← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

خبر وتعليق الصومال تسمح بدخول (القات) (رفع الحظر المفروض منذ سبع سنين على (القات) الذي تأتي وارداته من كينيا وأثيوبيا، وكانت الصومال قد فرضت حظراً على القات في عام ١٩٨٣؛ لأنه يتسبب في إصابة الرجال بالكسل ويكلف الدولة (٨٠) مليون دولار في العام لاستيراده) . (الشرق الأوسط ٢٨/٤/١٩٩٠) وبتاريخ ٥/٢/١٩٩٠ نشرت (الشرق الأوسط) أيضاً الخبر التالي: (كرر الرئيس الصومالى أمس دعوته للمعارضة لإجراء مفاوضات بمناسبة يوم العمال وأعرب عن أسفه للظروف المعيشية السيئة للعمال الصوماليين، وقال رئيس الصومال: إن الحرب الأهلية والعجز في ميزان التجارة الخارجية والتهرب من الضرائب كلها أدت إلى تردي الوضع الاقتصادي) . تعليق: إن تصرفات أمثال هذه الدول من الأشياء المضحكة المبكية، فرغم العجز والفقر، والاعتراف بفساد الوضع الاقتصادي، وطبعاً (المخفي أعظم) والكل يعرف أحوال الناس في الصومال. ورغم هذا يسمح باستيراد (القات) مما يكلف الشعب الصومالي (٨٠) مليون دولار، لماذا؟ والشعب بحاجة إلى (القوت) وليس إلى (القات) وهل مثل هذه الشعوب بحاجة إلى زيادة كسل أم تحتاج إلى تشجيع الزراعة وإنتاج المواد الغذائية مثل القمح، والذرة، أو إنتاج المواد الزراعية الصناعية.. هل هذا تخبط أم شيء مدروس؟ ! ولماذا لا يعترف رئيس الصومال بأن نظام حكمه هو سبب المشكلة كلها؛ فيترك الصومال لأهلها المسلمين؛ فيريح ويستريح، بدلاً من اتهام الشعب بالتهرب من الضرائب. إن أحوال الشعوب الإسلامية وحكوماتها شيء عجيب. إنهم يجمعون بين السيئات والمتناقضات كما جاء في الحديث من ذم «العائل المستكبر» . *** (يعقد في الثالث والعشرين من الشهر الحالي (مايو) في واشنطن مؤتمر لبحث مبادرة شاملة تهدف إلى مساعدة الديمقراطيات الناشئة في دول أوربا الشرقية اقتصادياً من قبل الدول الصناعية الغربية على أن يشارك في المبادرة القطاع الخاص في هذه الدول، وقد وصفت هذه المبادرة بأنها تشبه مشروع مارشال الذي أعقب الحرب العالمية الثانية وقد أكد على الدور الكبير للقطاع الخاص في هذه المبادرة) . (الشرق الأوسط ١١/٥/١٩٩٠) تعليق: هكذا يبادرون لسد الخلل في دول أوربية لرفع مستوى الدخل الفردي فيها، وتؤهل لتكوين أوربا الموحدة ولتصبح كتلة كبيرة في مواجهة أي تكتل آخر، فمتى يبادر الأغنياء عندنا على مستوى الدول أو على مستوى الشركات والأفراد لإقامة المشاريع الاقتصادية عند الشعوب الإسلامية الفقيرة، لمساعدتهم على العيش الكريم ومن خلال العمل والكسب لا من خلال المساعدة والصدقة؟ ! .

стр. 632

واجبنا تجاه المنهج الإسلامي عثمان ناصر السعيد ١ - الانكباب على دراسته ومعرفته حق المعرفة، لا أن نأخذه مجرد وراثة دون وعي. ٢ - التسليم بما جاء في مصدريه: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، دون أدنى شك في النفس أو تردد أو مشاورة للنفس التي ينازعها ضعفها وشهوتها والشياطين من جميع أطرافها؛ قال - تعالى -[ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ٣٦] . ٣ - بذل الجهد في نشره بين الناس؛ إذ إنه ليس خاصاً بنا وحدنا؛ قال - تعالى -: [إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ] [ص: ٨٧] وكما أنك سعدت به وتلذذت بالعيش تحت كنفه فمن الواجب عليك تأدية زكاته بتبليغه لتلك البشرية المتعطشة له والتي تتخبط في جاهليتها. ٤ - الذود عنه أكثر من الذود عن حظ نفسك وأهلك وشرفك ومالك، قال - ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» . إن سفينة هذا المنهج سائرة، قائدها محمد ﷺ متحدية الأمواج بحفظ من الله ﵎ شعارها قول الله - تعالى -: [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [آل عمران: ٨٥] .

стр. 633

المظلوم لا يبني ولا ينتج عبد القادر حامد قد يعجب بعض الذين لا تسرهم الحال التي تعيشها الأمة الإسلامية وغيرها من الشعوب الفقيرة.. يعجبون من الكسل والشلل الذي يبدو أنه يلف هذه الشعوب، كيف أنها لا تفكر في معالي الأمور، وتغرق في المعيشة يوماً يوماً، ولا يظهر عليها قلق مما يجري حولها من تكتلات اقتصادية، ولا يستثيرها هذا التباري المسعور الذي يحس ويلمس عند الشعوب المتقدمة. وينسى هؤلاء الذين تؤلمهم هذه الحال الخاملة؛ وهذه الحياة التى تبدو مجردة من الأهداف- ماخلا الحاجات الدنيا التي تحفظ النوع والنفوس - ينسون حقيقة وبدهية بسيطة واضحة للعيان أن الذي يجرد الإنسان فرداً أو جماعة - من الأهداف العليا هو الظلم. فالظلم هو الذي يسحق بشرية البشر، ويقصر تفكيرهم على الحد الأدنى من العيش، ويجعلهم يرضون بالدون من الحياة، ويلفتهم لفتاً عن مجرد التفكير في التعمير والتثمير، وهو الذي يقنعهم بالقول: لِدُوا للموت وابنوا للخرابِ! وهذا الداء الوبيل داء الظلم هو الوباء الذي ضرب المسلمين وأقام بينهم لا يريم [١] ، ومع أن شعوباً كثيرة استطاعت أن تضع حداً له، وتعيش في منجاة من نكايته، وتحد من انتشاره؛ لكننا - مع الأسف - نتقلب في ناره، ونعاني ما نعاني من شدة ثباته في أرضنا واستقراره. هذه الجموع العريضة تتذوق شتى أنواع الظلم، فهم بين مظلوم في ماله، ومظلوم في دينه، ومظلوم في حريته، ومظلوم في حقوقه الأدبية والشخصية، كل منهم جثم عليه من الظلم - نوع أو أكثر - ما يجعله دائم التفكير في ظالمه، زاهداً في إنجاز أي شيء سوى الانتصاف لنفسه إن استطاع، مشلول التفكير والإرادة إلا عن التقلب على جمر الغيظ وحب الانتقام. ولأمر ما عنون ابن خلدون فصلاً مهماً من مقدمته بالقول: (الظلم مؤذِن بخراب العمران) ولأمر ما اختار كلمة (مؤذن) حتى يجعلك لا تغتر إذا رأيت قصراً منيفاً يتربع فيه ظالم بين الأضواء والرياش، أو سلطة يتحكم بها متجبر عاتٍ يأمر فيُطاع، فها هو ذا الظلم ينعق في جنباتها، مؤذناً بدك بنيانها من القواعد.

стр. 634

ذو الحجة - ١٤١٠هـ يوليو - ١٩٩٠م (السنة: ٤)

стр. 635

الافتتاحية لبيك لا شريك لك ... إذا أردنا وصف هذا الدين بكلمة واحدة لقلنا: إنه دين (التوحيد) ، فقاعدته الأساسية: هى إفراد العبودية والتلقي والتوجه لله ومحاربة الشرك بشتى ألوانه وأصنافه، حتى يخلص الدين لله، وتتطهر الأرض من أنواع الطواغيت، وكل الأعمال إذا خالطها الشرك تتحول هباءً منثوراً. وفي هذه الأيام حيث تغرق البشرية بأنواع الشرك والخضوع لغير الله والجهل بدين الله في كل ناحية من نواحى حياتهم، يبرز الإسلام كهادٍ وحادٍ للإنقاذ من وهدة الضلال وطريق الانحدار. وإن منسك الحج من أعظم شعائر الإسلام تمثيلاً للتوحيد، ففيه تعود بنا الذكريات إلى سيدنا إبراهيم ﵇ الذي حطم الأصنام ليكون الدين كله لله، وترك بلاد الأصنام مهاجراً إلى ربه، وهو الذي سمانا المسلمين من قبل، وهو الذي بنى مع ولده إسماعيل ﵇ أول بيت للناس يعبد فيه الله وحده، وفي الطواف والسعي والوقوف والرمي يتجلى التوحيد ناصعاً، والدعاء كله لله (لبيك لا شريك لك ... ) بينما كان دعاء العرب في الجاهلية (لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ، ولذلك وصف الصحابي حَجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما أحرم من ذي الحليفة، قال: فأهلَّ بالتوحيد، وهو يعنى: التلبية. إن أغلى ما يملكه المسلم عقيدته الصافية التي يجب التمسك بها ولو انحرف عنها أهل الأرض، ولو أن هناك محاولات (لعصرنة) الإسلام والتنازل عن شىء منه مقابل اعتراف الغرب بنا أو رضاه عنا. إن رسول الله إبراهيم ﵇ هو الذي حدد لنا هويتنا، إنها الملة الحنيفية، وليس لنا هوية غيرها، وبمجرد التنازل عن شيء منها يبدأ العد التنازلي لحضارتنا وقوتنا، إن الشريعة تكفل لنا العيش في هذا العصر إذا كنا على مستوى الاجتهاد والفقه في الإسلام، ولكن أن نتنازل عن هويتنا بسبب جهلنا بما تبيحه الشريعة وبما تمنعه فهذه هى الطامة. ولانزال نسمع في هذه الأيام من يدندن حول التجديد في (أصول الإسلام) أي: التطوير في أصول الإسلام [١] حتى يتناسب مع هذا العصر، ولم يعلموا أن الثبات على المبدأ والتمسك به هو الذي يعطينا القوة أمام الأعداء. وأن الأخطار التي تواجه المسلمين وخاصة (المنطقة العربية) لا ينجي منها إلا الوقوف تحت راية (التوحيد) . ومن يفقه هذا الدين ويعلم تفاصيله يدرك أنه وسط بين الملل المتشددة والمترخصة، وأنه حنيفية سمحاء، كما أن أهل السنة وسطٌ بين المذاهب الإسلامية، فالذي لا يعرف قدرهم يظن أنهم حرفيون، نصِّيِون لا يفقهون مرامي الكتاب والسنة، وهذا كله بسبب الجهل بحقيقة فهم أهل السنة وطرائقهم في الاستدلال والتفكير، والحقيقة: أن التطرف لا يصلح عليه أمر الخلق، فكيف يبقى الإسلام ويبقى مذهب أهل السنة؟ ، لولا أنه يحمل بذور بقائه، وهذا من حفظ الله له. وفى مناسك الحج يبرز أمرٌ آخر لابد من التنبيه عليه والتنويه به، وهو: (توحد) المسلمين فالحج من أعظم شعائر الإسلام إبرازاً لهذه الخاصية، ففيه يجتمع المسلمون من شتى أقطار الأرض، ألا يوحي لنا هذا بمحاولة التوحد التي نرى ونحس بعض إرهاصاتها، ولكن لم تتحقق بعد على أرض الواقع حتى بين أصحاب المنهج الواحد، مع أن هذا التوحد فيه مصلحة الدين والدنيا، ومع كثرة الأوامر به والزواجر عن ضده: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (صحيح الجامع الصغير ١٥٦/٣) . ومع هذا فلا تزال فكرة التوحد ضعيفة لم تأخذ مجرى التطبيق العملي بعد، ولم يتم الإسراع بها، وسبب ذلك هو ضعف البصيرة عن العواقب، والنظر إلى العاجل من مغانم سطحية مؤقتة لا تسمن ولا تغني من جوع. إن أهل السنة مدعوون الآن أكثر من أي وقت مضى لإظهار خاصية من خصائص الإسلام، وهي جمع الناس على دينٍ واحد، وإذا كان الغرب الأوربي والغرب الأمريكي قد انفرد بالساحة وحده ولم يعد له منافس من الشرق الشيوعي، فإنه يعلم ويصرح علناً أن المنافس الآن هو الإسلام. وإذا لم نتمكن من التوحد تحت راية (التوحيد) فسنبقى رقماً كما أطلق علينا (العالم الثالث) .

стр. 636

في إشراقة آية [أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ] د. عبد الكريم بكار سيظل للكلمة أثرها الفعال في تغيير أفكار الناس وأمزجتهم ومشاعرهم وواقعهم، وذلك إذا استوفت شروطاً معينة. وليس أدل على رفعة مكانة الكلمة في حياة البشر من أن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام -كانوا يجيدون استخدامها في التعبير عن الحقائق الراسخة والربط بينها وبين واقع البشر ورصيد الفطرة المتبقي لديهم. فهذا نوح ﵇ يجادل قومه باستفاضة، حتى ضج قومه من ذلك حين قالوا: [قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا] [هود: ٣٢] ، وهذا إبراهيم - ﵇ يكرمه الله تعالى، فيهبه من قوة الحجة ما يفحم قومه: [وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ] [الأنعام: ٨٣] . وهذا موسى ﵇ يقول: [واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي] [طه: ٢٧، ٢٨] ، ثم يطلب من الله تعالى أن يتفضل عليه بإشراك هارون معه في التبليغ لفصاحة لسانه حين يقول: [وأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ] [القصص: ٣٤] . والله تعالى يقوم لخاتم أنبيائه: [وقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً] [النساء: ٦٣] . وكل هذا قبس مما نسبه الباري -جل وعلا- لنفسه حين قال: [قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ] [الأنعام: ١٤٩] وحجج النبيين ومضامين خطابهم للخلق -في الأصول - واحدة أو تكاد، مما يجعل جذور الكلمة الطيبة ضاربة في أعماق الزمن من لدن نوح ﵇ إلى خاتمهم محمد ﷺ ، وهذا يجعل حركة التاريخ كلها في سياقٍ عامٍ واحدٍ، هو: التأكيد على أهمية الكلمة الطيبة في إنقاذ البشرية من الضلالة. ونحن في كثير من الأحيان نستخف بقيمة الكلمة، ومع أهمية العمل إلا أن لكل منهما مجاله الذي لا يصلح فيه غيره، وفى تاريخنا الإسلامي أمثلة كثيرة جداً غيَّرت فيها الكلمة مسار شخص أو مدينة، بل قارة، فمما يذكرون في هذا الصدد أن وفداً من بعض بلاد أفريقية وفد حاجاً، فالتقى بالإمام مالك بن أنس صاحب المذهب؛ فأثنى مالك على والي ذلك البلد خيراً، وتمنى لو رزقت المدينة مثله في عدله وصلاحه. فبلغ ذلك والي ذلك البلد الإفريقي، فأمر بتدريس كتب مالك في بلده، وأدى ذلك إلى انتشار المذهب المالكي في أرجاء أفريقية! . وما أظن أن ما حدث كان يخطر للإمام على بال. وقد تغني الكلمة الواحدة غناء جيش أو جيوش، كما حدث في غزوة الأحزاب حين أسلم نعيم بن مسعود، واستخدم عدم علم المشركين بذلك في تبديد الثقة بين قريش واليهود على ما هو مشهور. وقد أدركت الشركات والمؤسسات التجارية قيمة الكلمة في التأثير على المشتري ودفعه إلى شراء ما لا يحتاج له، قال أحدهم: لو كان لى عشرة دولارات لتاجرت بواحدٍ وصنعتُ دعاية بالتسعة الباقية. وإذا أردت أن تشل فاعلية شخص ما، فيكفى أن تقنعه: أن عمله غير ذي فائدة. والآية التي نحن بصددها زاخرة بالمعاني والصور التي تجعل الكلمة في أرقى حال جمالاً وكمالاً ونفعاً. ولنقرأ الآية وما تلاها لنقتبس شيئاً من نورها، قال الله -جل وعلا-: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا ويَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] [إبراهيم: ٢٤-٢٥] ، لقد شبه الباري -عز اسمه - الكلمة الطيبة بشجرة طيبة، وهذه الشجرة الطيبة تتصف بثلاث صفات أساسية: ثبات أصلها وعمق جذورها، ثم ذهاب فروعها وأفنانها في السماء، ثم نفعها الدائم للخلق باستمرار أكلها وثمارها. ولنفصل القول في تنزيل هذه الصفات على الكلمة الطيبة. ١ - ثبات الأصول: حين نعرف أن أصول دعوات الأنبياء ﵈ واحدة، تركزت في الدعوة إلى التوحيد الخالص وعبادة الله تعالى وإقامة الحق والعدل في الأرض وإعمارها بما يسمح بإقامة مجتمع التوحيد؛ ندرك أي جذور ضاربة تمتلكها الكلمة الطيبة على اتساع أمداء الزمان والمكان، وندرك أي رصيد من المنطق العام الذي بناه الأنبياء تستند إليه، وأي رصيد ضخم من الفطرة يؤازرها في عملية البلاغ المبين. وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» . قال ابن حجر: ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع -[فتح الباري ٤٨٩/٦] فالكلمة الطيبة إرث موروث متصل بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. ولكن المشكلة أن التفريق بين الأصول والفروع قد لا يتهيأ لكل الناس مما يجعل الخلط بينهما وارداً، وحينئذ فقد يجمد ما ينبغي أن يتطور، وقد يتطور ما ينبغي أن يثبت. واليوم نتيجة لعلميات الضغط الفكري التي تمارسها التيارات المادية، نجد أن كثيراً من الكتاب والمفكرين الذين لهم صبغة إسلامية بدأوا يتزحزحون عن كثير من مواقعهم، مصطحبين معهم أفكاراً أو أحكاماً عليها الإجماع، أو السواد الأعظم من علماء المسلمين، بل بعض الأصول التي ليست موضع نزاع. ويحضرني هنا ما كتبه أحد الذين لهم نفس إسلامي عن لقائه مع القسس الذين يعيشون في بعض بلدان العالم الإسلامي، حيث أثنوا على كتاباته، وسألوه عن الوضع الذي ينبغي أن يكونوا عليه وهم يعيشون بين المسلمين؟ وقد أجابهم بقوله: أول ما نطلبه من النصراني الذي يعيش بيننا أن يتمسك بنصرانيته...! ! وهذا المطلب عجيب غريب، وهو غني عن كل تعليق. فهل يصح لهذا وأضرابه أن يدعي أنه يكمل مهمة نبيه ﷺ في تبليغ الرسالة وهداية الخلق؟ ! . ... وقريب من هذا الفتاوى التي صفق لها كثيراً الذين في قلوبهم مرض، من أمثال: إباحة الربا الذي تتعامل به البنوك اليوم، ومن مثل: القول بعدم وجود حد للردة في الشريعة.... الخ. وإذا استمر هذا النهج على ما هو عليه اليوم فسنجد أنفسنا أمام دين يقبل كل إضافة كما يقبل أي حذف، ويصبح قابلاً للتشكيل على ما يشتهي أهل الأهواء والشهوات، لأنه صار شيئاً ليس بذي طعم ولا لون ولا رائحة... ولكن ذلك لن يكون -بإذن الله- ما نشط أهل الحق في توضيحه والذود عن حياضه. ٢ - مرونة الأساليب وتنوعها: على مقدار ما تكون جذور الكلمة الطيبة وأصولها راسخة ثابتة تكون أساليبها مرنة نامية منوعة، وهذا في حد ذاته أحد مقتضيات ثبات الأصول؛ فأحوال البشر وأفهامهم مختلفة، ولذلك تعدد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وتنوعت شرائعهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] [إبراهيم: ١٤] ، فالرسول يكلم الناس بلغتهم التي يتكلمون بها على أوسع ما تحمله هذه الكلمة من دلالات، والهدف هو: أن يبين لهم ما يدعو إليه، وقد أخذ الأسلوب القرآني من العرب كل مأخذٍ، وتحداهم وطاولهم في التحدي، وأقام عليهم الحجج الدامغة التي تناسب أوضاعهم الفكرية آنذاك. واللغة في أبسط تعاريفها هي: مجموعة الإمكانات التعبيرية في بيئة من البيئات، وهذه الإمكانات التعبيرية تتسع باتساع حضارة اللاغين بها، واتساع غنى الخلفيات الثقافية لديهم، وهذه الإمكانات دائمة التغيير والتشكل تمر بعين الأطوار التي يمر بها الكائن الحى من الولادة إلى الموت وما بينهما من مراحل. ولغتنا الفصحى تنمو ضمن أطر صارمة، فالفاعل لن ينمو ليصبح مجروراً، والمضاف إليه لن ينمو ليكون مرفوعاً، ولكن بين تلك الأطر مساحات واسعة شاسعة تتحرك فيها اللغة على مستوى التراكيب والدلالات والأصوات، وتلك الحركة تساير وتناغم شلالات الثقافة في الأمة في تنوعها ودرجة عنفها. لغة العصر: من سمات حركة التاريخ أن دور العبادة تظل كهوفاً لنوعٍ أو لأنواعٍ من العلم مهما ساءت أحوال الأمة الثقافية، وعلى امتداد تاريخنا الإسلامي كان علماء الشرع يشكلون السواد الأعظم من الكتاب والباحثين والمفكرين، مما جعل اللغة التي يتكلم بها الصفوة من الناس هي عين اللغة التي يتحدث بها الدعاة، لأنهم هم الذين شكلوها، وعلى ألسنتهم تطورت ونمت ... ولكن الزمان قد اختلف، حيث إن اللغة التي يتكلم بها النخبة اليوم تكونت من جهد ثقافي متنوع، فأجهزة الإعلام والجرائد والمجلات والقصص والروايات والكتب التي صنفها باحثون تنوعت ثقافاتهم مضامين وأساليب، وبفعل وسائل الاتصالات الحديثة صار العالم بمثابة قرية صغيرة تكثفت فيها الآراء والاتجاهات والثقافات ... وكان في هذا تحدٍ عظيم لكل من يريد مخاطبة الناس والتأثير فيهم، إذ أن الخلفية الثقافية للمخاطبين صارت أكثر تعقيداً بسبب ثراء الساحة الثقافية وتنوعها، مما أسفر عن وجود حواجز كثيرة، على الكلمة أن تتجاوزها قبل الاستقرار في الذهن أو العاطفة، كما صار التزام الدقة في أداء الكلمة شرطا أساسيا للحيلولة دون أن يساء فهمها، كما صار اختيار العبارات المناسبة للحقيقة التي يُراد إيصالها للمخاطب أمراً ضرورياً جداً. فإذا كانت الحقيقة التي نريد توصيلها أدبية أو حضارية فإن العبارة القادرة على اختراق الحجب هي التي تحمل في تركيبها قابلية تعدد المعاني عند مختلف الدارسين، بحيث يكون لكل منهم فيها خطة من التفسير والتأويل، بشرط أن يكون ذلك ضمن طاقة التركيب اللغوي الذي بين يديه. أما الحقيقة العلمية الكونية أو العقدية أو الفقهية: فينبغي أن تصاغ بعبارة غاية في الدقة لا تدع مجالاً إلا لمعنى واحد، كما أن في تلك المعنى لا يجد دقة صياغته إلا في تلك العبارة. فإذا لم يراع المتحدث أو الكاتب هذا أحدثت عباراته للناس فتناً، وأوقعته في الريبة مع سلامة قصده، وفتحت عليه من نوافذ النقد ما لا قبل له به. من خصائص لغة العصر: يتمخض عن تلاطم الأفكار والثقافات المختلفة قناعات ومفاهيم عند السواد الأعظم من الناس، وهذه المفاهيم قد تكون صحيحة، وقد لا تكون لأنها لا ترتكز في أكثر الأمر على حقائق موضوعية بقدر ما تنبع من قوة الفعاليات على الساحات الثقافية والفكرية، وهذه القناعات تشكل مفردات التركيب الذهني لدى الناس، مما يجعل امتصاصهم للمعلومات التي يطلعون عليها ذا سمات خاصة تنسجم مع ذلك التركيب. وحينئذ فإن الداعية مطالب بمعرفة تلك القناعات والمفاهيم، كما أنه مطالب بتحسس التركيب الذهني السائد في عصره حتى يخاطب الناس بلسانهم، ومن هذه الخصائص: أ- اعتماد الإحصاء بدلاً عن الفلسفة: كانت الفلسفة تسمى ملكة العلوم، وذلك بسبب تأثير منهج أرسطو في منحنيات الفكر البشري ومساراته، وقد كان الناس إلى عهد قريب يسمون من أوتي فيهم مقدرة خاصة على التعبير بـ (الفيلسوف) ، بل إن بلداً مثل بريطانيا مازال يستخدم كلمة (فلسفة) في شهادات التخصصات العليا لديه. وقد تأثر الفكر الإسلامي قديماً بالمنطق الأرسطاليسي، وتسربت مقولاته وأقيسته إلى كثير من كتب الأصول والفقه والعربية، بل والعقيدة. ذلك الفكر الذي لا يقيم للتجربة أدنى وزن، ومن الطرائف المتناقلة في هذا: أن أرسطو كان يزعم أن أسنان الرجل أكثر من أسنان المرأة! ولو أن زوجته فتحت فمها وعدَّ أسنانها لعرف أن زعمه حديث خرافة.. وقد أدركت أوربة في أوائل عصر نهضتها ألا نهضة ولا تقدم قبل نبذ الفكر الأرسطي القياسي، ثم الاتجاه إلى التجريب لتتويجه ملكاً على العلوم المادية، ومن ذلك اليوم بدأت قناعات الناس تنحو منحى لغة الرقم لاستفتائها والبناء عليها، وهذه نقطة إيجابية إذا أحسنا التعامل معها، ولكن كثيرين منَّا مازالوا غير واعين لهذه الحقيقة، مما يجعلهم يستمرون في سوق الحجج العقلية مع توفر أرقام واقعية تدعم قوله، وتؤيده، فعلى سبيل المثال: فإن تقديم نماذج واقعية ذات أرقام محددة على ما يكن أن ينتج من الأمن والرخاء نتيجة تطبيق الحدود والنظام الاقتصادي الإسلامي - أجدى وأنجع بكثير من سرد مجلدات من العلل والحجج العقلية التي تشرح فوائد الالتزام بالإسلام، أو تلك التي توضح سلبيات الربا وتطبيق القوانين الوضعية. ومن المفيد هنا أن نقول: إن أرسطو أنشأ فن الجدل ليسد الثغرات التي يتركها الاستقراء الناقص للأحداث والأفكار؛ كما أنشئت فلسفة التاريخ فيما بعد لتسد النقص في التفاصيل التاريخية، أما اليوم فقد أضحى الإحصاء إحدى أهم سمات عصرنا البارزة، مما يسهل استخدامه حتى نخفف من الجدل والمماحكات اللفظية العقيمة. - للبحث صلة -

стр. 637

خواطر في الدعوة المَلَل من كَواذب الأخلاق محمد العبدة جاء في (صحيح ابن حبان) عن عائشة ﵂ تصف خلقاً من أخلاق الرسول ﷺ قالت: (كان عمله ديمة) [١] ، وفي حديث آخر قالت: (كان أحب الأعمال إلى رسول الله ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه) [٢] . أراد رسول الله ﷺ تعويدنا على المثابرة والدأب على العمل الذي نبدأ به، وأن يكون نفسنا طويلاً فلا ننقطع لأي عارض، ولاشك أن هذا الخلق وهذه العادة من أكبر أسباب نجاح الأمم والأفراد، لقد افتقدنا هذا الخلق في الأزمنة المتأخرة فما أن نبدأ بعمل أو مشروع ما حتى ننقطع، وما أن نسير خطوات حتى نمل ونتعب، وكم من مشاريع علمية أو اقتصادية بُدئ بها ثم انقطعت، سواء كانت مشاريع فردية أم جماعية، وبعد الانقطاع تتغير الوجهة ونبدأ من جديد. والسبب في هذا: هو أن الطبع ملول، ولم نتعلم بعد (فن التعاون) فيما بيننا ونريد قطف الثمرة بسرعة، ولو تصفحنا التاريخ لوجدنا أن كبار علمائنا لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بالمثابرة والمصابرة، وكم عانى علماء الحديث من الترحال ومشقة الأسفار، وغيرهم من العلماء ما تسنموا هذه المنازل إلا بعد أن جثوا على الركب سنين، وكان أحدهم يسهر أكثر الليل يفكر بالمسألة ويقلب فيها وجهات النظر. وإذا جاز لنا التعلم من الأعداء، فإن هذا الخُلق موجود عند الغربيين، يستقر المبشر بالنصرانية في قرية منقطعة في غابات آسيا أو أدغال أفريقيا سنوات وهو يدعو إلى باطله، وتكون النتائج غالباً ضئيلة فلا يخرج إلا بالآحاد الذين تنصَّروا، ومع ذلك لا يسأم ولا يمل، وقد يتعجب المرء إذا علم أن بعض الصحف والمجلات الغربية لا تزال تصدر من مائة سنة أو أكثر، وبالاسم نفسه دون انقطاع، وبعض مؤسساتهم عمرها مئات السنين لم تتغير، حتى في شكلها، فمقر رئاسة الوزراء في بريطانيا (١٠ داوننغ ستريت) عمره (٢٥٠) سنة ولم يفكروا بالانتقال إلى مكان أوسع وأرحب، وأما مشاريعهم العلمية الطويلة الأمد فيعرفها كل طالب علم كالمعجم المفهرس لألفاظ الحديث، وكتابة المستشرق (دوزي) لتاريخ المسلمين في الأندلس استغرقت عشرين سنة، ومشروع تاريخ التراث العربي ... إن هذا الاستمرار الطويل يعطي رسوخاً وتجربة، ويخرج أجيالاً تربت من خلال هذه الاستمرارية، والانقطاع لا ينتج عنه إلا الخيبة والندامة، وقد نهانا الله أن نكون [كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً] [النحل: ٩٢] ، وهذا عمرو بن العاص ﵁ عندما كان أميراً على مصر وقد ركب بغلةً قد شمط وجهها، واجتاز بها منازل أمراء الصحابة وكبار القواد في الفسطاط، فقال له أحدهم: أتركب هذه البغلة وأنت من أقدر الناس على امتطاء أكرم ناخرة (فرس) بمصر؟ فقال: لاملل عندي لدابتي ما حملت رحلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، فإن الملل من كواذب الأخلاق.

