← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فكر التفكير الذري محمد محمد بدري لكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالطريقة التي يفكر بها صاحبه، فإذا أصيب التفكير بمرض من الأمراض أو انعدم التفكير تماماً فإن ذلك النشاط يصبح مختلاً أو مستحيلاً! ! ولقد أصيب كثير من المسلمين بمرض خطير يجعلهم في حيرة أمام كثير من أمور الواقع لا يقدرون على فهمها، فما هو هذا المرض؟ ! إنه مرض «الذرية» أو (الجزئية) في التفكير وهو مرض يمنع صاحبه من أن يربط بين الأحداث والوقائع، بحيث يجعلها داخلة تحت قاعدة واحدة أو يستخلص منها حقيقة كلية عامة، فالمصابون بهذا المرض ينظرون إلى الوقائع والأحداث حولهم وكأنها ذرات متناثرة لا يربطها أي رباط عضوي أو يجمعها سياق واحد، وبالتالي لا يستطيع هؤلاء أن يستنتجوا قانوناً عاماً يمكن تطبيقه على كل حالة خاصة، فتكون قراراتهم في مواجهة الأحداث قرارات عاطفية لا ترتكز على مبادئ محددة أو أصول واضحة. أصاب هؤلاء مرض «الذرية» لبعدهم عن عرائس الحكمة ولباب الأصول التي دونها علماء الأمة في كتبهم، والتي توصلوا إليها باتخاذهم القرآن أنيساً وجليساً على مر الأيام والأعوام نظراً وعملاً، وباستعانتهم على ذلك بالاطلاع والاحاطة بكتب السنة ومعانيها، وبالنظر في آراء السلف المتقدمين والالتزام بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. تلك الأصول التي تربى من يقرؤها على طريقة التفكير العضوية -أو الكلية - التي تجمع بين الوقائع في تسلسل وسياق واحد يمكنها من استنباط بالقانون العام - أو المقياس - الذي تقيس به الحواث الجزئية. فالإمام الشاطبي ﵀ يقول: «الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد، حتى أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع - وهذا نوع منه -، فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب - وهو شبيه بالتواتر المعنوي - بل هو كالعلم بشجاعة عليّ ﵁، وجود حاتم الطائي المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما» [١] . فهو ﵀ يعرض كيفية اقتناص القطع من جملة أدلة ظنية، فلم يفتقر في الحكم بشجاعة عليّ ﵁ إلى دليل خاص يقول بأن عليّ شجاع.. ولكن باستقراء حوادث كثيرة تتحدث عن مواقف شجاعة لعلي ﵁. «فالعموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغة عموم فقط، بل له طريقة أخرى، وهي استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ» [٢] . فالشاطبي ﵀ يصف هنا طريق الوصول إلى الأمر الكلي العام.. إلى القاعدة.. إلى المقياس.. عن طريق تصفح جزئيات المعنى. ومن وصل إلى القاعدة الكلية استطاع أن ينّزل على مقتضاها كل الجزئيات التي قد تخالف بظاهرها هذه القاعدة.. يقول الشاطبي ﵀: «وهذا الوضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي، في حمله على وجوه كثيرة» [٣] . وإذن فلا يكفي النظر في الأدلة الجزئية دون النظر إلى كليات الشريعة، وإلا تضاربت الجزئيات وعارض بعضها بعضاً في ظاهر الأمر. ولقد عالج ابن تيمية ﵀ مرض الذرية في التفكير بما سطره في كتابه القيم: (اقتضاء الصراط المستقيم) ، فروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن نفراً كانوا جلوساً بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا [٤] ؟ فسمع رسول الله - ﷺ فخرج فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما ضلت الأمم من قبلكم بمثل هذا، إنكم لستم مما هاهنا في شيء، انظروا الذي أمرتكم به فاعملوا، والذي نهيتكم عنه فانتهوا» .. يقول ابن تيمية ﵀: «وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه» اهـ. فالجمع بين أطراف الأدلة وعدم النظر إليها نظرة جزئية ذرية هو طريقة أهل السنة والجماعة، وكم من ساعات تمر بسبب نقاش بين طرفين من الناس لو كان عندهم وضوح في فهم المسألة المتنازع فيها وجمعوا أطرافها وجزئياتها فربما لم يكن للنقاش مبرر. وما نقلناه عن عالمين من علماء الأمة، وإن كان يعالج مرض الذرية، في جانبه النظري إلا أن العلم - كما يقول الشاطبي - إنما يراد لتقع الأعمال في الواقع على وفقه من غير تخلف، سواء كانت الأعمال قلبية أو لسانية أو من أعمال الجوارح [٥] . فكل علم لا يفيد عملاً فليس في الشرع ما يدل على استحسانه [٦] . وختاماً نرى أن مبادئ الإسلام هي الحصن الذي ستفشل تحت أسواره جميع المحاولات التي تستهدف سلب المسلم شخصيته وهويته، فعلينا العودة إلى الأصول والمنابع التي منها نبع ديننا. ولنجعل لكتب الأصول مكاناً في قراءات كل منا، فنحن نجد فيها «الإبرة المغناطيسية» التي تساعدنا للوصول إلى فهم قضايانا المعاصرة، وتخلصنا من الخضوع في حركتنا لأخصائيين يشرفون عليها، كما لو كانوا يمارسون لوناً من «لعبة الأمم المكيافيلية» ، وتخلصنا قبل ذلك كله من الكساح العقلي ومن الذرية في التفكير.

стр. 667

مراجعات في عالم الكتب الإسلام وحاجة الإنسانية إليه الدكتور / محمد يوسف موسى عرض وتقديم: محمد السيد المليحي تعبيراً عن فضل الدين الحنيف علينا، وتجسيداً لدوره القيم فينا نقدم عرضاً متواضعاً لهذا المؤلف الطيب الذي جمع بين دفتيه كثيراً من سمات الإسلام، وعديداً من خصائصه التي تعين الفرد على السير قدماً نحو التقدم والرقي في الدنيا، وتضمن له حياة هنيئة مريئة في الآخرة، فقد حرص الكاتب في كتابه هذا على إبراز غايته التي قصد إليها في هذا الكتاب في سمتين عظيمين: ١ -القصد المباشر نحو الفكرة التي يرنو إليها الكاتب، دون اعوجاج أو تحذلق. ٢ - التدليل على الرأي بأسس ومبادئ علمية، وعرضها بصورة علمية صحيحة. التعريف بالدين: ففي الفصل الأول استعرض الكاتب فكرة الدين وأن الغريزة [١] الدينية وجدت مع الخليقة منذ النشأة الأولى، ولكنها - كما يقرر المؤلف - حادت بعض الشيء عن الطريق المعين لها. ولذلك نجد الرسل لم يتحدثوا إلى الناس في خلق هذا الشعور الديني، ولكنهم قاموا بتوجيه هذه الميول الوجهة الصحيحة لتصل إلى الدين الحق، ولهذا يكون الوحي الإلهي رحمة للناس جميعاً، إذ يهدي النفوس الضالة، ويساعد العقل على الوصول إلى الحق من أقرب الطرق وأيسرها على الإنسان. ونخلص من هذا الفصل إلى أن الدين أمر طبيعي غريزي في الإنسان أصيل في أعماق شعوره وأحاسيسه. وهنا يقول الكاتب: «إن الاعتقاد في شيء أو كائن ما أو قوة من القوى والتدين به أمر طبعي في الإنسان، وحاجة من حاجات النفس تهيمن على المرء طول حياته، ومن ثم لابد من إروائها وإشباعها، كسائر حاجات النفس الطبيعية الأخرى» . الحاجة إلى الإسلام: تناول المؤلف في الفصل الثاني مضمون الفكرة التي قام عليها الكتاب، فاستفتح الحديث عن تخبط الشعوب وتيه الأمم من جراء اليهودية المتعصبة، والمسيحية المحرفة، والزرادشتية المضللة، والمزدكية التي تدعو إلى الإباحية الجنسية، وغيرها من الديانات التي عاشت في وجدان وعقول البشرية، فأضلت كثيراً من الشعوب، وأصمت العديد منها عن الوعي السديد، والحس المستنير، وجمدت حريات الغالب منها واعتقلت آراءهم وأفكارهم. ومن خلال التناول العلمي لصور الديانات القديمة والحديثة، خرج علينا المؤلف بدور الإسلام الحنيف، وحاجة الإنسانية الماسة إليه خاصة بعد ما حرم اليهود وحللوا لأنفسهم، وبعد ما سيطر رجال الكنيسة على الحياة العلمية والعملية بصورة حمقاء، تصور الدين بأنه عدو للعلم، وحجر عثرة لكل تقدم ورقي.. وتأتي أهمية الإسلام لتحمي الشعوب من الخلط في الأنساب، وتفشي الأمراض التي جاءت من دعوة المزدكية للإباحية الجنسية المطلقة، إذ ذهب مؤسسها «مزدك» إلى أن أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها، اشتراكهم في الماء والنار والكلأ. ويعلق الكاتب على جدال النصارى وعقائدهم بقوله: لقد كان الإسلام ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة، وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية باعتبارها رأس التقوى، وقد بين أصول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته.. وهكذا كانت الإنسانية تتطلع منذ زمن طويل إلى دين جديد عادل رحيم، وكان هذا الدين هو الإسلام الحنيف، خاصة بعد أن أفلست كل نظم العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد أن نجحت فيه فلسفات تدعو لإنكار وجود الله، والتحلل من المسؤولية وفاضل الأخلاق. من خصائص الإسلام: نأتي إلى الفصل الثالث حيث يدلل المؤلف على أن الإسلام دين ضروري تحتاج إليه الإنسانية احتياجاً ماساً وشديداً، ففي هذا الفصل يعرض لنا الكاتب بعضاً من خصائص الإسلام التي تنقذ البشرية من هذا التخبط، وتعيد لها صياغتها على الوجه الأكمل، ومن هذه الخصائص التي جاءنا بها الكاتب: ١ - الوحدة الدينية: وفي هذه الخصيصة جسد لنا المؤلف هذه السمة التي انفرد بها الإسلام حين ذكر لنا ما قامت به الرسالة المحمدية من نفي لجميع الالهة التي كان الناس يعبدونها في ذلك الوقت، ووحدت العقيدة وأفردت العبادة لإله واحد أحد لا شريك له، عالم بكل صغير وكبير في كونه، محيط بكل شيء ومدبر لكل شيء. ويذكر الكاتب هنا أن الإسلام لم يكتف بإقرار هذا التوحيد للإله الذي يستحق العبادة، بل بين لنا أن كل الرسل دعوا إلى هدف واحد، ورسالة من الله تعالى للبشرية بعامة تعينهم على الحياة الفاضلة والمطمئنة في ظل طاعة الله وتوحيده. ثم جاء الكاتب بآيات من الذكر الحكيم تدلل على هذه الحقيقة، فقد جاء في آخر سورة البقرة (آية ٢٨٥) : [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وقَالُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ] ، وقال أيضاً في نفس السورة آية ١٣٦: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعِيسَى ومَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ٢ - الوحدة السياسية: جاء الإسلام وكان حال الأمة العربية يرثى له، حيث كان التفكك والتمزق والحمق والعداء، فكانت الحروب تقوم بين القبائل على أضعف الأسباب، وتستمر أياماً، بل وشهوراً، وبعضها ظل سنيناً إلى أن جاء الإسلام. فقد فض الرسول الكريم النزاع الذي ظل زمناً طويلاً بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وغرس في قلوب أصحابه حب الخير والسلام، ودعا الناس إلى التوحد والتجمع والتزاور والتشاور، ونهى عن الخصام والعزلة عن الجماعة، وهنا يقول الكاتب: كما كان من أثر هذه الوحدة السياسية التي جاء بها الإسلام وعمل بها الرسول والمؤمنون، أنه لما لحق ﷺ بالرفيق الأعلى، واجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة لهم، رأى الأنصار أن لهم حقاً في أن يكون الخليفة منهم لسابق نصرهم للإسلام ورسوله، ولكن أبا بكر والمهاجرين جميعاً - على عرفانهم فضل الأنصار ومآثرهم - ذهبوا إلى أن يكون الخليفة من قريش لما أثر عن الرسول ﷺ .. وهكذا قضي على النزاع وانتهى الأمر واستقر بينهما. وفي هذا السبيل، سبيل المحافظة على وحدة الأمة السياسية يرى فقهاء الإسلام أنه لا يجوز أن يكون هناك أكثر من خليفة في الأمة الواحدة. ٣ - الإسلام دين يحض على التفكير: أعرب الكاتب عن هذه الميزة التي جاء بها الإسلام، ودعا إليها في صورة جلية وساطعة تقوم على الأدلة المستمدة من الكتاب والسنة، فقد أعرب عن كون الإسلام دين يدعو إلى التفكر والتدبر، وأنه أدى رسالته نحو العقل والعلم، كما أفصح عن حقيقة هامة يجب أن لا نغفل عنها، ولا يغفل عنها من استفاد منها وهي: «دور العلم الإسلامي في التقدم والرقي الذي أضحى عليه العالم الغربي في العصور المتأخرة، ومن الأسس والأدلة القرآنية التي أتى بها الكاتب، لكي يثبت دعوة القرآن إلى العلم والتعلم والفكر والتفكر قوله تعالى: [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ الَليْلِ والنَّهَارِ والْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ومَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ والسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] [البقرة: ١٦٤] . وأحاديث رسول الله ﷺ التي تدعوا إلى العلم حين قال:» طلب العلم فريضة على كل مسلم «، إلى غير ذلك من آيات وأحاديث نبهنا إليها الكاتب تدعم ما جاء به الإسلام لإحلال العقل محله المناسب. وإذا كان الإسلام يحض هكذا على ملاحظة الكون وظواهره، وإعمال العقل والفكر في كل ما يحيط بالإنسان، وسائر ما خلق الله من الكائنات، فما هذا إلا لأنه يريد منا أن نطلب العلم بكل سبيل، ونترفع عن التقليد الأعمى، ونبذل في سبيل العلم كل ما نملك من طاقات. فالإسلام دعوة إلى استعمال العقل والفكر في شتى نواحي الحياة. ٤ - الإسلام دين الحرية والمساواة: إن الحرية في الإسلام أصابت الحظ الوافر من التشريع الإسلامي، بل ومن الإسلام نفسه، فقد كانت النواة الأولى للحرية في الإسلام ممثلة في التحرر من عبادة الأصنام والسجود للآلهة المتحجرة والمتعددة، وإلى عبادة إله واحد لا شريك له. ومع ذلك فإن الإسلام لم يجبر غير معتنقيه على الدخول فيه، قال تعالى: [لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ] ، وقوله للرسول ﷺ - في سورة يونس: [ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] ، ويأمر الرسول ﷺ بألا يتعدى عمله عن التبليغ والانذار، وهذا نراه في قوله تعالى: [إنْ أَنتَ إلاَّ نَذِيرٌ] وقوله: [ومَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ] ، وآيات كثيرة تجعل من العبادة مكنوناً جوهرياً لا دخل لأحد فيها سوى الإنسان ذاته. ومن أسس الحرية التي جاء بها الكاتب في هذا الكتاب القيم الاجتهاد في التشريع مع ما يتمشى والكتاب والسنة، ويذكر الكاتب هنا رأياً عظيماً للفقهاء في هذه المسألة، حيث يقول: إن الفقهاء يؤمنون بالحرية والمساواة، ودليل على ذلك حين يكون هناك طفل غير معروف نسبه مع مسلم وكافر، فقال الكافر هو ابني، وقال المسلم هو عبدي، يحكم الفقهاء في هذه القضية ببنوة الابن للكافر من قبيل الحرية. أما في جانب المساواة فقد أقر الكاتب أن التفاضل بين الناس في الدنيا يكون بالتقوى والعمل الصالح [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ، والرسول الكريم يقول:» لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى «، هذا وللحرية والمساواة جوانب كثيرة وعديدة خصصها لهما الإسلام، وشرعها لهما رسول الله ﷺ . ٥ - الإسلام دين ودولة: يبين الكاتب في هذه النقطة وتلك السمة أن الإسلام لم يكن عقيدة دينية فقط ولا نظاماً أخلاقياً فحسب، بل هو دين ودولة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ودلالات. فقد نظم الإسلام للإنسان المسلم حياته ومعاملاته مع أسرته ومع الناس، وبين له سبل النجاح والردى في الحياة، ودله على الطريق الذي يؤدي به إلى العيش الهادئ المطمئن، ففي جانب العبادات بين الدين الحنيف طريقة العبادة لله تعالى، وأعرب رسول الله ﷺ عن كيفية التعبد لله سبحانه، أما في جانب التعامل في الحياة العامة فقد رسم لنا القرآن الكريم في شخص رسول الله ص الحالة التي يجب أن يكون عليها الإنسان المسلم والوجه الصحيح الذي لابد وأن يصبح عليه المسلم الأمر الذي لم يدع جانباً واحداً من جوانب الحياة إلا وكان للإسلام دور رائد فيه. وهنا يقول الكاتب: ومن هنا يحق للإسلام أن يكون دستوراً أزلياً يحكم به، وتقوم شريعته لتفصل بين الناس، وتقضي بينهم بما أمر الله تعالى، فمن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن أراد الفلاح والنجاح بدونه خسر وخاب، وضل عن الطريق السديد. وإن لم يكن للإسلام دور في هذا العالم المعاصر، فلابد أن ننتظر تخبطاً واضطراباً وتيها أكثر مما نعيشه الآن، وذلك لأن المولى قال وقوله الحق: [ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً] .

стр. 668

مفاهيم إدارية التنظيم سامي سلمان هذا رجل منظم في حياته ... هذه مؤسسة تتسم بجوانب تنظيمية جيدة ... إن انسياب الأوامر الإدارية يسير في نظام محكم ... إن تحقيق الأهداف المتمثل في هذا المستوى الرفيع ليدل دلالة واضحة على عمق التنظيم الذي يؤدي دوره في هذه المؤسسة. كثيراً ما تتردد مثل هذه الكلمات على الألسن وفي صفحات الكتب، وهي تشير إلى معنى التنظيم بمدلوله اللغوي والاصطلاحي، والذي كان منه نظم اللؤلؤ في السلك الواحد عقداً جميلاً، ونظم الشعر ليكون قصائد متكاملة، وهو نفس المعنى الاصطلاحي الذي نرمي إليه في تعريفنا للتنظيم في مفهومه الإداري عندما نقول: إن التنظيم داخل المؤسسة هو تنظيم الجهود، وتنسيق الطاقات لمجموعة أشخاص، بحيث يمكنهم تحقيق أهداف المؤسسة التي ينتمون إليها. وهذا النوع من التنظيم قديم منذ بدأ الإنسان يكافح في سبيل عيشه وأمنه وإثبات إنسانيته، فكان التنظيم في العهود البدائية أمراً بديهياً ولا شعورياً وطبعاً غير مكتوب أو مرسوم، وكان المنظم هو العامل نفسه الذي يسعى وحده أو بالاشتراك مع أفراد أسرته إلى تأمين ضرورات العيش والأمن. وكان متعلقاً بالشخص نفسه فقط، أي ينظم أوقات عمله وراحته ونومه، وعندما أصبحت الأسرة وحدة الإنتاج ووحدة الاستهلاك في الوقت نفسه بدأ التخصص وتوزيع العمل بين أفراد الأسرة بشكل بديهي أيضاً حسب القدرة أو الطاقة لكل فرد، ثم خاض الإنسان مضمار التخصص ليرتقي ويحسن في مستواه المعيشى: فأنشأ مؤسسات تحتوي هذه التخصصات وتنظم جهودها في المجالات الزراعية والصناعية والخيرية وغيرها. وبهذا يتضح أن التنظيم ضرورة وحاجة عندما ينمو حجم المؤسسات، وتزداد التخصصات في المؤسسة الواحدة وتتعقد العلاقات. والحديث عن التنظيم لا يقلل من شأن التخطيط، ولكن الغالب على المؤسسات وخاصة في العالم العربي والإسلامي أنها تعاني من سوء التنظيم أكثر مما تعاني من سوء التخطيط. وكما يتضح من الرسم المرفق لدورة الإدارة فإن التنظيم عملية متكاملة تتبع تحديد الأهداف والاستراتيجيات التفصيلية، والتي لابد من وجود من يدفع بها إلى مرحلة التنفيذ، ولهذا فإن التنظيم الجيد لابد أن يتوفر فيه المواصفات التالية: ١ - التغطية الشاملة: أي أن لا تترك مهمة بدون مسؤول، وأن لا يكون أكثر من مسؤول مباشر لمهمة ما في وقت واحد ومكان واحد. ٢ - الوضوح: بأن يعرف كل شخص واجباته والصلاحيات المسندة إليه للقيام بمسؤولياته، وكذلك وضوح علاقاته بالأشخاص الآخرين. ٣ - التوازن بين الصلاحيات المعطاة للشخص للقيام بعمله والمسؤوليات الملقاة على عاتقه. من خلال هذه المقدمة التي تبين أهمية هذا الموضوع فإننا نلحظ افتقار كثير من المؤسسات إلى العناصر السابقة. ومن الظواهر السلبية التي تعيشها هذه المؤسسات: ١ - المسؤوليات في قطاع معين أو عند أشخاص معينين دون مبررات مقنعة، وهذا يعني المركزية في اتخاذ القرار، ويوفر طاقات جيدة غير عاملة، ويشل كثيراً من الطاقات ولا يسند إليها أي دور. ٢ - عدم وضوح المسؤولية لكل فرد فلا يعرف المسؤولون حدود مسؤولياتهم ومن يرجع إليهم من موظفيهم، مع وجود ازدواجية في المسؤولية أحياناً، كالرجوع إلى مسؤولَيْن في مشكلة، أو يتدخل عدة مسؤولين من قطاعات شتى في مشكلة تحتاج إلى رأي واحد. ٣ - كثرة الشكاوي من عدم وضوح الأهداف العامة والأهداف المرحلية لعدم كفاءة السلطة الإدارية أو الهرم التنظيمي الذي يمكن المسؤولين على اختلاف مستوى مسؤولياتهم وتخصصاتهم من مسايرة الإدارة العليا لكثير مما تطمح إليه. ٤-يكتنف كثيراً من هذه المؤسسات غموض التخصصات وتداخلها، مما يقتل الإبداع في المجال التخصصي، وبمعنى أوضح: فإن عدم إتاحة الفرصة لأصحاب التخصصات بإبراز ما تميزوا به التنظيم عن طريق مشاركة غير مؤهلين للمتخصصين يسيىء إليهم، ولا يجعلهم يبرزون في تخصصاتهم. ٥ - يشيع في مثل هذه المؤسسات عدم التناسب بين السلطة والمسؤولين والصلاحيات، فنجد المعادلات الصعبة في وجود أصحاب مسؤولية بدون صلاحيات، وأصحاب صلاحيات بدون مسؤوليات، وسلطات موزعة بمقاييس لا تمت إلى الإدارة الحديثة بصلة. ٦ - من ذلك أيضاً غموض العلاقة بين الاستشاريين والتنفيذيين، فتجد التداخل في هذا المفهوم يعم أرجاء المؤسسة، مما يؤثر بشكل واضح على كيفية اتخاذ القرارات على كل مستوى. وأضف إلى ما ذكرت سابقاً سوء تحديد العدد المناسب من المرؤوسين تحت رئاسة المدير، وعدم تفويض السلطة بالشكل المناسب، وإغفال العوامل الفنية والإنسانية التي تؤثر في اختيار درجة المركزية واللامركزية. وبعد هذا العرض للظواهر السلبية لكثير من المؤسسات التي لا يتوفر فيها مفهوم التنظيم الإداري ذي الكفاية نعرض مزايا التنظيم بشكل مختصر: ١ - انتظام العمل وانسيابه بسهولة ويسر، حيث يتم تحديد الأعمال والمراحل التي تمر بها، والأشخاص الذين يؤدونها. ٢ - تحديد الاختصاصات والصلاحيات والمسؤوليات، بحيث يعرف كل فرد واجباته الأساسية والفرعية والإضافية، وعلاقة وظيفته بالوظائف الأخرى، ويبين لكل قسم وإدارة حدود صلاحياتها وعلاقاتها بالأقسام والإدارات الأخرى. فلا يحدث تنازع في الاختصاصات أو تضارب في السلطات. ٣ - الاستغلال الكفء للإمكانات المتاحة (خبرات وجهود العاملين) والحصول على أقصى طاقة إنتاجية منها، وتحقيق التنسيق والتكامل بين تخصصات العاملين وخبراتهم ومهاراتهم، وبين الإدارات والأقسام، فيزيد احتمال الوصول إلى الأهداف المحددة بقدر كبير من الفعالية. وبناء على ذلك يتحقق التعاون والانسجام بين الأفراد والجماعات فتسير العلاقات الوظيفية، والاجتماعية بأقل قدر ممكن من التنافر والاحتكاك. وقد استطاعت نظريات علم التنظيم الحديثة الوصول إلى تحديد ما يسمى بالأسس العلمية للتنظيم السليم، والتي يفترض أن تكون مترابطة ترابطاً وثيقاً فيؤثر بعضها في بعض، ويزداد عمق الحاجة إليها جميعها أو بعضها، حسب حاجة كل تنظيم إداري لأي مؤسسة. وسنذكر بعض ما اتفق عليه. ١ - وحدة الهدف: لكل عمل هدف رئيسي تكونت من أجله المؤسسة ابتداءً، وهذا الهدف كي يتحقق لابد من تعريفه بصورة واضحة، ثم تقسيم الأهداف إلى أهداف جزئية وفرعية ومرحلية، يكون بينها وحدة واتساق توصل بمجموعها إلى تحقيق الهدف الرئيسي. ٢ - التخصص وتقسيم العمل: إن اختيار العناصر المتخصصة التي تتقن العمل جزء لا يتجزأ من عملية التنظيم، مما يتيح للعاملين التطور في مجالات تخصصهم وزيادة مسؤولياتهم، وذلك بمساعدة رؤسائهم. ٣ -تسلسل خطط السلطة: ويقصد بها تدرج حجم ومستوى السلطة المعطاة، ومستويات التنظيم الإداري، والتي تتوزع بشكل مناسب في الهياكل التنظيمية مع مستويات التنظيم الرئيسية الثلاثة: الإدارة العليا، الإدارة الوسطى، والإدارة التنفيذية: فلا تتركز السلطات في إحدى الحلقات دون الأخرى. ٤ - وحدة الأمر: وهو نتيجة طبيعية للأسس السابقة، ونعني به توحيد جهة التلقي للتعليمات من قبل رئيس أو مدير واحد، وذلك حرصاً على تحديد المسؤوليات وضمان التنسيق وتوحيد الجهود وعدم بعثرتها، وفي المقابل فإن عدم مراعاة هذا المفهوم يسبب ارتباكاً سيئ الأثر في العمل وفي نفوس المرؤوسين، نتيجة لتعدد مصادر التوجيه والتلقي. ٥ -تناسب السلطة والمسؤولية: وهي إحدى المعادلات الصعبة، ونعني بالسلطة: الصلاحيات المخولة لشاغل وظيفة معينة، وتتضمن حق إعطاء الأوامر والحصول على الأداء والمردود من المرؤوسين، وحق اتخاذ القرارات. ويقرن بالسلطة عادة مفهوم آخر وهو القوة، والتي تعزز السلطة، وتعني: القدرة على توجيه سلوك الآخرين والتحكم فيه، وهي حصيلة مركبات معينة يمكن اختصارها بـ: ١ - الثواب. ٢ - العقاب. ٣ - قوة الشخصية. ٤ - القدرة والخبرة والمعلومات. ٥ - القدرة المستمدة من المنصب. أما الطرف الآخر من المعادلة، وهي المسؤولية، فتعني الالتزام من جانب المسؤول بما تتطلبه وظيفته من أعباء ومهام لتحقيق أهداف تلك الوظيفة، فيسأل عن نتائج عمله، وكل رئيس يسأل عن النتائج المترتبة على أدائه وأداء مرؤوسيه. أما المقصود بالمعادلة فهو التوازن بين السلطة والمسؤولين، حتى يستطيع القيام بواجباته الفعلية المطلوبة منه. فمن الخطر أن تكون هناك سلطات واسعة ومسؤوليات قليلة، ومن الإجحاف أن تكون هناك مسؤوليات كبيرة وصلاحيات قليلة. ...

стр. 669

تربية المدرسة الابتدائية بين الثواب والعقاب عدنان محمد عبد الرزاق لازال موضوع الثواب والعقاب يشغل بال كثير من المربين والآباء والباحثين، وإنهم وإن اتفقوا على الثواب وطرقه وفائدته، فقد كثر جدلهم حول العقاب وما يتركه من أثر، وخاصة أشد مراحله «العقاب الجسدي» ، وانقسموا فيه بين مانع ومطلق ومقيد، وإنني إذ أتناول هذا الموضوع المهم، أترك الباب مفتوحاً لكل رأي وخبرة، لعلنا نصل بتوفيق الله إلى الصواب. الثواب أثره وطرقه: الثواب، الثناء، الشكر، المحبة، والعطف، الاهتمام، كلها ترفد مصباً واحداً، وقد فطرت النفوس على حب من أحسن إليها، فطبيعة النفس البشرية تحب الثناء والشكر محبة اعتدال، لأن زيادة الثناء والعمل من أجله قد يؤدي إلى الرياء وجاءت كثير من النصوص تلبي هذه الحاجة الفطرية. قال تعالى: [وأَمَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى وسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً] [الكهف: ٨٨] . [هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ] [الرحمن: ٦٠] ، وقال رسول الله ﷺ : «من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له [البيهقي] . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :» من لم يشكر الناس لم يشكر الله «رواه أحمد والترمذي بسند صحيح. إن الطفل يحب من يهتم به، ويعطف عليه، لأنه يريد معرفة ردود الفعل على ما يقوم به من أعمال في عقله؛ لتصبح في المستقبل علامات لسلوكه وتصرفاته، وكثير ممن انحرفوا بسبب فقدان هذا الاهتمام والمحبة، وآخرون يعملون أعمالاً لينالوا رضا مربيهم، والمربي يلاحظ هذا وذاك ويوجه ويساعد على التوازن. ألا نلاحظ كيف يغار الإخوة من المولود الجديد، وما ذلك إلا لشعورهم بأنه استأثر أو سوف يستأثر بالأبوين على حسابهم، ولذلك كان من هديه - صلى الله عليه وسلم - العدل بين الأبناء. ابتسامة رضىً من مرب ... أو مسحة رأس.. أو كلمة طيبة: جزاك الله خيراً، أحسنت، كل ذلك وسائل تفعل فعلها والتوسط في توزيعها، وتجديد أساليبها وطرقها شيء مطلوب، ورتابتها والإكثار منها يفقدها قوتها، وإخطار أولياء الأمور بالثناء المكتوب له أثر طيب، وربما يكون حافزاً للمزيد من العطاء. العقاب: من الطبيعي أن يخطئ الإنسان،» كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون «، هذا الكبير، فكيف بالصغير، وقد رفع عنه القلم.. لماذا؟ لأن نموه العقلي لم يكتمل بعد ولم يميز. وفي بعض البلدان يسمون الأطفال» الجهال «، فهذا الجاهل الذي أعذره الله إذا وقع منه خطأ هل نتركه ... ؟ طبعاً لا، لابد من العلاج، وكلمة العلاج تسوقنا إلى مثال طبي. لو جرحت يد أحد من الناس يداويها بالدواء الابتدائي السهل فإن برأ فذاك، وإن زادت يرتقي بالدواء. وقد ذكر القرآن الكريم التدرج بالعقوبات في معالجته للخلافات الزوجية. وقد اتفق المربون على الابتعاد عن الكلام الجارح، والتوبيخ الذي ينتقص من شخصية الطفل، أو يسبب له ردود أفعال سيئة، واتفقوا أيضاً على أن يكون كل ذلك بين المربي والتلميذ، وليس أمام أحد من الناس. ولكن تبقى هناك مشكلة اختلف المربون وهي: هل يضرب الولد أم لا؟ وحتى تأخذ هذه المسألة أبعادها؟ لابد من معرفة متى يستحق التلميذ العقوبة؟ ونحن نعتقد أن هناك سببين لذلك: ١- ما يتعلق بالدرس والتحصيل. ٢- ما يتعلق بالسلوك والتربية. فالأول إما أن يكون سببه المدرس والمنهج، وهذا لا علاقة للتلميذ به، أو أن التلميذ مقصر في الاجتهاد والواجبات، فهنا لكل حادث حديث عندها يبحث المربي عن الأسباب الحقيقية لهذا التقصير ويتصل بالبيت ويتعاون مع الأهل، حتى يضعوا العلاج ولو أدى الأمر إلى صرف التلميذ إلى مجالات مهنية. وأما السبب الثاني وهو الخطأ في السلوك والتربية، فالكذب، والحيل، والسرقة، والاعتداء، والغياب عن المدرسة. وهنا سأضرب مثالاً لحالة من الخطأ السلوكى (السرقة) وطرق علاجها: ١ - الطريقة الأولى: أخذ التلميذ وضرب ضرباً شديداً حتى لا يعود لمثلها، وربما كان ذلك أمام أقرانه. ثم إذا حدثت أي سرقات في المستقبل يشيرون إليه، ولو كان بريئاً وسمي من قبلهم سارقاً. ٢ - الطريقة التربوية في العلاج: يؤخذ الطالب ويبحث معه ومع أهله (إذا لزم الأمر) عن الأسباب الدافعة للسرقة، بتكتم ورفق. وأسباب السرقات عند الأطفال معروفة فهي إما عن حاجة أو عبث أو نكاية بزميله، أو غير ذلك، وإذا عرف السبب عولج الأمر من جذوره. فالمربون المتخصصون يقولون: لكل حالة عندهم حل، يعتمد على التربية وعلم النفس والتجربة، وأن الضرب لا يحل المشكلة، بل عندهم هو المشكلة، إذ يكون مدخلاً لانعدام التوازن النفسي عند التلاميذ مما يكون له عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع. وأيدهم في هذا الرأي ممن استرشد بآثار الرسول ﷺ مثل قول السيدة عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحداً قط بيده ولا أمره، ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله» . رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا. متفق عليه. وقال ﷺ أيضاً: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم. وحين كان أبو بكر ﵁ يضرب غلاماً: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: انظروا إلى هذا المحرم ماذا يفعل.. ومعلوم أن الضرب لا يفسد الإحرام. كما أيد منع الضرب كثير من الدول التي تعطي الأولوية لبناء مجتمع، سليم من أساسه يحترم فيه الفرد ليعود نفعه على المجتمع في المستقبل. ودول أخرى وإن لم يكن هذا همها إنما أيدت المنع لما ترتب على الضرب من آثار جسدية سيئة على الأفراد، فإحصائيات وزارات التربية والداخلية مليئة بملفات قضايا ضرب الأولاد في المدارس وما ترتب عنه ابتداءً من الكدمات والجروح، مروراً بفقدان الحواس مثل السمع والبصر والأسنان، انتهاء بالوفاة، فأرادت أن تطوي صفحة من تلك الأمور ومنعت. أما الذين سمحوا بالضرب فقد احتجوا ببعض الآثار: مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود والترمذي. وقد رد المانعون على أن الحديث في الصلاة للأب فقط، وليس المربي مثل الأب وخاصة مع غياب المربي الناجح. وآية سورة النساء التي تبيح ضرب الزوجة من قبل زوجها فقط. وهناك فريق ثالث قال: نحن مع المربين في ضرورة حل المشاكل بالطرق التربوية، والمحافظة على توازن التلميذ، ونحن لسنا مع المؤيدين للضرب لما يترتب على ذلك من آثار جسدية، ونفسية واجتماعية، ولكن ألا يوجد بعض الحالات الشاذة التي لا ينفع فيها نصح ولا موعظة ولا علم نفس: ماذا نفعل؟ نرى أنه لا مانع بعد استنفاذ كل الوسائل التربوية، وبشرط أن يكون الضرب غير مبرح ويتجنب الوجه والأماكن الحساسة. واشترط بعضهم إذن الأهل المسبق، أو حصر ذلك بإدارة المدرسة؛ لئلا يتوسع بهذه الرخصة، أيد هذا الرأي بعض الدول، وكذلك بعض المهتمين بأمور التربية، وعلم النفس، وهذا ما تميل إليه النفس. والله أعلم.

