البيان الأدبي
الخروج من تحت الأنقاض
د. عمر عبد الله
سنوات الغربة التى يمر بها (جمال) خلال غربته الثانية بدت أقل صعوبة
وأيسر معاشاً مما توقع، فهو بالرغم من عيشه في هذه البلاد ثلاث سنوات من
سنوات الطفولة إلا أنه تهيب من العيش في بيئة مختلفة، وحضارة مغايرة. لكن
الأمر كان أسهل وأيسر، ففي المدينة التى يدرس فيها جالية إسلامية نشطة، ونشاط
دعوي مميز، أخذ من وقته، وعاش في شعوره حتى أصبح المجتمع الصغير عالمه
ومحيطه، وأصبح إخوة العقيدة الذين لم يربطهم به سوى رابطة الإيمان أشقاء له لم
تلدهم أمه، إن جعفر، وعبد الرحمن، وليث، وزاد الحق، ومراد ... وغيرهم
من إخوة الدرب قد أضاءوا سنوات الغربة بذكريات عزيزة، وأناروا الطريق
الموحش بومضات جد ساطعة، كان اليوم هو آخر أيام الأسبوع الأول من الدراسة، وحينما كان جمال يهم بمغادرة الجامعة، وجد رسالة على صندوق بريده، كتب
عليها (ج. برهان يود مقابلتك في مكتبه في قسم المحاسبة، غرفة رقم ١٢١، في
أي وقت بعد الظهر) حاول أن يتذكر إذا ما كان الاسم المذكور يعني له شيئاً خاصاً، لكن ذاكرته لم تسعفه، وحين كان في الوقت متسع فقد قرر أن يزور صاحب الرسالة في هذا الوقت، وحينما وصل إلى الغرفة المذكورة، طالعه السكرتير متسائلاً هل من خدمة أقدمها لك؟ .
- أجاب جمال: اسمي جمال العلي، وجدت رسالة تطلب مقابلة السيد برهان
بعد الظهيرة.
كانت لهجته الأمريكية التى اكتسبها خلال تواجده المبكر في هذه البلاد تجعل
العديد من الأمريكان يظنون أنه أمريكي من أصل مكسيكي.
- نعم.. إن الدكتور برهان قد طلب مني أن أبلغه بحضورك.. بالرغم من
مشاغله الكثيرة، يبدو أنك صديق مخلص له.
- لا أدري، فهذه المرة الأولى التي أقابله.
- على العموم، هو شخص لطيف، وهو منذ انتقاله لهذه الجامعة منذ أسابيع
وهو يكسب العديد من الأصدقاء والمعجبين، إنه انسان رائع.. لحظة من فضلك.
دخل السكرتير الغرفة بينما بقي جمال يحاور نفسه ويحاول أن يتذكر مرة أخرى
لعله يفلح في الاستذكار.. بدون جدوى.
- السيد برهان في انتظارك.
- شكراً.
دخل جمال الغرفة وما إن وقع نظره على السيد جمال حتى أدرك أنه يقابل
وجهاً أليفاً، لكنه لم يستطع أن يتذكر ما تعنيه تلك الملامح بالنسبة له، واستفتحه
بلغة عربية صافية.
- أهلاً بالسيد العلي.. أنا جميل برهان، أعمل حالياً رئيسا لقسم المحاسبة
في الجامعة، ربما أنك لا تعرفني، كان منظره يوحي برؤية إنسان أمريكي تماماً،
لا يدل على كونه عربياً سوى اسمه، ولغته العربية المحكية بلهجة فلسطينية.
- حقيقة إن وجهك مألوف بالنسبة لي، لكني لا أستطيع أن أتذكر أين رأيتك، ومَن تكون! .
- حتى بالنسبة لي فأنا أجد صعوبة بالغة في التعرف عليك، بالرغم من
معرفتي القديمة بك؟
- بي.. أين.. ومتى؟ !
ضحك جميل برهان حتى بدت أنيابه.
- منذ زمن طويل، وطويل جداً، لكن دعني أعطِكَ إشارة مساعدة، لقد
عشت وقتاً طويلاً في أن (آربر) ، وبالتحديد قبل خمسة عشر عاماً ... فهل
تساعدك هذه الإشارة؟
- ربما، فقد عشنا في نفس المكان وأنا طفل، في نفس الفترة تقريباً.
- حسناً، أنت في الطريق الصحيح، وربما أنك لا تذكر صديقاً لوالدك كان
يدرس معه في نفس القسم، يحمل نفس الاسم؟
- لا أذكر.
- كنت أتوقع ذلك، يسرني أن أقول لك إن أباك إبراهيم العلي كان من أعز
أصدقائي، في تلك الفترة على الأقل، لقد كان رجلاً ودوداً وكريماً معي، بالرغم
من عدم اتصالنا ببعض لفترة طويلة.. طويلة جداً.
- لكني لا أزال أذكرك، وأنت طفل صغير، حينما كان أبوك يدعوني في
أيام ذلك الصيف في حديقة منزلكم لنتناول الحديث، ونتناسى الهموم.
- لا أذكر، فقد كان لأبي الكثير من الأصدقاء، وكنت في تلك الفترة أعيش
فترة الطفولة باستغراق جميل.
- لقد دهشت حينما رأيتك فبالرغم من معالم الشبه بينك وبين أبيك: فإنك
تبدو مختلفاً في المظهر على الأقل.
- ربما ...
أدرك جمال ما يعنيه الدكتور برهان، فلحيته المعفاة كانت علامة مميزة في
محيط الجامعة.
- وماذا تدرس الآن في هذه الجامعة؟
- أحضّر الماجستير في الهندسة النووية.
- جميل.. رائع.. وهل أنت متأقلم في هذه الجامعة والمدينة؟ .
- نعم.. فالأمور تجري بشكل جيد.
- جميل.. إننى أشعر بلذة في اجترار الماضي، أليس ممتعاً أن تستعرض
تلك الأيام الحلوة مع شخص عاش ذات الظروف.
- نعم، خصوصاً إذا كان يحمل نفس الهموم والآلام.
التقط، د. برهان الحديث، ورد بلهجة استرجاعية مسترخية.
- نعم، كم كان جميلاً لو أن إبراهيم كان معنا، لقد كان - كما قلت ووصفت
- صديقاً رائعاً تقاسمنا الهموم والآلام سوياً، كانت المرحلة التى نحياها مرحلة
شباب وزخم، وقد التقينا في صيف عام ١٩٦٦م، كنت وأبوك نعيش حالة من
الفرح الكاذب والأمل الواهم، كانت أمريكا تغرق تدريجياً في وحل فيتنام، فنرى
في ذلك هزيمة لروح التسلط التى كانت تمارسها هذه البلاد بوقاحة في تلك الأيام،
وننام ونصحو على شعارات قرب زوال الظلم، وإلقاء (إسرائيل) في البحر، ولا
تسأل اللاجئ الذي كان يضع رهانه على تلك الدول ولا الشباب المتأثر بالناصرية
كإبراهيم، والذي رأى فيها حلم شبابه.
- صدقت كان أبي ناصرياً مثالياً، ألا يكفيك أن اسمي خير دليل على ذلك.
- نعم.. لازلت أتذكر حالة الإحباط والتعاسة التى أحاطتنا في صيف عام
١٩٦٧م، حتى أننا كنا نتحاشى أن نذهب للجامعة حيث كان الصهاينة وأصدقاؤهم
الكثيرون يشعروننا بأننا نعيش هزيمة أخرى، لقد كانت أياماً قاسية! لكن خبّرني
ما هي أخبار والدك؟
- إنه بخير، وهو على وشك التقاعد، للتفرغ لأعماله.
- وهل لا يزال مثالياً؟ أعني ناصرياً مخلصاً؟
- كلا ولكن سأسألك نفس السؤال؟
- لقد أصبحت أمريكياً.. (يضحك) ، أمريكياً مخلصاً، خلعت أشياء كثيرة
لكي أصل إلى ما أنا فيه، تركت المثاليات، يممت شطر الجانب الأكاديمي، وها
أنا ذا أحقق معظم أحلامي..
- وهل لديك أسرة؟
- نعم لديَّ ابنة تعمل متفرغة في العمل الخيري، إنها رئيسة نادي الليونز في
المنطقة!
- الليونز..؟ ! هل تعرف ما هي المنظمة، وما أهدافها؟ !
- كلا..، فابنتي تعرف ذلك، وهى عموماً (تربية أمريكان) .. (ويضحك
ضحكة مقتضبة) ، لقد تزوجت أمها الأمريكية، واتفقنا أن أتفرغ للعمل وتتفرغ هى
لإدارة الأسرة.
- وهل لازلت تحتفظ بهويتك؟ أعني لغتك، ودينك.
- لغتي جيدة، وديني لا يَسُر، منذ البداية.
- ولماذا؟ !
- كنت يسارياً في السابق، قبل أن أهاجر إلى هذه البلاد، كنت أعيش في
مخيم لاجئين في دمشق، كان معسكر السلام وشعاراته الشيوعية يشكل تيار أغلب
التعساء هناك.
- ثم؟
- كفرت بكل الشعارات الكاذبة، والزعامات المغشوشة، وآمنت بالحياة على
الطريقة الأمريكية، الفردية، تستطيع أن تكون من تريد حينما تكون لا منتمياً،
إنها عقلية الشركات الكبرى، حينما تدوس على المبادئ، سوى مبادئ الشركة
وتتخلى عن أي تحالف، سوى ما يساعدك على النجاح!
- وهل هذا مبدأ صالح في نظرك؟
- ما يصلح هو ما يعمل، وما يعمل - كما أرى - هو ما يصلح.
- قد يبدو هذا الكلام فلسفياً، لكن الواقع والفلسفة قد يشتبكان. لكن قل لي:
هل أنت مثالي؟
- إذا كنت تقصد بالمثالية الالتزام بمنهج، فأنا كذلك.
- وما هو هذا المنهج؟ . لقد أصبحت بعيداً عن الساحة العربية كما ترى.
- منهج قديم، جديد..
- ماذا تعني..؟
- أعني الإسلام.
- لقد كنت أظن أنك ستقول لي ذلك، منذ أن رأيت تلك اللحية الثائرة، إنها
تشبه لحية كاسترو، أو الخميني.
- لعل كاسترو وغيفارا والخميني بل حتى ماركس، هم ما تقدمه الثقافة
الأمريكية للتدليل على الخطر الخارجي، والربط بينهم حتى لو لم يكن هناك رابط.
- أوافقك في ذلك، لكن قل لي فلعل معلوماتي خاطئة: هل يعني ذلك أن
(الأصولية) هي الموجة الآن؟
- وماذا تعني بالأصولية؟
- أعني الحَرْفية، الجامدة، والتعلق بالنص!
-أعطني مثالاً.. لم أفهم!
- مثلاً بِلِي غراهام، سويغارت.
- غيرهما.
- لا أتذكر.
- أنت رجل متعلم، هل تؤمن أن نطبق سياسات أمريكا وأوربا الغربية
وآلياتهما على العالم الثالث؟ .
- لا يمكن، أرضيتان مختلفتان، متباينتان ...
- إذن هل تعرف أن هناك اختلافاً بين ما تطلقه من أمثلة وبين الواقع الذي
تنعته بالأصولية.
- ربما، لكن الإسلام والمسيحية متقاربان، عذراً، هذا من بقايا الخمسينات، كلاهما أفيون الشعوب، أو في منطق أمريكا الثمانينات، الإسلام السياسي أو
الإرهابي يحمل نفس بذور الأصولية التى تريد أن تحكم أمريكا.
- مرة أخرى.. أجد نفسي مضطراً لتذكيرك باختلاف البدايات وحتمية الخطأ
النهائي.
- أعترف بأني قد تغيرت كثيراً.. وأعترف أن الحوار ممتع معك، تحمل
نفس اللهجة القاطعة والمستيقنة التى كان أبوك يحملها، ولكن تبدو أكثر عقلانية
حينما كان يبدو أكثر حماساً وعاطفية، هل نلتقي مرة أخرى؟ .
أحس جمال أن الدكتور برهان مشغول وأن المقابلة قد انتهت، فوعده خيراً،
وأحس بواجب نحو هذا الغريب، الذي (استنوق) حتى يصل إلى ما يريد، والذي
قابل العديد من أمثاله الذين تأمركوا، وضاعوا وأضاعوا، أضاعوا جيلاً ثانياً كان
يمكن أن يكون أداة خير فاعلة في هذه الأرض، وتذكَّر مجموعة من المراهقين من
أبناء المسلمين الذين ولدوا لآباء كهؤلاء، بعضهم يحترف الدعارة، وبعضهم
يحترف تجارة المخدرات، ومجموعة تقود نوادي الليونز، والروتاري، وأخرى -
ويا لَحجم المأساة! ! - يعملون منصرين في كنائس مثل (وليم علي) ، ذلك ...
المنصر الشاب الذي قابله منذ فترة وتلك مأساة أخرى ...
стр. 702
أذان بلال
شعر: مروان كجك
إني ليُثنيني المقال عن المقال ... فهنا رجال يستبد بهم رجالْ
وهناك طاغية بلا قلب، ولا ... عقل، ألدُّ، يفوق ما نسج الخيالْ
وعلى رُبا أرض المحبة تُهتك ال ... أستار يُعبث بالطهارة والجمالْ
يقتادها جلادها بالقهر طو ... راً والأماني كاذبات، والوصالْ
فإذا تأبَّت أو عدت يوماً، ولم ... تحفظ له وداً، ولجت في السؤالْ
وإذا تململ طرفها من رقدة ال ... ذل الوبئ، ولم يطق عيش الذِّلالْ
وإذا تعالى صوتها عن همسة ... وتطلب الإنصاف، أو جمح الخيالْ
ألفيتَ كل نقيصة في الأرض تُل ... قى فوق هامات تقيات جِلالْ
هذا الذي صلب المسيح بزعمهم ... ورمى البتول بكل هاتيك الخصالْ
هذا الذي قتل الحسين جهارةً ... عمداً، ولم يحفظ لعصمته الجلالْ
هذا الذي باع البلاد وأهلها ... ورمى بَنِيها بالتفاهة والضلالْ
هذا الذي لولاه ما كانت أزق ... تكم مباءات لأوكار الخبالْ
هذا الذي قد سلم القدس الحبي ... بة في صباح حين قعقعت النعالْ
فمضى بعيداً، طوَّف الدنيا انكسا ... راً واختفى خلف الروابي والتلالْ
وأطل في ليل بهيم زائغ ... لتظن أنك في المعارك ما تزالْ
هذا الذي إن حل فيكم حاكماً ... سيكون إعصاراً ويُسرف في النكالْ
فامضوا لوأْد العابثين بلهوكم: ... إبليس يحدو جمعكم، وأبو رغالْ
لا ترهبوا أحداً وكونوا سادةً ... وتقدموا لنزالهم آلاً فآلْ
فبَنُو النباهة قد نثرنا عقدهم ... وغدوا شراذمَ دأبها قيلٌ وقالْ
ماذا أقول وحولي الآمال صَرْ ... عى والبشائر في انكماش وانسلالْ
والقدس ترسُفُ في القيود وحولها ... أشلاءُ أهلي غُيِّبت تحت الرمالْ
والعابثون بمجدنا في كل أر ... ض يَرهبون أذان فجرك يا بلالْ
يخشون أن ترقى حصون جحيمهم ... فيدُكّ صوتُك ما أقاموا من جبالْ
ماذا أقول وكل دار حولها ... سور، وحول السور كوكبة اغتيالْ
مستوطنون هنا سكارى لا يروْ ... ن سوى التمادي في التعدي والضلالْ
وهناك شرذمة يبوء بإثمها ... صِفْرُ الرجولةِ والدعيُّ بلا نِزالْ
أشفى علينا واستطاب نسيمنا ... فَرَغا وأزبدَ كي نعافَ له الزلالْ
ومضى يسوم صغارنا وكبارنا ... خسفاً وجوراً والبقية لا تقالْ
مَن لي بثائرة تثور كأنها ... شُهُبٌ إذا انقضت، براكين اشتعالْ
تفري الجناة تغوص في أرحامهم ... تجتث ما زرعوا بأرض من وبالْ
لا ترتضي إلا اقتطاف رؤوسهم ... ما بين ناصية كَذوبٍ أو قذالْ
بالحق أرْهِبْ مَن توارى خلفهم ... ودعِ السيوف على المدى رهنَ استلالْ
لا تأمنَنْ يوماً لباذل قوله ... حتى ترى لمقاله صدق الفِعالْ
واحذر أذى قوم تظل رؤوسهم ... في الطين غائصة ترقَّبْ في انشغالْ
لا يعرفون سوى الخديعة مذهباً ... كالصل سماً، حاذقون ذوو احتيالْ
أنسالُ حقد كالأفاعي كلما ... عاهدتهم قطعوا الوشائجِ والحبالْ
فيهم وحوش كالخِراف وداعةً ... خبثاً وميناً، مثل حاريةٍ هزالْ [١]
ماذا أقول وكل أمر دونه ... أمر أجلّ، وخطة فوق الخيالْ
وأنا هنا وحدي تُطيف بي الرؤى ... والقلب يخفق، واليدان بلا مجالْ
والسابحون على شواطئ أُنْسهم ... أَنْسَتْهُمُ الأيامُ دجلةَ والقنالْ
والزاعمون النصرَ في غدواتهم ... نسوا الجنوبَ غداة ضمهم الشمالْ
ولذاك أنثر في الدروب كنانتي ... هيمان، يثنيني المقال عن المقالْ!
стр. 703
شؤون العالم الإسلامي
المسلمون في شبه القارة الهندية
تعاون هندي إسرائيلي لقمع انتفاضة كشمير
أحمد موفق زيدان
(إن العملية مكلفة، والخسائر باهظة، ولكن لابد من دفع الضريبة والثمن،
فدفع ضريبة العز والحرية لا تقارَن بدفع ضريبة الذل والمهانة) هذا ما قاله أحد
الناجين من الجحيم الهندي في سريناغار عاصمة كشمير المحتلة، ويروي القادمون
من هناك صوراً لمآسٍ لا وجود لها إلا في الدول المتوحشة، ولا تماثلها إلا جرائم
النازية ومحاكم التفتيش. ويقوم بالإشراف على هذه المآسي والخطط مستشارون
إسرائيليون إلى جانب المستشارين الهنود. وقد أكدت مصادر متعددة وجود مثل
هؤلاء المستشارين خاصة وأن التعاون الأمني بين الطرفين على أشده في المجالات
الأمنية، وتقتفي القوات الهندية أثر القوة اليهودية في تعاملها مع الانتفاضة
الفلسطينية من إبعاد وطرد وتعذيب وإهانة وغيرها.
صور من المأساة:
تشير التقارير الصحفية إلى أن حصيلة الانتفاضة الكشميرية - والتي بدأت
مع ربيع عام ١٩٨٩ حتى الآن - وصلت إلى آلاف الشهداء، و٢٣ ألف سجين
و٢٠ ألف جريح وتقوم القوات الهندية بمداهمة البيوت والمنازل بحثاً عن المجاهدين
والأسلحة، ولكن أول ما يسألون عنه أو يبحثون عنه نسخ من القرآن الكريم فإن
وجدوه يطرحونه أرضاً ويأمرون أهل البيت أن يدوسوه ويهينوه، ومن يرفض
أوامرهم يواجَه برشقة من بندقية أو مسدس فيخر صريعاً شهيداً، وقد حصلت
حوادث لا حصر لها من هذا النوع.
كما تقوم القوات المداهمة بربط وتكتيف أهل المنزل الرجال في جهة،
والنساء والفتيات في جهة أخرى، ثم يفتشون المنزل، وبعد فراغهم يقومون
بالاعتداء على أعراض الفتيات أمام سمع وبصر ذويهم، والجيران يسمعون
صيحات الاستغاثة والصراخ والعويل، وتوالي قوات الكوماندوز الهندية مهاجمة
الشباب، والأشبال في الشوارع حيث يهجم اثنان من هذه القوات على شاب يسير
في الشارع لا ذنب له ويمسكه كل واحد من الكوماندوز من يده ثم يقومان بكسر
ذراعيه ويمضيان دون أن يعارضها أحد، وفي المظاهرة النسائية التي أقيمت
مؤخراً في داخل سريناغار قامت قوات الكوماندوز الهندية بخطف والاعتداء على
٣٥٠٠ فتاة مسلمة دون أن يعرف مصيرهن حتى الآن. كما تقوم الهند بإرسال
أشخاص هندوس إلى سريناغار ويدَّعون أنهم مسلمون وقد اكتُشف أحدهم في أحد
مساجد العاصمة عندما لاحظ عليه أحد المصلين تحركات غريبة فنظر إلى ذراعه
المكشوف فوجده مكتوباً عليه جُملاً هندوسية.
وفي ٢١ من مايو عام ١٩٩٠ - وبينما كان جمع من المشيعين يقومون
بمراسيم دفن (ميرويس محمد فاروق) الذي قتلته القوات الهندية ويفاجَأ المشيعون
بهجوم ناري من القوات الهندية فقتلت أو جرحت حوالي ٢٥٠ شاباً إلا أن المصادر
الهندية قللت من الرقم وقدرته بين ١٧-٢٧ قتيلاً أو جريحاً وادعت بأن الهجوم كان
دفاعاً عن النفس في الوقت الذي كان المشيعون عزلاً تماماً من السلاح. وتقول
المصادر بأن القتلى الكشميريين في الفترة الواقعة بين ٦-٢٠ من أبريل الماضي -
بقوا بدون دفن، كما أهمل المرضى ولم يعالجوا في المستشفيات أبداً، وبقي كثير
من سكان العاصمة بدون طعام أو غذاء حيث استمر حظر التجول مفروضاً خمسة
عشر يوماً ولم يتوقف لدقيقة واحدة، وأي شخص ينتهك هذا القانون يواجَه بعدة
زخات نارية؛ الأمر الذي نجم عنه مجاعة في العاصمة وتجدر الإشارة إلى أن عدد
سكان (سريناغار) يقدر بـ ٨٠٠ ألف نسمة منهم ٩٩% مسلمون وهناك خطة هندية
يتوقع تنفيذها تقضي بالسماح للقوات الهندية بإطلاق النار على كل شخص يتراوح
عمره بين ١٦-٣٠ سنة، ويبلغ عدد سكان كشمير ١٢ مليون نسمة منهم ٨٥%
مسلمين.
فرار عملاء الهند الكشميريين:
أكدت الأنباء هروب حوالي ٥٠٠ قائد كشميري الأصل عملاء للقوات الهندية
من كشمير وتوجهوا إلى دلهي واستقروا هناك، وقاموا بشراء بيوت فخمة في الهند
واستقروا هناك، ويعتقد هؤلاء القادة بأنه لا مستقبل لهم بعد بدء هذه الانتفاضة
الشعبية العارمة التى تنقم على كل ما هو هندي أو عميل للهند، ومن هؤلاء الفارين
عبد الله صهر فاروق عبد الله حاكم كشمير المحتلة سابقاً بإيعاز من الهند، وكان
فاروق عبد الله قرر العيش في لندن مع زوجته الإنجليزية الأصل، ويقول بأنه
مختفٍ في لندن ولا يستطيع الظهور بشكل علني خوفاً من المجاهدين الكشميريين؛
لأنهم ناقمون عليه لعمالته الشديدة للهند أيام حكمه.
الهند تحظر دخول الهيئات الدولية:
رفضت الهند دخول الهيئات الدولية ولجان حقوق الإنسان إلى كشمير وعلى
الرغم من تقدم لجنة العفو الدولية، وجمعية الصليب الأحمر الدولى ولجان حقوق
الإنسان بطلبات لدخول كشمير المحتلة ومشاهدة الأوضاع التى يحياها السكان هناك
فقد رفضت السلطات الهندية الاستجابة لأي طلب من هذا، وقد هاجمت إحدى لجان
حقوق الإنسان الهندية الأصل الممارسات الهندية في كشمير، ولم تستطع أن تلتزم
الصمت وهى ترى المجازر وانتهاكات حقوق الإنسان في سريناغار.
وتلقى كشمير تعتيماً إعلامياً لم يشهد له مثيل إلا في الدول المماثلة للهند في
تعاملها ووحشيتها، حيث فرضت السلطات الهندية منعاً شديداً لدخول الصحفيين إلا
للبعض وهم أقل من القليل كما مارست سياسة منع دخول الصحف غير الهندية إلى
كشمير وذلك في إطار سياسة التعتيم الإعلامى حتى قام مراسل صحيفة (صنداي
تايمز) بشرح بعض ممارسات السلطات الهندية في الضغط على الصحفيين
والمراسلين.
كشمير وحق تقرير المصير:
لا أود الذهاب بعيداً في هذا المقام عن تاريخ كشمير والعصور التاريخية التي
مرت بها إلا أنى أود أن أسلط الأضواء على مدى التزام الهند بقراراتها وبياناتها
فضلاً عن قرارات الأمم المتحدة حيال حق تقرير مصير الكشميريين بأنفسهم.
ففي ١٣ من أغسطس عام ١٩٤٨ قررت الأمم المتحدة - بحضور الهند
وباكستان - أن الاستفتاء هو الذي سيحدد مستقبل الشعب الكشميري كما نجح السير
ظفر الله في ٥ من يناير عام ١٩٤٩ في استصدار قرار آخر من الأمم المتحدة يفيد
بأن تقوم لجنة استفتاء تخير الكشميريين بين الالتحاق بالهند أو بالباكستان أو أن
تكون مستقلة، وينقل عن نهرو بأنه يفضل إلحاقها في باكستان؛ لأنها إذا استقلت
فستطالب المناطق الهندية الأخرى بالانفصال وحينها لن يقدر أحد على إيقاف تداعي
حجر الدومينيو.
وتقول بعض الروايات التاريخية بأنه قد طلب من باكستان إلحاق كشمير بها
مقابل إلحاق حيدر آباد بالهند فرفضت الباكستان وحينها خسرت الباكستان الاثنتين
بدلاً من خسران واحدة.
وفي الاجتماع السابع والعشرين للأمم المتحدة جاء فيه بخصوص كشمير:
(مهما يكن من أمر في مسألة كشمير فإن الخيار هو للشعب نفسه في ... أن يلحق نفسه بباكستان أو الهند أو يكون مستقلاً وذلك عندما تعود الحياة إلى ... مجراها الطبيعي) .
وفي عام ١٩٥١ قال نهرو: (إن كشمير لها الحق أخيراً في تحديد مستقبلها) .
وفي ٦ من سبتمبر عام ١٩٦٥ - عندما وقعت الحرب الهندية الباكستانية بخصوص
كشمير وجبنت قيادة القوات الباكستانية بصراحة في استمرارها بتحرير كشمير
ورضخت لما يسمى بالقوانين الدولية التي لا تطبق إلا لغير مصلحة المسلمين، وإلا
فأين القرارات الدولية التي أصدرتها الأمم المتحدة حيال تقرير الشعب الكشميري
لمصيره بنفسه. بعد هذه الحرب حصل اتفاق طشقند في روسيا وذلك في عام
١٩٦٦ ووافقت باكستان على الانسحاب من الأراضي التي حررتها إبان الحرب.
وعندما وقعت حرب عام ١٩٧١ بين باكستان والهند وهُزمت باكستان وانشقت
على إثرها بنغلاديش تم توقيع اتفاقية (سيملا) ورضخت باكستان لبعض الصعبة
بسبب هزيمتها في الحرب واحتفاظ الهند بأكثر من سبعين ألف أسير باكستاني لديها
واعترفت حينها باكستان بخط ما سُمي (بخط الهدنة) وهو أكبر مأخذ تأخذه الهند
على باكستان أثناء محادثاتها معها.
المحادثات الهندية الباكستانية وأثرها على كشمير:
تجري محادثات مكثفة بين السلطات الباكستانية والهندية من أجل نزع فتيل
التوتر بين الدولتين، ويقوم وسطاء دوليون بهذه المهمة، ولكن يتوقع أن يكون لأي
اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار مصلحة شعب كشمير وقْعٌ خطير في كشمير المحتلة
خاصة إذا تخلت باكستان عن التزامها بتأييد الكشميريين وهو أمر صعب لأن
الجيش الباكستاني من الصعب أن يوافق على هذا أو يخشى البعض من قيام حكومة
باكستانية بالمساومة بينها وبين الهند في قضية اضطرابات السند بحيث تتخلى الهند
عن تدخلها هنا وتتخلى باكستان بالمقابل عن تدخلها في كشمير، وهذا ما دعا
الجيش الباكستاني أن يطالب وبشدة بتسلم الملف الأمني في المناطق المضطربة
حسب ما يقتضيه الوضع الأمني في كراتشي وحيدر آباد وذلك بناءً على المادة رقم
٢٤٥ من دستور البلاد، وقد طالب عدد من السياسيين بتسليم الملف الأمني للجيش
خاصة بعد وقوع ضحايا كُثر في الإقليم، ولكن حكومة حزب الشعب التي كانت
تتحكم في الإقليم تخشى من انقلاب الشعب عليها في أنها فشلت في حفظ الأمن.
وقد يبدو من الممكن الآن بعد إزاحة بي نظير بوتو أن يتسلم الجيش مهمة الأمن في
السند.
стр. 704
محنة جديدة
فوجئ العالم بغزو العراق للكويت في الوقت الذي تسقط فيه الأنظمة
الدكتاتورية في الغرب، ويحصل تغيير في النظرية الاشتراكية في الاتجاه نحو
الديموقراطية ورفض تغيير المجتمع من خلال الثورات والانقلابات، وكأن صدام
يريد أن يقول إن التغير القومي الاشتراكي لا يتم إلا من خلال الثورة والاحتلال،
وقد شُرد من جراء هذا الغزو مئات الألوف من المسلمين الذين يعملون في الكويت
وتضررت كثير من الجمعيات الخيرية الإسلامية وحصل أثناء الغزو ولا يزال
فوضى وفقدان للأمن وانتهاك للأعراض، وتسارعت الأحداث بشكل مؤسف، مما
أدى إلى تفرق الصف الإسلامي نفسه، ومما زاد الطين بلة تدخل القوى الأجنبية
في المنطقة بدعوى حماية الأمن والسلام العالمي والقانون الدولي وعجز العرب
والمسلمين عن حل قضيتهم بأنفسهم واختلفوا حول هذا الأمر كعادتهم، وسنحاول
تحليل هذا الحدث وآثاره على المنطقة ولو بصورة مجملة وسيكون التحليل كالتالي:
- حسابات خاطئة.
- دخول القوات الأجنبية فرصة ذهبية لها.
- مجلس الأمن.
- احتمالات وتوقعات.
- تغييرات متوقعة في المنطقة.
- مواقف بعض الإسلاميين.
- مقابلة مع صدام.
- عِبَر من الأحداث.
حسابات خاطئة:
لقد أخطأ صدام في توقيته غزو الكويت في هذا الوقت فلم يقدر حقيقة الوفاق
الدولي الآن وإنهاء ما يسمى بالحرب الباردة وسقوط الشيوعية بشكل عام وانهيار
أنظمة أوربا الشرقية بشكل خاص فلو كان الغزو - مثلاً -قبل سنة لكان من
الصعب نجاح الحصار الاقتصادي بوجود أنظمة أوربا الشرقية البوليسية التي كانت
تتمتع بعلاقات جيدة مع العراق، ولربما لو كان الغزو قبل اجتماع مالطا لتحفظ
السوفييت، وعند ذلك يكون موقف الأمريكان حرجاً، فأي قرار من الأمم المتحدة لا
توافق عليه الدول الخمس وخاصة أمريكا وروسيا لا قيمة له في أرض الواقع كما
هو معلوم (كالقرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي استخدم الأمريكان ضدها
حق النقض) .
وأخطأ مرة أخرى حينما لم تنجح توقعاته في موافقة المعارضة الكويتية (من
اليساريين والقوميين) على اجتياح الكويت فلو وافقت المعارضة مثلاً لاعتبر ذلك
كاستدعاء بعض اللبنانيين للجيش السوري ليتدخل.
ولذلك بقيت القضية في إطار القانون الدولي: (انتهاك لسيادة دولة وقلب
نظامها بالقوة) ؛ مما جعل السوفييت وهم أصدقاء للعراق لا يجدون ... مسوغاً أمام الغرب يجعلهم يرضون بهذا الانتهاك، فهم بحاجة إلى إثبات مصداقيتهم أمام الغرب بأنهم يحمون السلام والأمن العالمي، خاصة وأن السوفييت في هذه المرحلة بحاجة إلى هذه المصداقية ليحصلوا على مزيد من الدعم الغربي.
دخول القوات الأجنبية فرصة ذهبية لها:
الغرب وأمريكا بالذات يتوقان لفرصة كتلك التى أقدم عليها صدام لكي تضفي
الشرعية على تدخلها السريع لإنهاء القوة العراقية التي باتت مصدر إزعاج لطفلها
المدلل (إسرائيل) (ويلاحظ أن القلق من العراق كشعب مسلم قد يستثمر هذه القوة
يوماً من الأيام وليس القلق من صدام وحزبه) ومصدر قلقهم أيضاً عدم ضمان
مصالحهم في الخليج (يقول وينبرغر وزير الدفاع الأمريكى الأسبق إنه من غير
المعقول أن تبقى قوة طليقة تتحكم بنصف احتياطي النفط العالمي، إن ذلك يهدد
مصالحنا وطريقها في الحياة) (الشرق الأوسط) ١٧/٨. لذا فمن غير المستبعد أن
أمريكا قد رصدت الاجتياح العراقي للكويت منذ البداية عن طريق الأقمار الصناعية
وغيرها، وربما كان لها دور في ضغط واحراج الكويتيين لصدام في قضية الديون
ونحوها لاستفزازه لمثل هذا العمل، ولعل الأيام القادمة تكشف شيئاً من ذلك.
ويلاحظ المرء تضخيم الإعلام الغربي للقوة العراقية من حيث العدة
والإمكانيات بشكل هائل مما أخاف العالم من نشوء قوة جديدة عسكرية واقتصادية قد
تغير موازين القوى وذلك ساعد في سرعة التفاعل الدولي في المشاركة بالقوات،
وكذلك إجماعات مجلس الأمن، ولكن بعد قدوم القوات الأمريكية والقوات المتعددة
الأخرى اختلفت النغمة بعض الشيء؛ فالأسلحة الكيماوية هناك إمكانية من الوقاية
منها وغير فعالة في الجو الحار، وصواريخ سكود غير دقيقة الهدف ويمكن رصد
تحرك الطائرات والصواريخ العراقية وضربها قبل تحركها ... الخ.
على العموم دخلت القوات الأجنبية وسيكون لدخولها آثار كثيرة لعل أبرزها:
١ - إخضاع دول المنطقة لمزيد من السيطرة مما يمكنها من تمرير مخططات
كثيرة من أهمها رصد الصحوة الإسلامية عن كثب ومحاصرتها باعتبارها الخطر
المستقبلي على (إسرائيل) والغرب، يقول وزير الخارجية الأمريكية بيكر -
مبتهجاً بالتعاون الدولي مع الولايات المتحدة -: ( ... إن الدول الأعضاء في حلف
الأطلسي إذ تعمل جنباً إلى جنب مع دول أخرى لتبرهن على وحدتها في مواجهة
الخطر المشترك وأعتقد أننا نبرهن على أننا قادرون على العمل معاً في عصر جديد
للتصدي للتهديدات القادمة من مصادر جديدة وجهات جديدة) .
٢ - مزيد من اعتماد المنطقة على العنصر الأجنبي في شئونها المختلفة
يدعوها إلى الارتماء في أحضان الغرب واستمرار التدخلات الأجنبية بدعوى
الحفاظ على أمن المنطقة.
مجلس الأمن:
لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة تُتخذ خمس قرارات في قضية واحدة خلال
أقل من ثلاثة أسابيع وقرارات بالإجماع (وهذه القرارات حول إنهاء الغزو
والمطالبة بالانسحاب وعودة الحكومة الشرعية وفرض العقوبات الاقتصادية
واستخدام القوة لفرض ذلك) . وقد يقول قائل إن ذلك أمر طبيعي؛ لأن المسألة فيها
انتهاك صريح للقانون الدولي ولكن ذلك الجواب فيه سذاجة لأن (إسرائيل) - مثلاً
- تنتهك القانون الدولي منذ أكثر من أربعين سنة ومع ذلك تستخدم أمريكا حق
النقض ضد أي قرار فيه إدانة - مجرد إدانة - لإسرائيل، فضلاً أن يكون القرار
ذا أثر عملي، بالطبع السبب معروف وهو أن وجود (إسرائيل) في المنطقة فيه
تحقيق لمصالح غربية كثيرة بل هى امتداد للغرب وجزء منه أما قوة العراق فقد
تهدد المصالح الغربية في المستقبل ونحن لا نقول ذلك دفاعاً عن صدام ونظامه
البعثي، ولكن نخشى أن يكون المقصود من الضربة الشعب العراقي وقوته
العسكرية والاقتصادية وليس صدام ونظامه فحسب.
احتمالات وتوقعات:
التوقعات كثيرة والمفاجآت واردة وسنقتصر على أبرزها:
١ - حينما يشعر صدام بضغط الحصار الاقتصادي وعدم إمكانية الحوار قبل
انسحابه من الكويت فقد يفاجأ العالم بالانسحاب بعد تحقيق بعض مصالحه، كما فاجأ
العالم بقبول اتفاقية الجزائر سنة ١٩٧٥م حول السيادة على شط العرب، رغم أنها
كانت السبب الرئيسي لحربه مع إيران، ومما يؤيد هذه الاحتمالات مبادرات صدام
حول الرهائن وإمكانية إطلاقهم إذا انسحبت القوات الأجنبية، وكذلك توجيه العراق
لسفنه بالخضوع للتفتيش، فإذا نفذت مبادراته ومحاولاته ولم يجد ليونة من الغرب
فقد يلجأ إلى الانسحاب، ولكن يا ترى إذا انسحب صدام هل يسلم من الضربة
العسكرية؟
المتوقع حين الانسحاب عدم الضربة العسكرية؛ لأن السوفييت والصين لن
يرضوا بذلك باعتبار أن العراق قد التزم بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن،
وعند ذلك يصعب على الولايات المتحدة اتخاذ قرار فردي مما يعني ضربة قاضية
للوفاق الدولي.