стр. 638

مصطلحات إسلامية الجوار إعداد: عادل التل المعنى اللغوي: الجوار: المجاورة. والجِوار والجُوار بمعنى واحد، ولكن الكسر أفصح. وجمع جار: أَجْوار وجيرة وجيران، ولفظ الجار له معانى كثيرة منها: الجار: الذي يجاورك بيت بيت، والحليف، والناصر، والقاسم، والشريك في التجارة، وجارة المرأة ضرتها، والمرأة جارة لزوجها لأنه مؤتِمر عليها، وأمرنا أن نحسن إليها ولا نعتدي عليها لأنها تمسكت بعقد حرمة الصهر، وصار زوجها جارها لأنه يجيرها ويمنعها. والجار الجنب: أن لا يكون له مناسباً (ليس من أقاربه) فيجيء إليه ويسأله أن يجيره، أي: يمنعه، فينزل معه، ومنه يقال للذي يستجير بك: جار، وللذي يجير: جار، ومنه الجار الذي أجرته من أن يظلمه ظالم، وأجار الرجل: خفره. المعنى الاصطلاحي: قال تعالى: [قُلْ إنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ولَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً] ، أي: لن يمنعني من الله أحد، ولن ينصرني عليه أحد، وقال أيضا: [قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجَارُ عَلَيْهِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] أي: وهو السيد العظيم له الخلق والأمر والعظمة والكبرياء، فلا يحول شىء دون حكمه وأمره. يلتقى معنى الإجارة مع الاستعاذة، فكل منهما يطلب خلاله الحماية والمنعة، ولكن الاستعاذة لاتكون إلا بالله، بينما تكون الإجارة في الدنيا من الناس. ويختلف حكم الجوار عن المعاهدة، والتي تكون بين المسلمين وغيرهم وتضع أحكاماً على الطرفين المتعاهدين، بينما الجوار لا ينشأ التزامات متبادلة، وإنما يقع الالتزام على طرف واحد -وهو المجير- لصالح المستجير، بأن يحميه ويرفع عنه الظلم وفق أعراف الجاهلية، ومثال المعاهدة: (صلح الحديبية) ، ومثال الجوار: دخول رسول الله ﷺ مكة بجوار المطعم بن عدي، وقد كان سابقاً في حماية عمه أبى طالب وبني هاشم، وهكذا يأخذ الجوار معنى الأمان والحماية والمنعة. من أحكام المصطلح: قال تعالى: [وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ] [التوبة: ١٦] ، وفيها جواز إعطاء الكافر الأمان في بلاد المسلمين حتى يسمع كلام الله تعالى ويطلع عن قرب على أمر الدين فتقوم الحجة عليه، وكذلك لابد من ضمان عودته إلى بلاده آمناً، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يد المسلمين على من سواهم، تتكافأ دماؤهم وأموالهم، ويجير على المسلمين أدناهم» ، أخرجه ابن ماجه، لذلك قال لأم هانىء: (قد أجرنا من أجرت) . أخرجه البخاري. أما عندما يكون المسلمون في حالة الضعف، في مرحلة الدعوة، وعندما يشتد عليهم أذى المشركين وتنزل بهم المحن والخطوب، فليس أمامهم إلا تحمل الآلام والمشقة، أو الدخول في جوار أحد من الناس، أو الهجرة إلى مكان آمن، وقد خرج جماعة من الصحابة فراراً بدينهم - ومن بينهم رجال من كبار الصحابة -، مصطحبين معهم النساء والأبناء، حيث قصدوا أرض الحبشة ونزلوا مطمئنين بجوار ملكها العادل - وذلك قبل أن يدخل النجاشي بالإسلام -، ومن المشهور عن الصحابة أنهم لم يتنازلوا من أجل الحماية والأمان عن أي شيء من أمر دينهم، ولم يبدلوا من سلوكهم أو مواقفهم لقاء هذه الحماية، وكان الدخول بالجوار دون قيد أو شرط يحول بين المسلم ودينه، ولا يشترط في عقد الجوار أن يكون صريحاً من إيجاب وقبول، فقد يكون من طرف واحد يعلن حمايته لهذا الرجل، وذلك من أجل قرابة أو حباً في مواقف الشرف، وقد يكون الجوار على شكل بلاد مفتوحة أمام المهاجرين، بحيث يستطيع الإنسان أن يقيم فيها دون الالتزام بقيود في مجال الاعتقاد، وإنما يعتمد على قوانين تلك البلاد التي لا تتعرض للأحوال الشخصية للناس، كما هو الحال في بعض البلاد الأوربية وغيرها. ومن المآثر التي خلفها لنا أصحاب رسول الله ﷺ : أن منهم من رفض قبول جوار المشركين وهو يقول: (إني دخلت في جوار من هو أعز منك.. لقد دخلت في جوار الله تعالى) ، ومنهم من رد الجوار بعد أن حاول المجير أن يحد من مواقف ونشاط المستجير، ولقد رد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-الجوار لابن الدغنة عندما طلب منه أن لا يصلي خارج بيته، قال أبو بكر: (أو أرد عليك جوارك، وأرضي بجوار الله) .

стр. 639

كاتب وكتاب الشَّهْرَسْتَانِي وَكِتَابَه: المِلَل والنِّحَل عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف في هذه الدراسة المختصرة، سأتحدث عن أحد الأعلام البارزين الذين كان لهم دور ظاهر في تدوين مقالات الفرق والمذاهب سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، فكان كتابه موسوعة موجزة ومرتبة للكثير من الآراء والمعتقدات للفرق الإسلامية وغيرها. هذا العَلَم هو: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم المعروف بالشهرستاني (ت ٥٤٨هـ) ، وكتابه: هو (الملل والنحل) . ولعل من المناسب أن أشير إلى أهمية دراسة شخصية الشهرستاني، وكتابه الملل والنِّحل، فالشهرستاني - فيما هو مشهور ومعلوم عند الكثير من الدارسين - أحد شيوخ الكلام، وواحد من علماء الأشاعرة، وله دراية وخبرة بمقالات الفرق والملل والنِّحل، ولكن هناك جوانب مهمة عن الشهرستاني قد تخفى على بعض الدارسين، كاتهامه بالميل إلى الباطنية، أو القول بتشيعه، ولعلنا نلقي بعض الضوء على هذه القضية. وأما كتابه (الملل والنحل) فهو مرجع مشهور، ومصدر متداول بين أيدي الباحثين، وقد ترجم إلى عدة لغات؛ ومع ذلك فلا توجد دراسة علمية مطبوعة [١] - فيما أعلم - تتحدث عن منهج الشهرستاني في هذا الكتاب المهم، وتبين مصادره، وتوضح مزاياه، كما تذكر المآخذ عليه. ولد الشهرستاني سنة ٤٧٩ هـ ببلدة شهرستان في أقليم خراسان، وهو - كما يقول الذهبي -: (شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب التصانيف) [٢] ، برع في ... الفقه، والأصول، والكلام، تفقه على أحمد الخوافي، أخذ الأصول والكلام على أبى نصر بن القشيري، ودخل بغداد سنة ٥١٠هـ، وتوفي بمسقط رأسه سنة ٥٤٨ هجرية. ألف الشهرستاني تصانيف تصل إلى تسعة وعشرين كتاباً، منها المطبوع، والمخطوط، والمفقود. ومن كتبه المطبوعة: الملل والنحل، ونهاية الإقدام في علم الكلام، ومصارعة الفلاسفة. ومن كتبه المخطوطة: رسالة في اعتراضات الشهرستاني على كلام ابن سينا، والمناهج في علم الكلام، وقصة يوسف-عليه السلام-[٣] ، وغيرها. ومن كتبه المفقودة: مناظرات مع الإسماعيلية، وتاريخ الحكماء وغيرهما [٤] . والآن - أخي القارئ -: أنقل لك بعض أقوال أهل العلم الذين اتهموا الشهرستاني بالميل إلى الإسماعيلية الباطنية. قال ابن السمعاني: كان الشهرستاني متهماً بالميل إلى أهل القلاع - يعني: الإسماعيلية- والدعوة إليهم، والنصرة لطاماتهم. وقال في (التحبير) : إنه متهم بالإلحاد، غال في التشيع. وقال ابن أرسلان في (تاريخ خوارزم) عن الشهرستاني: عالم، كيِّس، متفنن، ولولا ميله إلى أهل الإلحاد وتخبطه لكان هو الإمام [٥] . ونقل صاحب (شذرات الذهب) عن كتابه (العبر) : أنه اتهم بمذهب الباطنية [٦] . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه شيئاً من ذلك، ولكن بصيغة (تمريضية) فقال ﵀: (وقد قيل: إنه صنف تفسيره (سورة يوسف) على مذهب الإسماعيلية -ملاحدةِ الشيعة -[٧] ) . وفي المقابل نجد علماء ينفون هذه الدعوى عن الشهرستاني، فهذا السبكي يدافع عن الشهرستاني فيقول بعد أن ذكر أقوال من اتهم الشهرستاني بالميل إلى الباطنية: فأما (الذيل) [٨] فلا شيء فيه من ذلك، وإنما ذلك في (التحبير) [٨] ، وما أدري من أين ذلك لابن السمعاني؟ ، ويقع أن هذا دُس على ابن السمعاني في كتابه (التحبير) ، وإلا فلم لم يذكره في (الذيل) ؟ [٩] . وينفي شيخ الإسلام - في موضع آخر - هذه التهمة عن الشهرستاني فيقول: (يذكر (الشهرستاني) أشياء من كلام الإسماعيلية الباطنية، ويوجهه، ولهذا ... اتهمه بعض الناس بأنه من إلإسماعيلية، وإن لم يكن الأمر كذلك) [١٠] . ومما يؤكد ذلك أن الشهرستاني صنف في ذكر فضائح الباطنية [١١] ، كما أن للشهرستاني صولات وجولات مع ابن سينا الفيلسوف الباطنى، يقول ابن القيم: (وصارع محمد الشهرستاني ابن سينا في كتاب سماه (المصارعة) ، أبطل فيه قوله بقدم العالم، وإنكار المعاد، ونفي علم الرب تعالى وقدرته وخلقه العالم) [١٢] . وإضافة إلى ذلك، فقد تحدث الشهرستاني عن الباطنية، وذكر شيئاً من مقالاتهم [١٣] ، ولكن كان الواجب على الشهرستاني أن يكشف عن معتقدات الباطنية، ويبين إلحادهم وزندقتهم وكيدهم لأهل الإسلام، كما فعل سلفه عبد القاهر البغدادي في (الفرق بين الفرق) [١٤] ، وغيره. ونقف وقفة يسيرة أمام هذه الأقوال المتعارضة، لنقول: إنه يمكن أن نعزو رمي واتهام الشهرستاني بالإسماعيلية إلى جملة أسباب تتعلق بشخصه، منها: أن الشهرستاني -وللأسف - مع كثرة اطلاعه ومعرفته للمذاهب والفرق الإسلامية، فإنه كان جاهلاً بمذهب السلف الصالح، فلا يعلم معتقد أهل الحديث، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام في غير موضعٍ، فقال: (فالشهرستاني صنف (الملل والنحل) ، وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه، ولم يذكره) [١٥] . ولقد ورَّثت هذه المعرفة الواسعة للمذاهب المختلفة صاحبنا-مع الجهل بمذهب السلف الصالح - حيرةً واضطراباً، عبر عنها بهذين البيتين من الشعر، فقال: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائرٍ ... على ذقنٍ أو قارعاً سن نادم [١٦] وتتمثل هذه الحيرة وعدم الاستقرار على مذهب ما، ما نلاحظه في الشهرستاني من موافقة للأشاعرة، ومن ميل للإسماعيلية مرة أخرى، وإظهار التشيع [١٧] مرة ثالثة، وربما تأثر بفلسفة أو تصوف. وسبب آخر جعل بعض العلماء يتهم الشهرستاني بالباطنية، وهو ما أشار إليه ابن حجر ﵀-حيث قال معقباً على ما ذكر من وقوع الشهرستاني في ذلك: (لعله كان يبدو من ذلك على طريق الجدل، أو كان قلبه أُشرب محبة مقالتهم لكثرة نظره فيها، والله أعلم) [١٨] . - إذن فإلحاح الشهرستاني وإمعانه في مناظرة الإسماعيلية، وكثرة جداله معهم، ربما كان سبباً في رميه بالباطنية لتأثره بتلك المناظرات، وقد صرح الشهرستاني بكثرة مناظراته للإسماعيلية، فقال: (وكم قد ناظرت القوم على المقدمات المذكورة، فلم يتخطوا عن قولهم: أفنحتاج إليك؟ أو نسمع هذا منك؟ أو نتعلم عنك؟) [١٩] . وعلى كل فلا تزال هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من التوثيق والبحث، ولعل الاطلاع على الكتب الخطية للشهرستاني يعطي مزيداً من المعلومات حول هذه المسألة. وفي ختام الحديث عن شخصية الشهرستاني: لابد من الإشارة إلى ميل الشهرستاني إلى التشيع، وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا بقوله: (وبالجملة فالشهرستاني يظهر الميل إلى الشيعة إما بباطنه، وإما مداهنة لهم، فإن هذا الكتاب -كتاب (الملل والنحل) -صنفه لرئيس من رؤسائهم، وكانت له ولاية ديوانية، وكان للشهرستاني مقصود في استعطافه له، وكذلك صنف له كتاب (المصارعة) [٢٠] ) . وهذا الأمير الشيعي الذي من أجله ألف الشهرستاني كتابيه: (الملل والنحل) ، و (المصارعة) هو علي بن جعفر الموسوي، وكان أميراً في خراسان [٢١] . وقد صرح الشهرستاني بذلك، فقال في مقدمة كتابه (مصارعة الفلاسفة) -بعد إطراء ومدح طويل لهذا الأمير الشيعي -: (انتدب أصغر خدمه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، لعرض بضاعته المزجاة على سوق كرمه، فخدمه بكتاب صنفه في بيان الملل والنحل، على تردد القلب بين الوجل والخجل، فأنعم بالقبول، وأنعم النظر فيه) [٢٢] . ويظهر تشيع الشهرستاني عندما يقول: (وبالجملة كان على -رضي الله عنه- مع الحق، والحق معه) [٢٣] ، وقد علق شيخ الإسلام على هذه العبارة.. فكان مما قاله: (هذا الكلام مما يبين تحامل الشهرستاني في هذا الكتاب مع الشيعة، وإلا فقد ذكر أبا بكر وعمر وعثمان، ولم يذكر من أحوالهم أن الحق معهم دون من خالفهم، وهذا التخصيص لا يقوله أحد من المسلمين غير الشيعة) [٢٤] . وقد كذَّب شيخُ الإسلام الشهرستانيَّ في بعض آرائه التي تدل على تشيعه، وناقشها وبسط القول فيها، فكذبه ابن تيميه مثلاً في دعواه أن عمر -رضي الله عنه-في خلافته ردَّ السبايا والأموال لمانعي الزكاة [٢٥] ، كما كذبه في دعواه اختلاف الناس على خلافة عثمان ﵁[٢٦] . وعلى كلٍ: فإن الإنصاف والعدل يجعلنا نذكر لك أن الشهرستاني له شىء من الردود على مطاعن الشيعة في الصحابة [٢٧] ، مع أن الرد والمناقشة ليست من منهجه في كتاب (الملل والنحل) كما سيأتي، كما أنه يصفهم بالحيرة والضياع [٢٨] . وربما كان هذا التذبذب من أجل إرضاء الطرفين، أهل السنة والشيعة، والله أعلم. وأما كتابه (الملل والنحل) والذي طبع عدة مرات، واعتنى به كثير من المحققين، وترجم إلى عدة لغات، فإنه يعتبر موسوعة جامعة وموجزة لمختلف المقالات والملل والأهواء والنحل. وقد اعتنى الشهرستاني فيه بحسن الترتيب، وجودة التنظيم وعرض المعلومات، يقول السبكي: (وهو - أي: كتاب الملل والنِّحل- عندي خير كتابٍ صنف في هذا الباب، ومصنف ابن حزم (يعني: الِفصَل) وإن كان أبسط منه، إلا أنه مبدد ليس له نظام) [٢٩] . ويذكر شيخ الإسلام أن هذا الكتاب: (أجمع، من أكثر الكتب المصنفة في المقالات، وأجود نقلاً) [٣٠] . وتميز المؤلف بمنهجية في البحث، وأسلوب محكم في التصنيف، ويظهر هذا جلياً أثناء عرضه للمقدمات الخمس المهمة، قبل الشروع في الكتاب، فقد ذكر في المقدمة الأولى: تقسيم أهل العالم، فعرض من الأقوال في ذلك، وبين أنهم يقسمون في هذا الكتاب حسب آرائهم ومذاهبهم إلى قسمين: ١ - أرباب الديانات والملل مطلقاً، كالمسلمين وأهل الكتاب والمجوس. ٢ - أهل الأهواء والنحل كالفلاسفة والدهرية وعبدة الكواكب. وكانت المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبنى عليه تعدد الفرق الإسلامية، حيث حصر مسائل الخلاف بين الفرقة الإسلامية في أربعة أصول، وهي: ١ -التوحيد والصفات. ٢ - القدر وما يلحق به. ٣ - الوعد والوعيد، والأسماء والأحكام. ٤ -السمع والعقل والرسالة والإمامة. ثم توصل إلى تحديد أصول أو كبار الفرق الإسلامية، وهي: ١ - القدرية. ٢ - الصفاتية. ٣- الخوارج. ٤ - الشيعة. وأشار الشهرستاني إلى طريقته في ترتيب الفرق، وهي: أن يضع للرجال وأصحاب المقالات أصولاً، ثم يورد مذاهبهم في كل مسألة. ثم ذكر الشهرستاني في شرطه في إيراد الفرق، فقال: (وشرطي على نفسي: أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم، من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده) [٣١] . ومع ذلك فلا يخلو كتابه من بعض الردود والمناقشات والإشارات النقدية [٣٢] . من مزايا هذا الكتاب: أنه يعرِّف بالفرق ابتداءً، ثم يورد الأصول التي اتفقت عليها إحدى الفرق الإسلامية الكبار، ثُم يذكر ما يختص بكل طائفة من طوائف هذه الفرقة [٣٣] . ويهتم الكتاب بذكر أبرز رجال بعض الفرق، وذلك عند نهاية الحديث عن إحدى الفرق [٣٤] . وكتاب (الملل والنحل) مرجع جيد في معرفة أقوال الأشاعرة والفلاسفة، كما يقول ابن تيمية: (ولما كان (الشهرستاني) خبيراً بقول الأشاعرة وقول ابن سينا ونحوه من الفلاسفة، كان أجود ما نقله قول هاتين الطائفتين) [٣٥] . وأما مصادر هذا الكتاب في الحديث عن الفرق الإسلامية، فيقول ابن تيميه: (ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنفين في الملل والنحل، عامته مما ينقله بعضهم عن بعض، وكثير من ذلك لم يحرر أقوال المنقول عنهم، ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله، بل هو ينقل من كتب من صنف المقالات قبله، مثل: أبي عيسى الوراق، وهو من المصنفين للرافضة، المتهمين في كثير مما ينقلونه، ومثل: أبي يحيى وغيرهما من الشيعة، وينقل أيضاً من كتب بعض الزيدية والمعتزلة الطاعنين في كثير من الصحابة) [٣٦] . ويقول في موضع آخر: (والشهرستاني أكثر ما ينقله من المقالات من كتب المعتزلة) [٣٧] ، حيث (أنهم من أكثر الطوائف وأولها تصنيفاً في هذا الباب) [٣٨] . ويظهر جلياً كثرة نقل الشهرستاني عن المعتزلة، فهو ينقل مثلاً عن الكعبي (المعتزلي) [٣٩] ، وربما نقل عن الوراق [٤٠] وغيرهما، وإن كان ينقل أحياناً عن الأشعري [٤١] ، كما أنه ينقل عن أشخاص آخرين، وقد يذكر كتباً غير موجودة - الآن - وينقل عنها، مثل: كتاب (عذاب القبر) لابن كرام، وكتاب في مقالات الخوارج للحسين الكرابيسي، وكثيراً ماينقل الشهرستاني الأقوال دون عزوٍِ إلى مصادرها، وقد يترجم بعض الكلام فينقله من الأعجمية إلى العربية، كما فعل بما كتبه أحد الباطنيين [٤٢] . وعندما نتحدث عن المآخذ على هذا الكتاب، فمنها: عدم اشتراطه نقد الفرق المنحرفة، والرد عليها، والمسلم مطالب بنصرة الحق والدعوة إليه، ورد الباطل والتحذير منه، فأهل الاستقامة يحبون الحق ويعرفونه، كما يرحمون الخلق فيدعونهم للخير، وربما كان هذا الشرط الذي اشترطه الشهرستاني على نفسه سبباً في رميه ببعض الاتهامات [٤٣] . ومأخذ آخر وهو: نقل الشهرستاني عن الشيعة والمعتزلة بلا تمحيص ولا توثيق، وهذا ما أشار إليه ابن تيميه آنفاً، ومن ثمَّ فإن كتابه يحوي أقوالاً لا زمام لها ولا خطام، ومثاله: ما ذكره في المقدمة الثالثة في أول كتابه، حيث قال: (في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها في الأول، ومن مظهرها في الآخرة) [٤٤] ، وقد بنى على هذه المناظرة الكثير من النتائج المهمة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على ذلك: (فهذه الشبهة التي ذكرها الشهرستاني في أول كتابه (الملل والنحل) عن إبليس في مناظرته للملائكة لا تعلم إلا بالنقل، وهو لم يذكر لها إسناداً، بل لا إسناد لها أصلاً، فإن هذه لم تنقل عن النبى ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة، ولا عن أئمة المسلمين المشهورين، ولا هى أيضاً مما هو معلوم عند أهل الكتاب) [٤٥] . وقد عرض شيخ الإسلام لكثير من الأقوال التي أوردها الشهرستاني، ونقدها [٤٦] ، ويظهر أن الشهرستاني قليل المعرفة بالحديث، وقد تعقَّبه شيخ الإسلام في عدة مواضع [٤٧] ، يقول: (والشهرستاني لا خبرة له بالحديث وآثار الصحابة والتابعين) [٤٨] . ومأخذ ثالث - وهو وثيق الصلة بما سبق -، وهو: أن الشهرستاني مع كثرة ذكره للمقالات وأقوال أهل الديانات وأهل الأهواء، إلا أنه لم ينقل مذهب الصحابة وسلف الأُمة، لا تعمداً منه لتركه، بل لأنه لم يعرفه، وذلك لقلة خبرته بنصوص الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين. وفي الختام: أرجو أن أكون قد وفقت في بيان شيء من المعلومات عن هذا المتكلم وكتابه، ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 640

في الدعوة والعمل حتى يكون المسار سليماً والعمل مثمراً محمد بن عامر الثوباني أعظم منة من الله ﵎ على العبد هي: أن يهيئ له الأسباب، ليكون من حملة هذا الدين، وممن يبذلون الغالي والنفيس، لإقامة حكم الله في الأرض، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، تلك المنزلة التي هى أشرف المنازل، وأعلى المقامات، منزل المرسلين وسبيلهم، عليهم أفضل الصلاة والسلام. ولاشك أن الداعية إلى الله تعالى هو صفوة الله وخيرته من خلقه، أحب لله فهو أحب أهل الأرض إلى الله، وأجاب دعوة الله ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه، فعمله أفضل الأعمال وأزكاها، وكلامه أعذب الكلام وأطيبه، لأن كلمة الدعوة هى أحسن كلمة تقال في الأرض وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء، وقد ذكر ربنا ذلك في أوجز عبارة وأصدق بيان: [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣] . قال الحسن البصري-﵀-بعد تلاوة هذه الآية: (هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال: [إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [١] ) . ولأن الأمر بهذه المنزلة وبهذا السمو؛ فإنه لابد لأي داعية يريد وجه الله والدار الآخرة أن تتضح عنده أمور، حتى يكون المسار سليماً، والعمل مثمراً، ومن هذه الأمور ما يلي: أولاً - سلامة القصد والغاية: فمقصود الداعية وغايته: إعلاء كلمة الله، وتحكيم شريعة الله في الأرض، وليس لشخصه ولا لقومه، أو جنسه، أو عشيرته، أو قبيلته، حظٌّ في ذلك ولا نصيب، وإنما الأمر لله، والعمل من أجل الله، ولهذا نلحظ في كتاب الله التركيز على هذا الأمر. [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ] [يوسف: ١٠٨] ، [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ] [فصلت: ٣٣] ، [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ] [النحل: ١٢٥] . إنها دعوة إلى الله وإلى سبيل الله فحسب، دعوة تبيِّن للبشرية غاية خلقهم، وتعرفهم بربهم وخالقهم ورازقهم، وتبين لهم كيف يكون الإنسان شريفاً بعبوديته لله، وكيف يكون ذليلاً عندما يكون عبداً لغير الله، تبين لهم كيف تكون الحرية والسؤدد والرفعة والمجد عندما يتحاكمون إلى شرع الله، وكيف يكون الكبت والذل والصغار عندما يرضون بحكم الجاهلية، وقوانين البشر، وتخرصات أهل الزيغ والضلال، من الفلاسفة والعقلانيين والوضعيين وغيرهم. ثانياً - سلامة الوصول والطريق الموصل إلى الغاية: وطريق الداعية إلى الله ووسيلته هى طريق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ووسيلته، فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به، ونهاهم عن كل ما نهى الله عنه، أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر، ولم يأمر بشيء من عنده ولا نهى عن شيء من تلقاء نفسه، بل كل دعوته بإذن الله، ولم يشرع ديناً لم يأذن به الله، كما قال : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً] [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: (فالله أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة إلى الله تارة، وتارة بالدعوة إلى سبيله، كما قال تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] ، وذلك أنه قد علم أن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر، لابد فيما يدعو إليه من أمرين: أحدهما: المقصود المراد. والثاني: الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود، فلهذا يذكر الدعوة تارة إلى الله، وتارة إلى سبيله، فإنه سبحانه هو المعبود المراد المقصود بالدعوة) [٢] . ثالثاً - البصيرة في الدعوة: لكي يحقق الداعية الغاية والمقصود، ويسلم سبيله في الدعوة من الالتواءات والانحرافات، ولكى يسلك سبيل الله ويدع السبل المتفرقة، فلابد من العلم والبصيرة في الدعوة إلى الله تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] . والبصيرة هي العلم، علم بالله وبسنة رسوله ﷺ ، علم يجعل صاحبه وقافاً عند حدود الله، طالباً للحق مذعناً له متى ظهر وإن خالف هواه، علم يجلو القلوب من أصدائها ويزرع فيها تقوى الله وخشيته وحب الله وحب رسوله، وحب عباده المؤمنين وحب العمل الذي يقرب إلى حب الله ورسوله. رابعاً - الفقه في الدعوة إلى الله: ١ -معرفة أحوال المخاطبين والمدعوين، فإن معرفة أحوالهم مما يعين على اختيار الطريق المناسب، ووضع الأمور في مواضعها، قال تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ؛ قال ابن القيم- رحمه الله تعالى - حول هذه الآية: (ذكر سبحانه مراتب الدعوة، وجعلها ثلاثة أقسام، بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالباً للحق، محباً له، مؤثراً له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق، لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معانداً معارضاً فهذا يجادل بالتي هى أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجِلاد إن امكن) [٣] . فإذن في الناس من تكون الحكمة أبلغ في دعوته من سواها، والحكمة شأنها عظيم، وقد جاءت في الآية السابقة مستقلة واضحة كالشمس لا تحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح، بخلال الموعظة والجدال، فقد جاءا موصوفين، الموعظة بأنها الموعظة الحسنة، والجدال بأنه بالتي هى أحسن، ومن المهم أن نعرف أن الشدة في بعض الأمور ولبعض الناس هى من الحكمة، وفى الحكمة سر عظيم، وخير عميم، [ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] . وبعض الدعاة يبالغ في اصطياد الحكمة، فيذهب الوقت عليه بين مد وجزر، حتى يفلت الأمر من يده قبل أن يبلغ الحكمة أو يقرب منها، وبعضهم يأخذه الحماس والغيرة والاندفاع، فيتجاوز الحكمة بمسافات بعيدة. وفى الناس من تدخل قلوبهم الموعظة الحسنة، وتأسر مشاعرهم وتتعمق فيها بلطف، ولكن يجب أن تكون حسنة في ألفاظها وفى معانيها، تجعل القلوب تتوق وتتشوق إلى ما عند الله، فتنقاد إلى سبيل المؤمنين لتفوز بالجنة، كما يجب وهى تحذر من عواقب العصيان، وسوء منقلبه، أن تكون حسنة، لا فجاجة فيها ولا غلظة، ولا تقبيح فيها ولاتأنيب في غير موجب، فتعود القلوب الشاردة وتحيا القلوب المريضة بالموعظة الحسنة. وفيهم من يأسرهم الجدال، عندما يكون الجدال بالتي هى أحسن -بصيغة التفضيل أحسن -لأن الأمر خطير وحساس، يقول سيد قطب-﵀: (فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها، والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها في سبيل الله، لا في سبيل ذاته، ونصرة رأيه، وهزيمة الرأي الآخر) [٤] . ٢ - أن يكون عنوان الداعية هو: طلب الحق، فإن وفق إليه لزمه وانتصر له، وإن تبين له مجانبة الصواب في أي مسألة من مسائل الشرع، أو أي أسلوب أو منهج، قبِل النصح وعاد إلى الصواب، مرتاح البال مطمئن الضمير، فإن الأمر لله ولرسوله ﷺ ، [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ١٣٦] ، ولاشك أن الأمر عزيز المنال، وأن الإذعان للحق مرتقى لايرتقيه كل الناس، ولكن أهل التقوى والإخلاص - وهم قلة - يرتقون هذا المرتقى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ٣-أن يعترف الداعية لأهل الفضل بفضلهم، وأن لا يبخس الناس حقوقهم، وأن لا يتعدى بأي هفوة أو زلة حجمها وقدرها الذي يجب أن لا تتعداه، وأن يحذر تتبع العثرات والزلات، عند العلماء والدعاة، ومن ذا الذي ترضي سجاياه ... كلها كفى المرء نُبلاً أن تعد معايبه ٤ -أن يكون الداعية على علم بواقعه المعاصر، وعلى دراية بحجم الجاهلية وقوتها وتبجحها واستهتارها، وأن يدرك المكر الذي يمكره أعداء الله ليلاً ونهاراً، لإخماد أي جذوة أو بصيص من نور تظهر في أي بقعة من العالم لإعلاء كلمة الله. ٥-أن يكون صريحاً في كلامه، واضحاً في منهجه وسلوكه، متميزاً عن الجاهلية، معتزاً بدينه، مترفعاً عن أن يساوم بشىء من دينه، مستقلاً تماماً عن أنظمة الجاهلية، معرضاً عن الأنظمة المشبوهة، منتمياً لأولياء الله، موالياً للمسلمين، متبرئاً من المشركين، يقول بملء فيه: [إننى من المسلمين] ، ويقول: [سُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] ، وما أحسن كلام سيد ﵀ حول قول الله تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي] ، يقول: (وأصحاب الدعوة إلى الله لابد لهم من هذا التميز، لابد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم، يفترقون عمّن لا يعتقد عقيدتهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا يدين لقيادتهم، ويتميزون ولا يختلطون! ولا يكفي أن يدعو أصحاب هذا الدين إلى دينهم وهم متميعون في المجتمع الجاهلي، فهذه الدعوة لا تؤدي شيئا ذا قيمة.. ثم يقول: والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي، والأوضاع الجاهلية، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات، ومن خلال هذه الأوضاع، بالدعوة إلى الإسلام، هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة، ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب! إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟ وسبيلهم التي تفترق تماماً عن سبيل الجاهلية؟) [٥] . ... وبعد: أخي الداعية، لعل هذه الأمور لاتخفى عليك، ولكنها الذكرى عسى أن تقابل لحظة قبول، فتنتفع بها القلوب المؤمنة، هذا الذي نرجوه من الله، والحمد لله أولاً وآخراً.

