظائف:
أدت أول تجربة سياسية خاضها الاحتلال في العراق متمثلة في مجلس الحكم الانتقالي إلى إظهار العراق بمظهر طائفي مرفوض؛ تحت ذريعة التنوع الطائفي والقومي والديني للمجتمع العراقي! ومع أول حكومة شكلها الاحتلال عمد إلى تكريس المحاصصة الطائفية؛ مما نجم عنه استئثار أحزاب وقوى معينة بإدارة الوزارات والمؤسسات الواقعة في (حصتها) من أجهزة الدولة، وهنا لا بد أن نذكر صراحة أن الوزراء من غير أهل السنة بسطوا سيطرتهم التامة على وزاراتهم، بينما لم يستطع الوزراء من أهل السنة الذين جيء بهم من أجل (شرعنة) الحكومة في بسط سيطرتهم على وزاراتهم؛ بسبب وجودهم الشكلي أساساًً وسلطة (المستشارين) القادمين مع قوات الاحتلال (إن لم يكونوا أمريكيين أصلاً) ، وكذلك بسط نفوذ الوكلاء والمديرين العامين من غير أهل السنة على عمل تلك الوزارات، فتم منع أهل السنة من التوظيف في الكثير من الوزارات والمؤسسات، وأقصي الكثير منهم تحت ذريعة التجديد، وقانون اجتثاث البعث، وهيئة النزاهة، وغيرها من الوسائل التي أوجدها الاحتلال وعملاؤه في معركتهم ضد أهل السنة في العراق. ولم يتغير الحال مع مجيء إبراهيم الجعفري وحكومته حتى وصل الأمر أن يقوم نائب رئيس الوزراء، المشرف على قطاع النفط (أحمد الجلبي) بتسريح (١٥٠) موظفاً من موظفي وزارة النفط (معظمهم من إدارات ما قبل الاحتلال) قسراً وفقاً لقانون اجتثاث البعث. كما سُجلت العديد من الحوادث في وزارة المالية ضد الموظفين من أهل السنة من ضمنها إقصاء المديرين العامين، وقد حدث الأمر نفسه في وزارات التجارة، والكهرباء، والنقل، والاتصالات، والتعليم العالي، والبحث العلمي؛ وفي الأخيرة وصل الأمر أن تتحول إحدى الجامعات العراقية إلى مؤسسة يمنع فيها نفوذ أهل السنة حتى وفق الإطار المهني الصرف. لقد فرضت إدارات الوزارات في حكومتي (علاوي، والجعفري) استحصال موافقة الأحزاب والقوى المشكلة للحكومة عند التعيينات تحت مسمى (التزكية) أو (التوصية) على أن المتقدم للوظيفة هو من المفصولين السياسيين أو المتضررين من النظام السابق، أي أن المواطن الذي لم يتضرر شخصياً من النظام السابق، أو لم يستطع أن يثبت ذلك الضرر لا يحق له التقديم للتوظيف؛ لأنه لن يستطيع استحصال تزكية أو توصية من الأحزاب والقوى التي كانت (تعارض) النظام السابق ممن استقرت في السلطة الجديدة! وهذا حال معظم أهل السنة في العراق، وخاصة أن الأحزاب والقوى المحسوبة على أهل السنة، والتي دخلت العملية السياسية في ظل الاحتلال، قد أخفقت في إثبات معارضتها للنظام السابق وتضررها منه، فضلاً عن أن تزكياتها وتوصياتها لنيل الوظائف كان مردودها عكسياً.
ب ـ محور الخدمات العامة:
سنطرح فيما يلي فرضية، وسنثبت صحتها سريعاً إن شاء الله.
إن جدية المحاولات للسيطرة على الوزارات ذات الطابع الخدمي، والتي بذلت سلطة الاحتلال جهوداً استثنائية لتأهيلها وتشغيلها، كان لها هدف أساس؛ هو فتح الباب أمام الوزراء المنتمين إلى أحزاب وقوى معينة لاستغلال وجودهم في وزارات كهذه؛ لملء جيوبهم، وخزانات أحزابهم قبل حلول موعد الانتخابات (البرلمانية) اللاحقة؛ فقد أبرمت سلطة الاحتلال، وتحت ظلها مجلس الحكم الانتقالي ومن بعده حكومتا (علاوي، والجعفري) الكثير من العقود الحقيقية غير القابلة للتنفيذ، أو العقود الوهمية بمليارات الدولارات تحت مسميات مشاريع ضخمة، ومن أبرزها: تجهيز مواد الحصة التموينية لصالح وزارة التجارة، تأهيل مطار بغداد وموانئ البصرة وإعادة تطويرها، بناء مطار النجف الدولي لصالح وزارة النقل، تشغيل شبكات الهاتف النقال تحت إشراف وزارة الاتصالات، إعادة تأهيل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي وتأثيثها، تجهيز وزارتي الدفاع والداخلية، وتأهيل قطاع الكهرباء، وهذه القطاعات تضمنت إنفاق مليارات الدولارات دون أن يتمكن المواطن العراقي من رؤية أي من نتائج هذه العقود والمشاريع على أرض الواقع، والحجة القائمة الدائمة هي (الإرهاب) ، ولا أدري هل إبرام هذه العقود والمشاريع يتم دون استشارة متخصصين، يمكنهم القول بعدم جدوى إبرام هكذا عقود ومشاريع في ظل حالة من عدم الاستقرار، واتساع دائرة (الإرهاب) في بلد كالعراق؟! وللقارئ مقارنة واقع حال هذه القطاعات مع حجم الأموال المنفقة. بينما لم تشهد وزارات أخرى أعطيت لوزراء من أهل السنة مشاريع كهذه أو إنفاقاً كهذا، مثل: وزارات: التخطيط والتعاون الإنمائي، والصناعة والمعادن، والعلوم والتكنولوجيا، والبيئة، والعدل، مع ضرورة الإشارة إلى أن الوزارات ذات الطابع الخدمي المباشر مثل: البلديات والأشغال العامة، والصحة، والموارد المائية، والإسكان والإعمار تدار من قبل حكومة إقليم كردستان في المنطقة الشمالية، وتديرها قوى الحكومة وأحزابها في المنطقة الجنوبية، بينما لم تشهد أي تقدم يذكر لصالح المواطن العراقي في مناطق أهل السنة؛ بسبب (الإرهاب) طبعاً!
وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الاحتلال، ساء واقع خدمات الكهرباء، والماء، والطرق والجسور، والري والزراعة، والإسكان في مناطق أهل السنة، بينما انعدم الإعمار، وماتت حقوق الإنسان، وأصبحت هذه المناطق ميداناً عملياً لوزارة المهجّرين والمهاجرين. وفي ظل حكومة المالكي، شهدت مناطق أهل السنة منع وصول الحصص التموينية ـ وهي حصة شهرية لمواد غذائية أقرها قانون مجلس الأمن (النفط مقابل الغذاء) وتعتمد عليهم الأسرة العراقية حتى الآن ـ وغالبية رواتب موظفي الدولة وتجهيزات المدارس، وفي الوقت نفسه تصرح وسائل الإعلام الأرضية والفضائية أن إقليم كردستان العراق يشهد ازدهاراً وتقدماً، وأن المواطن العراقي فيه يعيش حالة من الرفاهية، بينما تشهد محافظات الجنوب تنامياً ملحوظاً وازدهاراً متوقعاً، وإن المواطن ينعم بالأمن والاستقرار! ولو تابعنا الأخبار الاقتصادية للعراق يومياً فسنشهد المشاريع تلو المشاريع في مدن الجنوب، بينما لا ذكر لمدن أهل السنة في الأخبار الاقتصادية قط.
ج ـ محور الخدمات الصحية:
لم نكن لنتمكن من الاطلاع على واقع الخدمات الصحية في محافظات العراق الشمالية والجنوبية لولا ما تعرضه القنوات الأرضية والفضائيات العراقية؛ وخاصة العراقية، والحرية، والديار، والفرات، وبلادي، والفيحاء، وآشور، وعشتار، من خلال التقارير والتحقيقات التي تتناول أداء المستشفيات والمؤسسات والمستوصفات والمراكز والمختبرات الصحية وكيف أنها في تقدم ملحوظ ومضطرد. أما واقع الخدمات الصحية في محافظات الوسط، وخاصة المنطقة السنية، فإننا على تماس معها تقريباً. لقد افتقرت المستشفيات والمستوصفات في مناطق أهل السنة إلى التجهيزات العلاجية والدوائية بعد أن أصبحت وزارة الصحة حكراً لتيار محدد من القوى المشاركة في الحكومة (التيار الصدري) ، حتى وصل الأمر إلى تهديد وكيل وزير الصحة (وهو من أهل السنة) لترك منصبه، وقد ترك منصبه وغادر العراق فعلاً، كما جرى اختطاف مدير عام صحة ديالى (وهو من أهل السنة) داخل أروقة وزارة الصحة. كما أصبحت مستشفيات بغداد الرئيسية محظورة على أبناء أهل السنة إلا من دخول ثلاجات الطب العدلي؛ لاستلام جثث أبنائهم الذين تغتالهم أجهزة الحكومة والميليشيات المسلحة! كما تعطلت حملات تلقيح الأطفال ومكافحة الأوبئة والأمراض، وخاصة في ظل حادثة انتشار وباء إنفلونزا الطيور أواخر العام الماضي، ناهيك عمّا سببته الحملات العسكرية المتلاحقة على مناطق أهل السنة من كوارث صحية، نتيجة القتل المفرط وترك الجثث لتتفسخ على أرض المعركة، ولعل ما جرى في (سامراء، وتلعفر، وبيجي، والرمادي، وبعقوبة) يشهد على ذلك. ولدينا شريط وثائقي عن الكارثة الصحية التي حلت في مدينة الفلوجة بعد المعركة الثانية التي خاضتها قوات الاحتلال والحرس الحكومي في المدينة في تشرين الثاني/نوفمبر من عام ٢٠٠٤م. لقد تناول الإعلام العربي والعالمي ما جرى في الفلوجة بشكل مستفيض؛ إذ أدى انتشار الجثث المتفسخة وانعدام الخدمات الصحية لأسابيع، بعد انتهاء العمليات العسكرية، إلى واقع صحي قاسٍ لأبناء المدينة، مع ضرورة التأكيد أن قوات الاحتلال قد استخدمت أسلحة محظورة كالفسفور الأبيض في معاركها في مناطق أهل السنة؛ مما أسفر عن تفشي حالات مرضية داخل الوحدات المجتمعية في تلك المناطق، بينما تلجأ في عملياتها العسكرية ضد بعض رموز ميليشيا جيش المهدي في مدينة الثورة (الصدر) غالباً إلى عمليات الاغتيال عبر قصف الطائرات لسياراتهم أو بعض منازلهم، مع كامل الحيطة والحذر من المساس بالمدنيين في تلك المناطق.
د ـ محور الحالات الإنسانية:
تمخضت العمليات العسكرية لقوات الاحتلال في مدن أهل السنة وعمليات الاغتيال والتصفية الجسدية، التي قامت بها قوات الحكومة والميليشيات الطائفية المسلحة، عن واقع إنساني مأساوي؛ تمثل في فقدان كثير من العوائل لمعيليها، وتشريد الكثير منها بسبب التهجير القسري، مما أحدث تغيرات كبيرة في الواقع السكاني لمدن أهل السنة التي استقبلت العوائل المهجرة، وترتب على ذلك حالات إنسانية غاية في السوء؛ بسبب نقص المواد الغذائية والصحية، والوحدات السكنية، وحالة الشلل التام في الحركة الاقتصادية والعمالة والموارد المالية، خاصة في ظل الخطط الأمنية غير المجدية التي نفذتها وتنفذها هذه القوات والميليشيات، حتى لم تعد المساعدات والتبرعات التي قدمتها، وتقدمها الجمعيات الخيرية والإنسانية وجمعيات الإغاثة، كافيةً أمام حجم المأساة التي تشهدها مناطق أهل السنة.
هـ ـ معاناة أئمة المساجد وخطبائها وروادها:
يجب الإشارة إلى أن معاناة الأئمة والخطباء من أهل السنة في ظل واقع استثنائي للغاية في العراق قد بلغت ذروتها؛ بسبب ما تمخضت عنه تجربة الاحتلال وما تبعها من إفرازات. تمثل معاناة أئمة مساجد أهل السنة وجوامعها، ومعاناة خطبائها، محوراً يتداخل في الجوانب الأمنية والخدمية؛ إذ عانى الأئمة والخطباء في مدينة بغداد ومحافظات الجنوب من التصفية الجسدية والاغتيال غدراً، أثناء الهجمات المسلحة لقوات الاحتلال وقوات الحكومة والميليشيات الطائفية المسلحة على مساجد أهل السنة وجوامعها، رغم عظم الدور الذي اضطلعوا به ـ وما زالوا ـ تجاه المجتمع من ناحية الفتوى والعمل الشرعي، وكذلك من ناحية النصح والتوجيه والإرشاد فيما يخص تقديم الخدمات للمواطنين من: توفير المحروقات، ومواد الإغاثة، والمساعدات، ناهيك عن دور الأئمة والخطباء في مناطق أهل السنة التي استقبلت العوائل المهجرة من مناطق أخرى في إحصاء هذه العوائل وإسكانها وإغاثتها.
بل قد اعتادت وسائل الاعلام الحكومية، بتأييد من وسائل إعلام دول الاحتلال وبعض دول الجوار، اتهام أئمة المساجد والمصلين فيها باتخاذها منطلقات لعمليات إرهابية ضد مدنيين، أو إظهار بعض أئمة المساجد، من الذين تشهد لهم مدن العراق بصلاحهم وورعهم وتقواهم، وهم يقرون بكل ما من شأنه النيل من عقيدة أهل السنة ودينهم، أو بالإقرارعنوة بسفاهات أخلاقية يندى لها الجبين، بل إن حكومات الاحتلال الطائفية تتباهى باقتحام المساجد وإهانة أهلها، وشتم رموز أهل السنة الدينية وأصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته أمهات المؤمنين. وكثيراً ما تم تعليق صور مراجع الشيعة داخل مساجد أهل السنة من قبل قوات الأمن الحكومية؛ بل تم بناء حسينيات تابعة لتيارات طائفية متشددة مدعومة بميليشياتها جنباً إلى جنب لمساجد أهل السنة في المناطق مختلطة السكان من المذهبين؛ للتضييق عليهم، ومنعهم وصدهم عن سبيل الله.
وبعد حرق المساجد بعد أحداث سامراء وما تبعها خلت أغلب مساجد بغداد من أهلها، وهُجّر الكثير منها تماماً، وقلمّا يجد رواد صلاة الجمعة في مدينة بغداد خطيب المسجد الراتب ليخطب بهم؛ بل اعتادوا أن يعتلي المنبر من فيه جرأة من المصلين، بعد أن قُتل إمام المسجد وخطيبه، وربما قتل عدة أئمة وخطباء في المسجد الواحد تباعاً، ولازال العشرات من أئمة المساجد في سجون الاحتلال، وأضعاف عددهم في سجون الحكومة ومعتقلات الميليشيات.
بينما تم اقتناص المصلين في بعض مناطق بغداد الواحد تلو الآخر ليلاً عند صلاة الفجر أو العشاء، أو نهاراً علناً وعلى مرآى ومسمع من الناس، أو تم اختطافهم والتمثيل بهم أبشع تمثيل وأشنعه، أو اعتقالهم رسمياً ومن ثم تسليمهم لمعتقلات الميليشيات للعبث بهم قبل تصفيتهم، أو توجيه التهم الملفقة لهم ومحاكمتهم وسجنهم بتهم مخلة بالشرف والدين، وتشويه سمعتهم عبر وسائل الإعلام والملصقات في الشوارع والأماكن العامة.
إضافة إلى صعوبة تسلم بعض أئمة المساجد وخطبائها مرتباتهم من وزارة الأوقاف ومديرياتها؛ بسبب السيطرة التامة للميليشيات عليها، وخطورة الدخول والخروج منها وإليها بالنسبة لأهل السنة؛ مما قطع علاقة الكثير من أئمة المساجد بعملهم لاستحالة التواصل بينهم وبين وزارتهم؛ كل تلك الأسباب أدت إلى تدهور كبير في واحدة من أهم الخدمات في دولة (٩٨%) من سكانها مسلمون.
إن هذه الحرب الطائفية الخبيثة التي يتعرض لها أهل السنة من قبل قوات الاحتلال والحكومات الشيعية المتعاقبة وميليشياتها أدت إلى تدهور أحوال أهل السنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخلفت آثاراً سلبية صحية ونفسية لا حدود لها، وليس هناك أي إحصاءات رسمية أو غير رسمية لضحايا التعذيب والمعوقين أو المصابين بعاهات من جرائه، ويمكن تصور الكارثة الاجتماعية للأعداد المهولة من الأرامل والأيتام، فضلاً عن أحوال المهجرين، والفقر المدقع الذي تعج به مدن أهل السنة، بعد أن ازدحمت عليهم بالمهجرين القادمين من كل أنحاء العراق، خاصة مع انعدام الخدمات أو نقصها بشدة في مناطقهم، ومنع وصول الحصة التموينية الغذائية إليهم، وانقطاعهم عن التحاكم إلى القضاء العراقي، أو اللجوء إلى مراكز الشرطة؛ بل انقطاعهم عن كل دوائر الدولة بما في ذلك المستشفيات، أو الحصول على جثث أبنائهم المغدورين من مستشفى الطب العدلي؛ خشية الوقوع بين يدي عصابات الموت الطائفية التي تتمثل بقوات الجيش والشرطة والأمن ...
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 5849
الصومال لا بواكي له !
عمرو توفيق
يتعرَّض الشعب الصومالي المسلم لحرب إقليمية ودولية شعواء تهدف للقضاء على بذور اليقظة الإسلامية التي أعادت الأمن والاستقرار، وعلى الرغم من ذلك لا نكاد نسمع للدول الإسلامية والعربية همساً ولا ركزاً، وكأن مَنْ في الصومال ليسوا مسلمين عن بكرة أبيهم، أو كأن الصومال لا يمثل امتداداً
استراتيجياً وثغراً متقدماً من ثغور هذه الأمة.
فوسط غفلة أو تغافل العالم العربي والإسلامي، اجتاحت القوات الصليبية الإثيوبية ـ بتحريض ودعم أمريكي وبمساندة مجرمي الحرب الصوماليين ـ الأراضيَ الصومالية، واحتلّت المدن الإستراتيجية الواحدة تلو الأخرى؛ بهدف القضاء على قوات المحاكم الإسلامية التي بدأت في إعادة الأمن والاستقرار إلى الصومال الجريح، ومن ثَم إعادة الفوضى وتنصيب حكومة عميلة لتحقيق المصالح والأهداف الأمريكية.
- أرض الصومال.. تحترق:
عندما سقط نظام (سياد بري) عام ١٩٩١م، وانتظر فرقاء الانقلاب أن يُتّوج كل منهم زعيماً.. اندلعت شرارة الحرب الأهلية، وظهر أمراء الحرب وتجّار السلاح الذين تحولوا إلى مجرمي حرب، وفي ظل نيران العصبية والقبلية والدعوات الجاهلية ـ التي أهلكت الحرث والنسل ـ وفي ظل رغبة خارجية في فوضى مسلمي الصومال وتناحرهم، وفي ظل رغبة إثيوبية في صومال ضعيف لا يطالب بحقه، ظل الجرح الصومالي ينزف دونما التئام، ودونما بواكي ترثي صومالاً إسلامياً عربياً. لكن رحمة الله تداركت هذا الشعب المسلم، فقيَّض لهم من عباده المخلصين ممن يحملون همَّ أمتهم ومجتمعهم دونما مصالح وأهواء، لينتشلوا هذا البلد الجريح من الفوضى والخراب والدمار والدعوات القبلية المنتنة، ومن مستنقع الجهل والفقر والمرض، ليخرجوه إلى نور شرائع الإسلام.. هؤلاء هم الثّلة الوضيئة المتوضئة رجالاتُ اتحاد المحاكم الإسلامية.
- المحاكم الإسلامية.. على طريق الأوائل:
لقد نشأ اتحاد المحاكم الإسلامية من رحم المعاناة الصومالية، وهو ما يعبِّر عنه رئيس الاتحاد (الشيخ شريف أحمد) بقوله: «لقد برزت فكرة تأسيس المحاكم الشرعية عندما كثرت الاغتيالات، وعمليات الاختطاف، وأعمال النهب والسلب بصورة واسعة النطاق في العاصمة على أيدي العصابات المجرمة، حيث اجتمع أهل كل حي لدراسة الموقف واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال مواجهة عصابات المافيا، ووضع حدّ لممارساتهم التي تزعزع أمن المواطنين وترعبهم. وعلى هذا الأساس أُنشئت المحاكم الشرعية في معظم أحياء العاصمة الصومالية مقديشو؛ استجابة لرغبة الشعب في استتاب الأمن والاستقرار» .
وتتلخص فكرة تأسيس «المحاكم الإسلامية» في أن تتولى كل قبيلة مهام إرساء الأمن في منطقتها، عبر إنشاء محكمة على رأسها أحد العلماء، تساعده مجموعة من القوات العسكرية غير النظامية. وتضم المحاكم تشكيلة متنوعة من علماء الدين وقادة إسلاميين، ورجال الأعمال الذين يموّلون نشاطها، والسكان الرافضين للخضوع للمليشيات والعصابات.
ويرى المحللون أن شعبية المحاكم الإسلامية كانت لقدرتها على تجاوز العداوات العشائرية التي وقعت الصومال في خضمِّها منذ الإطاحة بنظام سياد بري، وذلك من خلال توحيد القبائل والعشائر تحت راية الإسلام القادر وحده على انتشال الصومال من مستنقع الاحتراب والاقتتال الداخلي.
وشهد عام ٢٠٠٠م نهاية للمحاكم إثر موافقتها على اتفاق السلام بين الفصائل المتناحرة بمدينة «عرته» الجيبوتية، وأسفر عن تشكيل حكومة صومالية، ومن ثم انتفت الأسباب التي دفعت لقيام المحاكم وهي انتشار الفوضى وانعدام الأمن.
لكن الأمور عادت من جديد إلى الفوضى والاقتتال الداخلي في ظل حكومة ضعيفة يقودها أمراء حرب يعملون لمصالحهم بعيداً عن هموم الشعب. إثر ذلك أُسِّسَ «المجلس الأعلى لاتحاد المحاكم الإسلامية» في مقديشو، برئاسة (الشيخ شريف شيخ أحمد) ، فطاردت العصابات الإجرامية في العاصمة، وقامت بتطبيق أحكام الشرعية وتنفيذ الحدود، مما أدّى إلى عودة الأمن والاستقرار إلى مقديشو.
في هذه الأثناء شكّل أمراء الحرب ـ بدعم إثيوبي أمريكي ـ ما يُسمّى بـ «تحالف إعادة السلام ومكافحة الإرهاب» بهدف التصدّي لقوات المحاكم الإسلامية، حيث تقاطعت مصالحهم في القضاء على بذور اليقظة الإسلامية. إلا أن قوات المحاكم بتوفيق من الله ثم بدعم الشعب الصومالي؛ استطاعت دحر أمراء الحرب عن مقديشو، ثم واصلت تطهير المدن من فلول مجرمي الحرب، حتى توقفت عند مدينة «بيدوا» مقر الحكومة المؤقتة ورفضت اقتحامها، لتفتح ذراعيها أمام المصالحة، ووافقت على التفاوض مع الحكومة الضعيفة بشأن مستقبل البلاد.
وبالفعل دخل الطرفان مفاوضات في الخرطوم بوساطة جامعة الدول العربية، واتفقا في ٤/٩/٢٠٠٦م على وقف إطلاق النار، وتشكيل قوات مشتركة، بالإضافة إلى تجنُّب الاستعانة بقوات أجنبية في إشارة إلى إثيوبية، لكن يبدو أن الحكومة الموالية لإثيوبية كانت تدخل المفاوضات بهدف إضاعة الوقت حتى يتسنّى لإثيوبية الاستعداد الجيد للغزو.
- إثيوبية.. الصليب والأوجادين والسواحل:
لم يكن الغزو الإثيوبي مفاجئاً لمتابعي الشأن الصومالي، فهو ثمرة لميراث من الحقد الصليبي والصراع الحدودي والطمع في السواحل الصومالية.
بدأ الصراع العقدي مبكراً بين البلدين، حيث كانت التربة الصومالية أكثر تأّثراً بنور الإسلام، خاصة في منطقة الأوجادين، التي أقام بها بنو مخزوم إمارة «شوا» الإسلامية في القرن الثالث الهجري، واستمرت حتى القرن السابع الهجري، وبعد سقوطها قامت نحو سبع إمارات إسلامية شنّت الحبشة عليها حروباً واسعة، وكان النصر للمسلمين خاصة في عهد الإمام (أحمد بن إباهيم) ، لكن كما هي العادة دائماً، فقد استنجدت الحبشة بنصارى الغرب، مما دفع بالقوات البرتغالية لدخول المعركة وهزيمة المسلمين عام ٩٥٠ هـ، إلا أن الخلافة العثمانية تدخلت وقلبت موازين المعركة لصالح المسلمين. وبنفس السيناريو تدخلت مصر لنجدة المسلمين وحققت انتصارات كبيرة عام ١٢٩٢هـ، إلا أن النجدة الصليبية جاءت هذه المرة على يد بريطانيا.
ذكر أحد كبار موظفي مكتب الشؤون الإفريقية في الخارجية الأمريكية أهمية إثيوبية بالنسبة لواشنطن، لأسبابٍ كثيرة وعلى رأسها «ميراثها النصراني الذي يمكن أن يكون عائقاً أمام مدّ الحركات الإسلامية» (١) ، كما ذكر تقرير فرنسي أن الغرب ينظر إلى إثيوبية وإريترية باعتبارهما حصناً منيعاً أمام الزحف الإسلامي في القرن الإفريقي (٢) .
- تحقيق الأهداف الأمريكية:
إضافة إلى كل ما سبق وعطفاً على البُعْد العقدي في الصراع، فإن إثيوبية تعتبر الرجل المخلص للغرب ولأمريكا بشكل خاص في المنطقة، فهي لا تستطيع البقاء في المنطقة دون مساعدة غربية قديماً وحديثاً، وباعتبارها تمثِّل الصليب في هذه المنطقة فهي دائماً تحتمي برعاة الصليب، بداية بالبرتغال ثم بريطانيا، ولما تقدمت أمريكا مؤخراً لتحمل راية الصليب أسرعت إثيوبية لتقديم الولاء والخضوع، لذا احتلت الصومال لتحقيق أهداف ومطامع خاصة، بالإضافة إلى مصالح وأهداف غربية أمريكية.
- مصائب المسلمين.. أمريكا دائماً:
لا يمكن استيعاب المصلحة الأمريكية في القضاء على المحاكم الإسلامية إلا باستيعاب الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الدول الإسلامية. لقد أدركت الدراسات الاستراتيجية الأمريكية أن الحلم الإمبراطوري لا تزال أمامه عقبة منيعة، تحمل في طيّاتها منافساً حقيقياً ليس قادراً فقط على عرقلة الحلم الإمبراطوري، بل استيعابه وصهره، ولن يكون بوسع أمريكا أو غيرها الوقوف في وجهه، ولم يكن هذا المنافس سوى الإسلام.
لذلك اتجهت أمريكا بكامل طاقتها نحو الإسلام هدماً وتخريباً وتفريغاً من أصالته وخصائصه القادرة على منافسة الحلم الأمريكي. وكما أدركت واشنطن أن خطر الإسلام يكمن في ذاته وسِمَاته، فإنه يكمن ـ أيضاً ـ في من يجعلونه منهجاً ونظاماً للحياة ويحملونه إلى كافة أرجاء العالم، أي: في أبناء الصحوة الإسلامية، لذلك انطلقت حملات التحريض والتشويه على المستوى الفكري والسياسي، فيما كانت القوة العسكرية المباشرة وغير المباشرة تعمل لوَأْد أي بصيص من النور تحمله طلائع الإيمان في أي بقعة من العالم.
وفي تفاصيل هذه المصالح الأمريكية، يمكن رصد الرغبة في السيطرة على القرن الإفريقي بما يمثله من موقع استراتيجي حيوي جنوب العالم الإسلامي، وهنا تبرز أهمية الصومال بما يملكه من سواحل بالغة الأهمية الاستراتيجية، حيث تطل على بوابة البحر الأحمر والمحيط الهندي، حيث التحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط، كما أنها تُعدّ ممراً مهماً لأيِّ تحرّكات عسكرية قادمة باتجاه منطقة الخليج العربي الغنية ببذور الصحوة الإسلامية كغناها بالنفط.
كما تتمثل المصالح الأمريكية في شدِّ أطراف العالم الإسلامي ومحاصرته داخل نطاقه وعدم تمدّده، بالإضافة إلى احتلال الأطراف الاستراتيجية للعالم الإسلامي استعداداً لأيِّ مواجهة مستقبلية. بالإضافة إلى المزيد من التهديد للسودان، والتحكم في مياه النيل بما يزيد من الضغوط على مصر، ويهدد شريان حياتها إذا وصلت أي قوة إسلامية للحكم هناك.
في الصومال جاء الخوف الأمريكي على المستوى الأول بسبب اليقظة الإسلامية هناك، حيث «لحق تغيير كبير بأخلاقيات المجتمع الصومالي؛ فلقد كان يميل إلى العلمانية بعض الشيء، أما اليوم فأصبحت الملابس التقليدية الإسلامية تحل محل الملابس والعادات الغربية، والسبب أن الصوماليين التفتوا نحو الخليج، وأصبح النفوذ والتأثير لجماعات المتدينين» (٣) (*) .
- ملخص القضية الصومالية:
يرى الدكتور (هاني رسلان) رئيس تحرير ملف الأهرام الاستراتيجي والمتخصص في الشأن الإفريقي:
أن ما يحدث في الصومال هو جزء من حالة الغياب والضعف والوهن العربي كما هو ظاهر في العراق وفلسطين، فهو جزء من حالة الضعف العام، حيث لا رؤية استراتيجية موحدة، ولا نظاماً إقليمياً قادراً على تحديد مصالحه بدقّة والوقوف خلفها.
لذلك يطالب الدول العربية والإسلامية بعدم ترك الصومال للهيمنة والاحتلال الإثيوبي، وذلك بدعم استراتيجية تسعى لتوحيد أراضي الصومال لمصلحة الصوماليين، وليس بغرض فرض اتجاه أيديولوجي أو سياسي معين. ويرى أنه كان من الممكن القيام بهذا الدور عن طريق دعم المحاكم الإسلامية التي كانت تستثمر الرؤية الإسلامية لتوحيد القبائل؛ لأن الإسلام هو الوحيد القادر على اجتذاب ولاء أعلى من الولاء القبلي أو المناطقي. فكانت فرصة ضائعة على العالم العربي والإسلامي لإعادة توحيد الصومال وإقامة مؤسسات الحكم والدولة فيه مرة أخرى.
وحول الدور الإثيوبي الأمريكي في الصومال، يقول الدكتور (رسلان) :
إن إثيوبية لا ترغب في قيام دولة موحدة مرة أخرى في الصومال؛ لأن هذا يمثِّل خطراً عليها من ناحية التماسك الداخلي، فهي تتكون من عدة قوميات وتسيطر أقلية على الحكم مما يثير القوميات الأخرى. من الناحية الأخرى، فهي تسيطر على إقليم الأوجادين الصومالي والذي لم يعترف الصوماليون بتبعيته لإثيوبية منذ استقلال الصومال عام ١٩٦٠م حتى الآن، ومن ثم فإن قيام دولة موحدة تحت قيادة المحاكم سوف يؤدي إلى إثارة هذه المطالب مرة أخرى، سواء في الأوجادين أو في الأراضي الصومالية التي تحتلها كينيا في الوقت الحالي، بالإضافة إلى أن قيام دولة موحدة صومالية تحت اتجاهات إسلامية، سوف يؤدي إلى إثارة الأقلية المسلمة كبيرة العدد في إثيوبية والتي ترى أنها مهضومة في حقوقها السياسة والاقتصادية في الوقت الحالي، فضلاً عن طمعها في السيطرة على سواحل البحر الأحمر.
ولقد حاولت أمريكا من قبل أن تقضي على المحاكم عبر دعمها لتحالف أمراء الحرب، لكنهم فشلوا في مواجهة المحاكم التي حظيت بشرعية كبيرة واستطاعت فرض السيطرة على مساحة كبيرة من الصومال، لذلك لجأت إلى إعطاء الضوء الأخضر لإثيوبيا للقيام بهذه المهمة، خاصة أن هناك توافقاً في المصالح، حيث لإثيوبية مصالحها الاستراتيجية الخاصة في هذا الإطار. ومن ثم أخذت الحالة الصومالية تراوح في مكانها طوال الأشهر الماضية، حتى أتمت إثيوبية استعداداتها العسكرية، وقامت بهذا الهجوم واسع النطاق.
لكن ما حدث يمثل مصلحة سلبية لأمريكا وليست إيجابية، فما حدث قد منع خطر قيام نظام إسلامي في الصومال، لكنه سيأتي بالحكومة المؤقتة، وهي ليست الحليف القوي الذي يمكن لواشنطن الاعتماد عليه في تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.
وحول مستقبل القضية الصومالية، يرى الدكتور (رسلان) أن الاحتلال الإثيوبي لن ينهي الأزمة، حيث ستتحول المحاكم الإسلامية لحرب العصابات، ومن ثم سيصعب على الإثيوبيين فرض الاستقرار عبر الحكومة المؤقتة التي سوف تحتاج إلى دعم ثابت ومستمر.
بالإضافة إلى أن الأطراف صاحبة المصلحة في مناوأة الإثيوبيين لن تكفَّ عن إزعاجهم في الفترة المقبلة عبر دعم حرب العصابات في المنطقة، فضلاً عن مشاكل إثيوبية الداخلية والاقتصادية، فإن لم يكن لديها دعم قوي فلن تستطيع الصمود والسيطرة على الأوضاع.
من جهته يقول الأستاذ (طلعت رميح) رئيس تحرير مجلة (استراتيجيات) والخبير في الشؤون الإفريقية:
إن هناك عدة نقاط رئيسة عند الحديث عما يجري في الصومال الآن:
أولاً: إن الفكرة الجوهرية فيما يحدث الآن في الصومال ليس العمل العسكري في حدِّ ذاته، إنما الوضع الإسلامي والعربي الذي سمح لإثيوبية بممارسة الفعل العسكري دون مواجهة حقيقية حتى على المستوى السياسي. وهذا الغياب الإسلامي العربي يمكن فهمه من خلال الحالة العراقية والأفغانية، فهذا يشير إلى أن الموقف على المستوى الرسمي يتعاطى مع مصالح الدولة القطرية الجزئية، التي لا تضع بالأساس مصالح الأمن، وإنما تبحث في أفضل الحالات عن مصالح الدولة نفسها، وفي الأغلب الأعم عن مصالح نظم الحكم في استمرار السيطرة على مقدرات شعوبها. ولقد كانت المصلحة الإسلامية والعربية تقضي استقرار الصومال، فكان من مصلحتها الاستراتيجية والسياسية استقرار المنطقة بوجود دولة مركزية قوية بقيادة إسلامية، لكن الإشكالية من يسمع ومن يعمل من أجل ذلك.
ثانياً: كان بادياً أن القرار الأمريكي والإثيوبي ومن أطراف أخرى هو جرُّ السلطة الإسلامية الجديدة في الصومال إلى معركة مبكرة قبل أن تتمكن من تثبيت أوضاعها الداخلية.
ثالثاً: كان السبب في التفكير بالمواجهة العسكرية السريعة هو ظهور الوجود الإسلامي على المستوى السياسي وتحوّله إلى حالة سلطة لقيت استجابة كبيرة جداً من الشعب الصومالي، حيث تمكنت المحاكم الإسلامية من إعادة بناء مؤسسات دولة جنينية تحقق حالة من الوحدة المركزية، وكان لذلك تداعيات وما زالت على الإقليم المحيط، وذلك بسبب وجود نشاط إسلامي فاعل في كثير من الدول المحيطة بالصومال، لذلك كان التفكير بالمواجهة.
رابعاً: أعتقد أن الاندفاع الإثيوبي وإن كان وفق نظرية الحرب الاستباقية الأمريكية وبنفس الأسلوب الصهيوني في التعامل مع الحركات الإسلامية وكل التطورات في الوضع العربي، لكن يظل الفارق هنا الذي لم تفهمه إثيوبية جيداً أنها تواجه حركة إسلامية قادرة على أن تحدث حالة من تطوير الوعي والقدرة داخل الصومال، ومن شنِّ مواجهة جهادية واسعة المساحة الزمنية. وفي تقديري عندما تحدثت قيادة المحاكم عن تغيير الاستراتيجية كانت صادقة، ولنا أن نتذكر الدخول الأمريكي في أفغانستان والحالة الراهنة، حيث قامت حركة طالبان بانسحاب استراتيجي واسع لمصلحة التحول لحرب جهادية ضد الوجود العسكري. وهذا هو المأزق الذي ستعيشه إثيوبية في الفترة القادمة؛ لأنها إذا كانت بنَتْ خطتها على الهجوم السريع المباغت، فقد وقعت في محظور آخر، وهو أن طرفها الإسلامي لديه إمكانية التحول السريع إلى الحرب الجهادية.
خامساً: لا يوجد فصل دقيق بين اعتبار ما يحدث في الصومال حرباً أمريكية وبين اعتباره حرباً إثيوبية أو بين اعتباره حرباً ذات مصالح مشتركة؛ وذلك لأن السلطة في إثيوبية هي ليست سلطة متحالفة مع الولايات المتحدة، بل إن وجودها مرتبط بوجود أمريكا، فواشنطن تتبنّى منذ فترة في هذه المنطقة دعم ما يسمى «القادة الجدد» الذين ساهمت في وصولهم إلى السلطة ومنهم رئيس الوزراء الإثيوبي (ميلس زيناوي) .
- في الزمن الأمريكي.. الصومال لا بواكيَ له!
ورغم كل هذا، فإن تطور الأحداث في الصومال يشي باقتراب نهاية المشروع الأمريكي، فمن جهةٍ يتصاعد المدّ الإسلامي في بقاع العالم شتى، ومن ثم تتعقّد المهمة الأمريكية وتصبح مستحيلة.
كما أن استخدام واشنطن لإثيوبية في هذه الحرب يشير إلى مدى الإرهاق والخسائر الأمريكية جرّاء التدخل المباشر في أفغانستان والعراق، وأنها غير قادرة على خوض أكثر من حرب في وقت واحد بشكل مباشر، فضلاً عن المواجهة السياسية والإعلامية والفكرية، خاصة في ظل تصاعد قوى تناهض واشنطن في كافة أنحاء العالم وبشكل خاص في حديقتها الخلفية، حيث يتسارع صعود اليسار في أمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى محاولة روسيا العودة إلى مكانها على الخريطة الدولية، أضفْ إلى ذلك المارد الصيني القادم بقوة.
لذلك فإن الذي يثير الحزن في النفس ليس التكالب الصليبي على ديار الإسلام، فهذا مما يمكن تفهمه، لكن المحزن حقاً ألا نجد من المسلمين من ينهض لنصرة أخيه المظلوم.
ففي الوقت الذي تكالبت الأكلة على قصعتها من إثيوبية إلى أمريكا.. كلٌّ يريد مصالحه وأطماعه، لا نجد حراكاً للدول العربية والإسلامية، حتى من باب المصالح المهددة وليس من باب الواجب الشرعي!
وإذا كان الزمن الأمريكي يمنع هذه النصرة، فهل نعدم ـ أيضاً ـ من يبكي الصومال؟!
стр. 5850
انهيار الولايات المتحدة الأمريكية (قراءة للوضع الاقتصادي)
علي حسين باكير
ظهرت مؤخراً العديد من الكتابات والدراسات التي تتحدّث عن انهيار الولايات المتّحدة بشكل عام؛ ولكنّ من تحدّثت منها في صلب الموضوع كان قليلاً جداً، ومن عالج المسألة بشكل مباشر كان أقل. فكثير هم من يخلطون بين أمانيهم بضرورة انهيار الولايات المتّحدة والواقع، ويبثّون آراءهم هذه في كل محنة أو مشكلة تقع فيها أمريكا. وأكثر منهم الآخرون الذين يمجدون أمريكا ويُنزّهونها عن كل نقيصة أو ضعف؛ بل وينسبون لها قوة ليست فيها، وينزلونها منزلة أكبر من مكانتها، فلا يرون إمكانية لانهيارها لا حالياً ولا لاحقاً.
من وجهة نظرنا، فإنّ أي دراسة لقوّة أي أمّة أو دولة إنّما يجب أن يتم من وجهة نظرنا من خلال رصد المثلث: الاقتصادي، العسكري، والاجتماعي لها. هذا المثلث يعطينا فكرة واضحة عن موقع الدولة في ميزان القوّة والضعف، وعن كونها فتيّة وقادرة على زيادة قوّتها أم هرمة وضعيفة، وفي مرحلة الانهيار أم في مرحلة الوسط بين المرحلتين. مع العلم أن مرحلة الوسط هذه تكون في المقياس الذروة التي تصل إليها الدولة في قوّتها؛ وهي نقطة القمّة، وبعدها تأخذ قوّة الدولة في الانحدار نزولاً.
ولأنه من الصعب رصد العناصر الثلاثة التي تحدّثنا عنها أعلاه في مقال واحد، فإننا سنناقش الوضع الاقتصادي المالي ومسألة الديون في هذا المقال. وسنحاول قدر المستطاع اختصار الفكرة وعرضها بطريقة مقتضبة في هذا التحليل.
- الدَّين العام الفيدرالي والكلي:
تشير بعض التقارير والمصادر إلى أن الدين الأمريكي الكليّ الإجمالي يقترب من ٦٥ تريليون دولار أمريكي. أما بالنسبة إلى الدين العام الفيدرالي، فقد ارتفع خلال الثمانينيات بشكل كبير؛ وذلك بسبب العجز المتواصل في الموازنات السنوية الفيدرالية، وقد تباطأ هذا الارتفاع في العجز بشكل دراماتيكي في التسعينيات لدرجة أنّ معدل ارتفاع الدين قد بدأ بالانخفاض فعلاً نهاية ذلك العقد بعد الإنجاز التاريخي للرئيس الأمريكي (بل كلينتون) والذي لم يحققه أي رئيس للولايات المتّحدة الأمريكية؛ والمتمثّل بتوفير فائض مالي في الموازنة الأمريكية بلغ ٢٣٦ مليار دولار في العام ٢٠٠٠م، والذي كان عجزاً عند استلامه للحكم في عام ١٩٩٢م بواقع ٢٩٠ مليار دولار.
ثمّ ما لبث أن ارتفع الدين العام الفيدرالي بشكل كبير جداً منذ العام ٢٠٠١م؛ وذلك بسبب العجز الكبير في الموازنات السنوية الفيدرالية الجديدة. فقد حوّل بوش الابن الفائض المالي في الموازنة الفيدرالية إلى عجز هائل وقياسي أيضاً بلغ ٤١٢ مليار دولار العام ٢٠٠٤م. فيما توقع مساعد مدير مكتب الموازنة في البيت الأبيض (جويل كابلان) أن تسجل ميزانية البلاد عجزاً للعام ٢٠٠٦م يتجاوز ٤٠٠ مليار دولار، ويشكل هذا العجز نسبة ٣٠١% من الناتج القومي للولايات المتحدة.
وقد بلغ دين أمريكا الفيدرالي في السنة المالية ٢٠٠٥م (تبدأ السنة المالية في الولايات المتّحدة من ١/تشرين أوّل إلى ٣٠/أيلول) وفقاً لأرقام وزارة الخزانة أو المالية الأمريكية Dep. Of Treasury ٧.٩ تريليون دولار.
وقد ازداد الدين العام الفيدرالي منذ ١١ أيلول ٢٠٠١م وحتى أيلول ٢٠٠٥م حوالي ٢.٣ تريليون دولار، وهو ما يساوي حوالي ٢٩% من حجم الدين العام الفيدرالي الأمريكي منذ نشوئها حتى عام ٢٠٠٥م؛ والبالغ ٧.٩ تريليون دولار.
وفيما يتعلّق بالسنة المالية الحالية ٢٠٠٦م؛ فقد بلغ الدين العام الفيدرالي استناداً إلى U.S. National Debt Clock في ٣٠/١/٢٠٠٦م ما قيمته ٨ تريليون و ١٩٨ مليار دولار أمريكي، وهو بذلك يزيد منذ ٣٠ أيلول ٢٠٠٥م بمعدّل ٢.١٨ مليار دولار يومياً، والذي إذا قسّمناه على عدد سكّان الولايات المتّحدة البالغ ٢٩٨.٣٦٧.١٨٦ مليون نسمة، فإنّ حصّة كل واحد منهم من الدين تبلغ تقريباً ٢٧.٤٧٥ ألف دولار أمريكي.
أما إذا قارنّا هذا الدين العام بالنسبة للناتج المحلّي الإجمالي الأمريكي؛ فإننا سنلاحظ أنّه كان يساوي للعام ٢٠٠٤م نسبة ٦٢.٥% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً لتقرير (مايكل هودجيز) الاقتصادي فإنّ الفائدة على الدين العام الفيدرالي للعام المالي ٢٠٠٣م قد بلغت ٤١ مليون دولار في الساعة، وبذلك تكون الفائدة على الدين الفيدرالي قد ارتفعت من ٢١٤ مليار دولار في السنة في عام ١٩٨٨م إلى ٣١٨ مليار دولار في العام ٢٠٠٣م.
وإذا ما حسبنا مجموع الفوائد خلال الـ ١٤ سنة هذه فإنّها ستبلغ ٥ تريليون دولار، وهو ما يعني أنّها تساوي ٧١% من مجموع الدين العام الفيدرالي البالغ ٧ تريليون دولار في العام ٢٠٠٣م. مع العلم أن هذه الفوائد ضخمة لدرجة أنّها كافية لإدارة الحكومة الفيدرالية لمدّة أكثر من سنتين دون الحصول على أي دخل مالي، أو أنها تكفي لإدارة الحكومات في الولايات لأكثر من ٣ سنوات دون دخل، أو لتغطية الأمن الاجتماعي لمدة عشرة سنوات دون ضرائب، أو العناية الصحية لمدّة عشرين سنة.
أما من حيث تركيبة هذا الدين، فهو يقسم إلى قسمين:
أولاً: intragovernmental holdings- أي تلك التي تحتوي الصناديق الائتمانية الحكومية، مثل: خطط الراتب التقاعدي، والدين للأمن الاجتماعي، وغيرها. وتبلغ الآن حوالي ٣.٣ تريليون دولار.
ثانياً:debt held by public- أي الديون المملوكة من قبل العامة أو الجمهور وهي تبلغ حوالي ٤.٦ تريليون. ومصطلح العامة أو الجمهور هنا لا يعني فقط الأمريكيين أو المقيميين في أمريكا؛ بل الدول الخارجية أيضاً التي تمتلك ٤٤% من هذا الدين لعام ٢٠٠٤م. وتأتي في مقدّمتهم اليابان حالياً بمبلغ ١.٢ تريليون دولار لوحدها حتى آذار للعام ٢٠٠٥م، ومن ثمّ الصين بمبلغ ٢٢٣.٥ مليار دولار أمريكي.
- الميزان التجاري الأمريكي:
يعتبر الميزان التجاري عادة مؤشراً على قوة وقدرة البلاد الإنتاجية وعلى مدى وصولها إلى أسواق الآخرين، وهو ما يعطينا فكرة عن كون الدولة دائنة أم مدينة تجاه غيرها من الدول التي تصدّر إليها وتستورد منها، بشكل عام، سلعَ وخدمات.
وقد بدأ العجز في الميزان التجاري الأمريكي (سلع وخدمات) منذ العام ١٩٧١م. وقد بلغ وفقاً لـUS. Dep. Of Commerce في العام ٢٠٠٥م مبلغ ٧٢٣.٦١٦ مليار دولار أمريكي وهو رقم قياسي جديد في العجز التجاري الأمريكي، وأسوأ بحوالي أكثر من ٢٥% من العجز المحقق في العام ٢٠٠٤م.
فيما يتعلّق بالعجز التجاري في السلع، فقد بلغ ٧٨١.٦٤٢ مليار دولار في العام ٢٠٠٥م. على الرغم من انخفاض قيمة الدولار في عهد بوش الابن والتي من شأنها أن تزيد الطلب على البضائع والسلع الأمريكية؛ وبالتالي من الصادرات الأمريكية إلى الخارج.
وفي حين كانت أمريكا واقعة في عجز تجاري في البضائع يبلغ حوالي ٧١٠ مليار دولار من أيار ٢٠٠٤م إلى أيار ٢٠٠٥م؛ كانت كل من اليابان وألمانيا تحققان فائضاً في هذا المجال في نفس الفترة يبلغ: (١٢٥) و (١٩٩) مليار دولار على التوالي.
أما بالنسبة إلى الصين القوّة العالمية المستقبلية؛ فقد استطاعت في العام ٢٠٠١م وللمرّة الأولى تجاوز اليابان بتحقيقها الفجوة التجارية الأكبر مع الولايات المتّحدة الأمريكية. فقد ازدادت الفجوة ومعها العجز لصالح الصين بنسبة ٩٥% في السنوات الثلاث اللاحقة لتبلغ ١٦٢ مليار دولار أي حوالي ٢٦% من العجز التجاري الأمريكي للعام ٢٠٠٤م. وقد بلغت ٢٠١ مليار دولار في العام ٢٠٠٥م لصالح الصين.
بالنسبة إلى قيمة الدولار، قامت أمريكا؛ معالجةً الأزمة الاقتصادية، بتخفيض قيمة الدولار الذي فقد حوالي ٣٥% من قيمته أمام اليورو منذ بداية عام ٢٠٠٢م وحوالي ١٧% مقابل سلة عملات واسعة بما فيها اليوان الصيني على أمل أن يساعد ذلك على تحريك عملية التصدير؛ للتخفيف من الركود الاقتصادي الداخلي، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي، ولدفع المستثمرين إلى الاستثمار بالدولار الأمريكي، وللحد من الآثار السلبية لارتفاع أسعار النفط بشكل هائل.
إلا أن هذه السياسة في تخفيض العملة خطيرة جداً وحساسة ولا تنفع إلا في فترات قصيرة، وقد تؤدي إلى انفلات زمام التحكّم بالاقتصاد، وإلى انهيار قيمة العملة نهائياً، خاصّة في ظل وجود عملة بديلة تكمن في اليورو، وهو الأمر الذي لم يكن موجوداً إثر الأزمة الاقتصادية العالمية في الستينيات وأوائل السبعينيات، عندما هرع الجميع بمن فيهم الأوروبيون إلى دعم الدولار الأمريكي خوفاً من انهياره؛ وذلك لارتباط عملاتهم واحتياطيّاتهم به، ولكن في هذه المرّة إنْ حصل الانهيار الاقتصادي فلن تساعد الصُّدف الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت تفعل من قبل، خاصّة في ظل التقارير الدوليّة التي تفيد أن أكثر من نصف البنوك المركزيّة العالميّة قد حوّلت بالفعل احتياطيّاتها من الدولار إلى اليورو.
- استنتاجات واقعية مخيفة وخطيرة:
لتوضيح ما ورد في المقال على من استعصت عليه الأرقام والجمل، نورد النقاط التالية كخلاصة:
أولاً: الولايات المتّحدة تستورد أكثر وتنتج أقل في مصانعها الداخلية، وهي تبيع ثروتها غير القابلة للاستبدال، ومصانعها المنتجة، وأصولها المالية الأخرى لتدفع ثمن المستوردات وخدمة الدين وما يتعلق به.
ثانياً: أمريكا تخسر الملكية؛ وبالتالي السيطرة الاقتصادية، خاصّة فيما يتعلّق بعجز الميزان التجاري. إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن أمريكا خسرت في السنوات العشر الأخيرة حوالي ٣ تريليون دولار فقط في مسألة الميزان التجاري، و١.٣ تريليون من هذه الأموال عادت إلى الولايات المتّحدة عبر الدول التي تمتلكها؛ ولكن هذه المرّة لشراء مصانع الإنتاج في أمريكا نفسها، وقد بلغت ما يزيد عن ٨٦٠٠ من أفضل الشركات الأمريكية وأكبرها في هذه الفترة نفسها.
ثالثاً: لا نمو إيجابي وبالتالي لا تسديد للديون. فعلى الرغم من أنّ التقارير تذكر أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ينمو سنوياً بنسبة ٤% منذ ١٠ سنوات، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الوضع الاقتصادي الصحيح، لا سيما إذا عرفنا أن حوالي ٧٠% من هذه النسبة في النمو تذهب في شق النفقات الاستهلاكية، سواء عبر استيراد السلع الاستهلاكية أو إنتاج بعضها في الولايات المتّحدة عبر الشركات المملوكة من قبل الأجانب (٢٥ إلى ٨٠% منها تعود للأجانب!) ، وهو ما يعني بدوره أنّه كلما زاد الناتج المحلي الإجمالي وفق هذه الصيغة زاد العجز في الميزان التجاري، وبمعنى آخر فإنّه كلما نما الاقتصاد زاد الدين؛ لأنّ الناتج المحلي الإجمالي لا يتطرق إلى مسالة خسارة الأصول المالية التي تمتلكها أمريكا، أو عملية دفع الديون أو خدمتها، وغيرها من هذه الأمور.
وحتى لو كانت نسبة النمو هذه حقيقية فهي غير قادرة على تغطية ولو حتى جزء من الديون أمام تصاعد العجز التجاري بنسبة تقدّر بـ ٢٥% سنوياً خلال العشر سنوات الأخيرة.
رابعاً: صحيح أن الدولار الأمريكي يحتل منذ حوالي ٦٠ سنة موقع الريادة بين العملات العالمية موفراً للولايات المتحدة استيراد ما تشاء من أي بلد في العالم، وتسديد قيمته بعملتها الوطنية، وتمويل استثمارات محلية أكبر كثيراً من قدرة المجتمع الأمريكي على الادخار، بحيث أصبح معدل الاستثمار لديها أعلى بكثير من معدل الادخار دون أن تضطر إلى الاقتراض من الخارج. وهو يهيمن على ثلثي سلة الاحتياطات الدولية للعملات الحرة؛ بحيث يمكّن هذا الوضع الخاص أمريكا من سد العجز الداخلي والخارجي في الموازنة العامة للدولة.
إلا أن الصحيح أيضاً أن سياسة الدولار القوي قد ولّت من دون رجعة، وأن سياسة طبع الدولار الورقي، (وهي أكبر عملية نهب في التاريخ) والذي لا غطاء ذهبي له منذ عام ١٩٧١م، وشراء ما يتم استيراده به أو بيعه للدول الأجنبية؛ كسندات خزينة في سبيل تمويل العجز، لم تعد تجدي، خاصّة أن أمريكا مضطرة إلى إبقاء سعر الدولار ضعيفاً لزيادة صادراتها؛ وإلا لو كان قوياً لازداد معدّل العجز التجاري لديها. كما أن الضعف، والذي سيستمر مستقبلاً، يدفع الدول الأخرى للتخلي عن الدولار مخافة سقوطه وانهياره، وهذا ما يفسّر ضغط أمريكا على جميع الدول بضرورة ربط عملتهم بالدولار مع رفع أسعارهم مقابله؛ وذلك لأن أمريكا تعلم أن الدول بهذه الطريقة لن يكون من مصلحتها انهيار الاقتصاد الأمريكي، وستسعى إلى دعمه؛ خوفاً من أن تسقط وتنهار معه في حال انهياره.
خامساً: بكل بساطة: الإفلاس والانهيار قادمان والمسألة مسألة وقت، فكيف ستستطيع أمريكا دفع خدمة الدين؛ فضلاً عن الدين نفسه (يزداد حوالي ٤٠٠ مليار سنوياً فيما يخص الموازنة الداخلية، و٦٠٠ مليار سنوياً تقريباً فيما يخص التجارة الخارجية، ناهيك عن الديون الاخرى الكليّة الداخلية والخارجية وخدمة هذا الدين) إذا كانت أمريكا تبيع أصولها المالية، ومصانعها، وشركاتها المنتجة التي لا يمكن استبدالها؛ وذلك مقابل استيراد المواد والسلع والاستهلاكيةّ؟!
الأمريكيون يعتمدون بكل بساطة على الاستدانة (داخلياً وخارجياً) لتغطية نفقاتهم الاستهلاكية، ولا ثروة أو فائض مالي لديهم يقومون عبره بتمويل هذا الدين أو تغطية النفقات، فتكون النتيجة مزيداً من الاستهلاك، ومزيداً من الاستدانة، ومزيداً من بيع الأصول ومرافق الإنتاج، وبالتالي ارتفاعاً في العجز الاقتصادي والدين إلى حين الانهيار الكامل.
كخلاصة، إنّهم يدمرون أنفسهم بشكل ممتاز، وكما ذكرنا فانهيار أمريكا مسألة وقت، وفي حال تخلى عنها الأقوياء والحلفاء (حتى الدول التي تعتبر ضعيفة تساعد على بقاء أمريكا واقفة على قدميها حتى الآن) فإنّ هذا بلا شكّ سيؤدي إلى انهيارها مباشرة. وبغض النظر عن هذا، فإنّ هكذا انهيارات اقتصادية تحصل بشكل مفاجئ. فلا تستغربوا مثلاً: إنْ نهضتم لعملكم في يوم من الأيام كالمعتاد، ووجدتم أن الولايات المتّحدة أعلنت الإفلاس، وانقسمت إلى ولايات أو انهارت كلّياً! فمؤشرات الانهيار موجودة؛ ولكن هل يوجد من يقرؤها؟!
ومن هذا المنطلق ندعو كل الدول العربية والإسلامية إلى عدم ربط عملتها بالدولار فقط، كما ندعوها إلى أن تفّكر بشكل جدّي في إعادة النظر في روابطها الاستراتيجية مع الولايات المتّحدة، وأن تبدأ النظر باتّجاه الصين! فالصين قادمة قريباً.
стр. 5851
النفط في الاستراتيجية الأمريكية
باسل النيرب
يستهلك العالم ما يقرب من ٨٠ مليون برميل من النفط يومياً، وتحرق الإمبراطورية الأمريكية منها ما يقرب من ٢٠ مليون برميل يومياً، وقد وصلت الولايات المتحدة إلى القدرة القصوى في إنتاج النفط من حقولها المحلية منذ سنة ١٩٧٠م حيث كانت تنتج ١٠ ملايين برميل في اليوم. ومنذ ذلك الوقت بدأت قدرتها الإنتاجية تتناقص حتى وصلت الآن إلى ٥ ملايين برميل في اليوم بينما تستهلك ٢٠ مليون برميل في اليوم.
كما تمتلك ٢٨ مليون برميل كاحتياطي استراتيجي، والأرقام الواردة، وهي من مصادر رسمية غربية، تفسر حاجة الولايات المتحدة الماسة للنفط، أي أنها تحتاج إلى ١٥ مليون برميل في اليوم لتعويض النقص في إنتاجها المحلي، وإذا حصل وقررت الدول المصدرة للنفط كإيران وفنزويلا مثلاً وقف إمداداتها من النفط للولايات المتحدة فلن يتبقى لديها من النفط والغاز الطبيعي ما يكفي لأربع سنوات فقط.
وفي ما يلي نحاول استعراض إدمان الولايات المتحدة على النفط، ومواقف الدول الأخرى: الصين والهند من النفط، ومحاولة قراءة أرباح شركات النفط وحجم الطلب الأمريكي، ودور السياسيات الأمريكية في كل من: فنزويلا، ونيجيريا، وروسيا، وإيران، والعراق في تقليص حجم الصادرات من تلك البلاد.
- إدمان الولايات المتحدة على النفط:
أصاب الخطاب السنوي عن حالة الاتحاد للرئيس الأمريكي (جورج بوش) الكثير من المحللين بالدهشة، وخاصة إشارته إلى «إدمان» الولايات المتحدة على النفط، ونية إدارته العمل على الاستعاضة عن الواردات النفطية من منطقة الشرق الأوسط (الخليج العربي) بمقدار ٧٥% بحلول عام ٢٠٢٥ بنفوط أخرى، في ظل الارتفاع غير المسبوق لأسعار المحروقات.
وهذه الدهشة التي أصابت الكثيرين ممن تابعوا خطاب (بوش) لم تجد صداها عند أقطاب صناعة النفط، الأمريكية فهم يدركون بقرارة أنفسهم استحالة الاستغناء عن الواردات النفطية من دول الخليج العربي، إلا أن (فوبيا) النفط، وخصوصاً من الشرق الأوسط بحد ذاته، أخذت أبعاداً سياسية وإعلامية في الولايات المتحدة دون غيرها، ويعود ذلك إلى تراكم انطباعات خاطئة حول الحظر النفطي العربي أوائل السبعينيات لدى الرأي العام وأوساط الكونغرس، وإلى حروب الولايات المتحدة في المنطقة والمواقف منها خلال العقدين الماضيين.
وما يؤكد ذلك ما قاله نائب شركة إكسون موبيل (ستيورات مجيل) إذ يقول: «إن الولايات المتحدة ستعتمد دائماً على واردات النفط الأجنبي لتلبية احتياجاتها، وينبغي لها أن تتوقف عن محاولة أن تصبح مستقلة في الطاقة، ومن الناحية الواقعية فإنه ليس شيئاً محتملاً في أي فترة زمنية متصلة، وفكرة بوش ليست فقط سيئة بل يتعذر تحقيقها أيضاً» ، وهذا القول يعيدنا إلى مقولة الصحفي اليهودي (أوري أفنيري) الذي وصف عمل الفريق الذي يحيط بـ (بوش) بأنّه: سرقة موارد الشعوب الفقيرة لزيادة ثرائهم. بمعنى آخر جشع الفريق الذي يحيط بـ (بوش) للسيطرة العسكرية لتحقيق المنافع الاقتصادية، حيث يقول (سمير أمين) في هذا السياق: «إنّ مشروع (بوش) للسيطرة على أوراسيا من خلال السيطرة على نفط الشرق الأوسط لم ينبثق من بنات أفكاره لتطبقه عصبة من المحافظين الجدد المتطرفين، بل هو مشروع الطبقة الحاكمة الأمريكية منذ عام ١٩٤٥م» . ويضيف: «لقد فهِمت المؤسسة الأمريكية جيداً أن سعيها للهيمنة يستند إلى ثلاثة عناصر تفوّق على منافسيها الأوروبيين واليابانيين، في طليعتها السيطرة على الموارد الطبيعية للكوكب، والاحتكار العسكري، وهيمنة الثقافة الأمريكية» .
إن كل من يتابع تصريحات الإدارة الأمريكية يجد مراراً مثل هذا النوع من الكلمات، فإذا عُدنا إلى السبعينيات حينما بدأ (بوش) في إنشاء شركته النفطية، كان (جيمي كارتر) يحاول إقناع الأمة الأمريكية بتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة، وقبله كان (ريتشارد نيكسون) يدشّن مشروع الاستقلال لمساعدة الأمريكيين على إنتاج كل أنواع الطاقة التي تحتاجها بنفسها، فالولايات المتحدة تستورد نحو ٢.٥ مليون برميل يومياً من منطقة الشرق الأوسط، تمثل ٢٠% من حصة وارداتها البترولية و ١٢% من استهلاكها، وجل الواردات من الشرق الأوسط تأتي من السعودية (١.٥ مليون برميل يومياً) ، والمتبقي من العراق والكويت وغيرها.
وتتوقع وزارة الطاقة الأمريكية أن يتضاعف حجم الواردات من منطقة الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة وغيرها؛ لأن تلك المنطقة، وببساطة، هي القادرة من حيث الاحتياط وظروف الإنتاج وخفض تكاليفه على تلبية حاجات العالم من النفط. ولا يفوتنا هنا التنويه على أن السوق الأمريكية تواجه مشاكل في التكرير بسبب تكاليف الإنتاج العالية ووصول غالبية المصافي إلى طاقتها الإنتاجية القصوى. في الوقت الذي يتوقع فيه ارتفاع الطلب الأمريكي على النفط إلى ٢٠,٩١ مليون برميل في اليوم.
أما حصة الشرق الأوسط من الواردات النفطية الأمريكية بغيرها من الدول، فنجد أن اليابان تستورد نحو ٨٠%من حاجاتها من تلك المنطقة، والصين ٤٥%، والاتحاد الأوروبي ٢٦%. والمتوقع تزايد تلك النسب، بل إن من المتوقع أن تزيد الصين وارداتها من المنطقة بستة أضعاف بحلول عام ٢٠٢٥م.
- دول أخرى متعطشة للنفط:
مع تجليات تأثيرات العولمة برزت قوى دولية كبيرة متعطشة للمزيد من مصادر الطاقة، ونجدها في كل من الصين والهند؛ فالصين كانت حتى نهاية القرن الماضي من الدول المكتفية ذاتياً من مصادر الطاقة المحلية، إلاَّ أن النمو المتسارع للاقتصاد الصيني ـ بلغ هذا العام ١٠% ـ إضافة إلى التحول من الفحم إلى النفط والغاز كمصادر للطاقة، رفع من حجم استهلاكها النفطي بقفزات غير عادية، وكذلك الهند.
وحسب النشرة الإحصائية لشركة (بريتش بتروليوم) فإن الزيادة السنوية لاستهلاك الصين من النفط وصلت إلى ٨٩٣ مليون برميل يومياً في ٢٠٠٤م مقارنة بـ ٤١٢ مليون برميل يومياً في ٢٠٠٣م، وكذلك فإن الهند بلغت الزيادة في استهلاكها من ٤٦ مليون برميل في ٢٠٠٣م إلى ١٣٦ مليون برميل يومياً في ٢٠٠٤م. وبالرغم من عدم دقة الأرقام في هذه النشرة بالنسبة لهاتين الدولتين إلا أن هذا يعطي مؤشراً على عمق هذا التغيير في الأسواق العالمية للنفط.
وعليه فإن الصين والهند بدأتا في البحث عن تأمين إمداداتهما النفطية ليس عن طريق الشراء من الأسواق فقط، بل محاولة الوصول إلى المصادر نفسها في الدول المنتجة، وساند هذا دعم حكومي قوي للشركات النفطية الوطنية الصينية والهندية لضمان الحصول على الامتيازات في هذه الدول.
وعمدت السياسة الصينية في هذا المجال إلى عدم التصادم مع مناطق نفوذ الشركات الغربية وذلك بتوجهها إلى أماكن في أفريقيا كالسودان وأنغولا، وذلك عن طريق اتفاقيات مقاسمة الإنتاج، إلا أن الشركات الصينية بدأت باقتحام مواقع النفوذ الغربي بطرحها صفقة شراء شركة (يونيكال) الأمريكية والتي لاقت معارضة شديدة في أوساط صُناع السياسة في الولايات المتحدة.
وقد بدأت الشركات الغربية في الحديث علناً عن أن الشركات الصينية والهندية تقدم عروضاً مغرية للدول المنتجة للنفط تتجاوز اقتصاديات المشروع المبنية على الربحية إلى تقديم خدمات اجتماعية، ومساعدة في بناء البنية التحتية في تلك الدول؛ ممّا يفقد الشركات الغربية مزايا تنافسية.
- أرباح شركات النفط:
كشفت دار السمسرة الفرنسية (أوريل لوفان) أن الشركات النفطية العالمية الرئيسية الـ٢٥٠ حققت عام ٢٠٠٥م أرباحاً إجمالية بقيمة ٢٤٣ مليار يورو، أي بزيادة ٣٥% عن عام ٢٠٠٤م، بالرغم من الأضرار الكبيرة التي لحقت بالإنتاج النفطي العالمي بسبب الأعاصير في خليج المكسيك.
وأعلنت شركة (أكسون موبيل) الأمريكية كبرى المجموعات النفطية في العالم عن أرباح بقيمة ٣٦ مليار دولار، ورقم أعمال بقيمة ٣٧١ مليار دولار خلال سنة ٢٠٠٥م، ما يزيد عن إجمالي الناتج الداخلي للسعودية، المنتج الأول للنفط في العالم.
أما المجموعة النفطية الثانية في العالم الشركة البريطانية (رويال داتش شل) ؛ فقد وصلت أرباحها عام ٢٠٠٥م إلى ٢٢.٩٤ مليار دولار، محطمة الرقم القياسي لأرباح الشركات البريطانية، مقابل ١٩.٣١ مليار دولار لشركة (بريتيش بتروليوم) (بي بي) البريطانية، وحوالي ١٥ مليار دولار لشركة (توتال) الفرنسية.
وكشفت دراسة أعدتها وكالة (موديز) للتقييم المالي أن المائة الأولى من الشركات النفطية العالمية وزعت العام الماضي حوالي مئة مليار دولار على مساهميها، ويبدو أن المساهمين مرتاحون لهذه الأرباح، إلا أن المستهلكين مستاؤون من تزايد أسعار الوقود التي تخطت الصيف الماضي عتبة رمزية قدرها ١.٥٠ يورو لليتر الواحد في العديد من الدول الأوروبية.
- الدور الأمريكي في تقليص المعروض من النفط:
إن ما يحدد أسعار النفط في السوق العالمي هو العلاقة البديهية بين العرض والطلب، فكلما قلَّ العرض وكثر الطلب ارتفعت الأسعار، وتكاد تجمع بعض الآراء أن السياسة غير المسئولة لإدارة الرئيس (بوش) في مجال الطاقة الداخلية أدت إلى رفع الطلب العالمي على النفط، كما قادت سياسته الخارجية العدائية إلى خفض حجم الإمدادات العالمية، والتأثير سلباً على كميات النفط المعروضة في السوق، ومن الأمثلة على ذلك:
نيجيريا:
تزخر نيجيريا بمواردها الهائلة من الطاقة، ولم تحرك إدارة (بوش) ساكناً للدفع بالإصلاحات الحكومية، وإنهاء الصراعات الدموية المستفحلة في البلاد. فقد أدت المواجهات العنيفة على خلفية الصراع حول توزيع عائدات النفط واستفادة السكان الفقراء من المداخيل، إلى منع إنتاج النفط بصورة طبيعية. وتشهد خطوط النفط سرقة وتفجيراً، كما يتعرض الموظفون الأجانب إلى الخطف، وهو ما أدى في النهاية إلى انخفاض نسبة إنتاج النفط بـ٢٠% مقارنة بالعام السابق.
فنزويلا:
وبالانتقال إلى فنزويلا التي كانت إلى عهد قريب رابع مزود لأمريكا بالنفط. فقد أدى تأييد إدارة (بوش) لانقلاب عسكري فاشل ضد (هوجو شافيز) عام ٢٠٠٢م إلى تسميم العلاقات المتوترة أصلاً بين البلدين، مما دفع (شافيز) إلى تحدي الولايات المتحدة مستفيداً من سياساته المالية وأسعار النفط المرتفعة. وفي الشهور الأخيرة، فرض (شافيز) ضرائب باهظة على الشركات الأجنبية العاملة في مجال الطاقة، كما سيطر على بعض مشاريع التنقيب التي كانت في يد شركات أجنبية، أسفر ذلك عن مغادرة تلك الشركات لفنزويلا، وبالتالي انخفاض مستويات الإنتاج. والأكثر من ذلك أن هذه التطورات تزامنت مع ارتفاع سعر الخام العالمي بسبب مخاوف السوق من تقلص الإمدادات النفطية.