стр. 670

البيان الأدبي بين جيلين د. عمر عبد الله توقف مفاجئ ومرعب أيقظ صاحبنا من نعاسه الثقيل، ليستيقظ على صوت الكابح المزعج، وقاصطدم رأسه في النافذة الجانبية لسيارة الأجرة، سائق سيارة الأجرة يتحفز وهو غاضب، ويلقي بسيل من الشتائم والكلام السوقي القذر لصاحب السيارة التي كادت تصطدمه، سائق السيارة الأخرى يخرج ليلقن سائق الأجرة درساً في القيادة والأخلاق، لكن سائق سيارة الأجرة يتلافاه ويمضي في طريقه ليكمل إطلاق عبارات الشتائم والسباب، التي انتشلت من الراكب وزوجته التي ترافقه طعم النوم، والنعاس، حتى «معاذ» الطفل الصغير أخذ يطلق معزوفة من البكاء المتواصل، جعلت من الصعب على «جمال» أن يلتقط سيل الشتائم المنطلق من في السائق الزنجي المتوتر،.. لقد كانت رحلة مضنية، غير خلالها ثلاث مطارات، وقضى ١٥ ساعة في الجو خلال اليوم الماضي، حتى وصل إلى نيويورك في هذا الصباح الخريفي المتثائب، وبعد أن طار النوم من عينيه أخذ يتأمل في ما حوله، إنه يعبر الآن إلى «مانهاتن» ، وكأنه يمر على هذا الجسر المتهالك لأول مرة، كلا لقد عبره مرات ومرات، لكن المرة الأولى التي مر عليه فيها لازالت ملتصقة بذاكرته بوضوح، كانت المرة الأولى التي يغادر فيها وطنه مع أبيه وهو ابن خمس سنين، لازال يذكر حالة الذهول والانبهار التي انتابته حينما وصل إلى نيويورك، كان الوقت قريباً من عيد رأس السنة المسيحية والمدينة غارقة في بحر من الأضواء والزينات، زادت من حالة التحديق التي انتابت ذلك الصبي الذي انتقل من مدينته الصغيرة الصحراوية، والتي كانت وكأنها تعيش عصراً آخر لا يمت بصلة لهذه المدينة، الحلم، ومنذ أن لامست قدماه أرض المطار الضخم وصالاته الواسعة وهو لا يستطيع إلا أن يعيش حلم اليقظة الجميل، حتى الطرق السريعة التي لم يع حقاً ضخامتها وسرعتها، كانت بمثابة طائر عملاق يطير بأجنحة متعددة، أما الفندق الذي نزل فيه وأبوه وأمه فإنه كان آية في الفخامة والرقي المادي، الذي بدا خيالياً لابن الخامسة، بل حتى بالنسبة لأبيه وأمه اللذين حاولا التكيف مع هذا الكم الهائل من المشاهد والصور والمتغيرات بصورة بدت مبالغاً فيها حيناً، ومضحكة أحياناً أخرى، مضحكة له الآن.. لكنها لم تكن تعني شيئاً كثيراً من معاني السخرية والتناقض لذلك الصبي..، مضحكة تلك اللحظات والمواقف التي تفرض على مخلوق لا يملك حيالها سوى المضي والانكسار، مضحك ذلك المنظر عندما كانت أمه تحاول أن تظهر بمظهر «غربي» متحضر حينما «فرض» عليها من والده، كانت المرة الأولى التي تلبس ملابس غربية، وهي التي لم تفارق عباءتها وخمارها قط، مضحك أن يقلد عصفور النورس طاووساً حينما يستعير بعض الريش الملون، عله يكون مألوفاً في مجتمع الطواويس، كذلك بدا له المنظر باعثاً للحيرة والاضطراب لوجه ألفه لسنوات في وضع معين ليجده فجأة وبدون مقدمات وكأنه لا يمت للمخلوق الذي أحبه بشدة، وعشقه بإخلاص، لم يكن ذلك المنظر سوى صورة واحدة لمشاهد صدم بها وظلت في ذاكرته مختزنة لسنوات طويلة، صوت الكابح يقطع حبل تفكيره مرة أخرى.. لكنه يكتشف سبب الخطأ هذه المرة..، إنه سائق سيارة الأجرة، وليس السيارة «المظلومة» التي كال لها السائق الزنجي سيلاً من شتائمه العنيفة مرة أخرى، كاد أن يرد على سائق الأجرة اللامبالي، لكنه فضل أن يستمر في تداعياته، لاسيما وأنه لا يملك النشاط ولا الرغبة في الحوار، لقد ضبطتك سائق الأجرة، هذه المرة، قال لنفسه: إن سائق الأجرة ينظر إلى ذلك المنظر العجيب الذي جري في المقعد الخلفي، وهذا هو السبب في أصوات المكابح المتكررة، لقد بدت على سائق سيارة الأجرة علامات الدهشة الصامتة، وصور التساؤل المحير الذي عصف بجمال وهو صبي، حينما تعرض لمواقف من التناقض، والحيرة المتتالية، سائق الأجرة لازال يسترق النظر إلى الراكب ومرافقيه، وعيناه تكادان تنفجران بالتساؤل الملح الذي لم يترجم إلى كلمات، بل إلى أخطاء قيادية كادت أن تودي بالمركبة إلى جانب الانحدار الخطر. فجأة نطق السائق: - من أي بلد أنتم؟ جانب الحذر الذي انغرس في التعامل مع الآخرين علم جمال أن يكون لطيفاً بحذر. - من الشرق الأوسط. - أين يقع الشرق الأوسط.. أفي إسرائيل؟ - كم هو عجيب أن تكون صورة العالم مشوهة إلى هذا الحد في ذهن الأمريكي، لم يتغير الحال حتى بعد عقدين من معاشرته للقوم، وبعد أحداث صاغت حياة كثير منهم ودفعتهم للاهتمام بهذا الجزء من العالم، رد بصورة نمت عن رغبة في إنهاء الحوار. - ليس قريباً منها إنها جزء يبدو أنها منه! لقد فهم مغزى السؤال، فمنظر زوجته التي تخمرت ولم يبد من وجهها سوى العينين كان مبعث السؤال ولا شك.. وتنهد.. تنهد حينما قارن بين وضع أمه قبل عقدين وهي تحاول أن تبدو «منسجمة» مع المحيط الجديد، ومنظر زوجته وقد تميزت بذلك الزي الذي يبعث على التساؤل، ويصر على الذاتية، كلا الوضعين مثير، ويبعث التساؤل والاستفهام، لكنهما يمثلان تصوراً لجيلين، وعهدين، وموقفين، جيل أبيه الذي كان يحاول أن يجد الجواب في «الذوبان» في الآخر، المنتصر، وجيله الذي رأى خسارة الرهان على المشروع المجلوب بوضوح، رآه هزائم، وانكسارات، وتبعية، وتسلطاً، من الآخر المنتصر، للضعيف المغلوب على أمره المسحور بلب العدو وطبوله، وكأنه تداو بسم بدا لذيذاً وشهياً، مرة أخرى، صوت الكابح وتوقف مستمر، لكن إيذاناً بالوصول إلى الفندق هذه المرة، أخذ جمال عائلته الصغيرة وتوجه نحو موظفة الاستقبال؛ ليسجل المعلومات الضرورية، ويأخذ طريقه نحو الغرفة، ومرة أخرى انتابه شعور آخر يختلف تماماً عن الشعور الذي أحس أنه يجتاح أباه وأمه وطفلهما ابن الخمس، فحينما أتوا نيويورك قبل عشرين عاماً كان كل شيء ساطعاً، وكل مكان يرونه باهراً، وكل لحظة يمرون بها أقرب للحلم، أما اليوم فإن هذه المدينة لا تثير في نفسه شيئاً من ذلك، فلا الشعور بالصدمة الحضارية يغشاه، ولا الضخامة المادية تثيره، فليس هناك أمر مادي يقرب نحو دائرة العجب، ولا لحظة يراها تثير فيه الانبهار، لقد تقلص الحاجز كثيراً بين مدينته الصحراوية، ومدينة الخرسانة العملاقة التي أخذت في دخول عصر الشيخوخة، وتعرض آلامها وأمراضها، نيويورك تلك لا تمت بصلة إلى هذه، لا شعوراً، ولا واقعاً، وبالتالي تحجم الدهشة، والتحديق، والانبهار، والإعجاب، قد تقلص كثيراً وكثيراً، ولم يبق لديه في تلك اللحظة سوى رغبة ملحة لأن ينال قسطاً من الراحة بعد هذه الرحلة المرهقة، سرعان ما تحققت حينما ألقى بجسده المنهك على الفراش ليغط في نوم عميق ...

стр. 671

(شعر) اقذفونا بالحجارة شعر: مروان كجك اقذفونا بالحجارة ... واعرضونا للتجارة نحن أولى من يهود ... نحن يا جيل الخسارة فاقذفونا بالحجارة قد كذبنا وانتشينا ... وسرقنا وارتشينا وظلمنا كل طفلٍ ... وجنين في المحاره ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة لم ندع فينا شريفاً ... أو عصاميا نظيفاً لم ندع شيخاً كفيفاً ... لم يذق منا المرارة ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة نحن بعناكم جهاراً ... لم نجد في الأمر عاراً وعصينا الله فيكم ... وانخدعنا بالشطارة ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة نحن جرأنا اليهودا ... ومنحناهم عهوداً واحتززنا كل رأس ... لا يرى هذي الحضارة ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة ... لم نرم فيكم صلاحاً ... أو نضالاً أو كفاحاً لم ندع فيكم رماحاً ... فانهزمنا عن جداره فاقذفونا بالحجارة نحن أكثرنا الملاهي ... ورمينا بالدواهي وقتلنا كل ناهي ... قد رمانا بالقذارة ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة نحن أقسمنا اليمينا ... وحنثنا فابتلينا واحتللنا فرضينا ... وفررنا عن مهارة ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة نحن أرسينا السجونا ... وملأنا الأرض هوناً وبثثناها عيونا ... واستهنا بالخِفارة ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة نحن أسلمنا القيادا ... لعدو قد تمادى ومنحناه المرادا ... فرأى فينا انتصارا ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة قد كنزنا المال كنزاً ... وحسبنا الأمر أجزى وحرمنا الشعب خبزاً ... وضننا بالخُشارة ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة نحن فرقنا الصفوفا ... نحن أرغمنا الأنوفا ودفناكم ألوفاً ... في انتشاء وحراره ... ... ... ... فاقذفونا بالحجارة

стр. 672

الصفحة التعليمية علامات الترقيم جواباً على طلب بعض القراء وضعنا هذه الصفحة التعليمية التي نطرح فيها موضوعات تتعلق بلغتنا العربية. وسوف يكون العرض ميسراً وسهلا ما أمكننا ذلك. وفي هذا العدد نتكلم عن علامات الترقيم: صورتها أو شكلها، أين توضع، وكيف؟ ومثال على استعمال كل منها. ١- علامة الترقيم: الفاصلة (،) أين توضع وكيف: بعد النداء، وبين أجزاء الجمل المثال: يا باغي الخير، أقبل، ويا باغي الشر، أقصر. ٢- علامة الترقيم: الفاصلة تحتها نقطة (؛) أين توضع وكيف: بين جملتين إحداهما سبب حدوث الأخرى المثال: إن كنت مسافراً؛ فودع أهلك. ٣- علامة الترقيم: النقطة (.) أين توضع وكيف: في نهاية الفقرة أو المعنى المثال: خير الناس أنفعهم للناس. ٤- علامة الترقيم: النقطتان (:) أين توضع وكيف: قبل القول المنقول أو ما في معناه المثال: قال الله تعالى: [عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ] . ٥- علامة الترقيم: علامة الحذف ( ... ) أين توضع وكيف: للدلالة على كلام محذوف من النص المثال: وقف في ساحة المدرسة ... ثم أنشد ٦- علامة الترقيم: علامة الاستفهام (؟) أين توضع وكيف: بعد صيغة السؤال أو الاستفهام المثال: ما مهنتك؟ ٧- علامة الترقيم: علامة التعجب (!) أين توضع وكيف: بعد كلمة أو جملة أو معنى متعجب منه المثال: ما أجمل أيام الربيع! ٨- علامة الترقيم: علامة الاقتباس (" ") أين توضع وكيف: يوضع بينهما كلام منقول المثال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضرر، ولا ضرار» . ٩- علامة الترقيم: الشرطة المعترضة (-) أين توضع وكيف: توضع قبل وبعد الجملة الاعتراضية المثال: إني - والحمد لله - بخير. ١٠- علامة الترقيم: القوسان الحاصرتان ( [] ) أين توضع وكيف: يوضع بينهما كلام ليس من النص أصلاً، أو زائد عليه. المثال: إن فلسفة شوبنهور [فيلسوف ألماني مشهور] تشبه فلسفة أبي العلاء المعري. ١١- علامة الترقيم: القوسان (()) أين توضع وكيف: يوضع بينهما أرقام أو مرجع داخل النص المثال: خرجت فرنسا مدحورة من الجزائر عام (١٩٦١) [١] .

стр. 673

تاريخ ابن سبأ في كتابات المعاصرين د. محمد آمحزون إذا كانت شخصية ابن سبأ حقيقة تاريخية لا لبس فيها في المصادر السنية والشيعية، المتقدمة والمتأخرة على السواء، فهي كذلك أيضاً عند غالبية المستشرقين أمثال: يوليوس فلهاوزن [١] ، وفان فولتن [٢] ، وليفي ديلافيدا [٣] ، وجولد تسيهر [٤] ، ورينولد نكلسن [٥] ، وداويت رونلدسن [٦] ... على حين يبقى ابن سبأ محل شك أو مجرد خرافة عند فئة قليلة من المستشرقين أمثال: كيتاني [٧] ، وبرنارد لويس [٨] ، وفريد لندر المتأرجح [٩] . كما أن شخصية ابن سبأ تبقى محل اتفاق عند المحدثين من أهل السنة ما عدا فئة قليلة ممن تأثروا بمنهج الاستشراق [١٠] ، أو ممن حجبهم الغموض الذي أثاره غيرهم حول شخصية ابن سبأ، فلازموا الإنكار [١١] ، وفي أحسن حال شكوا في أمره [١٢] ، أو تذبذبوا بين الإنكار تارة، والإقرار بوجوده تارة أخرى [١٣] . وبالنسبة للشيعة المعاصرين، فأغلب ما كتبوه عن ابن سبأ، إنما هو إنكار لوجوده، فهو عند بعضهم أقرب إلى الوهم منه إلى الوجود [١٤] ، وعند البعض الآخر أقرب إلى الخيال والأسطورة منه إلى الواقع [١٥] . أما المستشرقون فقد كان هدفهم من ذلك التشكيك أو الإنكار هو ادعاء أن الفتن إنما هي من عمل الصحابة أنفسهم، وأن نسبتها إلى اليهود أو الزنادقة هو نوع من الدفاع عن الصحابة، لجأ إليها الإخباريون والمؤرخون المسلمون، ليعلقوا أخطاء هؤلاء الصحابة على عناصر أخرى. على أن إنكار بعضهم لشخصية عبد الله بن سبأ إنما يرجع إلى رغبتهم في الانتهاء إلى النتيجة التالية: لا حاجة لمخرب يمشي بين الصحابة، فقد كانت نوازع الطمع وحب الدنيا والسلطة مستحوذة عليهم، فراحوا يقاتلون بعضهم بعضاً عن قصد وتصميم، يقول أحدهم بأن ابن سبأ ليس إلا شيئاً في نفس سيف أراد أن يبعد به شبح الفتنة عن الصحابة، وأنها إنما أتت من يهودي تستر بالإسلام [١٦] . والقصد من ذلك الاساءة إلى الإسلام وأهله، وإلقاء في روع الناس أن الإسلام إذا عجز في تقويم أخلاق الصحابة وسلوكهم وإصلاح جماعتهم بعد أن فارقهم الرسول ﷺ بمدة وجيزة، فهو أعجز أن يكون منهجاً للإصلاح في هذا العصر. وجرياً وراء منهج المستشرقين في التشكيك في شخصية ابن سبأ، والتهوين من خطر العناصر المخربة في الإسلام، انساق بعض الباحثين العرب إلى التهوين من شأن ابن سبأ، أو حتى إنكار شخصيته واعتبارها شخصية أسطورية. يقول أحد هؤلاء المشككين: «أراد خصوم الشيعة - يقصد أهل السنة - أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً إمعاناً في الكيد له والنيل منهم» [١٧] . ثم يتساءل في خبث: «أكان لابن سبأ أن يجد مجالاً لبث أفكاره بين من هم أكثر منه علماً ودراية بأحكام الإسلام» [١٨] . هذا وقد بنى شكه في هذه القضية على سببين باطلين هما: أولاً: زعمه أن هذه القصة قد اختلقها أهل السنة للتشنيع على الشيعة، وقد كان عليه قبل أن يلقي بظلال الشك جزافاً، وذلك دأبه، أن يتأكد على الأقل من أن هذه القصة انفردت بها مصادر أهل السنة، وأن مصادر الشيعة قد خلت منها، وهو أمر لم يكلف نفسه عناء البحث فيه، لأن منهجه الذي سار عليه في كتاباته هو الشك وإساءة الظن بالآخرين والقذف بالاتهام دون تثبت. والزعم بأن أهل السنة اختلقوا هذه القصة باطل، لأن مصادر الشيعة هي الأخرى أثبتتها كما سلف ذكره. فالشيعة إذاً متفقون مع أهل السنة على أن عبد الله بن سبأ هو الذي أجج نيران الفتنة على عثمان ﵁، وهو الذي أظهر العداء لأصحاب رسول الله ﷺ ، وهو الذي أظهر الغلو في علي ﵁ وقال بالنص على إمامته، إلى غير ذلك من معتقداته الباطلة. وبهذا يسقط اعتراض طه حسين على القصة بزعمه أنها من مفتريات أهل السنة، وحاشاهم ذلك، إذ يتعذر اتفاق جميع مصادرهم على الكذب، بل كان غالبية أصحابها من العلماء الثقات المشهود لهم بتحري الصدق فيما يكتبونه وينقلونه. ثانياً: أما اعتراضه الثاني، وهو إكباره للصحابة بأن يستطيع مثل ابن سبأ أن يفعل ما فعل، فليس هذا إكباراً وإنما هو رغبة لإظهارهم بأنهم هم الذين أثاروا الفتنة ضد عثمان، فهو يعلم أن ابن سبأ بث أفكاره بين دهماء الناس وعامتهم، وليس بين الصحابة، وهؤلاء الدهماء كان لهم دور مؤسف في قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، وفي معركة الجمل، وما أعقبهما من نكبات ومصائب. أما الشيعة فيرجع سبب إنكارهم لوجود ابن سبأ فيما يبدو إلى عقيدته التي بثها وتسربت إلى فرق الشيعة، وهي عقيدة تتنافى مع أصول الإسلام، وتضع القوم موضع الاتهام والشبهة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لما للعداء التاريخي في نفوس الشيعة نحو الصحابة، ورغبة لإظهارهم بأنهم هم الذين أثاروا الفتنة بينهم. على أن من طعن من الشيعة في وجود شخصية ابن سبأ فقد طعن بالتالي في كتبهم التي نقلت لعنات الأئمة المعصومين عندهم في هذا اليهودي الماكر، وكيف يتصور أن تخرج اللعنات من المعصوم على مجهول! مع أنه لا يجوز في معتقد الشيعة تكذيب المعصوم! ! وفي الختام يتأكد بعد استقراء المصادر سواء القديمة والمتأخرة، عند السنة والشيعة، أن وجود عبد الله بن سبأ كان وجوداً حقيقياً تؤكده الروايات التاريخية، وتفيض فيه كتب العقائد، وذكرته كتب الحديث، والرجال، والأنساب والطبقات، والأدب واللغة، وسار على هذا النهج كثير من المحققين والباحثين والمحدثين [١٩] . ويبدو أن أول من شكك في وجود ابن سبأ بعض المستشرقين، ثم دعم هذا الطرح الغالبية من الشيعة المحدثين، بل وأنكر بعضهم وجوده البتة، وبرز من بين الباحثين العرب المعاصرين من أعجب بآراء المستشرقين، ومن تأثر بكتابات الشيعة المحدثين، ولكن هؤلاء جميعاً ليس لهم ما يدعمون به شكهم وإنكارهم إلا الشك ذاته، والاستناد إلى مجرد الظنون والفرضيات.

стр. 674

من أرشيف البيان تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ٢٢٤ - ٣١٠ محب الدين الخطيب ﵀ مفارقات: من عجيب المفارقات في تاريخنا وتواريخ الأمم الأخرى، وفي موقفنا من تاريخنا ومواقف الأمم الأخرى من تاريخها، أن نكون أغناهن جميعاً في كل ما يبني به تاريخ الأمة من أنباء ونصوص ومراجع وقرائن وإشارات وتحقيقات، ثم نبقى أفقرهن وأقلهن انتفاعاً بهذه الثروة في إقامة معالم تاريخنا على أساسها، بينما الآخرون قد أحدثوا - حتى من الأوهام - مكتبات جديدة لأجيالهم وجماهير قرائهم، حافلة بالطلى الشهي من صفحات ماضيهم، فوثقوا أواصر خلفهم بسلفهم، ويسروا لهم القدوة الحسنة بعظمة العظماء من نوابغهم، بعثوا لهم من ذلك الماضي صوراً حية ترتفع الرءوس بأمجادها، وتمتلئ القلوب بإجلالها واحترامها، وتطمئن العقول إلى تعليل تصرفاتهم والاعتبار بها ومواصلة السير نحو أهدافها. مواطن ضعف: ومواطن الضعف - التي أدت ببعض معاصرينا من حملة أمانات التاريخ العربي والإسلامي إلى أن يكون انتفاعهم بهذه (التركة) ضئيلاً - لا يكاد يأتي ... عليها الحصر - ومما يتبادر إلى الذهن منها الآن أمران: أولهما: أن الذين تثقفوا منا بثقافة أجنبية عنا قد غلب عليهم الوهم بأنهم (غرباء) عن هذا الماضي، وأن موقفهم من رجاله كموقف وكلاء النيابة من المتهمين. بل لقد أوغل بعضهم في الحرص على الظهور أمام الأغيار بمظهر المتجرد عن كل آصرة له بماضي العروبة والإسلام، لئلا يتهم في زعمه بالعصبية لهما، فوضع نفسه في موضع التهمة بالتحامل عليهما، جرياً وراء بعض المستشرقين في ارتيابهم حيث تحسن الطمأنينة، وفي ميلهم مع الهوى عندما يدعوهم الحق إلى التثبت، وفي إنشائهم الحكم وارتياحهم إليه قبل أن تكون في أيديهم أشباء الدلائل عليه. ولو أن إخواننا هؤلاء نشأوا على الإيمان بأنهم هم أصحاب هذه (التركة) ، وبأن هذا الماضي ماضيهم، وأن جيلنا حلقة في سلسلة هذا الماضي، وأن أحداثه ثروة لنا في القدوة والاعتبار، لنظروا إليه بعين الأم إلى ابنها، إن لم ينظروا إليه بعين الابن إلى أمه، ولا يكون ذلك إلا بتبني هذا التاريخ، والحرمة له، وبث الحياة في أمجاده، والحرص على استجلاء جماله، وإبراز فضائله، وتحري مواطن العظة والاعتبار في أخطائه، وحسن التعليل لذلك بالرفق والإنصاف وكمال التقدير. على أنه إذا كان هذا حال أهل الصبر منا على البحث والدرس، فما بالك بالآخرين الذين قد تقع أنظار الواحد منهم على بحث فج لمستشرق ناشئ أو منسي، فينتحل ذلك البحث من غير تعب، ويزعمه لقرائنا مبتكراً من عنده، وينقله لنا محرف الأعلام، متضارب الأحكام، مزدوج العي،ملتهب الحماسة في التحامل حتى على الفضائل عندما ينظر إليها - بعينه أو بعين من ترجم عنه - من وراء منظار أسود. ذلك أحد مواطن الضعف في دراستنا لتاريخ العروبة والإسلام، أما الموطن الآخر فهو ما لاحظته على بعض المعاصرين لنا من اشتباه الأدلة التاريخية عليهم، وحيرتهم بين جيدها وأجودها، بل فيهم من لا يميز بين الجيد منها والردىء، مع أن ذلك كان في متناول يده لو سبق له معرفة موازين رواتنا في النقد، أو وقف على مناهجهم في التأليف ومصطلحاتهم في الرواية، ومراميهم في الاستشهاد. وقد اخترت اليوم من هذه المراجع كتاب (تاريخ الأمم والملوك) للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (٢٢٤ - ٣١٠) لأتحدث عنه إلى إخواني المشتغلين بالتاريخ، ممن يحاولون الانتفاع به في الاستدلال والنقل، لأني رأيت منهم من يظن أن إيراد الطبري لخبر من الأخبار كاف لتحميل هذا الإمام مسئولية الخبر الذي أورده، واعتباره هو المصدر لهذا الخبر، وأن الأخبار التي يوردها سواء كلها في ميزان الصحة عنده، وأن عزوهم الخبر إلى الطبري ودلالتهم على موضعه من تاريخه تتم بهما مهمتهم من الاستدلال، وتبرأ بذلك ذمتهم من عهدة هذا الخبر، ويبقى الطبري هو المتحمل لمسئولية ما يترتب على ذلك في الحكم على أحداث التاريخ وعلى أقدار رجاله وتصرفاتهم. إن ظنهم هذا لا يغني من الحق شيئاً، وإن الطبري ليس هو صاحب الأخبار التي يوردها بل لها أصحاب آخرون أبرأ هو ذمته بتسميتهم، وهؤلاء متفاوتون في الأقدار، وأخبارهم ليست سواء في قيمها العلمية، ولايتم اعتبار الطبري مرجعاً في التاريخ إلا بإكمال المهمة التي بدأ بها، وهي تقدير أخباره بأقدار أصحابها، ففيها ما يعد من سلسلة الذهب، وفيها مالا تزيد قيمته على قيمة الخزف، ولكل ذلك نقاده وصيارفته وتجاره، وهم يعرفون أقدار هذه الأخبار عند التعريف بأقدار أهلها، وقديماً قيل: وما آفة الأخبار إلا رواتها. أنَّى لك هذا؟ إن كل خبر في تاريخ الطبري، بل كل نص يتناقله أهل العلم في أجيال الإسلام، له عند أهله قيمه رفيعة أو وضيعة، على قدر شرفه أو خسته بالرواة الذين ينتسب إليهم ذلك الخبر أو ذلك النص. فشرف الخبر في التراث الإسلامي تبع لصدق راويه ومنزلته من الأمانة والعدالة والتثبت، لذلك امتازت كتب سلفنا الأول بتسمية الرجل المسئول عن أي حديث نبوي يوردونه فيها، وبيان المصدر الذي جاءوا منه بأي خبر تحدثوا به إلى الناس. ولو لم يسموا الرجل المسئول عن الحديث النبوي عند إيراده، ولو لم يبينوا المصدر الذي حصلوا منه على أي خبر يودون ذيوعه بين الناس، لطالبهم بذلك علماء الثقافة الإسلامية بأشد من مطالبة المحاكم من يدعي ملكية العقار أو الحقل بما يثبت ملكيته له ومن أين صار ذلك إليه؟ وإذا كان مبدأ (أنى لك هذا) مما سنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مشروعية امتلاك الأموال، فإن أبناء الجيل الذي منه عمر بن الخطاب هم الذين سنوا للناس بعدهم وجوب بيان مصادر العلم، كما سنوا لهم وجوب بيان مصادر المال، والعلم أثمن عندهم من المال وأشرف، وأنفع منه وأبقى. نحن نعتبر تاريخ الطبري الآن من أقدم مصادرنا، وكان تاريخ الطبري في النصف الثاني من القرن الثالث (أي قبل أحد عشر قرناً) يعد من مصادر التاريخ الإسلامي الحديثة بالنسبة إلى المصنفات التي دونت قبله بثلاثة بطون، بل بأربعة. ولعل أقدمها مغازي مؤرخ المدينة موسى بن عقبة الأسدي المتوفى سنة ١٤٠ هـ، وهو الذي يقول فيه الإمام مالك: (عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة، وهي أصح المغازي) وابن عقبة من تلاميذ عروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص الليثي، ومن طبقة تلاميذه العراقيين سيف بن عمرالتميمي الكوفي المتوفى بعد سنة ١٧٠ هـ، وله في سنن الترمذي حديث واحد، والطبري يروى عنه بواسطتين، أي عن شيوخه وهم عن شيوخهم الذين كانوا تلاميذ لسيف. ومن طبقة تلاميذ موسى ابن عقبة مؤرخ الشام أبو إسحاق الفزاري الحافظ المتوفى سنة ١٨٦ هـ، وهو حفيد أسماء بن خارجة الفزاري وكان له كتاب في التاريخ أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في (مقدمة أصول التفسير) [١] ، بعد أن قال: (إن أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق، فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم. ولهذا أعظمَ الناسُ كتاب أبي إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك، وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار) . ... ويأتي بعد تلاميذ موسى بن عقبة طبقة يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي المتوفى سنة ١٩٤ هـ، ومن مؤرخي الشام الوليد بن مسلم أبو العناس الدمشقي مولى الأمويين المتوفى سنة ١٩٥ هـ، ومحمد بن عمر الواقدي المدني قاضي العراق المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، ثم كاتبه المؤرخ الحافظ الثقة محمد بن سعد بن منيع البصري (١٦٨ - ٢٣٠) . ومن هذا الجو العلمي استمد أبو جعفر الطبري هديته الكبرى إلى الأمم الإسلامية بما سجله وخلده من جهود شيوخه وشيوخ شيوخه ومن سبقهم إلى زمن التابعين والصحابة، فلم يترك مهماً من أخبار سلف الأمة مما أثر عن الأئمة الذين سمينا بعضهم إلا وقد دون طرفاً منه، ناسباً كل خبر إلى صاحبه وإلى من يرويه عنهم صاحب ذلك الخبر من شيوخه وأسلافهم. الأخبار الضعيفة عند الطبري: لم يقتصر الطبري على المصادر التي أشرت إلى بعضها، بل أراد أن يقف قارئه على مختلف وجهات النظر، فأخذ عن مصادر أخرى قد لا يثق هو بأكثرها، إلا أنها تفيد عند معارضتها بالأخبار القوية، وقد تكمل بعض ما فيها من نقص، كما صنع بنقله كثيراً من أخبار أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي الذي قال فيه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: (اخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره) وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: شيعي محترق، صاحب أخبارهم. مات قبل السبعين ومائة. فقد نقل الطبري ... من أخباره في مئات المواضع، ولو أن الذين ينقلون عن الطبري ويقفون عنده، استقوا أخبار من لوط بن يحيى هذا واكتفوا بعزوها إلى الطبري لظلموا الطبري بذلك، وهو لاذنب له بعد أن بين لقارئه مصادر أخباره، وعليهم أن يعرفوا نزعات أصحاب هذه المصادر ويزنوها بالموازين العادلة اللائقة بهم وبها. إن مثل الطبري ومن في طبقته من العلماء الثقات المتثبتين - في إيرادهم الأخبار الضعيفة- كمثل رجال النيابة الآن إذا أرادوا أن يبحثوا في قضية فإنهم يجمعون كل ما تصل إليه أيديهم من الأدلة والشواهد المتصلة بها، مع علمهم بتفاهة بعضها أو ضعفه، اعتماداً منهم على أن كل شيء سيقدر بقدره. وهكذا الطبري وكبار حملة الأخبار من سلفنا كانوا لا يفرطون في خبر مهما علموا من ضعف ناقله خشية أن يفوتهم بإهماله شىء من العلم ولو من بعض النواحي. إلا أنهم يوردون كل خبر معزواً إلى راويه ليعرف القارئ قوة الخبر من كون رواته ثقات أو ضعفه من كون رواته لا يوثق بهم، وبذلك يرون أنهم أدوا الأمانة، ووضعوا بين أيدي القراء كل ما وصلت إليه أيديهم، قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الطبراني من لسان الميزان: (إن الحفاظ الأقدمين يعتمدون في روايتهم الأحاديث الموضوعة مع سكوتهم عنها على ذكرهم الأسانيد، لاعتقادهم أنهم متى أوردوا الحديث بإسناده فقد برئوا من عهدته، وأسندوا أمره إلى النظر في إسناده) . ومن فوائد إيراد الحادث الواحد بأخبار من طرق شتى وإن كانت ضعيفة قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة تفسير القرآن (ص ٣٠ - ٣١) : (إن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول (أي بالقدر المشترك في أصل الخبر) لكن هذا ينتفع به كثيراً في علم أحوال الناقلين (أي نزعاتهم والجهة التي يحتمل أن يتعصب لها بعضهم) وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول، والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال أحمد: (قد أكتب حديث الرجل لأعتبره) . ومن الإنصاف أن نشير إلى أن اتساع صدور أئمة السنة - من أمثال أبي جعفر الطبري - لإيراد أخبار المخالفين من الشيعة وغيرهم. دليل على حريتهم، وأمانتهم، ورغبتهم في تمكين قرائهم من أن يطلعوا على كل ما في الباب، واثقين من أن القارئ الحصيف لا يفوته أن يعلم أن مثل أبي مخنف موضع تهمة - هو ورواته - فيما يتصل بكل ما هم متعصبون له، لأن التعصب يبعد صاحبه عن الحق. أما سعة الصدر في إيراد أخبار المخالفين فهي دليل على عكس ذلك، وعلى القارئ الحصيف أن يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، وأن يستخلص الحق عند ما يكون موزعاً أو معقداً. الانتفاع بأخبار الطبري: إنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل. فتراجم شيوخه مباشرة وشيوخهم توجد في الأكثر في مثل تذكرة الحفاظ للذهبي. وتراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المائة الثانية توجد في خلاصة تهذيب الكمال للصفي الخزرجي وتقريب التهذيب وتهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر. والذين تناولهم الجرح من الضعفاء يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ ابن حجر في لسان الميزان. وفي طبقات ابن سعد وتاريخ بغداد للخطيب وتاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ الإسلام للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير. وإن كتب مصطلح الحديث تبين الصفات اللازمة للراوي ومتى يجوز الأخذ برواية المخالف. ولا نعرف أمة عني مؤرخوها بتمحيص الأخبار وبيان درجاتها وشروط الانتفاع بها كما عني بذلك علماء المسلمين. وإن العلم بذلك من لوازم الاشتغال بالتاريخ الإسلامي، أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم. ولا يتعرفون إلى رواتها، ويكتفون بأن يشيروا في ذلك الخبر إلى أن الطبري رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني ويظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار، ولو أنهم تمكنوا من علم مصطلح الحديث، وأنسوا بكتب الجرح والتعديل، واهتموا برواة كل خبر كاهتمامهم بذلك الخبر لاستطاعوا أن يعيشوا في جو التاريخ الإسلامي، ولتمكنوا من التمييز بين غث الأخبار وسمينها، ولعرفوا للأخبار أقدارها بوقوفهم على أقدار أصحابها. وبعد فإن تركة سلف هذه الأمة - في كل ضرب من ضروب المعرفة - من أنفس ما ورثت عن أسلافها، وقد كانت لعلمائنا الأقدمين مشاركة في علوم كثيرة، فجاءت مؤلفاتهم مرتبطاً بعضها ببعض ومكملاً بعضها لبعض. والذي ألفوه في التاريخ واعتمدوا فيه على الرواية، مبالغة منهم في أداء الأمانة كاملة وافية، لا يجوز لمن ينقله عنهم أن يقصر في عرض تلك الأخبار على قواعد علم الرواية وعلى المعاجم المؤلفة في تراجم الرواة، وإن لم يفعل أخطأ الطريق، وكان عمله خارجاً عن مناهج العلماء. عن مجلة الأزهر المجلد ٢٤