стр. 641

منبر الشباب إحياء سنة مهجورة هيثم حداد إن التناصح بين المسلمين أمر مطلوب، حتى وإن كان الناصح مقصراً فيما ينصح به مع بذله الجهد للامتثال، وفي هذه الوريقات أذكر نفسي وإخواني بسنة هجرت، ففات بهجرانها أجر عظيم، وليت هجرها من عامة الناس، بل من علمائهم وعبادهم ودعاتهم، فلا تكاد تر هنا إلا في النذر اليسير على أزمنة متفاوتة. وهذه السنة هي: المكوث في المصلى بعد صلاة الغداة جماعةً، حتى تطلع الشمس وترتفع، ثم أداء ركعتين. فضلها: قال الترمذي باب (ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) ، ثم أورد بسنده عن أنس بن مالك-﵀-قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة) ، قال: قال رسول الله ﷺ : (تامة، تامة، تامة) [١] . وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن أقعد أذكر الله تعالى وأُكبره، وأحمده وأسبحه، وأهلله، حتى تطلع الشمس، أحب إلى من أن أعتق رقبتين أو أكثر من ولد إسماعيل، ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس: أحب إلى من أن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل) [٢] . فعل الرسول ﷺ لها: عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى تمكنه الصلاة) ، وقال: (من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة، كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين) [٣] . وفى (صحيح مسلم) عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أَكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام [٤] . وهذا الحديث يدل في أقل أحواله على كثرة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لها، إن لم يكن فيه دلالة على مداومة الرسول عليها. إذ أن لفظ (كان) يفيد الاستمرار غالباً. مسائل مختصرة تتعلق بهذه السنة: الأولى: هل يختص المكوث بالمسجد أو المصلى أم لا؟ ظاهر الحديث يدل على أن السنة: المكوث في المصلى وعدم الانتقال منه إلى بيت أو نحوه، وعلى هذا تراجم العلماء أيضا، وقد سبق قول الترمذي في ترجمته لحديث الباب، ومثله ترجم النووي لحديث صحيح مسلم قال: (باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح وفضل المساجد) [٥] ، وقال المناوي في (فيض القدير) : (وفيه ندب القعود في المصلى بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس مع ذكر الله ) - ومثله قال المباركفوري. الثانية: هل هاتان الركعتان هما سنة الضحى؟ ورد في حديث معاذ الجهني أن النبي ﷺ قال: (من قعد في مصلاه حين ينصرف من مصلاه الصبح حتى يسبح الضحى، لا يقول إلا خيراً، غفر الله له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) . أخرجه أبو داود، والبهيقي في السنن الكبرى ٣/٤٩٠، وترجم له بقوله: باب: من استحب أن لا يقوم من مصلاه حتى تطلع الشمس، فيصلي صلاة الضحى، ولكن هذا الحديث إسناده ضعيف [٦] . كما أن ظاهر الأحاديث الواردة في هذه السنة لا يدل على أنها صلاة الضحى، ويؤيده: أن وقت السنة لصلاة الضحى كما قال الرسول ﷺ : (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) أي: إذا وجد الفصيل - وهو ولد الإبل - حر الشمس، ولا يكون ذلك إلا عند ارتفاعها، وهذا الوقت لا يكون إلا بعد ارتفاع الشمس بمقدار أكبر من رمح أو رمحين، كما هو وقت أداء هذه السنة. ثالثاً: متى تؤدى؟ من المعلوم أن الوقت بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح هو وقت نهي، فعن عقبة بن عامر قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ... ) رواه مسلم رقم: ٨٣١.. وورد في أحاديث أخرى تحديد هذا الارتفاع ب: (قيد رمح أو رمحين) كما في حديث عمرو بن عبسة، وهنا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي: (ندع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح ويذهب شعاعها) [٧] . فعلى هذا: يكون وقت أدائها بعد خروج وقت النهي وهو ارتفاع الشمس قيد رمح، ولعل هذا معنى قول الرسول ﷺ في حديث ابن عمر المتقدم: (من صلى الصبح، ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة) ، وكذلك ما ورد في حديث جابر ابن سمرة: (كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر، تربَّع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناً) ، قال النووي: (هو بفتح السين وبالتنوين، أي: طلوعاً حسناً، أي: مرتفعة) . وقت مشهود للذكر: قال النووي في (الأذكار) (باب: الحث على ذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح) ، ثم قال: اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار: الذكر بعد صلاة الصبح. اهـ. ثم أورد حديث أنس المتقدم [٨] . وفي هامش مختصر سنن أبي داود للمنذري: (قيل: وفي فعله فائدتان: أحدهما: الجلوس للذكر، فإنه وقت شريف، وقد جاءت أحاديث في الذكر في ذلك الوقت. والثانية: أنه لما تعبد الإنسان لله قبل طلوع الشمس، لازم مكان التعبد إلى أن تنتهي حركات الساجدين للشمس إذا طلعت) [٩] . وعن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله: هل من ساعة أقرب من الله من الأخرى؟ أو: أَهَل من ساعة يبتغى ذكرها؟ قال: (نعم، إن أقرب ما يكون الرب من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله -في تلك الساعة فكن، فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وهي ساعة صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح، ويذهب شعاعها، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعتدل الشمس اعتدال رمح ... ) الحديث. رواه أبو داود والنسائي، وهذه رواية النسائي [١٠] . قال الشوكاني: (أي: تشهدها الملائكة ويحضرونها، وذلك أقرب إلى القبول والرحمة) [١١] . ولعل الإمام ابن تيمية فقه هذا حقَّ الفقه، يروي عنه تلميذه ابن القيم -رحمه الله: (كان إذا صلى الفجر يجلس في مكانه حتى يتعالى النار جداً، يقول: هذه غدوتي، لو لم أتغد هذه الغدوة سقطت قواي) [١٢] . وما أعجب ما نقله البغوي وغيره عن علقمة بن قيس - وكان أشبه الناس سمتاً وهدياً بعبد الله بن مسعود -[١٣] قال: بلغنا أن الأرض تعج إلى الله من نومة العالم بعد صلاة الصبح [١٤] . هل نسير على خُطاهم؟ : وبعد أن رأينا الأجر العظيم لهذه السنة، وحرص سلفنا على فعلها، استطرد هنا قائلاً: إن كثيراً من الدعاة إلى الله فضلاً عن غيرهم في هذه الأيام يشكون كثيراً من الإحساس بنقص الإيمان وقسوة القلب، فهم يبحثون دائماً عن علاج لهذا، وإذا نظرنا نظرة متجردة لأنفسنا، فنجدنا تاركين لسنن كثيرة، مع أن لها أثراً كبيراً في إحياء قلوبنا، في الوقت الذي نجدنا حريصين على سنن أخرى، لغرابتها بين الناس، فهي تجلب الأنظار لفاعلها وتصف صاحبها بأنه متبع للسنة، مع سهولة أداءها، متعلقين بقولنا: (نشر السنة وإظهارها واجب ... ) ، أما السنة التي تشق علينا والتي لا تظهر غالباً للخلق والرقيب عليها هو الله فحسب، فنحن متهاونون فيها تاركون لأكثرها. فما هو مقدار حرصنا على صوم يومي الاثنين والخميس؟ ! ، وأكون صريحاً أكثر إن قلت: كم صمنا فعلاً هذين اليومين؟ وما هو مقدار حرصنا على التبكر إلى الصلاة وحضور الصف الأول؟ ! ، أم انشغال الدعاة بالأمور الهامة هو سبب امتلاء الصفوف الأخيرة بهم؟ ، وما هو؟ .. وما هو؟ .. وغير هذا كثير. وختاماً: وبعد هذه الذكرى، فهل سنرى الأمر تغير وأصبحت المساجد تمتليء بعمَّارها في هذا الوقت؟ ، أم هل ستكون هذه الذكرى مجرد (علم) أضفناه إلى (علمنا) أو موعظة جديدة نخاطب بها الآخرين وننسى أنفسنا؟ .

стр. 642

شذرات وقطوف إعداد: طارق خليل الأسود التحفظ والاحتراز من أكل الحرام ... ولكن! ! ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه! ! حتى يرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً ينزل منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، لا يبالي ما يقول. الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي /٥٤ ابن القيم الجوزية تصيد الأخطاء قال الإمام الشعبي: (لو أصبت تسعاً وتسعين، وأخطأت واحدة: لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين) ؛ وإذا تبين هذا: عُلم أن مجرد تصيد الأخطاء، وتتبع العثرات، والبحث عن الهفوات، كل ذلك مع التغافل عن الحسنات، دليلٌ على فساد القصد، وسوء الطوية، وقلة الدين. منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم /٣٤ أحمد بن عبد الله الصويان أيهما أعظم؟ ! كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها (ذات أنواط) فقال بعض الناس: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ ؛ فقال - ﷺ : «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم» . فأنكر النبي-صلى الله عليه وسلم- مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أطم مِن ذلك، من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه؟ أيهما أعظم - يا ترى - شجرة يعلق عليها سلاحٌ نُهي عنها لأن فيها اقتداء بفعل الكفار، أم نظام حياة فيه التشريع والتحليل والتحريم والإلزام والعقوبة على المخالفة؟! الولاء والبراء في الإسلام /٣٢٦ د. محمد سعيد القحطاني بالراعي تصلح الرعية، وبالعدل تمتلك البرية، ومن عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه، والظلم مسلبة النعم ومجلبة النقم، وأقرب الأشباه صرعة الظلم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم. الجوهر النفيس في سياسة الرئيس ابن الحداد

стр. 643

البيان الأدبي المنهج العلمي عند طه حسين بين الدعوى والتطبيق د. عبد الله الخلف يحاول طه حسين أن يشعر قراءه بأنه باحث محقق، لا يقبل بشيء، ولا يسلم به إلا بعد بذل غاية الجهد في التحقيق والنقد والتحليل، فهو يقول بعد أن ينعي على القدماء من الأدباء طريقهم [١] : (أما نحن فأشد من هؤلاء القدماء طمعاً، وأكثر منهم تحفظاً، لا تكفينا أسماء الثقات من الرواة، ولا يكفينا جمال القصيدة وجودة المقطوعة، وإنما نريد أن نتخذ كل شيء موضوعاً للبحث والنقد والتحقيق والتحليل) . ثم يقول [٢] : (فأنا لم أفهم الأدب العربي كما كان يفهمه القدماء، وكما لا يزال يفهمه أنصار القديم من أدباء اليوم، وأنا لا أحكم على الظواهر الأدبية كما كان يحكم عليها القدماء، وكما لا يزال يحكم عليها شيوخ الأدب في أيامنا، وإنما أفهم الأدب العربي وأحكم على ظواهره كما ينبغي أن يفهمه ويحكم على ظواهره رجلٌ يعيش في القرن العشرين، ويفهم كما يفهم أهل هذا القرن) . ومن الواضح أنه يحيط نفسه بهالة علمية إبداعية، ويحاول أن يحيط قارئه بمناخ يهيئه به لقبول ما يلقيه إليه، فهو يحاصره ويخيره بين أن يسلم بما يصل إليه من نتائج بنيت على هذا المنهج العلمي الجديد الذي يبدو وكأنه ابتكره واحتكره، وبين أن يرضى بأن يوصم بالسذاجة، وعدم القدرة على مسايرة مناهج البحث الحديثة. وغني عن القول أنه ليس لباحث منصف أن يرفض البحث والنقد والتحقيق والتحليل في قضايا الأدب والتاريخ؛ إذا كانت الغاية من ذلك الوصول إلى الحقيقة، ولكن طه حسين لم يطبق ما دعا إليه، ولم يف بالعهد الذي قطعه على نفسه، على الرغم من أنه تمكن من إيهام كثير من القراء بذلك، مما أتاح لكثير من الآراء التي طرحها، والنتائج التي وصل إليها أن تنتشر وتصبح كالمسلمات، لا عند عامة المثقفين فحسب بل عند كثير من أساتذة الجامعات. مما أغرى القراء بقبولها لجرأته، وقدرته العجيبة في طرح الأفكار، ومهارته في صياغة آرائه صياغة توهم بأنها بنيت على أساس علمى متين. ومن ذلك مثلاً: رأيه في تفسير ظاهرة غلبة الغزل على الشعر الحجازي في العصر الأموي، فهو يرى أن بلاد العرب بعد أن جاهدت في الاحتفاظ بالسلطان السياسي، وأخفقت في الجهاد إخفاقاً شنيعاً، وانتقل مركز الحكم منها إلى الشام، كما انتقل مركز المعارضة إلى العراق، انصرفت أو كادت تنصرف عن الاشتراك في الحياة العامة، وفرغت للحياة الخاصة، فانكبت على نفسها وأحست شيئاً من اليأس والحزن غير قليل، وقد اجتمع إلى ذلك اليأس في حواضر الحجاز الثروة والغنى، فنتج عنهما اللهو والإسراف فيه والعكوف عليه، ومن هنا نشأ الغزل الإباحي [٣] في مكة والمدينة، أما بادية الحجاز: فلم يظفر أهلها بما ظفر به أهل الحاضرة من الثروة، وحيث سلمت من ألوان الفساد التي كانت تغمر مكة والمدينة، فقد أدى ذلك إلى الزهد الذي كان الغزل العذري أثراً من آثاره [٤] . وقد اشتهر هذا الرأي، وتلقاه كثير من الدارسين بالقبول، مع أننا لو طبقنا عليه المنهج الذي يدعي طه حسين أنه يبني عليه دراساته لوجدناه بعيداً عن الصواب. فلكي نسلم بهذا الرأي لابد من إثبات أمرين أساسيين بني عليهما: الأول: أن أهل الحجاز انصرفوا إلى اللهو وأسرفوا فيه، وأن الفساد غمر مكة والمدينة. والثاني: أن الغزل لم يظهر ولم يغلب على الشعر الحجازي إلا بعد أن أخفق أهل الحجاز في الاحتفاظ بسلطانهم السياسي، وانتقل مركز المعارضة منهم إلى العراق، ومركز الحكم إلى الشام. فالأمر الأول لا يمكن التسليم به إلا بأدلة ثابتة، وبراهين قوية، لأنه لا يمكن لعاقل أن يقبل القول بأن الفساد قد غمر ذلك المجتمع الذي ورث مجتمع الخلافة الراشدة، وعاش فيه كثير من الصحابة وأبنائهم وأحفادهم، وشهد له الرسول - ﷺ بالخيرية والفضل، ومع أن طه حسين يدعي أنه سوف يبني آراءه على النقد والتحقيق والتحليل، إلا أنه لم يعرض الأدلة الصحيحة ليثبت بها هذا الأمر، بل ألقى القول جزافاً، وكأنه حقيقة مسلمة لا يرقى إليها شك، صحيح أن في كتاب (الأغاني) وغيره من كتب الأدب أخبار وحكايات تدل على وجود ذلك، ولكن مثل تلك الأخبار لا يعتمد عليها في إثبات مثل هذا الأمر. وطه حسين نفسه يسلم بذلك، ويعترف بما حوته تلك الكتب من حكايات باطلة [٥] ، وبناء على ذلك أنكر أو شكك في وجود بعض الشخصيات التي ترجم لها صاحب (الأغاني) ، وأورد حولها كثيراً من الأخبار والأشعار [٦] ، بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد مدىً من ذلك، عندما ادعى أن معظم الشعر الجاهلي منحول، على الرغم من أن كتب الأدب أطبقت على روايته والقبول به. وإذا كان طه حسين هنا يرى أن أهل الحجاز أسرفوا في اللهو والفساد، فإنه يرى في موضع آخر من الكتاب نفسه (حديث الأربعاء) ما يناقض ذلك، ويصرح بأن حياة شباب الحجاز كانت بريئة من الإثم والفحش إلى حد ما، وأن شباب الحجاز كان يلهو بمقدار، وكانت مكانته الدينية وخوفه من رقابة الخلفاء يعصمانه من مجاوزة الحدود [٧] . ولعل في هذا دليلاً واضحاً على أن ما ذكره طه حسين من أن الفساد واللهو قد غمر مكة والمدينة قولٌ ألقى جزافاً دون أي دليل معقول، على الرغم من أنه اتخذه أساساً بنى عليه رأيه في تفسير غلبة الغزل على الشعر الحجازي. أما الأمر الثانى الذي بنى عليه هذا الرأي فإن التاريخ يدل على خلافه، فمن المعلوم أن أهل الحجاز قاموا بدور كبير وأساسي في تصريف شؤون الدولة الإسلامية حتى انتهاء خلافة عبد الله بن الزبير ﵁ سنة ٧٣ هـ، وقد كانوا العنصر الرئيسي في القيادة السياسية والعسكرية، إذ أن معظم الذين تولوا الولايات أو قادوا الجيوش في عهد (معاوية) و (يزيد) كانوا من أهل الحجاز، وانتقال الخلافة في عهد معاوية إلى الشام ليس مبرراً للقول بأن أهل الحجاز قد انصرفوا عن المشاركة في شؤون الحكم يائسين، فقد كانوا يرون في خلافة معاوية مرحلة مؤقتة يمكن أن تنتهى في أي وقت، ثم يستلم الخلافة قائدٌ آخر من قادة الأمة الذين كان معظمهم في ذلك الوقت في الحجاز، لذلك أعلن بعضهم عن معارضة إسناد ولاية العهد ليزيد، ولم يسلموا بها، ثم ثاروا عليه، ثم عادت الخلافة إلى الحجاز مرة أخرى عندما بويع بها ابن الزبير ﵁، ونازعه في ذلك رجل من أهل الحجاز أيضاً وهو مروان ثم ابنه عبد الملك. ومن هذا يتبين أن القول بأن أهل الحجاز انصرفوا عن. المشاركة في الحكم والسياسة لا يمكن القبول به، ولاسيما في الفترة التي سبقت، حيث يقول [٨] : (ولقد جاهد هذا الشباب الحجازي جهاداً عنيفاً في سبيل الاحتفاظ بمنزلته التي تركها له أصحاب النبي ﷺ ، فما كانت ثورة ابن الزبير، وما كانت ثورة الحرة، وما كان خروج الحسين بن علي إلا مظاهر لهذا الجهاد، ولكن الشباب الحجازي لم يوفق، وتمت الكلمة للاستبداد الأموي، واضطر أبناء الصحابة والخلفاء الراشدين إلى هذه الحياة الفارغة يحيونها في الحجاز) [٩] . ولو بحثنا في حياة شعراء الغزل لوجدنا معظمهم قد بلغ الخمسين أو قاربها أو جاوزها سنة ٧٣ هـ، وعلى رأس هؤلاء عمر بن أبى ربيعة، ولاشك أنهم قد نظموا معظم شعرهم الغزلي قبل هذا العام، وهذا يعني: أن ظاهرة الغزل كانت أسبق في الظهور من الأحداث التي جزم طه حسين بأنها كانت سبباً ونتيجة لوقوعها، مما يسقط نظريته هذه جملة وتفصيلاً، لأنه لا يمكن للظاهرة أن تسبق أسبابها. ومما مضى: يتبين أن دعوة طه حسين إلى اتباع منهج يقوم على النقد والتحليل والتحقيق مجرد دعوى ادعاها ليوهم قراءه بأن آراءه مبنية على منهج علمي محكم، وما عرضنا هنا ما هو إلا مثال واحد من أمثلة كثيرة لآرائه، مليئة بالأخطاء والتناقضات، ولكنها سارت بين الناس، وأصبحت كالمسلمات التي يحتج بها ويبنى عليها آراء ونظريات جديدة، وما ذلك إلا لأن صاحبها هو طه حسين. وكثير من تلك الآراء يتضمن جوانب ذات تأثير فكري سيئ، وينطوي على التشكيك بالقيم والمبادىء والحقائق الثابتة، كما يتضمن تشويهاً لبعض معالم التاريخ الإسلامي بأساليب تبدو لغير المتمكن مقبولة ومقنعة، وقد يلقي في ثنايا كلامه عبارات تنطوي على أمور خطيرة دون أن يشعر القارئ بأنه يتعمد ذلك، أو أن له من ورائه مقاصد سيئة. ففي كلامه عن حياة البادية العربية بعد الإسلام يشير إلى تعاليم الإسلام الجديدة التي منعت ما كان شائعاً في الجاهلية من الغارات والسلب والنهب، ويعقب على ذلك بقوله [١٠] : (وإذن فهذا نوعٌ آخرٌ من التضييق أحدثه الإسلام لهؤلاء الناس) ، وإذن لقد حانت الحياة المادية عند أهل البادية بعد الإسلام شراً مما كانت عليه قبل الرسول، وهو بهذا يطعن في النظام الإسلامي ويرميه بالفشل في رفع المستوى الاقتصادي لهؤلاء الناس، وفي موضع آخر يطعن في طريقة الصحابة في اختيار الخليفة، فيقول [١١] : (أجمع المسلمون أو كادوا يجمعون على هذا المذهب الغريب المتناقض الذي يجعل الخلافة وراثية لأنها في قريش، وغير وراثية لأنهم أبعدوا عنها بني هاشم) . ويعلق على قبول الأنصار بخلافة أبي بكر ﵁ بقوله [١٢] : (ولم يمض منهم في الإباء والمشادة إلا رجل واحد هو سعد بن عبادة الذي قتلته الجن فيما تزعم الأساطير، والذي قتلته السياسة غيلة في حقيقة الأمر، لأن حياته كانت خطراً على النظام السياسي الجديد) . وهو بهذا يتهم عمر وكبار الصحابة رضوان الله عليهم بقتله لأنهم هم قادة الدولة وزعماء النظام السياسي. ويصف المسلمين الأوائل الذين حملوا مبادئ الإسلام بالجهل عندما يوازن بينهم وبين الأمة الفرنسية أيام الثورة الفرنسية، فيقول [١٣] : (على أن تلاحظ الفرق بين الأمة الفرنسية التي كانت متحضرة مترفة عالمة بارعة في الفن حينما أحدثت ثورتها، والأمة العربية التي كانت بادية ساذجة جاهلة خشنة العيش عندما أحدثت ثورتها أيضاً) وهو لا يقصد عرب الجاهلية لأن كلامه هذا جاء في سياق الموازنة بين حملة مبادى الثورة الفرنسية وحملة ما يسميه بالثورة العربية. مثل هذه العبارات التي تحمل هذه المضامين الخطيرة ترد في أثناء حديثه في بعض الموضوعات الأدبية على أنها أمور مسلمة، مع أنه يعمل أنها تحمل من المعاني ما يصطدم كثير من الحقائق التي يزعم أنه يبحث عنها، ويحاول الوصول إليها. أفلا يحق لنا بعد كل ذلك أن نقول إن طه حسين بدعوته إلى جعل كل شيء موضوعاً للبحث والنقد، وعدم التسليم بما تضمنته كتب التراث من أخبار كان يقصد إلى التشكيك في الحقائق، وإحقاق الأباطيل أكثر مما يقصد إلى إبطال الباطل وإحقاق الحق.