روسيا:
أدى تغاضي إدارة (بوش) عن تراجع الرئيس (فلاديمير بوتين) عن الإصلاحات الاقتصادية التي بدأتها بلاده في وقت سابق، وتأميمه لشركة النفط العملاقة (يوكوس) ، إلى انخفاض حصة روسيا من الإنتاج العالمي للنفط.
إيران:
تعد إيران رابع أكبر منتج للنفط في العالم. وقد رفضت إدارة (بوش) التفاوض مباشرة مع طهران معززة بذلك احتمالات المواجهة العسكرية، أو فرض عقوبات عليها، وهي العقوبات التي قد توجه ضربة قاصمة إلى الإمدادات العالمية من النفط، مما سيرفع الأسعار إلى مستويات قياسية، ويلحق أضراراً بالغة بالاقتصاد العالمي.
العراق وحكاية أخرى:
في العراق نجد عجز الإدارة الأمريكية الواضح عن إحلال الأمن وفرض سيادة القانون، مما تسبب في انخفاض مطرد لمستوى إنتاج النفط، علماً بأنّ العراق يمتلك ثالث أكبر احتياط من النفط في العالم. فبينما كان حجم إنتاجه من النفط قبل الغزو الأمريكي لأراضيه في مارس ٢٠٠٣م يصل ٢.٥ مليون برميل يومياً، تراجع هذا الرقم مع حلول ٢٠٠٥ إلى ١.٨ مليون برميل يومياً، فعشية سقوط بغداد لم يحرس الجيش الأمريكي إلا وزارة النفط؛ حيث اشتدت بعدها المعركة القانونية لاقتسام نفط العراق بمجرد وصول سلطة الحكم العراقية، وبدأت المفاوضات بين القوى النافذة في السلطة العراقية ورجالات المنطقة الخضراء وشركات النفط الأمريكية والبريطانية لاقتسام الغنيمة.
واحتدم هذا التنافس لمناقشة الوضع القانوني للامتيازات الروسية والصينية التي تم التعاقد عليها إبّان الحكم السابق في العراق، فالصين وروسيا لم تتنازلا بسهولة عن امتيازاتهما، وكانت الحلول المقترحة من وجهة النظر الأمريكية تنحصر في توجهين وفقاً لما هو متاح من كتابات في هذا الخصوص، الأول: هو الطعن في شرعية تأميم النفط وإعادة الامتيازات القديمة للشركات العالمية التي انتزعت منها، والثاني: هو خصخصة النفط العراقي بنزع ملكيته من الدولة العراقية ونقلها للقطاع الخاص سواءً كان محلياً أم أجنبياً. يقول (أرييل كوهين) في ورقة بعنوان: (نماذج وسياسات إنتاج النفط، وتحصيل الدخل، والإنفاق العام: دروس من العراق) نشرت بواسطة مؤسسة (هيرتج) اليمينية المعروفة: «إنَّ على مستهلكي النفط أن يدفعوا باتجاه خصخصة قطاعي النفط والغاز في الدول المنتجة» ، ويقترح فيما يخص النموذج العراقي، بحجة حاجة العراق إلى إعادة البناء، بأنْ يتم بيع الاحتياطي النفطي العراقي مقدماً مع فرض ضرائب على الإنتاج الفعلي.
وحول خصخصة نفط العراق نشرت مؤسسة (بلاتفورم) Platform وهي بريطانية تهتم بمراقبة نشاطات الشركات النفطية العالمية دراسة معنونة باسم (عقود مشاركة الإنتاج خصخصة النفط) للكاتب (جريج ميوتيت) وهي موجودة على الإنترنت في موقع المؤسسة وباللغة العربية. ملخص هذه الدراسة يقول: لا الخصخصة ولا اتفاقيات مقاسمة الإنتاج هما الأسلوب الأمثل لإدارة الثروة النفطية العراقية، حيث لم تثبت الشركات الغربية الكبرى التي كانت موجودة بالعراق لحين تأميم النفط في السبعينيات أي توجه للمحافظة على البيئة أو تطوير المجتمعات المحلية أو القوى الوطنية العاملة؛ بل استغلت وجودها بالعراق لتحقيق أقصى استفادة ربحية بغض النظر عن أي عوامل أخرى، ولا توجد أي إشارات عن تغيير في هذا التوجه.
إن الذي يقوم اليوم على سرقة نفط العراق هو الشركات الأمريكية والبريطانية التي وقعت العقود والصفقات لشراء نصف إنتاج الخام العراقي المقدر بنحو ٨ آلاف برميل، إلى جانب أن الشركات الكبرى أبرمت صفقات لإعادة العافية لقطاع النفط العراقي، إضافة إلى أن شركة (إكسون موبيل) تعتبر من أكبر المشترين؛ حيث تقوم بتصفية الخام في مصافيها الضخمة في (بايتون) ، وعقود مقاسمة الإنتاج تعقد عادة بين دولة ذات إمكانيات إنتاجية ضعيفة سواء من الناحية التقنية أو الناحية المالية، وهي إلى جانب توفيرها غطاء تعاقدياً للشركات الأجنبية لتجنب مخاطرة الهبوط في السعر فإنها مجزية؛ حيث تحصل الشركات على برميل النفط بعد اقتطاع كافة المصاريف بتكلفة لا تتجاوز الدولار الواحد للبرميل لفترة تمتد من ٢٠ إلى ٣٠ سنة، هذا يعني أن متوسط أرباح هذه الشركات لحصة ٣٠% من إجمالي إنتاج العراق ٣ مليون برميل يومياً عند سعر ٢٠ دولاراً للبرميل سيصل إلى ٢٠٨ بليون دولار في ٢٥ سنة، وترتفع إلى ٦٤٦ بليون دولار في حال ما بقي السعر عند ٦٠ دولارا للبرميل. هذه الأرباح تقتطع في الواقع من حقوق المالك وهو في هذه الحالة الشعب العراقي، وللتدليل فإن دولاً عديدة (السعودية والكويت) ما زالت ترفض العمل بمثل هذه العقود المجحفة. هذا الذي دعا مؤلف دراسة (بلاتفورم) المذكورة إلى إضافة عنوان جانبي لها وهو: سرقة ثروة العراق The Rip-Off of Iraqs Oil Wealth.
وأخيراً:
إن تصريحات (بوش) حول النفط في خطاب حالة الاتحاد رسالة يجب استيعابها جيداً وعدم الاستهانة بها؛ لأن شركات الأبحاث الدولية؛ والأمريكية بالذات، تعمل ليل نهار لاستنباط تكنولوجيا حديثة لتطبيقات الطاقات البديلة يمَكنُها بشكل واقعي أن تكون بديلاً اقتصادياً مناسباً في المستقبل، هذه السيناريوهات تستدعي تفعيل خطط التنويع الاقتصادي والمالي لدول (الأوبك) ، فلا أحد يعرف مايدور في كواليس المطبخ السياسي والاقتصادي الأمريكي الذي تحركه مصالحه بالدرجة الأولى، فخلال الشهور الستة الأخيرة صدرت ثلاثة كتب تتقاطع كلها عند نقطة واحدة هي أن الوفرة النفطية العالمية انتهت أو تكاد، وأن الندرة النفطية العالمية بدأت أو تكاد. وعمّا قريب ستندلع حروب موارد جديدة قد لا يكون لها سابق في التاريخ.
والكتاب الأول الذي يحذر من هذا الخطر هو لـ (ديفيد غودشتاين) البروفسور في مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا وهو بعنوان (نفاد الغاز) وهو علمي ـ تقني، يسند افتراضاته إلى نظرية الجيولوجي الأمريكي الشهير (م. كينغ هابرت) الذي تنبأ العام ١٩٦٥م بأن معدلات استخراج النفط من الولايات الأمريكية الـ ٤٨ ستصل إلى ذروتها العام ١٩٧٠م ثم تبدأ انحدارها السريع. وقد عرّف هذه الذروة بأنها تعني الوصول إلى استهلاك نصف احتياطي النفط، ونبوءة هابرت هذه صدقت. فاستخراج النفط الأميركي وصل إلى ذروة بلغت تسعة ملايين برميل يومياً العام ١٩٧٠م، وهو يهبط منذ ذلك الحين حيث بلغ اليوم أقل من ستة ملايين برميل. وقد طبق (غودشتاين) معادلات (هابرت) وحساباته على النفط العالمي، فاستنتج أنه من أصل تريليونين برميل المخزّنتين في جوف الأرض، وصل استهلاك البشر الآن إلى النصف، وبالتالي باتت معادلة (هابرت) حول الذروة ـ الانحدار قاب قوسين أو أدنى.
الكتاب الثاني لـ (بول روبرتس) وهو بعنوان (نهاية النفط) يركّز على الجوانب الاستراتيجية والدولية لأزمة الطاقة، ويرى أن الطلب على النفط يتزايد بوتيرة كبرى، خاصة من جانب الصين والهند الصاعدتين، فيما يتقلص الاحتياطي والقدرات الإنتاجية. هذا التطور يعطينا برأيه فكرةً واضحةً عن أسباب حرب العراق، فقبل الغزو كان العراق ينتج ٥.٣ ملايين برميل يومياً، و (بوش) اعتقد أن هذا الرقم سيتضاعف قبل نهاية ٢٠١٠م. وإذا كان بالإمكان إقناع العراق الجديد بتجاهل (كوتا أوبك) وإنتاج أقصى طاقته، فإن دفق النفط الإضافي يمكن أن ينهي سيطرة (أوبك) على التسعير. ثم إنه إذا ما نجحت أمريكا في تفكيك (أوبك) ، وبسبب كونها متقدمة لمدة عقد عن كل العالم في مجال التكنولوجيا العسكرية، فهذا سيضمن لها التفوق العالمي لمدة قرن أو أكثر.
الكتاب الأخير لـ (مايكل كلير) ويحمل عنوان (الحروب على الموارد) ، وفيه تركيز على أن حروب الطاقة مندلعة بالفعل منذ نهاية الحرب الباردة عام ١٩٨٩م بسبب الزيادة الكبيرة في طلب النفط. وتشارك في هذه الحروب، إلى جانب أمريكا، الصين واليابان والهند وأوروبا وروسيا، هذا في وقت تشير فيه آخر الدراسات إلى أن الأرض خسرت نحو ثلث ثرواتها الطبيعة المتاحة (خاصة الماء والنفط) في فترة قصيرة للغاية من ١٩٧٠م إلى ١٩٩٥م، أي أكثر مما خسرته في أية فترة أخرى في التاريخ.
стр. 5852
أيام تمضي
عبد الحميد بن سالم الجهني
عِطاف عليان.. معتقلة فلسطينية سجن الاحتلال الإسرائيلي ابنتها الرضيعة معها رحمةً بها! فكانت هذه الكلمات:
صبراً عِطاف! فإنها أيامُ
تمضي كأن عذابها أحلامُ
ستمر يا أختاه لست أشك في
هذا، ويهوي البغيُ والإجرامُ
وكأن شيئاً لم يكن يوماً إذا
ساد الضياء وشُرِّد الإظلامُ
لكنها سنن الإله بعلمه
تجري ولا يدري بها الظُّلاَّمُ
هجموا عليك بليلة وحشية
وقد احتمت بك طفلة ستنامُ
سحبوك فانفجرت بصدرك صرخةٌ
حرَّى، وأدمت قلبك الآلامُ
وبكت رضيعتك التي لم ترتوِ
فلها على أيدي البغاة فطامُ
ومضيت للسجن الكبير بعبرة
خفيت، وقد عمَّ المكانَ ظلامُ
هذا سبيل لستِ فيه وحيدةً
لكِ فيه أحمدُ قدوةٌ وإمامُ
وشكا به نوحٌ، وإبراهيم لم
تنصره إلا الطيرُ والآرامُ
ومضى عليه المؤمنون وحولهم
تسَّاقط الجبناءُ والأصنامُ
وأراكِ يا أختاه في ظُلَم الدجى
نوراً يضيءُ فتشرق الآكامُ
إن الظلام وقد تمادى بعده
فجرٌ يلوح ورحمة وسلامُ
هي رحلة لله في درب الهدى
أعلامها الإيمان والإسلامُ
حُفَّتْ بكل كريهة حتى يُرى
بين الورى الأعلام والأقزامُ
لكنَّ عقبى الصابرين عظيمة
في الخلد، لا حزنٌ ولا أسقامُ
لا تسألي عنا! فإنا معشرٌ
هانتْ علينا الأرض والأرحامُ!
هانت علينا القدس..! أيُّ مصيبةٍ
بقيت؛ وقد أزرت بنا بغدامُ؟! (*)
كلا، فلا زالت هناك بقية
تزري بنا، فعلى الطريق الشامُ!
يا أيها الغافون أحلاس الونى
قوموا فأهل الرافدين قيامُ!
واستلئموا إن الحياة قصيرة
والحق أبلج والزمان همامُ
لا تركنوا للظالمين تمسكم
نار، وقولوا للطغاة: حرامُ!
стр. 5853
الدكتور بشار الفيضي: فصائل المقاومة التي تورطت سياسياً تم اختراقها
حاوره: أحمد فهمي
مع تصاعد الأحداث في العراق بصورة غير مسبوقة وعلى كافة الأصعدة، بات كثير من المراقبين يلمح معالم مشروع جديد في العراق يرتكز ـ في الأساس ـ على مزيد من التهميش للعرب السنّة من خلال استبعاد من لا يؤيدون العملية السياسية، وكانت الخطوة الأولى إصدار قرار توقيف للشيخ (حارث الضاري) ، تمهيداً لمزيد من الحصار لنشاط هيئة علماء المسلمين في العراق، وربما تؤول الأوضاع إلى أن يصبح رموز السنّة الرافضين للعملية السياسية قادة للمعارضة من الخارج.
وعلى الجانب المقابل كان واضحاً التصعيد ـ أو التلميع ـ السياسي لدور المجلس الأعلى الشيعي للثورة بزعامة عبد العزيز الحكيم، الذي حظي باستقبال حار في البيت الأبيض، ثم في لندن، حيث التقى بأعضاء مجلس العموم البريطاني، بينما يتم الإعداد لبلورة دور جديد للتيار الصدري باعتباره (ميلشيا للإيجار) أو لتنفيذ المهام الصعبة في العراق.
وعلى ضوء النتائج الإيجابية للتيار الإصلاحي الإيراني في انتخابات الخبراء والمجالس البلدية، هل يمكن اعتبار ذلك مؤشراً على تغيرات مرتقبة في السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة؟ وماذا تريد طهران تحديداً من العراق؟ وهل يسعى رجال الدين الإيرانيون إلى إقامة دولة شيعية في الجنوب؟ وإذا كانت إيران رافضة لأهل السنّة فهل هي قابلة للاحتلال الأمريكي؟
هذه القضايا وغيرها طرحتها البيان على الشيخ (محمد بشار الفيضي) الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين في العراق.
^: توجد إشكالية حول ما الذي تريده إيران بالضبط من العراق؟ بعضهم يرى أنها تريد دولة شيعية مستقلة، وهناك من يقول: إن إيران لا تريد دولة شيعية منافسة لها بل تريد فيدرالية، وآخرون يرون أن طهران تسعى إلى عراق موحد خاضع لها، هناك خلط بين التكتيكي والاستراتيجي في تحليل الرؤية الإيرانية؛ فما رأيكم؟
| بسم الله الرحمن الرحيم، في ضوء ما يجري الآن في العراق، من دون شك هناك تدخل إيراني كبير بلغ حدَّ النخاع، كما عبّر عن ذلك الأمين العام لهيئة علماء المسلمين. قد يكون في التصور أن وراء ذلك هدفاً هو إبعاد وجود الأمريكان في المنطقة؛ وهذا يشكل تهديداً مباشراً على إيران، لكن الذي يُلاحِظ طبيعة السياسة الإيرانية في العراق يبدو له أن هناك هدفاً آخر يتجاوز مسألة دفع الخطر الأمريكي؛ لأن المليشيات التي تدرّبت في إيران تمارس أعمالاً يصعب حصر تفسيرها بدفع أمريكا، فهي من جانب داعمة للوجود الأمريكي، ومن جانب تعمل على تصفية المقاومة العراقية وتصفية الرموز السنّية؛ حتى الكفاءات العلمية. وهذا يجعلك تشعر بالقلق، ويساورك الشك أن هناك هدفاً آخر وهو الهيمنة على المنطقة. لا أظن إيران من السذاجة بحيث تريد أن تستولي على العراق بحكم مباشر، يعني: أن تدخل العراق كما دخل صدام الكويت، لا أظن، لكنها تريد أن يكون لها نفوذ في المنطقة بحيث يكون الحكام الذين يديرون شؤون العراق قابعين تحت طوع يديها، كما هو الحال الآن، إنها تريد أن يمتد هذا بشكل دائم.
^: ما النظام السياسي الذي يناسبها لتحقيق هذا الهدف؟
| من دون شك لو كانت واثقة أن الحكومة ستبقى بيد حلفائها فمن مصلحتها أن يبقى العراق واحداً ويكون كله طوع يديها، ولكن يبدو هذا لم يعد ممكناً، لو تلاحظ أن هناك توجهات نحو الفيدرالية، هذا نفهمه من خلال إلحاح عبد العزيز الحكيم؛ وهو الذي ترعرع في إيران ويعمل لها بشكل واضح.
^: إذاً؛ هل الفيدرالية هدف إيران في هذه المرحلة؟
| نعم؛ ومتى ما حدثت الفيدرالية فاعتبرْ الجنوب كأنه ملحق لإيران إذا حكمه أمثال هؤلاء الساسة.
^: ما التوقيت المناسب لإيران كي ينسحب الاحتلال الأمريكي؟
| حينما تهيمن تماماً على الأوضاع في العراق، حينما تقضي على المقاومة، حينما تمسك بكل الخيوط، حينئذٍ لن تكون ثمّة حاجة لبقاء الأمريكان.
^: هل تسعى إيران لإقامة علاقات مع بعض فصائل المقاومة؟
| إيران لاعب ذكي جداً، هي الآن تمد أحياناً بعض فصائل المقاومة، وهذه حقائق ولم تعد خافية ... هذا بشهادات الإيرانيين أنفسهم؛ حيث إن (قاسم سليماني) (١) ذكر في جامعة الحسين في ندوة مغلقة في كلية الدراسات الاستراتيجية والدفاعية أن إيران تقدم تسهيلات لبعض فصائل المقاومة. (زلماي) ذكر ذلك أيضاً. هذه التنظيمات قد تتقبل المساعدة على أنها غنيمة من عدو وتضرب بها عدواً آخر، لكن لإيران حساباتها، إيران بهذا الدعم ـ إذا ثبت ـ تضرب أمريكا من خلال المقاومة وتضعف المقاومة في الوقت ذاته.
^: هل يمكن القول ـ إذاً ـ: إن إيران هي صاحبة الرؤية السياسية المتكاملة الوحيدة في المنطقة مقارنة بالاحتلال والعرب السنّة؟
| نعم؛ لأن إيران ـ إذا جاز التعبير ـ امتطت ظهر (البعير) الأمريكي.
^: التيارات المتصارعة الرئيسة داخل إيران: إصلاحيون، محافظون معتدلون، أو محافظون متشددون، هل تملك هذه التيارات أجندة واحدة للعراق؟
| نعم؛ إن إيران في علاقتها الخارجية هي هي، سواء كان حكّامها إصلاحيين ومحافظين، هي نفسها زمن الشاه، وهي نفسها الآن.. الاستراتيجية نفسها، وإن المصالح القومية لديهم مقدَّمة على كل الاعتبارات.
^: هل كانت الأحوال أفضل في فترة رئاسة الزعيم الإصلاحي (محمد خاتمي) ؟
| في رأيي الشخصي، ما كنا نعانيه في زمن خاتمي لا يختلف في شيء كبير عمّا نعانيه الآن، سُرق العراق في زمن خاتمي، ونقلت خيراته إلى إيران في زمن خاتمي، وهكذا.. إذاً؛ الاختلاف في الخارجية ليس اختلافاً كبيراً.. السياسة الخارجية لإيران واحدة، وحينما تتعاقب الكتل السياسية على الحكم فإنها لا تخرج عن هذه السياسة.
^: هل يمكن أن يؤثر غياب المرشد الإيراني علي خامنئي ـ لأي سبب ـ على السياسة الإيرانية؟
| الطموحات نفسها تبقى، لكن درجة السعي في تحقيقها تختلف باختلاف القادة.. وإن التطور الذي حصل في تحقيق الأجندة الإيرانية خلال السنوات الثلاث الماضية كان مذهلاً.
^: هل كل الشيعة في العراق يؤيدون المشروع الإيراني الصفوي؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فأين هي دلالات المعارضة الشيعية للسياسة الإيرانية؟
| نحن أبناء الميدان لدينا تقييم للعراق، ونعرف أن الشيعة في الجنوب يتعرضون للاضطهاد أيضاً من قِبَل المليشيات، قُتل منهم الكثير وهذا موثّق، حيث إن أكثر من عشرين شيخ عشيرة شيعي قُتل على يد المليشيات الشيعية، والجنوب الآن هو هو فقيرٌ كما كان؛ بل ربما يكون الآن أكثر فقراً، مع أن الحكومة شيعية، ومن ثم فإن الزعم بأن الشيعة كلهم في خندق واحد ضد السنة ليس دقيقاً.
^: يعني ذلك يمكن اعتبار تيار الحسني وتيار الخالصي منهم؟
| نعم؛ تيارا الحسني والخالصي توجّهاتهما وطنية ومع وحدة العراق وضد التدخل الإيراني، لكن يبقى هو شيعياً، لا أستطيع تغيير مذهبه كما أنني سنّي لن أغير مذهبي.
^: لكن هناك من يقول: إن المعارضة الشيعية لإيران لا تعني الاصطفاف مع السنّة، بل تعني: وجود مشروع شيعي آخر مختلف، يعني: من الممكن أن يكون لهم مشروع استقلال ومشروع فيدرالية أيضاً؟
| لا لا.. أبداً، هذه العناصر التي نتكلم عنها لديها مشروع الوحدة الوطنية، وترفض الفيدرالية، والشيخ جواد معروفة أطروحاته، وكذا الشيخ البغدادي وحسين المؤيد، وهذا يعني أن الذين يرفضون الفيدرالية كُثر.
^: هذه التيارات المعارضة لإيران كم تمثل نسبتها من إجمالي شيعة العراق؟
| من الصعب ـ اليوم ـ أن تزن الشعب بهذه التيارات، حيث إن ظهور التيارات السياسية في العراق حديث، نحن في السابق لم نكن نعرف سوى سلطة الرجل الواحد والحزب الواحد، ولا يوجد مجهود شعبي في مجال التكتلات السياسية، لكن أنا أتكلم عن الطبقة العامة، الطبقة العامة حسب دراستنا لها: شيعية، أو سنية، أو كردية هي مع الوحدة الوطنية، هي مع وحدة العراق، مع عدم تدخل الأجنبي حتى إن كان إيرانياً، هذا الشكل عام؛ لكن يوجد أناس ولاؤهم لإيران، يوجد أناس ولاؤهم لتركيا مثل: التركمان، هذا موجود، لكن نحن نتكلم عن الشريحة العامة كونها مع عراق واحد يتعايش أهله سلمياً.
^: هل يمكن أن يحقق مطلب الانتخابات المبكرة الذي تبنّته جبهة التوافق السنّية في لقاء رئيسها مع (جورج بوش) مؤخراً هدفَ العراق الموحد؟
| نحن نعتبر أي عملية سياسية في ظل الاحتلال فاشلة حتى لو تمَّ إعادة الانتخابات.
^: حتى لو تمّت بإشراف دولي؟
| الإشراف الدولي يقلِّل من نسبة الخطأ دون شك، لكن ستبقى المشكلات قائمة بسبب الطعون في العملية السياسية في ظل الاحتلال، يعني: لماذا لا نُعطى حقنا؟ حقُّنا أن يخرج الاحتلال، وأن تتم عملية انتخابية بإشراف دولي، وآنذاك من ينجح سيدينُ له الجميع.
البيان: هناك تقديرات بأن انسحاب الاحتلال سيشعل حرباً أهلية؟
| لا؛ الاحتلال هو الذي يدعم المليشيات، وإن لدينا وثائق تدل على ذلك، الاحتلال هو الذي يسهل الطريق للمليشيات للذبح.
^: إذاً؛ لماذا يبدو الاحتلال في الفترة الأخيرة وكأنه ضد ميلشيات جيش المهدي؟
| هذا كلام يدخل في باب المساومات مع إيران والضغط عليها، إنما الخط الثابت لا يزال على الميدان، الجيش الأمريكي يطهر تطهيراً طائفياً، وسبق أن قلت هذا قبل سبعة أشهر في مؤتمر صحفي موثق في مواقع الإنترنت، هناك قادة أمريكان من حقهم أن يقفوا مكان (سلوبودان ميلوسيفيتش) ؛ لأنهم يرتكبون الجرم نفسه.
^: كيف هو قبول الشارع السنّي للعملية السياسية؟
| الآن هناك شبهُ إجماع على رفضها في تقييمنا نحن؛ لأنهم وجدوا أن لا ضوء في نهاية النفق.
^: لماذا يحرص الأمريكيون على وجود مشاركة سنّية سياسية؟
| لأنها تعطي شرعية للحكومة وشرعية لنجاح العملية السياسية، الأمريكان لا يهمهم حقوق الناس ولا يهمهم حقيقة الأمور. هناك مَثَلٌ أستشهد به دائماً يقول: إن الأمريكيين يقولون: ليس المهم ما هي الحقيقة، إنما المهم كيف تقنع الناس أن هذه هي الحقيقة. هذه مشكلتهم، المهم أن يقتنع الناس أن هناك انتخابات. وتذكر بعد مرور أربع سنوات على الاحتلال ظهر بوش وتكلم عن الحرية في العراق والانتصار، والناس مذبوحة وجائعة، فهذه مشكلة، إلى أن صدر تقرير (بيكر) والذي كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فهو الآن لا يستطيع أن يخرج مرة أخرى ويقول فيه كلمة (الحرية) ؛ لأن ذاك التقرير قد كشف المستور.
^: ما مواطن الاتفاق بين هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي؟
| بعيداً عن العملية السياسية فموقفنا لا يختلف عن موقفهم. هم طبعاً يختلفون عن غيرهم. هم لم يأتوا على الدبابة الأمريكية، هم يسمون الاحتلال احتلالاً، لا ينكرون المقاومة، هذه كلها نقاط التقاء، لكن اختلافنا قائم في العملية السياسية، نحن نعتقد أن الدخول في العملية السياسية هو إنجاح للمشروع الأمريكي وإضاعة للحق العراقي، وهم كانوا يرون الدخول في العملية السياسية ضرورة للحصول على ما يمكن الحصول عليه تحت شعار: (شيء خيرٌ من لا شيء) ، نحن كنا نقول: هذا الشيء سيضيع كل شيء.
^: يثير قرار توقيف الشيخ (حارث الضاري) مخاوف من احتمال بقائه خارج العراق بصورة دائمة، أي: يصبح معارضاً من الخارج؟
| ممكن، هذا وارد، الدكتور (حارث) أمين عام الهيئة، لكنَّ الهيئة كلها في العراق، لا يوجد في الخارج سوى الدكتور؛ وأنا بسبب أني ناطق رسمي، وأصبح الإعلام في العراق شبه محرّم، فلذلك الهيئة انتدبتني للإقامة في عمّان في هذه الفترة، وهناك من يقول: إن المذكّرة هي بغرض إضعاف رمزية فضيلته.
^: لماذا اقتحمت هيئة علماء المسلمين ميدان السياسة وهي مؤسسة علمية شرعية في الأساس؟
| هذا صحيح، الهيئة أُسِّست على أساس أن تكون مرجعية شرعية، ونحن في بداية الاحتلال لم نكن ندخل في الموضوع السياسي، ونقول: لكلٍّ اختصاصه، لكن حين شُكّل مجلس الحكم خلت الساحة من موقف ضد الاحتلال؛ فهل يعقل هذا؟ فكان لا بد للهيئة أن تمارس دوراً سياسياً، لكن هذا لا يعني أننا حركة سياسية، نحن حتى اللحظة لسنا حركة سياسية، لسنا حزباً سياسياً، ليس لدينا طموح في السلطة، هذه عندنا ثوابت، نحن هيئة شرعية، لكن لها مواقف سياسية بحسب مقتضيات الواقع، نحن لسنا علمانيين، السياسة جزء من الدين، بل الدين هو سياسة الناس، ولو وجدنا أن هناك أحزاباً سياسية تقوم مقامنا لم نقترب هذا الميدان؛ لأن ميداننا الطبيعي هو المساجد والدعوة، بصراحة نحن دائماً نقول: هذه جنّتنا، لكن لما خلت الساحة فجأة من أي صوت معارض للاحتلال شعرنا بالرعب، وهذه أمانة تاريخية، فاضطررنا أن نقوم بالمهمة.
^: تواجه فصائل المقاومة حالياً ضغوطاً هائلة لدفعها إلى التمثيل السياسي والتفاوض؛ هل ترون ذلك يناسب دور المقاومة العراقية؟
| رأي الهيئة بشكل عام أن المقاومة يجب أن تبقى في الميدان، إذا استُدرجت للسياسية فستضعف، النهاية علمها عند الله. نحن لا ننصح المقاومة بالتورّط، وبالفعل تورّطت بعض الفصائل، وتمَّ اختراقها، وتمَّ استهدافها واستهداف قادتها ممن فتحوا قنوات اتصال مع الأمريكيين، المقاوم تنتهي مهمته يوم يحقق هدفه وهو خروج الاحتلال، والسياسة يمارسها آخرون، وفي تقديري الشخصي الجزء الأعظم من المقاومة هو في ميدانها، لكن هناك بعض الفصائل تحاول أن تجرب خطاً آخر.
^: التفجيرات التي تحدث وسط تجّمعات شيعية مدنية مثل تجمّعات العمّال؛ هل هي من أعمال المقاومة في تقديركم؟
| إن هذه الأعمال في رأيي الشخصي إنما هي أعمال مخابرات دولية تتناوب عليها المخابرات التابعة لـ (السي آي إيه) والموساد ومخابرات بعض دول الجوار، وهذا لم أقله أنا، بل قاله وزير الداخلية في حكومة (إياد علاوي) (فلاح النقيب) ، فعندما سألوه عن المفخخات قال: لدينا ملف كامل عن المفخخات مسؤولة عنها إحدى دول الجوار، أو الجزء الأعظم منه مسؤولة عنه إحدى دول الجوار.
^: لكن في بعضها يقوم أشخاص بتفجير أنفسهم؟
| ممكن، ففي إيران توجد كتائب (استشهادية) فيها أربعون ألف متطوع ومتطوعة، هذا نقله مركز (زاد) للدراسات الإيراني المعروف، حيث ذكر أن هناك عناصر من كتائب خاصة تنفذ العمليات في العراق.
الساحة مفتوحة، وكل شيء وارد، أنا لا أنكر أن يكون هناك بعض (المتشددين) يفعلون هذا، ربما، لكن هناك عمليات غير منطقية، كالتي تقع في الأسواق مثلاً، أو في أماكن تجمّع العمّال البسطاء. وأريد أن ألفت الانتباه إلى ملاحظة هامة، وهي أن كثيراً من العمليات ليس فيها استشهاديون أو انتحاريون؛ إنما القنوات الإعلامية تأخذالمعلومات من الشرطة، والشرطة بدورها إنما هي ميليشيات كلها، فهي على الفور تبث لوسائل الإعلام أنها عمليات انتحارية؛ لكي تتهم بها المقاومة، وقد سألت خبراء متخصصين في التفجيرات حتى نكتشف هذه العملية: أكانت استشهادية أم انتحارية؟ فأجابوني: حتى يأتي الخبير، والخبير يتراوح زمن قدومه بين ثلاثة أرباع الساعة إلى الساعة. ولو لاحظنا زمن إعلان خبر التفجير، فإنه يكون خلال دقائق معدودة نبأ بأنها عملية انتحارية.
ولو سألت قناة الجزيرة أو العربية: من أين عرفتم أنها انتحارية؟ فسيقولون لك: إنها كانت مصادر الشرطة. وإن مصادر الشرطة ليست مصادر مؤسساتية مستقلة حتى تعطيك معلومات صحيحة.
البيان: بخلاف الجنوب؛ ما أكثر المناطق التي يتعرض أهل السنّة فيها للذبح؟
| بغداد وضواحي بغداد، كل هدفهم بغداد؛ لأنه من يملك بغداد يملك العراق. إيران همّها بغداد، والحكومة همّها بغداد، والأمريكان همّهم بغداد، والمقاومة همّها بغداد، والمعركة الفاصلة ستكون في بغداد.
^: هل فعلاً يتم تهجير السنة قسراً في بعض الأحياء؟
| إي والله، إنهم يهجّرون ويقتلون ويذبحون بأبشع مجزرة في التاريخ (القديم والحديث) .
^: كم كانت نسبة السنة في بغداد في بداية الاحتلال؟
| نسبة السنة تقدّر النصف تقريباً (٥٠%) إن لم يكن أكثر! في تقديري الآن انخفضت النسبة إلى الربع. هذا مخطط أمريكي مرسوم. إن الهدف القائم الآن من قِبَل الحكومة والمليشيات الإنهاء على الوجود السنّي في بغداد، عنذ ذلك تملك بغداد ثم تملك العراق.
^: هل يمكن أن تنجح إيران في إقامة الفيدرالية؟
| لا أعتقد أن هذا سيحدث، هذا ليس من مصلحة الدول، وأنا قلت هذا منذ وقت مبكر، سيضطر الأمريكيون أن يعيدوا الحكم الموحد القوي للعراق.. الفيدرالية لو أُقيمت فإنها تعني: أن إيران ستضع الخليج ودوله بين فكّيها.
^: ما مكاسب الصفويين من السيطرة على بغداد؟
| سيسيطرون على الجنوب كله، وعلى كل منابع النفط، وربما يمتدون إلى سامراء، وهذا مخططهم، ويأخذون الوسط والجنوب، ويصير السنة في الأنبار وصلاح الدين والموصل، وهذا هو المخطط.
^: والموصل ينازع عليها الأكراد؟
الأكراد نعم. وإذا لم تتحسن الأمور فإننا من الممكن أن ندخل في نفق مظلم لا نهاية له.
стр. 5854
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
من هنا وهناك
علامة تعجب
مرصد الأحداث
من هنا وهناك
ـ ذكرت قناة الجزيرة في نشرة إخبارية أن هناك تنامياً كبيراً داخل المجتمع الإسرائيلي لظاهرة شراء الدينار العراقي؛ طمعاً في الحصول على أرباح كبيرة قادمة؛ وتوقعاً لارتفاع أسعاره. [٢/١٢/١٤٢٧هـ]
ـ ذكر التقرير الذي يقدمه البنتاغون إلى الكونجرس الأمريكي بصفة دورية أن أعمال (العنف) قد بلغت مستوى غير مسبوق في العراق، وقال التقرير، الذي صدر متزامناً مع أداء (روبرت غيتس) اليمين الدستورية كوزير جديد للدفاع خلفاً لدونالد رمسفيلد: إن متوسط العدد الأسبوعي للهجمات في العراق قد ارتفع بنسبة ٢٢% خلال الفترة ما بين منتصف أغسطس إلى نوفمبر الماضيين، وارتفع عدد الهجمات إلى ألف هجوم أسبوعياً مقابل ٨٠٠ هجوم أسبوعياً في الفترة ما بين مايو وأغسطس.
[موقع بي بي سي ١٩/١٢/٢٠٠٦م]
ـ أعلن وزير الخارجية الإيراني (منوشهر متكي) أن طهران مستعدة لمساعدة الولايات المتحدة على الانسحاب من العراق شريطةَ أن تغيّر واشنطن موقفها من طهران، وقال المسئول الإيراني الذي كان يتحدث في مؤتمر حول الأمن في الخليج تستضيفه البحرين: «إذا غيّرت الولايات المتحدة موقفها فإن جمهورية إيران الإسلامية مستعدة لمساعدة هذه الإدارة، عندما يقولون: إنهم قرروا الانسحاب من العراق؛ سنشرح لهم كيف يمكن للمنطقة أن تساعدهم» .
[وكالات ٩/١٢/٢٠٠٦م]
ـ في استمرار لحملة التشويه المبرمجة التي تقودها قطاعات من حركة فتح ضد حركة المقاومة الإسلامية، زعم سلطان أبو العينين، مسئول فتح في لبنان، أن حماس فشلت في تسيير أمور السلطة؛ حيث أصبحت حكومتها صندوقاً للتبرعات، وادعى أبو العينين أن حماس اغتالت أكثر من ٤٠ كادراً من حركة فتح في فلسطين منذ تسلمها السلطة.
[موقع الحدث ١٧/١٢/٢٠٠٦م]
كشفت صحيفة (ديلي تليجراف) البريطانية أنه خلال ٢٠٠٦م تمت تسمية ٤٢٥٥ طفلاً باسم محمد، ليصبح بذلك أكثر انتشاراً من اسم (جورج) الذي سمي به ٣٣٨٦ مولوداً، وحمل اسم (جوزيف) ٣٧٥٥. وأكد مكتب الإحصاء الوطني أن اسم محمد بذلك يكون قد حل في المرتبة الثانية والعشرين على لائحة أكثر الأسماء الدارجة للأطفال الذكور في بريطانيا، والتي يحتل مركز الصدارة فيها لهذا العام اسم (جاك) . ومن المعروف أن اسم (محمد) هو أكثر الأسماء انتشاراً في العالم الإسلامي تعبيراً من المسلمين عن علامة تعجب
على تقصيرها في الذبح
ذكرت الجزيرة أن هناك حديثاً يدور حول مفاوضات واتفاق بين قادة الطوائف الشيعية على مواجهة فرق الموت.
[نشرة الأخبار الفضائية ٢/١٢/١٤٢٧هـ]
وفي الحروب نعامة!
صرح الرئيس السوري في مقابلة نشرتها صحيفة (لاريبوبليكا) الإيطالية الشهر الماضي: «إن كثيراً من الأصوات ترتفع في إسرائيل للمطالبة بحوار مع دمشق. وأضاف: «أقول إذن لأولمرت: ليقم بمحاولة لرؤية ما إذا كنا نخدع؟!» . [١٨/١٢/٢٠٠٦م]
رمي الجمرات و (الجمرة الرابعة)
واصل الرئيس التونسي المدعو (زين العابدين) بن علي تهجمه على الإسلام، حيث قال في حديث مع صحيفة لوموند الفرنسية: إن الحج هو رمز من رموز الجاهلية الأولى؛ حيث كان الناس يعبدون الأصنام. ودعا التونسيين إلى توفير أموالهم للنماء والإعمار!
[صحيفة الخبر الجزائرية]
بين جيش المهدي وجيش المالكي
قال بعض أهالي حي الحرية، الذي تسكنه أقلية سنية في بغداد: إن ميلشيات جيش المهدي هاجمت مناطقهم، وأجبرتهم على مغادرة منازلهم بعد مواجهات مسلحة جرت تحت أعين قوات الجيش الحكومية، والتي التجأ إليها السكان؛ لكي تعاونهم في مواجهة جيش المهدي، ولكنهم رفضوا التدخل! وقال قائدهم العسكري للأهالي وهم يخرجون من المنطقة: «أنتم جبناء! ارجعوا إلى بيوتكم وقاتلوا، احموا أنفسكم» . [موقع الحدث ١٠/١٢/٢٠٠٦م]
انتظار البلاء (السياسي) أشد من وقوعه
هذه المقولة تبدو صادقة إلى حد كبير في عالم السياسة، ومثالها لجنة التحقيق في اغتيال الحريري، فهي كما يلوح في الأفق لجنة معمرة ربما تتعامل معها الأجيال القادمة من السياسيين والحكام العرب، وإذا كان الكشف عن قتلة الحريري هو البلاء الذي يخافه البعض، فإن انتظاره والتلويح بقربه ربما يكون أكثر تأثيراً بالنسبة لواشنطن، فلجنة التحقيق ورقة يمكن التلاعب من خلالها بقوى كثيرة محلية وإقليمية، بينما كشف غموض الاغتيال ورقة محروقة تستخدم لمرة واحدة فقط وقد تأتي في غير موعدها فتصبح بلا قيمة. بينما لجنة (بيرميرتس) متعددة الأغراض واسعة المجال والمفعول، فهي تُستخدم للتأديب السياسي، وللتسخين أيضاً، كما لها أثر بالغ في تسوية الخلافات وإثارتها على السواء، أو على النار لا فرق.
وقد كانت أمريكا تسعى لتحويل محاكمة صدام إلى سيناريو مشابه، ولكن الرأي العام اكتشف أن صدام لا يملك أسراراً تخفى على واشنطن، أليس غريباً أننا لم نسمع عن تحقيق جِدِّيٍّ مع الرئيس السابق، ولم يعلن عن أي معلومات ذات قيمة تم الحصول عليها منه؟! ألا يعني ذلك أن الرجل كان غامضاً مع شعبه، بالغ الصراحة مع الأمريكان؟!
حبهم للرسول #. [بتصرف، موقع (المصريون) ٢٣/١٢/٢٠٠٦م]
أخبار
دورة السلاح في العراق
أكدت صحيفة (نيويورك تايمز) أن مسؤولين في الجيش العراقي يبيعون الأسلحة الأمريكية إلى من وصفتهم بـ «الإرهابيين» . وقالت: إن ارتفاع أسعارها أخيراً؛ بسبب تصاعد الاحتقان المذهبي. وذكرت الصحيفة أن العديد من مختلف قطع الأسلحة التي خصصتها الولايات المتحدة لعشرات الآلاف من قوات الشرطة والجيش العراقي تمت سرقتها أو بيعها لتستقر فى السوق السوداء؛ حيث تباع بأثمان باهظة. وأوضحت أن أسعار هذه الأسلحة آخذة في الارتفاع مع اتساع رقعة الحرب الطائفية؛ حيث يرفع العديد، من الذين يسرقون هذه الأسلحة لبيعها فى السوق السوداء، أسعارَها لتصبح أعلى بكثير من الأسعار التي كانت سائدة عند بدء الغزو الأمريكي للعراق منذ ما يقرب من أربع سنوات.
وأضافت الصحيفة: إن هناك ثلاثة أنواع من الأسلحة التي خصصتها الولايات المتحدة للشرطة والجيش العراقي متوافرة فى الوقت الراهن داخل المحلات التجارية والأسواق، وهي مسدسات من طراز عيار ٩ مم، ورشاشات كلاشينكوف غير مستخدمة كانت قد أتت أصلاً من دول أوروبا الشرقية.
وقال العميد حسن نوري، رئيس مكتب التحقيقات السياسية فى محافظة السليمانية: إن هذه الأسلحة تذهب من الجيش الأمريكي إلى الجيش العراقي، ثم إلى أيدي المهربين. وإنه تمكن من مصادرة العديد من هذه الأسلحة بعد أن اشتراها من وصفهم بـ «الإرهابيين» . [وكالات ١٠/١٢/٢٠٠٦م]
(نزيهة) ... ذهبت بلا عودة!
قال محمد نزَّال، عضو المكتب السياسي لحركة حماس: «إن مسئولين فلسطينيين موالين لعباس قاموا بالاجتماع مع آخرين صهاينة ومصريين وممثلين عن الاتحاد الأوروبي، وتم التوافق خلال اجتماع بينهم على عدم السماح بإدخال أي أموال مساعدة مالية للفلسطينيين عبر معبر رفح» ، وأضاف: «إن رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير (صائب عريقات) حصل على تعهد (مصري) بالعمل على عدم وصول الأموال إلى الفلسطينيين عبر معبر رفح» .
واعتبر نزَّال أن التطورات الأخيرة هي «جزء من مخطط فلسطيني عربي دولي لإسقاط الحكومة، وتمهيد الأجواء لإجراء انتخابات مبكرة» ، وقال نزال: «إن مستشار الأمن القومي (إليوت أبرامز) ، وهو أمريكي من أصل يهودي، هو صاحب نظرية إسقاط الحكومة في الإدارة الأمريكية الحالية» ، مشيراً إلى أنه يتقاطع في توجهاته هذه مع (عاموس جلعاد) المستشار في وزارة الحرب الصهيونية، وأضاف: «إن هذا التيار الاستئصالي توافق مع تيار داخل السلطة الفلسطينية يقوده عضو المجلس التشريعي عن حركة فتح، ورئيس جهاز الأمن الوقائي سابقاً، محمد دحلان» .
وأكد نزَّال أن الحكومة الفلسطينية ترفض الانتخابات المبكرة، وتعتبرها انقلاباً على الشرعية الفلسطينية، مؤكداً: «إنها لن تكون نزيهة؛ لأن إجراءها بنزاهة سيؤدي إلى فوز حماس بالمجلس التشريعي والرئاسة، وهو خيار لن تقبله السلطة ولا الكيان الصهيوني والولايات المتحدة» ، وقال: «إن الانتخابات التشريعية التي جرت مطلع هذا العام ستكون الأولى والأخيرة التي تتسم بالنزاهة» ، وأضاف: «إن واشنطن وصلت إلى اقتناع بأن أي انتخابات نزيهة بالمنطقة ستأتي بالإسلاميين إلى السلطة؛ وبالتالي لم تعد تسعى لذلك» .
وكانت صحيفة (معاريف) الصهيونية نقلت عن رئيس جهاز الاستخبارات الصهيوني (يوفال ديسكن) قوله في تقرير أمني قدمه للحكومة: إن عباس أوكل إلى دحلان مهمة إقامة قوة عسكرية جديدة؛ تمهيداً لمواجهة (عسكرية) مع حماس.
[المركز الفلسطيني للإعلام] سوريا تبيع (الدب) قبل صيده!
الأصل في المثل أنه يقول: «لا تبع فراء الدب قبل صيده» . ومن الواضح أنه مثل غربي، فليس في بلادنا العربية دببة أو بطاريق، فهناك الدب الروسي والدب القطبي الأوحد، أي أمريكا، وقد تملَّكت دمشق النشوة إثر تصاعد الأحداث في لبنان، وهي ترى قدرتها على تحريك الساكن وتجميد المتحرك في البلد المنكوب، فانطلق المسئولون السوريون يعلنون في تصريحاتهم بيع الدب نفسه وليس بيع فرائه فقط. وفهذا نائب رئيس الوزراء السوري عبد الله الدردري اعتبر في مقابلة نشرتها صحيفة (فايننشال تايمز) البريطانية أن عُزلة بلاده الدولية انتهت، وأن القوى الغربية أدركت ضرورة العمل مع دمشق، وقال الدردري: «إن (الناس) أدركوا في العواصم الغربية أنهم إذا أرادوا أن يكونوا نافذين في الشرق الأوسط، فلا يمكن تجاهل دمشق» ، مؤكداً أن «العزلة السياسية السابقة لسورية قد انتهت» . وأضاف مؤكداً: «العزلة لم تعد قائمة» . وأشار الدردري في المقابلة مع الصحيفة الاقتصادية إلى أن الولايات المتحدة كانت تقوم في السابق بتقديم لائحة مطالب إلى سورية لإنهاء ممارسات مختلفة بدلاً من التحاور حول مواضيع ذات اهتمام مشترك، معتبراً أن هذا الموقف أظهر عدم فاعليته، وقال: «هذا الأمر لم ينجح في نيسان ٢٠٠٣م بعيد اجتياح بغداد. وإذا كان هذا الأمر لم ينجح في تلك الفترة في أوج النفوذ الأمريكي في المنطقة؛ فإنه لن ينجح الآن» ، مؤكداً على أن الأولوية بالنسبة لدمشق هي ضمان استعادة هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل عام ١٩٦٧م.
(فتح) ملفات الفساد اتهم أبو مازن في خطابه الانقلابي الشهير حركة حماس بأنها تسرق أموال المساعدات العربية التي بذل هو جهوداً كبيرة في توفيرها! ويأتي هذا الاتهام بينما كانت السلطة الفلسطينية غارقة في الفساد إلى أذنيها قبل الانتخابات الأخيرة، وهذا الاتهام بالغ الخطورة كونه يخلط الأوراق ويحذف تراثاً متراكماً من الفساد عبر عشرات السنوات حققته حركة فتح، ويوجه اتهاماً فاضحاً إلى أنظف حكومة فلسطينية تسلمت الحكم منذ تأسيس السلطة الفلسطينية.
وفي هذا السياق نكتفي فقط بذكر شهادات وإجراءات قالها واتخذها فتحاويون في مواجهة فتحاويين، وإن كان ذلك بالطبع لا ينفي وجود تيار وطني شريف داخل حركة فتح.
ـ قبل تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية العاشرة بفترة وجيزة أعلن النائب العام الفلسطيني أحمد المغني أن النيابة تحقق في ٥٠ قضية فساد مالي وإداري، وأشار إلى أن قيمة الأموال المهدورة والمختلسة فيها تبلغ أكثر من ٧٠٠ مليون دولار، بينها قضية بمبلغ ٣٠٠ مليون، منوهاً إلى أن الأمر يتعلق بمسئولين كبار ومتنفذين في السلطة.
ـ في ٣ فبراير من العام الحالي ألقت أجهزة الأمن الفلسطينية القبض على مدير عام وزارة المالية سامي رملاوي، بينما كان يحاول مغادرة الأراضي الفلسطينية إلى الخارج عبر جسر الملك حسين في غور الأردن، وبحوزته حقيبة دبلوماسية بداخلها ١٠٠ مليون دولار!
ـ في حديث لسلام فياض وزير المالية السابق قال: إن مداخيل الخزينة في السلطة قد ارتفعت بمقدار ٣٠ مليون دولار في الشهر خلال عام ٢٠٠٤م؛ نتيجة مكافحة الفساد! أي بمعدل ٣٦٠ مليون دولار سنوياً.
ـ نشرت مجلة (فوربس) الأمريكية الاقتصادية المعروفة تقريراً يضع عرفات في المرتبة التاسعة بين حكام الدول الأكثر ثراءً في العالم، وقدر جويد الغصين الرئيس السابق للصندوق القومي الفلسطيني ثروة عرفات بأنها تبلغ (٣ ـ ٥) مليار دولار، وذلك بعد خلافه مع عرفات.
ـ ذكر تقرير لصندوق النقد الدولي نشر في عام ٢٠٠٣م أنه تم تحويل ٩٠٠ مليون دولار بين عامي ١٩٩٥ و٢٠٠٠م من ميزانية السلطة إلى حساب مصرفيِّ خاص باسم عرفات.
ـ أحد كبار فتح نفسها (محمد جهاد) لم يتورع عن القول: إن عرفات قد أحاط نفسه بثلة من اللصوص والمبتزين، كما ذكر محسن صالح في كتابه: (القضايا الفلسطينية خلفياتها وتطوراتها حتى العام ٢٠٠١م) .
ـ في حوار مع صحيفة عكاظ، ٢٧/٥/٢٠٠٤م، قال جبريل الرجوب عن محمد دحلان: «ليس مهماً أن أعطي أي أجوبة حول دحلان؛ لأنه لا يهمني إطلاقاً، هو عميل والجميع يعرف» .
ـ في عام ١٩٩٧م صدر تقرير لجنة المراقبة في المجلس التشريعي الفلسطيني مؤكداً أن الفساد المالي في أجهزة السلطة والسرقات قد طالت ٣٢٦ مليون دولار أمريكي.
ـ مدير عام هيئة البترول حربي الصرصور، اعتقِل بتهمة اختلاس أموال وشراء عقارات بمسميات عدة، واختلاس أموال تقدر بمئات الملايين من الدولارات.
ـ كشفت لجنة تحقيق تابعة للمجلس التشريعي، الذي كانت فتح تسيطر عليه وقتها: أن جمال الطريفي، وزير الشئون المدنية السابق، كان يستورد الإسمنت من مصر لحساب السلطة، ثم يقوم بإعادة بيعه للصهاينة مرة أخرى؛ حيث يُستخدم في بناء المستوطنات والجدار العازل.
ـ في أغسطس ٢٠٠٥م، وبعد الانسحاب الصهيوني من غزة، كشف رئيس سلطة الأراضي الفلسطينية فريح أبو مدين في مؤتمر صحفي أن التعديات على ٨٠% من الأراضي الحكومية في القطاع هي من قبل مسؤولين ومنتسبين للأجهزة الأمنية الفلسطينية، وصفهم بأنهم من «أثرياء السلطة» .
ـ صحيفة الـ (صنداي تايمز) اللندنية ذكرت أن أرملة عرفات حصلت بعد موته مباشرة، بناءً على اتفاق مع رئيس وزراء السلطة آنذاك أحمد قريع، على ١٣ مليون جنيه إسترليني فوراً، بالإضافة إلى ٨٠٠ ألف جنيه إسترليني تصرف لها سنوياً لحين بلوغها سن التقاعد؛ على اعتبارها موظفة رسمية في مكتب الرئيس قبل زواجه منها! ثم يصرف لها بعد التقاعد مبلغ ٣٠٠ ألف جنيه إسترليني سنوياً مدى الحياة.
ـ نشرت الحياة اللندنية في ٥ سبتمبر ٢٠٠٥م أن آلاف من الموظفات في مؤسسات السلطة الفلسطينية ودوائرها يحصلن على رواتب وهن غير موجودات في الأراضي الفلسطينية منذ سنوات طويلة، وأن بعضهن زوجات مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية، وقد قدر عددهن بأربعة آلاف.
ـ صرح وزير الإعلام الفلسطيني الدكتور يوسف رزقة في مايو ٢٠٠٦م: إن عدد موظفي وزارته ١٦٢ موظفاً، وإن ١٢٧ منهم مدراء ورؤساء أقسام، أي نحو ٧٨.٤% هم في وظائف إشرافية.
ـ لاحظت استطلاعات الرأي العام في الضّفة والقطاع أن نسبة المعتقدين بوجود فساد في السلطة الفلسطينية ومؤسساتها ارتفعت من ٤٩% في سبتمبر ١٩٩٦م إلى ٧١% في يونيو ١٩٩٩م، إلى ٨٣% في يوليو ٢٠٠١م، و٨١% في ديسمبر ٢٠٠٣م، أي أن الإجماع الفلسطيني على وجود فساد في السلطة كان أكبر من أي إجماع آخر، حتى على انتفاضة الأقصى نفسها.
(المعلومات مستقاة من تقرير وائل السعيد حول الفساد في المنظمة والسلطة، ونشره المركز الفلسطيني للإعلام على الإنترنت) .
س وج
س: هل هناك مؤشرات تبين توجهات الرأي العام الفلسطيني حول الأحداث الأخيرة ودعوة (أبو مازن) إلى انتخابات مبكرة؟
ج: تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى ارتفاع نسبة المؤيدين لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، بالرغم من الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وحكومته منذ تسعة أشهر، مقابل تراجع لحركة (فتح) ، إضافة إلى رفض الانتخابات المبكرة التي دعا إليها رئيس السلطة محمود عباس.
وكان من أبرز ما نشر في هذا الشأن؛ استطلاع أجراه موقع قناة (الجزيرة) على شبكة الإنترنت، الذي بيّن أن ٨٢.٤ في المائة من إجمالي المشاركين في الاستطلاع، وعددهم أكثر من أربعين ألفاً، لا يؤيدون الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة، فيما أيدها فقط ١٧.٦٧ في المائة من إجمالي المصوتين. وفي استطلاع آخر، يجريه موقع صحيفة القدس الفلسطينية وشارك فيه قرابة ١١ ألفاً؛ قال نحو ٤٨.٥٢ في المائة من المشاركين في الاستطلاع: إنهم سيصوتون لصالح حركة حماس إذا أجريت الانتخابات المبكرة، فيما قال ٣٠.٣٥ في المائة: إنهم سيصوتون لصالح حركة فتح. وفي إجابتهم على سؤال، يطرحه موقع إخباريات الإلكتروني: إذا جرت انتخابات مبكرة لمن ستصوت؟ قال ٥٦.٣ في المائة من المشاركين في الاستطلاع، والذي بلغ عددهم ١٢٠٠ زائر: إنهم سيصوتون لحركة حماس، و٣٢.٩ في المائة لفتح» . أما نتيجة استطلاع موقع (فلسطين اليوم) ، والذي شارك فيه نحو ألف زائر، حول موقفهم من دعوة رئيس السلطة محمود عباس لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة فكانت على النحو التالي: ٦١.٦٨ في المائة يرفضون هذه الدعوة، فيما أيدها ٣٨.٣٢ في المائة. وفي استطلاع لموقع (فلسطين الآن) ؛ أجابت الغالبية (٦٧.٥ في المائة) من المشاركين في الاستطلاع وعددهم نحو خمسمائة، أن الخروج من الأزمة السياسية الراهنة يكون بإجراء انتخابات رئاسية فقط، مقابل ٢٢ في المائة رأوا بأنه مرتبط بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، و١٠.٤ في المائة غير ذلك. أما الاستطلاع الذي يجريه موقع (المركز الفلسطيني للإعلام) ، وشارك فيه حتى الآن نحو سبعة آلاف مصوت؛ فإن ٨٥.٨٨ في المائة من زوار الموقع أعربوا عن رفضهم لدعوة عباس، فيما أيدها ١٣.٣٧ في المائة. [المركز الفلسطيني للإعلام]
س: كيف تنظر مراكز الدراسات الأمريكية إلى مشروع نشر الديموقراطية في ضوء فوز الإسلاميين المرجّح دائماً؟
ج: يمكن أن نأخذ مثالاً على ذلك: التقرير الذي نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وهو تابع لمنظمة (إيباك) الصهيونية في أمريكا، ويعتمد التقرير الذي يقدم وصفة لكيفية هزيمة الإسلاميين في الانتخابات على دراسات مختصرة لثلاثة من المتخصصين، كان أبرزهم الإيطالي (سونر جاجابتاي) ، الذي اعتبر أن ضعف الأحزاب الليبرالية العلمانية في العالم الإسلامي هو السبب الرئيس لفوز الإسلاميين؛ بسبب سياسات القمع، وهو يتهرب من الاعتراض بأن الإسلاميين تعرضوا لقمع مماثل بالقول: إنهم استخدموا المساجد كبديل للمنظمات والأحزاب. أما في الدول التي لم تشهد قمعاً فيعتبر (جاجابتاي) أن انتشار الفساد لدى الاتجاهات غير الإسلامية عاملاً مهماً في فوز الإسلاميين، كما في تركيا وفلسطين، وأيضاً يرجع تأثير كبير لتوفر تمويل ضخم للإسلاميين ـ كما يزعم ـ وذلك بخلاف الليبراليين.
وفي نهاية دراسته يحدد (جاجابتاي) ثلاثة عوامل مهمة لهزيمة الإسلاميين في الانتخابات، وهي: أولاً: تحديد الحلفاء بوضوح، وهم المسلمون من غير الإسلاميين، واعتبار أن معركة الغرب مع الإسلاميين وليس عموم المسلمين. ثانياً: تعميق التمييز والانقسام بين المسلمين والإسلاميين من خلال إقامة أنشطة موازية لما تقوم به الحركات الإسلامية، خاصة في مجالات: التعليم، والصحة، والمجتمع المدني، والمساعدات الاجتماعية. ثالثاً: رفع تكلفة العمل مع الإسلاميين من خلال استخدام المنح والمعونات الأمريكية ومزايا الهجرة وغيرها كوسائل للضغط على غير الإسلاميين، ويلفت (جاجابتاي) إلى أهمية استغلال الجاليات العربية في محاربة الإسلاميين، مذكراً بالتجربة الأمريكية في محاربة الشيوعيين في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.
أما المحلل (جريجوري جوس) فيعتبر أنه لا بديل عن تأجيل نشر الديموقراطية في العالم العربي؛ لأن النتائج النهائية لتلك التجربة لا تتفق مع المصالح الأمنية الأمريكية.
أما الباحثة القبطية منى مكرم عبيد فدعت إلى استراتيجية مزدوجة تتبنى تشجيع البديل الليبرالي، ودمج التيار الإسلامي المعتدل في الحياة السياسية نظراً لصعوبة استئصاله من المجتمع.
[بتصرف عن موقع ميدل إيست أون لاين٢٣/١٢/٢٠٠٦م]
ترجمات عبرية خاصة بالبيان
تصريحات
إن إسرائيل تفهم العملية السلمية على أنها فرصة لإضعاف الطرف المحتلة أراضيه ويتعرض إلى الاضطهاد؛ ولذلك فإنها ترفض تنفيذ اتفاقات (أوسلو) ، وتحاول استبدال قيام الدولة الفلسطينية بهياكل فلسطينية تكون تابعة لها وبمثابة وحدة إدارية في إطار دولة إسرائيل.
[نائب رئيس مجلس النواب التشيكي، ورئيس الحزب الشيوعي التشيكي (فويتيخ فيليب) ـ معاريف ٢١/١٢/٢٠٠٦م]
«بما أننا نعيش في عصر المعلومات فإننا نجد أن العالم الإسلامي ينقصه المعلومات الأساسية عن إسرائيل، لذا أطلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية موقعاً على الإنترنت باللغة الإندونيسية، يهدف إلى إيجاد حوار مع إندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان» .
[السفير الإسرائيلي في سنغافورة إيان بن دوف ـ موقع وزارة الخارجية]
«هل يعقل أن ينشأ لدينا جيل لا يعرف ما هي حدود إسرائيل في عام ١٩٤٨م، ولا يعرف كيف دارت حرب ١٩٦٧؟ وكيف تم تحرير القدس الشرقية وحائط المبكى، وتوحيد القدس؟» .
[وزيرة التعليم الإسرائيلية (يولي تامير هارت س) ٥/١٢/٢٠٠٦م]
ترجمات
أبلغ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية خلال اجتماعهما في طهران بضرورة «التريث لحين خروج إيران بعد أربعة أشهر ببيان دراماتيكي حول تغيير ميزان القوة الاستراتيجي في المنطقة» . [معاريف ١٨/١٢/٢٠٠٦م]
فرضت المحكمة العليا الإسرائيلية قيوداً على سياسة الجيش في اغتيال النشطاء الفلسطينيين؛ لكنها رفضت التماساً يطالب بتجريم هذه الممارسة تماماً. [هاارتس ١٦/١٢/٢٠٠٦م]
عاد نادي (هاكوه) الرياضي اليهودي إلى مقره القديم في فيينا بعد ما يزيد على ٦٠ عاماً من قيام النازيين بإغلاقه. وبدأ تشييد الملاعب الجديدة رسمياً في موقع المبنى القديم للنادي الذي صادره الحكام النازيون للنمسا عام ١٩٣٨م. يذكر أن نادي (هاكوه) الذي أنشئ عام ١٩٠٩م ظل لفترة طويلة أكبر رابطة رياضية للهواة في العالم. [معاريف ١٤/١٢/٢٠٠٦م]
ارتفعت حصيلة استثمارات الإسرائيليين في العقارات في الخارج بعشرة أضعاف في غضون سنتين: إلى ٦١ مليون دولار» . [صحيفة زي ماركر الاقتصادية ٣/١٢/٢٠٠٦م]
«قررت شركة الطاقة المملوكة للدولة في إسرائيل البدء في إنتاج كهرباء متوافقة مع الشريعة اليهودية، في محاولة لإرضاء المتشددين اليهود تتكلف ١٠ ملايين دولار لـ (مَيْكنة عمليات الإنتاج، وتعيين عمال من (الأغيار) ، أي: من غير اليهود؛ لإنتاج الكهرباء يوم السبت، يوم العطلة الأسبوعية لليهود، دون مخالفة الشريعة اليهودية» . [معاريف ١٧/١٢/٢٠٠٦م]
أخبار التنصير
استراتيجية التنصير في السنغال
أكد رئيس المجلس الإسلامي بالسنغال الشيخ (سيد غالي لو) ، أن التنصير في السنغال لا يحتاج إلى غزو؛ حيث تعمل المئات من المنظمات التنصيرية في السنغال على قدم وساق، ولا تجد هذه المنظمات أدنى صعوبة. وأشار الشيخ (لو) إلى أن الأثرياء من أبناء المسلمين يذهبون إلى هذه المدارس لتلقي علومهم! وهناك إقبال على المستشفيات التي تحمل شعار الصليب الأحمر؛ في وقت لا توجد المستشفيات التي تحمل شعار الهلال الأحمر.
وأضاف الشيخ (لو) في حواره مع شبكة (الإسلام اليوم) : إن الأعياد المسيحية تحوّلت إلى أعياد رسمية، وليس عيدا الفطر والأضحى، ومع ذلك فإن استراتيجية التنصير في السنغال تعتمد على إيجاد تباعد وهوة بين المسلم ودينه الحنيف، بحيث لا يلعب الدين دوراً في حياته، وهو ما يُعدّ أفضل لديها من أن يكون مسيحياً.
وتابع قائلاً: كذلك ينتشر المنصرون بين القبائل الوثنية، فهم يفضلون استمرارها في عبادة الأصنام على اعتناق الإسلام الذي يُعدّ الدين الأكثر اعتناقاً في أوساط الوثنيين.
[الإسلام اليوم ١٨/١٢ /٢٠٠٦ م]
محاضرة البابا المسيئة للإسلام تفوز بجائزة (كلمة العام)
منح مؤتمر الخطابة المحاضرةَ التي أساء فيها (بنديكت) السادس عشر للإسلام ولشخص الرسول # جائزة (كلمة العام) .
وكانت المحاضرة التي ألقاها بابا الفاتيكان بجامعة (ريجينسبرج) الألمانية في سبتمبر الماضي، والتي تأسّف بعدها لسوء فهم المسلمين لمحاضرته وغضبهم؛ ولكنه لم يعتذر! ذلك بعد أن ربط في محاضرته بين الإسلام والعنف، وتعرض للنبي محمد #، مدعياًَ بأنه لم يأتِ إلا بكل ما هو شر.
وزعمت الهيئة المانحة لهذه الجائزة أن «موضوع الكلمة التي أُسيء فهمها عمداً هو العلاقة بين العقل والإيمان في المسيحية، وتأكيد العقيدة المسيحية التي تتصرف بعقلانية توافق طبيعة الله» .
ويمنح مؤتمر الخطابة جوائز (كلمة العام) منذ عام ١٩٩٨م، ومن بين الذين حصلوا على الجائزة: وزير الخارجية الألماني السابق (يوشكا فيشر) والنائب الفرنسي الألماني بالبرلمان الأوروبي (دانييل كون بنديت) .
[رويترز ١٨/١٢/٢٠٠٦م]
стр. 5855
إيران توصي حلفاءها في العراق بطاعة الأمريكان
الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق
الشيخ الدكتور: حارث الضاري
مطالب السنَّة وغيرهم من القوى الوطنية المعارضة للاحتلال في مقدمتها إنهاء الاحتلال، فرحيل قوات الاحتلال من العراق؛ لأن كل ما حصل للعراق والعراقيين من أذى وسوء وشر هو بسبب الاحتلال. المطلب الأول لكل عراقي وطني واعي ينبغي أن يكون هو رحيل الاحتلال.
مطالبة إيران برحيل الاحتلال مطالبة أعتقد أنها غير صادقة؛ لأن هناك من الأدلة ما يؤكد أنها غير صادقة وغير جدية؛ إنها توصي حلفاءها في العراق بأن يطيعوا الأمريكان وأن يتعاملوا معهم إلى أبعد الحدود، ثم إن تصريحات بعض مسؤوليهم تدل على أنهم لا يريدون رحيل الاحتلال، ولكن يريدون تصعيد الأزمة في العراق، ويبقى العراق هكذا مغموساً في وحل المشاكل والجرائم والفوضى وما إلى ذلك لكي يدخلوا، ولكي يتمكنوا أكثر فأكثر في العراق؛ إذ صرح أحد مسؤوليهم بقوله: «إننا ندعم بعض الجهات التي تقاوم الاحتلال، حتى تلك الفصائل المتطرفة التي تقتل الشيعة» فلما قيل له: لماذا تدعمونهم وهم يقتلون الشيعة وقتلوا محمد باقر الحكيم؟ قال: «هذا الموضوع غير مؤكد؛ فمصلحة إيران الاستراتيجية والوطنية تقتضي أن ندعم هؤلاء ليبقى الوضع في العراق على ما هو عليه» . قال ذلك بهذا المعنى ونقله عنه مصدر إيراني في بعض الصحف والفضائيات المعروفة.
المعارضون للاحتلال من أهل السنة وغيرهم لا يطالبون برحيل الاحتلال عن فراغ؛ وإنما لأنهم يعلمون أن لديهم القدرة على أن يملؤوا هذا الفراغ، وإلا فلماذا طالبوا برحيل الاحتلال؟ هذا أولاً. وثانياً: ليعلم الجميع أن الاحتلال هو وراء المشاكل كلها، وأنه إذا رحل فإن الكثير من هؤلاء الذين يستخدمهم في العراق لإحداث الفتن سيرحلون برحيله، ومن ثم سيعود العراق إلى أهله وبإرادة أهله وبقوة أهله الذين سيملؤون الفراغ.
أعتقد أن الاحتلال إذا رحل سينسحب الغطاء عن هؤلاء العملاء الذين يعيثون فساداً في أرض العراق، والذين يقفون وراء الجرائم المنظمة ضد هذه الفئة أو تلك، ولا سيما الموجهة إلى أهل السنَّة؛ فرحيل الاحتلال هو بداية سحب الغطاء عن هذه الجهات المجرمة، ومن ثم ستكشف لبقية أبناء العراق، وسيكون دورها ضعيفاً، ولا بد لها من أن تختفي من على وجه الأرض.
الاحتلال يرفضه ٩٠ بالمائة من العراقيين؛ أما من يرفض هذه الحكومة ومشروع إيران في العراق، وهو مشروع التقسيم فيزيدون عن ٧٠ إلى ٨٠ بالمائة، هناك تنسيق في الأهداف، في الأفكار، في المواقف، وقد بدت واضحة والحمد لله يوم صدور المذكرة باعتقالي، فكانت هذه المذكرة بمثابة استفتاء على الحكومة وعلى معارضيها؛ إذ إن الكثير من الجهات الوطنية العراقية من مرجعيات دينية ومن قبلية وسياسية وغيرها كلها استنكرت هذه المذكرة واستهجنتها وازدرت الحكومة التي أصدرتها، فكانت كما قلت بمثابة استفتاء وضع الحكومة وأنصارها في زاوية ضيقة.
стр. 5856
الرِّق الجماعي
د. يوسف بن صالح الصغير
تعتبر الفرقة الأجنبية من أفضل فرق الجيش الفرنسي أثناء الفترة الاستعمارية. وهي مؤلفة من مرتزقة مجندين يقاتلون من أجل المال، ومن أجل ممارسة هواية البطش والتسلط تحت لواء دولة ظاهرة. ولا ننسى انتكاس فطرة البعض أيام انتشار الرق؛ حتى إنه يفتخر بأنه عبدٌ للسلطان، ويتعامل مع المستضعفين من الناس كما لو أنه هو السلطان.