стр. 675

واحة البيان مرزوق النفيعي كتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد عماله: أما بعد: فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد، فإذا هممت بظلم أحد؛ فاذكر قدرة الله عليك، وأعلم أنك لا تأتي إلى الناس شيئاً إلا كان زائلاً عنهم، باقياً عليك، واعلم أن الله آخذ للمظلومين من الظالمين، والسلام. * * * قال الحسن البصري: من أخلاق المؤمن قوة في دين، وحزم في لين، وحرص على علم، وقناعة في فقر، وإعطاء في حق، ويسر في استقامة، وفقه في يقين، وكسب في حلال. * * * من دعاء النبي ﷺ : رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. [زاد المعاد ١/٢٦٣] * * * قال أبو علي الروذباري: صحبت عبد الله بن المبارك في إحدى أسفاره، فلما دخلنا البادية قال: تكون الأمير أم أكون؟ قلت: بل أنت، قال: فعليك السمع والطاعة، فأخذ المخلاة ووضعها على عاتقه، فقلت: دعني أحمل عنك، فقال: أنا الأمير أم أنت؟ فقلت: أنت، فمكثنا ذات ليلة إذ أخذ المطر، فأخذ الكساء فأظلني وترك نفسه إلى الصباح، فوددت أني مت ولم أقل كن أميراً، فلما أردت الافتراق قال: يا أبا علي؛ إذا صحبت إنساناً فاصحبه هكذا. * * * قال عبد الله بن معاوية: ولست ببادٍ صاحبي بقطيعةٍ ... ولستُ بمفشٍ سرَّهُ حينَ يغضب عليك بإخوانٍ ثقاتٍ فإنهم ... قليلٌ، فصلهم دونَ من كُنتَ تَصْحَبُ وما الخِدْنُ إلا مَنْ صفا لك وُدُّهُ ... وَمَنْ هو ذو نصحٍ وأنت مُغَيَّب

стр. 676

شؤون العالم الإسلامي إيران تحث الشيعة الأفغان للتقارب مع نظام نجيب أحمد زيدان اقترح وزير الخارجية الإيراني إجراء محادثات مباشرة بين ممثلين عن حكومة باكستان وإيران ونظام كابل والمجاهدين الأفغان بهدف ما أسماه تحقيق السلام وإعادة الهدوء لأفغانستان، وأضاف في مقابلة صحفية أجرتها معه هيئة الإذاعة البريطانية باللغة الفارسية أن هذا الاقتراح هو الأول من نوعه الذي تقدمه إيران، وكان الغزل الإيراني مع نظام كابل قد بدأ منذ توقف الحرب العراقية - الإيرانية التي رافقها تحسن ملحوظ في علاقات روسيا - إيران، الأمر الذي انعكس على علاقة إيران مع نجيب الله. ومنذ انسحاب القوات الروسية من أفغانستان والعلاقات بين النظامين تتنامى، خاصة في التبادل التجاري حيث يلعب الملياردير الأفغاني الشيعي قاري أمان نوائي الذي يسميه الأفغان بـ (نور جكامي أفغان) أي (مخزن الأفغان) لثرائه وغناه حيث إنه يرفض تشغيل أي شخص غير شيعي لديه. كما انتعشت المؤتمرات الثنائية بين البلدين، وبدأت إيران بدعوة نظام نجيب إلى المؤتمرات التي تعدها مثل مؤتمر الصحة العالمية الذي عقد بالقرب من اجتماع للمجاهدين الأفغان مع التحالف الثماني الشيعي المستقر في طهران سابقاً، الأمر الذي أثار الشكوك حول لقاء المجاهدين مع ممثلين عن حكومة كابل، وكانت إيران تهدف من هذه اللقاءات والأمكنة القريبة من بعضها إلى إثارة الشكوك حول المجاهدين الأفغان، كما استقبل البرلمان الإيراني رئيس البرلمان الأفغاني التابع لنظام نجيب الله. تجدر الإشارة إلى أن نائب رئيس نظام كابل الحالي سلطان علي كشتمند من الشيعة الهزارة الذي تصفه المصادر الأفغانية بأنه مقرب من إيران، وقد أثار تعيين شقيه أسد الله كشتمند قائماً بالأعمال في إيران شكوكاً كبيرة في أعقاب انسحاب القوات الروسية، والكثير من المراقبين يرون في تعيينه إيماءة قوية من نظام كابل لإيران حيث أنه شيعي وشقيق لرئيس الوزراء السابق الشيعي الذي ترقى أخيراً إلى منصب نائب الرئيس نجيب، وتقول مصادر المجاهدين بأن سلطان علي كشتمند غدا شخصية قوية في نظام كابلحتى بدأ بتجميع الشخصيات الشيعية حوله. إيران تدعو لإشراك الشيوعيين في الانتخابات: دعا وزير الخارجية الإيراني في مقابلة صحفية معه أيضاً إلى إشراك أعضاء من الحزب الشيوعي الأفغاني في الانتخابات القادمة، وقد عقب (عبد العلي مزاري) الناطق الرسمي باسم حزب الوحدة الإسلامية الشيعية الجديد والذي يضم تسعة أحزاب شيعية على هذا التصريح بأن الأحزاب الشيعية لا تريد إشراك الشيوعيين في الانتخابات، وقد وافق مزاري في مؤتمره الصحفي في بيشاور على إشراك ظاهر شاه في الانتخابات. وتتخوف إيران كثيراً من وصول شخصية مثل المهندس قلب الدين حكمتيار أمير الحزب الإسلامي إلى السلطة في كابل خاصة وهو بشتوني وهم معروفون بعدائهم للشيعة بعدم قبول سيطرة الأجانب عليهم وقد عبر عن هذا التخوف الصحفي الباكستاني الشيعي مشاهد حسين المقرب من إيران عندما قال بعد عودته من طهران بأن المسؤولين هناك متخوفون من وصول حكمتيار إلى الحكم في كابل مما سيؤدي إلى وقوع أفغانستان بأيدي المتطرفين - على حد زعمهم -. الشيعة يعززون مواقعهم في حكومة نجيب: نقلت مصادر موثوقة في كابل بأن نظام نجيب الله قد حاول ملء فراغ قادة انقلاب حركة السادس من مارس بقيادة تاناي ببعض الشخصيات، فكان معظمهم من الإسماعيلية والشيعة، وبعد هدوء الأوضاع حاول نجيب إقالتهم إلا أنه فشل في تحقيق أهدافه خاصة بعد أن دعمهم سلطان علي كشتمند وعزز مواقعهم خاصة في قيادة الجيش والاستخبارات، وبعد انقلاب تاناي التقى نجيب مع مندوبين عن التحالف التساعي الشيعي الأفغاني المستقر في طهران ومما جاء في كلمته قوله: " أود أن أقول في لقائي هذا بأن شعب الهزارة (الشيعة) شعب مظلوم وهو في نفس الوقت شعب صادق ومخلص في الدفاع عن وطنه ولا ننسى موقفه المشرف مع أمان الله عندما قام ضده المتطرفون والذين يقفون بوجهنا اليوم حيث إنه أراد إصلاح البلاد فوقفتم إلى جانبه حتى آخر لحظة من سقوطه " وكان يشير بهذا إلى وقوف جماعة الهزارة إلى جانب الملك أمان الله في تحديث البلاد بوجهة غير إسلامية فوقف في وجهه العلماء. ولم ينس نجيب أن يدغدغ عواطف الشيعة في العزف على وتر خطر الوهابية التي تعتبر بعبع الشيعة عندما قال: " إن انقلاب تاناي حكمتيار كان بأمر من المخابرات الباكستانية والوهابية السعودية ". وتقول مصادر المجاهدين القادمة من كابل بأن الشيعة قد شكلوا عدة ألوية عسكرية شيعية تشرف على قطع طرق المجاهدين في الهجوم على كابل ومعهم سيد جكرن. ولا تستبعد مصادر المجاهدين إذا حصلت انتخابات في هذه الفترة أن يقوم نجيب بالسماح للشيعة الأفغان الموجودين داخل المناطق التي يسيطر عليها بالذهاب لأماكن الاقتراع في المناطق المحررة خاصة وأن أغلب مناطق الشيعة ليست تحت سيطرة نجيب مما يجعل تحقيقهم لنتائج أكثر من نسبتهم أمراً أكيداً.

стр. 677

أمريكا دمرت أسلحتها في إسلام آباد لمنعها عن المجاهدين خاص بالبيان - من أفغانستان: كشفت مصادر أفغانية عالية المستوى أثناء حديثها لـ (البيان) على أن انفجار (أوجري) الذي هز إسلام آباد أوائل إبريل ١٩٨٨ قد استهدف تدمير الأسلحة المخزونة للمجاهدين الأفغان في العاصمة الباكستانية، وربطت المصادر بين التفجير والتوقيع على اتفاقيات جنيف في ١٤ إبريل ١٩٨٨ بين الحكومة الباكستانية ونظام كابل بضمانات أمريكية روسية. حيث قامت أمريكا عن طريق عملائها في باكستان بهذا التفجير بعد أن تيقنت من مسألة الانسحاب الروسي من أفغانستان الذي كانت تعتبره السبب الرئيسي لدعمها المجاهدين الأفغان، وقد حرص الأمريكان أثناء الانسحاب الروسي من أفغانستان على عدم مهاجمة المجاهدين لقوافل الروس المنسحبة، وللأسف فقد اختلفت وجهات نظر المجاهدين حيال مسألة الهجوم على القوافل المنسحبة، وتقول المصادر الأفغانية بأن المجاهدين ومعهم الرئيس الباكستاني ضياء الحق كانوا في طمأنينة من أن الأسلحة والذخائر الموجودة في معسكر أوجري تكفي المجاهدين لإسقاط نظام كابل، وعقب التفجير فقد أظهر الأمريكان أنهم مستعدون للتعويض عن هذه الأسلحة ولكن كانوا يتذرعون مرة بالشحن الجوي وصعوباته؛ وأخرى بمشاكل الشركات العسكرية التي تقوم بتوريد الأسلحة والذخائر. تجدر الإشارة إلى أن آلاف من الصواريخ قد دمرت وفجرت في هذا الانفجار منها ستمئة صاروخ ستينغر الذي لعب دوراً في إسقاط الطائرات العسكرية الروسية، كما قتل الآلاف وأعيق العشرات من الآلاف من سكان مدينتي إسلام آباد وراولبندي حيث ظن أهالي المدينتين أن القيامة قد قامت من هول ما حدث، وهذا أيضاً يضاف إلى البراهين الساطعة السابقة على أن القوى الكبرى التي تتشدق بمسألة حقوق الإنسان والهجوم على الإرهاب لا تتورع عن ارتكاب أخس وأنذل الوسائل في حماية نزواتها ومصالحها الشخصية. وكان المجاهدون الأفغان قد أشاروا إلى النقص في الأسلحة بعد هجومهم على جلال آباد في مارس ١٩٨٩ ولكن دون جدوى. وخلال أيام الانفجار هاجمت المعارضة الباكستانية لحكم ضياء الحق مسألة وضع مثل هذا العدد الهائل من الأسلحة في وسط مدن مزدحمة بالسكان، ولكن يبدو أن الرئيس الباكستاني كان يريد أن يحمي الأسلحة بالمدنيين ظناً منه أن الأمريكان لن يقوموا بتفجيرها وقتل مثل هذا العدد الهائل من السكان، ولكن ظنه لم يكن واقعياً، فقد ضحى الأمريكان بسفيرهم في إسلام آباد مقابل تصفية القادة العسكريين في إسلام آباد أثناء حادث الطائرة في ١٧ أغسطس ١٩٨٨.

стр. 678

تاتشر ترغب بتوجيه أسلحة حلف الأطلسي إلى الشرق الأوسط أعلنت مارغريت تاتشر أن الحدود بين الشرق والغرب قد زالت. وأضافت أن الغرب لم يكن في أي فترة أكثر أمناً منه الآن. وبعد ٤٥ سنة يجب أن يتجه من منع قيام الحرب إلى العمل على بناء السلام. وحذرت -في الوقت نفسه- من أن حلف الأطلسي ربما يضطر لتحويل دفاعاته ضد تهديدات جديدة؛ وبخاصة من الشرق الأوسط. وهذا يعني تخفيضاً كبيراً في القوات البريطانية المرابطة في ألمانيا الغربية، وكذلك في عدد الصواريخ النووية. وبدلاً من ذلك الاهتمام الكبير في الجانب العسكري يجب التركيز على الجانب السياسي من عمل الحلف. ولكنها اقترحت أن يرتبط ذلك بقوات تدخل سريع مسلحة بأسلحة متطورة جاهزة للرد على أي تهديد يصدر من أي جهة من العالم. كما قالت: إن العالم يتغير بسرعة تقصر عنها طرق تكفيرنا؛ لذلك فإننا بحاجة إلى أن نكون أكثر براعة، وأن نعمل على إقامة مجال أكبر للتعاون. وحديث تاتشر هذا جاء قبيل سفرها لمقابلة غورباتشوف حيث من المتوقع أن تجتمع مع القيادة العليا للقوات المسلحة السوفييتية. وأكدت على الحاجة لأن يظل الـ (ناتو) قوياً - كما كان دائماً - وأن في تجربته عناصر سياسية مهمة. هذه العناصر تتضمن الحفاظ على مبادئ الأمن الجماعي، واستمرار الحضور الأميركي في أوربا، والإبقاء على قواعد صاروخية نووية كافية في أوربا للاحتفاظ بقوة ردع مطمئنة. وأضافت - تعليقاً على التغييرات الديموقراطية في أوربا الشرقية -: إن البنية السياسية التي عهدناها تتغير بسرعة، فالشيوعية تداعت، ولم يعد أمام حلف الأطلسي حدود سياسية واضحة، وهذا يثير أسئلة كثيرة لابد لها من أجوبة: هل مازال هناك دور للخطط الدفاعية التقليدية؛ أم لابد لنا من إعادة النظر فيها، والاعتماد الأكبر على فعالية الحركة والمرونة وقوات الاحتياط؟ وهناك سؤال آخر، وهو ما إذا كان على حلف الأطلسي (أن يفكر ملياً بإمكانية تهديدات لأمننا من جهات أخرى) . وأردفت تقول: لم تمض مدة طويلة على الظروف التي اضطرت الغرب على الذهاب إلى الخليج العربي ليضمن استمرار تدفق النفط الذي لا يمكن الاستغناء عنه، الإضافة إلى ذلك؛ ومع انتشار الأسلحة المتطورة والتقنية العسكرية وامتدادها إلى مناطق كالشرق الأوسط فإن ذلك يجعل إمكانية تهديد قادم من خارج أوربا لأقاليم حلف الأطلسي أمراً لا يستهان به. وأمام هذا الوضع فإن من الحكمة الاحتفاظ بالقدرة على القيام بأدوار متعددة، وبقوات قادرة على القيام بمهمات مختلفة وبمرونة أكبر. كما يجب على الحلفاء أن يختبروا إمكانية زيادة الدول المشاركة في حلف الأطلسي. أما على المستوى السياسي فقد قالت: يجب على حلف الأطلسي أن يعمل على تقوية العلاقة مع الولايات المتحدة، وينتقل إلى نشاطات أخرى مثل نزع السلاح. عن: ايفننغ ستاندرد ٧/٦/١٩٩٠

стр. 679

تحريض وإثارة ضد الإسلام مقتطفات من مقال افتتاحي في جريدة الصندي تايمز في ١٠ / ٦ /١٩٩٠ ... إن ٦٠ مليون مسلم في الاتحاد السوفييتي ينزعون من أعناقهم نير العبودية المفروض عليهم من قبل روسيا، وينعطفون نحو الإسلام، الأمر الذي سيمزق الاتحاد السوفييتي، ويشكل أكبر تهديد لمصالح الغرب قبل نهاية هذا القرن. وفي الوقت الذي يتناقص فيه التهديد الصادر من حلف وارسو شهراً بعد شهر؛ إلا أن التهديد الإسلامي سيتنامى سنة بعد سنة، وهذا التهديد مختلف في النوعية والدرجة عن التهديد الذي كان للحرب الباردة، وعلى الغرب أن يتعلم كيف يحتوي ذلك التهديد، كما تعلم كيف يحتوي الشيوعية. إن جميع الجمهوريات الإسلامية السوفييتية الجنوبية تتطلع بإلحاح إلى الاستقلال، وسكانها يمثلون ٢٠% من سكان الاتحاد السوفييتي، ومجندوها يمثلون ٣٣% من الجيش السوفييتي. إن الحوادث العرقية التي حدثت في بعض الجمهوريات المسلمة هذه تشير إلى أن موسكو لن تستطيع الاحتفاظ بالوضع كما كان عليه سابقاً، وإذا ما حاولت فسينجم عن ذلك فوضى عارمة تؤدي إلى حوادث عنف بشكل لم يعهده الاتحاد السوفييتي، وإن الشيوعيين الروس (الذين ينظرون إلى رفاقهم المسلمين بازدراء) سوف يطلبون من قادتهم ترك هذه الجمهوريات وشأنها. إن موجة كاسحة من الشعور القومي والديني تجرف المسلمين نحو الاستقلال لينضموا إلى باقي العالم الإسلامي في وقت يرتفع فيه إيقاع التطرف الإسلامي. إن احتمالات السلام بين العرب وإسرائيل تبدو الآن بعيدة أكثر من أي وقت مضى، بسبب إصرار الحكومة الإسرائيلية على الاحتفاظ بقطاع غزة والضفة الغربية، وبسبب تدفق المهاجرين اليهود السوفييت من جديد، وهكذا فإن إسرائيل لن تخشى بعد الآن النمو السكاني العربي داخلها. وعلى الرغم من أن هذا كله لا يعني نشوب الحرب - بسبب فرقة العرب وتشتتهم - فإن اللجوء إلى العنف أمر لا مفر منه في ظل تصلب إسرائيل. والأجنحة المتصلبة من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية ولبنان يعودون للتمسك وبشكل متزايد بالقرآن (! !) . إن الأصوليين اليوم يمثلون أكبر خطر لقيادة ياسر عرفات لمنظمة التحرير، وحتى الكويت المعتدلة رأت من الحكمة إعطاء اغلب معونتها التي وعدت بها الفلسطينيين السنة الماضية والمقدرة بـ ٥٠ مليون جنيه استرليني (لحماس) بدلاً من منظمة التحرير ... إن على الغرب والاتحاد السوفييتي الإعداد لمواجهة هذا الإسفين الإسلامي الهائل الممتد من شواطئ البحر المتوسط وشمال أفريقيا عبر أواسط آسيا إلى حدود الصين مشتملاً على الجمهوريات الإسلامية السوفييتية التي في طريقها إلى التحرر. نعم، إن هذا العالم الإسلامي لن يمثل وحدة سياسية أو عسكرية كما كان حلف وارسو مثلاً؛ ولكنه لن يكون أقل تهديداً وخطراً على مصالح الغرب ( ... ) . إن مهمة الغرب الأولى في أن يدرك مدى وطبيعة التهديد الجديد، ثم البدء بالتخطيط للخطوات الضرورية لحماية المصالح الغربية، كتطوير إمكانية حلف الأطلسي للقيام بعمليات عسكرية خارج الساحة الأوربية - كما اقترحت تاتشر أمام وزراء حلف الأطلسي في لقائهم في اسكوتلندة - سيكون ضرورياً، ومع الوضع في الاعتبار أن بعضاً من أخطر الدول الإسلامية ستمتلك قريباً الأسلحة النووية والوسائل لإنتاجها؛ فإن نوعاً ولو محدوداً من مبادرة ريغان الدفاعية - والتي تتضمن القدرة على تدمير صواريخ العدو أثناء انطلاقها - لا تبدو الآن سخيفة كما بدت لمنتقديها في وقتها. وعلى الغرب أيضاً تنمية علاقاته مع أصدقائه في العالم الإسلامي الذين يفضل الكثير منهم التعايش السلمي مع الغرب، وأن يفهم أعداءه بما لا يقبل الشك، أن أي تهديد لمصالح الغرب سيواجه بكل تصميم وإن اضطره إلى استخدام القوة ( ... ) . * * * تعليق المجلة: إن الموضوعين السابقين يمثلان وجهة نظر الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، والموضوع الأول هو رأي رسمي صادر عن أعلى مؤسسة استراتيجية للحضارة الغربية وهي حلف الأطلسي، الذي تقترح تاتشر - وهي من مهندسي خططه - أن يظل حذراً من التحركات الإسلامية، التي لاتذكرها بالاسم، بل بالإشارة إلى المنطقة - على عادة الانكليز بتسمية الأسماء بغير أسمائها الحقيقية - وأن لا يتردد في التدخل العسكري في أي مكان من العالم، للقضاء على أي تهديد متوقع. وأبسط ما يقال في هذه النظرة أنها تعتبر العالم كله مجالاً حيوياً خلق لخدمة الحضارة الأوربية، فأي عنصرية أكبر من هذه العنصرية، وأي استهانة بالشعوب الأخرى أشد من هذه الاستهانة؟ ! أما الموضوع الثاني فيعتبر كشرح وكحاشية لإشارة تاتشر، ويبين مبررات الطبيعة العدائية الكامنة في الفكر الغربي، والتعصب والشوفينية والاستعلاء ضد جميع المسلمين في شتى بقاع العالم. وهذا واضح من الضيق والضجر الذي يشعر به هؤلاء الغربيون عندما يفكر المسلمون ولو مجرد تفكير في نزع الظلم المفروض عليهم، وحتى لو أن مناخاً عاماً واعداً بإزالة ظلم مخيم يعم الناس: مسلمهم ومسيحيهم وبوذيهم وملحدهم فإن هذا المناخ ينبغي أن يقتصر على غير المسلمين، ويستثني المسلمون من نعمة تأثيره، لا لشيء إلا لأنهم مسلمون لا يستحقون جدارة العيش أحراراً. إن كاتب المقال الثاني الذي لم تذكر الصحيفة اسمه (وقد يكون يهودياً أو مؤيداً للصهيونية بشدة) تغيظه المساعدات التي تقدم من بعض العرب إلى إخوتهم في فلسطين ويضيق ذرعاً بذلك، ويتناسى ويتجاهل المبالغ التي لاحصر لها التي قدمت ولا تزال تقدم إلى المنظمات الصهيونية، وكذلك المساعدات الهائلة التي تقدمها الولايات المتحدة ودول أوربا للدولة اليهودية والتي لولاها لما كتب لها الحياة. إن الفقرتين المقتبستين نموذج لهذه الحملة المسعورة على المسلمين كلما بدت في الأفق بوادر يشم منها عودة المسلمين إلى دينهم.

стр. 680

المسلمون والمتغيرات الدولية لازالت أحداث أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي والحديث عن الوحدة الأوربية وما رافق ذلك من متغيرات ومفاجآت، لا زالت تتوالى ولم تتوقف بعد، وآخر أنبائها دعوة الرئيس الأمريكي لغورباتشوف أن يحضر اجتماعات حلف الأطلسى بصفة (مراقب) ، واقترح (بوش) أن لا يكون حلف الأطلسي حلفاً عدوانياً، بل إن بعض دول حلف وارسو تقدمت بطلب للانضمام إلى حلف الأطلسي، واليونان تتحدث عن الجيش الأوربي الموحد (الشرق الأوسط ١٨ /٧/ ١٩٩٠) وألمانيا الشرقية تطالب بانسحاب القوات السوفيياتية، أما عن أوربا الغربية فخطوات توحيد النقد والانفتاح الاقتصادي سائرة كما يخطط لها. هذه التطورات وإن فاجأت بتسارعها مثل هنري كيسنجر (الشرق الأوسط ١٥ /٧/١٩٩٠) فإن الغرب لم يكن بعيداً عنها، أعني في تصعيده للأحداث، والنية المبيتة في تفكيك الامبراطورية الروسية. إن ألمانيا الغربية تدفع آلاف الملايين إلى مواطني الشرقية حتى ترفع مستواهم الاقتصادي تمهيداً للوحدة الكاملة، وسواء توحدت أوربا في القريب العاجل أم أن ذلك سيتم بخطوات وئيدة وليس من الضروري أن تكون وحدة كاملة. فمما لاشك فيه أن أوربا استراحت من هاجس الخوف الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي والدول التابعة له ومعنى هذا أنها ستتفرغ لأمور أخرى، ومن أهمها موقفها من العالم الإسلامي والهيمنة الاقتصادية، فإن اليابان رغم أنه يشكل كتلة اقتصادية ولكنه لا يشكل تحدياً حضارياً فلم يبق إلا العالم الإسلامي وبعض دول آسيا وأفريقيا لإثبات الهيمنة الاقتصادية، وهذه لابد لها من هيمنة فكرية، تتمثل بإبعاد الإسلام عن أن يكون هو المؤثر والفعال في حياة الناس، وهذه النوايا لا يكتمها الغرب، بل يصرح بها علناً ويقول: إن الخطر القادم هو الإسلام، كما صرح بذلك وزير فرنسي سابق. هذه الحقيقة جعلت بعض السياسيين العرب يعترف بها كما جاء في مقابلة أجرتها (الوطن العربي) بتاريخ ٢٢/٦/١٩٩٠ مع الأستاذ طاهر المصري وزير الخارجية الأردنية السابق، قال: ( ... وهذا التفكير الإسرائيلي سوف يتزامن مع بحث الدول الغربية عن عدو جديد لهم بعد انهيار العدو الشيوعي، هذا العدو هو العالم الإسلامي) . وأقرب جزء من العالم الإسلامي لأوربا هو العالم العربي الذي تبدي الصحف الغربية اهتماماً زائداً به وهذا الاهتمام راجع للأسباب التالية: ١- هذه المنطقة تمثل قلب العالم الإسلامي فإذا نهضت شعوبها وتوحدت فسيكون لها أكبر الأثر على الشعوب الإسلامية المجاورة. ٢- يخشى الغرب من الإسلام السني والذي تعتنقه أكثرية الشعوب العربية. والغرب يعلم الفرق بين السني وغيره، ويعلم بالتفصيل تاريخ أهل السنة مع أعداء الإسلام، وأن الذي دافع عن الإسلام قديماً (في الحروب الصليبية) وفي العصر الحديث هم أهل السنة. ٣ - قرب العالم العربي وخاصة الشمال الأفريقي من أوربا [١] ، وإن النمو السكاني المتزايد في هذه البلدان يقلق أوربا جداً وهنا قد يقول قائل: كيف يخشى الغربيون من شعوب هذه المنطقة وهي على ما نعرف الآن من الضعف الاقتصادي والحضاري بشكل عام، والجواب أن الغرب لا يفكر في الحاضر بل هو دائماً التخطيط للمستقبل وحكام الغرب يعلمون أن شعوبهم في انحدار أخلاقي وما يتبع ذلك من أمراض جسمية ونفسية، وإذا كان الغرب يتطلع إلى وحدة ١٩٩٢ فإن الوضع في المنطقة العربية كأنه لا يريد التحرك لمواجهة هذه التحديات، فكما يقول أحد الكتاب: الغني يرسف في غناه، والفقير يرسف في فقره، وأصحاب كثرة السكان يعانون من الكثرة، وأصحاب قلة السكان يعانون من القلة. ونحن نقول: وقبل هذا وذاك لا يزال العلمانيون أصحاب المناهج المختلفة ماضين في عنادهم ويحاولون بشتى الوسائل منع الإسلام من العودة، الإسلام الذي من خلاله تتأكد شخصية الأمة، ويتم بناء الحضارة المتميزة، ومن خلاله تتوحد الشعوب الإسلامية في وجه الهيمنة الفكرية والاقتصادية.