ولكن هل يترك الغرب قوة العراق طليقة؟ .
في الواقع إن الغرب لن يترك قوة العراق ولكن سيستخدم وسائل أخرى عن
طريق المخابرات لترتيب انقلابات أو غيره، يقول وزير الخارجية الفرنسى جان
فرانسوا بونسيه - والذي قام بدور مبعوث للرئيس الفرنسي إلى بعض الدول حول
الموقف في الخليج -: (بأن الجميع يتحدث عن شرطين أساسيين للحل هما انسحاب القوات العراقية، وإطلاق الرهائن. ولكن هناك شرط ثالث يفكر فيه الجميع من دون الحديث عنه، وهو حتى حال قبول العراق لهذين الشرطين كيف يمكن إيقاف تهديد العراق للمنطقة في المستقبل بالقوة العسكرية التى
يملكها؟ !) . (الشرق الأوسط) ٣١/٨.
وقد يستمر في تصلبه فيزداد تذمر الشعب العراقي من شدة المعاناة والحصار
وخوض معارك دون فائدة، فيؤدي ذلك إلى انقلاب عسكري وانهيار النظام.
٢ - قد تتوتر الأجواء من خلال قضية الرهائن أو غيرها وعندئذ تنشأ حرب
مدمرة سيكون لها آثار في مستقبل المنطقة وعلاقاتها.
إذاً الحرب واردة، وأمريكا تكامل رصدها للمَواطن الحساسة في العراق،
والتأقلم مع الصحراء، ولكن الحرب إذا ما وقعت فستكون آثارها مدمرة، فالعراق
يملك أسلحة فتاكة وسيستعملها إذا وجد نفسه محاصَراً من كل الجهات.
تغييرات متوقعة في المنطقة:
١ - سينظر الغرب إلى منظمة التحرير الفلسطينية نظرة أخرى ويسعى إلى
إيجاد بديل عنها.
٢ - قد تستغل أمريكا تفاعلها مع سورية فتوكل لها مهمات جديدة في القضية
الفلسطينية من خلال دعم المنظمات الموالية لسورية بتحويل بعض أموال الخليج لها
بشرط البدء بحوار مع (إسرائيل) للإعداد لكامب ديفيد آخر، وقد أبدت واشنطن
ولندن ارتياحهما من إطلاق الرهينة الأيرلندي ودور إيران وسورية في ذلك.
٢ - ربما يبرز الآن الخيار الأردني، وهو الفكرة التى يطرحها حزب الليكود
أن الأردن هو بلد الفلسطينيين، خاصة إذا هاجر عشرات الألوف من الفلسطينيين
من الكويت والسعودية إلى الأردن وضعف الدعم الخارجي للأردن مما سيزيد
الضغط السياسي والاقتصادي على الأردن وقد يسبب ذلك انهياراً للنظام والله أعلم.
٣ - هناك دلائل الآن تشير إلى عودة العلاقات بين السعودية وإيران، وقبل
ذلك قد ينتهي التوتر بين إيران والغرب وأمريكا خاصة إذا استمرت إيران فيما يلي:
أ - التزامها بالحصار الدولي المفروض على العراق.
ب - ومساهمتها في إطلاق الرهائن الغربيين في لبنان. وهناك دلائل كثيرة
تشير لذلك.
فمنها ما صرح به الرئيس الإيراني من أن إيران لا تمانع في أن تطرد قوات
أجنبية العراق من الكويت مادامت سترحل بعد ذلك (رويتر ٢٥/٨) ومن أن اتفاق
العراق مع إيران لا علاقة له بغزو العراق للكويت.
ومنها ما صرح به وزير الخارجية الكويتي لصحيفة الحياة (٢٨/٨) من أنه
ناقش مع الإيرانيين العلاقات السعودية الإيرانية وسبل تحسينها ووجد بعض التفهم
والرغبة.
على العموم لا زالت إيران تستثمر وتستفيد من الأحداث لمصلحتها ولتحسين
صورتها في الخارج، يقول وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية وولد غريف
إن على بريطانيا أن تعيد تقويم علاقتها مع سورية وإيران في ضوء التحالفات
المتغيرة في الشرق الأوسط حيال أزمة الخليج (رويتر ٢٦/٨) .
مواقف بعض الإسلاميين:
أحزننا موقف بعض الإسلاميين من الأحداث [١]- رغم تحفظنا حول دقة ما
يُنقل عنهم - وذلك عندما أيدوا صدام حسين، بل صرح بعضهم بوجوب القتال معه، وهذا - بلا شك - مأساة سببها البعد عن المنهج الصحيح والوزن بميزان واحد،
ميزان الكتاب والسنة دون محاباة أو مجاملة لأي حاكم من الحكام، وهل صحيح أن
صدام غيَّر وبدل، مع أن موقفه من الدعاة والحركات الإسلامية واضح، ولم يتغير
شيء من مبادئ الحزب ومناهجه، وفي آخر مشروع للدستور الذي نشرته مجلة
(ألف باء) عدد ١١٤٠ في ١٠ من محرم عام ١٤١١هـ - ١/٨/١٩٩٠م يقول في
المادة الخامسة: (يحظر على غير حزب البعث العربي الاشتراكي العمل السياسي
أو الحزبي في القوات المسلحة) . وفي المادة نفسها: (يحظر تأسيس الأحزاب
السياسية والجمعيات التى تقوم على أساس زجّ الدين في السياسة) .
كما جاء في المادة (١٥) من مبادئ الحزب: (الرابطة القومية هى الرابطة
الوحيدة القائمة في الدول العربية التى تكفل الانسجام بين المواطنين ... ) وفي المادة
(٦) : (حزب البعث العربي الاشتراكى انقلابي يؤمن بأن أهدافه الرئيسية في القومية العربية وبناء الاشتراكية لا يمكن أن تتم إلا عن طريق الانقلاب والنضال، وأن الاعتماد على التطور البطىء والاكتفاء بالإصلاح الجزئي يهددان
هذه الأهداف بالفشل والضياع) . وفي المادة (٤١) : (ترمي سياسة الحزب إلى خلق جيل عربي جديد يأخذ بالتفكير العلمي وطليق من قيود الخرافات والتقاليد الرجعية) (انظر: نضال حزب البعث لميشيل عفلق ١/١٧٠)
يتضح لنا من هذا أن:
١ - الانقلابات مبدأ من مبادئ الحزب.
٢ - الرابطة الإسلامية لا قيمة لها وأن الدعوة إليها دعوة طائفية مذهبية.
٣ - رفض ما يسمونه قيود الخرافات والتقاليد الرجعية، ويعنون بذلك تعاليم
الإسلام في شأن المرأة والحدود.
ثم هل يعتقد الدعاة أن صدام غزا الكويت بقصد إزالة حكم فاسد ليقيم بدلاً منه
الحكم الإسلامى ومن ثم من حقكم أن تؤيدوا، أم ليحقق طموحات حزبية شخصية؟ ، فمعرفة الهدف من الغزو والاحتلال تحدد الموقف الواجب وهل نربي شباب
الدعوة ليقاتلوا تحت راية هذا الطاغوت أو ذاك؟
لقاء مع صدام حسين:
سنختار مقتطفات من لقاء أجرته مجلة (الوطن العربي) - التابعة للنظام
البعثي - في عدد ٦٦٨ الجمعة ١/١٢/١٩٨٩ (قبل تسعة أشهر تقريباً) ليتضح
لهؤلاء مدى كذبه وتناقضه.
(أجرى الحوار رئيس التحرير وليد أبو ظهر) .
- الوطن العربي: ... وهناك إجراءات في بعض الدول العربية وفي المنطقة
العربية تزداد نبرة الإقليمية، ولم يبقَ غير العراق وغير صدام القومي العربي،
لذلك صرت تجد تيارات دينية، وقبل انتصار العراق كان الإنسان - كحركة وطنية
قومية - يخشى أن يتصدى للتيارات الدينية.
- صدام حسين (مقاطعاً) : تقصد التيارات السياسية المغطاة بغطاء الدين؟ ! .
- الوطن العربي: نعم، سيادة الرئيس، الحركة الوطنية والقومية لديها الآن
شجاعة التصدي لهذه التيارات وربما تصل إلى المستوى المطلوب لكنها وصلت إلى
أن يقفوا ويتصدوا وبدأت بذلك رغم بعض الحالات كالانتخابات في الأردن مثلاً،
وأنا ذهبت إلى الأردن قبل الانتخابات وشاهدت الأجواء ولدى الإخوان المسلمين
هناك مستشفيات ومستوصفات لتطبيب الناس مجاناً.
- الرئيس صدام: من أين يأتون بالأموال لتطبيب الناس؟ هناك دول غير
قادرة على تطبيب مواطنيها؛ لأن ثمن التطبيب مرتفع.
ملخص الكلام السابق يريد رئيس التحرير أن يقول: إن وقوف العراق أمام
الزحف الإيراني هو انتصار للقومية العربية التى كادت تنتهي لولا ذلك الانتصار
(كما يزعم) ، مما أعطى القوميين شيئاً من النشوة والافتخار وجعلهم يتصدون
للتيارات الدينية (يقصد بالطبع الإسلامية) ، المنافس الوحيد له.
ويلاحظ من كلام صدام عدم القناعة بعلاقة الدين بالسياسة، ولذلك قال:
تقصد التيارات السياسية المغطاة بغطاء الدين (أي التي تستغل الدين) ، وكذلك
استغرابه من الخدمات الخيرية التى تقدَّم للناس، وهذا الأمر غير مستغرب، فأهل
الخير المحسنين كثيرون والحمد لله، وربما يقصد الرئيس أن لهؤلاء علاقة بالقوى
الخارجية الرجعية على حسب تعبير الرفاق التقدميين.
- الوطن العربي: بعد مؤتمر الطائف كيف تجدون الحل في لبنان؟
- صدام: نحن ننظر إلى الاحتلال نظرة لا نستطيع إزاءها مساومة كائن من
يكون وهي أن كل احتلال لأرض عربية من العربي أو الأجنبي حالة كافرة، لأن
احتلال الجيش العربي لأرض عربية يهشم الأمن القومي العربي والتضامن العربي، وعندما يتهشم مفهوم الأمن العربي وإمكانياته عند ذلك تصبح كل بلداننا مفتوحة
أمام احتمالات أن يحتلها الأجنبي.. إلى أن يقول: نرى أن الحل الجذري يكمن في
انسحاب القوات المحتلة للبنان! .
تعليق: بإمكان منقذ الأمة العربية أن يطبق هذا الكلام على نفسه.
عبر من الأحداث:
على الدعاة أن يستفيدوا من الأحداث ويستغلوها لمصلحتهم، ويقطعوا الطريق
على أعداء الإسلام ولا يمكنوهم من تمرير مخططاتهم الخبيثة ويجب علينا أن لا
نيأس أو نتشاءم فلعل في هذه الأحداث خيراً لنا حين نأخذ منها العبر والدروس
ومنها:
١ - التأمل في سنن الله في المجتمعات والدول، فالحال التي وصلت إليها
الكويت تؤْذِن بشيء مما حدث، فلا نستهين بآثار الذنوب والمعاصي؛ يقول الله -
: [وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا
القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] [الإسراء: ١٦] . ويقول الله - تعالى -: [وضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] [النحل: ١١٢] . ويقول -
تعالى -: [أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ
القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ
إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ] [الأعراف: ٩٧-٩٩] . ومن أعظم الذنوب تحكيم القوانين
الوضعية، وموالاة الكفار، والربا، والزنا، والظلم، وترك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ... الخ.
٢ - لابد من الاهتمام بالعقيدة والتوحيد وتربية الناس على ذلك، فقد كشفت
الأحداث ضعف التوكل على الله عند الكثيرين وشدة التعلق بالأسباب المادية،
وتعظيم الكفار والخوف والرجاء من غير الله.
٣ - ضرورة الوعي وفقه الواقع؛ فقد ذكرنا قبل قليل تأييد بعض الدعاة
لصدام، وقبل ذلك أيد بعضهم الخميني وغيره فإلى متى هذا التخبط والتقلب على
حسب أحوال الطقس السياسي ودون النظر إلى الواقع وتقييمه من خلال الأصول
المرعية؟ !
٤ - الحذر من تضليل وسائل الإعلام: فالجميع يعرف أن وسائل الإعلام
العربية صنعت من صدام بطلاً وتغاضت عن جرائمه المختلفة. مما جعل الكثيرين
يُعجبون به، فلو كشف الإعلام جرائم حزب البعث وجرائم صدام في حلبجة
وغيرها لما لقي التأييد الذي لقيه الآن.
٥ - انكشاف بعض الأنظمة وسقوط شعارات القومية العربية، فقد أثبتت
الأحداث كذب دعوى القوميين حرصهم على الوحدة والأمن العربي فأفعالهم تدل
على نقيض ما يقولون فيجب أن يستفيد الدعاة من ذلك فيكشفوا للناس حقيقة هذه
الأنظمة والشعارات ويبينوا للناس أن الخلاص لهم بالإسلام وبالقيادات المسلمة
الواعية والصادقة.
وأخيراً نقول للمسلمين كفى تخبطاً وتعلقاً بغير الله ونقول للدعاة احرصوا على
الوحدة واجتنبوا الفرقة وكونوا على مستوى الأحداث؛ فالأمة تنتظر منكم الكثير.
نسأل الله أن يجنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يرينا الحق
حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجمع كلمة
المسلمين على الحق وأن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ودنيانا التى فيها
معاشنا وأن يرفع عن المسلمين محنتهم ويرزقهم الصبر والاحتساب، ويرزقنا
وإياهم التوبة النصوح.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 705
الإسلام والمسلمون في السنغال
من الإخوة الذين اشتركوا في دورة العلوم الشرعية التي نظمها المنتدى
الإسلامي الأخ محمد بامبان جاي، وقد انتهزنا فرصة وجوده وأجرينا معه هذه
المقابلة التي تلقي الضوء على بلد من البلاد الإسلامية في إفريقية، وهو (السنغال) .
س - أخ محمد هل لك أن تعطينا فكرة عن السنغال من حيث سكانها، موقعها، مواردها الاقتصادية؟
ج - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد:
السنغال دولة من دول إفريقية الغربية، يحدها شمالاً جمهورية موريتانيا
الإسلامية، وجنوباً جمهورية غينيا بيساو، وشرقاً جمهورية مالي وغينيا، وغرباً
المحيط الأطلسي، ومساحة البلاد ١٩٢ ألف كيلو متر مربع، ونالت استقلالها عام
١٩٦٠م وكانت مستعمرة فرنسية، أما نسبة المسلمين حسب الإحصائيات التي
أقيمت عام ١٩٨٠م فقد بلغت حالياً ٩٤% ويمثل المسيحيون ٤% والوثنيون - الذين
هم أناس يسكنون في إقليمي تامباكوندا في شرقي السنغال وكازموسن في الجنوب -
ويمثلون ٢% وهم أناس مازالوا على فطرتهم!
أما الثروات فالسنغال بلد زراعي يعتمد حوالي ٨٠% من السكان على الزراعة
وتربية المواشي وأدى هذا إلى بعض المشاكل؛ لأن البلاد تتعرض للجفاف منذ ما
يزيد عن عشرة أعوام، وهناك ثروات معدنية بسيطة مثل الفوسفات، وتم اكتشاف
البترول ولم يستغل بعد وهو نفط بحري في حدودها مع غينيا بيساو، ومازالت هذه
المنطقة النفطية موقع نزاع بين السنغال وغينيا بيساو حالياً، وهنائى الحديد في
شرق السنغال وقد اكتشف حديثاً ولم يستغل بعد، وكذا الذهب في نفس الأقاليم في
الشرق، والسنغال من الدول التي تنتج السمك بكثرة، لأنها تقع على المحيط
الأطلسي، وفيها ما يزيد على ثلاثة أنهر: نهر السنغال، ونهر كامبيا، ونهر
كازلماس، أما المحاصيل الزراعية الرئيسية فالفول السوداني ثم الذرة والحبوب.
س - متى دخل الإسلام إلى السنغال أو متى دخل أهلها في الإسلام وعلى يد
مَن؟
ج - القول المعتمد الذي عليه براهين وأدلة تاريخية هو أن الإسلام دخل
السنغال على يد المرابطين مع حركة عبد الله بن ياسين وذلك في القرن التاسع
الهجري وربما هذا له دلالات كثيرة جداً، وهناك شيوخ تعلموا على أيديهم واعتنقوا
الدين الإسلامى، وهم أيضاً بدأوا حركة في (فُتا) ثم بعد عبد الله بن ياسين وحركته
بدأ بعض السنغاليين يروجون للدين الإسلامي في باقي أرجاء الوطن منهم الحاج
عمر الفوتي والحاج مالكسي الذين كانوا ينشرون الدين في ربوع البلاد..
ولما دخل الاستعمار الفرنسي السنغال كانت السنغال دولة مسلمة، والأكثر من
ذلك هناك أدلة تاريخية تقول: كان هناك دولة إسلامية في فُتا في القرن السابع عشر
عند مجئ الفرنسيين (وهذا غير بعيد عن الصواب) ، الفرنسيون لما جاءوا حاربوا
بعض الملوك الوثنيين في منطقة جلق في قلب البلاد وفي كايور وكانت شبه دويلات
صغيرة أما باقي البلاد فكانت تحت أيدي شيوخ مسلمين يحكمون مناطقهم بالشريعة
الإسلامية، ومن هذه المناطق (فتا) وكان فيها الشيخ سليمان بعل وإلى الآن توجد
مخطوطاته وكان يحكم البلاد في كل الجوانب الإدارية ولما قتله الفرنسيون عينوا
الشيخ (عبد القادر كان) وكان آخر شيخ، وكانوا يطلقون اسم الإمام على الشيخ الذي
كان يدير البلاد مثل الإمام سليمان بعل والإمام عبد القادر كان. والشيوخ تعلموا في
السنغال وهناك مراكز علمية تعتبر بمثابة جامعات، والدليل على رسوخ الدين
الإسلامي في البلاد أن أكثرها كانت تدرّس اللغة العربية، وإذا اطلعنا على اللغات
القومية الموجودة في السنغال نجد الكثير من المفردات المستعملة مشتقة من اللغة
العربية، ومن هذه اللغات اللغة الوُلوفية نأخذ مثالاً أيام الأسبوع، اسمها كلها عربية
ماعدا يوم الأحد ويسمى بيير، أما باقي الأيام: السبت: السبت، الاثنين: تنين،
الثلاثاء: ثلاثة، الأربعاء: أربع، الخميس: الخمس، الجمعة: الجُمع، وكان
الفرنسي أثناء الاحتلال مجبراً على استعمال اللغة العربية في الدواوين، وكانت
السنغال مدخلاً للصحراء إلى مالي وكانت مركزاً ويسمونها غرب إفريقية الفرنسية،
وكانت تسمى كذلك السودان الغربي الفرنسي.
س - أثناء وجود الاستعمار الطويل هل ظهرت حركات مضادة للاستعمار؟
أو حركات إسلامية يقودها علماء؟
ج - الحركات بدأت قبل دخول الاستعمار، إن دولة الإمامية في فُتا كان على
رأسها شيوخ وعلماء قاوموا الفرنسيين أشد المقاومة في أواخر القرن التاسع عشر،
فالحاج عمر الفوتي قاوم الفرنسيين مدة ٨ سنوات ثم توفي مقتولاً على أيديهم،
وحركة الشيخ (أحمد بادئ خُبا) وهو عالم مسلم يقود أشد حركة لمقاومة الفرنسيين
(١٠ سنوات) ، والفرنسيون اعترفوا بذلك وبعد ذلك قضوا عليه بعد محالفات
عقدوها مع الملوك الوثنيين في عام ١٨٨٦) وكذلك ما يسمى (تمرد العلماء) عام
١٩٠٥ م حيث قام كثير من العلماء وعلى رأسهم (عثمان جُمكة) بحركة تمرد ضد
الفرنسيين حيث جهزوا أنفسهم لعدة أشهر دون أن يعلم الفرنسيون ذلك وشنوا ثورة
عنيفة ضد الفرنسيين دامت ٥ أشهر فقط، وكانوا يقولون صراحة إنهم يحاربون
الكفرة لإخراجهم من بلاد المسلمين، وكان قمع هذه الحركة شديداً جداً؛ حيث إن
الشيخ عثمان جمكة قُتل ليكون عبرة للذين يأتون من بعده.
ومن الذين قاموا بالمقاومة ضد الفرنسيين الشيخ محمد بَمبا الذي نُفي إلى
غابون. وكذلك شيوخ آخرون استمروا في المقاومة حتى عام ١٩٢٠ وقد اضطر
المستعمر الفرنسي لإقامة مدرسة للقضاة والمترجمين، تهدف إلى تربية أولاد هؤلاء
الشيوخ، وفي ذلك يقول الحاكم الفرنسي للسنغال آنذاك مبيناً الهدف من هذه المدرسة:
(لابد أن نوجد لهم مدرسة نكوِّن فيها أبناءهم ونفسر لهم فيها القرآن تفسيراً لا
يتنافى مع الحكم الفرنسي، ونعلمهم فيها الفقه تعليماً لا يكون منافياً مع ما تريده
الإدارة الفرنسية) . وقد لعبت هذه المدرسة دوراً مهماً في هذا المجال وبعد ذلك
أخذوا أولاد الشيوخ والعلماء الذين حاربوا آباءهم إلى باريس لتلقِّي العلم الغربى،
وبعد عودتهم هادنوا المستعمر وبدأت المقاومة تهدأ شيئاً فشيئاً.
س - ما هي الحركات السياسية الموجودة في السنغال. ويلاحظ المرء كثرة
المنظمات الشيوعية، وليس بينها أحزاب أو جماعات تقابلها من المسلمين هل هذا
صحيح أم أن هناك جماعات تتصدى لهؤلاء؟
ج - حالياً يوجد ١٧ حزباً سياسياً وأكثرها شيوعي، ماعدا الحزب الاشتراكي
الحاكم، وهو ليس حزباً شيوعياً، وحزب المحافظين وحزب العمال، والدستور
السنغالي ينص في بنده الثالث على أنه من الممنوع منعاً باتاً تكوين أي حزب على
أساس ديني..
وهناك جماعات تتصدى لهؤلاء الأحزاب مثل حركة الفلاح للثقافة الإسلامية
السلفية وهي حركة كبيرة جداً، وجماعة عباد الرحمن وهاتان الحركتان لعبتا دوراً
كبيراً في التصدي لمواجهة الشيوعيين والعلمانيين وكان البعض يتساءل: هل
السنغال يحتاج حقيقة إلى حزب إسلامي نظراً لأن الجماعتين لهما حرية التصدي
والتحرك. وهناك مجلة تصدر باللغة الفرنسية وتُقرأ بها مقالات سياسية بحتة،
وهناك في كل أسبوع على الأقل محاضرة كبيرة علنية بالفرنسية أو باللغات المحلية
أو باللغة العربية.
وبالجملة فإن هذه الحركات الإسلامية غير المرخص بها تقوم بنشاط ملموس
وتتصدى لكثير من المشاكل التى يثيرها العلمانيون اللادينيون، وتهاجم برامج
العلمانيين المتعارضة مع الإسلام مما يضطر الدولة بين وقت وآخر أن تصدر
بيانات تحذيرية لهذه الحركات والجماعات كي لا تتدخل في السياسة ولا تهاجم
العلمانية المنصوص على وجوب احترامها في البند الأول للدستور. ومع هذا فإن
الضغط لإزالة العلمانية من الدستور يزداد يوماً بعد يوم، وبعد أن كانت مبدأً متفقاً
عليه في السابق أصبحت الآن تهاجَم من جهات كثيرة من الشعب وزال ما كان لها
من هالة وتهويل.
س - ألم تؤثر أحداث أوربا الشرقية على الشيوعيين والتيار اليساري؟
ج - أثرت وأصبح الشيوعيون يعيشون أزمة، وحدث في الأيام الأخيرة أن
أستاذاً للفلسفة ينتمي إلى حزب الرابطة الديمقراطية - وهو أكبر حزب شيوعي في
السنغال - وله نشاط وسيطرة في المجال التعليمي والتربوي هذا الأستاذ تكلم في
درس له بكلام غير لائق بحق الله - تعالى - وبحق الرسول -صلى الله عليه
وسلم- فتصدى له أحد الطلبة وثار بينهما نقاش أدى إلى الضرب، ثم رُفعت القضية
إلى مجلس الجامعة فطرد الطالب فحدث على إثر ذلك ضجة كبيرة جداً تضامناً مع
هذا الطالب، وعقدت محاضرات وأرسلت احتجاجات إلى رئيس الدولة وإلى
البرلمان، وكانت نتيجة لذلك أن أعيد الطالب إلى الدراسة ونُقل الأستاذ، وألفت
لجنة لإعادة النظر في مناهج الفلسفة التى كانت منبراً للمهاجمين للإسلام في
المدارس.
س - لا شك أن هناك مشاكل وصراعات ما بين المسلمين أنفسهم،
وخصوصاً نحن نعلم أن الصوفية لها جذورها في إفريقية، وأن الصوفية من خلال
تاريخها دائماً ترتبط بالحكومات التي تعاصرها، فهل هناك مثلاً ضغوط من
الصوفية على الناس الذين يحبون أن تكون الدولة ذات توجه إسلامي؟
ج - نعم هناك ضغوط كبيرة خاصة في السنوات الماضية، السنغال يتميز
بكثرة الطرق الصوفية، وهي كثيرة وربما لا يعرفها العالم الإسلامى لأنها سنغالية
المنشأ، وعادة رؤساء الطرق يشجَّعون من قبل الدولة ويدعمون بالمال الذي
يوزعونه على مريديهم، ويحضر المسؤولون الاحتفالات التى يقومون بها، فيعبر
مشايخ الطرق عن ولائهم للدولة وموافقتهم على مواقفها السياسية، وتحاول الدولة
تشجيع هؤلاء ودعمهم لأنهم بديل مأمون ولا خطر منهم، بعكس دعاة الإسلام الذين
عندهم تجرد وإخلاص وعلم شرعي صحيح فإن الدولة تضغط عليهم وتحاول عزلهم
بكل الوسائل.
ومع هذا فإن زعماء الطرق الصوفية قد تضاءل أثرهم عن السابق، وذلك لأن
نسبة الوعي قد ازدادت نسبياً بين الأتباع (وإن هى لم تصبح كاملة ومثالية) حتى أن
من زعمائهم من يشارك في التجمعات الإسلامية غير الصوفية ويحرص على
الظهور فيها حتى لا يجرفه تيار النسيان ويسحب البساط من تحت قدميه مثل زعيم
الطائفة التيجانية الشيخ عبد العزيز سي.
س -ما هو حجم الحركات التي تنتهج منهج أهل السنة؟
ج - هناك حركة الفلاح السلفية للثقافة الإسلامية، وقد أنشئت قبل الاستقلال
من قبل الشيخ محمود يار ﵀ وقد كانت محدودة إلى الثمانينات ثم
انتشرت وأصبح لها فروع في فولتا العليا ومالي وموريتانيا وغينيا، وفي السنغال
لها فروع في جميع الأقاليم ولها فرع للشباب وآخر للنساء.
وهناك حركة عباد الرحمن وهي حركة جديدة، ومؤسسوها تربوا في حركة
الفلاح وهم من المثقفين والمعلمين. وعلى كل حال فإن أكثرية الشعب السنغالي لا
تفرق بين حركة الفلاح وحركة عباد الرحمن.
س - ماذا عن موقف رئيس الدولة من الإسلام؟
ج - كما تعلمون فإن ليوبولد سنغور هو الذي عين الرئيس الحالي،
وليوبولد سنغور محب لفرنسا حتى العبادة، وإن كانت أصوله إسلامية، لكن فرنسا
احتضنته ونصَّرته منذ صغره وعملت على شهرته، وفي أوائل الثمانينات بدأ
الشعب يتململ وبدأ يطرح مشكلة دين الرئيس ومشكلة إيجاد وزارة مستقلة للأوقاف
الإسلامية، فما كان من سنغور إلا أن عين (عبدو ضيوف) وهو مسلم وزوجته
مسيحية متعصبة تربت في المدارس الكنسية.
ومع أن الشعب أيده - لأنه مسلم - لكنه عمل أعمالاً لم يكن سنغور يجرؤ
على القيام بها، فقد تلاعب في قانون الأحوال الشخصية، وكما هو جارٍ في كثير
من البلاد الإسلامية فإن كثيراً من الأمور لم يكن يجرؤ المستعمرون على القيام بها
قام بها أناس من بَنِي جلدتنا.
س - في العالم الإسلامي اليوم حركات باطنية لها نشاط واسع ومحموم مثل
البهائية والقاديانية والرافضة ... فهل لهذه الحركات وجود في السنغال؟
ج - السنغال يعاني من نشاط الحركات الباطنية؛ فالماسونية منتشرة منذ القدم، وقد شن أهل السنغال حملة قوية ضد الماسونية التي كان لها مراكزها
ومستوصفاتها فحلت محلها الكنيسة في إدارة هذه المراكز؛ مما يدل على التعاون
والتنسيق بين الكنيسة والماسونية.
أما الرافضة فأثرهم في صفوف أهل السنغال ضئيل وينحصر نشاطهم ضمن
الطائفة اللبنانية، وقد ازداد نشاطهم بعد ثورة الخميني تجاه الشعب السنغالي ففتحوا
المدارس، ووزعوا المطبوعات الإيرانية، وكذلك الدعوات وتذاكر السفر لزعماء
الصوفية ولبعض الشباب للذهاب إلى إيران.
ونتيجة لوعي المسلمين هناك فإن نشاط الشيعة انحسر، والسفارة الإيرانية لم
تعد توزع مطبوعات إيران كما كان الحال سابقاً.
س - هل انعكس الخلاف بين الموريتانيين والسنغاليين على واقع السنغال؟
ج - الانعكاس واضح في المجال الاقتصادي في كلا البلدين، وكذلك في
مجال العلاقات حصلت أشياء سلبية، وقد كانت هناك أصوات خبيثة تحرض كلاً
من الشعبين ضد الآخر، وقد لعبت فرنسا دوراً لا يستهان به في ذلك عن طريق
نشر الأخبار والتهويل فيها، وقد بدا في حمى الأزمة أن الحكومة عاجزة عن فعل
شيء، ولكن من حسن الحظ أن تلك الأزمة حصلت في شهر رمضان فاستغل
الإسلاميون هذه المناسبة واستنكروا ميل الشعب إلى الانتقام سواء في موريتانيا أو
في السنغال، وسرعان ما هدأت الأمور بعد هذا الدور الذي قامت به جماعتا الفلاح
وعباد الرحمن في كلا البلدين. وصاروا يجتمعون في غامبيا - وهي داخل السنغال
- ويمكن لكل من الموريتاني والسنغالي أن يدخلها وتألفت لجنة مشتركة وأصبحت
تجتمع لإيجاد الحلول لهذه المشكلة المؤسفة.
ختاماً لهذه المقابلة تتقدم مجلة (البيان) بالشكر للأخ الكريم محمد بامبان جاي
على هذه المعلومات التي أدلى بها لنا عن السنغال.
стр. 706
ركن الأسرة
رسالة إلى الأخت المسلمة
أشرف شعبان
إليك يا أختى المسلمة أخط بضع كلمات هي إلى العظة والتذكير أقرب منها
إلى النصح فإن الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فاعلمي أنك
على ثغر من ثغور الإسلام ألا وهو الأسرة المسلمة وتربية أطفالها فلا يصح أن
يُؤتَى من قِبلك، فارتداؤك الحجاب الإسلامي الفضفاض وغير الشفاف وما يتبعه من
خمار لا يعني نهاية الطريق بل هو بدايته، به تعلنين أمام الملأ انضمامك للصف
الإسلامي وتمسكك بتعاليم الإسلام وأوامره ونواهيه والتزامك به في سلوكياتك
وتصرفاتك أمام أهلك وأمام المجتمع.
ولتعلمي يا أختي أن المحن والابتلاءات ستدور عليك وحولك: ستخيَّرين بين
من يقدم لك متاع الدنيا وبين من لا يملك سوى دينه يريدك زوجة له، فتذكري
حديث المصطفى ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه
فزوجوه» ولك في نساء الصحابة أسوة حسنة حين أتم رسول الله زواج إحداهن
بمهر وقدره خاتم من حديد أو بما حفظ من آيات القرآن الكريم.
وتُمتحنين في أقرب الناس إليك: زوجك أو ابنك، فقد يجبر أحدهما أو
كلاهما على الرحيل من بلده فراراً بدينه أو للجهاد في سبيله هنا وهناك، فلا
تحزني فالدنيا مهما طالت أيامها معدودة وقصيرة وستلتقين بهما لتنضموا سوياً إما
بالنصر أو النعيم في الجنة وهذا هو الإسلام وذروة سنامه، ستتذوقين شظف العيش
ويخلو بيتك من الملذات فتذكري أن بيت رسول الله ﷺ كان
يمضي عليه ثلاثة شهور دون أن تشعل فيه نار، فلا تترددي أو تضعفي يا أختي
أمام المحن والابتلاءات فكلما ازداد إيمان الفرد اشتد بلاؤه، وتذكري حديث رسول
الله «إن أشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء ثم الصالحون» وكل ابتلاء يثاب عليه
المؤمن في جسده أو ماله أو ولده ليخرجه من الدنيا كما ولدته أمه بلا ذنوب واعلمي
أن حياتك الدنيا ما هي إلا دار ابتلاء وامتحان، فمن صبر وشكر فهو مع الذين أنعم
الله عليهم من الصديقين والشهداء في جنة الخلد عند مليك مقتدر. جعلنا الله وإياك
من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
стр. 707
تربية
جوانب من البناء العقَدي للطفل المسلم
خولة درويش
تعويد الأطفال حب رسول الله ﷺ وتوقيره:
على الوالدين وموجهي الأطفال أن يغرسوا حب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- في نفوس الناشئة، فحب رسول الله من حب الله - جل وعلا - ولا يكون
المرء مؤمناً إلا بحب الله ورسوله.
عن أنس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ :
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» [١] .
وعلينا أن نُفهم الطفل بعض الشمائل الطيبة، نقتبسها من السيرة النبوية، من
صفاته ﷺ مثل: الرحمة بالصغار، وبالحيوان وبالخدم ...
وأن نحكي له بعض القصص المحببة في هذا الشأن من سيرته - عليه الصلاة
والسلام -، ومن سيرة أصحابه الكرام، وذلك حتى يتخلق بخلق رسول الله،
فيرحم الصغار والضعاف، ولا يؤذي الحيوان.
ونغرس في نفوس أطفالنا خلال سردنا لمواقف من سيرة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- أثر تطبيق الدين في السلوك والخلق والعبادة ... فتتأثر نفوسهم،
وتتفاعل قلوبهم بحب الرسول ﵊ وحب رسالته، وفي ذلك
المغفرة وجنات النعيم [قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [آل عمران: ٣١] .
وعلى المربي أن يعلّم الأطفال الصلوات الإبراهيمية وأن يحفظوها إن أطاقوا
ذلك، فالصلاة على النبي ترفع الدرجات، وتضمن شفاعة المصطفى -صلى الله
عليه وسلم-[إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [الأحزاب: ٥٦] وأنه خاب وخسر من إذا ذكر عنده لم يصلِّ عليه. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الإيمان بالملائكة:
الملائكة جند الله، يأتمرون بأمره ولا يعصونه.. إن في العالم مخلوقات كثيرة
لا نعرفها، يعلمها خالقها - جل وعلا - ومن بينها الملائكة ... بهذه الصورة يمكن
أن نتحدث عن هذا الركن الإيماني الغيبي أمام الأطفال، ونضيف لهم: إن أعمال
الملائكة كثيرة نستشفها من بعض الآيات الكريمة، ومن ذلك حفظ الإنسان [إن كُلُّ
نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ] [الطارق: ٤] . وكتابة ما يعمله في حياته [مَا يَلْفِظُ مِن
قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] [ق: ١٨] .
وكم يسعد الأطفال عندما تجمعهم أمهم، لتحدثهم عن الجنة ونعيمها، والملائكة
فيها، إذ تبشر المؤمنين كقوله - تعالى -: [إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
(٣٠) نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ ولَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ ولَكُمْ
فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (٣٢) ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ
وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٠-٣٣] .
فالأم بذلك تستفيد من صفات طفولة أبنائها، في خدمة عقيدتها، ويجددون
مرضاة الله (تعالى) .
فبدلاً من إرضاء الخيال النامي عندهم بقصص خرافية، وأساطير وهمية، قد
لا تجلب لهم إلا العنف، والبعد عن الواقعية.. نكون بذلك قد تعاملنا مع طفولتهم
بما يرتضيه الشرع الحنيف.. على أن لا يكون في هذا شطط ولا غلو، إن الغلو
في أي شيء إفراط قد يؤدي إلى خلاف ما يقصد المربي.
وينبغى ألا يثبّت المربون صورة خاطئة في عقول الأطفال عن شكل الملائكة
مثلاً.. ولاسيما أن أكثر وسائل الإعلام تصور الملائكة بأشكال معينة لها أجنحة،
وتصور الشيطان بأن له قروناً.. وذلك حتى لاتثبت هذه الصورة الخاطئة في نفس
الطفل.
عدم التركيز على الخوف الشديد من النار:
إن الطفل ذو نفس مرهفة شفافة، فلا ينبغي تخويفه ولا ترويعه، لأن نفسه
تتأثر تأثراً عكسياً.. يمكن للمربي أن يمر على قضية جهنم مراً خفيفاً رفيقاً أمام
الأطفال، دون التركيز المستمر على التخويف من النار، ظناً منه أن هذه وسيلة
تربوية ناجعة..
أخرج الحاكم والبيهقي عن سهل بن سعد ﵁: أن فتى من
الأنصار دخلته خشية الله، فكان يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت،
فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فجاءه في البيت، فلما دخل عليه
اعتنقه النبي، وخر ميتاً فقال النبي ﷺ : «جهِّزوا صاحبكم
فإن الفَرَق فَلَذَ كبده! [٢] .
إن الفقه في دين الله هو ألا يقنط الناس من رحمة الله وألا يستهينوا بمعاصيه. فعن علي - رضى الله عنه - قال: ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يقنط
الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم مكر الله، ولم
يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ولا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في
فقه ليس فيه تفهم " [٣] .