وفي هذا العصر تضاءل الرِّق الفردي، واستُبدِل بالرق الجماعي: رِّق الشعوب والأمم، أو رِّق الدول والمنظمات: فمن يستطيع أن يدعي أن منظمة الأمم المتحدة حرة وليست مسلوبة الإرادة من الأسياد؟! وسنجد في كل قارة دولاً ومنظمات وضعت نفسها تحت طلب الأسياد. وبسبب التداعي الجديد على الصومال سأركز في حديثي هذا على الحالة الأفريقية. وسنذكر أمثلة نبدأ فيها بأوغندا؛ فقد حصل فيها انقلاب عسكري قاده ضابط حصل على دورات تدريبية في الجيش الصهيوني، واستمر النظام الجديد في تأدية دور بلاده المرسوم في دعم الخطط الغربية لفصل جنوب السودان، ولكن بعد فترة من الزمن بدأ عيدي أمين يقترب من العالم الإسلامي ويحاول التحرر من الأسر، وكان إغلاق الحدود مع السودان كافياً لخنق التمرد الجنوبي، واضطراره لعقد اتفاقية سلام مع نظام جعفر نميري. وهنا بدأ الغرب محاولة إعادة الرئيس النصراني السابق الذي لجأ إلى تنزانيا التي كان يحكمها (جوليوس نيريري) ، وبعد محاولات فاشلة لإعادته عن طريق المعارضة الأوغندية قام الجيش التنزاني، الذي تم تجهيزه لهذه المهمة، بغزو أوغندا وسط ترحيب غربي، وتم إسقاط النظام، وعاد الحكم فيها إلى النصارى، وهنا عادت أوغندا إلى أحضان الشرعية الدولية، وبدأت تمارس دورها من جديد في جنوب السودان، وتطور الأمر إلى حصولها على وكالة من أمريكا لتتولى تصفية النفوذ الفرنسي في منطقة البحيرات الكبرى، وقام الجيش الأوغندي بغزو راوندا وبورندي والكونغو وتسليم الحكم فيها إلى أتباع (الأنجلوساكسون) ، ولم تصدر في حقها قرارات تحت البند السابع، ولم تُرسل قوات أممية لمنع الإبادة الجماعية التي ذهب ضحيتها مئات الألوف من (الهوتو) و (التوتسي) وقبائل الكونغو. إن تصرف أوغندا مبرر؛ لأنه دفاع عن النفس! ونحن الآن أمام مهمة جديدة للدفاع الشرعي عن النفس تقوم به إثيوبيا.
نعم إن إثيوبيا المسالمة، التي تحتل إقليم (أوجادين) الصومالي وتحمي بجيشها وجود حكومة (بيدوا) الشكلية، تتعرض للتهديد من إمكانية تشكل نظام صومالي جديد يعيد بناء دولة واحدة للصوماليين، الذين تعرضوا لعملية شرذمة وتقسيم، تمنع تكوّن تكتل إسلامي كبير؛ حيث إن وضعهم السياسي يشبه وضع الأكراد إلى حد كبير. فقد حرص الغرب على تقطيع أوصال الصومال الكبيرة إلى أجزاء، منها: الصومال الفرنسي (جمهورية جيبوتي) ، وأوجادين (تحت الحكم الإثيوبي) ، وغرب الصومال (تحت الحكم الكيني) ، والباقي يعرف بالصومال الإيطالي والإنجليزي؛ الذي تشكلت منه جمهورية الصومال التي أعيد تفكيكها بعد انهيار حكم زياد بري، وقسمت إلى جمهورية أرض الصومال، والباقي وُضع، بعد فشل محاولة الاحتلال الأمريكية، تحت سلطة حكومة ديمقراطية وهمية لم تدخل العاصمة مطلقاً؛ فبعد أن كانت في نيروبي (كينيا) انتقلت إلى ركن قِصيِّ، قريب من حدود إثيوبيا (بيدوا) .
حُكِم ما تبقى من الصومال من قبل ميليشيات قبلية متناحرة، وكانت العاصمة مسرحاً رئيسياً لمحاولة قادة الميليشيات القبلية إثبات وجودهم، وفُقِد الأمن، وانعدم العدل، وكان هذا وضعاً مثالياً لنهب ثروات البلد وتحويله إلى مكب للنفايات بدون رقيب ولا حسيب. وكان الوضع من السوء بحيث تقبل عامة الناس ظهور مشروع ريادي يتمثل في تحالف مجموعة؛ ممن يحبون العدل بقدر ما يكرهون الظلم، وتعاهدهم على رفض الظلم وأخذ الحق للضعيف من القوي، وسميت: (المحاكم الإسلامية) . وكان تكوُّنُ قوة مسلحة ضرورياً لتنفيذ الأحكام، وسرعان ما تقبلها الناس فكانت المتنفس الوحيد للضعفاء لأخذ حقهم، وحصل التحول الكبير في الصومال حيث برزت القيادة الشرعية، وتحول الولاء الأول من القبيلة إلى القاضي، وهنا جُنَّ جنون إفرازات الحرب الأهلية وهاجموا المحاكم الإسلامية، وحاولوا استثارة أمريكا باتهامها بالعلاقة بالقاعدة وأنها (طالبان) الصومالية، وكان الدعم الأمريكي دافعاً لصراع عسكري انتهى بسقوط قيادات الميليشيات القبلية وتكوُّن نواة سلطة مركزية جديدة تقوم على الراية الوحيدة التي يمكن أن يجتمع عليها كل الصوماليين؛ إنها راية الشريعة الإسلامية. مسافة لقد فُرِض الصراع العسكري على المحاكم؛ مما حولها بسرعة من مشروع دعوي إلى مشروع سياسي كبير، ووجد قضاة المحاكم أنفسهم يوضعون في المقدمة لِيمارسوا السياسة في محيط معادٍ حريص على القضاء على (طالبان) الجديدة في مهدها، وإنه يجب أن تعود الأمور إلى سابق عهدها قبل أن يعتاد الناس على الوضع الجديد، ويجب أن يُعلم أن ما يجري بالصومال حالياً هو حربٌ الهدف منها إبقاء الصومال مفككاً ومنع تكوّن نظام مركزي من جديد، وخاصة إذا كان النظام إسلامياً.
إن ِفشل قادة الميليشيات أدى لتدخل مباشر من إثيوبيا، وإن فشل إثيوبيا سيؤدي إلى دخول أطراف أخرى. فقد صرح (باتريك مازيمهاكا) ، نائب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي لوكالة الصحافة الفرنسية: «إن الاتحاد الأفريقي يعترف بأن إثيوبيا مهددة من المحاكم الإسلامية، ونحن نقر بحقها في الدفاع عن النفس» . وهو يماثل تصريح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية (غونزو غاييغوس) أن لإثيوبيا مخاوف حقيقية على أمنها مما يجري في الصومال؛ ولذا فإن على المحاكم التعامل مع الوضع، إنهم أمام أمرين لا ثالث لهما، وهما: إلغاء المشروع وعودة الأوضاع إلى سابق عهدها مع توقع اضطهاد ومحاربة التوجه الإسلامي، وفرض كيان صومالي جديد قائم على نظام ديمقراطي شكلي تحت الحماية الأجنبية، أو الدخول في مواجهة طويلة الأمد مما يقتضي الاقتصاد في القوى، والحذر من الدخول في مغامرات عسكرية فاشلة، وأن تكون الحرب مع الحبشة بأسلوب يناسب المحاكم. وكما أنه وسيلة لإنهاك الحبشة وطردها فإنه فرصة لتكوين قوات عسكرية متماسكة متمرسة، تنصهر فيها مكونات المجتمع الصومالي؛ ولذا فإن على المحاكم أن تحرص على تجنب الدخول في صراع مع الميليشيات الصومالية المرافقة للجيش الإثيوبي. وإن النجاح في عزل الجيش الإثيوبي، باعتباره جيش احتلال، هو الخطوة الأولى.
стр. 5857
سحر الكلام وفن التشجيع
عبير العقاد
في يوم من الأيام، وبعد تشجيع من أحد أهمّ الشخصيات المهنية في حياتي، أحسست بنيران الهمة العالية تغلي في مرجل أعماقي، متأججةً بتوقّد رهيب يتطلع إلى الانفجار.. وما هي إلا أيام حتى انفجر البركان وانطلقت حمم الهمة بإقدام ٍ مصرّ لا تعوقه المصاعب ولا الآلام، حاملةً معها نشاطات وإبداعات ما كانت لتظهر لولا كلمات ذاك الشخص الذي أشعل المصباح في رأسي وقلبي، ليريني قوتي ويدفع القوى المتصارعة في داخلي إلى التوحد بدل العراك، والانطلاق في الدرب الذي أناره لي بهندسة فنية متقنة ورائعة لم أشهد لها مثيلاً من قبل.
ومن ضمن النشاطات التي توقدت في داخلي وتبلورت، أردتُ إعداد كتاب في موضوع من اختصاصي الذي أُعرف ببراعتي فيه، ولأنني لا أعلم قواعد النشر، اتصلت للاستفسار عنها مستعينةً بإحدى أكبر المراكز المشهورة والمتألقة المسؤولة عن الأمر.
فاجأني إداريٌّ رفيع المستوى بإجابات وكلمات لا تحتاج كثير جهد لِتَشم رائحة السخرية والتثبيط المنبعث منها.. «الكتاب يمكن ألا ينشر ... إنه يحتاج موافقاتٍ كثيرة ... هناك خطوات صعبة للنشر من المحتمل عدم قدرتك على تخطيها.. إن كنت تفكرين في نشر الكتاب للحصول على وارد مادي يستحسن ألا تضيعي وقتك بالكتابة ... » إلى غير ذلك من الكلمات المثبطة. والغريب في الأمر أن ذلك المسؤول رفيع المنصب لم يسألني عن اختصاصي ولا عن موضوع الكتاب الذي أودّ تناوله، ولا إن كانت لديّ المؤهلات الثقافية التي تؤهلني لنشر الكتاب أم لا!
يا للهول! أحسستُ بكلماته ماءً أطفأ توقدي وصخرة عرقلت وثبتي.
انطفأتُ ... تراجعت ... ونام حلمي.
كلماتٌ أحيت الحلم، وكلمات أسدلت عليه الستار.
يا لسحر الكلمات!
يحكى أن ضفادع كانت تقفز مسافرةً بين الغابات، وإذا اثنتان منها تقعان في بئر عميقة يستحيل الخروج منها.. نظرتْ الضفادع في الأعلى إلى صديقتيها الواقعتين في البئر بعين الحسرة وظنت أنهما لا بد هالكتان، وبدأت الضفادع تنقل شعورها إلى صديقتيها في الأسفل مُعْلِمَةً إياهما أنهما لا بد ميتتان؛ فلا داعي لبذل الجهد والتعب للخلاص من هذا المأزق الذي لا حلّ له.
لكنّ حلاوة الروح دفعت بالضفدعتين إلى المحاولة بكل ما أوتيتا من قوة للخروج، ومع كل خطوة إلى طريق النجاة كان هناك تيار معاكس من التثبيط القوي الآتي من الضفادع في الأعلى التي كانت تصرّ عليهما بألاَّ يتابعا المسير؛ لأنهما لا بد ميتتان.
استمرت الضفدعتان بالمحاولة، واستمرت الضفادع في الأعلى بالدعوة إلى توفير الجهد والطاقة والتعب، وإيقاف المحاولة؛ فالأمر عسيرٌ عسير.
وبعد سلسلة من المحاولات، انصاعت إحدى الضفدعتين لإيحاءات الضفادع في الأعلى التي جعلتها تقتنع بأن لا جدوى للسير قُدُماً، فاعتراها اليأس واستسلمت للأمر الواقع وكفّت عن المحاولة، فسقطت ميتة.
أما الأخرى، فلم تُعِرْ لكلامهنّ أية أهمية، وبدتْ كما لو أنها صمّت سمعها وفؤادها عن كلامهنّ وإيحاءاتهنّ السلبية، وتابعت القفز أسرع وأسرع وأسرع حتى وصلت حافة البئر وقفزت إلى خارجه ونجت.
وبعد الترحيب بها والتهنئة بسلامتها، اكتشفت الضفادع أنها لم تكن تسمع صياحهنّ؛ إذ ما هي إلا ضفدعة مصابة بصمم جزئي؛ ذلك الصمم الذي جعلها تعتقد أن صديقاتها في الأعلى يشجعنها على المضي قُدُماً في طريق النجاة مما ضاعف عزمها، ولما نجت شكرتهنّ وعبَّرت لهنّ عن امتنانها لتشجيعهن الذي بسببه نجت من غياهب الئر.
ثانيةً ... كلماتٌ أحيت الضفدعة، وكلمات أماتت صديقتها.
يا لقوة الكلمات!
يقول الكاتب والطبيب النفسي (رودلف دريكوس) : «يحتاج الطفل إلى التشجيع مثلما يحتاج النبات إلى الماء» ؛ فإذا كان هذا حال الصغير الذي قلما يصطدم بجدران المصاعب القاسية؛ فما بال الراشد الكبير الذي يفاجأُ كل يوم بأرطال من الصعاب الكثيرة التي تنوء بحملها الجبال؟!
إذاً؛ فقد كان من الأفضل لـ (دريكوس) أن يقول: «يحتاج الإنسان إلى التشجيع مثلما يحتاج النبات إلى الماء» .
فالتشجيع هو احتياج إنساني أساسي؛ إذ يقال رمزياً: إن كل شخص يولد وعلى جبهته علامة تقول: «من فضلك اجعلني أشعر أنني مهمّاً» . بل ويقال إنه كلما حدث اتصال بين الناس تناقلوا بينهم رسالة صامتة مفادها: «فضلاً زكِّني، لا تمرّ بي غير آبه، أرجوك اعترف بكياني» !
إذاً؛ فللتشجيع أهمية كبرى لا يمكن إغفالها في حياة المرء.
ويؤكد علماء النفس على أهمية التشجيع؛ إذ يرونه المحرك والدافع لمواصلة الأعمال وتنميتها.
ويمكننا إدراك أهمية هذا الأمر عندما نعلم أننا كبشر ما نحن إلا مجموعة من الأحاسيس والمشاعر التي يجب أن تُدار ـ لنتميز ـ بالأحاسيس والمشاعر أيضاً، تلك المشاعر التي يمكن أن يعبّر عنها بالتشجيع والكلمات الإيجابية.
ونرى كثيراً من الناس لا يعيرون أهمية لصدى كلماتهم ووقعها في نفوس الغير، فتراهم لا يفكرون بما يقولون، ولا يأبهون بمشاعر الآخرين.
وهناك من الأشخاص من تعدّى هذه المرحلة وتنبّه إلى أثر الكلمات الإيجابية في النفس، فتراهم يحدثون الآخرين بكلمات وتعبيرات جميلة المظهر، إلا أنها للأسف لا تملك ذلك الأثر الفعال. لماذا؟ لأنها غير صادقة ولا تقال بإخلاص.. إنما هي مجرد كلمات أراد صاحبها إسدال ستار اجتماعي جميل على نفسه حينما قالها، ولم يفكر في طبيعة البشر التي تتميز بوجود جهاز استقبال قوي مفعم بالذكاء والتحليل؛ ذلك الجهاز الذي يستطيع أن يكشف ما وراء الكلمات المنطوقة، ويستطيع أن يميز الكلمات التي تُنطق دونما نية صافية من نفس صاحبها عن الأخرى التي تحمل في همساتها كل الحب والصفاء والشفافية والتقدير.
فالكلمات التي تخرج منا تكون محمّلة بطاقة ناطقها الفعلية.. فإما طاقة الحب.. أو المجاملة.. العطف ... اللامبالاة ... التملّق ... الكره ... إلخ.
لذا؛ فكثيراً ما تكره شخصاً رغم مقدار الكلمات الإيجابية التي يستخدمها في خطابه معك، ورغم كثرة ما يستخدم معك تعبير «يا حبيبي!» . لماذا؟ لأن جهاز استقبالك ـ إن كان حساساً وناضجاً ـ استطاع التقاط طاقة الكلمة وعرف أن ذاك الشخص يبعث لا مبالاة، وربما كُرهاً مع كلمة «ياحبيبي!» .
إذاً؛ كي يكون للكلام والتشجيع أثره الإيجابي، يجب قبْلاً خلق جو من الألفة والمودة مع الأشخاص الذين نرغب بتشجيعهم؛ ذلك كي نستطيع ملامسة قلوبهم؛ فالكلمة التي تلامس القلب يكون لها أكبر الأثر. كما يجب أن نفكر بالدوافع وراء كلماتنا: لماذا نشجع الآخر؟ ما الذي يدفعنا إلى ذلك: أهو مجرد الحب، أم مجرّد الكلام، أم ماذا؟ وما أحوجنا في هذا المجتمع المتضارب المتباغض إلى جعل دوافعنا سامية وراقية؛ مؤداها خدمة الآخرين ومساعدتهم على تخطي العقبات وتجنب المصاعب، وما إلى ذلك من الدوافع النيرة المضيئة التي باتت تُشتهى في عالم انسكب في غياهب المادة.
وعند التشجيع، يجب أن نعي تماماً أن الناس جُبلت على مقاومة رغبتها بالكشف عما يقضّ مضجعها؛ فالناس رغم حاجتها إلى البوح بآلامها ومكامنها إلا أنها تكره ذلك البوح وتقاومه ما استطاعت؛ لأنها تخشى الرفض ... تخاف عدم تقبّل الآخرين لها.
لذا؛ فإن كنتَ جادّاً في رغبتك في تشجيع الآخرين حبّاً بالبشر ورغبةً في خلق مجتمع فاضل، فحاول أن تلتقط التلميحات التي يرسلها هؤلاء؛ فتلميحاتهم إعلان عن احتياجاتهم المستترة، التقط هذه التلميحات وحاول أن تجد الحلول وتشجع الآخرين بحماسة، مستعيناً بدفء الكلام وعذوبته ورقته وصدقه.
فالكلمات قد تؤلم وقد تُفرِح، والأكثر من ذلك أن بإمكانها أن تغير اتجاه الحياة ومسراها، من مسرى سلبي أو مسرى غامض إلى آخر غاية في الوضوح والإيجابية.
ويُلاحظ على مجتمعنا العربي بثّ الإحباط ـ للأسف ـ ومقابلة أعمال الآخرين بروح من الاستهزاء والسخرية والتثبيط والسلبية وعدم الاكتراث، ليُطفَأ الألق والنور الذي سطع في نفس الفرد وليعود أدراجه خائباً بائساً لا يرغب في النهوض من جديد.
وإن كان هذا خطأ المجتمع، فهو كذلك خطأ الفرد الذي يستجيب بسهولة للمؤثرات السلبية التي تُبَثّ حوله. فالإنسان المزوَّد بقدر كاف من الثقة بالنفس والإيمان برؤيته ورسالته لا يثنيه التثبيط إلا كما يحرك الهواء الخفيف ضوء الشمعة، فهو يهزها ويؤرجحها لكن لا يطفئها.
لذا على المرء أن يتزود بسلاح الهمة والثقة والعزم، ليمضي في حياته قُدُماً بأقل الإخفاقات. ويساعده في ذلك وضع هدف محدد لحياته يعزم على تحقيقه مهما هبّت العواصف واندلعت النيران.
وللوصول بالمرء إلى هذه المرحلة، ينبغي أن نرعى طفولته وأن نبني منه شخصية إيجابية ذات مسلك قويم.
إذاً؛ من أهم الفئات التي تحتاج إلى التشجيع والكلام الإيجابي فئة الأطفال، جيل الغد الذين نعوّل عليهم الكثير.
وللكلمة المنطوقة الموجهة إلى الطفل قوة ما بعدها قوة؛ ذلك لأن كل كلمة أو جملة تقال له تحمل في طياتها رسالة ضمنية موجهة له بخصوص العالم، وذلك لأن للطفل خيالاً رحباً واسعاً لا محدوداً وهو يستخدمه في كل أوقاته.
فعندما نوجه للطفل كلاماً ما (تشجيعاً أو تثبيطاً) يبدأ الطفل بالحديث مع ذاته عما سمعه من الآخرين من رسائل (أنتَ) . مثلاً: لقد كنتَ شجاعاً اليوم (تشجيع) .
أنت كسول مثل أخيك (تثبيط) .
بعدها يبدأ خيال الطفل بالبحث عن أدلة تثبت تلك الرسائل، فإن وجد صورة أو محادثة تعزز التشجيع أو التثبيط ركز على الأمر وعممه على شخصيته (أنا فعلاً شجاع) أو (أنا فعلاً كسول مثل أخي) .
وتتحول هذه التعميمات مع الزمن والتكرار إلى معتقد عن ذاته، مما يتولد عنه سلوكه مع الآخرين ... إن كان إيجابياً فسلوك إيجابي، وإن كان سلبياً فلا بدّ للسلوك أن يكون سلبياً هو أيضاً.
إذاً؛ كلامنا وتشجيعنا أو تثبيطنا هو الذي يخلق أشكال السلوك التي نحبها أو نكرهها في أطفالنا، والتي سيحملها معه في رحلة حياته وتتحول إلى ميزة (إن كان الكلام إيجابياً) أو عيب (إن كان كلاماً سلبياً) في حياته المستقبلية، وربما تحولت الكلمات إلى عقدٍ ومشاكل نفسية عويصة قد يكره المرء جراءها حياته وربما أهله أيضاً.
إذاً؛ فالاستخدام الواعي لعبارات التشجيع والتعزيز مع أطفالنا يدعم صحتهم العاطفية، بل والجسدية أيضاً؛ إذ بإمكانه أن يحقق التالي:
١ ـ تعزيز الاستقلالية والمسؤولية الذاتية لدى الأطفال.
٢ ـ المساعدة على تغيير مفهوم الطفل لنفسه من بنائها الخارجي إلى الداخلي.
٣ ـ تقوية ثقة الطفل بنفسه وتقديره لذاته.
٤ ـ علاجه من بعض الأمراض كالخجل والخوف.
٥ ـ مساعدته على النظر إلى المستقبل بصورة مشرقة ومتفائلة.
وأنسب الأوقات لاستخدام الكلام الإيجابي وتعزيزه في حياة الطفل هو الوقت الذي يكون فيه أكثر استرخاء؛ خصوصاً عندما يحين وقت النوم. لذا ما أروع أن تتفوه الأم بكلمات إيجابية رائعة وهي تدثر طفلها وتودعه لينام. وما أجمل أن تنقل له رسائل إيجابية متألقة كأن تحدثه عن حبها له وعن مستقبله المشرق الذي ينتظره وعن أفعاله الحسنة التي قام بها اليوم والتي سُرّت بها، وعن جمال وجوده في حياتها ... إلخ.
وفي النهار، وخلال اليوم، على الآباء ألا يركزوا على أخطاء أطفالهم وألا يكثروا من التوبيخ والنقد واللوم والعقاب والتخجيل ... فكل هذا من شأنه تثبيط الأبناء وتحطيمهم.
نعم! نحن نحتاج إلى التقويم والتصحيح عندما يخطئ الأولاد ويسلكون سلوكاً خطيراً يؤذيهم أو يؤذي الآخرين؛ لكن في هذه الحالة ينبغي أن نركز على قباحة الفعل وليس قباحة الفاعل (الابن) فإن ضرب الولد أخاه الصغير، يجب أن ننبه أن ضرب الصغير عمل سيئ بدلاً من أن نصف ابننا بأنه ولد سيئ ومزعج.
ومن الأفضل تجاهل السلوك الخطأ كلما كان هذا ممكناً ولا يؤثر سلباً، وبالمقابل يجب تركيز الانتباه على السلوك الصحيح وتشجيعه.
إن على الآباء تقدير الجهد الذي يبذله الابن وآثار عمله ومراعاته الآخرين والعقبات التي تجاوزها أثناء عمله، وينبغي أن تكون ردود فعل الأهل أمينة وصادقة وحقيقية، دون كثير مبالغة.
وعلى الآباء إعانة الأبناء ليقدِّروا بأنفسهم الأمور الحسنة التي قاموا بها، وليكتشفوا قيمة ما أنجزوه من أعمال حسنة، كما ينبغي مكافأتهم عليها بعد إبداء الإعجاب بها.
ومن الأمور المشجعة أن نسلّم الأبناء بعض المسؤوليات والأعمال ليقوموا بها بأنفسهم؛ فبهذا رسالة لهم مضمونها «إني أثق بقدراتك، وأنت تستطيع القيام بهذا الأمر؛ فأنت ولد مسؤول» .
ولا ننسى أهمية الإنصات للأبناء والاستمتاع بصحبتهم والمكوث معهم؛ فبهذا رسالة لهم أيضاً مغزاها «إنني أحب الوجود معك.. إنني أحبك.. إنك شخص جدير بالمجالسة» .
ولكي يكون للتشجيع أثره القوي، فإن على المشجِّع أن يشجع ذاته قبلاً؛ إذ لا يمكن غرس الثقة والإيمان في طفلٍ ما إن لم يكن لدينا الثقة والإيمان في ذواتنا؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.
إذاً شجع نفسك وتخلص من آثار الكلمات السلبية التي وُجِّهت إليك فيما سبق والتي ربما توجه إليك كل يوم.
وبتشجيع النفس يستطيع المرء تذليل المصاعب أو تقبُّل الأخطاء التي حدثت دون عمد ـ التي هي من عادات البشر ـ دون أن يتجمد عندها، بل يذللها للاستفادة منها كتجربة علينا ألا نكررها في المستقبل الآتي؛ فليس هناك أفضل منا على تشجيع ذواتنا.
وبعد ... لقد انطفأتُ حقاً من كلام ذاك المثبط الذي كاد أن يُجهِض همتي ويَئِدَ موهبتي، لكن أنَّى له ذلك وأمامه شخصية زرعت الحياةُ الثقةَ والإصرار في نفسها.
لقد انطفأتُ برهة لكن نيران همتي أشعلتني من جديد.. دون كثير وقت ودون كثير جهد بل ودون أخذ وردّ.
واليوم أضع أولى صفحات كتابي الذي أتمناه أن يكون منهلاً للجميع، وأرى أنه لا بد سيرى النور ... سيراه ويحلِّق في كل البلدان رَغم أنف ذاك المثبط الذي أطفأني لكنه لم يُذِبْ شمعتي.
ولذاك الذي شجعني كثير شكر وتقدير من قلبي، فأمثالك ـ الخيرين ـ ينشرون النور في الأفق ويدحرون الظلام.
لك مني جزيل شكر وكثير أمانٍ.. أتمناها لك بكل صدق ومودة.
المراجع:
(١) أولادنا: من الطفولة إلى الشباب: منهج عملي للتربية النفسية والسلوكية/ مأمون مبيض. ط ١، بيروت: المكتب الإسلامي، ١٩٩٧م.
(٢) قوة الحديث الإيجابي: كلمات لمساعدة كل طفل على النجاح/ دوجلاس بلوك؛ بالتعاون مع جون ميريت. ط ١. ـ الرياض: مكتبة جرير، ٢٠٠٥م.
стр. 5858
العولمة الثقافية حروبها الضرورية
د. محسن محمود خضر
كيف تتبدى الصورة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني في أوائل الألفية الثالثة؟
لم يعد العالم هو العالم بعد تداعيات حادثة ١١ سبتمبر، فها هي الولايات المتحدة تخوض حرباً فعلية ضد الوجود الإسلامي، والثقافة الإسلامية، في حرب تدور رحاها على قوس يمتد من حدود الصين وروسيا الجنوبية إلى الصومال، وتصل إلى وضع بعض المقاتلين الإسلاميين المأسورين من كهوف أفغانستان داخل أقفاص كالحيوانات؛ تمهيداً لاستجوابهم ومحاكمتهم في قاعدة جوانتانامو العسكرية المنيعة في خليج كوبا.
ويكاد يكون تصريح السيناتور الديموقراطي الأمريكي اليهودي (ليبرمان) الأخير في جامعة (جورج تاون) بواشنطن هو الأخطر منذ تصريح رئيسه (بوش) الشهير: «من ليس معنا فهو ضدنا» ، فقفز فوق تصريحات أسامة ابن لادن السجالية حول تقويض السلام الأمريكي ما دام الشعب الفلسطيني لم ينعم بالأمن والسلام.
فقد أشار (ليبرمان) في تصريحه إلى أن: «جدار برلين الجديد هو قيد التشييد بمساعدة حجارة مصنوعة من الفقر والطغيان، ومدعومة بهاون الحقد والعنف» .
صحيح أن (ليبرمان) دعا رئيسه بوش إلى إعادة النظر في سياسته إزاء الدول الإسلامية بهدف منع الأصوليين من بناء ستار حديدي أيديولوجي؛ ولكن تفكيك تصريح (ليبرمان) قد يفضي بنا إلى نتيجة معاكسة بخصوص مسؤولية الولايات المتحدة ذاتها عن بناء هذا الحائط الأيديولوجي.
إن اشتعال ما يسمى بحروب الحضارات يدلل على أهمية (مراكز الفكر) في صناعة السياسة الأمريكية الخارجية، فأغلب مشروعات التسوية أو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تستند إلى دراسات قدمتها مراكز البحوث المتخصصة، وفرق البحث من المحللين الإستراتجيين الأمريكيين فيما يسمى بـ (مستودعات الفكر ـ The Think Tanks) والتي يعكف داخلها مجموعة من المتخصصين في السياسات الدولية ومحللي العلاقات الدولية على وضع تصورات وخطط تغذي باستمرار صانع القرار برؤى وتصورات وخطط للعمل؛ تعينه على رسم وتبني السياسات الخارجية الأمريكية المعينة فيما يخص المصالح الأمريكية؛ سواء تعلق الأمر بالعلاقات مع الصين، أو اليابان، أو روسيا، أو العراق، أو الصراع العربي الصهيوني، أو أمريكا اللاتينية.
وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي السابق بضرورة العمل على وضع صدام حسين نفسه في صندوق. ويبدو أن فكرة الصناديق المغلقة التي يوضع فيها أعداء الولايات المتحدة تسيطر على ذهن الساسة الأمريكيين؛ ربما استلهاماً من الوقائع التاريخية حول عبيد روما الذين كانوا يوضعون في أقفاص قبل تقديمهم للأسود الجائعة أو مشاركتهم في قتال يفضي إلى الموت، أو مستمدة من التاريخ الأمريكي القديم الذي شهد اقتياد العبيد الأفارقة من مواطنهم إلى الأرض الأمريكية الجديدة لتسخيرهم لخدمة الرجل الأبيض.
الجدار الأيديولوجي الجديد لم يصنعه الإسلاميون كما يعتقد (ليبرمان) ؛ ولكن صنعته مخالفات السياسات الأمريكية المجانية للعدالة تجاه شعوب العالم المتستضعفة، كما حدث في الانحياز للجانب الصهيوني المستمر، وانتهاءً باستخدام الفيتو الأمريكي رقم ٢٥ لتجنيب دولة اليهود أي قيود أو التزامات تجاه إدانة الدولة الصهيونية، أو تخفيف معاناة الفلسطينين.
وعندما تخرج مجلة (النيوزويك) قبل مدة تتساءل: «لماذا يكرهنا العالم؟» فإن السؤال المستبعد والأصح، والمسكوت عنه الذي يجب أن يطرح هو: «لماذا لا يكره العالم أمريكا؟» .
ولنتأمل انغماس القوات الأمريكية في الواقع في محاربة مختلف أشكال الحركات الإسلامية المطالِبة بحقوقها المستلَبة مثلما يحدث في الفلبين، فأمريكا أرسلت قوات أمريكية (٢٤ عسكرياً) سيزدادون إلى ١٢٠ فرداً من أمن القوات الخاصة من البحرية والقوات البرية وسلاح الجو لمساعدة القوات الحكومية؛ للتدريب على محاربة أنصار (أبو سياف) . ويبدو أن الإدارة الأمريكية ليست عازمة على محاربة تجار المخدرات، وخارقي حقوق الإنسان والديموقراطية من النظم الصديقة، ولا المتاجرين بديون ومصالح العالم الثالث، بل أصبح اللاعبون الأمريكيون طرفاً مباشراً في الحرب ضد الجماعات الإسلامية لا فارق بين أن يكون اسمها (أبو سياف) أو (حزب الله) أو (حماس) أو (جيش محمد الكشميري) .
ضرب الحركات الإسلامية العسكرية وتصفيتها يقض مضاجع الإدارة الأمريكية، لِتدلل بالفعل على إشعالها حرباً جديدة قد تكون الحرب العالمية الثالثة بين الغرب وديار الإسلام، بحيث تقلب السياسة الأمريكية مفهوم (دار الحرب ودار الإسلام) الذي يتبناه الفقه الإسلامي إلى (دار الإرهاب واللاإرهاب) ، على طريقة «من ليس معنا فهو ضدنا» ، وكأننا أمام أحد أفلام كوبولا وجيمس بوند.
انغماس السياسة الأمريكية السياسي والعسكري في القتال ضد الحركات والجماعات الإسلامية يعزز بالفعل فكرة حائط (برلين) الأيديولوجي الجديد بين الشرق والغرب، وكأنه يستعيد مقولة (كبلنج) الشهيرة: «الشرق شرق والغرب غرب؛ ولن يلتقيا» ، وهكذا فإن تنظيرات (فوكوياما) و (فريد مان) و (هنتجتون) حول (نهاية التاريخ) و (الخطر الإسلامي الأخضر) و (صِراع الحضارات) تؤسس الأرضية الفكرية للتحركات العسكرية للأساطيل الأمريكية وقوات المارينز وسلاح الجو.
عصا التأديب الأمريكي وصلت في وقاحتها إلى حد المطالبة بتغيير مناهج التعليم في الأقطار الإسلامية خصوصاً مناهج التعليم الديني، في سابقة لا يمكن أن توصف إلا بالوقاحة لتدخلها في الشؤون الداخلية للدول الإسلامية، وقد تابعنا مؤخراً كيف أمر الجنرال الباكستاني (برويز مشرف) بإدخال دراسة اللغة الإنجليزية والعلوم في مناهج المدارس القرآنية الباكستانية، وغير بعيد ما فعله الخبراء الأمريكيون في المناهج التعليمية المصرية في بداية التسعينيات بتعديل مناهج التاريخ والدين الإسلامي بحذف ما يشير إلى انحراف اليهود وخياناتهم. صحيح ـ من جهة أخرى ـ أن هناك خطاباً إسلامياً يتخذ موقفاً متشدداً من الثقافة الغربية؛ لكنه يبقى في النهاية رد فعل للسياسات الأمريكية المنحازة ضد الحقوق والمصالح العربية والإسلامية.
وإذا كانت تداعيات هجمات ١١ سبتمبر مستمرة فإن تداعيات الحرب الأمريكية ضد أفغانستان لم تظهر بعد، وإذا أخذنا بقوانين الفيزياء حول الفعل ورد الفعل، فإن محصلة الحمى الأمريكية ضد الحركات الإسلامية سوف تتجمع في المستقبل لتصب في غير صالح وجهة النظر الأمريكية، وخاصة لدى أجيال شابة ستتأثر لما حدث للشعب الأفغاني، بصرف النظر عن مدى مسؤلية تنظيم القاعدة، وحركة طالبان من هجمات ١١ سبتمبر.
السؤال الذي ترفض العقلية الأمريكية والخطاب الأمريكي الإجابة عنه بصراحة هو: عن أسباب تنامي موجة العداء في العالم الإسلامي للسياسات الأمريكية؟ وهي سياسات معادية ومنحازة وخاصة ما يحدث في فلسطين. مغالطة الخطاب الأمريكي ذاته تصل إلى حد حرمان أسرى القاعدة وطالبان من اعتبارهم (أسرى حرب) ، فبأي منطق يمكن وصف ما حدث تجاه نقل مقاتلين من بلدهم إلى معسكرات اعتقال؟ وحسب تصريح أخير لوزير الدفاع الأمريكي (رامسفيلد) بأن هؤلاء الأسرى «معتقلو معارك» ، وليسوا «أسرى حرب» ؛ وبالتالي لن تكون لهم الحقوق المكفولة لأسرى الحرب، وربما سينطبق ذلك في المستقبل على أسرى من اليمن، والصومال، وحزب الله، وحماس، والجهاد.
وربما نتهلل لكون السلطات الأمريكية ستمنح لكلٍ من هؤلاء الأسرى بساطاً صغيراً، ومنشفتين، وثلاث وجبات يومية، ومعجوناً للأسنان، وصابون شامبو دلالة على تحضرها ورقة قلبها! وعلينا أن نتناسى مؤقتاً زنازين القرود التي سيوضع فيها هؤلاء الأسرى، في عرضٍ حيٍّ في بدايات الألفية الثالثة وكأننا نتجول في شوارع روما القديمة في العهد القيصري.
ربما لا يعني الخطاب الغربي، ولا منظري وساسة البيت الأبيض وعواصم الغرب، الجهود الفكرية الهائلة لمفكري العالم الثالث والإسلامي الذين يشغلون أنفسهم بالدعوة إلى (حوار الثقافات) عوضاً عن (صِدام الحضارات) وكأنه حوار الطرشان.
نستعيد قصة رمزية من عالم كليلة ودمنة للقرد الذي أراد أن يطهر قلب الأسد المفترس من عنفه وتعطشه للدماء بأن أخذ يغنِّي بصوت رخيم للأسد علَّه يؤسر قلبه ويصفيه، ولكن لسوء حظ هذا القرد كان الأسد أصماً لا يميز الأصوات، فهجم على القرد وافترسه، وهكذا يبدو أننا بدعوتنا إلى حوار الثقافات والتسامح بين الشعوب واحترام الخصوصيات الثقافية نغنِّي لأسد أمريكي أصم؛ حيث يستعمل الغرب المفاهيم التي ينتجها بمعنى واحد وفي اتجاه واحد يعبر عن وجهة نظره الأحادية بين المركز إلى الأطراف، ومن الأنا إلى الآخر، كنوع من النرجسية.
الرئيس (بوش) تصرف بتلقائية تحركها الذهنية الغربية، أو ربما هي أقرب إلى تعبير عابد الجابري (اللا شعور السياسي) أو تعبير فرويد (فلتات اللسان) ليلخص في كلمة واحدة الموروث المتراكم والهائل من العداء والخوف الموجه للعرب والصليبيين عندما نطق كلمة: «سيشنها حرباً صليبية» وإن تراجع، ليؤكد أن الكلمة التي تفوّه بها لا تعني الحملات الصليبية القديمة الموجهة ضد الأرض العربية؛ بل بمعنى (الحملة) كما تستخدم الكلمة في السياق الغربي.
كما عزز (بوش) في مناسبة لاحقة هذا المكتوب السياسي الغربي عندما قال: إن الاعتداء لم يكن موجهاً ضد الولايات المتحدة فحسب، بل ضد الدول الحضارية. وكأنه يستعين بقاموس المفكر الأمريكي (صموئيل هنتجتون) صاحب نظرية (صِدام الحضارات) والذي اعتبر الإسلام آخر تهديد لقيم الحضارة الغربية. قوبلت نظرية (هنتجتون) في حينها بموجة رفض وحملة تنديد من مفكري العالم الثالث؛ وخاصة آسيا وأفريقيا والدوائر الثقافية الإسلامية التي رفضت توصيفه للنظام القيمي العالمي الذي أفرزته العولمة بأنه صِدام حضارات، داعين إلى أن يتحول إلى حوار ثقافي إنساني عميق بين كل الفرقاء.. هل تجدد عملية (الكاميكازم) فوق واشنطن ونيويورك الحاجة إلى إعادة نظرية (هنتجتون) حول (صِدام الحضارات) والتي كشفت الأحداث الأخيرة عن صحة جزء منها؟
الفكرة الرئيسية في نظرية (صِدام الحضارات) هي أن البعد الرئيسي الأكثر خطورة في السياسة الكونية الناشئة، سوف يكون الصِدام بين جماعات من حضارات مختلفة، ولذا فإن صدام الحضارات هو الأكثر تهديداً للسلام العالمي.
الحضارات السبع المتصارعة التي سوف تتصادم في نظر المفكر الأمريكي الكبير هي: الغربية، والهندية، واليابانية، والإسلامية، والغربية، واللاتينية، والأفريقية.
وفي خريطته الفُسيفسائية؛ فإن الغرب أسهم وحده في إنتاج الأيديولوجيات السياسية الكبرى في القرن العشرين وتتضمن: الليبرالية، والاشتراكية، والفوضوية، والاتحادية، والماركسية، والشيوعية، والديمقراطية، والمحافظة، والقومية، والفاشية، والديموقراطية المسيحية.
ومن الغريب أن المفكر المغربي الكبير (المهدي المنجرة) قد سبق (هنتجتون) في استشراف هذه السيناريوهات منذ السبعينيات؛ حيث صاغ تخوفات الغرب في ثلاث قنابل، القنبلة الديموغرافية، والقنبلة الآسيوية (الصين واليابان) ، القنبلة الإسلامية، ولعلها نفس القنابل الثلاث التي حاول (هنتجتون) بناء استراتيجية لتفجيرها خارج المدار الغربي.
إن (المهدي المنجرة) اعتبر أن التعدد الثقافي أمر جوهري، لكن لا يمكن اعتباره أمراً حاصلاً، إنه هدف يجب الدفاع عنه كعنصر أساسي لإقامة السلام واستمرار حياة البشر، وهو بذلك سبق تقرير اليونسكو الشهير (تنوعنا الخلاق Diversity Our Creatve) الصادر عام ١٩٩٦م.
إن (هنتجتون) الداعي في نظريته حول صدام الحضارات إلى تفجير العالم، وعسكرته، وإن اتخذ الأمر قناعاً ثقافياً، وهو ما يناهضه (إدوارد سعيد) حيث يصف (هنتجتون) بأنه خبير في عالم تدبير الأزمات؛ ومن ثم فإن أطروحته ليست إلا إحدى التداعيات التي تعيشها الإدارة العسكرية الأمريكية.
أطلت الحروب الثقافية من سباتها بعد تفجير مركز التجارة العالمي، وأطلقت مخزون العداء الغربي في اللاوعي الغربي، وهو المخزون الذي تنامى منذ صدام الجيوش الإسلامية والأوروبية، ثم على أسوار القسطنطينية، وتالياً في الحروب الصليبية وفي الأندلس، ومروراً مع حملة (نابليون بونابرت) على مصر والشام في ١٧٩٨م، ثم تجددت مع تحطيم أسطول محمد علي في نفازين في ١٩٢٩ وإجهاض مشروعه النهضوي، وتجددت ثانية مع تحطيم القوات المصرية في صحراء سيناء ٦٧ لإجهاض مشروع النهضة العربي الثاني مع جمال عبد الناصر، ثم يعود الصِدام ليتجدد في صحراء الكويت ليوسع من تشويه المدرك العربي للعرب والإسلام، وهو ما نجحت آلة الدعاية الصهيونية في النفخ فيه، (إذا قربنا أيضاً دروس الثورة الإيرانية) .
الأشباح الذي أذلوا العنجهية الأمريكية بعمليات قد يختلف في توصيفها؛ لم تطِح فحسب بالهيبة الأمريكية؛ بل بِنظرية الأمن القومي الأمريكي، حيث أتى العدو من الداخل وليس من الخارج، أي ضرب ضربته في الداخل بعيداً عن أي تصديق.
أصبح الإسلام مجدداً في قفص الاتهام، وبالرغم من تطمينات الحكومات والزعماء الغربيين لشعوبها تجاه الإسلام وتنقية صفحته، فإن حملة العداء الشرسة التي امتدت ضد كل ما هو إسلامي وعربي من الدانمارك إلى كندا غرباً، ومن الولايات المتحدة إلى استراليا هي تأكيد لهذا الصراع الثقافي بين الغرب والآخر الإسلامي.
هل فعلاً نصبت المصيدة والسيد بوش ونحن معه أيضاً نمشي إليهما؛ كما يحذر الكاتب البريطاني (روبرت فيسك) في مثال أخير له من حرب شهوة الانتقام البغيضة؟ هذا التحليل يربط الانتقام من المسلمين بالبنتاجون ومركز التجارة، ولكن لا أحد في العالم يستطيع أن يحدد حتى الآن متهماً رئيسياً.
стр. 5859
الإعلام الإسلامي.. ضرورة عصرية
د. أحمد حسن محمد
يعتبر الاتصال الإنساني فطرة فطر الله عليها البشرية منذ نشأتها الأولى، فقد كان التكليف الأول الذي أمر الله به آدم ﵇ بعد خلقه هو مهمة البلاغ والتوضيح والإفهام، وذلك في أول اتصال بملائكة الله، حيث يقول الله : ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] .
ومضت سيرة الحياة الإنسانية ضمن سلسلة علاقات متعددة تقوم على اتصال الإنسان بالإنسان أفراداً وجماعات وأمماً، حتى أمكن تنظير هذه الفطرة ضمن سلسلة من العلوم والمعارف كان منها الإعلام.
والإعلام بدأ ينقل المعلومة من شخص أو أشخاص إلى آخرين، وذلك عن طريق الكلمة المنطوقة لتصل مباشرة من الفم إلى الأذن دون وسيط أو وسيلة، بجانب نقل هذه الكلمة أيضاً عن طريق البصر مباشرة كما هو الحال في الصور أو الرسم، وظلت حاسّتا السمع والبصر (الأذن والعين) هما المداخل الأساسية لإدراك الكلمة والتي تمثل رسالة مقصودة من جانب مرسلها إلى آخر مستهدف بها، أي: أداة للتفاهم وزيادة المعرفة. حتى كان التطور السريع الذي صاحب العمليات الاتصالية عامة والإعلام بصفة خاصة، حيث أصبحت هذه الكلمة أو المعلومة ـ والتي اُصطلح عليها باسم الرسالة الإعلامية ـ تنقل من شخص أو أشخاص إلى عالم متّسع من المتلقّين عن طريق الأذن، ولكن بوسيلة جديدة وجهاز جديد عُرف بالراديو ... وتنتقل ـ أيضاً ـ على أنظار الملايين وعيونهم عن طريق التلفاز أو السينما أو غيرهما من الوسائل المرئية الحديثة، مما جعل العملية الإعلامية تتحول شكلاً ومضموناً وهدفاً، حيث لم تعد مجرد خبر ينقل أو تسلية في وقت فراغ، بل أصبحت تمثّل نشاطاً هادفاً يسعى إلى العديد من الأهداف والتي تتركز في معظمها على التأثير والإقناع بهدف إحداث التغيير والتحويل نحو أهداف ومبادئ وقيم يسعى إليها صاحب الرسالة ومرسلها، سواء كان ذلك في عالم القيم والمثل أو الاتجاهات والمبادئ والمذاهب، وبهدف استمالة المتلقّي (السامع أو الرائي) واعتناقه قيمَ صاحب الرسالة واتجاهاته ومبادئه.
- الإعلام والصراع العالمي:
ومع تطور الحياة السياسية والاجتماعية تعدَّدت الدول وقامت معظمها على مبادئ وأفكار وقيم مختلفة، وكل دولة تسعى لسيادة مبادئها وانتشار أفكارها وإخضاع الآخرين لما يرونه من مبادئ واتجاهات، فكان هذا الصراع العالمي الذي اتخذ شكل الحروب والقتال والغزو العسكري.
وظهر الإعلام سلاحاً خطيراً في هذا الصراع الدولي، ولا سيما بعد أن توفرت له وسائل متطورة، لها قدرة الوصول إلى أيِّ مجتمع ـ أفراده وجماعاته ـ وبسهولة وبساطة..، فحظيَ الإعلام ـ بذلك ـ باهتمام كبير من جانب الدول والمجتمعات والهيئات في عالمنا المعاصر، وأصبحت الرسالة الإعلامية تحمل فكر مرسلها، وتعمل في كافة مجالات النشاط الإنساني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفنياً، فكان الإعلام بذلك قوة فاعلة تربط المجتمع الإنساني بمضامين واتجاهات متعددة بغرض التحول والإقناع، ومن ثم الاتِّباع والولاء.
وما نشاهده اليوم من هذا الفيض الهائل من البرامج المسموعة والمقروءة والمرئية والتي تحملها أجهزة متطورة يوماً بعد يوم لدليلٌ واضح على خطورة الإعلام وأهميته بالنسبة لأي جماعة أو دولة تتطلّع للسيادة والانتشار.
وعلى الرغم من إيجابيات هذه الثورة الإعلامية والوسائل المتطورة في مجال التثقيف والإخبار، وربط المجتمع البشري بما يحدث في أنحاء العالم لحظة بلحظة، وما تحقق من وعي ويقظة فكرية بين الأجيال الجديدة في هذا العالم ... فإنها لم تخلُ من سلبيات خطيرة ومظاهر سالبة انجرفت إليها الكثير من محطات الإرسال والبث ودور النشر والطباعة، سواء كان ذلك بغرض الهدم المقصود لما تعارف عليه الناس من قيم ومُثُل أو الكسب المادي والانتشار، وكلها ـ ولا شك ـ قادت نحو آثار سالبة ظهرت في العديد من الدول، وخصوصاً في مجال الفكر والثقافة والآداب العامة، مما أوجد صراعاً رهيباً في عقول الناشئة ومعارضات سالبة من جانب المفكرين والمربِّين، فوقع العالم في حيرة نتيجة هذا الصراع بين ثقافات متعارضة ودول مختلفة ليضع الأجيال الحالية في حيرة، بل وأحياناً في ضياع وتِيْهٍ ... ولعلَّ من مساوئ هذه الهجمات والأفكار ما كان منها بغرض الاستهداف والاعتداء والافتراء على نظم بعينها أو مبادئ سائدة بغرض تحقيق انصراف الناس عن هذه المبادئ أو الثورة على هذه النّظم بما يحقق سيطرة أفكار ونظم الجهات التي تقف خلف هذه الرسائل والبرامج الإعلامية الغازية.
- العالم الإسلامي والثورة الإعلامية:
لما كان العالم الإسلامي جزءاً لا يتجزَّأ عن غيره من الدول والمجتمعات التي تعرض لما يبثّ من برامج إعلامية مختلفة؛ فقد كان طبيعياً أن تتأثّر كثير من هذه المجتمعات المسلمة بمضامين وأهداف الرسائل الإعلامية الصادرة من أجهزة الإعلام المختلفة، ولا سيما بعد سيطرة الشبكات الإذاعية والأقمار الصناعية. ولما كانت المصادر الإعلامية في معظمها بعيدة عن هدي الإسلام ومبادئه، أو على الأقل غير حريصة على تقديم مفاهيم الإسلام وتوجيهاته ضمن مضامين برامجها، فقد أتاح ذلك سيطرة ملموسة على ما يصل العقل المسلم من برامج منحرفة عن هدي الله، حتى أصبحت مثل هذه البرامج قضايا مسلّماً بها لدى بعض الناشئة، حيث لا بديل عنها تقدّمه الدول والمؤسسات الإسلامية، والتي كانت ـ بل وما زالت ـ لا تمتلك تقنيات الاتصال الحديثة أوالتنظير والتأصيل الإسلامي للرسالة الإعلامية.
ولعلَّ من أهمِّ الأسباب التي حالت دون تقدّم المجتمعات الإسلامية في مجال الإعلام الحديث ووسائله ما يلي:
أولاً: تركيز علماء المسلمين وطلاب العلم وجامعاتهم على العناية بالعلوم الشرعية والأصول الإسلامية ودراسة اللغة العربية. وهذا أمر طبيعي ومطلوب دائماً ولا شك، ولكن الأمر كان يتطلَّب بذل الجهد والعناية بالعلوم الحديثة، والفنون الإنسانية الجديدة ـ ومنها الإعلام ـ دراسة وتأصيلاً، ونقداً وتحليلاً؛ بما يوفر طاقات علمية قادرة على الإسهام بالجديد الملتزم بهدي الله، سواء في مجال البرامج أو التقنيات أو القوى البشرية المدرّبة.
ثانياً: لما كان الإعلام الموجَّه لدول المسلمين صادراً عن مصادر أقل ما يقال عنها: إنها بعيدة عن الإسلام أو غير متحمِّسة لنشر مبادئه إن لم تكن معادية تماماً؛ فإن هذه الرسائل جاءت متأثرة بعادات وتقاليد أصحابها التي كانت في معظمها مخالفة لشرع الله، سواء في المضمون أو الشكل أو الإخراج، مما أوجد معارضة من المسلمين عامة وعلمائهم خاصة، حتى اعتبر بعض طلبة العلم أن ما تقدِّمه وسائل الإعلام في حكم المحرّم شرعاً، بل وصل الأمر عند بعضهم بتحريم الأجهزة التي تحمل مثل هذه البرامج، وظلَّ ذلك الأمر لفترة طويلة أتاحت سيادة البرامج الغربية المنحرفة.
ثالثاً: عندما أدرك المسلمون خطورة الإعلام، واستحالة صدِّ ما تبثّه الوسائل المختلفة ومنع تأثيرها على الناشئة خاصة والمجتمع عامة؛ لم يكن أمام المتحمّسين والحريصين سوى النموذج الغربي في البرامج تصويراً وإخراجاً.
رابعاً: أن محاولة تأهيل جيل إعلامي متخصص في فنون الإعلام وتقنياته كان عن طريق توجيه هذا الجيل نحو المؤسسات الإعلامية في بلاد الغرب، فعادوا يحملون تقنية الغرب بل وفكر الغرب، فنشأ جيل إعلامي يحمل عامته اسم الإسلام ويفكر بعقل الغرب الذي ينكر الإسلام ومبادئه.
من أجل هذه الأسباب وغيرها أصبح العالم الإسلامي في معظمه عالة على الإعلام الغربي، مستورداً لبرامجه وفنونه بل وأفكاره ونظرياته مما يجعلنا نطرح السؤال التالي:
- ما ضرورة الإعلام الإسلامي؟
إن الواقع الذي تعيشه معظم المجتمعات الإسلامية في صراعها مع التيارات الوافدة والأفكار المادية والتي تحملها أجهزة إعلام لها قدرة التأثير والتجديد والإقناع، لا شك أنه لا يتفق تماماً مع ما يجب أن تكون عليه هذه الأمة المسلمة من مكانةٍ وريادةٍ، والتي أشار إليها كتاب الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وليس هذا أمر خيار أن تكون كذلك أو لا تكون، بل هو فرض على أمة الإسلام أن تتولى الدعوة والإبلاغ بأحكام الله الداعية للفضيلة والصلاح، بل ومحاربة المنكرات وكل ما يفسد عقائد الناس أو ينحرف بسلوكهم. يقول الحق ـ سبحانه ـ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
ويؤكد على ذلك رسول الله # في قوله: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه؛ فلا يُستجاب لكم» (١) ويستحيل على أمةٍ أن تكون كذلك بغير وسائل فاعلة قادرة على التحدي والصمود، والتفوق على وسائل غيرهم من غير المسلمين، مما يتطلب ضرورة الاهتمام بالإعلام ووسائله، وتجنّد له الطاقات والأخذ بأفضل الأساليب والوسائل وأفضلها سواءً في مجال البرمجة أو التقنية (٢) .
ومن نعمة الخالق على هذه الأمة أن شرع لها ديناً هادياً وأرسل إليها رسولاً مرشداً، دين يتعامل مع كافة مظاهر الحياة ومواقف الإنسانية على اختلافها، فإذا ما ضعفت الشخصية الإسلامية أمام هذا الفيض والكمّ الهائل من التيارات المعادية والمبادئ المستحدثة فليس ذلك مطلقاً لعجز في القدرة على الاستجابة لمحدثات ولمستجدات العصر؛ ولكن لأن الكثير من المسلمين فقدوا روح المبادرة على التغيير، ومن ثم فقدوا حركة الاجتهاد والتطوير الباني، فعاشوا عالة على غيرهم في كثير من مجالات المعرفة والتقنية، وكان الإعلام من أبرزها.
ومع مستحدثات القرن التاسع عشر وما بعده امتدَّ الغزو الغربي على نطاقه الواسع، فاستيقظ العقل المسلم ليجد هذا التحدي الصارخ لحضارته وأفكاره ومبادئه، مما جعل المواجهة أمراً حتمياً (٣) .
إن هذه المواجهة أصبحت ضرورة لا خياراً، فالإسلام يرفض مواقف السلبية بين الإنسان ومجتمعه، كما يرفض الضغط والإجبار لصالح مبادئ وأفكار واتجاهات تتعارض مع هدي الله، وذلك بعد أن حرّر الإسلام الإنسان من قيود القهر، وكلّفه أعباء المسؤولية عن إرادة واختيار، ومن هنا تبرز ضرورة الإعلام الإسلامي الذي يحمل هدي الله، ليس لمجرد المواجهة وردّ الفعل فقط؛ بل لإعزاز كلمة الله من خلال أجهزة ووسائل يقوم عليها متخصصون مدرّبون مؤمنون برسالة الإسلام: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
ويسعى الإعلام المهتدي بهدي الله إلى تحقيق أمور هامة، نذكر منها:
أولاً: مواجهة حالة الضياع التي يعيشها المجتمع المعاصر عامة، ومجتمع المسلمين خاصة، بما يعيد التوازن السليم بين فطرة الإنسان ومستحدثات العصر الفكرية منها والمادية.
ثانياً: تحقيق مواجهة إيجابية فاعلة أمام حملات غير المسلمين ممن يعادون الإسلام إما جهلاً به أو حقداً عليه، وذلك من خلال أجهزة ووسائل متطورة تواكب مطلوبات العصر؛ بما يحقق إعلاماً قادراً ومتميزاً يقوم على المنهج العلمي الصحيح.
ثالثاً: تقديم الإسلام ومبادئه وفق أصوله التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﵊، ونقد ما لصق به من شبهات وافتراءات، من خلال برامج تجمع بين قوة الحجة وفنّ الإقناع والتأثير، بجانب الجاذبية وحسن العرض.
إن عالمنا المعاصر في أشدِّ الحاجة إلى هذا النوع من الإعلام والذي بدأ ـ بفضل من الله ـ يظهر من خلال جهود بدأت متواضعة، ولكنها تنمو يوماً بعد يوم بما يبشِّر بنجاحها، وخصوصاً بعدما ظهر واضحاً إقبال الكثيرين من أهل الصلاح على التعامل معها والاستجابة لمضامينها.
ومن هنا ولهذه الأسباب وغيرها؛ تظهر أهمية الإعلام القائم على هدي الله وفق منهج إسلامي يقوم على التأهيل العلمي المعاصر، ويجمع بين المضمون الهادف والعرض الجذّاب.
стр. 5860
اصبروا وصابروا ورابطو !
أ. د. نزار عبد القادر ريان
كان سيدنا النبي محمد ﷺ يقف يوم بدر على رأس ثلاث مئة وستين مجاهداً من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ: قليل عددهم، ضئيل زادهم، لم يكن فيهم فارس يومها غير المقداد، وأكثرهم حفاة، لا يجد النبي ﷺ ما يحملهم عليه، أو يكسوهم به، وكان كفن الشهداء ساعتئذٍ نبات الإذخر.
يومها كانت فارس تمتد في المشرق من أطراف الجزيرة العربية حتى تتجاوز أسوار الصين، وتسيطر روما على مغارب الأرض من أطراف أوروبا الشرقية حتى ساحل الشام وبعض بلاد أفريقيا الشمالية، وكنا نحن القليل عددهم، الضئيل زادهم، لا نرى غير راية الحق التي نحمل للعالمين، ننقذ البشرية مما هي فيه من ضلال وتيه، فاستعصى الطغاة على الدعوة، ولم يبق غير الحراب المؤمنة تنفي العناد والشرك عن الأمم والشعوب التي تضطهدها أنظمة الجاهلية والكفر؛ لذلك كان سيدنا النبي ﷺ على رأس المجاهدين؛ حربته الأولى في الحراب، وسيفه ذو الفَقَار الأقطع، ورمحه البتار يسبق الريح، ينشر الخير والنور والعدل والإيمان.
ومضت تلك السُّنَّة مضيئة الآفاق، خالدة المعالم، تكتب التاريخ بسطور من دموع ودماء وإباء؛ فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يُخرج جيش أسامة بن زيد نحو الشام، ويتبعه بعد ذلك عمر بن الخطاب ﵁ في فتح بلاد بيت المقدس، يكتب له أبو عبيدة بن الجراح، ويذكر جموع الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: «أما بعد: فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة، يجعل الله له بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسرٌ يُسرين، وإن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
ثم يمضي على السُّنَّة ذاتها عثمان ﵁، ويتواصل خروج الصحابة القُرَّاء حتى يستحرَّ القتل فيهم، فيجمع القرآنَ من الأفواه في المصحف العثماني، ولا يمنع القراء من مواصلة الخروج على رؤوس البعوث، يتقدمهم عبد الله بن عباس ﵄ فاتحاً في ثلوج أذربيجان، ويتبعه تلميذه سعيد بن جبير ﵁ على رأس آلاف القراء من طلبة العلم مع ابن الأشعث شرقاً، بعد أن صار ركوبُ البحر، نحو قبرص ومطالع أوروبا، دأبَ الفاتحين ونهجهم.
ويُسْلِمُ العراق والشام، وتمتد أعناق المطي برايتنا وارفة الظلال في البقاع الطاهرة، يحرس ثغورها العلماء جيلاً بعد جيل؛ فهذا الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك، يحرس الثغر الشمالي في أطراف الشام العليا، فيرابط في ثغر طرسوس وحلب، ويصير طريق الشام مألوفاً له كما هو الأمر في طرائق المشرق ودروبها، شعاره حديث النبي ﷺ : «طوبَى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه» فيخرج محمد بن إبراهيم ابن أبي سكينة من الشام قِبَل الحرم، فيملي عبد الله بن المبارك عليه هذه الأبيات بطَرَطُوس قرب عكا من بلادنا فلسطين، إلى الفضيل بن عياض، ويودِّعه للخروج، وينشد معه:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمتَ أنك في العبادة تلعبُ
من كان يخضبُ خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
أو كان يُتْعِبُ خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ
رِيحُ العبير لكم ونحن عبيرنا رَهَجُ السنابك والغبار الأطيبُ
قال محمد بن إبراهيم: «فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام؛ فلما قرأه ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني» .
ويروي تلامذته صور جهاده وبلائه، فيقول عبدة بن سليمان المروزي: «كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدوَّ، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى المبارزة فخرج إليه ابن المبارك، فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس فكنت فيمن ازدحم إليه، فإذا هو يلثّم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته؛ فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمروٍ ممن يشنِّع علينا؟!» .
ويقول عبد الله بن سنان: «كنت مع ابن المبارك ومعمر ابن سليمان بطَرَطُوس فصاح الناس: النفيرَ، النفيرَ! فخرج ابن المبارك والناس، فلما اصطف الجمعان، خرج عِلْجٌ رومي فطلب البِرَاز، فخرج إليه رجل، فشد العلج عليه فقتله ... حتى قتل ستة من المسلمين، وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة، ولا يخرج إليه أحد، فالتفت إلى ابن المبارك، فقال: يا فلان! إن قُتلت فافعل كذا وكذا، ثم حرك دابته وبرز للعلج، فعالج معه ساعة، فَقَتَلَ العلجَ، وطلب المبارزة، فبرز له علج آخر فقتله، حتى قتل ستة علوج، وطلب المبارزة، فكأنهم كاعوا ـ أي جبنوا ـ عنه، فضرب دابته وطرد بين الصفين، ثم غاب، فلم نشعر بشيء؛ فإذا أنا به في الموضع الذي كان، فقال لي: يا عبد الله! لئن حدَّثت بهذا أحداً وأنا حيٌّ ... فذكر كلمة» .
كذلك كان علماؤنا، وكذلك كان أهل الحديث خاصة؛ فالإمام ابن المبارك إمام في الحديث والجهاد، يمضي على طريقته الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل؛ حيث يقول: «خرجت إلى الثغر على قدميَّ، فالتقطت» يعني: كان يلتقط التمر من الأرض من الجوع، يصاحب المجاهدين في مواقع النبال، يفتي المرابطين في الثغور ويعلمهم دينهم، ويروي لهم الحديث في مظانِّ الموت تماماً كما كان أبو موسى الأشعري حين يروي أحاديث الجهاد والرباط التي تلقاها عن سيدنا النبي ﷺ في مرابط الخيل ووجه العدو، فيؤديها كما علمها.
نعم! فقد كان هذا دأب الصالحين من قبلُ؛ فأبو أيوب الأنصاري يشخص مرابطاً في سبيل الله، حتى يُدْفَن تحت أسوار القسطنطينية، ينتظر وعد رسولنا ﷺ ، بفتح القسطنطينية أولاً، وها هي شواهد الحق تروي للناس من بعدُ حكاية أصحاب النبي ﷺ ؛ فهنا قبر أبي عبيدة، وهنا قبر معاذ بن جبل، وهنا قبر عكرمة، وهناك في الأرض تتبعثر قبور الصالحين من الفاتحين والمجاهدين، ليلتئم شمل أمة الجهاد والفتح المبين.
وهذا إمامنا البخاري ﵀ إمام الحديث والفقه الجهادي، يرى حراسة الثغور دِيناً كما هو الأمر في رواية الحديث وطلبه، فيلزم الثغر الذي يخاف منه هجوم العدو، فيرابط في بلادنا فلسطين في قيسارية جنوب حيفا، ويرابط في أيلة، وبيت المقدس، ويتعب في رواية الحديث يوماً فيستلقي على قفاه، فيقول له تلميذه: ما الفائدة في الاستلقاء؟ قال: أتعبنا أنفسنا اليوم، وهذا ثغر من الثغور، خشيت أن يحدث حَدَث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح، وآخذ أُهبة؛ فإن غافصنا العدو كان بنا حَراك. وكان يركب إلى الرمي كثيراً؛ فما أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، وكان لا يسبق؛ يهتف بالحديث: «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» .
وكان حذيفة بن اليمان يغزو في أذربيجان وأرمينيا، ويعقب عمر الجيوش في كل عام، فشُغِل عنهم عمر، فلما مر الأجل قفل أهل ذلك الثغر، فاشتد عليهم وتواعدهم وهم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لتركهم الثغر في الموعد المحدد؛ فكيف بمن سيَّب الثغور كلها؟
هؤلاء أئمة الدين والجهاد؛ قد عرفت فَالْزَمْ!
стр. 5861
٢٣٤ - صفر - ١٤٢٨ ه ـ
(السنة: ٢٢)
стр. 5862
المحاكم الإسلامية.. تجربة قصيرة ... ودروس كبيرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تغزو فيها أثيوبيا الصليبية أرض الصومال المسلمة؛ فقد سبق أن دخلتها بين أعوام ١٩٩٢م و ١٩٩٨م، لمهاجمة إحدى الجماعات الإسلامية التي كانت معروفة آنذاك باسم (الاتحاد الإسلامي) بزعامة (الشيخ حسن عويس) وهذه الجماعة هي التي خرجت منها بعد ذلك (المحاكم الإسلامية) . وقد تولى الشيخ حسن عويس رئاسة المجلس الاستشاري للمحاكم، واسمه موضوع على قائمة الشخصيات التي تتهمها الولايات المتحدة والأمم المتحدة بالإرهاب؛ فالأحباش حَمَلَةُ راية الصليب في القارة الإفريقية، هم أول من اتخذ موقفاً عدائياً من أماني الشعب الصومالي في العودة إلى الاستقرار في ظل هويته الإسلامية الأصيلة.
لقد عاد الإسلاميون الذين طاردهم نصارى أثيوبيا، بعد نحو خمسة عشر عاماً، تحت اسم (المحاكم الإسلامية) فرحبت جموع الشعب الصومالي بخطواتهم الإصلاحية، والتفوا حولهم لإعادة البناء والاستقرار إلى بلد لم يذق للأمن طعماً منذ هلاك رئيسه الماركسي الأسبق (سياد بري) الذي كان همه الأكبر تحويل الشعب الصومالي إلى شعب ملحد وتابع للاتحاد السوفييتي آنذاك، فلما أزيح شره عن كاهل الشعب عام ١٩٩١م، تطلعت أمريكا إلى وراثة النفوذ الشيوعي في ذلك البلد، وفي القرن الإفريقي كله. وما هي إلا سنوات قليلة حتى كانت جحافل الأمريكان تطأ بأحذيتها الثقيلة أرض الصومال، بالدعوى المكرورة السمجة ذاتها التي ترفعها الولايات المتحدة كلما أرادت نهب بلد والهيمنة عليه، وهي جلب الاستقرار ونشر الديمقراطية! ولهذا أطلقت على عملية غزو الصومال عام ١٩٩٣م اسم (إعادة الأمل) ثم تبين أن حقيقة هذا الأمل عند الأمريكان هي وضع اليد على الثروات الهائلة لهذا البلد الفقير التي لم تُستغل بعدُ، وهي ثروة اليورانيوم، والمعادن، وكذلك البترول الذي تنقب عنه شركات أمريكية.
لا زلنا نذكر أن ذلك الشعب المنهَك في جراحه، تغلّب على تلك الجراح وقاوم الغزاة القادمين عبر القفار والبحار، ليضربوا مظهر قوته ويسلبوا بقايا قُوتِه ليضموا ذلك إلى أكداس إمكاناتهم الجشعة. وفوجئ الأمريكان، ودهش العالم كله من أن ذلك الشعب الأعزل لم يكن سهل المراس ولا قليل الحيلة؛ فقد تصدى شرفاؤه للغزاة، ونكَّلوا بجنودهم، وكان مشهد واحد من مشاهد تلك المواجهة كافياً لأن يجر الأمريكيون أذيال الهزيمة، ويقرروا الانسحاب الفوري بعد أن تناقلت شاشات العالم مشهد ضابط أمريكي قتله المجاهدون ضمن ١٨ جندياً، وتركوا جثته للعوام والأطفال كي يسحلوها في شوارع مقديشو، وهو ما جعل الشعب الأمريكي يطالب بالانسحاب الفوري تعاطفاً مع شخص واحد من أفراد القوة المعتدية؛ بالرغم من أن الصوماليين فقدوا بسبب ذلك الغزو مئات الضحايا، وتسببت لهم الحرب الأثيوبية ضدهم وضد إرتيريا في مقتل ما لا يقل عن ٧٠ ألفاً من البشر.
منذ تلك الهزيمة الأمريكية والشعب الصومالي مغضوب عليه من الولايات المتحدة، ومن منظمات ما يسمى بالشرعية الدولية؛ فقد تُرك هذا الشعب ليعاني الويلات في أتون الاحتراب الناشئ عن صراعات العصابات والميليشيات المسلحة الموالية لهذا الطرف أو ذاك، ولم تكن تلك الحال المستمرة لنحو خمسة عشر عاماً، لتجعل المجتمع الدولي يذرف دمعة على ذلك البلد المسلم المنكوب!
ولكن ... ما إن بدأت طلائع إصلاح الأوضاع على أيدي بعض الإسلاميين من المحاكم وغيرها لتخليص البلاد والعباد من فوضى السلاح وأمراء الحرب، حتى شمَّرت دول الجوار القريبة للتنسيق مع دولة الجور البعيدة ـ أمريكا ـ لإطلاق عملية جديدة، كانت بحق عملية (إبادة الأمل) الذي بدأ يلوح في الأفق لذلك الشعب المظلوم.