стр. 681

مطالعات ومتابعات - ١ - نشرت صحيفة (القدس العربي) بتاريخ ٢٦/٦/١٩٩٠ مقابلة مع المحجوبي أحرضان وهو سياسي مغربي وعضو في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي شكلته الحكومة وعندما سأله مندوب الصحيفة عن (اتحاد المغرب العربي) أجاب على الفور: اتحاد المغرب الكبير، وعندما أعاد عليه أن الاتحاد اسمه اتحاد المغرب العربي قال: (مازلنا لم نقبل بأن يكون عربياً..، ثم أردف: هناك اتصالات مع القبائل في الجزائر، ولكن من أجل الخير. - قال مندوب الصحيفة: ولكن هذا يمزق المغرب العربي. - أجاب أحرضان: بلا شك سنفعلها.. لأننا نريد المحافظة على لغتنا (البربرية) وعاداتنا.. لماذا تريدون ترك (الأمازيغية) . - لم تصدروا أي صحيفة بالأمازيغية. - أصدرنا مجلة ومنعوها. - لماذا؟ - قالت في إحدى أعدادها: الاستعمار العربي في المغرب فمنعوها.. - استعمار عربي ياسي أحرضان! !) تعليق: ليس هناك مسلم يعقل الإسلام يثيرها نعرة عنصرية، وإنما يضع نصب عينيه: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا] فهناك شعوب وأجناس كلها ترجع في النهاية إلى أب واحد، وعندما ينعم الله على شعب بأن يهديه إلى الإسلام تصبح اللغة العربية إن لم نقل هي الوحيدة فهي الأولى لأنها لغة دينه، قرآنه وسنته، ويعتز بها ويعلمها أولاده، بل هي واجبة عليه، ونحن نعيذ أي مسلم بربري أو كردي أو هندي أن يأنف من الانتساب لهذه اللغة لأنها بنظره ذوبان في (العرب) فهذه شعوبية لاشك في ذلك، وإذا كانت النعرة القومية التي أفسدت الحياة العربية وجدت لها صدى عند بعض العرب وخاصة عرب المشرق، فقد كان هذا خطأ عولج به خطأ قبله وهو سياسة التتريك التي اتبعها العثمانيون في آخر أيامهم فأثاروا عليهم أصحاب القوميات الأخرى مما استغله أعداؤهم الغربيون وكان سبباً في هزيمة الدولة العثمانية ثم انهيارها أخيراً. ونحن - المسلمين اليوم - يجب أن نقرأ التاريخ ونستفيد من عبره ودروسه ونقلع عن سياسة التشنج وعلاج الداء بالداء، ونرجع إلى الدين الذي يجمعنا كلنا، أجناساً مختلفة، واللغة العربية لها المحل الأول، وتراجع الشعوب التي أسلمت عن اللغة العربية وعودها إلى لغاتها المحلية خطأ يجب أن يصحح بالعودة شيئاً فشيئاً إلى اللغة التي اختارها الله لكتابه، وإنا نعيذ القبائل في الجزائر، والمغرب أن تستجيب لمثل هذه النعرات، ولمثل هذه الأحقاد، وليعتقدوا بالشيخ ابن باديس - ﵀ الذي يرجع نسبه إلى عائلة من كبرى العائلات القبائلية الأمازيغية ولكنه كان من أشد الناس تحمساً لنشر اللغة العربية، لأنها لغة ديننا وقد شرق شعره وغرب وهو الذي يقول فيه: شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب وما يقال عن الإخوة في المغرب والجزائر يقال للأخوة الأكراد وغيرهم، إن الحل هو الإسلام واللغة العربية وليس إحياء اللغات المحلية، والعادات القديمة و (لنحافظ على شخصيتنا) كما يقال لهم: نعم الإسلام لا يغير من طبيعة الإنسان وخصائصه، التي لا تتعارض مع مبادئه الأساسية، فلكل شعب خصائص وعادات، ولكن الذين يرفعون هذه الشعارات إما قوميون يكرهون العرب (جنس العرب) وإما مخدوعون بهذه الشعارات أو رداً على ما يرفعه العرب من شعارات قومية. من المؤسف أن دول أوربا وشعوبها تتجه نحو الوحدة، بينما نحن نعيدها قبلية جاهلية منتنة. - ٢ - في معرض متابعة الأحداث العالمية وما جرى ويجري فيها من تغيير أذهل الجميع وكيف تغيرت خارطة العالم السياسية من صراع بين الشرق والغرب وبينهما (العالم الثالث) إلى انقسام العالم إلى شمال وجنوب، فالدول الصناعية والدول الأوربية بما فيها روسيا تحاول التقارب والاتحاد، ويبقى العالم الآخر هو عالم الجنوب بما فيه (العالم الإسلامي) . كيف ينظر بعض كتاب العرب المشهورين إلى هذه المتغيرات، يبدو أنهم لا يريدون الاعتراف بالهزيمة، وأن اليسار كله قد انهزم، فالحنين إلى العلاقات (العربية - السوفيتية) لا يزال يراود أحلامهم، مع أن روسيا تقول بواقع الحال: لا تحرجوني أمام الغرب. فأنا في شغل عنكم الآن. كتب الدكتور محمد عابد الجابري في الصفحة الأخيرة من (اليوم السابع) ٢٥/ ٦ /٩٠: (هل نحكم على العلاقات العربية السوفييتية بالذوبان في ... بحر علاقات (الشمال) بـ (الجنوب) ، إن هذا المشهد البسيط والمخيف يقوم على اختزال أشياء كثيرة، وإغفال معطيات هامة إن نحن أخذناها بعين الاعتبار وجدنا أنفسنا أمام مجال لتطوير العلاقات العربية - السوفياتية) . أما قسطنطين زريق فيدعو في مقال له في (الحياة) ٦/٧/٩٠ إلى الاستفادة من النواحي الايجابية للعقيدة الشيوعية، وأن الرؤية الشيوعية فيها من الشمولية، ومبدأ المساواة ضمن المجتمع الواحد، وأن ما وقع في الاتحاد السوفييتي ما هو إلا قصور في التطبيق والأخذ بجانب وإهمال الجوانب الأخرى. ويدعو في نهاية المقال إلى (الاستفادة من خبرة الاتحاد السوفييتي وخاصة في مجال التاريخ الإنساني الشامل) . لاشك أنها حشرجة الموت عند هؤلاء الذين يدعوننا للاستفادة من خبرة روسيا، وهي التي تريد إزاحة كل هذه التركة الثقيلة عن كاهلها، ولا نقول هذا الكلام لحساب الرأسمالية الغربية فهي أيضاً الوجه الآخر للمادية الأوربية الاستعمارية، ولكنها تحمل بعض عناصر البقاء والمقاومة أكثر من الشيوعية. مساكين هؤلاء الكتاب (وأمثالهم كثير) إنهم لا يملكون الشجاعة للاعتراف بالحق، إنهم يراوغون ويدورون حول مفاهيمهم السابقة، ونحن نقول لهم ليس هناك حق إلا الإسلام.

стр. 682

ركن الأسرة كلمة الصفحة هدى محمد سميح أختي المسلمة: لاشك أنك تحبين الاجتماع بإخوانك المسلمات والتحدث إليهن ومؤانستهن، وخاصة إذا كنتن في ديار الغربة، ولابد أنك تلتقين بكثير منهن من أجناس وخلفيات متعددة في المساجد والمراكز الإسلامية، فعليك أن تعطي انطباعاً حسناً للأخريات عن شخصيتك وأن يكون أثر التربية الإسلامية والخلق الإسلامي ظاهراً في هذه الشخصية. إن أول مدخل إلى قلوب الناس هو لسانك، أي طريقة حديثك إلى الأخريات، فكوني شديدة الحذر في استعمال هذه القطعة من الجسم، فربما تلقين بكلمة - لا تلقين لها بالاً ولا تقصدين بها سوءاً - ويكون لها أثر سيئ ومنفر، ويتحاشى الناس بعدها مجالستك ومحادثتك. إن اللياقة في الحديث وحسن العشرة مع الأخريات من أخلاق المسلم التي يجب أن تصرفي إليها كثيراً من الاهتمام.

стр. 683

همسة للأمهات هدى محمد سميح إذا أخطأ طفلك وعندك بعض الضيوف أو الحضور فلا تحاولي نهره وتوبيخه - فضلاً عن ضربه - أمام ضيوفك. إن هذا السلوك غير حكيم من ناحيتين: ١- فهو قد يوحي للضيوف أو الحضور أنك ضائقة بهم وبزيارتهم، وتحاولين التعبير عن ذلك بعقوبة الطفل. ٢ - ومن جهة أخري فهو ضار بسلوك الطفل، وله مردود عكسي لا يحقق الغرض من العقوبة وهو التأديب. والتصرف الأمثل في مثل هذه الحالة إما تأجيل العقاب إلى وقت آخر، أو الانفراد بالطفل وإفهامه خطأه وتأنيبه بعيداً عن ملاحظة الآخرين. اعتقادات خاطئة حول التغذية ١- أكل السمك وشرب الحليب أو اللبن مضر بالصحة وقد يسبب الوفاة! هذا اعتقاد خاطئ، وسبب شيوعه أن الحليب والسمك من الأطعمة الحساسة السريعة الفساد ويكثر التسمم عن طريقها، أما مجرد الربط بين هذين النوعين من الطعام وأنه مضر فلا دليل علمي صحيح عليه. ٢- عصير الطماطم (البندورة) والعنب الأحمر يزيد في الدم! غير صحيح وليس مجرد تشابه لونهما مع لون الدم يعطيهما هذه الخاصية، حيث إن من مكونات الدم البروتين والحديد.

стр. 684

تمثل العقائد في الطفولة خولة درويش لاشك أن تأسيس العقيدة السليمة منذ الصغر أمر بالغ الأهمية في منهج التربية الإسلامية، وأمر بالغ السهولة كذلك [١] . ولذلك اهتم الإسلام بتربية الأطفال على عقيدة التوحيد منذ نعومة أظفارهم، ومن هنا جاء استحباب التأذين في أذن المولود، وسر التأذين -والله أعلم- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند مجيئه إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها [٢] . ومن ثم يتولى المربي رعاية هذه النبتة الغضة، لئلا يفسد فطرتها خبيث المؤثرات، ولا يهمل تعليمه العقيدة الصحيحة بالحكمة والموعظة الحسنة، لأن العقيدة غذاء ضروري للروح كضرورة الطعام للأجسام، والقلب وعاء تنساب إليه العقائد من غير شعور صاحبه، فإذا ترك الطفل وشأنه كان عرضة لاعتناق العقائد الباطلة والأوهام الضارة، وهذا يقتضينا أن نختار له من العقائد الصحيحة ما يلائم عقله ويسهل عليه إدراكه وتقبله، وكلما نما عقله وقوي إدراكه غذيناه بما يلائمه بالأدلة السهلة المناسبة وبذلك يشب على العقائد الصحيحة، ويكون له منها عند بلوغه ذخر يحول بينه وبين جموح الفكر والتردي في مهاوي الضلال [٣] . أما إن أخطأ المربون في تعرف اهتمامات الطفل الدينية فقدموا له تفسيرات دينية غير ملائمة، فحينئذ (إما أن ينبذها كما ينبذ أية فكرة لا تتسق مع ... تكوينه النفسي المتكامل وإما أن يتقبلها على مضض مجاملة للأهل، وضماناً لاستمرار عطفهم، ولكنه تقبل مؤقت يخفي معارضة مكبوتة [٤] . فالإجابة السليمة الواعية على تساؤلات الأطفال الدينية، بما يتناسب مع سنهم ومستوى إدراكهم وفهمهم أمر ضروري، مع الاعتدال في التربية الدينية لهم، وعدم تحميلهم مالا طاقة لهم به ... وكذا عدم اهمالهم بحجة أنهم صغار لا يفهمون، كما يظن البعض، فهذا رسولنا الكريم قد تعهد أصحابه، حتى الأطفال منهم فغرس في نفوسهم أسس العقيدة، قال معلماً لابن عباس ﵁: «يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» [٥] . بمثل هذه التوجيهات الحكيمة نستطيع أن نحصن عقائد أبنائنا، وفي كل تصرف من تصرفات المربي وكل كلمة من كلماته يراقب ربه، ويحاسب نفسه لئلا تفوته الحكمة والموعظة الحسنة، وحتى لاتوقع أخطاء التربية أبناءنا في متاهات المبادئ، يتخبطون بين اللهو والتفاهة، إلى الشطط والغلو، كل ذلك عند البعد عند التربية الحكيمة المتوازنة التي تسير على هدي تعاليم الإسلام الحنيف. جوانب البناء العقدي عند الطفل المسلم: أ- الإيمان بالله -جل وعلا-: إن أهم واجبات المربي، حماية الفطرة من الانحراف، وصيانة العقيدة من الشرك، لذا نهى رسول الله ﷺ عن تعليق التمائم تعويداً للصغير الاعتماد على الله وحده: (من علق تميمة فلا أتم الله له) [٦] . وإذا عرفنا أن وضع التميمة والاعتقاد فيها شرك، جنبنا أطفالنا هذا الشرك، وبعد ذلك يوجه المربي جهده نحو غرس عقيدة الإيمان بالله في نفس الصغير فهذه أم سليم الرميصاء أم أنس بن مالك خادم الرسول ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين أسلمت وكان أنس صغيراً، لم يفطم بعد، فجعلت تلقن أنساً قل: لا إله إلا الله، قل أشهد أن لا إله إلا الله، ففعل، فيقول لها أبوه: لا تفسدي على ابني فتقول: إني لا أفسده [٧] . كان أبوه ما يزال مشركاً، يعتبر أن التلفظ بعقيدة التوحيد، والنطق بالشهادتين إفساداً لطفله، تماماً كما يرى كثير من الملاحدة، أصحاب المذاهب الهدامة، والطواغيت في الأرض، في هذا العصر يرون أن غرس الإيمان وعقيدة التوحيد، إفساد للناشئة، وإبعاد لهم عن التقدمية كما يزعمون. يتعرف الطفل أنه مسلم، وأن دينه الإسلام وهو الدين الذي ارتضاه الله له ولا يقبل من عباده سواه، والتركيز في التربية على ما وصفها ابن تيمية ﵀ (محبة العامة وهي محبة الله تعالى لأجل إحسانه لعباده، وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها) [٨] . فالله تعالى أعطانا العينين والطعام اللذيذ، وكل ما يحبه هذا الصغير فلا يملك صغيرنا إلا أن ينشأ على محبة خالقه -جل وعلا-. ويبتعد المربي عن تلقين الأطفال اسم الله من خلال الأحداث الأليمة، لأن للخبرات الأليمة أثرها في تشكيك المؤمن في عقائده وانحيازه إلى النزعة اللادينية) [٩] . ومن الأحداث الأليمة عند الطفل مثلاً أن نقرن له ولادة الطفل بشق بطن أمه مثلاً.. (فيتصور أن فعل الميلاد أمر بشع، وحيث أن مولد طفل جديد يثير قلقه.. فمن المحتمل أن تكون أولى خبرات الطفل بالله خبرات أليمة) [٩] . لذا، ينبغي أن نذكر اسم الله أمام الطفل من خلال مواقف محببة سارة، فالطفل مثلاً قد يستوعب حركة السبابة عند ذكر كلمة الشهادتين، يتلفظ بها الكبير أمامه، الأم أم الأب أو أحد الاخوة الكبار، وذلك منذ الشهر الرابع من عمره، فإذا به يرفع اصبعه مقلداً الكبار. كم هي حركة لطيفة ومحببة عند الأهل الذين لا يملكون إزاءها إلا ضم صغيرهم وتشجيعه وهو يشير بأصبعه عند ذكر اسم الله ... فيرسخ اسم الله في نفسه بمحبة عارمة من والديه ويغرس حب الله في قلبه.. وإذا نما صغيرنا وترعرع نلفت نظره إلى مظاهر قدرة الله ونعمه التي لا تحصى: إذا نظر في المرآة نقول له معلمين قل: (اللهم كما حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي) [١٠] . وإن لبس الجديد حمد الله على نعمه وكذا إن أكل أو شرب قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين) [١١] . وهكذا، فيعرف نعمة الله ويعتاد شكره، مع لفت النظر إلى مظاهر قدرة الله ونعمه التي لا تحصى.. كل ذلك بأسلوب رفيق ولهجة رقيقة من غير إسراف في عرض الفكرة ولا غلو فيها، وإنما بطريقة محببة تناسب الطفولة فتتمشى معها. (ولا يجوز للمربي أن يتكئ على خط الخوف حتى يرعب الطفل بغير موجب بكثرة الحديث عن غضب الله وعذابه. والنار وبشاعتها.. إنما ينبغي أن نبدأ بالترغيب لا بالترهيب حتى يتعلق قلب الطفل بالله من خيط الرجاء أولاً فهو أحوج في صغره إلى الحب) [١٢] . علينا أن نذكر اسم الله ﵎ ونحن نستشعر عناية الله بالإنسان وتكريمه له (حيث سخر له ما في سماواته وأرضه، وما بينهما حتى ملائكته.. جعلهم حفظة له في منامه ويقظته وأنزل إليه وعليه كتبه.. فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات) [١٣] . هذا فضلاً عن فائدة أخرى: (إن الاعتقاد بكرامة الإنسان على الله، يرفع من اعتباره في نظر نفسه، ويثير في ضميره الحياء من التدني عن المرتبة التي رفعه الله إليها.. ونظافة المشاعر تجيء نتيجة مباشرة للشعور بكرامة الإنسان على الله ثم برقابة الله على الضمائر واطلاعه على السرائر) [١٤] . وهكذا ننمي عند الأطفال الشعور الدينى القائم على حب الله حيث نركز على معاني الحب والرجاء ومظاهر رحمة الله تعالى الواسعة بالناس. كما نروض الطفل على محبة الله واحترام أمر الله، وارتباطه بأحكام دين الله، فإذا به شاب نشأ في رضوان الله لا يعرف غير الإسلام شرعة ومنهاجاً. نشعره أن الله يحبنا فلا يكلف نفساً إلا وسعها، وإذا أمرنا بشىء فالواجب أن نأتي منه ما نستطيع أما الحرام فلا نقربه مطلقاً.. فإن الله تعالى يحب المطيعين له ولا يحب الكافرين: [قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكَافِرِينَ] [آل عمران: ٣٢] . ويردد المبدأ على مسمع الأطفال.. ويغرس في قلوبهم فتنمو في نفوسهم مشاعر الأخوة الإيمانية والرابطة الإسلامية، والمفاصلة مع أعداء دين الله الكافرين به وهذا مطلب تربوي هام وديني قبل كل شيء. [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ] [الممتحنة: ٦٠] . ولن تخيب نفس ألهمت رشدها، فسارت على هدي رسولنا الكريم، في تربية النشء، ليعينها رصيد الفطرة المركوز بها، تستشفه من خلال إشارات طفلها إلى علو الله، ومن كلماته في الرضى والغضب والتي يبين فيها أن الله تعالى منصف للمظلومين، وليس أفضل من كتاب الله يذكرنا بوصية لقمان لابنه: (وإنها لعظة غير متهمة فما يريد الوالد لولده إلا الخير وما يكون الوالد لولده إلا ناصحاً) [يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْناً عَلَى وهْنٍ وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ * وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إنَّهَا إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنكَرِ واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] [لقمان: ١٣-١٩] .

стр. 685

بأقلام القراء شبهة نوال - من المدينة النبوية ذَرَّ قرنُ شبه كثيرة ملأت على المسلمين سمعهم وأبصارهم، وحرّجت على الكثير سعة الملة، وعتمّت وضوح المحجة، ومن هذه الشبه، مقولة: إن تبيان المنهج السليم من وجوب اتباع الكتاب والسنة، وطلب للدليل، وتنقية للعقيدة من الزغل والزيغ، والشريعة من البدع والشين، مما يغرق الأمة، ويضلل العامة، ويلبس عليهم دينهم فيعمهون، وهذا شغل للمسلمين عن كبير الأمور بصغيرها، وعن لب الدين بقشره، وعن عظيم الأمور بسخيفها فالعدو قد استباح بيضة المسلمين، وتداعى عليهم كما تداعى الأكلة إلى قصعتهم، فلنجانب هذه الأمور حتى يتم لنا الظفر على العدو! ! ولهؤلاء نقول: لقد جعل الله تعالى محمداً ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل رسالته الناسخة لما قبلها، ودعوته هي المهيمنة على ما قبلها من الدعوات النبوية، وهذه الدعوة لابد أن تبقى في الأرض لتكون حجة الله على خلقه، وهذه الحجة لابد أن تكون برهاناً فاصلاً ولابد أن تكون بيضاء نقية كما أنزلها الله تعالى على رسوله الكريم، وكما جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ليهتدي بها الناس - اليوم - كما اهتدوا بها من قبل، ولا يزيغ عنها بعده ﷺ إلا هالك. ومن مقتضى حكمة الله تعالى ورحمته - والحالة هذه من انقطاع للوحي فلا رسالة جديدة ولا رسول جديد بعده ﷺ يوضح للناس الدين الحق بعد اندثاره - أن يقيض لهذه الأمة من العلماء الربانيين من يبين البدع ويكشف عوارها، ويدحر أهل الشرك والخرافة، فيستمر الدين صافياً نقياً. وهذا من تمام مدلول قوله تعالى: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] .

стр. 686

الجماعة الأولى محمد محدادي- الجزائر إن ما نعانيه اليوم من اضطراب وفوضى في فهم الدين الذي أدى بدوره إلى الفرقة والاختلاف إنما سببه عدم معرفة قواعد الحق وسبيل النجاة، قال تعالى: [ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى] [النساء: ١١٥] ، فهذه حجة دامغة وبيان واضح بوجوب اتباع سبيل المؤمنين الذين كانوا عند نزول هذه الآية هم الصحابة، فهم الحَكَم الفصل في مواضيع العقيدة من الإيمان والتوحيد والغيبيات، وهم الضابط في المنهاج والسبيل وعلى كل جماعة أو طائفة تعمل لصالح الإسلام أن يكون ولاؤها التام للجماعة الأم، وهم الصحابة والسلف الصالح، لأن من أبرز الصفات للجماعة الناجية الاستمرارية، قال تعالى: [والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ] إشارة إلى تاريخ بدء هذه الجماعة، وقوله تعالى: [والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم] إشارة إلى استمرارية ذلك الوجود بشرط الاتباع. ولهذا فإن أي طائفة تقر أنها تأسست منذ كذا وكذا، ولا تعلن أنها استمرارية لمنهج الصحابة في فهم الإسلام وأن ولاءها التام للجماعة الأولى، فقد حكمت على نفسها بعدم اتصافها بصفة الطائفة المنصورة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الطائفة المنصورة لا نحيد عن طريقهم إن شاء الله.

стр. 687

الجيل الذي نريد أم زياد المالكي- المدينة لا يخفى على أحد من الناس الحال السيئة التي وصل إليها المسلمون بسبب التبعية للغرب، وإني بحكم دراستي الجامعية التي أرى فيها كثيراً من مظاهر هذه التبعية أحببت أن أنبه إلى هذا الجانب الهام وهم (الولاء والبراء في الإسلام) . قال الله تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..] [المجادلة: ٢٢] ، ومصداق ذلك ما روته كتب السيرة عن حب أصحاب محمد محمداً، وأنهم تفانوا في ذلك، بينما نرى اليوم أن مفهوم العبادة انحصر في شعائر التعبد دون معناه الشامل، وانقطع تأثيره في الحياة وأصبحت الشعائر تقاليد موروثة يحافظ عليها الصغير والكبير من أجل أنها تقاليد. فالأخلاق وحجاب المرأة وقضية العرض كلها تقاليد أكثر مما هي عبادة. نحن اليوم بحاجة إلى جيل تربى على طلب العلم والعمل يؤمن بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدلاً من جيل يخاف من السيف وهو في غمده، قد أعلن ولاءه للغرب في تصرفاته وأخلاقه، فلا دين له ولا أخلاق، يصبح ويمسي وهو يفكر في قضاء وقته باللهو. أيها الآباء شمروا عن ساعد الجد وربوا جيلاً يصمد أمام الأعداء لا يخاف إلا الله وحده.

стр. 688

* الأخ مهند السالمي من جده بعث بهذه الأبيات: يغرد السعد في أطياف أحلامي ... ويزهر الفخر مزهواً بآلامي وتستكين حروف طالما جمحت ... واشعل الشوق في أجراس أنغامي هل أنثر الشعر ورداً فوق غانية؟ ! ... أم أسكب الشدو تعطيراً بأقلامي؟ ! أم انتشي لتثني كل فاتنة؟ ! ... وأمدح الورد مزداناً بأحلامي؟ ! أم أرسم الدرب مفروشاً أزاهره؟ ! ... مخادعاً مادحاً بالزور أقوامي وأدعي أنهم خير الورى خلقاً ... يجلجلون بخيل الحق ظلامي كلا ... أبيت نفاقاً أو مداهنة ... كفى هياماً وعشقاً بين أقزام فشعلة النور ترجو من يؤججها ... بين النفوس وتمحو كل إجرام شرّقْ إلى الهند إن الخطب آلمهم ... قد راع إخوتنا عباد أصنام فكيف أرخي عنان الجفن منهزماً ... وأرتضي العيش في أكناف نوام؟ ! وذكر أندلس في الليل أرقني ... ما عاد زينتها خضراء أعلامي والسم يسري كليل غاب أوله ... يخدر السم فينا كل ضرغام فزينوا أرضنا بالخير واتبعوا ... نهج الأكارم واشفوا مر أسقامي

стр. 689

الصفحة الاخيرة من أسباب النجاح عبد القادر حامد كل الناس تطمح إلى النجاح في خططها وأهدافها، والمسلمون كذلك يتمنون النجاح ويطمحون إليه، ويبذلون جهوداً ليست أقل من جهود غيرهم الذين وصلوا؛ بينما بقي المسلمون يلهثون ويعانون. أسباب ذلك كثيرة ومعقدة والتعرض لها في صفحة واحدة ظلم للحقيقة. ولكن هناك من الأسباب سبب مهم، وهو كامن في الأسلوب. ففي المناطق التي ساد فيها الإسلام؛ تعلمت فرق وشراذم كيف تخفي حقيقتها أمام وضوح الإسلام وصراحته، واستعانت بالكتمان لتضيف إلى إنجازاتها شيئاً جديداً كل يوم بل كل ساعة. ولأن بينها وبين الشيطان نسباً وصهراً فإنها تستخدم الأساليب الشيطانية بمهارة فطرية، وعندها قدرة على التكيف والتلُّون، فتلبس لكل حالة لبوسها. بينما يغلب على المسلمين الوضوح في كل شيء؛ فيصرحون بالخطط والأهداف من أول يوم. ولأن الوضوح والصراحة وكراهية النفاق والتملق من المفاهيم الأساسية في الإسلام؛ فقد انسحب تأثير ذلك حتى على أسلوب العمل الإسلامي بكامله، وفي مثل هذه الأجواء تكون الغلبة لمن يحسن التكتم ورص الصفوف والبعد عن الصراخ والهذر، ويفهم الظروف والقوى المتصارعة وعناصر القوة والضعف فيها فهماً عميقاً. أما الاغترار بالجماهير والجموع؛ دون الالتفات إلى الأمور العملية والجوهرية؛ فلا يؤدي إلا إلى استنفار غرائز الذين يشعرون بتهديد الإسلام لهم؛ فيتناسون خلافاتهم الراهنة، وتجمعهم تلك الغرائز على الكيد للمسلمين، والتخطيط لتفريق صفوفهم، والإحاطة بهم. والله أعلم.

стр. 690

صفر - ١٤١١هـ سبتمبر - ١٩٩٠م (السنة: ٥)

стр. 691

الافتتاحية المعصية الفردية والمعصية الجماعية المعصية الفردية يرتكبها صاحبها مستتراً، يتوارى من المجاهرة بها افتخاراً وتحدياً لمشاعر الجماهير، وقد يرتكبها وهو معتقد أنها حرام، وأنه ينتهك بارتكابها شرع الله، فيتوارى بفعلته تلك عن الأنظار ويصده الحياء عن تحدي المجتمع بذلك، وإذا ما لاحقه شؤم فعله فافتضح فإنه يذهب يلتمس المعاذير التي يعتذر بها عادة المقصرون، وقد يتوب إلى الله فيتوب الله عليه، ويردف السيئة بالحسنات؛ فينسى الناس ما كان بدر منه [ومَن تَابَ وعَمِلَ صَالِحاً فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ مَتَاباً] [الفرقان: ٧١] . هذا النوع من المعاصي خطْبه سهل - مقارناً بالنوع الثاني وهو المعصية الجماعية - فشؤمه وعواقبه الوخيمة تقتصر على مرتكبه، ودائرته الضيقة التي يتحرك فيها. أما المعصية الجماعية فلها شأن آخر، فهي من حيث التطبيق ينتظم فيها عدد كثير يتواطؤون على فعلها ولا يزال هذا العدد يكبر ويكبر حتى يشمل المجتمع كله. - ومن حيث صورتها يجاهَر بها على رؤوس الأشهاد، وقد يصبح فعلها مجال فخر وخيلاء واعتزاز وتطاول على الآخرين، فقد تتخذها الجماعة أو الشعب شعاراً وتعتقد أنه يجلب لها المجد والرفعة. -ومن حيث أثرها السيئ، فإن نتيجتها لا تحيط بأهلها فقط بل بالمجتمع كله مع وجود أناس قد يشمئزون من فعلها في ذلك المجتمع. - إن أثر المعصية الجماعية مدمر ومخيف لاتساع المساحة التي يظهر فيها شؤم هذا الأثر، فهي تعرض المجتمع الذي فشت فيه بأسره لغضب الله وانتقامه، وتجعله فاقد المناعة، يهوي ويندثر عند تعرضه لأدنى هزة. هذا مع أنه قد يعجب الناظر إليه، ويخدع الذي لا يتعمق في تفحص جوهره، فيحسبه سليماً متماسكاً، وهو المعلول الذي يعد الحكماء والأطباء - وما أقلهم - له الأيام والساعات. لقد قص الله علينا في القرآن الكريم خبر كثير من الأمم التي أهلكها بسبب المعاصي الجماعية، وذكر لنا جريمتهم التي استحقوا بها ذلك العقاب، مثل قوم عاد: [وتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ] [هود: ٥٩] . ومثل قوم لوط: [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ومَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] [هود: ٨٢-٨٣] . ومثل قوم شعيب: [ولَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وأَخَذَتِ الَذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ] [هود: ٩٤-٩٥] . ثم يبين الله - تعالى - سنته المطردة في عقوبة المجتمعات التي تفشو فيها المعاصي التى يتواطأ عليها المجتمع ويقرها أهله فيقول - عز من قائل -: [وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] [هود: ١٠٢] ، [ومَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] [هود: ١١٧] . صور للمعصية الجماعية: بقي أن نزيد المعصية الجماعية تعريفاً وتحديداً ولا نكتفي بأمثلة من القرآن الكريم، بل ننظر في واقعنا - نحن المسلمين - لنرى هل لأمثال هذه المعاصي وجود؟ فنقول: المعصية الجماعية هى التى يقترفها جماعة من الناس (شعب، قبيلة، أهل مدينة، أو قرية، ... ) وتصبح شيئاً مألوفاً عندهم، وقد يفعلها الجيل بعد الجيل منهم، ولو استنكرها عليهم أحد واجهوه بالإنكار عليه ومحاربته حرباً جماعية أيضاً، لأنهم يرون فيه تهديداً لوحدتهم، بل لوجودهم أحياناً! وهكذا يصبح هذا المنكر أمراً معروفاً ومطلوباً، وقد يصبح شعاراً لهم يُعرفون به، ويفتخرون به، ويمتازون به عن غيرهم. ولو نظرنا في واقعنا اليوم لوجدنا كثيراً من هذه المنكرات التى أصبحت قوانين ودساتير محمية بقوة السلاح وبسلطة الدولة. وأن من يتجرأ على نقدها وبيان عيوبها وخطئها وخطرها يعرض نفسه لحرب شاملة على كل صعيد: مادياً ومعنوياً. وليس المقصود بهذه المنكرات ما يتبادر إلى أذهان الكثيرين لأول وهلة كالزنا وشرب الخمر مثلاً بل إن دائرة المنكرات دائرة واسعة تشمل هذه وتشمل غيرها من المبتدعات التى فرقت المسلمين وأضعفت صفوفهم وأذهبت ريحهم وجعلتهم طعمة لكل طامع، وضحكة لكل ساخر، ولعبة لكل عابث، كالنعرة القومية والقبلية والإقليمية، والجنسية، والحزبية، والمذهبية، والتعصب لهذه الأصنام التى لا تقل خطراً عن الأصنام التي حطمها أبو الحنيفية (إبراهيم الخليل) وحطمها من بعده محمد بن عبد الله ﷺ بيده يوم فتح مكة وهو يتلو: [وقُلْ جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] [الإسراء: ٨١] . والعذاب والبأس الذي أنزله الله بمن يتعارفون ويتميزون بهذه المنكرات ويفتخرون بها ويبذلون الأموال الطائلة في استنباتها وترسيخها بين الناس - قد يكون من الكوارث والجوائح التي تجعلهم نكالاً لمن يأتي من بعدهم كما عذب القرون السابقة، وقد يكون غير ذلك من البلاء والفتن التى تسلبهم نعمة الأمن والاستقرار وتضربهم بالخوف والجوع والذلة والمسكنة كما قال - تعالى -: [قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] [الأنعام: ٦٥] . وفي الصحيحين عن النبى ﷺ أنه لما نزل قوله - تعالى -[قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ] قال: «أعوذ بوجهك، [أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ] قال: أعوذ بوجهك، [أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ] ، قال: هاتان أهون» . وقد بيَّن الرسول ﷺ أن الله لن يستأصل هذه الأمة كما استأصل الأمم السابقة، بل سيكون عقابه لها في الدنيا أن يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، فقد قال ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأن مُلك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإني أُعطيت الكنزين الأبيض والأحمر وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسَنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد: إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً. وقال النبي ﷺ : إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وُضع السيف في أمتي لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة» [ابن كثير: ٢/١٤١] [١] . والناظر في حال الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل إلى اليوم يرى محنتها الرئيسية ليست المجاعات، ولا الفقر، ولا تسلط الأعداء عليها بل تسلط بعضهم على بعض، وتفرق كلمتهم، والتيه الذي يعيشون فيه بسبب الدعوات الهدامة المفرقة لأهدافهم، المشتتة لجهودهم. فالمسلمون لم يؤتوا من ضيق ذات اليد، ولا من نقص في الموارد بل أُتُوا من غفلتهم عما يسبب التفرق لهم من نكبات، ومن قصر النظر الذي يجعلهم يفضلون الأدنى على الأبقى، ويضحون بالمصلحة العامة في سبيل المصلحة الخاصة، ومن إخلالهم بتطبيق قاعدة الولاء والبراء، واضطرابهم في فهم الأولويات؛ فتراهم يصرفون الجهود العظيمة على السنن والمندوبات ويهملون الفروض والواجبات [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ ولَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ] [الأعراف: ٩٦-٩٩] .