стр. 644

شعر مَفَاتِح الإلهَام عبد الستار الزعبي قوموا انظروا في هذه الأيام ... حجاً يقام على مدى الأعوام هو شعبةٌ من دينكم مفروضة ... جمعت شعوبَ العالم المترامي الله حدد يومَه ومكانَهُ ... ودعا إليه مُشرِّعُ الأحكام فاستقبل الخَلْقُ الطَهورُ دعاءهُ ... بالحبِّ والتقديسِ والإعظام خلعوا التباينَ في المظاهرِ بينهم ... وتناسقوا بملابسِ الإحرام الله وحَّد جمعهم بأخوة ... حلت على الأرواح والأجسام وتجمعوا وتزاحموا وتلاحموا ... مداً وجزراً هاج في القمقام فكأنهم موج يمد عقيبه ... في قوة وتوثُّبِ وضِمام طافوا طواف العاشقين بكعبة ... وقف الجمال ببابها البسَّام طافوا بها سبعاً فطاف جمالها ... في الكون حتى خلتها قدامي فهممتُ بالحجر الكريم مزاحماً ... علِّي أفوز بقُبلةِ الأحلام فافهم رموزَ الحجِّ فهي بليغةٌ ... إن الرموز مفاتحُ الإلهام وارقب علوَّهمو بمروة والصفا ... يسعون سعي العسكر المقدام فالسعي ناموسُ العلوِّ بديننا ... والدين فينا باعثُ الإقدام فإذا رأيتَ تخلفاً فمرده ... جهلُ الشعوب بدينها المتسامي

стр. 645

قراءة في ديوان الشاعر خالد البيطار في أشواقه وأحلامه عبد الله الطنطاوي (أشواق وأحلام) هو الديوان الثاني للشاعر الإسلامي الرقيق: خالد البيطار، ... وكان ديوانه الأول هو (أجل سيأتي الربيع) الذي صدر عن دار عمار في عمان عام١٩٨٥، وديوانه هذا صدر عن دار البشير في عمان عام ١٩٨٨. وخلال هذه المدة بين صدور الديوانين، نظم الشاعر قصائد عدة تنتظر أن ترى النور في ديوان جديد يحمل همَّ الشاعر، وهمُّ الشاعر من هموم أمته، يقلقه ويزعجه ويضنيه ما يرى من أشكال التخلف والفقر والجهل، ويمضه ذلك الظلم الواقع على شعبه، والقهر الذي يتربص بالأحرار أنى التفت في دنيا العرب والمسلمين، فيأسى على الحال البئيسة التي انتهت إليها مصائر شعوب أمتنا العربية المضطهدة المعذبة هنا وهناك. الديوان: يقع هذا الديوان في ١٢٠ صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على مقدمة وعلى سبع وعشرين قصيدة من رقيق الشعر، توزعت على مساحة زمنية امتدت منذ عام ١٩٦٢ حيث باكورة شعره (من وحي الإسراء) وألقاها في حفل دار المعلمين، ومن القصائد التي نظمها الشاعر قبل عام ١٩٧٠ قصائد: (قيود الليل) ، و (يا شباب) و (طاغوت) ، وكلها تعبر عن إحساس الشاعر بما يعانيه المسلمون من تسلط الظالمين، ومن تقصير المسلمين في التصدي لظلم الطواغيت وتجبر البغاة المجرمين.. وهكذا تتالت قصائد الديوان حتى عام طبعه ونشره عام ١٩٨٨. أما المحاور التي انتظمت فيها فمتعددة: فهناك المحور الممجد لأحداث عظام وقعت في تاريخنا الإسلامي (من وحي الإسراء) ، وهناك المحور السياسي الذي يتحدث عن الواقع الأليم لأبناء شعبنا وشعوب أمتنا التي تلقى الألاقي على أيدي الطواغيت: (قيود الليل، طاغوت.... الخ) . وهناك الشعر الوجداني، ما كان منه في الغزل أو سواه من شوق إلى الديار التي غادرها مرغماً، والحنين إلى الأهل والصحب والتلاميذ والأساتذة والشيوخ الذين كتب عليه فراقهم، وإلى المسجد الذي طالما سعى بين جنباته معلماً ومتعلماً. شعر المناسبات: وفى شعر المناسبات هذا، كان الشاعر يهتبل الفرصة ليبث أفكاره وهواتف قلبه للشباب، محرضاً ومحمساً، فيقول مثلاً في (من وحي الإسراء) : يا إخوتي في الله طال ركودنا ... فإلام نصبر والورى في نار؟ نار يؤججها اللعين بكيده ... ويؤزها فتزيد في الإسعار هيا إلى النصر العزيز وأوصدوا ... أبواب كل مهدم جبار فاستمسكوا بالعروة الوثقى التي ... حبكت عراها قدرة الجبار وفى قصيدة أخرى يراوح الشاعر بين الماضى والحاضر، وإحساس صاعق بالمأساة التي تعانيها أمته التي هاض جناحها طواغيت الأرض، اسمعه وتأمل رمزه لواحد من البغاة: بسط الليل علينا ظله ... وادعى أن له حقا أصيلاً هو للنور عدو فإذا ... ما رأى جذوتنا ارتاع ذهولاً وانبرى يحشد من أجناده ... حشد فرعون ويزجيها سيولاً وبعد هذا الرمز الواضح، يقول في جرأة ووضوح: عادت الأصنام للدنيا فلن ... نرتضى عن وجه مولانا بديلاً عادت الظلمة فانظر ليلها ... جاثماً لا يبتغي عنا رحيلاً عادت العزى وهذا لحنها ... في فم الطاغي يغنيه جذولاً عادت اللات وهذا شيخها ... عاد مهذاراً وقد مات ذليلاً والحق أن هذه القصيدة من غرر القصائد الحماسية الصريحة الجريئة التي قيلت في عهدٍ ما كان يجرؤ على الكلام فيه سوى الدعاة المجاهدين، ولولا الإطالة في عجالة لاستشهدت بالعديد من الأبيات المقاتلات منها. شعره السياسي: وهو من ذلك القبيل الذي تحدثنا عنه فيما أسميناه شعر المناسبات، فيه وصف لواقع الشعب، وتنديد بالقعدة والمخلدين إلى الأرض، اللاهثين وراء الحطام، وفيه تحد للظالمين، ودعوة إلى الثورة بهم لاجتثاث طغيانهم من الجذور، كي لا يبقى لهم في الوجود وجود، فإن قصيدة (قيود الليل) تذكرنا بقصيدة أو بأنشودة (يا ظلام السجن) التي كان ينشدها الأحرار في سوريا، إبان الانتداب الفرنسي عليها. وفى (طاغوت) يخاطب إخوانه ويهيب بهم أن يثوروا، بعد أن شرح في إثارة، ما فعله الطاغوت بروضه: يا إخوتي ماذا دهاكم فانهضوا ... ليس من أخلاقنا هذي التعلة نحن من قوم إذا ما شعروا ... بحسيس الذل صالوا أي صولة أعلنوا الحق فأنتم أهله ... ولئن كنتم أمام الزحف قلة ألا ترون؟ إنه خطاب حماسي يؤجج المشاعر، ويذكي العواطف لتصير عواصف تعصف بالظلم والظالمين. ولن أزيد، فشعره السياسي كله ينهج هذا النهج الثائر على الظلم، الرافض لأي مذلة، الداعي إلى التمرد والنضال، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله. شعره الوجداني: أستطيع - ابتداء - أن أزعم، بأن شاعرنا هذا هو شاعر الغربة والحنين. إنه يحيا غربة نفسية مدمرة، ويعاني من غربة الجسد عن مراتع الصبا، عن حمص، عن الديار الحبيبة، عن الأهل والصحب، عن المسجد والمنبر، فقد تقطعت الحبال، ولم يعد إلى التواصل من سبيل سوى سبيل الرؤى والأشواق والأحلام التي عبر عنها بأرق المشاعر التي صاحبت كلماته وكانت أرواحها ودماءها، حتى إن قارئه ليعيش في عوالمٍ حالمٌ من الطهر الطهور، بعد أن خلصه اغترابه من كل درن قد يسيء إلى عوالمه الروحانية، وبعد أن أصفاه حنينه ليكون مصطفاه إلى كل ما فيه سمو وسموق وشموخ. لئن طال عن أرضي ابتعادي ... سأبقى وفياً أستعد وأرقب فإنني أحن إلى ساحاتها ودروبها ... إلى روضها يزهو عطاءً ويخصب إنه يحن إلى عصافير حمص في ملاعبها فوق الشجيرات، إلى عاصيها الذي ينساب وسط سهولها في دل، إلى أزهارها ونسائمها، إذا نام زاره طيفها، وإذا سبح بفكره عاودته ذكريات الأيام المواضي، فيطوف بأحياء المدينة التي يعشقها، يزور أخاه، ويحدث جاره في حب ولهفة وود، ويمر ببيته ويدلف إليه ويرف في أرجائه، خصوصيات مؤثرة تذكرنا وتهيج ذكرياتنا وحنيناً إلى الربوع والأهل: ولى منزل آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكاً كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل واستمع إلى الشاعر وهو يتحدث في رؤاه عن مسجده، لتعلم أي نمط من الناس هذا الشاعر وإخوانه، هؤلاء الذين تتوزع دنياهم بين مساجدهم وبيوتهم وتلاميذهم، طهر ونقاء يجعلاننا نهتف: ماذا لو خلى الطغاة بين هؤلاء وبين أبناء شعبهم ومساجدهم ومدارسهم وحاراتهم؟ ، استمع إليه في حديثه الحالم: وأغلق بيتي ثم أمضي لمسجدي ... وقلبي من أشواقه يتوثب وأدخله والنور يملأ ساحه ... ويبدو لي الخط الجميل المذهب وألمح محرابي وألمح منبري ... وأشعر أني فوقه صرت أخطب لقد عشت فيه العمر إلا أقله ... وصار اسمه لى نسبة حين أنسب لقد كنت آتيه فيفتح صدره ... ويبسط كفيه ويحنو ويحدب وها أنا من بعد الغياب أزوره ... فهل في اشتياقي أو حنيني تعجب؟ ترى أي تعاطف وتمازج مع هذا الجماد الذي بث فيه روحاً من روحه، وقد عشقه وهام فيه حتى أصبح نسباً له؟ . إنه يزوره في المنام، ولسوف يصير المنام حقيقة وواقعاً- بإذن الله-. في هذه القصيدة (أشواق وأحلام) التي حمل الديوان اسمها ما يلذ ويشوق، ما يثير ويهيج، ما يحزن ويؤلم، وقد يظن بعض من لا يعرف الشاعر أنه قد ضعف ولان، فيأتي الجواب في ختام القصيدة تصميماً على الجهاد، ولن تقف في وجهه المعوقات، ولن تحرفه عن طريقه، إلى أن يحكم الله بيننا بالحق: وإن حنيني لا يفت عزيمتي ... ولكنه الحادي يهز ويجذب لأن الشاعر مؤمن بالله، واثق بنصره، ولذلك فأنت: لن ترانى يائساً مستسلماً ... إن ظني بإلهي حسن لن ييأس الشاعر المؤمن، لأنه لا ييأس من روح الله إلا الكافرون والجاحدون، فبرغم المعاناة التي يلقاها ممن حوله يبقى الشاعر مطمئناً في جنب الله، لا تزعزعه الزعازع، استمع إلى أنينه وحرقته على دعوته: وحولي أناس قساة القلوب ... جفاة إذا ضحكوا أفزعوا ترى أي غربة روحية يحياها شاعرنا، شاعر الغربة والحنين، شاعر الأشواق والأحلام؟ لقد كنت أكمم جرح الفؤاد ... وأحسب كتمانه ينفع ولكن يبدو أنه صبر حتى طفح الكيل ونفد الصبر، فباح بما يعتمل في نفسه من أحزان ولوعة وحنين: لقد طال بعدي وطال اغترا ... بي وما لي من حيلة أدفع ربا (حمص) ألمحها من بعي ... د فإن الحواجز لا تمنع مساجدها لا أزال أرا ... ها كما هي نيرة تسطع وإني لأسمع صوت الأذا ... ن ندياً رخيماً كما يرفع وفى (أيها العصفور) نجوى وأي نجوى، يبث العصفور آلام نفسه وأحزانها، لماذا؟ : لا تسلني، فحديث الصحب عن أهل الشهيد عن رياض ملئت بالشوك من بعد الورود عن أسارانا يعانون من البأس الشديد سلط الباغي عليهم كل شيطان مريد عن شريدٍ.. آه لو تعرف ما حال الشريد لا تسلني أيها العصفور عن سر شرودي أما قصيدته (يا حادي الركب) فإنها من عيون شعرنا الإسلامي المعاصر، فيها براعة استهلال: يا حادي الركب هل في القوم يقظان؟ ... لبى الجماد وما لباك إنسان لو كان صوتك في الصحراء أعشبها ... وصار للصخرات الصم آذان إنها صوت النذير العريان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: إنى لأعرف أرض الشام منجبة ... لم يخل يوماً من الأبطال ميدان واليوم تستنجد الساحات صارخة ... فلا ترى أحداً، والبغي عريان ويختم الشاعر المبدع قصيدته الرائعة هذه ببيان طريق النصر فيقول: إن استقمنا فإن الله ناصرنا ... على الطغاة الأفاعي أينما كانوا وإن جنحنا فلا فوز ولا فرج ... بل اضطراب وآلام وأحزان يا إخوتي أنتم الأعلون فانطلقوا ... وأثبتوا أنكم في الله إخوان ولا أستطيع في ختام هذه الفقرة إلا أن أشيد بقصيدته (دنيا الطفولة) التي كان فيها رساماً دقيق الملاحظة، ومصوراً متفنناً، وإلا أن أزعم أنها من فرائد الشعر العربى الحديث، رسم فيها خطوات طفلته عائشة وهي في عامها الثالث، كما رسم حركتها والحركة النفسية لأبويها في دقة وروعة وإبداع، وختمها بهذه الخاتمة الجميلة في فكرتها وصياغتها وواقعيتها: إن أتعبتك الليالي في تقلبها ... وضقت نفساً بما تلقاه من نوب ورحت تطلب دنيا لا خداع بها ... بريئة من دواهي المكر والريب فلن ترى غير دنيا الطفل خالصة ... من كل سوءٍ فلم تفسد ولم تَحُبِ (دنيا الطفولة) تقف إلى جانب أختيها: (أب) للشاعر عمر بهاء الدين الأميري، وأبيات بدوي الجبل في (الليل الغريب) عن الطفولة، ولكلٍ مذاق. الشاعر والغزل: الأستاذ الشاعر خالد البيطار شاعر مشغول بدعوته، يتحرك لها ويحرك قلمه ولسانه وعواطفه من أجلها، وهو مشغول بأمته، يأسو جراحها، ويفرح لفرحها ويحزن لحزنها، فهل لديه وقت لنفسه وعواطفه؟ والجواب: لاتعارض! ؛ [ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا] ، بعد أن قال الله تعالى: [وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ] . والإسلام دين واقعي، ولكنه يسعى دائماً إلى الارتفاع بأتباعه في عملية تصعيد جليل: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ، فالمسلم يحب نفسه، ولكنه لا يقف عند حدود النفس وأنانيتها، وإنما يرتفع إلى هذه الغيرية الواقعية (ما يحب لنفسه) . والشاعر في غزله هنا يثبت أنه (الشاعر الملتزم قادر على صوغ عاطفته بعبارات تتناسب مع التزامه ومحافظته على جمال الشعر وسحره) . ومن هذه القصائد ما يصف فيها حاله قبل الزواج، وهو غزل عفيف كما في قصيدة (لاهية) وكنت أتمنى لو أطلق عليها (شموخ) ؛ ففيها شموخ الشاب المسلم وعفته: لكن من عرف الحقيقة وارتضى الإسلام دين ... ... يأبى طريق العابثين وخطة المتبذلين ويرى الحياة حقيرة بالعيش في ظل المجون هذا هو مذهبه في الحياة، لم يحد عنه منذ شبابه الأول وحتى يوم الناس هذا. وفي (شاعر، وذكريات، وهمسة من قلب، ومعاناة، وغداً، وانتباه) : يصف فيها حال العاشقين وما يعانون من تباريح العشق والغرام، ولكنه يبقى ذلك الشاعر الذي يطير بجناحين من تسامٍ وطهر، بعيداً عن تهالك العشاق وتبذل أصحاب الأدب المكشوف. رمز: وللشاعر قصيدة رمزية، هى غزلية في ظاهرها، ولكنها ترمز إلى شيء آخر في اسم هند، وعنوانها (لا تحسبيه) ، ويهديها إلى أحد إخوانه، وقد استهلها بقوله: لا الظل يشفيه ولا الورد ... فدواؤه بيديك يا هند لا تحسبيه خان موثقه ... ما ضاع يوماً عنده العهد وبعد تأكيد عهد المحبة والعشق لهند الرمز، يستطرد فيقول: لكن أعيذك أن أراك ضحى ... بيد العذول فما له وعد المكر ديدنه ومذهبه ... أتصدقين بأنه عبد؟ هل تجهلين خداع منطقه ... أوما بدا في لحنه القصد؟ أخشى عليك إذا رضيتِ به ... رهقاً، فلا صدق ولا ود والشاعر يختم قصيدته الرائعة هذه بهذين البيتين البديعين: يا هند لن نرضي سواك ولو ... ألقت بكل دلالها دَعْدُ يا هند أنتِ اليومَ في سَعَةٍ ... فتخيري الأحبابَ يا هندُ وفاء: ومن باب الوفاء الذي عز في هذه الأيام، قصيدة هامسة ناعمة كان شاعرنا قد أهداها إلى أخ له في الله، رأى السهام الغادرة المريشة توجه إليه، والصحب في تهاون عن نصرت، أكثرهم كان يجلس في صالة المتفرجين، فحز ذلك في نفسه، وأرسل إليه يصف حاله: قد سامه الأصحاب من حوله ... ما عجز الأعداء عن سومه وكل ما قاموا به هين ... لو قصر الأمر على ظلمه كان يقضي وقته بينهم ... يعمل، لا يسأل عن يومه يجهد لا يسأل عن جهده ... يسقم، لا يسأل عن سقمه تمضي الليالى لا يرى بيته ... ولا يبالي الوهن في جسمه ويختتمها بهذا البيت الذي ينعي الوفاء ويرثيه: إن الوفاء اغتاله أهله ... لم يبق منه اليوم غير اسمه الخاتمة: الأستاذ خالد شاعر إنسان، وإنسان شاعر، في كلماته نعومة، وفي أسلوبه وعباراته رقة، وفي صوره عذوبة، وفي موسيقاه وداعة، وفي معانيه طرافة، كانت تتسلل إلى القلب مغلفة بموسيقا نفسه الهادئة، حتى وهي تضم بين نغماتها ثورة قلب وتمرد وروح، لتعبر عن امتلاك صاحبنا ناصية الشعر. والشاعر-في كل ما شعر - حيي، والحياء من الإيمان، والحياء سمة من سمات الإنسان السوي، ولهذا كنت تراه يتغزل على استحياء، يخفي في نفسه ما القوافي تصر أن تبده، بل إنك تراه يتوارى خلف رؤاه وأحلامه التي عبرت عن رومانسية حالمة بغد أفضل، تراها وفي وصفه للزهر، للشمس التي تلملم بقايا غلالاتها المشعة وهي تغادر أرضنا محملة بالأحزان والآلام مما شهدته في دورتها اليومية، تراها في الدموع والآهات والحسرات، في الغيبوبة والشرود والأشواق، في نجوى الفؤاد، في الشغف، في اليأس، في الأمل، في الحنين والاكتئاب والاغتراب، في العودة ومنى النفس.

стр. 646

شؤون العالم الإسلامي ما لم يقل عن هجرة اليهود إن هجرة اليهود السوفييت إلى فلسطين - كغيرها من الأزمات التي يتعرض لها العرب - تكشف عن الضعف والتخبط الذي يعصف بهم، وتعطي الدليل على فقدان الهدف الواحد، والمنهج السليم الذي تعالج به المشاكل. إن أي أمة تضل عن الهدف؛ وتفتقد المنهج السليم تصبح غير قادرة على الاستفادة من الماضي، كما تفقد الحساسية التي تنير لها المستقبل، وعندما نذكر الأمة هنا لا نعني جميع أفرادها، بل نقصد من بيدهم الريادة واتخاذ القرارات التي يتوقف عليها مصير أمتهم، وإلا فإن الأمة لن تعدم من يتمتع بالفكر السليم والقدرة على استبطان الماضي واستشفاف المستقبل، ولكن هؤلاء إما صامتون أو مفروض عليهم الصمت والانزواء في زوايا الإهمال والنسيان.. عندما أعلن عن فتح الاتحاد السوفييتي أبوابه لهجرة يهوده إلى فلسطين بدا كما لو أن هذا الأمر كان دون مقدمات، وخارجاً عن منطق الأحداث، لذلك جاء التعبير عن هذا الأمر في الإعلام العربي مصبوغاً بالمفاجأة وعدم التصديق أولاً، وتوجهت التهم إلى أميركا، أوَ ليست هي الرديف الرئيسى للعدو؛ والممول لهم بكل ما يحتاج من مال وسلاح وعتاد؟ وتوجيه إصبع الاتهام إلى أميركا لا غبار عليه، فهي التي كانت ومازالت تجعل من قضية اليهود في الاتحاد السوفييتي قضيتها الرئيسية على صعيد العلاقات الخارجية بينها وبين المعسكر الشرقي برمته. ولكن الغرابة تكمن في محاولات رفع المسؤولية عن السوفييت في هذا الأمر الخطير، فكل العالم يعرف أن هذه الخطوة - خطوة السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين - اتخذت في مؤتمر مالطة الأخير بين بوش وغورباتشوف، وأنها عبارة عن دفعة على الحساب من أجل دعم الاقتصاد السوفييتي المنهار. وهذه الكلمة لم نكتبها لتوجيه اللوم إلى أميركا وإلى السوفييت، حيث لا نعتقد أن العرب لو استمروا في اللوم والتقريع سوف يجنون شيئاً أو يؤثرون أميركا الصريحة الواضحة للقضايا العربية والإسلامية عامة، وكذلك بعداوة الروس قبل الشيوعية وبعدها لهذه القضايا، والعداوة عداوة، ونتائجها هى نتائجها سواء كانت صريحة أو مستترة، مفضوحة أو مغلفة، بل إن العداوة الصريحة خطبها أهون من المستترة، والكفر شأنه أيسر من النفاق، وبمقدار تنبه الرجل إلى الخطط المستترة وإبطالها يكون حازماً وحكيماً، ويوصف بالعبقرية والدهاء. ولكننا ننبه فقط إلى الحجج المهلهلة التي ساقها الإعلام العربي في مواجهة هذا الحدث، هذه الحجج التي هي انعكاس للضعف الذي نعاني منه والفوضى التي تضرب بجذورها في واقعنا على كل مستوى. لنستعرض بعضاً من هذه الردود القولية والعملية: * - هجرة اليهود نقطة تحول مفاجئة في العلاقات. *- استنكار أن تحل مشاكل اليهود على حساب العرب. *- نوافق على هجرة اليهود على أن يستوطنوا في إسرائيل ولا يستوطنوا في الضفة وغزة. * - نداء من الجامعة العربية لأميركا كي تعدل من الرقم الذي حددته كحد أعلى لما يمكن أن تستقبله من اليهود المهاجرين. * - وفد رسمي يذهب إلى موسكو لبحث قضية الهجرة ومطالبة الروس والأميركان أن يضمنوا عدم توطين المهاجرين في الأراضي المحتلة بعد عام ٦٧، وبأن يسمح الاتحاد السوفييتي لمن يود الرجوع من المهاجرين أن يعود مرة أخرى. *- طالبت بعض الدول العربية المهاجرين اليهود أن يهاجروا إليها لا إلى فلسطين. * - عقد مؤتمر قمة كرد على الهجرة واتخاذ قرارات تاريخية إلى غير ذلك مما قيل في هذه المسألة.. إن الخطأ في هذا يتلخص في النقاط التالية: *- الغفلة التامة عن السياسة الصهيونية وأهدافها الأساسية الاستراتيجية التي لا تتغير ولا تتعدل، وهى: التوسع المتواصل على حساب العرب. * - الغفلة أو التغافل عن دور كل من أميركا وروسيا في خلق الكيان الصهيوني في دنيا العرب، وأن هاتين القوتين - وغيرهما من القوى الكبرى - متضامنون متعاونون على حماية إسرائيل من أي خطر يهدد وجودها، وهذا التضامن والتعاون والتعهد موثق بأوضح عبارة، ومؤكد بأقوى المواثيق، لأنهم يعلمون جميعاً أنه كيان اصطناعي ولابد له من ذلك حتى يستمر على قيد الحياة. * - غض النظر عن حقيقة أن السوفييت - كأميركا - لا يعترفون بالعرب كأمة واحدة بينها روابط مشتركة، وأنهم منذ عهد القياصرة وحتى عهد غورباتشوف لا يؤمنون بأن لهذه الأمة دوراً تلعبه، بل شأنها كشأن الأقاليم والمناطق الإسلامية في أواسط آسيا إلا موارد للمواد الخام ومصادر يتزاحم عليها الاستعمار ويخلف بعضهم بعضاً عليها. * - اغترار كثير، من المسؤولين العرب بما يسمونه الصداقة التي تربطهم بهذه القوى، وكل عاقل يعلم أن هذه الصداقة لا أساس لها، فكل صداقة لابد لها من أساس تقوم عليه، فلا دين ولا لغة ولا جنس ولا حضارة تربط بين كل من روسيا وأميركا من جهة وبين الشعوب العربية. تبقى المصالح المشتركة! وحتى تكون هذه المصالح أساساً للصداقة فلابد من التكافؤ بين طرفيها، فأين التكافؤ هنا؟ نعم هناك مصالح متبادلة ولكنها مصالح دول استعمارية جشعة متحالفة مع مصالح فئات قليلة جداً مشابهة في جشعها وخراب ذممها للاستعمار لأنها وليدة هذه العقلية التي ذاقت منها شعوب الأرض الأمرين. *- إن بدعة مؤتمرات القمة بدأت منذ ما يقارب إعلان قيام إسرائيل على أرض فلسطين العربية المسلمة، وبينما استغرق الإعداد العملي لقيام دولة إسرائيل حوالى خمسين سنة تقريباً، فإننا أردنا مواجهة هذا الأمر الجلل بهذه الأفعال الاستعراضية الجوفاء فكانت النتيجة كارثة ١٩٤٨، وتوالت بعد ذلك الكوارث، وكل كارثة تسبق أو تختم بمؤتمر قمة، خذ مثلاً: قضية تحويل روافد نهر الأردن، كارثة ١٩٦٧، حرق المسجد الأقصى، حرب١٩٧٣، صلح مصر مع اليهود، الهجرة اليهودية الجديدة، وهكذا دواليك. لو أن خبيراً في الإحصاء فكر في تأليف كتاب يضمنه إحصائيات عن القرارات الرسمية وغير الرسمية، وبيانات وبرقيات الشجب والاستنكار، والخسائر المادية والزمنية والصحية التي أنفقت في المؤتمرات الحاشدة، ثم أتى بدراسة موثقة عن تكاليف بعض المؤتمرات الرسمية وما يسبقها ويعقبها من استقبالات وتوديعات وسفريات وخدمات فندقية وترويحية، غير ناسٍ تكاليف النشر الصامت والبث الحي في أجهزة الإعلام ... أقول: لو أن خبيراً فكر في هذا العمل لأخرج للأجيال أثراً قيماً فيه العبرة والدلالة الواضحة على حياة البؤس والضياع التي عاشتها وتعيشها الأجيال العربية في هذا القرن، لعل ذلك يكون منبهاً على عقم هذه الأساليب التي نلجأ إليها، والتي تكلفنا ما لو أنفقنا جزءاً منه في الطريق الصحيح لما كان واقعنا على ما هو عليه من الضلال وفقدان الوجهة؛ لأن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب. هل نريد مثالاً على مثل هذه البيانات العجيبة في معناها، الغريبة في دلالتها على نوعية شخصيات مصدريها، ومستوى التفكير الذي يتمتعون به؛ ثم جدارتهم بما يتربعون عليه من مناصب؟ الأمين العام لجامعة الدول العربية خير من يمثل هذه النماذج من البيانات: (صرح الشاذلي القليبي الأمين العام للجامعة العربية بأن حقوق الإنسان لليهود السوفييت قد انتهكت بإجبارهم على هذه الهجرة غير الشرعية إلى إسرائيل، ودعا أميركا والاتحاد السوفييتي ودول المجموعة الأوربية لإيقاف الهجرة) . وتصريح آخر يتحسر على المساكين اليهود الذي أغلقت في وجوههم جميع الأمكنة، ولم يبق لهم إلا إسرائيل يذهبون إليها! قال بسام أبو شريف (من أبرز مساعدي عرفات) : (إن ٥٠ إلى ١٠٠ ألف يهودي سوفييتي يتوقع أن يصلوا هذا العام إلى إسرائيل ليس لهم مكان آخر يذهبون إليه) [١] . إن الشعوب العربية من أقصاها إلى أقصاها مقتنعة بأن هذه الأساليب لا تعيد حقاً مغتصباً، ولا تردع عادياً صائلاً. فلا الرأي العام العالمي، ولا هيئة الأمم، ولا مجلس الأمن، ولا أصدقاؤنا الأميركان، ولا الروس يمكن أن يستجيبوا لدعوة المظلوم. وحده الله فقط من يفعل ذلك: [أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ] [النمل: ٦٢] .

стр. 647

فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية بثقة الشعب الجزائري في الانتخابات المحلية التي جرت في الجزائر بتاريخ ١٢/٦/١٩٩٠ أعطت أكثرية الشعب الجزائري صوتها لجبهة الإنقاذ الإسلامية، ونالت أكثر من ٦٠% من الانتخابات البلدية و٧٥% من انتخابات الولايات (المحافظات) ، وهذه النسبة كانت مطابقة تقريباً لما توقعه القائمون على الجبهة، بينما اعتبرت مفاجئة لمن لايسرهم أن يروا صوت الإسلام مرتفعاً. نقطة الخلاف بين المسلمين وغيرهم في النظر إلى هذه النتيجة: أن المسلمين مطمئنون أنه لا صوت يعلو على الصوت الإسلامي إذا أتيحت له الفرص التي تتاح لغيره، بينما يشك غيرهم أو يتشكك ويثير حول هذه النقطة الغبار. منذ أن صرح لحزب يتبنى الإسلام منهجاً له في الجزائر والحديث من ذلك يتصدر الصحف والمجلات، أجنبية وعربية، وكلما ظن الإنسان أن عداوة الغربيين للإسلام قد خفت إذا به يكتشف كل يوم أن هذا الظن في غير محله، وأن القوم لا يستطيعون - بحكم طبيعتهم - أن يتقبلوا أي شيء يرتبط بهذا الدين من قريب أو بعيد. وعداوة هؤلاء للإسلام مفهومة، ودوافعها ومحركاتها لا تحتاج إلى شرح وتوضيح، ولكن غير المفهوم وغير المنطقي هو الحملة التي رافقت هذا الأمر في الصحف العربية. وعلى الرغم من أن هناك اختلافات كثيرة بين الصحافة العربية والأجنبية في تناولها لكثير من الموضوعات والمشاكل إلا أنه من المستغرب والمثير للعجب هذا التطابق في موقفها من القضايا الإسلامية، وبخاصة قضية قيام تجمع على أساس الإسلام في الجزائر. ومع أن عهد الاستعمار قد انتهى، لكن القارئ لتعليقات الصحف الفرنسية حول الجزائر في هذه الفترة يخيل إليه أنها لاتعلق على موضوع يخص دولة أخرى وشعباً آخر ليس منها وليست منه في شيء، بل يخص أساس وجود أمة الفرنسيين ودولة فرنسا ذاتها، بل ويحسب أن استقلال الجزائر كان استقلالاً منقوصاً، وأن اتفاقية الاستقلال وانسحاب فرنسا من الجزائر كانت تتضمن بنوداً سرية يلتزم بموجبها للجزائر أن يتولى الحكم فيها لون واحد من البشر، هو اللون الذي خلف فرنسا، واحتكر ادعاء التحرير والوطنية، وكبت كل صوت آخر، وبخاصة الصوت الإسلامي، حتى إذا زكم الفساد الأنوف وتململ الشعب من جراء هذه الأزمة العقائدية والأخلاقية والاقتصادية التي حلت به نتيجة التسلط واللصوصية؛ فثاب إلى عقيدته يستلهمها، وإلى دينه يستمد منه عناصر المصابرة والمقاومة؛ إذا بنا نجد فرنسا وكأنها قد حلت بها إهانة ثانية مثل إهانة المذبة [١] ، وكأنها تتهيأ لغزو الجزائر مرة ثانية! لكن لا فرنسا اليوم هي فرنسا ١٨٣٠، ولا الشعب الجزائري هو ما كانه عام ١٨٣٠، وهذه الحقيقة البسيطة التي تجهلها فرنسا أو تتجاهلها أصبح يعرفها الشعب الجزائري المسلم، وأصبحت تعرفها جموع المسلمين في كل مكان. وكما كانت ثورة الشعب الجزائري ضد أعتى أنواع الاستعمار وأكثرها وحشية ملهمة لكثير من الشعوب كي تتحرر من عبودية الاستعمار في آسيا وأفريقيا؛ فإننا لنرجو أن يكون اكتساح الخيار الإسلامي لكافة الخيارات الأخرى في الجزائر ملهماً للشعوب الإسلامية الأخرى كي تتحرر من أذناب الاستعمار وأعوانه كما تحررت من جيوشه وأساطيله، ودافعاً لكل مسلم مظلوم أن يرفع صوته معتزاً بدينه، نابذاً كل عقيدة ومذهب وفكرة ماعدا الإسلام، وكافراً بكل طاغوت من أي جنس وأي لون.