بدأ التحرش بتسليط عصابات إجرامية على حركة المحاكم الإسلامية باسم قوات محاربة الإرهاب، ولم تكن تلك القوات إلا صنيعة أمريكية رخيصة الصنع رديئة المعدن من المنافقين الخُلَّص، ولهذا فسرعان ما قضت عليها قوات المحاكم الإسلامية، وظل جزء من عصابة العملاء محتمياً بأعداء الصومال، وهم أعضاء ما يسمى بالحكومة الانتقالية. ولما ضُيِّق على هؤلاء الخناق ولم يعودوا يصلحون للتعويل عليهم في محاربة الإسلاميين، أوعز الأمريكيون لإخوانهم الصليبيين الأثيوبيين بالتدخل المباشر، تحت ذريعة (محاربة الإرهابيين) !!
وقد جهزت أمريكا للغزو بتدريب وحدات خاصة من القوات الأثيوبية، وزرعت بعض الجواسيس داخل صفوف المحاكم بغرض إيقاع الخلاف والإرجاف بينهم، وعقدت صفقات مع بعض أمراء الحرب الذين أسقطتهم المحاكم، أو من لحقوا بها لإقناع الجميع بالانقلاب عليها مرة ثانية، وقدمت الدعم المالي والعسكري واللوجستي والاستخباراتي لتقوم بالغزو نيابة عنها.
كان العدوان الأثيوبي الأمريكي للصومال، هو الحرب الأمريكية الرابعة في الألفية الثالثة ضد العالم الإسلامي، بعد حرب أفغانستان والعراق ولبنان، وكانت المسوغات الحقيقية لتلك الحرب لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها السابقات: السيطرة على الأماكن الاستراتيجية في العالم الإسلامي ... ضرب أي قوة ناهضة فيه، وبخاصة إذا كانت توجهاتها إسلامية ... تمكين دولة اليهود من البقاء كقوة إقليمية وحيدة ضاربة في الشرق الأوسط بكل مناطقه الاستراتيجية.
دروس مستفادة:
أسفرت تلك الحرب على قِصَر مدتها وتسارُع أحداثها عن دروس وعبر بالغة، نذكر منها ما يلي:
(١) لا زالت القاعدة العامة من شعوب الأمة الإسلامية على أصل فطرتها وحنينها للإسلام، مهما كانت وسائل التضليل والتجهيل، وهذه الشعوب تعبر عن هذا الحنين والعاطفة بالالتفاف حول الرموز الإصلاحية الإسلامية. وقد كان التفاف الشعب الصومالي حول المحاكم الإسلامية صورة رائعة من هذا السلوك الواعي الذي يتكرر في بقاع مختلفة من العالم الإسلامي؛ فالجماهير تلتف حول العلماء والدعاة الصادقين، وتشارك في جهود الجماعات العاملة للإسلام، سواء في جهود الخير أو جهاد الأعداء؛ وهذا ما يضاعف المسؤولية على النخب الإسلامية عموماً في إحسان التعامل مع تلك الشعوب التي تمثل في مجموعها أمة محمد #، خير أمة أخرجت للناس.
(٢) أمريكا تتصرف في العالم على أساس أنها قاعدة الشرعية وقائدة الأمم دون نواب أو انتخاب، ودون منافشة أو مشورة، ولسان حال رئيسها الأرعن يقول: (أنا العالم) مثلما كان أحد ملوك أوروبا السابقين يقول: (أنا الدولة) ! وعندما يُقْدِم بوش على غزو دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة، دون إذن من أحد ـ حتى من حلفائه ـ ودون اعتبار لعرف عالمي أو قانون دولي، فإن هذا يبرهن على أن أمريكا في حاجة إلى من يتعامل معها بالمثل، في عدم المبالاة، وإلا فإن العالم أجمع بسكوته، يقر لها بحقها المطلق وحق زعيمها الأخرق في أن يفعل في البشرية ما يشاء!
(٣) في كل مرة تُظهِر الأمة رغبتها في العودة إلى كامل هويتها بالإقبال على الشريعة، نرى تنكراً سريعاً وهائجاً ومتضامناً من طواغيت العالم، ما يلبث أن يتحول إلى تحالف غير مقدس بين الكفار والمنافقين، ليبرهن الكفار من جهة على أن عداوتهم عقائدية، ويبرهن المنافقون من جهة أخرى على أن ولايتهم ليست لأمتهم، بل للأعداء الظالمين المعتدين الكافرين، وأن عداوة أحزاب النفاق لا تقل عنهم بل تزيد، وهذا ما بينه القرآن في مواضع كثيرة، ولهذا قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤٠ - ١٤١] .
(٤) الإسلاميون يبرهنون مع الزمن على أنهم يمثلون أماني شعوبهم، وهم يقودونهم إلى مقاعد الشرف ومعاقد العز بهذا الدين، بخلاف المنافقين على اختلاف أطيافهم وراياتهم، حيث يجرُّون الأمة كُرهاً إلى مواقع البلاء ومعاطن الفقر والذل والتبعية؛ وهو ما يدل على أن مفهوم (المواطنة) كأساس للانتماء وصدق الولاء، مفهوم أعوج؛ فكم من أبناء وطن من الأوطان أباً عن جد، هم أكثر الناس بُعداً عن الأمانة واقترافاً للخيانة لذلك الوطن في مواضع الخطر، بينما يكفي الانتماء للإسلام بحق، أن يكون المرء من أخلص الناس لبلد من بلدان الإسلام، وهو غريب عنه أو ضيف عليه.
(٥) من الأمور المؤسفة حقاً أن موالاة أعداء الأمة بعضهم لبعض، أكثر ظهوراً وأعمق آثاراً، من موالاة طوائف الأمة بعضهم لبعض في أزمنة الفتن وآونة الخطر، وهذا مما يحيِّر الألباب؛ فالمراقب لتداعي مواقف الأعداء بالنصرة والتأييد في كل مواجهة مع الإسلام، يدمي قلبه، وهو يرى في الوقت نفسه مواقف الخذلان وقلة النُّصرة، وبخاصة في المواقف الرسمية المتخاذلة التي لا تُغني عنها كثيراً المواقف الشعبية المكبَّلة، بينما رأينا مراراً ـ ومؤخراً في حالة الصومال ـ تداعي الكفار والمنافقين للنصرة، لإجهاض تلك التجربة الإسلامية الوليدة، لكتم أنفاسها وهي لا تزال في مهدها.
(٦) بينما كانت قوافل الغزاة تتدفق على العاصمة مقديشو وهي عاصمة من عواصم (الجامعة العربية) و (الاتحاد الأفريقي) وبينما كانت الطائرات تخترق أجواء بعض البلدان العربية ـ بإذن أو بغير إذن ـ كانت غالبية الحكومات والمنظمات والهيئات العربية والإفريقية والإسلامية تغط في نومها، أو تلتهي بأحوالها، وهو ما يؤكد أن قضايا الإسلام على المستويات الرسمية، لم تعد في وارد الاهتمام إلا بما يرتبط منها بالمظاهر والمصالح، وإلا فكيف سكتت بعض الحكومات.. و (تفهمت) بعض الزعامات ... وشاركت بعض القيادات في إسقاط عاصمة عربية إسلامية تحت أقدام الغزاة، ضد جزء أصيل من شعب الصومال، لم يُعرف بشيء مما اشتهرت به عصابات الخراب، التي كان يُرَحَّب بها ـ ولا يزال ـ في بعض العواصم العربية.
(٧) إذا كانت الحرب العالمية على ما تسميه أمريكا بـ (الإرهاب) هي في جوهرها حرباً على الإسلام، فإن جوهر تلك الحرب على الإسلام يؤول في النهاية إلى حرب على شريعة الإسلام؛ فهذه الشريعة وحَمَلَتُهَا وحُمَاتها ودعاتها والمطالبون بها والمجاهدون من أجلها، هم موضوع تلك الحرب الشاملة، صدَّقنا بذلك أم ضحكنا على أنفسنا، وإلا ... فالمتأمل في أحوال العالم الإسلامي منذ أكثر من قرن من الزمان، يجد أن المعركة هي معركة الشريعة، كان الكفار يخوضونها بأنفسهم أولاً، ثم وكَّلوا المنافقين بإدارتها، في صورة حرب مفتوحة ضد الإسلاميين المطالبين بالشريعة والداعين إليها والمجاهدين من أجلها. ولهذا كانت المعركة دائماً بين الإسلاميين وبين العلمانيين المنافقين تدور حول محور الشريعة.
(٨) رسالة المحاكم الإسلامية كانت العودة بالشعب إلى رحاب الشريعة سلمياً، ووصف هذه المحاكم التي كان يقوم على إدارتها قضاة ودعاة وطلاب علم بالإرهاب، يدل على حقيقة المراد بهذا الوصف، ومؤخراً وُصِفَ الإسلاميون السالكون سبل السلم مع مجتمعاتهم، في كل من فلسطين ومصر وغيرهما بالإرهاب؛ فأي شريحة جادة في الأمة يمكن أن تنجو من هذا الوصف المؤهل لشن الحرب وتجفيف المنابع؟! إن الأمر يحتاج إلى وقفة حاسمة للوقوف ضد هذا (الإرهاب) الممارَس ضد الإسلام باسم الحرب على الإرهاب.
(٩) إذا كانت معركة (المحاكم الشرعية) قد أضيفت إلى قائمة معارك (حاكمية الشريعة) ؛ فإن المنتظَر والمؤمَّل، أن تظل حاكمية الشريعة هي قضية المحاكم الشرعية، وقضية غيرها من الجماعات والحركات والدعوات الإسلامية؛ إليها تدعو، ولها تمتثل، وعليها تُفاصِل، ومن أجلها تجاهد؛ فهذا هو طريق الانتصار في معركة الشريعة، مهما طال مشواره. أمَّا إذا تخلينا أو تخلى بعضنا عن حمل أمانة الشريعة، باسم المصلحة أو المصالحة، فإن هذه هي الهزيمة حقاً؛ فالهزيمة قبل أن تكون على الأرض، تكون في القلب والعقل، ولهذا لم يقبل العقلاء قول من قال بأن المحاكم الإسلامية قد هُزمت، ولا الطالبان قبلها قد هُزموا، لا ولا الشيشان ولا غيرهم من سائر المناضلين تحت راية الشريعة ... ما داموا حاملين رايتها.. وساعين في نصرتها.
стр. 5863
الاحتياط الشرعي حقيقته وضوابطه
د. قطب الريسوني
عرّف علماء الأصول الاحتياط بتعريفات متباينة تتفاوت حظوظها من الدقة والاستيفاء، ويلاحظ على أكثرها النزوع إلى منحيين: الأول: تعريف الاحتياط بالطريق المفضية إليه، والثاني: تعريفه بالمآل الذي يُرجى منه، وفي كلا المنحيين تجوّز لا يرتضى في باب الحدود؛ لأن الأصل أن نعرّف الشيء في ذاته ونفسه، إما على نحو من الضبط والإحكام فيكون حدّاً، وإما على سبيل تمييزه عن غيره فيكون رسماً، على ما هو مقرّر في علم النطق.
ولسنا بحاجة هنا إلى سوق التعريفات وبيان وجه الاختلال في صياغتها، وحسبنا الإشارة إلى أن التعريف المختار هو: (الاحتراز من الوقوع في منهي أو ترك مأمور عند الاشتباه) (١) ، وهو تعريف لا يؤتى من جهة الجمع والمنع؛ لأن لفظ الاحتراز يشمل العالم والعامي، فكلاهما يصح منه الاحتراز سواءً كان فعلياً أو تركياً؛ ولأن لفظتي (المنهي والمأمور) تشملان الأحكام الشرعية الأربعة: الحرام، والمكروه، والواجب، والمندوب، فضلاً عن أن لفظ الاشتباه يشمل التردد في حرمة الشيء، أو كراهته، أو وجوبه، أو استحبابه (٢) .
ومن أجود التعاريف التي يمكن الاستئناس بها تعريف القرافي: (ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس) (١) ، وأقرّه عليه ابن القيم في (بدائع الفوائد) (٢) ، وقد رأيت بعض العلماء يطلق لفظ الورع ويقصد به الاحتياط، على أساس أن (الورع هو الاحتياط نفسه) (٣) ، ولا ضير في ذلك، فإنّ تغير المباني ليس بمحظور إذا فهمت المعاني.
والاحتياط حجّة عند الجمهور من الحنفية (٤) ، والمالكية (٥) ، والشافعية (٦) ، والحنابلة (٧) ، إلا أن أكثر المذاهب إعمالاً للاحتياط المذهب المالكي؛ لأن من أصوله الاجتهادية التوسّع في سدّ الذرائع ومراعاة الخلاف، وكلاهما ضرب من الاحتياط تُدفع به المفاسد المتوقعة أو الواقعة، وتُراعى المآلات بما يستوفي مصلحة الإنسان في العاجل والآجل.
ومن ثم فقد عُدّ الاحتياط مسلكاً شرعياً في استنباط الأحكام والترجيح عند تعارض الأدلة، وذكره بعض العلماء ضمن الأدلة الشرعية التبعية، وهي ضربان: ضرب يرجع إلى الأصول الأربعة رجوعاً معيناً؛ كقول الصحابي مردود إلى السُّنَّة، وشرع من قبلنا مردود إلى القرآن إذا قصّه الله ـ تعالى ـ من غير إنكار، ولم يرد في الشرع ما يخالفه، وضربٌ يرجع إلى الأصول رجوعاً مختلفاً؛ كالاحتياط والاستصحاب، فتارة مرجعهما إلى القرآن، وتارة إلى السُّنَّة، وتارة ثالثة إلى غيرهما كالقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة، والمناسبة العقلية.
ونسوق هنا جملة من النصوص التي صرح أصحابها بحجية الاحتياط واعتماده أصلاً من أصول الشرع:
أـ قال السرخسي: «والأخذ بالاحتياط أصل في الشرع» (٨) .
ب ـ قال الجصاص: «واعتبار الاحتياط والأخذ بالثقة أصل كبير من أصول الفقه، فقد استعمله الفقهاء كلهم» (٩) .
ج ـ قال الشاطبي: «الشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرر مما عسى أن يكون طريقاً إلى المفسدة» (١٠) .
د ـ قال الجويني: «إذا تعارض ظاهران، أو نصّان، وأحدهما أقرب إلى الاحتياط، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الأحوط مرجَّح على الثاني، واحتجوا بأن قالوا: اللائق بحكمة الشريعة ومحاسنها الاحتياط» (١١) .
أما الفريق المعارض للعمل بالاحتياط فتزَعّمه ابن حزم الذي عقد باباً مستقلاً في (الإحكام) للرد على ما سماه: (الاحتياط، وقطع الذرائع والمشتبه) (١٢) ، ومن جملة أقواله فيه: «ولا يحلّ لأحد أن يحتاط في الدين؛ فيحرِّم ما لم يحرِّم الله؛ لأنه حينئذٍ يكون مفترياً في الدين، والله ـ تعالى ـ أحوط علينا من بعضنا على بعض» (١٣) .
ولا يفهم من موقف ابن حزم رفض الاحتياط جملةً وتفصيلاً، فإن من أشبع النظر في رده على المخالفين يدرك بوضوح وجلاء أنه لا ينكر الورع واجتناب مظانِّ الرِّيَب؛ وإنما إنكاره منصرف إلى إثبات التحليل والتحريم من جهة الاحتياط؛ لأنْ لا شرع إلا بالنص، والشرع أحوط علينا من أنفسنا، وأعلم بمواطن الاحتراز والحزم.
وإذا كان الاحتياط على أضرب، فإن ابن حزم لا ينكرها جميعاً، فالاحتياط للحكم مشروع عنده في الجملة، ولا سيما في حال تعارض الأدلة والأمارات وعدم ظهور أثر الرجحان، فإنه تعدّ هذه الحالة شبهة ينبغي اجتنابها (١٤) ، كما يصح عنده الاحتياط لمناط الحكم كاختلاط حلال محصور بحرام محصور، فمذهبه في ذلك التوقف حتى يتبين الحال، والتوقف ـ في حقيقته ومآله ـ ضرب من الاحتياط لدين الله والخشية من مواقعة الحرام.
أما الاحتياط لمآل الحكم وهو ما يعرف بـ (سدّ الذرائع) فقد تصدى ابن حزم لإبطاله وتسفيه حجج القائلين به في كتابه (الإحكام) ؛ لأن مرجعه إلى الحكم بالظن الكاذب والرجم بالغيب، وهذا لا يحل في الشريعة التي تُبنى أحكامها على الأدلة المستقيمة والحجج الناهضة، يقول: « ... فكل من حكم بتهمة، أو احتياط لم يستيقن أمره، أو بشيء؛ خوفَ ذريعة إلى ما لم يكن بعد، فقد حكم بالظن، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل، وهذا لا يحل» (١) ، ويستشف من كلامه هذا أنه لا ينكر سد الذرائع على الإطلاق، فإذا كان إفضاء الوسيلة إلى المفسدة مُحقَّقاً وقطعياً فلا مانع عنده من إجراء العمل بهذه القاعدة والحكم بها، وقرينة هذا التقييد قوله: «لم يستيقن أمره» .
ويزداد موقف ابن حزم وضوحاً وتجلياً حين ينكر الغلو في الاحتياط إلى حد الإفتاء به على وجه الإلزام؛ لأنه مسلك حسن في الدين، محمول على الورع واجتناب ما حاك في الصدر، لكنه لا يرقى إلى الواجب الذي يُقضى به على الناس، يقول: «ليس الاحتياط واجباً في الدين، لكنه حسن، ولا يحل لأحد أن يقضيَ به على أحد، ولا أن يلزم به أحداً، لكن يندب إليه؛ لأن الله ـ تعالى ـ لم يوجب الحكم به» (٢) .
فليس بساط الخلاف ـ إذاً ـ بين الجمهور وابن حزم بالسعة التي يتصورها الكثير؛ إذ يوجد بينهما قدر غير يسير من المتفق عليه، ويفترقان في مسألة الاحتياط لمآل الحكم الذي ذهب فيه إمام الظاهرية مذهب التقييد بقطعية إفضاء الوسيلة إلى المفسدة المتوقعة.
وإذا كان الاحتياط أصلاً ثابتاً، ومسلكاً مشروعاً، يستدل عليه بالنصوص القاطعة من الكتاب والسُّنَّة، ويستأنس له بعمل السلف الصالح وفتاوى الأئمة الأربعة، فإن التوسط فيه منزع محمود يليق بمحاسن الشريعة ومقاصدها في التكليف، فلا نغالي فيه إلى حد التنطع والتعمق وإيجاب ما لم يجب، ولا نجفو عنه إلى حد تقحّم الشبهات ومظانِّ الرِّيَب، وقد قيل: إن كل شيء تجاوز حده انقلب إلى ضده.
ولعل من الغلو في الاحتياط ـ سواء كان أخذاً بأكثر ما قيل أو بأثقل ما قيل ـ أن نلزم الناس به على سبيل الوجوب، مع أنه تنزه وتورّع، يقول الدهلوي: «أصل التعمق أن يؤخذ موضع الاحتياط لازماً» (٣) ، فمن المرغوب فيه أن يُندب العالم إلى الورع، ويشير باجتناب ما حاك في النفس، إلاَّ أنه لا يقضي بذلك على أحد، ولا يفتي به فتوى إلزام، وإن شاء أن يكون شديد الأزر على نفسه فيأخذها بالتحوط فله ذلك، ما لم يُخشَ عليه التنطع في الدين، وهو مهلكة ما بعدها مهلكة.
إن الخروج إلى طرف الغلو في الاحتياط لا تزكو به ثمرة الدين، ولا تقوم به مصلحة الخلق، وهذا مشاهَدٌ في كل من ذهب به مذهب العنت فبَغُض إليه الدين، وانقطع عن سلوك طريق الآخرة، ولذلك كان التكلف الشرعي في كل صوره جارياً (على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال) (٤) ، فلا غرو ـ إذاً ـ أن يكون من تمام تعريف الاحتياط عند ابن القيم التنصيص على مراعاة التوسط فيه، حتى يرتفع المسلم عن تقصير المفرِّطين، ولا يلحق بغلو المعتدين، يقول: «الاحتياط: الاستقصاء والمبالغة في اتِّباع السُّنَّة وما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، من غير غلوٍ ومجاوزة، ولا تقصير ولا تفريط» (٥) .
وليس كل احتياط يشرع ويستحب من باب الورع والتنزه عن الشبهات! ذلك أن منه ضرباً مذموماً لا يلتفت إليه، وهو ما كان مفضياً إلى محظور شرعي، أو كان من قبيل الوساوس التي تتخذ ديناً وهي إملاء من الشيطان الرجيم، ومن صوره الشائعة: سد الذرائع التي تفضي نادراً إلى المفسدة، والتنزّه عن الرخص المشروعة، والزيادة في المشروع على سبيل الوسوسة.
ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى بيان ضوابط الاحتياط الشرعي التي تصحّح العمل به، وتصونه عن الوقوع في المحظور، ولا سيما أن هذا المسلك موضع لتجاذب الأنظار وتضارب الأفهام؛ فما يراه عالم احتياطاً، لا يراه غيره كذلك، فلا بد ـ إذاً ـ من ثوابت يحتكم إليها في تقويم منارع المجتهدين في هذا المعترك الصعب، ويمكن إجمالها فيما يلي:
أـ ألاّ يكون في المسألة المحتاط فيها نصّ؛ لأن الاحتياط منزع اجتهادي يُلجأ إليه عند فقدان الدليل، فإذا وجد وظنّ المجتهد أن من الاحتياط تركه، فقد تورط في مخالفة صريحة أمْلتْها الوسوسة أو الابتداع في الدين.
ب ـ أن تكون الشبهة الحاملة على الاحتياط قوية معتبرة؛ ولذلك صرح الفقهاء بأن الخلاف الذي يُراعى ويُستحب الخروج منه ما كان مبيناً على تكافؤ الأدلة، أما السقطات والشذوذات فلا يلتفت إليها، ولا يحتاط لها.
وكذلك لا يعتد بالشبهة التي تدرأ الحدود إلا إذا كانت قوية ناهضة، وقد نظم ذلك أبو بكر الأهدل الحسيني اليمني فقال:
وباتفاقٍ الحدودُ تسقط بالشبهات حسبما قد ضبطوا
وشرطها القوة فيما ذكروا جزماً وإلا فهي لا تؤثر (١)
ج ـ ألاّ يفضي العمل بالاحتياط إلى مخالفة النص الصحيح الصريح، فكل احتياط جاء على خلاف المشروع فهو ضرب من الاجتهاد في مورد النص، والحكم بفساد اعتباره لا يحتاج إلى تقرير؛ فضلاً عن نصب برهان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والاحتياط حسن، ما لم يُفضِ بصاحبه إلى مخالفة السُّنَّة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك الاحتياط» (٢) ، وأقرّه تلميذه ابن القيم على ذلك فقال: «فالصواب أن يحتاط الإنسان لاتّباع السُّنَّة لا لمخالفتها» (٣) .
ومن الاحتياط المخالف للسُّنَّة التورعُ عن اليمين في الحق بالحق من غير إكثار؛ بدعوى أن الأيمان كلها مكروهة، لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] .
وهذا احتياط في غير محله؛ لأن الرسول ﷺ كان يحلف كثيراً، ولو كان مكروهاً لكان أبعد الناس عنه. أما النهي في الآية فمحمول على الإفراط في الحلف الذي لا ينفك عنه الكذب غالباً، وصدق الشيخ (زروق) حين قال: «ورع بلا سُّنَّة بدعة» (٤) .
د ـ ألاَّ يفضي الاحتياط إلى مشقة فادحة لا يمكن احتمالها والصبر عليها، وهذا ملاحظ في تصرفات الفقهاء، وجارٍ في فروعهم، ومنها: إذا المرأة المتحيرة التي نسيت عادتها ووقتها يحل للزوج وطؤها؛ (لأنه يستحق الاستمتاع ولا نحرمه بالشك؛ ولأن في منعها دائماً مشقة عظيمة) (٥) ، وهذا وجه في المذهب الشافعي، فالاحتياط هنا أُلغيَ رعياً للحرج البالغ الذي يعنت كلا الزوجين، وإلى هذا الوجه مالَ (العز بن عبد السلام) (٦) .
هـ ـ ألاّ يفضي الاحتياط إلى تفويت مصلحة راجحة، وبفواتها يظل التعارض قائماً، فيحتاج إلى دفعه، فإذا كانت المصلحة أقوى وأهم قدمت على أصل الاحتياط، قال ابن تيمية: «وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية قد يدع واجبات ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع؛ كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة، ويرى ذلك ورعاً، أو يدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع» (٧) .
إن الاحتياط مسلك تُجتنب به الشبهات، ومرجّح عند تعارض الأدلة، ومخصّص لعموم الإباحة إذا ثبت، ولا خلاف في حُسنه بين العقلاء في الجملة، إلا أن الإغراق فيه يؤول في نهاية المطاف إلى الاستدراك على الشرع، واجتراح البدعة المذمومة، وقد تفطن (ابن رشد الحفيد) إلى هذا المحذور فقال: « ... وهو إن كان يخيّل فيه أنه أولى لمكان النجاة من الذم، فكذلك يخاف لحوق الذم بزيادة ما ليس من الشرع في الشرع» (٨) .
стр. 5864
أهل الذمة والولايات السياسية
(٢ - ٢)
محمد بن شاكر الشريف
بيّنتُ في الحلقة الأولى من هذه المقالة عدالة الشريعة في تعاملها مع أهل الذِّمّة، والتزام المسلمين بذلك في تعاملهم معهم، ثم سقتُ الأدلة التي تبين أنه لا يجوز تولية أهل الذِّمّة الولايات السياسية في بلاد المسلمين، ونقلتُ طائفة كبيرة من أقوال أهل العلم من مختلف المذاهب في ذلك، وفي هذه الحلقة نكمل ـ إن شاء الله ـ ما بقي من هذه المقالة.
من خلال ما تمر به بلاد المسلمين اليوم من ضعف وتخاذل أمام عدو الله وعدو المسلمين، نجد اليوم من المسلمين من يحاول أن يؤكد مساواة أهل الذِّمّة للمسلمين في حق تولِّي الولايات، وذلك بأنواع من الكلام الذي يظنه أدلة وما هي إلا شبهات، سَهَّل قبولَها لديه والدعوة إليها والتمسك بها الحالةُ التي عليها العلاقات الدولية اليوم، وها أنذا الآن أعرض بعضاً من هذه الشبهات وأردُّ على ما اشتبه منها:
- وزارة التنفيذ:
لقد تصرَّمت قرون الإسلام وانقضت بالاتفاق على أن أهل الذِّمّة لا ولاية لهم على المسلمين في شيء، وهذا الاتفاق لا يخدشه ـ كما يتوهم البعض ـ ما نُقل عن الماوردي (الشافعي) بإجازته لأهل الذِّمّة أن يكونوا وزراء تنفيذ. والذي دعا الماوردي ﵀ لذلك هو تصويره هذا النوع من الوزارة على أنه ليس من ولاية الأمر، حيث يقول عن الذمِّي المعيَّن في وزارة التنفيذ: (فهو معيَّن في تنفيذ الأمور وليس بوالٍ عليها ولا متقلِّداً لها) (١) . وسبب ذلك ما تقرر عنده ـ كما عند بقية أهل العلم ـ أن الولاية لا يجوز عقدها لغير المسلم. لكن الماوردي مع ذلك محجوج بالنصوص الشرعية التي تنهى عن ذلك، ومحجوج بعمل الخلفاء الراشدين وأصحاب السيرة المستقيمة من الخلفاء الأمويين والعباسيين (٢) .
وقد ردَّ عليه الجويني (الشافعي أيضاً) ﵀ بكلام شديد فقال: (ذكر مصنِّف الكتاب المترجَم بـ (الأحكام السلطانية) أن صاحب هذا المنصب يجوز أن يكون ذمّياً، وهذه عَثْرَة ليس لها مقيل، وهي مشعرة بخلوِّ صاحب الكتاب عن التحصيل؛ فإن الثقة لا بد من رعايتها، وليس الذِّمّي موثوقاً به في أفعاله وأقواله وتصاريف أحواله، وروايتُه مردودة، وكذلك شهادته على المسلمين؛ فكيف يُقبل قوله فيما يسنده ويعزيه إلى إمام المسلمين) . ثم ذكر بعضاً من الأدلة إلى أن يقول: (وقد نصَّ الشافعي ـ رحمة الله عليه ـ أن المُترجِم الذي يُنهي إلى القاضي معاني لغات المدّعين يجب أن يكون مسلماً عدلاً رضيّاً، ولست أعرف في ذلك خلافاً بين علماء الأقطار؛ فكيف يسوغ أن يكون السفير بين الإمام والمسلمين من الكفار؟) (٣) .
- هل لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين؟
هناك من يزعم ـ من المسلمين ـ أن أهل الذِّمّة في البلاد الإسلامية لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ويستدلون على زعمهم ذلك: أن هذه قاعدة شرعية، أو ما ينسبه البعض الآخر إلى الرسول ﷺ أنه قال: لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. وهذا لا شك في خطئه؛ فليست هناك قاعدة شرعية تذكر ذلك، كما أن الرواية المزعومة هي من الكذب على رسول الله ﷺ ، بل هذا النص إنما ورد في حق من أسلم من الكفار؛ فقد سأل ميمون ابن سِيَاهٍ أنسَ بن مالك ﵁ قال: يا أبا حمزة! ما يُحرِّمُ دمَ العبد ومالَه؟ فقال: «من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلَّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم» (١) . وأخرجه النسائي بلفظ: «أن رسول الله ﷺ قال: أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلَّوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقِّها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم» (٢) . وأخرجه أبو داود بلفظ: «قال رسول الله ﷺ : أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلّوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقِّها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين» (٣) .
فأخذه هؤلاء وجعلوه لأهل الذِّمّة، وأهل الذِّمّة كفار لم يشهدوا أن لا إله إلا الله، ولم يشهدوا أن محمداً رسول الله، ولم يستقبلوا قبلتنا، ولم يصلّوا صلاتنا، ولا أدري هل وقعوا في ذلك جهلاً أو عمداً؟ ولا شك أن هذا القول الذي ينسبه هؤلاء إلى رسول الله ﷺ مخالف لكل ما تقدَّم من الأدلة التي أوردتُها في الحلقة الأولى من المقالة، وليس في أيدي هؤلاء أكثر من محاولة بيان عدم دلالة هذه الأدلة، وذلك بأنواع مستكرهة من التأويل.
هل قوله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] وما تلاه شرط في الحكم أم هو كشف عن حقيقة أمرهم؟
قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] . في هذه الآية كشف وبيان لحقيقة موقف أهل الذِّمّة من المسلمين، ولفظ الآية ونَظْمها يبين أن ما ذكر فيها هو من خصائص القوم وصفاتهم المتأصلة فيهم؛ فالله ـ تعالى ـ ينهانا أن نتخذ من أهل الذِّمّة بطانة، ويكشف لنا عن حقيقة موقفهم من المسلمين فيقول: إنهم لا يألونكم خبالاً، ودّوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم. ثم يبين الله ـ تعالى ـ أن الأمر أكبر مما ظهر بقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ . ثم يقول ـ تعالى ـ محرّضاً المؤمنين على عدم اتخاذهم بطانة: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . فجاء أناس ممن يريد لَيَّ النصوص ويدعي الفهم والاستنارة فزعم أن قوله ـ تعالى ـ: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ هو شرط لتطبيق الحكم، فإذا تخلف ذلك الشرط جاز اتخاذهم بطانة، فإذا كان أهل الذِّمّة ـ كما زعمت ـ ممن لا يجتهدون في أذيّتنا، ولا يودّون لنا التعب والمشقة، ولم تظهر البغضاء من أفواههم، جاز اتخاذهم بطانة. وهذا ما لم يقله أحد من أهل العلم السابقين.
ولفظ الآية يأبى هذا التفسير التحريفي؛ فالآية تكشف عن حقيقتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ الآية [آل عمران: ١١٨] ، فهذه حقيقتهم والصفة المتأصلة فيهم، ولذلك حسُن أن يقال عنهم: قد بدت البغضاء من أفواههم؛ تأكيداً وتوثيقاً للحكم في نفوس السامعين، وحسُن قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وكأن فيه جواباً أو ردّاً لمن يقول: وإذا لم يظهر منهم ما نَكْره من الأقوال أو الأفعال؟ فيقال لهم: إن كانت لكم عقول تعقلون بها عداوتهم لكم، فقد بيَّنا لكم الآيات الدالة على ذلك. ولذلك يقول ابن جرير في تفسيرها: (نهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذّرهم بذلك منهم ومن مخالَّتهم) ، فهم منطوون على هذه الأمور، وليست هي شرطاً أو قيداً في الحكم يزول بزوالها، ومن الذي يقدر على العلم بذلك وهي أمور قلبية لا يطّلع عليها الناس؟ ومع هذا الوضوح فقد زعم بعض من لم يفهم كلام أهل العلم أن الطبري ـ رحمه الله تعالى ـ ممن يرى جواز الاستعانة بغير المسلمين في أمور المسلمين وشؤونهم، مع أن الطبري بيَّن ذلك بعبارة واضحة وهو يردُّ على من يقول: إن الذين بدت البغضاء من أفواههم هم المنافقون، قال ﵀: (القول في تأويل قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ : قال أبو جعفر: يعني بذلك ـ جلَّ ثناؤه ـ: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم ـ أيها المؤمنون ـ أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني: بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم: إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة؛ فذلك من أَوْكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان؛ لأن ذلك عداوة على الدِّين، والعداوة على الدِّين العداوةُ التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعادين إلى ملّة الآخر منهما، وذلك انتقالٌ من هدى إلى ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة) .
ثم نقل عن قتادة ـ رحمه الله تعالى ـ: (قوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يقول: قد بدت البغضاء من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار؛ من غشِّهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم) .
ثم عقب عليه بقوله: (وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة، قول لا معنى له) .
ثم بدأ يبين سبب حكمه على ما قاله قتادة، فقال: (وذلك أن الله ـ تعالى ذِكْرُه ـ إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغشّ للإسلام وأهله والبغضاء، إما بأدلة ظاهرة دالة على أنّ ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة والشنآن والمناصبة لهم.
فأما من لم يُثبِتوه معرفةً أنه الذي نهاهم الله عن مخالَّته ومباطنته، فغير جائز أن يكونوا نُهوا عن مخالَّته ومصادقته، إلا بعد تعريفهم إياهم، إما بأعيانهم وأسمائهم، وإما بصفات قد عرفوهم بها.
وإذا كان ذلك كذلك ـ وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار، غير مدرِك به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارهم الإيمانَ بألسنتهم لهم والتودُّد إليهم ـ كان بيِّناً أن الذي نهى الله المؤمنين عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم، على ما وصفهم الله به، فعرَفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم ـ تعالى ذِكْره ـ بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون، ممن كان له ذمّةٌ وعهدٌ من رسول الله ﷺ وأصحابه من أهل الكتاب؛ لأنهم لو كانوا المنافقين، لكان الأمر فيهم على ما قد بيَّنا، ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون متّخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين، مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهُر المؤمنين من أهل الكتاب أيامَ رسول الله ﷺ ممن كان له من رسول الله ﷺ عهدٌ وعقدٌ من يهود بني إسرائيل) (١) . فالمعنيُّون بهذه الآيات ليسوا هم المنافقين وليسوا هم الكفار من أهل الحرب، وإنما كفار أهل الذِّمّة.
- البرُّ بهم والإقساط إليهم:
لم ينهَ ربنا ﵎ عن البرِّ والإقساط بمن لم يقاتلنا في الدِّين ولم يعينوا المشركين علينا، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] .
فبِرُّهم والإقساط إليهم أمر مطلوب، لكن ليس من معنى هذا توليتهم الولايات على المسلمين؛ فإن هذا لم يقل به أحد، والآية إنما تعني: أن المسلمين أهل عدل وإنصاف وإحسان لا يظلمون أحداً شيئاً، وأن من لم يقاتلهم في الدِّين ولم يعنْ عليهم أحداً فإن المسلمين يحفظون له ذلك ويثيبونه عليه.
- ما يجوز من الاستخدام أو الاستعانة؟
يجوز الاستعانة بأهل الذِّمّة واستخدامهم فيما يحتاج إليه المسلمون، وذلك وفق عدة شروط، منها:
ـ أن لا يكون في ذلك ولاية على المسلمين.
ـ أن يكون حَسَنَ الرأي في المسلمين.
ـ أن تكون بالمسلمين حاجة إليه.
والوقائع التي حدثت في السيرة النبوية تدل على هذا الجواز بتلك القيود المذكورة. وإذا تأمّل المتأمّل ما يُساق من وقائع في ذلك، لا يجد فيها استعانة أو استخداماً مطلقاً، بل يجدها مقيدة بأحد القيود السابقة؛ كاستئجار الرسول ﷺ في الهجرة دليلاً مشركاً خبيراً بالطرق؛ فهي ليست ولاية، وكان الرجل مأموناً، وكان الرسول ﷺ في حاجة إلى ذلك. وكذلك اتخاذه عيناً (جاسوساً) من خزاعة على مشركي قريش، وكانت خزاعة عيبة نصح (٢) لرسول الله ﷺ ؛ مشركهم ومسلمهم، ونحو ذلك من الأمور.
- محكمة التاريخ:
لقد كانت هناك فترات من الزمن تخلَّى فيها المسلمون عن كثير من الأحكام الشرعية، وتقاعس فيها بعض ولاة الأمور من المسلمين عن الالتزام بالأحكام الشرعية الخاصة بالمشاركة السياسية لأهل الذِّمّة؛ فولّوهم بعض الولايات والمناصب التي لا ينبغي أن يتولّوها. وقد أثبت التاريخ والواقع ما تحدَّث عنه القرآن بما يكنّه الكفار للمسلمين، وما تنطوي عليه أفئدتهم بما لا يدع مجالاً لمُشكِّك أو لمُخذِّل، وفي هذا الواقع التاريخي بيان وردٌّ على بعض المعاصرين الذين يحاولون التفرقة بين من ظهرت عداوته من أهل الذِّمّة، وبين من ظهرت مودّته أو لم تظهر منه عداوة، فيجعلون كل ما تقدم من الأدلة خاصاً بمن ظهرت عداوته، ويرون أن من ظهرت مودّته أو لم تظهر منه عداوة فإن الأدلة لا تتناوله.
وذلك أن ما في القلوب لا يعلمه إلا الله ـ تعالى ـ وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥] ، والأدلة المتقدمة ليس فيها هذا القيد الذي زعموه، وقد ذكر ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ عشرين موضعاً من كتاب الله ـ تعالى ـ في بيان غشِّ الكفار من اليهود والنصارى للمسلمين، وعداوتهم وخيانتهم وتمنِّيهم السوءَ لهم، ومعاداة الربِّ ـ تعالى ـ لمن أعزَّهم أو والاهم أو ولاَّهم أمورَ المسلمين. ثم قال بعدما أورد هذه المواضع العديدة: (والآيات في هذا كثيرة، وفي بعض هذا كفاية) (١) .
وهذه بعض الوقائع التاريخية من القديم ومن الحديث، ومن الشرق ومن الغرب، ومن اليهود ومن النصارى، بما يدل على أن ما يظهره أهل الذِّمّة غير ما يبطنون، وقد تمثَّل ما قاموا به سواء في القديم أو الحديث ـ عندما تولّوا بعض الأمور، أو عند شعورهم بالقوة وأَمْنهم من معاقبة المسلمين لهم ـ في أمرين:
الأول: ظلمهم للمسلمين وإذلال من يقع منهم تحت أيديهم، والاستعانة بأهل ملّتهم في أعمال الدولة وإبعاد المسلمين عنها، بل وفصلهم من وظائفهم. وقد بلغت مكانة اليهود في الدولة الفاطمية أن قال القائل ـ في وصف ما هم عليه من العزِّ والسؤدد الذي لم ينله كثير من المسلمين ـ:
يهود هذا الزّمان قد بلغوا
غايةَ آمالهم، وقد ملكوا
العزُّ فيهم والمال عندهم
ومنهمُ المستشار والملكُ
يا أهلَ مصر إنّي قد نصحت لكم
تهوّدوا قد تهوّد الفَلَكُ (٢)
وقد تسلّط اليهود ـ أيضاً ـ في دولة غرناطة على الناس، وقاموا بحكم الجماعات الإسلامية، وجمع الضرائب منهم، مما دفع بابن الجد أن يقول:
تحكمت اليهود على الفروجِ
وتاهت بالبغال وبالسروجِ
وقامت دولة الأنذال فينا
وصار الحكم فينا للعلوجِ
فقلْ للأعور الدجال: هذا
زمانك إن عزمت على الخروجِ
وهذا أبو إسحق الألبيري الصنهاجي وقد رأى ما ساد به اليهود على المسلمين، فيقول:
وإني احتللت بغرناطة
فكنت أراهم بها عابثين
وقد قسموها وأعمالها
فمنهم بكل مكان لعين
وهم يقبضون جباياتها
وهم يخضمون وهم يقضمون
ورخَّم قردهم (٣) داره
وأجرى إليها نمير العيون
فصارت حوائجنا عنده
ونحن على بابه قائمون
ويضحك منا ومن ديننا
فإنا إلى ربنا راجعون (٤)
والثاني: تحريضهم المشركين وأعداء المسلمين على غزوهم ومحاربتهم، وإيذائهم للمسلمين بكل سبيل، وإعانتهم للقوى الكافرة المهاجمة لبلاد المسلمين.
وقد كان أول ذلك ما فعله اليهود زمن البعثة النبوية؛ فرغم ما كان بين الرسول ﷺ وبينهم من معاهدات؛ فقد خانوا ونقضوها، وحرّضوا المشركين على قتال المسلمين، ولكن الله خذلهم.
ومن ذلك ما فعله النصارى في الأندلس زمن دولة المرابطين عندما حرَّضوا الطاغية (ابن رذمير) على محاربة المسلمين وقتالهم، وتوالت عليه كتبهم، وتواترت رُسلهم ملحّة بالاستدعاء، مطمعة في دخول غرناطة، فلما أبطأ عنهم، وجّهوا إليه زماماً يشمل اثني عشر ألفاً من أنجاد مقاتليهم، لم يَعُدُّوا فيها شيخاً ولا غرّاً (٥) .
وعندما أغارت جموع التتار على بلاد الشام ودخلوا دمشق استطال النصارى هناك على المسلمين، (وأحضروا «فرماناً» من (هولاكو) بالاعتناء بأمرهم وإقامة دينهم؛ فتظاهروا بالخمر في نهار رمضان، ورشّوه على ثياب المسلمين في الطّرقات، وصبّوه على أبواب المساجد، وألزموا أرباب الحوانيت بالقيام إذا مرّوا بالصليب عليهم، وأهانوا من امتنع من القيام للصليب، وصاروا يمرون به في الشوارع إلى كنيسة مريم، ويقفون به ويخطبون في الثناء على دينهم، وقالوا جهراً: ظهر الدين الصحيح دين المسيح، فقلق المسلمون من ذلك، وشكوا أمرهم لنائب (هولاكو) وهو (كتبغا) فأهانهم وضرب بعضهم، وعظَّم قدر قسوس النصارى، ونزل إلى كنائسهم وأقام شعارهم) (١) .
ومن ذلك ـ أيضاً ـ الحريق الكبير الذي شبَّ في دمشق سنة سبعمائة وأربعين هجرية، وبعد خمسة عشر يوماً شبَّ حريق أعظم منه، وكان أمراً مهولاً، ثم تبين بعد ذلك أن من فعل ذلك هم مجموعة من النصارى الذين تستعملهم الدولة في أعمالها، وعلى رأسهم (سلامة بن سليمان بن مرجا النصراني) كاتب (الأمير علم الدين سنجر البشمقدار) (٢) .
قال ابن القيم: (ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى الكتابَ، ومكاتبتِهم الفرنج أعداء الإسلام، وتمنّيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله، وسعيهم في ذلك بجهد الإمكان، لَثَنَاهُمْ ذلك عن تقريبهم وتقليدهم الأعمال. وهذا الملك الصالح (أيوب) كان في دولته نصراني يسمى (محاضر الدولة أبا الفضائل بن دخان) ، ولم يكن في المباشرين أمكَنَ منه، وكان المذكور قذاةً في عين الإسلام، وبَثْرةً في وجه الدين، ومثالبُه في الصحف مسطورة، ومخازيه مخلَّدة مذكورة، حتى بلغ من أمره أنه وقع لرجل نصراني أسلم بردِّه إلى دين النصرانية، وخروجه من الملّة الإسلامية، ولم يزل يكاتب الفرنج بأخبار المسلمين وأعمالهم وأمر الدولة وتفاصيل أحوالهم، وكان مجلسه معموراً برُسل الفرنج والنصارى، وهم مكرَّمون لديه، وحوائجهم مقضية عنده، ويحل لهم الأدرار والضيافات، وأكابر المسلمين محجوبون على الباب لا يُؤذن لهم، وإذا دخلوا لم يُنصفوا في التحية ولا في الكلام، فاجتمع به بعض أكابر الكتاب فلامَه على ذلك وحذّره من سوء عاقبة صنعه، فلم يزده ذلك إلا تمرُّداً) (٣) .
وفي حوادث سنة سبعمائة وسبع وستين هجرية عندما هاجم الفرنج الإسكندرية وقت الضحى من يوم الجمعة، دخل ملك قبرص ـ واسمه (ربير بطرس بن ريوك) ـ وشقَّ المدينة وهو راكب، فاستلم الفرنجُ الناسَ بالسيف، ونهبوا ما وجدوه من صامت وناطق، وأسَرُوا وسَبَوْا خلائق كثيرة، وأحرقوا عدة أماكن، وهلك في الزحام، بباب رشيد، ما لا يقع عليه حصر، فأعلن الفرنج بدينهم، وانضمَّ إليهم من كان بالثغر من النصارى، ودلّوهم على دور الأغنياء، فأخذوا ما فيها، واستمروا كذلك، يقتلون، ويأسرون، ويسبون، وينهبون، ويحرقون، من ضحوة نهار الجمعة إلى بكرة نهار الأحد، فرفعوا السيف، وخرجوا بالأسرى والغنايم إلى مراكبهم، وأقاموا بها إلى يوم الخميس ثامن عشرينه، ثم أقلعوا، ومعهم خمسة آلاف أسير (٤) .
وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر تطاول النصارى من القبط والنصارى الشوام على المسلمين بالسبِّ والضرب، ونالوا منهم أغراضهم وأظهروا حقدهم، ولم يبقوا للصلح مكاناً، وصرّحوا بانقضاء ملّة المسلمين وأيام الموحدين (٥) .
وعندما سافر عسكر الفرنساوية إلى جهة الصعيد صحبهم (يعقوب القبطي) ليعرّفهم الأمور ويطلعهم على المخبَّآت، ولما تظاهر (يعقوب القبطي) مع الفرنساوية وجعلوه ساري عسكر القبطة، جمع شبان القبط وحلق لحاهم، وزياهم بزيّ مشابه لعسكر الفرنساوية. والوقائع في ذلك كثيرة وهذه مجرد أمثلة.
وهكذا تثبت وقائع التاريخ المتعددة على اختلاف ما بينها من الزمان والمكان ما جاء في كتاب ربنا العليم الحكيم، وهو مصداق لقوله ـ تعالى ـ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ، فقد بيَّنت هذه الوقائع التي أوردناها ما ذكرته الآيات من كراهية الكفار للمسلمين وحقدهم عليهم وإرادة السوء بهم.
اللهم! بمنِّك وكرمك وقدرتك نجِّنا منهم ومن شرِّهم وممن مكّن لهم وأعانهم.
стр. 5865
فقه الواقع في العمل الإسلامي ضرورة حضارية
د. عبد الكبير حميدي
- مقدمة في الموجبات:
لماذا يجب أن نفقه الواقع؟
فقه الواقع ضروري لأي تخطيط، وإلا ضاع الهدف؛ لعدم تحديد المنطلق.
وفقه الواقع ضروري لأي دعوة إصلاحية، وإلا وضع الشيء في غير موضعه، وأُسنِد الأمر إلى غير أهله.
وبما أن العمل الإسلامي اليوم بكل أشكاله وألوانه يمر في مرحلة غاية في الدقة والحرج، كأنها عنق زجاجة أو سّمُّ خِيَاط، في ظلِّ الجولة الراهنة من الحرب الصليبية ـ الصهيونية ـ على الإسلام، تحت مسمى «الإرهاب» ؛ حيث اتخذت أمريكا والغرب ومن ورائهما الصهيونية العالمية الحركةَ الإسلاميةَ، بكل اتجاهاتها وتياراتها؛ بما فيها تيار الوسطية والاعتدال، هدفاً مباشراً ومعلناً لحملتها العدوانية المسعورة. وقد وجدت الأنظمة العميلة الحاكمة في العالم الإسلامي في تلك الحملة فرصة لتصفية حساباتها التاريخية مع الحركات الإسلامية؛ فانخرطت هي الأخرى في حرب العمل الإسلامي، والتضييق عليه، وتجفيف ينابيعه بشتى الطرق والأساليب؛ كالحملات الأمنية والتشهيرية الهوجاء، وإصدار القوانين التعسفية التي تخنق الأنفاس وتصادر الحريات، وإطلاق أيدي المخابرات وأجهزة القمع في الاعتقالات والمداهمات، تحت طائلة التهم الجاهزة، ودون حاجة إلى أدلة أو إثباتات.
وبما أن الأمر كذلك فقد صار تجديد العمل الإسلامي فريضة شرعية وضرورة واقعية، ولا سبيل إلى ذلك بغير فقه الواقع الدولي والإقليمي والوطني الجديد، ذلك بأن تجديد بناء الأمة، وإقامة الدين؛ التي هي الهدف الاستراتيجي للعمل الإسلامي المنظم، يتطلب:
ـ فِقهاً لما به يكون التجديد ـ وهو الدين ـ مُمَّثلاً في القرآن والسُّنّة.
ـ وفقهاً لما له يكون التجديد ـ وهي الأمة ـ ممَّثلة في واقع المسلمين.
ـ وفقهاً لكيف يكون التجديد ـ وهو المنهاج ـ ممّثلاً في كيفية تنزيل الدين على الواقع وإحلاله فيه.
وكل ذلك مرتبط بالواقع بشكل ما من الارتباط. وإذا جاز تصور تحصيل الفقه الأول بمعزل عن الواقع فإن الفقهين الآخرين لا يستطاع تصور تحصيلهما دونه؛ فوجب الانطلاق من «فقه سديد» للواقع في أي محاولة للتجديد الصحيح.
- فقه الواقع: المصطلح والدلالات:
«فقه الواقع» مركب اصطلاحي إضافي يتكون من مصطلحين: الفقه ثم الواقع، ونبدأ في دراسة مفهوم هذا المركب بالمضاف إليه ثم بالمضاف.
- الواقع في لسان العرب: الساقط والنازل، قال ابن فارس: «الواو والقاف والعين: أصل واحد يرجع إليه فروعه، يدل على سقوط شيء» مقاييس اللغة/ وقع.
وعند الراغب أن «الواقعة لا تقال إلا في الشدة والمكروه، وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ (وقع) جاء في العذاب والشدائد» المفردات/ وقع.
وأما الواقع في الاستعمال العربي المعاصر، فيرى الدكتور عبد المجيد النجار أن المراد به: «ما تجري عليه الحياة في مجتمع ما، من أسلوب في تحقيق أغراض ذلك المجتمع، ويدخل في ذلك مجموع الأعراف والتقاليد والنظم التي تتفاعل؛ فينشأ منها الأسلوب في تحقيق الأغراض. وأسلوب تحقيق الأغراض الحياتية يشتمل على عنصرٍ اجتماعيٍّ متمثلٍ في بنية الترابط الاجتماعي، وطبيعة التنظيمات الاجتماعية التي يمارس من خلالها الأسلوب الحياتي، كما يشتمل على عنصرٍ اقتصاديٍّ متمثل في نظام الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وما يجري عليه من قواعد، كما يشمل عنصراً سياسياً يتمثل في طبيعة الحكم القائم في المجتمع ونظامه، وعنصراً ثقافياً متمثلاً في أنماط التعبير الفني التي ينتهجها الناس في تصوير آمالهم وآلامهم وأفراحهم وأتراحهم» (١) .
وللدكتور (الشاهد البوشيخي) تعريف وتقسيم آخر لواقع الأمة، فأما التعريف فيرى فيه أن: «الواقع هو: الحالة التي عليها الأمة الآن، فيدخل فيه كل الجزئيات والكليات التي تتكون منها الأمة الآن حسب حالتها الراهنة» (٢) ، وأما عن تقسيمه لواقع «الأمة» فيرى أنه: «انسجام مع التحليل السابق لمفهوم الأمة» (٣) ، نترك التصنيف المألوف للواقع الذي يجزّئ الحياة العامة إلى: واقع سياسي، وواقع اقتصادي، وواقع اجتماعي ... إلخ، مستبدلين به التصنيف حسب «العناصر المكونة لمركّب الأمة» من واقع الجمع البشري لها، وواقع وحدتها والأمر الجامع لها، وواقع قصدها والرسالة التي تضطلع بها.
ويقصد بواقع الجمع البشري للأمة: الحالة التي عليها الناس الذين يشكلون الجسم «المادي» للأمة: كثرة وقلة، غنى وفقراً، علماً وجهلاً، صحة ومرضاً، شعوباً وقبائل، طبقات ومستويات، مؤسسات وتنظيمات.
ويقصد بواقع وحدة الأمة والأمر الجامع لها: الحالة التي عليها ممارسة الإسلام والتدين في الأمة، والروابط الجامعة المنبثقة عنه من: عقيدة وعبادة وأخلاق وشريعة، وما درجة ذلك قوةً وضعفاً، اتساعاً وضيقاً، صواباً وخطأً.
ويقصد بواقع قصد الأمة والرسالة التي تضطلع بها: الحالة التي عليها تأهل الأمة للشهادة على الناس، ومدى أدائها لها في مختلف المجالات بالحال والمقال، ما درجة الأهلية؛ وسطيةً وخيرية؟ وما درجة الشهود الحضاري والشهادة؛ إمامةً وتبليغاً؟ (٤) .
ويرى الدكتور البوشيخي أن للواقع زمناً يتحرك فيه، ومجالاً يحيط به ويؤثر فيه، أو يتأثر به.
فأما الزمن: فهو المعيش في بعديه المؤثرين: الماضي القريب، والمستقبل القريب، وهو ما قد يسمى بـ «العصر» . ولا يستطاع تحديده علمياً بيوم أو شهر أو عام؛ لتحركه المستمر بتحرك العائش فيه، ويمكن تحديده دراسياً من أجل ضبط المعطيات والنتائج.
وأما المجال: فهو المحيط الخارجي الذي يتبادل التأثر والتأثير مع الواقع الداخلي، حسب سنن التجاور تآلفاً أو تخالفاً. وإنما يُحدَّدُ بالأثر، ويصنف حسب القوة والضعف والقبول والرفض. وأكبر حاضر في المجال ومؤثر في واقع الأمة إلى حد «الصنع» أحياناً، أو ما يشبه «الصنع» هو ما اصطلح عليه بـ «الغرب» (٥) .
والخلاصة أن «الواقع المقصود: هو الحالة التي عليها الأمة بكل مكوناتها في هذا الظرف المعيش، داخل المجال الدولي المحيط، وهي تتحرك فاعلة منفعلة متفاعلة» (١) .
- وأما الفقه في لسان العرب فهو: «العلم بالشيء والفهم له» لسان العرب/ فقه.
وعند الراغب: هو «التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد؛ فهو أخص من العلم» المفردات/فقه.
وهو عند الجرجاني: «عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه» التعريفات/فقه.
وقد أحسن الحكيم الترمذي حين قال: «الفقه بالشيء: هو معرفة باطنه، والوصول إلى أعماقه» (٢) . «وبعد دراسة الفقه في عشرين موضعاً من القرآن، تبين للشيخ محمد رشيد رضا أنَّ المراد به: نوع خاص من دقة الفهم والتعمق في العلم الذي يترتب عليه الانتفاع به» (٣) .
وهذا كله يفضي إلى أن الفقه: فهم دقيق نافذ إلى البواطن والأعماق والأغراض.
فإذا أضيف إلى الواقع أمكن تعريفه هكذا:
- فقه الواقع هو: الفهم الدقيق النافذ إلى أعماق ما يجري في الظرف المعيش، والمجال المحيط.
وبتحليل التعريف إلى عناصره نجد:
ـ الفهم بشروطه، وهو أداة الفقه.
ـ والوضع بمكوناته، وهو موضوع الفقه.
ـ والظرف المعيش بجريانه، وهو الإطار الزماني.
ـ والمجال المحيط بتفاعلاته، وهو الإطار الإنساني.
ولا سبيل إلى فقه واقع الأمة بغير إحكام أمر الأداة: أدمغة وأجهزة ومؤسسات، ومنهج في التوثيق والتدقيق والتحقيق، ويقوم على الاستيعاب والتحليل والتعليل قبل أي تركيب، مُقدِماً عند الدراسة الوصفَ على التاريخ، والجزئي على الكلي ... إلى آخر ما يجب إحكامه من أمر الأداة؛ لتأمين ذلك المستوى من الفهم.
كما لا سبيل إلى فقه واقع الأمة بغير التمكن من مكونات الوضع الموضوع، والتتبع الأفقي والعمودي لما يجري في الظرف المعيش، ويتفاعل في المجال المحيط.
لا جرم أن هذا العبء ضخم، وأن التخطيط له بُلْهٌ، وإنجازه يحتاج الى صفوة من أولي العزم، ولكن إذا وجدت الشروط وزالت العوائق فإن المشروع بإذن الله ـ تعالى ـ يكون.
- الآثار السلبية لغياب فقه الواقع في العمل الدعوي المعاصر:
يشكِّل الواقع بكل مظاهره وتجلياته مناطَ التغيير وموضوع الإصلاح في العمل الإسلامي المعاصر، بل إن تغيير الواقع وإصلاح ما به من فساد واختلال، وإخضاعه لتصورات الإسلام وقيمه وأحكامه، يشكِّل عاملاً مهماً من عوامل قيام حركة البعث الإسلامي المعاصر، وغاية من أكبر غاياتها.
غير أن المتأمل لأشكال الخطاب، وأنواع الفعل الدعوي المعاصر بأبعاده المختلفة: تنظيمياً، وتربوياً، واجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً، لا يجد كبير عناء في الوصول إلى استنتاجٍ مؤسفٍ مفادُه: ضعف حضور فقه الواقع في الأوراق والتصورات، وفي البرامج والخطط، وفي الأنشطة والأعمال. هذا الضعف يؤثر لا محالة على مردودية العمل، ويَسِمُهُ بسمة الارتجال والعفوية، ويقلل من ثماره ونتائجه في الواقع. هذا على سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل فمن الآثار السلبية لغياب فقه الواقع في العمل الدعوي المعاصر نذكر:
١ - الاشتغال بالقضايا الهامشية على حساب القضايا المركزية:
إن من أهم ما يميز العمل الإسلامي المعاصر خاصية الشمول؛ ذلك أنه يشتغل على كل الجبهات، ويسعى إلى إقامة الدين في كل مجالات وميادين الحياة العامة: في التربية، والثقافة، والإعلام، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع وغيرها. غير أن هذه المجالات وما يبذل فيها من جهود لا تكون على نفس الدرجة من الأولوية والأهمية دائماً، وإنما يكون بعضها ـ أحياناً ـ أولى وأهم من بعض، حسب ما تمليه وتقتضيه ظروف الزمان والمكان والإنسان. ومن ثم فلا بد للعمل الإسلامي المنظم من سلّم أولويات يحدد مجالات العمل، ومرتبة كل مجال، ويضع برنامجاً لما يَلزم من الأنشطة والأعمال في كل مجال، ومرتبة كل عمل أو نشاط، حسب ظروف ومعطيات الفئة البشرية المستهدفة، واللحظة التاريخية، والبيئة الجغرافية. وكل ذلك يتأسس في المقام الأول وبالدرجة الأولى على مدى القدرة على فقه الواقع، ورصد معطياته بكل دقة وموضوعية. ولعل الناظر في الواقع الراهن للعمل الدعوي يلحظ اختلالاً واضحاً في سلّم الأولويات، وارتجالاً بيّناً في توزيع الجهود والمبادرات، والأمثلة في ذلك أظهر وأكثر من أن تحُصر وتذكر. وأصل الداء في كل ذلك كله هو: غياب فقه الواقع الذي عليه ينبني فقه التنزيل.
٢- التيه وعدم تحديد الوجهة، وعدم امتلاك الرؤية المبصرة، واستراتيجية العمل:
لكل عمل من الأعمال رؤية واستراتيجية تناسبان طبيعة ذلك العمل، وتأخذان بعين الاعتبار خصوصياته، وظروفه في الزمان والمكان والإنسان. ويقصد بالرؤية في مجال العمل الإسلامي: التصور العام الذي يحدد منطلقات العمل، وأهدافه، ووسائله، ومجالاته، وضوابطه العامة. في حين يقصد بالاستراتيجية: الخطة العامة التي تحدد منهج وكيفية تنزيل الرؤية، وتصريفها في الواقع، وذلك من خلال برنامج أولويات يرتب مجالاتِ العمل حسب الأهمية، ويتكون من مراحل، وأهداف، ووسائل دقيقة ومحددة وقابلة للقياس. فإذا كانت الرؤية تكتسي طابعاً تصورياً نظرياً عاماً؛ فإن الاستراتيجية تتميز بطابعها المنهجي الإجرائي والعملي، باعتبارها أجرأة وتنزيلاً للرؤية. وإذا كانت نجاحة وفعالية الرؤية العامة تقاس بمدى قدرتها على معالجة مشاكل الواقع، والاستجابة لمطالبه وتحدياته؛ فإن نجاح الاستراتيجية ومردوديتها، إنما تقاس بمدى قدرتها على تكييف الرؤية مع معطيات الواقع التفصيلي وحسن تنزيلها عليه، أي أن فقه الواقع يظل مصدراً أساس ومرجعاً مهماً في تكوين كل من الرؤية والاستراتيجية. إلا أنه بالرجوع إلى العمل الدعوي المعاصر فإن الخَصَاص الواضح، والفقر الكبير في الأوراق والأدبيات المتعلقة بفقه الواقع، أفرغ الرؤى والاستراتيجيات من محتواها، وحَدّ من فعاليتها وأثرها في توجيه الواقع والتأثير على أحداثه ومجرياته.
٣ - تحول العمل الدعوي المنظم إلى عمل نخبوي:
النخبوية من أبرز سمات العمل الدعوي المعاصر، ومعنى النخبوية: «انحصار العمل الدعوي في فئة أو فئات معينة من الناس ذات خصائص، وانتماءات عرقية، أو جغرافية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو مهنية، واحدة أو متقاربة دون باقي فئات المجتمع؛ مما يضيق من آفاق العمل، ويحد من انفتاحه على أوسع مجال بشري، حين يطبعه بلون عرقي، أو جغرافي، أو اجتماعي، أو ثقافي، أو مهني واحد» . وظاهرة الفئوية أو النخبوية في العمل الدعوي ترجع في الغالب إلى افتقار العاملين فيه إلى القدرات والكفايات التواصلية التي توصلهم إلى الآخر، وضعف درايتهم بالمداخل والمفاتيح التي توصلهم إلى مختلف فئات وتشكيلات المجتمع، وإنما يرجع ذلك في نهاية المطاف إلى ضعف استيعاب الواقع الاجتماعي من حيث مكونات المجتمع وفئاته، والعوامل الموجِهة له والمؤثرة فيه، وأنماط التطلعات والاتجاهات الحاكمة لسلوك الجماهير، والمُحدِّدَة لأشكال العلاقات بينهم، وهذا بدوره يرجع إلى أحد سببين أو إليهما معاً، وهما:
أولاً: ضعف الانخراط الميداني والمشاركة الفعلية في الواقع الاجتماعي، بما يؤدي إلى مراكمة الخبرات الميدانية والمعارف الصحيحة حوله، باعتبارها المدخل إلى تكوين تصور كلي شامل للواقع الذي اصطلحنا على تسميته بـ «فقه الواقع» .
ثانياً: الافتقار إلى الأدوات المنهجية، والآليات النظرية التحليلية الكفيلة بحسن قراءة الواقع، وتدبر مجرياته، وتحليل بُنياته، وسبر أغواره.
- قواعد أساسية في فقه الواقع:
ينقسم فقه الواقع إلى قسمين: فقه كلي يتعلق بالأصول والكليات، وفقه جزئي يتعلق بالفروع والجزئيات. وإذا كان غرض القسم الأول هو: التقعيد لفقه الواقع وضبطه من خلال الاجتهاد في إنتاج القواعد والطرائق المكونة لمنهج الفقه؛ فإن غرض القسم الثاني هو: جرد النتائج التي أفضى إليها إعمال المنهج في الواقع وتطبيقه عليه. ولسنا معنيين ـ في هذا المقال ـ بهذا القسم الأخير، ولا حتى بالقسم الأول بشكل مفصل. ما يعنينا الآن هو الوقوف على ثلاث قواعد يعتبر الوقوف عليها بداية البداية، ورأس الطريق في تكوين الملكة المنهجية المتعلقة بفقه الواقع.
١ - قاعدة اعتبار الواقع مجالاً للتفاعل بين الوحي والعقل:
لقد جاء الوحي بتصور شامل ومتكامل للحياة البشرية بكل أبعادها ومناحيها، وهو يسعى بذلك إلى التأسيس لواقع اجتماعي إنساني ينسجم مع نظرته إلى الوجود والحياة والإنسان، ولكن الوحي لا ينظر إلى الواقع نظرة نمطية واحدة، بل يميز فيه بين: ظواهر وجوانب إيجابية تنسجم مع تصوراته وتتماشى مع مقاصده، يمكن التعايش معها والبناء عليها، كما يتجلى من خلال الحديث: «إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» (١) ، وأخرى سلبية لا بد من إصلاحها أو تغييرها. وبما أن الإنسان في التصور الإسلامي هو خليفة في أرض الله، والعقل هو مناط التكليف بذلك؛ فإن الإنسان العالم هو المكلف شرعاً بتنزيل تصور الوحي للحياة البشرية في الواقع، وتصريفه فيه، والانتقال به من حيّز القوة إلى حيّز الفعل، ولن يتأتى ذلك إلا بتوفر ثلاثة شروط:
- أولاً: فقه العقل للوحي فقهاً عميقاً أفقياً وعمودياً.
- ثانياً: تمثُّل العقل للواقع تمثلاً صحيحاً شاملاً ومستوعباً.
- ثالثاً: نجاح العقل في حسن تنزيل الوحي على الواقع، وحسن تصريفه فيه.
وبذلك يتبين أن الواقع هو مجال خصب وواسع للتفاعل بين الوحي والعقل.
٢ - قاعدة اعتبار فهم الواقع مقدمة لإنتاج فقه الواقع والعمل والإنجاز فيه.
فقه الواقع ـ كما سبقت الإشارة ـ مركب اصطلاحي يعبر عن مستوى من إدراك الواقع يتميز بقدرٍ كبيرٍ من الدقة والإحاطة والوضوح، بعيداً عن العموميات والانطباعات والآراء المسبقة. ولإنتاج فقه راشد وناضج للواقع؛ لابد من المرور من مرحلتين:
- الأولى: مرحلة الفهم: وتتجلى في رصد ظواهر الواقع المختلفة، وتجميع معطياته، واستقراء جزئيات أحداثه، وتفاصيله اليومية في الزمان والمكان، وفي مختلف الميادين: في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، والثقافة، والإعلام، وغيرها.
- الثانية: مرحلة الفقه: وتُعنى بفرز المعطيات، وتصنيف الظواهر والوقائع، حسب معايير ومقاييس دقيقة ومحددة، كما تُعنى بالبحث عن الخيط الناظم للأحداث، والأسباب الكامنة وراءها، والسنن والقوانين الحاكمة لنشأتها، وتطورها، واختفائها، وُصُولاً في نهاية المطاف إلى صياغة الجزئيات في الكليات، والخروج بقواعد نظرية، وقوالب تصورية تمثل التصور النظري العام للواقع.
ولبلوغ مستوى الفقه لا بد من إتقان الفهم؛ وعلى قدر درجة الفهم من الإحاطة والدقة والوضوح تكون درجة الفقه.
على أن فقه الواقع في العمل الدعوي المعاصر ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود منه هو: الفعل والإنجاز في الواقع وفقاً للقاعدة المقاصدية الشرعية التي عبّر عنها الإمام الشاطبي في كتابه «الموافقات» بقوله: «كل علم لا ينبني عليه عمل فهو باطل شرعاً» .
إذا كان الأمر كذلك؛ فإن فقه الواقع في مجال الدعوة إلى الله يجب أن يكون مدخلاً نحو إنجاز فعلٍ دعويٍّ راشدٍ متنوعٍ وكافٍ لرفع الدعوة والدعاة إلى مستوى الخيرية والإمامة في كل مجال. على أن مستوى الفعل والإنجاز الدعوي في الواقع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى الفقه الذي يرتبط بدوره بمستوى الفهم، اتساعاً وضيقاً، دقة وضعفاً، وضوحاً وغموضاً.
٣ ـ قاعدة اعتبار «التجربة التاريخية» ، و «السياق التاريخي» مدخلاً أساسياً لفقه الواقع، والوقوف على عناصر التأثير فيه (أهمية الوعي التاريخي) :
يتميز الواقع بحيثياته وأحداثه وظواهره بأنه ليس وليد لحظته التاريخية الآنية، وإنما هو عبارة عن: تراكم تاريخي ممتد ومستمر للوقائع والأحداث، خلال فترة زمنية تمتد بين الماضي والحاضر؛ ولذلك فإن فهم حقيقة الواقع، والوقوف على بنياته من الوقائع والأحداث بشكل علمي صحيح يستلزم الرجوع إلى الماضي للبحث في امتدادات الواقع فيه، ودراسة نشأة الوقائع وتطورها، والعوامل الكامنة وراءها. ومعنى ذلك أنه لا بد لفهم واقع مجتمع مّا من استحضار «تجربته التاريخية» في الزمان والمكان، ولا بد لفهم حدث أو ظاهرة ما من الوقوف على «السياق التاريخي» لذلك الحدث، أو لتلك الظاهرة. وبكلمة: إن الدعاة إلى الله، وأنصار المشروع الإسلامي في كل مجال مطالبون ـ اليوم وأكثر من أي وقت مضى ـ بتحصيل قدر من «الوعي التاريخي» يُمَكِّنُهم من فقه صحيح للواقع، وإنجاز راشد فيه.
- المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
- الحديث النبوي الشريف.
- إعلام الموقعين، ابن القيم.
- في فقه التدين فهماً وتنزيلاً، الدكتور عبد المجيد النجار.
- فقه واقع الأمة: دراسة في المفهوم والشروط والعوائق، الدكتور الشاهد البوشيخي.
- الموافقات في أصول الشريعة، الإمام الشاطبي.
- تفسير المنار، الشيخ محمد رشيد رضا.
- المفردات، الراغب الأصفهاني.
- لسان العرب، ابن منظور.
- التعريفات، الجرجاني.
- مقاييس اللغة، ابن فارس.