الإيمان بالقدر:
وعلينا أن نزرع في نفس الطفل عقيدة الإيمان بالقدر منذ صغره، فيفهم أن
عمره محدود، وأن الرزق مقدر ولذلك فلا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا به، وأن
الناس لا يستطيعون أن يغيروا ما قدره الله ضراً ولا نفعاً، قال
- تعالى -: [قُل لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا] [التوبة: ٥١] .
أما كيف يتم ذلك؟ فمن خلال انتهاز الفرص المناسبة، ولعل أبرز الظواهر
التي تلفت نظر الأطفال في هذا المجال: ظاهرة الموت، فهم قد يتقبلونه تقبلاً
معتدلاً، وذلك في ظل أسرة لا تبدي جزعها من الموت، وتُشعر الأطفال -
وببساطة - أن من ينتهي عمره يموت. أما إن شعر الأطفال - بطريقة ما - أن
الموت عقوبة وذلك من خلال التعليق على موت أحد الناس: (والله إنه لا يستأهل
هذا الموت) ! كما تقول بعضهن في لحظة انفعال، نسأل الله المغفرة والهداية، وكذا إن هددت الأم طفلها بالضرب والتمويت؛ فيزرع في ذهنه أن الموت عقوبة وليس نهاية طبيعية ومنتظرة للجميع مما يجعلهم يجزعون منه مستقبلاً، وهذا ما يتنافى مع عقيدة الإيمان بالقدر.
وكذا بالنسبة للرزق: جميل بالمربية أن تتعمد أمام طفلها حمد الله - تعالى -
على ما أعطى من الرزق، فذلك يرسخ في ذهنه أن المال مال الله والخير كله منه.. وإن قال لها مستنكراً: إلا أن المال من مكان (كذا) لمكان عمل والده - فهي ...
الفرصة لأن تغرس في نفسه، لأنه لابد من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج
بحسب السنة الجارية.. ومن ثم يحس بوجوده الذاتي ويعمل، دون أن يفتن بنفسه
ولا بعمله، ودون أن يفتن بالأسباب [٤] .
وإن اتخاذ الأسباب مع الإيمان بالقدر - يجعل من المسلم إنساناً مقداماً لا
يخشى إلا الله، كريماً لا يخاف على نفسه الفقر، صبوراً لا يهلع أمام كل مصيبة
مادامت مقدَّرة.
فهذا المعتقد: يُحدث في حسن المؤمن توازناً جميلاً رائعاً، يعينه على القيام
بدور الخلافة الراشدة في الأرض، ويجعله يعمل في الأرض وقلبه متطلع إلى الله
في السماء.
إنه يتخذ الأسباب عبادة لله، وانطلاقاً مع سنة الله الجارية، ويحس في الوقت
ذاته أن النتيجة التي وصل إليها هي قدر قدَّره الله، وليست حصيلة أسبابه التي
اتخذها، وأن الأسباب لا تؤدي بذاتها أداءً حتمياً إلى النتيجة إنما تؤدي إلى النتيجة
بقدر من الله.
فهذه المعاني تدفع الطفل إلى عدم التخاذل، فلا يداهن ولا يراوغ، لأنه قد
حُصِّن بقوة العقيدة، ولا يمكن أن ينحني رأسه أمام مغريات الدنيا، ولا إرهاب
المتجبرين؛ لأنه اعتاد أن ينحني ويسجد لله فقط.
فمن هؤلاء الأطفال الذين نغرس في نفوسهم هذه المعاني - معاني العقيدة -
سيكون خط التغيير نحو منهج الله بإذن الله، من المنازل ومن رياض الأطفال سوف
تصحح المفاهيم، فليتقِ الله أولياء الأمور في هذه المدارس، وفي تلك المنازل،
وليعلموا عظم المسؤولية وليؤدوا الأمانة بصدق وإخلاص، ليربطوا عقيدة الناشئة
بعقيدة السلف.
стр. 708
قراءة في كتاب
جراحة التجميل
بين التشريع الإسلامي والواقع المعاصر
عرض وتلخيص:محمد وهدان
انتشرت جراحة التجميل في كل دول العالم خلال السنوات العشر الماضية..
وهي عمليات جراحية صغيرة أو كبيرة يراد منها إما علاج عيوب خَلْقية تتسبب في
إيذاء صاحبها بدنياً أو نفسياً، وإما تحسين شيء من الخلقة بحثاً عن جوانب من
الجمال أكثر من الموجود أو بدلاً عن المفقود.
وقد كثر هذا اللون من ألوان التجميل في أيامنا هذه، وفي واقعنا الذي نعيشه، وتخصص له أناس، قصروا أنفسهم عليه، ووفروا وقتهم للتفنن فيه كما أصبح له
أقسام في كثير من كليات ومعاهد الطب، وعيادات لكبار الجراحين للاهتمام به
تدريباً ومزاولة.
كما أن أجهزة الإعلام في كثير من الدول تلهب النساء بسياط التشجيع
والترغيب في هذا اللون من التجمل بنوعيه، وإذا كان الواقع الإنساني المعاصر
يتقبل بصدر مفتوح كل ما يثير فيه الغرائز، وينمّي لديه الشهوات، فإن التشريع
الإسلامى يختلف عن ذلك كلية.
وكتاب (جراحة التجميل بين التشريع الإسلامي والواقع المعاصر) يعالج هذه
القضية، ويطرح وجهة نظر الدين الإسلامي.. من خلال آيات القرآن الكريم،
وأحاديث رسول الله ﷺ وسيرة السلف الصالح (رضوان الله
عليهم) .
وبرغم أن الكتاب من الحجم الصغير، ولا تزيد صفحاته عن ٤٨ صفحة إلا
أن مؤلفه الدكتور عبد الحي الفرماوي الأستاذ بجامعة الأزهر وفَّى الموضوع حقه
من البحث والدراسة.
يقول الدكتور الفرماوي: يفرق الإسلام بين عمليات التجميل، ويفارق بين
موقفه منها حسب التفريق إلى قسمين:
الأول: الجراحات التجميلية التى تعالج عيباً في الإنسان - امرأة كانت أو
رجلاً - يتسبب في إيذائه نفسياً أو بدنياً، ويصاحبه كذلك إن لم يعالَج ألم شديد، لا
يستطيع صاحبه تحمله، كما قد يتسبب في إعاقته عن أداء وظيفته، أو كمال قيامه
بها.
ولأن التشريع الإسلامي لا يهدف إلى تعذيب الناس أو حرمانهم مما يحقق لهم
فائدة، تمكّنهم من النجاح في حياتهم، وتعينهم على تحقيق إنسانيتهم دونما إطلاق
لعِنَان فوضى الغرائز، ودونما إماتة لفطرة الأنوثة التي خلقها المشرع سبحانه في
المرأة - فقد أباح هذا النوع من عمليات التجميل.
الثاني: الجراحات التجميلية التي لا تعالج عيباً في المرأة، يؤلمها ويؤذيها،
بل يكون الدافع لذلك مجرد " جاذبية الرجال "، وهذا النوع: يحرم الإسلام منه
القليل والبسيط، ويحرم من باب الأوْلى: الكثير منه والمعقد.
ويدلل الدكتور الفرماوي على ذلك بما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن
مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات،
والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم
يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت
الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن.. المغيرات خلق الله؟
فقال عبد الله: وما لي لا ألعن مَن لعن رسول الله ﷺ وهو في
كتاب الله! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن
كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله - تعالى -: [ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا] [الحشر: ٧] ، فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك
الآن، قال: اذهبي فانظري. قال - أي الراوي -: فدخلت على امرأة عبد الله،
فلم تَرَ شيئاً، فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئاً، فقال: أَمَا لو كان ذلك لم
نجامعها» .
التحدي:
ويعلق الدكتور عبد الحي الفرماوي على الحديث السابق ويقول: فهذا عبد الله
بن مسعود، الصحابى الجليل المتوفى سنة ٣٢ هجرية (٦٥٣ ميلادية) تتحداه أم
يعقوب في بيته - كما رأينا - حتى تتأكد من براءته من الوقوع فيما حكم بحرمته،
ونهى عنه.
وقد أخرج الطبراني هذا الحديث وزاد في آخره - كما يقول ابن حجر في فتح
الباري - فقال عبد الله: ما حفظت وصية شعيب إذاً، يعني قوله - تعالى - حكاية
عن شعيب ﵇[ومَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ]
[هود: ٨٨] .
ويقول الدكتور الفرماوي:
إن الإمام الطبري قال: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التى خلقها الله
عليها، بزيادة أو نقص، التماساً للحسن، لا للزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة
الحاجبين فتزيل ما بينهما، توهم البلج (حسن الطلعة) ومن تكون: لها سن زائدة
فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية، أو شارب أو عنفقة [١] ، فتزيلها بالنتف، ومن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً فتطوله أو تغرزه بشعر غيرها، فكل ذلك
داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله.
ثم يقول: (ويستثنى من ذلك: ما يحصل به الضرر والأذية، كمن تكون لها
سن زائدة أو طويلة، تعوقها في الأكل، أو إصبع زائدة تؤذيها وتؤلمها فيجوز ذلك) . ...
ويشير المؤلف إلى ما يلي:
يرى الإمام النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هجرية (١٢٧٧م) أنه إذا نبت للمرأة
لحية أو شارب أو عنفقة، فلا يحرم إزالتها، بل يستحب.
يعقب ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هجرية (١٤٤٨م) على ما يراه النووي
بقوله: وإطلاقه مقيد بإذن الزوج، وعلمه، وإلا فمتى خلا عن ذلك مُنع للتدليس
ويقول في موضع آخر من فتح الباري: المذمومة من فعلت ذلك -أي عمليات
التجميل - لأجل الحسن، فلو احتاجت إلى ذلك لمداواة مثلاً جاز..
يقول بعض الحنابلة: يجوز للمرأة الحف والتحمير، والنقش، والتطريف إذا
كان بإذن الزوج لأنه من الزينة.
لماذا.. لماذا؟ :
قد يعترض البعض من الناس ويتساءلون: لماذا كان موقف التشريع الإسلامي
على نحو ما سبق ذكره؟ ولِمَ لا يترك للناس الحرية في مثل هذه الأمور الشخصية؟.
ويرد المؤلف على هؤلاء قائلاً: ونحن نخاف عليهم ونرجو لهم الخير، قال
الإمام الخطابي: إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رُخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش، ولما
فيها من تغيير الخلقة.
كما يضاف إلى ذلك: أن فتح الباب للنساء - في هذه المبالغات - يؤدي إلى
ارتمائهن في أحضان الغرائز الشهوانية والبعد تدريجياً عن رسالتهن الإنسانية، التى
خُلقن لأجلها، والانغماس في فضول الأعمال التى هي إلهاء عن الواجب الأساسي
وهو عبادة الله - تعالى - بل عن الإيمان نفسه وبالضرورة: عن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
وهنا يفقد الإنسان (خيريته) التي خصه الله - تعالى بها - والتى تؤهله لقيادة
هذا العالم الذي يتخبط ويقاسي من الحروب ويحاط بالرعب، والذي هو في أمس
الحاجة إلى قيادة حكيمة، عاقلة، راشدة.
ولن تكون هذه القيادة للعالم إلا بتوجيه ممن خلق هذا العالم نفسه أو بإرشاد
منه، وبالتزام لمنهجه، وتعاليمه ولا يتوافر كل ذلك أو بعض ذلك إلا في أمة محمد
رسول الله ﷺ .
ويمضي الدكتور الفرماوي قائلاً: أنه لو عمَّت هذه العمليات لكان الاعتراض
الدائم على ما خلق الله والانشغال بتغييره عن الوظائف الحقيقية، والمهام الأساسية التي نيطت بالإنسان في هذا الكون، ولصرفت المرأة بها عن
الرغبة في الإنجاب، ولو أنجبت لصرفت عن التنشئة والتربية، حتى لا يحرمها
هذا الإنجاب من الجمال أو تصرفها التنشئة وتشغلها عنه.
ولهذا فقد حرم الإسلام هذا النوع من عمليات التجميل، وليس التشريع
الإسلامى في هذا متجنياً على المرأة، أو مانعاً لها من شيء فيه مصلحتها وإنما ينبه
المرأة دائماً إلى أن الجمال الحقيقى في الخُلُق، لا في الخلقة، وأن الجمال الدائم هو
جمال الروح والأفعال والأقوال لا في الأشكال والهيئات، وأن الذي ينبغي الحرص
عليه: هو ما به يتحقق للمرأة إنسانيتها وكرامتها وحسن سيرتها، وهو جمال الخلق
والطباع، وأن الجري وراء هذه المحاولات المستمرة للبحث عن الجمال الشكلي
الزائف لن يكسب الإنسان - امرأة كانت أو رجلاً - شيئاً يستحق الذكر، بل لم
يكسبه في عصوره الغابرة سوى الانطلاق في طريق الشهوات والغرائز، الذي
يشيع الفاحشة في المجتمع ثم ينتهي به إلى الانحلال والدمار والهلاك.
ويشير الكتاب في النهاية إلى أنه ما انتشرت هذه الأشياء في قوم وألفها الناس، وأحبوها إلا كانت دليلاً على انشغالهم بالوسائل دون الغايات، وعلامة بارزة على
شيوع الفواحش والموبقات، ونذيراً إلى اضمحلال حضارتهم، وطريقاً سريعاً إلى
هلاكهم ودمارهم، والتاريخ القديم والحديث يؤكد ذلك:
فقد قال النبي ﷺ فيما يرويه البخاري ومسلم وأصحاب
السنن لأصحابه ونساء أمته: «إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» ،
وهو نفس ما حدث للإمبراطورية الرومانية وللإمبراطورية الفارسية ولكثير من
الحضارات الغابرة.
ويذكر المؤلف: أن فرنسا لم تهزم قريباً إلا لانشغال رجالها ونسائها بالشهوات
حين دخلتها جيوش الاحتلال!
ولأن الإسلام لا يحب للفرد المسلم الضياع، فقد حرم عليه أن ينغمس في
الشهوات، أو ينشغل بما يهيج غرائزه، حتى لا تتغلب شهواته على عقله،
وينفصل في واقعه الذي يعيشه عن التشريع الذي يحفظ عليه آدميته ويعلي من
إنسانيته.
стр. 709
الزاوية الطبية
حبوب منع الحمل ما لها وما عليها ؟
د. خالد الموسى
مع انتشار حبوب منع الحمل ومنظِّمات الدورة الشهرية عند المرأة في مطلع
النصف الثاني من هذا القرن ومع تزايد استعمالها أظهرت الكثير من الدراسات
العلمية أنها ليست مأمونة مطلقاً، ولا يتم تناولها بدون أضرار بدنية ونفسية، وما
تمر فترة إلا ويتبين ارتباطها ببعض من الظواهر المرضية وظهور أعراض جانبية
عديدة.
فإن هذا الهدف الرئيسى لاستعمالها هو منع الحمل أو تنظيم النسل، وقد
أُسىء استخدامها كثيراً حتى أصبحت تُتناوَل من قِبل الشابات الصغيرات في كثير
من البلدان الأوربية والغربية والشرقية مع انفتاح الحرية الفردية والحياة الجنسية
وبدون حدود أو ضوابط، وانتقلت إلى البلدان العربية والإسلامية عن طريق فكرة
تنظيم النسل (وهي فكرة يهودية خبيثة) فإن كانت هناك مبررات فردية وشخصية
وعلى مستوى ضيق ومحصور لتنظيم الأسرة فلا يجب أن تعمم على إطلاقها
ويطلق العِنان لانتشارها، فالإسلام دعا إلى التكاثر وحفظ النسل، لا قطع الحرث.
وإن هذا الاستعمال لا يخلو من محاذير كثيرة وتأثيرات جانبية تتعرض لها
المرأة وسنحاول باختصار ذكر هذه الاضطرابات الجانبية لحبوب منع الحمل:
١ - تؤدي إلى زيادة الوزن نتيجة زيادة الشهية وبعوامل استقلابية هرمونية
على النسيج الشحمي.
٢ - تؤدي إلى حبس الأملاح والسوائل وبالتالي لزيادة الوزن وزيادة حجم
كتلة الدم ثم ارتفاع الضغط الشرياني.
٣ - تزيد نسبة حدوث تخثر الدم، ثم تزداد نسبة حدوث الخثرات الوريدية
والتهاب الأوردة الخثري، وحصول الصمات الجهازية والرئوية بشتى أنواعها.
٤ - تزداد نسبة حدوث التهاب الأوردة الخثري العميق المؤدي إلى حدوث
صمات رئوية قد تكون قاتلة.
٥ - تزيد نسبة حدوث ارتفاع الشرياني وما يسببه من تأثيرات ضارة جهازية
في الجسم.
٦ - تزيد نسبة حدوث الآفات القلبية الوعائية كخناق الصدر وقصور الدوران
الإكليلي واحتشاء القلب.
٧ - تزيد نسبة حدوث الخفقان واضطرابات النظم القلبية والتى قد تكون
خطيرة بحد ذاتها أو بحدوث صمات جهازية خطيرة.
٨ - تفاقم خطورة الأمراض القلبية إن كانت موجودة سابقاً كأمراض القلب
الرئوية أو الآفات الخلقية، وتزيد من نسبة خطورتها.
٩ - تزيد نسبة حدوث الصداع التوتري والشقيقة.
١٠ - تزيد نسبة حدوث الحوادث الوعائية الدماغية.
١١ - تؤدي إلى حدوث اضطرابات نفسية وسلوكية عديدة كالنرفزة وسرعة
الإثارة والنزق والكآبة.
١٢ - تؤدي لحدوث أورام غدية صغيرة في الكبد والغدة النخامية.
١٣ - قد تسبب التهاب ما حول القنيات الصفراوية (التليف التصلبي) .
١٤ - تؤدي لأعراض هضمية عديدة متنوعة كالغثيان وآلام المعدة.
١٥ - تؤدي إلى حدوث اندفاعات جلدية، وطفح متعدد الأشكال على الجلد.
١٦ - ينصح جميع الأطباء بعدم إعطائها بعد سنة الـ ٣٥-٣٩ سنة.
هذه مجمل تأثيرات حبوب منع الحمل، ولا يمر استعمالها بدون تأثير جانبي
ونسبي..
فهل من استجابة للإقلال من استعمالها واقتصار ذلك على بعض الحالات
الفردية الضرورية الخاصة فقط؟ !
стр. 710
رسالة الطبيب في الحياة
لقد خلق الله البشر ولكل قدرته وطاقته ومواهبه، وخلق أرزاقهم ويسر لهم السبيل باختيار منهج وطريق حياتهم، وأرشدهم لاتخاذ السبل في كسب العيش والبحث عن الرزق.. والكل راضٍ بما قسمه الله له، ولقد حمل الإنسان الأمانة في عمارة هذه الأرض بعد أن استخلف فيها. قال - تعالى -: [وَإذْ قَالَ
رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] [البقرة: ٣٠] . وقال: [إنَّا عَرَضْنَا ... الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] [الأحزاب: ٧٢] .
وإن هذه الأمانة والاستخلاف تزداد مسؤوليتها والحمل الملقى على صاحبها
مع حجم الطاقة والقدرة وبقدر المواهب والعلم والمعرفة والمكانة التى يتمتع بها.
وإن رسالة الطبيب رسالة إنسانية بما فيها من رأفة ورحمة وشفقة، والعبء
ثقيل والأمانة عظيمة ودوره وشأنه عظيم في هذه الحياة وذلك بسبب:
١- مكانته وقدرته ومواهبه وعلاقته الاجتماعية..
٢- طبيعة مهنته وتعامله مع أرواح وأنفس وأجساد البشر، وقوة وشدة تأثيره، لذا فمسؤوليته عظيمة، والأمانة ثقيلة، والدور الذي أنيط به جد مهم، فمن ثم
عليه أن يقوم بواجبه بإحسان التعامل مع المريض والسعي لتخفيف الألم والحزن
وشدة المرض عن الناس وأن يبذل جهده ويعمل بشكل دؤوب لتحقيق الصحة العامة
والخدمة الإنسانية بشتى جوانبها والشفاء بإذن الله.
وتزيد هذه المسؤولية على الطبيب المسلم لأنه ينطلق من منظور ديني إسلامي
ومراقبة ذاتية ومحاسبة مستمرة وارتباطه الكامل بالله ولابد أن يتذكر
كل طبيب أنه سيحاسَب عن هذه المسؤولية في يوم الحساب حينما يقف بين يدي
رب الأرباب.
стр. 711
لم يكلف نفسه بالسؤال ... ولكن ؟ !
طارق خليل الأسود
كثير من المسلمين اليوم يقوم بفعل الشىء، وبعد أن يتمه يأتيك سائلاً عن
حُكمه، فربما كان الحكم حراماً أو حلالاً، أو مكروهاً أو مندوباً ... فماذا يفعل هذا
المسلم لو كان الحكم حراماً؟ ! ؛ إنه ارتكب إثماً - ولا شك - في حق نفسه لأتفه
الأسباب، لأنه لم يكلف نفسه بالسؤال ولا الاستفسار عن حكم هذا العمل الذي يريد
الإقدام عليه قبل عمله والوقوع فيه.
بل الأمر الأدهى من ذلك والأمرّ، ذلك المسلم الذي يقوم بفعل الشيء وهو لا
يعرف حكمه، ثم لا يسأل ولا يبالى إن كان الحكم حراماً أو حلالاً، مندوباً أو
مكروهاً ... الخ.
ولكن نجد فئة من الناس بل الغالب عليهم أنهم لا يسألون عن الحكم الشرعي،
بل نجد الرجل منهم حينما يتقدم الخاطب إلى خِطبة ابنته، لا ينام الليل ولا النهار
حتى يعلم أدق الأمور عنه فيسأل القريب والبعيد عنه، وقد يضطر أحياناً إلى السفر
إلى الخارج للبحث والاستفسار عنه، وكذلك يحقق ويزن الأمور التي توصل إليه،
أليس هذا واقعنا المعاصر؟ .
اعلم يا عبد الله: أن كل حركة أو إشارة أو كلمة أو نظرة لها وعليها حساب؛
قال الله - تعالى -: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَراً يَرَهُ]
[الزلزلة: ٧-٨] وأنت تعلم ما الذرة وما كبرها، فينبغي معرفة حكم الشيء
قبل الإقدام عليه فإن كان حراماً ابتعدت عنه، وإن كان حلالاً أقدمت عليه ... وزِنْ
الأمور قبل وقوعها بميزان الصراط المستقيم، ميزان الحق والعدل، ميزان الحلال
والحرام، ميزان لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن كانت موافقة فالراحة
والطمأنينة، وإن كانت مخالفة فالابتعاد عنها، وإن كان فيها شك أو شبهة ابتعدنا
عنها أيضاً أسلم للعواقب، وآكد للثواب. هذا إذا أردت عتق نفسك من النار، وعدم
تحميلها أكثر مما تطيق من الآثام والأوزار. اللهم انفعنا بما علمتنا، وكن عوناً لنا.
стр. 712
نسبة الانتحار بين الشباب البريطاني في ارتفاع
ارتفعت نسبة الانتحار بين الشباب فوق ٥٠% خلال الأعوام العشرة الأخيرة.
ورد ذلك في تقرير جديد نشر في جريدة (غارديان) وأصدرته جمعية معنية ...
بالتخفيف من أسباب الانتحار، ومساعدة الذين يتعرضون لضغوط نفسية قد تدفعهم
إلى الانتحار.
وعللت ارتفاع نسبة الانتحار بين الشباب لأنهم أكثر قابلية لأسبابه التي منها:
تزايد الضغوط الاجتماعية، والإخفاق في الحصول على إنجازات أكبر في المدرسة، والصعوبات الاقتصادية خلال العقد المنصرم.
أما عن أسباب الانتحار عند الكبار فقد ذكر التقرير من ذلك: الوحدة،
والحرمان، وانهيار الصحة، وتناقص الفرص المتاحة، والعيش في ظروف غير
مناسبة، والخوف من وقوعهم عبئاً على الآخرين.
وذكر التقرير أن كل ساعتين هناك من يقتل نفسه في بريطانيا ويعتبر هذا أشد
إثارة للقلق من الرقم الذي تعلنه الدولة سنوياً عن الذين ينتحرون وهو (٥٠٠٠) ،
وكذلك هناك أكثر من ٢٠٠ ألف محاولة انتحار.
وقد تلقت الجمعية خبر ٢. ٥ مليون حالة محاولة انتحار ما بين مكالمة
ورسالة وزائر.
نسبة مَن هم بين ١٥-٤٤ سنة ارتفعت ٥٠% خلال العشر سنوات الماضية،
وكان فيها عدد الرجال ضعف عدد النساء.
المنتحرون تحت ٢٥ سنة كانوا ٨٠% ذكوراً.
كانت نسبة الذكور من المنتحرين الذين هم دون ٢٥ سنة ٨٠% بزيادة ٢٦%
بين عام ١٩٧٨-١٩٨٨.
وقد تراجع عدد النساء المنتحرات بنسبة ٢٢% وعزا التقرير سبب ذلك انه
ربما لأن المرأة قد تبكي أو تصرخ أو تنفس عما في نفسها بطريقة أو بأخرى بينما
الرجل في الأغلب يدفن همومه بداخله.
بقي أن نضيف أن هذه الجمعية عندها (٢٢) الف متطوع، وتعلن أنها بحاجة
إلى (٦) آلاف آخرين، وإلى (٤) ملايين جنيه إسترليني كي تستمر في إدارة
(١٨٤) فرعاً لها في جميع أنحاء بريطانيا.
غارديان ويكلي ٥٢٧/٥/١٩٩٠
стр. 713
الصفحة الأخيرة
معادن الشعوب
عبد القادر حامد
تظهر معادن الشعوب والجماعات على حقيقتها عند الأزمات، حيث يقع
الناس تحت التأثير العام للأزمة ويصطلون بنارها؛ فتنكشف عنهم حجب الرياء
والنفاق، وتتساقط من بينهم جدران التكلف والتملق، ويبدو كل فرد بأخلاقه
الحقيقية وبسلوكه الذي فُطر عليه.
وقد ظهر هذا جلياً في أزمة الخليج واحتلال العراق للكويت، فتبخرت كثير
من الشعارات التى أنفق العرب من عمرهم زمناً طويلاً يرددونها ويتغنون بها، فقد
جعلت هذه الأزمة كثيراً من العرب يكفرون بالعروبة عملياً وإن لاكتها ألسنتهم
نظرياً.
والوحدة العربية كحلم تبخر من ذهن أغلبية شعوب المنطقة التي تعاني المُر
كله من الضغط الداخلي والخارجي، والتضامن الإسلامي على أساس العقيدة
الإسلامية يبحث المرء عن آثاره، ويتشمم في الزوايا أخباره فلا يجد شيئاً! .
ولو تُركت الشعوب تصارع هذه الأزمات المفتعلة بما عندها من مواهب وما
أعطاها الله من إمكانيات لربما ظهرت الأصالة العربية والحمية الإسلامية، ولكن
هيهات وهي لا تتُرك وحدها ولا يخلَّى بينها وبين أعدائها، بل تستمر أجهزة
الإعلام من كل حدب وصوب تثير الأحقاد وتستعدي الشعوب بعضها على بعض،
فتذهب بالبقية الباقية من رصيد الخير الباقي في نفوسها.
من أجل ماذا؟ من أجل قلة قليلة لسان حالها يقول: إذا متُّ ظمآناً فلا نزل
القَطْرُ!
стр. 714
ربيع الآخر - ١٤١١هـ
نوفمبر - ١٩٩٠م
(السنة: ٥)
стр. 715
الافتتاحية
وقفة مراجعة
ونحن ندلف إلى السنة الخامسة من عمر (البيان) نعود قليلاً إلى الوراء ونسأل
أنفسنا: هل قمنا بواجب الكلمة؟ وحتى لا نغمط أنفسنا حقها نقول: نعم، ولكن لا
زلنا نعتبر أنفسنا في بداية الطريق ولا يزال في النفس أشياء كثيرة لم تحقق، ومن
أول يوم بدأنا فيه كانت هناك آمال وطموحات وخطط بعيدة حققنا بعضها، ولم
نحقق البعض الآخر، ونحن مع شكرنا العميق لمن ساهم وشارك في الكتابة أو النقد
والتصحيح، فإننا نطالب أصحاب الأقلام القوية وأصحاب العلم والأدب أن يقدموا
ما يرونه واجباً عليهم تجاه دينهم وتجاه إخوانهم المسلمين في كل مكان.
والمعركة الإعلامية مع أعداء الإسلام معركة شرسة لا تغطيها مجلة شهرية أو
صحيفة يومية، بل تحتاج لأكثر من ذلك.
إن الإعلام في الغرب من أخطر الأسلحة لإقناع الجمهور بأفكار من يسيطر
على هذا الإعلام، فهل ينتبه من يستطيع أن يقدم شيئاً ذا بال ولا زال يتردد في
تقديمه؟
لقد تأكد لنا بعد هذه السنوات أن الصحافة هي مهنة المتاعب فعلاً، فنحن
نحاول المحافظة على التوازن القائم في البيان وهو توازن دقيق وصعب، فلا هي
بالمجلة الأكاديمية البحتة، ولا هي بالمجلة الخفيفة التي يتصفحها القارئ بسرعة ثم
يرمي بها جانباً، وليست مجلة إخبارية مصورة ولا هي المتخصصة بالسياسة..
نريدها أن تكون وسطاً جامعة مثقفة لطبقة المتعلمين من المسلمين.
بعض القراء يشكون من عدم وجود أقلام المشهورين من الكتاب، ونحن مع
احترامنا لهؤلاء المشهورين، لكن بعضهم لا يكتب للصحافة أبداً وبعضهم يستفيد
منه القراء في مجلات كثيرة فما الفائدة من التكرار؟ وشيء آخر هو وجود طاقات
مغمورة غير مشهورة ولكنها تحمل فكراً وعلماً، نريد من هؤلاء أن يبرزوا كما
نريد تشجيع الطاقات الشابة، وهي طاقات لا بأس بها ولكنها خجولة ومترددة.
هذا ما يقترحه القراء أو يلاحظونه، وأما نحن فنشكو من قلة القراء والقراءة، إننا ونحن نحاول استخلاص النافع المفيد من الإخوة الكتاب ومن واقع العالم
الإسلامي المعاصر نشعر بالأسى لقلة من يقرأ خاصة في بعض البلدان أو المناطق،
لقد سيطرت على الساحة الثقافية الكتيبات الصغيرة والمقالات الخفيفة السريعة،
والعجيب أن المجلات التي تمثل الفكر القومي أو العلماني أو القومي - الديني كما
يسمونه كلها مجلات متخصصة فكرية ليس فيها ألوان ولا صور، وكلها مقالات
طويلة، ودراسات جادة، فهل الإسلاميون هم الوحيدون الذين يريدونها قراءة خفيفة!
ونعود مرة أخرى إلى موضوع (المضمون والشكل) ونحن نعلم أن أي أمر لا
يجدد ولا يقع فيه التجديد دائماً سيتوقف عند مستوى معين ثم يبدأ التدهور والرجوع
الى الخلف، نحن مقتنعون بهذا ونعتقد أنه لابد أن نسعى دائماً إلى الأفضل ونرقى
بالمجلة شكلاً ومضموناً، وليس من المعقول أن يحرر المجلة عدد محدود فلا بد إذن
من المشاركة الفعالة، مشاركة من اكتوى بِحرِّ المعركة مع التغريب والضحالة
والسطحية ومن تعمق في فهم أصولنا وثقافتنا ومن عرف واقع المسلمين وواقع
أعدائهم، وهؤلاء كثر والحمد لله، ولعل القراء يلتقون بهم سواء في مجلتنا أو أي
مجلة إسلامية جادة.
стр. 716
آية من كتاب الله
[ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّه]
[يوسف: ٢٤]
قال الشنقيطي ﵀ في تفسير هذه الآية:
ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف ﵇ همّ بأن يفعل
مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه. ولكن القرآن الكريم بين براءته -عليه
الصلاة والسلام- من الوقوع فيما لا ينبغي، حيث بين شهادة كل من له تعلق
بالمسألة ببراءته وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به.
أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم: يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة،
والشهود.
- أما جزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فقد ذكره الله تعالى في قوله:
[هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي] وقوله: [قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي
إلَيْهِ ... ] .
- أما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة: [ولَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ
فَاسْتَعْصَمَ] وقولها: [الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ
الصَّادِقِينَ] .
- وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله: [قَالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنتِ مِنَ الخَاطِئِينَ] .
- وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله: [وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إن كَانَ
قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ..] .
- وأما شهادة الله -جل وعلا- ببراءته ففي قوله: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوءَ والْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] .
- وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: [فَبِعِزَّتِكَ
لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ] . فأقر بأنه لا يمكنه إغواء
المخلصين، ولا شك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله: [إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما
لا ينبغي.
فإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على براءته ﵇ مما لا ينبغي في
الآيات المتقدمة. ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى: [وهَمَّ بِهَا] ؟
فالجواب من وجهين:
الأول:
إن المراد بهمّ يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه لأنه
أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، كما في الحديث عنه ﷺ أنه
كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك» يعني ميل
القلب الطبيعي.
ومثال هذا: ميل الصائم إلى الماء البارد، مع أن تقواه يمنعه من الشرب
وهو صائم. وقد قال ﷺ : «ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت
له حسنة كاملة» .
لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفاً من الله، وامتثالاً لأمره، كما قال
تعالى [وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى] ..
الثاني:
وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلاً، بل هو منفي عنه
لوجود البرهان.
ثم قال الشنقيطي ﵀: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو
أجرى الأقوال على اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وكلام العرب: أن
الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه كقوله: [فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّسْلِمِينَ]
أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب،
لأن جواب الشرط وجواب لولا لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلاً عليه..
وكقوله: [قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] أي إن كنتم صادقين فهاتوا
برهانكم.
وعلى هذا القول فمعنى الآية: - وهم بها لولا أن رأى برهان ربه.
أي لولا ان رأى برهان ربه لهم بها، فبهذين الجوابين تعلم أن يوسف -عليه
السلام- بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه همّ أصلاً،
وإما أن يكون همه خاطراً قلبياً صرف عنه وازع التقوى، فبهذا يتضح لك أن قوله
تعالى [وهَمَّ بِهَا] لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع
فيما لا ينبغي.
ثم يقول الشيخ ﵀: فإذا علمت مما بينا دلالة القرآن العظيم على
براءته مما لا ينبغي، فما رواه صاحب (الدر لمنثور) وابن جرير وأبو نعيم، من
أن يوسف ﵇ جلس منها مجلس الرجل من امرأته وأنه رأى صورة
يعقوب عاضاً على إصبعه أو صاح به صائح ...
هذه الروايات منقسمة إلى قسمين:
- قسم لم يثبث نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه.
- وقسم ثبث عن بعض من ذكر، ومن ثبث عنه منهم شيء من ذلك فالظاهر
الغالب على الظن المزاحم لليقين أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات لأنه لا مجال للرأي
فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه ﷺ .
وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف اعتماداً على
مثل هذه الروايات.
[أضواء البيان ٢/٤٩-٦٠]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما قوله: [ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ] .
فالهّم اسم جنس، كما قال الإمام أحمد: الهم همّان همّ خطرات وهمّ إصرار.
وقد ثبث في الصحيحين عن النبي ﷺ أن العبد إذا همّ بسيئة
لم تكتب عليه. وإذا تركها لله كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له سيئة واحدة، وإن
تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة، ويوسف -
﵇ همّ همّا تركه لله، ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه،
وذلك إنما يكون إذا قام المقتضى للذنب وهو الّهم، وعارضه الإخلاص الموجب
لانصراف القلب عن الذنب لله، فيوسف ﵇ لم يصدر منه إلا حسنة
يثاب عليها وقال تعالى: [إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا
هُم مُّبْصِرُونَ] .
وأما ما ينقل من أنه حل سراويله، وجلس مجلس الرجل من المرأة، وأنه
رأى صورة يعقوب عاضاً على يده، وأمثال ذلك فكله مما لم يخبر الله به ولا
رسوله، وما لم يكن كذلك، فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس
كذباً على الأنبياء، وقدحاً فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله، لم ينقل من
ذلك أحد عن نبينا ﷺ حرفاً واحداً..
... ... ... ... ... ... [دقائق التفسير ٣/٢٧٢ - ٢٧٣]
стр. 717
مقابلة
لقاء مع فضيلة الشيخ
محمد ناصر الدين الألباني
فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني من أعلام الدعوة الإسلامية في هذا
العصر، ومن كبار علماء الحديث، أمضى عمره في تعلم الحديث وتعليمه
والتصنيف فيه، ووضع السنة بين يدي الأمة، وكان لكتبه ودروسه ولقاءاته الفضل
والأثر الكبير في التوجه نحو السنة الصحيحة والابتعاد عن الضعيف والموضوع.
ولا يزال -حفظه الله- صاحب همة عالية في التحقيق والبحث والإجابة على
الأسئلة الواردة من شتى بلدان العالم الإسلامي وإن شغفه بالعلم ودأبه العجيب
ليذكرنا بالعلماء السابقين.
وقد كانت رغبة قديمة عند (البيان) في اللقاء به والاستفادة من علمه،
وتعريف القراء بعلمائنا البارزين الذين لا ينكر دورهم التجديدي في هذا العصر وقد
جاءت الفرصة المناسبة والتقاه رئيس التحرير وكان معه هذا الحوار.
س: فضيلة الشيخ عندما قمتم بتدريس مادة الحديث في الجامعة الإسلامية في
المدينة النبوية كان لكم دور بارز في إيجاد تيار من الشباب المتعلم الذي يبحث عن
الدليل الشرعي، ويهتم بالحديث، والبحث عن تخريجه وتمييز الصحيح من
الضعيف، هل أنتم راضون عن هذا التيار، وهل هو في ازدياد وانتشار؟
ج: ليس لي صلة بالجامعة، ولما تركتها أو تركتني، كنت أتردد ما بين
آونة وأخرى في سبيل مراجعة بعض المحاضرات هناك.