стр. 692

الخصائص المميزة لمنهج أهل السنة والجماعة -٢- هشام إسماعيل الميزة الرابعة: عقيدة منصورة: وهي التي أخبر عنها المصطفى ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس» [١] . وأهل السنة والجماعة - وإن مر عليهم زمن قل فيه وجودهم - إلا أنهم يبقون ظاهرين على غيرهم بالسيف والسلطان، أو بالحجة والبيان، أو بهما معاً، وظاهرين أي أنهم مشهورون غير مستترين [٢] . وهم منصورون بدلالة هذا الحديث، وبدلالة قوله - تعالى -: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] [غافر: ٥١] . ومن عجيب نصر الله لأهل السنة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: (وقد تبين لك أن الطوائف التي في كلامها ما يعارضون به كلام الشارع من العقليات - سواء عارضوا به في الظاهر أو الباطن - كل منهم يقول جمهور العقلاء: إن عقلياته تلك باطلة ويبينون فساد عقلياته بالعقليات الصحيحة الصريحة التي لا يمكن ردها) [٣] . وهذا من نصر الله لأهل السنة في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة ففي عدة مواطن، منها ما قاله ابن عباس ﵁ في قوله - تعالى -: [يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ وتَسْوَدُّ وجُوهٌ] [آل عمران: ١٠٦] ، قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة [٤] . وكونها عقيدة منصورة يدل على أنها ثابتة لا تتبدل ولا تتغير على مر العصور والأزمان، وثباتها ناشئ من ثبات مصدرها، بينما نجد أن الفرق الأخرى إما أن يحدث تطور في معتقداتها كما في المرجئة والخوارج وغيرهم، وإما أن تنقرض ولا يبقى لها أثر إلا في بطون الكتب، ككثير من فرق الخوارج وغيرهم. الميزة الخامسة: عقيدة وسط (الوسطية) : قال الله : [وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة: ١٤٣] قال ابن جرير - رحمه الله تعالى -: (وأرى أن الله - تعالى ذكره - إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسُّطهم في الدين، فلا غلو فيه، غلو أهل النصارى الذين غلوا بالترهب وقِيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها) [٥] . والله (جعل هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين، وسطاً في الأنبياء، بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفا منهم كاليهود، بأن آمنوا بهم، كلٌّ على الوجه اللائق بذلك. ووسطاً في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى، وفي باب الطهارة، والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بِيعهم وكنائسهم ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وحرمت عليهم الطيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئاً، ولا يحرمون شيئاً، بل أباحوا ما دب ودرج، بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك. فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها، ووهبهم الله من العلم والحلم والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا أمة وسطاً، كاملين معتدلين، ليكونوا شهداء على الناس بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم) [٦] . وكذلك هذه الأمة أمة وسط في التصور والاعتقاد ... أمة وسطاً في التفكير والشعور، لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة، ولا تتبع - كذلك - كل ناعق.. إنما تتمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارهم الدائم: (الحقيقة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذها في تثبت ويقين) . أمة وسط في التنظيم والتنسيق ... لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب، إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب، وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم - كذلك - إلى وحي الوجدان، ولكن مزاج من هذا وذاك [٧] . قال ابن تيمية: (وكذلك أهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع الأمور فهم في (عليّ) وسط بين الخوارج والروافض، وكذلك في عثمان وسط بين المروانية وبين الزيدية، وكذلك في سائر الصحابة وسط بين الغلاة فيهم والطاعنين عليهم، وهم في الوعيد وسط بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة، وهم في القَدَر وسط بين القدرية من المعتزلة ونحوهم، وبين القدرية المجبرة من الجهمية ونحوهم، وهم في المعتزلة وسط بين المعطلة وبين الممثّلة. والمقصود أن كل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين آثار رسول الله - ﷺ فلا ينفردون عن سائر طوائف الأمة إلا بقول فاسد، لا ينفردون قط بقول صحيح، وكل من كان عن السنة أبعد كان انفراده بالأقوال والأفعال الباطلة أكثر) [٨] . الميزة السادسة: عقيدة عادلة: يقول الله : [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] [النحل: ٩٠] ، ويقول : [ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [المائدة: ٨] . قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: (يعني بذلك - جل ثناؤه -: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم، وأفعالكم، فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم ولا تقصروا في ما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري) [٩] . ويقول العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: [ولا يجرمنكم] أي لا يحملنكم [شنآن قوم] : أي بغضهم [على ألا تعدلوا] كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط بل كما تشهدون لوليكم فاشهدوا، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، فلو كان كافراً أو مبتدعاً فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لا لأنه قاله ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق [١٠] . من عدل أهل السنة أنه وجد من العلماء من كان له قدم خير وسبق في نشر الإسلام والدفاع عنه، ويكون قد وقعت منه أخطاء عقَدية اجتهاداً منه في طلب حق لم يوفق له، فأمثال هؤلاء العلماء ينبغي أن يسلك فيهم مسلك الوسط، فلا إفراط في مدحهم ولا تفريط في ذمهم، بل ينبغى أن يقال فيهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن بعضهم: (قلت أبو ذر - الهروي - فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة، وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به. وكان قد قدم إلى بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم كأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين، بما ليس هذا موضعه ... ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى عليه من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف ... وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع من أهل العلم والدين، والله - تعالى - يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [الحشر: ١٠] . ولا ريب أن مَن اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأخطأ في بعض ذلك؛ فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجاب الله لنبيه وللمؤمنين، حيث قالوا: [رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] [البقرة: ٢٨٦] . ومن اتبع ظنه وهواه، فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة، الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب) [١١] . وما ذكره ابن تيمية يبين عدل أهل السنة، ويبين كذلك منهجهم مع من أخطأ أو ضل في بعض مسائل الدين. وممن اتخذ هذا المنهج العدل في نقد الآخرين - سواء كانوا موافقين له أو مخالفين - الحافظ الذهبي ﵀ وذلك في ترجمته لكثير من العلماء، حيث يصف كل من ترجم له بعلم وعدل وإنصاف - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً [١٢] . كما يتجلى عدل أهل السنة والجماعة في كتب الجرح والتعديل، حيث إنهم يذكرون أن فلاناً صدوق، وإن كان من أهل البدع، وأن فلاناً ضعيف سيئ الحفظ وإن كان من أهل السنة. وانظر على سبيل المثال ما قاله العلماء في عبد الله بن لهيعة، وهو من محدثي أهل السنة والجماعة: قال عنه ابن حجر في التقريب (٣٥٦٣) : صدوق خلط بعد احتراق كتبه. وقال عن عمران بن حطان الخارجي: صدوق. إلا أنه كان على مذهب الخوارج. كما في التقريب (٥١٥٢) . فانظر إلى اختلاف ما بين الرجلين في المعتقد، وإلى وصف كل منهما بأنه صدوق، فكون ابن لهيعة من أهل السنة لم يكن دافعاً لعلماء الجرح بأن يوثقوه، كما لم تكن بدعة عمران بن حطان سبباً في تضعيفه، بل وصفوا كلاً منهما بما يستحق من جهة حفظه وضبطه، وذكر ما فيهما من بدعة أو سنة، والأمثلة في غيرهما كثيرة. وفي المقابل إذا نظرنا إلى ما كتبه بعض أهل البدع - كالكوثري في كتابه (تأنيب الخطيب) - فهو لم يؤنب الخطيب البغدادي فقط، بل جرح كثيراً من ثقات علماء أهل السنة، بل حتى بعض الصحابة لم يسلموا منه، كأنس بن مالك - ﵁ وأرضاه -[١٣] . وفي الوقت نفسه قام بتوثيق كثير من ضعفاء أهل الأهواء والبدع [١٤] ومن هنا يتضح لنا عدل أهل السنة والجماعة، وجور أهل البدعة والضلالة. الميزة السابعة: عقيدة سهلة ميسرة: فهي - كما قلنا - عقيدة ربانية المصدر، تعتمد على الكتاب والسنة، والله - يقول عن كتابه في كتابه: [ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] [القمر: ١٧] ويقول عن سنة نبيه ﷺ : [وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤٤] ، وكل مَن يطلع على الأدلة من الكتاب والسنة أو من كلام السلف الصالح على أمور الإسلام عامة، ومسائل العقيدة خاصة - يجدها ميسرة سهلة لا غموض فيها ولا لبس ولا تكلف، ومما يدل على ذلك أن وقت نزول القرآن، ووقت تحدث النبي - ﷺ إلى أصحابه في مجالسه العامة، كان يوجد العالم والجاهل، وسريع الفهم وبطيئه، بل كان يحضرها الصغار والأعراب، الذين يأتون من البادية لبعض حوائجهم، وكلهم كان يسمع الآيات القرآنية التى تنزل على الرسول ﷺ ، والأحاديث النبوية وهو يقولها لأصحابه - رضوان الله عليهم - ثم لا يَشُكل عليهم فهمها إلا ما ندر. يقول الإمام الشاطبي ﵀: (إن التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمي تعقلها، ليسعه الدخول تحت ... حكمها) [١٥] . ثم يقول عن الأمور العقدية بأنها: (تكون من القرب للفهم والسهولة على العقل بحيث يشترك فيها الجمهور، مَن كان منهم ثاقب الفهم أو بليداً، فإنها لو كانت مما لا يدركه إلا الخواص، لم تكن الشريعة عامة، وقد ثبت كونها كذلك، فلابد أن تكون المعاني المطلوب علمها واعتقادها سهلة المآخذ) [١٦] . وأما عقائد أهل البدع والضلال، فهي جافة غامضة، صعبة الفهم، فهم يعتمدون على علم المنطق، وعلم الكلام، وفلسفة الوثنيين، أي أنهم يعتمدون على العقل البشري المجرد عن الوحي الإلهي والنور الرباني. بل شهد مَن رجع إلى الحق منهم، أنهم كانوا في ضلال وحيرة عظيمة، لا تماثلها حيرة، وأنهم كانوا في شك من دينهم، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ . وأما أهل السنة والجماعة فهم - والحمد لله - في عافية من الشك والارتياب، ومن الحيرة والضلال الذي وقع فيه أهل البدع ببدعهم. ونجا منه أهل السنة باتباع سنة نبيهم ﷺ والحمد لله رب العالمين.

стр. 693

أخلاق الوفاء بين الجاهلية والإسلام محمد الناصر يعتبر الوفاء من أخلاق العرب الأصيلة، حيث إن الرجل منهم كان ينطق بالكلمة فتصبح عهداً، عليه أن يفي به وإلا عرّض شرفه للتجريح، وكان الغدر معرة يتجافون عنها، وإذا ما غدر أحدهم رفعوا له لواءً بسوق عكاظ ليشهروا به، وفي ذلك يقول الحادرة (قطبة بن محصن) ، إنهم لم يغدروا وإنهم لن يأتوا ما يشكك حليفهم فيهم: [١] أَسُمَيَّ ويحكِ هل سمعتِ بغَدْرةٍ ... رُفع اللواءُ لنا بها في مجمعِ إنا نَعْفُّ فلا نُريبُ حليفَنا ... ونَكُفُّ شُحَّ نفوسِنا في المطمعِ وبسبب اهتمام العرب بهذا الخلق نصروا الحلفاء، وذبّوا عن الجيران، وقد كان هذا الخلق متعدد الأشكال والألوان، فوفاء لمن يجاورون، ووفاء لمن يعاهدون، ووفاء لمن يحبون، ووفاء لمن يصنع معهم معروفاً [٢] . ولم تكن أخلاق القوم نظرية صورية، وإنما كانت واقعاً ضربوا به الأمثال وهى كثيرة نكتفي بنماذج منها. وخير نموذج لذلك ما فعله عبد الله بن جُدعان في حرب الفِجَار التي دارت بين كنانة وهوازن، إذ جاء حرب بن أمية إليه وقال له: احتبس قبلك سلاح هوازن، فقال له عبد الله: أبالغدر تأمرني يا حرب؟ ! والله لو أعلم أنه لا يبقي منها إلا سيف، إلا ضُربت به، ولا رمح إلا طُعنت به ما أمسكت منها شيئاً. وكان من وفائه أن العرب إذا قَدِمت عكاظاً دفعت أسلحتها إلى عبد الله بن جدعان، حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا من مكة إلى مضارب قومهم [٣] . ومن أنواع الوفاء: وفاء العربى لأهل عصبيته، فليس له أن يخالفهم مهما كانت درجة الخلاف معهم لأنه واحد منهم وما يصيبهم يصيبه، وقد عاب الناس الغادر وعيروا به، فإذا شتموا شخصاً، قالوا له: يا غُدَر [٤] . إن قصص الوفاء فريدة عند أهل الجاهلية، وممن ضُرب بوفائه المثل: عمير بن سلمى الحنفي، إذ استجار به رجل من بني عامر بن كلاب، وكانت معه امرأة جميلة، فرآها (قرين بن سلمى الحنفي) أخو عمير، وصار يتحدث إليها، فنهاها زوجها بعد أن علم فانتهت فلما رأى قرين ذلك وثب على زوجها فقتله، وعمير غائب، فأتى أخو المقتول قبر سلمى وعاذ به، فلما قدم عمير أخذ أخاه وأبى إلا قتله أو أن يعفو عنه جاره، وأبى أخو المقتول أخذ الدية ولو ضوعفت، فأخذ عندئذ عمير أخاه وقتله لغدره وفاءً لجاره [٥] . كان الجاهلي إذا قال كلمة وفى بها، ولو أدت به إلى القتل، أو إلى قتل قريب عزيز عليه، فالرجل الحنفي قتل أخاه، كل ذلك وفاءً بالعهود والمواثيق، وأين من هذا الوفاء ما يحصل من غدر في أيامنا هذه؟ وما بال الوفاء يئن جريحاً عند كثير من الناس حتى الطيبين منهم؟ ! فكثرت الشكوى وعم البلاء؟ ! على أن هذا الخلق وإن اتصف به أكثر العرب إلا أن لكل قاعدة شواذ والأمور نسبية، إذ كان الغدر (كذلك) منتشراً معروفاً، يقول امرؤ القيس ذاكراً انتشار الغدر بين بعض القوم [٦] : إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرَّت به العينان بدلت آخرا كذلك جدي ما أصاحب صاحباً ... من الناس إلا خانني وتغيرا ويقول أوس بن حجر [٧] : وإنى رأيت الناس إلا أقلهم ... خفاف العهود يكثرون التنقُّلا الإسلام والوفاء: إن الوفاء الذي كان في الجاهلية يتمثل في حفظ جوار - وعدم نقض حلف، أو أداء أمانة - تحول في الإسلام إلى حفظ للعهود عامة، وأداء للذمم والأمانات عامة، سواء اكانت للأصدقاء أم للأعداء، وذلك استجابة لأوامر ربهم وتأسياً بسيرة نبيهم ﷺ ، الذي قال فيما رواه أبو هريرة ﵁: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» متفق عليه. وقد نوه القرآن الكريم بسمو فضيلة الوفاء حين جعلها صفة للأنبياء فقال في سورة النجم: [وإبْرَاهِيمَ الَذِي وفَّى] [النجم: ٣٧] ، وذلك أن إبراهيم - عليه السلام - بذل غاية جهده في كل ما طُولب به من ربه، فبذل ماله في طاعة الله، وقدم ولده إسماعيل قرباناً لله حتى فداه ربه، واحتمل الابتلاء في الاحتراق بالنار في سبيل الله حتى جعلها الله برداً وسلاماً عليه، وأشار القرآن إلى وفاء إسماعيل - ﵇ في قوله: [واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وكَانَ رَسُولاً نَّبِياً] [مريم: ٥٤] ، فقد كان إسماعيل مشهوراً بهذه الصفة، وحسبنا أنه وعد بالصبر على الذبح وقال لأبيه: [افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ] [الصافات: ١٠٢] ؛ فوفى بعهده وصدق في وعده فكان من المخلصين [٨] . ومن أمثلة وفائه ﵊ - وهى كثيرة - موقفه يوم الفتح من عثمان بن طلحة حاجب الكعبة في الجاهلية، عندما طلب من علي - رضي الله عنه - ومفتاح الكعبة في يده أن يجمع لبني هاشم الحجابة مع السقاية فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أين عثمان؟» فدُعي له فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» [٩] . وبعد صلح الحديبية عندما جاء أبو بصير هارباً من مكة، وجاء رجلان من قومه يطلبان رده حسب الشروط، فأبى النبى إلا أن ينفذ شروط الصلح، ولما تألم أبو بصير من ذلك حتى لا يرجع إلى المشركين فيفتن عن دينه - قال الرسول - ﷺ : «يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت من العهد، ولا يصلح في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ومن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً» وقد حقق الله -تعالى - ظن رسوله؛ إذ وجد لهؤلاء المستضعفين الفرج والمخرج كما هو معروف في كتب السيرة. وصار موكب الصحبة الطاهر على هدي هذه الأخلاق الوفية، يضحون بالغالي والرخيص، امتثالاً لأوامر ربهم، وأسوة بوفاء نبيه، واتبعتهم في ذلك الأجيال المؤمنة على مر العصور. والوفاء بالعهود هو الضمان لبقاء عنصر الثقة في التعامل بين الناس، وبدون هذه الثقة لا يقوم مجتمع ولا تقوم إنسانية، وقد تشدد الإسلام في مسألة الوفاء بالعهود فلم يتسامح فيها أبداً لأنها قاعدة الثقة، التى ينفرط بدونها عقد الجماعة ويتهدم [١٠] . قال - تعالى -: [وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدتُّمْ ولا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً] [النحل: ٩١] . ولعل أجمع الآيات القرآنية لأنواع الوفاء قول الله ﵎ في سورة المائدة: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] ، ولذلك قال رشيد رضا: إن أساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة: [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] ، لأنها تفيد أنه يجب على كل مسلم أن يفي بما عقده وارتبط به، فكل قول أو فعل يعده الناس عقداً فهو عقد يجب أن يوفوا به كما أمر الله - تعالى - ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام " [١١] . الإسلام يحارب الغدر والخيانة: عندما مجد الإسلام فضيلة الوفاء حمل أيضاً على الخيانة والغدر حتى مع الأعداء، يقول : [وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا] [المائدة: ٢] وقال أيضاً: [إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] [الحج: ٣٨] . وقال ﷺ : «إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء يعرف به، فيقال هذه غدْرة فلان» رواه البخاري. ولقد حرم الإسلام اتخاذ المصلحة سبباً في نقض العهد، وكان بعض المشركين من العرب يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول ﷺ بأن محمداً ومن معه قلة ضعيفة بينما قريش كثرة قوية فنبههم إلى أن هذا ليس مبرراً لأن يتخذوا قسمهم غشاءً وخديعة: [تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ] [النحل: ٩٢] أي بسبب كون أمة أكثر عدداً وقوة من أمة، وطلباً للمصلحة مع الأمة الأقوى. ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهود تحقيقاً لما يسمى الآن مصلحة الدولة.. فالإسلام لا يقر مثل هذا المبرر ويجزم بالوفاء بالعهد.. وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية. لقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم ومن صدقهم في وعدهم، ومن إخلاصهم في إيمانهم.. فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التى نشأت عن تمسكهم بعهودهم [١٢] . هكذا كانت علاقة المسلمين حتى مع أعدائهم، وفاءً مرتبطاً بالعقيدة لا يتقيد بمنفعة زائلة، ففي الحروب الصليبية - في عهد صلاح الدين الأيوبي - كان المسلمون يفون بعهودهم رغم كثرة الغدر من قبل الصليبيين امتثالاً لقوله - تعالى -: [وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ] [الأنفال: ٥٨] . فالميثاق لا يُنقض غدراً حتى حين تخاف الخيانة وإنما يعلم العدو أن الميثاق قد انتهى بسبب الخيانة من جانبه، وأن العلاقة هي علاقة الحرب [١٣] . والغدر من شيم أخلاق أوربا الحديثة، ومعاهدات الحلفاء مع العرب في القرن الماضي ونقضهم للعهود، وتقسيمهم للبلاد وتشريدهم للعباد خير شاهد على ما نقول. وما تزال هذه المفاهيم المنحرفة هي السائدة في عالم السياسة شرقاً وغرباً مع الأسف، ولكن حذر المؤمنين - الذين يعبدون الله على بصيرة - لا يفسح المجال لألاعيب الساسة وخبث الماكرين. وإذا كانت هذه أخلاقنا مع الأعداء، فما بالنا نفرط بهذا الخلق مع الأصدقاء، وأصحاب الفضل والسابقة من أهل العلم والتربية والتوجيه؟ ! بل ولِمَ لا نكون أكثر وفاءً مع الأهل والإخوة ومع مَن نعول؟ ! ولم ننسى الوفاء مع الجار الجنب وبقية الجيران والأصحاب؟ ! وبذلك تسود المحبة وتعم الثقة بين المسلمين، ونعيد إلى مجتمعاتنا ما كان عليه سلف هذه الأمة من استقامة وبر ووفاء! إن الشكوى باتت مريرة في هذه الأيام بسبب انتشار ظاهرة الغدر، وما تجره من فقدان الثقة في العلاقات الاجتماعية عامة، وقلما تنجو منها مؤسسة في عالم التجارة والاقتصاد، حيث لا يراعي كثير من الشركاء في أموال من ائتمنوهم إلاًّ ولا ذمة، فتمحق البركة وتكثر الخسائر. حتى المؤسسات التربوية - تلك التي كان يُتوقع منها أن تغرس الفضيلة ونور العلم والتوجيه - بات بعضها يضرب أمثلة سيئة من الغدر والكيد وانعدام الوفاء. إن ترجمة أخلاق السلف إلى شباب هذه الأمة ليست نظريات تلقى في فراغ، ولا محاضرات وادعاءات، إنها قدوة حسنة، وسلوك واقعي فذ في عالم الناس والشباب خاصة. إنها واجب ديني تفرضه علينا تعاليم ديننا ومصلحة أمتنا وأمانة البلاغ، إن تصورات العقيدة إذا لم تتحول إلى سلوك عملي ينسجم مع هذه التصورات - سوف يوقع الأجيال الناشئة في إحباط شديد، وتمزق مرير، وتساؤل عجيب بسبب الانفصال بين النظرية والتطبيق. إنها لأمانة ضخمة في أعناق دعاة هذا الدين، فليصدُقوا الله في أداء هذه الأمانة، وليضربوا النماذج الحية من الوفاء ومكارم الأخلاق، والأمل كبير في الأجيال المؤمنة الجادة لتعود بهذه الأمة إلى سابق مجدها ونظافة أخلاقها، وصفاء عقيدتها، والله ولي التوفيق.

стр. 694

خواطر في الدعوة الاستبصار عند الفتن محمد العبدة عندما كتب الإمام أبو المعالي الجويني كتابه في السياسة الشرعية المسمى (غِيَاث الأمم في التياث الظُّلَم) أراد أن يقول إنه عندما يحزب المسلمين أمر، وتأتي الفتن من كل مكان تشوش على المسلم، فلا يدري وجه الحق ولا أين يتجه، ويصبح الحليم حيران، فالمعول عليه عندئذ هم العلماء الذي يبصرون الناس بالحقائق ويبينون الصواب لأنهم أدرى الناس بمواقع الفتن، وكيفية المخرج منها. وذلك لما فقهوا واستأنسوا من حديث رسول الله ﷺ ولما يعلمون من الترجيح بين الصالح والأصلح، والفاسد والأشد فساداً، ويعلمون قاعدة دفع الضرر، رفع الحرج، ومثل هذا االصنف من العلماء يجب أن يكون على علم وفقه دقيق بالواقع كما هو على علم واسع بالقواعد الشرعية، وكيف تطبق على أرض الواقع. إن الملاذ الذي يلجأ إليه العوام هم العلماء والدعاة، فهم المتَّبَعون، ولا يجوز أبداً أن يكونوا هم التابعين يتحسسون آراء الشارع وتوجهات الناس، فيؤيدون هذا الاتجاه أو ذاك إرضاءً لهم ومسايرة لعواطفهم الفائرة، وحتى لا تحترق أوراقهم. هناك بعض أئمة المساجد من يعلم أن ذاك الأمر بدعة ولكنه لا يستطيع مخالفة عوام المسجد! وكذلك نجدهم في الأمور الكبيرة التي تهجم على المسلمين فلا يدرون أين المذهب، وتتفرق بهم السبل، هذا الصنف ممن يتصدر للزعامة، ويداري ويجامل على حساب الحق، فهو مقود لا قائد. وكان الأوْلى به أن يصدع بالحق في وقت يكون الناس في أشد الحاجة إلى العلماء الذين لا يجاملون ولا يداهنون. كان الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان يسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الشر والفتن مخافة أن يقع فيها، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يسأله ويستشيره في موضوع الفتن، فهل يتبصر الدعاة طريقهم عندما تشتبه الأمور، ثم يقومون بتبصير الناس حتى لو أدى ذلك إلى معارضتهم واستغرابهم، فإن هذه مهمتهم، وهذه هي الأمانة التي نِيطت في أعناقهم [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ] [آل عمران: ١٨٧] .

стр. 695

دراسات أحاديث الفتن والفقه المطلوب د. مأمون فريز جرار إن مما ينبغى أن يُلفت إليه النظر ويوجه إليه الاهتمام ذلك الباب الذي نجده في كثير من كتب الحديث النبوي تحت عنوان (كتاب الفتن) أو (الملاحم وأشراط الساعة) ، فإن فيه أحاديث بين فيها النبي ﷺ ما يكون من الفتن التى تقع بين المسلمين، أو الأحداث التى ستكون بينهم وبين غيرهم من الأمم والملل، ونجد في بعضها تصريحاً بيّناً وفي بعضها الآخر رموزاً وإشارات موحية. إن علينا أن نسأل أنفسنا: لِمَ حدَّث النبى ﷺ بتلك الأحاديث؟ ولم كان منه ذلك الاهتمام الشديد بالفتن وأخبارها حتى كان الصحابة يُصابون بشيء من الذعر لكثرة حديثه عنها؟ ! يستيقظ ﵊ مرة من نومه فتسمعه زوجه السيدة زينب بنت جحش ﵂ يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وعقد سفيان - أحد رواة الحديث - بيده عشرة) وتقول له السيدة زينب: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث» [١] . ويشرف على أُطُم من آطام المدينة فيقول لأصحابه: «هل ترون ما أرى؟ إنى لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» [٢] . ويحدثهم النبى -صلى الله عليه وسلم- عن فتن بعيدة عن عصرهم ويهتم بها أي اهتمام، ويستعيذ منها ويعلّم المسلمين أن يفعلوا ذلك، ومنها فتنة الدجال [٣] ، وإن من الثابت في صحاح الحديث أن النبي ﷺ قص على أصحابه ما سيكون من أحداث الدنيا وفتنتها حتى يوم القيامة، عمّ بذلك الصحابة كلهم، وخص بعضهم بما لم يقله على الملأ. ولنستمع إلى أبي زيد عمرو بن أخطب يحدثنا بهذا الحديث العجيب، قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبر بما كان وما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا) [٤] . ولعل حذيفة ﵁ يشير إلى هذه الخطبة في قوله: (لقد خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت، فأعرف ما يعرف، الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه) [٥] . ولسائل أن يسأل أين هذه الخطبة؟ وهل رُويت بنصها في كتب السنة؟ والذي أراه أنها رويت مقطعة في أحاديث الفتن، وفي الحديثين السابقين ما يشير إلى نسيان كثير من الصحابة لها، (فأعلمنا أحفظنا) و (علمه من علمه وجهله من جهله) ثم حال حذيفة مع بعض الفتن التي يذكر حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنها بعد وقوعها! ويبدو أن حذيفة أعلم الصحابة بالفتن، فهو يقول: (أخبرني رسول -صلى الله عليه وسلم- بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أنى لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة) [٦] .. ويبدو أن حذيفة كان يتحرج من ذكر كل ما يعلم من أمر الفتن، خشية أن يكون بعض ما يعلمه مما أسرَّ به النبي ﷺ إليه دون غيره من الصحابة، وهذا ما يبدو في قوله التالى: (والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هى كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول ﷺ أسر إليَّ ذلك شيئاً لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلساً أنا فيه عن الفتن: فقال رسول الله ﷺ وهو يعد الفتن: «منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار» ، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري) [٧] . ومن الأمثلة على معرفة حذيفة بتفاصيل الأحداث ما يرويه محمد بن سيرين عن جندب قال: (جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس، فقلت: ليهرقن اليوم ههنا دماء، فقال ذاك الرجل: كلا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله. قلت: بلى والله، قال: كلا والله، إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه. قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك وقد سمعته من رسول الله ﷺ فلا تنهاني؟ ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه، وأسأله، فإذا الرجل حذيفة) [٨] . ومن ذلك ما يرويه حذيفة عن حوار دار بينه وبين عمر عن الفتن، وذلك في قوله: (كنا جلوساً عند عمر ﵁ فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك عليه (أو عليها) لجريء. قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهى. قال: ليس هذا أريد! ولكن الفتنة التى تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: أيُكسر أم يُفتح؟ قال: يكسر! قال: إذاً لا يُغلق أبداً، قلنا [٩] : أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة. إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط. فَهِبْنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: الباب عمر) [١٠] . وسياق الحديث نص في أن عمر كان يعرف من أمر تلك الفتنة التي سأل عنها ما كان يعلمه حذيفة. ويحدث حذيفة أصحابه عن سر تمكنه من أخبار الفتن فيقول: (إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر. فأنكر ذلك القوم - أي الذين كان حذيفة يحدثهم - فقال لهم: إني سأخبركم بما أنكرتم من ذلك: جاء الإسلام حين جاء فجاء أمر ليس كالجاهلية، وكنت قد أُعطيت في القرآن فهماً، فكان رجال يجيئون فيسألون عن الخير، فكنت أسأل عن الشر! فقلت: يا رسول الله، أيكون بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ فقال: نعم. قلت: فما العصمة يا رسول الله؟ قال: السيف. قال: قلت: وهل بعد هذا السيف بقية؟ قال: نعم، تكون إمارة على أقذاء، وهدنة على دَخَن، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم تنشأ دعاة الضلالة، فإذا كان لله يومئذ في الأرض خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فالزمْه، وإلا فمت وأنت عاضّ على جِذل شجرة، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: يخرج الدجال بعد ذلك، معه نهر ونار، من وقع في ناره وجب أجره، وحُط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره، وحط أجره، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة) [١١] . وقد جاء بعد نص الحديث أن قتادة - وهو أحد رواته - فسر الشر الذى تكون العصمة منه بالسيف بالردة التي حدثت في زمن أبى بكر ﵁ . وإذا كان النبي ﷺ قد حدث أصحابه حديثاً عاماً عن الفتن التى ستحدث في أزمان تالية - قد يعاصرونها وأكثرها يأتي بعد أن يفارقوا الدنيا - فقد عهد إلى بعض أصحابه عهوداً خاصة بشأن فتن يمرون بها وتصيبهم! ، يحدثنا كعب بن عجرة ﵁ فيقول: ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتنة فقربها! فمر رجل مقنع على رأسه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (هذا يومئذ على الهدى، فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول ... الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: هذا) [١٢] . ولعل في هذا الحديث والأحاديث التالية ما يفسر لنا موقف عثمان في الفتنة التي أودت به! وصبره عليها ونهيه المسلمين عن القتال دونه فيها، وقوله لأبي هريرة الذي كان معه في بيته يوم حصر فيه: (يا أبا هريرة، إنما تراد نفسي، فعلامَ نقتل الناس؟ أحتسب بنفسي عن الناس) [١٣] . وقد روت عائشة - رضي الله عنها - حديثاً كانت قد نسيته في غمرة الفتنة، وذكرته بعد مقتل عثمان وهو ذو دلالة على ما نحن فيه: عن عائشة قالت: (قال رسول الله ﷺ : ... «يا عثمان، إن ولاك الله هذا الأمر يوماً فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمَّصك الله فلا تخلعْه، فلا تخلعه، فلا تخلعه» ، قال النعمان - راوي الحديث - فقلت لعائشة: ما منعك أن تُعْلمي الناس بهذا؟ (يعنى أيام الفتنة وحصار الناس لعثمان) ، قالت: أُنسيته) [١٤] . وعنها ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ في مرضه: وددت أن عندي بعض أصحابي. قلنا: ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت، قلنا: ألا ندعو لك عثمان. قال: نعم. فجاء، فخلا به، فجعل النبي ﷺ يكلمه ووجْه عثمان يتغير. قال قيس (أحد رواة الحديث) : فحدثني أبو سهلة - مولى عثمان -أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: إن رسول الله ﷺ عهد إليَّ عهداً فأنا صائر إليه. وقال علي في حديثه: وأنا صابر عليه. قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم) [١٥] . وقد جاء في حديث أبي موسى الأشعري - الذي قص فيه خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أبي بكر وعمر وعثمان في بئر أريس، وقد جاء في شأن عثمان قوله لأبي موسى الأشعري: «ائذن له، وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه» [١٦] . ومن العهود النبوية الخاصة إلى بعض أصحابه ما يدل عليه هذا الحديث: (عن عديسة بنت أهبان قالت: لما جاء علي بن أبي طالب ههنا- البصرة- دخل على أبي، فقال: يا أبا مسلم، ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال: بلى! قال: فدعا جارية فقال: يا جارية أخرجي سيفي، قال: فأخرجته، فسلَّ منه قدر شبر، فإذا هو خشب! ! فقال: إن خليلي وابن عمك ﷺ عهد إليَّ إذا كانت الفتنة بين المسلمين فاتخذ سيفاً من خشب، فإن شئت خرجت معك! قال: لا حاجة لي فيك ولا في سيفك) [١٧] . وهذا أبو ذر يورد لنا حواراً دار بينه وبين النبي ﷺ تضمن وصايا نبوية له في الفتن وموقفه منها: (عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: كيف أنت يا أبا ذر وموتاً يصيب الناس حتى يقوَّم البيت بالوصيف (يعني القبر) ؟ ! . قلت: ما خار لي الله ورسوله (أو قال: الله ورسوله أعلم) قال: تصبر. قال: كيف أنت وجوعاً يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك، ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ ! قال: قلت: الله ورسوله أعلم (أو ما خار لي الله ورسوله) . قال: عليك بالعفة. ثم قال: كيف أنت وقتلاً يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم؟ ! قلت: ما خار لي الله ورسوله. قال: الحقْ بمن أنت منه. قال: قلت: يا رسول الله أفلا آخذ سيفي فأضرب مع مَن فعل ذلك؟ قال: شاركت القوم إذاً، ولكن ادخل بيتك، قلت: يا رسول الله فإن دُخل بيتي؟ قال: إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألقِ طرف ردائك على وجهك فيبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار) [١٨] . ومن الوصايا الخاصة هذه الوصية التي تلقاها محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - من النبي ﷺ : (عن أبي بردة قال: دخلت على محمد ... بن مسلمة فقال: إن رسول الله ﷺ -قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك فأتِ بسيفك أُحُداً فاضربه حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئة، أو منيّة قاضية) [١٩] . ونجد إلى جانب هذه الوصايا الخاصة الموجهة إلى راوي الحديث وصايا عامة مضمنة في الأحاديث التي تنبئ عن الفتن وأخبارها، وتدل المسلم الذي يعاصرها على ما ينبغي أن يفعله ليتقي شرها. فها هو النبي ﷺ يوجه الخطاب إلى مَن هم جلوس بين يديه فيقول:» كيف بكم وبزمان يوشك أن يأتي يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا وكانوا هكذا (وشبَّك بين أصابعه) ؟ قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون بما تعرفون، وتدَعون ما تنكرون، وتُقبلون على خاصتكم، وتذرون أمر عوامكم) [٢٠] . * يتبع *