- سلسلة أين الخلل؟ مجلة الأمة القطرية.
стр. 5866
عندما يحال بين المرء وقلبه
طه بن حسين بافضل
المرء بقلبه لا بجسده ومنظره؛ حقيقةٌ مهمة ينبغي للإنسان أن يتفطن لها ولا يغفلها أو يغضَّ الطرف عنها أو يتجاوزها، يقول ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (١) ، ولذا فقد جاء ذكر لفظ (القلب) في القرآن أكثر من مائة مرة، ناهيكَ عن مرادفات (القلب) من (الصدر) و (الفؤاد) ، ولهذا جاءت الشريعة بمخاطبة هذا الجزء المهم خطاباً يتواكب مع كل حدث يمرُّ به المرء، ومع كل قضية تقابله، أو معضلة ومصيبة تواجهه. وها هو ﵎ يعلن لعباده المؤمنين في «جملة تُعدّ من أعجب جمل القرآن» (٢) : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] ، «إذ إن من سنن الله في البشر الحيلولة بين المرء وقلبه الذي هو مركز الوجدان والإدراك ذو السلطان على إراداته وعمله، وهذا أخوف ما يخافه المتقي على نفسه إذا غفل عنها وفرَّط في جنب ربه، كما أنه أرجى ما يرجوه المسرف عليها إذا لم ييأس من روح الله فيها» (٣) ، كما أن هذه الجملة أيضاً «أبلغ جُمل القرآن وأجمعها لحقائق علم النفس البشرية وعلم الصفات الربانية وعلم التربية الدينية التي تعرف وقائعها بما تثمره من الخوف والرجاء» (٤) .
ولعلِّي في هذه المقالة أحاول الغوص في إشراقات هذه الآية ومقاصدها وفوائدها؛ رغبةً في الوصول إلى فهم يؤثر في سلوكياتنا ونيّاتنا وأعمالنا؛ ليرتقي ويسمو بها إن شاء الله.
أولاً: ماهية القلب:
القلب عند أهل اللغة: «تحويل الشيء عن موضعه، يقال: قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وقلَّبه أي: حوله ظهراً لبطن، وتقلّب الشيء ظهراً لبطن.
قال الشاعر:
وما سُمِّي القلب إلا مِنْ تقلُّبه والرأي يصرف بالإنسان أطوارا» (٥)
وقال آخر:
ما سُمِّي القلب إلا مِنْ تقلُّبه فاحذر على القلب من قلب وتحويل
وعندما يطلق اللفظ فإنه يتناوله صنفان من الناس، فكل صنف يعرِّفُه بطريقته:
الصنف الأول: الأطباء، ويقولون: إنه عضو عضلي أجوف يقع في منتصف التجويف الصدري تقريباً. أو هو المضخة التي تضخ الدم من بداية تشكّل الجنين وحتى وفاة الإنسان دون توقف من ليل أو نهار بما يعادل سبعة آلاف ومئتي لترٍ من الدم يومياً إلى كل خلية في الجسم عبر شبكة معقدة طويلة من الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية التي يبلغ طولها آلاف الكيلومترات.
الصنف الثاني: العلماء والفقهاء والعارفون بأحوال القلوب، وقد قالوا: «هو لطيفة ربانية روحانية لها تعلّق بالقلب الذي عرّفْناه آنفاً» (١) .
وفرّق بعضهم فجعل الأول القلب العضلي والثاني القلب المعنوي.
خلاصة الأمر: إن تحقيق الأمر في تعريف القلب هو من قبيل تحقيق عن السر الذي لم يفصح عنه ربنا ـ جلّ وعلا ـ ولا نبيه المصطفى ﷺ ، وهو الأجدر بالاعتماد، وما ذكرته ما هو إلا تقريب للمعنى.
ثانياً: القلب هو الأصل وهو المَلِك:
ينبغي أن نعلم أنَّ «القلب هو الأصل في جميع الأقوال والأفعال؛ فما أمر به الله من الأفعال الظاهرة فلا بد فيه من معرفة القلب وقصده، وما أمر به من الأقوال كذلك، والمنهي عنه من الأقوال والأفعال إنما يعاقب عليه إذا كان بقصد القلب» (٢) . وهو «المَلِك الذي تصدر الأقوال والأفعال عنه، فإذا لم يعلم ما يقول لم يكن ذلك صادراً عن القلب بل يجري مجرى اللَّغْو، والشارع لم يرتِّب المؤاخذة إلا على ما كسبه القلب من الأقوال والأفعال كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] » (٣) .
ولما كان الأمر كذلك فإن الأنبياء والعلماء والصالحين جعلوا له مكانة مرموقة ودرجة عالية من الاهتمام والعناية، يقول ابن القيم ﵀: «ولما كان هذا القلب لهذه الأعضاء كالمَلِك المتصرّف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستعانة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم ويحله؛ قال النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله» (٤) «فهو ملكها وهي المنفِّذة لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها من هدايته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده، وهو المسؤول عنها كلها؛ لأن كل راعٍ مسؤول عن رعيته، كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون» (٥) . وقال أبو هريرة ﵁: «القلب مَلِك والأعضاء جنوده، فإذا طاب المَلِك طابت جنوده، وإذا خبث خبثت جنوده» (٦) .
ثالثاً: التلازم بين القلب والجوارح:
هذه الآية دليل واضح لهذا التلازم المهم والمؤثر في حياة الإنسان وعلاقته بربه وخالقه، إذ لن يصلح القلب (المَلِك) إلا إذا صلحت جنوده (أعضاء الجسم) ، ولن تصلح الجنود إلا بصلاح المَلِك، فيجب على المرء أن يستجيب لأمر الله، وينتهي عمّا نهى الله عنه وزجر، وبذلك يستقيم هذا المَلِك، فتصبح أوامره للجوارح صحيحة، ومن ثم تكون النتائج صحيحة، فالجنود يجب عليهم تنفيذ الأوامر بل الاستبشار بها، والاستجابة لها والمبادرة السريعة لتنفيذها، فإن حصل ذلك تمكّن هذا المَلِك في ملكه، وتعزّز وضعه، وثبت على عرشه، وكان جديراً له أن يحكم الرعية ويسوسها بحكم عادل ثابت بعيداً عن الزيغ والضلال والانحراف؛ «وإذا قام بالقلب التصديق به ـ أي: الله والمحبة له لزم ضرورةً أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة؛ فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمُه ودليله ومعلوله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له ـ أيضاً ـ تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه» (١) .
«إنَّ ما يقوم بالقلب من تصديق وحب لله ورسوله وتعظيم، لا بد أن يظهر على الجوارح، وكذلك بالعكس، ولهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» ، وكما قال الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: لمن رآه يعبث في الصلاة: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) ... فإن الإرادة التي في القلب مع القدرة توجب فعل المراد» (٢) ، فالجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب ـ وإن كان رئيسها وملكها ـ بأعمالها؛ للارتباط الذي بين الظاهر والباطن، قال ﷺ : «إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء، وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسودّ قلبه» (٣) ، فمثلاً: الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره: قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه: تصديق القلب وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية، ولا يجزئ باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك، فتخلُّف العمل ظاهراً مع عدم المانع دليلٌ على فساد الباطن وخلوّه من الإيمان، ونقصه دليل نقصه، وقوته دليل قوته، فالإيمان قلب الإسلام ولبّه، واليقين قلب الإيمان ولبّه، وكل علم وعمل لا يزيد الإيمانَ واليقينَ قوةً فمدخول، وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول» (٤) .
وتأكيداً على هذه المسألة المهمة آتي بمثال يوضحها أكثر، حيث إنه: «لا يصرُّ على ترك الصلاة إصراراً مستمراً من يصدق بأن الله أمر بها أصلاً، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقاً تصديقاً جازماً أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصرٌّ على تركها، هذا من المستحيل قطعاً، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبداً، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغِ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها. وتأمّل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار وأن الله فرض عليه الصلاة وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية» (٥) .
والكلام في هذا الباب يطول، ومقصودي أن ذكر الآية للمرء بما فيه من جوارح تنقاد بالضرورة لمَلِكها (القلب) وما فيه من أعمال؛ فهذه الحيلولة ما حصلت إلا لوجود هذا التلازم العظيم والمهم والذي يثبت قواعد راسخة لمسألة تعاطي الإيمان وترجمة مدّعيه عملاً حقيقياً في أرض الواقع.
رابعاً: التحذير من الحيلولة بين المرء وقلبه:
المتأمِّل الآية الكريمة ـ التي هي محور مقالنا هذا ـ والعالِم بوقت نزولها والحادثة التي نزلت فيها يستشفُّ مدى عظمتها ومكانتها. لقد نزلت هذه الآية في السنة الثانية من الهجرة وفي سياق الحديث عن معركة بدر في سورة الأنفال، السورة التي بيّنت وقائع مهمة من أحداث المعركة. ولعلِّي ألخّص عدداً من الفوائد التي قدّمتْها لنا هذه الآية فيما يتعلق بالباب الذي نحن بصدده:
١ ـ ينادي ربنا ـ جلّ في علاه ـ الصحابة ﵃ بوجوب الاستجابة له ـ سبحانه ـ ولرسوله ﷺ ، فإن لم يحصل ذلك منهم فإنه قادر على أن يحول بين المرء وبين قلبه، فكأن هذا تحذير لهذه العصابة المؤمنة المبتدئة والحديثة العهد بالتبعات الإيمانية من مغبّة الاستهتار والغفلة عن مقتضيات الإسلام والإيمان، فكما أدخل وكتب الإيمان في القلب فإنه قادر أن يمنع استمراره فيه وثباته عليه، إنه «يخبرهم ويعلمهم أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئاً من إيمان أو كفر، أو أن يعيَ به شيئاً، أو أن يفهم إلاَّ بإذنه ومشيئته. وذلك أن الحول بين الشيء والشيء إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز ـ جلّ ثناؤه ـ بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكَه سبيلٌ» (١) .
٢ ـ أنه خطاب ونداء مهمّ للصحابة ﵃ في تلك المرحلة خصوصاً، وللأمة عموماً في كل مرحلة تمرّ بها؛ من رخاء وشدة وعُسْر ويُسْر وبَأْساء وضرّاء، بأن يلتفتوا إلى قلوبهم فيعزّزوها بالاستجابة السريعة والمساعي الحثيثة لتنفيذ ما يريده الله، وتحكيم شريعته بينهم، لتحيا أجسادهم حياة كريمة طيبة وعزيزة، بعيدة عن الذلّة والمهانة في الدنيا والآخرة؛ «فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول ﷺ ، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمَنْ فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول ﷺ » (٢) ، فاستجابة القلب وإذعانه لخالقه ومولاه أعظم السبيل لحياته وسلامته؛ ذلك أن الله ﷻ ، وتقدّست أسماؤه وصفاته ـ متمكنٌ من قلوب العباد كيف يشاء بما لا يقدر عليها صاحبها؛ فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده ويلهمه رشده ويزيغ عن الصراط السويّ قلبه ويبدله بالأمن خوفاً وبالذكر نسياناً، وذلك كمن حالَ بين شخص ومتاعه، فإنه القادر على التصرف فيه بدونه» (٣) .
٣ ـ وليس معنى ذلك أن الله يفعل ذلك ظلماً وعدواناً بقلوب عباده، بل إن فعله ﵎ عدلٌ فيمن حادَ وضلَّ عن الصراط المستقيم وأعرض عن الهداية والاستقامة، أما من كان مستجيباً ومستقيماً فإنه أخبر أنه لولا استغفار عباده ورجوعهم إليه لعذَّبهم وأهلكهم في الدنيا قبل الآخرة، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ، فالمقدمات الصادقة الصحيحة لا تولد إلا نتائج صادقة صحيحة، فمتى ما تحققت الاستقامة والاستجابة تحققت الحياة الطيبة الكريمة وتحقق ثبات القلب واستقامته، ولهذا فالله ـ سبحانه ـ يحول بين الكافر وبين الإيمان «وهكذا فعل بفرعون، منعه من الإيمان جزاء على تركه الإيمان أولاً؛ فدسّ الطين في فم فرعون من جنس الطبع والختم على القلب ومنع الإيمان وصون الكافر عنه، وذلك جزاءً على كفره السابق» (٤) .
٤ ـ إن حياة القلب واطمئنانه وثباته واستقامته إنما تكون بالامتثال والالتزام بأوامر الله والاقتداء بهدي نبيه ﷺ والانتهاء والابتعاد عن نواهيه، فإن لم يحصل ذلك فإن الله ﷻ «يحول بين العبد وبين قلبه، فيعلم هل استجاب له قلبه؟ وهل أضمر ذلك؟ أو أضمر خلافه؟» (٥) ؛ حينها يجعل المرء لا يملك قلبه الذي بين جنبيه، ولا يستطيع بأيِّ حال من الأحوال أن يقوده إلى ما يريد، بل إن هذا القلب تنقلب عليه الأمور رأساً على عقب، وتختلط عنده الموازين، وتهتزّ أرضه من تحته، وتسقط قواعده وأركانه، ويخرّ السقف عليه من فوقه، ويصبح كالبيت الخرب ليس فيه قرار ولا مأوى، والأسوأ أن يكون عشّاً تعشعش فيه الشياطين، فلا الإيمان فيه يقوم ولا الإسلام إليه يروم. وحدِّث ولا حرج عن قلب كهذا يقود جوارح الإنسان، فإنه ولا شك يرديها ويوبقها ويسوقها إلى حتفها وسوء مأواها، وبئس القرار والمأوى، نسأل الله العفو والعافية.
خامساً: صور من الحيلولة:
لا تحدث الحيلولة بين المرء وقلبه دفعة واحدة أو فجأة، بل ينبغي أن تحدث بعد عدد من المراحل والخطوات يسلكها المرء في لحظات من الغفلة والاستهانة بسنن الله في خلقه حيناً، ومن الإعراض والإصرار على الخطأ والذنب حيناً آخر، ودعني أوضِّح المقال بالأمثلة:
- هذا الملتزِم حديث عهد بالتزام تجده في خطوات التزامه الأولى مجتهداً في ظاهره بطاعة ربه، ملتزماً بهدي نبيه ﷺ ، خاشعاً في صلاته وقراءته القرآن، محباً للخير فعّالاً له، سبّاقاً لفعل المعروف والأمر به، نهًّاءً عن المنكر، ثابتاً على المبادئ والقيم التي ترسخت في قلبه وعقله، وبما أن الطريق طويل والابتلاءات والمطبّات كثيرة، والعقبات في وجه التزامه تتوالى؛ يحصل له فتورٌ وكسلٌ، كما قال رسول الله ﷺ : «ثم إن لكل عمل شرة، وإن لكل شرة فترة.. الحديث» (١) .
نجد أن هذا الملتزِم ـ كما يقال ـ يبدأ يتهاون شيئاً فشيئاً بعد أن كان ملتزِماً، ويقصر عن الذي كان له محافظاً، ويتأخر كثيراً عن الذي كان له مشمِّراً، ويبدأ الشيطان يزيِّن له المعصية وإن صغرت، ويحلّيها فيقع فيها بنظرة أو كلام أو سماع أو تناول محرّم، فإن عاد واستغفر فإنما هي عودةُ متردّدٍ وإذا به يرتادها بين الفينة والأخرى، ناهيكَ أن يكون عاشقاً أو مغرماً بجمال امرأة أو أمرد كلما عرضت له صورة أحدهما في تلفاز أو أمام عينه مباشرة، كل ذلك وقلبه تُنكت فيه نكت المعاصي والذنوب وهو لا يحس! ويخلط العمل الصالح بالعمل السيِّئ، فربما تجده في زمرة الطيبين، في مجالسهم ومنتدياتهم ومحاضراتهم وندواتهم وشتى أعمالهم، وشتّان بينه وبينهم! فقلبه حينئذ بدأ وكأنه يودع صاحبه في سلّم طائرة الشيطان والأخ كأعمى لا يبصر تلويح الوداع، حينها تكون الحيلولة، فيلتفت يمنة ويسرة فإذا الخشوع قد ولّى، وإذا الرقّة واللين قد غابا وتلاشا كلاهما فلم يبقَ له إلا القسوة والحسرة، فهذا الأمر لم يكن إلا بعد خطوات شيطانية لم ينتبه المسكين إليها، فيستيقظ من غفلته ويحافظ على قلبه بالأَوْبة الصادقة والتوبة النصوح والمحاسبة الدائمة مع استجابة مستمرة لا تنقطع لأمر الله ونهيه، واقتداء متواصل بهدي رسوله ﷺ ، حتى يبقى قلبه متلألئاً نيِّراً كأنما علِّق على صدره سراج وهّاج يضيء له الطريق حتى يحذر بنياته المهلكة.
- كما أن العالم أو الداعية أو الواعظ تعرض لهم هذه الحيلولة فمستقل أوّابٌ إلى ربه، ومستكثرٌ يزلُّ فيزلّ به العالَم ويُمحى ذكرهُ بعد أن كان منشوراً بين الخلائق، فمنهم من لم يطلب العلم إلا ليقال: العالم الفلاني، ومنهم الداعية النشط في الدعوة والواعظ الخطيب المفوّه الذي يهزّ أعواد المنابر وتجتمع له الناس مصغية متأثرة وما ذلك إلا ليُمدح وتنشر له دواوين الثناء في الآفاق، وفي ذلك يقول ابن الجوزي ﵀: «فالعالم منهم يغضب إن ردَّ عليه خطؤه، والواعظ متصنّع بوعظه، والمتزهد منافق أو مراءٍ. فأول عقوباتهم إعراضهم عن الحق شُغلاً بالخَلْق. ومن خفيِّ عقوباتهم سلب حلاوة المناجاة، ولذة التعبد» (٢) . ثم يقول: «إن من العلماء من شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه، وقلَّ الصبر فدخلوا مداخل شانتْهم وإن تأولوا فيها، إلا أن غيرها كان أحسن لهم؛ فالزهري مع عبد المَلِك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن أبي الدنيا مؤدب المعتضد، وابن قتيبة صدَّر كتابه بمدح الوزير. وما زال حِلفٌ من العلماء والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم، وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقاً من التأويل فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا» (٣) .
قلت: هذا كلام ابن الجوزي ﵀ في قوم قد سبقوه، فكيف لو رأى حالنا وزماننا لكتبَ مجلدات من كثرة ما سيصطاده خاطره! لقد حيل بينهم وبين قلوبهم حتى سرحت مع المركب الهنيّ والفراش الوطيء وسعي للنعيم والراحة بعيداً عن مواطن الأذى والتضييق، حتى تغيرت المواقف واهتزت الثوابت وانقلبت إلى متغيرات بين عشية وضحاها!
ولست أعمّم هنا، فلا زالت الأمّة تمتلك علماء كُثُر أجلاء أكابر تفتخر بهم وبجهودهم، ودعاة ينافحون لأجل تبليغ دعوة الله، والذّود عن شريعته، وإن اختلفت مذاهبهم ومواقفهم، إلا أنهم لا زالوا صِمَام أمان لأمّتهم، ولا زالت أمّتهم تكنّ لهم محبة واحتراماً وتوقيراً، وما ذلك إلا لصدقهم واستقامتهم، كأنهم عود هندي طُرح على مجمر ففاح طيبهم فاستنشقتهم الخلائق ومدحتهم الألسن ورُفعت الأكفُّ ابتهالاً إلى المولى أن يحفظهم ويسدد خطاهم، هكذا أحسبهم، والله حسيبهم، ولا أزكي على الله أحداً.
سادساً: الأسباب الشرعية للوقاية من الحيلولة:
لقد نبَّه النبي ﷺ على أهمية العناية بالقلب وأعماله في كثير من المواضع؛ ليُعلِّم الصحابة ﵃ أن لا يركنوا إلى أعمالهم وطاعاتهم ويعتقدوا أن النجاة بسببها، بل يتعاهدوا قلوبهم ويحافظوا على سلامتها وصفائها من الزيغ والانحراف، فإذا أصابتهم الشدائد والابتلاءات كانوا أسرع أَوْبة واستجابة لله ولرسوله ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: «دعواتٌ كان رسول الله ﷺ يدعو بها: يا مقلِّب القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك، قالت: فقلت: يا رسول الله! إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء، فقال: إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه» (١) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، قال: فقلنا: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: نعم؛ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها» (٢) .
وعن النواس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: «سمعت النبي ﷺ يقول: ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه. وكان يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، قال: والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه» (٣) .
وعن أم سلمة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه يقول: اللهم مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، قالت: فقلت: يا رسول الله! أو إن القلوب لتقلّب؟ قال: نعم؛ ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه، فنسأله ربنا أن لا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، قالت: فقلت: يا رسول الله! ألا تعلّمني دعوة أدعو بها لنفسي، قال: بلى؛ قولي: اللهم ربّ النبي محمد! اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني» (٤) .
«لقد كان ﷺ يكثر من هذا الدعاء وهو رسول الله المعصوم، فكيف بالناس وهم غير مرسلين ولا معصومين؟» (٥) .
هذا الإكثار والتكرار النبوي في دعائه ﷺ ربَّه بثبات قلبه على الدين يثمر لنا عدداً من الفوائد:
- منها: ما سُمِّي القلب إلا لتقلّبه، كما وصفه رسول الله ﷺ : «مَثَلُ القلبِ مثل الريشة تقلبها الرياحُ بفَلاة» (٦) . وهذه الميزة حريٌّ بنا أن ننتبه لها، فهنا يصوّر لنا الرسول ﷺ القلب، وأنه لخفّته تماماً مثل الريشة التي تؤثر فيها أقل النسمات فتغيّر اتجاهها، فهذا القلب الأصل فيه أنه ليس بثابت على حالة واحدة لا يتأثر بما يعرض عليه، بل إنه يتفاعل مع أبسط الأشياء؛ كنظرة وكلمة وربما همسة..، ناهيكَ عن التأثر العضوي لمضغة اللحم والتأثيرات المتعددة عليه، لذلك فهو بحاجة ماسّة للمدد والعون الإلهي، وبحاجة إلى الرجوع إلى صانعه، فهو أعلم بحاله وما يصلحه أو يفسده، إذ هو صنعته التي صنعها وأبدع فيها.
- ومنها: أنه ﷺ ركّز في دعائه على أهمية ثبات القلب على الدين وعلى الطاعة، وهي معانٍ مترادفة توحي إلى أن القلب لا يصلحه إلا الدين وطاعة الخالق ، ألم يقل ربنا ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ؟؟ ولا يطمئنه ويسكنه إلا ذكر الله ، فإن «ذكر الله يُخامر قلب المؤمن عندما يزله الشيطان إلى ذنب يرتكبه في جنب الله.. إنه لا يبقى في وهدته التي انزلق إليها، إنه لا يبقى في سقطته التي جرّه الشيطان عندها، إنه يذكر أن له ربّاً يغفر الذنب، ويقبل التوب.. ولذلك فهو ينهض من كبوته، ويطهِّر نفسه، ويعود إلى ربه، ويستأنف الطريق إليه، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] » (٧) .
- ومنها: «سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية وإلزام خوف الله وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة؛ لأن ذلك يحصل الحسنات ويرفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة» (٨) ، كما تعلِّمنا الآية أن لا نأمن من مكر الله فنغترّ بطاعاتنا ونعجب بأنفسنا، وبالمقابل أن لا ييأس العاصي والمقصر من روح الله فيسترسل في اتباع هواه حتى تحيط به خطاياه، ومن كان هذه حاله جدير أن يراقب الله ويحاسب نفسه على خواطره وهفواته.
- ومنها: هذا الإكثار النبوي يقابله ما كان يدعو ﷺ ويُعلِّم صحابته ﵃ أن يأتوا به في الصلاة، ألا وهو الاستعاذة من الفتن وأنواعها، فعن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا هذا الدعاء كما يعلِّمنا السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (١) .
وعن زيد بن ثابت ﵁: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، تعوّذوا بالله من عذاب النار، تعوّذوا بالله من عذاب القبر، تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، تعوّذوا بالله من فتنة الدجال» (٢) ؛ ذلك لأن الفتن أول ما يتأثر بها القلب، فعن حذيفة ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: تُعْرَضُ الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً، فأي قلب أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سوداءُ، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضرهُ فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخرُ أسود مُرْبَادّاً كَالْكُوزِ مُجَخِّياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكرُ منكراً إلا ما أُشْرِبَ من هواه» (٣) ، «فالقلب الذي لا تردّه الشدة إلى الله قلب متحجر، فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة ومات فلم تعد الشدة، تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الفطرية فيه، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة التي تنبه القلوب الحية للتلقِّي والاستجابة» (٤) .
والفتن تُظهِر مقدارَ الإيمان وثباته في القلبِ وصلابةَ العقيدة في النفس، يقول ﷺ : «بادِروا بالأعمالِ فتناً كقِطَع الليل المظلم، يصبِح الرجل مؤمناً ويمسِي كافراً، ويمسِي مؤمناً ويصبِح كافراً، يبيع دينَه بعرضٍ من الدنيا» (٥) .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ النبيّ قال ﷺ : «إنَّ أمّتكم هذه جُعل عافيتها في أوّلها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تنكِرونَها، وتجيء فتنٌ يرقّق بعضُها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكَتي، ثم تَنكشِف، ثم تجيء الفتنة فيقول: هذِه هذه، فمَن أحبَّ أن يُزحزَح عن النار ويُدخَل الجنّة فلتأتِه منيّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليَأتِ إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه» (٦) .
سابعاً: اليقظة اليقظة من تقلّب القلب:
وبعد هذه السياحة اليسيرة مع إشراقات هذه الآية وبعض مقاصدها وفوائدها حريٌّ بنا أن نؤكد على أن هذه الآية توضح لنا «صورة تستوجب اليقظة الدائمة والحذر الدائم والاحتياط الدائم؛ اليقظة لخلجات القلب وخفقانه ولفتاته، والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافةَ أن يكون انزلاقاً، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف، والتعلق الدائم بالله مخافةَ أن ينقلب هذا القلب في سهوة من سهواته أو غفلة من غفلاته أو دفعة من دفعاته» (٧) .
فكلما مررت بهذه الآية تذكّرْ أن قلبك يحتاج منك اهتماماً وعناية ورعاية، فاحملْه على التوِّ على جناحي الخوف من الله وحده والرجاء فيه ـ سبحانه ـ، وفرَّ إلى ربك ومولاك، فإن رمقْتَ بطرفك حبلَه المتين فتمسك به بقوة واعتصم به بشدة، وإياك ثم إياك من مغبّة الوقوع في شراك المعصية فإنها توهن القلب وتضعفه، وإذا الرّان قد ظهر والختم قد وقع والسواد قد انتشر حينها تبني بنفسك وتشيد جدار الحيلولة بينك وبين قلبك، فإن هدمت الجدار فنِعْمَ العمل، وإن تركته فاعلم أنك لن تعود إلى إيمانك وطاعة ربك، ولا يملك بالمقابل الكافر أن يؤمن بخالقه بعد أن أعرض وأبى هذا الإيمان من قبل وحلّت عليه ساعة الصفر.
نسأل الله العلي القدير مقلّب القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه وطاعته، وأن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5867
التعليم الشرعي بين علم العامة والخاصة
محمد بن عبد الله الدويش
تتفاوت العلوم في سعة دائرة من يحتاجون إليها، ما بين علوم قاصرة على المتخصصين فيها لا يحتاجها غيرهم، وعلوم تتسع فيها دائرة الحاجة وتتقاطع مع علوم أخرى.
ومهما اتسعت دائرة الحاجة إلى علم من العلوم فإن العلم الشرعي يبقى أوسع العلوم احتياجاً؛ فالمختص فيه يحتاجه كشأن أيِّ متخصص في علم من العلوم، وكثير من المتخصصين في مجالات أخرى يحتاجون منه ما يرتبط بتخصصهم كالمتخصصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية، والاقتصاد والمعاملات المالية، والعلاقات الدولية والحقوق ... إلخ.
كما أن كل مسلم يحتاج إلى العلم الشرعي ليعرف ما تصح به عبادته وما لا تصح، ويعرف الحلال والحرام في معاملاته وما يأتي ويذر، وليكون أكثر صلة بخالقه وقرباً منه.
ومن هنا يمكن أن نحدد دوائر أربع للحاجة للعلم الشرعي:
- الدائرة الأولى: المتخصص في المجال نفسه، كالعقيدة، والحديث، والفقه، والتفسير.
- الدائرة الثانية: ما يحتاجه متخصص في أحد فروع العلم الشرعي من فرع آخر كحاجة المتخصص في علم الفقه إلى الحديث، وحاجة المتخصص في علم التفسير إلى علم أصول الفقه.
- الدائرة الثالثة: ما يحتاجه متخصص في غير علوم الشريعة، كحاجة المتخصص في الاقتصاد إلى علم الفقه.
- الدائرة الرابعة: ما يحتاجه عامة المسلمين مما يتصل بتدينهم، وهم دائرة واسعة فيهم المثقفون وأساتذة الجامعات، وفيهم التقنيون، وفيهم من هو أقل تعليماً، وفيهم الأمي والأمية.
إن الوعي بهذه المستويات ليس بقدر من التعقيد يجعله خافياً على المهتمين بشأن العلم الشرعي، لكن المشكلة تكمن في التعامل معه.
وتنوُّع دوائر الاحتياج للعلم الشرعي يفرض على المعتنين بنشره ما يلي:
- مراعاة هذا التنوع في مناهج التعليم الشرعي سواء ما يتصل بالتأليف، أو اختيار مؤلفات ما، أو طرق التدريس وأساليبه؛ فلكل دائرة أهداف قد لا تشترك فيها مع الدوائر الأخرى.
- مراعاة هذا التنوع في لغة التأليف والتدريس؛ فاللغة التي تناسب الدوائر المتخصصة ليست بالضرورة هي الملائمة للدوائر الأخرى.
- مراعاة هذا التنوع في القدر الذي تحتاجه كل دائرة، وفي حجم التفاصيل التي تتطلبها؛ فغير المتخصصين لا حاجة لهم بالتفاصيل المرتبطة بآراء الفِرَق المخالفة حين ندرِّسهم العقيدة، ولا التفاصيل المرتبطة بنقاش الأدلة أو بمسائل نادرة حين ندرِّسهم الفقه.
إن الإصرار على قالَب واحد ونموذج لتقديم العلم الشرعي لكافة الفئات ـ بغضِّ النظر عن مستواها وطبيعة احتياجها - يقلل من فرص انتشاره، ومن تحقيقه لأهدافه.
والفصل بين محتوى العلم في أصله، وبين محتوى ما يُقَدَّم، والفصل بين الغايات والوسائل، والفصل بين التعبد بطلب العلم الشرعي وبين الممارسات والعمل البشري - إن هذا الفصل يعطي المهتمين بشأن العلم الشرعي أفقاً أوسع ومرونة تتيح لهم تطوير أساليب التعليم الشرعي بما يسهم في تحقيق مزيد من أهدافه
стр. 5868
فوائد إدارية في صلاة الجماعة
إبراهيم بن سليمان الحيدري
نهل الأطباء من الصلاة فوائد، ووجد علماء النفس فيها معانيَ ومقاصد، والآن جاء دور الإداريين.
ليست ليّاً للعنق، ولكنها محاولة صغيرة لكشف معانٍ إضافية وتعظيم فوائد أعمال يومية، راجين أن نسهم في نهضة إسلامية قادمة.
صلاة الجماعة في مقصدها وطريقة أدائها شكل من أشكال العمل الجماعي المنظم الذي تقوم عليه المنظمات الإدارية الحديثة، والمسلمون يؤدونها بتنظيم راق وتناغم أخَّاذ، ويبلغ الإعجاب أشده وأنت ترى مئات الآلاف من البشر مع اختلاف لغاتهم وأعمارهم ومهنهم ينخرطون في هدوء ووقار لأداء الصلاة جماعة في الحرمين الشريفين بلا مرشد أو موجه.
- من هذه الفوائد وهي كثيرة:
إن وجود قبلة واحدة يتجه إليها المصلون إشارة إلى أهمية أن يكون للمنظمة الإدارية وجهة محددة يتجه نحوها كل موظفي المنظمة وتصبُّ فيها مواردها المالية وإمكانياتها، وجهة فيها من الثبات والوضوح ما يوحِّد الجهود ويسهل العمل. وفي تحديد آلية اجتماع الناس للصلاة بالصفوف المتوازية لفتة إلى حاجة المنظمات الإدارية إلى وجود تنظيم إداري داخلي يحدد مواضع الأفراد وينظِّم العلاقات فيما بينهم ليسهل بعد ذلك معرفة حدود الصلاحيات ونطاق المسؤوليات.
ثم إن في فضل صلاة الجماعة وعدم تحصيله إلا بالاجتماع في وقت ومكان واحد همسةً إلى أهمية وجود العاملين في منظماتهم في أوقات محددة، وأن الغياب أو التأخُّر يؤثِّر في أداء الأفراد والمنظمة كما يؤثر التخلف أو التأخُّر عن صلاة الجماعة في مقدار الأجر.
وفي وجود شروط ومواصفات يعرفها الجميع للإمام، ومدى ارتباطها بطبيعة المهمة التي يقوم بها، إشارة إلى ضرورة أن تحدد المنظمة الإدارية مواصفات الوظائف ومتطلباتها، وأن يتم الاختيار وفقاً لها. وكما أن في اجتماع الناس للصلاة في المساجد تلبية لبعض حاجاتهم الاجتماعية؛ فإن المنظمات الإدارية ينبغي ألاَّ تُغْفِل تهيئة مناخ اجتماعي تهدِّئ فيه نفسية الموظف وتكسر بعضاً من (روتين) العمل.
إن سُّنّة الجمع بين الصلوات لظروف بيئية كالمطر ونحوه همسة لطيفة لضرورة أن تراعي القيادة في المنظمات الإدارية التغيرات التي تحدث في بيئتها الخارجية، وتترجم هذه المراعاة استمراراُ في التقييم ومرونةً في التغيير والتطوير؛ مع المحافظة في الوقت ذاته على وجهة المنظمة وهويتها.
أخيراً: إن أُمَّة ينخرط أبناؤها منذ نعومة أظفارهم في عمل منظم دوري لهي أمة حريَّة بأن تقود العالم.
стр. 5869
التأثير الهامشي ٢ ـ ٢
د. عبد الكريم بكار
تحدثت في المقال السابق عن فكرة جوهرية، هي أنَّ تأثير العوامل والأسباب الخارجية في حياة الأمة يظلّ هامشياً ومحدوداً ما لم يتحوّل العامل الخارجي إلى عامل داخلي، أو يولّد عوامل داخلية، وذكرت مثالاً على ذلك (الفقر) بوصفه مشكلاً كبيراً يعاني منه عدد كبير من المسلمين، ووعدت بتقديم مثال ثانٍِ على ذلك؛ من أجل توضيح هذه
الفكرة.
والمثال الثاني الذي سأقدمه اليوم ـ بحول الله وطوله ـ يدور حول (الاستعمار) وسيطرة العدو الخارجي. والحقيقة أن هذا المثال يفيدنا في شرح الفكرة فائدة كبرى، وذلك بسبب اعتقاد كثير من الناس أنَّ الاستعمار هو عامل خارجي وعدوان أجنبي سافر، لا يحتمل أي تحليل أو فهم مغاير. وأود شرح هذا المثال عبر المفردات التالية:
١ ـ من المهمّ أن نُدرك أنَّ البشر يتنازعون البقاء على هذه الأرض بصورة جليَّة حيناً وبصورة خفية حيناً آخر، كما أنَّ لهم مصالح متعارضة وطموحات جامحة، منها المشروع وغير المشروع.
٢ ـ حين يتطلع البشر إلى تحقيق مآربهم والوصول إلى أطماعهم، فإنهم يأملون في بلوغ ذلك بأقل قدر ممكن من الخسائر والجهود والتكاليف؛ فالإنسان كائن اقتصادي من الطراز الرفيع.
٣ ـ حين تحاول دولةٌ استعمارَ دولة أخرى، فإنها تقوم بحسابات دقيقة للربح والخسارة، فإذا كانت التوقعات تشير إلى خسارة فادحة في الأرواح والأموال، وإلى منافع قليلة، فإنها تحجم عن ذلك، وإذا ارتكب زعماؤها حماقة في ذلك، فإنهم يواجهون بعد مدة بين شعوبهم من يقف في وجوههم، فيحاولون التراجع وتصحيح الخطأ.
٤ ـ هذا يعني أن القوى الاستعمارية الغاشمة تبحث باستمرار عن الدول الهشة والشعوب الرخوة من أجل غزوها والنجاح في السيطرة عليها، أي أن ضعف المستعمَرين هو الذي يغري المستعمِرين بالعدوان والتسلط والاجتياح، وهذا ما سمّاه مالك بن نبي ﵀ (القابلية للاستعمار) . هذا يعني أن على كل الأمم المستعمَرة والمغلوبة على أمرها أن تفكر في الأسباب الداخلية التي شجعت الآخرين على العدوان عليها، وأن توجِّه التهمة إلى نفسها؛ حيث إن من الثابت أن الاستعمار أشبه بالجراثيم التي تغزو الجروح المفتوحة، وبمثابة السوس الذي ينخر الأسنان، وأنه يقوم بعمل اصطفائي واضح؛ فالأجزاء التي لا يصل إليها السِّواك أو فرشاة الأسنان، هي التي تصاب بالتسوُّس.
٥ ـ الناس لا يحبون التفكير بهذه الطريقة؛ لأنهم لا يريدون تحمُّل أي قسط من مسؤولية استعمار بلادهم، إنهم يتحدثون فقط عن العدوان والمعتدين من أجل تحميلهم كل المصائب التي نزلت بساحتهم، وهذا اللون من التفكير غير قويم؛ فالواقع يشهد بأن لدينا دولاً عربية لم تطأها قدم مستعمر، كما أنَّ لدينا دولاً عربية أيضاً استعمرها الأجنبي ما يزيد على قرن من الزمان، والعجيب أن الدول التي استُعمرت أكثر تقدماً وازدهاراً، وأفضل اقتصاداً من الدول التي لم تُستعمَر!
وهذا كله يعني أن ويلات الشعوب ومآسيها، لا تعود دائماً إلى تخريب المستعمرين؛ فهناك القصور الذاتي والتحلل الداخلي، وهناك المستعمِرون المحليون!
٦ ـ كثير من الشعوب يُستَعمر، لا لأنَّه ليس قادراً على المقاومة؛ فشيء من الاستبسال وردّ كيد العدو ممكن دائماً؛ ولكن لأنه يعيش في حالة من القهر والذل والاستبداد وسلب الحقوق، أو في حالة من الفقر والبؤس واليأس، وهذا يجعل الناس لا يشعرون بأنَّ الاستعمار سوف يسلبهم شيئاً عزيزاً، أو ينغِّص عليهم عيشاً هانئاً، وقد قال أحدهم معبراً عن هذا المعنى: «لماذا أدافع عن وطن لم يؤمِّنِّي من خوف، ولم يطعمني من جوع؟» ! بل إن بعض الشعوب المقهورة من أبناء جلدتها تغبط بعض الشعوب المستعمَرة؛ لأن لدى المستعمِر من الرحمة والتحضر ما لم يجدوه عند بني قومهم! هذا كله يعني أن الأمم تفقد روح المقاومة بسبب سوء أوضاعها الداخلية، أي أنَّ قوة المستعمِر لا تكون وحدها كافية لإتمام عملية الاستعمار.
٧ ـ يحاول المستعمر دائماً أن يدجِّن الحسَّ الوطني لدى الذين يقوم باستعمارهم، وذلك من خلال إعطاء فئة منهم امتيازات وسُلطات كبيرة، ومن خلال استخدام فئة أخرى عملاء وجواسيس وأعواناً له على باقي أبناء الشعب، ومع الأيام ترتبط مصالحهم بمصالح المستعمِر، ويصبحون راغبين في بقائه. وقد لاحظ أحد الباحثين هذا حين ذكر أن نفوذ المستعمِر يزيد في العادة بعد خروجه من البلاد المستعمَرة، حيث تذهب جذوة المقاومة، ويأتي دور النفوذ الروحي والثقافي، وهذا واضح؛ فأبناء الشعوب التي استُعمرت من قِبَل الفرنسيين ما زالوا مرتبطين بفرنسا إلى اليوم، فهم يتعلمون لغتها بوصفها لغة ثانية، ويرسلون البعثات إليها، ويقضون إجازاتهم السنوية فيها، ويستوردون منها كثيراً من احتياجاتهم.
٨ ـ يؤكد القرآن الكريم على نحو لا لبس فيه، على محورية العوامل الداخلية وهامشية العوامل الخارجية في عدد من الآيات الكريمة، منها قول الله ـ تعالى ـ: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] .
وقوله ـ سبحانه ـ: ﴿إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] .
إنَّ الانحراف والظلم والبغي والفساد الإداري والكسل والفوضى والأنانية وسوء فهم الواقع ... هي الجنود الغازية التي تدمر المجتمعات من داخلها، وإن إصلاح أوضاعنا الداخلية، هو الذي يقلِّل من فرص هيمنة الأمم القومية علينا؛ ولا يصح لعاقل أن يتجاهل هذه الحقائق.
(٢ - ٢)
стр. 5870
الفارس والدواء
د. آدم بامبا
سوف يظلُّ إقلاعي المفاجئ عن داء الهَوَس بكرة القدم لغزاً محيِّراً لجميع من عرفوا سيرتي الأولى؛ فلست أدري متى نشأ هذا الحبُّ العارم للكرة، ومتى سرى في جسمي وجرى مجرى الدَّم في عروقي. كان العالم كلُّه في عيني يتقلَّص في الكرة وفي الملعب الوطني. كان جزءٌ كبيرٌ من مرتبي الشهري الزَّهيد يتبخَّر في المساهمة الشَّهرية التطوعيَّة لمساندة فريقي، وفي شراء صور اللاعبين، والميداليات، وخاصةً التذكرة الأسبوعيَّة مساء كل سبت لمشاهدة تدريبات فريقي.
حين كنت أخوض الحوارات الحامية تأييداً للفِرَق الوطنية والعالميَّة التي أشجِّعها، كنت أبدو خطيباً مُفْلِقاً لا يُشقُّ له غبار. كنت أسرد المباريات التي خاضها فريقي والأهداف التاريخيَّة التي سجَّلها نجومه، و ... ، وكل ذلك بإيراد التواريخ الدقيقة، والأسماء، والأرقام، والإحالة إلى أقوال الصحفيين والإذاعات. وكنت أشعر بزهوٍ عظيم بسماع إطراءات زملائي لي، ورجوعهم إليَّ في خلافاتهم الرياضية، لم يكن يُفتى في أمر الكرة وأنا حيٌّ أُرزق.
أما زواجي بتلك البنت التي لا تمتُّ إلى دنيا الكرة والرياضة بصلة، فخروج على طبعي لا يقاس عليه. كم حاولت زوجتي المستحيل في بداية زواجنا للتقليل من بعض غرائزي الكروية، ولكن كيد حواء - للمرة الأولى في تاريخ الانتصارات الإنسانية - مُنِيَ بهزيمة نكراء. أخيراً؛ شدَّتها أقوال المنجمين في زوجها المسحور. وعملاً بنصيحة أهل الذِّكر: فيما لا يُدرَك كله، لا يُترك جُلُّه، فقد حاولت التقليل من سهراتي خارج المنزل مع ثلّتي حول إبريق الشاي الصيني الأخضر.. استضافتْ ثلَّتنا الصاخبة عدَّة مرات، أغرتنا ببعض المشويات الخفيفة، وبالفول السوداني المحمَّر، وغدت خادمة طائعة لنا، لكن ذلك لم يطل؛ إذ كاد الأمر ينتهي بتحرير الجيران - عفا الله عنهم - دعوى قضائيَّة ضدَّ ثلّتنا.
ويوم بشَّرتني زوجتي بحملها الأول، هتفتُ قائلاً:
- آه! أرجو أن يكون غلاماً فنسميه «بيليه الصَّغير» ، لا شك أنه سيصبح لاعباً مشهوراً.
نظرة خيبة أمل واستياء تصادمت بنظرة زهوٍ وإعجاب. لزمت زوجتي الصمت. يتردد في نفسي تضرُّعها المتأوِّه إلى الله: «اللهم لا تفجعني في والد وما ولد!» .
* * *
عدت تلك اللَّيلة كعادتي إلى منزلي في الثانية صباحاً، وأنا مهموم، متعب، غضبان، يُرثى لحالي، بعد مشاهدة صاخبة لمباراة عالمية خسر فيها فريقي خسارة فادحة، ولم يعدل فيها الحَكَم في حقِّ فريقي حين رفض له ضربتَيْ جزاء لا تنتطح في صحَّتهما عنزان!
وعلى مرِّ الأيام؛ فإن زوجتي كانت قد تعلَّمت قواعد حسن السيرة والسلوك، والتأقلم مع مثل هذه الأجواء المتأزمة، والتقلُّبات المفاجئة في زوجها والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى درجة الغليان والاحتراق.
فتحتُ الباب، وبحركة ميكانيكية ضغطتُ على زر الكهرباء، وارتميتُ على الأريكة مادّاًً رجليَّ على الطاولة الصغيرة وسط الأرائك. يا إلهي! إنها لم تضع على الطاولة كعادتها شُرْبة «المديدة» التي أدمنت شربها قبل النوم، وكان ذلك موبقة عظيمة لا تكفَّر إلا بالقيام وإعداد هذه الشُّرْبة حتى تهدأ ثائرة الطفل الكبير، وتخفّ درجة حرارته وينام.
هُرِعتُ إلى داخل غرفة النوم، ضغطت على زرِّ المصباح، كانت الغرفة خالية، وفي تلك اللحظة فقط.. يا إلهي! تذكَّرت أن زوجتي حامل، وأنها كانت طلبت مني في الصباح قبل خروجي شراء بعض الحاجيَّات وإخبار خالتها بالمجيء في اليوم نفسه لدنوِّ وقت وضعها. خرجت من الغرفة مسرعاً، وعند الباب، كدت أصطدم بصاحبة الدَّار العجوز الحاجة (زَينبو) رغم ضوء القمر المنير. بادرتني قائلة:
- ابني خِطْ لي فمي قبل أن أملأ آذان أعدائك وحسّادك بخبرك الجديد!
- خالة (زينبو) ! لك عليَّ ألف فرنك حمراء.
زغردت العجوز (زينبو) ، لعلَّ ذلك للمرة المائة في ذلك اليوم دون مبالاة بالوقت المتأخر من الليل، وبالوصايا الرَّشيدة في حقوق الجيران النائمين. أتبعَتْ زغردتها بحركة خفيفة راقصة تنبئ عن علم ودراية قديمة، وإن خانها جسمها النَّحيل.
- ابني! لقد وضعته ابنتي مكتملاً مثل ثور، فارعاً مثل شجرة (باوْباب) كان ذلك وقت أذان العصر.
توقَّفتْ برهة، وبصوت حزين متصنَّع تابعتْ:
- آه! غير أنَّ الطفل - مع الأسف - لم يشبه أباه، ولا جدَّه، ولا أحداً من أسلافه السابقين.. إنَّه قمرٌ من نجوم!
رفعتْ بصرها إلى القمر المنير.. تابعتْ أيضاً:
- كذا حال الرجال السُّعداء؛ لا يأتون إلا في ليلة التَّمام، انظر إلى وجهه في دائرة البدر المنير! «زوجي» الجديد ما أبهاه، ما أجمله!
- الحمدُ لله ربِّ العالمين.. خالتي (زينبو) ! زدتك ألفاً أخرى، وسبحة، وجلباباً، وخماراً للجمعة القادمة.
زغردة أخرى مطوَّلة.. بدأت تتغنَّى بأنشودة شعبية قديمة قيل إنَّ عروس البحر (بافارُو) غنَّتها على شاطئ نهر النيجر لمحبوبها الفارس الأسطوري في ضوء البدر المنير. انفتحت أبواب مجاورة، تجاوبت زغردات النِّساء.
بعينٍ مرحة كنت واقفاً أتفرَّج على الخالة الحاجة (زينبو) والنساء حولها، وهنَّ في حركات سعيدة في ضوء القمر، يمازحنها «بعريسها» الجديد، وهي تهدِّد أية امرأة عديمة الحياء تحاول اختلاس الفارس الجميل منها. وعدتْها إحداهن بإهدائها زجاجة عطر «مِسْكُو مكة» ، تتعطر به يوم زفافها، ووعدتْها أخرى بإعطائها عقداً، وأخرى مازحتها بإعطائها عبوة صبغة «يُومبو» تصبغ بها شعرها.. ضحكات وقهقهات، تردُّ الحاجة (زينبو) بحدَّة:
- يا حاسدة! «الشاة تولد ببياضها، أما العنز فتهرم وتموت، وهيهات أن تشيب» ! وكأنها تريد أن تقول: البياض جمال وليس علامة شيخوخة.
ورغم سعادتي في تلك اللَّحظة، فقد اجتاحتني حالة اكتئاب وتأنيب ضمير عارمة. تُرى من الذي تكفَّل بمصاريف سيارة الأجرة إلى المستشفى، ورسوم العناية الطبية، ورشاوى الأطباء والقابلات؟ إنَّ كل شيء هنا في إفريقية لا بدَّ له من رسوم ورشاوى: الولادة، والعلاج، وحتى الموت براحة وسلام لا بدَّ له من دفع رشاوى للأطباء، والممرِّضين، والصيدليين، وحرّاس المشارح، وحفّار القبور..
كنت أعلم أنَّ أحداً من الجيران قد تكفَّل بالمصاريف، طبعاً ليس من أجلي، ولكن من أجل زوجتي الطَّيبة، فعلاقاتي بالجيران - يشهد الله - سيئة منذ حادثة محاولتي وثلَّتي تحويل الدار إلى منتدى مصغَّر لمنظمة الفيفا. خجلٌ شديد، وحزن عميق كانا يصطرعان في داخلي، وكدت أسيخ في الأرض، لا بدَّ أنني حديث الحي في إهمال زوجتي في فترة حرجة وخطرة. لكن يعلم الله أنني لم أكن أتوقَّع أن تضع زوجتي في هذا الأسبوع، كان عليها أن تفصح لي، لكن النساء يجعلن الرجال دائماً خارج الدائرة في مثل تلك الأمور التي تخصُّهن. أمن الإنصاف أن نبعد النحلة عن الخليّة؟
كانت تلك صدمة عنيفة في نفسي، فماذا جنيت من الكرة؟ من أجل الكرة كنت آخر من يعلم بولادة ابني الأول. ويغفر الله لي في هذا الموقف، فقد كرهت (بيليه) و (روجيه ميلا) ، وقرأت على صنم (كأس العالم) آية النسف، وعلى ثلّتي سورة براءة.
بصوت عالٍ أوقفت النسوة الثرثارات.
- حاجَّة (زينبو) ! لِمَ لا تخبرينهن أن «عروسك» يحمل اسم المرحوم زوجك؟
زغردة أخرى من «العروسة» السَّعيدة خالتنا الحاجة (زينبو) وجوقتها كادت توقظ الحيَّ كلَّه، ما برحت أن انقلبت إلى بكاء ونحيب، ثم ضحكات عالية، وأغانٍ متفرقة. تنازلت الخالة عن الألفي فرنك التي وعدتها إياها. بل أقسمت أن تذبح كبشاً أملح يوم عقيقة الطفل، وأن تهدي كيس أرز مائة كيلو لإمام الحي الذي سيُشهد الله وملائكته وجميع المسلمين أن هذا المولود (قد أمرنا أبوه أن يسمى الحاج براهيما جابي) .
* * *
في الصَّباح الباكر، أيقظتني الخالة الحاجة (زينبو) للذهاب إلى مستشفى الولادة، وهناك علمت أن ابنها هو الذي دفع المصاريف كلها، واشترى اللَّوازم.
حين علمت زوجتي باسم الطفل، سألت: وماذا عن اسم (بيليه الصَّغير) ؟!
نظرة استياء تصادمت بنظرة استغراب ودهشة.. ابتسمت، يرنُّ في أذني شكرها لله ودعاؤها إياه: «اللهم لا تفتنّا بعده!» .
стр. 5871
البيان ومبرة الأعمال الخيرية تقيمان مؤتمراً بعنوان:
تعظيم حرمات الإسلام
تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة التطاول على حرمات الدين الإسلامي ومقدساته، من أصناف متعددة من المعادين للدين، وعلى رأسهم جهات متنفذة من كفار أهل الكتاب، حيث يقومون منذ مدة بـ (تبادل الأدوار) في التعدي على المسلمين؛ فبينما تقوم قوى نصرانية بالتهييج ضد المسلمين والتحرش بهم من خلال مواجهات عسكرية وتضييقات أمنية، يتربص آخرون بالمسلمين فكرياً وحضارياً، لتتكامل معالم هجمة صليبية معاصرة، تتنوع فيها الساحات، وتبتكر فيها الوسائل، وتتخير الأوقات والمناسبات التي تثار فيها في كل مرة فتنة استغضاب عالمي للمسلمين
وقد صارت حملة الاستغضاب والاستفزاز شاملة، من غالب دول العالم الغربي على اختلاف أنظمته السياسية ومذاهبه الدينية؛ فمن أمريكا البروتستانتية التي أشعلت نار الحرب العالمية على الإسلام منذ سنوات، صدرت سلسلة من أعمال الإهانة المتعمدة، مثل إلقاء أوراق المصحف أو استعمالها في المراحيض، والتبول عليها أمام المعتقلين المسلمين في معتقل جوانتانامو، وكذلك التطاول شبه الرسمي على القرآن الكريم من خلال السماح بطباعة آلاف من النسخ من كتاب شاذ ومنكر في العداوة والهزء بالإسلام عقيدة وشريعة وقيماً، أطلقوا عليه اسم (الفرقان) . وإضافة إلى ذلك التعدي الفاضح من بروتستانت أمريكا، فقد تعاطفت أوروبا مع بروتستانت الدانمرك، خلال أزمة الرسوم المسيئة إلى الرسول ﷺ ؛ حيث تكررت بشكل متعمد إعادة نشر الرسوم في العديد من الصحف والدوريات الأوروبية. أما الكاثوليك، فقد بدأت الإساءة من فرنسا، خلال أحداث أزمة الحجاب، التي منعت الحكومة الفرنسية فيها الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس ضاربة بعرض الحائط قيم الحرية والعدالة والمساواة المدعاة.
ثم جاءت الإساءة الكبرى من الكاثوليك على لسان كبيرهم وحبرهم الأعظم (بابا الفاتيكان) من خلال تصريحاته المجحفة بالإسلام ورسول الإسلام ﷺ ، دون أن يصرح بالتراجع أو الاعتذار عما قال، متأسياً بحكومة الدانمرك التي امتنعت عن الاعتذار خلال أزمة الرسوم المسيئة وبعدها.
وفي الوقت نفسه فإن جماعة من أهل الأهواء من بني جلدتنا تجرؤوا على حدود الشريعة، وتطاولوا على ثوابت الدين، وراحت أقلامهم الملوثة تعبث بنصوص الكتاب والسنة، تارة باسم حرية الفكر، وتارة أخرى تحت عنوان النقد العلمي، وثالثة تحت مظلة الرواية والقصيدة والمسلسلات التلفزيونية.. وهكذا، وصدق المولى ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿وَإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ . [الأعراف: ٢٠٢]
وفي محاولة للتصدي لهذه الحروب، عقدت (مجلة البيان) بالتعاون مع (مبرَّة الأعمال الخيريَّة الكويتيَّة) مؤتمراً يضمُّ أكثر من ٢٠٠ عالم ومفكر وباحث من شتَّى أنحاء العالم، بعنوان (تعظيم حُرُمات الإسلام) بين (٣ - ٥) محرم ١٤٢٨هـ الموافق (٢٢ - ٢٤) يناير ٢٠٠٧م.
وأعلن منظمو المؤتمر أنَّهم يهدفون من ورائه مناقشة الهجمة الشرسة من الغرب ومن أهل الأهواء المنتسبين إلى الإسلام على حرمات الدين الإسلامي الحنيف.
وانطلقت بعدها دورة الأعمال والأوراق التي قدَّمها لفيف من المشايخ والمفكرين متحدثين عن تعظيم حرمات الإسلام، وواجبات المسلمين في تعظيم تلك الحرمات، وصد المعتدين عليها.
كما استعرض المشاركون في المؤتمر المخاطر التي تواجه العالم الإسلامي في هذا العصر من الهجوم على مقدسات الإسلام وحرماته، وأنَّ هذا الهجوم لم يعد تصرفاً محدوداً من طائفة محددة ولكنه غدا ظاهرة تمثل توجهاً فكرياً من كثير من الساسة والمفكرين وبعض رجال الدين في بلاد الغرب على وجه الخصوص.
وتناول المشاركون في المؤتمر ثلاثة محاور كان كل محور منها على شكل ندوتين، وتلاها عدد من مداخلات الحضور، وكانت هذه المحاور على النحو التالي:
الأول: فهم طبيعة العداء وخلفياته.
الثاني: الهجمة الأخيرة على الإسلام.
الثالث: استراتيجيَّة المواجهة.
وثمّن المؤتمر في هذا السياق الجهود التي تقوم بها المؤسسات الإسلامية في الدفاع عن حرمات الأمة، ورأى المشاركون في المؤتمر أنه وعلى الرغم من أهمية العديد من المؤتمرات التي عقدت لبحث الإساءات المتكررة، والبيانات التي صدرت في التنديد بالإساءات، والمظاهرات التي خرجت للتعبير عن المشاعر، فإن الأمر لا يزال في حاجة إلى آليات أكثر تأثيراً، وأوسع بلاغاً؛ أداءً للواجب وإبراءً للذمَّة.
واختتم المؤتمر ندواته بذكر عدد من التوصيات، التي رُشِّح لها فريق عمل لمتابعتها، حتى تطبَّق على أرض الواقع ـ بإذن الله تعالى ـ. وفيما يلي نورد التوصيات التي خرج بها المؤتمر وهي على النحو التالي:
- أولاً: حق الأمة الإسلامية في الدفاع عن دينها وحرماتها:
يدعم المؤتمر حق جموع الأمة في الدفاع عن عقيدتها وشريعتها بكل السبل المشروعة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، ويدعو إلى استثمار عاطفة الجماهير وتوجيهها نحو الوسائل الأرشد، ويحث المسؤولين على التكاتف مع الشعوب الإسلامية في حماية هويتها وحرماتها وقيمها من حالات التجاوز والتطاول على الثوابت داخل ديار المسلمين، والتي تعد إحدى أسباب زيادة جرأة بعض غير المسلمين على حرمات الأمة ورموزها.
- ثانياً: التعدي على الحرمات نقطة فاصلة في علاقة الأمة بغيرها:
يؤكد المؤتمر أن الاعتداء على الثوابت والشعائر، سواء كان ذلك من الداخل أم من الخارج، يعتبر اعتداءً على جميع الأمة، تجب الحيلولة دونه. كما أن القيام بهذه الواجبات ينبغي أن يكون فرصة للاجتماع والائتلاف على القواسم المشتركة بين الإسلاميين على اختلاف بلدانهم وتوجهاتهم.
- ثالثاً: الاعتداء على الإنسان المسلم اعتداء على جموع الأمة:
يؤكد المؤتمرون على أن حرمة الإنسان في الإسلام هي من أعظم الحرمات، ولهذا فإن الاعتداء على أرواح وأعراض وأموال المسلمين هو انتهاك لحرمات الشريعة وحدودها «والمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم» ، لذا يطالبون لأجل ذلك بالكف عن الاستهانة بالدم المسلم من المعتدين ومن يساندونهم.
- رابعاً: التحرك العملي البنَّاء لحماية حرمات الأمة:
مع ما يركز عليه المؤتمر من التأكيد على رفض كل أنواع الاعتداء تجاه عقيدة المسلمين وشريعتهم؛ فإنه يوصي بتحويل ذلك الرفض النظري إلى تحرك عملي جاد ومستمر على المستويات الرسمية والشعبية، لإظهار أن الأمة الإسلامية لا تقبل المساس بمقدساتها وحُرُماتها. كما يرى المؤتمر أن تفعيل جهود المقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية للجهات المصرة على مواقفها العدائية هو أحد السبل الناجعة في العلاج.
- خامساً: أهمية تضافر الجهود الإعلامية والفكرية والثقافية للتأكيد على مكانة الأنبياء:
ينظر المؤتمرون بقلق بالغ لظاهرة انتشار الاستهزاء بأنبياء الله ـ صلوات الله عليهم ـ في وسائل الإعلام الغربية تحديداً، ومن خلال العديد من المواقع الإلكترونية الغربية، ومن خلال الكثير من الأعمال الفكرية والفنية والثقافية في الحياة الغربية المعاصرة. وصاحب ذلك تزايد الظاهرة نفسها في بعض المنتديات الفكرية العربية ومن خلال عدد من وسائل الإعلام العربية أيضاً. لذا يوصي المؤتمر أن تتضافر الجهود من أجل الحفاظ على منزلة ومكانة الأنبياء، ولسَنِّ الأنظمة الدولية التي ترعى حرمتهم، وتصونها من العبث الفكري والإعلامي والثقافي، وأن تكون الأمة الإسلامية في طليعة المطالبين بذلك.
- سادساً: إنشاء ودعم مراكز الدراسات المتخصصة في دراسات الاستشراق والغرب:
يرى المؤتمر أن الأمة الإسلامية تعاني من ندرة المراكز الفكرية المتخصصة في التعرف على الفكر الغربي، والقادرة على التصدي للمواقف الفكرية والإعلامية والثقافية الغربية التي تنال من حرمات الأمة، أو تعتدي على شعائرها ورموزها؛ لذا يوصي المؤتمر أن تُعنَى الأمة في المرحلة القادمة بإنشاء العديد من المراكز الفكرية والإعلامية المتخصصة في فهم الغرب، وفي توجيه دفعة التعامل مع الفكر الغربي، ومع المواقف الإعلامية الغربية التي تؤثر على الأمة الإسلامية سلباً أو إيجاباً. كما يرى المؤتمر أهمية إيجاد فريق عمل فكري يوصف أفراده بالعلم الشرعي والاطلاع الفكري على الغرب وامتداداته في بلاد المسلمين لإدارة هذه المواجهة الفكرية بكفاءة.
- سابعاً: إصدار دراسات متخصصة في استراتيجيات الأمة في الحد من الإساءات الموجهة ضد دينها وحرماتها:
إن قسماً كبيراً من أسباب قلة تأثير مواقفنا المعارضة لتلك التصرفات المعادية، يعود إلى نوع من القصور يشوب فهم دوافع المعتدين والمتجرئين على ديننا وثوابتنا، وهو ما يؤدي إلى بعض التضارب والتناقض في المواقف؛ لذا يوصي المؤتمر باعتبار ما طرح في فعالياته من أفكار ورؤىً وتصورات منطلقاً لمزيد من التعمق في دراسة تلك الظاهرة ودوافعها وأبعادها، على أن تتحول فيما بعد إلى دراسات شاملة تكشف جوانب الموضوع، وتطرح استراتيجيات التعامل معه.
- ثامناً: أهمية تفاعل الحكومات والمؤسسات الرسمية مع بقية الأمة:
يطالب المؤتمر الحكومات العربية والإسلامية، والهيئات والفعاليات السياسية والدبلوماسية، باتخاذ مواقف أصح وأصرح، للتعبير عن دين الأمة وهويتها؛ إذ لا يعقل أن تكون كثير من ردود الأفعال الرسمية تجاه التدخل في تفاصيل الشؤون الداخلية، أهمَّ وأكبر من اقتحام واستباحة حرمات الأمة كلها من أطراف خارجية أو داخلية، والمؤتمر يَعُدُّ عدم التفاعل الرسمي من البعض في مواجهة تكرار هذه الإساءات لأمتنا نوعًا من الإخلال بأمانة المسؤولية وتكاليف النيابة عن الأمة.
- تاسعاً: ضرورة تأكيد مناهج الدراسة في العالم الإسلامي على تعظيم الحرمات، واحترام الأنبياء، والاقتداء بالصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ:
يتقدم المؤتمر بدعوة إلى وزارات التربية والتعليم في العالم الإسلامي، وإلى القائمين على مسيرة تطوير مناهج التعليم في الأمة الإسلامية للتأكيد على تعظيم الشعائر والأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ والصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ من خلال البرامج التعليمية التي تربي الأجيال الناشئة من الأمة على تعظيم حرمات الإسلام.
- عاشراً: دعوة وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية إلى تعظيم حرمات الإسلام والمسلمين، وعدم استفزاز عموم الأمة بالتطاول على الثوابت:
ينكر المؤتمر على بعض وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية انسياقها مع الحملات المغرضة في التهجم على حرمات الإسلام وشعائره ورموزه، ويوصي بالمواجهة الرسمية والشعبية الحاسمة لهذه الحملات، ومنع استمرارها بالطرق الشرعية الممكنة. كما يوصي المؤتمر القائمين على وسائل الإعلام العربي والإسلامي أن يكونوا درعاً للأمة في صد الحملات الخارجية، وألا يتحول البعض منهم إلى سلاح ضد الأمة بدلاً من أن يكون سلاحاً لها، ويشكر المؤتمر الإخوة التجار الذين تفاعلوا مع جلسات المؤتمر وتكفلوا بإنشاء قناة فضائية خاصة بتعظيم حرمات الإسلام.
- الحادي عشر: إنشاء لجنة إسلامية قانونية للدفاع عن الحرمات الإسلامية:
يوصي المؤتمر بتكوين لجنة قانونية متخصصة تسعى إلى ضمان عدم التعدي على الحرمات الإسلامية، وتجريم الإساءة إلى ثوابت الدين، والملاحقة القضائية والقانونية للمتجاوزين من غير المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام، وتحميلهم المسؤولية الشرعية، والتنسيق مع اللجان الأهلية والحكومية العاملة في المجال نفسه من أجل توحيد الجهود وتعزيزها. وقد بادر بعض القانونيين في كلية الحقوق في الكويت بتقديم مشروع متكامل في هذا الصدد.
- الثاني عشر: التركيز على الجهود الدعوية الرامية إلى تعريف الغربيين بالإسلام:
يؤكد المؤتمر على أهمية الجهود الدعوية في الدفاع عن حرمات الأمة عن طريق تعريف الغربيين بالإسلام من خلال البرامج الإعلامية والفكرية الموجهة، والقنوات الفضائية المتخصصة في مخاطبة الغرب، والتركيز على مخاطبتهم بالأساليب الدعوية المناسبة للشخصية الغربية.
- ثالث عشر: أهمية دور الجاليات الإسلامية في الغرب:
يوصي المؤتمر بالاستفادة من الجاليات المسلمة في الغرب كخط دفاع أول في مواجهة ظاهرة التطاول. كما يدعو المؤتمر إلى دعم الجاليات والتواصل معها والحرص على وحدة كلمتها وتنسيق جهودها، ودعوتها إلى التركيز على نشر الإسلام بصورته المشرقة.
- رابع عشر: الاهتمام بجوانب الآداب والفنون لمواجهة ظاهرة التطاول على حرمات الإسلام:
يرى المؤتمر أن ظاهرة التطاول على الإسلام وحرماته قد استغلت بعض مجالات الآداب والفنون، وأن التصدي لها يقتضي تشجيع العاملين في المجالات الأدبية والفنية في العالم الإسلامي لتوظيف تلك المجالات واستخدامها في الدفاع عن الإسلام وتعظيم حرماته وشعائره.
- خامس عشر: مطالبة المنصفين من عقلاء الغرب بالإعلان عن مواقفهم:
يطالب المؤتمر قادة الرأي وصناع القرار في الغرب بتحري الموضوعية والإنصاف فيما يتعلق بقضايا العالم الإسلامي الحضارية. ويرى المؤتمر أن تخلف العقلاء من قادة الفكر والرأي في الغرب عن ذلك قد يعد تأييداً لمواقف المعتدين. وقد تم تشكيل لجنة من بعض حضور المؤتمر لإعداد رسالتين: الأولى: موجهة إلى قادة الغرب ومفكريه، أعدت مسودتها الأولى بعنوان: (موقفنا من تجاوزاتكم) ، ولا زالت في مرحلة الصياغة. والثانية: موجهة إلى بابا الفاتيكان لرد افتراءاته الأخيرة.
- سادس عشر: على أهمية عقد ورش عمل حول التوصيات، وتحويل نتائج المؤتمر إلى خطط وبرامج عملية:
يوصي المؤتمر بالتنسيق والتكامل بين المؤسسات الإسلامية العاملة في هذا الشأن، ويعتزم منظمو المؤتمر - بإذن الله - عقد ورش عمل لتحويل التوصيات الخاصة بالمؤتمر إلى برامج عملية تساهم في الحد من هذه الظاهرة، وتتكامل مع قرارات وتوصيات المؤتمرات الإسلامية السابقة.
- سابع عشر: تكوين لجنة خاصة بمتابعة توصيات المؤتمر من اللجان المنظمة:
وختاماً:
يحث المؤتمر العلماء والمصلحين على تربية أبناء الأمة على التفاؤل والإيجابية، والاعتزاز بالهوية، وتعظيم النصوص الشرعية والوقوف عند حدودها.
ومن خلال هذا الملف نقدِّم عدداً من البحوث المقدَّمة للمؤتمر، لعلَّها تعكس الروح العلميَّة والفكريَّة التي سادت أجواءه، ومن الله الحَوْل والطَّوْل، وهو حسبنا ونِعْم الوكيل.
стр. 5872
عناصر الشرك الاستكبار والفحش في القيم الغربية
أ. د. جعفر شيخ إدريس
أصبح من البدهيات أن القادة السياسيين في الغرب يعتقدون أن الإسلام ـ الذي يصفونه بالرادكالي ـ هو الآن العدو الأول والخطر الأكبر على الحضارة الغربية بعد سقوط الشيوعية. لقد كان الاتحاد السوفييتي مضاهياً للغرب في تقدمه العلمي والتقني، وما ترتَّبَ على ذلك من قوة مادية، وكان في مبادئه وأيديولوجياته ومؤسسيه امتداداً للفكر الغربي نفسه. أما المسلمون فما الخطر الذي يمثلونه على الحضارة الغربية وهم اليوم أكثر ما يكونون تخلفاً في تلك العلوم والتقنيات بالنسبة للغرب، إذ إنهم لا يكادون يملكون من القوة المادية شيئاً، بينما تملك دولة كالولايات المتحدة من أسلحة الدمار الشامل ما يُمكِّنها ـ حسب زعمهما ـ من تحطيم الكرة الأرضية كلها عدة مرات؟
فما الخطر الذي يمثله الإسلام إذاً؟ أهو الإرهاب؟ لكن الجماعات الإسلامية التي تُسمَّى بـ (الإرهابية) مهما ألحقت بالبلاد الغربية من أضرار فإنها أضرار محدودة؛ لأنها لا تملك هي الأخرى من القوة ما يُمكّنها من هزيمة الدول الغربية أو حتى إضعافها.