стр. 648

الاستهانة بتاريخ الشعوب إنه لأمر يبعث على السرور أن نرى شعباً واحداً فرقته الظروف غير الطبيعية يعود ويلتقى طرفاه وتتحد أرضه وتزال الحدود الوهمية التي رسمها الأعداء من بين أجزائه. هذا ما شعر به كل عربي مخلص وكل مسلم غيور، عندما التقى شطرا اليمن وأصبحا دولة واحدة نتمنى أن تكون نموذجاً لكل قطرين متجاورين من أقطارنا التي فرضت عليها التجزئة فرضاً. نقول هذا على ما في القلب من غصص بسبب الأوضاع الشاذة التي عاشها أحد شطري اليمن في ظل الشيوعية المخربة التي لم تخلف وراءها من الذكر إلا أسوأه، ومن الآثار إلا الإحن والعداوات، ومن الفكر إلا فكراً طفولياً فجاً، أراد أن يجد له أرضاً يُسْتَنُبَتُ فيها فلم يستطع، فلجأ إلى الحديد والنار وإلى الإرهاب ليقتلع عقيدة الأمة من الصدور، ويفسد العقول والضمائر، وعاش ما عاش فكراً طفيلياً وافداً مدعوماً بالقوى الحمراء التي هى الوجه الآخر للاستعمار، وما إن ظهرت علائم السقوط على الأصل حتى سقط الفرع تلقائياً، وما أن انهارت الشيوعية في عقر دارها حتى انهار على أثرها بنوها في كل مكان، وكأننا أمام تطبيق عملي مستوحى من حديث الرسول ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» ، وكل ذي عقل يعرف أن هؤلاء الشيوعيين ليسوا طلاب وحدة ولا يؤمنون بوحدة العرب أساساً، كيف؟ وهم في عنفوان قوتهم حرب على كل مظاهر الوحدة والتضامن، لا نقول: على أساس الإسلام، بل حتى على أساس قومي أو علماني، ولكننا للإنصاف نعترف لهم بالدهاء والقدرة على المناورة وتغيير الخطط، وسرعة التكيف مع الظروف. فحينما أحسوا نبأة قدروا على أثرها أنه واقع بهم ما وقع لـ: (جيفكوف) و (هونيكز) و (ستازي) ، أو محيط بهم ما أحاط ب: شاوشيسكو وامرأته، داروا دورة؛ قالوا: الوحدة الوحدة، فكان أن وجدوا من يجيبهم: لبيكم، لبيكم! وهم في هذه الدورة التي داروها - إن لم ينفعهم الاستظهار بإخوان لهم - على الأقل يسلمون برؤوسهم عندما يضيعون في خضم الشعب (ملجأ وذاب) ، وهو مطلب غير قليلٍ. ولتأكيد هذه النتيجة التي وصلنا إليها، فإنهم لجأوا إلى حرق الملفات بعد إلغاء أجهزة الأمن، فقد (أكد وزير الداخلية في الجمهورية اليمنية أن إغلاق وحرق ملفات السياسيين يأتي امتداداً لإلغاء جهازي الأمن الوطني ووزارة أمن الدولة السابقتين، وبعثاً لصفحة جديدة اقتضتها الظروف الوحدوية التي تمثلت في إعلان الجمهورية اليمنية) . وقال: ( ... إنه بقيام الدولة اليمنية لا نريد إثارة أيَّاً من قضايا الماضي، ويجب أن تغلق؛ لأننا أبناء اليوم (!) والقيادة السياسية للجمهورية اليمنية واضحة في هذا الجانب، فليس هناك تحفظ على أي شخص، والوطن يتسع للجميع، وهم مدعوون لبنائه) [جريدة القبس الدولي ١٥/٦/١٩٩٠] هكذا يُهال التراب على حقبة سوداء عاشها شعب عربي أصيل ابتلي بهذه الشيوعية الخبيثة، وهكذا تنعدم وتضمحل شهادات وشهادات على ما اقترفت أيدي ذلك النظام البائد في جنوب اليمن، فكم احتوت تلك الملفات المحروقة من دلائل وبينات على ولوغ من أعدُّوها في دماء الأبرياء وأعراضهم، وكم كان فيها من شهادات على المظالم التي ارتكبت ضد الآلاف من الأبرياء. كان بودنا لو لم تعدم هذه الملفات وبقيت وثائق للتاريخ، إن المظلومين قد يموتون قبل أن ينتصفوا من ظالميهم، وقد ينسون ويصفحون عند المقدرة، وقد تحول بينهم وبين حقوقهم التي أهدرت وكراماتهم التي ديست حوائل، فيصبرون ويصمتون راضين بقوله تعالى: [ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] [إبراهيم: ٤٢، ٤٣] . إن إحراق هذه الملفات تضييع للحقوق، وتغييب لآثار جرائم مجرمين لا تسقط جرائمهم بالتقادم. وقد يبدو الأمر بسيطاً، ومسوغاته المذكورة كافية، ولكنه ليس كذلك، فأقل ما يقال هنا: أن هذا الأمر لا ينبغي أن يبت فيه دون عرضه على مجلس شورى مثلاً، أو على استفتاء شعبي. وهناك حلول أخرى ممكنة غير الحرق والإعدام! ولكن المجرم يعرف نفسه، وهو أدرى الناس بما اقترفت يداه، وهذا هو دأب الشيوعيين وأخدانهم من العلمانيين واللادينيين، استهانة بالإنسان وبأقدس ما قدمه الإنسان، وعدوان على التاريخ بتشويهه وتسخيره لمصلحتهم؛ أو ببتره وغسل صفحاته حتى لا يظل ناطقاً بلعنهم وشاهداً على كفرهم وطغيانهم.

стр. 649

المسلمون في الفلبين كان لا يزال القتال الذي اندلع مؤخراً في مديرية - بيكيت - محافظة كوتا باتو الشمالية بين مجاهدي جبهة تحرير مورو الإسلامية وبين القوات المسلحة الفلبينية مستعراً طوال شهر رمضان المبارك بشكل متقطع، حيث قام المجاهدون بتنفيذ ثمان عشرة عملية جهادية فدائية خلال الشهر المعظم حول المديرية المذكورة وضواحيها، وقد أسفرت هذه العمليات الجهادية الفدائية عن مقتل أكثر من ثلاثين جندياً حكومياً، وتدمير ثلاث سيارات عسكرية، وإحراق عدد من خيام القوات المسلحة الفلبينية، كما غنم المجاهدون أربع عشرة قطعة من الأسلحة الأوتوماتيكية الأمريكية الصنع.. وأما العدو: فقد انتقموا - كعادتهم - من المدنيين الأبرياء، وقصفوا القرى الإسلامية المجاورة الآمنة، كما ركزوا قصفهم على مديرية باجالونجان المجاورة، علماً بأن ٩٩% من سكان هذه المديرية من المسلمين، لذلك أمطروها بمدافع الهاون، وقد هرع المسلمون إلى مخابئهم بجوار بيوتهم، ورغم كثافة عملية القصف فلم يصب أحد منهم.. مديرية تولونان - محافظة كوتاباتو - كان القتال في هذه المديرية وما حولها شبه مستمر خلال الشهر المبارك، وقد سجل المجاهدون في هذه المديرية وضواحيها ثمانى عمليات جهادية فدائية، وكان آخرها في ليلة السابع والعشرين؛ لأن المجاهدين أرادوا إحياء ليلة القدر بالقتال في سبيل الله، وقد تمنى كثيرٌ منهم الشهادة أثناء تلك الليلة المباركة، وقد هرب جنود العدو بعد أن قتل منهم ثلاثة عشر جندياً. التطورات السياسية تصر حكومة أكينو على تنفيذ ما أسمته الحكم الذاتى للمسلمين، وقد أجرت مؤخراً انتخابات لمسئوليات مكونة من المحافظ العام ونائبه وعدد من أعضاء مجلس النواب، وتجرى الاتصالات حالياً بين الفائزين في الانتخابات لتكوين وزارة للحكم الذاتي المزعوم. وسبق أن رفضت جبهة تحرير مورو الإسلامية هذا النوع من الحكم الذاتي، وهي مصرة على رفضه وتعتبره جهازاً دعائياً لتضليل الرأي العام المحلي والعالمي. وقد أعلنت جبهة تحرير مورو الإسلامية رفضها لهذا الإجراء المنفرد من قبل حكومة أكينو، ولن تعترف بما أسمته الحكم الذاتي للمسلمين، كما لا تعترف بحكومة الفلبين في مندناو نفسها، وهى تعتبر السلطات الحكومية في المنطقة سلطات احتلال مثل السلطات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة. وأعلنت جبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة الأستاذ سلامات هاشم أنها ستسعر جهادها في سبيل الله في الميدان وليس في الصحف والإذاعات، إلى أن تتحرر أرض مورو من دنس الحكومة العميلة، وأن يقوم الحكم الإسلامي في هذه البقعة بإذن الله تعالى، لأن النصارى الظالمين لوثوها بدنس التثليث والكفر والخنازير، والخمور، والبغايا، والمخدرات، والقمار، والسرقة، وغيرها، فما كانت المنطقة تعرف تلك الأشياء لولا استيطان النصارى فيها.

стр. 650

الإسلام في أفريقيا حرب الإبادة ضد المسلمين في ليبيريا كتب إلينا الأخ ريكو شريف- ليبيريا: يتعرض مسلمو ليبيريا حالياً لمحنة مؤلمة لم تشهد البلاد مثيلاً لها في تاريخها، ففي ٢٤ من ديسمبر ١٩٨٩: شنت قوات متمردة والمتمثلة في قبيلة غييو الوثنية بليبيريا هجوماً مباغتاً على منطقة نيمبا شمال شرق ليبيريا عبر الحدود مع ساحل العاج، بدعوى الإطاحة بحكومة الرئيس صموئيل دو. ولكن الغريب هو أنهم وجهوا جل هجومهم ضد المسلمين العزل، حيث قتلوا حتى الآن ما يزيد على (٢٠٠٠) مسلم منهم أئمة ودعاة، ولجأ ما لا يقل عن (١٥٠٠) شخص إلى ساحل العاج وغينيا (كوناكري) المجاورتين، ولا يزال ما لا يقل عن (١٠٠٠) شخص في حكم المفقودين، بينما يوجد أكثر من (١٥٠) ألف شخص متشرد بدون مأوى، هذا بالإضافة إلى قيامهم بدهم المساجد، وتخريب ممتلكات المسلمين، واغتصاب نسائهم، مع التمثيل بقتلاهم شر تمثيل. خلفيات المشكلة ولها شقان: الشق الأول: جاء الرئيس صموئيل دو إلى السلطة أثر انقلاب عسكري في ١٢ من إبريل عام ١٩٨٠، قاده مع مجموعة من الشبان العسكريين وكان من بينهم الجنرال توماس كيومبا، الذي اشتهر بشجاعته ومواقفه القوية في إنجاح الانقلاب، وتثبيت النظام الجديد حتى لقب ب: (الرجل القوي) . وينتمي كيومبا إلى قبيلة غييو الوثنية، إحدى القبائل الثلاث الرئيسية القاطنة في منطقة نيمبا، بالإضافة إلى قبيلتي الصادنغو المسلمة، والصانو الوثنية هى الأُخرى. ولكن بمرور الزمن، بدأت الخلافات بين الرئيس دو والجنرال كيومبا حول بعض القضايا، منها: تسليم الحكم إلى الشعب كما كان يرى كيومبا؛ وذلك تنفيذاً للوعد الذي أخذوه على أنفسهم بعد الانقلاب، وهى فكرة لم تكن مقبولة لدى الرئيس، وكانت النتيجة الحتمية لهذه الاختلافات تنحية كيومبا عن منصبه كقائد عام للجيش، وعندئذ قرر الفرار من البلاد إلى المنفى، وفي ١٢ من نوفمبر عام ١٩٨٥ تسلل إلى البلاد وقاد انقلاباً انتقامياً ضد الرئيس دو، إلا أنه فشل وقتل على أثره. وقد أدى مقتل كيومبا إلى زيادة حدة التوتر والعداوة بين الرئيس وقبيلتي الغييو والصانو، فخرج معظمهم إلى المنفى - وعلى وجه التحديد إلى ساحل العاج وبوركينا فاسو- وذلك لتكوين جبهة معارضة جديدة لمحاربة الرئيس دو. وفعلاً استقبلتهم حكومات تلك الدول وقدمت لهم جميع التسهيلات، منها: التدريبات العسكرية لسبب واضح هو: أن ابنة رئيس ساحل العاج كانت متزوجة من ابن الرئيس الليبيري الراحل وليام تولبت الذي أطاح به الرئيس دو وقتل هو وابنه في الانقلاب. وهذه الأرملة متزوجة الآن من رئيس بوركينا فاسو. الشق الثاني: ويتعلق بعلاقة المسلمين بهذه المشكلة، فإذا كانت ادعاءات المتمردين فعلاً صحيحة بأن هدفهم هو الإطاحة بالحكومة، فلماذا يقتلون المسلمين الأبرياء العزل الذين ليس لهم أي شأن بأمور السياسة، ألا يعرفون مقر الحكومة أو الحكومتين، أو أن المسلمين يحولون دونهم ودون وصولهم إلى الحكومة؟ إن هذه التساؤلات وغيرها قد تدور في خلد أي مسلم غيور؟ ! ! يرى أو يسمع عما يحدث للمسلمين في ليبيريا، ولن يستطيع الوصول إلى أية أجوبة منطقية لها غير جواب واحد، ألا وهو: الحقد الذي اختلجت به صدور هؤلاء الكفار ضد المسلمين؛ لأنهم - أي: المسلمين - جادون في العمل وبيدهم زمام اقتصاد البلد وتجارتها، مما ساعد على جعل مستواهم المعيشي والاجتماعي أفضل من غيرهم في المجتمع. كما لا يمكن التغافل عما قد يكون للقوى التنصيرية العالمية من دور في هذه المشكلة، فدولة ليبيريا - بحكم حريتها الدينية المطلقة - تعتبر من أكبر وأنشط معاقل الحركات التنصيرية في أفريقيا، حيث يوجد فيها تقريباً فرع لجميع الكنائس والمؤسسات التنصيرية العالمية المختلفة، وكثيراً ما عبروا عن تخوفهم من سرعة انتشار الإسلام وهيمنته في ليبيريا. حيث يعقدون المؤتمرات والندوات الدورية لمواجهة ما يسمونه بالزحف الإسلامي، ولكن دون جدوى، ولذا لا يستبعد المرء أن يكون لهم يد في هذه المذبحة التي يتعرض لها المسلمون كآخر مؤامرة يلجأون إليها لاستئصال الإسلام والمسلمين من ليبيريا، والقضاء عليهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. موقف الحكومة: إن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي: أن الحكومة الليبيرية الحالية تتعاطف مع المسلمين إلى درجة عالية لم يسبق لها مثيل في التاريخ السياسي للدولة، ويمكن الاستنتاج بأن هذا التعاطف قد يكون سبباً آخر لما تتعرض له حالياً، وفي هذه الحادثة بالذات بذلت الحكومة كل ما في وسعها وسخرت جل طاقاتها لحماية أرواح المسلمين وممتلكاتهم والقضاء على هذه الفتنة. ومما يجدر ذكره: أن حوادث القتل والنهب التي تقع ليس كلها بفعل المتمردين بل كان يشاركهم فيها بعض أفراد جنود الحكومة أيضاً. فعندما يرسلون للدفاع عن المسلمين يتحولون إلى مهاجمين عليهم لإثراء أنفسهم من ممتلكات المسلمين، وذلك لكونهم أولاً: جنوداً غير مسلمين، وثانياً: عدم إخلاصهم للحكومة، ولم تدرك الحكومة هذه المؤامرة المزدوجة في بداية الأمر مما زاد الطين بلة. المنظمات التنصيرية وعمليات الإغاثة المزعومة: منذ بداية الحادثة بدأت المنظمات التنصيرية تتوافد على غينيا (كوناكري) وساحل العاج لاستغلال ظروف الناس القاسية، لإيصال معتقداتهم الباطلة إليهم بحجة الإغاثة، وكما هو معروف تحت ستار (الإنسانية) ، وقد تم مؤخراً نقل مجموعة كبيرة من اللاجئين من غينيا إلى مراكز لإحدى هذه المنظمات في دول أفريقيا بحجة ضيق مأواهم في غينيا، ومن يدري ماذا سينتهي إليه أمر أولئك المساكين؟ .

стр. 651

خبر وتعليق شؤون سودانية نشرت جريدة (الشرق الأوسط) بتاريخ ١٩٩٠/٦/٤ مقابلة قصيرة مع الدكتور كمال زكي مصطفى عضو المجلس الاستشاري للجنة السياسية لمجلس الإنقاذ الوطني في السودان وسألته الجريدة عن التحرك الجديد لإقامة تنظيم سياسي جديد يستقطب كل أبناء الشعب السوداني على مختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية وتباين مشاربهم العرقية والدينية..؟ وأجاب الدكتور كمال زكي: (إن التنظيم السياسي الجديد يهدف إلى تحقيق أهداف منها: - تجميع أهل السودان في وعاء واحد وتوحيد إرادتهم. - فتح المشاركة لكل قطاعات الشعب على أن يؤدي العضو قسم الولاء للوطن والتنظيم السياسي. - نبذ أي ارتباطات حزبية أو دينية أو عرقية أو قبلية سابقة. وأوضح أن المجلس الاستشاري قرر تكوين لجان للطواف على الأقاليم كافة لطرح التصورات والمقترحات حول التنظيم السياسي المرتقب..) . تعليق: إن إبعاد الشعب عن التناحر الحزبي أو القبلي شيء طيب، ولكن أن نعود إلى تطبيق (الحزب الواحد) الذي جربته بعض الدول العربية وثبت فشله الذريع، فهذا شيء يدعو للاستغراب، إنه لو فرضنا: استطاع الحزب الواحد ضمَّ شرائح كثيرة من المجتمع فسيبدأ الصراع داخل الحزب للوصول إلى المناصب، أو استغلال الحزب لأغراض شخصية أو مادية.. وإذا كان الشعب السوداني شعب مسيس وقد فرقته الأحزاب، ولا نريد العودة إلى تلك الأجواء فليس الحل بأن تنشأ الدولة حزباً وتشكل اللجان، واللجان الفرعية ونعود إلى الدوامة الشكلية والحزبية.. ولكن الحل أن تستفيد الدولة الآن من كل الطاقات العلمية وتبدأ بالإصلاح الحقيقي وتبدأ بالتعليم بشكل خاص، ثم تأتي المشاركة بشكل طبيعي، تأتي عن طريق الشخصيات التي أثبتت كفاءتها، وعن طريق المخلصين، وفي الدرجة الأولى عن طريق العلماء وأساتذة الجامعات الذين يرون الإسلام هو الحل. إن بلداً مثل السودان بمشاكلها الكثيرة تحتاج إلى مخلصين نابهين، أصحاب جرأة في القرار، وليس إلى سياسيين انتهازيين. ثم ما معنى قسم الولاء للوطن ونبذ اي ارتباطات دينية، هذه أساليب قديمة في العمل السياسي والعمل الجاد الإصلاحي هو بداية الطريق.

стр. 652

أخبار حول العالم حكومة كشميرية مؤقتة قالت مجموعة من المجاهدين الكشميريين تتخذ من باكستان قاعدة لها أنها بصدد تأليف حكومة مؤقتة تمثل الكشميريين الذين يعيشون تحت وطأة الاحتلال الهندي. وقد أعلن رئيس جبهة تحرير كشمير أمان الله خان في مؤتمر صحفي في مدينة مظفر آباد الباكستانية عن أعضاء الحكومة الذين سيبلغ عددهم أربعة وعشرين عضواً، وسيكون من بين هؤلاء ثمانية عشر عضواً من الشطر الذي تحتله الهند من كشمير في حين أن البقية الباقية يمثلون الجزء الذي تسيطر عليه باكستان. ومن جهة أخرى وعلى الصعيد العسكري فقد اشتدت حدة المعارك هناك ودخلت طوراً جديداً وذلك بعد استخدام الكشميريين للصواريخ لأول مرة منذ اندلاع الصراع، فقد قام المجاهدون بإطلاق عدة صواريخ على مركز تابع للقوات الهندية وأدى القصف إلى مصرع أربعة جنود هنود وجرح عدد كبير. الجارديان ١٩/٦/١٩٩٠م الإندبندنت ٢٠/٦/١٩٩٠م الأمريكان والسوفييت يقتربون من التوصل إلى معاهدة بشأن أفغانستان قال وزير الخارجية الأمريكي في الأسبوع الثاني من شهر حزيران (يونيو) أنه لم تعد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سوى خلافات صغيرة جداً جداً إزاء الكيفية التي سيتخذها الحل السلمي في أفغانستان. وقال الوزير: إن نقطة الخلاف الوحيدة بين الدولتين هى تلك التي تتعلق بمسألة بقاء أو زوال الرئيس نجيب الله من منصبه أثناء الفترة الانتقالية التي ستسبق الانتخابات. التايمز١٥/٦/١٩٩٠م مانديلا يؤكد على حق إسرائيل الثابت في الوجود فى أعقاب اللقاء الذي تم بين مجموعة من اليهود الأميركان ونائب رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي نيلسون مانديلا يوم ١٠ / ٦ / ١٩٩٠ م لمناقشة موقف الأخير من إسرائيل، صرح الرئيس التنفيذي للمؤتمر اليهودي الأمريكي: أن مانديلا شدد على دعم المؤتمر الوطني الأفريقي لحق إسرائيل في العيش ضمن حدود آمنة. ووصف اليهود المشاركين في اللقاء المحادثات بأنها فاقت التوقعات. هيرالدتربيون ١١/٦/١٩٩٠م ملاحظة: كان ياسر عرفات قد أهدى مانديلا سيفاً مصنوعاً من الذهب الخالص وذلك بمناسبة خروج الأخير من السجن! ! الماء سلاح إسرائيلي جديد لقمع الانتفاضة بدأت السلطات الإسرائيلية باتباع أسلوب جديد في التعامل مع الانتفاضة لوضع حد لها، وذلك بقطع مياه الشرب عن أهالي بلدة (جفتلك) السفلى وذلك في يوم ١٢/٦/١٩٩٠م. ولا تبعد القرية المذكورة سوى مسافة مائة متر عن حدائق ومروج إحدى المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراض عربية مصادرة، والتي تتمتع بكميات وفيرة من مياه الشرب. وفي الوقت الذي ينفي فيه الإسرائيليون استخدام الماء كسلاح؛ فإن كبار السن في القرية أُبلغوا سراً أن إمدادات المياه لن تستأنف قبل الحصول على تعهد من الأهالي بالإقلاع عن رمي الحجارة وإحراق إطارات السيارات على الطريق المؤدية إلى أريحا. ومع ارتفاع درجة حرارة الجو وازدياد الحاجة إلى المياه تضطر النساء والأطفال إلى الذهاب إلى بساتين المستوطنات الإسرائيلية لجلب المياه من هناك، أما كبار السن من الأهالى والمقعدين فإنه لاخيار لهم سوى الاعتماد على المياه المالحة التي تضخ لمدة نصف ساعة في اليوم لأغراض الري. ويقول أحد أهالي القرية: إننا نضطر إلى اقتسام المياه مع ماشيتنا. ومما يذكر أن قرية (جفتلك) تقع على حافة غور الأردن ذي التربة الخصبة والذي يزود الضفة الغربية بأكثر من نصف احتياجاتها من الفواكه والخضار، وتمارس السلطات الإسرائيلية منذ احتلالها للمنطقة في عام ١٩٦٧ م ضغوطاً على أهالي القرية لترحيلهم عنها. الأوبزرفر ١٧/٦/١٩٩٠م

стр. 653

ركن الأسرة أطفالنا في رحاب الإسلام خولة درويش إن أسرتنا المسلمة صورة مصغرة لمجتمعنا الإسلامي الكبير، وهي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع المؤمن.. فيها تعد معاييره ومبادئه ومثله العليا، وفي ظلها يتلقى الأطفال مشاعر الخير، وبذور الإيمان، وكلما نجح الأبوان في أداء هذا الواجب، نجح المجتمع وتمكن من الوصول إلى غاياته وأهدافه. (ولقد دلت تجارب العلماء على ماللتربية في الأسرة من أثر عميق خطير، يتضاءل دونه أثر أية منظمة اجتماعية أخرى في تعيين الشخصيات وتشكيلها، وخاصة خلال مرحلة الطفولة المبكرة، أي السنوات الخمس أو الست الأولى من حياة الفرد. وذلك لأسباب عدة منها: أن الطفل في هذه المرحلة لا يكون خاضعاً لتأثير جماعة أخرى غير أسرته. ولأنه يكون فيها سهل التأثر سهل التشكل، شديد القابلية للإيحاء والتعليم.. قليل الخبرة، عاجزاً ضعيف الإرادة قليل الحيلة.. وتكون السنوات الأولى من حياة الطفل فترة حاسمة خطيرة في تكوين شخصيته، وتتلخص خطورتها في أن ما يغرس في أثنائها من عادات واتجاهات وعواطف ومعتقدات يصعب أو يستعصى تغييره أو استئصاله فيما بعد، ومن ثم يبقى أثراً ملازماً للفرد في عهد الكبر) [١] . وقبل ذلك بين رسولنا الكريم ﷺ : «إنه ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه» [٢] ، (هذه الفطرة لو ترك الطفل من غير تأثير لما كان إلا مسلماً، ولكن الحجب قد تحول دونها بالتوجيه للاعتقادات الباطلة) [٣] . يقول ابن القيم-﵀: (وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبتِ إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتنى وليداً فأضعتك شيخاً) [٤] . لذا فواجب الأبوين المسلمين: رعاية الفطرة والاجتهاد في تحسين تربية أبنائهما، ولا يكفل لهما النجاة يوم الحساب إلا أن يبذلا ما في وسعهما لصلاح رعيتهما، وصيانة الفطرة من الانحراف، «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» . وفي ظل المجتمع المسلم، يعرف كل فرد دوره ورسالته، ويتحمل مسؤوليته متطلعاً إلى ما هو خير وأبقى من الدنيا الفانية، وبالإسلام تعرف المرأة أنها ذات رسالة تؤجر عليها إن أدتها كما يريد الله . وهي رسالة تتناسب مع تكوينها الفطري. إنها المحضن الدافيء العطوف للأطفال.. فهي أقدر من الرجل على إرواء حاجات الطفل من المحبة والحنان وبقية حاجاته الأساسية، التي لو حرم منها الطفل لعانى الكثير من المصاعب في مستقبل حياته. (والطفل في سنواته الأولى على الأقل يحتاج إلى أم متخصصة لا يشغلها شيء عن رعاية الطفولة وتنشئة الأجيال، وأن كل أمر تقوم به خلافاً لتدبير أمور البيت، ورعاية الأطفال، إنما يتم على حساب هؤلاء الأطفال، وعلى حساب الجيل القادم من البشرية) [٥] . أما لوثة انشغال الأمهات، فهي لوثة حديثة، هاجمتنا مع دعاة الغزو الفكري لتهدم بنياننا من الداخل، وتقبَّلها أتباع كل ناعق.. رغم أن العقلاء عند الأمم الغربية بدأوا يشكون من تمزق الأسرة، وتتوالى صرخاتهم من تلك الديار تشكو انشغال الآباء، وضياع الأبناء. فماذا حصَّل المجتمع؟ ماذا لاقى الأطفال؟ بل ماذا جنت المرأة نفسها؟ ! لقد تحول كثير من بيوتنا إلى مسخ قاتم بدلاً من أن تكون جنة يتفيأ ظلالها جميع أفرادها. وصارت الكآبة تكلل الجميع، بعد أن أتلف العمل كنز عواطفها وجفف ينابيعه. وأنَّى يلقى المجتمع العلاقات الإنسانية النبيلة، التي وأدناها يوم أن عملت المرأة، وتركت الأطفال يعيشون في أجواء يفقد فيها الحنان والحب والاستقرار. فالتعب والكدح قد أثقل كاهلها واستقطبا وقتها، فحرمها من رحابة الصدر التي تعينها في توجيه أطفالها ومداعبتهم، وأصبحت موزعة العواطف مشتتة الجهود، لا تجد وقتاً تخلو فيه لحاجاتها الضرورية، بل الراحة والاستقرار، وإذا أكدنا على أهمية المرأة، ذلك لأن الطفل أكثر التصاقاً بها في سنوات العمر الأولى لحاجته الماسة إليها. إلا أن الأسرة ليست أمومة فحسب، وإنما يكمل كل من الزوجين الآخر ولكل دوره. والمرأة والرجل قطبا الإنسانية - كما يقول مالك بن نبي ﵀[٦] ، فالرجل بما يوفر لزوجته من سكن نفسي وطمأنينة وتأمين الكسب الذي يكفل لها ولأبنائها الحياة الكريمة لتؤدي مهمتها باطمئنان. وكلا الزوجين بلغة العصر (الجندي المجهول) الذي يربي الأجيال، أو بالأحرى من الأخفياء الأتقياء، يتعاونان في إعداد شباب المستقبل وأمهاته، رغبة فى الأجر واحتساباً لما عند الله بعيداً عن الظهور والمحاراة، وطمعاً بثواب صدقة مستمرة تبقى إلى ما بعد الموت. عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [٧] . أما وقد أصبحت العادة في بعض البيوت أن تتنازل الأم عن دورها، فتوكل إلى الخادمة أمر أطفالها، إطعاماً ورعاية، بل توجيهاً وتربية، فذلك ضريبة أخرى تدفعها الأسر بدل عمل المرأة، وإن كان الأمر لا يخلو من حالات أخرى تسند فيها الأم أعمالها إلى الخادمة، ولعل من أسباب وجود هذه الظاهرة: ١ - كسل الأمهات. ٢ - التهرب من المسئولية. ٣ - التباهي في الرفاه والمظاهر الكاذبة، والأنفة من القيام بواجبتهن الأسرية. والسبب الأصيل لكل ذلك هو: البعد عن التصور الحقيقي للإسلام. وتكون الطامة الكبرى عند استقدام الخادمة - الأجنبية الكافرة - فهي تنقل عادات قومها وقيمهم إلى أبناء أسرنا بسبب تأثيرها المباشر عليهم. وأصبح كثير من بيوتنا فيه خلط عجيب من الأخلاق والعادات والتقاليد. والواقع المحسوس يأتي بالمضحكات المبكيات. إن الرقي الحضاري لا يكمن في تأمين الرفاه وتوفير الخدم، وإنما هو نتاج تربية واعية مدروسة، لا تقدر عليها الخادمة، وهي أمية غالباً، وقد تكون على دين يخالف ديننا. والأب الأناني الذي تخلى عن واجبه الأسري دونما سبب ذي بال إلا أن يلهو مع أقرانه، أو يشتغل بتنمية ماله.. فعهد إلى السائق أو الخادم أن يقوم بدور الأب، هو الموجه وهو صاحب السلطان. وهكذا.. أصبح كثير من الأطفال - صانعي المستقبل - لا ارتباط حقيقي لهم بدينهم ولا بأسرهم، بسبب هذا الوباء الذي عم كثيراً من الآباء والأمهات: الانهزامية والتهرب من المسئولية. فيا أختي المسلمة: لا اعتراض على وجود الخادمة، إن كنت بحاجة إليها، ولا تنسي أن لها مهمتها ولك مهمتك، فلا تتنازلي لها راضية عن عملك أُمَّاً مربية لأطفالك وهذا أخص خصائصك.. ساعدي ابنك على البر بك. إن الحنان الذي يرافق إطعامك لطفلك، والبسمة التي تشجعه إذا أصاب، والنظرة العاتبة التي ترده إلى جادة الصواب إن أخطأ.. كل ذلك له الأثر الذي لا يمحى من ذاكرة الطفل. وأنت أيها الأب الكريم: ليسع عطفك ابنك، وهذا هو خير عطاء تمنحه إياه، إن دخولك المنزل تحمل الأغراض التي ساعدك بشرائها الخادم، وتقدمها بيديك لزوجتك وأولادك لا يعوض عملك هذا ملء البيت ألعاباً وتحفاً وملابس وحلوى يباشر تقديمها لهم الخادم. والله أسأل أن يوفق أسرنا المسلمة إلى التربية البناءة الواعية.