стр. 696

صراع الأفكار د. محمد محمد بدري ليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يقال يقال في كل وقت. ففي بعض الأوقات يكون الصمت هو الواجب، فإذا استغل الأعداء هذا الصمت كان الكلام هو الواجب. وهذا المقال محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام في طبيعة الصراع بين الإسلام وأعدائه، وبعد قراءة المقال يكفي القارئ أن يفتح عينيه على الواقع ليرى أمارات هذا الصراع، بل ربما يستخلص من الوقائع المعروضة نتائج لم تلفت انتباهنا، أو أغفلناها خلال هذا المقال احتياطاً من التطويل ورغبة في التحديد. وكل ما نتمناه أن يقوم في الحركة الإسلامية من يتصدون لكشف سبيل أعدائها (سبيل المجرمين) حتى لا تبقى الحركة معرضة لهجماتهم دون عون أو نجدة. إن من سنن الله الجارية التدافع أو الصراع بين الحق والباطل، قال - تعالى-: [ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] [البقرة: ٢٥١] ، فالله يدفع بأهل الحق أهل الباطل، وهكذا يستمر الصراع بين الأنبياء وأتباعهم، وأتباع الشيطان، بين الأنبياء والجماعات الضالة الذين يرفضون حكم الله وشريعته ويتمسكون بحكم الجاهلية، ولن ينتهي هذا الصراع حتى تنتهي الدنيا. ولاشك أن للأفكار قيمة كبيرة كأداة من أدوات الصراع بين الحق والباطل، وما سلوك الإنسان وتصرفاته إلا نتيجة لأفكاره، فإذا تغيرت أفكاره بجهده هو أو عن طريق جهد غيره فإن سلوكه يتغير، وهذا التغيير قد يصل إلى النقيض، فهناك فكرة قد تجعل إنساناً ينحني ويسجد لصنم من الحجر، وفكرة أخرى تجعل إنساناً آخر يحمل الفأس ليكسر ذلك الصنم ويحطمه! ولأن الأفكار بهذا القدر من الأهمية في الصراع بين الحق والباطل فإنه ومنذ تقرر في أوكار الصهيونية تدمير الخلافة الإسلامية وأعداء الإسلام يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل السليم من ناحية، ومن ناحية أخرى يقومون برصد الأفكار الفعالة التى تحاول إيقاظ الأمة من سباتها، لكي يقضوا عليها في مهدها أو يحتووها قبل أن تصل إلى جماهير الأمة فتصحح وجهتها أو تعدل انحرافات أفرادها، ولتبقى الجماهير إذا اجتمعت تجتمع على أساس العاطفة وتحت سلطانها، وليس على أساس (الفكرة.. والمبدأ..) . وأعداؤنا يستخدمون في ذلك مراصد دقيقة تتلقى أي إشارة خطر عن فكرة أو كتاب ربما قبل أن تصل الفكرة إلى جماهير الأمة! فماذا يفعل الأعداء عندما تعطيهم مراصدهم تلك الإشارة؟ كيف يتصرفون ليحُولوا بينها وبين المجتمع الذي يحاول صاحبها نشر الفكرة فيه؟ إنهم في البداية يتعرفون على الفكرة بدراستها دراسة دقيقة، ثم يبدأون فيما يمكن أن نسميه مرحلة (المواجهة) وفي هذه المرحلة يبذل الأعداء جهداً ضخماً ويستخدمون مواهبهم الشيطانية كلها حتى لا يكون لتلك الفكرة أي عائد أو نتيجة.. ووسائلهم في ذلك كثيرة، وهم يغيرون منها دائماً ويعدلون فيها تمشياً مع القاعدة التى تقول: (إن كل فخ عُرف مكانه يصبح دون جدوى) ، فوسائلهم تتنوع حسب الظروف مع المحافظة على المبدأ الأساسي وهو (تحطيم الفكرة أو شلّها) ! ! فهم تارة يصوبون ضرباتهم على اسم صاحب الفكرة وشخصه؛ لكي يصيبوا فكرته بحيث يصلون إلى أن يصبح اسم صاحب الفكرة كافياً في النفور منها بل ومن الكتاب الذي يضمها وعدم قراءته من الكثيرين الذين يحكمون على فكرة معينة أو كتاب معين وفق انعكاسات حدثت تجاه صاحبها وبمقتضى الكلام عن صاحب الفكرة والكتاب وليس من خلال جوهر الفكرة وما فيها من برهان. وهم تارة يستخدمون طريقة (الهُتافات والشعارات) وهم في هذه الطريقة يرتكزون على ميل أفراد الحركة الإسلامية إلى السهولة فيصوغون الفكرة في مجموعة من الشعارات والهتافات فيتحول الأفراد عن (مشقة) البناء إلى (سهولة) الشعارات والهتافات! ! وفي أحيان أخرى يستخدم الأعداء طريقة (التشويش) عن طريق إضافة مجموعة من الأفكار الثانوية إلى الفكرة الأصلية بحيث تُضعف هذه الأفكار الثانوية سلطان الفكرة الأصلية على العقول، ويكفينا أن ننظر في واقعنا لنرى كم مرة طُبقت هذه الطريقة معنا وكم مرة شاركنا فيها دون وعي؟ ! وتارة أخرى يستخدم الأعداء أسلوب إثارة الشبهات.. فإذا خرجت الفكرة في صورة كتاب يقدم أيديولوجية واضحة للصراع مع الأعداء، ألقوا على هذا الكتاب ما يشوه صورته أمام أفراد الحركة الإسلامية، وخلقوا حوله شبهات كثيرة بحيث لا يسهل إزالتها فينصرف أفراد الحركة عن مجرد الاطلاع على الكتاب لكثرة ما أثير حوله.. ولا نريد أن نضرب أمثلة! فكم من كتب طيبة فرض أفراد الحركة الإسلامية حول أنفسهم ستاراً حديدياً يمنعهم من قراءتها لهذا السبب! وفي أحيان أخرى يستخدم الأعداء طريقة (الاستبدال) فيطلقون هم أنفسهم فكرة جديدة تكون أقل ضرراً على مصالحهم من الفكرة الأصلية. وهكذا يبقى الصراع مع الأفكار.. ونحن إذ اكتشفنا بعض التفاصيل عن طبيعة هذا الصراع فبقية التفاصيل الكثيرة للصراع تبقى في الظلام، ويصعب وصفها كما يصعب وصف بيت العنكبوت، وخاصة إذا كانت خيوطه تأتي من بعيد ولا يحيط بها بوضوح إلا من وفقه الله وأضاء بصيرته. ولكننا إذا أردنا الإجمال قلنا إن الأعداء يحاولون أن يجعلوا من الداعية للحق خائناً لأمته ومجتمعه الذي يعيش فيه، فإن لم يستطيعوا ذلك فإنهم يحاولون أن يحققوا خيانة المجتمع للداعية على يد بعض المجرمين الذين يسيرون في ركب الأعداء على مرأى العيون في صورة رجال مرفوعين على منابر الزعامة وكراسي الحكم، رجال وضعوا في أوطانهم مواضع (الأبطال) ليقوموا بدورهم المرسوم حين تفشل خطط الأعداء في تحطيم الأفكار الطيبة، فيقوم هؤلاء بأمر آخر وهو محاولة تحطيم أصحاب الأفكار عن طريق الإرهاب والتعذيب لهم ولأفراد أسرهم أطفالاً ونساءً! هذا هو مكر الأعداء فما هو السبيل لدفعه والنصر عليهم؟ بادئ ذي بدء نقول إن الأعداء يحاولون أن يصوروا لنا الصراع معهم وكأننا ذرّة تريد أن تحطم جبلاً! ، وأنه من العبث محاولة دفعهم فضلاً عن التغلب عليهم. ولكن الأمر ليس بيد الأعداء، إنه بيد مَن يقدر الأشياء فتسير الذرة ويسير الجبل حسب تقديره، وقوة الأعداء مهما بلغت وكيدهم مهما قوي فهو ضعيف لأنه كيد شيطان [إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] [النساء: ٧٦] . ودفْعه منوط بما في أنفسنا نحن، قال - تعالى -: [وإِن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] [آل عمران: ١٢٠] ، وسُنة الله في التغيير [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] فسنة الله التي لا تتخلف: غيِّرْ نفسك تغير واقعك.. فلنغير في أنفسنا ما يستغله أعداؤنا لخدمة أهدافهم من حيث نشعر أو لا نشعر! . فإذا كان الأعداء يستغلون فينا ميلنا للسهولة فيصوغوا الفكرة في مجموعة شعارات تسد منافذ إدراكنا وتضللنا عن حقيقة الصراع فلنتعلم أنه ليس المهم الصيحة التي يوجهها الضارب مادامت الضربة توجَّه إلى العدو الحقيقي وفي الاتجاه الصحيح، كما يجب أن نتخلص مما في نفوسنا من ميل للنظر إلى الأشياء على أنها (سهلة) والذي يقودنا في كثير من الأحيان إلى نشاط أعمى! وإذا كان الأعداء يحاولون تحطيم الفكرة الطيبة عن طريق تشويه صاحبها أو إثارة الشبهات حولها، فلنتعلم أن نحكم على الأفكار من خلال ما فيها من برهان بعيداً عن منطق الغوغاء! وفي مقابل محاولة الأعداء (استبدال) بفكرة أقل ضرراً على مصالحهم بالفكرة الفعالة؛ لابد من الوضوح في فكر الدعوة وأهدافها ليسهل على الأفراد التمييز بين الغث والثمين، وفي مقابل إرهاب الأعداء لابد أن نؤمن بحتمية المحنة والابتلاء ولنعلم أننا لسنا أول الممتحنين ولن نكون آخرهم وإنما هم مواكب [فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٢٣] . ولنعلم أنه بقدر ما نربي أنفسنا بطريقة جيدة، بقدر ما نستطيع أن نصمد لكيد الجاهلية، ونجاحنا في الصمود لذلك الكيد هو نقطة التحول في خط سير الدعوة نحو هدفها المنشود. وأخيراً فأفكار هذا المقال وليدة النظر إلى ما يجري في الواقع.. واقع الصراع مع الأعداء حاولنا فيه النصح لجميع إخواننا لنحاول جميعا - نحن وهم - إزالة الجهالة بسبيل المجرمين والتي كانت في كثير من الأحيان سبباً في تخلفنا وهزيمتنا. وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى.

стр. 697

شذرات وقطوف إعداد: نجوى محمد الدمياطي الأُخوة.. والاختبار الحق يقول : [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] ... والأخوة من أجمل المعاني التي يمكن أن يتحدث عنها الإنسان! شفيفة لطيفة كالنور! ندية محببة إلى القلوب ... ولكن ما الأخوة التى وردت الإشارة إليها في كتاب الله؟ يستطيع اثنان من البشر وهما يسيران في الطريق الواسع - في الأمن والسلامة - أن يتاخيا! أن يسيرا معاً وقد لف كل منهما ذراعه حول أخيه من الحب.. ولكن انظر إليهما وقد ضاق الطريق، فلا يتسع إلا لواحد منهما يسير وراء الآخر.. فمَن أقدم؟ أقدم نفسي أم أقدم أخي وأتبعه؟ ثم انظر إلى الطريق وقد ضاق اكثر.. فلم يعد يتسع إلا لواحد فقط دون الآخر! إنها فرصة واحدة.. إما لي وإما لأخي.. فمن أقدم؟ أقول: هذه فرصتي وليبحث هو لنفسه عن فرصة؟ أم أقول لأخي: خذ هذه الفرصة أنت، وأنا أبحث لنفسي؟ ! هذا هو (المحك) . إن الأخوة في الأمن والسلامة لا تكلف شيئاً! ولا تتعارض مع رغائب النفس .. بل هى ذاتها رغبة من تلك الرغائب يسعى الإنسان لتحقيقها مقابل الراحة النفسية التى يجدها في تحقيقها ... أما في الشدة - أو في الطمع - فهنا تختبر الأخوة الاختبار الحق، الذي يتميز فيه الإيثار وحب الآخرين.. من الأثرة وحب الذات، التي قد تخفى على صاحبها نفسه في السلام والأمن، فيظن نفسه (أخاً) محققاً لكل مستلزمات الأخوة! محمد قطب - واقعنا المعاصر جهاد النفس جهاد النفس أربع مراتب: أحدها أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به متى فاتها علمه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها ... الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلّمه، فمن علِم وعلّم وعمل فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماء. ابن قيِّم الجوزية - زاد المعاد ٢/٣٩

стр. 698

[ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه] عثمان جمعة ضميرية إن جميع ما في الأرض من مختلف الديانات، إنما سميت بأسمائها: إما نسبة إلى اسم رجل خاص، أو أمة خاصة، ظهرت الديانة وترعرعت بين ظهرانيها، أو باسم بلد نشأت فيه. فاليهودية: سميت بهذا الاسم نسبة إلى أرض اليهودية، أو لأنها ظهرت بين ظهراني قبيلة تعرف (بيهودا) ويسمى أيضاً أتباعها (الموسويين) نسبة إلى موسى ﵇ . والنصرانية: سميت بهذا الاسم نسبة إلى بلد الناصرة، بلد المسيح (عليه السلام) ، وتسمى أيضاً: المسيحية، نسبة إلى المسيح ﵇ ، ويسمى أتباعها (المسيحيين) ، نسبة إلى المسيح أيضاً. وهكذا اشتهرت البوذية - مثلاً - بهذا الاسم نسبة إلى (بوذا) ، باني هذه النِّحلة، وكذلك: الزرادشتية أخذت اسمها من حامل لوائها، وهو: زرادشت ... إلخ. أما الإسلام - الدعوة العالمية الإنسانية، الذي ختم الله (تعالى) به الرسالات السماوية السابقة كلها - فإنه لا ينتمي إلى أمة بعينها، ولا إلى بلد ظهر فيه، بل ولا إلى النبي الذي أنزله الله عليه. وإنما يدل اسمه على صفة خاصة، يتضمنها معنى كلمة (الإسلام) . ومما يظهر من هذا الاسم: أنه ما عني بإيجاد هذا الدين وتأسيسه رجل من البشر، وليس خاصاً بأمة بعينها، دون سائر الأمم، وإنما غايته أن يحلي أهل الأرض جميعاً بصفة الإسلام. وكما اختص الله - تعالى - هذا الدين باسم (الإسلام) اختص أيضاً هذه الأمة باسم (الأمة المسلمة) وباسم (المسلمين) ولعلنا نلمح من خلال هذا الاختصاص جملة معانٍ بارزة كانت وراء الاختصاص بهذا الاسم، نشير هنا إلى أهمها: ففي ذلك تكريم وتشريف لهذه الأمة على غيرها، حيث اختصها الله - تعالى - باسم أطلقه على أنبياء الأمم السابقة، فكانوا هم المسلمين، وهذه الأمة هي الأمة المسلمة، وبذلك تتأكد وشائج الصلة بين هذه الأمة وبين مَن سبقها، فهى ليست مقطوعة النسب، وليست بدعاً بين الأمم، وفي هذا تشريف لها أي تشريف! . وفي هذه التسمية والاختصاص بها استجابة لدعاء إبراهيم ﵇ إذ قال: [رَبَّنَا واجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ] [البقرة: ١٢٨] ، فالذرية المسلمة والأمة المسلمة من نسل إبراهيم ﵇ وهو الذي سماها أيضاً بهذا الاسم: [هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] [الحج: ٧٨] . واشتملت شريعة الإسلام على فواضل العبادات والتشريعات، مما انفردت به بين جميع الرسالات؛ من الجهاد، والحج، والوضوء، والغسل من الجنابة، ونحو ذلك مما اختصت به الأمة المسلمة، ولم يكتب على غيرها من الأمم، وإنما كُتب على الأنبياء فقط. وفي هذه الأمة تحقق معنى الإسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد والإذعان لرب العالمين، ولم تذعن أمة لنبيها وتتابعه كما أذعنت هذه الأمة، وقبلت ما جاء به من عند الله، وانقادت له بلا اعتراض، فاستحقت بسبب تلك المعاني كلها: الاختصاص باسم الأمة المسلمة، واختصت بالخيرية بين الأمم، فقال الله-سبحانه وتعالى-: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [آل عمران: ١١٠] وإذن فقد أصبحت كلمة (الإسلام) مختصة - عرفاً وشرعاً - بمدلول معين هو: مجموعة الشرائع والأحكام التي أنزلها الله - تعالى - على محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو التى استُنبِطت مما جاء به. وهذه الرسالة التى أنزلها الله - تعالى - على محمد ﷺ بلغت ذروة الكمال، وجاءت دعوة إنسانية عالمية خاتمة، رضيها الله - تعالى - للناس ديناً، فأعظم بها المنة، وأكمل بها الدين وأتم النعمة: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] . وبعد أن كان كل رسول من الرسل يرفع راية التوحيد ويهتف بقومه: يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره. أو: [قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ] [نوح: ٢] ، جاء خاتم النبيين ﷺ ، وجمع كلمة المرسلين، فجمع الرايات كلها تحت راية واحدة وجعل ينادي: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [البقرة: ٢١] . [هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ ولِيُنذَرُوا بِهِ] [إبراهيم: ٥٢] . ولقد فصَّل الله - تعالى - في القرآن الكريم سمات هذه الدعوة العالمية العامة، وعرضها على أعين الناس في كثير من آياته، فقال - تعالى -: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] [الأعراف: ١٥٨] ، [تَبَارَكَ الَذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] [الفرقان:١] . وأشار الرسول الكريم ﷺ إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: «أُعطيت خمساً لم يُعطَهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة» متفق عليه. وقال ﷺ : «فُضِّلت على الأنبياء بست: أُوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» متفق عليه. ومن ثم كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وكانت رسالته خاتمة الرسالات جميعا، قال الله - تعالى -: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] [الأحزاب: ٤٠] . ويصور النبي ﷺ ختم رسالته للرسالات السابقة، وكيف أنه أتم البناء الذي تعاقبت عليه رسل الله الكرام، فيقول: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وُضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» متفق عليه. وإذا كان محمد ﷺ قد أُرسل من عند الله - تعالى - بدين قد بلغ ذروة الكمال الذي لا كمال بعده، وتوجه الخطاب فيه للعالمين جميعاً، وختم الله - تعالى - به الرسالات، فإن النتيجة المنطقية اللازمة لذلك كله: أن تنقطع صلة الإنسانية عن سائر الرسالات والنبوات السابقة في الطاعة والاتباع، مع الإيمان بأصولها المنزلة من عند الله - تعالى - لا بما آلت إليه بعد التحريف على يد الأتباع، مما جعلها لا تتصل بأصل الوحي المنزل من عند الله (تعالى) . فكل ما جاء به الأنبياء السابقون قد نسخ برسالة محمد ﷺ ، وارتبطت عندئذ الإنسانية كلها برسالة محمد ﷺ وتعليمه وأسوته الحسنة؛ إذ إن المبدأ الصحيح يقتضي: ١ - أن لا تعود الإنسانية بحاجة إلى الناقص بعد أن جاءها الكامل. ٢- أنه قد لعبت يد التحريف والإهمال بتعاليم وسيرة الأنبياء السابقين، مما لم يعد من الممكن - لأجل هذا - أن تتبعهم الإنسانية فعلاً. ومن هنا فإن الله - تعالى - عندما يأمر باتباع الرسول وطاعته يأتي بهذه الكلمة معرفة بالألف واللام؛ لتكون خاصة بمحمد ﷺ : [وأَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] [آل عمران: ١٣٢] . وبعد.. فهذه هي الرسالة وهذا هو الدين الذي لا يقبل الله - تعالى - من البشرية غيره، ويجب على البشرية كلها أن تفيء إليه: [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [آل عمران: ٨٥]

стр. 699

من كنوز القرآن صرف الهم إلى العمل الحاضر [*] ستر الجعيد إذا اهتم الإنسان بعمله الحاضر، وأقبل عليه بعزيمة قوية، استطاع أن ينجز فيه شيئاً كثيراً، أو ينجزه في فترة زمنية قصيرة، حينما تقارن بآخر أقبل على العمل بتردد، وفتور همة، وتطلعات مستقبلية تشغله عن العمل الحاضر، ودخول في جدل حول ماذا سيفعل في المستقبل؟ دون ما حاجة إلى ذلك. فكما أن عمل اليوم لا يؤجل إلى الغد، فكذلك عمل الغد لا يقدم على عمل اليوم، وهذه القاعدة دعا إليها القرآن في آيات كثيرة، وهى تدل على حكمته - كما أنها من أعظم ما يكون سبباً في رقي العالمين إلى الخير الدينى والدنيوي، فإن العامل إذا اشتغل بعمله الذي هو وظيفة وقته، قصر فكره وظاهره وباطنه عليه فينجح ويتم له الأمر بحسب حاله، وإن تشوقت نفسه إلى أعمال أخرى لم يحن وقتها بعد شُغل بها ثم استبعد حصولها، فتفتر عزيمته، وتنحل همته، وصار نظره إلى الأعمال الأخرى كليلاً ينقص من إتقان عمله الحاضر وجمع الهمة عليه، ثم إذا جاءت وظيفة العمل الآخر جاءه وقد ضعفت همته وقل نشاطه، وربما كان الثاني متوقفاً على الأول في حصوله أو تكميله فيفوت الأول والثاني، بخلاف من جمع قلبه وقالبه على كل عمل في وقته، فإنه إذا جاء العمل الثاني يأتيه مستعداً له بقوة ونشاط جديدين حصلها من نشاطه وقوته في الأول فيتلقاه بشوق وعزيمة فيفلح وينجح، وهكذا يكون أبداً متجدد القوى [١] . والأمثلة على القاعدة كثيرة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فمن الآيات قوله - تعالى -: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً] [النساء: ٧٧] . وقوله - تعالى -: [ولَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنتُمْ تَنظُرُونَ] [آل عمران: ١٤٣] . وقوله -تعالى-: [ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً] [النساء: ٦٦] . ومنه قوله - تعالى -: [ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وعَدُوهُ وبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ] [التوبة: ٧٥-٧٧] . ومما يؤخذ من لفتات بعض الفقهاء أنهم كانوا يكرهون فرض الصور العقلية للمسائل وإعطاءها حكماً، ليس عجزاً منهم ولكن إدراكاً إلى أن الإغراق في ذلك ليس من وظيفة الوقت الحاضر الذي يعيشونه، وربما كان ذلك سبباً في فرض حكم مغاير للواقع، لأن تقدير الواقع في العقل ليس كوقوعه. وإذا انتقلنا إلى الواقع الإسلامى نجد الإخلال بهذه القاعدة في العمل الحاضر كثيراً وواضحاً، فتجد من يتحدث لك عن أمور من مستقبل الدعوة وخططها لم يحن وقتها بعد، وربما أخذ ذلك من وقته الشيء الكثير، وذاك يتحدث عن قيام الدولة الإسلامية كيف تكون؟ وكيف التعامل معها في الواقع؟ وأحياناً تجد الحديث عن ذلك سابقاً لأوانه، بينما الأمور المطلوبة المهمة والتى تكون طريقاً إلى الخطط المستقبلية مُهمَلة لا يلتفت إليها. وهذا الاعتدال في النظر إلى الأعمال الحاضرة لا يخل أبداً بالتخطيط المستقبلي للأمور الدنيوية والدينية، ولكن بشرط أن لا يأخذ الحديث عن ذلك التخطيط حجماً كبيراً فيعود على العمل الحاضر بآثار ضارة به، تزيله أو تضعفه، وكما أن الآيات أرشدت إلى هذا اهتماماً بالعمل وحرصاً على تحصيل أكبر قدر منه؛ فإن ذلك يعود على العامل بالارتياح النفسي والاطمئنان أيضاً مما يكون له أثر طيب على نفس المسلم وتقويتها.

стр. 700

الأوزاعي.. إمام أهل الشام محمد محمد توفيق هو أبو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، والأوزاعي قيل: إنها نسبة إلى قرية في ضواحي دمشق، ويظن أنه غير عربي الأصل. وُلد في مدينة بعلبك (لبنان) عام ٨٨هـ /٧٠٧م، وولد يتيما؛ فقاسى من شظف العيش وشدة الحياة وخصوصاً في صغره. صفاته: تقي وورع، حلم وأناة، رزانة وقلة كلام، وعدم قهقهة، كان عفيف النفس، سخياً، صلباً في الحق، جريئاً في الدفاع عنه، وكان محدثاً ثقة مأموناً، شهد له الجميع بالفضل والعلم. رحلاته: رحل في طلب العلم إلى كل من البصرة، والكوفة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، ودمشق، وبيروت التي اتخذها موطناً له ورباطاً إلى آخر أيامه. ويروى أنه أثناء مروره بمقبرة ببيروت، التقى فيها بامرأة سوداء فسألها: أين العمارة يا هنتاه (أختاه) ؟ فأجابت: إن أردت العمارة فهي هذه. وأشارت إلى القبور. وإن كنت تريد الخراب فأمامك، وأشارت إلى البلد، فأعجبه كلامها، وعزم على الإقامة في بيروت. شيوخه: في الفقه: مكحول الشامي. وفي الحديث: قتادة، ويحيى بن أبي كثير، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وابن شهاب الزهري، ونافع المدني، ومحمد بن عبد الملك بن مروان الأموي، وغيرهم. أقرانه: الذين اتصل بهم وتفاعل معهم، منهم: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك. تلاميذ٥: ابنه محمد، وزوج ابنته عبد الغفار بن عثمان، وعبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، وأرسلان بن مالك اللخمي، ومحمد بن حرب الخولاني، وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، ومحمد بن زياد (هقل) ، والوليد بن مزيد العذري البيروتي، والخيزران زوجة المهدي وأم الهادي وهارون الرشيد، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، ويحيى بن سعيد القطان. كما روى عنه البخاري ومسلم وأصحاب السنن. كتبه: ضاعت كلها إلا كتاب سير الأوزاعي، ويقال إن له كتاب السنن، وكتاب المسائل. مذهبه: كان له مذهب مستقل انتشر في الشام لأكثر من قرنين من الزمان، وفي الأندلس قرابة نصف قرن، ثم اندثر، ويمكن اعتباره من مدرسة أهل الحديث، وكان لهذا المذهب أتباع من العلماء أشهرهم: عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدُحيم، وعبد الله بن إسماعيل، ومحمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي، وصعصعة بن سلاَّم بن عبد الله الدمشقي. وكان مفهوم الدين لديه هو: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد بالصلاة، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله. وكان يقول: إن المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً، وإن المنافق يقول كثيراً ويعمل قليلاً. يروى أن نصرانياً أهدى إليه جرة عسل وقال له: يا أبا عمرو، تكتب لي إلى والي بعلبك، يعني ليشفع له عنده. قال الأوزاعي: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك، قال: فردّ الجرة، وكتب له، فوضع عنه (أي عن النصراني) ثلاثين ديناراً. وهذا دليل على ورعه وعفته، وتسامحه ولينه. ومات في سنة ١٥٧هـ/٧٧٤م، وعمره ٦٩ عاماً ﵀.