إن تصرفات الساسة الغربيين، ولا سيما الأمريكان منهم والبريطانيين، تدل على أنهم لا يحصرون الخطر الإسلامي على حضارتهم في ما يسمونه بالإرهاب، بل يجعلونه في الدين الإسلامي نفسه. ولهذا صاروا يصفون حربهم على الإسلام بأنها حرب قِيَمٍ وأنها معركة لكسب القلوب والعقول. إنها معركة؛ لأن الإسلام رغم ضعف أهله المادي هو ـ كما يقولون ـ أكثر الأديان انتشاراً في بلادهم. لكننا مرة أخرى نتساءل: ما الخطر في هذا على الحضارة الغربية؟ إذا كانت هذه الحضارة قد قبلت النصرانية واليهودية وهما دينان شرقيان، وإذا كانت قد استفادت في تاريخها من نتاج الفكر الإسلامي في مجالات الدين والفلسفة والعلوم، وإذا كانت قد قبلت العلمانية بل والإلحاد وغير ذلك من أنواع الأيديولوجيات؛ فما الذي يمنعها من أن تقبل الإسلام إذا كان هذا هو ما اختاره بعض أهلها لأنفسهم طوعاً لا كرهاً؟!
إنه لا إجابة عن هذا السؤال الصعب إلا القول بأن الأمم الغربية، رغم تعددها وتفاوتها ورغم تعدد مكونات حضارتها وتنافرها، إلا أن فيها فكراً يمثل غالبيتها ويشيع بينها، ويؤثر في تصرفاتها، وأنه هو الذي يحدد موقفها من غيرها من المعتقدات والقيم ولا سيما الإسلامي منها.
لكن هذا ليس بالشيء الغريب ولا الخاص بالحضارة الغربية وأممها، بل هو سنة اجتماعية عامة قررها كتاب ربنا الذي نقرأ فيه: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
فكل أمة صغيرة كانت أم كبيرة لها أعمال تراها حسنة، سواء أكانت هذه الأعمال في نفسها صالحة أو كانت فاسدة. لا حظ أن الآية الكريمة تحدثت عن تزيين العمل لا عن الاعتقاد مع أن العمل تابع للاعتقاد! ربما لأن المقصود هو الاعتقاد الذي يؤثر في العمل ويوجهه، لا الذي يدّعيه الناس بألسنتهم.
في القرآن الكريم تفاصيل أخرى عن هذه السُّنّة الاجتماعية:
منها: أن ذلك العمل المزين هو الذي يجمع الأفراد وينشئ بينهم ودّاً يجعل منهم أمة معينة. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ إنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] .
قال ابن كثير:
﴿إنَّمَا اتَّخَذْتُم﴾ هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، وهذا على قراءة من نصب: ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ على أنه مفعول له. وأما على قراءة الرفع فمعناه: إنما اتخاذكم هذا يحصل لكم المودة في الدنيا فقط، ثم يوم القيامة ينعكس الأمر فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضة وشنآناً.
ومنها: أن الأمة إنما تتخذ مواقفها من غيرها بحسب قربه أو بعده من هذا العمل المزين الذي يجمع بينها؛ فهي لا تتحمل ولا تتسامح مع من يخالفها فيه مخالفة كاملة ويعترض عليها، وإن كان من أبناء وطنها.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
وقال: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨] .
وقال: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] .
وقال: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] .
ومنها: أنه قد تشذ جماعة من الأمة فترى ما لا ترى غالبيتها.
قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]
وقال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] .
ومنها: أن العاقبة تكون لمن كان على الحق: إمَّا بغلبتهم على أعدائهم، وإمّا بانتقام الله ـ تعالى ـ من أولئك الأعداء، كما نرى ذلك في قصص كل الأنبياء مع أقوامهم المعادين لهم.
- ما العمل الذي زين للغربيين؟
نعود بعد تقريرنا لهذه السُّنّن الاجتماعية التي فصلها لنا كتاب ربنا إلى سؤالنا الذي بدأنا به: ما العمل الذي زينه الله ـ تعالى ـ للأمم الغربية والذي هو سبب عدائها للإسلام وأهله؟ إنك لا تجد جواباً واضحاً لهذا السؤال في ما يسمى بالنظريات أو الفلسفات أو الأيديولوجيات السياسية الغربية. فالغرب ليس، من حيث هذه النظريات أو الفلسفات أو الأيدلوجيات، أمةً واحدةً؛ وإنما هو أمم مختلفة ودول حدثت بينها حروب وتفرقت أحزاباً وجماعات.
لعل الإجابة هي في ما يسمى بالقِيم الغربية التي صار الغربيون الآن يكثرون من ذكرها، ولا سيما حين يريدون بيان موقفهم من الإسلام وأهله؛ سواء في بلادهم أو في غيرها. فما القيم الغربية هذه التي تجعل من الغرب كله أمة واحدة في مقابل الأمم الأخرى، ومنها الأمة الإسلامية؟ إن الذي يكادون يجمعون عليه هو ما يعدّونه من مصادر ثقافتهم العامة أو مكوناتها؛ وهو الفكر اليوناني، والحضارة الرومانية، والديانتان: اليهودية والنصرانية، والفلسفة الليبرالية، والديمقراطية، وحركات الإصلاح والنهضة والتنوير. لم أذكر الإسلام؛ لأنه ليس من المصادر المعترف بها عند عامتهم، وإنْ كان مما يعترِف به قلة من علمائهم؛ فهذا أحد مؤرخيهم الكبار المعاصرين يقول: «إن أوروبا كانت في القرون الوسطى مَدِينَةٌ بالشيء الكثير للإسلام، وإنها لم تكن مدينة لأية مدنيّة أخرى مثلما ما كانت مدِينة للإسلام» (١) .
إذا تأملنا في هذه الثقافة المعترف بها تاريخياً وجدنا فيها، أو في فهمهم وتصورهم لها، عناصر مشتركة؛ لعلها هي التي تمثل قيمهم أو عملهم الذي زُين لهم. إنها عناصر الشرك والاستكبار والفحش في القول والسلوك.
وإليك أمثلة على ذلك:
الفكر اليوناني: يعتقد عامة الغربيين أن الفكر اليوناني هو أساس فكرهم، حتى قال أحد فلاسفتهم: إن الفلسفة الغربية كلها إنما هي حواشٍ على كتابات أفلاطون. هذا الفكر اليوناني هو أول ما لا يزالون يرجعون إليه في تأريخهم لقضية من القضايا العلمية أو الأدبية أو الفنية. لكنهم يعتقدون فوق ذلك أن الفكر اليوناني هذا هو الذي وضع أسس الفكر العقلاني المعتمد على المنطق (أليس أرسطاليس هو واضع علم المنطق؟) ، وأن الأمم الأخرى ـ ومنها العرب ـ لا تعرف هذا التفكير العقلاني المنطقي. حتى قال أحد كبار المستشرقين عن العرب: إنهم لا ينكرون التناقض، بل يعدونه مما يزيد العبارة غنى. هذا مع أن العرب عندما اطّلعوا على علم المنطق لم يروا فيه شيئاً جديداً حتى قال قائلهم: إنني كنت أعلم دائماً أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد (١) . ذلك لأن الأسس التي يقوم عليها هذا العلم هي من المعايير العقلية التي فطر الله عليها البشر أيّاً كانوا، وخاطبهم بها في رسالاته. والعرب كغيرهم من البشر يعلمون بطلان الكلام المتناقض؛ ولذلك فإنهم يحتملون في لغتهم كل شيء إلا التناقض. قال سيبويه عن العرب:
ويحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه؛ لأنه مستقيم ليس فيه نقض (٢) .
والحضارة اليونانية كانت، رغم إنجازاتها الفكرية الكبيرة، كانت حضارة شرك وفحش. لم يكن شِرْكُها، كما كان شرك العرب، محصوراً في الألوهية، بل كان شركاً في الربوبية أيضاً؛ فلم يكونوا يعتقدون أن آلهتهم مجرد وسائل تقرّب صاحبها إلى الله ـ تعالى ـ؛ بل كانت تحل محله سبحانه! فهذا ربّ للحب، وذاك رب للجمال، وثالث رب للحرب، وهكذا.
وكانت حضارة فحش لا ترى بأساً بالعري، كما تدل على ذلك تماثيلهم المنحوتة، وصورهم المرسومة، وقصصهم وأشعارهم التي يشيع فيها قصص البغاء والشذوذ الجنسي الذي كان معروفاً حتى بين كبار مفكريهم وفلاسفتهم. وقد اهتم مؤرخو هذا الفكر حديثاً بهذه القضية، وكتبوا فيها كتباً يقال: إن أهمها كتابٌ نشر في عام ١٩٨٧م (٣) ، ثم تبعه سيل من الكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع.
الديانة اليهودية: إن الله ـ تعالى ـ يفضل الناس ويكرمهم بأعمالهم الصالحة الاختيارية، وقد فضل الله بني إسرائيل على غيرهم عندما كانوا آخذين برسالة موسى. لكن تحريف الدين والفهم السيء له حوّل هذا التفضيل إلى مسألة عرقية؛ فصاروا يعتقدون أنهم باعتبارهم عنصراً هم شعب الله المختار، ثم انتقلت هذه الفكرة إلى الديانة البروتستانتية، ثم صارت عن طريقها، كما يذكر لنا صاحب كتاب الثيوغراطية الأمريكية، جزءاً من التفكير القومي للشعب الأمريكي، ومن قبله للشعب البريطاني وللأفركان الذين حكموا جنوب أفريقيا. فاعتقاد الشعب الأمريكي بأهميته القومية الذاتية ليس سراً لا في داخل أمريكا، ولا في خارجها كما يقول.
لقد ظل الأمريكان منذ قرون يعتقدون أنهم شيء خاص، شعب وأمة اختارها الله لتقوم بمهمة فريدة بل خيّرة في العالم. والرؤساء المنتخبون يجنحون إلى الدعوة إلى هذه الخصوصية ويؤكدونها (٤) .
وما يسمونه بالكتاب المقدس مليء بقصص من الفحش، منسوبة إلى أنبياء الله ـ أكرم خلق الله ـ. وقد استغل بعض الملحدين هذه الحقيقة؛ فنشروا كتباً أحصوا فيها كل النصوص التي فيها ما اعتبروه نوعاً من الفحش، ثم طالبوا بأن يكون هذا الكتاب من الكتب التي تسمى بالفاحشة، التي يمنع وضعها بين أيدي الأطفال!
الديانة النصرانية: أما الديانة النصرانية فأخذت عنصر الاستكبار من العهد القديم الذي تعده جزءاً من دينها كما رأينا في ما نقلنا قبل قليل. ثم زادت عليه أنه لا نجاة لأحد من الأولين والآخرين لم يتشرف بالإيمان بربوبية عيسى ﵇ واعتبار موته تكفيراً عنه، وأن هذا تكفير حاصل لا محالة لكل من اعتقد ذلك الاعتقاد مهما كانت سيئاته وجرائمه، هذا مما يزين الفحش لمن كان شخصاً عادياً ضعيفاً. لكن النصرانية زادت هذا الإغراء به في طلبها من قساوستها أمراً مخالفاً للفطرة كانت نتيجته الوقوع في الفواحش سراً والتستر عليها. وقد استغل هذا خصومهم من الملحدين والمنكرين للدين أسوأ استغلال، حتى عدّه الفيلسوف البريطاني الشهير من أسباب كونه ليس مسيحياً.
هاتان الديانتان اللتان كانتا في الأصل ديانتي توحيد مبنيتين على وحي الله ـ تعالى ـ إلى موسى ثم إلى عيسى ﵉ صارتا بعد التحريف ديانتي شرك. فاليهود أشركوا بتحريفهم لكلام الله وبرفضهم لنبي الله عيسى ثم لنبيه محمد ﷺ ، مع أنهم مأمورون في كتبهم بالاعتراف بهما؛ بل باتِّباعهما عند ظهورهما. وكان الاستكبار من أسباب هذا الرفض.
حركة التنوير: توصف الحركة التي ظهرت في القرن الثامن عشر في أوروبا بحركة التنوير وبكونها كانت حركة عقلانية. لكنها هي الأخرى لم تنسَ نصيبها من الدعوة إلى الفحش وتزيينه.
الحضارة الرومانية: ورث الغرب من الحضارة الرومانية فكرة الجمهورية وفكرة الإمبراطورية التي توسعت بغزو إمبريالي فيه كثير من القسوة وإخضاع للشعوب، كما يحدِّثنا المؤرخون الغربيون. وكانت قبل أن يجعل الإمبراطور النصرانية ديانة رسمية لها تعج بديانات كلها وثنية.
حركتا الإصلاح والبعث: من أوضح مظاهر الغرور في الثقافة الغربية أنهم يرون أن هنالك نقصاً في كل حضارة أو ثقافة أو ديانة لم تمر بالتاريخ الذي مرت به حضارتهم وثقافتهم وديانتهم. فمما يأخذونه على الإسلام مثلاً: أنه لم تحدث فيه حركة إصلاح كحركتهم تعيد تفسير الدين وتفهمه فهماً جديداً يتناسب مع أهواء الثقافة الشائعة. وهم ما يزالون يأملون أن يحدث شيء من هذا حتى يقترب الإسلام من ثقافة الغرب وقيمه. وما يزال بعض المغفلين في بلاد الإسلام يغرونهم بأن هذا سيحصل، وأن الإسلام سيعود قريباً ديناً معاصراً لا خلاف بينه وبين متطلبات الحضارة الغربية.
الليبرالية: تقوم الليبرالية على فكرة هي في جوهرها صحيحة، فكرة تقول: إن لكل فرد حقوقاً لا يجوز لأحد أن يتغول عليها حاكماً كان أو أغلبية مواطنين. هذه الحقوق هي في الأصل حقوق أعطاها الله ـ تعالى ـ لعباده كما نجد ذلك في القرآن الكريم؛ فلما غلب الشرك وغلبت العلمانية على الحضارة الغربية فصلوا مفهوم هذه الحقوق عن أصله، ثم لم يجدوا لها أصلاً آخر يتفقون عليه إلا كونها وثيقة أجازتها الأمم المتحدة، أو وضعت في دستور بلد من البلاد. وبهذا صارت هذه الحقوق نفسها هي مما أعطاه بعض الناس لآخرين. ولما كان من أعطوها من المتأثرين بقيم الشرك والاستكبار والفحش؛ فقد فسروا كثيراً من هذه الحقوق بحسب أهوائهم تلك؛ فجعلوها أو أكثرها انحرافاً عن الفطرة السويّة. فسّروها بحرية الكسب الذي لا قيود عليه فكان أن أدى إلى الرأسمالية، وكان مَثَلُهم كمثل مدين قوم شعيب الذين اعترضوا على أوامر الله في الكسب.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] .
ثم زعم بعضهم، تمشّياً مع فكرة الغرور تلك، أن هذه الليبرالية مع أختها الديمقراطية (التي هي في الحقيقة متناقضة معها) هي نهاية التاريخ في مجال النُظم السياسية والاقتصادية، وأن العالم كله سائر في الطريق الذي رسمته له وسارت فيه الحضارة الغربية. لكن يُشكر للرجل أنه استثنى في كتابه المسلمين الذين قال: إنهم ما يزالون يتصورون أن لهم بديلاً هو خير من الليبرالية ومن الديمقراطية. ويشكر له ثانياً أنه تنازل عن تلك الفكرة السخيفة حين تبين له عورها.
وكما فسروا الليبرالية تفسيراً جعلها تؤدي إلى الرأسمالية فقد غلوا في تفسير ماتدعو إليه من حرية، وجعلوا أكبر همهم فيها حرية الفحش الجنسي الذي أدى في ما أدى إليه من إضعاف للأسرة، وانحدار عظيم في معدلات الإنجاب، حتى قال قائل منهم: إننا لم نعد نحتاج إلى عدو خارجي يهزمنا؛ بل نحن الذين نهزم أنفسنا بهذا النوع من الانتحار. وحتى قال كبير من كرادلتهم:
«هل تحتاج الديمقراطية إلى صناعة فحش مقدارها بليون دولار لتكون ديمقراطية حقاً؟! وهل تحتاج إلى معدل إجهاض يبلغ عشرات الملايين؟!» .
قال الكاردينال الأسترالي (جورج بل) هذا الكلام في محاضرة ألقاها بالولايات المتحدة يحذر فيها الغرب من أن الإسلام قد يكون هو البديل إذا لم يعدل الغرب من ديمقراطيته التي وصفها بالفارغة والأنانية (١) . بيد أنه رغم وجود أصوات معارضة كهذه فقد صارت الحرية الجنسية من أهم الحريات التي يتحدث عنها الغرب إن لم تكن أهمها.
الديمقراطية: في النظام الديمقراطي، كما هو مطبق في الدول الغربية ودول أخرى كالهند، محاسن كثيرة ولا سيما إذا ما قورن بنظم أخرى كالنظام الذي كان سائداً في الاتحاد السوفييتي. وككثير من النظم الدكتاتورية أو شبه الدكتاتورية التي ما تزال سائدة في بعض البلاد؛ أَعْمَتْ هذه المحاسن كثيراً من الناس عن أن أصل الديمقراطية أصلٌ شركي يعطي بعض البشر حق التشريع لبشر آخرين، مع أن هذا الحق إنما هو حق لله ـ تعالى ـ. ونسوا أن ما فيها من محاسن ليس بخاص بها وأن كثيراً منها ليس من لوازمها، ونسوا أنه ليس فيها محتوى خلقي؛ وأنها لذلك لم تمنع المستمسكين بها من الإقدام باسمها على استعمار الشعوب واحتلالها، واسترقاق أناس ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
العلوم الطبيعية: من المعلوم أن أحسن ما في الحضارة الغربية هو تقدمها الهائل في مجال العلوم الطبيعية وما بني عليها من تقنية، كانت هي سبب قوتهم الاقتصادية والعسكرية، ووسيلتهم إلى استعمار كثير من بلدان العالم واحتلالها.
ليس في هذه العلوم نفسها ما يجعلها متناقضة مع عقيدة التوحيد أو يدعو إلى فحش أو استكبار، لكنّ الغربيين ربطوا بينها وبين كل ذلك؛ بسبب قيمهم تلك المنحرفة:
١ ـ غرتهم معرفتهم بالسنن التي أودعها الله ـ تعالى ـ في ما أسموه بالطبيعة، ومعرفتهم لذلك بأسباب كثير من المسببات؛ فصار الغالب عليهم فصل هذا العلم عن الدين، واعتبار الطبيعة كوناً مكتفياً بنفسه، تفسر ظواهره الطبيعية بظواهر أخرى طبيعية، ولا يجوز تفسيرها بأسباب خارجة عن هذا الكون، حتى صار هذا التفسير الإلحادي جزءاً من مفهوم العلم، كما قلت ذلك في عدة مناسبات وكتابات.
٢ ـ وغلا بعضهم فصار يعتقد أنه لا حق إلا ذلك الذي يأتي عن طريق منهج هذه العلوم؛ فأغراهم هذا بإنكار كل ما جاءت به الأديان اعتماداً على الوحي الإلهي.
٣ ـ بل إن بعضهم صار يستغل هذه العلوم لتأييد الميل إلى الفواحش التي منها فاحشة الشذود، وقالوا: إنها عند بعض الناس شيء فطري موجود في (جيناتهم!) .
٤ ـ ثم ارتبط هذا التطور العلمي بالغرور الأوروبي؛ إذ اعتقدوا أنهم إنما سبقوا غيرهم فيه بسبب عقلانيتهم التي ورثوها عن اليونان، وأن غيرهم لم ينجز ما أنجزوا؛ لأنهم ذوو تفكير خرافي.
٥ ـ وقد زاد من فتنتهم بهذا تخلفُ المسلمين في هذه المجالات، تخلفاً بدؤوا يعزونه إلى الدين الإسلامي، ويقول بمثل قولهم فيه بعض المرتدين من المنتسبين إليه.
- طبيعة القيم الغربية:
كيف صارت تلك المصادر والمكونات المتنافرة شيئاً واحداً يسمى بالقيم أو الثقافة الغربية؟
١ ـ صارت كذلك أولاً لسببٍ ذكرناه سابقاً: وهو كونها كلها جزءاً من تاريخهم الذي ما يزالون يدرسونه في مدارسهم وجامعاتهم، والذي ما يزالون يكتبون عنه ويتأثرون به.
٢ ـ وصارت كذلك؛ لأنه ما من مكَوَّن من مكوناتها إلا وله أنصار كبار من المفكرين أو من الجماعات أو الأحزاب.
وصارت كذلك؛ لأن العلمانية، وهي امتداد للشرك الموجود في كل تلك العناصر التي ذكرناها، قد صارت هي الثقافة الطاغية التي يعاد تفسير العناصر الأخرى ـ بما فيها العناصر الدينية ـ لموافقتها. وصارت هذه الأديان تُمدح ويُتسامح معها بقدر تصالحها مع العلمانية وخدمتها لها. فها هو الفيلسوف الألماني الشهير (هابرماس) المعروف بعلمانيته. يقول: إنّ النصرانية لا غيرها هي الأساس النهائي للحرية والضمير وحقوق الإنسان والديمقراطية، وهذه هي أهم معايير الحضارة الغربية (١) .
وقبل قرن كتب عالم الاجتماع الألماني (ماكس فبر) كتابه الشهير عن الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية.
والنصارى بدورهم صاروا يفسرون الدين تفسيراً يتوافق مع أهواء عصرهم. فأكثر كُتّابهم اليومَ لا ينكرون الشذوذ، ويفسرون قصة قوم لوط وما حصل لمدينتهم (سدوم) : إما بأنها قصة مجازية، أو أن الذين أنكروا هذا الفعل من كتاب البايبل كانوا متأثرين بثقافة عصرهم.
٣ ـ ولأن الفكر العلماني وما يستتبعه من قيم صار هو الفكر الطاغي الذي يمثل الإطار العام للثقافة الغربية وقيمها؛ فقد أضحت الخلافات خلافات في داخل هذا الإطار فلم تعد ذات خطر. ولذلك نجِدُ الملحد والنصراني أستاذين في كلية واحدة، ونجد الشاذ وغير الشاذ جنديين في جيش واحد، وصار النساء كلهن يتبعن مظهراً واحداً، وهكذا.
٤ ـ قد يقول قائل: إننا نجد أمثلة لما عزوته إلى الحضارة الغربية في كل الأمم بما في ذلك الأمة الإسلامية؛ فما الذي يميز القيم الغربية في هذا عن غيرها؟! نقول: إنه مما لا شك فيه أنه لا تكاد تخلو أمة حتى من فاحشة الشذوذ بعد أن سنّها قوم لوط، وأن الشعور بالكبر قد يكون أيضاً طابعاً لأمة لا تنتمي إلى الحضارة الغربية، وأن الشرك موجود حتى بين المنتسبين إلى الإسلام؛ لكننا نقول أيضاً: إن هنالك فرقاً بين أن يكون الزنا، أو الشذوذ، أو الجهر بالسوء من القول، في نظر الأمة جريمة أو ذنباً يستنكره مجتمعها ويعاقب عليه قانونها، وأن يكون أمراً مقبولاً لا يستنكره مجتمع ولا يعاقب عليه قانون، وإنْ استنكره بعض الأفراد. هذا الأخير هو ما تمتاز به القيم الغربية الآن متأثرة بتاريخها ذلك. لقد أصبح المستنكَر فيها، وربما كان المعاقَب عليه فيها، هو استنكار الفحش ولا سيما فاحشة الشذوذ. فهذا الكاردينال (راتزنجر) الذي صار البابا الحالي يشكو من أن أحد القساوسة البروتستانت، سُجن لمدة شهر في السويد؛ لأنه أنكر الشذوذ الجنسي استناداً إلى حجج من كتابهم المقدس!
٥ ـ هذه العناصر، ولا سيما عنصر الكبر، هي التي زيّنت للغربيين احتلال الشعوب الأخرى، واستعمارها، واسترقاق بعض أهلها. لقد كانت الحركة الاستعمارية الاحتلالية حركة اشترك فيها، أو شجعها، أو وافق عليها، قادة الثقافة الغربية كلهم إلا ما ندر. لم تكن حركة سياسية فحسب؛ وإنما كانت حركة اشترك فيها الكتاب والشعراء والفلاسفة ورجال الدين، كما بيّن بعض ذلك إدوارد سعيد في كتابه عن الثقافة والاستعمار.
- ما العمل؟
إننا إزاء تحدٍّ كبير على ديننا وأمتنا؛ فماذا نحن فاعلون؟ ليس هذا بالسؤال الذي يختص بالإجابة عنه فرد واحد؛ لأنه سؤال للأمة كلها: علمائها، وزعمائها، وعامتها. فالإجابة التي أقترحها إنما هي جهد فرد مقل من أفراد هذه الأمة.
أرى:
أولاً: أن ننأى بأنفسنا عن مشاعر الحزن والضيق والأسى فإنها مشاعر سلبية لا تحل مشكلة خارجية، وإنما تنشئ مشكلات نفسية. وما أكثر ما يحذرنا كتابُ ربِّنا من أمثال هذه المشاعر السلبية! وما أكثر ما يُذكرنا علماؤنا الأفاضل بهذه المعاني القرآنية! فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في معرض تعليقه على حديث «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ» :
وكثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغيُّر كثير من أحوال الإسلام جزع وكل وناح كما ينوح أهل المصائب. وهو منهي عن هذا؛ بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى.
ثانياً: أن نكون على يقين بأن مداهنة أعداء الحق ومحاولة إرضائهم بالاستجابة لمطالبهم ـ وهي مطالب قديمة ـ بتغيير هذا الدين وإعادة تفسيره بما يتناسب مع أهوائهم المعاصرة، أن هذا فوق كونه خيانة علمية؛ فإنه لن يجدي شيئاً في حل المشكلة. نعم! إن الأعداء سيرضون عن كل محرف للدين بمقدار تحريفه؛ لكن هذا التحريف لن يزيدهم إلا شراً؛ إذ يرون أن المسلم المحرف يقترب منهم مع أنهم ثابتون في مكانهم؛ فيطمعون منه ثم من غيره في قرب أكثر، ويحاولون أن يجعلوا منه وسيلة للكيد من غيره من إخوانه المسلمين. لكن القاعدة هي ما قال الله ـ تعالى ـ عن كل من زين له عمله: أنه لن يرضى عنك رضى كاملاً إلا إذا اتّبعت ملته: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩] .
ثالثاً: إن الرؤساء الغربيين يصرحون بأن الحرب على ما يسمونه بالإسلام الراديكالي حربان: حرب أيديولوجية، يقولون: إنها لكسب العقول والقلوب، وحرب سنانية تساعد على تحقيق أهداف الحرب الأيديولوجية. أما نحن فما نزال منتصرين في ما أسموه بالحرب الأيديولوجية. إن ديننا هو الذي يزحف نحوهم ويكسب كل يوم من عقولهم وقلوبهم، وإن أديانهم وقيمهم وأيديولوجياتهم هي التي تولّيه الأدبار. وهذا أمر يدعونا إلى المضيّ، لا إلى التواني في نصرة ديننا بالحجج العقلية والعلمية والمعايير الخلقية. إن مشكلتنا هي في الحرب السنانية؛ لقد فرطت أمتنا في الأخذ بالأسباب العصرية لاكتساب القوة التي دعاها ربها إلى إعدادها. لقد آن الأوان لأن نبذل جهوداً كبيرة في اكتساب العلوم الطبيعية المرتبطة بالتقنية والمساعدة على اكتساب القوة الاقتصادية والعسكرية. ويجب أن تكون هذه الجهود على مستويين: مستوى شعبي عام ينشر مبادئ هده العلوم بين الناس ويجعلها جزءاً من ثقافتهم الشعبية، ومستوى تخصصي تتعاون فيه الدول العربية على الأقل، حتى يكون لنا علماء مبرزون مكتشفون ومخترعون ومنظرون في كل المجالات المرتبطة بالتقدم التقني.
إننا لا نريد أن نكون أقوياء لنعتدي على غيرنا، وإنما لنرهب ونردع من تحدثه نفسه بالاعتداء علينا. إننا نعلم أن السِّلم في مصلحتنا، نعلم هذا من ديننا ومن تجاربنا، فنحن حريصون عليه، واثقون بأن عاقبته خير إن شاء الله.
رابعاً: بما أن الغرب ليس كله كتلة واحدة صماء معادية للإسلام، بل فيه جاهلون بهذا الدين، وفيه مغررون، وفيه منصفون مدافعون عن حقوق الناس، وفيه عقلاء يرون أنه ليس من مصلحتهم شن حروب شاملة دعائية كانت أم قتالية على الثقافات الأخرى، وفيه ... وفيه ... ؛ فيجب عند المعاملة ألّا نشمل الجميع بخطاب واحد لا يميز بين محق ومبطل، ومعتدٍّ ومنصف. إن التفرقة بين هذه الأصناف، ومعاملة كلٍّ بحسب موقفه، أمرٌ يتطلبه العدل الذي يقوم عليه بنيان الدين الحق، ثم إنه سياسة مربحة تؤدي إلى نتائج أفضل.
خامساً: لكن التقدم الحقيقي لأمتنا لا يكتمل إلا بتقدم آخر لا يحتاج منا إلى جهد كبير. فكما نأخذ بوسائل عصرنا في التقدم العلمي التقني، فكذلك يجب أن نعتبر مقتضياته في الإصلاح السياسي. إننا لا نريد أن نكون أمة تابعة تترك الأصالة لغيرها ثم تقلده في كل ما رآه مناسباً له من مؤسسات ومبادئ وأسماء. نريد أن نكون أمة أصيلة تؤمن بأن كتاب ربها هو دستورها الأعلى، ثم تأخذ منه المبادئ السياسية العامة، ثم تنشئ لنفسها من المؤسسات ما يناسب تلك المبادئ من مؤسسات تتناسب مع عصرها. إن كل من له أدنى معرفة بالإسلام يعلم أن مبادئ مثل: حكم القانون، والشورى، واختيار الحكام، وحرية الرأي وحقوق الإنسان، التي صار الناس يربطونها بالديمقراطية، هي مبادئ إسلامية بيّنتها النصوص، وطبّقها النبي وخلفاؤه الراشدون.
وإذا كان مثل هذا الإصلاح أمراً يستوجبه ديننا وتستدعيه ظروفنا؛ فإنه أيضاً أمر لازم لتحسين صورتنا العالمية التي صارت ترتبط في أذهان الكثيرين، ولا سيما في الغرب، بالدكتاتورية والفيودلية والثيوغراطية، ويقال عن جهل أو سوء قصد: إنها من تعاليم ديننا.
стр. 5873
تعظيم حرمات الله
د. عبد الرحمن بن صالح المحمود
لقد جاء تعظيم حُرُمات الله وتعظيم شعائره في القرآن الكريم في سياق الحديث عن الحج وشعائره، يقول ـ تعالى ـ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩ ـ ٣٣] .
وقد يُفهم من هذا السياق أن الحُرُمات مختصة بالحج وما يتعلق به، كما ورد عن بعض السلف في التفسير، مثل قول زيد بن أسلم: أن المراد بها: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمُحْرم حتى يحلّ.
ولكن من تأمّل سياق هذه الآيات وجدها لا تقتصر على حُرُمات الله في الحج والعمرة، بل هي أعم وأشمل، بل يدخل فيها:
١ ـ مكان البيت، وتطهيره، وأيام الحج المعلومات، وبهيمة الأنعام وذكر الله عليها.
٢ ـ اجتناب الرِّجس من الأوثان وكل ما يُعبد من دون الله تعالى.
٣ ـ اجتناب قول الزور، وكل قول فيه كذب على الله ـ تعالى ـ وعلى رسوله ﷺ وعلى شرعه ودينه.
٤ ـ اجتناب الشرك بجميع أنواعه وصوره.
٥ ـ وجوب تقوى الله ـ تعالى ـ التي هي مفاتيح تعظيم الحُرُمات وتعظيم شعائر الله تعالى.
وهذا الذي فهمه كثير من أئمة التفسير، قال مجاهد: حُرُمات الله المراد بها: مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وقال أبو جعفر النحاس في (معاني القرآن ص ٤) : قال مجاهد: الحُرُمات الحج والعمرة، وقال عطاء: المعاصي. والقولان يرجعان إلى شيء واحد؛ لأن حُرُمات الله تشمل ما فرضه وأمر به، وتشمل ما نهى عنه؛ فلا ينبغي أن يُتجاوز. وقال ابن كثير: تعظيم الحُرُمات: اجتناب المعاصي والمحارم بحيث يكون ارتكابها عظيماً في نفسه.
وينبغي أن يُعلم أن هناك تلازماً بين تعظيم حُرُمات الله وتعظيم شعائره، بحيث يشمل أمرين أساسيين:
الأول: تعظيم ما أمر الله بتعظيمه، مثل: البيت الحرام، ومشاعر الحج، والهدي، والقرآن الكريم، والرسول محمد ﷺ ، وسنّته، والصلاة والصيام والحج والزكاة، والمسلم في دمه وماله وعرضه.. إلخ.
فهذه تُعظّم بأمرين:
١ ـ تعظيمها واحترامها وطاعة الله فيها.
٢ ـ عدم انتهاك حُرمتها بأيِّ نوع من أنواع الانتهاك بقول أو فعل.
الثاني: تعظيم ما حرّمه الله ونهى عنه، مثل: الشرك بالله، والظلم، وقتل النفس بغير حق، والزنا، والربا، والسحر والعقوق ... إلخ.
وهذه ـ أيضاً ـ تُعظّم بأمرين:
١ ـ تعظيم وتأكيد هذه الحرمة في القلوب وفي الألسنة؛ لأن الله هو الذي حرَّمها.
٢ ـ أن لا تُنتهك فعلاً باقتراف شيء منها قولاً أو فعلاً.
وقد جاءت السُّنّة والآثار في ذلك، فتكلّم العلماء كثيراً عن البيت الحرام، وما يجب تجاهه، وتكلموا عن القرآن الكريم والمصحف وما يجب تجاهه، وتكلموا عن حرمة رسول الله ﷺ وما يجب علينا نحوه، وعن حرمة المؤمن.. وهكذا.
- أسس وشروط تعظيم الحُرُمات:
هذا مهمٌّ حتى يُفهم الأصل الذي يجب أن ننطلق منه في هذا الباب العظيم الذي كثُر فيه التجاوز من جانب كثير من الكفار وأعداء الإسلام، بل ومن جانب بعض المنتسبين إلى الإسلام.
١ ـ الأساس الأول لها تعظيمُ الله ـ تعالى ـ، الذي له الخَلْق والأمر، وهو المعبود المطاع وحده لا شريك له، وإنّ تعظيم أحكامه وشرعه أمراً ونهياً هو تعظيم وعبودية له سبحانه.
٢ ـ تعظيم الأمر والنهي، وهو مقتضى الخضوع لحُكْمه ـ تعالى ـ، وتحكيم شرعه في جميع شؤون الحياة. ومدار العبادة وتحقيق معنى (لا إله إلا الله) على هذا الأصل.
٣ ـ عدم معارضة الأمر والنهي، سواء كان ذلك بما يناقضهما من أهواء وأحكام وموازين البشر، أو بالعدول عن منهجهما الوسطي إلى ترخُّص جافٍّ، أو تشدُّد غالٍ، أو كان بتأويلٍ فاسد يخرج الأمر والنهي والأحكام عن مواردها التي أرادها الله وأرادها رسوله ﷺ .
٤ ـ عدم المعارضة بين حُكْمه القدري وحُكْمه الشرعي؛ فما اقتضت حكمته أن يكون معظَّماً فهو المعظَّم؛ من الأماكن والأوقات والأشخاص، وهو مقتضى حُكْمه الشرعي، وكل ذلك مستقيم لا عوجَ له؛ لأنه صادر عن عين الحكمة. ومن عارضَ القدر بالشرع أو عارضَ الشرع بالقدر فهو على ضلالة، والخلق والأمر كله لله تعالى.
- تعظيم الحُرُمات في عصرنا:
تعظيم الحُرُمات من ثوابت عقيدتنا الإسلامية وشريعتنا الحنيفة، التي لا تتغير مع تغيّر الزمان والمكان، وقد ربطت الشريعة كثيراً من هذه الأحكام بعلامات كونية لا تدخُّلَ للبشر فيها، وهي إحدى علامات ثبات هذا الدِّين وبقائه إلى يوم القيامة:
١ ـ فالصلاة والصيام والحج مرتبطة كلها بعلامات كونية، هي: الشمس والقمر والليل والنهار.
٢ ـ والحج ومكة مربوطان بعلامات زمنية ومكانية لا تتغير ولا تتبدَّل.
٣ ـ وقد حفظ الله القرآن، كما هيَّأ ـ تعالى ـ رجالاً لحفظ السُّنّة، فصار هذان المصدران ثابتين، لا يملك أحدٌ لهما تغييراً ولا تبديلاً.
٤ ـ فثوابت هذا الدِّين راسخة، وهي إحدى دلائل بقاء هذا الدِّين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، رغم هذا الهجوم الكبير المتنوع من كافة الأعداء على دين الإسلام وشعائره وحُرُماته.
وتتابعُ الهجوم في الفترة الأخيرة على الإسلام هو جزء من سلسلة طويلة من العِداء له منذ أن بعث الله نبينا محمداً ﷺ واصطفاه ليكون خاتم المرسلين، ولتكون شريعته ناسخة لما سبقها من الشرائع.
وفي مقابل ذلك هيَّأ الله من يواجه ذلك العِداء في كل زمان ومكان؛ من العلماء والدعاة والمصلحين؛ معظمين شريعة الله ودينه، وشعائره وحُرُماته، مظهرين ذلك من خلال الوسائل المتوفرة لديهم.
وفي عصرنا هذا ـ عصر الإعلام والعولمة بأذرعها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتقنية والعقدية والثقافية ـ نحتاج إلى مواجهة ذلك بما يليق به من خلال القيام بالأسباب الشرعية والمادية.
ومن ذلك ما يتعلق بموضوعنا وهو (تعظيم حُرُمات الله) . ويمكن أن نعرض لذلك من خلال الأمور التالية:
أولاً: مسؤوليتنا الخاصة، أي: واجبنا من الداخل:
ونعني بذلك: مسؤوليتنا كمسلمين منتسبين إلى هذا الدِّين؛ كأفراد ومجتمعات، وكأمة مسلمة عُرفت بذلك. وهذا مبنيٌّ على مسألتين مهمتين:
الأولى: أن المسلم إذا لم يدافع عن دينه فليس له أن ينتظر من غيره دفاعاً عنه. وإذا كان هو البادئ بانتهاك حُرُمات هذا الدِّين فلن ينتظر من غيره إلا أن يكون أشدّ انتهاكاً لها.
الثانية: أن احترام الآخرين لك ولدينك ميزانه مدى احترامك لعقيدتك ولمبادئك، وهذا مشاهد حتى في بلاد الغرب؛ فالذي يحترم دينه يحترمونه، والذي ينتهك دينه يحتقرونه وإن أظهروا له المودة والإعجاب بأفعاله. وأكبر دليل على ذلك هذه المسيرة الضخمة لكثير من بلاد المسلمين في رَكْب الغرب وتغريبه وعلمانيته، ولم ينتج ذلك إلا مزيداً من احتقار الغرب لهذه الدول، بل ولقادتها وأهل الرأي والفكر فيها، فهم على الهامش عند هذه الدول سياسياً وثقافياً، بل ولا تكاد توجد لهم عندهم قيمة إلا إذا أرادوهم أدواتٍ لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية في بلاد المسلمين.
وبناءً على ذلك فإن تعظيم حُرُمات هذا الدِّين ـ داخل بلاد المسلمين ـ لا بدّ فيه مما يلي:
١ ـ الاحترام الحقيقي للإسلام وشعائره وحُرُماته من جانب الدول الإسلامية قولاً وفعلاً، وتشريعاً وحُكْماً؛ امتثالاً لما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ، وتطبيقاً لأحكام الشريعة على كافة المستويات؛ بدءاً من أنظمة الدولة وتشريعاتها، وانتهاءً بالأفراد ووجوب تقواهم ربهم ـ تعالى ـ في امتثال أحكام دينه، وفيما بين ذلك من: الإعلام، والتعليم، والقضاء، والمؤسسات الثقافية والتوجيهية، والنُّظم المالية والصحية، وغيرها، فيجب أن تُراعى أحكام الله وحدوده وحُرُماته.
٢ ـ هناك وسيلتان مهمتان، ولهما دور كبير في الأمة تجاه هذا الواجب، وهما:
أـ الإعلام.
ب ـ التعليم.
فيجب أن يقوما بدورهما في تحقيق احترام دين الله وتعظيم حُرُماته، وأن تكون مناهج التعليم ووسائله التربوية، ووسائل الإعلام في بلاد المسلمين قائمة على أسس متينة من التأصيل الصحيح والمنهج السليم؛ حتى تتربّى الأجيال على تعظيم دينها واحترامه.
٣ ـ الوقوف أمام كل من ينتهك حُرُمات الله في بلاد المسلمين، وجَعْلُ ذلك من المسلَّمات التي يلتزم بها الكافة، وأن لا يُسمح لأحد بانتهاكها تحت شعار (الحرية والليبرالية) ، ولا تحت شعار: أنه غير مسلم ما دام يقيم في بلاد المسلمين.
إن من المؤسف أن نطالب من ينتهك حُرُمات الله في غير بلاد المسلمين الكفَّ عن ذلك والاعتذار للمسلمين، ونحن ساكتون عمن ينتهكها في بلادنا ـ نحن المسلمين ـ من بني جِلْدتنا وينتسبون إلى ديننا؛ باسم الحرية والحوار والرأي والرأي الآخر.
ولا أظن أن هناك حاجة إلى ضرب الأمثلة على ذلك مما يدور في بعض وسائل الإعلام، أو في كتابات ذات اتجاهات معروفة أعلنت تحدّيها للأمة وخروجها عن ثوابتها، والاستهزاء بأحكام شريعتها. ولا شك أن العلمانية في بلاد المسلمين أصبحت مفتاح كل شر وفساد وطعن لهذا الدِّين بثوابته ومحظوراته.
٤ ـ ولا ننسى الوقوف أمام ما يقوم به بعض أهل البدع من نقضٍ لمسلَّمات وحُرُمات أجمعت الأمة على احترامها وعدم المساس بها؛ كالصحابة ﵃ فإن الطعن فيهم وسبّهم هو مفتاح لكل إلحاد وزندقة ومروق من هذا الدِّين، ولهذا نجد مسارعة أهل البدع والعلمنة إلى تجاوز هذا المحظور ـ وهو الصحابة ـ لأن ذلك يهون من تجاوز باقي مسلَّمات الأمة والطعن في أئمة السلف على مدار التاريخ، ويفتح باب الشكوك في ثبوت القرآن، وفي السُّنّة كلها، بل يفتح باب الطعن في المصطفى ﷺ ، حيث اتخذ هؤلاء الصحابةَ أصحاباً ووزراء وأمناء له على نقل دين الله وتبليغه الأمة.
٥ ـ المدرسة العصرانية العقلانية (أهل الأهواء) ـ التي تصف نفسها أحياناً بأنها تنويرية تدعو إلى الإسلام المستنير ـ فتحت الباب لتجاوز الكثير من مسلَّمات الأمة وثوابتها، فحاولت أن تتخذ لها منهاجاً غريباً يجمع بين الانتساب إلى الإسلام والأخذ بأصول أهل البدع وطعونهم، وممالأة الكفار والحرص على رضاهم وعدم إغضابهم، فقام منهجهم على عدة أسس، أهمها:
ـ فتح باب التأويل لنصوص الكتاب والسُّنّة، دون قواعد أو ضوابط، حتى صحّح بعضهم تأويلات المعتزلة والباطنية والفلاسفة.
ـ الطعن في السُّنّة أو في كثير مما ثبت منها، وردُّها عن طريق العقول، أو عن طريق الطعن في رُواتها؛ بدءاً بالأئمة الكبار وانتهاء بالصحابة ﵃.
ـ محاولة إلغاء قواعد مصطلح الحديث.
ـ محاولة إلغاء كثير من قواعد أصول الفقه.
ـ فتح باب الاجتهاد ـ غير المنضبط ـ وإلغاء الترجيح، والقول: بنسبية الحق.
ـ وتحوّل هذا إلى الطعن في مسائل معروفة في دين الإسلام، متعلقة بسدِّ الذرائع، والولاء والبراء، والمرأة، وغيرها.
ـ اتهام عقيدة المسلمين ـ عقيدة السلف الصالح ـ بشتى التهم، والإعظام من شأن الغرب، وإعلاء ما هم عليه من إلحاد وإباحية، ومدحها والثناء عليها.
ـ الالتقاء مع العلمانية الصريحة، وتعاون الطائفتين فيما بينهما على كل ما يلتقيان عليه؛ من إعلاء لشأن الغرب، والتهوين من شأن المسلمين وعقيدتهم وشريعتهم.
وتفصيل حال هذه المدرسة مما يطول، ولكن أردت أن أبيّن خطورة مثل هذا التوجه على زرع انتهاك حُرُمات الله في بلاد المسلمين، وفي ناشئتهم وأُسرهم، بل وفي كثير من مثقّفيهم.
فالواجب الوقوف أمام هذه المدرسة وكشف عوارها كما فعل سلفنا تجاه تجاربها السابقة على مدار التاريخ الإسلامي، إذ إن المدرسة العصرانية تكررت سابقاً، وكانت نتيجة فكرها أنها لا للإسلام نصرت ولا للكفار كسرت.
٦ ـ والإعلام اليوم سلاح ذو حدَّين، فكما أنه يشيع انتهاك حُرُمات الله بأوسع نطاق وبأسرع وقت، فهو كذلك ينبغي أن يكون وسيلة للدعوة إلى الإسلام وتأصيل أسس العقيدة الصحيحة والشريعة التي تغرس في نفوس المتلقِّين احترامَ الثوابت وتعظيم الحُرُمات.
فالمحطات الفضائية، والشبكة المعلوماتية، والإذاعة، والصحافة ودور النشر، وغيرها وسائل عظيمة لنشر هذه الأسس العظيمة في بلاد المسلمين وفي غيرها.
٧ ـ وأخيراً: فإنني أدعو ـ كما دعا كثيرون من العلماء والدعاة وفي مناسبات مختلفة ـ إلى تبنِّي جملة من الوسائل في الأمة لغرس المنهج الصحيح والعبودية الحقّة لرب العالمين، مما يغرس في النفوس تعظيم ما عظَّمه الله وحرَّمه، ومن ذلك:
ـ خطيب الجمعة وإمام المسجد، فلهما دور كبير في ذلك، ومعلوم أن المسجد ومنبر الجمعة وسيلتان من أعظم الوسائل، ولذلك ينبغي التواصي في ذلك.
ـ الأسرة داخل البيت، يجب أن يكون لها ـ من خلال وسائل وأساليب متنوعة ـ دور كبير في نشر الوعي والفهم الصحيح لهذه المسلَّمات والحُرُمات.
ـ التعليم، والمدرِّس مع طلابه، ينبغي أن يرسِّخ فيهم هذه الأسس والمبادئ.
ـ العناية بسيرة الرسول ﷺ ، ونشرها، ونشر ما لم يُنشر من مخطوطات، مع الضبط والتحقيق والبُعْد عن الخرافات والروايات الموضوعة والضعيفة.
ـ إعادة طباعة ونشر الكتيبات والمطويات التي تتحدث عن نصرة الرسول ﷺ ، ولا يقتصر توزيعها على وقت معين.
ـ بناء المواقع الإلكترونية والمحطات الفضائية التي تُعنى بهذا الجانب العظيم، والتشجيع على ذلك، وأن ينبري التجار والمحسنون إلى بذل الأموال في ذلك.
ثانياً: مسؤوليتنا تجاه انتهاك حُرُمات الله من خارج بلاد المسلمين:
وهذه قد كتب عنها الكثير، خاصة مع الأحداث التي تكررت أخيراً في الإساءة إلى الإسلام وإلى الرسول ﷺ .
وتعظيم حُرُمات الله تجاه من ينتهكها من الكفار يقوم على أسس ثلاثة:
الأول: سبق بيانه، وأساس ذلك أنه يجب أن نكون أقوياء تجاه من ينتهك هذه الحُرُمات داخل بلاد المسلمين، وإذا فعلنا ذلك عرف الأعداء من الخارج جِدّيتنا في الدفاع عن ديننا، وأنه لا مساومة في ذلك.
أما أن يُحارب البعيد ويُترك القريب الذي قد يكون انتهاكه أشدَّ وأعظم، فهذا تناقض ومفتاح لكل الطاعنين أن يتجرّؤوا علينا وعلى ديننا وثوابتنا وحُرُماتنا.
الثاني: يجب على الدول أن تأخذ الأمر مأخذ الجِدّ، وأن تتدخل ـ حسب وسائلها السياسية وغيرها ـ تجاه هذه الانتهاكات، وأن تجعل من ثوابت الدِّين ومسلَّماته ما لا يسمح لأيِّ لأحد تحت أيِّ ظرف أو ادِّعاء أن ينتهكها. وكما قال أحد المفكرين الفضلاء: ينبغي أن نخاطب الغرب باللغة التي يفهمها فنبيّن له أن مثل هذه الانتهاكات هي عندنا بمثابة إعلان حرب.
الثالث: الغزو الإعلامي لكافة بلاد العالم، وبكافة اللغات؛ لنشر دين الإسلام وبيان صحة عقيدته وسماحة شريعته، وكمال أحكامه، وأساس ذلك حق الله بالتوحيد والعبودية، وحق رسوله محمد ﷺ ـ الذي هو خاتم النبيين ـ بالاتباع، وشرح سيرة هذا النبي الكريم لهم حتى يعرفوه.
ولا شك أن الأمة حين تتمسك حقيقةً بدينها وتلتزم بأحكامه وتحترم حدوده وتجعل ذلك منهاجها القائم على عبودية الله ـ تعالى ـ وإخلاص الدِّين له واتباع سُنّة رسوله ﷺ ؛ فستكون عزيزة منصورة، قال ـ تعالى ـ: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ، وحينئذٍ سيحترمها الآخرون ويحترمون دينها ولن يجرؤوا على انتهاك ذلك.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5874
حتى لا نظل عصا في يد (العم) سام ... !
د. عبد العزيز كامل
عندما يغفل المسلمون عن بدهيات الحقائق العقدية المختصة بعلاقتهم بغير المسلمين، كفاراً كانوا أو مرتدين أو منافقين، فإن ثمن تلك الغفلة يكون فادحاً، حيث يصيرون باستمرار ألعوبة في أيدي الأعداء الذين قال الله ـ تعالى ـ فيهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] .
وقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وقال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] .
وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦] .
وقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٨] .
وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
وقال: ﴿إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] .
وقال: ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
وقال: ﴿إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] .
وقال: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
إن هذه الآيات المذكورة وغيرها هي إيضاح مبين لأصول الدوافع التي تحكم مواقف الكفار منا ـ أو مواقف أكثرهم ـ من الزعماء والمتنفذين والمنتفعين؛ فمجرد الرغبة أو الرضى في وجود المسلمين على هدى أو غنى أو أمن أو استقرار أو صلاح أو فلاح لا توجد عندهم؛ ولهذا تكاثرت الآيات أيضاً في الوصية بقطع الولاية عنهم، وعدم إحسان الظن بهم، فضلاً عن اتخاذهم بطانة أو مستشارين أو مؤتمَنين على مصالح المسلمين؛ لأنّهم كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] .
لقد فسَّرَت أحداث وتفاعلات العقود الأخيرة لأجيالنا، الكثير من تلك الآيات عملياً، وأسفرت عن حقائق تلك المواقف تطبيقياً؛ ففي كل مرة يُحسن قطاعٌ من الأمة أو من المحسوبين عليها الظنَّ بغير المسلمين، فإنهم يُطعَنون منهم في الخلف، ثم يُساؤون في الوجه، بعد أن يُستخدموا أداة في إضعاف وإتلاف وحدة الأمة وقوتها. حدث ذلك مراراً خلال التاريخ الإسلامي. وفي العصور الأخيرة برز من ذلك ما حدث لأشهر حكام مصر في العصر الحديث: (محمد علي باشا) عندما أحسن الظنَّ بالأوروبيين، وسار في ركابهم، فركِبوه لضرب قوة المسلمين الأولى في ذلك الوقت ممثلة في الدولة العثمانية، فلما استنفدوا منه أغراضهم ونفّذوا أهدافهم، انقلبوا عليه، حتى لا يبرز قوةً بديلة ناهضة تسعى للقوة والتحديث، فاجتمعت عليه قوى أوروبا الاستعمارية، فمزقت قوته، وشتتت دولته، ودمّرت أسطوله في عُرْض البحر في معركة نفارين عام (١٢٤٣هـ / ١٨٢٧م) .
لقد استُخدمت فيما بعدُ الكثير من الأنظمة في العالم الإسلامي، لضرب عوامل القوة في الأمة من الداخل، وقد كان أغلب ذلك لا يحتاج إلى كثير خداع أو قناع، بل كان هؤلاء يقودون المعركة ضد الإسلام ذاته تحت مسمَّيات مختلفة: التصدي للرجعية، مواجهة التطرف، مكافحة الأصولية ... ، وأخيراً الحرب ضد الإرهاب!!
وكان المثال الأوضح في القرن الماضي استعمال زعماء الثورة المصرية عام ١٩٥٢م في محاربة محاولات النهضة الإسلامية، لا في مصر وحدها، بل في البلدان حولها، حتى عُدّت تلك التجربة أنموذجاً مفضلاً ومرشحاً للتصدير إلى كل بلد يحاول الإسلاميون فيه النهوض بالدعوة الإسلامية، ولكن اللافت أن معظم الزعماء الذين استُعمِلوا في ضرب الإسلام في مصر أو غيرها، تخلى عنهم أولياؤهم، ولم يسمحوا لهم حتى بأن يموتوا أبطالاً في نظر شعوبهم؛ بل منهم من مات مهزوماً على يد أعدائه، ومنهم من اغتيل مُهْدَرَ الدم على يد شعبه، ومنهم من مات كمداً بسبب تآمر أصدقائه الذين ظهر له أنهم ألدُّ أعدائه!
وفي العقود والسنوات الأخيرة تكررت تجارب أكبر وأخطر، انتقلت من المستويات المحلية والإقليمية إلى المستويات المؤثرة على المعادلات الدولية.
- باكستان وأفغانستان وكسر القطب الثاني:
لمّا عزمت الولايات المتحدة أو (العم سام) (١) على إخضاع نِدِّها الأخطر، ومنافسها الأكبر في الاستقطاب الدولي؛ وهو الاتحاد السوفييتي الشيوعي، كانت أرض أفغانستان المسلمة ساحةً للحرب بالنيابة بينها وبين ذلك الاتحاد؛ لضربه هناك بأيدي المسلمين وأرواحهم وأموالهم. وقد استطاعت أمريكا أن تجيِّش غالبية العالم الإسلامي بحكوماته وشعوبه وجماعاته الإسلامية وعلمائه ومفكريه وحتى مجاهديه ضد الاتحاد السوفييتي؛ لأنه (احتل) أفغانستان، مع أن هذا الاتحاد ظل قائماً على أنقاض العديد من الجمهوريات الإسلامية (المحتلة) في آسيا الوسطى.
لقد كان احتلال أفغانستان بالفعل جريمة، أراد بها الروس أن يسبقوا الأمريكيين إلى الاستيلاء على منابع النفط حول المياه الدافئة في إيران والعراق ومنطقة الخليج؛ لكن العرب والمسلمين الذين استجابوا لدعوة التصدي لاحتلال أفغانستان، لم يستطيعوا أو لم يرغبوا أن يقفوا الموقف نفسه ضد احتلال فلسطين الذي سبق احتلال أفغانستان بنحو ثلاثين عاماً، ولم يستطيعوا أن يتكتلوا في مواجهة احتلال لبنان، الذي اجتيحت عاصمته بيروت في ذروة الانغماس في حرب أفغانستان!
لا شكَّ أنَّ العالم الإسلامي كان محقاً في الوقوف إلى جانب الشعب الأفغاني في ذلك الوقت، ولكن البُعد الغائب في تلك القضية آنذاك هو التفريق الحاصل بين الاحتلال المتوافق مع مصالح (الصديق) الأمريكي والاحتلال المتعارض مع مصالح ذلك الصديق، تماماً كما حدث عند احتلال الشيشان من قِبَل الروس أنفسهم، وكما حدث من قبل حين اعتُبِر احتلال العراق للكويت أمراً يحتاج إلى تجييش العالم الإسلامي ضده، بينما أصبح احتلال أمريكا للعراق ذاته أمراً يحتاج إلى حشد العالم الإسلامي معها!
المقصود من إيراد مَثَل الحرب في أفغانستان هو: أن الولايات المتحدة استخدمتنا ـ نحن المسلمين ـ في ضرب عدوها اللدود في ذلك الوقت ـ الاتحاد السوفييتي ـ وأوهمت العرب والمسلمين بأن القضية هي قضيتهم فقط وليست قضيتها، وذهب الأمريكيون في استخدامنا إلى حد دعم الفصائل المجاهدة في أفغانستان بالسلاح، وطَلبِ دعمها بالمال من الحكومات ـ ومن ثمَّ الشعوب ـ التي لها علاقات جيدة معها!
ثمَّ ماذا كان الأمر؟ لقد انقلب الأمريكيون على المجاهدين بعد أن استنفدوا أغراضهم منهم، وقلبوا عليهم حكوماتهم، حتى عُدّ (العائدون من أفغانستان) أشبه بمجرمي الحرب، وحتى أُضرمت الفتنة بين زعماء الفصائل الأفغانية إلى حدّ الاقتتال فيما بينهم على دخول العاصمة؛ لأنَّ الولاءات كانت قد تباعدت بسبب تحركات الاستخبارات العالمية بالفتن فيما بينهم.
وبالجملة: فقد كانت أفغانستان ومعها باكستان، ومن ورائهما بقية العالم الإسلامي، وسيلة أمريكية لضرب الاتحاد السوفييتي في مقتل. وهذا، وإن كان شرفاً قدرياً لأمة الإسلام في جعلها سبباً لكسر اتحاد الإلحاد؛ إلا أن اللافت أن ذلك كان ضمن أجندة أمريكية أكثر منها إسلامية؛ بدليل أن البديل المراد أمريكياً في أفغانستان لم يكن هو الإسلام.
مرة أخرى يتكرر اللعب بالإسلاميين، في صورة لا تظهر فيها مطلقاً أدوات اللعب؛ حيث أعطت أمريكا الضوء الأخضر لحكام باكستان أن يدعموا حركة طالبان، التي كانت محقة من طرفها في الخروج لإصلاح ما أفسدته الفصائل الجهادية المتنازعة، لكن الذي أُريد بطالبان هو أن تكون أداة لكسر ما تبقى من شوكة المجاهدين السابقين بعد أن انتصروا على الروس، ليبدوَ مشهد الإجهاز عليهم شأناً داخلياً وطبيعياً؛ لكن طالبان فهمت اللعبة مبكراً.
ثمَّ لمَّا جاء الدور عليها كانت الخطط قد أُعدّت بعد خمسة أعوام فقط من بدء نشاطها، وقبل هجمات سبتمبر ٢٠٠١م بنحو عام؛ للإجهاز على أصحاب هذا الإنجاز؛ فبعد أن استُخدمت طالبان كعصا للتكسير، كُسِّرت بعد ذلك وقُلِبت عليها باكستان.
- ضرب القوميتين العربية والفارسية ببعضهما:
هذا مثال صارخ آخر؛ فقد تخلّت أمريكا عن نظام الشاه في إيران لمصلحة حركةٍ ناهضة على دعامتين من شأنهما أن يشيعا التوتر في بلاد العرب والمسلمين، وهما: النزعة الطائفية الشيعية، والنعرة القومية الفارسية، لتكون تلك العصبية المذهبية العنصرية مصادِمةً للنعرة الجاهلية الأخرى التي ارتفعت في بلاد العرب باسم (القومية العربية) والتي أثيرت من قبلُ لتقف في وجه القومية التركية (الطورانية) .
وقد تغاضى الغرب عن استفحال شأن الحركة الشيعية الإيرانية، التي تحوّلت إلى ثورة بقيادة (الخميني) حتى تحولت الثورة إلى دولة، ولمّا تطلعت إلى التوسّع والانتشار على حساب مصالح أمريكا والغرب، بحث هؤلاء عن عصا لتأديب هذه الثورة التي بدأت تشب عن الطوق، وإيقافها عند حدها المرسوم، فلم يجد الأمريكان أنسب من النفخ في بوق القومية العربية لحماية البوابة الشرقية للعالم العربي من الخطر الإيراني الفارسي، وهُيئت الساحة في العراق لأنْ يكون الجيش العراقي أداة الكسر وعصا التحطيم لثورة الفرس في (قادسية) جديدة لم يكن الهدف منها إطفاء نار المجوس، بقدر ما كان لإشعال نار الفتنة بين الشيعة والسُّنّة، بعد أن خمدت تلك النار عقوداً طويلة.
وأُهِّل العراق عسكرياً، ودُعم مالياً ولوجستياً من غالبية الدول العربية السُّنّية، في تحالف يبدو في الظاهر (سنّىاً أمريكياً) حتى استطاع ذلك التحالف أن يكسر كبرياء الفرس، ويُخضع أعناق الراغبين في تصدير الثورة بعد حرب الخليج الأولى التي استمرت زهاء ثماني سنوات.
ولمَّا بدا أن القومية العربية قد تلقّفت رايات النهوض من القومية الفارسية، دُبّرت المكيدة الأكيدة لقهر العراق الصاعد، وقبرِ تلك القومية العربية التي كان (صدام) قد تسلّم قيادتها، فكان غزو الكويت الذي تغاضت أمريكا عن خطته؛ تمهيداً لقضاء مبرم على القومية العربية وعلى قائدها المنتصر، وعلى ثمرة الانتصار على إيران الذي كلّف العرب مئات الآلاف من الأرواح، ومئات المليارات من الدولارات التي ذهبت إلى جيوب تجار السلاح في الغرب، والذين كانوا يمدّون الطرفين أثناء الحرب الطويلة بالسلاح والخبرة والمعلومات الاستخباراتية.
ثم أتى الدور على قوة (صدام) بعد أن استُخدمت عصا لكسر إيران، وحشدت أمريكا ضده جمهوراً غفيراً من العرب ـ شعوباً وحكومات ـ بعد أن كانوا معه ضد إيران، وأثمر هذا التجييش هزيمة مذهلة للعراقيين، بتدبير الأمريكيين وبأموال وأرواح المسلمين، وذلك في حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م، وكان واضحاً وقتها أن تلك الحرب لا تزال لها فصول باقية؛ لأن حكومة إيران هُزمت ولم تسقط، ولأن قوة (صدام) ضعفت ولم تمت، ولهذا جاءت حرب الخليج الثالثة ـ في أحد مراميها ـ لتعيد الصراع مرة أخرى بين السُّنّة والشيعة، أو بين العرب والفرس، وقد دُبّر ذلك بذكاء شيطاني مذهل من أبالسة الأمريكان؛ حيث أُغري المغفلون من شيعة العراق ـ علمانيين ودينيين ـ بركوب دبابة الغزو الأمريكي، لكي يشتعل الصراع داخلياً هذه المرة بين سُّنّة العراق وشيعته، ولكي تُفتح شهية الشيعة الإيرانيين للانتقام من صدام ومن كل من وقفوا معه في حرب الخليج الأولى، وجرى ما جرى من تسهيل الشيعة الإيرانيين والعراقيين للغزو الأمريكي المدعوم بتحالف غربي وعربي، لتستعر من جديد أجواء المواجهة الدامية بين السُّنّة والشيعة، وبين العرب والفرس، لا في العراق فحسب؛ بل في دول الجوار وما بعد الجوار.
- إعادة الكرَّات، وتكرار اللدغات:
تتهيأ الآن ـ فيما أرى ـ أجواء أجزاءٍ من المنطقة للدخول في مواجهة جديدة بإغراء وتغرير أمريكي وغربي، لا يقل وضوحاً عن ذلك الذي حدث مع الأطراف المختلفة في حرب أفغانستان، أو في حروب الخليج الثلاثة السابقة، وقد بدأت السُّحب الداكنة للمواجهة القادمة تتلبد في سماء المنطقة، بعد الإعلان الغامض عن تكوين ما أسمته (كوندوليزا رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية بـ (تحالف الاعتدال) ! فيما يمكن أن يكون مقدمة لتجييش العالم الإسلامي مرة أخرى للحرب بالوكالة لمصلحة أمريكا، في مواجهة قد تبدو للشعوب حرباً ضرورية لقضايا مصيرية يقوم بها المعتدلون ضد المتطرفين الخارجين عن الشرعية الدولية.
إنَّ أمريكا ـ فيما تُظهر الشواهد ـ ستلجأ إلى تسعير الخلاف الديني بين فِرق المسلمين، وسوف تجد من مسوِّغات الاختلاف بينهم دينياً ودنيوياً ما يمكن أن يُنسي المختلفين اختلافهم معها.
إنه لا أحد من العقلاء ـ فضلاً عن أصحاب الدِّين ـ يمكن أن يدافع عن الجرائم التي تُرتكب باسم التشيع المزعوم لآل البيت، ولا يمكن لأحد أن يسوِّغ الخيانات العظمى التي ارتُكبت، ولا تزال ترتكب ضد أمة الإسلام، بزعم محاربة الوهابية السُّنّية! ولكن: أيكون هذا هو علة الحرب التي تدبّر لها أمريكا الآن وهل هذه المواجهة لنصرة السُّنّة على البدعة حتى ينشأ تحالف (سُّنّي أمريكي) ؟!
إن المطلوب هذه المرة ـ فيما يبدو ـ أن تُضرَب إيران لصالح الأمريكان بأرواح ومقدرات وأموال العرب السُّنّة، لتذهب تلك الأموال وتخلُص مرة أخرى إلى الخزائن الأمريكية ثمناً للسلاح المستخدم فيها، والذي ستتوالى صفقاته بمئات المليارات لتعويض الاقتصاد الأمريكي عن تعثراته، ولتكونَ هذه الحرب وقوداً لثأر جنوني شيعي ضد دول الجوار السُّنّي، حتى يُنهِك الطرفان بعضهما بعضاً ـ مثلما حدث في حرب الخليج الأولى ـ ريثما تتهيأ الأجواء لانفراد أمريكا ـ ربما في جولة لاحقة ـ بإيران المنهكة والمعزولة بعد استعمالها في إضعاف العرب السُّنّة، واستعمال العرب السُّنّة في إضعافها! ولكي لا تقوم قائمة بعد ذلك لإيران الطامعة في منافسة الغرب في خيرات بلاد العرب، والطامحة إلى مزاحمة دولة اليهود (إسرائيل) في الزعامة الإقليمية في المنطقة.
أقول: لو كان لنا نحن ـ العرب والمسلمين السُّنّة ـ قوة كافية وإرادة مستقلة لكان علينا، وفق حساباتنا المرسومة بحسب السياسة الشرعية، أن نتكتل ضد أي كيان ذي شوكة يقوم على البدع المغلظة التي تشوِّه دعوة الإسلام وتصد عن سبيل الله، في إيران أو غير إيران، ولكن وفق رؤيتنا وأجندتنا وأحكام شريعتنا. ولقد سئلت في حوار مع أحد المواقع إبان الحرب في لبنان، بين ما يسمى بـ (حزب الله) واليهود، عن رأيي في مساندة الشيعة في تلك الحرب، فقلت: إن محاربة اليهود من قِبَل حزب من لبنان أو حتى من اليابان أمر جيد، ولكن العمل لتمكين الشيعة في أي بقعة إسلامية أو تلميع صورتهم وتزكيتهم أمر غير جيد. ولو فرض أن ما يُسمى بـ (حزب الله) قاتل اليهود وانتصر عليهم وأخرجهم من فلسطين ليحل محلهم؛ لكان واجباً علينا ـ أهلَ السُّنّة ـ إذا توافرت لنا القدرة والاستقلال في القرار، أن نخرجه من فلسطين ولو بالقوة، حتى لا يشيع التشيّع في الأرض المقدَّسة ويُشتَم الصحابة وأمهات المؤمنين ويكفروا!
وإيران اليوم لا يجوز أن تكون لها هيمنة إقليمية تضر بدعوة الإسلام في أكثر أراضيه أهميةً وحساسيةً، ولو تمكنا نحن ـ أهل السُّنّة ـ من كف شرّها وإيقاف مدّها، دون أن يكون ذلك لحساب العدو الآخر الذي لا يقل خطورة عن الأمريكيين واليهود، ودون أن يكون ثمن إضعافها هو مزيداً من قوتهم ومزيداً من ضعفنا؛ فإن ذلك يكون من الواجبات التي لا يجوز تأخيرها.
لكن المقطوع به ـ في ضوء حقائق الدين والواقع ـ هو أن كفار أهل الكتاب يودّون لنا العَنَتَ، ولن يزيدونا إلا خبالاً إذا أطعناهم واتخذناهم خبراء أمناء، وأصدقاء أولياء في أيٍ من قضايانا المصيرية.
- السيناريو المتوقع:
من غير استبعاد نهائي لسيناريو (الصفقة) مع إيران ضد العرب، في حال عجز أمريكا عن خوض مواجهة نهائية وفاصلة معها في المرحلة الراهنة ـ كما بيّنتُ في مقال سابق ـ فإن أقرب السيناريوهات المتوقعة ـ في ظني ـ وبحسب سوابق أمريكا ونواياها الخبيثة بكل العرب والمسلمين، هو أن تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربات لإيران في هجوم جزئي أو شامل، على مواقع استراتيجية في العمق الإيراني، بحيث يكون هذا الهجوم منطلِقاً من بعض دول الخليج، وربما بتأييد منها، لا لتأديب إيران الآن، بقدر ما هو لتأليب شيعتها وشيعة العالم كله ضد السُّنّة العرب، وبخاصة في منطقة الخليج، وعندها ـ والله أعلم ـ ستكون ساحة الحرب الإقليمية الطائفية في أوْج استعدادها للانفجار والانتشار، ليحقق الأمريكيون ـ لا أكسبهم الله ـ العديد من المكاسب التي من أبرزها:
- كسر العصا الإيرانية، بعد أن استُخدمت في كسر العصا العراقية.
- إشغال العرب جميعاً في صراع بديل لما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) ليحل محله صراع جديد هو (الصراع العربي الفارسي) . وهذا ما سيُنسي هؤلاء العرب، أنه كانت هناك يوماً قضية اسمها القضية الفلسطينية؛ ظلت تُعدّ القضية المركزية الأولى للأمة العربية والإسلامية.
- إعادة الاعتبار (للعدو) الأمريكي في نظر شعوب المنطقة، بعد جرائمه وفظائعه ليعود صديقاً؛ بل منقذاً للعرب من نظام طهران، كما سبق أن (أنقذهم) من نظام صدام! وهو ما يمكن أن يسمح باستمرار الارتهان له والامتثال لأمره.
- دفع حركة تجارة السلاح إلى الرواج، عندما يصطف العرب لشراء الصفقات التسليحية التي ستوقد نار المعركة ضد الأطماع الفارسية؛ حيث سيُرفع كالعادة شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ولو كان هذا الصوت هو صوت مصلحة الشعوب وحقوقها في الاستقرار والتنمية والتحديث.