لم تعد الظروف تساعدني على التردد عليها لذلك لا أعرف واقعها الآن. ولكن
بصورة عامة لا تزال قائمة بواجبها في نشر الثقافة الإسلامية السلفية، ولا شك أن
بعض إخواننا من الطلاب الذين كانوا يوم كنا ندرس هناك مادة الحديث، هم الآن
أساتذة ودكاترة، ولا أدري هل التأثير ما يزال مستمراً كما كان في العهد الأول أم
ازداد، هذا مما لا سبيل لنا إلى معرفته إلا بالتردد على الجامعة والاطلاع على
مسيرتها.
س: ولكن هناك ملاحظة، على بعض هؤلاء التلاميذ أو تلامذتهم، عندهم
خشونة أو قسوة في عرض المنهج، ألا ترون أنّ هذا يجب أن يصحح؟
ج: نعم، نحن نقول كما قال رب العالمين [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] وهذا يجب أن يوجه إلى جميع الدعاة.
س: هل لكم ملاحظات على التيار السلفي في البلاد العربية والعالم الإسلامي؟ وما هي؟
ج: باعتقادي أن التيار السلفي والحمد لله اكتسح الأجواء الإسلامية كلها،
وأكبر دليل على ذلك أن الذين كانوا بالأمس القريب يعادونه أصبحوا يتزلفون إليه،
ويتبنون اسمه، هذا يبشر بخير، لكن في الواقع أرى أن الدعوة السلفية والتي يعود
إليها الفضل فيما يسمى اليوم بالصحوة الإسلامية، وإن كان كثير من الدعاة
الإسلاميين يتجاهلون هذه الحقيقة، ولا يربطون الصحوة بالدعوة السلفية الحقة،
لكن الحقيقة هي أن الصحوة الموجودة اليوم والتي يعبر عنها بالرجوع إلى الأصل
(الكتاب والسنة) ، ونحن نعبر عن هذا الرجوع بعبارة أدق كما هو معلوم من
محاضراتنا.
إن الدعوة إلى الكتاب والسنة يجب أن يقرن بها الدعوة إلى منهج السلف
الصالح في فهم هذين المصدرين الوحيدين، وإن كان الآخرون لا يدندنون حول هذا
المنهج مع أنه ضروري جداً، إذ عدم الاهتمام به هو سبب الفرقة القديمة المعروفة
تاريخياً، والفرق الحديثة الموجودة اليوم، ولم يكن سبب هذا وذاك إلا عدم الرجوع
إلى فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح.
أقول: إن الدعوة السلفية - مع انتشارها وما نتج عنها من هذه الصحوة ...
العصرية - مجملة تحتاج إلى علماء يبينون أولاً تفصيل الكلام حولها، وتوسيع
دائرة الدعوة السلفية، إنها هي الإسلام بكل تفاصيله تجمع كل شؤون الحياة.
هذا التعميم في البيان للدعوة السلفية بحاجة إلى علماء عاشوا حياتهم يدرسون
الكتاب والسنة ويدعون الناس قولاً وكتابة وعملاً، فإن كثيراً من الشباب الذين
يتبنونها، يستعجلون الدعوة إليها قبل أن يفهموا تفاصيلها، ومن آثار ذلك كثرة
الرسائل والمؤلفات التي تطبع في العصر الحاضر من مؤلفين عديدين جداً، ولا
تكاد تجد في هذه الكثرة الكاثرة من هؤلاء من يشار إليه بأنه شيخ، وأعني بكلمة
شيخ المعنى اللغوي (مسن وكبير) وأعني أيضاً المعنى العرفي: أنه متمكن في علمه، هذا الشباب المتحمس لم يدرس الإسلام دراسة على الأقل تسوغ له أن يؤلف وأن
يدعو الناس سواء بكتاباته أو بمحاضراته.
* ظاهرة الكتب الكثيرة الآن ظاهرة غير صحية؟
ج: أبداً أبداً تنبئ بصحوة، وتنذر بآن واحد، ومن نتائج هذه الظاهرة كثرة
الناشرين والطابعين مع قلتهم في الزمن السابق، القلة السابقة وإن كانوا اتخذوا
الطباعة والنشر مهنة للعيش -وهذا لا بأس به شرعاً - ولكن كانوا في الغالب
يشكلون لجاناً علمية، لا يطبع الكتاب إلا بعد مروره على هذه اللجنة. أما الآن مع
الأسف الشديد نجد الأمر أن النشر هو للتجارة وليس لخدمة العلم، وتجد لافتات
ضخمة يقال أن هذا الكتاب قام على تحقيقه أو التعليق عليه لجنة من أهل
الاختصاص وحينما تقرأ تحزن لكثرة الأخطاء المطبعية، مع شعورك بأنه لم يحقق!
تعاون المؤلفون المحدثون مع الناشرين في غزو المكتبات بشتى المؤلفات،
تجد رسائل متعددة في موضوع واحد، هذا يأخذ من هذا وهذا يأخذ من ذاك وليس
هناك علم جديد.
قبل أمس اتصل بي أحد الجزائريين، أعجبتني لغته. مع أن لغة الجزائريين
صعبة فلهجتهم غير لهجتنا ولكن هذا الأخ كانت لهجته عربية فصحى لا يلحن،
ماذا سألني، قال: أنا بصدد جمع أوهام الحافظ الذهبي في تلخيصه للمستدرك التي
أشرت إليها في كتبك حيث تقول أنت مثلاً: أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط
مسلم ووافقه الذهبي، فما رأيك؟ قلت له: لا تفعل، ولئن فعلت فاجمع لنفسك، لأني
أريدك ألا تكون إمعة، ولا مقلداً، لا لبكر ولا لزيد ولا لناصر، نريد منك أن تنشر
جهدك واجتهادك وكل إنسان يستطيع أن يجمع قول فلان مع قول فلان ويؤلف
رسالة، ماذا يستفيد الناس من هذا المجهود هكذا أقول لطلاب العلم، لا تتسرعوا
في التأليف والنشر وأضرب لهم مثلاً: عندي كتاب هو أول كتاب يمكن أن يقال أنه
تأليفي وهو في مجلدين واسمه: (الروض النضير في ترتيب وتخريج معجم الطبراني الصغير) ألفته وكان عمري ٢٥ سنة، حينما يراه الإنسان يتعجب من الجهد ومن العناية بالخط، أما الآن بعد أن بلغت من الكبر عتياً أستفيد منه كثيراً، ولكن لا أرى أنه صالح للنشر، لماذا؟ ، لأنني أستدرك على نفسي بنفسي، وهناك مثال واضح جداً، كنت أنا مع الجمهور الذين إذا رأوا حديثاً بإسناد كل رجاله ثقات إلا شخصاً واحداً وثقة ابن حبان، كنت أقول هذا إسناد صحيح، على هذا جريت في هذا الكتاب، لكن فيما بعد، رأيت أن توثيق ابن حبان لا يوثق به، والآن من فضل الله علي وعلى الناس أن كثيراً ممن عنوا بعلم الحديث أصبحوا يقولون كما صرت أنا أقول لا كما كنت أقول، ثم جدّ معي شيء عثرت عليه منذ بضع سنين أن وجه الصواب في الذي نشرته وانتشر عن ابن حبان، الصواب فيه أنه ليس على إطلاقه (يعني لا يقول أحد أن توثيق ابن حبان لا يوثق به) تبين لي هذا من الممارسة العملية، هذه نقطة لم تذكر في علم المصطلح، صرت أقول: توثيق ابن حبان لا يوثق به إلا إذا كان هذا الموثق له رواة كثيرون عنه، إذا كانوا ثقات، عندئذ تطمئن النفس إلى الاعتداد بتوثيق ابن حبان ثم حصلت عجائب، الناشئون الذين أخذوا تنبيهي الأول صاروا يردون علي: أنت لماذا تصحح هذا الحديث وفيه فلان، لم يوثقه إلا ابن حبان؟ ! طبعاً أبين لهم الآن أنه تكشف لي كذا وكذا.. وليس بشيء تفردت به، هذا غير مذكور في علم مصطلح الحديث، لكن يفهمه الإنسان بالممارسة..، الخلاصة، نحن نريد الآن من ... الناشئ ألا يتسرع.
س: بعض الناس ينتقدون منهج الجامعات الإسلامية في طرق التعليم، وأنهم
لا يخرجون طلبة علم مؤهلين ليكونوا علماء، ما هي الطريقة المثلى للتعلم برأيكم؟
ج: الجامعات ليس بإمكانها أن تخرج علماء، لكن الجامعات تهيئ الطلبة
ليكونوا علماء، والحق أن الذين يتخرجون لا يقومون بواجبهم، لا يتابعون
الاستفادة من القواعد العلمية والتوجيهات التي تلقوها من أساتذتهم لينكبوا على العلم، ثم عند النضج العلمي كتابة ومحاضرة ونشراً، فأصبح جل هؤلاء المتخرجين
همهم أن يصبحوا أساتذة ومعلمين أو أن يصبحوا موظفين كبار في بعض الدول.
إن مصيبة العالم الإسلامي اليوم هي فقدان التقوى، فقدان التربية، وفي
اعتقادي أن الناس لا يختلفون في أن العلم وحده لا يكفي بل قد يضر صاحبه.
س: أعتقد أن هناك ضعفاً في طرق التعليم، وكذلك في المناهج المقررة، ما
رأيكم؟
ج: ليس عندي دراسة للمنهج حتى أفيدك، ولكن عليك أن تلاحظ في
الجامعات عدد السنين التي وضعوها والأوقات التي حددوها والتي لا تساعد على
دراسة العلم كما كانوا قديماً يدرسون، في بعض جامعات الهند أو في بعض الحلقات
على الطريقة القديمة كنت أسمع أنهم يدرسون الكتب الستة فعرفت فيما بعد أنهم
كانوا يدرسونها للبركة، الأوقات التي تنظم في الجامعات لا تساعد على التوسع في
المناهج، أضرب لك مثلاً بشخصي: أنا يوم كنت هناك بالجامعة، كان من
المقررات الجزء الأول من (سبل السلام) فأنا ما استطعت أن أنهي من المقرر إلا
أقل من الربع، لأني كنت أدرس الحديث الواحد في حصتين، ضاق الطلاب ذرعاً، فراحوا يشكونني إلى الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة يومها، وكنا نلتقي
بالرئيس والأساتذة فقال لي: إن الطلاب يشكون من تطويلك، فقلت له: صحيح،
لكن هناك أقوال وأحكام مختلف فيها بين المذاهب، لا بد أن أذكر دليل كل واحد
وأعمل تصفية، فقال لي: اكتف بما يحضرك، ولا تذكر كلام العلماء بالتفصيل.
الطلاب الذين يتخرجون إن لم يتابعوا الخطأ في الدراسة ويتوسعوا فيها لانجد بينهم
علماء، والسبب أن الطالب عندما يأخذ شهادة الدكتوراه يصبح أستاذاً في الجامعة أو
يتوظف في دائرة من الدوائر، فهو لا يستثمر المفاهيم والقوانين التي تلقاها، كما لا
يتفرغ للعلم وللعلم فقط.
س: ألا ترون إحياء حلقات العلم إتماماً للدراسات الجامعية؟
ج: نعم، ولكن نعود إلى المشكلة، من الذي يدرِّس؟
س: نعود إلى بعض النواحي العلمية، سمعت من بعض الإخوة الدكاترة في
الجامعات الإسلامية وطلبة العلم نقداً لطريقتكم في تقسيم كتب السنن إلى صحيح
وضعيف يقولون: ربما يتبين لكم بعدئذ أن هذا الحديث ضعيف أو العكس، فما
رأيكم؟
ج: هذا ممكن وواقع وماذا يريدون؟
س: لو تبقى سنن أبي داود وتعلقون عليه في الهامش فيبقى الكتاب كاملاً كما
ألفه أبو داود؟
ج: هذه مشكلة، ولكن لنترك صحيح أبي داود وضعيفه.
أنا عندي الآن سلسلتان: الصحيحة والضعيفة كما تعلم، وكثيراً ما يقع أن
أنقل حديثاً من الصحيحة إلى الضعيفة، وبالعكس، وهذا مستنكر عند الجهلة،
ومقبول مشكور جداً عند أهل العلم؛ ما الفرق بين الصورة الأولى والصورة
الأخرى؟ ربما بعد سنوات نعيد طبع سنن أبي داود وأنا من فضل الله علي نادراً ما
أعيد طباعة كتاب إلا وأعيد النظر فيه، لأنني متشبع أن العلم الصحيح لا يقبل
الجمود، وأنا أتعجب من مؤلف ألف كتاباً من عشرين سنة خلت ويعيده كما هو لا
يغير ولا يبدل، ما هذا العلم، هل هو وحي من السماء؟ أم جهد إنسان يخطئ
ويصيب، ولنفرض أننا استجبنا لهؤلاء وأعدنا طباعة الكتاب وانتقلت أحاديث من
الضعيف إلى الصحيح وبالعكس فنعود لنفس القضية، ومن الممكن أن ننقل هذا
الاقتراح إلى مختصري للبخاري، ولكنهم لم يقولوا: دع البخاري كما هو؛ ولكنهم
يقرونه ولا ينكرونه، وأنا أقول الحقيقة انني لما بدأت بتقسيم سنن أبي داود من
نحو أربعين سنة إلى صحيح وضعيف، عرضت وجوه النظر أمامي تماماً، قلت:
أفعل هذا أو هذا، ثم ترجح عندي وأيدني في ذلك بعض الأدباء الحريصين على
العلم مثل الأخ حمدي عبيد، أيدني في جعل السنة قسمين، ترجح عندي وفي داخل
مشروعي تقريب السنة بين يدي الأمة من جهة، ومن جهة ثانية تقريب السنة
الصحيحة وليس الضعيفة، وبعدئذ لا خوف، لأن عامة الناس ليسوا بحاجة إلى
معرفة الضعيف، وإنما يحتاج ذلك خاصتهم، فإذا كان رجل من عامة الناس أقدم له
صحيح أبي داود وأقول هذا حسبه، أما الخاصة فيجب عليهم معرفة الضعيف،
فالمفروض أنهم موجهون للناس. لقد ترجح عندي ذلك وقدوتي في ذلك الأئمة:
أئمة الصحاح مثل البخاري ...
س: أستاذنا، هل هناك بعض الفتاوى الفقهية، قلتم بها من زمن ثم رجعتم
عنها لإطلاعكم على أدلة أقوى؟
ج: ربما بلغك عني إشاعة أني تراجعت عن القول بتحريم الذهب المحلق
على النساء، فهذا كذب، وربما هناك إشاعات أخرى وكلها ليس لها أصل.
س: نعود إلى النقطة التي ذكرتموها في أول الحديث، وهي أن منهج أهل
السنة يحتاج إلى تفصيل حتى يساعد المسلمين عل حل مشكلاتهم. هل نستطيع أن
نقول أن الخطوط العريضة لهذا المنهج، وأعني طريقة تفكير واستدلال أهل السنة
هو ما كتبه الشافعي في الرسالة أو الشاطبي في الموافقات أو ابن تيمية في كثير من
كتبه وخاصة (درء تعارض العقل والنقل) ؟
ج: نعم هؤلاء العلماء الذي ذكرتهم من نوادر علماء المسلمين، الذين يتمثل
المنهج العلمي السلفي في كتبهم.
س: أستاذنا هل عندكم زيادة عما كتبه الأخ الشباني بالنسبة لحياتكم الشخصية؟ ...
ج: ليس عندي زيادة وما كتبه فيه الكفاية.
س: سؤال أخير، ما هي نصيحتكم للشباب المسلم في هذا العصر؟ ...
ج: نصيحتي في ناحيتين: ربما فهمت الأولى من كلامي السابق، أن يتفقهوا
بالدين اعتماداً على قوله ﵊: «من يرد الله به خيراً يفقهه في
الدين» وأن لا يكتفوا بالعلم دون العمل، لأن الحقيقة التي ألمسها لمس اليد كما
يقال أن أكثر شبابنا الناهض اليوم همته في النواحي الفكرية دون الناحية العلمية
والعملية لذلك أنا أنصح هؤلاء أولاً أن يتوسعوا ما استطاعوا بمعرفة العلم الصحيح
المستقى من الكتاب والسنة إما بأشخاصهم إذا أمكنهم أو بالاستعانة بأهل العلم، وأن
لا يقدموا على شيء يصدر عنهم عن جهل اعتماداً على ثقافتهم القليلة الضحلة، هذا
من جهة، ومن جهة أخرى أن يهتموا بالعمل أكثر مما يهتمون بالعلم، لأننا نرى
مع الأسف الذين يهتمون بالعلم أكثرهم لا يعملون، وبالأولى أن الذين لا يهتمون
بالعلم ألا يعملوا، فليعكسوا الأمر، عليهم أن يهتموا بالعمل أكثر من العلم، فإذا كان
أهل العلم يتركون العمل، فالأحرى بغيرهم ممن لا يعلم أن يترك العمل أيضاً،
فعلى أهل العلم وطلبته أن يصرفوا جهودهم إلى العمل ويعكسوا الحال الحاضرة إلى
علم وعمل كثير لتتعدل كفة النقص في المجتمع.
فكما لا ينفع علم بلا عمل فكذلك لا ينفع عمل دون علم وهذه حقيقة - ولله
الحمد - متفق عليها بين علماء المسلمين، هذه نصيحتي للشباب المسلم الناشئ في
هذا العصر.
وشكرنا الشيخ على هذه الفرصة الطيبة. فجزاه الله خيراً ومد الله في عمره
وبارك فيه. ونرجو أن يكون لنا معه لقاء آخر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 718
أحاديث الفتن والفقه المطلوب
د. مأمون فريز جرار
إننا نجد من النبي ﷺ حرصاً على أن يظل المسلم بعيداً
عن الفتن، لا يشارك فيها بسيف، بل ينأى عنها إن استطاع، فهو يوصي المسلم
أن يتلف ما كان بين يديه من وسائل الفتن، بكسر السيف أو دق حده بحجر لكيلا
يستخدمه أحد في الفتنة، وكسر القسي وتقطيع الأوتار، ولننظر في هذا الحديث
الذي يرويه أبو بكر عن النبي ﷺ : (إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون
فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا
نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه،
ومن كان له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من
لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر،
ثم لينجو إن استطاع النجا. اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟
قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد
الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال:
يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار [١] ) .
ويروي أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ قوله: «إن
بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً،
ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من
الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة فإن دخل
على أحدكم فليكن كخير ابنيّ آدم» [٢] .
وبيّن الرسول ﷺ للمسلم ما يفعله عند وقوع الفتن وهو
الاكثار من العبادة وذلك في قوله:
«العبادة في الهرج كهجرة إليّ» [٣] .
ولم يقتصر تحذير النبي ﷺ من الفتن على توجيهات
تكف المسلم عن المشاركة فيها بالسيف، أو على الفرار منها بل نجد إلى جانب ذلك
تحذيراً من دعاة الفتنة الذين يدعون الناس إلى النار، ونجد بياناً بصفاتهم حتى
يحذرهم المسلم، وأمراً نبوياً لطريق التعامل معهم. قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فأن تموت وأنت عاض على جذع
شجرة خير لك من أن تتّبع أحداً منهم» [٤] .
وجاء في حديث آخر عن حذيفة فيه شيء من التفضيل عن هؤلاء الدعاة: (قال رسول الله ﷺ : يكون دعاة على أبواب جهنّم من أجابهم
إليها قذفوه فيها. قلت يا رسول الله، صفهم لنا. قال: هم قوم من جلدتنا، يتكلمّون
بألسنتنا. قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال فالزم جماعة المسلمين وإمامهم،
فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة
حتى يدركك الموت وأنت كذلك) [٥] .
وقد بين الرسول ﷺ للمسلمين ما سيطرأ عليهم من
الفتن من خارج مجتمعهم، وما سيكون بينهم وبين أعدائهم من الملاحم، فحدثهم عن
الدّجال وفتنته، ونصر اليهود له، وأن منهم سبعين ألفاً من يهود أصبهان، وبيّن
لهم من أين سيخرج، وأين سيبلغ من الأرض، وما الذي يفتن الناس به، وما الذي
يعصم منه ... كل ذلك في تفصيل دقيق عجيب، يدل على مدى حرص النبي -
﵊ على تأمين السلامة للمؤمنين في عصره وفي العصور التالية
إلى يوم القيامة.
وسأورد لمحات منها ومن شاء التفصيل فليرجع إلى مواطنها [٦] .
لقد بيّن النبي ﷺ مكان خروج الدجال فقال: «إنه ...
خارج خلّة بين الشام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً، يا عباد الله
فاثبتوا» [٧] .
ولنقف عند هذا النداء النبوي الكريم الذي يخترق القرون ليبلغ أسماع مؤمني
ذلك العصر يدعوهم إلى الثبات، ويدلّهم على ما يعصمهم من الدجّال بقوله: «فمن
رآه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف» [٨] ويبطل لهم بنصائحه سحر الدجّال
الذي يخيّل إليهم الأشياء على غير حقيقتها فيقول: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه،
معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماء أبيض، والأخر رأي العين نار تأجج،
فإما أدركنّ أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً وليغمضّ ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه،
فإنه ماء بارد، وإن الدجّال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرأه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب» [٩] .
وحدّث المسلمين عمّا سيكون بينهم وبين اليهود في آخر الزمان وقبل قيام
الساعة من قتال: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم
المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر:
يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر
اليهود» [١٠] .
ويحدثنا النبي ﷺ عن صراع يقع بين المسلمين والروم
الذين يغزون بلاد الشام، ويغزوا المسلمون بلادهم، ويحدثنا عن فتح القسطنطينية، وهو فتح آخر غير الذي تم من قبل، وهذا القول ليس من عندي بل يدل عليه
هذا الحديث الصحيح الذي يربط بين ذلك الفتح وظهور الدجّال على أثره، ولنقرأ
هذا الحديث بإمعان: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق،
فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت
الروم: خلّوا بيننا وبين الذين سبوا منّا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخليّ
بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم، ويقتل ثلثهم،
أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبداً، فيفتحون قسطنطينية،
فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علّقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: (إن
المسيح قد خلفكم في أهلكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج،
فبينما هم يعدون للقتال يسوّون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم
﵇، فأمهّم، فإذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه
لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته) [١١] .
وللنظر في الحديث التالي وما فيه من (الفقه السياسي) ثم ما فيه من الأخبار ...
عن الملحمة الكبرى التي ستكون بين المسلمين والروم. قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - (ستصالحكم الروم صلحاً آمناً، ثم تغزون أنتم وهم عدواً، ... فتنتصرون وتغنمون وتسلمون، ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع رجل من أهل الصليب الصليب فيقول: غلب الصليب! فيغضب رجل من المسلمين فيقوم اليه فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة، وفي زيادة: فيجتمعون للملحمة حينئذ تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا [١٢] ) .
ويبين الرسول ﷺ بعض أنصار الدين في زمن الملاحم فيما
يرويه أبو هريرة (إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثاً من الموالي هم أكرم العرب فرساً، وأجوده سلاحاً، يؤيد الله بهم الدين [١٣] ) .
أما بعد:
فإني لم أرد فيما أوردت من أحاديث الفتن أن أستقصي أو أن أستوعب، وإنما
هي شذرات منها أردت أن أستثير بها همم القادرين من أهل العلم إلى الكتابة في فقه
أحاديث الفتن وتقديم دراسات تستخلص ما فيها من الدروس التي تناسب عصرنا.
لقد ألفّ كثير من العلماء عبر العصور في أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة،
ولكنّ مجال فقهها ما يزال باباً مفتوحاً لكل من أوتي فهماً في حديث رسول الله -
ﷺ ، وبصيرة في أحداث التاريخ والواقع. لقد ربط ابن كثير
في البداية والنهاية بين أحاديث الفتن، ولكنه وقف في ذلك على عصره، وبقيت
العصور التالية تنتظر من يربط بين أحداثها ونبؤات النبي - صلى الله عليه
وسلم -.
ولعل قائلاً يقول: أي فائدة ترجى من هذا العلم ونحن في عصر التخطيط
والتنظيم الدقيق؟ أليس البحث في هذا نوعاً من الهروب من الواقع أو الاستنامة
على نبؤات؛ الله أعلم بها متى تقع؟
وأقول: إن النبي ﷺ لم يقل تلك الأحاديث عبثاً، ولم
يلحّ في الحديث عن الفتن لتسوّد بها صفحات من كتب الحديث، أو لتفرد في
مؤلفات تقرأ للبركة وتبيّن صدق نبوته ﵊ فحسب! وإنما قالها
ليفقهها عنه المسلمون المعنيون بها في كل عصر من العصور، أنها جزء من
الرسالة التي حمّلها وأشهد عليها بقوله (ألا هل بلغت) والمطلوب من المسلمين
فهمها كما أراد النبي ﷺ أن تفهم، والعمل بالوصايا التي
ضمّنها إياها.
إن كثيراً من الأحاديث إنما هي أشبه بالرؤيا! ولا يفقه الرؤيا على حقيقتها إلا
من آتاه الله علم تأويل الأحاديث، وهذا الصنف هو المرشّح لدراسة هذه الأحاديث
وفقه ما فيها وبث هذا الفقه بين المسلمين لتؤتي ثمارها الطيبة بينهم، ويعرفوا
مواطئ أقدامها، فيعرف المسلم متى يعتزل الناس ويتبع بغنمه شعب الجبال ومواقع
القطر يفر بدينه من الفتن، وعلينا أن نذكر أنه إذا كان بعض المسلمين ينعمون
بدينهم ولا يحول بينهم وبينه حائل، فكم من المسلمين في الأرض رفعت بينهم
وبينه السدود، وحالت بينهم وبينه القيود، فأين فقه أحاديث الفتن الذي يستنيرون
به؟
إن البحث في فقه أحاديث الفتن وأشراط الساعة لا يخص الفرد المسلم وحده،
بل يمتد إلى الجماعات العاملة للإسلام لتنظر في ضوئه في غاياتها ووسائلها، وأي
عمل اسلامي لا يستنير بفقه أحاديث الفتن يظل في رأيي غائم الوجهة والأساليب.
بل إن فقه أحاديث الفتن ضروري للدولة التي تلتزم بالإسلام، وقد مرّ بنا من قريب
الحديث الذي بين أن المسلمين في آخر الزمان يتحالفون مع الروم في قتال عدو
مشترك! وإن من يفقه أحاديث الفتن يستطيع من خلال إدراكه لروح العصر أن
يمتلك وعياً سياسياً يتنبأ به بما يخالف الرأي السائد! ! . وأضرب عل ذلك مثلاً
سمعته من أحد الثقّات يحدّث عن رجل صالح كان في الأردن، هو الشيخ الدبّاغ،
لقد كان هذا الشيخ يقول للناس ويقسم أن بريطانيا وحلفاءها سينتصرون في الحرب
العالمية الثانية على ألمانيا! وكان الناس يعجبون من ذلك! بل لقد أسرّ إليه بعض
المقربين أن الشكوك بدأت تحوم حوله.. بأنه يقوم بالدعاية لبريطانيا: وقد بيّن
الشيخ ﵀ الأساس الذي بنى عليه يقينه وهو أنه ربط بين حديث الرسول
ﷺ الذي بين أن المسلمين سيقاتلون اليهود قبل قيام الساعة،
وبين أحداث عصره، فبريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين هي التي رعت فكرة
قيام الدولة اليهودية منذ وعد بلفور وما تلا ذلك من أحداث ولن تقوم لليهود دولة إلا
إذا انتصرت بريطانيا! ولو انتصرت ألمانيا لتبدد الحلم اليهودي في الدولة! وقد
كان ما فهمه الشيخ من حديث الرسول ﷺ وفسرّ به أحداث
عصره، بل تنبأ بالشيء قبل أن يكون! ! وأقول في ضوء هذا: إننا بحاجة إلى
مراجعة واعية للأحاديث التي ذكرت كثرة الروم (أي النصارى) في آخر الزمان،
وقتال المسلمين لهم، ومواضع هذا القتال، ثم فتح القسطنطينية ورومية، ونصر
اليهود للدجّال وقتل المسيح ابن مريم ﵇ له في باب اللدّ في فلسطين،
ولنضع ذلك بين أيدي العاملين للإسلام أفراداً وجماعات ودولاً!
إن البحث في هذه الأحاديث وفقهها ليس من نافلة القول أو العمل وليس من
باب الترف العلمي، أو الخدر العقلي، بل هو جزء من التخطيط والتفكير والتدبير
المستهدي بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
وللنظر في تلك التفصيلات الجزئية التي وردت في بعض الأحاديث وما فيها
من التوجيهات النبوية لتفادي آثار بعض الفتن. مما سبق ذكره ومما هو مفصل في
كتب الصحاح.. ولننظر بعد ذلك في شأننا هل نوكل إلى نفوسنا وتخطيط عقولنا أم
نستهدي بما صحّ من أحاديث الفتن؟ !
فهل نجد من أهل العلم والفقه في الحديث النبوي والتاريخ وفقه الواقع
المعاصر والتبصر فيه من يتصدى لهذا العمل ويضعه بين أيدي المسلمين ليكون
هداية لهم.. وليعرفوا مدى حب النبي ﷺ لهم وحرصه على
نجاتهم من الفتن.. ويجدوا وهم يقرؤون ذلك تفسيراً عملياً لقول الله
في وصف نبيه ﵊: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [التوبة: ١٢٨] .
стр. 719
خواطر في الدعوة
هندسة العلاقات الاجتماعية
محمد العبدة
من أشد الأمور فتكاً بالدعوة أن تصاب من الداخل، سواء بضعف الصف أو
بتقطع شبكة العلاقات الاجتماعية فيما بين أفرادها، كالتدابر والتحاسد والتغالب على
المناصب، وقد تكون هذه الأمور واضحة لا يقع فيها كثير من المخلصين، ولكن
هناك أمور أخفى من ذلك تستحق التأمل والوقوف عندها طويلاً، ذلك عندما يكون
الوعي الاجتماعي ضعيفاً، ولا نعلم: كيف نتحاور، كيف يرد بعضنا على بعض،
كيف يحترم الكبير، تأجيل موضوع إذا استغلق حتى لا يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، كيفية المعاتبة والنصح ... الخ.
وقد يكون السبب عدم اهتمامنا بهذه النواحي أصلاً، لأن الاهتمام منصب على
العلم والفكر، مع أن قضية العلاقات الأخوية بحاجة إلى هندسة خاصة، نحتاج إلى
معرفة النفسيات والطباع، ومعاملة كل أخ حسب ما يناسبه، فلا نستطيع أن نطبع
البشر بطابع واحد، أو نصبهم في قوالب جامدة، فالرجال أنواع، فهناك البسيط
المنفتح وهناك الانطوائي الاجتماعي، ومن يحب العزلة، والجريء والخجول ...
ورسول الله ﷺ هو القدوة في ذلك، كيف كان يعامل أصحابه
مع اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، كان أبو بكر هيناً ليناً وكان عمر شديداً، وعثمان
حيياً، ويبدو أن شخصية علي لم تفهم من بعض الصحابة فقد جاء في السيرة أن
الرسول ﷺ سأل الزبير بن العوام عن حبه لعلي فقال الزبير: كيف لا أحبه وهو ابن خالي وعلى ديني فقال الرسول ﷺ
(ستقاتله وأنت له ظالم) وأظن أن الرسول ﷺ أراد أن ينبه الزبير وغيره إلى جوانب من شخصية علي قد تفهم على غير مرادها. ...
ويبدو أن الزبير ﵁ نسي هذا الحديث، فعندما ذكّره به علي
في معركة الجمل تذكر وترك القتال فوراً، إن رسول الله ﷺ
كان يعرف نفسية علي التي أخطأ فهمها بعض الصحابة، والآن تجد الأخ يظن
ويعتقد أن في أخيه صفة غير محمودة، ويعامله على هذا الأساس لسنوات وأخوه لا
يعلم بهذا، ولا هو يحاول أن يسأله أو يستفسر منه حتى يتأكد، هل هذه الصفة فيه؟
فيقع في الظلم، ثم قد يتبين له الحق ولكن بعد أن تصاب العلاقات الأخوية
بالشلل.
إنها مصيبة أن يحدث هذا مع حسن النوايا، وذلك كله بسبب الاطلاع النظري
والعيش مع الكتب دون معرفة الواقع والتعامل معه، فقد يكون الرجل صامتاً أو
مداعباً ممازحاً، فيخوض الناس فيه وهو لا يدري. لماذا لا نستفيد من السيرة
النبوية، ولماذا لا نفكر في واقعنا ونحاول التعرف عل أسباب الخلل وهي كثيرة مع
الأسف.
стр. 720
في العمل والدعوة
دعوها فإنها منتنة ! !
بقلم: د. محمد محمد بدري
تحوي الحركة الإسلامية المعاصرة عناصر طيبة من الدعاة المخلصين
المتجردين العاملين من أجل الإسلام، ومع أن عمل هؤلاء الدعاة عمل جاد
ومتواصل. إلا أن الفرقة والاختلاف بين أفراد الحركة الإسلامية تجعل جهود
هؤلاء المخلصين تهدر دون الوصول إلى الأهداف المنشودة؟ ! .. وإلى هؤلاء
الدعاة المخلصين، وإلى كل المسلمين أهدي هذه الكلمات ليعلموا أن قضية الفرقة
والاختلاف هي القضية الأخطر التي نواجهها، وأن على كل منا أن يضع على
كاهله مسؤولية منع الفرقة بين المسلمين، بحيث يستوي في نفسه وفي عقله (وحدة
الصف الإسلامي) مع (إنقاذ ذاته من الهلاك) بكل ما في هذه الكلمة من معنى.
محنة الفرقة:
فقد أمرنا الله تعالى بالوحدة والائتلاف، ونهانا عن الفرقة والاختلاف فقال عز
وجل: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] وقال ﷻ : [إنَّ الَذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] وقال : [ولا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ
تَبْيَضُّ وجُوهٌ وتَسْوَدُّ وجُوهٌ فَأَمَّا الَذِينَ اسْوَدَّتْ وجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا
العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وأَمَّا الَذِينَ ابْيَضَّتْ وجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ] ... قال ابن عباس ﵄: «تبيض وجوه أهل السنة
والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة» وقال : [ولا تَنَازَعُوا
فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] وغيرها كثير من الآيات تأمر بالائتلاف وتحذر من الفرقة.
بل قد حذر الله هذه الأمة من محنة الفرقة وأنها هي السبب
المباشر في هلاكها فقال : [قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن
فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ
نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] .
وروى ابن كثير في تفسيرها بضعة عشر حديثاً في الصحاح، ومنها قوله -
ﷺ : «سألت ربي ثلاثاً، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق
فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم
بينهم فمنعنيها» .
وفي حديث ثوبان في صحيح مسلم. قال رسول الله ﷺ
«إن ربي قال لي: إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط
عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - حتى
يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً» .
فالحديث يحمل بشرى رسول الله ﷺ لأمة الإسلام أن
أعداء الله لن يستطيعوا استئصالها ولو اجتمعوا عليها من جميع أقطار الأرض..
ولكن الهلاك الحقيقي في أن يتفرقوا فيقضي بعضهم على بعض ويهلك بعضهم
بعضاً.
فالفرقة تجعل هلاك الأمة بيد أبنائها في سلاسل من الحروب في غير معركة،
وانتصارات بغير عدو تحتوي الكدر للمخلصين وتهدر جهودهم؟ ! .
وهذا في الحقيقة يجعل التفرق محنة حقيقية إذا نحن لم نقرر جدياً التخلص
منها.. بل يجعل التفرق مصيبة نرجو الله أن يجعل منها صلاح أمرنا..
واقع المحنة:
إذا كان ما نواجهه من فرقة محنة حقيقية، وكنا نتطلع إلى الوحدة والائتلاف
فإن هذا يقتضي منا أن نخلع أنفسنا من عصبياتنا وننظر إلى واقعنا نظرة عدل
وإنصاف، نظرة مجردة عن الأهواء والأغراض فلا نضع على أعيننا نظارة
المصلحة الحزبية، أو نظارة الصراع على الزعامة والقيادة بل نترك واقعنا يحدثنا
بما فيه دون رقابة أو تزيين، فماذا عساه يقول لنا هذا الواقع؟
إنه يقول، إن الخلاف بين فصائل العمل الإسلامي قد تجاوز حدوده وآدابه
وأحدث آثاراً سلبية تعاني منها المسيرة الإسلامية ويعايشها جميع أفرادها بمرارة،
وهي آثار لا تختص بميدان من ميادين العمل الإسلامي دون ميدان. بل هي في كل
ميادين العمل.. في الفكر.. وفي التربية.. وفي الحركة بل وفي أهداف العمل
الإسلامي ذاتها؟ ! .
١- في ميدان الفكر:
انحصر الانتاج الفكري في كثير من الجهات في فكر المؤسس فصارت
المؤلفات تكراراً لأفكاره أو شرحاً لها أو إشادة بتضحياته وجهاده. وأما مشكلات
الأمة وحاجاتها القائمة فلا بحث عنها ولا عن حلها. بل أكثر من ذلك إذا قام بعض
الأفراد من غير هذا الفصيل بمحاولة للبحث عن حلول لمشكلات الأمة أصبحوا هدفاً
للاتهام بعدم الالتزام، والابتداع في دين الله مهما كانت منزلتهم العلمية أو تاريخهم
الجهادي في الدعوة.
وكم من داعية تنحى عن طريق الدعوة بسبب هذا الإرهاب الفكري. وكم من
جهود فكرية طيبة أهملت بسبب التعصب؟ ! حتى هبط الفكر إلى الانغلاق والجمود.
٢- في ميدان التربية:
حرص كثير من المربين على اجتذاب الأفراد حولهم وغرس مفاهيم الفصيل
الذي ينتمون إليه في عقول الأفراد، وفرضوا حولهم ستاراً حديدياً يحول بينهم وبين
الفصائل الأخرى وقد نتج عن هذه التربية الاحتكارية أن ترسخت في نفوس الأفراد
مفاهيم خطيرة، من أبرزها شهود الأفراد في كل فصيل أن واجبهم الأول هو
محاربة غيرهم ممن لا تتطابق نظرته مع نظرتهم وتطور الأمر إلى أن (من لم يكن
منهم فهو عليهم) وتسبب ذلك في كثرة الفتن والخصومات، بل ربما الوشاية
ببعضهم.