стр. 701

البيان الأدبي الخروج من تحت الأنقاض د. عمر عبد الله سنوات الغربة التى يمر بها (جمال) خلال غربته الثانية بدت أقل صعوبة وأيسر معاشاً مما توقع، فهو بالرغم من عيشه في هذه البلاد ثلاث سنوات من سنوات الطفولة إلا أنه تهيب من العيش في بيئة مختلفة، وحضارة مغايرة. لكن الأمر كان أسهل وأيسر، ففي المدينة التى يدرس فيها جالية إسلامية نشطة، ونشاط دعوي مميز، أخذ من وقته، وعاش في شعوره حتى أصبح المجتمع الصغير عالمه ومحيطه، وأصبح إخوة العقيدة الذين لم يربطهم به سوى رابطة الإيمان أشقاء له لم تلدهم أمه، إن جعفر، وعبد الرحمن، وليث، وزاد الحق، ومراد ... وغيرهم من إخوة الدرب قد أضاءوا سنوات الغربة بذكريات عزيزة، وأناروا الطريق الموحش بومضات جد ساطعة، كان اليوم هو آخر أيام الأسبوع الأول من الدراسة، وحينما كان جمال يهم بمغادرة الجامعة، وجد رسالة على صندوق بريده، كتب عليها (ج. برهان يود مقابلتك في مكتبه في قسم المحاسبة، غرفة رقم ١٢١، في أي وقت بعد الظهر) حاول أن يتذكر إذا ما كان الاسم المذكور يعني له شيئاً خاصاً، لكن ذاكرته لم تسعفه، وحين كان في الوقت متسع فقد قرر أن يزور صاحب الرسالة في هذا الوقت، وحينما وصل إلى الغرفة المذكورة، طالعه السكرتير متسائلاً هل من خدمة أقدمها لك؟ . - أجاب جمال: اسمي جمال العلي، وجدت رسالة تطلب مقابلة السيد برهان بعد الظهيرة. كانت لهجته الأمريكية التى اكتسبها خلال تواجده المبكر في هذه البلاد تجعل العديد من الأمريكان يظنون أنه أمريكي من أصل مكسيكي. - نعم.. إن الدكتور برهان قد طلب مني أن أبلغه بحضورك.. بالرغم من مشاغله الكثيرة، يبدو أنك صديق مخلص له. - لا أدري، فهذه المرة الأولى التي أقابله. - على العموم، هو شخص لطيف، وهو منذ انتقاله لهذه الجامعة منذ أسابيع وهو يكسب العديد من الأصدقاء والمعجبين، إنه انسان رائع.. لحظة من فضلك. دخل السكرتير الغرفة بينما بقي جمال يحاور نفسه ويحاول أن يتذكر مرة أخرى لعله يفلح في الاستذكار.. بدون جدوى. - السيد برهان في انتظارك. - شكراً. دخل جمال الغرفة وما إن وقع نظره على السيد جمال حتى أدرك أنه يقابل وجهاً أليفاً، لكنه لم يستطع أن يتذكر ما تعنيه تلك الملامح بالنسبة له، واستفتحه بلغة عربية صافية. - أهلاً بالسيد العلي.. أنا جميل برهان، أعمل حالياً رئيسا لقسم المحاسبة في الجامعة، ربما أنك لا تعرفني، كان منظره يوحي برؤية إنسان أمريكي تماماً، لا يدل على كونه عربياً سوى اسمه، ولغته العربية المحكية بلهجة فلسطينية. - حقيقة إن وجهك مألوف بالنسبة لي، لكني لا أستطيع أن أتذكر أين رأيتك، ومَن تكون! . - حتى بالنسبة لي فأنا أجد صعوبة بالغة في التعرف عليك، بالرغم من معرفتي القديمة بك؟ - بي.. أين.. ومتى؟ ! ضحك جميل برهان حتى بدت أنيابه. - منذ زمن طويل، وطويل جداً، لكن دعني أعطِكَ إشارة مساعدة، لقد عشت وقتاً طويلاً في أن (آربر) ، وبالتحديد قبل خمسة عشر عاماً ... فهل تساعدك هذه الإشارة؟ - ربما، فقد عشنا في نفس المكان وأنا طفل، في نفس الفترة تقريباً. - حسناً، أنت في الطريق الصحيح، وربما أنك لا تذكر صديقاً لوالدك كان يدرس معه في نفس القسم، يحمل نفس الاسم؟ - لا أذكر. - كنت أتوقع ذلك، يسرني أن أقول لك إن أباك إبراهيم العلي كان من أعز أصدقائي، في تلك الفترة على الأقل، لقد كان رجلاً ودوداً وكريماً معي، بالرغم من عدم اتصالنا ببعض لفترة طويلة.. طويلة جداً. - لكني لا أزال أذكرك، وأنت طفل صغير، حينما كان أبوك يدعوني في أيام ذلك الصيف في حديقة منزلكم لنتناول الحديث، ونتناسى الهموم. - لا أذكر، فقد كان لأبي الكثير من الأصدقاء، وكنت في تلك الفترة أعيش فترة الطفولة باستغراق جميل. - لقد دهشت حينما رأيتك فبالرغم من معالم الشبه بينك وبين أبيك: فإنك تبدو مختلفاً في المظهر على الأقل. - ربما ... أدرك جمال ما يعنيه الدكتور برهان، فلحيته المعفاة كانت علامة مميزة في محيط الجامعة. - وماذا تدرس الآن في هذه الجامعة؟ - أحضّر الماجستير في الهندسة النووية. - جميل.. رائع.. وهل أنت متأقلم في هذه الجامعة والمدينة؟ . - نعم.. فالأمور تجري بشكل جيد. - جميل.. إننى أشعر بلذة في اجترار الماضي، أليس ممتعاً أن تستعرض تلك الأيام الحلوة مع شخص عاش ذات الظروف. - نعم، خصوصاً إذا كان يحمل نفس الهموم والآلام. التقط، د. برهان الحديث، ورد بلهجة استرجاعية مسترخية. - نعم، كم كان جميلاً لو أن إبراهيم كان معنا، لقد كان - كما قلت ووصفت - صديقاً رائعاً تقاسمنا الهموم والآلام سوياً، كانت المرحلة التى نحياها مرحلة شباب وزخم، وقد التقينا في صيف عام ١٩٦٦م، كنت وأبوك نعيش حالة من الفرح الكاذب والأمل الواهم، كانت أمريكا تغرق تدريجياً في وحل فيتنام، فنرى في ذلك هزيمة لروح التسلط التى كانت تمارسها هذه البلاد بوقاحة في تلك الأيام، وننام ونصحو على شعارات قرب زوال الظلم، وإلقاء (إسرائيل) في البحر، ولا تسأل اللاجئ الذي كان يضع رهانه على تلك الدول ولا الشباب المتأثر بالناصرية كإبراهيم، والذي رأى فيها حلم شبابه. - صدقت كان أبي ناصرياً مثالياً، ألا يكفيك أن اسمي خير دليل على ذلك. - نعم.. لازلت أتذكر حالة الإحباط والتعاسة التى أحاطتنا في صيف عام ١٩٦٧م، حتى أننا كنا نتحاشى أن نذهب للجامعة حيث كان الصهاينة وأصدقاؤهم الكثيرون يشعروننا بأننا نعيش هزيمة أخرى، لقد كانت أياماً قاسية! لكن خبّرني ما هي أخبار والدك؟ - إنه بخير، وهو على وشك التقاعد، للتفرغ لأعماله. - وهل لا يزال مثالياً؟ أعني ناصرياً مخلصاً؟ - كلا ولكن سأسألك نفس السؤال؟ - لقد أصبحت أمريكياً.. (يضحك) ، أمريكياً مخلصاً، خلعت أشياء كثيرة لكي أصل إلى ما أنا فيه، تركت المثاليات، يممت شطر الجانب الأكاديمي، وها أنا ذا أحقق معظم أحلامي.. - وهل لديك أسرة؟ - نعم لديَّ ابنة تعمل متفرغة في العمل الخيري، إنها رئيسة نادي الليونز في المنطقة! - الليونز..؟ ! هل تعرف ما هي المنظمة، وما أهدافها؟ ! - كلا..، فابنتي تعرف ذلك، وهى عموماً (تربية أمريكان) .. (ويضحك ضحكة مقتضبة) ، لقد تزوجت أمها الأمريكية، واتفقنا أن أتفرغ للعمل وتتفرغ هى لإدارة الأسرة. - وهل لازلت تحتفظ بهويتك؟ أعني لغتك، ودينك. - لغتي جيدة، وديني لا يَسُر، منذ البداية. - ولماذا؟ ! - كنت يسارياً في السابق، قبل أن أهاجر إلى هذه البلاد، كنت أعيش في مخيم لاجئين في دمشق، كان معسكر السلام وشعاراته الشيوعية يشكل تيار أغلب التعساء هناك. - ثم؟ - كفرت بكل الشعارات الكاذبة، والزعامات المغشوشة، وآمنت بالحياة على الطريقة الأمريكية، الفردية، تستطيع أن تكون من تريد حينما تكون لا منتمياً، إنها عقلية الشركات الكبرى، حينما تدوس على المبادئ، سوى مبادئ الشركة وتتخلى عن أي تحالف، سوى ما يساعدك على النجاح! - وهل هذا مبدأ صالح في نظرك؟ - ما يصلح هو ما يعمل، وما يعمل - كما أرى - هو ما يصلح. - قد يبدو هذا الكلام فلسفياً، لكن الواقع والفلسفة قد يشتبكان. لكن قل لي: هل أنت مثالي؟ - إذا كنت تقصد بالمثالية الالتزام بمنهج، فأنا كذلك. - وما هو هذا المنهج؟ . لقد أصبحت بعيداً عن الساحة العربية كما ترى. - منهج قديم، جديد.. - ماذا تعني..؟ - أعني الإسلام. - لقد كنت أظن أنك ستقول لي ذلك، منذ أن رأيت تلك اللحية الثائرة، إنها تشبه لحية كاسترو، أو الخميني. - لعل كاسترو وغيفارا والخميني بل حتى ماركس، هم ما تقدمه الثقافة الأمريكية للتدليل على الخطر الخارجي، والربط بينهم حتى لو لم يكن هناك رابط. - أوافقك في ذلك، لكن قل لي فلعل معلوماتي خاطئة: هل يعني ذلك أن (الأصولية) هي الموجة الآن؟ - وماذا تعني بالأصولية؟ - أعني الحَرْفية، الجامدة، والتعلق بالنص! -أعطني مثالاً.. لم أفهم! - مثلاً بِلِي غراهام، سويغارت. - غيرهما. - لا أتذكر. - أنت رجل متعلم، هل تؤمن أن نطبق سياسات أمريكا وأوربا الغربية وآلياتهما على العالم الثالث؟ . - لا يمكن، أرضيتان مختلفتان، متباينتان ... - إذن هل تعرف أن هناك اختلافاً بين ما تطلقه من أمثلة وبين الواقع الذي تنعته بالأصولية. - ربما، لكن الإسلام والمسيحية متقاربان، عذراً، هذا من بقايا الخمسينات، كلاهما أفيون الشعوب، أو في منطق أمريكا الثمانينات، الإسلام السياسي أو الإرهابي يحمل نفس بذور الأصولية التى تريد أن تحكم أمريكا. - مرة أخرى.. أجد نفسي مضطراً لتذكيرك باختلاف البدايات وحتمية الخطأ النهائي. - أعترف بأني قد تغيرت كثيراً.. وأعترف أن الحوار ممتع معك، تحمل نفس اللهجة القاطعة والمستيقنة التى كان أبوك يحملها، ولكن تبدو أكثر عقلانية حينما كان يبدو أكثر حماساً وعاطفية، هل نلتقي مرة أخرى؟ . أحس جمال أن الدكتور برهان مشغول وأن المقابلة قد انتهت، فوعده خيراً، وأحس بواجب نحو هذا الغريب، الذي (استنوق) حتى يصل إلى ما يريد، والذي قابل العديد من أمثاله الذين تأمركوا، وضاعوا وأضاعوا، أضاعوا جيلاً ثانياً كان يمكن أن يكون أداة خير فاعلة في هذه الأرض، وتذكَّر مجموعة من المراهقين من أبناء المسلمين الذين ولدوا لآباء كهؤلاء، بعضهم يحترف الدعارة، وبعضهم يحترف تجارة المخدرات، ومجموعة تقود نوادي الليونز، والروتاري، وأخرى - ويا لَحجم المأساة! ! - يعملون منصرين في كنائس مثل (وليم علي) ، ذلك ... المنصر الشاب الذي قابله منذ فترة وتلك مأساة أخرى ...

стр. 702

أذان بلال شعر: مروان كجك إني ليُثنيني المقال عن المقال ... فهنا رجال يستبد بهم رجالْ وهناك طاغية بلا قلب، ولا ... عقل، ألدُّ، يفوق ما نسج الخيالْ وعلى رُبا أرض المحبة تُهتك ال ... أستار يُعبث بالطهارة والجمالْ يقتادها جلادها بالقهر طو ... راً والأماني كاذبات، والوصالْ فإذا تأبَّت أو عدت يوماً، ولم ... تحفظ له وداً، ولجت في السؤالْ وإذا تململ طرفها من رقدة ال ... ذل الوبئ، ولم يطق عيش الذِّلالْ وإذا تعالى صوتها عن همسة ... وتطلب الإنصاف، أو جمح الخيالْ ألفيتَ كل نقيصة في الأرض تُل ... قى فوق هامات تقيات جِلالْ هذا الذي صلب المسيح بزعمهم ... ورمى البتول بكل هاتيك الخصالْ هذا الذي قتل الحسين جهارةً ... عمداً، ولم يحفظ لعصمته الجلالْ هذا الذي باع البلاد وأهلها ... ورمى بَنِيها بالتفاهة والضلالْ هذا الذي لولاه ما كانت أزق ... تكم مباءات لأوكار الخبالْ هذا الذي قد سلم القدس الحبي ... بة في صباح حين قعقعت النعالْ فمضى بعيداً، طوَّف الدنيا انكسا ... راً واختفى خلف الروابي والتلالْ وأطل في ليل بهيم زائغ ... لتظن أنك في المعارك ما تزالْ هذا الذي إن حل فيكم حاكماً ... سيكون إعصاراً ويُسرف في النكالْ فامضوا لوأْد العابثين بلهوكم: ... إبليس يحدو جمعكم، وأبو رغالْ لا ترهبوا أحداً وكونوا سادةً ... وتقدموا لنزالهم آلاً فآلْ فبَنُو النباهة قد نثرنا عقدهم ... وغدوا شراذمَ دأبها قيلٌ وقالْ ماذا أقول وحولي الآمال صَرْ ... عى والبشائر في انكماش وانسلالْ والقدس ترسُفُ في القيود وحولها ... أشلاءُ أهلي غُيِّبت تحت الرمالْ والعابثون بمجدنا في كل أر ... ض يَرهبون أذان فجرك يا بلالْ يخشون أن ترقى حصون جحيمهم ... فيدُكّ صوتُك ما أقاموا من جبالْ ماذا أقول وكل دار حولها ... سور، وحول السور كوكبة اغتيالْ مستوطنون هنا سكارى لا يروْ ... ن سوى التمادي في التعدي والضلالْ وهناك شرذمة يبوء بإثمها ... صِفْرُ الرجولةِ والدعيُّ بلا نِزالْ أشفى علينا واستطاب نسيمنا ... فَرَغا وأزبدَ كي نعافَ له الزلالْ ومضى يسوم صغارنا وكبارنا ... خسفاً وجوراً والبقية لا تقالْ مَن لي بثائرة تثور كأنها ... شُهُبٌ إذا انقضت، براكين اشتعالْ تفري الجناة تغوص في أرحامهم ... تجتث ما زرعوا بأرض من وبالْ لا ترتضي إلا اقتطاف رؤوسهم ... ما بين ناصية كَذوبٍ أو قذالْ بالحق أرْهِبْ مَن توارى خلفهم ... ودعِ السيوف على المدى رهنَ استلالْ لا تأمنَنْ يوماً لباذل قوله ... حتى ترى لمقاله صدق الفِعالْ واحذر أذى قوم تظل رؤوسهم ... في الطين غائصة ترقَّبْ في انشغالْ لا يعرفون سوى الخديعة مذهباً ... كالصل سماً، حاذقون ذوو احتيالْ أنسالُ حقد كالأفاعي كلما ... عاهدتهم قطعوا الوشائجِ والحبالْ فيهم وحوش كالخِراف وداعةً ... خبثاً وميناً، مثل حاريةٍ هزالْ [١] ماذا أقول وكل أمر دونه ... أمر أجلّ، وخطة فوق الخيالْ وأنا هنا وحدي تُطيف بي الرؤى ... والقلب يخفق، واليدان بلا مجالْ والسابحون على شواطئ أُنْسهم ... أَنْسَتْهُمُ الأيامُ دجلةَ والقنالْ والزاعمون النصرَ في غدواتهم ... نسوا الجنوبَ غداة ضمهم الشمالْ ولذاك أنثر في الدروب كنانتي ... هيمان، يثنيني المقال عن المقالْ!

стр. 703

شؤون العالم الإسلامي المسلمون في شبه القارة الهندية تعاون هندي إسرائيلي لقمع انتفاضة كشمير أحمد موفق زيدان (إن العملية مكلفة، والخسائر باهظة، ولكن لابد من دفع الضريبة والثمن، فدفع ضريبة العز والحرية لا تقارَن بدفع ضريبة الذل والمهانة) هذا ما قاله أحد الناجين من الجحيم الهندي في سريناغار عاصمة كشمير المحتلة، ويروي القادمون من هناك صوراً لمآسٍ لا وجود لها إلا في الدول المتوحشة، ولا تماثلها إلا جرائم النازية ومحاكم التفتيش. ويقوم بالإشراف على هذه المآسي والخطط مستشارون إسرائيليون إلى جانب المستشارين الهنود. وقد أكدت مصادر متعددة وجود مثل هؤلاء المستشارين خاصة وأن التعاون الأمني بين الطرفين على أشده في المجالات الأمنية، وتقتفي القوات الهندية أثر القوة اليهودية في تعاملها مع الانتفاضة الفلسطينية من إبعاد وطرد وتعذيب وإهانة وغيرها. صور من المأساة: تشير التقارير الصحفية إلى أن حصيلة الانتفاضة الكشميرية - والتي بدأت مع ربيع عام ١٩٨٩ حتى الآن - وصلت إلى آلاف الشهداء، و٢٣ ألف سجين و٢٠ ألف جريح وتقوم القوات الهندية بمداهمة البيوت والمنازل بحثاً عن المجاهدين والأسلحة، ولكن أول ما يسألون عنه أو يبحثون عنه نسخ من القرآن الكريم فإن وجدوه يطرحونه أرضاً ويأمرون أهل البيت أن يدوسوه ويهينوه، ومن يرفض أوامرهم يواجَه برشقة من بندقية أو مسدس فيخر صريعاً شهيداً، وقد حصلت حوادث لا حصر لها من هذا النوع. كما تقوم القوات المداهمة بربط وتكتيف أهل المنزل الرجال في جهة، والنساء والفتيات في جهة أخرى، ثم يفتشون المنزل، وبعد فراغهم يقومون بالاعتداء على أعراض الفتيات أمام سمع وبصر ذويهم، والجيران يسمعون صيحات الاستغاثة والصراخ والعويل، وتوالي قوات الكوماندوز الهندية مهاجمة الشباب، والأشبال في الشوارع حيث يهجم اثنان من هذه القوات على شاب يسير في الشارع لا ذنب له ويمسكه كل واحد من الكوماندوز من يده ثم يقومان بكسر ذراعيه ويمضيان دون أن يعارضها أحد، وفي المظاهرة النسائية التي أقيمت مؤخراً في داخل سريناغار قامت قوات الكوماندوز الهندية بخطف والاعتداء على ٣٥٠٠ فتاة مسلمة دون أن يعرف مصيرهن حتى الآن. كما تقوم الهند بإرسال أشخاص هندوس إلى سريناغار ويدَّعون أنهم مسلمون وقد اكتُشف أحدهم في أحد مساجد العاصمة عندما لاحظ عليه أحد المصلين تحركات غريبة فنظر إلى ذراعه المكشوف فوجده مكتوباً عليه جُملاً هندوسية. وفي ٢١ من مايو عام ١٩٩٠ - وبينما كان جمع من المشيعين يقومون بمراسيم دفن (ميرويس محمد فاروق) الذي قتلته القوات الهندية ويفاجَأ المشيعون بهجوم ناري من القوات الهندية فقتلت أو جرحت حوالي ٢٥٠ شاباً إلا أن المصادر الهندية قللت من الرقم وقدرته بين ١٧-٢٧ قتيلاً أو جريحاً وادعت بأن الهجوم كان دفاعاً عن النفس في الوقت الذي كان المشيعون عزلاً تماماً من السلاح. وتقول المصادر بأن القتلى الكشميريين في الفترة الواقعة بين ٦-٢٠ من أبريل الماضي - بقوا بدون دفن، كما أهمل المرضى ولم يعالجوا في المستشفيات أبداً، وبقي كثير من سكان العاصمة بدون طعام أو غذاء حيث استمر حظر التجول مفروضاً خمسة عشر يوماً ولم يتوقف لدقيقة واحدة، وأي شخص ينتهك هذا القانون يواجَه بعدة زخات نارية؛ الأمر الذي نجم عنه مجاعة في العاصمة وتجدر الإشارة إلى أن عدد سكان (سريناغار) يقدر بـ ٨٠٠ ألف نسمة منهم ٩٩% مسلمون وهناك خطة هندية يتوقع تنفيذها تقضي بالسماح للقوات الهندية بإطلاق النار على كل شخص يتراوح عمره بين ١٦-٣٠ سنة، ويبلغ عدد سكان كشمير ١٢ مليون نسمة منهم ٨٥% مسلمين. فرار عملاء الهند الكشميريين: أكدت الأنباء هروب حوالي ٥٠٠ قائد كشميري الأصل عملاء للقوات الهندية من كشمير وتوجهوا إلى دلهي واستقروا هناك، وقاموا بشراء بيوت فخمة في الهند واستقروا هناك، ويعتقد هؤلاء القادة بأنه لا مستقبل لهم بعد بدء هذه الانتفاضة الشعبية العارمة التى تنقم على كل ما هو هندي أو عميل للهند، ومن هؤلاء الفارين عبد الله صهر فاروق عبد الله حاكم كشمير المحتلة سابقاً بإيعاز من الهند، وكان فاروق عبد الله قرر العيش في لندن مع زوجته الإنجليزية الأصل، ويقول بأنه مختفٍ في لندن ولا يستطيع الظهور بشكل علني خوفاً من المجاهدين الكشميريين؛ لأنهم ناقمون عليه لعمالته الشديدة للهند أيام حكمه. الهند تحظر دخول الهيئات الدولية: رفضت الهند دخول الهيئات الدولية ولجان حقوق الإنسان إلى كشمير وعلى الرغم من تقدم لجنة العفو الدولية، وجمعية الصليب الأحمر الدولى ولجان حقوق الإنسان بطلبات لدخول كشمير المحتلة ومشاهدة الأوضاع التى يحياها السكان هناك فقد رفضت السلطات الهندية الاستجابة لأي طلب من هذا، وقد هاجمت إحدى لجان حقوق الإنسان الهندية الأصل الممارسات الهندية في كشمير، ولم تستطع أن تلتزم الصمت وهى ترى المجازر وانتهاكات حقوق الإنسان في سريناغار. وتلقى كشمير تعتيماً إعلامياً لم يشهد له مثيل إلا في الدول المماثلة للهند في تعاملها ووحشيتها، حيث فرضت السلطات الهندية منعاً شديداً لدخول الصحفيين إلا للبعض وهم أقل من القليل كما مارست سياسة منع دخول الصحف غير الهندية إلى كشمير وذلك في إطار سياسة التعتيم الإعلامى حتى قام مراسل صحيفة (صنداي تايمز) بشرح بعض ممارسات السلطات الهندية في الضغط على الصحفيين والمراسلين. كشمير وحق تقرير المصير: لا أود الذهاب بعيداً في هذا المقام عن تاريخ كشمير والعصور التاريخية التي مرت بها إلا أنى أود أن أسلط الأضواء على مدى التزام الهند بقراراتها وبياناتها فضلاً عن قرارات الأمم المتحدة حيال حق تقرير مصير الكشميريين بأنفسهم. ففي ١٣ من أغسطس عام ١٩٤٨ قررت الأمم المتحدة - بحضور الهند وباكستان - أن الاستفتاء هو الذي سيحدد مستقبل الشعب الكشميري كما نجح السير ظفر الله في ٥ من يناير عام ١٩٤٩ في استصدار قرار آخر من الأمم المتحدة يفيد بأن تقوم لجنة استفتاء تخير الكشميريين بين الالتحاق بالهند أو بالباكستان أو أن تكون مستقلة، وينقل عن نهرو بأنه يفضل إلحاقها في باكستان؛ لأنها إذا استقلت فستطالب المناطق الهندية الأخرى بالانفصال وحينها لن يقدر أحد على إيقاف تداعي حجر الدومينيو. وتقول بعض الروايات التاريخية بأنه قد طلب من باكستان إلحاق كشمير بها مقابل إلحاق حيدر آباد بالهند فرفضت الباكستان وحينها خسرت الباكستان الاثنتين بدلاً من خسران واحدة. وفي الاجتماع السابع والعشرين للأمم المتحدة جاء فيه بخصوص كشمير: (مهما يكن من أمر في مسألة كشمير فإن الخيار هو للشعب نفسه في ... أن يلحق نفسه بباكستان أو الهند أو يكون مستقلاً وذلك عندما تعود الحياة إلى ... مجراها الطبيعي) . وفي عام ١٩٥١ قال نهرو: (إن كشمير لها الحق أخيراً في تحديد مستقبلها) . وفي ٦ من سبتمبر عام ١٩٦٥ - عندما وقعت الحرب الهندية الباكستانية بخصوص كشمير وجبنت قيادة القوات الباكستانية بصراحة في استمرارها بتحرير كشمير ورضخت لما يسمى بالقوانين الدولية التي لا تطبق إلا لغير مصلحة المسلمين، وإلا فأين القرارات الدولية التي أصدرتها الأمم المتحدة حيال تقرير الشعب الكشميري لمصيره بنفسه. بعد هذه الحرب حصل اتفاق طشقند في روسيا وذلك في عام ١٩٦٦ ووافقت باكستان على الانسحاب من الأراضي التي حررتها إبان الحرب. وعندما وقعت حرب عام ١٩٧١ بين باكستان والهند وهُزمت باكستان وانشقت على إثرها بنغلاديش تم توقيع اتفاقية (سيملا) ورضخت باكستان لبعض الصعبة بسبب هزيمتها في الحرب واحتفاظ الهند بأكثر من سبعين ألف أسير باكستاني لديها واعترفت حينها باكستان بخط ما سُمي (بخط الهدنة) وهو أكبر مأخذ تأخذه الهند على باكستان أثناء محادثاتها معها. المحادثات الهندية الباكستانية وأثرها على كشمير: تجري محادثات مكثفة بين السلطات الباكستانية والهندية من أجل نزع فتيل التوتر بين الدولتين، ويقوم وسطاء دوليون بهذه المهمة، ولكن يتوقع أن يكون لأي اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار مصلحة شعب كشمير وقْعٌ خطير في كشمير المحتلة خاصة إذا تخلت باكستان عن التزامها بتأييد الكشميريين وهو أمر صعب لأن الجيش الباكستاني من الصعب أن يوافق على هذا أو يخشى البعض من قيام حكومة باكستانية بالمساومة بينها وبين الهند في قضية اضطرابات السند بحيث تتخلى الهند عن تدخلها هنا وتتخلى باكستان بالمقابل عن تدخلها في كشمير، وهذا ما دعا الجيش الباكستاني أن يطالب وبشدة بتسلم الملف الأمني في المناطق المضطربة حسب ما يقتضيه الوضع الأمني في كراتشي وحيدر آباد وذلك بناءً على المادة رقم ٢٤٥ من دستور البلاد، وقد طالب عدد من السياسيين بتسليم الملف الأمني للجيش خاصة بعد وقوع ضحايا كُثر في الإقليم، ولكن حكومة حزب الشعب التي كانت تتحكم في الإقليم تخشى من انقلاب الشعب عليها في أنها فشلت في حفظ الأمن. وقد يبدو من الممكن الآن بعد إزاحة بي نظير بوتو أن يتسلم الجيش مهمة الأمن في السند.