стр. 654

الرَّضَاعَة الطَّبِيعِيَّة إعداد: د. محمد هلَيِّل إذا كان الحليب هو الغذاء الوحيد للمولود الرضيع، فإن حليب الأم كان المصدر لهذه التغذية، وإذا لم يكن من الأم كان من إحدى الجارات أو القريبات، إذا لم تتمكن الأم من إرضاعه، وكان العرب وقريش خاصة يرسلون أولادهم للبادية يلتمسون المراضع، فالحليب هو المصدر الرئيسي للتغذية سواء كان من الأم أو من امرأة أخرى، ولكن مع غزو حضارة الغرب لنا بكل ما فيها، أخذ الكثير من النساء بالتخلي عن هذا الواجب وبخلن على فلذات أكبادهن بحليبهن، واستبدلن حليب البقر المعدل بحليب الأم الطبيعي، دون أن يكون هناك داع طبي. ففي دراسة أجريت على ٣٤٠ امرأة مرضعة في إحدى دول الخليج العربي: ... خلص طبيبان مسلمان إلى نتيجة تقض المضجع، وهي: أنه كلما ازداد دخل الأسرة كلما قل إقبال الأم على إرضاع وليدها منها، وأنه كلما ازداد مستوى التعليم للأمهات كلما قلت نسبة إرضاعهن لأطفالهن رضاعة طبيعية، إن المرء يتوقع أن يزداد الإقبال على الرضاعة الطبيعية كلما انتشر التعليم بين النساء لا العكس، ولكن هذه هي إحدى نتائج الحضارة الوافدة على الصغار الرضع. إن البدائل الأخرى لحليب الأم يجب ألا يُلجأ إليها إلا عند وجود ضرورة يحددها الطبيب، كإصابة الأم ببعض الأمراض التي تحول دون الرضاعة، أو تناول بعض الأدوية التي تحتم إيقاف الرضاعة، أو عدم اكتفاء الرضيع أو التوأمين بحليب الأم، أو غير ذلك، على ألا تستخدم هذه البدائل دون داع طبي، كأن تمتنع الأم عن إرضاع طفلها رغبة منها بالمحافظة على رشاقتها! أو لاقتناعها أن إرضاعها طفلها منها هي عادة بالية في عصر التقدم. في الوقت الذي انساق فيه كثير من الأمهات وراء وسائل الدعاية المختلفة، وخلال تقليدهن الجارف للغرب باستعمال بدائل لحليب الأم، نجد - وللإنصاف - أن بعضاً من الأمهات مازلن يحرصن أشد الحرص على إرضاع أطفالهن منهن. ولئن كان نساء الأمم الأخرى يرضعن أطفالهن منهن كعادة موروثة، فإنه بالنسبة للمرأة المسلمة واجبٌ دينيٌّ وعبادة تثاب عليها، وصدق الله إذ يقول: [والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ] .

стр. 655

كيف تقرعين باب الجنة ؟ نجوى محمد الدمياطي إلى أختي المسلمة.. إلى من تستلهم في حياتها من التقوى إطاراً، ومن العلم قيمة، ومن الصلاح عملاً.. أهدي هذه الكلمات لكي تدافع عن إيمانها بالتطبيق، وتظهر إسلامها بالقدوة والعمل، فتفوز في الدنيا والآخرة، وتكون لها الحياة الطيبة. قال تعالى: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] . أختي المسلمة.. تعلمين يا أختاه أن منهاج الله منهاج عبادة، وأن العبادة فيه ذات أسرار، ومن أسرارها أنها مدد للروح وجلاء للقلب، وأنها زاد الطريق. ولقد عرف الرعيل الأول من المسلمات هذه الحقيقة، وأدركن طول السفر، فتزودن له بخير الزاد.. (التقوى) .. قال تعالى: [وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى واتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ] ، فالتقوى هي زاد الطريق إلى الله، زاد القلوب والأرواح، والتقوى حساسية في الضمير وخشية مستمرة وحذر دائم، وما يدفع الهوى إلا التقوى ومخافة الله ومراقبته في السر والعلن. والتقوى هى التي تهيئ القلب ليلتقي ويستجيب، قال تعالى: [الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] . والتقوى تجعل في القلب فرقاناً يكشف له الحق من الباطل ويبصره بطريق الحق، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ويُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] . والتقوى الحقيقية يا أختاه هي تقوى القلوب لاتقوى الجوارح، قال تعالى: [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] . وقال : [لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ] . ولذلك تكون المسلمة أحرص على إصلاح سرها منها على إصلاح علانيتها، وتخشى الله ولا تخشى الناس. هذه هي التقوى.. وهي غاية عالية وهدف أسمى، هل أدلك على وسيلة من وسائل تلك الغاية؟ إنه الصوم يا أختاه. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ، فالتقوى تستيقظ في القلوب وهي تؤدي عبادة الصوم طاعة لله وإيثاراً لرضاه. فالصوم يجعل للتقوى القوامة على الجسد وحاجاته، بل يجعل الجسد مطية للروح، فيصفو الفكر ويرهف الحس وتشف النفْس. ولذلك فإن الصوم يا أختاه يخرج فرداً لا يقبل أن يبيع دينه ببطنه أو فرجه.. وكلما دُعي لعبادة الطواغيت ردد قول يوسف ﵇: [رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ] . أختي الحبيبة: إن الصوم أسلوب عملي لتربية النفس وتهذيبها وتعبيدها لله رب العالمين، وإمدادها بعون الله لتثبت في دربها الطويل وطريقها الوعر في مواجهة التحديات والمحن. وذلك لأن الصوم يربي الإرادة، الإرادة التي تصمد للحرمان وتستعلي على الضرورات وتؤثر الطاعة. فالصوم يربى إرادة (الامتناع) التي هي أصل الإرادة في الإنسان، وقد كانت تجربة (الإرادة) التي خاضها آدم وحواء في الجنة هي تجربة إرادة (الامتناع) ، قال تعالى: [وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ] . وأوصى رسول الله ﷺ أن تكون إرادة الامتناع إرادة مطلقة فقال ﷺ : «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شىء فاجتنبوه» ، فأوجب رسول الله الانتهاء عن المنهيِّ عنه مطلقاً، بينما جعل الأمر بقدر الاستطاعة. أختي الحبيبة: لقد أشار رسول الله ﷺ إلى مقام الصائمين الذين استعلوا على أهوائهم وغرائزهم ولجموها بلجام التقوى، فقال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب: منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه. قال: فيشفعان» . وقال ﷺ : «إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد» . وبين ﷺ أن الصوم يكون حجاباً بين صاحبه وبين النار، فقال: «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً» . أختي الحبيبة: إن من الأشياء ما لا تدركه الكلمات، وليس يكفي أن نقول: (هذا حلو) إذا لم نتذوق طعمه فمن ذاق عرف، ومن هذه الأشياء طعم الطاعة لله بالصيام! ! فجاهدي نفسك يا أختاه بالصوم، فإنه من أهم عوامل تزكية النفس وبلوغها درجة التقوى وقربها إلى باب الجنة.

стр. 656

ظواهر الكتب البيضاء في بعض ما ينشر من تحقيق لكتب التراث أشياء ملفتة للنظر، تستحق العجب والرثاء، كما تستحق تذكير المؤلفين والناشرين بأن يرحموا القراء وجيوب القراء. اطلعتُ في المدة الأخيرة على كتاب محقق في مجلدين، لو حذفت منه الصفحات البيضاء لرجع مجلداً واحداً أو أقل، فالمحقق يصر على وضع حديث واحد في كل صفحة، فربما يستغرق التعليق والتخريج بقية الصفحة، أو يأخذ أسطراً قليلة؛ فتبقى الصفحة أكثرها بياضاً، وإذا امتد هامش الصفحة الأولى إلى الثانية فالثانية ستبقى كلها بياضاً ماعدا بقية الهامش. إنها محاولة لتضخيم حجم الكتاب على حساب القراء المساكين، وهناك أمور أخرى تزيد من حجم الكتاب مثل الترجمة للمؤلف ولو كان مشهوراً، وقد ترجم له كثير من قبل، بل ترجم له المحقق في كتب سابقة: كالسيوطي وابن رجب وابن القيم.. بل تجد في كل تحقيق لوريقات من مؤلفات ابن رجب ترجمةً له.. ولشيوخه وتلامذته ثم تصوير ثلاث ورقات أو أكثر من المخطوطة، ثم فهارس الآيات والأحاديث والشعر.. مع أن كل المخطوطة لا يتجاوز وريقات تعد على الأصابع، ولا مانع بعد كل ذلك من الترجمة في الهامش لمثل أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب ﵄، أو لمالك والشافعي، أو للبخاري ومسلم، والفهارس في النهاية لا تبلغ إلا أربع آيات أو ثلاثة أبيات من الشعر، فالكتاب لا يحتمل الفهرسة، ولكنه مرض الورَّاقين، ولمثل هذا أنشد أبو العلاء المعري: ولمَّا رأيت الجهل في الناس فاشياً ... تجاهلتُ حتى ظُن أني جاهل

стр. 657

مشاهدات من أمريكا الرأسمالية البشعة محمد سليمان أول ما تفاجأ به وأنت تدلف إلى مطار إحدى المدن الأمريكية - ذلك الاتجاه المادي الرأسمالي الواضح، كل شيء يدل على هذا الاتجاه، في كل خطوة تخطوها يجب أن تدفع، ثم تتأكد هذه الملاحظة عندما تكتشف أكثر فأكثر هذه الرأسمالية (العارية) . إن أوربا الغربية رأسمالية أيضاً ولكنها طبعة مخففة عن أمريكا، ففي الأخيرة تحس بوحش الرأسمالية الذي يطل من خلال التكتلات الكبيرة، المصانع الكبيرة، المنظمات التي تخطط لاستمرار هذا الوضع لصالح الفرد الجشع. لا يوجد مكان للصغار، فلابد أن تحمي نفسك داخل منظمة أو تكتل، اليهود هم الذين عرفوا طبيعة هذه البلاد الجديدة، فكان عملهم كله من وراء منظمات قوية، ومعترف بها رسمياً. لم تتغير طبيعة الأمريكي الوافد من أوربا والذي يجري لاهثاً وراء الذهب والأرض، وكان الحق مع من غلب، ليس هناك قانون إلا قانون القوة، وهذه تتمثل الآن في الشركات والضغوط الاقتصادية، وتلحظ بعض هذه المظاهر في مدينة شيكاغو، فعندما صعدنا إلى الدور (١٠٣) من أعلى عمارة فيها، ورأينا منظر المدينة حولنا، والتي تكثر فيها العمارات الشاهقة؛ أصابتنا كآبة لهذا الجو المادي الكالح، أَلِهَذا الحد يصاب الإنسان بجنون السباق المحموم في التكالب على الدنيا؟ ، تذكرتُ في هذا السياق كلاماً لابن تيمية يذكر فيه أن المبالغة في إتقان الدنيا غير مطلوب، لابد من إتقان بعض أمور الدنيا حتى تكون وسيلة للآخرة، وحتى يعيش المسلم معززاً مكرماً، وليس كما يفعل الغرب في هذا العصر. ومع اتساع هذا القارة يزداد الضغط على المسلم الذي يعيش في إحدى ولاياتها، ولايتمكن من رؤية إخوة له إلا في فترات متباعدة جداً، وفي داخل الولاية فإن المساجد والمراكز الإسلامية هي التي تقي المسلم شرور هذا المجتمع الرأسمالي، وإلا فإنه سيضيع في خضم هذا الاتساع وهذا التكالب على الدنيا، ومن جهة أخرى: فإنه يبدو أن لهذا الاتساع أثر إيجابي على الطلبة المسلمين هناك، فقد رأيتهم أرحب صدراً لقبول الآراء المخالفة ومناقشتها، إذا ما قورنوا بغيرهم في مناطق أخرى. إن حجم الدارسين والجالية الإسلامية كبير جداً في تلك البلاد، وما تقوم به الجمعيات والمراكز الإسلامية والمؤتمرات التي تعقد هناك عمل يشكرون عليه ويحمدون، ولكن في قارة مثل هذه لابد من جمع الشتات، ولابد من إثبات الوجود أمام التكتلات الكبيرة والمنظمات العريقة.

стр. 658

بأقلام القراء الذين ينصبون أنفسهم مدافعين عن الدين أم عمار - اسكتلندا كثير هم.. أولئك الذين يجنون على الإسلام، وعلى الأمة الإسلامية مع أن بعضهم يبدو عليه معالم الالتزام في كثير من مناحي سلوكه. إنهم أولئك الذين يعرضون الإسلام على عقولهم.. فإذا وافقها قبلوه، وإذا خالفها رفضوه، وقاصمة ظهر الأمة أن يتزعم هؤلاء دعوة أو يلبسوا لباس أهل التقوى، فيحلوا ويحرموا؛ فيهلكوا ويهلكوا. إن الأمة الإسلامية قد أكرمها الله بأن جعل لها نصاً ثابتاً حفظه من التحريف والضياع، وجعل لها حكمة قرنها بالقرآن وجعلها مبينة له وهي السنة التي جاءت على لسان النبي ﷺ ، إلا أن السنة لم تدون في عصره -صلى الله عليه وسلم- لحكمة أرادها الله، فاعتمدت على الرواية، وكان الناس يقبلونها يوم أن كان يؤمن الكذب على رسول الله ﷺ ، فلما اندس بين المسلمين من أعدائهم من تشبه بسمتهم وأظهر هديهم، وفي قلبه مرض الكيد للإسلام، بدأ الاعتناء بالسند. فهذه الأمة على ما أكرمت من حفظ لكتاب الله، أكرمت بالسند الذي من خلاله يميز الطيب من الخبيث، مما يدور على الألسنة وتسطره الكتب من سابق العصور ولاحقها، ومن ثم ابتليت الأمة بقوم اغتروا بعقولهم، وأحسنوا الظن بها، فنبذوا الأسانيد التي أكرم الله الأمة بها، فليت شعري، أنترك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنه لم يبلغ عقل هذا أو ذاك؟ ، إنا إذاً خاسرون، نخسر مكرمة أكرمنا الله بها دون غيرنا، فما قيمة الأسانيد؟ ، وما قيمة كتب الرجال التي أضاع العلماء فيها أعمارهم، وإلا لو حكمنا العقول لأتى من بعدنا من يغير ويبدل حسب عقله، حتى يندرس العلم؛ ويضيع الفهم الصحيح النقي. فيا من يسخرون من حديث صح سنده -وكان كالشمس في رابعة النهار- لأنه خالف عقولكم ويبرؤون الدين منه، ونصبوا أنفسهم حماة ومدافعين: اتقوا الله، اتقوا الله، أن تخاصموا رسول الهدى ﷺ ، ويا من يقلد هؤلاء ويسير على نهجهم: اتقوا الله، فالدين ليس بالعقول القاصرة، فالعقل الصحيح لا يعارض النص الصريح.

стр. 659

بأقلام القراء أمر خطير عبد الله حجراف إن من نعم الله على المسلم أن يوفقه لاتباع المنهج الصحيح، فيجب عليه ألا ... يقع في المزالق الخطرة، حدثت واقعة أثَّرت في نفسي ودب الضعف إليها، حصل بين بعض الدعاة اختلاف في وجهات النظر، فتطاول أحدهم على صاحبه، وتكلم عليه في غيبته، لقد تناسى أصحاب هذا الخلاف أن يلتمس بعضهم لبعض العذر ما دام يعلم من أخيه الجد والاجتهاد في الدعوة، وأن الصغار إذا رأوا ذلك في الكبار فسو ف تحدث له شكوك في أصحاب هذا المنهج، وربما يضعف دينه. فهل لنا أن نعي خطورة هذا الأمر؟ واختلاف وجهات النظر لا يؤدي إلى هذه التصرفات.

стр. 660

الصفحة الأخيرة حجة ساقطة عبد القادر حامد من يتابع تصريحات دعاة (السلام) الذليل والهزيل مع اليهود؛ واللاهثين وراءه بكل قواهم؛ يصيبه العجب العجاب من الحجج التي يسوقونها ليعطف عليهم اليهود وأشياعهم؛ فيقبلوا مجرد بحث هذا الموضوع. ومن هذه الحجج الرخيصة والساقطة: أنهم يحاولون إقناع خصومهم بأنهم هم الطرف الوحيد المعتدل العاقل الذي يمكن التفاهم معه، بل وتبلغ بهم الصفاقة أن يلوحوا بأن التعامل مع اليهود من أجل كبح من يسمونهم (المتطرفين) ، وهذه دعوة صريحة للتعاون مع العدو ضد بني جلدتهم! وهذا الموقف ينطوي على قصر نظر، ويحمل سوء قصد وخبث هدف. وفيه من الخسة والانحطاط الخلقي - الذي هو صفة من صفات المنافقين - ما يدعو إلى فضحه والتحذير منه بكل وسيلة. أما قصر النظر: فهو ظنهم أن العدو يمكن أن يثق بهم، ويتخلى عن شيء من خططه التوسعية ومطامعه وأهدافه في العمل الدؤوب على إضعاف كل عناصر المقاومة عند العرب، ومقارنتهم (المتطرفين المسلمين بالمتطرفين الصهاينة) . وأما سوء القصد وخبث الهدف: فهو سعيهم الحثيث للصلح مع العدو، ومحاولتهم المستميتة لتجميل صورهم القبيحة في نظر العدو، بينما لا يبذلون مثل هذا الجهد لإظهار حسن النية مع أبناء أوطانهم ممن يخالفونهم الرأى؟ بل يحرصون على احتكار الأعمال الوطنية ويدعونها لأنفسهم، ويجردون الكثيرين من بني أوطانهم من كل الحقوق والامتيازات؛ إلا حق التعرض لبطش العدو وجبروته، وتجاهل المفترض أن يكون صديقاً وتحامله وتشويهه..

стр. 661

المحرم - ١٤١١هـ أغسطس - ١٩٩٠م (السنة: ٥)

стр. 662

الافتتاحية ورثة أبي لهب جاء في سنن الترمذي أن رسول لله ﷺ كان في أوائل الدعوة المكية يعرض نفسه على العرب في موسم الحج يدعوهم إلى الإسلام وإلى حمايته حتى يبلغ دعوته ويقول لهم: «ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي» . وأخرج الإمام أحمد في المسند عن ربيعة بن عباد قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية في سوق ذي المجاز يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه يقول: إنه صابئ كذاب، يتبعه حيث ذهب، سألت عنه قالوا: هذا عمه أبو لهب. لقد جاء رسول الله ﷺ للعرب بالعز والسعادة في الدنيا والآخرة، وأخرجهم من الظلمات إلى النور [وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ ولِقَوْمِكَ] وكان - ﷺ حريصاً مشفقاً على قريش وعلى الناس أجمعين ولكن عمه أبا لهب كان يخذل الناس عنه ويمنعهم من نصرته، فكان العرب عندما يسمعون كلام أبي لهب يقولون (أهله وقومه أعلم به) . ونحن في هذه الأيام نقول للعرب والعجم: طبقوا شرع الله تفلحوا وتصبحوا أمة معدودة بين الأمم، إن الإسلام هو قدرنا وهو خيارنا الوحيد وهو هويتنا الذي يحفظ لنا شخصيتنا، وما ظنك بدين اختاره الله لنا. والعرب بلا إسلام أصبحوا أضحوكة للعالم يخافون من (شامير) و (شارون) . ونقول أيضاً للعرب والعجم: لقد جربتم كل الأفكار والمذاهب ففشلتم وتنازعتم، وأصدقاؤكم القدامى، الاتحاد السوفييتي ومن كان يسير في فلكه أداروا لكم ظهورهم، وأمريكا تمارس (البلطجة) فأين المذهب؟ إن صنيع أبي لهب يذكرنا بموقف الصحافة العربية من أحداث الجزائر ونجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فقد بدأت هذه الصحافة بالتحذير من (التطرف) و (الأصولية) ، وأن هؤلاء المسلمين سيخربون المدينة (أين المدنية؟) . لم يستطع أصحاب هذه الصحف أن يكونوا موضوعيين ويعترفوا أن الشعوب العربية تريد الإسلام، بل تمنى أصحاب هذه الصحف أن لو عاد العسكر حتى لا يأتي المسلمون، وهم الذين ينادون بـ (الديموقراطية) صباح مساء. قالت (الوطن العربي) في عددها الصادر في ٢٢/٦/٩٠: (إن الجبهة الإسلامية تعتمد على الخلط بين السياسة والدين، وقد استغلت الأوضاع الاقتصادية لصالحها) ، ثم حاولت المجلة إثارة الجيش باعتباره (الضامن الوحيد للاستقرار) وفي نفس العدد وفي صفحتها الأخيرة اتهمت التيارات الإسلامية بأنها تُشجَّع من جهات أجنبية، وهذه اتهامات سخيفة لم تعد تروج على أحد، وهي عودة إلى المهاترات والردح الذي راج في الخمسينات والستينات. أما صحيفة (الوطن) الكويتية الصادرة بتاريخ ٢٢/٦/٩٠، فبعد أن ذكرت فوز الجبهة الإسلامية بـ ٨٢% من الأصوات ذكرت أن المثقفين الجزائريين يعيشون حالة قلق لما يمكن أن تخبئه لهم الجبهة الإسلامية. وتقصد الصحيفة بـ (المثقفين) المسرحيين والرسامين والروائيين، وكأن الصحيفة تريد أن تصور الجبهة الإسلامية بأنها وحش مخيف، وأظن أن هؤلاء المثقفين قد تملكهم الخوف لأنهم يعلمون من أنفسهم أنهم يمثلون (الطابور الخامس) الثقافي ضد الإسلام، وإذا كانوا غير ذلك فلماذا يخافون. ومجلة (اليوم السابع) تسأل نجيب محفوظ عن (ظاهرة التطرف الديني وأخطارها المحدقة بالشعوب العربية والإسلامية) وطبعاً المجلة تقصد كل المتدينين ولا تقصد فئة متشددة بعينها تخالف ما جاء به محمد ﷺ لقد صورت المجلة (التدين) بأنه الخطر المحدق بالشعوب العربية، أما ما تمارسه المجلة من التبعية للشرق ولليسار فليس خطراً محدقاً، وليس هو الذي جاء بهزائم ١٩٦٧ وما بعدها. لقد قامت كثير من الصحف بما قامت به أخواتها وما قصرت في الصد عن ذكر الله والهجوم على ما يسمونه (الأصولية) المتنامية في الجزائر. وإذا كان الغرب وصحف الغرب قد أبانوا عن حقد دفين، وخاصة إذا كان هذا الإسلام قريباً منهم على الطرف الآخر من حوض البحر المتوسط؛ فإن هذا التخوف ينسجم مع محاولتهم لاستمرار الهيمنة على الشعوب الإسلامية ولكن ما بال الصحف العربية والمجلات العربية، هل تريد استمرار التردي لذي شاهدناه طوال العقود الثلاثة الماضية، ولماذا لا يعترفون بأن كل الشعارات التي رفعت سابقاً لم تؤد إلى النتيجة المرجوة، وأن الحل الوحيد للعرب هو الإسلام.