٣- في ميدان الحركة:
على مذابح التعصب غاب مفهوم (الأمة الإسلامية) ليحل محله العصبيات
للأفراد والفصائل، حتى أصبحت هذه العصبيات تفرق أهل المدينة الواحدة،
ويعتلي داعية المنبر الذي كان يقف على مثله رسول الله ﷺ
فلا يتحدث عن أعداء الإسلام وإنما يشن حملة مؤسفة ضد مسلمين مثله فلا يذكر
عنهم إلا النقائص والعيوب ولا ينسب لهم مكرمة واحدة، وفي الجمعة الثانية يشن
خطيب الفصيل الآخر حملة مماثلة ويرد الصاع صاعين! ! .. وتصل الفرقة إلى
حد المأساة عندما يتحول الخلاف إلى عراك حقيقي تسيل فيه دماء مسلمة شاهدة
على السفاهة والجهل! ! ..
وهكذا استنفدت طاقات الأفراد في الخصومات مع إخوانهم، وترك الأفراد
التحديات التي يواجهها المسلمون من داخلهم ومن خارجهم.
٤- في الأهداف والغايات:
تعلق الكثيرون برموز فصائلهم حتى نسوا الهدف وأصبحت تلك الرموز هي
الهدف في النهاية، هذه هي حالنا.. وهذا هو واقعنا في كلمات.. ليست كلمات
ناظر يهوى الحديث عما يراه، أو يحب النظر إلى الحركة الإسلامية من علٍ ويملي
عليها الدروس ولكنها معاناة فرد من أفراد الحركة الإسلامية يريد النصح لها ويحاول
مع غيره من المسلمين رتق خرق الفرقة قبل أن يتسع على الواقع، وتنبيه إخوانهم
إلى خطر الفرقة الداهم ليحاولوا تغيير واقعهم - واقع المحنة.
من يندم يتقدم:
ربما قال بعض إخواننا أن ما ذكرناه في واقع المحنة يعد كشفاً لعورات
الحركة الإسلامية بما يفيد أعداء الإسلام. وهذا في الحقيقة ليس صحيحاً وذلك لأن
ما عرضناه ليس من الأمور التي تخفى على أعدائنا، بل على العكس من ذلك هم
يعلمونها ويستفيدون منها ولهم أدوار خطيرة جداً في تكريس الخلافات بين الدعاة
وزرع التناقضات بين المسلمين سواء عن طريق تضخيم الخلافات بتغطية أخبارها
صحفياً، أو عن طريق إشعال نيران الفرقة بالمقابلات الصحفية لبعض قادة العمل
الإسلامي وسؤالهم عن رأيهم بالآخرين! ؟ .
أو عن طرق أخبث بإقامة السدود أمام كل محاولة نقد أو مراجعة للأخطاء،
وبتقييد الجرأة عل المصارحة والنقد الذاتي! !
ولذلك فإننا لا بد أن نتخلص من عقدة رفض النقد التي طالما سدت علينا
الطريق لتطوير حركتنا، فبيان الحقائق مهما كانت ثقيلة ومريرة أجدى نفعاً من
التهرب منها، والحركة التي تخشى أخطاءها ليست حركة صحيحة وإذا اكتشفت
خطاً من أخطائها ثم التفتت عنه فالأمر أدهى وأمر؟ !
فهل نشرح صدورنا للندم على أخطائنا فيكون ذلك الندم حافزاً لنا على
مواصلة كفاحنا بشعور أشد رهافة بمسؤوليتنا، وتصور أكثر وضوحاً لجوانب
الضعف فينا ولأخطائنا التي كانت سبباً في تخلفنا؟ ! وهل ندرك جميعاً أن (من
يندم يتقدم) .
الراجون رحمة الله:
لا شك أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله
وحده لا شريك له، كما أمر به باطناً وظاهراً. وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر
العبد به، ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة
وبياض الوجوه.
ونتيجة الفرقة: عذاب الله ولعنته وسواد الوجود وبراءة الرسول من أهلها
(ابن تيمية - الفتاوى ١/١٧) .
فالحرص على الاجتماع والائتلاف والموالاة العامة لكل المسلمين على أساس
التقوى سبب من أسباب تنزل رحمة الله، كما أن نتيجة هذه الرحمة من الله أن
تأتلف القلوب وتجتمع بعد الفرقة.
وقد كانت وحدة الأمة ورفع الفرقة هي النعمة الأولى التي امتن الله بها على
المؤمنين فقال : [واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً] ...
وكانت هي النعمة التي امتن رسول الله ﷺ على
الأنصار حين قال لهم: (ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي) ولذلك فالراجون رحمة
الله يحافظون على الجماعة وينبذون الفرقة ويطلبون رحمة الله بذلك فشعارهم (الوحدة والائتلاف ونبذ الفرقة والإِختلاف) .
والراجون رحمة الله: يوالون إخوانهم العاملين للإسلام ولاء عاماً، فلا
يحكمون على فرد بمجرد انتمائه، ولا يحكمون على فصيل من خلال تحرك فرد
من أفراده بل يوالون المؤمن من أي فصيل كان ويتعاونون مع فصائل أهل السنة
وإن كان بعض أفرادها على غيرها.
وصفتهم التي تميزهم [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] . والراجون رحمة
الله يجعلون الحب في الله والأخوة فيه بديلاً للجماعة الواحدة التي
يأملون أن تكون في يوم من الأيام هي (الأمة) المتآخية المتحابة كما أمر رسول الله
ﷺ في قوله:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
وهم يشعرون في إخوانهم أنهم (جمال الدنيا والآخرة) ويعلمون أن (العلم بين
أهل الفضل والعقل رحم متصل) كما يقول الشافعي ﵀.
الراجون رحمة الله: لا يدعون أحداً للتخلي عن شيخه الذي علمه أو جماعته
التي يتعاون معها، وإنما يريدون من كل عامل للإسلام أن يدرك أن شيخه وجماعته
وسيلة لغاية هي الإسلام. ولذلك فلا بد أن يكون ارتباطه بشيخه أو جماعته بقدر
كون هذه الجماعة أو ذلك الشيخ وسيلة إلى هذه الغاية على خير وجه.
والراجون رحمة الله: يعرفون لقادة الحركة الإسلامية وائمتها مقاديرهم
ومراتبهم ولكنهم مع ذلك لا يعطونهم العصمة التي لا تكون إلا لرسول الله - صلى
الله عليه وسلم- فهم يقدرونهم ولا يقدسونهم وهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم.
بل كما يقول ابن القيم «لا بد من معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم
ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ولرسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه،
وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ
علمهم والحق بخلافها لا يوجب إطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان
طرفان جائران عن القصد وقصد السبيل بينهما، ألا نؤثم ولا نعصم، ولا نسلك بهم
مسلك الرافضة في علي، ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن
قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم ولا يقبلون كل أقوالهم ولا
يهدرونها» اعلام الموقعين ٢/٢٧٢.
فالراجون رحمة الله يعلمون قدر كل رجل من رجال الحركة الإسلامية، فمهما
كان عظيماً لا يتعدون به حد الرجل، وإذا أخطأ لا يقللون من قيمته وقدره. فلا
يعصمونه عن الخطأ ولكن يبقون على مكانته وقدره وإن أخطأ. ذلك لأن (من له
علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً - كما يقول ابن القيم - أن الرجل الجليل الذي له في
الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة
والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن
تهدر مكانته وأمامته ومنزلته من قلوب المسلمين) اعلام الموقعين ٢/٢٧٢. ...
الراجون رحمة الله (لا ينتصرون انتصاراً عاماً مطلقاً إلا لرسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وصحابته ﵃. ويعلمون أن الحق والهدى يدور
مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا) كما يقول ابن تيمية.
كلمة لابد منها:
إن الحق لا يختلف عليه أحد طالما اتصف بالعدل والعلم وحسن القصد..
وهي خصال موجودة بحمد الله تعالى في أكثر العاملين للإسلام.
والحق ليس حكراً على أحد طالما أن الكل ملتزم بإطار أهل السنة والجماعة
من رد الأمر عند التنازع إلى الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح ومن اتبعهم
بإحسان من اللائمة الأعلام، ولكل من يرى في أخيه خطأ فعليه أن يرشده وينصحه
ولذلك فإن لنا كلمة نريد بها النصح ولا نبغي بها إحراجاً ونريد بها البناء وليس
الهدم ...
نقول لقادة العمل الإسلامي أننا نعلم أن أكثركم يتحركون بروح أهل السنة
والجماعة ويحرصون على الائتلاف، ولا يقبلون أن يكونوا سبباً للفرقة. ولكن
بعض الذين تربونهم يخوضون في إخوانهم ويتعصبون لكم تعصباً يجاوز حد العدل
والانصاف فيشوهون صورتكم عند غيركم.
ولذلك فنحن نسأل الله أن يوفقكم إلى تهذيب هذا الأمر في نفوس
من تربون، بتحذيرهم من الاختلاف والفرقة وتربيتهم على أن يكونوا دعاة وحدة
وائتلاف.
ونقول لأفراد الحركة الإسلامية أن الكثيرين منكم يحبون الوحدة ويبغضون
الفرقة، ولكنهم وقعوا في أيدي قادة متعصبين فلكم منا كل حب وتقدير واحترام،
ولكنا نطالبكم أنتم قاعدة الدعوة أن تحاسبوا هذه القيادات المتعصبة وأن تسألوهم ماذا
فعلوا من أجل ائتلاف المسلمين ووحدتهم؟ !
ونقول لكل المسلمين: إن أعداءكم يخافون ويفزعون حين يعلمون أنكم
تفكرون في توحيد صفوفكم وجمع كلمتكم، لأنهم يعلمون أن هذا هو طريقكم الأقرب
إلى النصر عليهم والتمكين لدين الله في كل الأرض.
دعوها فإنها منتنة:
إلى من ينفصل بطريق دون إخوانه ويعتقد أن مجموعته هي الوحيدة صاحبة
الحق في الوجود في الساحة الإسلامية وهي الوحيدة صاحبة الفهم الصحيح للإسلام! هذه دعوة للتأمل في قول الله : [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] وكيف قدم الله إرادة التفرق على الاختلاف! !
وأخيراً أذكر بعض الجماعات الإسلامية المتصارعة، المتنافرة، المتناحرة
بما حدث حين كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا
للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع بذلك رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فقال: «ما بال دعوى الجاهلية» قالوا: يا رسول الله كسع رجل
من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال ﷺ : «دعوها فإنها
منتنة» رواه البخاري.
وأقول: إن التعصب لجماعة والولاء لها، ورفض بقية الجماعات التي تنتمي
لأهل السنة والجماعة ومعاداتها هي في حقيقتها دعوى جاهلية يقال لأهلها كما قال
النبي ﷺ للمهاجرين والأنصار «دعوها فإنها منتنة» .
стр. 721
المجتمع الاسلامي
التحذير من نشر الشائعات
هشام اسماعيل
المتأمل في الكتاب والسنة، وفي التاريخ بشكل عام يعلم يقيناً ما للشائعات من
خطر عظيم، وأثر بليغ، فالشائعات تعتبر (من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة
للمجتمعات والأشخاص، وكم أقلقت الإشاعة من أبرياء، وحطمت عظماء،
وهدمت وشائج، وتسببت في جرائم، وفككت من علاقات وصداقات، وكم هزمت
من جيوش، وأخرت من سير أقوام؟ !
لخطرها وجدنا الدول تهتم بها، والحكام يرقبونها معتبرين إياها مقياس
مشاعر الشعب نحو النظام صعوداً أو هبوطاً، وبانين عليها توقعاتهم لأحداث سواء
على المستوى المحلي أو الخارجي.
لسنا مبالغين حين نقول إن ما واجهه النبي ﷺ في
حديث الإفك، هو حدث الأحداث في تاريخه ﵊، فلم يمكر
بالمسلمين مكر أشد من تلك الواقعة، وهي مجرد فرية وإشاعة مختلقة بينت
(السماء) كذبها، لكنها لولا عناية الله كانت قادرة على أن تعصف بالأخضر واليابس، ولا تبقي عل نفس مستقرة مطمئنة، ولقد مكث مجتمع المدينة بأكمله شهراً كاملاً
وهو يصطلي نار تلك الفرية، ويتعذب ضميره وتعصره الإشاعة الهوجاء، حتى
تدخل الوحي ليضع حداً لتلك المأساة الفظيعة. وليكون درساً تربوياً رائعاً لذلك
المجتمع، ولكل مجتمع مسلم إلى قيام الساعة، وصدق الله: [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم
بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] .
وللإشاعة قدرة على تفتيت الصف الواحد والرأي الواحد، وتوزيعه وبعثرته،
فالناس أمامها بين مصدق ومكذب، ومتردد ومتبلبل، فغدا بها المجتمع الواحد
والفئة الواحدة فئات عديدة) [١] .
وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال (كفى بالمرء كذباً
أن يحدث بكل ما سمع) [٢] .
ويقول الإمام مالك -رحمه الله تعالى -: (اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم
الإنسان بكل ما سمع) [٣] .
وقد وقع للمسلمين في العهد الأول شائعات كان لها آثار سيئة، منها الشائعة
التي انتشرت أن كفار قريش أسلموا، وذلك بعد الهجرة الأولى للحبشة، كان
نتيجتها أن رجع عدد من المسلمين إلى مكة، وقبل دخولهم علموا أن الخبر كذب،
فدخل منهم من دخل وعاد من عاد، فأما الذين دخلوا فأصاب بعضهم من عذاب
قريش ما كان هو فار منه.. فلله الأمر .
وفي معركة أحد عندما أشاع الكفار أن الرسول ﷺ قتل، فتّ ذلك في عضد كثير من المسلمين، حتى إن بعضهم ألقى السلاح وترك القتال؟ .
وأدت الشائعات الكاذبة ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁
إلى تجمع أخلاط من المنافقين ودهماء الناس وجهلتهم وأصبحت لهم شوكة، وقتل
على إثرها خليفة المسلمين بعد حصاره في بيته وقطع الماء عنه.
وحادثة الإفك التي هزت بيت النبوة شهراً كاملاً، بل هزت المدينة كلها.
(هذا الحادث: حادث الإفك، قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها
آلاماً لا تطاق، وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها
الطويل، وعلق قلب رسول الله ﷺ ، وقلب زوجه عائشة
التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق وزوجه، وقلب صفوان بن المعطل ... شهراً
كاملاً، علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق) [٤] .
وفي هذا الحديث ربى الله المؤمنين تربية شديدة، ووعظهم موعظة عظيمة،
وهو الحكيم الخبير.
يقول الله تعالى: [إنَّ الَذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ
هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ
عَظِيمٌ] .. فهم ليسوا فرداً ولا أفراداً: إنما هم عصبة متجمعة ذات هدف واحد،
ولم يكن عبد الله بن أبي بن سلول وحده هو الذي أطلق ذلك الإفك، إنما هو الذي
تولى معظمه، وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين الذين عجزوا عن حرب الإسلام
جهرة.. وبدأ السياق ببيان تلك الحقيقة ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره..
ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد: [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ
خَيْرٌ لَّكُمْ] .. فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وأهل بيته،.
وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة بهذه المناسبة عن المنهج القويم في
مواجهة مثل هذا الأمر العظيم ...
أما الذين خاضوا في الإفك، فلكل واحد منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة:
[لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ]
[لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ] .
نعم كان هذا هو الأولى.. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وأن
يستبعدوا سقوط أنفسهم في مثل هذه الحماة.. وامرأة نبيهم الطاهر وأخوهم
الصحابي المجاهد هما من أنفسهم، فظن الخير بهما أولى، فإنه مما لا يليق بزوج
رسول الله ﷺ ولا يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إلا خيراً..
كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ﵄ ... [وهذا
يدل] على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه وأستفتى قلبه، فاستبعد أن يقع ما
نسب إلى عائشة، وما نسب إلى رجل من المسلمين من معصية لله وخيانة لرسوله، وارتكاس في حمأة الفاحشة لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة.
هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور:
خطوة الدليل الباطني الوجداني.
فأما الخطوة الثانية؛ فهي طلب الدليل الخارجي البرهاني الواقعي:
[لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ
الكَاذِبُونَ] .. وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات، وأطهر الأعراض، ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة، وأن تشيع هكذا دون تثبيت ولا بينة،
وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكها الأفواه دون شاهد ولا دليل: [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ
شُهَدَاءَ] وهم لم يفعلوا فهم كاذبون إذن ...
وهاتان الخطوتان: خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير،
وخطوة التثبت بالبينة والدليل.. غفل عنهما المؤمنون في حادث الإفك، وتركوا
الخائضين يخوضون في عرض رسول الله ﷺ وهو أمر
عظيم لولا لطف الله لمس الجماعة كلها البلاء العظيم، فالله يحذرهم أن يعودوا لمثله
أبداً بعد هذا الدرس الأليم: [ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ
لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ... ] .
لقد احتسبها الله للجماعة الناشئة درساً قاسياً، فأدركهم بفضله ورحمته ولم
يمسهم بعقابه وعذابه، فهي فعلة تستحق العذاب العظيم؛ العذاب الذي يتناسب مع
العذاب الذي سببوه للرسول ﷺ وزوجه وصديقه وصاحبه
الذي لا يعلم عليه إلا خيراً ... والقرآن يرسم لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام،
واختلت المقاييس، واضطربت فيها القيم، وضاعت فيها الأصول:
[إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً
وهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ] ..
وهي صورة فيها الخفة والاستهتار، وقلة التحرج، وتناول أعظم الأمور
وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام: [إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ] .. لسان يتلقى عن لسان،
بلا تدبر ولا ترو ولا فحص وإنعام نظر، حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا
تتملاه الرؤوس، ولا تتدبره القلوب!
[وتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ] .. بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقولكم
ولا بقلوبكم.. [وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً] أن تقذفوا عرض رسول الله، وأن تدعوا الألم
يعتصر قلبه وقلب زوجه وأهله.. [وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ] .. وما
يعظم عند الله إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي، وتضج منه الأرض
والسماء ...
[ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ
عَظِيمٌ] ...
وعندما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزها هزاً، وهي تطلعها على
ضخامة ما جنت، وبشاعة ما عملت.. عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل
هذا الأمر العظيم: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] ..
[يَعِظُكُمُ] .. في أسلوب التربية المؤثر، في أنسب الظروف للسمع
والطاعة والاعتبار مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان:
[يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً] ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة [إن
كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [٥] .
والذي ينبغي على المسلم عند سماعه مثل هذه الإشاعات والأخبار أن:
١- أن يقدم حسن الظن بأخيه المسلم، وهو طلب الدليل الباطني الوجداني،
وأن ينزل أخيه المسلم بمنزلته، وهذه هي وحدة الصف الداخلي: [لَوْلا إذْ
سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً] .
٢- أن يطلب الدليل الخارجي البرهاني: [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] .
٣- أن لا يتحدث بما سمعه ولا ينشره، فإن المسلمين لو لم يتكلموا بمثل هذه
الشائعات لماتت في مهدها ولم تجد من يحيها إلا من المنافقين: [ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ
قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا..] .
٤- أن يرد الأمر إلى أولي الأمر، ولا يشيعه بين الناس أبداً، وهذه قاعدة
عامة في كل الأخبار المهمة، والتي لها أثرها الواقعي، كما قال تعالى: [وإذَا
جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ
قَلِيلاً] [النساء: ٨٣] .
والشائعات إذا حوصرت بهذه الأمور الأربعة، فإنه يمكن أن تتفادى آثارها
السيئة المترتبة عليها، ولكن ليس الإشكال في هذا بل الإشكال أن هناك فريق من
المؤمنين يرضون أن يستمعوا لمثل هذه الإشاعات، هذا فضلاً عن فريق من
أصحاب القلوب المريضة التي تحب البحث ونشر مثل هذه الأمور، وقد بين الله
ذلك بقوله تعالى: [وفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ] [التوبة: ٤٧] أي للمنافقين المغرضين،
وهذا هو الداء الكبير، وهو أن يرضى فريق من الناس الاستماع إلى مثل هذه
الشائعات، وإلى كلام المنافقين والمغرضين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى - (فأخبر أن المنافقين لو
خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاً، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين،
يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم: (١) إما لظن
مخطئ، (٢) أو لنوع من الهوى، (٣) أو لمجموعهما..) [٦] .
ولذلك فالنقطة الخامسة:
٥- عدم سماع ما يقوله الكذابون، والمنافقون، والمغتابون، وأصحاب
القلوب المريضة، وعدم الرضى بذلك، كما هو منهج السلف -رضوان الله عليهم-.
والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر [رضي
الله عنهم] ، عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها، وهذا شأن الفتن، كما قال
تعالى: [واتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً] ، وإذا وقعت الفتنة لم
يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله) [٧] .
وفي هذا العصر نجد للشائعات دور كبير، بل واستغلت ضد المسلمين
استغلالاً كبيراً، ومثل هذه الشائعات تحدث في الصف ثغرات تخل به، وأحياناً
تكون ثغرات كبيرة يصعب سدها؟ ! !
وخاصة إذا كانت الشائعات مصدرها من داخل الصف، من أناس جهلة، أو
لهم هوى خفي، أو ظن مخطئ.
وأما أعداء الإسلام فهم يستخدمون الشائعات ضد المسلمين وخاصة علمائهم
وقادتهم ودعاتهم، وغالباً ما يستخدمون في شائعاتهم طريقين:
١- إنشاء وتلفيق الأكاذيب والاتهامات بالعلماء والدعاة لزعزعة الثقة بهم،
والانصراف عنهم، فكم من العلماء والدعاة قيل فيهم أنهم عملاء، وأصحاب
مناصب ودنيا؟ ! ! .
٢- تصيد الأخطاء العلمية والعملية، ونشرها بين الناس، وإعطائها حجماً
كبيراً، فيزيدون شائعات مكذوبة على أمر صغير، كالشيطان الذي يلقي على
الكاهن كلمة صحيحة، وتسعاً وتسعين كذبة؟ ! ! .
стр. 722
التربية الإسلامية ضرورة حضارية
بقلم: محمد الإدريسي بخات
لا شك أن التربية الإسلامية هي أساس التغيير بل هي الحل الوحيد للإنسان
المسلم من أجل سعادته دنيا وأخرى. وما تحققه هذه التربية لا يحققه التعليم حتى
وإن كان دينياً لأن هذا الأخير ما هو إلا تلقين وتبليغ معلومات، أما التربية
الإسلامية فتعتمد في تحقيق أهدافها على القدوة والسلوك والمثل الحي، ونجد القرآن
الكريم يعتمد هذا الجانب ويركز عليه فيقول تعالى:
[.. كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] [آل
عمران: ٧٩]
فهي تربية القرآن وحدها التي تضمن التغير الجذري الشامل من أعماق النفس
الإنسانية.
قال تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]
[الرعد:١١]
وأول منطلق تنطلق منه التربية الإسلامية هو أنها ترسخ في الأذهان العلاقة
بين العباد وربهم فهي علاقة غاية ورعاية وحب يشترك فيه ويتمتع به كل
المخلوقات، يغدقه عليهم رب العزة ﷻ .. وهي علاقة عبادة وخشوع
وخضوع وطاعة مطلقة وحب أيضاً يلتزم به العباد نحو ربهم الكريم.. وهي أيضاً
ترسخ في أذهانهم أن العلاقة بين الخلق عموماً هي تبادل المنافع في حدود ما
يرضي الله - فالخلق كلهم عيال الله تعالى «وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» كما جاء
في الحديث الشريف.
وهكذا يتبين لنا أن النظرية الإسلامية في التربية تتصف بالتكامل والثبات،
وهو ما يعوز جميع النظريات التربوية في الغرب - فهي تستمد منطلقها من الله
رب العالمين.. ولا يخفى علينا ما تشع به كلمة (رب) من معاني التربية والرعاية
والعناية والحب.. وتنصب في تطبيقها على النفع العام الشامل لكل الخلائق -
وبذلك تتحقق الخلافة علي الأرض لهذا الإنسان الذي كرمه ربه تكريماً.
ولنا من تراث أجدادنا - والحمد لله - ذخيرة طيبة وثروة غنية من التجارب
الملتزمة بالإسلام، وليس لنا إلا أن نعود إليها فنقتبس منها ما يتلائم وعصرنا
الحاضر وتطلعاتنا لمستقبلنا الزاهر - مع الحذر مما تسرب إلى ذلك التراث من
تشويه مقصود أو غير مقصود.
فإذا كانت البلاد الإسلامية قد استوردت النظام التربوي الغربي لتطوير الجانب
الحضاري المادي فيها، فإن الإنسان الغربي اليوم يعاني فراغاً مخيفاً ويحس بإحباط
رهيب في جميع ميادين حياته - فقد حصل على التقدم الحضاري المادي الذي كان
يسعى إليه، ولكن ما كان يحلم به من سعادة لم يتحقق منها شيء بل لعله فقد منها
الشيء الكثير.. واعتقد أن خيبة الأمل التي ترتبت على هذا التقدم بسبب ما ولده
في النفوس من غرائز وأهواء عجز الناس هناك عن السيطرة عليها وكبح جماحها -
هي التي أدت إلى ما نجده عند (روني أوبير) صاحب كتاب (التربية العامة) من
تشاؤم أدى به إلى استعمال هذه التراكيب الكئيبة التالية: ( ... عصر تضربه
العواصف وفي مجتمع لا يدري بعد ماذا سيكون غداً بل ماذا يريد أن يكون ... )
وها هنا في الواقع تثوي عقدة (مأساة التربية المعاصرة..) في عصر طغت فيه
مشاغل الساعة الحاضرة على كثير من العقول. وسيطرت عليها الحوادث الآنية
السريعة. وعصفت بها زوبعة الأهواء الاجتماعية العامة. وسيقت إلى أن تسير في
دروب لا تدري مؤداها ...
إن أكبر خدمة يقدمها رجال الفكر إلى عصر (تعيس) ألا يقولوا له غير
الأشياء التي قبلوها على عاتقهم،، وهذه النغمة الكئيبة اصبحت اللحن الأساسي في
كل كتب المفكرين الغربيين تقريباً.
إن أسوأ ما تثيره زيادة التعرف على الكون ونواميسه لدى الإنسان الغربي
شعوران متناقضان تماماً:
١- الشعور بضآلته وضياعه.
٢- الشعور بالغرور والكبرياء.
فمن طغى لديه الشعور الأول:
يشعر بالتمزق والضياع والقلق والغربة.. وتجرفه موجات إدمان المسكرات
والمخدرات أو الديانات والمذاهب الهروبية المزيفة.
ومن طغى لديه الشعور الثاني:
تأخذه العزة بكل اثم.. وتجرفه موجات الإلحاد والمذاهب الفاشية أو النازية أو
العرقية أو الشيوعية.. إلخ..
وإلى عهد قريب كان العالم الإسلامي يعاني الخذلان والضعف لأنه تخلى عن
مبدأ إعداد ما يستطيع من القوة ولم يعد يأخذ بأسبابها فابتلاه الله باستعمار مكشوف
أذاقه من الهوان والخسف ألواناً.
أما اليوم فقد أضاف إلى مصائبه ثالثة الأثافي بأن أضحى يشعر بالهزيمة في
أعماق نفسه إزاء ما حققه غيره من تقدم مادي أخذ بأسبابه وتخلى هو عنها. وبدل
أن يغير ما بنفسه فيغير الله ما به وجد من ينادي بأن مصيبته في دينه، فإن أراد
تحقيق ما حققه غيره فما عليه إلا أن يهجر هذا الدين جملة وتفصيلاً ويتبنى نقيضه
جملة وتفصيلاً. ورفع بعض من لا يحسون بالخطر إلا إذا نزل بساحتهم أصواتهم
يولولون فزعين مذعورين بأن في هذا محواً لكيان العالم الإسلامي وفناءه في الكيان
الدخيل. فإذا ببعض من عميت منهم الأبصار والبصائر يواجهونهم شامتين
متوقحين: وما في ذلك؟ فليكن!
تلك ضريبة التخلف والانحطاط، علينا أن نؤديها عن طيب خاطر أو وأنوفنا
مرغمة.. وقد وقع الأمران لشعوب عديدة قبلنا ولن نكون الأخيرين أيضاً..
والحضارات تموت لتقوم على أنقاضها حضارات.. والبقاء دائماً للأصلح والأقوى.
ولكن لله رجالاً يظهرون في الأوقات الحرجة التي يمر بها هذا الدين. وأربعة
عشر قرناً من عمر حضارته كافيه لتصدق نبوءة رسول الله ﷺ
- بأن عل رأس كل مائة عام يبعث الله للناس من يجدد لهم أمور دينهم وهذه
الصحوة الإسلامية التي يعيشها عالمنا الإسلامي خير دليل على ذلك. ومن قلب
أرض النور ترتفع اليوم وغداً أصوات بعض هؤلاء الرجال يتنادون ليحتموا بالأمل
والرجاء.. ندعو لهم بالتوفيق والسداد ونعتبر أنفسنا مجندين لتطبيق كل ما يدعوننا
إليه من خير يصلح أمور ديننا ودنيانا.
стр. 723
حركات سرية هدامة
الماسونية
مازن عبد الله
الماسونية أو البناؤون الأحرار (Freemasons) ، هي أقدم جمعية سرية
في العالم وأعمقها تأثيراً في مجرى أحداث التاريخ. ولقد اختلف المؤرخون في
تحديد تاريخ نشأتها، فمنهم من قال بأنها لا ترجع إلى ما وراء القرن الثامن عشر،
ومنهم من ردها إلى عهد بناء هيكل سليمان. والمؤرخون الذين قالوا في بأنها لا
ترجع إلى ما وراء القرن الثامن عشر أكدّوا بأن الماسونية تكونت مع بداية القرن
الثامن عشر من مجموعة من كبار المفكرين والعلماء الذين كفروا بتعاليم المسيحية،
فجاءت حركتهم كردة فعل على سلطان الكنيسة الواسع آنذاك. فلقد كانوا يجاهرون
بحرية الإنسان التامة واستقلاله من كل سلطة عليا (كسلطة الكنيسة) . وكانوا
يبغضون كل البغض الشرائع وكل النظم للهيئة الاجتماعية وعلى الأخص القوانين
الكنسية.
لقلد حافظت الحركة الماسونية على سريتها منذ إنشائها؛ فكانت تحرص على
ألا تكشف سرها إلا للذين اختبرتهم زمناً طويلاً. وكانت تعمل بالخفاء جاهدة،
مستغلة بعض الفلاسفة الملحدين أمثال فلتير وروسو ودلمار وفريدريك ملك بروسيا، الذين وجدت فيهم أنصاراً تكاتفوا في هدم أركان الدين وتخريب الممالك والعروش. وهكذا استمرت بعملها المنظم موجهة أغلب اهتمامها لإضعاف سلطه الكنيسة حتى
تمكنت من ضرب وحدتها سنة ١٧١٧ وظهور البروتستنتين. عندئذ أعاد الماسون
تنظيم حركتهم وغيروا فيها لتناسب الجو البروتستانتي الذى قرروا أن يؤيدوه ضد
الكاثوليكية، تكملة لمخططهم الذي وضعوه لضرب المسيحيين. فأسسوا في ذلك
العام محفل بريطانيا الأعظم، وأطلقوا على أنفسهم البنائين الأحرار بعد أن كانوا
فيما سبق يحملون اسم (القوة المستورة) .
وجعلوا من أهداف الماسونية الجديدة أو شعارها: الحرية، الإخاء، المساواة..
ومن بريطانيا، انتشرت الماسونية، فتأسس بإشراف محفل بريطانيا الأعظم:
- أول محفل ماسوني في جبل طارق سنة ١٧٢٨.
- أول محفل ماسوني في باريس سنة ١٧٣٢
- أول محفل ماسوني في ألمانيا سنة ١٧٣٣.
- أول محفل ماسوني في أمريكا سنة ١٧٣٣.
- أول محفل ماسوني في سويسرا سنة ١٧٤٠.
- أول محفل ماسوني في الهند سنة ١٧٥٢.
- أول محفل ماسوني في ايطاليا سنة ١٧٦٣.
- أول محفل ماسوني في روسيا سنة ١٧٧١.
النورانية
في منتصف القرن الثامن عشر كانت حالة اليهود في أوروبا يرثى لها؛ ولقد
لقي هؤلاء من المسيحيين ما لم يلقه أحد. فلقد كان الصراع بين اليهودية والمسيحية
صراعاً عقائدياً ودموياً. فكان المسيحيون في أوروبا يضطهدون اليهود ويلاحقونهم
ويطاردونهم في كل مكان وجدوا فيه؛ ولقد ذبحوهم عدة مرات ونشروا الرعب في
صفوفهم وخاصة في القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.. عندئذ،
أي مع مطلع العقد السابع من القرن الثامن عشر، اجتمع عدد من كبار الحاخامين
والمديرين والحكماء، وقرروا أن يؤسسوا مجمعاً سرياً يعمل على تخليصهم من هذا
الوضع المزري ويعيد إليهم حقهم المسلوب وسلطانهم ومجدهم الموهوب من قبل
الرب كما يزعمون ولقد سموا هذا المجمع بالمجمع النوراني (The Illuminat) [١] . وكان المجلس الأعلى للمجمع النوراني مؤلفاً من ثلاثة عشر عضواً [٢]
ويشكل هؤلاء اللجنة التنفيذية لمجلس الثلاثة والثلاثين [٣] . وكان النورانيون
يجبرون كل عضو جديد ينضم إلى صفوفهم على أن يحلف أيماناً مغلظة بالخضوع
المطلق الشامل لرئيس مجلس الثلاثة والثلاثين والاعتراف بمشيئته مشيئة عليا لا
تفوقها أية مشيئة أخرى على الأرض كائنة من كانت.
شعار النورانيين
معاني رموز الشعار:
- الهرم: يرمز إلى المؤامرة الهادفة إلى تحطيم الكنيسة الكاثوليكية (كممثلة
للمسيحية العالمية) وإقامة حكم ديكتاتوري تتولاه حكومة عالمية على نمط الأمم
المتحدة.
- العين: التي في أعلى الهرم ترسل الإشعاعات في جميع الجهات: ترمز
إلى وكالة تجسس وإرهاب أسسها وايزهاوبت على نمط الغستابو تحت شعار الأخوة
لحراسة أسرار المنظمة وإجبار الأعضاء على الخضوع لقوانينها.
- الكلمتان المحفورتان في أعلى الشعار (Annuit Coeptis) تعنيان:
مهمتنا قد تكللت بالنجاح.
- الكلمات المحفورة في أعلى الشعار (Novus Ordo Seclorum)
معناها: النظام الجديد.
وأخيراً تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الشعار لم يتبن من قبل الماسونية إلا
بعد دمج أنظمتها بالأنظمة النورانية إبان مؤتمر فلمسباد سنة ١٧٨٢ م. ...
ملاحظة: هذا الشعار هو الذي تبناه وايزهاوبت عندما أسس منظمة في أيار
١٧٧٦ وهو نفسه الذي يظهر على أحد وجهي الدولار الأمريكي. والتاريخ الذي
تعنيه الأرقام المحفورة على قاعدته بالحرف الروماني (MOCCLXXVI) تعني
١٧٧٦ تاريخ إعلان إنشاء المنظمة وليس تاريخ إعلان وثيقة الاستقلال الأمريكي.
النورانية تخترق الماسونية وتسيطر عليها:
في عام ١٧٧٣ دعا ماير روتشيلد، أثنى عشر رجلاً من كبار الأغنياء
والمتنفذين لملاقاته في فرانكفورت، وكان الهدف من وراء هذا الاجتماع هو إقناع
هؤلاء بضرورة تنسيق الأمور فيما بينهم وتجميع ثرواتهم وتأسيس مجموعة واحدة
تمكنهم من تمويل الحركة الثورية العالمية فيستخدمونها للوصول إلى الهدف الأسمى
عندهم، ألا وهو السيطرة على الثورات والموارد الطبيعية واليد العاملة في العالم
بأجمعه: ولقد انتهى هذا الاجتماع بإقناع أغلبية المجتمعين بفكرة ما ير بعد ذلك أمد
ماير رجلاً يدعى آدم وايزهاوبت بالمال ليضع مخططاً على أسس حديثة يستهدف
تحقيق أهداف المجتمع النوراني وتطوير محافله. فقام هذا بمهمته خير قيام إذ
نظم سنة ١٧٧٦ جماعة يبلغ عددهم نحو ألفي شخص، في محافل سماها محافل
النورانيين، واختار وايزهاوبت أنصاره من علية القوم، زاعماً أن الهدف من ذلك
هو إنشاء حكومة عالمية واحدة من ذوي القدرات والكفاءة والذكاء، لتحكم العالم
حكماً خيراً رشيداً، ووضع حد للحروب والعصبية والويلات. ولكن الهدف من ذلك
كان درس التسلل إلى قلب الماسونية الأوروبية والإفادة من تغلغلها وسريتها في
التمهيد لكنيس الشيطان للسيطرة على العالم.
لقد قرر النورانيون محفل الشرق الأكبر في مدينه انغولدشتان بألمانيا، مركزاً
لانطلاق حملة تغلغل المنظمة في قلب الماسونية الأوروبية في كل مكان.. في هذا
الوقت، كان وايزهاوبت قد وضع مخططه الذي كان يستدعي تدمير جميع
الحكومات والأديان الموجودة، وذلك عن طريق خلق معسكرات متناحرة
ومتصارعة في المجتمعات غير اليهودية التي يسمونها الجوييم (لفظة يطلقها اليهود
على جميع البشر من الأديان الأخرى) وإبقائها في حالة حرب حتى تضعف جميعها
وتكفر بكل القوانين والأديان، فيصبح من السهل على هؤلاء الشياطين أن يسيطروا
على تلك الشعوب المنهكة ويسيروها كيفما شاؤوا.. وكانت خطة وايزهاوبت
تقتضي اتباع الخطوات الآتية:
١- استعمال الرشوة بالمال والجنس للوصول إلى السيطرة على الأشخاص
الذين يشغلون المراكز الحساسة في جميع الحكومات وفي مختلف مجالات النشاط
الإنساني.
