← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سنة مفقودة صالح حسن - أبها غلب على كثير من الناس أن يصلوا السنن في المساجد سواء قبل الفريضة أو بعدها ولو علم أحدهم أن بيته يفتقر إلى مثل هاتين الركعتين لتبرع بجزء صغير من إحدى حجرات بيته ليتخذه مصلى يذكر الله فيه ويناجيه ويتفقد أحوال قلبه في ذلك المصلى بعد كل فريضة يقضيها في المسجد، وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» . رواه البخاري ومسلم. ويستثنى من الأفضلية ما يختص بالمسجد من السنة كركعتي تحية المسجد مثلاً، ومن أغنى الثمار المرجوة من اتباع هذه السنة التبرك بها لنزول الرحمة عليك وعلى أهل بيتك، فإن المسلم أحوج ما يكون لذلك وقد يستطيع ترويض نفسه على موازنة صلاته ظاهراً وباطناً بين بيته والمسجد ليكون ذلك أبعد عن الرياء، وقد يكون هذا باب خير في أن يتفقد نفسه في جميع العبادات ليكون حريصاً ألا يداخله الرياء، وكذلك ليخلو مع نفسه قليلاً متجهاً إلى الله في خلوته ملتجئاً إليه - يشكو همومه وأحزانه لفاطر السموات والأرض، منكسراً بين يديه معترفاً بذنوبه وتقصيره، فعن عائشة ﵂ قالت كان النبي - صلى الله عليه وسلم - «يصلي في بيته قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصل ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصل ركعتين.» رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ فعل عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته، لا سيما سنة المغرب فإنه لم ينقل عنه أنه صلاها في المسجد. فحرص المسلم على اتباع السنة يزيد من قوة إيمانه ووضوح اتصاله بحياة الرسول ﷺ ، فتجده متميزاً عن الناس وقد تفتحت مداركه وقويت فراسته، وعظم قدره عند الله ببركة تطبيقه واتباعه وحرصه على سنة محمد ﷺ .

стр. 737

الصفحة الأخيرة كاتب إسلامي! عبد القادر حامد كل من يجعل من الإسلام موضوع كتابته تصفه صحافة العرب اليوم بأنه (كاتب إسلامي!) سواء تكلم عن الإسلام مدحاً أو قدحاً، أو جاءت كتابته حقاً أو باطلاً وسواء أنارت كتابته العقول؛ أو أوقعتها في دياجير البلبلة والضلال. ومن هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة الفضفاضة خالد محمد خالد! وممن يصفه بذلك صنف طيب من الناس يغتر بكثرة الإنتاج، وكثرة المؤلفات، وطول المقالات، ويخلبه عجيج الإدعاء، وكثرة تكرار الأسماء. وخالد محمد خالد بدأت شهرته عن طريق (خالف تعرف!) عندما كتب كتابه (من هنا نبدأ) فكان تكراراً لأفكار علي عبد الرازق في (الإسلام وأصول الحكم) لكن مع وقاحة ونزق خلا منها كتاب عبد الرازق ولعلها كانت تناسب ارهاصات الناصرية وثورة ١٩٥٢. ثم تطامن صوته إثر صدور كتابه ذاك ورد أهل العلم عليه وتفنيده، ليظهر مرة أخرى في فترة الليل الناصري الطويل، وينفرد ككاتب إسلامي لا يزاحمه أحد، (مطوّب) لحساب تلك الفترة العقيم. وبعد زوال تلك الفترة؛ وارتفاع الحظر عن العقول نسبياً بدأت التساؤلات حول أحقية هذا الرجل بالكتابة الإسلامية بعد أن سبق ورمى الإسلام بكل نقيصه في كتابه الأول. فطرحت وراجت فكرة رجوعه عن أفكاره التي بدأ بها شهرته، (هذا يحصل كثيراً في مصر!) ولا زال يحتل مكانه بين من تدخرهم الصحافة المصرية للملمات؛ كموسى صبري، وأنيس منصور، وعبد العظيم رمضان، وإبراهيم نافع وغيرهم ... إن كتابات خالد محمد خالد إذا جردتها من التلاعب بالألفاظ والهذر الإنشائي المغلف بعواطف بهلوانية باردة؛ لا قيمة لها من الناحية العلمية، ولا تعلم الشباب المتعطش للمعرفة غير الندب والصراخ! وهذه هي ميزته الأساسية، فهو مقروء في الشارع، بعيد كل البعد عن الدوائر العلمية، لا يعرفها ولا تعرفه وهو ككثير من الكتاب السطحيين يلتقط كلماته وحججه من كتب الأدب والقصص ومن كتب المواعظ البعيدة عن التحقيق والضبط، ومن المأثور الشعبي المتهافت. أما العلم الصحيح فبينه وبينه بعد المشرقين.