стр. 663

في إشراقة آية [أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ] - ٢ - د. عبد الكريم بكار ب- رفض التعميم: لقد تعقدت الحياة وكثرت التفاصيل فيها إلى درجة جعلت تعميم الأحكام في أكثر الأحيان أمراً بعيداً عن الحقيقة؛ وصار التعميم في لغتنا في إحدى أهم الثغرات التي ينفذ منها لهدم ما نقوله وتمييع القضايا التي نعرضها. على أن التعميم مرفوض في المنهج الإسلامي بصورة عامة، ومن ثم كثرت الآيات في الكتاب العزيز التي ترد فيها كلمة (أكثر) ، وكلمة (كثير) بمعنى أكثر، كما أن في السنة ما ينسجم مع هذا من مثل قوله ﷺ : (إن أعظم الناس فرية لرجلٌ هاجى رجلاً فهجا القبيلة بأسرها) [١] . والمحدثون الذين يتسم عملهم بالدقة والإتقان كانت لهم تفريقات رائعة في أبواب نقد الرجال والحكم على الأحاديث من مثل قول مالك ﵀: «إن من شيوخي من أتبرك بدعائه، ولكن لا أقبل روايته» ، ومن مثل قولهم: فلان صدوق إلا أنه غير ضابط.. فالتعبير بـ (الاتجاه العام، أو الانطباع العام، أو الأقرب أو الأكثر) هو الأدنى من الحق والأكثر انسجاماً مع لغة العصر. ج - النفور من الوعظ المباشر: عكر النسيج الثقافي القائم اليوم الرؤية عند كثير من الناس، كما أفسد الكثير من الفطر السليمة، كما أدى نمو الخصائص االفردية في صورة مرضية في بعض الأحيان، كما أدى إلى تضخيم الخصوصيات لتنسحب على كثير من شؤون الحياة العامة التي هي أقرب إلى العموميات، وقد أدى ذلك كلته إلى تكوين مزاج لا يرتاح للوعظ المباشر، وصار ينظر إليه في بعض الأحيان على أنه خروج عن اللباقة والآداب الاجتماعية المرعية، أضف إلى هذا أن انخفاض نوعية الدعاة -كما هو شأن أكثر الأمة- في جانب الالتزام يجعل قبول الناس للموعظة أمراً غير سهل. ومن ثم فلابد من الاعتماد على الإيحاء والتلميح وضرب الأمثال وغيرها أسلوباً للخطاب وزكانة الداعية تفتح له في كل يوم آفاقاً جديدة في هذا. د - الاختصار: الناس اليوم في عجلة من أمرهم؛ حيث إن المستوى المادي الذي يطمحون إليه جعل الوقت يضيق عن الشروح الطويلة وتكرار البديهيات واستخدام المترادفات، مما يقتضي الإيجاز - غير المخل - في إيصال الأفكار والمعلومات إليهم، وصار الإطناب من فضول القول. هـ - الضيق بالمبالغات: مرت على أمتنا بعض الفترات التاريخية التي سادت فيها المحسنات البديعية، وصار إطلاق الألقاب الفخمة يجري دون أي اعتبار أو تحاكم إلى الواقع، ويقف المرء على هذا في مقدمات بعض الكتب، وما يطرز به أسماء مؤلفيها من الصفات التي تبتعد عن الحقيقة قليلاً أو كثيراً؛ لأنها لا تستند إلى قاعدة من المعلومات الصحيحة كما في قولهم: البحر العلم المجدد جمال الدين فريد عصره ووحيد دهره الذي لم تقع العين على مثله ... وتطلق هذه الأوصاف على عشرات من العلماء الذين يعيشون في عصر واحد أو في بلد واحد في بعض الأحيان. وكانت هذه الإطلاقات مجافية لما عرف عن سلف هذه الأمة، بل لما عرف عن منهجه ﷺ حيث أثنى على كثير من أصحابه، ووصفهم بصفات محددة، فواحد أعلمهم بالقراءة، وآخر بالقضاء، وثالث بالصدق، وهكذا.. ولم تقتصر المبالغة على إطلاق الألقاب، بل تجاوزت ذلك إلى أن أصبحت جزءا من الاعتبارات الذهنية والعلمية عند كثير من الناس، وقد عاد الأمر إلى نصابه في لغة العصر، وصارت المبالغة مملولة ممجوجة. و التجديد: كان من خلق بني إسرائيل أنهم لا يصبرون على طعام واحد، وقد انسحب هذا الخلق اليوم على كثير من جوانب الحياة في المسكن وترتيب أثاثه، والملابس وأشكال تفصيلها، والمراكب وأنواعها، وشأنهم في القضايا المعنوية نحواً من ذلك، فهم تواقون إلى الجديد من المعاني والأفكار والأساليب، وصاروا يشعرون بجمود من لا يواكبهم في ذلك وقصوره، وليس في التجديد ما يذم إذا تم مع المحافظة على الأصول والثوابت، بل قد لا تتم المحافظة على الأصول إلا من خلال التجديد في الوسائل والأساليب، حيث تعرض بأشكال تنسجم مع روح العصر. ز- المعالجة العملية: تقدم العلوم على الصعد العملية شكل حس الناس ومنطقهم العام، في الميل إلى الواقعية والارتياح في الصيغ العملية، ونظام الخطوات المتتابعة، التي تسلم كل واحدة منها إلى الأخرى في الوصول إلى هدف أو حل مشكلة، وصارت الحاجة ملحة إلى (كيف) ، ولم يعد طرح المبادئ كافياً وحده، فما عاد كافياً الترديد لنحو: لابد من رفع المستوى الخلقي لدى الفرد، أو لابد لنشر الدعوة بين الناس، بل أنت مطالب بأكثر من هذا، مطالب ببيان الإمكانات المتاحة، ثم بيان المنهج والخطط والأدوات التي يمكن استخدامها في الاستفادة من تلك الإمكانات؛ وذلك لأن تعقد الأشياء وتشابكها يحتاج إلى نوع مكافئ من تعقد الفاعلية على مستوى الخطط والأساليب والأدوات. ح -عدم قبول تفسير الظواهر الإنسانية بعامل واحد: الإنسان ذو أبعاد فسيحة وأغوار عميقة، وكل الظواهر التي تتصل به ... على درجة عالية من التعقيد في الأفكار والمبادئ والمواقف والعادات، وفي ... الاجتماع والاقتصاد ... كل أولئك يتشكل ويتبلور نتيجة نسيج معقد من العوامل. وإذا كان هذا هو الواقع فإن تفسير أية ظاهرة إنسانية وتعليلها بعلة مفردة غير صحيح ولا دقيق؟ فلا يمكن أن يقال مثلاً إن الشعب الأفغاني صمد في وجه المحتلين بسبب إيمانه أو بسبب صعوبة تضاريس أرضه من جبال وكهوف، أو بسبب رصيد الفطرة لديه، أو بسبب العون الخارجي.. إنه لم ينفرد سبب واحد من هذه الأسباب بولادة ظاهرة الصمود، بل إنها جميعاً مع أسباب أخرى أسهمت في إيجاد وضع متميز يستمد تميزه من خصوصية شروطه وأسبابه. وهكذا ... كيف نمتلك لغة العصر؟ في العالم اليوم ما يسمى بثورة المعلومات مما يفرض على المثقف المسلم أن يرسم لنفسه خطة تثقيفية خاصة تناسب رغباته واختصاصه العلمي، والمهمة التي ندب نفسه لها. والمشكلة الكبرى في عزوف كثير من الناس عن القراءة فأمة (اقرأ) ما عادت تقرأ مما خلق نوعاً من الخلخلة الثقافية في ساحتنا الفكرية، وجعل كثيراً من أهل الخير عاجزين عن فهم لغة العصر، وإذا عزم المرء على القراءة فلابد له من القراءة الواسعة في شتى أنواع المطبوعات، وعليه أن يقرأ لكل المدارس حتى لا يقع فريسة للانغلاق الفكري أو ضحية للأفكار الفقيرة التي تظهر في أساليب شتى. ولابد لمن يريد أن يسير في طريق الانفتاح الثقافي من ثقافة شرعية أساسية يتمكن بها من تحديد الثوابت التي أكبر فضائلها دوامها واستقرارها، حتى لا ينجرف مع نتاج المدارس والتيارات التي يقرأ لها. كما لابد له من محاولة امتلاك منهج في التفكير يستند إلى وعي صحيح بأحداث الماضي، ووعي جيد لظروف الحاضر، حتى يتمكن من امتلاك رؤية واضحة لكيفية عمل سنن الله في الأنفس والآفاق. إن الذي يملك شذرات من المعلومات كمن يملك قطعاً من الذهب، أما الذي يملك منهجاً ذا نماذج خاصة، فإنه يمتلك مفتاح منجم من الذهب، فإذا حصل على هذا وذاك فإن الانفتاح في الاطلاع يكون خيراً كله، وحينئذ يتجاوز الداعية مرحلة السيطرة على اللغة ليصبح من موجديها ومؤهليها، ولكن لابد قبل الانهماك في القراءة من اختيار ما نقرأ، فلنقرأ للعباقرة، ولأولئك الذين يقدرون مسؤولية الكلمة، والذين لا يدفعون بكتابهم إلى المطبعة إلا بعد الاعتقاد بأنه يشكل إضافة جديدة للفكر الإنساني. ٣ - دوام نفعها: إن الشجرة الطيبة التي ضربها الله تعالى مثلاً للكلمة الطيبة دائمة الثمار، وديمومة عطائها نابعة من تناسق الصفتين السابقتين: ثبات الجذور، وبسوق فروعها في جو السماء، والكلمة التي لا جذور لها لا تستطيع أن تصنع شيئاً. والأفكار التي تبثها قصيرة العمر كزهور الربيع؛ والكلمة التي لا تنسجم مع لغة العصر لا تستطيع ملامسة أعماق الإنسان الذي تقرع سمعه، والذي وصفناه بأنه بالغ التعقيد. وقد ملكتنا هذه الآيات الكريمة المقياس الذي نتعرف به على الكلمة الطيبة، وهذا المقياس هو: [تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ] ، فنحن إذا أردنا من هذا المنظور أن نقيس أداء خطب الجمعة في عالمنا الإسلامي وآثارها في ترقية فهم الناس للإسلام والتزامهم به وجدنا أن أطناناً من الورق تكتب أسبوعياً دون أن تؤتي الثمار التي تتناسب مع حجم ذلك الجهد المبذول، ونعني به خطأ الأسلوب. إن مهمة المسلم أن يعيش عصره ويكون مؤثراً لا متأثراً، وأن يكون له دور في صياغة لغة العصر.

стр. 664

الخصائص المميزة لعقيدة أهل السنة والجماعة -١ - هشام إسماعيل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه محمد، وعلى آله وصحبة أجمعين، أما بعد: حديث الافتراق من الأحاديث المشهورة، أخرجه كثير من أصحاب الحديث في كتبهم، وهو كما قال عنه الحاكم: «هذا حديث كثر في الأصول» [١] . ومن أجمع ألفاظه، ما رواه عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله - ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعين في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين في النار، واحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة» [٢] . وأولى من يؤخذ منه تفسير كلام رسول الله ﷺ هم صحابته الكرام ﵃ أجمعين-. وتفسير الجماعة المرادة في هذا الحديث فسره العالم الرباني والصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁. فعن عمرو بن ميمون قال: قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله - ﷺ فوقع حبه في قلبي، فلزمته حتى واريته في التراب بالشام. ثم لزمت أفقه الناس بعده عبد الله بن مسعود، فذكر يوماً عنده تأخير الصلاة عن وقتها فقال: صلوها في بيوتكم، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة. قال عمرو بن ميمون: فقيل لعبد الله بن مسعود: وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: يا عمرو بن ميمون إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة، إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك [٣] . وعن الحسن البصري قال: السنة، والذي لا إله إلا هو، بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي؛ الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا. وعلى ضوء ما سبق ذكره، فإن تعريف أهل السنة والجماعة يمكن أن يقال بأنهم: من وافق سنة النبي ﷺ قولاً وعملاً على منهاج الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين-. ومن خلال النظر في منهج أهل السنة، وفي حال أهل البدع نجد أن لأهل السنة خصائص ومميزات تميزهم عن غيرهم، وهذه الخصائص والمميزات نتيجة للمنهج العقدي الذي يتميزون به عن غيرهم. ولذلك فإننا نذكر هنا أهم مميزات وخصائص عقيدة أهل السنة والجماعة: ١ - فالميزة الأولى هي: أنها ربانية المصدر: وهذه أعظم ميزة لعقيدة أهل السنة، فهي تعتمد على الكتاب الذي أنزله الله تعالى على رسوله ﷺ ، وأمره أن ينذر الناس به، كما في قوله تعالى: [قُلْ إنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ] [الأنبياء: ٥] ، وقال عن السنة أنها هي المبينة للكتاب، فقال : [وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤] ، ولذلك كل من ترك النظر والاستدلال بالكتاب والسنة فهو ضال، ولا يغني في النجاة أن يتمسك المتمسك بأحدهما دون الآخر، فقد قال النبي ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله» [٤] ، فعدم الضلال مُنَاط بالتمسك بالكتاب والسنة معاً، فمن تمسك بأحدهما وترك الآخر ضل. فالخوارج تمسكوا بظواهر القرآن فقط فكانوا من أعظم أهل البدع بدعة. وعن هذه الميزة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: [قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى * ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى] [طه: ٢٣، ١٢٤] ، قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية [٥] . ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله، وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك، وجعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين، قال تعالى: [وجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأَبْصَاراً وأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ولا أَبْصَارُهُمْ ولا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ] [الأحقاف: ٢٦] . ولو نظرنا في تاريخ الفرق لعلمنا أن جميع العقائد المحدثة كانت بعد عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعمر وعثمان، ثم كان مقتل عثمان - ﵁ وبدأ بذلك ظهور البدع، حيث ظهرت الخوارج في عهد عليّ - ﵁، ثم تشعبوا وانقسموا إلى فرق عديدة. وكذلك لو نظرنا إلى المعتزلة - مثلاً - لوجدنا أن الاعتزال ظهر على رأس المائة الأولى، وذلك عندما تكلم واصل بن عطاء في مجلس الحسن البصري عن مرتكب الكبيرة، ثم جاء عمرو بن عبيد، ثم النظّام والجبائي والعلاف وغيرهم، حتى تأسس للمعتزلة عقيدة لم تكن من قبل. وقل مثل ذلك في كل الآراء التي حدثت بعد قرن الصحابة وأخطاء أصحابها في فهم عقيدة السلف بسبب النقص في العلم أو بسبب الهوى واتباع المتشابه. الميزة الثانية أنها: عقيدة إجماعية: فهذه العقيدة عقيدة مجمع عليها بين الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - والله يقول: [ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً] [النساء: ١١٥] ، وعلى هذا فكل من خالف هذه العقيدة فقد خرج عن إجماع الصحابة. والناظر في عقيدة أئمة علماء المسلمين المتفق على فضلهم وإمامتهم بين جمهور المسلمين يجد أنهم على هذه العقيدة الصافية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن من العلماء الذين هم على عقيدة أهل السنة والجماعة: جيل الصحابة - بلا استثناء -، ثم من بعدهم أئمة التابعين كسعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وابن سيرين، وعروة بن الزبير، وغيرهم، ثم جاء من بعدهم سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو إسحاق الفزاري، وابن عيينة والإمام مالك، ثم الإمام أحمد بن حنبل، والشافعي، والإمام البخاري، والإمام مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وغيرهم من العلماء كثير. وبذلك نعلم أن هذه الأمة مهما تفرقت واختلفت فإنها لا يمكن أن تجتمع أبداً إلا على هذه العقيدة، وكل من حاول أن يجمع صفوف المسلمين على غير عقيدة أصلاً!! أو على عقيدة غير عقيدة أهل السنة، فإنه ولاشك يروم المستحيل، وكما قال الإمام مالك في كلمته المشهورة عنه:» لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها «. الميزة الثالثة أنها: العقيدة المنجية: فعقيدة أهل السنة هي عقيدة الفرقة الناجية: لأنها هي التي سارت على منهج الصحابة -رضوان الله عليهم - وما زاغت ولا بدلت، وهي التي وصفها الرسول - ﷺ بالنجاة، وذكر أن غيرها متوعدة بالنار، فجميع الفرق داخلة تحت الوعيد، يقول الشاطبي -رحمه الله تعالى-: (وأما على رواية من قال في حديثه» كلها في النار إلا واحدة «، فإنما يقتضي إنفاذ الوعيد ظاهراً، ويبقى الخلود وعدمه مسكوتاً عنه ... إذ الوعيد بالنار قد يتعلق بعصاة المؤمنين، كما يتعلق بالكفار على الجملة، وإن تباينا في التخليد وعدمه) [٦] . وهذه العقيدة هي المنجية للإنسان من عذاب الله في الآخرة لمن تمسك بها وعمل بمقتضاها، وكذلك هي المنجية للإنسان في الدنيا: منجية له من البدع والضلال، والحيرة والشك والخرافات. والذي ينظر في سير أهل البدع يجد أنهم يعيشون في اضطراب وشك وحيرة وظلمات بعضها فوق بعض. وأما أهل السنة والجماعة فهم على يقين من دينهم يعرفون ربهم ويعبدونه على بصيرة وحب وطمأنينة، والناظر في حياتهم يجد عجباً من علو الإيمان، ولذة المناجاة وما ذلك إلا لمعرفتهم الله وماله من صفات عليا وحكمة بالغة ورحمة واسعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: » إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة « [٧] ، ويقول - عندما سجن -:» ما يصنع أعدائي بي؛ أنا جنتي في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة « [٨] ، ويقول عنه ابن القيم:» وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها «. *يتبع*

стр. 665

خواطر في الدعوة مأزق البعد الواحد محمد العبدة بعض الناس إذا سمعوا قول القائل: (الناس أبناء ما يحسنون) أو قول الشاعر: كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك محموده عن النسب أو قول أحد الحكماء: «الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية» .. إذا سمعوا هذا يأخذون منه استبعاد الأنساب وعدم الاهتمام بها وأنها لاتدخل في أي تقويم للإنسان، والحقيقة أن مثل هذا الكلام إنما يؤتى به لمعالجة من يقتصرون على مآثر الآباء والانشغال بذكرها والاكتفاء بها، عن الجد والعمل، ولاشك أن صاحب همة عالية مغمور النسب أفضل من صاحب نسب دنىء النفس. فالذين يأخذون هذا الجانب (النسب لا أهمية له) يتركون الجانب الآخر وهو أنه في مجرى العادات، فإن كرم الأعمام والأخوال مظنة الفضائل؛ فإنه لا يكون النخل من الحنظل ولا العكس. وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل فلا تعارض بين قوله تعالى: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] وبين السؤال عن معادن الناس وقوله ﷺ : «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» ، وهذا كما في الفرد كذلك في الشعوب والقبائل، فبعض الشعوب لها خصائص معينة، وفيها ميزات يجب أن يستفاد منها، دون إحياء لنعرة عنصرية أو قومية ضيقة. ومن أمثلة الوقوع في النظرة الأحادية الذين يظنون أنه بإصلاح شعبة من شعب العلوم أو الدعوة تنصلح الأمور كلها، فمن يعتقد أنه بتحقيق المخطوطات وتصفية التراث سيحل المشكلة فهو مخطئ، ومن يظن أنه بإصلاح الوعظ والخطب وتبليغ الناس بشكل عام سيحل المشكلة فهو مخطئ، وقل مثل ذلك فيمن يرى أنه بتأليف الكتب وحدها وإلقاء المحاضرات والدروس، فهذه كلها وسائل للهدف المنشود، وهناك وسائل أخرى غيرها، وكل واحدة بمفردها لا تستطيع الحل، فلا بد من الشمولية ليس في التنظير فحسب ولكن في التطبيق والعمل، وإذا اجتهد مسلم في جانب من هذه الجوانب وأتقنه وتفرغ له فلا بأس، ولكن عليه أن يعلم بأنه يقوم بجزء وأن إخوة له يقومون بسد باقي الثغرات، فيتعاونون كلهم ويكمل بعضهم بعضاً، فإن هذا الدين لا ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه.

стр. 666

فكر التفكير الذري محمد محمد بدري لكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالطريقة التي يفكر بها صاحبه، فإذا أصيب التفكير بمرض من الأمراض أو انعدم التفكير تماماً فإن ذلك النشاط يصبح مختلاً أو مستحيلاً! ! ولقد أصيب كثير من المسلمين بمرض خطير يجعلهم في حيرة أمام كثير من أمور الواقع لا يقدرون على فهمها، فما هو هذا المرض؟ ! إنه مرض «الذرية» أو (الجزئية) في التفكير وهو مرض يمنع صاحبه من أن يربط بين الأحداث والوقائع، بحيث يجعلها داخلة تحت قاعدة واحدة أو يستخلص منها حقيقة كلية عامة، فالمصابون بهذا المرض ينظرون إلى الوقائع والأحداث حولهم وكأنها ذرات متناثرة لا يربطها أي رباط عضوي أو يجمعها سياق واحد، وبالتالي لا يستطيع هؤلاء أن يستنتجوا قانوناً عاماً يمكن تطبيقه على كل حالة خاصة، فتكون قراراتهم في مواجهة الأحداث قرارات عاطفية لا ترتكز على مبادئ محددة أو أصول واضحة. أصاب هؤلاء مرض «الذرية» لبعدهم عن عرائس الحكمة ولباب الأصول التي دونها علماء الأمة في كتبهم، والتي توصلوا إليها باتخاذهم القرآن أنيساً وجليساً على مر الأيام والأعوام نظراً وعملاً، وباستعانتهم على ذلك بالاطلاع والاحاطة بكتب السنة ومعانيها، وبالنظر في آراء السلف المتقدمين والالتزام بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. تلك الأصول التي تربى من يقرؤها على طريقة التفكير العضوية -أو الكلية - التي تجمع بين الوقائع في تسلسل وسياق واحد يمكنها من استنباط بالقانون العام - أو المقياس - الذي تقيس به الحواث الجزئية. فالإمام الشاطبي ﵀ يقول: «الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد، حتى أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع - وهذا نوع منه -، فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب - وهو شبيه بالتواتر المعنوي - بل هو كالعلم بشجاعة عليّ ﵁، وجود حاتم الطائي المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما» [١] . فهو ﵀ يعرض كيفية اقتناص القطع من جملة أدلة ظنية، فلم يفتقر في الحكم بشجاعة عليّ ﵁ إلى دليل خاص يقول بأن عليّ شجاع.. ولكن باستقراء حوادث كثيرة تتحدث عن مواقف شجاعة لعلي ﵁. «فالعموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغة عموم فقط، بل له طريقة أخرى، وهي استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ» [٢] . فالشاطبي ﵀ يصف هنا طريق الوصول إلى الأمر الكلي العام.. إلى القاعدة.. إلى المقياس.. عن طريق تصفح جزئيات المعنى. ومن وصل إلى القاعدة الكلية استطاع أن ينّزل على مقتضاها كل الجزئيات التي قد تخالف بظاهرها هذه القاعدة.. يقول الشاطبي ﵀: «وهذا الوضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي، في حمله على وجوه كثيرة» [٣] . وإذن فلا يكفي النظر في الأدلة الجزئية دون النظر إلى كليات الشريعة، وإلا تضاربت الجزئيات وعارض بعضها بعضاً في ظاهر الأمر. ولقد عالج ابن تيمية ﵀ مرض الذرية في التفكير بما سطره في كتابه القيم: (اقتضاء الصراط المستقيم) ، فروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن نفراً كانوا جلوساً بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا [٤] ؟ فسمع رسول الله - ﷺ فخرج فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما ضلت الأمم من قبلكم بمثل هذا، إنكم لستم مما هاهنا في شيء، انظروا الذي أمرتكم به فاعملوا، والذي نهيتكم عنه فانتهوا» .. يقول ابن تيمية ﵀: «وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه» اهـ. فالجمع بين أطراف الأدلة وعدم النظر إليها نظرة جزئية ذرية هو طريقة أهل السنة والجماعة، وكم من ساعات تمر بسبب نقاش بين طرفين من الناس لو كان عندهم وضوح في فهم المسألة المتنازع فيها وجمعوا أطرافها وجزئياتها فربما لم يكن للنقاش مبرر. وما نقلناه عن عالمين من علماء الأمة، وإن كان يعالج مرض الذرية، في جانبه النظري إلا أن العلم - كما يقول الشاطبي - إنما يراد لتقع الأعمال في الواقع على وفقه من غير تخلف، سواء كانت الأعمال قلبية أو لسانية أو من أعمال الجوارح [٥] . فكل علم لا يفيد عملاً فليس في الشرع ما يدل على استحسانه [٦] . وختاماً نرى أن مبادئ الإسلام هي الحصن الذي ستفشل تحت أسواره جميع المحاولات التي تستهدف سلب المسلم شخصيته وهويته، فعلينا العودة إلى الأصول والمنابع التي منها نبع ديننا. ولنجعل لكتب الأصول مكاناً في قراءات كل منا، فنحن نجد فيها «الإبرة المغناطيسية» التي تساعدنا للوصول إلى فهم قضايانا المعاصرة، وتخلصنا من الخضوع في حركتنا لأخصائيين يشرفون عليها، كما لو كانوا يمارسون لوناً من «لعبة الأمم المكيافيلية» ، وتخلصنا قبل ذلك كله من الكساح العقلي ومن الذرية في التفكير.

стр. 667

مراجعات في عالم الكتب الإسلام وحاجة الإنسانية إليه الدكتور / محمد يوسف موسى عرض وتقديم: محمد السيد المليحي تعبيراً عن فضل الدين الحنيف علينا، وتجسيداً لدوره القيم فينا نقدم عرضاً متواضعاً لهذا المؤلف الطيب الذي جمع بين دفتيه كثيراً من سمات الإسلام، وعديداً من خصائصه التي تعين الفرد على السير قدماً نحو التقدم والرقي في الدنيا، وتضمن له حياة هنيئة مريئة في الآخرة، فقد حرص الكاتب في كتابه هذا على إبراز غايته التي قصد إليها في هذا الكتاب في سمتين عظيمين: ١ -القصد المباشر نحو الفكرة التي يرنو إليها الكاتب، دون اعوجاج أو تحذلق. ٢ - التدليل على الرأي بأسس ومبادئ علمية، وعرضها بصورة علمية صحيحة. التعريف بالدين: ففي الفصل الأول استعرض الكاتب فكرة الدين وأن الغريزة [١] الدينية وجدت مع الخليقة منذ النشأة الأولى، ولكنها - كما يقرر المؤلف - حادت بعض الشيء عن الطريق المعين لها. ولذلك نجد الرسل لم يتحدثوا إلى الناس في خلق هذا الشعور الديني، ولكنهم قاموا بتوجيه هذه الميول الوجهة الصحيحة لتصل إلى الدين الحق، ولهذا يكون الوحي الإلهي رحمة للناس جميعاً، إذ يهدي النفوس الضالة، ويساعد العقل على الوصول إلى الحق من أقرب الطرق وأيسرها على الإنسان. ونخلص من هذا الفصل إلى أن الدين أمر طبيعي غريزي في الإنسان أصيل في أعماق شعوره وأحاسيسه. وهنا يقول الكاتب: «إن الاعتقاد في شيء أو كائن ما أو قوة من القوى والتدين به أمر طبعي في الإنسان، وحاجة من حاجات النفس تهيمن على المرء طول حياته، ومن ثم لابد من إروائها وإشباعها، كسائر حاجات النفس الطبيعية الأخرى» . الحاجة إلى الإسلام: تناول المؤلف في الفصل الثاني مضمون الفكرة التي قام عليها الكتاب، فاستفتح الحديث عن تخبط الشعوب وتيه الأمم من جراء اليهودية المتعصبة، والمسيحية المحرفة، والزرادشتية المضللة، والمزدكية التي تدعو إلى الإباحية الجنسية، وغيرها من الديانات التي عاشت في وجدان وعقول البشرية، فأضلت كثيراً من الشعوب، وأصمت العديد منها عن الوعي السديد، والحس المستنير، وجمدت حريات الغالب منها واعتقلت آراءهم وأفكارهم. ومن خلال التناول العلمي لصور الديانات القديمة والحديثة، خرج علينا المؤلف بدور الإسلام الحنيف، وحاجة الإنسانية الماسة إليه خاصة بعد ما حرم اليهود وحللوا لأنفسهم، وبعد ما سيطر رجال الكنيسة على الحياة العلمية والعملية بصورة حمقاء، تصور الدين بأنه عدو للعلم، وحجر عثرة لكل تقدم ورقي.. وتأتي أهمية الإسلام لتحمي الشعوب من الخلط في الأنساب، وتفشي الأمراض التي جاءت من دعوة المزدكية للإباحية الجنسية المطلقة، إذ ذهب مؤسسها «مزدك» إلى أن أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها، اشتراكهم في الماء والنار والكلأ. ويعلق الكاتب على جدال النصارى وعقائدهم بقوله: لقد كان الإسلام ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة، وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية باعتبارها رأس التقوى، وقد بين أصول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته.. وهكذا كانت الإنسانية تتطلع منذ زمن طويل إلى دين جديد عادل رحيم، وكان هذا الدين هو الإسلام الحنيف، خاصة بعد أن أفلست كل نظم العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد أن نجحت فيه فلسفات تدعو لإنكار وجود الله، والتحلل من المسؤولية وفاضل الأخلاق. من خصائص الإسلام: نأتي إلى الفصل الثالث حيث يدلل المؤلف على أن الإسلام دين ضروري تحتاج إليه الإنسانية احتياجاً ماساً وشديداً، ففي هذا الفصل يعرض لنا الكاتب بعضاً من خصائص الإسلام التي تنقذ البشرية من هذا التخبط، وتعيد لها صياغتها على الوجه الأكمل، ومن هذه الخصائص التي جاءنا بها الكاتب: ١ - الوحدة الدينية: وفي هذه الخصيصة جسد لنا المؤلف هذه السمة التي انفرد بها الإسلام حين ذكر لنا ما قامت به الرسالة المحمدية من نفي لجميع الالهة التي كان الناس يعبدونها في ذلك الوقت، ووحدت العقيدة وأفردت العبادة لإله واحد أحد لا شريك له، عالم بكل صغير وكبير في كونه، محيط بكل شيء ومدبر لكل شيء. ويذكر الكاتب هنا أن الإسلام لم يكتف بإقرار هذا التوحيد للإله الذي يستحق العبادة، بل بين لنا أن كل الرسل دعوا إلى هدف واحد، ورسالة من الله تعالى للبشرية بعامة تعينهم على الحياة الفاضلة والمطمئنة في ظل طاعة الله وتوحيده. ثم جاء الكاتب بآيات من الذكر الحكيم تدلل على هذه الحقيقة، فقد جاء في آخر سورة البقرة (آية ٢٨٥) : [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وقَالُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ] ، وقال أيضاً في نفس السورة آية ١٣٦: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعِيسَى ومَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ٢ - الوحدة السياسية: جاء الإسلام وكان حال الأمة العربية يرثى له، حيث كان التفكك والتمزق والحمق والعداء، فكانت الحروب تقوم بين القبائل على أضعف الأسباب، وتستمر أياماً، بل وشهوراً، وبعضها ظل سنيناً إلى أن جاء الإسلام. فقد فض الرسول الكريم النزاع الذي ظل زمناً طويلاً بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وغرس في قلوب أصحابه حب الخير والسلام، ودعا الناس إلى التوحد والتجمع والتزاور والتشاور، ونهى عن الخصام والعزلة عن الجماعة، وهنا يقول الكاتب: كما كان من أثر هذه الوحدة السياسية التي جاء بها الإسلام وعمل بها الرسول والمؤمنون، أنه لما لحق ﷺ بالرفيق الأعلى، واجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة لهم، رأى الأنصار أن لهم حقاً في أن يكون الخليفة منهم لسابق نصرهم للإسلام ورسوله، ولكن أبا بكر والمهاجرين جميعاً - على عرفانهم فضل الأنصار ومآثرهم - ذهبوا إلى أن يكون الخليفة من قريش لما أثر عن الرسول ﷺ .. وهكذا قضي على النزاع وانتهى الأمر واستقر بينهما. وفي هذا السبيل، سبيل المحافظة على وحدة الأمة السياسية يرى فقهاء الإسلام أنه لا يجوز أن يكون هناك أكثر من خليفة في الأمة الواحدة. ٣ - الإسلام دين يحض على التفكير: أعرب الكاتب عن هذه الميزة التي جاء بها الإسلام، ودعا إليها في صورة جلية وساطعة تقوم على الأدلة المستمدة من الكتاب والسنة، فقد أعرب عن كون الإسلام دين يدعو إلى التفكر والتدبر، وأنه أدى رسالته نحو العقل والعلم، كما أفصح عن حقيقة هامة يجب أن لا نغفل عنها، ولا يغفل عنها من استفاد منها وهي: «دور العلم الإسلامي في التقدم والرقي الذي أضحى عليه العالم الغربي في العصور المتأخرة، ومن الأسس والأدلة القرآنية التي أتى بها الكاتب، لكي يثبت دعوة القرآن إلى العلم والتعلم والفكر والتفكر قوله تعالى: [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ الَليْلِ والنَّهَارِ والْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ومَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ والسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] [البقرة: ١٦٤] . وأحاديث رسول الله ﷺ التي تدعوا إلى العلم حين قال:» طلب العلم فريضة على كل مسلم «، إلى غير ذلك من آيات وأحاديث نبهنا إليها الكاتب تدعم ما جاء به الإسلام لإحلال العقل محله المناسب. وإذا كان الإسلام يحض هكذا على ملاحظة الكون وظواهره، وإعمال العقل والفكر في كل ما يحيط بالإنسان، وسائر ما خلق الله من الكائنات، فما هذا إلا لأنه يريد منا أن نطلب العلم بكل سبيل، ونترفع عن التقليد الأعمى، ونبذل في سبيل العلم كل ما نملك من طاقات. فالإسلام دعوة إلى استعمال العقل والفكر في شتى نواحي الحياة. ٤ - الإسلام دين الحرية والمساواة: إن الحرية في الإسلام أصابت الحظ الوافر من التشريع الإسلامي، بل ومن الإسلام نفسه، فقد كانت النواة الأولى للحرية في الإسلام ممثلة في التحرر من عبادة الأصنام والسجود للآلهة المتحجرة والمتعددة، وإلى عبادة إله واحد لا شريك له. ومع ذلك فإن الإسلام لم يجبر غير معتنقيه على الدخول فيه، قال تعالى: [لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ] ، وقوله للرسول ﷺ - في سورة يونس: [ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] ، ويأمر الرسول ﷺ بألا يتعدى عمله عن التبليغ والانذار، وهذا نراه في قوله تعالى: [إنْ أَنتَ إلاَّ نَذِيرٌ] وقوله: [ومَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ] ، وآيات كثيرة تجعل من العبادة مكنوناً جوهرياً لا دخل لأحد فيها سوى الإنسان ذاته. ومن أسس الحرية التي جاء بها الكاتب في هذا الكتاب القيم الاجتهاد في التشريع مع ما يتمشى والكتاب والسنة، ويذكر الكاتب هنا رأياً عظيماً للفقهاء في هذه المسألة، حيث يقول: إن الفقهاء يؤمنون بالحرية والمساواة، ودليل على ذلك حين يكون هناك طفل غير معروف نسبه مع مسلم وكافر، فقال الكافر هو ابني، وقال المسلم هو عبدي، يحكم الفقهاء في هذه القضية ببنوة الابن للكافر من قبيل الحرية. أما في جانب المساواة فقد أقر الكاتب أن التفاضل بين الناس في الدنيا يكون بالتقوى والعمل الصالح [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ، والرسول الكريم يقول:» لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى «، هذا وللحرية والمساواة جوانب كثيرة وعديدة خصصها لهما الإسلام، وشرعها لهما رسول الله ﷺ . ٥ - الإسلام دين ودولة: يبين الكاتب في هذه النقطة وتلك السمة أن الإسلام لم يكن عقيدة دينية فقط ولا نظاماً أخلاقياً فحسب، بل هو دين ودولة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ودلالات. فقد نظم الإسلام للإنسان المسلم حياته ومعاملاته مع أسرته ومع الناس، وبين له سبل النجاح والردى في الحياة، ودله على الطريق الذي يؤدي به إلى العيش الهادئ المطمئن، ففي جانب العبادات بين الدين الحنيف طريقة العبادة لله تعالى، وأعرب رسول الله ﷺ عن كيفية التعبد لله سبحانه، أما في جانب التعامل في الحياة العامة فقد رسم لنا القرآن الكريم في شخص رسول الله ص الحالة التي يجب أن يكون عليها الإنسان المسلم والوجه الصحيح الذي لابد وأن يصبح عليه المسلم الأمر الذي لم يدع جانباً واحداً من جوانب الحياة إلا وكان للإسلام دور رائد فيه. وهنا يقول الكاتب: ومن هنا يحق للإسلام أن يكون دستوراً أزلياً يحكم به، وتقوم شريعته لتفصل بين الناس، وتقضي بينهم بما أمر الله تعالى، فمن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن أراد الفلاح والنجاح بدونه خسر وخاب، وضل عن الطريق السديد. وإن لم يكن للإسلام دور في هذا العالم المعاصر، فلابد أن ننتظر تخبطاً واضطراباً وتيها أكثر مما نعيشه الآن، وذلك لأن المولى قال وقوله الحق: [ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً] .