- إعادة ترتيب أوراق المنطقة وسط دخان تلك الحرب، بما يسمح بقفز أولياء أمريكا إلى مقدمة كراسي المسؤولية، سُّنّية كانت أو شيعيّة.
- إجبار المقاومة السُّنية في العراق ـ وربما في غيرها ـ على تغيير وجهتها عن الأمريكيين إلى غيرهم، بعد أن أذاقت تلك المقاومة جيش أمريكا طعم الهزيمة، ولتتوجه كل جهود المجاهدين لقتال شيعة إيران والكف عن الأمريكيين وحلفائهم، وهو ما يمكن أن يوفر لهؤلاء الأمريكيين فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة من جديد للتفرغ للمجاهدين.
- إلهاء إيران عن مواصلة برنامجها النووي، وتطويرِ التقنيات العسكرية والاقتصادية لبناء نفسها كقوة إقليمية، وتخويف غيرها من السلوك نفسه؛ حتى تبقى دولة اليهود هي القوة الإقليمية (الوحيدة) في المنطقة.
- توفير غطاء مقبول يحفظ ماء وجه أمريكا إذا أرادت أن تخرج من العراق، مدّعيةً أنها لم تُهْزم؛ وإنما فشلت مهمتها في بلد (لا يريد) الحرية والديمقراطية!
إن لهذا (السيناريو الكابوس) دلائل وعلامات، تدل على أنه أحد الاحتمالات الجادة، التي لا ينبغي الاستهانة بها وبفداحة خطرها على الجميع؛ حيث برزت، ولا تزال تبرز، في الآونة الأخيرة مؤشرات تدلُّ على أن أمريكا تتعمد تسعير أجواء الحرب بين السُّنّة والشيعة إقليمياً، بعد أن سخّنتها محلياً في العراق، بتفويض الشيعة في إدارة الشأن العراقي بشكل انتهازي واستفزازي للسُّنّة داخل بلاد الرافدين وخارجها.
ومن المؤشرات والعلامات الدالة على الدفع الأمريكي باتجاه مواجهة إقليمية سُّنّية شيعية، من خلال التحرش بإيران وتهييجها على دول الجوار، ما يلي:
١ ـ استراتيجية بوش الجديدة للعراق، ليست خاصة بالعراق فقط، بل هي رؤية وخطة لمواجهة كل القوى المناهضة لأمريكا في المنطقة، سُّنّية كانت أو شيعيِّة؛ فالخطة تغلق الأبواب أمام احتمالات إخلاء المنطقة من الوجود العسكري الأمريكي؛ بل تقرر زيادته في العراق وحدها بنحو (٢١ ألف جندي أمريكي) . كما تدل استراتيجية بوش الجديدة التي أُطلق عليها (استراتيجية الدفع) على توجُّهٍ نحو تأكيد ثلاثة خيارات استراتيجية أمريكية في التعامل مع الأطراف في المنطقة:
أولاً: الحفاظ على تماسك التحالف بين أمريكا وبين من تعدهم (قوى الاعتدال) في المنطقة؛ وهم مصر والأردن ودول الخليج وتركيا، وربما باكستان.
ثانياً: الثبات على اتخاذ موقف المواجهة مع إيران وسورية ومن يدور في فلكهما؛ خلافاً لتوصيات لجنة بيكر ـ هاملتون.
ثالثاً: تطوير استراتيجية المواجهة الشاملة للقوى السُّنِّية المقاومة في العراق.
فتلك الاستراتيجية تنطوي في خطوطها العريضة على توجُّه ٍنحو تحالف جديد ضد إيران وسورية، إضافة إلى المقاومة السُّنّية في العراق، وهو ما يعني توسيع جغرافيَّة المواجهة إلى ما هو خارج العراق.
وتأتي التحضيرات العسكرية الأمريكية المتصاعدة في منطقة الخليج مؤخراً نوعاً من التهيئة الفعلية لساحة العمليات؛ فالتحضيرات العسكرية ـ حتى الآن ـ شملت تعزيز القدرات البحرية الأمريكية في المنطقة، بزيادة مجموعات قتالية كبيرة، تضم حاملات طائرات وقطعاً مقاتلة، وغواصات وكاسحات ألغام، كما تضم دفاعات صاروخية من نوع (باتريوت) ، وتشمل تعزيز القدرات الاستخباراتية داخل إيران نفسها. وقد طلب الرئيس الأمريكي لتغطية استحقاقات المرحلة المقبلة من الكونجرس أن يوافق على الميزانية المطلوبة حالياً والتي تقدر بأكثر من (٧٠٠) مليار دولار، وهو ما يعد أكبر من ضعف تكاليف عملية غزو العراق.
٢ ـ توجُّه أمريكا نحو إضعاف القوى الشيعية الموالية لإيران داخل العراق، بعد استهلاكهم في إقصاء السُّنّة وإضعافهم، وبعد الفراغ من استعمالهم في الحرب ضد صدام، حتى لا يصيروا ظهيراً لإيران في حال مواجهة أمريكا لها، ومن ذلك دفع الحكومة الشيعية العميلة لمواجهة (عصابات مقتدى الصدر) الأداة الأكثر إجراماً في يد إيران، وكذلك حرق أوراق عصابة الغدر بزعامة (عبد العزيز الحكيم) وتهييجها ضد الصدريين وضد الشيعة العلمانيين، ويدخل في ذلك ـ أيضاً ـ ضرب الشيعة العرب بالشيعة الفرس عن طريق استغلال اختلاف المرجعيات.
٣ ـ إصرار أمريكا في المحافل الدولية وفي أوساط التجمعات العربية على عزل إيران، وتضييق الخناق عليها اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وهو ما تُرجِم مؤخراً باستصدار قرارات للعقوبات الدولية عليها، وهو السلوك الذي اعتادته الإدارة الأمريكية مع كل من تنوي له شراً؛ حيث تسير إلى خط الصِّدام عبر خطوات التصعيد الدبلوماسي، ثم العزل السياسي، ثم الحصار الاقتصادي، ثم جمع الحلفاء للحسم العسكري.
٤ ـ محاولات استدعاء رموز قديمة من حزب البعث، ربما لاستخدامها كجزء من (قادسية جديدة) ضد إيران، باسم القومية العربية (البائدة) ضد القومية الفارسية الصاعدة.
٥ ـ كانت عملية إعدام (صدام حسين) مليئة برموز الشحن الطائفي؛ حيث سمحت أمريكا للشيعة (وكانت قادرة على عدم السماح) بأن يختاروا التوقيت الأسوأ والكيفية الأسوأ في تنفيذ الإعدام؛ ليوصِِّل ذلك إلى أشد العواقب سوءاً على مشاعر السُّنّة ضد الشيعة في إيران والعراق. وكان لهذه الخطوة الأمريكية الماكرة آثار ظاهرة في إفقاد الشيعة كل أسهم الإعجاب والتعاطف الذي كان لدى شريحة كبيرة من المخدوعين بهم، وقد كان هذا فخاً لهم، وقعوا فيه بغباء خارق.
٦ ـ هناك فيما يبدو (فوضى خلاّقة) ـ على مذهب (كوندوليزا رايس) ـ يجري الإعداد لها داخل العراق، قد تسمح بإحداث وضع جديد من بين ركامها، يمكن أن يُخرج إدارة جديدة للعراق غير موالية لإيران. فأمريكا حتماً ستلعن عملاءها هناك بعد أن انتعلتهم. وقد بدأت إشارات ذلك بتصريح بوش ـ رأس الفتنة ـ بأن حكومة المالكي (غير ناضجة) ! وفي هذا الصدد، قد تستعين أمريكا ببعض مغفلي أهل السُّنّة، وتدفع بهم إلى الوجهة الأمامية، ليقولوا أمام المسلمين: إننا الحاجز المنيع ضد الشيعة الإمامية! وليكون هؤلاء ـ في تلك الحال ـ جزءاً لا يتجزّأ من (تحالف الاعتدال) !
وقد تزايد اتِّهام إيران في الآونة الأخيرة، بأنها وراء الكثير من أعمال العنف وفِرَقِ الموت في العراق، واعتقلت الولايات المتحدة عملاء لإيران هناك. واتّهم الأدميرال (وليام فالون) المرشح لمنصب القيادة الأمريكية الوسطى، إيرانَ بالعمل على عرقلة استقرار النفوذ الأمريكي في الخليج، في تصريح له في أواخر يناير من عام ٢٠٠٧م. وهناك تصعيد واضح في لهجة القوى المعادية لإيران فيما يتعلق بضرورة حسم خطرها النووي قبل أن يخرج عن السيطرة، وقد قال الرئيس الأمريكي في ١٢/١/٢٠٠٧م: «إن كل الخيارات مطروحة في التعامل مع إيران» وهو يقول ذلك تجاوباً مع حملات التحذير الأخيرة من أن إيران على وشك تجاوز القنطرة فيما يتعلق بالتسلح النووي؛ حيث قال المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن في (٣٠/١/٢٠٠٧م) : إن إيران قد تتمكن من إنتاج سلاح نووي في غضون سنتين. وقال المعهد في تقريره السنوي: «إن إيران واصلت تحقيق تقدُّم في إنتاج معدات التخصيب، وخزّنت ٢٥٠ طناً من المواد اللازمة لتخصيب اليورانيوم، بما يكفي لإنتاج ٣٠ إلى ٥٠ قنبلة نووية. وحذّر المعهد من أن تخطي إيران للعقبات الفنية وانفتاح الطريق أمامها لإنتاج سلاح نووي؛ قد يعجل باحتمالات الخيار العسكري» .
وقد ذكر مسؤولون أمريكيون وخبراء مستقلون أن شنَّ هجوم سريع على إيران، سيعرقل برنامجها النووي لمدة لا تقل عن أربع سنوات.
وهنا يرتفع صراخ ونباح الدولة العبرية، مرة بالتهييج وأخرى بالتهديد، خوفاً أو تخويفاً من التلكؤ مع إيران حتى ينفلت الزمام، وقد قال (إفراييم سنيه) نائب وزير الدفاع الإسرائيلي: إنه لا يستبعد هجوماً وقائياً إسرائيلياً على إيران، على خلفية برنامجها النووي، وقال في (١٠/١١/٢٠٠٦م) : «إن الهجوم على إيران سيكون الحل الأخير.. وربما يكون الحل الوحيد» !
وقال (عمير بيرتس) وزير الدفاع الإسرائيلي في (٣٠/١/٢٠٠٧م) : «إن عام ٢٠٠٧م، سيكون عاماً حاسماً في مواجهة الخطر النووي الإيراني» !
لكل هذا استشعر الأمين العام للجامعة العربية (عمرو موسى) الخطر المحدق بالمنطقة ـ وهو في موقع يؤهله للشعور بذلك الخطر ـ حيث حذّر من التداعيات الخطيرة لأي هجوم أمريكي على إيران فقال في (٢٤/١/٢٠٠٧م) : «إذا اندلعت الحرب، فسيخرج مردة آخرون من القمقم، ولا يمكننا أن نتخيل التأثير على دول الخليج ودول البحر المتوسط» .
- وهنا لا بد من وقفات وتساؤلات:
علماء الأمة وحكماؤها وأهل الرأي مدعوّون اليوم قبل الغد لتداول الرأي حول عدد من المسائل المتعلقة بالتصعيد الطائفي والعسكري الحاصل في المنطقة، والذي يُعدّ الجزء الأكبر منه صناعة أمريكية بصياغة صهيونية، تدبرها العقلية التي لا تزال تحكم أمريكا الآن، وهي عقلية المحافظين اليهود الجدد، ومن هذه الوقفات والتساؤلات:
أولاً: المعركة بين أهل السُّنّة والشيعة في جوهرها اعتقادية وليست عسكرية فليس مجرد أن الشيعة مبتدعة ـ مهما كان الغلو في بِدَعِهم ـ كافياً لأن يكونوا على قائمة الأولوية في الحرب العاجلة من أهل السُّنّة، وإلا كان كل صاحب اعتقاد فاسد محلاً لحرب المسلمين وجهادهم، وهو ما يجمع عليهم أمم الأرض جملة واحدة. ثم إن فساد اعتقاد الشيعة ليس جديداً كي يسوِّغ لنا الآن الدخول معهم في حرب طاحنة إلى جانب الأمريكان. وإذا كانت المعركة معهم عقدية في الأساس، فإن مجالها لا يزال هو البيان والحجة واللسان؛ فهذه وسيلة جهاد مَنْ لهم شَبَه بالمنافقين والزنادقة. ولكن التساؤل هنا هو: ألا توجد وسيلة لتفادي الصدام المدمر معهم الآن، في حرب لا يبدو أن أهل السُّنّة في كامل الجاهزية لها، وليس وارداً العزم على حسمها، وبخاصة أن الشيعة في العالم يُقَدَّرون بعشرات الملايين، ولا يمكن إفناؤهم إلا بأضعاف أعدادهم من أهل السُّنّة؟!
ثانياً: صحيح أن الخطر الشيعي على أمن المنطقة ـ وبخاصة منطقة الخليج ـ هو خطر صاعد إلى التنامي والتمدد، وهو ذاهب إلى اتجاه الصِّدام، لكن الجزء الأكبر منه هو قضية تخص أمريكا وإيران، فلماذا يُقحَم أهل السُّنّة فيه مبكراً؟! فلتحارب أمريكا من تشاء من أعدائها ومنافسيها على الثروة والنفوذ، ولكن أليس من حقنا أن لا يكون ذلك بأرواحنا وأموالنا وسلامة أراضينا؟ وهل من المحتّم على ساسة المنطقة أن يتحالفوا مع أمريكا في أي حرب تقرر خوضها في الزمان والمكان الذي تريده؟!
ثالثاً: الشحن المذهبي، والحقد الطائفي الذي أفرزه شعور الشيعة بنشوة الانتصار الكاذب، يجب ألاّ يجبرنا أو يجرنا إلى سلوك مشابِه؛ لأنَّ مآل ذلك هو إلى الصِدام الحتمي على المستوى الإقليمي، مثلما آلَ الأمر على المستوى المحلي في العراق على غِرَّةٍ من أهل السُّنّة، وإعدادٍ واستعدادٍ من الشيعة. أوَ ليست هناك وسيلة ـ من جانبنا على الأقل ـ إلى العودة إلى تسكين زوابع الاحتراب المذهبي المفضي إلى معركة لا حاجة لها ولا ضروره إليها ولا فائدة منها إلا للحريصين على إضرام نارها من اليهود والنصارى المتربصين بالطرفين؟! ألا يمكن التصبّر عن منازلة الشيعة، ريثما يكون عندنا ما عندهم (مثلما يقال دائماً عن المواجهة مع دولة اليهود) ؟! أليس من الأحرى بدول وشعوب أهل السُّنّة، وبخاصة دول الجوار، أن يتفادوا الصدام الآن، حتى يتملّكوا ما يمكن أن يكون سلاح ردع مكافئ، مثلما فعلت باكستان مع الهند، وروسيا وكوريا مع أمريكا؟!
رابعاً: قوة الشيعة وتغوّلهم ليس في صالح السواد الأعظم من الأمة بداهة، والمد الشيعي هو دائماً حسم من المدّ الإسلامي الصحيح، ولكن تَقَوِّي الشيعة وصعودهم ـ بما في ذلك البرنامج النووي ـ لا بد أن يُضارَع بقوة تُبنى على علم واقتدار قبل أن يُضارَع من موضع ضعف وانكسار. ولا يعني هذا الدعوة للتقارب معهم على دَخَنٍ منهم وتَقِيَّة، ولا للتهوين من خطرهم، على حساب سلامة المعتقَد وسلامة الأرض والعرض؛ ولكن الخوف كله من الاستجابة لداعي العجلة، التي كثيراً ما تكون من الشيطان.
خامساً: جزء مهم من المعركة مع التشيع المغالي، هو في الجانب السياسي، وساسة الشيعة الإيرانيون قد أظهروا حنكة وقدرة عالية على التعامل مع الموازنات والتطورات العالمية، وهم في غالبيتهم جماعة من الدينيين خريجي الحوزات والجامعات الدينية، ولم يمنعهم ذلك من تناول الشأن السياسي والتعاطي معه. فلِمَ تُترك قضايانا المصيرية نحن ـ أهل السُّنّة ـ بيد حفنة من الخبراء العلمانيين والساسة اللادينيين، الذين يُصرّون على فصل السياسة عن الدين إلى الأبد، مُضَحّين بالسياسة وبالدين معاً؟! ألم يحن الأوان أن يفرض الإسلاميون ـ نوابُ الأمة الحقيقيون ـ رؤيتهم في قضايا أمتهم، عبر الوسائل التي تفرضها إمكاناتهم وحجمهم الأكبر في الأمة؟ ولماذا يسوس الشيعةَ علماؤهم وحكماؤهم، بينما يساس السُّنّة بعكس ذلك؟!
سادساً: ألا توجد هناك طريقة لإقناع المتنفذين في بلاد العرب والمسلمين، بأن أمريكا لو عزمت على ضرب إيران ِلحِفْظِ مصالحها، فسوف تضربها سواء بهم أو بغيرهم؟ فلماذا تسوقنا نحن سَوْقاً ـ كما فعلت من قبل ـ إلى حرب ستستفيد هي منها في كل شيء، ولن يستفيد المسلمون منها بأي شيء؟! ألا توجد صيغة لتفادي تكرار اللدغ من الجُحر نفسه؟
وأخيراً: إن الولايات المتحدة على شفا سقوطٍ مدوٍّ إلى هاوية التراجع والانعزال، وربما التفكك والانحلال؛ فلماذا نقدم لها نحن طوق النجاة؟ ولماذا يتعامل بعض السياسيين معها وكأنها ستظل في كامل قوتها، مع أنها في أخطر منحنيات ضعفها؟!
إن الصبر على سقوط أو إسقاط الصنم الأمريكي المتمايل في العراق وغيره، أهون وأقل تكلفة وأعلى فائدة من المسارعة إلى اقتحام الفخ الإيراني الأمريكاني الملغم بالمواجهات والمفاجآت، وإن تمكين الأمريكان من اتخاذنا عصا مرة أخرى لضرب أعدائها سيقويها ويقوِّضنا. ولهذا فإن من واجب المسلمين جميعاً أن يرفضوا أن يكونوا عَصا بيد أولئك العُصاة المردة؛ بل من المفترض عليهم أن ينزعوا كل عصا بيد أمريكا أو غيرها، ليحرموها منها أو يضربوها بها؛ حتى تبتعد عن شؤون المسلمين وتخرج من بلادهم، وهذا ما فعله المجاهدون في العراق بهم، فيما نحسبه دفاعاً عن أنفسهم وأعراضهم ودينهم؛ وهو حق كفله الباري ـ جل وعلا ـ بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
فتحيةً لهم وهم يرفعون الإثم عن الأمة كافة! والله المستعان.
стр. 5875
استراتيجية بوش: استثمار عوامل الهزيمة
طلعت رميح
دون الغرق في تفاصيل الاستراتيجية الأمريكية «الجديدة» في العراق، فواقعُ الحال أنَّ ما أعلنه الرئيس الأمريكي في خطابه بشأن استراتيجيته «الجديدة» ، وكذا ما شرحه وزير دفاعه الجديد ورئيس أركانه أمام الكونجرس في أوقات تالية، قد دارت جميعاً حول تطبيق الاستراتيجية العسكرية «القديمة» لغزو العراق، التي أعدَّها العسكريون ورفضَها وزير الدفاع الأمريكي المهزوم (رامسفيلد) ، ذلك أنَّ الفارق الجوهري بين الخطة الأمريكية القديمة / الجديدة التي جرى الحديث عنها مؤخراً، والخطة التي طبَّقها (رامسفيلد) منذ بداية العدوان؛ يتمحور أساساً حول عدد القوات الأمريكية التي كان ينبغي أن تشترك في عملية غزو العراق، والسيطرة على سكانه، وهو عَيْن الفارق بين الخطة التي قُدِّمت لـ (رامسفيلد) عند خوض العدوان على العراق ورفَضَها.
لقد اعتمد (رامسفيلد) خطة عسكرية للغزو والاحتلال، تقتصد في حجم القوات العسكرية الأمريكية، بقصد خفّة الحركة في الهجوم، وتقليل مساحة انتشارها الأَرْضيِّ لتقليل خسائرها، باعتبار أنَّ الميزات الرئيسية ـ المتوقّعة وقتَها ـ للجيش العراقي وللمقاومة من بعد ـ في حال وجودها ـ هي ميزات عمل على الأرض لا في الجوّ. وفي ذلك اعتمد (رامسفيلد) وبعض من قادته العسكريين فكرةَ تشكيل ميليشيات عراقية موالية للاحتلال ـ تابعة للقيادات الشيعية المتعاونة مع الاحتلال، مع دعم ميليشيا البشمركة وتقويتها؛ للاعتماد عليها في حالات خاصة إضافة إلى تأمين المناطق الكردية ـ كبديلٍ لزيادة عدد القوات، وكأساسٍ لنجاح المواجهة مع المقاومة العراقية، وكبديلٍ للجيش العراقي بعد حلِّه. كما اعتمد على شركات الأمن الغربية الخاصة، للقيام بمهمات حراسة الشخصيات العراقية المتعاونة مع الاحتلال ورجال الأعمال الأمريكيين، وفي القيام بالعمليات الإرهابية المموّهة والأشدّ إجرامية تجاه الشخصيات العراقية الرافضة للاحتلال. ووقتها فإن بعضاً من القادة العسكريين الميدانيين وآخرين من المتقاعدين والمتواجدين في مؤسسات صنع القرار في الدولة الأمريكية؛ كان لهم رأي آخر أعلنوه في مختلف المناسبات، وحوّلوه إلى مطالبة في بعض الفترات ـ خاصة بعد تصاعد خسائر القوات الأمريكية، وثبوت عدم قدرتها على السيطرة على الأوضاع، وفشلها في إخضاع إرادة الشعب العراقي ـ بإقصاء (رامسفيلد) نفسه، إذ إنهم رأوا أنَّ الدخول في بلد بهذا الحجم من السكان وبهذه التكوينة الحضارية والمليء بالقدرات والطاقات العسكرية والعِلْمية، لا يمكن أن يكون ناجحاً إلا بتوافر حشد عددي كثيف من الجنود، يكفل السيطرة على السكان وإخضاعهم، ويمكِّن من إعادة تأسيس العراق وفق الخطة الأمريكية كعراقٍ قابل للاحتلال ومتعايش معه. وها هي الخطة الأمريكية الجديدة تعود إلى الخطة القديمة السابقة والتي رفضها (رامسفيلد) ؛ فترسل القوات الأمريكية أعداداً أكبر على الفور ـ تقرر زيادة عدد القوات بنحو ٢١ ألفاً ـ، كما سترسل قوات إضافية يبلغ تعدادها ٩٢ ألفاً على مدار السنوات الخمس القادمة، كما أنها باتت تتحدث عن ضرورة نزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران، التي سبق أن أسَّسها وموَّلها وأشرف عليها (بريمر) نفسه، وتعلن أول إجراءاتها بـ «خطة» جديدة للسيطرة على بغداد وإخضاعها. وهذا كله يأتي متعارضاً مع التوقُّعات التي أشارت بخطة جديدة في ضوء تقرير (بيكر هاملتون) ، واعتبر وقتها أن معيار جدّتها سيكون بجدولة الانسحاب، وبالتفاوض مع سوريا وإيران حول الأوضاع في العراق، ومع أطراف عراقية لتغيير النهج الراهن في حكم العراق.. إلخ.
الخطة ـ إذاً ـ ليست جديدة على الصعيد العسكري، وإقرارها ـ في حدِّ ذاته ـ هو إقرار بالهزيمة في المرحلة الماضية من العدوان على العراق، لكن ذلك ـ في حدِّ ذاته ـ لا يعني أنَّ الخطة الجديدة هي مجرد استعادة ملف قديم وإعادة قراءة أوراقه، حيث إنّ الخطة القديمة أفرزت وضعاً مختلفاً عن سابقه الذي وضُعت على أساسه تلك الخطة ذاتها.
- فيتنام.. ولعبة الخطط:
يبدو هنا أمرٌ التذكيرُ به مهمٌّ، في إطار ما أشرنا إليه من أن الخطة الجديدة ليست إلا الخطة القديمة، وهو أن الخطة الجديدة / القديمة هذه تذكِّر بما كان يجري في فيتنام؛ من تغيير الخطط بين القديم والجديد، ومن زيادة القوات وتقليلها، ومن اعتمادٍ على الطيران والقصف من بُعْد، إلى التركيز على العمل العسكري على الأرض، ومن العمل لتشكيل ميليشيات إلى حلِّها، ومن تشكيل جيش فيتنامي موالٍ ومساند لجيش الاحتلال، ثمَّ الإعلان عن فشله في إخضاع السكان وسوء تدريبه، وهو ما جعل المحلّلين والمؤرّخين يعلنون من بعد أن كل ما كان يجري لم يكن سوى محاولة الهروب من إعلان الهزيمة، إذ إن الخطط رغم تبدُّلاتها وتغييراتها لم تستطع إنقاذ الجيش الأمريكي من الهزيمة، ولم تكن تسير إلا في اتجاه واحد، هو زيادة الانغماس الأمريكي في الأزمة، واشتداد العنف الدموي ضد الشعب الفيتنامي والسير نحو هزيمة في غاية القسوة للقوات الأمريكية في تلك الحرب.
ومن المفيد هنا التذكير ـ أيضاً ـ بأنَّ فكرة عدد القوات الأمريكية على الأرض وتشكيل ميليشيات تابعة أو متعاونة مع الاحتلال من قِبَل بعض العرقيات في مواجهة عرقيات أخرى، وفق استراتيجية تفريق بين الفيتناميين بعضهم عن بعض، وإجراء انتخابات داخل فيتنام وفق عملية سياسية خاضعة للاحتلال؛ لإكساب السلطات العميلة شرعية داخلية وخارجية.. كلها إجراءات واستراتيجيات جرى التقلّب فيها حتى إعلان الهزيمة أو القبول بإعلان الهزيمة والإقرار بها من خلال المفاوضات التي جرت بين الفيتناميين والأمريكيين على الأرض الفرنسية.
والأهم ـ هنا ـ أن الولايات المتحدة حينما وضعت خطتها للتفاوض مع الفيتناميين؛ لإعلان القبول ضمنياً بالهزيمة والبدء في الانسحاب، وضعت إلى جوارها وبالتوازي معها خطةً عسكرية جديدة، قامت على تصعيد القصف الجوي إلى أعلى درجة من العدوانية ضد الفيتناميين، وعلى بدء هجمات عسكرية جديدة ضد الثوار الفيتكونج. وكان الارتباط بين الخطتين أنَّ التفاوض يجب أن يجري دوماً من موقع القوة لا الضعف، وأنَّ إعلان الهزيمة يجب أن يتمَّ وفق غطاء من مظاهر القوة، وهو ما لم يكن ليغيِّر من جوهر الأمور شيئاً.
فهل نحن أمام تكرار لنفس السيناريو في العراق؟ أي: هل نحن أمام حالة تصعيد عسكري للوصول إلى حالة انسحاب تحت غطاء من عوامل القوة؟ أم أننا ما زلنا نشاهد محاولة أمريكية للحصول على النصر على المقاومة الذي سمَّاه بوش (انجاز المهمة) ؟!
- احتمالان:
واقع الحال أننا أمام الاحتمالين تماماً في العراق ـ حيث الإعلانات السياسية من بوش وغيره لا تعطي فرصة للحكم باعتبارها جزءاً من الخداع الاستراتيجي في أيّة خطة عسكرية ـ، ذلك أنَّ هناك مؤشرات على أنَّ الاستراتيجية الجديدة هي استراتيجية الانسحاب تحت غطاء من عوامل القوة الظاهرة، كما أن هناك مؤشرات أخرى على أن الولايات المتحدة لم تقرر الانسحاب بعد، وأنها ما يزال أمامها مشوار قد يبلغ العامين حتى الإقرار بالهزيمة والانسحاب من العراق.
في الاحتمال الأول: فإن المؤشرات عديدة كما ذكرها (توم هايدن) (١) في مقالة له على موقع (كومون دريمز) ، وقد عدّد لهذه المؤشرات مظاهر وشواهد، أولها: ما قاله (جيمس بيكر) لأحد محامي (صدام حسين) أنّ (طارق عزيز) ـ نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق ـ سوف يُطلق سراحه من السجن في نهاية هذا العام، على أمل أن يتفاوض مع الولايات المتحدة بالنيابة عن قيادة حزب البعث. وقد حدثت هذه المناقشة في الآونة الأخيرة في عمَّان، وفق صحيفة القدس العربي، وهو ما يعزِّزه ـ أيضاً ـ تواتر الحديث حول نقل (طارق عزيز) للعلاج في إيطاليا.
الشاهد الثاني: طلب وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندوليزا رايس) شخصياً من مجلس التعاون الخليجي في أكتوبر/ تشرين الأول، أن يتوسط المجلس بين الولايات المتحدة وجماعات المقاومة السُّنّية ـ من غير حركة القاعدة ـ، وأنَّها أعربت عن رغبة الولايات المتحدة في التفاوض معهم في أيِّ زمان أو مكان. وقالت مازحة ـ وهي تتحدث في أوائل أكتوبر/ تشرين الأول ـ: «إنَّ وزير الدفاع ـ وقتئذٍ ـ (دونالد رامسفيلد) لو سمعني لشنّ عليَّ حرباً أشرس وأعنف من الحرب التي شنَّها على العراق» ، حسب ما قال دبلوماسي عربي مطّلع على الجلسة المغلقة.
والشاهد الثالث: هو ما جرى من عقد اجتماعات سرّية (غير مسبوقة) بين مسؤولين أمريكيين على مستوى رفيع وممثّلين عن (مكوّن رئيسي من مكوّنات المقاومة العراقية) ، ودامت ثلاثة أيام، ونتيجة ذلك وافق العراقيون على العودة إلى المحادثات فيما بعد.
والشاهد الرابع: هو ما تكشف من رسائل إلكترونية مفصَّلة ـ مؤرَّخة في ١٦ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي ـ تكشف جهداً أمريكياً نشيطاً من خلف الكواليس للتوسط في اتفاق سلام مع زعماء المقاومة العراقية، ضمن خطة قد تتضمن انقلاباً سياسياً ضد رئيس الوزراء (نوري المالكي) .
والشاهد الخامس: هو حملُ المستشار الأمني للرئيس بوش (ستيفن هادلي) رسالة إلى المسؤولين العراقيين لدى زيارته الأخيرة إلى بغداد، تتضمن ست نقاط، هي: اشملوا المقاومة والمعارضة العراقيتين في أيِّ مبادرة نحو المصالحة الوطنية، وأصدروا عفواً عامّاً عن مقاتلي المقاومة المسلَّحة، وحلّوا اللجنة العراقية المكلّفة بحظر حزب البعث، وابدؤوا حلَّ الميليشيات وفِرَق الموت، وألغوا أيَّ اقتراح للفيدرالية لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، ووحّدوا السلطة المركزية للحكومة، مع حكم ذاتي أكبر للحكام المحليين.
ونضيف ـ نحن ـ المؤشر السادس وهو أن الهرولة في اغتيال الرئيس العراقي (صدام حسين) ، كان مؤشراً على فتح الطريق أمام المفاوضات وأمام تغيير في التوجُّه ـ وليس العكس ـ، إذ كان الرجل وهو في محبسه حاجزاً وسدّاً أمام كل من يفكر في التفاوض من البعثيين مع الأمريكان. كان الإعدام غير المتوقع في سرعته وهمجيته رغبة عاجلة في إنهاء حقبة الغرور الأمريكي بالاستناد إلى انتصار رخيص تمهيداً لإبداء حالة الضعف، تحت غطاء من الجرائم الدموية.
في الاحتمال الثاني: فإن الحجم الخطير لنتائج القبول بالهزيمة الأمريكية في العراق على صعيد المصالح الأمريكية في العراق، أو على صعيد الوضع الاستراتيجي الخطير الذي سيصبح عليه الكيان الصهيوني والمشروع الغربي في المنطقة برمّتها، جميعها عوامل تجعل الولايات المتحدة أشد تصلّباً في رفض الهزيمة. وكذلك فإن الشواهد المشار إليها في الاحتمال الأول ربما لا تخرج عن كونها أحد أشكال الخدعة أو أحد أساليب زرع الفتن داخل العراق. كما أننا أمام مؤشرات أخرى تشير إلى احتمال استمرار محاولات بوش والإدارة الأمريكية لإحراز النصر على المقاومة العراقية، مع إدراكنا بتغيير اللهجة واختفاء كثير من المصطلحات القديمة، ومن تلك المؤشرات: ما نشاهده على الأرض في العراق من تحرّكات أمريكية بالغة الضراوة، حيث مدنٌ بأكملها ـ سنّية لمن يتصورون العكس ـ تعيش محاصرة بسبب احتضانها المقاومة، وهناك أخرى بدأت القوات الأمريكية تشيد حولها أسواراً ترابية عازلة إلا من بوابة دخول وخروج. كما أن القوات الأمريكية ما تزال تواصل بناء قواعد عسكرية دائمة لها في العراق آخرها ما يجري تشييده حالياً في منطقة كردستان العراق، كما أن تلك القوات تزيد عددها وتعلن عن خطة لزيادة عدد قواتها خلال السنوات الخمس القادمة.
وكذا فإننا نشهد على الطرف الآخر أنَّ المقاومة الإسلامية العراقية تعلن بوضوح أن لا تفاوض بينها وبين الولايات المتحدة، وأنها تشترط مسبقاً إعلان جدول بالانسحاب قبل الدخول في التفاوض.
وهو ما يدعو إلى القول: إنَّ الولايات المتحدة إنما تعتمد سيناريو الحرب حتى الانتحار، إذ إن الهزيمة تساوي الانتحار الأكيد والنهائي، كما أن النصر يعني الحصول على كل شيء في المنطقة.
- كيف نرجّح أحد الاحتمالين؟
لفهم وترجيح أيٍّ من الاحتمالين، أو لفهم ما يجري؛ فإنًّ عدداً من العوامل يجب وضعها في الاعتبار:
أولها: ضرورة التفريق بين ما قاله الرئيس بوش وغيره من القيادات الأمريكية وبين أن تكون هناك استراتيجية أمريكية مختلفة. كما لا يجب أن يُقرأ من مثل هذا الكلام والتصريحات رؤيةٌ كلية للاستراتيجية بشكل عام ـ أية استراتيجية ـ، إذ إن ما يُكشف النقاب عنه في الأحاديث السياسية والإعلامية هو فقط ما يراد أن يُكشف عنه للرأي العام، كما أنَّ هذا الذي يُكشف النقاب عنه إنما يكون في أغلب الأحيان جانباً من جوانب التغطية الإعلامية الواردة ضمن مقوّمات إنجاح الخطة ـ أي: هناك جانب إعلامي لترويج الخطة لا للكشف عنها ـ.
ثاني تلك العوامل: التنبُّه إلى أننا أمام تطوّر جديد انتقل إليه تأثير المقاومة العراقية من الضغط في العراق على قوات الاحتلال لإيصال أوضاع بوش الداخلية إلى المأزق، إلى مرحلة وصل فيها بوش إلى المأزق فعلاً، وباتت الأزمة متجسدة في الداخل الأمريكي وفق قوى متضاربة المصالح والآراء حول الأوضاع في العراق، تصبح فيها المقاومة آلية تحريك وتفعيل الأزمة. وبمعنى آخر: يجب الوضع في الاعتبار أن ما أعلنه بوش بات تحت تأثير حالة جديدة لم تعد المقاومة ـ على أرض العراق ـ هي المؤثر فقط في تغيير اتجاهات الرأي العام، بل باتت هناك قوى ضاغطة في الداخل الأمريكي على الرئيس الأمريكي ومؤثِّرة على قدرته في التحرُّك والقول.
ثالث تلك العوامل: وجوب مراجعة ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، سواء على صعيد الشواهد المتعلِّقة بالعمليات التي جرت ضد أفراد وديبلوماسيين على الأرض العراقية، أو على صعيد الدخول المباشر للولايات المتحدة على خط التفكيك للتحالفات الشيعية المرتبطة بإيران مثل: ـ دفع المالكي إلى مواجهة الصدر، وإعلاء الحكيم في مواجهة الصدر والمالكي، وتقوية دور علاوي، وغير ذلك ـ، أو على صعيد تطوير آليات المواجهة الديبلوماسية في مجلس الأمن مع إيران.. إلخ.
رابع تلك العوامل: فهم الاستراتيجية الأمريكية من خلال قراءة التحرك الأمريكي في المنطقة بشكل عام ومحيط العراق بشكل خاص. وقبل هذا وذاك؛ فإن الساعي إلى فهم استراتيجية بوش «الجديدة» يجب أن يحقق تقديراً فعلياً للأوضاع في العراق.
وفي ضوء مراجعة الأوضاع القديمة والطارئة في معادلة اتخاذ القرار مما سبق الإشارة إليه ـ وغيرها بطبيعة الحال ـ ومع استبعاد مؤثرات الخداع السياسي والإعلامي، فإن معالم الخطة الأمريكية الحالية في خطوطها العامة يمكن تلخيصها في التالي:
١ ـ تطوير المعركة في العراق باتجاه المحيط (الهروب إلى الأمام) ، سواء لإرباك ترتيبات القوى التي نتجت عن المرحلة السابقة والتي باتت تسير بالولايات المتحدة نحو الهزيمة الكاملة، أو بإدخال قوى أخرى في الصراع عبر إخضاع دول أخرى في المنطقة للاستراتيجية الأمريكية وضروراتها، أو بنقل الصراع من داخل العراق إلى المحيط حيث إن الولايات المتحدة لديها في السيطرة على المحيط آلياتٌ أقوى من السيطرة على الأرض مباشرة في العراق (توسيع ساحة المعركة لتقليل قدرة القوى المحلية المناوئة) .
وفي ذلك؛ فإن الولايات المتحدة تعمل على استثمار عوامل هزيمتها لتحويلها إلى عوامل قوة، كما هو الحال في إخافة دول المحيط من النفوذ الإيراني في العراق، وفي تخويفها من انتشار المقاومة في المنطقة على حساب النُّظم القائمة.
٢ ـ تحويل ساحة المعركة في العراق نحو الفوضى الشاملة على صعيد تحالفات القوى، وفي ذلك يجري الدفع إلى إعلان العديد من التحالفات والجبهات الجديدة، كما يجري فضّ التحالفات القائمة وإشاعة الشكوك بالجُملة، كما يجري تقديم محاور في الصراع على أخرى ـ تقديم مواجهة إيران على مواجهة الولايات المتحدة ـ، والضغط عن طريق المفاوضات تارةً والقوة تارةً أخرى لتفكيك كل عوامل التماسك الداخلي، وكل ذلك ظاهر في تفكيك التحالفات الشيعية، وفي فتح المجال لتقسيم أوسع داخل حزب البعث، وفي توسيع هوّة الخلافات بين التيارات المقاومة ذاتها.
٣ ـ التركيز في العمل العسكري على تيارات هي الأشد وقوفاً ضد الاحتلال، وتنميط الخطط العسكرية لتحقيق أهداف سياسية وليس فقط لتحقيق حالة إضعاف لقوى مقاومة.
٤ ـ استخدام لغة جديدة في التعامل الإعلامي والسياسي مع الحالة العراقية، سواء بإشغال الرأي العام الأمريكي بقضية أخرى كما هو الحال بالنسبة لإيران ولبنان، أو بإنهاء استخدام المصطلحات القديمة التي كانت أشدّ عجرفة من تلك المستخدمة في لغة الخطاب الأمريكي الآن.
٥ ـ إعادة تأسيس العملية السياسية داخل العراق؛ لاستيعاب عدد أكبر من القوى، ولإحداث وضع جديد يمكِّن التقاط الأنفاس والتحرُّك باتجاهات جديدة لمحاصرة القوة الأشدّ راديكالية.
стр. 5876
العراق إلى أين ؟
د. أحمد عبد الحكيم السعدي
في ظلّ ما نشهده من تصاعد للأحداث على الصعيد الأمني، ومن تخبُّط في المجال السياسي، وفي ظلّ التناقضات العديدة التي يعيشها العراق، وفي ظلّ تصاعد الاقتتال الطائفي وسطوع نجم فِرَق الموت، وتصاعد عمليات المقاومة ضد المحتلّ؛ تتبادر إلى الأذهان تساؤلات عديدة يلخصها التساؤل الذي كان عنواناً للمقال، وهو:
قد يبدو هذا التساؤل صعباً، وإجابته معقدة للكثيرين، ممن يتابعون الوضع في العراق. ولكن الإجابة عن هذا التساؤل تتأتّى من خلال فهم حقيقة ما يحدث في العراق، ودراسة المعطيات على الأرض والنتائج المحتملة لها.
إنني أشبِّه الوضع في العراق بالمسألة الرياضية المعقدة، التي يصعب حلّها ويطول، وتحتاج إلى معطيات كثيرة ليسهل ذلك الحلّ.
فالمعطيات على أرض العراق متضاربة ومتعاكسة في نتائجها المحتملة، ومن أهمِّ هذه المعطيات: معطى المقاومة والجهاد المسلّح؛ فنحن نرى انتصارات المجاهدين في العراق تتزايد كل يوم، وكلما حاول المحتلُّ إخماد نار المقاومة زادت في توهّجها، وكلما حققت هذه المقاومة الباسلة بجميع فصائلها هزيمة قاسية في صفوف المحتل يحاول الأخير تحويل هذه الهزيمة إلى «انتصار» ؛ عن طريق الانتقام من المدنيين والهجوم الكاسح على المدن، في إطار عمليات عسكرية فاشلة تسمى بمسميات أكبر من حجمها الحقيقي؛ فمرّةً يسمونها بـ (النهر الجارف) ، ومرّةً بـ (الخنجر المسموم) ، والكثير من العمليات بمثل هذه المسميات، وفي مختلف المناطق والمحافظات. ولكن المحصلة على أرض الواقع تتناقض مع الجهد العسكري المبذول من جانب المحتلّ وأعوانه. والملاحظ بعد كل عملية من هذه العمليات أن عمليات المقاومة تزداد، ونرى تطوراً في العمليات النوعية التي يقوم بها المجاهدون، حتى أنني ألاحظ أن هناك تنافساً بين الجماعات المسلَّحة في مجال العمليات النوعية، مما أدّى إلى تطور العمل الجهادي.. والنتيجة المحتملة لهذه المقاومة هي خروج المحتلّ وتحرير العراق والحفاظ على وحدته.
لكن المعطى الآخر على أرض الواقع لا يقلُّ أهمية ووقعاً على مسار الحياة اليومية في عموم العراق، وهو معطى الميليشيات وفِرَق الموت المدعومة خارجياً. ونحن نرى كيف أن هذه الميليشيات تتزايد، وكيف أن نطاق عملياتها يتّسع يوماً بعد يوم، وأن جرائمها في ازدياد. والمعضلة الكبرى أن هذه الميليشيات مدعومة من جهات تغري الكثيرين من أبناء جلدتنا بطابعها الديني وتوجّهها «المقاوم» ، ولكنها في الحقيقة وعلى أرض الواقع تسعى إلى تدمير حاضرة الخلافة الإسلامية، وكسر البوابة الشرقية للعرب؛ من خلال إنشاء الميليشيات الطائفية وتدريبها ودعمها.
لكن معطى الميليشيات ونتيجته المدمّرة ـ وللأسف الشديد ـ ترجح كفّته في وقتنا الحاضر على معطى المقاومة ونتيجته، وذلك لسبب بسيط، وهو أن الميليشيات مدعومة وبشكل قوي وبتسليح وإمداد مستمر من إيران، أما المقاومة العراقية فإنها لا تجد دعماً عربياً أو إسلامياً يدعم توجّهها وأهدافها ونضالها لتحرير العراق ولحفظ وحدته، فضلاً عن محاربتها من قِبَل أغلب البلدان العربية والإسلامية.
وهنا تتحدد الإجابة عن التساؤل الأول: العراق إلى أين؟ فسيكون مصيرُ العراق مصيرَ خير وازدهار وقوة ووحدة إذا تكاتف المجاهدون في العراق، ووحّدوا صفوفهم، ونبذوا التحزّب والفئوية، وساروا على كلمة واحدة. هذا من الداخل، أما من الخارج فالمطلوب من الدول العربية والإسلامية أن تدعم المدافعين عن حاضرة خلافتهم وبوّابتهم الشرقية، وأن تقف معهم، ويجب أن يكون الدعم مادياً ومعنوياً وإعلامياً وعلى جميع الأصعدة؛ لأن الخطر في العراق لا ينوي الوقوف عند حدوده، وإنما سيتعاظم ويكبر لِيَلْتَهِم ما يستطيع من المنطقة. والدفاع عن العراق هو دفاع عن جميع البلدان العربية والإسلامية.
فإذا تحقق التكاتف بين المجاهدين، وتواجدَ الدعم الفعلي من الدول العربية والإسلامية عندئذ فقط سترجح كفّة المقاومة على كفّة الميليشيات وما يرتبط بها من أجندة خارجية.
أما إذا لم يحدث أي نوع من هذا الدعم والإسناد للمجاهدين في العراق فسترجح الكفّة للميليشيات وفِرَق الموت وللتدخّل الإيراني، وستكون الإجابة عن التساؤل الأول ـ العراق إلى أين؟ ـ إلى التفكك والتشرذم.
وعندها لن يبقى للعراق (المقطَّع) أملٌ إلا برحمة ربه.
стр. 5877
مرصد الأحداث
أحمد فهمي
من هنا وهناك
- قبل إعدام (صدام) ذهب وفد شيعي يضمُّ ضمن أعضائه (جواد المالكي) رئيس الوزراء، و (عبد العزيز الحكيم) رئيس المجلس الأعلى إلى (السيستاني) ، وحصلوا على فتوى منه تجيز إعدام (صدام) أيام العيد، ووقّع (المالكي) قرار إعدام (صدام) بقلم يحتفظ به منذ خرج من العراق قبل ٣٠ عاماً؛ ليذكره بحكم صدام، وليلة الإعدام كانت ليلة زفاف ابن المالكي في الوقت نفسه. [مجلة الحوادث ١٢/١/٢٠٠٧م]
- قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية (تسيبي ليفني) : «إن الخريطة السياسية تشهد تغيرات حالياً، وإن النزاع لم يعد قومياً يدور بين اليهود والعرب، إنما بين معسكرَيْ المعتدلين والمتدينين المتطرفين» ، في إشارة إلى صراع فتح وحماس. [وكالات، ١١/١/٢٠٠٧م]
- حسب تصريحات رئيس لجنة الشؤون العسكرية في مجلس النواب الأمريكي فإن (٤٠%) من المعدات العسكرية الأمريكية العاملة موجودة الآن في كلٍّ من العراق وأفغانستان، ويعني هذا أن زيادة عدد القوات العاملة في العراق ستُضْعِف قدرة الجيش الأمريكي في التدخل في أماكن أخرى في الحالات الطارئة. [مجلة المجلة، العدد ١٤٠٥]
- قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية (محمد علي الحسيني) : «إن إيران وصلت إلى المستوى اللازم من الإمكانات من أجل القيام بالنشاطات النووية، وستعلن نهاية العام عن إيران النووية» . [وكالات، ذو الحجة ١٤٢٧هـ]
- دعت هيئة علماء المسلمين العراقية قيادات الجيش العراقي السابق إلى العمل على إعادة تنظيم وحدات الجيش وانتظار الفرصة لتحرير العراقيين، وقالت الهيئة ـ في بيان لها بمناسبة عيد الجيش العراقي في ٦ يناير ـ: إن ذكرى تأسيس الجيش تمرُّ بعد أربع سنوات من تآمر الاحتلال عليه؛ من خلال حلِّ مؤسساته وتسريح منتسبيه، والعراق ينحدر إلى واقع مؤلم تلعب الدول بمقدراته ويُذِلُّ الاحتلال شعبه. [وكالة رويترز ٨/١/٢٠٠٧م]
- تبلغ الميزانية الأمريكية للعام الجديد ـ والتي قدَّمها البيت الأبيض إلى الكونجرس ـ ٢.٩ تريليون دولار؛ منها قرابة ٧٠٠ مليار دولار مخصصة للإنفاق العسكري، ويخصص مشروع الميزانية حوالي ٢٠٠ مليار دولار للإنفاق على العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان. [موقع بي بي سي ٦/٢/٢٠٠٧م]
علامة تعجب
وما تخفي صدورهم أكبر:
قالت وزيرة الخارجية الأمريكية لوزير الشؤون الاستراتيجية الصهيوني (أفيغدور ليبرمان) : «يجب خنق حماس» ! [مجلة الحوادث ١٢/١/٢٠٠٧م]
الرؤية البريطانية للهلال الشيعي:
صرَّح مسؤول بريطاني له علاقة بالملف العراقي أن بلاده ليس لديها مشكلة في أن يكون لإيران دور في العراق: «على العكس نحن نشجِّع علاقة مقربة وإيجابية بين البلدين، هذا ليس ما يقلقنا، ما يقلقنا هو وجود عناصر تعمل على إضعاف الدولة العراقية» . [الشرق الأوسط ٨/١/٢٠٠٧م]
حان الوقت لإسدال الستار:
أرسل زعيما الكونجرس الأمريكي الديمقراطيان (هاري ريد) و (نانسي بيلوسي) رسالةً إلى الرئيس الأمريكي (جورج بوش) يدعوانه فيها إلى سحب القوات الأمريكية من العراق، وقالا في رسالتهما: «بعد نحو أربع سنوات من القتال وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى وأكثر من ٣٠٠ بليون دولار؛ حان الوقت لإسدال الستار على هذه الحرب» . وقالا ـ أيضاً ـ: «إن الشعب الأمريكي أعرب في انتخابات نوفمبر عن شكوكه حيال إمكانية أن تقود السياسة الأمريكية الحالية الأمور إلى النجاح» . [السياسة الكويتية ٧/١/٢٠٠٧م]
بين الصورة والحقيقة:
في برنامج (الاتجاه المعاكس) على قناة الجزيرة اعترف أحد الضيوف المدعو (صادق الموسوي) ـ شيعي ـ بأن اسمه (طارق هاشم مطر) ، وكما هو معروف فإن (موفق الربيعي) اسمه الحقيقي (كريم شاه بور) ، ورئيس الوزراء العراقي (نوري المالكي) اسمه (جواد) ، وكلمة (المالكي) طرأت عليه حديثاً، والمسؤول العراقي (علي الأديب) الذي حضر إعدام صدام اسمه الحقيقي (علي يزدي) . [مجلة الوطن العربي ١٠/١/٢٠٠٧م]
رشوة أم مساعدات!
تشير التقارير الصحفية من أفغانستان إلى أن الشرطة الفاسدة والقادة القبليين يقدمون على سرقة المساعدات الدولية التي تُقدَّم من أجل إعادة التعمير، وفي معظم الحالات انتهت المساعدات التي قُدِّمت في الأيدي الخطأ، ويقدِّر مسؤولو الدفاع في الولايات المتحدة وبريطانيا أن حوالي نصف المساعدات المقدَّمة إلى أفغانستان تفشل في الوصول إلى من هم في أمسِّ الحاجة إليها، وذكر مسؤول في البنتاغون أن ضباط في الشرطة الأفغانية سرقوا وباعوا ما لا يقل عن نصف المعدات والإمدادات التي قدَّمتها الولايات المتحدة، ومن ضمنها: آلاف السيارات والشاحنات. [الصنداي تليجراف ـ الوطن القطرية ٥/١/٢٠٠٧م]
مرصد الأخبار
الدولة الصهيونية وفرنسا: لا خوف من القنبلة النوويةالإيرانية!
نقلت صحيفة هآارتس (٤-٢-٢٠٠٧م) محتويات تقرير صادر عن مركز الأبحاث حول الأمن القومي في جامعة تل أبيب، هذا التقرير أعدّه باحثون في ذلك المركز حول الملف النووي الإيراني؛ حيث قال الباحثون: إنه في حال تمكّنت إيران من امتلاك القنبلة النووية فمن المرجح أنها لن تستخدمها لتدمير إسرائيل. ولفت التقرير إلى أن إيران تريد امتلاك السلاح الذري لأهداف دفاعية من أجل ضمان هيمنة إقليمية لها وتعزيز نظامها. وتابع: إنه في حال توصلت إيران إلى امتلاك القنبلة النووية من المفترض أن تتصرف بعقلانية وليس تبعاً لدوافع دينية أو عقائدية. واعتبر واضعو التقرير أن المنطق يبعث على الاعتقاد بأن إيران ستستخدم السلاح الذري فقط لمواجهة خطر كبير، وأن تدمير الدولة الصهيونية ليس من المصالح التي تبرر مثل هذه الوسيلة. كما رأى الخبراء الصهاينة أنه من غير المرجح أن تنقل إيران السلاح النووي إلى منظمات إرهابية. لكنهم اعتبروا ـ رغم ذلك ـ أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً سيكون خطيراً بالنسبة إلى الدولة الصهيونية؛ لأنها ستواجه ـ للمرة الأولى ـ تهديد دولة قادرة على تسديد ضربة قاسية إليها.
في سياق متصل؛ اعتبر وزير الخارجية الفرنسي السابق (رولان دوما) أن امتلاك إيران القنبلة الذرية سيكون بمثابة عامل توازن في المنطقة، وأعرب عن تمنِّيه في أن تبدأ بسرعة كبيرة مفاوضات عامة مع إيران.
وكان الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) قد أدلى بحديث أثار الجدل لصحيفتَيْ (نيويورك تايمز) و (إنترناشيونال هيرالد تريبيون) ومجلة (نوفيل أوبسرفاتور) ؛ حيث قال: «إن امتلاك طهران قنبلة أو اثنتين ليس بالأمر الخطير جداً» ، قبل أن يعود ويطلب تصحيح تصريحاته. [الرأي العام ٥/٢/٢٠٠٧م]
عصابات أمريكا تحرس الديمقراطية في بغداد
كشفت وكالة (إف بي آي) الأمريكية أن أعضاء عصابات الإجرام المنظَّم في الطرقات وكذلك عصابات الدراجات النارية قد انضموا فعلاً إلى صفوف الجيش الأمريكي، والعديد منهم قد وصل إلى العراق.
وذكر تقرير أصدرته الوكالة بهذا الخصوص أن وجود أعضاء هذه العصابات داخل الجيش يُعدّ أمراً خطيراً، إذ إنه سيقود نهاية الأمر إلى انتشار العصابات الأمريكية حول العالم.
ولا تقوم وزارة الدفاع الأمريكية عادةً بالتدقيق في الخلفيات الإجرامية للملتحقين الجُدد بقوات الجيش، حيث إن انخفاض أعداد المتقدمين للانتساب إلى الجيش تراجع بدرجة ملحوظة نتيجة الحرب في العراق، في الوقت نفسه الذي تزايدت فيه أعداد المجرمين الملتحقين بالقوات المسلحة.
وذكر تقرير الـ (إف بي آي) أن المسؤولين عن قبول طلبات الالتحاق بالجيش ليسوا مؤهلين للتعرف على خلفيات المتقدمين الإجرامية. كما ذكر أن العصابات تقوم بتوظيف عدد من الضباط والجنود السابقين في أعمال التدريب على السلاح والقتال. [الشرق الأوسط ٢٢/١/٢٠٠٧م]
ثورة العبيد
أحدثت عمليات الفرز الطائفي في بغداد ـ التي تمارسها فِرَق الموت المدعومة حكومياً وإيرانياً ـ نتائج خطيرة؛ فقد أصبحت عشرة أحياء كاملة في شرق بغداد شيعية بعد أن كانت مختلطة بين السُّنّة والشيعة قبل عام واحد فقط، وفي مجلس محافظة بغداد من بين ٥١ عضواً لم يعد هناك غير عضو سُنّي واحد.
ويقول (هادي العامري) ـ النائب في البرلمان العراقي، وأحد منفذي المذابح ضد سُنّة العراق ـ: إن ما يجري هو بناء معادلة جديدة لإعطاء (الأكثرية) الشيعية حقوقها، بعد أن كان الآخرون من قبل ضباطاً، بينما الشيعة مجرد جنود وعبيد. [مجلة الحوادث، العدد ٢٦١٩]
واتّهم مقتدى الصدر ما وصفه بحوار أمريكي سُنّي بأنه محاولة لإنهاء وجود الشيعة، واعتبر أن عودة بعض البعثيين السابقين إلى الحكومة أمر مرفوض، وأصدر فتاوى يساوي فيها بين الاحتلال والبعثيين، واتهم النواصب [أهل السُّنّة والجماعة] والبعثيين: بأنهم ينسقون مواقفهم مع الاحتلال، وحثَّ جماعته على القتال قائلاً: إن «القتال في سبيل الخط المحمدي الصحيح مأذون من الله ورسوله» !!
كوسوفا.. هل يعيد التاريخ نفسه؟
دعا رئيس الوزراء الصربي (فوغيسلاف كوستونيتشا) الشعب الصربي للدفاع عن إقليم كوسوفا، وقال رئيس الوزراء ـ في إعلان نُشر في صفحتين بصحيفة بولوتيكا الصادرة في بلغراد ـ: «لن نسلِّم كوسوفا، ولا يوجد صربيٌّ حيٌّ يوافق على تسليم كوسوفا» ، وقال أيضاً: «يا مواطني صربيا! لا يمكن للمرء أن يكون له عقل عندما يفكِّر في كوسوفا، وطالما وُجِدَتْ صربيا ستبقى كوسوفا جزءاً من صربيا» .
وقال رئيس الوزراء في إعلانه التعبوي: إن كوسوفا «هي الحرف الأول في الأبجدية الروحية للشعب الصربي» . وقال ـ في استعداء واضح ضد مواطني إقليم كوسوفا ذي الأغلبية المسلمة ـ: «علينا أن ندافع عن كوسوفا معاً، وأن يشارك في ذلك كل مواطن، وإلا فإننا لن نفقد كوسوفا فقط، بل وصربيا أيضاً والهوية الصربية» .
ويُذكر أن إقليم الجبل الأسود قد مُنِح حق الانفصال عن صربيا العام الماضي، وأصبح جمهوريةً مستقلة وسط تأييد دولي أوروبي، بينما لا يزال وضع كوسوفا المسلمة محلَّ جدال ونزاع.
وكانت حرب التطهير العرقية قد طالت كوسوفا بعد البوسنة، مما أدّى إلى عشرات الألوف من المسلمين ذوي الأصول الألبانية في الإقليم ضحية ذلك التطهير.
[بتصرّف عن صحيفة السياسة الكويتية ١٨/١٢/١٤٢٧هـ]
مرصد الأخبار
الأخطبوط الإيراني يصل الجزائر
نشرت صحيفة (الخبر) الجزائرية أن الأجهزة الأمنية تجري تحقيقاً حول وجود نشاط شيعي في منطقتين غربي الجزائر.
وقالت الصحيفة: إن النشاط المذكور يتمّ في ولاية (معسكر) على مسافة ٤٠٠ كم غرب العاصمة، وإن أجهزة الأمن فتحت تحقيقاً بشأن وجود مجموعات شيعية تمارس أنشطة لنشر التشيُّع الموالي لإيران. وتشير المعلومات المتوفرة إلى وجود مجموعتين؛ تنشط الأولى في مدينة (معسكر) ، والثانية: في بلدية (المأمونية) ، وتقومان باستقطاب الشباب والجامعيين لتبنِّي المعتقد الاثني عشري؛ حيث يتم عقد حلقات نقاش في المنازل والأماكن العامة، استناداً إلى أصداء التصريحات الثورية التي يدلي بها الرئيس الإيراني (أحمدي نجاد) بخصوص إسرائيل والملف النووي، وأيضاً إلى شخصية (حسن نصر الله) زعيم حزب الله اللبناني وتداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان.
وقد أنشأ دعاة التشيُّع جمعية محلِّية كغطاء لتحركاتهم، وعقدوا فيها لقاءات ثقافية، وأصدروا نشرة تحمل أسماء رموز التشيُّع في المنطقة. كما يشكك دعاة التشيُّع في التاريخ الإسلامي، ويطعنون في صحابة النبي ﷺ ، وخاصة أبا بكر وعمر وعثمان ﵃. [بتصرّف عن وكالة (يو بي آي) ٧/١/٢٠٠٧م]
نصر الله يتجهز للقوات الدولية
\ بدأ حزب الله ـ كما هو متوقع ـ مرحلة الاستعداء واستنفار أتباعه ضد القوات الدولية المنتشرة في جنوب لبنان وفقاً للقرار ١٧٠١ الصادر عن مجلس الأمن والذي وافق عليه الحزب لإنهاء الحرب الأخيرة.
وصرَّح (نصر الله) في خطابٍ ألقاه ضمن احتفالات الشيعة في لبنان بعاشوراء: أن القوات الدولية تقوم بتحركات مريبة.
وتحدث نائب الأمين العام للحزب (نعيم قاسم) عن دور (مشبوه) تقوم به بعض وحدات اليونيفيل في الجنوب لمصلحة إسرائيل، متخطية بذلك المهمة الموكلة إليها ـ حسب قوله.
وبعد ذلك أشار (حسن نصر الله) في حديث صحافي إلى (جديّة تحذيرات حزب الله إلى قوات اليونيفيل) ، وتتركز تحذيرات الحزب على معلومات قال إنه تلقاها - ونفاها الفرنسيّون - حول فكرة قيام طائرات استطلاع فرنسيّة بالتحليق في الأجواء اللبنانيّة كبديل عن تحليق طائرات الاستطلاع الإسرائيليّة، وقال (نصر الله) : «إذا كان هذا الأمر جديّاً فهو خطير، وله مضاعفات خطيرة» .
ويتهم الحزب القوة الفرنسيّة ـ أيضاً ـ بأنها تقوم بأعمال تثير الشكوك؛ من قبيل تصوير أماكن ومنازل، وتجميع معلومات تتعلّق بالحزب، وتثير استفزاز المواطنين؛ من خلال حالة الاستنفار والتوجس التي تثيرها الدوريات داخل الأحياء السكنية في ساعات متأخرة من الليل.
وبالمقابل تفيد أوساط مقرَّبة من اليونيفيل أن حزب الله يقوم في شكل غير معلن بتعزيز حالة (اللاثقة) لدى المواطنين تجاه الفرنسيين، ووصل الأمر إلى حدّ تشجيع رؤساء البلديات ووجهاء القرى والبلدات على عدم لقاء قيادة القوة الفرنسيّة، الأمر الذي انعكس سلباً، وحدَّ من طموحات الفرنسيين في توسيع دائرة نفوذهم الأمني والاجتماعي في المنطقة التي ينتشرون فيها.
وكانت ألمانيا ـ التي ترأس الاتحاد الأوروبي حاليّاً ـ قد اهتمت بتحذيرات حزب الله، وسارعت إلى تحذير رعاياها من التوجه إلى لبنان. وأوردت مجلة (دير شبيغل) الألمانية نقلاً عن رسالة دوريّة أصدرتها السفارة الألمانية في بيروت: أنه من غير المستبعد أن تقع أحداث فرديّة أو حتى أعمال عنف ضدّ الألمان في لبنان، رابطة ذلك بالدور الذي تضطلع به القوة البحرية الألمانية التي تنتشر أمام السواحل اللبنانية من أجل منع وصول أسلحة إلى حزب الله. [بتصرّف نقلاً عن صحيفة السفير ٥/٢/٢٠٠٧م]
التشيّع.. حتى بعد الموت
اتهمت هيئة علماء المسلمين في بيان لها الحكومة ـ العراقية بخداع الرأي العام فيما يتعلق بدفن القتلى في النجف وكربلاء. وقالت الهيئة: إن عمليات دفن الجثث المجهولة الهوية في مدينتَيْ النجف وكربلاء تهدف إلى الإيحاء بأن القتلى من الشيعة ـ بينما هم من السُّنّة العراقيين ـ ولطَمْس العدد الحقيقي للقتلى.
وذكرت (الهيئة) في بيانها هذا: أن معظم هذه الجثث من أهل السُّنّة الأبرياء، وطالبت بأن «تخصص الحكومة قطعة أرض لهم في بغداد يُدفنون فيها؛ ليكونوا شاهد عدل على حقبة زمنية بائسة» .
واعتبرت (الهيئة) عملية دفن الجثث في النجف وكربلاء إنما هي استغلال للضحايا مجهولي الهوية، وأن عدد الجثث يفوق كثيراً الأعداد التي تعلن عنها الحكومة؛ فهو يتراوح ما بين ١٠٠ و٣٠٠ جثة يومياً. وأشارت إلى أنه منذ أمدٍ ليس بالقصير تقوم جهات معينة بدفن هذه الجثث على نحو متواصل في مدينتَيْ كربلاء والنجف، وأحياناً تسهل لهم طائرات لنقل المغدورين في خطوة ظاهرُها فعل الخير وحقيقتها استغلال هؤلاء الموتى؛ لتزوير التاريخ والتظلم بهتاناً؛ من خلال الزعم بأن هؤلاء ضحايا من الشيعة قتلهم سُنّة متطرفون. [أ. ف. ب ٥/٢/٢٠٠٧م]
س وج
س: هل يصبح مستشار الأمن القومي العراقي (موفق الربيعي) رئيس الوزراء القادم؟
ج: (موفق الربيعي) أحد الشخصيات المثيرة للجدل في العراق؛ نظراً لدوره الغامض وتشعّب علاقاته وحصوله على الرضى الأمريكي الإيراني في آنٍ واحد؛ ما جعله يستمر في منصب مستشار الأمن القومي العراقي رغم تغير الحكومات. وقد أثار (الربيعي) حنق العرب السُّنّة داخل العراق وخارجها - عن عمد - مؤخراً بسبب طريقة إعلانه وفاة (صدام حسين) .
ويسعى (الربيعي) في الفترة الأخيرة إلى تشكيل ائتلاف شيعي كبير في العراق. ويقوم في الظرف الراهن بوساطة ما بين (مقتدى الصدر) و (عبد العزيز الحكيم) ، ويرجح خبراء عراقيون أن (الربيعي) يعدّ العدّة من الآن للسيطرة على منصب رئاسة الوزراء، ولذلك كان ظهوره في سياق إعلان نبأ إعدام (صدام) من أجل الحصول على تأييد واسع النطاق في الأوساط الشيعية العراقية.
و (موفق الربيعي) ليس موفّقاً وليس ربيعياً؛ فاسمه (كريم شاه بور) وهو إيراني فارسي، ويتقن الفارسية أفضل من العربية، كما أنه لا ينتسب إلى قبيلة (ربيعة) ، والتي كذَّبَ شيخُها (ربيعة محمد الحبيب) هذا النسب المزعوم. ويعتبر (كريم شاه بور) من أبرز الشخصيات المحورية التي تلعب دور نقطة الالتقاء بين طهران وواشنطن فيما يتعلق بالعراق؛ فهو هرب من العراق إلى إيران حيث تلقَّى تدريبات أمنية مكثفة، ثم هاجر إلى بريطانيا وكان نقطة تجمّع للمعارضين العراقيين ـ أو هكذا كان يحاول ـ، وأقام علاقات وثيقة مع المخابرات الأمريكية والبريطانية والإيرانية في آنٍ واحد، وبلغت علاقته بالأمريكيين من القوة أن السفير الأمريكي في لندن (ريتشارد وني) كان ينام في بيته أحياناً.
وكان (كريم شاه بور) قد افتتح في لندن مكتباً لتشغيل الأطباء في المستشفيات مقابل عمولة ـ بوصفه طبيباً ـ، ولكنَّ المكتب كان يعمل كستار لأنشطته المخابراتية؛ حيث تمكن من استقطاب شخصيات عراقية شيعية كانت معارضة لـ (صدام حسين) في الخارج؛ من أجل الاستعانة بها في إدارة العمليات الأمنية بعد إسقاط نظام (صدام) .
ويعتبر محلِّلون أن (موفق الربيعي) هو أحد أهمِّ خمسة أسماء في العراق ـ الآن ـ بسبب احتفاظه بعلاقات قوية مع واشنطن وطهران، ويتردّد أنه الرجل الأول الذي سُمح له بالدخول إلى القاعدة الرئيسية للاستخبارات الأمريكية والموساد في فندق بغداد، كما يعتقد أنه مكلَّف بالترويج لقضية تقسيم العراق إلى خمسة أقاليم؛ كونه يكثر من الحديث عن هذا السيناريو.
ويحتفظ (الربيعي) بعلاقات قوية مع (مقتدى الصدر) ومع (الحكيم) في الوقت نفسه، ويرتبط مع الحرس الثوري من خلال (قاسم سليماني) قائد فيلق القدس، وقد اجتمع عقب إعدام (صدام) مع ضباط استخبارات إيرانيين في قيادة المخابرات الإيرانية على الحدود؛ من أجل التخطيط لمرحلة ما بعد إعدام (صدام) وكيفية التعامل مع سُنّة العراق؛ فـ (الربيعي) معروف بعداوته الشديدة للسُّنّة، وكان حريصاً كل الحرص على تكبيدهم خسائر فادحة في بداية الغزو الأمريكي للعراق، وصرَّح بقوله: «لننقل المعارك شمال بغداد، وللمثلث السُّنّي» ، وتجلّت عداوته للسُّنّة ورغبته في النكاية بهم ما كان من طريقة إعلانه إعدامَ (صدام) وتأكيده على رعشته واضطرابه قبل التنفيذ. [بتصرف عن مجلة المجلة ٢٤/١٢/١٤٢٧هـ]
س: ما آخر المعلومات المتوفرة حول هجرة اليهود إلى فلسطين المحتلة؟
ج: ذكرت وكالة صهيونية شبه رسمية مختصة بشؤون الهجرة: أن أعداد المهاجرين في العام ٢٠٠٦م تعتبر الأقل منذ (١٨) عاماً؛ حيث بلغت ٢١ ألف مهاجر تقريباً، وكانت منذ ١٨ عاماً ١٣٠٣٤٠ مهاجراً.
وبحسب أرقام الوكالة اليهودية فإن أعداد المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفييتي السابق قد تراجعت بشكل ملحوظ؛ حيث بلغت في العام السابق ٢٠٠٦م ٩٣٧٨، وهي أقل بنسبة (٢٣%) عن العام الذي قبله ٢٠٠٥م؛ حيث وبلغ عدد المهاجرين فيه ٢٢٦٥٧.
وقد هاجر إلى فلسطين المحتلة من دول الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية قرابة مليون شخص منذ عام ١٩٨٩م، ويبلغ عدد سكان الكيان الصهيوني حالياً سبعة ملايين نسمة.
وقد بلغ عدد المهاجرين من أمريكا الشمالية في العام الماضي ٢٠٠٦م ٣٢٠٠ مهاجر، وهي الجهة الوحيدة التي شهدت ارتفاعاً في عدد المهاجرين؛ حيث بلغت نسبة الزيادة في العام الماضي ٢٠٠٦م عن الذي قبله (٧%) .