стр. 704

محنة جديدة فوجئ العالم بغزو العراق للكويت في الوقت الذي تسقط فيه الأنظمة الدكتاتورية في الغرب، ويحصل تغيير في النظرية الاشتراكية في الاتجاه نحو الديموقراطية ورفض تغيير المجتمع من خلال الثورات والانقلابات، وكأن صدام يريد أن يقول إن التغير القومي الاشتراكي لا يتم إلا من خلال الثورة والاحتلال، وقد شُرد من جراء هذا الغزو مئات الألوف من المسلمين الذين يعملون في الكويت وتضررت كثير من الجمعيات الخيرية الإسلامية وحصل أثناء الغزو ولا يزال فوضى وفقدان للأمن وانتهاك للأعراض، وتسارعت الأحداث بشكل مؤسف، مما أدى إلى تفرق الصف الإسلامي نفسه، ومما زاد الطين بلة تدخل القوى الأجنبية في المنطقة بدعوى حماية الأمن والسلام العالمي والقانون الدولي وعجز العرب والمسلمين عن حل قضيتهم بأنفسهم واختلفوا حول هذا الأمر كعادتهم، وسنحاول تحليل هذا الحدث وآثاره على المنطقة ولو بصورة مجملة وسيكون التحليل كالتالي: - حسابات خاطئة. - دخول القوات الأجنبية فرصة ذهبية لها. - مجلس الأمن. - احتمالات وتوقعات. - تغييرات متوقعة في المنطقة. - مواقف بعض الإسلاميين. - مقابلة مع صدام. - عِبَر من الأحداث. حسابات خاطئة: لقد أخطأ صدام في توقيته غزو الكويت في هذا الوقت فلم يقدر حقيقة الوفاق الدولي الآن وإنهاء ما يسمى بالحرب الباردة وسقوط الشيوعية بشكل عام وانهيار أنظمة أوربا الشرقية بشكل خاص فلو كان الغزو - مثلاً -قبل سنة لكان من الصعب نجاح الحصار الاقتصادي بوجود أنظمة أوربا الشرقية البوليسية التي كانت تتمتع بعلاقات جيدة مع العراق، ولربما لو كان الغزو قبل اجتماع مالطا لتحفظ السوفييت، وعند ذلك يكون موقف الأمريكان حرجاً، فأي قرار من الأمم المتحدة لا توافق عليه الدول الخمس وخاصة أمريكا وروسيا لا قيمة له في أرض الواقع كما هو معلوم (كالقرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي استخدم الأمريكان ضدها حق النقض) . وأخطأ مرة أخرى حينما لم تنجح توقعاته في موافقة المعارضة الكويتية (من اليساريين والقوميين) على اجتياح الكويت فلو وافقت المعارضة مثلاً لاعتبر ذلك كاستدعاء بعض اللبنانيين للجيش السوري ليتدخل. ولذلك بقيت القضية في إطار القانون الدولي: (انتهاك لسيادة دولة وقلب نظامها بالقوة) ؛ مما جعل السوفييت وهم أصدقاء للعراق لا يجدون ... مسوغاً أمام الغرب يجعلهم يرضون بهذا الانتهاك، فهم بحاجة إلى إثبات مصداقيتهم أمام الغرب بأنهم يحمون السلام والأمن العالمي، خاصة وأن السوفييت في هذه المرحلة بحاجة إلى هذه المصداقية ليحصلوا على مزيد من الدعم الغربي. دخول القوات الأجنبية فرصة ذهبية لها: الغرب وأمريكا بالذات يتوقان لفرصة كتلك التى أقدم عليها صدام لكي تضفي الشرعية على تدخلها السريع لإنهاء القوة العراقية التي باتت مصدر إزعاج لطفلها المدلل (إسرائيل) (ويلاحظ أن القلق من العراق كشعب مسلم قد يستثمر هذه القوة يوماً من الأيام وليس القلق من صدام وحزبه) ومصدر قلقهم أيضاً عدم ضمان مصالحهم في الخليج (يقول وينبرغر وزير الدفاع الأمريكى الأسبق إنه من غير المعقول أن تبقى قوة طليقة تتحكم بنصف احتياطي النفط العالمي، إن ذلك يهدد مصالحنا وطريقها في الحياة) (الشرق الأوسط) ١٧/٨. لذا فمن غير المستبعد أن أمريكا قد رصدت الاجتياح العراقي للكويت منذ البداية عن طريق الأقمار الصناعية وغيرها، وربما كان لها دور في ضغط واحراج الكويتيين لصدام في قضية الديون ونحوها لاستفزازه لمثل هذا العمل، ولعل الأيام القادمة تكشف شيئاً من ذلك. ويلاحظ المرء تضخيم الإعلام الغربي للقوة العراقية من حيث العدة والإمكانيات بشكل هائل مما أخاف العالم من نشوء قوة جديدة عسكرية واقتصادية قد تغير موازين القوى وذلك ساعد في سرعة التفاعل الدولي في المشاركة بالقوات، وكذلك إجماعات مجلس الأمن، ولكن بعد قدوم القوات الأمريكية والقوات المتعددة الأخرى اختلفت النغمة بعض الشيء؛ فالأسلحة الكيماوية هناك إمكانية من الوقاية منها وغير فعالة في الجو الحار، وصواريخ سكود غير دقيقة الهدف ويمكن رصد تحرك الطائرات والصواريخ العراقية وضربها قبل تحركها ... الخ. على العموم دخلت القوات الأجنبية وسيكون لدخولها آثار كثيرة لعل أبرزها: ١ - إخضاع دول المنطقة لمزيد من السيطرة مما يمكنها من تمرير مخططات كثيرة من أهمها رصد الصحوة الإسلامية عن كثب ومحاصرتها باعتبارها الخطر المستقبلي على (إسرائيل) والغرب، يقول وزير الخارجية الأمريكية بيكر - مبتهجاً بالتعاون الدولي مع الولايات المتحدة -: ( ... إن الدول الأعضاء في حلف الأطلسي إذ تعمل جنباً إلى جنب مع دول أخرى لتبرهن على وحدتها في مواجهة الخطر المشترك وأعتقد أننا نبرهن على أننا قادرون على العمل معاً في عصر جديد للتصدي للتهديدات القادمة من مصادر جديدة وجهات جديدة) . ٢ - مزيد من اعتماد المنطقة على العنصر الأجنبي في شئونها المختلفة يدعوها إلى الارتماء في أحضان الغرب واستمرار التدخلات الأجنبية بدعوى الحفاظ على أمن المنطقة. مجلس الأمن: لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة تُتخذ خمس قرارات في قضية واحدة خلال أقل من ثلاثة أسابيع وقرارات بالإجماع (وهذه القرارات حول إنهاء الغزو والمطالبة بالانسحاب وعودة الحكومة الشرعية وفرض العقوبات الاقتصادية واستخدام القوة لفرض ذلك) . وقد يقول قائل إن ذلك أمر طبيعي؛ لأن المسألة فيها انتهاك صريح للقانون الدولي ولكن ذلك الجواب فيه سذاجة لأن (إسرائيل) - مثلاً - تنتهك القانون الدولي منذ أكثر من أربعين سنة ومع ذلك تستخدم أمريكا حق النقض ضد أي قرار فيه إدانة - مجرد إدانة - لإسرائيل، فضلاً أن يكون القرار ذا أثر عملي، بالطبع السبب معروف وهو أن وجود (إسرائيل) في المنطقة فيه تحقيق لمصالح غربية كثيرة بل هى امتداد للغرب وجزء منه أما قوة العراق فقد تهدد المصالح الغربية في المستقبل ونحن لا نقول ذلك دفاعاً عن صدام ونظامه البعثي، ولكن نخشى أن يكون المقصود من الضربة الشعب العراقي وقوته العسكرية والاقتصادية وليس صدام ونظامه فحسب. احتمالات وتوقعات: التوقعات كثيرة والمفاجآت واردة وسنقتصر على أبرزها: ١ - حينما يشعر صدام بضغط الحصار الاقتصادي وعدم إمكانية الحوار قبل انسحابه من الكويت فقد يفاجأ العالم بالانسحاب بعد تحقيق بعض مصالحه، كما فاجأ العالم بقبول اتفاقية الجزائر سنة ١٩٧٥م حول السيادة على شط العرب، رغم أنها كانت السبب الرئيسي لحربه مع إيران، ومما يؤيد هذه الاحتمالات مبادرات صدام حول الرهائن وإمكانية إطلاقهم إذا انسحبت القوات الأجنبية، وكذلك توجيه العراق لسفنه بالخضوع للتفتيش، فإذا نفذت مبادراته ومحاولاته ولم يجد ليونة من الغرب فقد يلجأ إلى الانسحاب، ولكن يا ترى إذا انسحب صدام هل يسلم من الضربة العسكرية؟ المتوقع حين الانسحاب عدم الضربة العسكرية؛ لأن السوفييت والصين لن يرضوا بذلك باعتبار أن العراق قد التزم بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وعند ذلك يصعب على الولايات المتحدة اتخاذ قرار فردي مما يعني ضربة قاضية للوفاق الدولي. ولكن هل يترك الغرب قوة العراق طليقة؟ . في الواقع إن الغرب لن يترك قوة العراق ولكن سيستخدم وسائل أخرى عن طريق المخابرات لترتيب انقلابات أو غيره، يقول وزير الخارجية الفرنسى جان فرانسوا بونسيه - والذي قام بدور مبعوث للرئيس الفرنسي إلى بعض الدول حول الموقف في الخليج -: (بأن الجميع يتحدث عن شرطين أساسيين للحل هما انسحاب القوات العراقية، وإطلاق الرهائن. ولكن هناك شرط ثالث يفكر فيه الجميع من دون الحديث عنه، وهو حتى حال قبول العراق لهذين الشرطين كيف يمكن إيقاف تهديد العراق للمنطقة في المستقبل بالقوة العسكرية التى يملكها؟ !) . (الشرق الأوسط) ٣١/٨. وقد يستمر في تصلبه فيزداد تذمر الشعب العراقي من شدة المعاناة والحصار وخوض معارك دون فائدة، فيؤدي ذلك إلى انقلاب عسكري وانهيار النظام. ٢ - قد تتوتر الأجواء من خلال قضية الرهائن أو غيرها وعندئذ تنشأ حرب مدمرة سيكون لها آثار في مستقبل المنطقة وعلاقاتها. إذاً الحرب واردة، وأمريكا تكامل رصدها للمَواطن الحساسة في العراق، والتأقلم مع الصحراء، ولكن الحرب إذا ما وقعت فستكون آثارها مدمرة، فالعراق يملك أسلحة فتاكة وسيستعملها إذا وجد نفسه محاصَراً من كل الجهات. تغييرات متوقعة في المنطقة: ١ - سينظر الغرب إلى منظمة التحرير الفلسطينية نظرة أخرى ويسعى إلى إيجاد بديل عنها. ٢ - قد تستغل أمريكا تفاعلها مع سورية فتوكل لها مهمات جديدة في القضية الفلسطينية من خلال دعم المنظمات الموالية لسورية بتحويل بعض أموال الخليج لها بشرط البدء بحوار مع (إسرائيل) للإعداد لكامب ديفيد آخر، وقد أبدت واشنطن ولندن ارتياحهما من إطلاق الرهينة الأيرلندي ودور إيران وسورية في ذلك. ٢ - ربما يبرز الآن الخيار الأردني، وهو الفكرة التى يطرحها حزب الليكود أن الأردن هو بلد الفلسطينيين، خاصة إذا هاجر عشرات الألوف من الفلسطينيين من الكويت والسعودية إلى الأردن وضعف الدعم الخارجي للأردن مما سيزيد الضغط السياسي والاقتصادي على الأردن وقد يسبب ذلك انهياراً للنظام والله أعلم. ٣ - هناك دلائل الآن تشير إلى عودة العلاقات بين السعودية وإيران، وقبل ذلك قد ينتهي التوتر بين إيران والغرب وأمريكا خاصة إذا استمرت إيران فيما يلي: أ - التزامها بالحصار الدولي المفروض على العراق. ب - ومساهمتها في إطلاق الرهائن الغربيين في لبنان. وهناك دلائل كثيرة تشير لذلك. فمنها ما صرح به الرئيس الإيراني من أن إيران لا تمانع في أن تطرد قوات أجنبية العراق من الكويت مادامت سترحل بعد ذلك (رويتر ٢٥/٨) ومن أن اتفاق العراق مع إيران لا علاقة له بغزو العراق للكويت. ومنها ما صرح به وزير الخارجية الكويتي لصحيفة الحياة (٢٨/٨) من أنه ناقش مع الإيرانيين العلاقات السعودية الإيرانية وسبل تحسينها ووجد بعض التفهم والرغبة. على العموم لا زالت إيران تستثمر وتستفيد من الأحداث لمصلحتها ولتحسين صورتها في الخارج، يقول وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية وولد غريف إن على بريطانيا أن تعيد تقويم علاقتها مع سورية وإيران في ضوء التحالفات المتغيرة في الشرق الأوسط حيال أزمة الخليج (رويتر ٢٦/٨) . مواقف بعض الإسلاميين: أحزننا موقف بعض الإسلاميين من الأحداث [١]- رغم تحفظنا حول دقة ما يُنقل عنهم - وذلك عندما أيدوا صدام حسين، بل صرح بعضهم بوجوب القتال معه، وهذا - بلا شك - مأساة سببها البعد عن المنهج الصحيح والوزن بميزان واحد، ميزان الكتاب والسنة دون محاباة أو مجاملة لأي حاكم من الحكام، وهل صحيح أن صدام غيَّر وبدل، مع أن موقفه من الدعاة والحركات الإسلامية واضح، ولم يتغير شيء من مبادئ الحزب ومناهجه، وفي آخر مشروع للدستور الذي نشرته مجلة (ألف باء) عدد ١١٤٠ في ١٠ من محرم عام ١٤١١هـ - ١/٨/١٩٩٠م يقول في المادة الخامسة: (يحظر على غير حزب البعث العربي الاشتراكي العمل السياسي أو الحزبي في القوات المسلحة) . وفي المادة نفسها: (يحظر تأسيس الأحزاب السياسية والجمعيات التى تقوم على أساس زجّ الدين في السياسة) . كما جاء في المادة (١٥) من مبادئ الحزب: (الرابطة القومية هى الرابطة الوحيدة القائمة في الدول العربية التى تكفل الانسجام بين المواطنين ... ) وفي المادة (٦) : (حزب البعث العربي الاشتراكى انقلابي يؤمن بأن أهدافه الرئيسية في القومية العربية وبناء الاشتراكية لا يمكن أن تتم إلا عن طريق الانقلاب والنضال، وأن الاعتماد على التطور البطىء والاكتفاء بالإصلاح الجزئي يهددان هذه الأهداف بالفشل والضياع) . وفي المادة (٤١) : (ترمي سياسة الحزب إلى خلق جيل عربي جديد يأخذ بالتفكير العلمي وطليق من قيود الخرافات والتقاليد الرجعية) (انظر: نضال حزب البعث لميشيل عفلق ١/١٧٠) يتضح لنا من هذا أن: ١ - الانقلابات مبدأ من مبادئ الحزب. ٢ - الرابطة الإسلامية لا قيمة لها وأن الدعوة إليها دعوة طائفية مذهبية. ٣ - رفض ما يسمونه قيود الخرافات والتقاليد الرجعية، ويعنون بذلك تعاليم الإسلام في شأن المرأة والحدود. ثم هل يعتقد الدعاة أن صدام غزا الكويت بقصد إزالة حكم فاسد ليقيم بدلاً منه الحكم الإسلامى ومن ثم من حقكم أن تؤيدوا، أم ليحقق طموحات حزبية شخصية؟ ، فمعرفة الهدف من الغزو والاحتلال تحدد الموقف الواجب وهل نربي شباب الدعوة ليقاتلوا تحت راية هذا الطاغوت أو ذاك؟ لقاء مع صدام حسين: سنختار مقتطفات من لقاء أجرته مجلة (الوطن العربي) - التابعة للنظام البعثي - في عدد ٦٦٨ الجمعة ١/١٢/١٩٨٩ (قبل تسعة أشهر تقريباً) ليتضح لهؤلاء مدى كذبه وتناقضه. (أجرى الحوار رئيس التحرير وليد أبو ظهر) . - الوطن العربي: ... وهناك إجراءات في بعض الدول العربية وفي المنطقة العربية تزداد نبرة الإقليمية، ولم يبقَ غير العراق وغير صدام القومي العربي، لذلك صرت تجد تيارات دينية، وقبل انتصار العراق كان الإنسان - كحركة وطنية قومية - يخشى أن يتصدى للتيارات الدينية. - صدام حسين (مقاطعاً) : تقصد التيارات السياسية المغطاة بغطاء الدين؟ ! . - الوطن العربي: نعم، سيادة الرئيس، الحركة الوطنية والقومية لديها الآن شجاعة التصدي لهذه التيارات وربما تصل إلى المستوى المطلوب لكنها وصلت إلى أن يقفوا ويتصدوا وبدأت بذلك رغم بعض الحالات كالانتخابات في الأردن مثلاً، وأنا ذهبت إلى الأردن قبل الانتخابات وشاهدت الأجواء ولدى الإخوان المسلمين هناك مستشفيات ومستوصفات لتطبيب الناس مجاناً. - الرئيس صدام: من أين يأتون بالأموال لتطبيب الناس؟ هناك دول غير قادرة على تطبيب مواطنيها؛ لأن ثمن التطبيب مرتفع. ملخص الكلام السابق يريد رئيس التحرير أن يقول: إن وقوف العراق أمام الزحف الإيراني هو انتصار للقومية العربية التى كادت تنتهي لولا ذلك الانتصار (كما يزعم) ، مما أعطى القوميين شيئاً من النشوة والافتخار وجعلهم يتصدون للتيارات الدينية (يقصد بالطبع الإسلامية) ، المنافس الوحيد له. ويلاحظ من كلام صدام عدم القناعة بعلاقة الدين بالسياسة، ولذلك قال: تقصد التيارات السياسية المغطاة بغطاء الدين (أي التي تستغل الدين) ، وكذلك استغرابه من الخدمات الخيرية التى تقدَّم للناس، وهذا الأمر غير مستغرب، فأهل الخير المحسنين كثيرون والحمد لله، وربما يقصد الرئيس أن لهؤلاء علاقة بالقوى الخارجية الرجعية على حسب تعبير الرفاق التقدميين. - الوطن العربي: بعد مؤتمر الطائف كيف تجدون الحل في لبنان؟ - صدام: نحن ننظر إلى الاحتلال نظرة لا نستطيع إزاءها مساومة كائن من يكون وهي أن كل احتلال لأرض عربية من العربي أو الأجنبي حالة كافرة، لأن احتلال الجيش العربي لأرض عربية يهشم الأمن القومي العربي والتضامن العربي، وعندما يتهشم مفهوم الأمن العربي وإمكانياته عند ذلك تصبح كل بلداننا مفتوحة أمام احتمالات أن يحتلها الأجنبي.. إلى أن يقول: نرى أن الحل الجذري يكمن في انسحاب القوات المحتلة للبنان! . تعليق: بإمكان منقذ الأمة العربية أن يطبق هذا الكلام على نفسه. عبر من الأحداث: على الدعاة أن يستفيدوا من الأحداث ويستغلوها لمصلحتهم، ويقطعوا الطريق على أعداء الإسلام ولا يمكنوهم من تمرير مخططاتهم الخبيثة ويجب علينا أن لا نيأس أو نتشاءم فلعل في هذه الأحداث خيراً لنا حين نأخذ منها العبر والدروس ومنها: ١ - التأمل في سنن الله في المجتمعات والدول، فالحال التي وصلت إليها الكويت تؤْذِن بشيء مما حدث، فلا نستهين بآثار الذنوب والمعاصي؛ يقول الله - : [وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] [الإسراء: ١٦] . ويقول الله - تعالى -: [وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] [النحل: ١١٢] . ويقول - تعالى -: [أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ] [الأعراف: ٩٧-٩٩] . ومن أعظم الذنوب تحكيم القوانين الوضعية، وموالاة الكفار، والربا، والزنا، والظلم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... الخ. ٢ - لابد من الاهتمام بالعقيدة والتوحيد وتربية الناس على ذلك، فقد كشفت الأحداث ضعف التوكل على الله عند الكثيرين وشدة التعلق بالأسباب المادية، وتعظيم الكفار والخوف والرجاء من غير الله. ٣ - ضرورة الوعي وفقه الواقع؛ فقد ذكرنا قبل قليل تأييد بعض الدعاة لصدام، وقبل ذلك أيد بعضهم الخميني وغيره فإلى متى هذا التخبط والتقلب على حسب أحوال الطقس السياسي ودون النظر إلى الواقع وتقييمه من خلال الأصول المرعية؟ ! ٤ - الحذر من تضليل وسائل الإعلام: فالجميع يعرف أن وسائل الإعلام العربية صنعت من صدام بطلاً وتغاضت عن جرائمه المختلفة. مما جعل الكثيرين يُعجبون به، فلو كشف الإعلام جرائم حزب البعث وجرائم صدام في حلبجة وغيرها لما لقي التأييد الذي لقيه الآن. ٥ - انكشاف بعض الأنظمة وسقوط شعارات القومية العربية، فقد أثبتت الأحداث كذب دعوى القوميين حرصهم على الوحدة والأمن العربي فأفعالهم تدل على نقيض ما يقولون فيجب أن يستفيد الدعاة من ذلك فيكشفوا للناس حقيقة هذه الأنظمة والشعارات ويبينوا للناس أن الخلاص لهم بالإسلام وبالقيادات المسلمة الواعية والصادقة. وأخيراً نقول للمسلمين كفى تخبطاً وتعلقاً بغير الله ونقول للدعاة احرصوا على الوحدة واجتنبوا الفرقة وكونوا على مستوى الأحداث؛ فالأمة تنتظر منكم الكثير. نسأل الله أن يجنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق وأن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ودنيانا التى فيها معاشنا وأن يرفع عن المسلمين محنتهم ويرزقهم الصبر والاحتساب، ويرزقنا وإياهم التوبة النصوح. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 705

الإسلام والمسلمون في السنغال من الإخوة الذين اشتركوا في دورة العلوم الشرعية التي نظمها المنتدى الإسلامي الأخ محمد بامبان جاي، وقد انتهزنا فرصة وجوده وأجرينا معه هذه المقابلة التي تلقي الضوء على بلد من البلاد الإسلامية في إفريقية، وهو (السنغال) . س - أخ محمد هل لك أن تعطينا فكرة عن السنغال من حيث سكانها، موقعها، مواردها الاقتصادية؟ ج - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد: السنغال دولة من دول إفريقية الغربية، يحدها شمالاً جمهورية موريتانيا الإسلامية، وجنوباً جمهورية غينيا بيساو، وشرقاً جمهورية مالي وغينيا، وغرباً المحيط الأطلسي، ومساحة البلاد ١٩٢ ألف كيلو متر مربع، ونالت استقلالها عام ١٩٦٠م وكانت مستعمرة فرنسية، أما نسبة المسلمين حسب الإحصائيات التي أقيمت عام ١٩٨٠م فقد بلغت حالياً ٩٤% ويمثل المسيحيون ٤% والوثنيون - الذين هم أناس يسكنون في إقليمي تامباكوندا في شرقي السنغال وكازموسن في الجنوب - ويمثلون ٢% وهم أناس مازالوا على فطرتهم! أما الثروات فالسنغال بلد زراعي يعتمد حوالي ٨٠% من السكان على الزراعة وتربية المواشي وأدى هذا إلى بعض المشاكل؛ لأن البلاد تتعرض للجفاف منذ ما يزيد عن عشرة أعوام، وهناك ثروات معدنية بسيطة مثل الفوسفات، وتم اكتشاف البترول ولم يستغل بعد وهو نفط بحري في حدودها مع غينيا بيساو، ومازالت هذه المنطقة النفطية موقع نزاع بين السنغال وغينيا بيساو حالياً، وهنائى الحديد في شرق السنغال وقد اكتشف حديثاً ولم يستغل بعد، وكذا الذهب في نفس الأقاليم في الشرق، والسنغال من الدول التي تنتج السمك بكثرة، لأنها تقع على المحيط الأطلسي، وفيها ما يزيد على ثلاثة أنهر: نهر السنغال، ونهر كامبيا، ونهر كازلماس، أما المحاصيل الزراعية الرئيسية فالفول السوداني ثم الذرة والحبوب. س - متى دخل الإسلام إلى السنغال أو متى دخل أهلها في الإسلام وعلى يد مَن؟ ج - القول المعتمد الذي عليه براهين وأدلة تاريخية هو أن الإسلام دخل السنغال على يد المرابطين مع حركة عبد الله بن ياسين وذلك في القرن التاسع الهجري وربما هذا له دلالات كثيرة جداً، وهناك شيوخ تعلموا على أيديهم واعتنقوا الدين الإسلامى، وهم أيضاً بدأوا حركة في (فُتا) ثم بعد عبد الله بن ياسين وحركته بدأ بعض السنغاليين يروجون للدين الإسلامي في باقي أرجاء الوطن منهم الحاج عمر الفوتي والحاج مالكسي الذين كانوا ينشرون الدين في ربوع البلاد.. ولما دخل الاستعمار الفرنسي السنغال كانت السنغال دولة مسلمة، والأكثر من ذلك هناك أدلة تاريخية تقول: كان هناك دولة إسلامية في فُتا في القرن السابع عشر عند مجئ الفرنسيين (وهذا غير بعيد عن الصواب) ، الفرنسيون لما جاءوا حاربوا بعض الملوك الوثنيين في منطقة جلق في قلب البلاد وفي كايور وكانت شبه دويلات صغيرة أما باقي البلاد فكانت تحت أيدي شيوخ مسلمين يحكمون مناطقهم بالشريعة الإسلامية، ومن هذه المناطق (فتا) وكان فيها الشيخ سليمان بعل وإلى الآن توجد مخطوطاته وكان يحكم البلاد في كل الجوانب الإدارية ولما قتله الفرنسيون عينوا الشيخ (عبد القادر كان) وكان آخر شيخ، وكانوا يطلقون اسم الإمام على الشيخ الذي كان يدير البلاد مثل الإمام سليمان بعل والإمام عبد القادر كان. والشيوخ تعلموا في السنغال وهناك مراكز علمية تعتبر بمثابة جامعات، والدليل على رسوخ الدين الإسلامي في البلاد أن أكثرها كانت تدرّس اللغة العربية، وإذا اطلعنا على اللغات القومية الموجودة في السنغال نجد الكثير من المفردات المستعملة مشتقة من اللغة العربية، ومن هذه اللغات اللغة الوُلوفية نأخذ مثالاً أيام الأسبوع، اسمها كلها عربية ماعدا يوم الأحد ويسمى بيير، أما باقي الأيام: السبت: السبت، الاثنين: تنين، الثلاثاء: ثلاثة، الأربعاء: أربع، الخميس: الخمس، الجمعة: الجُمع، وكان الفرنسي أثناء الاحتلال مجبراً على استعمال اللغة العربية في الدواوين، وكانت السنغال مدخلاً للصحراء إلى مالي وكانت مركزاً ويسمونها غرب إفريقية الفرنسية، وكانت تسمى كذلك السودان الغربي الفرنسي. س - أثناء وجود الاستعمار الطويل هل ظهرت حركات مضادة للاستعمار؟ أو حركات إسلامية يقودها علماء؟ ج - الحركات بدأت قبل دخول الاستعمار، إن دولة الإمامية في فُتا كان على رأسها شيوخ وعلماء قاوموا الفرنسيين أشد المقاومة في أواخر القرن التاسع عشر، فالحاج عمر الفوتي قاوم الفرنسيين مدة ٨ سنوات ثم توفي مقتولاً على أيديهم، وحركة الشيخ (أحمد بادئ خُبا) وهو عالم مسلم يقود أشد حركة لمقاومة الفرنسيين (١٠ سنوات) ، والفرنسيون اعترفوا بذلك وبعد ذلك قضوا عليه بعد محالفات عقدوها مع الملوك الوثنيين في عام ١٨٨٦) وكذلك ما يسمى (تمرد العلماء) عام ١٩٠٥ م حيث قام كثير من العلماء وعلى رأسهم (عثمان جُمكة) بحركة تمرد ضد الفرنسيين حيث جهزوا أنفسهم لعدة أشهر دون أن يعلم الفرنسيون ذلك وشنوا ثورة عنيفة ضد الفرنسيين دامت ٥ أشهر فقط، وكانوا يقولون صراحة إنهم يحاربون الكفرة لإخراجهم من بلاد المسلمين، وكان قمع هذه الحركة شديداً جداً؛ حيث إن الشيخ عثمان جمكة قُتل ليكون عبرة للذين يأتون من بعده. ومن الذين قاموا بالمقاومة ضد الفرنسيين الشيخ محمد بَمبا الذي نُفي إلى غابون. وكذلك شيوخ آخرون استمروا في المقاومة حتى عام ١٩٢٠ وقد اضطر المستعمر الفرنسي لإقامة مدرسة للقضاة والمترجمين، تهدف إلى تربية أولاد هؤلاء الشيوخ، وفي ذلك يقول الحاكم الفرنسي للسنغال آنذاك مبيناً الهدف من هذه المدرسة: (لابد أن نوجد لهم مدرسة نكوِّن فيها أبناءهم ونفسر لهم فيها القرآن تفسيراً لا يتنافى مع الحكم الفرنسي، ونعلمهم فيها الفقه تعليماً لا يكون منافياً مع ما تريده الإدارة الفرنسية) . وقد لعبت هذه المدرسة دوراً مهماً في هذا المجال وبعد ذلك أخذوا أولاد الشيوخ والعلماء الذين حاربوا آباءهم إلى باريس لتلقِّي العلم الغربى، وبعد عودتهم هادنوا المستعمر وبدأت المقاومة تهدأ شيئاً فشيئاً. س - ما هي الحركات السياسية الموجودة في السنغال. ويلاحظ المرء كثرة المنظمات الشيوعية، وليس بينها أحزاب أو جماعات تقابلها من المسلمين هل هذا صحيح أم أن هناك جماعات تتصدى لهؤلاء؟ ج - حالياً يوجد ١٧ حزباً سياسياً وأكثرها شيوعي، ماعدا الحزب الاشتراكي الحاكم، وهو ليس حزباً شيوعياً، وحزب المحافظين وحزب العمال، والدستور السنغالي ينص في بنده الثالث على أنه من الممنوع منعاً باتاً تكوين أي حزب على أساس ديني.. وهناك جماعات تتصدى لهؤلاء الأحزاب مثل حركة الفلاح للثقافة الإسلامية السلفية وهي حركة كبيرة جداً، وجماعة عباد الرحمن وهاتان الحركتان لعبتا دوراً كبيراً في التصدي لمواجهة الشيوعيين والعلمانيين وكان البعض يتساءل: هل السنغال يحتاج حقيقة إلى حزب إسلامي نظراً لأن الجماعتين لهما حرية التصدي والتحرك. وهناك مجلة تصدر باللغة الفرنسية وتُقرأ بها مقالات سياسية بحتة، وهناك في كل أسبوع على الأقل محاضرة كبيرة علنية بالفرنسية أو باللغات المحلية أو باللغة العربية. وبالجملة فإن هذه الحركات الإسلامية غير المرخص بها تقوم بنشاط ملموس وتتصدى لكثير من المشاكل التى يثيرها العلمانيون اللادينيون، وتهاجم برامج العلمانيين المتعارضة مع الإسلام مما يضطر الدولة بين وقت وآخر أن تصدر بيانات تحذيرية لهذه الحركات والجماعات كي لا تتدخل في السياسة ولا تهاجم العلمانية المنصوص على وجوب احترامها في البند الأول للدستور. ومع هذا فإن الضغط لإزالة العلمانية من الدستور يزداد يوماً بعد يوم، وبعد أن كانت مبدأً متفقاً عليه في السابق أصبحت الآن تهاجَم من جهات كثيرة من الشعب وزال ما كان لها من هالة وتهويل. س - ألم تؤثر أحداث أوربا الشرقية على الشيوعيين والتيار اليساري؟ ج - أثرت وأصبح الشيوعيون يعيشون أزمة، وحدث في الأيام الأخيرة أن أستاذاً للفلسفة ينتمي إلى حزب الرابطة الديمقراطية - وهو أكبر حزب شيوعي في السنغال - وله نشاط وسيطرة في المجال التعليمي والتربوي هذا الأستاذ تكلم في درس له بكلام غير لائق بحق الله - تعالى - وبحق الرسول -صلى الله عليه وسلم- فتصدى له أحد الطلبة وثار بينهما نقاش أدى إلى الضرب، ثم رُفعت القضية إلى مجلس الجامعة فطرد الطالب فحدث على إثر ذلك ضجة كبيرة جداً تضامناً مع هذا الطالب، وعقدت محاضرات وأرسلت احتجاجات إلى رئيس الدولة وإلى البرلمان، وكانت نتيجة لذلك أن أعيد الطالب إلى الدراسة ونُقل الأستاذ، وألفت لجنة لإعادة النظر في مناهج الفلسفة التى كانت منبراً للمهاجمين للإسلام في المدارس. س - لا شك أن هناك مشاكل وصراعات ما بين المسلمين أنفسهم، وخصوصاً نحن نعلم أن الصوفية لها جذورها في إفريقية، وأن الصوفية من خلال تاريخها دائماً ترتبط بالحكومات التي تعاصرها، فهل هناك مثلاً ضغوط من الصوفية على الناس الذين يحبون أن تكون الدولة ذات توجه إسلامي؟ ج - نعم هناك ضغوط كبيرة خاصة في السنوات الماضية، السنغال يتميز بكثرة الطرق الصوفية، وهي كثيرة وربما لا يعرفها العالم الإسلامى لأنها سنغالية المنشأ، وعادة رؤساء الطرق يشجَّعون من قبل الدولة ويدعمون بالمال الذي يوزعونه على مريديهم، ويحضر المسؤولون الاحتفالات التى يقومون بها، فيعبر مشايخ الطرق عن ولائهم للدولة وموافقتهم على مواقفها السياسية، وتحاول الدولة تشجيع هؤلاء ودعمهم لأنهم بديل مأمون ولا خطر منهم، بعكس دعاة الإسلام الذين عندهم تجرد وإخلاص وعلم شرعي صحيح فإن الدولة تضغط عليهم وتحاول عزلهم بكل الوسائل. ومع هذا فإن زعماء الطرق الصوفية قد تضاءل أثرهم عن السابق، وذلك لأن نسبة الوعي قد ازدادت نسبياً بين الأتباع (وإن هى لم تصبح كاملة ومثالية) حتى أن من زعمائهم من يشارك في التجمعات الإسلامية غير الصوفية ويحرص على الظهور فيها حتى لا يجرفه تيار النسيان ويسحب البساط من تحت قدميه مثل زعيم الطائفة التيجانية الشيخ عبد العزيز سي. س -ما هو حجم الحركات التي تنتهج منهج أهل السنة؟ ج - هناك حركة الفلاح السلفية للثقافة الإسلامية، وقد أنشئت قبل الاستقلال من قبل الشيخ محمود يار ﵀ وقد كانت محدودة إلى الثمانينات ثم انتشرت وأصبح لها فروع في فولتا العليا ومالي وموريتانيا وغينيا، وفي السنغال لها فروع في جميع الأقاليم ولها فرع للشباب وآخر للنساء. وهناك حركة عباد الرحمن وهي حركة جديدة، ومؤسسوها تربوا في حركة الفلاح وهم من المثقفين والمعلمين. وعلى كل حال فإن أكثرية الشعب السنغالي لا تفرق بين حركة الفلاح وحركة عباد الرحمن. س - ماذا عن موقف رئيس الدولة من الإسلام؟ ج - كما تعلمون فإن ليوبولد سنغور هو الذي عين الرئيس الحالي، وليوبولد سنغور محب لفرنسا حتى العبادة، وإن كانت أصوله إسلامية، لكن فرنسا احتضنته ونصَّرته منذ صغره وعملت على شهرته، وفي أوائل الثمانينات بدأ الشعب يتململ وبدأ يطرح مشكلة دين الرئيس ومشكلة إيجاد وزارة مستقلة للأوقاف الإسلامية، فما كان من سنغور إلا أن عين (عبدو ضيوف) وهو مسلم وزوجته مسيحية متعصبة تربت في المدارس الكنسية. ومع أن الشعب أيده - لأنه مسلم - لكنه عمل أعمالاً لم يكن سنغور يجرؤ على القيام بها، فقد تلاعب في قانون الأحوال الشخصية، وكما هو جارٍ في كثير من البلاد الإسلامية فإن كثيراً من الأمور لم يكن يجرؤ المستعمرون على القيام بها قام بها أناس من بَنِي جلدتنا. س - في العالم الإسلامي اليوم حركات باطنية لها نشاط واسع ومحموم مثل البهائية والقاديانية والرافضة ... فهل لهذه الحركات وجود في السنغال؟ ج - السنغال يعاني من نشاط الحركات الباطنية؛ فالماسونية منتشرة منذ القدم، وقد شن أهل السنغال حملة قوية ضد الماسونية التي كان لها مراكزها ومستوصفاتها فحلت محلها الكنيسة في إدارة هذه المراكز؛ مما يدل على التعاون والتنسيق بين الكنيسة والماسونية. أما الرافضة فأثرهم في صفوف أهل السنغال ضئيل وينحصر نشاطهم ضمن الطائفة اللبنانية، وقد ازداد نشاطهم بعد ثورة الخميني تجاه الشعب السنغالي ففتحوا المدارس، ووزعوا المطبوعات الإيرانية، وكذلك الدعوات وتذاكر السفر لزعماء الصوفية ولبعض الشباب للذهاب إلى إيران. ونتيجة لوعي المسلمين هناك فإن نشاط الشيعة انحسر، والسفارة الإيرانية لم تعد توزع مطبوعات إيران كما كان الحال سابقاً. س - هل انعكس الخلاف بين الموريتانيين والسنغاليين على واقع السنغال؟ ج - الانعكاس واضح في المجال الاقتصادي في كلا البلدين، وكذلك في مجال العلاقات حصلت أشياء سلبية، وقد كانت هناك أصوات خبيثة تحرض كلاً من الشعبين ضد الآخر، وقد لعبت فرنسا دوراً لا يستهان به في ذلك عن طريق نشر الأخبار والتهويل فيها، وقد بدا في حمى الأزمة أن الحكومة عاجزة عن فعل شيء، ولكن من حسن الحظ أن تلك الأزمة حصلت في شهر رمضان فاستغل الإسلاميون هذه المناسبة واستنكروا ميل الشعب إلى الانتقام سواء في موريتانيا أو في السنغال، وسرعان ما هدأت الأمور بعد هذا الدور الذي قامت به جماعتا الفلاح وعباد الرحمن في كلا البلدين. وصاروا يجتمعون في غامبيا - وهي داخل السنغال - ويمكن لكل من الموريتاني والسنغالي أن يدخلها وتألفت لجنة مشتركة وأصبحت تجتمع لإيجاد الحلول لهذه المشكلة المؤسفة. ختاماً لهذه المقابلة تتقدم مجلة (البيان) بالشكر للأخ الكريم محمد بامبان جاي على هذه المعلومات التي أدلى بها لنا عن السنغال.
следующие страницы →