стр. 668

مفاهيم إدارية التنظيم سامي سلمان هذا رجل منظم في حياته ... هذه مؤسسة تتسم بجوانب تنظيمية جيدة ... إن انسياب الأوامر الإدارية يسير في نظام محكم ... إن تحقيق الأهداف المتمثل في هذا المستوى الرفيع ليدل دلالة واضحة على عمق التنظيم الذي يؤدي دوره في هذه المؤسسة. كثيراً ما تتردد مثل هذه الكلمات على الألسن وفي صفحات الكتب، وهي تشير إلى معنى التنظيم بمدلوله اللغوي والاصطلاحي، والذي كان منه نظم اللؤلؤ في السلك الواحد عقداً جميلاً، ونظم الشعر ليكون قصائد متكاملة، وهو نفس المعنى الاصطلاحي الذي نرمي إليه في تعريفنا للتنظيم في مفهومه الإداري عندما نقول: إن التنظيم داخل المؤسسة هو تنظيم الجهود، وتنسيق الطاقات لمجموعة أشخاص، بحيث يمكنهم تحقيق أهداف المؤسسة التي ينتمون إليها. وهذا النوع من التنظيم قديم منذ بدأ الإنسان يكافح في سبيل عيشه وأمنه وإثبات إنسانيته، فكان التنظيم في العهود البدائية أمراً بديهياً ولا شعورياً وطبعاً غير مكتوب أو مرسوم، وكان المنظم هو العامل نفسه الذي يسعى وحده أو بالاشتراك مع أفراد أسرته إلى تأمين ضرورات العيش والأمن. وكان متعلقاً بالشخص نفسه فقط، أي ينظم أوقات عمله وراحته ونومه، وعندما أصبحت الأسرة وحدة الإنتاج ووحدة الاستهلاك في الوقت نفسه بدأ التخصص وتوزيع العمل بين أفراد الأسرة بشكل بديهي أيضاً حسب القدرة أو الطاقة لكل فرد، ثم خاض الإنسان مضمار التخصص ليرتقي ويحسن في مستواه المعيشى: فأنشأ مؤسسات تحتوي هذه التخصصات وتنظم جهودها في المجالات الزراعية والصناعية والخيرية وغيرها. وبهذا يتضح أن التنظيم ضرورة وحاجة عندما ينمو حجم المؤسسات، وتزداد التخصصات في المؤسسة الواحدة وتتعقد العلاقات. والحديث عن التنظيم لا يقلل من شأن التخطيط، ولكن الغالب على المؤسسات وخاصة في العالم العربي والإسلامي أنها تعاني من سوء التنظيم أكثر مما تعاني من سوء التخطيط. وكما يتضح من الرسم المرفق لدورة الإدارة فإن التنظيم عملية متكاملة تتبع تحديد الأهداف والاستراتيجيات التفصيلية، والتي لابد من وجود من يدفع بها إلى مرحلة التنفيذ، ولهذا فإن التنظيم الجيد لابد أن يتوفر فيه المواصفات التالية: ١ - التغطية الشاملة: أي أن لا تترك مهمة بدون مسؤول، وأن لا يكون أكثر من مسؤول مباشر لمهمة ما في وقت واحد ومكان واحد. ٢ - الوضوح: بأن يعرف كل شخص واجباته والصلاحيات المسندة إليه للقيام بمسؤولياته، وكذلك وضوح علاقاته بالأشخاص الآخرين. ٣ - التوازن بين الصلاحيات المعطاة للشخص للقيام بعمله والمسؤوليات الملقاة على عاتقه. من خلال هذه المقدمة التي تبين أهمية هذا الموضوع فإننا نلحظ افتقار كثير من المؤسسات إلى العناصر السابقة. ومن الظواهر السلبية التي تعيشها هذه المؤسسات: ١ - المسؤوليات في قطاع معين أو عند أشخاص معينين دون مبررات مقنعة، وهذا يعني المركزية في اتخاذ القرار، ويوفر طاقات جيدة غير عاملة، ويشل كثيراً من الطاقات ولا يسند إليها أي دور. ٢ - عدم وضوح المسؤولية لكل فرد فلا يعرف المسؤولون حدود مسؤولياتهم ومن يرجع إليهم من موظفيهم، مع وجود ازدواجية في المسؤولية أحياناً، كالرجوع إلى مسؤولَيْن في مشكلة، أو يتدخل عدة مسؤولين من قطاعات شتى في مشكلة تحتاج إلى رأي واحد. ٣ - كثرة الشكاوي من عدم وضوح الأهداف العامة والأهداف المرحلية لعدم كفاءة السلطة الإدارية أو الهرم التنظيمي الذي يمكن المسؤولين على اختلاف مستوى مسؤولياتهم وتخصصاتهم من مسايرة الإدارة العليا لكثير مما تطمح إليه. ٤-يكتنف كثيراً من هذه المؤسسات غموض التخصصات وتداخلها، مما يقتل الإبداع في المجال التخصصي، وبمعنى أوضح: فإن عدم إتاحة الفرصة لأصحاب التخصصات بإبراز ما تميزوا به التنظيم عن طريق مشاركة غير مؤهلين للمتخصصين يسيىء إليهم، ولا يجعلهم يبرزون في تخصصاتهم. ٥ - يشيع في مثل هذه المؤسسات عدم التناسب بين السلطة والمسؤولين والصلاحيات، فنجد المعادلات الصعبة في وجود أصحاب مسؤولية بدون صلاحيات، وأصحاب صلاحيات بدون مسؤوليات، وسلطات موزعة بمقاييس لا تمت إلى الإدارة الحديثة بصلة. ٦ - من ذلك أيضاً غموض العلاقة بين الاستشاريين والتنفيذيين، فتجد التداخل في هذا المفهوم يعم أرجاء المؤسسة، مما يؤثر بشكل واضح على كيفية اتخاذ القرارات على كل مستوى. وأضف إلى ما ذكرت سابقاً سوء تحديد العدد المناسب من المرؤوسين تحت رئاسة المدير، وعدم تفويض السلطة بالشكل المناسب، وإغفال العوامل الفنية والإنسانية التي تؤثر في اختيار درجة المركزية واللامركزية. وبعد هذا العرض للظواهر السلبية لكثير من المؤسسات التي لا يتوفر فيها مفهوم التنظيم الإداري ذي الكفاية نعرض مزايا التنظيم بشكل مختصر: ١ - انتظام العمل وانسيابه بسهولة ويسر، حيث يتم تحديد الأعمال والمراحل التي تمر بها، والأشخاص الذين يؤدونها. ٢ - تحديد الاختصاصات والصلاحيات والمسؤوليات، بحيث يعرف كل فرد واجباته الأساسية والفرعية والإضافية، وعلاقة وظيفته بالوظائف الأخرى، ويبين لكل قسم وإدارة حدود صلاحياتها وعلاقاتها بالأقسام والإدارات الأخرى. فلا يحدث تنازع في الاختصاصات أو تضارب في السلطات. ٣ - الاستغلال الكفء للإمكانات المتاحة (خبرات وجهود العاملين) والحصول على أقصى طاقة إنتاجية منها، وتحقيق التنسيق والتكامل بين تخصصات العاملين وخبراتهم ومهاراتهم، وبين الإدارات والأقسام، فيزيد احتمال الوصول إلى الأهداف المحددة بقدر كبير من الفعالية. وبناء على ذلك يتحقق التعاون والانسجام بين الأفراد والجماعات فتسير العلاقات الوظيفية، والاجتماعية بأقل قدر ممكن من التنافر والاحتكاك. وقد استطاعت نظريات علم التنظيم الحديثة الوصول إلى تحديد ما يسمى بالأسس العلمية للتنظيم السليم، والتي يفترض أن تكون مترابطة ترابطاً وثيقاً فيؤثر بعضها في بعض، ويزداد عمق الحاجة إليها جميعها أو بعضها، حسب حاجة كل تنظيم إداري لأي مؤسسة. وسنذكر بعض ما اتفق عليه. ١ - وحدة الهدف: لكل عمل هدف رئيسي تكونت من أجله المؤسسة ابتداءً، وهذا الهدف كي يتحقق لابد من تعريفه بصورة واضحة، ثم تقسيم الأهداف إلى أهداف جزئية وفرعية ومرحلية، يكون بينها وحدة واتساق توصل بمجموعها إلى تحقيق الهدف الرئيسي. ٢ - التخصص وتقسيم العمل: إن اختيار العناصر المتخصصة التي تتقن العمل جزء لا يتجزأ من عملية التنظيم، مما يتيح للعاملين التطور في مجالات تخصصهم وزيادة مسؤولياتهم، وذلك بمساعدة رؤسائهم. ٣ -تسلسل خطط السلطة: ويقصد بها تدرج حجم ومستوى السلطة المعطاة، ومستويات التنظيم الإداري، والتي تتوزع بشكل مناسب في الهياكل التنظيمية مع مستويات التنظيم الرئيسية الثلاثة: الإدارة العليا، الإدارة الوسطى، والإدارة التنفيذية: فلا تتركز السلطات في إحدى الحلقات دون الأخرى. ٤ - وحدة الأمر: وهو نتيجة طبيعية للأسس السابقة، ونعني به توحيد جهة التلقي للتعليمات من قبل رئيس أو مدير واحد، وذلك حرصاً على تحديد المسؤوليات وضمان التنسيق وتوحيد الجهود وعدم بعثرتها، وفي المقابل فإن عدم مراعاة هذا المفهوم يسبب ارتباكاً سيئ الأثر في العمل وفي نفوس المرؤوسين، نتيجة لتعدد مصادر التوجيه والتلقي. ٥ -تناسب السلطة والمسؤولية: وهي إحدى المعادلات الصعبة، ونعني بالسلطة: الصلاحيات المخولة لشاغل وظيفة معينة، وتتضمن حق إعطاء الأوامر والحصول على الأداء والمردود من المرؤوسين، وحق اتخاذ القرارات. ويقرن بالسلطة عادة مفهوم آخر وهو القوة، والتي تعزز السلطة، وتعني: القدرة على توجيه سلوك الآخرين والتحكم فيه، وهي حصيلة مركبات معينة يمكن اختصارها بـ: ١ - الثواب. ٢ - العقاب. ٣ - قوة الشخصية. ٤ - القدرة والخبرة والمعلومات. ٥ - القدرة المستمدة من المنصب. أما الطرف الآخر من المعادلة، وهي المسؤولية، فتعني الالتزام من جانب المسؤول بما تتطلبه وظيفته من أعباء ومهام لتحقيق أهداف تلك الوظيفة، فيسأل عن نتائج عمله، وكل رئيس يسأل عن النتائج المترتبة على أدائه وأداء مرؤوسيه. أما المقصود بالمعادلة فهو التوازن بين السلطة والمسؤولين، حتى يستطيع القيام بواجباته الفعلية المطلوبة منه. فمن الخطر أن تكون هناك سلطات واسعة ومسؤوليات قليلة، ومن الإجحاف أن تكون هناك مسؤوليات كبيرة وصلاحيات قليلة. ...

стр. 669

تربية المدرسة الابتدائية بين الثواب والعقاب عدنان محمد عبد الرزاق لازال موضوع الثواب والعقاب يشغل بال كثير من المربين والآباء والباحثين، وإنهم وإن اتفقوا على الثواب وطرقه وفائدته، فقد كثر جدلهم حول العقاب وما يتركه من أثر، وخاصة أشد مراحله «العقاب الجسدي» ، وانقسموا فيه بين مانع ومطلق ومقيد، وإنني إذ أتناول هذا الموضوع المهم، أترك الباب مفتوحاً لكل رأي وخبرة، لعلنا نصل بتوفيق الله إلى الصواب. الثواب أثره وطرقه: الثواب، الثناء، الشكر، المحبة، والعطف، الاهتمام، كلها ترفد مصباً واحداً، وقد فطرت النفوس على حب من أحسن إليها، فطبيعة النفس البشرية تحب الثناء والشكر محبة اعتدال، لأن زيادة الثناء والعمل من أجله قد يؤدي إلى الرياء وجاءت كثير من النصوص تلبي هذه الحاجة الفطرية. قال تعالى: [وأَمَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى وسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً] [الكهف: ٨٨] . [هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ] [الرحمن: ٦٠] ، وقال رسول الله ﷺ : «من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له [البيهقي] . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :» من لم يشكر الناس لم يشكر الله «رواه أحمد والترمذي بسند صحيح. إن الطفل يحب من يهتم به، ويعطف عليه، لأنه يريد معرفة ردود الفعل على ما يقوم به من أعمال في عقله؛ لتصبح في المستقبل علامات لسلوكه وتصرفاته، وكثير ممن انحرفوا بسبب فقدان هذا الاهتمام والمحبة، وآخرون يعملون أعمالاً لينالوا رضا مربيهم، والمربي يلاحظ هذا وذاك ويوجه ويساعد على التوازن. ألا نلاحظ كيف يغار الإخوة من المولود الجديد، وما ذلك إلا لشعورهم بأنه استأثر أو سوف يستأثر بالأبوين على حسابهم، ولذلك كان من هديه - صلى الله عليه وسلم - العدل بين الأبناء. ابتسامة رضىً من مرب ... أو مسحة رأس.. أو كلمة طيبة: جزاك الله خيراً، أحسنت، كل ذلك وسائل تفعل فعلها والتوسط في توزيعها، وتجديد أساليبها وطرقها شيء مطلوب، ورتابتها والإكثار منها يفقدها قوتها، وإخطار أولياء الأمور بالثناء المكتوب له أثر طيب، وربما يكون حافزاً للمزيد من العطاء. العقاب: من الطبيعي أن يخطئ الإنسان،» كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون «، هذا الكبير، فكيف بالصغير، وقد رفع عنه القلم.. لماذا؟ لأن نموه العقلي لم يكتمل بعد ولم يميز. وفي بعض البلدان يسمون الأطفال» الجهال «، فهذا الجاهل الذي أعذره الله إذا وقع منه خطأ هل نتركه ... ؟ طبعاً لا، لابد من العلاج، وكلمة العلاج تسوقنا إلى مثال طبي. لو جرحت يد أحد من الناس يداويها بالدواء الابتدائي السهل فإن برأ فذاك، وإن زادت يرتقي بالدواء. وقد ذكر القرآن الكريم التدرج بالعقوبات في معالجته للخلافات الزوجية. وقد اتفق المربون على الابتعاد عن الكلام الجارح، والتوبيخ الذي ينتقص من شخصية الطفل، أو يسبب له ردود أفعال سيئة، واتفقوا أيضاً على أن يكون كل ذلك بين المربي والتلميذ، وليس أمام أحد من الناس. ولكن تبقى هناك مشكلة اختلف المربون وهي: هل يضرب الولد أم لا؟ وحتى تأخذ هذه المسألة أبعادها؟ لابد من معرفة متى يستحق التلميذ العقوبة؟ ونحن نعتقد أن هناك سببين لذلك: ١- ما يتعلق بالدرس والتحصيل. ٢- ما يتعلق بالسلوك والتربية. فالأول إما أن يكون سببه المدرس والمنهج، وهذا لا علاقة للتلميذ به، أو أن التلميذ مقصر في الاجتهاد والواجبات، فهنا لكل حادث حديث عندها يبحث المربي عن الأسباب الحقيقية لهذا التقصير ويتصل بالبيت ويتعاون مع الأهل، حتى يضعوا العلاج ولو أدى الأمر إلى صرف التلميذ إلى مجالات مهنية. وأما السبب الثاني وهو الخطأ في السلوك والتربية، فالكذب، والحيل، والسرقة، والاعتداء، والغياب عن المدرسة. وهنا سأضرب مثالاً لحالة من الخطأ السلوكى (السرقة) وطرق علاجها: ١ - الطريقة الأولى: أخذ التلميذ وضرب ضرباً شديداً حتى لا يعود لمثلها، وربما كان ذلك أمام أقرانه. ثم إذا حدثت أي سرقات في المستقبل يشيرون إليه، ولو كان بريئاً وسمي من قبلهم سارقاً. ٢ - الطريقة التربوية في العلاج: يؤخذ الطالب ويبحث معه ومع أهله (إذا لزم الأمر) عن الأسباب الدافعة للسرقة، بتكتم ورفق. وأسباب السرقات عند الأطفال معروفة فهي إما عن حاجة أو عبث أو نكاية بزميله، أو غير ذلك، وإذا عرف السبب عولج الأمر من جذوره. فالمربون المتخصصون يقولون: لكل حالة عندهم حل، يعتمد على التربية وعلم النفس والتجربة، وأن الضرب لا يحل المشكلة، بل عندهم هو المشكلة، إذ يكون مدخلاً لانعدام التوازن النفسي عند التلاميذ مما يكون له عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع. وأيدهم في هذا الرأي ممن استرشد بآثار الرسول ﷺ مثل قول السيدة عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحداً قط بيده ولا أمره، ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله» . رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا. متفق عليه. وقال ﷺ أيضاً: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم. وحين كان أبو بكر ﵁ يضرب غلاماً: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: انظروا إلى هذا المحرم ماذا يفعل.. ومعلوم أن الضرب لا يفسد الإحرام. كما أيد منع الضرب كثير من الدول التي تعطي الأولوية لبناء مجتمع، سليم من أساسه يحترم فيه الفرد ليعود نفعه على المجتمع في المستقبل. ودول أخرى وإن لم يكن هذا همها إنما أيدت المنع لما ترتب على الضرب من آثار جسدية سيئة على الأفراد، فإحصائيات وزارات التربية والداخلية مليئة بملفات قضايا ضرب الأولاد في المدارس وما ترتب عنه ابتداءً من الكدمات والجروح، مروراً بفقدان الحواس مثل السمع والبصر والأسنان، انتهاء بالوفاة، فأرادت أن تطوي صفحة من تلك الأمور ومنعت. أما الذين سمحوا بالضرب فقد احتجوا ببعض الآثار: مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود والترمذي. وقد رد المانعون على أن الحديث في الصلاة للأب فقط، وليس المربي مثل الأب وخاصة مع غياب المربي الناجح. وآية سورة النساء التي تبيح ضرب الزوجة من قبل زوجها فقط. وهناك فريق ثالث قال: نحن مع المربين في ضرورة حل المشاكل بالطرق التربوية، والمحافظة على توازن التلميذ، ونحن لسنا مع المؤيدين للضرب لما يترتب على ذلك من آثار جسدية، ونفسية واجتماعية، ولكن ألا يوجد بعض الحالات الشاذة التي لا ينفع فيها نصح ولا موعظة ولا علم نفس: ماذا نفعل؟ نرى أنه لا مانع بعد استنفاذ كل الوسائل التربوية، وبشرط أن يكون الضرب غير مبرح ويتجنب الوجه والأماكن الحساسة. واشترط بعضهم إذن الأهل المسبق، أو حصر ذلك بإدارة المدرسة؛ لئلا يتوسع بهذه الرخصة، أيد هذا الرأي بعض الدول، وكذلك بعض المهتمين بأمور التربية، وعلم النفس، وهذا ما تميل إليه النفس. والله أعلم.

стр. 670

البيان الأدبي بين جيلين د. عمر عبد الله توقف مفاجئ ومرعب أيقظ صاحبنا من نعاسه الثقيل، ليستيقظ على صوت الكابح المزعج، وقاصطدم رأسه في النافذة الجانبية لسيارة الأجرة، سائق سيارة الأجرة يتحفز وهو غاضب، ويلقي بسيل من الشتائم والكلام السوقي القذر لصاحب السيارة التي كادت تصطدمه، سائق السيارة الأخرى يخرج ليلقن سائق الأجرة درساً في القيادة والأخلاق، لكن سائق سيارة الأجرة يتلافاه ويمضي في طريقه ليكمل إطلاق عبارات الشتائم والسباب، التي انتشلت من الراكب وزوجته التي ترافقه طعم النوم، والنعاس، حتى «معاذ» الطفل الصغير أخذ يطلق معزوفة من البكاء المتواصل، جعلت من الصعب على «جمال» أن يلتقط سيل الشتائم المنطلق من في السائق الزنجي المتوتر،.. لقد كانت رحلة مضنية، غير خلالها ثلاث مطارات، وقضى ١٥ ساعة في الجو خلال اليوم الماضي، حتى وصل إلى نيويورك في هذا الصباح الخريفي المتثائب، وبعد أن طار النوم من عينيه أخذ يتأمل في ما حوله، إنه يعبر الآن إلى «مانهاتن» ، وكأنه يمر على هذا الجسر المتهالك لأول مرة، كلا لقد عبره مرات ومرات، لكن المرة الأولى التي مر عليه فيها لازالت ملتصقة بذاكرته بوضوح، كانت المرة الأولى التي يغادر فيها وطنه مع أبيه وهو ابن خمس سنين، لازال يذكر حالة الذهول والانبهار التي انتابته حينما وصل إلى نيويورك، كان الوقت قريباً من عيد رأس السنة المسيحية والمدينة غارقة في بحر من الأضواء والزينات، زادت من حالة التحديق التي انتابت ذلك الصبي الذي انتقل من مدينته الصغيرة الصحراوية، والتي كانت وكأنها تعيش عصراً آخر لا يمت بصلة لهذه المدينة، الحلم، ومنذ أن لامست قدماه أرض المطار الضخم وصالاته الواسعة وهو لا يستطيع إلا أن يعيش حلم اليقظة الجميل، حتى الطرق السريعة التي لم يع حقاً ضخامتها وسرعتها، كانت بمثابة طائر عملاق يطير بأجنحة متعددة، أما الفندق الذي نزل فيه وأبوه وأمه فإنه كان آية في الفخامة والرقي المادي، الذي بدا خيالياً لابن الخامسة، بل حتى بالنسبة لأبيه وأمه اللذين حاولا التكيف مع هذا الكم الهائل من المشاهد والصور والمتغيرات بصورة بدت مبالغاً فيها حيناً، ومضحكة أحياناً أخرى، مضحكة له الآن.. لكنها لم تكن تعني شيئاً كثيراً من معاني السخرية والتناقض لذلك الصبي..، مضحكة تلك اللحظات والمواقف التي تفرض على مخلوق لا يملك حيالها سوى المضي والانكسار، مضحك ذلك المنظر عندما كانت أمه تحاول أن تظهر بمظهر «غربي» متحضر حينما «فرض» عليها من والده، كانت المرة الأولى التي تلبس ملابس غربية، وهي التي لم تفارق عباءتها وخمارها قط، مضحك أن يقلد عصفور النورس طاووساً حينما يستعير بعض الريش الملون، عله يكون مألوفاً في مجتمع الطواويس، كذلك بدا له المنظر باعثاً للحيرة والاضطراب لوجه ألفه لسنوات في وضع معين ليجده فجأة وبدون مقدمات وكأنه لا يمت للمخلوق الذي أحبه بشدة، وعشقه بإخلاص، لم يكن ذلك المنظر سوى صورة واحدة لمشاهد صدم بها وظلت في ذاكرته مختزنة لسنوات طويلة، صوت الكابح يقطع حبل تفكيره مرة أخرى.. لكنه يكتشف سبب الخطأ هذه المرة..، إنه سائق سيارة الأجرة، وليس السيارة «المظلومة» التي كال لها السائق الزنجي سيلاً من شتائمه العنيفة مرة أخرى، كاد أن يرد على سائق الأجرة اللامبالي، لكنه فضل أن يستمر في تداعياته، لاسيما وأنه لا يملك النشاط ولا الرغبة في الحوار، لقد ضبطتك سائق الأجرة، هذه المرة، قال لنفسه: إن سائق الأجرة ينظر إلى ذلك المنظر العجيب الذي جري في المقعد الخلفي، وهذا هو السبب في أصوات المكابح المتكررة، لقد بدت على سائق سيارة الأجرة علامات الدهشة الصامتة، وصور التساؤل المحير الذي عصف بجمال وهو صبي، حينما تعرض لمواقف من التناقض، والحيرة المتتالية، سائق الأجرة لازال يسترق النظر إلى الراكب ومرافقيه، وعيناه تكادان تنفجران بالتساؤل الملح الذي لم يترجم إلى كلمات، بل إلى أخطاء قيادية كادت أن تودي بالمركبة إلى جانب الانحدار الخطر. فجأة نطق السائق: - من أي بلد أنتم؟ جانب الحذر الذي انغرس في التعامل مع الآخرين علم جمال أن يكون لطيفاً بحذر. - من الشرق الأوسط. - أين يقع الشرق الأوسط.. أفي إسرائيل؟ - كم هو عجيب أن تكون صورة العالم مشوهة إلى هذا الحد في ذهن الأمريكي، لم يتغير الحال حتى بعد عقدين من معاشرته للقوم، وبعد أحداث صاغت حياة كثير منهم ودفعتهم للاهتمام بهذا الجزء من العالم، رد بصورة نمت عن رغبة في إنهاء الحوار. - ليس قريباً منها إنها جزء يبدو أنها منه! لقد فهم مغزى السؤال، فمنظر زوجته التي تخمرت ولم يبد من وجهها سوى العينين كان مبعث السؤال ولا شك.. وتنهد.. تنهد حينما قارن بين وضع أمه قبل عقدين وهي تحاول أن تبدو «منسجمة» مع المحيط الجديد، ومنظر زوجته وقد تميزت بذلك الزي الذي يبعث على التساؤل، ويصر على الذاتية، كلا الوضعين مثير، ويبعث التساؤل والاستفهام، لكنهما يمثلان تصوراً لجيلين، وعهدين، وموقفين، جيل أبيه الذي كان يحاول أن يجد الجواب في «الذوبان» في الآخر، المنتصر، وجيله الذي رأى خسارة الرهان على المشروع المجلوب بوضوح، رآه هزائم، وانكسارات، وتبعية، وتسلطاً، من الآخر المنتصر، للضعيف المغلوب على أمره المسحور بلب العدو وطبوله، وكأنه تداو بسم بدا لذيذاً وشهياً، مرة أخرى، صوت الكابح وتوقف مستمر، لكن إيذاناً بالوصول إلى الفندق هذه المرة، أخذ جمال عائلته الصغيرة وتوجه نحو موظفة الاستقبال؛ ليسجل المعلومات الضرورية، ويأخذ طريقه نحو الغرفة، ومرة أخرى انتابه شعور آخر يختلف تماماً عن الشعور الذي أحس أنه يجتاح أباه وأمه وطفلهما ابن الخمس، فحينما أتوا نيويورك قبل عشرين عاماً كان كل شيء ساطعاً، وكل مكان يرونه باهراً، وكل لحظة يمرون بها أقرب للحلم، أما اليوم فإن هذه المدينة لا تثير في نفسه شيئاً من ذلك، فلا الشعور بالصدمة الحضارية يغشاه، ولا الضخامة المادية تثيره، فليس هناك أمر مادي يقرب نحو دائرة العجب، ولا لحظة يراها تثير فيه الانبهار، لقد تقلص الحاجز كثيراً بين مدينته الصحراوية، ومدينة الخرسانة العملاقة التي أخذت في دخول عصر الشيخوخة، وتعرض آلامها وأمراضها، نيويورك تلك لا تمت بصلة إلى هذه، لا شعوراً، ولا واقعاً، وبالتالي تحجم الدهشة، والتحديق، والانبهار، والإعجاب، قد تقلص كثيراً وكثيراً، ولم يبق لديه في تلك اللحظة سوى رغبة ملحة لأن ينال قسطاً من الراحة بعد هذه الرحلة المرهقة، سرعان ما تحققت حينما ألقى بجسده المنهك على الفراش ليغط في نوم عميق ...
следующие страницы →