٢- حث النورانيين على العمل كأساتذة في الجامعات والمعاهد العلمية ليتسنى
لهم اصطياد الطلاب النابغين والمتفوقين من الأسر العريقة فيغررونهم بأنفسهم بحكم
تفوقهم ويعطونهم الشهادات والرتب والألقاب والمنح، ثم يقنعونهم بفكرتهم
ويضمونهم إلى المحافل النورانية.
٣- تدريب الشخصيات ذات النفوذ والطلاب المتفوقين الذين تم اصطيادهم،
ومساعدتهم بكل الوسائل على تولي أخطر المراكز الحساسة لدى جميع الحكومات،
بحيث يكون في إمكانهم توجيه سياسة تلك الحكومات بشكل يخدم على المدى البعيد؛ مخططات المجمع النوراني في القضاء على جميع الأديان والحكومات.
وهكذا، وعلى هذا الأساس، بدأت النورانية بتطبيق مخططاتها وترجمتها
عملياً على الأرض، عاملة على جبهتين: الجبهة الأولى وهي جبهة الشعب،
وتطبق فيها خطة وايزهاوبت الآنفة الذكر، والجبهة الثانية وهي جبهة الحركة
الماسونية بالأجهزة النورانية، وذلك سنه ١٧٨٢ وهكذا تمكنت النورانية اليهودية
بإشراف موسى مندلسوهي، من النفاذ إلى قلب الماسونية الأوروبية الحرة على يد
آدم وايزهاوبت، تحت ستار محفل الشرق الأكبر.
أما بالنسبة للجبهة الأولى، ولما كانت فرنسا وإنكلترا أعظم قوتين في العالم
في تلك الفترة، أصدر وايزهاوبت أوامره بإثارة الحروب الاستعمارية من أجل
إنهاك بريطانيا وإمبراطوريتها، والعمل على تنظيم ثورة كبرى، يتم التخطيط لها،
من أجل إنهاك فرنسا. ولكن في سنة ١٧٨٤ ولسوء حظ وايزهاوبت، وقعت
مخطتها التي وضعت على شكل وثيقة في أيدي رجال أمن تابعين لحكومة
بافاريا [٤] ، وذلك في منطقة راتسبون (RATTSBONO) في طريقها من ... فرانكفورت إلى عملاء وايزهاوبت في باريس، الذين أوفدهم إلى فرنسا لتدبير الثورة فيها.
وعلى أثر اكتشافها تلك الوثيقة، أمرت حكومة بافاريا بإغلاق محفل الشرق الأكبر
عام ١٧٨٥ واعتبرت جماعة النورانيين خارجين عن القانون.. ومنذ ذلك الوقت،
انتقل نشاط النورانية إلى الخفاء؛ وأصدر وايزهاوبت تعاليمه إلى أتباعه بالهجرة
إلى سويسرا وفرنسا والعمل مع رفاقهم في الماسونية الحرة من أجل نجاح مخططه
من هناك.. وبالتقاء ماسونية الشرق الأكبر النورانية مع الماسونية الغربية الحرة،
جرت منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، الأحداث الكبرى في أوروبا وأمريكا
بصورة خاصة وفي العالم كله بصورة عامة وبشكلها الذي جرت وتجري فيه.
تحذيرات ضائعة والمؤامرة مستمرة:
عندما انتقل أتباع وايزهاوبت إلى سويسرا وفرنسا والتقوا برفاقهم في
الماسونية الحرة، كانت النورانية في ذلك الوقت قد سيطرت سيطرة تامة على
الماسونية ومحافلها كما ذكرنا، وفرضت عليها مبادئها وأدخلت إليها طقوسها
الخاصة (تنظيمها الإداري، إدارة الاجتماعات، الدرجات والترب والألقاب) .
وهناك بدأ العمل المشترك بالخفاء لتنفيذ مخطط وايزهاوبت. لقد اتبع هؤلاء في
عملهم هذا كل الأساليب، مستفيدين من كل الأوراق التي يمتلكونها، مستعملين
أدنى الوسائل وأحقرها من أجل الوصول إلى أهدافهم، ذلك أن هؤلاء، ومن
ورائهم موجهوهم حكماء النورانية، يؤمنون بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة.. وهكذا فلم
يأت عام ١٧٨٩ حتى اندلعت الثورة في فرنسا وسقط الملك، وسقطت الملكة ودفعا
رأسيهما ثمن تجاهلهما لتحذيرات الحكومة البافارية. وكما حذرت حكومة بافاريا
حكومات فرنسا وإنجلترا وروسيا من خطر هؤلاء، فلقد حذر منهم حتى بعض
الماسونيين الذين كانوا من رؤساء الماسونية الحرة والذين أحسوا بخطر هؤلاء على
حركتهم بشكل خاص وعلى العالم بشكل عام، تجرؤوا، وبدافع غيرتهم عل بلادهم
وشعبهم، على البوح بأسرار هؤلاء ومخططاتهم ولطالما حذروا منهم؛ ففي عام
١٧٨٩، عام انفجار الثورة في فرنسا، حذر جون روبسون [٥] الزعماء
الماسونيين من تغلغل جماعة النورانيين في محافلهم ولكن تحذيره هذا لم يسمع.
وفي عام ١٧٩٨ عمد روبسون إلى نشر كتاب أسماه (البرهان على وجود مؤامرة
لتدمير كافة الحكومات والأديان [٦] ) ولكن هذا التحذير تجوهل كما ... تجوهلت التحذيرات التي سبقته، وفي التاسع عشر من تموز ١٧٩٨، أدلى دافيد باين، رئيس جامعة هارفارد، بنفس التحذير إلى المتخرجين في أمريكا. وفي عام ١٨٢٦ حذر الكابتن وليام مورغان (أحد رؤساء ومنظمي الماسونية الحرة في أمريكا) بقية رفاقه الماسونيين والرأي العام وأعلمهم وشرح لهم الحقيقة فيما يتعلق بالنورانيين ومخططاتهم السرية وهدفهم النهائي، ولكن النورانيين استطاعوا أن يتخلصوا منه عن طريق أحد عملائهم وهو الانجليزي ريتشارد هوارد، الذي تمكن من اغتيال مورغان على مقربة من وادي نياغارا على الحدود الكندية وعلى الرغم من أن هذا الحادث أدى آنذاك إلى استياء وغضب ما يقرب من ٤٠% من الماسونيين في شمالي أمريكا وهجرهم للماسونية، فلقد تمكن هؤلاء القائمون على تلك المؤامرة وبحكم نفوذهم، من طمس تلك الأحداث، والتشويش على كل التحذيرات التي كانت تصدر بين الحين والآخر وحذف حوادث بارزة كثيرة من مناهج التدريس التي تدرس في المدارس الأمريكية وغيرها.. وهكذا تنسى التحذيرات والمحذرون وتتجاهل، وتبقى المؤامرة.
стр. 724
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
شروط نجاح الدعوات
إن كل دعوه أو حركة تعتمد على أسس ثلاثة:
الأول: المبدأ أو المعتقد الواضح المتميز الذي تنادي به وتقوم من أجله أياً
كان هذا المبدأ، ومنه تتحدد أهدافها وغاياتها، وعلى ضوئه تكون نظمها ومفاهيمها.
الثاني: الأنصار والأتباع الملتفون حول هذا المبدأ الملتزمون به.
الثالث: القيادة التي تسير بهؤلاء الأتباع إلى تحقيق الأهداف.
فإذا توفرت هذه الأسس الثلاثة، من وجود معتقد واضح صحيح تتحدد على
ضوئه المقاصد والغايات، ووجود أنصار صادقين مؤمنين مستعدين للتضحية في
سبيل نجاح معتقدهم، ووجود قيادة حكيمة قوية قادرة على السيطرة على المواقف
والتوجيه السليم، وتجنب العثرات ما أمكن.
إذا وجدت هذه الأسس، وتحققت لدعوه ما، احتاجت في نجاحها إلى أمرين:
الأول: تهيؤ الظروف المكانية.
الثاني: تهيؤ الظروف الزمنية.
سلمان بن فهد العودة - الغرباء الأولون
أخلاق العلماء
يقول ابن قيم الجوزية:
جئت ابن تيمية يوماً مبشراً بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له
فنهرني وتنكر لي واسترجع. ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني
لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو
هذا من الكلام. فسروا به ودعوا له. وعظموا هذه الحال منه. فرحمه الله ورضي
عنه.
ابن القيم - مدارج السالكين ٢/٢٥٩
فكرة التوجيه؟ !
التوجيه قوة في الأساس، وتوافق في السير، ووحده في الهدف.. فكم من
طاقات لم تستخدم، لأننا لا نعرف كيف؟ ؟
وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى،
صادرة عن نفس المصدر، متجهة إلى نفس الهدف!
فالتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت. فهناك ملايين السواعد
العاملة، والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كل وقت،
والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل، المكون من ملايين السواعد والعقول، في
أحسن ظروفه الزمنية، والإنتاجية، المناسبة لكل عضو من أعضائه.
وهذا الجهاز حين يتحرك، يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشور، وفي
هذا تكمن أساساً فكرة توجيه الإنسان، الذي تحركه دفعة دينية، وبلغة الاجتماع
الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى (الكفاح) .
مالك بن نبي - شروط النهضة
стр. 725
خواطر عن القصة في القرآن الكريم
د. مصطفى السيد
(وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما) [١] ... بهذا التلهف الأسيف عن رسول الله ﷺ لانقطاع السرد والقص، في قصة الخضر وموسى ﵉، بهذا التلهف تتأوج مكانة القصة بين بقية الأنواع الأدبية، كما تتوزع قضاياها في القرآن الكريم، وتتوسع شبكة اهتماماتها، فتنعكس على مرآة القص في القرآن نفسية اليهود وقد عرّتهم الآيات من كل الغرر، وطوقت أعناقهم بكل العرر لتلازمهم أوصافهم كألوان عيونهم، وفي قصص القرآن صورة الأبوة المرّزأة المفجعة في يعقوب، والأمومة المولهة كما في أم موسى ... إنها رصيد التجربة وتقطير المسيرة التاريخية، فهي في الشكل كما قال تعالى: [أَحْسَنَ القَصَصِ] .
أما المضمون فاقرأ قوله عز اسمه: [وكلا نقص عليك من أنباء الرسل]
(التاريخ) [ما نثبت به فؤادك] (التربية والطمأنينة) [وجاءك في هذه الحق
وذكرى] (للقص مضمون علمي) [وموعظة للمؤمنين] (الوعظ) أو التطهير (هدفان دائمان للأدب ... ) .
القصة القرآنية ليست أزجاء للأعمار في مستنقعات الفن الرخيص الذي تسبح
فيه بعض الأقلام التي تتقرى وجبات الجنس ثم تتقيأ سوادها على بياض القرطاس ...
يقول العقاد عن خطورة هذا الاتجاه: «لا فرق بين من يحتال لكسب المال
من إدارة أماكن الفساد، ومن يحتال لكسبه من ترويج كتب الفساد، بل ربما كانت
مصيبة الأماكن التي تدار للإتجار بالأعراض أهون خطراً من مصيبة الكتب التي
تعرض للبيع في كل سوق، لأن البيت الواحد مقصور على زواره الباحثين عنه
ولكن الكتاب الذي تباع منه مئات النسخ أو ألوفها خطر يقع فيه كل من يلقاه في
طريقه إلى المكتب أو الرصيف.
وفي القصة القرآنية لا يبستر البطل أو يختزل، بل يعطى فرصة متساوية
مع البطل الضد، يعطي كلا البطلين الممثلين لقضيتين مختلفتين فرصاً متساوية في
إظهار هويتهما الفكرية مهما تكن فجة ومتعجرفة أو بهيمية متمردة.
تسجل هذه القصة قاله فرعون لعنه الله: [أنا ربكم الأعلى]-[ما علمت لكم من إله غيري] .
ومقولة قارون: [إنما أوتيته على علم عندي] .
ولمن سال لعابهم أمام ثروة قارون [يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون] يسجل
ذلك كله لأن الشر في العمل الفني لا يموت بكبته واختصار حضوره كما في نتاج
بعض الأصوات الأدبية، وأن الخير لا ينصف بتهميش دوره وتقزيم حضوره كما
يلحظ في قصص العلمانيين والملحدين.
وذلك لأن الفن الأدبي أشبه بإقامة المرآة أمام الحياة لتعكس للفضيلة محياها
وللزاوية صورتها ولجسد العصر والمجتمع شكله وأثره.
وفي القصة القرآنية إشادة واضحة بصراحة الفعل وصراخة الموقف، ففي
سورة طه خطاب موسى ﵇ فرعون وحاشيته في بعض فصول قصة
فرعون وموسى والتي جاءت منجمة في سور القرآن، كقول رسول الله موسى -
﵇: [ويْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وقَدْ خَابَ مَنِ
افْتَرَى] . وحين تفلس قضية فرض الكفر والإلحاد يلجأ فرعون إلى أقصر الطرق
للإقناع» ذروني أقتل موسى «ويتوحد القول والفعل والموقف في شخصية مؤمن
آل فرعون هذه الشخصية يعرضها لنا القرآن الكريم عبر صوت هادئ وقور،
يوجه خطابه لا لخصمه وحده بل للبشرية جميعها، وفي هذا الخطاب تتحقق أهم
خصوصيات العمل الأدبي.
تجاوزه المناسبة التي قيل فيها ليكون غير مقيد بالزمان أو محتجز بالمكان
ولتصبح علاقته بالزمان والمكان علاقة عطائية تجددية [أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ
رَبِّيَ اللَّهُ] لم يرد في ثنايا الآيات اسم الرجل وهذا اتجاه أدبي وذلك بعرض القضية
لا الشخصية. ويلاحظ أن أبا بكر استشهد بهذه الآية غداة موقف مماثل تعرض له
رسول الله ﷺ .
كما في هذا الموقف حتمية خذلان الدجاجلة [إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
كَذَّابٌ] .
كما في موقف هذه الشخصية الكشف عن السنن الدائمة الثابتة لحركة التأريخ، وأنها تعمل ضد أولئك الذين يحادون الله ورسوله.
[يَا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن
جَاءَنَا] .
وإذا استعرضنا نموذج المرأة في القرآن الكريم لا نجد هذا النموذج انتفائياً لا
يعرض للمرأة إلا صورة واحدة، أو استلابياً بحيث تبدو فيه المرأة سلعة أو شيئاً،
إن (نموذج) المرأة في القرآن أو صورة المرأة في القصة القرآنية جاءت متكاملة
متوازنة فيها: الأمومة الحانية: [وإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] .
والمولهة: [وأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً] .
والحاكمة: كما في سورة النحل اثناء الحديث عن سبأ [إنِّي وجَدتُّ امْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ] .
والمحكومة: [وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ
لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ] .
والمحادة لزوجها: [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وامْرَأَتَ لُوطٍ] .
والخاضعة لشهوتها ثم النائية: [أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ] .
[إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ] .
ومستهدفة بالإشاعة كما روج أهل الإفك لأمنا عائشة ﵂: [إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وهُوَ عِندَ
اللَّهِ عَظِيمٌ] .
وفي التطبيق العملي أقدم قصة يوسف ﵇ والتي وصفها الله عز
وجل بقوله [أَحْسَنَ القَصَصِ] ولقد استأثرت القصة بالسورة كلها.
والقصة تنطلق من رؤيا ليوسف ﵇ تتحول إلى مأساة عائلية، ثم
تنحو منحى إنسانياً، إذ يدخل فيها أكثر من طرف، وتحفل بأكثر من دور، وتعالج
القضايا ذوات العدد.
ومكان القصة يتردد بين مصر وفلسطين.
والزمن التاريخي فترة نبوة يعقوب ويوسف.
والرؤيا هي نقطة البدء في القص كما نلحظ بأنها حدث مركزي فقد ترددت في
حوار يوسف مع صاحبي السجن عندما سألاه عن رؤيتيهما، وكان في تفسير
يوسف ﵇ لرؤيتيهما نقطة تحول في سير القصة حيث أهله ذلك لينتقل
من السجن إلى قصر العزيز، وفي المرة الثالثة تحمل الرؤيا يوسف ﵇
إلى الوزارة وهي بداية المأساة ونهايتها.
وبدأ السرد برؤيا أو بقول القاص (رأيت فيما يرى النائم) تقنية أخذ بها القاص
في العصر الحديث وطورها.
والانطلاق في القصة من الرؤيا يتيح للقاص مجالاً أوسع في المعالجة حيث
يتمكن من مزج الخيال واللا واقع بالواقع كما يعفيه من المسؤولية غير الأدبية عن
إبداعه. وجانب القضايا التي في قصة يوسف ﵇ وإن كان يبدو
شخصياً فهو ليس بعيداً عن الإنسانية كلها وهذه ميزة القصة العظيمة التي لا تتقوقع
في ذاتها حول نقسها، بل هي بقدر ما تكون صورة لصاحبها تكون في الوقت نفسه
مرآة للبشرية كلها.
فما أعطي يوسف من حسن في الحديث الصحيح (شطر الحسن) ومنزلة عند
أبيه أشعل الغيرة في قلوب اخوته، وهذه الغيرة دفعت بعضهم أن يقترح التصفية
الجسدية ليوسف ﵇ وهذه القضية تجبرنا على قراءة عميقة لكثير من
خصومات البشرية لنتبين أن تغطية هذه الخصومات بالعلم أو بالمصلحة العامة ما
هي إلا غطاء للمشكلة الأساس (الحسد) ، ورحم الله عمر بن أبي ربيعة القائل:
وقديماً كان في الناس الحسد..
والقضية الثانية قضية المرأة، فمكانة امرأة العزيز الاجتماعية لم تعصمها عن
مراودة يوسف ﵇، وكانت الخلوة وجمال يوسف من دوافع هذه
المراودة ويبدأ الصراع ولكن بين امرأة العزيز وبين الفضيلة متمثلة بيوسف -عليه
السلام-.
ولقد دار الجزء الأكبر من الفن القصصي منذ أقدم الأزمنة حتى الآن حول
مثل هذا الموضوع موضوع المرأة.
ولقد تطور موقف امرأة العزيز في القصة فبعد أن أخفقت في محاولتها انتقلت
للضغط المادي والمعنوي على يوسف بالأمر بسجنه [ليسجننّ وليكونا من الصاغرين] مستغلة في ذلك سلطتها ومكانتها، وعلينا أن نلاحظ أن شخصية
يوسف ﵇ كانت سبباً حمل إخوته على إبعاده، وأن هذه المزايا هي
التي حملت أيضاً امرأة العزيز على إلقائه في غياهب السجن ويوسف كان مظلوماً
في الحالين.
ولكن الحدث ينضج امرأة العزيز فهي ما أن تسمع بأن الألسنة أخذت تلوك
سمعتها إلا وتقرر المبادرة إلى إمتحان عملي لمن تناول موقفها باللوم وتأتي النتيجة
لصالحها [فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ
مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا
هَذَا بَشَراً إنْ هَذَا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ] .
ولم يكن يوسف ﵇ ليقبل بالمساومة أو ليرهبه السجن فذكريات
الجب قريبة وهو أشد ظلماً وإيلاماً من السجن الذي يكون دخوله بداية لمرحلة مهمة
في القصة.
أما امرأة العزيز التي خسرت بداية المعركة على صعيد ما فقد كسبتها في
النهاية وطهرها الحدث من موقفها السابق فهي تعترف بمراودة يوسف [أَنَا رَاوَدتُّهُ
عَن نَّفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ
الخَائِنِينَ * ومَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ
رَّحِيمٌ] .
وهكذا فقد انتهت القصة لصالحها وهو ما فازت به من نضج وتوبة، ولصالح
يوسف وهي الثقة التي مهدت له أكثر عند العزيز وأخيراً لا آخراً إن اعترافات
امرأة العزيز تخلي نهائياً ساحة سيدنا يوسف ﵇ من أي خطأ وهذا لو
تنبه له بعض المفسرين لما أطالوا في مناقشة هذه القضية، وفي نهاية القصة إيماءة
إلى أن القص ليس نشر المباذل وتجميل السواقط، بل إن المسؤولية الأدبية والفنية
للأديب يجب أن تجعله وفياً للتعاقد المعنوي القائم بينه وبين القراء فلا يجعل من
عقره وسقوطه عقداً وسقوطاً لقرائه.
ولم يكن يوسف ليجعل من السجن وقتاً ضائعاً وانخراطاً في عالمه الساقط (أي
عالم السجن) بل حوله الى مدرسة تربوية لتعليم العقيدة الصحيحة مستغلاً حاجة
سائليه إلى تأويل الرؤيا:
[يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِهِ إلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الحُكْمُ إلاَّ
لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ] .
أرأيت إلى إيجابية وعطائية هذه الشخصية، فالسجن إن حبس الجسد بين
أسواره فلن يحبس اللسان والجنان، ولم يحل بين الداعية ودعوته.
وكما استغل يوسف حاجة صاحبيه في السجن للدعوة إلى التوحيد استغل حاجة
إخوانه إلى الامتيار من خيرات مصر، ورسم خطة للأحداث تنتهي بمواجهتهم
وانتزاع هذه الشهادة منهم [تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وإن كُنَّا لَخَاطِئِينَ] . هذه
الشهادة تأتي متوازية مع شهادة امرأة العزيز وقبل كل ذلك وبعده هناك يعقوب الذي
يتابع هذه المأساة بالصبر ثم تنفرج أساريره عندما انتهت المأساة إلى الحل.
ونجد حسن ظنه بالله [ولا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ] .
[إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ] .
كما نجد مثل ذلك عند يوسف ﵇ (فاستعصم -معاذ الله -إنه ربي
أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) .
وأخيراً أدعو القارئ الكريم إلى التأمل في هذه الشذرات اللغوية الآسرة
الساحرة والتي وردت في القصة، أختار بعضها:
[إنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ] .
[يَخْلُ لَكُمْ وجْهُ أَبِيكُمْ] .
[أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ ويَلْعَبْ] .
[أَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الجُبِّ] .
[هَيْتَ لَكَ] .
[واسْتَبَقَا البَابَ] .
[قَدْ شَغَفَهَا حُباً] .
[قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ] .
[يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ] .
[تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ] .
[الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ]
[وأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ] .
[ومَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي] .
[فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِياً] .
[واسْأَلِ القَرْيَةَ الَتِي كُنَّا فِيهَا والْعِيرَ الَتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا] .
[يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأَخِيهِ ولا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا
يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] .
[لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ] .
[إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَن تُفَنِّدُونِ] .
إنه لدرس لكثير من كتاب القصة الذين تشاغلوا بالواقع عن المعمار اللغوي
المتأنق، وتنبيه للجماليين بأن خدمة الموضوع وقضايا المجتمع عطاء للشكل الأدبي
الذي يصبح بدونه إيقاعاً خالياً من أي معنى.
القصة مدرسة مفتوحة تكسر حدود العرف فهي في غرفة النوم، وقاعة
الدرس، وكرسي الطائرة، تستخدم اللغة وتخدمها وتعلم الأمة وتمتعها، وتنقل الينا
عبر هذه الوسيلة السحرية - اللغة -تجارب الآخرين المخففة والناضجة والتي تمتد
سنين وقروناً نعتصرها في يوم أو بعض يوم فنعيش عمرنا أعماراً وعصرنا
أعصاراً.
ولئن كانت القصة بهذه المنزلة فإنتاجها يكون ضرورة أدبية وتوظيفها يغدو
مسؤولية شرعية، فقد وظفت في القرآن كما رأينا ولذا فمراجعة الأديب المسلم
الدائمة للنموذج القرآني في القصة من الأهمية بمكان عظيم حتى يكون أدبه صوتاً لا
صدى، وهادفاً لا هاتفاً.
ولقد اخترت الكلام عن القصة لأنها باتت من أهم الأنواع الأدبية الحديثة،
والكثيرون من النقاد يرون بأنها ستكون في المستقبل - وربما صارت - الجنس
الأدبي الذي يحتكر القراءة والقراء، ففيها من الشعر لغته، ومن المسرح قضيته،
ومن المعروف أن الشعر ذا الطابع القصصي يتقدم على ما سوا٥. وإذا عرفنا أن
القصة هي المشكل الأول لعقل الطفل ولغته، والمكون الأساسي لثقافة الكثير من
شبابنا وشاباتنا، فلو رحنا نحلل فكرياً وسلوكياً ثقافة هذه الشريحة لوجدناها غالباً لا
تعدو مجموعة من القصص، إذا عرفتا ذلك أدركنا أهمية هذا الفن.
إن القصة تفعل الماضي وتخصبه ليكون المستقبل لأنها حوار الأنا والتاريخ.
ويإنتاجنا للقصة الجادة نجبه النص الضد، والكتابة المنشقة على الإسلام،
ونحول بين عقول قرائنا وبين التلوث الفكري وأدب السوق السوداء الذي يزاحم
الفضيلة ويتمدد على حساب قيمنا.
هل لي أن أذكر بأن المعاناة والنية الطيبة والالتزام تشكل مرتكزاً للنهوض
بهذا الفن شريطة أن يرتكز هذا النهوض على موهبة في القص وقراءة نهمة في
الإنتاج المحلي والعالمي ليكون صوتنا منسجماً مع إيقاع العصر؟ !
стр. 726
قصيدة
يا أخا الإسلام
شعر: أحمد بشار بركات
يا أخا الإسلام في هذا الزمنْ ... يا أخي في الرُّزءِ في كلِّ الشَجَنْ
ها هي البلوى وقد قاسيتها ... قمْ أخي في الدين واصمُد للمحن
كيف ترضى عيشَ ذلٍ دائمٍ ... هل ستحيا خانعاً طول الزمن؟ !
يا سليل المجدِ هل من صحوةٍ ... خلَّ عن عينيك ذياكَ الوسن؟ !
أنت من قومٍ كرامٍ سادةٍ ... أنت دون الناس أنت المؤتَمنْ
كنت بالإيمان دوماً طاهراً ... كيف ترضى أن يُغَشِّيكَ الدَّرَنْ؟ !
إننا أصحاب حق واضح ... لا يدانينا لئيمٌ ذو ضَغَنَ!
يا أخي كَفْكِفْ دموعاً ثرةً ... ليس يجدينا بكاءٌ أو حَزَنْ!
لا تقلْ إني ضعيفٌ مُرْغَمٌ ... قُمْ فقاوم بالتُّقى ذاكَ الوَهَن
انْشُدِ العلياءَ وادفعْ مَهْرَها ... طالِبُ الحسناءِ لا يخشى الثَّمن
احمِ أرضَ الطُّهر واصرخْ بالعدا: ... إنني آليتُ أن أحمي الوطن
стр. 727
الصفحة التعليمية
همزتا الوصل والقطع
همزة الوصل:
تعريفها: هي همزة زائدة في أول الكلمة، يؤتى بها للتخلص من النطق بالساكن.
الأمثلة: اسم، اكتب، استغفر، اجتماع، استقلال، انقلاب ...
فائدتها: يتمكن الناطق بواسطتها أن ينطق بما أوله حرف ساكن، حيث أن
من خصائص العرب في كلامهم أنهم لا يبتدئون بحرف ساكن، ولا يقفون على
متحرك.
حكمها:
تكتب وتلفظ إن قرئت ابتداء، مثل:
[اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا] .
وتكتب ولا تلفظ إن جاءت في سياق الكلام وسبقتها كلمة، مثل:
[فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ... ] .
أين توجد:
- في فعل الأمر الثلاثي المجرد، مثل:
نصر: انصر.
جلس: اجلس.
علم: اعلم.
- وفي الفعل الماضي الخماسي والسداسي أمره، ومصدره، مثل: ...
الماضي الخماسي ... أمره ... ... مصدره
انطلق ... انطلق ... ... انطلاق
ارتقب ... ارتقب ... ارتقاب
***
الماضي السداسي ... أمره ... ... ... مصدره
استعلم ... ... استعلم ... ... استعلام
احرنجم ... ... احرنجم ... ... ... احرنجام
- في هذه الأسماء:
(اسم، ابن، ابنة، امرؤ، امرأة، ايم، ايمن (وكلاهما قسم) ، اثنان،
اثنتان)
- وفي همزة (ال) التعريف.
همزة القطع، (وتسمى أيضاً همزة الفصل) :
تعريفها: هي همزة زائدة في أول الكلمة مثل: أكرم، أكرم، إكرام.
حكمها: تكتب وتلفظ سواء وقعت في أول الكلام، مثل:
أحسن إلى الفقراء.
أو في سياقه مثل: يا مسلم أحسن إلى الفقراء.
أين توجد:
- في أول بعض الحروف، مثل: إلى، أو، أنّ، إنّ، أنْ، إذا.
- في أوائل بعض الجموع، مثل: أحمال، أولاد، أماجد.
- في الفعل الماضي الرباعي وأمره ومصدره مثل:
الرباعي الماضي ... الأمر ... المصدر
... أعطى ... ... ... أعط ... إعطاء
أسبغ (وضوءه) ... ... أسبغ ... ... إسباغا
- في أفعل التفضيل: أولى، أفضل.
- في الصفة المشبهة: أشهب، أعور.
نص لم يلتزم فيه بالتفريق بين همزة الوصل وهمزة القطع:
البينة على المدعِي، واليمين على من انكر، والصلح جائز بين المسلمين،
الا في صلحاً احل حراماً او حرم حلالاً، ومن أدعى حقاً غائباً او بينة فاضرب له
امداً ينتهى إليه، فان بينه اعطيته بحقه، وان اعجزه ذلك إسْتَحْلَلْتَ عليه القضية،
فان ذلك هو ابلغ في العذر واجلى للعماء،
نص التزم فيه ذلك:
البينة على المدعِي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين،
إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، ومن ادعى حقا غائباً أو بينة فاضرب له أمداً
ينتهى إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن
ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء.
стр. 728
شؤون العالم الإسلامي
المسلمون في شبه القارة الهندية
دور المخابرات الهندية في اضطرابات السند
أحمد موفق زيدان
اندلعت في الشهرين الماضيين أعمال عنف شديدة في إقليم السند بباكستان
الذي يعاني منذ مجيء حكومة حزب الشعب حالة من الفوضى والإرهاب
واللامسئولية حيث قلما يمضي يوم دون قتلى أو خطف أو اعتقالات أو نهب أو
مداهمة بيوت حتى وصل الأمر إلى إطلاق الرصاص وبشكل عشوائي وهمجي على
الأهالي دون تفرقة بين طفل وهرم، ولا نريد أن نتجاهل حوادث العنف التي كانت
تحدث قبل بي نظير بوتو ولكن الوضع المتأزم الذي وصلت إليه البلاد ما كان
ليحصل - والله أعلم - لو كان الجيش عل رأس الإدارة الأمنية لهذا البلد، وفي
مقالنا هذا الذي نود تسليط الأضواء على الدور الهندي في هذه الاضطرابات لا
ينبغي أن نتناسى العامل الداخلي الذي ينخر في جسم هذا البلد منذ استقلاله وحتى
الآن، وهذا العامل هو الذي هيأ للهند أو غيرها لتتدخل في شئون باكستان الداخلية.
خلفية الإقليم العرقية:
بدأت مشاكل باكستان عموماً ومشكلة السند خصوصاً في أعقاب التقسيم الذي
قضى بقيام باكستان كدولة والهند كدولة، وحصل حينها مسألة الفرز السكاني على
أساس العقيدة حيث هاجر مسلمون هنود من شمال الهند إلى باكستان واستوطنوا
إقليم السند وحصراً في كراتشي وحيدر آباد، كما هاجر مسلمو البنجاب الشرقية
واستوطنوا في إقليم البنجاب الباكستاني ونظراً للتوافق العقدي واللغوي والثقافي
والتاريخي بين الطرفين لم يحصل أي مشاكل، أما مسلمو الهند المدعوون بـ
(المهاجرين) أو الذين سموا أخيراً (أهل الأوردو) نسبة إلى لغتهم الأم التي يتكلمونها
وهي الأوردية فقد وقعت بينهم وبين أهل المنطقة الأصليين السنود خلافات وذلك
في غياب الدعوة الإسلامية الحقيقية والتصور الإسلامي الصحيح.
ومما يذكر أن نسبة البنجابيين في باكستان تتصدر المرتبة الأولى حيث
يبلغون ٤٨. ١٧% من سكان باكستان، أما البشتون الذين يأتون في المرتبة الثانية
فيصلوا إلى ١٣. ١٤%، ويبلغ السنود ١١. ٧%، ثم المهاجرون٧. ٦٠%
والبلوش ٢. ٤٩%، وذلك حسب إحصائيات ١٩٦١.
وتبلغ نسبه المهاجرين في السند ٣٥% ويتمركزون في كراتشي وحيدر آباد
ويعزو البعض خلافات السنود معهم إلى نشاط وحيوية المهاجرين ومنافستهم أهل
البلاد الأصليين في التجارة والصناعة والحرف وهذا يحدث جرياً على عادة نشاط
المهاجرين بشكل عام في العالم، وخمول السكان الأصليين، وزاد الطين بلة عندما
قام أيوب خان رئيس باكستان (١٩٥٨ - ١٩٦٩) بتوزيع أراضٍ كثيرة لأهل السند
على العسكريين والجيش والشعوب غير المنتمية للسند. ويقول تقرير خاص قدمه
أعضاء البرلمان الباكستاني في تلك الفترة أن حوالي ٤ ملايين هكتار وزعت من
قبل أيوب خان على هذه الجهات.
السنود الذي يرون الآن أن نسبتهم في إقليمهم أصبحت أقل من نصف سكان
كراتشي يتخوفون على مستقبلهم خاصة وأن النظرة ليست على أساس أن هؤلاء
إخوة لنا في الدين ويتوقعون أن يحصل المهاجرون وغيرهم من غير السنود على
أغلبية البرلمان في الانتخابات القادمة، خاصة وأن كراتشي التي كان عدد سكانها
عام ١٩٤٧ حوالي ٣٥٠ ألف نسمة وصلت الآن إلى ٧ ملاين نسمة كما أنها تعتبر
مركز باكستان التجاري والصناعي الأول، حيث تستقبل ٩٠ - ٩٥% من
استيرادات باكستان ونفس الأمر في التصدير، أما ضريبة المبيعات فيصل سهمها
بالنسبة للمناطق الباكستانية الأخرى ٨٠% وضريبة الدخل حوالي ٦٠%، وكان
قلق السنود في البداية من البنجابيين عندما استوطنوا في بداية الستينات المناطق
المروية والخصبة ولكن بعد منتصف السبعينات بدأوا يظهرون قلقهم إزاء
المهاجرين، والحقيقة أن مسألة تخوف السنود أو البلوش من المستقبل واردة عن البعض الذي يرى أن البنجابيين أو البشتونيين هم المتحكمون في قياده باكستان واقتصادها، فمثلاً بلوشستان التي تعتبر أكبر مصدر للغاز الطبيعي في باكستان محرومة منه في الوقت الذي تنعم به الأقاليم الأخرى وغير هذا من المشاكل.
وزاد من حنق السنود عندما نادى الرئيس الراحل ضياء الحق بتوطين
البهاريين المقيمين في باكستان الشرقية في إقليم السند حيث غضبت الأحزاب
السندية واعتبرت هذا مؤامرة موجهة ضد أهالي السند لتخفيف وزنهم ونسبتهم.
وهناك عدة منظمات سندية عرقية نشأت من المنظمة الأم بعد الانفصال وهي
(جي سند) أي منظمة السند المتحدة ولكن في بداية السبعينات انشق (رسول بخش
باليجو) وأسس منظمة (سند عوامي تحريك) وبقي غلام محمد سيد رئيساً لـ (جي
سند) كما نشأت في تلك الفترة حركة سندية وهي فرع لحزب الشعب، ويترأسها
ممتاز على بوتو.
وطالبت حركة منظمة السند المتحدة في ١٨ يونيو ١٩٧٢ عبر برنامجها
الحزبي بالاستقلال الذاتي باستثناء الشؤون الخارجية والعملة، كما طالبت
بالاعتراف باللغة السندية كلغة قومية وكلغة وحيدة على مستوى الإقليم، وقد انشق
فيما بعد حيدر بخش جاتوي عن باليجو وأسس حركة على المنهج الماوي الصيني
الشيوعي. ويقود بالمقابل حركة المهاجرين القومية الصيدلي ألطاف حسين الذي
كان عضواً في الجماعة الإسلامية الباكستانية التي أسسها الإمام المودودي ولكن في
بداية الثمانينات انشق عنهم بحجة أن الجماعة لم تقدم لأبناء عرقه شيئاً وأسس
حركة وهو المرشد الروحي لها ولكن لا يقول بأنه رئيس الحركة حتى لا يدخل في
حزبيات المهاجرين وإنما مرشد روحي لهم يوفق بين آرائهم المتنافرة فيما لو
حصلت، وقد أسست الحركة أخيراً كما يتردد ميليشيا للدفاع عن أبناء عرقها من
هجمات السنود المدعومين من حزب الشعب.
مجازر وأحداث:
في ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨ وقعت مجزرة رهيبة في حيدر آباد راح ضحيتها
٢٠٠ شخص عندما هاجم مجهولون تجمعاً شعبياً وبدأوا يطلقون النار على الأهالي
وفي ١٨ مايو الماضي قامت المخابرات الباكستانية باعتقال الدكتور قادر مكي وهو
سندي وتعتقد الاستخبارات الباكستانية بأنه العقل المدبر لهذه العملية التي استهدفت
المهاجرين وهو نفسه يرأس (جي سند) جناح التقدم، ثم تتابعت الأحداث مثل حادثة
القطار في كراتشي ورشق باص مملوء بالناس بالرصاص في كراتشي والانفجار
الأخير في حيدر آباد وغير هذه الأحداث كثير. كما قام الطرفان السنود
والمهاجرون بخطف بعضهم بعضاً حتى طال الأمر مسؤولين من الجماعتين وقد بلغ
عدد ضحايا موجة العنف الأخيرة مئات من القتلى وآلافاً من المشردين.