وتشير المعلومات إلى تراجع أعداد اليهود القادمين من الاتحاد السوفييتي؛ بسبب نضوب اليهود هناك، وهو ما يعني أن نسبة المهاجرين ستظل في تناقص بعد انتهاء فترة الازدهار التي بدأت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. [وكالات، يناير ٢٠٠٧م]
ترجمات عبرية خاصة بالبيان
كشف تقرير رُفع أمام لجنة الهجرة والاستيعاب في الكنيست الصهيوني: أن نسبة المغادرين من اليهود القادمين الجدد تبلغ خمسة أضعاف اليهود القدامى من كبار السّن الذين يغادرون الدولة الصهيونية، وتبين المعلومات الواردة في التقرير عن العام الحالي ٢٠٠٦م أن مئات الطلبة الذين أنهوا دراستهم الثانوية في الدولة الصهيونية يغادرونها؛ لاستكمال دراستهم في روسيا وأوكرانيا؛ مما يزيد من صعوبة اندماجهم في المجتمع الصهيوني. [هآارتس ١٤/١١/٢٠٠٦م]
«الدولة الصهيونية تقوم بصورة منهجية وخبيثة بقَضْمِ حقوق الفلسطينيين، وتتصنَّع النوايا الحسنة عندما تُفتضح هذه السياسة» . [هآارتس ١٣/١١/٢٠٠٦م]
«شيء مخجل لليهود أن يكون (عمير بيرتس) هو المسؤول عن الأمن. وإذا لم يكن في الحكومة؛ فماذا يعرف أن يكون؟ على الأكثر سائق سيارة أجرة» .
[الملياردير اليهودي من أصل روسي (أركادي غيداماك) ١٩/١١/٢٠٠٦م]
«اتحاد مراكز الدعم الاجتماعي والنفسي في الدولة الصهيونية تلقَّى منذ شهر يناير وحتى شهر أكتوبر أكثر من ٢٨ ألف شكوى حول الاغتصاب والتحرّش الجنسي؛ منها ٦٢٧٠ شكوى جديدة، مقابل ٥٢٣٠ شكوى جرت أحداثها في نفس الفترة الزمنية من العام ٢٠٠٥م» . [معاريف ٢٢/١١/٢٠٠٦م]
«سوريا استخلصت العبر من حرب لبنان الأخيرة والتي تقضي بأن منظومة الصواريخ والمقذوفات الصاروخية هي المنظومة الأهم في المواجهة مع الدولة الصهيونية» . [هآارتس ٢٦/١١/٢٠٠٦م]
ترجمات
«إن حرب إسرائيل لم تنتهِ بالمعركة في لبنان؛ فأمامها مخاطر كبيرة، وهناك حاجة حقيقية للبحث عن مسارات سلام. ويبدو أن هذه المهمة أكبر من قدرة (أولمرت) و (بيرتس) » . [ (شلومو جازيت) عميد احتياط، لمعاريف ٢٤/١١/٢٠٠٦] م
«إن الفلسطينيين يحاولون خلق معادلة جديدة على الأرض مع الإسرائيليين، والذين يعتبرون أن أيَّ عملية عسكرية في الضفة الغربية ستدفعهم للردِّ عليها من قطاع غزة؛ بإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل» . [عضو الكنيست (داني ياتوم) ، ليديعوت أحرنوت ٢٨/١١/٢٠٠٦م]
«نخشى أن يتدهور الوضع بسرعة في المنطقة في أشكال مختلفة؛ بسبب الأعمال التي يمكن أن تتم انطلاقاً من هذه المنطقة في اتجاه إسرائيل» .
[قائد قوة الأمم المتحدة العاملة في لبنان «يونيفيل» الجنرال الفرنسي (ألن بيلليغريني) ، لمعاريف ١٧/١١/٢٠٠٦م]
أخبار التنصير
أمريكا: لن نمنع التبشير في العراق:
ذكرت (نيوزويك) الأمريكية أن البيت الأبيض أعلن أنه لن يمنع ما أسماه (الجمعيات الخيرية المسيحية) من ممارسة مهامها التنصيرية داخل العراق. وقالت المجلة: إن جمعية (الكتاب المقدس الدولي) أرسلت إلى العراق ١٠ آلاف نسخة من كتيبات باللغة العربية تحمل عنوان (المسيح جاء بالسلام) ، وأضافت: إن الجمعية تعتزم إنتاج ما يقرب من ٤٠ ألف نسخة أخرى في شهر مايو الجاري. ويقول (روبرت فيزرلين) ـ المتحدث باسم التحالف المسيحي المبشر إحدى الجمعيات المسيحية التي ستقدم على الخطوة نفسها ـ: «سنكون حذرين إزاء هذه المسألة» . [المشاهير الكنسية ـ القاهرة ١٢/١٢/٢٠٠٦م]
الشباب اللّيبي بين مطرقة عصر الجماهير وسندان التنصير:
كشفت تقارير أن عدداً من الشباب اللِّيبي ـ الذين انتقلوا إلى مالطا بحثاً عن عمل ـ قد تنصروا تحت تأثير الحاجة، ويعمل عدد كبير منهم في مهنٍ سيئة، ومثال ذلك: شاب ليبي كُلِّف بدقِّ جرس كنيسة منطقة موستا المالطية، وهي إحدى أكبر الكنائس المالطية. وشاب آخر يعلِّق صليباً كبيراً في عنقه، ويعمل في تنظيف ومسح الكراسي والصلبان والبيانو والأرضية في كنيسة فاليتا.
وأفاد مصدر خاص أن فتيات كثيرات وأطفالاً صغاراً كان يتم ترحيلهم من مالطا أولاً بأول إلى دول أوروبية؛ كاليونان وإيطاليا، تحت إشراف امرأة كورية متمرّسة في التنصير الفردي.
وأضاف المصدر أن النشاط التمريضي والعلاجي للنساء والفتيات المسيحيات أصبح ستاراً لارتكاب كل أشكال الجرائم غير الأخلاقية مع الشباب اللِّيبي في مالطا؛ تحقيقاً لهدف التنصير. [الشريف الليبي ـ مدوّنة ليبيا الحرة ـ ٢٢/١٢/٢٠٠٦م]
مكتب اللاجئين بالقاهرة ينصّر عشرة آلاف مسلم:
كشفت أوراق ثبوتية حصلت عليها شبكة (بلدي) الإلكترونية صادرة عن مكتب اللاجئين بهيئة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة في القاهرة: أن المكتب ينسق مع الكنائس المصرية؛ لاستيعاب اللاجئين الأفارقة إلى مصر بسبب الكوارث والحروب، ومنحهم بطاقات ملونة تدل على ديانة كل لاجئ، والذي بناءً عليه تتحدد الكنيسة التي يتم إرسال اللاجئ إليها وكذا حجم ونوع المعونات التي يسمح بتقديمها إليه، وأسلوب الإعالة، وحقه في التعليم والعلاج من عدمه.
ووضعت الكنائس شروطاً مجحفة لإعالة المسلمين؛ بربط الدعم المقدَّم لهم بعدد مرات حضور صلوات الكنيسة والخضوع لأوامر الكهنة فيها. كما يمنح لأولاد المسلمين مكافآت تتراوح بين الخمسة جنيهات والعشرين جنيهاً لمن يحفظ نصوصاً كتابية أو ترانيم من التي يرتّلونها في صلواتهم. [شبكة بلدي ـ خاص ـ ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٦م]
стр. 5878
صمود !!
جمال الحوشبي
من عناقيد الغضب، إلى أمطار الصيف.. يجدّد اليهود منهج الصليبية الأمريكية في العمليات العسكرية التي يقومون بها، لا في المسميات فحسب، ولكن في الروح الحاقدة على الإسلام، وأهدافِها الداعية إلى إبادة أهله. ويبقى ذلك الصامد على ثغر الأرض المقدسة درعاً للأمة في وجه العدو الغاصب.
(١)
ستعلو.. رُغمَ من يركعْ
وتسلو.. بعد أن تدمعْ
وتحيا شامخاً أبداً..
وإن رُكّعت.. لن تركعْ
(٢)
ستُضرَبُ مرةً أخرى..
ستُحملُ فوق أكتافِ الـ
عزيمة.. جُثّةٌ أخرى
وتشكو..
ثم لن تَلقى..
خليلاً ثَمَّ كي ينفعْ.
(٣)
سَتَدْفِنُ مرةً.. طفلاً
وتُبصرُ تارةً ثَكلى
وتشكو..
ثُمّ لن يبقى..
سوى الرشاشُ والمدفعْ.
(٤)
سلامٌ.. أين من يرجو؟
سلاماً من يهوديٍّ؟!
وأين سلامُ من أضحى
يدمِّرُ كلَّ ما ترفعْ
ويسرقُ..
ثم لا يرضى..
ويقتلُ..
ثم لا يقْنَعْ؟!
(٥)
لَكم ناديتَ مُعتصِماً..
فما ثَمَّ.
وقُلتَ: النَّكبةُ الأخرى..
ستوقِظُهُ..
فلم يسمع.
لأنَّ المال أشغَلَهُ..
وصوتُ الدّانِ أسكرَهُ..
وأطْرَبَهُ.. رغيدُ العيشِ..
والمهجَع.
وإن ناديت.. لن يسعى
وهل من ميِّتٍ يَسمَعْ؟
(٦)
سيحذَرُ منكَ من أمسى..
خليلاً.. لست تُنكِرهُ
قريبٌ.. كنتَ ترجوهُ..
لكي يحمي..
وكي ينفع.
يبيعُ الأرضَ..
بعد الدِّينِ..
كي يحيا..
وما للموتِ من مَدفَعْ.
(٧)
ستُلهِبُ أمّةً كُبرى..
وتحملها.
إلى المسرى.
ستعلو ثَمَّ كي ترفَع
بحيفا رايةً أخرى..
ومهما زمجَر الباغي..
فأنت إلى الردى أسرعْ
ستُفني قبل أن تُفنَى
وتقطَعُ قبل أن تُقطَع.
(٨)
عدوّك سوف لن يبقى
قوياً.. بعد أن تحيا
ستُبصرُ أنه أمسى..
جباناً رُغم ما يصنَعْ
يخاف الموتَ.. يحذَرُهُ
ليحيا..
والذي يحيا
ضعيفٌ رُغمَ ما يجمعْ
(٩)
سيعلو صوتُ أمريكا..
فلا تسمعْ
وما من عاقل يُرجى بـ (أوروبا)
فلا شَجبٌ..
ولا حتى..
قرارُ إدانةٍ يُرفَعْ.
وهل ترجو سوى رَبٍّ..
عظيمٍ لا يُغالِبُهُ..
شديدُ الهَولِ والمطلعْ
عَزيزٍ.. في يديه الأمرُ
مَن يهدي.. ومن يدفَعْ
стр. 5879
جدلية العقل والدين بين الفكر الغربي والدين الإسلامي
عبد الله بن نافع الدعجاني
لعلّ أهمَّ ما يميز الفكر الغربي الحديث والمعاصر من غيره هو اصطباغه بفلسفة التفكيك، تلك الفلسفة التي ترفض المرجعية الفكرية والأخلاقية، هادفةً من ذلك نسفَ أيّ أساس للحقيقة، وإلى تقويض ظاهرة الإنسان، فليس هناك ـ في فلسفة التفكيك ـ حقيقة واحدة، بل مجموعة من الحقائق المتناثرة النسبية، وليس في الإنسان إلا بُعْدٌ واحد، وهو البُعْدُ المادي المجرَّد من القيم الأخلاقية والجمالية والروحية، تسيطر عليه العقلانية المادية وتطبّق عليه معايير العلوم الطبيعية والرياضية الكمّية.
لم تولد تلك الفلسفة في عصرنا الحاضر، وإن كان يتزعمها اليوم الفيلسوف (جاك دريدا) ، بل كانت بذرة كامنة في بنية العقل الغربي بشقّيه الفلسفي والدِّيني، وما زالت تكبر وتزداد تضخُّماً حتى أوصلت المشروع الفكري الغربي إلى العدميّة المحضة.
فالفكر الغربي بعد أن فكَّك الإنسانَ وجعله كائناً آلياً تحرِّكه غرائزه الوحشية المظلمة القابعة داخله كما يصوّره (دارون) ، أو تدفعه القوانين الآلية التي لا يمكن تجاوزها كما تصوّره الفلسفة المادية، بعد أن فعل ما فعل بهذا المخلوق الكريم قوَّض علاقته بخالقه، وجعلها علاقةَ تناقضٍ لا علاقةَ انسجامٍ، وعلاقةَ صراعٍ لا علاقةَ عبوديةٍ.
بسبب هذه الثقافة التفكيكية استشكل الفكر الغربي الحديث والمعاصر علاقةَ العقل الإنساني بالدِّين الإلهي، ووصل بذلك إلى وصف تلك العلاقة بالتنافر والتضادّ، بل والتناقض، لكنه انقسم في محاولة حلّه هذه المشكلة المفتعلة إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه متطرِّف غالٍ، يهدف إلى القضاء على الدِّين ومصدره جملةً وتفصيلاً، مع تأليهه العقل الإنساني. وهذا الاتجاه وإن كان قد ضعف تأثيره الفكري في فكر السواد الأعظم للشعوب الغربية، إلا أنه قد مثله لفيف من مشاهير الفلسفة الغربية باختلاف اتجاهاتهم الفلسفية من وضعية ومادية تقليدية وماركسية، فمنهم على سبيل المثال:
١ ـ (دولباخ) : وهو فيلسوف مادي من القرن الثامن عشر، رفض كل الأدلة على وجود الله، بناءً على أن الطبيعة في الكون كله ـ في نظره ـ كُلٌّ واحد بذاته لا يحتاج إلى غيره في تفسيره، ولهذا أنكر الإلهَ، حتى أنه (كان يتباهى بأنه العدو الشخصي للإله) (١) .
٢ ـ (نيتشه) : صاحب فلسفة القوة، فقد تمادى في نزعته الإلحادية، وقرّر أن: (الإنسان في لحظة تعسه من حياته اخترع ـ والعياذ بالله ـ خرافةً أسماها (الله) ، وظلَّ منذ ذلك الحين مكبّلاً بقصة من خلقه هو، إلا أنه ليس من إله غير الإنسان لو واتته الشجاعة على أن يعرف قدره..) (٢) ، ولذلك أعلن في كتابه (هكذا تكلَّم زرادشت) موتَ الإله، إذ يقول: (جميع الآلهة قد ماتت، أو بأن الله قد مات God is dead) (٣) .
وقد مثل هذا الاتجاهَ فلاسفةٌ كُثر غير ما ذكرت، أمثال: (ماركس ولينين وكونت وغيرهم) ، إلا أن هذا الاتجاه أخفق إخفاقاً ذريعاً في محاولته حلَّ ذلك الإشكال الذي استشكله؛ لأنه هرب من المشكلة ولم يعترف بطرفها الآخر وهو الدِّين، وصادم الفطرة البشرية، ولذلك لم يكن مقنعاً لا فلسفياً ولا منطقياً، فلم يكن أثره الفكري بقدر أثر الاتجاه الثاني؛ لأنه اتجاه لا يملك إلا لغة الرفض والإقصاء والتطرُّف.
الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه التوفيقي الذي اعترف بطرفَيْ المشكلة التي استشكلها، لكنه أقصى الطرف الثاني وهو الدِّين من ميدان المعرفة البشرية، وربطه بالوجدان القلبي المجرد من معنى العقل والتعقُّل.
وقد بلور هذا الاتجاه الموقف العام للفكر الغربي المعاصر من الدِّين والوحي، فقد أصبح مفهوم الدِّين عند الغربيين مثل مفهوم الأدب والفن القائم على معايير ذاتية ترفض إقامة البراهين العقلية على صِدْقها، ويستحيل الإقناع بصِدْقها إقناعاً عقلياً.
وقد ذهب إلى هذا الاتجاه كثير من الفلاسفة الغربيين على اختلاف اتجاهاتهم الفلسفية، فمنهم على سبيل المثال:
١ ـ (بسكال) : فقد كان يرى أن الإيمان الدِّيني لا يخضع للعقل، بل يتعلّق بالوجدان القلبي؛ إذ يقول: (إن القلب هو الذي يستشعر الله لا العقل، هذا هو الإيمان، الله محسوس للقلب لا للعقل) (١) .
٢ ـ (إيمانويل كانت) : إذ تهدف فلسفته النقدية وتتمحور حول تأكيد عجز العقل عن إثبات الميتافيزيقيا ـ أي: الغيوب ـ وأعظم تلك الغيوب ـ في نظره ـ مسألة «وجود الله» و «حرية الإرادة» و «خلود النفس» ، لكن (كانت) يعود ويؤكد ثبوت هذه المسائل الميتافيزيقية، لكن من طريق آخر، وهو الأخلاق أي: الوجدان الداخلي، أو كما يسميه «العقل العملي» (٢) .
٣ ـ (برتراند رسل) : فعلى الرغم من كونه ملحداً لا يدين بدين إلا أنه كان يؤكد على أن «الدِّين» لا يأتي بحلول مقنعة عقلية للمشكلات، وإنما هو قائم على الإرغام لا الإقناع العقلي، ففي سياق وصفه الفلسفة يقول: ( ... لكنها ـ أي: الفلسفة ـ كذلك تشبه العلم في أنها تخاطب العقل أكثر مما تستند إلى الإرغام، سواءً كان ذلك الإرغام صادراً عن قوة التقاليد أو قوة الوحي ... ) (٣) .
٤ ـ (جورج سنتيانا) : الذي يقول عن الإيمان الدِّيني إنه (غلطة جميلة أكثر ملاءمة لنوازع النفس ومن الحياة نفسها) (٤) ، فقد كان يميل إلى الدِّين شعورياً، لكن يكفر به عقلياً، هذه المشكلة أرَّقته فدفعته إلى تأليف كتابه الشهير (العقل في الدِّين) ، انتهى فيه إلى اللاأدرية المظلمة ممتزجة بميل عاطفي إلى الدِّين.
ولا ريب أن من أعظم أسباب تبنِّي الفكر الغربي الحديث معاداةَ الدِّين أو إقصاءه من ميدان المعرفة البشرية، هو التأثر السلبي بالدِّين الكنسي الذي أقام أصوله على الخصومة بين الدِّين والعقل، يشهد لذلك تاريخه الأسود في حربه الشعواء وظلمه الفادح للعلم والعلماء، فالمقالات التي تدعو إلى فصل الدِّين عن العقل كانت ردّة فعل لانحدار الفكر الكنسي الذي صادر العقل، واحتكر مجالات المعرفة، وأقام اعتقاده على تفكيك الوحي عن العقل، حتى أصبحت كلمة «الدِّين» ـ بسبب هذا الشؤم الكنسي ـ في عصور الغرب الحديثة تعني: عداوة كل تفكير. لكن فلاسفة الغرب المعادين والمهمّشين للدِّين وقعوا في خطأ منهجي فادح، ذلك بتعميمهم الموقف الكنسي على كل الأديان، وهم لم يَخبروا من الأديان إلا النصرانية، ولم يعرفوا الدِّين النصراني إلا من رجال الكنيسة، لكن أعجب منهم خطأ من يجترّ تلك المقالات الغربية ليغرسها في غير أرضها، ويطبِّقها على الدِّين الإسلامي، وهذا ما فعله بعض مفكِّري العرب، وعلى رأسهم الدكتور (زكي نجيب محمود) ؛ ففي سياق شرحه حقيقة الدِّين ـ عنده ـ يقول: ( ... ففي الدِّين، الإدراك إيماني وليس برهانياً، إذا قيل لك هنا: إن الله موجود ففي إمكانك أن تصدق وتؤمن من غير أن تطلب برهاناً على ذلك، هذا إيمان، هكذا أيضاً في الفن أو الأدب: تعطي لوحة أو قصيدة، ففي لمعة البرق تتعلّق بها أو تنفر منها ... ) (٥) .
- موقف الإسلام ـ إجمالاً ـ من علاقةَ العقل بالدّين:
التصوُّر الإسلامي للكون قائم على ثنائية مترابطة مؤتلفة، ألا وهي ثنائية الخالق والمخلوق، والرب والمربوب، والعابد والمعبود، من هذه الثنائية العامة تتفرَّع ثنائيات متعددة كلها متّسقة بعضها مع بعض، مثل: ثنائية الروح والمادة، والعلم والدِّين، والعقل والنقل، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة.
فالتصوّر الإسلامي ليس تصوّراً تحليلياً صِرْفاً، بحيث يفكِّك أجزاء الكون إلى جزئيات مبعثرة لا ائتلاف بينها ـ كما يفعله العقل الغربي ـ بل إن التصوّر الإسلامي يجمع إلى منهجه التحليلي منهجاً تركيبياً يربط أجزاء الكون في وحدة تصوّرية متكاملة، فيها من جمال التركيب والصورة ما يبهر العقول ويحيِّرها.
في هذا السياق تأتي العلاقة التكاملية المترابطة بين العقل والدِّين الصحيح؛ إذ لا يمكن أن تكون تلك العلاقة علاقةَ تنافر وتناقض؛ لأن مصدرهما واحد وهو «الله» سبحانه، فالعقل وما اكتسبه مخلوقٌ لله، والدِّين الصحيح وما شرعه من الله، والعقل يمثِّل إرادة الله الكونية ـ في هذا الباب ـ، والدِّين الصحيح يمثِّل إرادة الله الشرعية، ويستحيل أن تتناقض الإرادتان؛ لأن مصدرهما واحد، قال ـ تعالى ـ: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وبناءً عليه؛ فإنه يستحيل أن يتعارض قطعيٌّ من الدِّين بقطعيٍّ من العقل، لكن إن قُدِّر أن يتعارض ظنيٌّ من الدِّين بقطعيٍّ من العقل أو بالعكس، قُدِّر القطعيُّ سواءً كان عقلياً أو دينياً.
أما تقديم العقل مطلقاً على الدِّين فمنهج باطل؛ لأنه يتضمن القدح في العقل نفسه، إذ إن العقل شاهد على صحة الدِّين، ورفضُ المشهود له ـ وهو الدِّين ـ يستلزم القدح في صدق شهادة العقل، وهذا قدح في العقل (١) .
والمقصود أن «الإسلام» لا يجعل علاقةَ العقل بالدِّين موضعَ إشكال أصلاً؛ لأنهما في نظره متكاملان ومتّسقان ومؤتلفان، وذلك من وجهين:
الأول: أنَّ تكليف الإنسان الإيمانَ بأصول الدِّين ـ من وجهة نظر الإسلام ـ قائمٌ على إعمالٍ عقليٍّ؛ فمن لا عقل له لا تكليف عليه، بل إن قيام الحجّة الدِّينية لا يكفي فيه مجرّد بلوغها، بل لا بد مع ذلك من فهم تلك الحجّة ـ والفهم إعمالٌ عقليٌّ ـ لا سيما لمن عرضت له شبهة معتبرة تمنعه من اعتقاد ما هو مقتضى تلك الحجّة، وإلا كان معذوراً في تأوّل مخالفة الحجّة الدِّينية، ولذلك جعل الله مشاقة الرسول ﷺ ومخالفة سبيل المؤمنين بعد العلم بالحجّة الدِّينية وتبيّنها، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ، وهذا يبيّن أن الدِّين لم يقم على مجرد التسليم بلا براهين وفهم عقلي، بل إن مدار حجّة أدلة الدِّين قائمة على بلوغها وفهمها وإعمال العقل لإدراكها، فإذا كانت الغريزة العقلية والإعمال العقلي شرطاً في التكليف الدِّيني وبلوغ الحجّة الدِّينية امتنع أن تنافيَ وتناقضَ الدِّين؛ لأن ما كان شرطاً في الشيء امتنع أن يكون منافياً له.
الثاني: أن «الدِّين» أو «الوحي» ملازم للدلائل والبراهين العقلية، ومتضمِّن لها، ولذلك كان الدليل والبرهان العقلي قسماً من منظومة الأدلة الشرعية القائمة على الوحي الدِّيني، وليس قسيماً لها، وفي ذلك يقول ابن تيميّة: (الأدلة العقلية والسمعية متلازمة كل منهما مستلزم صحة الآخر، فالأدلة العقلية تستلزم صدق الرُّسل ﵈ فيما أخبروا به، والأدلة السمعية فيها بيان الأداة العقلية التي بها يعرف الله وتوحيده وصفاته وصدق أنبيائه ... ) (٢) .
ولذلك فقد تضمَّن «الوحي الدِّيني» أنواعاً كثيرة من الأدلة والبراهين العقلية التي تقتضي بيانَ الحق وترسيخ اليقين في القلوب، وهذه الأدلة العقلية هي البينات والتبيان الذي تضمّنه الوحي الدِّيني، قال ـ تعالى ـ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، فإذا كانت الأدلة العقلية ملازمة للدِّين ومتضمنة فيه، فإنه يستحيل أن تناقض الدِّين أو تعارضه.
والمقصود ـ في هذا السياق ـ بيان العلاقة المنسجمة بين العقل والدِّين بياناً مُجْملاً؛ إذ يضيق المقام عن بسط تلك العلاقة، غير أني أؤكِّد على نتيجتين ضروريتين لفَهْمنا تلك العلاقة:
الأولى: أن الصراع بين العقل والوحي صراع مفتعل لا حقيقة له، وأن كل تصوّر قام على فكرة هذا الصراع تصوّر قائم على وَهْم، ومما يُؤسفُ له أن الفكر الغربي المعاصر لم يكن وحيداً في بناء تصوّراته الفكرية على فكرة هذا الصراع ـ وإن كان قد بالغ فيها شططاً بعيداً ـ إذ شاركه في هذا المنهج مناهج ومدارس فكرية قديمة داخل إطار الفكر الإسلامي؛ كالمعتزلة والأشاعرة، إلا أن مواقفهم ـ وإن لم تبلغ من الإلحاد ما بلغه الفكر الغربي المعاصر المكذب للوحي والمنكر حقيقته ـ كانت أشدَّ تناقضاً؛ لأنهم أقرّوا بصدق الوحي عقلاً، ومع ذلك ردّوا بعض ما جاء به بناءً على مناقضته العقل (٣) .
الثانية: أن الصدق الدِّيني ليس قائماً على الإرغام والتسليم بلا برهان عقلي، بل هو قائم على وجدان باطني وأدلة وبراهين عقلية تفيد العلم واليقين؛ فمن خالف الوحي الدِّيني فقد خالف الضرورة العقلية، ولذلك يقول الله ـ سبحانه ـ عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
стр. 5880
كيف تستمع إلى خطبة الجمعة
جمال نادر الفرّا
الحدث الأهم في يوم الجمعة بالنسبة للمسلم هو خطبة الجمعة، وهي عبادة لها أهدافها، يتعاون الخطيب والمستمعون لتحقيقها، وكما أن أداء الخطيب لخطبة الجمعة فنٌّ، كذلك طريقة استماع الحاضرين للخطبة فنٌّ آخر.
ويرتبط هذا الفنّ بالأحكام والآداب الشرعية المتعلقة بالحضور، وحتى تؤتي الخطبة أُكُلَها وتؤدي دورها ويكون لها أثرها لا بد من تكامل طرفَيْ المعادلة (الخطيب والمستمع) في الوصول إلى الأهداف الموضوعة للخطبة. وكثيراً ما يتم توجيه النقد إلى الخطيب باعتباره الجانب الأهم في المعادلة، بينما يتم إغفال الدور الهام للمستمع، حتى ظنَّ بعض الناس أن على الخطيب إمتاع المستمع، وتشنيف آذانه بما لم يسمع به من قبل، بل أن يعطي أكثر مما يستطيع، كأنه ليس ابن مجتمعه ويسري عليه ما يسري على المستمع من عوامل البيئة الاجتماعية وقد تمَّ تكوين تفكيرهما بنفس الطريقة. إلا أن الخطيب له رسالة عليه أن يؤدِّيها تختلف عن رسالة المستمع.
ونلاحظ أن الآيات والأحاديث الواردة المتعلقة بخطبة الجمعة موجّهة ـ في الغالب ـ إلى الجمهور الحاضرين، باعتبارهم الجهة الأكثر عدداً في طبيعة الحال.
إن للخطاب القرآني والتوجيه النبوي أهدافاً شرعية وحِكماً متوخاة من خلال أحكام وآداب الجمعة المستنبطة؛ كالأمر بالسعي وترك البيع ووجوب الإنصات، تُخرجها عن الصورة الشكلية التي اعتادها الناس إلى حقيقة أهداف هذه الأحكام بالتفاعل الحقيقي مع خطبة الجمعة تعلُّماً وفهماً وتعليماً وتطبيقاً.
وقد يكون للخطيب دور فيما يظهر من الخلل في إقصاء الخطبة عن دورها، إلا أن للمستمع دوراً في ذلك لا يقل أهمية عن دور الخطيب.
ونظراً إلى أن المستمع لا يقيم لخطبة الجمعة تلك الأهمية المطلوبة ويجهل دوره فيها فإنه يتحمّل المسؤولية في بعض مظاهر الخلل، فترى البعض يجعل وقتها فرصة للاسترخاء أو النوم، أو يجعل أكبر همّه إحصاء أخطاء الخطيب؛ للحديث عنها بعد الانتشار في الأرض، وترى آخرين يصدرون حُكْماً مسبقاً على الخطبة بناء على معرفتهم بتوجّهات الخطيب أو أدائه السابق فلا يجدون فائدة في حكمة يتلقّونها أو فكرة يستمعون لها وإن كانت جديدة عليهم.
- معيار نجاح خطبة الجمعة:
معيار نجاح الخطبة هو أداء العبادة على وجهها الصحيح. ولأدائها على وجهها الصحيح لا بد من تحقيق أهدافها، وأهمها: ما تتركه من أثر في حياة المجتمع من زيادة علم أو تجديد فكر أو أمر عملي؛ كإحياء سُنَّة أو إحداث توبة أو تغيير في جانب من جوانب الحياة، وبمقدار تحقيق أهدافها يكون نجاحها. وأما حسن أداء الخطيب واستمتاع الحضور بالخطبة فهو من عوامل نجاح الخطبة لا من معياره. وفن استماع الخطبة يحيط بعمل المستمع قبل التوجُّه إلى الجمعة وأثناء حضوره وبعد خروجه وانتشاره في الأرض، كما يشمل الجانب الجسدي للإنسان والنفسي والفكري:
- ففي الجانب الجسدي يستعدُّ المستمع للخطبة بأمور عدّة، منها:
أولاً: أخذ قسط معتدل من النوم ليلة الجمعة؛ حتى لا يغلبه النعاس أثناء الخطبة، وذلك باتخاذ الأسباب المؤدية إلى ذلك؛ كالنوم المبكر وترك السهر ـ الذي اعتاده الناس اليوم ـ فقد ورد النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام ـ وهو عبادة ـ فكيف بمن يفعل محرَّماً أو مكروهاً، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (١) .
قال الإمام النووي ﵀: (والحكمة في النهي عنه أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة.. فاستحبّ الفطر فيه، فيكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاج يوم عرفة بعرفة) (٢) .
ثانياً: الاعتدال في الطعام والشراب؛ فلا يخصص يوم الجمعة بصيام، ولا يثقل معدته قبلها بأنواع الطعام، ويجعل وقتاً بين تناول الطعام ورواحه إلى الصلاة، ويجعل للطعام بعد الصلاة نصيباً؛ فعن سهل بن سعد ﵁ قال: كانت فينا امرأة تجعل على أربعاءَ في مزرعة لها سِلْقاً، فكانت إذا كان يوم جمعة تنزع أصول السِّلْق فتجعله في قِدْر، ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها، فتكون أصول السِّلْق عَرْقَهُ، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلِّم عليها، فتقرِّب ذلك الطعام إلينا فنلْعَقُه، وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك» . وقال في رواية أخرى في البخاري: «ما كنا نقيل، ولا نتغذى إلا بعد الجمعة» (٣) .
قال الحافظ ابن حجر: (فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيّؤ للجمعة ثم بالصلاة، وينصرفون فيتداركون ذلك) (٤) .
ثالثاً: العمل بالسنن الواردة؛ كالغسل ـ وهو من آكد السّنن ـ والطيب، والسواك، ولبس الحسن من الثياب المناسب لطبيعة المكان ودرجة الحرارة، فإنها أمور مساعدة على الاستيعاب وتفتّح الذهن وحُسن الاستماع وعدم الانشغال عن الخطبة، وتمنع النعاس أو النوم؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «أشهد على رسول الله ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيباً إن وجد» (٥) .
وعن عبد الله بن سلام ﵁ عند أبي داود وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «ما على أحدكم إن وجد، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (٦) ، وبوّب البخاري (باب: يلبس أحسن ما يجد) (٧) .
رابعاً: عدم التشاغل قبل الجمعة بأمور الدنيا التي تشغل الفكر؛ كالبيع والشراء وأنواع العقود واللهو، وقد جاء النهي عن البيع بعد النداء ويلحق به أنواع العقود، ولعل الأذان الذي يسبق أذان الجمعة في السوق للتذكير بهذا الأمر. كما جاء الأمر بالتبكير إلى الجمعة، والانشغال بأمور الآخرة؛ كقراءة سورة الكهف والصلاة قبلها تطوّعاً، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] . وقال ابن عباس ﵄: «يحرم البيع حينئذ» . وقال عطاء: (تحرم الصناعات كلها) (٨) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدَنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً أَقْرَن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (١) .
خامساً: اختيار المكان المناسب في المسجد بحيث يدنو من الإمام، ولا يستند إلى سواري المسجد وجدرانه إلا لعذر؛ ليكون شديد الانتباه متيقظاً مشدوداً لكلام الخطيب، وعليه أن لا يتخطى الرّقاب فيشغل غيره ويؤذيه، ولا يقيم أحداً ليجلس مكانه، ولا يجلس مقابلاً بوجهه الناس فينشغل بالاهتمام بهم ويشغلهم؛ فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحوّل من مجلسه ذلك» (٢) .
وعن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثمّ بكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سَنَة أجر صيامها وقيامها» (٣) .
ولقوله ﷺ للذي جاء يتخطّى رقاب الناس يوم الجمعة: «اجلس فقد آذيت وآنيت» (٤) .
ـ آداب أثناء الخطبة:
أولاً: ينصت للخطبة ولا يلغو بالكلام مع غيره أو حتى بالإشارة؛ فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصتْ، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت» (٥) .
ثانياً: يتوجّه بوجهه إلى الخطيب؛ فإنه أدعى للاستيعاب والفهم؛ لاشتراك أكثر من حاسّة في الإصغاء.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» (٦) .
ثالثاً: يجلس المستمع بشكل مناسب فلا يضطجع أو يحتبي أو يمدّ رجليه إلا لعذر، فقد ورد النهي عن الاحتباء يوم الجمعة؛ فعن سهل بن معاذ ﵄ عن أبيه: «أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب» (٧) .
رابعاً: لا يتلهى عن الخطبة بما حوله؛ كالعبث بالأشياء مثل: الحصى والملابس والأظافر وفرقعة الأصابع؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصى فقد لغا» (٨) .
ـ وأما بعد الخطبة:
أولاً: الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله لتتحول المعاني إلى تطبيق ـ ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]ـ إتماماً للعبودية لله.
ثانياً: الإكثار من ذكر الله والصلاة على رسوله ﷺ وتحرّي ساعة الإجابة؛ حتى يبقى المنصرف من الصلاة على صلة بما أفاد من خطبة الجمعة.
- وفي الجانب النفسي:
أولاً: تعظيم شأن الخطبة في نفسه؛ فهي أمر من أوامر الله، وعدم الاستخفاف بها أو التهوين من دورها في حياته، تبعاً لواقع معين عند الناس ألفوه، حتى تتحول من عادة إلى عبادة.
ثانياً: بذل الجهد للاهتمام بها بما يستطيع؛ بالتعاون مع الناس والخطيب والحثّ على حضورها وإظهار أهميتها، وتعلّم وتعليم أحكامها، وتهيئة الظروف في البيوت لهذا الحدث؛ ليظهر له هيبة في بيئته الإسلامية.
ثالثاً: عدم إصدار حكم مسبق على الخطبة بفشلها من خلال تصور مسبق أو معلومة عن توجّهات الخطيب الفكرية أو العلمية.
رابعاً: أن لا يوجّه اهتمامه إلى جانب معين يخصّه في الخطبة دون الجوانب الأخرى؛ لتحقيق غاياته النفسية، أو تغطية لنقص معين في علمه، فإن كان يعاني من مشكلة اجتماعية أو كان على خلاف مع أحد ـ كالجارّ ونحوه ـ فلا يتصور أن الخطيب سيطرح مشكلته دون غيرها، حتى إذا لم يجد اهتمامه أعرض عن الخطبة وقلّل من شأن ما يطرحه الخطيب وإن كان مفيداً لغيره.
خامساً: عدم التقليل من دوره في إنجاح الخطبة، أو التقليل من شأن الخطيب وإن كان أقل منه علماً، بل يجعل من نفسه قدوة للآخرين.
سادساً: إغفال أيّ علاقة سلبية بالخطيب، كونه يخالفه في بعض الفروع أو التوجهات الاجتهادية أو الفكرية؛ لأن هذا من شأنه حرمانه من الفائدة.
سابعاً: أن يكون تقييمه المباشر للخطبة موضوعياً وبنّاءً لا سلبياً؛ كأن يتلقط الهفوات، ويتسقط الزلات.
- أما في الجانب الفكري:
أولاً: استقبال الأفكار بتمعّن وإيجابية وإنزالها على الواقع، فإذا سمع الآيات القرآنية والأحاديث وهو يحفظها أو يسمعها دائماً فلا يعرض عن الإصغاء لها والتفكّر في معانيها، فإنه سيجد فيها معاني لا تنضب.
ثانياً: اتهام نفسه بالتقصير؛ لتدارك أخطائه، فإن من الملاحظ أن بعض المستمعين إذا سمع توجيهاً في نقص معين قال في نفسه: هذا فلان يفعل وفلان.. ويبرِّئ نفسه من التقصير.
ثالثاً: محاولة التركيز على المفاهيم والمعاني المطروحة وفهم مقاصد الخطيب حتى وإن كان الأسلوب ـ أحياناً ـ ضعيفاً، ولا يجعل خطأ الخطيب في الأسلوب أو طول خطبته مانعاً من الفهم.
رابعاً: نقل مضمون الخطبة إلى غيره ممن حضر في مسجد آخر، وللنساء في البيوت، وكذا أهل الأعذار، أو تسجيل الخطبة وتداولها؛ لتعميم الفائدة.
خامساً: مناقشة الخطبة مع بعض من حضر؛ للاستفادة منها، والبحث عن كيفية التطبيق العملي للخطبة، وإبراز الإيجابيات والتناصح مع الخطيب في شأن السلبيات.
وأخيراً: فإن خطبة الجمعة أمرُها جِدّ وليس بالهزل، وهي وسيلة تغيير وتجديد، وهي من عوامل حياة هذه الأمة، فالاهتمام بها من الخطيب والحضور جزء من إحياء الأمة ومن ثم واجب على المكلف بأدائها.
стр. 5881
وباء التثاؤب مهلاً ...
أ. سارة بنت عبد الرحمن السويعد
هل أنتما موبوآن بالتثاؤب؟
من البداهة عقلاً أن النشيط المشغول ذهنياً وجسدياًَ قلّ أن يتثاءب؛ بل هو في حركة دؤوب للبحث عما يريد؛ فما ظنك حينما تُسأل هذا السؤال: هل أنت موبوء بالتثاؤب؟!
وباء غريب؛ أليس كذلك؟ لربما الكثيرون منا يتلذذون بالتثاؤب، خاصة عند نداء أجسادهم للنوم!
ولكن ما أعني هنا ليست اللذة هذه؛ باستحسان واستدامة التثاؤب بلا عمل إيجابي مفيد.
إن التثاؤب داءٌ يكشفُ عن شخصيةٍ كسولة تركنُ إلى جدث الأحلام، حتى جمالُ الطبيعة لا يشُدها للتسبيح!
واهاً لهذا الحال؟!
وحين نستنكر وجود أشخاص متثائبين؛ رغم حاجتنا لليقظة والإشادة، ومتابعة المستجدات بوعي وإدارك وطرح للتجديد ونقض للمغالطات، نجدُ القليل ممن يُلزم نفسه باليقظةِ وإغلاق الفم منعاً للتثاؤب..
فما بالنا متثائبين؟!
أفواهٌ متثائبة من هنا وهناك.. ما السبب يا تُرى؟!
لا أخفيكم؛ بِتُّ ليالي أبحث عن الأسباب..
في السياسة وأنظمة الحكومات نُشاهد المتثائبين!
في الاقتصاد وإدارة المال نُدرك أن ثمة متثائبون!
في الطموحات والمطالبات ينام المتثائبُون عن التنفيذ!
حتى في المنزل التثاؤب فنٌ مطبق ودرسٌ يومي، وتجربةُ فيزيائية تُجرِيهَا الأُسر مع أبنائها.. لا تسألوني كيف ذلك؟!
لأنني وإياكم سوف نصاب بالذهول لضعف مستوى التقدم المنبعث من الأسر؛ الزوج والزوجة والأبناء، الكل متثابؤون!
ولأننا متَّهمون بالتخمة في البلاد العربية تجد الأفواه المفتوحة في كل مكان.. بكل أسف!!
وبرغم سعي مراكز التخسيس واللياقة البدنية في طرح الحلول التي ربما تُنقذ الأفراد من التخمة المزعجة، لا نزال نعاني من هوس التثاؤب!
ومن المهم حقاً أن نبحث عن سبب تثاؤب الشعوب المسلمة في واقعٍ هم أفراده.
مهلاً أيُّها القُراء! أمسيت بِالهمِّ ليالي وأنا أبحث عن أسباب وباء التثاؤب.
أيُّها الرجل: هل أنت بحق متثائب؟!
أيتها المرأة: هل أنت بحق متثائبة؟!
أرجوكما! أجيبا بلا تأخير.
هيا انفضَا عنكما غبار الكسل والرضا بالواقع المتقلب! يكفيكما الخمول والرتابة والعشوائية.
يكفيكما التخبط والبعثرة حيال متطلبات دينكما ودنياكما.
المصائب سُنَّة الله في كونه، والأحداث المؤلمة تمحيص للعباد واقعهم، والتثاؤب حينها شعور بالاستسلام السقيم.. أتدرون لِمَ؟
لأن شعورنا بالتثاؤب وعدم جدوى أهمية التغيير هي النتيجة دائماً، بَيْدَ أن الكثيرين منا أوكلوا المهمة للذين رضوا بأن نكون مع الخوالف بكل ارتجالية؛ ليغيّروا منهج تثاؤبهم، ولن يفلحوا أبداً.
إن عالماً موبوءاً بالتثاؤب تجاه كل المستجدات نرتع في أحضانه بائسين لا مفر لنا إلا فتح الأفواه أداءً للتثاؤب.
مواجهة هذا العالم وفق هيئة مبتغاة صعبٌ، مع العلم أن البلهاء المتثائبين هم الأقوى..
عجباً! هم الأقوى؛ كيف؟!
سياسة البلاهة والتثاؤب سياسة أجادها الكثيرون وفرضوها؛ لإخماد جذوة الخيرية والفطرة السليمة في النفوس المسلمة في كل اتجاه.
وحياة الرتابة والتثاؤب مملة؛ بل قاتلة حين يظل طلب النفيس مفقوداً وحين يعيش كل واحد منا كالهمج الرعاع، يكفيه من الدنيا ملبس ومطعم.
أعتقد أننا قسمان تجاه مغالطات الواقع: قسم ابتلاه الله بهَمِّ وسقم، فهو في فلكهما ليس له من الإحساس والتفاعل بالواقع شيء؛ وهذا لا يُعذر أبداً..
وقسم لا يؤمن بالتجديد، ويُوكِل المهمة لغيره؛ وإن كان أسوأ سريرة؛ وهم كثر والله المستعان.
وحتى نرقى بواقعنا ونرسم مستقبلنا لا بد من طرح الأفكار والمطالبة بالتجديد بصوت مسموع وقلم مسنون، ليس لشنِّ حرب؛ بل لطرح فكرة وتوضيح هدف.
لفتة:
عن عبد الرحمن بن سمره قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في صفّة المدينة فقال: «إني رأيت البارحة عجباً! رأيت رجلاً من أمتي هوى في النار، فجاءته دموعه التي بكى بها في الدنيا من خشية الله؛ فأخرجته من النار!» .
قلت: خشيةٌ تتبعها دمعات نفعت صاحبها! فكيف لو كان متثائباً؟ هل سينفعه تثاؤبه وينقذه؟ ما أبأس المتثائبين!
- حتى ندفع التثاؤب:
عدة نقاط، تطبيقها مهم جداً يا أنتما:
١ ـ نحن متثائبون أحياناً، وغيرنا يدعو للتثاؤب، وبيديه يستحث الفم على التثاؤب بطريقته الخاصة!
٢ ـ الوعي الإنساني في ترسيخ مصداقية تطوير الذات ودفعها نحو الطرح الفعلي لا المفتعل؛ مهمٌ للغاية.
٣ ـ زيادة مستوى التثاؤب دليل على الأمن والسلامة، وهذا لا يصح أبداً. قال ـ جل وعلا ـ: «وعزتي! لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين؛ إن أَمِنَنِي في الدنيا أخفته في الآخرة» .
٤ ـ تقبُّل الواقع بكل تراكماته ومغالطاته مُلزم للتثاؤب اللاشعوري أيضاً، وانعدام الاستراتيجية الدقيقة في مكاشفة أسباب التثاؤب خطرٌ!
٥ ـ حين تزداد بواعث التثاؤب وتستجيب الأركان للخمول؛ حينها، حتماً، لا بد أن سيكون قلبك نائماً ولن يستيقظ أبداً.. والويل له!
٦ ـ التثاؤب وباء، وبه يفقد المرء الإحساس إلا بفتح فمه بشراهة، فإياك أن تفقد الإحساس إلا بذلك!
٧ ـ الرؤية الأُحادية في دفع التثاؤب في نطاق الأسرة الصغير مؤشر خطير، وكل مسؤول محاسب.
٨ ـ التهور والعمق الأحمق في التثاؤب نتائجه وخيمة ومخرجاته بئيسة، والتعامل الخشن في قمع التثاؤب سبب رئيس في الأذيَّة.. وأنت خصم نفسك.
٩ ـ إن كان لا بد من التثاؤب فحدِّد أوقات تثاؤبك، وانتبه أن يكون وقتك كله وفوك مفتوح.
١٠ ـ زماننا هذا حاجته قوية في نبذ التثاؤب وإغلاق الأفواه ولو بالأيدي كلها، أقول: بالأيدي كلها؛ لأن ذلك يدل على أن الجسد كله يقاوم ويدافع هذا التثاؤب.
١١ ـ الرعيل الأول كانوا أشد حرصاً على النشاط ونبذ التثاؤب. قال النبي ﷺ لربيعة بن كعب: «سلني!» فما وجد أنفس من: «أسألك مرافقتك بالجنة» ، فقال له: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» رواه مسلم.
١٢ ـ ندب الحظ والتولول على النفس طريقة قديمة يتقنها المتثائبون بكل احتراف. فلا بد إذن من صياغة النفس لمقاومة التثاؤب ودمغه، أو الشعور به.
١٣ ـ أعتقد أن المتثائبين قد استعذبوا الأذى حين يكون أداءهم للتثاؤب تلقائية في كل اللحظات. فتخيُّلُ أفواه الناس مفتوحة كلَّ دقيقة حدث مؤسف مشمئز، وحينها بلهجتنا المحلية: «الله يخلف» .
١٤ ـ الشفافية ومراجعة النفس ومتابعة التطورات في الحياة جهدٌ مهمٌ، لا بد أن ينال فاعله عظيم المثوبة.
١٥ ـ اجعل قلبك دائم الثأر من عدوه ومَنْ يستحثُّه على التثاؤب، اخلق في جوفك نداء اليقظة والنشاط ولا تتنازل عن تثبيت دعائمه، وإياك أن تُبقي خزانة أعمالك وإنجازاتك فارغة!
١٦ ـ قوِّ صلتك بالله، واستعن على كلب الغنم بسيدها ﴿وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[فصلت: ٣٦]
١٧ ـ العزيمة الصادقة والإرادة الناقدة قيد للخواطر، ثمرتُها روعةُ الإنجازات، وهنا فقط يموت التثاؤب.
١٨ ـ حذاري أن يكون بيننا من هو مهزوم أمام نداء تثاؤبه، ينقاد للأداء به انقياد الشاة للذئب! فإن كنت كذلك فواهاً لك!
١٩ ـ إياك أن تكون خارج السيطرة على نفسك! فالتحدي كبير وليس سهلاً أيها الفطن. وامتلاك الحكمة في دفع التثاؤب دليلٌ على النجابة والنبوغ والإقدام.
٢٠ ـ ثِقْ أن الشيطان يضحك ويبول فيمن يتثاءب بين يدي الله «ذاك بَالَ الشيطان في فمه» .
٢١ ـ أصحاب العزم الفتِيِّ والقلوب السبّاقة هم أَنْفَس من في الوجود، وهم الأقرب لله ـ جل وعلا ـ والناجون من التثاؤب. قال ﷺ : «من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه» رواه الشيخان.
٢٢ ـ قال ابن مسعود ﵁: «لا يغرّنَّك قول: «يُحشر المرء مع من أحب» فإن اليهود والنصارى يحِبّون أنبياءهم وليسوا معهم» . هذا نداء لجوارك؛ فهل تفهمه؟!
٢٣ ـ لكل نفس آلية خاصة لإدارة ذاتها؛ فابحث لنفسك عن آلية تجابه تثاؤبك. وبإدارتك لنفسك تكون قادراً على تخطي كثير من الآثار المبدئية لقمع التثاؤب، وهنيئاً لك!
٢٤ ـ لم تتبنَّ مدارسنا وجامعاتنا ومستشفياتنا ودوائرنا الحكومية والأهلية دراسة هذا الوباء وكيفية القضاء النهائي عليه؛ لذا أجد أن النفس هي المؤملة في ذلك واللهِ، ولا تتوقع أن تشاطرك المؤسسات المالية مسؤولية دفع التثاؤب؛ فالمسؤول فقط (نفسك) و (عقلك) و (قلبك) و (مشاعرك) فقط.
٢٥ ـ أورد ابن تيمية ﵀ دعاءً عن موسى ﵇: «اللهم لك الحمد، إليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُّكلان» ردده دائماً، وأَقْبِل متفائلاً بالإنجاز والسموِّ ومرضاة الله تعالى.
٢٦ ـ قال قتادة ﵁: «إن الله يسأل كل عبد عمّا استودعه من نِعَمِهِ وحقه» فارعَ نعمَ الله، وعالج تثاؤبك!
٢٧ ـ متى يستيقظ قلبك ويبدأ مشوار البذل لا التثاؤب؟ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .
[فصلت: ٣٥]
٢٨ ـ نحن من نصنع المستقبل، ونحن من نرضى بتخبط الواقع؛ فهل ترضى أن تكون متثائباً بعد هذا؟ حينها ـ معذرة ـ سأقول بملء فمي:
عجباً لك!
عجباً لعبوديتك لله!
عجباً لقلبك الذي لم يُسقَ الحب والولاء لله!
وهل تستعد بعد هذا للمقاومة ودمغ التثاؤب بالقوة؟
ختاماً:
مضمون هذه الكلمات يفهمها اللبيبان الأريبان؛ فهل
стр. 5882
باسم رب الغلام
د. يوسف بن صالح الصغير
لا يمكن لأيِّ إنسان أن يمنع نفسه من التفاعل مع محيطه الذي اتّسع مع ثورة الاتصالات ليشمل الكون؛ فلا بد له من التأثر والتأثير. ولم يعد بمقدور الإنسان التفاعل مع كل مفردات المحيط؛ فاختصت كل فئة بمؤثر؛ فمن يتابع الفنَّ والرياضة أغرق نفسه بالكمِّ الهائل من الأحداث والمناسبات والرموز المحلية والعالمية، وملكت قيادَه القنواتُ المرئية والمسموعة والمطبوعات المتخصصة، ولا يعدم أحدهم أن يجد له رمزاً ومثلاً أعلى يشدّ الرحال إليه، ويسعد بالنظر إليه، ويطير فرحاً لو وقَّع له على كرة أو ورقة، كل هذا مع كون الرمز لا يبادله الشعور، ولا يتفق معه، بل غالباً يخالفه في المعتقد واللسان والجنس؛ فكم من الناس مات إثر هزيمة فريق، أو موت مطرب! وكم من الناس لا يمدّ يده بمال إلا لدعم فريق رياضي، أو لسدِّ خلة لمطربة عجوز! إنها مظاهر تدلُّ على حالة من التعطش للبحث عن الذات، وإرضاء النفس بالانتماء.
إننا أمة يوجد فيها من يُعجب بـ (مايكل جاكسون) و (ريفيلينو) لإبداع يراه مع شدة الاختلاف الثقافي والديني، فلا غرابة ـ إذاً ـ أن نجد أن كثيراً من الأمة يتخذ موقفه من (أحمدي نجاد) بناءً على تصريحات حول المحرقة اليهودية المزعومة، ويمجّد (حسن نصر الله) ويرفع صوره لمعركة خاضها مع اليهود نحن فيها ضمن الغنائم والأسلاب وضحية لكل منتصر؛ فلا ننسى أن تحالفهم يكون علينا، واختلافهم من أجلنا.
ولأن الأمة متعطشة للرموز؛ فهي تبحث عن كل من يمكن أن يكون رمزاً لها، بل وتتبنَّى كل من يستهدفه العدو؛ باعتباره رمزاً لها، وعلى هذا الأساس تفاعلت الأمة مع محاكمة ومن ثمَّ تصفية أو اغتيال أو إعدام الرئيس السابق (صدام حسين) ، وسأحاول في هذه العجالة فَهْم دوافع الأمة الفطرية لترميز (صدام حسين) .
إذا كانت حياة صدام مليئة بالمواقف والأحداث؛ فإن مرحلة حكمه تميزت باختزال العراق وحزب البعث بشخص (صدام حسين) ؛ فهو الذي قرَّر بالتنسيق مع الغرب محاربة إيران (الخميني) ، وهو الذي قرَّر بضوء أخضر من أمريكا دخول الكويت، وهو الذي قرَّر إعادة هيكلة الحزب، وأطلق ما يسمى بـ (الحملة الإيمانية) وفرض على البعثيين حفظ آيات وأحاديث، وهو الذي أضاف (الله أكبر) للعلم العراقي، وهو الذي أصرَّ على تصفية قيادات الحزب من الشيعة الذين خططوا لانقلاب بالتنسيق مع الأسد، وهو الذي أعدم كلَّ من تمرد على سلطته، ولم يتسامح حتى مع أزواج بناته.
والسؤال المهم: أنَّ البلد تعرَّض لغزو خارجي، تدعمه قوى إقليمية وداخلية، اتفقت على تحطيم العراق القديم، وبناء عراق جديد، يمثِّل فيه السُّنّة دور الهنود الحُمر، وتمَّ تسريح الجيش والأمن، وفُصل الموظفون السُّنّة بدعوى اجتثاث البعث، ومن بقيَ تكفّلت به فِرَق الاختطاف والتصفية شبه الرسمية، وتدمير مدن الفلوجة، وتلعفر، وعمليات الحصار، والتفتيش، والاعتقال، والتصفية المستمرة في المناطق السُّنّية، كل هذا والخبر الأول غالباً هو عن جلسات محاكمة صدام ورفاقه، والتهمة هي إعدام مجموعة من الشيعة الأكراد في الدجيل، اتهموا بمحاولة اغتيال رئيس الدولة لحساب إيران.
ويمكن وصف المحكمة أنها أمريكية؛ فهو في سجنهم وعهدتهم، ولكن القاضي فيها كردي، والادِّعاء شيعي، أما الدفاع فسُّنّة؛ تَعَرض بعضهم للاغتيال أثناء المحاكمة، وفي كل يوم يقتل الحكام الجدد أكثر ممن نُصبت المحاكمة من أجله، وكان عنوان العدالة الوحيد هو طول المحاكمة، ومجيء وزير العدل الأمريكي السابق ليمثل دور الدفاع عن صدام، وبين ذلك تعرّض صدام للطرد والضرب ومحاولة الإذلال بنشر صورة في زنزانته وهو بملابسه الداخلية يغسل ملابسه بنفسه، وباختصار كانت المحاكمة تمثِّل صورة مصغرة للعراق؛ السجّانُ فيها أمريكي، والسجين فيها سُنّي، والأدوات أكراد وشيعة، أما السُّنّة فهم يمثلون الدفاع الصوري؛ سواء في قاعة المحكمة أو في البرلمان والحكومة.
وأخيراً: صدر الحكم المسبق بإعدام صدام مع الحديث المحموم عن الخطة الأمنية الجديدة، وبتسارع عجيب بدأت مسرحية الإعدام من تسريب الاحتمال إلى نبأ التنفيذ، في مسرحية غابت عنها الدولة المزعومة، فلم يوقِّع الرئيس، ولا نائبه، ولم يتم التنفيذ على يد أجهزة الدولة، لقد تفرّد الشيعة بالتوقيع والحضور والتنفيذ، وكان الدور الأمريكي تسليم الضحية، واستلام الجثة.
لقد ضُحِّي به في صباح عيد الأضحى، وكانت مشاهد الإعدام التي سُرِّبت تكشف أنه لم يُقتل من أجل الدجيل؛ فالقتلة كانوا يردِّدون اسم (محمد باقر الصدر) ، وكان هو يردِّد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، وكان كاشفاً وجهه وهم مقنَّعون، وبينما أحضر معه مصحفه أحضروا معهم الكاميرات، لقد فهم السُّنّة أنها رسالة لهم تبين ملامح الخطة الأمنية التي يبدو أنها ستكون تكراراً لمسرحية صباح يوم العيد، لقد أرادوا احتقار السُّنّة وتخويفهم، وأراد الله إفهامهم واستنهاضهم، وبغض النظر عن تقويم صدام والحكم عليه، لكنني لا أكتمكم أنني لما رأيت مشاهد الإعدام تذكرت (باسم ربِّ الغلام) .
стр. 5883
٢٣٥ - ربيع الأول - ١٤٢٨ ه ـ
(السنة: ٢٢)
стр. 5884
حقوق الإنسان والكيل بمكيالين
كرَّم الله الإنسان وشرَّع له حقوقاً كبرى، منها: حق الحياة والحرية والمساواة والعدالة، قبل ما يسمى بحقوق الإنسان التي صدرت عام ١٩٤٨م، وسبقها الإسلام بأربعة عشر قرناً؛ حينما أنزل الله تلك الحقوق في القرآن والسنة، وكانت محل إعجاب كل المنصفين حتى من الغربيين أنفسهم.
ومع مطالبة الغرب بتلك الحقوق وأهمية تطبيقها أصبح يكيل بمكيالين، متساهلاً بتلك الحقوق؛ فالمسلمون يتعرضون لمآسٍ ونكبات، وبخاصة في فلسطين والبوسنة والعراق وأفغانستان، وتجري المذابح لمجرد الظن والشكوك والأوهام، ولا يسمحون لأحد أن يسائلهم: لماذا قامت تلك الحروب؛ وما مدى صحتها؟ فأين حقوق الإنسان التي تداس بالأقدام دون أي سبب وجيه؟!
ومما يؤسف له أن تقوم بعض المنظمات الحقوقية الدولية بشن تهجمات رعناء استنكاراً لتطبيق الحدود الشرعية، مثل القصاص؛ بدعوى أن هذه العقوبة غير إنسانية! ويدعون بكل صفاقة إلى تعطيلها في السعودية ـ على سبيل المثال ـ غير آبهين بالجرائم التي يقوم بها أولئك المجرمون؛ من قتل وإخافة وترويع، وكأنه ليس للمغدورين أدنى حقوق. وسمعنا الاستفتاء على تعطيل هذه العقوبة والدعوة إلى إلغائها من إذاعة لندن، الذي شارك فيه بعض الجهلة والسُذَّج من المسلمين، مؤيدين الدعوة كذلك. ويأبى الله إلا أن تنفضح العدالة الغربية؛ إذ تزامن مع هجومهم على الحدود الشرعية، بزعم أنها غير إنسانية، أن أذاع التلفاز الصهيوني برنامجاً وثائقياً يعترف فيه الصهاينة بقتل ٢٥٠ أسيراً مصرياً وفلسطينياً على يد فرقة صهيونية في حرب ١٩٦٧م؛ بقيادة السفاح الصهيوني (بنيامين بن إليعيزر) الذي تولى وزارة الدفاع الصهيوني سابقاً. وكان المذكور يُعِدُّ لزيارة مصر غير أنه أحجم عن ذلك بعد تحذيره من القبض عليه في مصر ومحاكمته؛ فألغى الزيارة، وهذا اعتراف منه بالجريمة، وإن أنكرها؛ فقد أكدها المؤرخ الصهيوني (أوري ملشتاين) في كتاب موثِّق للحادثة عام ١٩٩٤م، والتي أكدها البرنامج الوثائقي آنف الذكر؛ فهل تجرؤ تلك المنظمات الدولية المزعومة أمثال (هيومن رايتس ووتش) و (إمنسي إنترناشيونال) على تجريم الصهاينة في حروبهم المتوالية منذ عام ١٩٤٨م إلى الآن؟ هل يجرؤون على طلب إيقاف أولئك المجرمين السفاحين ومحاكمتهم؟ أم أنهم سيلجؤون إلى أعذار معروفة سلفاً؛ كسقوط الدعوى بالتقادم مثلاً، أو بدعوى الحرب على الإرهاب؟!
إن حقوق الإنسان أصبحت خرافة؛ لأنها دائماً ما تكون لصالح ذوي الدماء الزرقاء من الغربيين وإخوانهم الصهاينة. أما إن كانت الدعاوى ضد المسلمين ودول العالم الثالث فإنها ستقام المحاكم، وسيتم القبض على المتهمين بالقوة؛ بدعوى تطبيق حقوق الإنسان، ومخالفة الأنظمة الدولية المرعيّة في السلم والحرب، كما يلمحون في محاكمات دارفور بالسودان.
العجيب أن آخر الأخبار تؤكد أن محكمة الاستئناف الأمريكية أيَّدت قانوناً رئاسياً جديداً يرفض حق سجناء غوانتنامو في الاعتراض على قرارات احتجازهم! هذه هي الديمقراطية التي يطالب بها المغفلون! إنها تمثّل وصمة عار ليس على الحضارة الغربية فقط؛ وإنما على الإنسانية جمعاء؛ فإلى الله المشتكى!
стр. 5885
رسالة إلى الأمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين الذي شرفنا الله ـ تعالى ـ فجعلنا من أمته، وبعد:
فمنذ عدة سنوات ازداد زخم التعدي على الإسلام ورموزه وثوابته؛ فقد علم المسلمون بالهجوم الذي يشنه كثير من القادة: الساسة والمفكرين في العالم الغربي على الإسلام ووصفه بصفات جائرة غير حقيقية وغير لائقة، ثم مشاركة العسكريين بالعدوان على بلاد المسلمين، ثم العدوان على المصحف وهو كلام رب العالمين، ثم السخرية من رسول رب العالمين ﷺ . وانتشر ذلك وشاع في العديد من الصحف والمجلات حتى وصل الأمر أن يتطاول كبير النصارى علناً على الإسلام وعلى الرسول الكريم في سابقة غير معهودة في العصر الحديث. وقد قامت الشعوب المسلمة بجهود في التصدي لذلك العدوان ما بين مقاطعات اقتصادية، ومؤتمرات دولية تعلن مناصرتها للإسلام والقرآن والرسول ﷺ والانحياز إلى ذلك انحيازاً تاماً من غير استثناء أو تحفظ، وكل ذلك معلوم للقارئ، ولا جديد فيه، لكن الذي ينبغي أن نفكر فيه وأن نبحث له عن إجابة: ما الذي جرأهم على هذه النقلة في التعامل مع العالم الإسلامي، وإظهارهم للطعن في كل ما يعظمه المسلم ويفتديه بنفسه وماله وولده؟ إنه يهمنا بشكل كبير جداً أن تقف هذه الحملات الغربية الظالمة الجائرة على ديننا الحنيف، وما لم تكن لدينا القدرة على معرفة السبب الحقيقي الذي جرأهم على إظهار ما كانوا يخفونه، والعمل على تلافي ذلك السبب فلن نكون قادرين على وقف تعدياتهم.
ربما يقول البعض: إن السبب في ذلك هو كفرهم وضلالهم وكرههم للإسلام والمسلمين. لكن هذا ليس هو السبب؛ فإن كفرهم وضلالهم وعداوتهم للإسلام أمر قديم ليس بالجديد. وقد يقال: إن السبب راجع إلى تلك الفترات التي غلبت فيها جنودُ الرحمن جنودَ الشيطان واستطاعت أن تنتشل من بين براثن الكفر والضلال شعوباً ودولاً وتُدخِلها في رحمة الله بدخولها في الإسلام، لكن هذا أيضاً أمر قديم.
وقد يكون السبب في ذلك هو قدرة الإسلام على الانتشار في أوساط النصارى في الغرب؛ فهناك دراسات وإشارات واضحة إلى أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً، وخوف النصارى قادةً وساسةً ومفكرين أن يصير الإسلام قوة رئيسة في الغرب في القريب المنظور مما يُؤْذِن بانهيار الغرب النصراني، يجعلهم يسلكون هذا المسلك، وقد يكون هذا سبباً حقيقياً للقلق الذي ينتاب الغرب من ظاهرة الإقبال على الإسلام، ومحاولة الحد منه وفرض القوانين التي تضيِّق على المسلمين هناك؛ إلى جانب التعديات المتكررة من أفراد المجتمع النصراني الغربي، لكنه يبقى مع ذلك سبباً قاصراً عن تفسير انتشار ظاهرة التطاول والجرأة الشديدة التي بدأت تظهر بشكل يلفت الأنظار إليه؛ بحيث صار هذا من الأمور المتكررة وبأكثر من أسلوب وفي دول متعددة وفي مستويات متفاوتة من طبقات المجتمع.
ويتلفت المؤمن يميناً وشمالاً يبحث عن مخرج من هذا المأزق؛ فمنهم من يدعو للقيام بمسيرات سلمية، ومنهم من يطالب بسحب السفراء، ومنهم من يدعو إلى المقاطعة الاقتصادية، ومنهم من يطالب بالاعتذار، ومنهم من ينادي بتعميق الحوار، لكنَّ هناك خياراً مهمّاً أغفله أكثر الناس ولم يتطرقوا إليه.
إن من أعظم الأسباب التي جرأت اليهود والنصارى على إظهار التطاول على ديننا هو ذلكم الضعف الشديد والتخاذل الكبير ـ الناتج من ذلكم الضعف ـ الذي تصر جهات متعددة من الأمة على البقاء عليه والتمسك به بقوة في كثير من المواقف الفاصلة، ويبدو من ذلك واضحاً أن البحث عن مخرج من هذا المأزق مع إهمال التفكير في خيار امتلاك القوة الرادعة والبحث عنها وتملكها فعلاً ـ التي تكون سبباً في مهابة العدو المتربص، وإجباره على الاعتدال في مواقفه من هذا الدين ـ هو من قبيل إضاعة الأمانة.
إن العالم من حولنا بشتى دياناته وعقائده وإمكاناته يبحث عن القوة الرادعة التي تؤمِّن له حريته وقدرته على اتخاذ القرار والحفاظ على خصوصياته، وينفق في سبيلها كرائم الأموال ونفيسها، بل منهم من يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يحتكرها لنفسه ويمنع الآخرين من تملكها أو الوصول إلى أسرار صناعتها، حتى يظل متفرداً بالقدرة على مهاجمة الآخرين وإرهابهم، ومن ثم ابتزازهم.
إنه لا ينبغي لنا ـ معاشرَ المسلمين ـ ساسةً وقادةً وعلماءَ ومثقفين، أن يقتصر دورنا ـ في مواجهة الهجمة الصليبية ـ على البحث عما يسمونه (الحلول السلمية) التي تخفي في طياتها ضعفاً واستسلاماً للواقع الأليم؛ فإن هذا وحده لن يؤدي إلا إلى مزيد من التطاول والعنجهية والهمجية.
ولنا أن نتساءل بموضوعية: أكان عُبَّاد الأوثان ـ من الساسة والقادة والأحبار ـ قادرين على التطاول على ديننا لو علم هؤلاء أن للمسلمين قدرة على معاقبتهم وتأديبهم التأديب الموجع؟
إن المجتمع الدولي اليوم لم يعد يهتم بالضعفاء حتى ولو كانوا أصحاب حق، ولا يقيم لهم وزناً ولا يلتفت إلى أنينهم وعذاباتهم، وإذا كنا نريد تعظيم حرمات الإسلام حقاً وكف أيدي العابثين فلا مناص من الدعوة إلى امتلاك القوة الرادعة التي ترهب العدو، والعمل على ذلك، وهذا ما أمر الله ـ تعالى ـ به فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ؛ فإن من الناس من لا يزيدهم العفو إلا طغياناً وكِبْراً، فإذا ظهرت قوة الحق رجعت إليهم عقولهم.
ولهذا قال الشاعر في هذا الصنف، وينسب لحسان ﵁:
دعا المصطفى دهراً بمكة لم يُجَبْ وقد لان منه جانب وخطابُ
فلما دعا والسيفُ صَلْتٌ بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا
ولا شك أن تحصيل القوة الرادعة لا يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها، وإنما هي في حاجة إلى إعداد جاد وطويل، بعيداً عن الاستعجال والتهور في اتخاذ المواقف التي قد تجر إلى كوارث، وبعيداً أيضاً عن الإهمال والتكاسل والتهاون الذي يجر إلى كوارث أشد.
إنه من غير الممكن الدعوة إلى شن حرب على تلك القوى المجرمة؛ فذلك فوق القدرات المتاحة، ولكن ينبغي الدعوة إلى العمل على امتلاك القوة الرادعة التي تعيد لهم صوابهم، وذلك أمر في الوسع والطاقة إذا صدقت النيات وتكاتفت الأيدي.
إن الجري أمام القوى الظالمة وتلبية طلباتها ومعاونتها في مشاريعها والتلطف معها في القول والعمل، لن يدْعوها إلى مراجعة نفسها والندم على جرائمها وأخطائها في حق أمتنا، بل يدعوها ذلك إلى مزيد من الظلم والغطرسة والطغيان.
وقد يلوح المخرج من هذا المأزق في عدة أمور:
الأول: العناية التامة بالإسلام عقيدة وشريعة، تعلماً وتعليماً والتزاماً على جميع المستويات، والجد في ذلك وعدم التهاون أو التقصير.
الثاني: امتلاك القوة الرادعة والقدرة على استعمالها بكفاءة.
الثالث: الإرادة الجازمة والعزم على استخدامها عند الحاجة إليها.
ولا شك أن هذا المخرج يحتاج إلى صبر ووقت، لكن صواب البدايات يؤدي إلى تحقيق النتائج المرجوة في النهايات.
فمتى نجدُّ ونجتهد ويقوم كل صاحب ولاية بما هو مطالب به في ولايته؟ ومتى تتحول مجتمعاتنا من مجتمعات لاهية عابثة يُستغرَق جل وقتها في البحث عن شهوات البطون والفروج، إلى مجتمعات عاملة جادة تسعى لكي تقوم بدورها المناط بها باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وتحقق مكانتها التي جعلها الله لها؟ لقد حان الوقت؛ فهل من مشمر؟!