دولة سندوديش:
بدأت قيادات حركات السنود الانفصالية بالتحدث صراحة عن دولة لهم على
غرار بنغلاديش، وبدأ يردد البعض أن إمارات الخليج ليست بأكبر مساحة من
السند ويؤسسون دولتهم عليه وكان الأمر قد وصل ذروته في أوائل العام الماضي
عندما رفع علم سندوديش في مطار كراتشي. وفي ١٩ - ٢٠ مايو الماضي قامت
مجموعة من السنود بالهجوم على (حي إسلامياً) في حيدر آباد ورفعوا شعارات
تطالب بدولة سندوديش، كما قامت مجموعة (جي سند) بإغلاق الطرق في حيدر
آباد ورفعت شعارات مؤيدة لقيام سندوديش، وفي مؤتمر صحفي عقده فاروق
الحسن جيلاني أحد زعماء السنود طالب علناً وصراحة بدولة سندوديش والتي
ستضم حسب زعمه كراتشي وحيدر آباد وكوتري وسكر. وقال السكرتير العام
لحركة (تاج جويا) وهو المدعو (عدابي سانكان) : (إذا لم تمنحنا البنجاب حقوقنا
فسيقوم شعب السند بالانفصال، وأضاف إن الشعب إذا لم يحصل على ما يريد
فسيفكر حينها بالانفصال) مجلة نيوز لاين الباكستانية، يوليو / ١٩٩٠. ...
رأي القيادة الباكستانية:
تباينت آراء القيادة الباكستانية حيال الأحداث الأخيرة، وبعيداً عن التوتر
الذي طرأ بين القيادة العسكرية والسياسية حيال من يتسلم الملف الأمني فقد أخبر
الجنرال ميرزا أسلم بيغ قائد الجيش الباكستاني نواز شريف وبي نظير بوتو أمام
رئيس الدولة ولكن بشكل منفصل بأن الجيش لن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى
البلاد تتمزق وتتشتت على يد السياسيين. ونقلت مصادر باكستانية بأن بي نظير
طلبت من بيغ أن يهاجم أو يشدد على حركة المهاجرين فرفض خاصة وأنه مهاجر
مثلهم هاجر من الهند عقب الانفصال وقال بيغ أمام بوتو إن المهاجرين فيهم الصالح
والطالح مثل الأحزاب الأخرى.
نصرت بوتو نائبة رئيسة الوزراء ووالدتها حملت المهاجرين مسؤولية
الحوادث التي تقع، وانتقدت وصف الرئيس إسحاق خان لعملية البوليس التي سقط
ضحيتها عدد من النسوة اللواتي طالبن بعودة الحكم العسكري ورفعن شعارات
وصور ضياء الحق، وقالت نصرت: إن حركة المهاجرين بالتعاون مع
الاستخبارات الهندية تنفذ عمليات وحوداث كراتشي وحيدر آباد.
الرئيس الباكستاني غلام إسحاق خان قال وبصراحة إن كل حزب من
الأحزاب الباكستانية يحتوي على عناصر إرهابية، هذا الأمر أزعج وأقلق رئيسة
الوزراء بي نظير.
فتش عن أصابع الهند:
لم تجمع القيادة الباكستانية بكافة شرائحها مثل إجماعها على تورط يد الهند في
اضطرابات السند الأخيرة التي ستشغل باكستان عن استعداداتها لمواجهة الهيمنة
الهندية أو مساعدة كشمير أو المجاهدين الأفغان.
وتحصر الدوائر الباكستانية المطلعة الاتهام في الاستخبارات الهندية المسمى
بـ (راوا) ففي المؤتمر الصحفي الذي عقدته رئيسة الوزراء بعد عودتها من زيارة
قادتها لبعض الدود العربية في ١٧/٧/١٩٩٠ اتهمت بي نظير الهند وبصراحة في
تدخلها وتورطها في تمرير المخربين ودعمهم ومساندتهم في أحداث السند الأخيرة.
وفي لقاء لأحد مسؤولي جهاز الاستخبارات العسكرية الباكستانية مع صحيفة
(فرايدي تايمز) يوم ١/٧/١٩٩٠ قال: (إن الهند قامت عن طريق عملائها من كلا
الحزبين الشعب والمهاجرين باستخدامهم في إحداث التوتر) .
وفي تصريح لسيد أحمد أمير حيدر كاظمي وزير الصحة الفدرالي نشر في
الصحافة الباكستانية يوم ٢١/٧/٩٠ قال: (حسب علمنا هناك عملاء تسربوا إلى
داخل إقليم السند وعندما سئل عن هويتهم أجاب بأنه لا يريد التحدث بأي شيء
حول هذه النقطة ولكن القادة الهنود قد أشاروا سابقاً إلى أنهم سيعملون بورقة إقليم
السند ضد باكستان) .
ومنذ فترة طويلة والجيش الباكستاني - كما تنقل عنه الصحافة - يتهم
السلطات الهندية ومخابراتها بإشعال فتيل الفتنة في السند؟
إستراتيجية المخابرات الهندية في السند:
منذ انفصال بنغلاديش عن باكستان بتعاون وتورط هندي في ١٩٧١
والاستخبارات الهندية (راوا) تحاول جاهدة لفصل السند عن باكستان لاضعافها
وشرذمتها، وبالتالي تتمكن الهند من الاستفراد بالمنطقة حيث لا معارض ومنافس
لها إلا باكستان وتعمل المخابرات الهندية لتحقيق هذه الغاية عن طريق عدة محاور:
أ- ثبت عن طريق المطبوعات وعملائها وحتى صانعي القرار في الحكومة
الباكستانية أن العامل العقدي ليس كافياً للتلاحم القومي والوطني وبالتالي لا بد من
انفصال كل عرق لنفسه، ولهذا تحاول (راوا) إضعاف جذوة الإسلام في هذا البلد.
أما السياسيون الباكستانيون القوميون حتى من غير الإسلاميين فيدعون إلى أن يكون
الإسلام هو القاسم المشترك كما قال جناح الذي يدعى بمؤسس باكستان في إحدى
خطبه بعد الانفصال: إذا أردتم لهذا البلد الاستمرار فالقاسم المشترك الإسلام ولا بد
من نشر العربية وتقوية صلاتنا بالبلاد العربية، حيث إن الدين يجمع العرقيات أما
غيره من اللغة ونحوها فلا يمكن لأن اللغة مختلفة فيما بين العرقيات الباكستانية.
٢- تمكنت (راوا) من النفاذ إلى صانعي القرار في القيادة الباكستانية وهذا ما
أبلغته المخابرات الباكستانية للصحافة ولكن دون أن تذكر أحداً بالاسم ومما يذكر هنا
حادثة اعتقال فريدة أحمدي الأفغانية والتي كانت تترأس منظمة أفغانية شيوعية
ولدى تحقيق المخابرات العسكرية الباكستانية معها اعترفت بعلاقاتها مع المخابرات
الهندية وبالأدلة كما اعترفت بعلاقاتها مع بي نظير بوتو رئيسة الدولة.
وتعمل (راوا) عن طريق عملائها من صانعي القرار بتنفيذ ما تريده وهي
نفس السياسة التي اتبعتها الهند عقب انفصال باكستان مع الحركات العرقية
البشتونية في إقليم سرحد حتى وصلت إلى قوتها الحالية.
كما تفيد تقارير المخابرات الباكستانية إلى أن الهند وصلت أيضاً إلى
المنظمات الطلابية الباكستانية وبعض التجمعات الدينية، كما مارست سياسة
التضليل الإعلامي حتى ينبني عليها قرارات مصيرية خاطئة. وتأكيداً لنفاذها إلى
بعض القيادات فقد اعتقلت المخابرات الباكستانية الدكتور (قادر مكي) زعيم حركة
(جي سند) جناح التقدم يوم ١٨ مايو الماضي وهو العقل المدبر لمجزرة سبتمبر
١٩٨٨ وأدانته المخابرات الباكستانية بأنه أحد عملاء الهند في أعقاب المجزرة
وتابعت أموره الاستخبارات الباكستانية ولما عاد مؤخراً قبضت عليه، وكان (مكي)
أعلن حرباً مفضوحة ووحشية ضد حركه المهاجرين.
٣ - صرح أحد كبار مسؤولي المخابرات العسكرية الباكستانية لصحيفة
فرايدي تايمز الأسبوعية يوم ١/٧/٩٠ قائلاً: (إن الهدف الأساسي لأحداث السند
هو صب الزيت على النار وإنعاش التوتر العرقي كي يتحول الأمر إلى حرب أهلية
واسعة النطاق والتي ستؤدي أخيراً بقطع الطرق عن مدينة كراتشي وتبقى منعزلة
عن المدن الباكستانية الأخرى) .
فالحرب الأهلية هو مراد ومرام الهند من تخطيطها ضد باكستان وإذا ما وقعت
- لا سمح الله - فستصبح باكستان فريسة سهلة للهندوس.
٤- أقامت الهند معسكراً خاصاً على حدودها مع باكستان ودعته قسم العمليات
الخاصة لاستغلال الأفراد الباكستانيين المتشردين من الأحزاب العرقية وتدريبهم ثم
إرسالهم للسند وبث الاضطرابات فيها مع تهريب الأسلحة والمخدرات كما يقوم
هؤلاء العملاء بالمقابل بتزويد المخابرات الهندية بالمعلومات عن باكستان، كما
أقامت الهند معسكراً خاصاً آخر للتدريب العسكري وترسل المدربين للمناطق
المضطربة مع أدوات التخريب الضرورية.
٥- تعمل الهند وعلى المدى البعيد وحسب خطة مدروسة متقنة إلى ضرب
البنية التحتية للجيش الباكستاني الوحيد الذي يقف في وجه الهيمنة والتسلط الهندى
في المنطقة ولذلك فقد هللت الهند لمقتل هذا العدد الضخم من القادة الباكستانيين
العسكريين في حادثة طائرة ضياء الحق يوم ١٨ أغسطس ١٩٨٨.
وهذا ما يفسر هجوم القادة الهنود بعد وصول بي نظير على الجيش وبدأوا
يعبرون عن تخوفهم منهم على مسيرة الديمقراطية التي باتوا خائفين عليها
وحريصين على مصلحة باكستان! وهل يمكن أن يتحول الذئب إلى حَمَل بين يوم
وليلة؟ ! .
стр. 729
خدعة السلام العالمي
من الشعارات الخادعة التي تلوكها الألسنة كثيراً، ويحلم بها بعض الذين
يحملون أفكاراً نظرية خيالية شعار (السلام العالمي) . فهو من جهة مخالف لسنة من
السنن التي أودعها الله في الكون وهي سنة الصراع [ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] . وهو من ناحية أخرى لم يتحقق في عالم الواقع. ومتى
كان القوي يعطي فرصة السلام للضعيف عندما تكون شريعة الغاب هي السائدة.
ومنطلق العنجهية هو المتكلم ولهذا أمرنا الله أن نعد العدة بشكل
مستمر ودائم لنرهب أعداء الله، حتى لا يفكروا بأن يجعلوا المسلمين لقمة سائغة.
وإذا كان لابد أن نستفيد من التاريخ القريب أو البعيد، فإن كتاب (مائة
مشروع لتقسيم تركيا الدولة العثمانية) تأليف الوزير الروماني (دجوفارا) ، ينبئنا هذا
الكتاب عن الحقد الدفين، كما ينبئنا عن النفس الطويل الدائب في الكيد للإسلام
والمسلمين، فهذا السياسي الروماني [١] كتب عن مائة مشروع قدمت للدول الغربية
كي يتقاسموا المنطقة العربية الإسلامية بدءاً من القرن الرابع عشر الميلادي وانتهاء
ببداية القرن العشرين.
بدأت هذه المشاريع بعد الحروب الصليبية، وكلها تدور على كيفية إضعاف
الإسلام واحتلال بلاد المسلمين، ثم تطورت إلى كيفية تقسيم الدولة العثمانية
وإبعادها عن أوروبا، والمقدمون لهذه المشاريع إما قساوسة أو مفكرون سياسيون،
وبعض هذه المشاريع كان خيالاً يومها ولكن بعضها (مثل الاستيلاء على مصر من
قبل بريطانيا) تحقق بعد سبعة قرون، وبعض هذه المشاريع يركز على الحرب
الاقتصادية. وهذه نماذج من هذه المشاريع:
- المشروع التاسع: قدمه (غليوم دادام) وتاريخه سنة ١٣١١ م ومقدم هذا المشروع كان راهباً قضى معظم حياته يعظ بالإنجيل في بلاد الشرق وذهب إلى الحبشة والهند، وكانت آراؤه غريبة، فكان يشير بأن يأخذ الصليبيون مدينة القسطنطينية [٢] كما يشير بعمارة أسطول في بحر فارس لمنع تجارة الهند مع مصر. وعقد محالفة مع ملوك العجم (فارس) وقطع تجارة مصر مع الشرق الأقصى بوضع قوة صليبية في بحر الهند وعدن، وقد كان هذا الأمر في ذلك الوقت ضرباً من المحال [٣] .
- المشروع الرابع والعشرون: وتاريخه سنة ١٥٧١ م وهو مقدم إلى البابا بيوس الخامس، وأكثر موضوعه يدور على إيجاد المال اللازم لغزو الترك، وأما عدد الجيش اللازم فيقرره صاحب المشروع بمائة ألف راجل، وخمسين ألف فارس، وخمسين ألف بحري، ويقترح أن يسير الملك الجرماني من جهة البر، ويسير الأسطول الفرنسي من جهة البحر، وتوزع الأسلحة على نصارى الشرق، ويكتب إلى شاه العجم لمهاجمة الترك من الوراء [٤] .
- المشروع الرابع والأربعون: وهو مشروع مقدم من الفيلسوف الألماني (لبينتز) وتاريخه ١٦٧٢ م وقد استمر في تحريره أربع سنوات، وقدمه إلى لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وكان يقترح قبل كل عمل البدء بفتح مصر ويقول:
(إنه إذا انتزعت مصر من يد الأتراك آل أمرهم إلى البوار) ويقول مخاطباً لويس الرابع عشر: (إنك أنت في حربك مع هولندا لا تجد حليفاً إلا الحليف الذي تشتريه بالمال، أما إذا حاربت تركيا فما أكثر أنصارك! فإسبانيا وأمراء إيطاليا والبابا وملك بولونيا يكونون معك!) [٥]
واستمرت المشاريع وتحققت أحلامهم بإنهاء الدولة العثمانية والقضاء على
الخلافة، ويمكن أن نلحق في العصر الحديث بعضاً من مشاريع الغرب لتقسيم
المنطقة العربية الإسلامية. فقد نفذ مشروع (سايكس بيكو) بعد الحرب العالمية
الأولى، وقسمت منطقة بلاد الشام إلى دول خاضعة لبريطانيا وفرنسا، ثم وعد
وزير الخارجية البريطانية اليهود بأن تساعدهم بريطانيا لإقامة وطن لهم في
فلسطين، ثم مشروع روجرز الأمريكي للصلح مع إسرائيل، وما سياسة كيسنجر المعروفة بسياسة الخطوة خطوة إلا حلقة في هذه المشاريع المستمرة والمقصود بها العرب المسلمون بالدرجة الأولى فهل يتحقق فينا قول الرسول ﷺ : (ويل للعرب من شر قد اقترب) .
وهل يكثر الناس ويقل العرب بسبب تخبطهم في الداخل، وكيد الأعداء في
الخارج، كما ذكر الرسول ﷺ للصحابية أم شريك حين سألته
عن العرب حين يفر الناس من الدجال قال: (هم قليل) [٦] .
стр. 730
شؤون الدعوة في قبرص التركية
زار المنتدى وشارك معنا في دورة العلوم الشرعية الداعية الأخ عبد المنان
جولحة الذي يدير مكتب الدعوة الإسلامية في قبرص التركية وبهذه المناسبة حدثناً ...
عن نشاطات المكتب فقال:
إن لمكتب الدعوة الإسلامية في قبرص التركية نشاطاً متواضعاً وبعيداً عن
الدعاية والشكليات، ويعمل جاهداً بأن يكون النشاط موافقاً للكتاب والسنة مقصوداً
به مرضاة الله .
ومن أهداف المكتب خدمة الإسلام والمسلمين بالوسائل المتنوعة والمتاحة
ومحاربة البدع والخرافات والأفكار والمبادئ الهدامة والضالة، وبث الوعي
الإسلامي في صفوف الناس وخاصة بين الشباب، والعمل على إستئناف الحياة
الإسلامية بالإضافة إلى التعاون والتنسيق وتبادل الآراء والأفكار بين بعض دعاة
الإسلام وبين بعض مراكزه فيما ينفع الإسلام وأهله، ولا بد أن أنبه أن هذا المكتب
يتمتع باستقلالية تامة.
وللمكتب الآن عدة أنشطة تزاول حالياً من أهمها:
- عقد الندوات الإسلامية الأسبوعية في عدد من المدن.
- تنظيم جولات ورحلات جماعية كل أسبوع إلى المدن والقرى بقصد التبليغ
ودعوة الناس إلى دين الله.
- تعليم أطفال المسلمين قراءة كتاب ربهم وسيرة رسولهم -عليه الصلاة
والسلام- وغرس العقيدة في نفوسهم وتلقين التربية والثقافة الإسلامية.
- وفي الوقت الحاضر بالتعاون والتنسيق مع بعض المشايخ فقد عقدت
الدورات في عدة أماكن من المدن والقرى من أجل تحقيق الغاية المشار اليها آنفاً.
- أصدرنا جريدة شهرية إسلامية واسمها (الدعاء) والهدف منها نشر الحقائق
والمبادئ والأفكار الإسلامية ومحاربة العادات والتقاليد الفاسدة والتصدي لأهل
الباطل وتفنيد ضلالاتهم. ومن الأهداف أيضاً تغطية العجز أو النقص في وسائل
الإعلام الإسلامي عندنا ونطبع منها (٢٠٠٠) نسخة شهرياً وتوزع مجاناً في قبرص
وبعض مناطق تركيا.
- وللمكتب دور في صفوف بعض المدارس وطلاب الجامعة وترتيب لقاء
أسبوعي معهم في أحد المساجد ونجتمع فيه حول مائدة كتاب الله تعالي نتدارسه،
ولقاء شهري آخر التعارف والتعاون على البر والتقوى.
- تأمين الكتاب والشريط الاسلامي وتزويد الشباب وغيرهم بذلك، وإلى
جانب هذا في المكتب جناح خاص بالكتب الإسلامية والأشرطة والأفلام باللغات
التركية والإنجليزية والعربية للقراءة والإعارة والمطالعة.
وللبهائية نشاط في قبرص وتعقد سنوياً مؤتمراً يحضره وفود من مصر
وتركيا وألمانيا وإيران وإنكلترا وغيرها من بلدان العالم.
ويوزعون الكتب والنشرات البهائية ويستغلون جهل الناس بالإسلام ويتغلغلون
في صفوفهم، وهذه فكرة عنهم ومناظرة معهم.
البهائيون يشكون حركة هدامة من أهدافها تمزيق وحدة المسلمين، وتفتيت
الصف الإسلامي، واشغال المسلمين بعضهم ببعض، وصرفهم عن الحق المبين
والصراط المستقيم. ولا تنشط الحركات الهدامة إلا في أوساط ضعاف الإيمان
عديمي المعرفة بحقائق الإسلام. ومنذ مدة ليست بقصيرة بدأت هذه الحركة الضالة
والمضلّة حركة البهائيين تصعّد نشاطها في قبرص التركية قتعقد المؤتمرات
والندوات، وتقيم الحفلات، وتنظم اللقاءات وتنشر المقالات عبر الصحف المحلية، وأفراد من أتباع هذه الحركة تنشط وسط الناس وتتصل بهم وتعقد السهرات وتقوم
بالزيارات للبيوت والمشافي وغيرها، والهدف نشر البهائية وتلقين الناس مبادئ
هذه الحركة وتأمين الانضمام إليها ولهم رجال في سلك الدولة وبعض المؤسسات
وبعض المدارس والجامعة.
وقد تصديت لهذه الحركة منذ أعوام، ونبهت المسلمين لخطورة البهائيين وما
زلت إلى الآن أقاوم عبر المنبر في مسجدي ومن خلال الدروس العامة والخاصة،
ومن خلال الجريدة الشهرية التي أصدرها، وقد دعوتهم للمناظرة فامتنعوا في أول
الأمر وفي النهاية قبلوا.
في اليوم الأول استمرت المناظرة حوالي ثلاث ساعات وقد حضر المناظرة
حشد من الناس وقلت لهم في البداية: ما هو الحكم الفصل بيننا حين التنازع، هل
تقبلون الكتاب والسنة حكماً في المنازعة قالوا: نعم. قلت لهم، إلام تدعو البهائية؟ قالوا: إلى دين جديد وكتاب جديد، ورسول جديد. قلت لهم إن محمداً - صلى
الله عليه وسلم - آخر الأنبياء والرسل بدليل قول الله تعالى: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا
أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] فهذه الآية تفيد أن محمداً -عليه
الصلاة والسلام- رسول ونبي وأنه لا نبي بعده ومعنى ذلك لا رسول بعده أيضاً.
ثم إن الرسول محمد ﷺ بعث إلى الناس جميعاً بخلاف من
قبله من إخوانه الرسل الكرام فإنهم كانوا يرسلون إلى ملة خاصة وفترة محددة
ومكان معلوم. أما الرسول محمد ﷺ فقد بعثه الله إلى بني آدم
قاطبة بدليل قوله تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً] . ثم
قلت لهم: إن الله تعالى قد أكمل الدين الإسلامي بدليل قوله تعالى [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ] .
فقال مندوبهم: إن الله تعالى ذكر في الإنجيل أيضاً أنه قد أكمل الدين. قلت
لهم: في أي إنجيل ذكر ذلك؟ في إنجيل متى أم في إنجيل مرقص أم في يوحنا أم
في برنابا. توقف قليلاً ثم قال: في الإنجيل الذي نزل على عيسى. قلت له: أين
هذا الإنجيل الآن؟ قال: لا أعرف. قلت لهم كيف تدعون أن الله تعالى ذكر في
الإنجيل أيضاً أنه أكمل الدين وأنتم لا تعرفون الإنجيل الذي نزل على عيسى. ولا
أين هو. فسكت ثم قال أن محمداً هو خاتم النبيين وليس خاتم الرسل. فبينت له
وجه الحق ورددت عليه ولكن لم يقتنعوا. وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية
عشرة ليلاً. فقلنا لهم غداً نواصل المناظرة فوافقوا على ذلك. ولكن لم يحضروا في
الغد. وحضروا بعد ثلاثة أسابيع وعددهم أربعة أشخاص. ومعهم مجموعة من
الكتب. واحتشد جمع غفير من الناس، وقبل البدء بالمناظرة، تكلّمت عن مزايا
الإسلام وخصائصه وشموله وعالميته.
وذكرت أن الإسلام قادر عل تلبية احتياجات البشر المادية والمعنوية وأنه قادر
على إسعاد البشر إن آمنوا وتمسكوا بمناهجه والتزموا طريقته.
وقلت أن الإسلام سيبقى ما دامت السماوات والأرض رغم أنف المشركين
والمرتدين والمنافقين، وأنه اليوم يتقدم بذاته وينتشر بقوته ويقتحم الحدود والحواجز
ولن تستطيع قوى الكفر والشر مجتمعة أن توقف المد الإسلامي، وأن الأموال التي
انفقت، والأموال التي ما زالت تنفق لإطفاء نور الله والصد عن سبيل الله لو أنفقت
للقضاء على دين آخر غير دين الإسلام لتم القضاء عليه ولمحي أثره من الوجود،
وقلت: رغم رصد الملايين من الدولارات ورغم توظيف إمكانات هائلة، وتجنيد
جيوش جرارة من أجل القضاء على الإسلام ومع ذلك يزداد حيوية وصلابة
وستنهار أمامه كل النظم والمذاهب والفلسفات والأديان الباطلة، وأن الإسلام هو
الحل لما يعاني منه البشر من الولايات والحروب والفتن وعدم الاستقرار والأمن
والطمأنينة في العالم.
وقلت: حين يعود الإسلام للصدارة، وحين يكون الحكم لله تعالى، عند ذلك
يعيش الناس في وئام وأمان. وإنه لقادم وبقدومه يفرح المؤمنون، وبتشريفه تسعد
البشرية وينتشر العدل ويسود السلام والمحبة، وتزول الحرب.
إن بيننا بهائيون جاؤوا للمناظرة والدعوة إلى البهائية، فهم يدّعون أنهم
يؤمنون بالقرآن ولكن يقولون:
- الزاني لا يجلد ولا يرجم ولكن يدفع مبلغاً من المال كفّارة.
- الصلاة مرّة واحدة في اليوم ومقدارها ١٩ ركعة.
- لا يحجون إلى البيت العتيق في مكة.
- المرأة كالرجل في كل شيء. ثم المرأة لها الحرية المطلقة.
- الصوم تسعة عشر يوماً في شهر مارس.
- القيامة صغرى وتبدأ بوفاته وكبرى يوم ظهور دعوة بهاء الله.
- ويقولون: إن محمداً ﵊ ليس آخر الرسل إنما هو
خاتم النبيين فقط.
وبينت لهم في المناظرة وجه الحق في هذه المسألة ولكن لم يقبلوا ومع ذلك
نورد بعض الأحاديث التي تدل على أنه خاتم الأنبياء والرسل. فذكرت الأحاديث
التالية:
١- مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، وترك به موضع لبنة
فطاف به النظار يتعجّبون من حسن بنيانه إلا موضع اللبنة، وأنا اللبنة فختم بها
البنيان وختم بي الرسل.
٢- لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان فيكون بينهما مقتلة عظيمة
ودعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون قريباً من ثلاثين كلهم يزعم
أنه رسول الله.
٣- لو كان موسى وعيسى حيينّ ما وسعهما إلا اتباعي.
أو كما قال رسول الله ﷺ .
إلى غير ذلك من الأدلّة والبراهين والحجج. وقلت لهم: ومع ذلك فنحن على
استعداد لمناظرتكم في أي مكان حتى على شاشات التلفاز وهاتوا برهانكم وادعوا
شركاءكم وكبراءكم إن كنتم صادقين.
стр. 731
حملة لتنصير الطوارق
جنوب الصحراء الكبرى
بدأت الغارة الصليبية على شعوب جنوب الصحراء الكبرى مع بداية الغزو
الأوروبي لشمال أفريقيا والصحراء الكبرى في منتصف القرن التاسع عشر
الميلادي، إذ كان حرص أوروبا آنذاك على اكتشاف واحتلال الصحراء الكبرى لا
يقل عن حرصها الآن في اكتشاف الفضاء الخارجي.. ولتحقيق ذلك الأمل الكبير
تنافست دولها المركزية وهيئاتها العلمية في إحراز قصب السبق في اكتشافها
والوصول إلى عروسة الصحراء ومدينة الأساطير (تين بكتو) الأمر الذي أفقدها
أعداداً هائلة من الرجال والعلماء والبعثات العلمية والعسكرية زيادة على البعثات
التنصيرية التي طويت صفحات تاريخها في رمال الصحراء..
ففي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وجهت أوروبا جيشها الصليبي
بقيادة الكاردينال الآلماني شارل مارسيال لافيجيري مطران الجزائر وكبير أساقفة
أفريقيا ومبعوث البابا إلى الصحراء الكبرى وبلاد السودان، ولقد لعب هذا
الكاردينال العنيد فصلاً مأساوياً في قصة الغزو الصليبي للصحراء كانت نتيجته
خيبة آماله العراض في تنصير صحراوي واحد.
وفي عام ١٨٩٤ م دخل الجيش الفرنسي المرابط في غرب إفريقيا مدينة تين
بكتو بقيادة الكولونيل جوفر.. وعام ١٨٩٥ م وصلت إليها أول بعثة مسيحية بقيادة
القس دبوي المعروف براهب تين بكتو. وفي عام ١٩٠٣ م أتم الغزاة عملية
احتلال الصحراء، غير أن الأمر لم يدم طويلاً إذ أعلن الطوارق من شرق النيجر
إلى غرب مالي ثورتهم الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي (نقض العهد) كما يسمونه.
وكان ذلك عام ١٩١٤ - ١٩١٦ م وكانت هذه الثورة بإيحاء من الحركة السنوسية
بليبيا.. ولم يتمكن المستعمر من القضاء عليها حتى تكبد خسائر جسيمة في الرجال
والعتاد والأموال. الأمر الذي جعله بعد القضاء عليها يحكم البلاد بالأحكام العسكرية
الظالمة مستخدماً أشد أنواع القمع والاضطهاد، واستمر الحال هكذا إلى مغادرة
الغزاة أرض الصحراء عام ١٩٦٠ م بعد أن تركوا في نفوس سكان الصحراء
جروحاً غائرة زادت الفجوة العدائية الموجودة بينهم سابقاً اتساعاً، وعمقاً، وحاصل
القول أن الاستعمار الفرنسي في إفريقيا لم يجد أمة معاندة ومتصدية للطموحات
الاستعمارية كأمة الطوارق، ولهذا نجده يعاديها أكثر من غيرها من الأمم الإفريقية
ويصفها بقطاع الطرق ومرة ببرابرة الصحراء، وطوراً بالأشقياء، أعداء الحضارة
الإنسانية.
ومصداقاً لما ذكرته أنقل هنا ما كتبه أحدهم جيمس ويلارد في كتابه الصحراء
الكبرى صفحة ٣٥١ أن قصة بعثة الكولونيل فلاتيه هي في الحقيقة قصة المحن
والمخاطر والمجازفات التي عرفها الفرنسيون في غزوهم للصحراء الكبرى وهي
بكل تأكيد حملة استغرقت ما يقارب مائة عام ضد أصلب عدوين للحضارة
الأوروبية في شمال إفريقيا - أعني الصحراء الكبرى ورجال عشيرة الطوارق.
ولقد كان عدوا التقدم الأوروبي هذان وما يزالان من القوة بحيث أن الصحراء لا
يخترقها إلى الآن خط حديدي.
هذه شهادته! والحق ما شهدت به الأعداء كما يقولون، والحق أيضاً أنه لولا
عدم وجود كلمة المستحيل واليأس في قاموس الغزاة الكفار لأصيبوا بالخيبة واليأس
من احتلال الصحراء في المائة الأولى من غزوهم لها.
وفي السبعينات من هذا القرن الميلادي جاءت الفرصة المرتقبة للأعداء.. إذ
توالت على جنوب الصحراء عدة سنين من الجفاف والقحط كان أشدها عامي
١٩٧٣- ١٩٨٥م اللذين نفقت فيهما الثروة الحيوانية لشعوب الصحراء وتردت
أحوالهم الاقتصادية.. الأمر الذي أدى وبسرعة مذهلة إلى تغير نمط حياتهم
الاجتماعية كما مهد الطريق للغارة الصليبية الثانية على المنطقة، إذ سرعان ما
تدفقت الجيوش الصليبية مرة أخرى على المنطقة المنكوبة ولكن في صورة جمعيات
للإغاثة والنجدة هدفها الوحيد تنصير هذه الأمم المنكوبة مقابل كسرة خبز أو شرطة
طبيب.. بل إن هدفها يتجاوز هذا الحد إلى العمل من أجل تنصير الشريط
الصحراوي الفاصل بين شمال إفريقيا العربي المسلم وغرب إفريقيا الأسود المسلم.
والممتد من شرق جمهورية النيجر إلى حدود مالي مع موريتانيا.
العوامل التي شجعت الغزاة على القيام بغارتهم الجديدة:
١- الإمكانيات المادية والمعنوية الهائلة الموجودة لدى المجامع الكنسية
الأوروبية.
٢- النية المبيتة لدى المجامع الكنسية للغارة على العالم الإسلامي خاصة.
٣- الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها منطقة الصحراء الكبرى منذ
عام ١٩٧٣ م.
٤- تغير وتبدل نمط الحياة الاجتماعية لشعوب الصحراء من حياة الترحال
إلى حياة الاستقرار.
٥- فعالية سلاح المنفعة الذي دخلوا به ميدان المعركة.
٦- خلو المنطقة من جمعيات الإغاثة الإسلامية.
أهداف الغزاة المنصرين:
١- تنصير أكبر عدد من سكان الصحراء من الطوارق والعرب والفولاني
والسنغاي في أسرع وقت وقبل أن تصل أخبار غارتهم إلى العالم الإسلامي.
٢- قطع صله شمال إفريقيا العربي المسلم بغرب إفريقيا الأسود المسلم وذلك
بتنصير الشريط الصحراوي الفاصل بينهما.
٣- الحصول عل متنصرين من الجنس الإفريقي الأبيض العريق في الإسلام
للاستعانة بهم في نشر المسيحية في غرب إفريقيا السوداء. والجدير بالذكر أن
الدافع لهم على ذلك اعتقاد خاطئ لديهم مفاده أن الإنسان الأبيض أشد تمسكاً وإيماناً
بمعتقداته من الإنسان الأسود كما أن لديه عزيمة وهمة في الدعوة إلى معتقده والدفاع
عنه أكثر منه.
ويقول الغزاة إنهم توصلوا إلى معرفة ذلك من سرعة انتشار الإسلام في غرب
إفريقيا بواسطة المرابطين والتجار العرب ومرابطي الفولان. والحق الذي لا مراء
فيه أن السر في ذلك يرجع إلى الخصائص التي يمتاز بها الإسلام عن غيره من
الأديان لا إلى بياض زيد أو سواد عمرو.
٤- إحراز نوع من الانتصار الصليبي على الإسلام وذلك بتنصير بعض
الشعوب في الإسلام كالطوارق والعرب والفولاني والسنغاي.
المخطط التنصيري للإرساليات المسيحية العاملة جنوب الصحراء الكبرى: ...
١- استغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المنطقة.
٢- القيام بدراسة شاملة لأوضاع المنكوبين لمعرفة نقاط التأثير واستغلالها
بكفاءة.
٣- التعاقد مع حملة المؤهلات العالية من أبناء الطوارق والعرب والفولاني
والسنغاي ومن ذوي الفكر الأوروبي المعادي للعرب والإسلام.
٤- إقناع القبائل الرعوية التي تعتمد في حياتها على الترحال والرعي
بضرورة الاستقرار والاستيطان في مخيمات دائمة للتحكم في مصيرهم.
٥- محاولة إسكات أصوات المعارضين من ذوي الرئاسة والعلم والنزعة
الدينية بالعطايا والهبات.
٦- التحزب لبعض الطوائف الدينية الإسلامية ضد الأخرى اتباعاً لسياسة
فرق تسد.
٧- بناء كنائس في بعض القرى الهامة في الصحراء لاستدراج السذج من
المسلمين لمشاركتهم في أداء صلواتهم المسيحية.
٨- الإغداق على بعض الرؤساء الموالين لهم لإغراء الآخرين.
٩- القيام بربط كل مخيم مع قرية أوروبية في عملية يسمونها (جيملاج) أي
التوأمة بين الموضعين على أن تقوم المدينة أو القرية الأوروبية بمساعدة توأمتها
الصحراوية كل سنة، والنهاية أن يفضل سكان المخيم الصحراوي المسلم تلك
القرية أو المدينة الأوروبية المساعدة لهم على مكة المكرمة والمدينة المنورة.
١٠- عزل وتعتيم أحداث الغارة وأخبارها عن العالم الإسلامي والعربي قدر
المستطاع.
أوضاع الطوارق الحاضرة في ظل الإشراف الصليبي على مخيماتهم الدائمة:
١- الشلل الشبه التام لنمط الحياة التقليدية الطارقية القديمة.. حياة الترحال
التي كانت سر حفاظهم على حريتهم منذ آلاف السنين.
٢- إصابة التعليم الإسلامي التقليدي بالشلل التام بعد انصراف العلماء وطلبة
العلم إلى طلب أرزاقهم بالطرق الشرعية.
٣- اعتماد سكان هذه المخيمات في أحوالهم المعيشية على ما تجود به تلك
الإرساليات الغازية وما ترسله
لهم القرى والمدن الأوروبية التي عقدوا معها وفاق التوأمة (جيملاج) .
٤- هجرة الأجيال الصاعدة من أمة الطوارق إلى شمال إفريقيا (ليبيا
والجزائر) بحثاً عن العمل وهروباً من البطالة التي تنتظرهم في حياه المخيمات
الدائمة.
٥- ارتفاع نسبة النساء والأطفال والكهول في هذه المخيمات وهؤلاء يعتبرون
وجبة سائغة للغزاة اللهم إلا من رحم الله من المحسنين.
٦- إصابة المنكوبين بما يشبه اليأس والقنوط من نجدة إخوانهم المسلمين لهم.
نتائج الغارة الصليبية على مسلمي الصحراء:
١- اكتشاف الغزاة لبعض نواحي الضعف في التركيبة الاجتماعية للأمة
الطارقية واستغلالهم لها في بلدة غوسي الواقعة غرب مدينة غاوو. فبعد دراسة
الغزاة للعادات والأعراف الطارقية اكتشفوا أن الأسرة الطارقية لا يمكن أسرها إلا
عن طرق الأم - أي المرأة - وذلك للمكانة الاجتماعية الكبيرة التي تحظى بها
المرأة في المجتمع الطارقي..
فبعد اطلاع الإرسالية النرويجية العاملة في بلدة غوسي على هذا السر
الاجتماعي سارعت إلى نشر إعلان بين أهالي المنطقة مفاده منح خمسة آلاف فرنك
شهرياً لكل أب يلحق ابنته بالمدرسة التابعة للإرسالية المذكورة، وهنا تسابق الناس
إلى إلحاق بناتهم بالمدرسة المذكورة طمعاً في الحصول على المبلغ المذكور.
والجدير بالذكر أن الذكور محرومون من هذه الخصوصية، ولا شك أن هذه المكيدة
من أخطر المكائد التي أوقع فيها الأعداء المساكين المنكوبين.
٢- زرع كراهية العرب في نفوس ضعاف الوازع الديني بحجة أن العرب لم
يسارعوا إلى نجدتهم كما فعل المنصرون بل لم يواسوا المنكوبين الطوارق ولو
بالكلمات الطيبة. وأما هم فقد قدموا وما زالوا يقدمون لهم أنواع المعونات
والمساعدات!
٣- نجاحهم في بناه عدد من الكنائس في بعض القرى الهامة في الصحراء
كقرية غوسي غرب غاوو ومنيكا التي تعتبر العاصمة السياسية لإمارة الطوارق قبل
الاستعمار الفرنسي. أما كيدال عاصمة قلب الصحراء فقد رفض حاكمها المسلم
الشيخ انتالا بن الطاهر بناء كنيسة فيها الأمر الذي أثار حفيظة الإرساليات المسيحية
فتقدمت بالشكوى إلى السلطات الحاكمة التي استدعته وطلبت منه الموافقة على بناء
كنيسة في بلدة كيدال فاعتذر بها اعتذاراً شديداً فأعفته من ذلك، أما الحكومة
ورؤساء العشائر الطارقية والعربية المنكوبة فالظاهر أن همهم الوحيد هو إنقاذ
أقوامهم من خطر الجوع فقط، أما الدين فأمره إلى الله!
٤- إصابة التعليم الإسلامي التقليدي بالشلل التام وانصراف العلماء وطلاب
العلم إلى طلب الرزق الحلال بدلاً من البقاء في مخيمات التنصير هذا ومن البديهي
أن يحدث هذا الانتصار الذي كان المراقبون يتوقعونه بسبب فعالية السلاح الذي
دخل به الأعداء أرض المعركة وملائمته للظروف السائدة في الوقت الحاضر.
إن سلاح النفع أخطر سلاح على الإنسان وخصوصاً على الجائعين. لقد
كانت أمهات الطوارق منذ عقود من الزمن يقلن إذا رأين كافراً (اللهم لا تجعل الكفار
ممن ينفعنا فنحبهم) كن يقلن هذا في دعائهن في زمن كان الطوارق فيه أغنى الأمم
الرعوية البدائية على وجه الأرض.. واليوم حدث ما كن يتخوفن منه إذ حقق سلاح
النفع في أبنائهن وأحفادهن ما لم تحققه مدافع الأعداء قديماً.
٥- ومن نتائج الغارة يأس المنكوبين من نجدة إخوانهم المسلمين لهم
ومساعدتهم على الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه والمتمثل في الخيار بين الفقر
والتنصر.. والعياذ بالله.
٦- اكتشاف الغزاة لأساليب تنصيرية جديدة ومتنوعة.
الحلول المقترحة لمجابهة الخطر الصليبي على سكان الصحراء:
١- كسر الحاجز المصنوع بين المخيمات الصحراوية والعالم الإسلامي والذي
أوجدته تلك الإرساليات نفسها بما لديها من الامكانيات.
٢- قيام جمعيات الإغاثة الإسلامية بزيارة المنطقة وتقديم العون المادي
والمعنوي لسكان تلك المخيمات بدلاً من تركهم تحت رحمة البعثات التنصيرية.
٣- قيام بعض مشايخ الحركات الإصلاحية الإسلامية بزيارة تلك المخيمات
لإشعار سكانها بأن العالم الإسلامي قادم إليهم لنجدتهم وهذه خطوة قد تبعث في نفوس
المنكوبين بعض ما تبقى في نفوسهم من الشجاعة.
٤- قيام الهيئات الإسلامية القادرة بالتعاقد مع أكابر علماء البلاد لكي يستمروا
في أداء رسالتهم العلمية والتفرغ لها، والجدير بالذكر أن التعليم الإسلامي قد أصيب
بالشلل التام في المنطقة منذ عام ١٩٧٣م.
٥- توجه بعض رجال الإعلام الإسلامي إلى المنطقة لإطلاع العالم الإسلامي
على فداحة المأساة.
والجدير بالذكر أن الإرسالية النرويجية العاملة في مدينة غوسي غرب مدينة
غاوو عاصمة الإقليم السابع في جمهورية مالي تعتبر من أنشط الإرساليات الصليبية
العاملة جنوب الصحراء، وقد حصلت على امتياز من الدولة يخولها الإشراف على
منطقة كبيرة وهي المنطقة الواقعة بين غوسي وغاوو وتفارست وتفكر بقية
الإرساليات المسيحية العاملة في المنطقة المنكوبة في تقديم طلباتها إلى السلطات
الحاكمة للحصول على نفس الامتياز مثلما تتعاقد شركات التنقيب عن النفط والمعادن
مع الدول للحصول على امتياز التنقيب في منطقة من المناطق تتعاقد بعثات
التنصير (وهي شركات أيضاً) للحصول على الامتياز في المناطق التي يوجد فيها
مسلمون، فكله استثمار! وربما كان استثمار البشر أثمن من استثمار المناجم
والمعادن!
стр. 732
خبر وتعليق
مرتد في تركيا يلقى حتفه
لقي المرتد طوران دورسون حتفه في مدينة إستانبول على يد أناس مجهولين
أطلقوا عليه الرصاص ولاذوا بالفرار. وكان هذا الخبيث يعمل لمدة أربعة عشر
عاماً في بعض مساجد تركيا كإمام وخطيب، وقبل موته كان محرراً لصفحة الدين
في مجلة (الألف عام) وهي مجلة يسارية أسبوعية ومن خلال هذه المجلة كان يهاجم
الإسلام ويستخف بتعاليمه، ويحاول إقناع القراء بأن أغلب الأوامر الواردة في
الإسلام مختلقة وليس لها أصل.
ويقول في كتابه (هذا هو الدين) : الإسلام قابل للتطبيق في الحياة بعد إجراء
تعديلات في أوامره ونظامه وقانونه. وفي حوار صحفي معه قال: يستحسن تحويل
أماكن العبادة إلى مواقف للسيارات.
عن جريدة الوحدة الإسلامية إستانبول
وقد أذاعته وكالات الأنباء التركية بتاريخ ١٠/٩/١٩٩٠
تعليق:
هذا المرتد كان يشغل منصباً دينياً في الرئاسة المسماة رئاسة الشؤون الدينية
التركية، وكثير من الموظفين في هذه الرئاسة على شاكلة طوران موظفون
علمانيون لا يؤمنون بالإسلام كدين مهيمن، ولكن يعملون في هذه المراكز لسببين:
١- كي يتاح لهم الطعن في الدين أو تحريفه أو تشويهه بتصرفات لا تليق
بمثل صاحب هذا المنصب.
٢- هذا العمل وسيلة رزق، وحتى تتاح لهم مناصب أكبر وأفضل فلا مانع
عندهم من أن يلبس أثناء الصلاة أو في خطبة الجمعة (عمة وجبة) يضعها دائماً
تحت المنبر للوقت المطلوب.
ومع أن تركيا مثل بقية العالم الإسلامي تشهد رجوعاً للدين من فئات الشعب،
ولكن يبدو أن الصراع مع (أتاتورك وحزبه وشيعته) صراع طويل.
стр. 733
ظواهر
الكتاب الإسلامي
بعض الناس يستعجلون قطف الثمار قبل نضوجها، وهذا التعجل هو ما
نلاحظه في معرض الحديث عن (الكتاب الإسلامي) ففي كل يوم تقذف المطابع
بعشرات من الكتيبات والكتب التي تشعر أن السرعة في النشر والإنتاج هو الطابع
المميز لها لأنها لم تأت بشيء جديد، ومن الظواهر التي ترافق هذا التعجل الكتابات
المتشابهة، فالمخطوط يحقق من أكثر من جهة، والموضوع الواحد يطرق من أكثر
من جهة، وذلك كله لانعدام التخطيط والمشورة والنصح، ولا نعني بهذا أن نحجر
على أحد أو نمنع أحداً من الكتابة، ولكن نريد الإنتاج الجيد.
إن رواج الكتاب الإسلامي جعل بعض الناس ما إن يقرأ بعض الكتب حتى
تتفتح شهيته للكتابة، وبما أن دور النشر كثيرة، فهي تريد أن تنشر أي شيء حتى
تثبت وجودها، فلا مانع عندها من قبول أي عرض، والنتيجة تأتي على حساب
القارئ الذي يجد أمامه المئات من الكتيبات حول الإسلام، فماذا يأخذ وماذا يدع؟ !
إن الكتابة لا تأتي إلا بعد قراءات كثيرة ومتنوعة وعميقة.
جاء في (الإمتاع والمؤانسة) : (لا وليس شيء أنفع للمنشئ من سوء الظن
بنفسه، والرجوع إلى غيره وليس في الدنيا محسوب [١] إلا وهو محتاج إلى
تثقيف، والمستعين أحزم من المستبد ومن تفرد لم يكمل، ومن شاور لم ينقص) .
стр. 734
قديم جديد
الاستقلال والاتكال
كتب الأستاذ محمد كرد علي مقالاً في مجلة المنار بتاريخ ١٦ رجب ١٣١٩
الموافق ٢٩/١٠/١٩٠١ والمقال هو تعليق على كتاب (سر تقدم الانكليز
السكسونيين) للكاتب الفرنسي (أدمون ديمولان) ننقل هنا فقرات منه لأهميته، ولأن
المشكلة التي عالجها الكاتب، والمعلق الأستاذ كرد علي لا تزال تواجهنا، مشكلة
الاتكالية وحب الوظائف الرسمية وترك العمل والمغامرة.
- التحرير -
أعرف رجلاً في أحد مدن سورية الحافلة، له عراقة في محتده، وأصالة بين
قومه، وسعة من دنياه، وتراه مع هذا يصرف نهاره وليله في نيل الزلفى من
الأمراء كبتاً لخصومة! فيبذل كل عام في هذا السبيل من الصفراء والبيضاء، ما
يكفي لإعالة ألف نسمة من أصحاب البأساء، وكلما طعن في السن يزداد غلواً في
مباديه، وإصراراً على نكاية أعاديه، وهو دائماً أجول من قطرب وأشغل من ذات
النحيين ومساعيه أبداً مخفقة وآماله مخيبة.
وهكذا حال خصمه اللدود، له مال وبنون ومقام بين أهل حيه كريم ولكن لا
يهدأ له بال إلا بالجلوس على أرائك الحكم ومقاعد التصدر، يتلمس لبنيه إذناً
بملازمة الدواوين مزاحمة لأولاد الفقراء ليستأثروا بعد بالرواتب دونهم وينالوا
المعالي بنفوذ والدهم عفواً صفواً.
ولو عقلا لاستعاضا عن التلهي بهذه السفاسف بإدارة شؤون مزارعهما الواسعة
وتحسين طرقها وتنمية غلاتها وثمراتها ولكن هو حب الرئاسة يستلب الألباب وفي
الأمثال (يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة) ولطالما سمعنا أن فلاناً غادر سكنه
ومسكنه تاركاً دخلاً يكفيه وعياله، لأن يعيش عيش الاستقلال فيوكل به من يسرق
نصفه، لينتظم في سلك الموظفين، ويأخذ من استخدامه ما يوازي النصف الذي
فقده بغيابه، ويغتذي من دماء الأمة سحتاً بحتاً وحراماً محضاً، ليقال عنه أنه من
الموظفين، ويخاطب بالفضيلة والسعادة، ثم إذا كثر سواد أقرانه يمضي حياته قلق
الضمير وربما أنفق كل ما يملكه من تراث آبائه ليرتقي إلى وظيفة أعلى من
وظيفته، ويسبق من سبقوه أوهم لاحقوه. وما الموظفون في الحكومات الاستبدادية
براغبين أن يعدوا من ممثليها ليحموا ما يملكونه من اعتداء المعتدي وتعسف الظالم، كما هي دعواهم، بل ليكونوا جلادين في تلك الدولة، ويسوغ لهم إتيان كل منكر
أرادوه، بلا وازع ولا رادع!
أين حال الأغنياء والأعيان المتهافتين على المناصب في بلادنا من أهل تلك
الطبقة في إنكلترا مثلاً حيث الحكومة تخطبهم والشعب يطلبهم وشتان بين خاطب
ومخطوب.
كتب أحد سراة بريطانيا إلى صديق له يقول: دع الناس يطلبون الأرزاق من
الدولة؛ فأنا لا أنحو منحاهم، لأنني أقدر أن أكون غنياً بتساميّ عن الدنايا، ولا
أرتضي أن أشين خدمتي لوطني بفوائد ذاتية فإني أعمل في بستاني، واجتزئ
بالقليل من النفقة عن الكثير.
وهو كما رأيت من كلام من يوقن ان الإمارة ليست بمذهب طبيعي للمعاش،
بل كلام من ارتقى وتهذب وعلم علم اليقين أن الحكومات ليست إلا خادمة للأمم وأن
الشعب في غنية عنها ولا غنى لها عنه. فمتى يكون مثل هذا القول لسان حال
أعيان بلادنا حتى لا يكونوا على أمتهم أضر من العث في الصوف والدودة في
الكرمة.
ونحن لو استشهدنا التاريخ لرأينا أجدادنا كانوا في منازع حياتهم لا يعرفون
مع بسطة الجاه واتساع الثروة والملك إلا النشأة الاستقلالية بعيدين في كل أطوارهم
عن السرف والترف، فقد اشتهر من سيرة الصديق الأكبر ﵁ أنه
كان يغدو كل يوم إلى السوق فيبع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما
خرج هو بنفسه وربما رعيت له , وكان يحلب للحي أغنامهم. فلما بويع بالخلافة
قالت جارية منهم الآن لا يحلب لنا منائح دارنا فسمعها فقال: بل لعمري لأحلبنها
لكم، وإني لأرجو أن لا يغير بي ما دخلت فيه، فكان يحلب لهم. ثم قال ما تصلح
أمور الناس مع التجارة، وما يصلح إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، فترك
التجارة وقيل أراده الصحابة على تركها وأنفق من مال المسلمين ما يصلحه وعياله
يوماً بيوم فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم، وقيل: فرضوا له ما
يكفيه فلما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرضه ويصرف ثمنها بدلاً مما أخذه من
مال المسلمين.
قال الأستاذ كرد علي بعد مقدمة الموضوع:
إن الأمم من حيث كيانها قسمان: استقلالية واتكالية. فالأمة الاستقلالية
هي التي طبعت على حب الانفراد يعتمد كل فرد منها على نفسه [١] لا على
حكومة ولا جمعية ولا حزب ولا عشيرة ولا أسرة.
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل
والأمم الاتكالية هي التي يعتمد أفرادها على مجموعها من الأمة أو الدولة
فيتوكأ كل فرد على غيره.
وبديهي أن العلم لا يكفي في سعادة الشعوب ما لم يقرن بالعمل، وفرنسا
وقعت مع من وقع في مثل ذلك من أمم الخليقة، فزاد فيها التكالب على المصالح
الهينة والوظائف اللينة، فكثر فيها الموظفون والمحامون والأطباء والمهندسون
وأهل الصحافة والأدب، بحيث تعذر قبول من تخرجهم المدارس العالية فسدت في
وجوه الناشئة أبواب الرزق لأن معظمهم يرى السعادة أن يعيش في باريس ونحوها
من المدن الحافلة، ليستمتع برفاهها ولو عاش في قلّ. وزهدوا في الاشتغال
بالصنائع الحرة كالفلاحة والصناعة والتجارة، وذلك غير معهود عند من كان دمه
سكسونيا إذ لا يرى حطة عليه أن يحترف أي حرفة كانت مهما كان علمه واستعداده
ليضمن لنفسه وذويه مرتزقاً فسيحاً وعيشاً استقلالياً لبابا، فإن لم يجد ما يعمل في
بلاده يغادرها ليستعمر مكاناً آخر من الكرة، ويستوي عنده العيش بلندن أو برلين
والعيش في زيلندة الجديدة أو مستعمرة الرأس أو زنجبار وإن شئت فقل في أقاصي
صحاري افريقية حيث الوحوش ضارية والسموم لافح والعيش مر المذاق.
وتأييداً لذلك أنقل هنا ما صرح به أحد علماء الأخلاق من الفرنسيين بهذا
الشأن قال: (يزعمون إن شهادة العالمية عندنا باب يدخل منه إلى كل سبيل،
وتسلك بحاملها في كل مسلك، وهي على التحقيق لا تفتح إلا ثقباً كبيراً هجم عليه
أصحاب الرغبات من كل صوب، فاستغرقت الحرف الشريفة ووظائف الحكومة
جملة بحيث وجب على الأمة أن لا تساعد على شر ما برح يتفاقم أمره منذ سبعة
قرون حتى صار جرحاً نغّاراً وضربة مبرحة. وأعني بذاك الشر داء الاستخدام
والتوظف.
(لفرنسا نظارة للمعارف العمومية ولأمريكا مدرسة للتربية فالأولى تعلم والثانية تربي. الأولى تلقن أبناءها كلمات يحفظونها والثانية تعلم مبادئ يسيرون عليها. تعد فرنسا أدمغة لحفظ قانون وتهيئ امريكا أذرعاً للعمل؛ الأمريكان رجال عمل والفرنسيين ليسوا كذلك) .
«اتكالنا»
بمثل هذا اللسان يخاطب الكاتب الفرنساوي أمته ويقرعها تقريعاً أمر من
الصاب والعلقم لتستفيق من غشية تخشى مغبتها وتفلت من الوقوع في مخالب أسود
السكسون لئلا يكون حظها في الوجود حظم الأمم البائدة كالرومان واليونات والفرس.
لقد أصبح من الرأي المقرر بين الناس أن كل من ليس له علاقة بالحكام
كعضو أصيب بالآكلة لا حيلة فيه إلا بالبتر أو الموت بيد أنه لا تثريب على الفقير
إذا رشح ابنه لأي خدمة كانت ليرتفع بها من الدنية ما دامت البلاد صفراً من
أصناف المعاش الذي يزعج صاحبه عن العيش الاتكالي ويورده موارد الاستقلال،
بل اللوم كل اللوم على رجل يعد من نواصي أهل وطنه وعليتهم وله من العقار
والقرى ما يسد عوزه وعوز مئات معه، وهو على ماله من الاعتبار بين جيله
وقبيله يسف إلى الاستخدام في وظيفة ليتباهى بها أمام العدو والصديق.
стр. 735
الانتماء الحضاري للأمة
خميس بن عاشور
بعدما انجلت الفتنة عن المسلمين، واستقرت الخلافة بأيدي الأمويين بدأت
الحركة العلمية في الازدهار وعكف كل فريق من العلماء على استنباط الأحكام
وتأصيل القواعد وتأليف الكتب في مختلف الفنون، ومما استرعى انتباه علماء
الحديث موجة الأخبار التي وضعت لتأييد هذا الاتجاه أو ذاك، وقد لعبت هذه
الأكاذيب دورها الدموي في حوادث الفتنة الكبرى مما حدا بعلماء الحديث النبوي
الشريف إلى الاهتمام بهذه الظاهرة، فوضعوا أسساً لتمييز الحديث الثابت من غيره، وبدأت بواكير علم جديد تنقدح في أذهان العلماء، فظهر علم الإسناد الذي يعد
مفخرة الحضارة الإسلامية ومن فوائدها الرائعة، وهو العلم الذي قهر الشائعات
الخبيثة ورد كيد مختلقيها في نحورهم، فقد اشترطوا في راوي الخبر شروطاً حالت
دون ورود الكذب إلى الحديث النبوي أو غيره من كلام الصحابة الكرام. لقد كان
علم الإسناد الحصن الحصين الذي حمى نصوص الشريعة السمحة وبالتالي المجتمع
الإسلامي من كل ما يمس مقدساته أو يخل بأمنه واستقراره العقائدي.
أما اليوم فقد تغيرت الأحوال وأصبح علم الإسناد من العلوم التراثية التي لم
توظف بعد في الذب عن بيضه الإسلام والمسلمين.
إذ أن كل صيحة مهما كان مصدرها تحدث أصداء داخل مجتمعاتنا الإسلامية
ويكون ضحيتها خلق كثير.
إن الأمم منذ أقدم الأزمنة تنفق النفس والنفيس من أجل توحيد صفوفها
ومحاربة دخلاء السوء عليها، وتحقيق التوازن الاجتماعي فيها، وما علينا نحن
اليوم إلا شد المآزر للعمل الدؤوب حتى نحقق هذه الغاية السامية.
إن أخطر موقع يكون عرضة لسهام الغزو الثقافي هو ثقة الأمة بنفسها
وبإمكانياتها الذاتية، والأمم الإسلامية تستمد هذه الثقة من كتاب ربها وسنة نبيه
ودينه الذي ارتضاه لعباده، لأجل ذلك كان الإسلام مستهدفاً في نفس كل مسلم عن
طريق ضرب عناصر القوة في هذه العقيدة بالتشكيك في الأصول والاستخفاف
بالفروع، فانجر على أثر ذلك سيل عرم من الشباب الذي رفع لواء العداء نحو
قوميته وأصالته، ووقف معارضاً لعقائد مجتمعه بالسخرية والاستكبار، وأخطرهم
أولئك الذين يتدثرون بجلباب البحث العلمي، وما هم في الحقيقة إلا جسوراً اعتلاها
المد الاستشراقي والفلسفة الاستعمارية للوصول إلى قلب الأمة النابض.
إن عبث المستشرقين وأصحاب المدرسة الاستغرابية بالتراث الإسلامي باعد
الشقة بين أبناء العالم الإسلامي وحقيقة دينهم، وعمق ثلم الاستلاب الحضاري في
نفوسهم، ولا نعلل ذلك التأثير السلبي إلا بغياب الحركة النقدية الواعية التي تكشف
كل بدعة دخيلة في الدين أو مقولة هدامة للعقيدة. لقد كان سلفنا الصالح يقف
بالمرصاد لغزو الثقافات الوثنية الوافدة من الهند وفارس واليونان، وفي عصرنا هذا
سرى المفهوم الغربي للدين في نفوس المثقفين فهجروه وتركوا بذلك الأبواب مفتوحة
لكل فكرة ضالة أو شائعة محبوكة، فظهرت بدعة إنكار حجية السنة بعدما بعثها
المستشرقون من قبور الفكر الاعتزالي الذي لقي حتفه آنذاك على أيدي علماء أهل
السنة والجماعة، لا جرم أن هذه ضربة قوية إذ أن معتنقيها ليسوا من عوام الناس
بل من الأساتذة الكبار الذين يعتلون منابر التعليم وتوجيه الأجيال..!
لقد تمكن مهندسو الاستغراب والعلمانيون من توجيه اهتماماتنا وفق إرادتهم
ومشاريعهم وهم يحاولون بلا ملل أن يختلقوا لنا مشاكل لا تمت إلى واقعنا بصلة،
وقد نجحوا إلى حد كبير في مهمتهم فنسينا في الواقع مشاكلنا باعتبار أننا كتلة تدين
بالإسلام وتنتمي إلى حضارته العريقة.
إن مشكلتنا ليست في إحياء (الفولكلور) أو بعث فنون التهريج وأساليب
التبرج والسفور والعادات والتقاليد الشركية الأخرى، فالإسلام نسخ كل جاهلية
أذابها في تياره، وعبثاً يحاول أولئك الذين يبحثون عن أصول في مزابل التاريخ
الجاهلي، فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله،
وقائمتنا لا تقوم إلا بالدين الإسلامي، وإلا فمن جعل قبائل العرب والبربر والزنوج
تجتمع تحت لواء واحد، ومن وضع لهذه القوميات جنسية موحدة ولغة مشتركة
بعدما كانت في قهر وذل من العيش تحت سياط الجلادين من الأكاسرة والقياصرة
وعملائهم اليوم الذي يتألبون حول الذكريات الغابرة والأساطير المنصرمة، والرغبة
الملحة في الإثم والعدوان والمعصية.
لا بد إذن من الاعتراف بالمرض، وأننا أصبنا في الصميم ونتج عن ذلك
جرح عميق لا نعالجه إلا بالإرادة الخيرة والرغبة الصادقة في ذلك بعدما أصبح لكل
ساقطة من هناك لاقطة عندنا، وبعدما أصبحنا لا نميز بين الغث والسمين كما كان
سلفنا الصالح الذين أبدعوا علم الإسناد وتفردوا به.
إن الشعور بالانتماء لحضارة الإسلام العظيمة عنصر قوي يحمي الأفراد
والمجتمعات، ويحول دون انحلالها في حضارة المستعمر وفلسفته، وهذا الهدف
الغالي إنما يكون بالتربية الإسلامية في البيت وفي المؤسسات الاجتماعية كافة
وخاصة المسجد الذي هو منتدى المسلمين، يتذكرون فيه شؤونهم مثلما يؤدون فيه
فرائضهم. إن تعميق عقيدة الإسلام في نفوسنا المبعثرة الأفكار، وترسيخ مفاهيمه
الأساسية فيها متمثلة في معرفة الله وتوحيده في ذاته وفي صفاته
وتوحيد القصد إليه، وعدم النظر إلى غيره من حيث النفع والضر، واتباع سنه
نبيه ﷺ في كل ما يتصل بأمور الشريعة والعقيدة، كل ذلك
يمهد السبيل الذي يحقق هذا الشعور النبيل الذي يحافظ على شخصية الفرد وهوية
المجتمع وتماسكه ووحدته.
إن وسائل الغزو الثقافي تطورت تطوراً مذهلاً ولكن مهما تطورت هذه
الوسائل فإن إمكانيات المواجهة تصحبها في ذلك التطور، والحضارة التي اخترعت
الطائرة المقاتلة هي التي اخترعت كذلك الصاروخ الرهيب الذي يسقطها من عليائها، وبالتالي فما علينا إلا رد كيد الاعداء في نحورهم بشرط توفر الإرادة الخيرة
والرغبة الصادقة في ذلك [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]
[الرعد ١١] .
إن المعرفة هي التي توسع مجال الاختيار وبالتالي تقودنا إلى فعل أكثر تحرراً
من آسار القيود، فبالعلم استنار السلف وبالعلم يستنير الخلف، وبالعلم ازدهرت
بطاح نجد، وبالعلم أورقت حواضر الأندلس، وليس لغاية العلم للإنسان من بد..
وهو شمعة الحضارة، وسراج المدنية، وكم من أزمنه ودهور سادها الظلام لما
جهلت وغابت عنها جذوة المعرفة، والإنسان العالم سيد نفسه وأمير على نوازعه
وشهواته، بينما يظل الجاهل يرسف في أغلال الهوى والطيش. ونحن في زمن
الراشد فيه من حظي بزاد وافر من العلم والمعرفة، ونحن المسلمين لنا عراقة
وأصول في هذا الميدان، وحري بنا نحن اليوم أن ننهج مسلك أجدادنا الخالدين على
صفحات التاريخ العالمي.
إننا إذن مكلفون بحمل هذا الإرث العظيم وبعث أنواره لتعم أرجاء حياتنا التي
تلفها الظلمات وتعبث بها أيدي الفساد والإلحاد.
لقد ظل النبي ﷺ مدة الرسالة عاكفاً على تعليم أصحابه
ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ولما استأثر الله بنبيه كان العلم الذي تركه فيهم كنزاً
من كنوز الوحي الذي أودعه الله سنة محمد ﷺ ، لقد حافظ
الصحابة ومن تبعهم بإحسان على هذا الكنز فاستحقوا الفضل والشهادة لهم بالخيرية
على لسان محمد ﷺ .
إنهم خير القرون، فهي خيرية العلم والعمل والاعتقاد. إن أول مدارج العلم
يقود إلى تقوية الآصرة بين العبد وخالقه، والعبودية هي تلك الآصرة، وأعبد
الناس أعلمهم، كما قال تعالى: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ..] وقال جل شأنه: [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ] .
والعبادة المنشودة هي ما توّجها الإخلاص وفضيلة المتابعة، وهي التي وعد
الله أصحابها بوعد غال هو الجنة.
إن أول الطريق مهما كان طويلاً خطوة، ولعل هذه الكلمات تثمر وتكشف عن
عزيمة صادقة ونزعة إلى تجديد ما عطله المبطلون، ونفض الغبار عن صفحات
تاريخنا المجيد.
стр. 736
سنة مفقودة
صالح حسن - أبها
غلب على كثير من الناس أن يصلوا السنن في المساجد سواء قبل الفريضة أو
بعدها ولو علم أحدهم أن بيته يفتقر إلى مثل هاتين الركعتين لتبرع بجزء صغير من
إحدى حجرات بيته ليتخذه مصلى يذكر الله فيه ويناجيه ويتفقد أحوال قلبه في ذلك
المصلى بعد كل فريضة يقضيها في المسجد، وفي الحديث عن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - أنه قال: «أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء
في بيته إلا المكتوبة» . رواه البخاري ومسلم.
ويستثنى من الأفضلية ما يختص بالمسجد من السنة كركعتي تحية المسجد
مثلاً، ومن أغنى الثمار المرجوة من اتباع هذه السنة التبرك بها لنزول الرحمة
عليك وعلى أهل بيتك، فإن المسلم أحوج ما يكون لذلك وقد يستطيع ترويض نفسه
على موازنة صلاته ظاهراً وباطناً بين بيته والمسجد ليكون ذلك أبعد عن الرياء،
وقد يكون هذا باب خير في أن يتفقد نفسه في جميع العبادات ليكون حريصاً ألا
يداخله الرياء، وكذلك ليخلو مع نفسه قليلاً متجهاً إلى الله في خلوته ملتجئاً إليه -
يشكو همومه وأحزانه لفاطر السموات والأرض، منكسراً بين يديه
معترفاً بذنوبه وتقصيره، فعن عائشة ﵂ قالت كان النبي - صلى
الله عليه وسلم - «يصلي في بيته قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم
يدخل فيصل ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين
ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصل ركعتين.» رواه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ فعل
عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته، لا سيما سنة المغرب فإنه لم ينقل
عنه أنه صلاها في المسجد.
فحرص المسلم على اتباع السنة يزيد من قوة إيمانه ووضوح اتصاله بحياة
الرسول ﷺ ، فتجده متميزاً عن الناس وقد تفتحت مداركه
وقويت فراسته، وعظم قدره عند الله ببركة تطبيقه واتباعه وحرصه على سنة
محمد ﷺ .
стр. 737
الصفحة الأخيرة
كاتب إسلامي!
عبد القادر حامد
كل من يجعل من الإسلام موضوع كتابته تصفه صحافة العرب اليوم بأنه
(كاتب إسلامي!) سواء تكلم عن الإسلام مدحاً أو قدحاً، أو جاءت كتابته حقاً أو
باطلاً وسواء أنارت كتابته العقول؛ أو أوقعتها في دياجير البلبلة والضلال.
ومن هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة الفضفاضة خالد محمد خالد! وممن
يصفه بذلك صنف طيب من الناس يغتر بكثرة الإنتاج، وكثرة المؤلفات، وطول
المقالات، ويخلبه عجيج الإدعاء، وكثرة تكرار الأسماء.
وخالد محمد خالد بدأت شهرته عن طريق (خالف تعرف!) عندما كتب كتابه
(من هنا نبدأ) فكان تكراراً لأفكار علي عبد الرازق في (الإسلام وأصول الحكم)
لكن مع وقاحة ونزق خلا منها كتاب عبد الرازق ولعلها كانت تناسب ارهاصات
الناصرية وثورة ١٩٥٢.
ثم تطامن صوته إثر صدور كتابه ذاك ورد أهل العلم عليه وتفنيده، ليظهر
مرة أخرى في فترة الليل الناصري الطويل، وينفرد ككاتب إسلامي لا يزاحمه أحد، (مطوّب) لحساب تلك الفترة العقيم. وبعد زوال تلك الفترة؛ وارتفاع الحظر عن
العقول نسبياً بدأت التساؤلات حول أحقية هذا الرجل بالكتابة الإسلامية بعد أن سبق
ورمى الإسلام بكل نقيصه في كتابه الأول.
فطرحت وراجت فكرة رجوعه عن أفكاره التي بدأ بها شهرته، (هذا يحصل
كثيراً في مصر!) ولا زال يحتل مكانه بين من تدخرهم الصحافة المصرية
للملمات؛ كموسى صبري، وأنيس منصور، وعبد العظيم رمضان، وإبراهيم نافع
وغيرهم ...
إن كتابات خالد محمد خالد إذا جردتها من التلاعب بالألفاظ والهذر الإنشائي
المغلف بعواطف بهلوانية باردة؛ لا قيمة لها من الناحية العلمية، ولا تعلم الشباب
المتعطش للمعرفة غير الندب والصراخ! وهذه هي ميزته الأساسية، فهو مقروء
في الشارع، بعيد كل البعد عن الدوائر العلمية، لا يعرفها ولا تعرفه وهو ككثير
من الكتاب السطحيين يلتقط كلماته وحججه من كتب الأدب والقصص ومن كتب
المواعظ البعيدة عن التحقيق والضبط، ومن المأثور الشعبي المتهافت. أما العلم
الصحيح فبينه وبينه بعد المشرقين.
стр. 738
جمادى الأولى - ١٤١١هـ
ديسمبر - ١٩٩٠م
(السنة: ٥)
стр. 739
الافتتاحية
صناعة التاريخ
من المسجد كانت الانطلاقة الأولى، ومن المسجد يصنع التاريخ الآن،
وحوله يدور الصراع بين الإسلام والوثنية في الهند، وبين الإسلام واليهودية
الصهيونية في فلسطين.
إن ما حدث في الأقصى يوم الاثنين ٢٠ ربيع الأول ١٤١١ من محاولة اليهود
وضع الحجر الأساسي للهيكل وتصدي المسلمين لهم ووقوع المجزرة الرهيبة، كل
هذا يجب أن لا يلجئنا إلى الصراخ والعويل، والشكوى إلى ما يسمى (مجلس
الأمن) ولا البكاء على الذكريات، ولن نقول: أين أنت يا صلاح الدين؟ ولن
نستجدي ظهور (البطل) ولكننا نقول: إن الصراع بيننا وبين (اليهود) صراع طويل، وما يقوم به شجعان القدس من الدفاع عن الأقصى إن هو إلا جزء من هذا
الصراع، لقد وقفوا وقفة الأبطال أمام عنصرية وحقد من تربوا على أفكار (ابن
غوريون) و (بيغن) و (شامير) .
لقد قلنا ولا نمل من التكرار: إن هؤلاء القادمين من أوربا شرقيها وغربيها لا
يفهمون إلا لغة القوة وهذا الأوربي والأمريكي الذي يمد هؤلاء لا يفهم إلا لغة القوة، وان نفسية الأوربي والأمريكي واستعلاءه تجعله أصم أعمى عن رؤية الحقيقة،
فالشعوب الأخرى في نظر هؤلاء (برابرة) لا تستحق أن يبحث في شأنها، وإذا
كانوا في مجزرة الأقصى لا يرضون بمجرد الإدانة أو بإرسال بعثة للأمم المتحدة،
وهي أشياء لا تسمن ولا تغني من جوع. فكيف يرضون بأكثر من هذا؟
إن العلاقة بينهم وبين اليهود علاقة استراتيجية، والدين ونبؤات التوراة
عنصر من عناصرها، هكذا يصرح ريغان وبوش ومن قبلهما كل رؤساء الولايات
المتحدة، فهل آن الأوان لبعض كتاب الصحف عندنا أن يكفوا أقلامهم وألسنتهم عن
الغمز من المسلمين بالتطرف والأصولية، ويقولون: إن هذا يشجع إسرائيل على
التطرف أيضاً، وكأن إسرائيل تنتظر هذه الفرصة كي تظهر ما عندها، إن
إسرائيل لا تخجل من توجهها العنصري الديني، ونظرياتهم وأحزابهم الدينية
وحكماؤهم وكهانهم كانوا قبل أن تظهر نغمة التطرف الديني في الصحف العربية،
ولكن هؤلاء الكتاب تربوا في أحضان التغريب والعلمانية، ورضعوها منذ نشأتهم،
فهم يرددون ما يقال لهم كالببغاوات، ولا يلاحظون التغيير الذي لا بد أن يقع،
وهو رجوع الأمة إلى دينها وهويتها، ولن يقف في وجه اليهود إلا الشباب المسلم
الذي كان يصيح (الله أكبر) عندما ثأر لمجزرة الأقصى وبدأت حرب (السكاكين) بعد
الحجارة. وإذا كان لا بد من تذكر صلاح الدين، فلماذا لا نتذكر الخطوات التي قام
بها قبل الإجهاز على الصليبيين وتمزيقهم شر ممزق، لقد أنهى الدولة العبيدية
الباطنية في مصر ثم وحد الشام ومصر وإقليم الجزيرة، وقاتل تحت راية لا إله إلا
الله.
هناك فرق كبير بين أن تصنع التاريخ وأن تسجل أحداث التاريخ. يجب أن
نعمل حتى يكتب التاريخ عنا، والبداية دائماً هي الإنسان، الإنسان المسلم الحر
الكريم. فالشعب الذليل لا خير فيه، والكسالى لا يهتم بهم أحد، واستجداء عطف
الشمال على الجنوب، ومطالبته ببعض الخيرات التي يستمتع بها خلق لا يرضى
به المسلم، وهؤلاء المستجدون ينسون أن من يقوم بالواجب قبل أن يطالب بالحق
هو الذي يصنع التاريخ، وأنه عندما يتجه المسلمون وجهة واحدة فسوف يأتون
بالعجائب، وعندما يكون الهدف واضحاً والغاية في سبيل الله فلن يقف أمامهم شيء
بإذن الله، وان قيام المؤسسات بكل أنواعها وأشكالها عنصر مهم من عناصر
التحرر من التبعية للغرب، والتحرر الاقتصادي جزء من تحرر القرار السياسي،
كما أنه جزء من عملية البناء المطلوب، ولن يقوم به من تعود الرفاهية وعاش حياة
الاستهلاك على ما تقذف به مصانع الغرب في كل يوم، بل في كل دقيقة والمسلم
وحده هو الذي يستطيع المصاولة والمقاومة، وحده الذي يستطيع الوقوف أمام هذه
الهيمنة العالمية، وان ما يقوم به أشبال الأقصى لهو شيء عظيم.
стр. 740
آية من كتاب الله
[لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا]
ابن القيم/طريق الهجرتين ٥٨
فإن قوام السموات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله
آخر غير الله لم يكن إلهاً حقاً، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمىّ له ولا مثل له،
فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه، ولا صلاح لها
إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحاً
فلاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه
وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت ثم؛
يعذب ولا بد في وقت آخر، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب
من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر
ذلك لما له في حكها من اللذة، والعاقل يوازن بين الأمرين، ويؤثر أرجحهما
وأنفعهما، والله الموفق المعين.