стр. 738

جمادى الأولى - ١٤١١هـ ديسمبر - ١٩٩٠م (السنة: ٥)

стр. 739

الافتتاحية صناعة التاريخ من المسجد كانت الانطلاقة الأولى، ومن المسجد يصنع التاريخ الآن، وحوله يدور الصراع بين الإسلام والوثنية في الهند، وبين الإسلام واليهودية الصهيونية في فلسطين. إن ما حدث في الأقصى يوم الاثنين ٢٠ ربيع الأول ١٤١١ من محاولة اليهود وضع الحجر الأساسي للهيكل وتصدي المسلمين لهم ووقوع المجزرة الرهيبة، كل هذا يجب أن لا يلجئنا إلى الصراخ والعويل، والشكوى إلى ما يسمى (مجلس الأمن) ولا البكاء على الذكريات، ولن نقول: أين أنت يا صلاح الدين؟ ولن نستجدي ظهور (البطل) ولكننا نقول: إن الصراع بيننا وبين (اليهود) صراع طويل، وما يقوم به شجعان القدس من الدفاع عن الأقصى إن هو إلا جزء من هذا الصراع، لقد وقفوا وقفة الأبطال أمام عنصرية وحقد من تربوا على أفكار (ابن غوريون) و (بيغن) و (شامير) . لقد قلنا ولا نمل من التكرار: إن هؤلاء القادمين من أوربا شرقيها وغربيها لا يفهمون إلا لغة القوة وهذا الأوربي والأمريكي الذي يمد هؤلاء لا يفهم إلا لغة القوة، وان نفسية الأوربي والأمريكي واستعلاءه تجعله أصم أعمى عن رؤية الحقيقة، فالشعوب الأخرى في نظر هؤلاء (برابرة) لا تستحق أن يبحث في شأنها، وإذا كانوا في مجزرة الأقصى لا يرضون بمجرد الإدانة أو بإرسال بعثة للأمم المتحدة، وهي أشياء لا تسمن ولا تغني من جوع. فكيف يرضون بأكثر من هذا؟ إن العلاقة بينهم وبين اليهود علاقة استراتيجية، والدين ونبؤات التوراة عنصر من عناصرها، هكذا يصرح ريغان وبوش ومن قبلهما كل رؤساء الولايات المتحدة، فهل آن الأوان لبعض كتاب الصحف عندنا أن يكفوا أقلامهم وألسنتهم عن الغمز من المسلمين بالتطرف والأصولية، ويقولون: إن هذا يشجع إسرائيل على التطرف أيضاً، وكأن إسرائيل تنتظر هذه الفرصة كي تظهر ما عندها، إن إسرائيل لا تخجل من توجهها العنصري الديني، ونظرياتهم وأحزابهم الدينية وحكماؤهم وكهانهم كانوا قبل أن تظهر نغمة التطرف الديني في الصحف العربية، ولكن هؤلاء الكتاب تربوا في أحضان التغريب والعلمانية، ورضعوها منذ نشأتهم، فهم يرددون ما يقال لهم كالببغاوات، ولا يلاحظون التغيير الذي لا بد أن يقع، وهو رجوع الأمة إلى دينها وهويتها، ولن يقف في وجه اليهود إلا الشباب المسلم الذي كان يصيح (الله أكبر) عندما ثأر لمجزرة الأقصى وبدأت حرب (السكاكين) بعد الحجارة. وإذا كان لا بد من تذكر صلاح الدين، فلماذا لا نتذكر الخطوات التي قام بها قبل الإجهاز على الصليبيين وتمزيقهم شر ممزق، لقد أنهى الدولة العبيدية الباطنية في مصر ثم وحد الشام ومصر وإقليم الجزيرة، وقاتل تحت راية لا إله إلا الله. هناك فرق كبير بين أن تصنع التاريخ وأن تسجل أحداث التاريخ. يجب أن نعمل حتى يكتب التاريخ عنا، والبداية دائماً هي الإنسان، الإنسان المسلم الحر الكريم. فالشعب الذليل لا خير فيه، والكسالى لا يهتم بهم أحد، واستجداء عطف الشمال على الجنوب، ومطالبته ببعض الخيرات التي يستمتع بها خلق لا يرضى به المسلم، وهؤلاء المستجدون ينسون أن من يقوم بالواجب قبل أن يطالب بالحق هو الذي يصنع التاريخ، وأنه عندما يتجه المسلمون وجهة واحدة فسوف يأتون بالعجائب، وعندما يكون الهدف واضحاً والغاية في سبيل الله فلن يقف أمامهم شيء بإذن الله، وان قيام المؤسسات بكل أنواعها وأشكالها عنصر مهم من عناصر التحرر من التبعية للغرب، والتحرر الاقتصادي جزء من تحرر القرار السياسي، كما أنه جزء من عملية البناء المطلوب، ولن يقوم به من تعود الرفاهية وعاش حياة الاستهلاك على ما تقذف به مصانع الغرب في كل يوم، بل في كل دقيقة والمسلم وحده هو الذي يستطيع المصاولة والمقاومة، وحده الذي يستطيع الوقوف أمام هذه الهيمنة العالمية، وان ما يقوم به أشبال الأقصى لهو شيء عظيم.

стр. 740

آية من كتاب الله [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا] ابن القيم/طريق الهجرتين ٥٨ فإن قوام السموات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلهاً حقاً، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمىّ له ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحاً فلاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت ثم؛ يعذب ولا بد في وقت آخر، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، والعاقل يوازن بين الأمرين، ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين.

стр. 741

من نور النبوة الحياء ١- عن ابن عمر ﵄ قال: مر النبي صلى الله عليه وسالم برجل يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي ﷺ : «الحياء من الإيمان» رواه الشيخان. ٢- عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» رواه البخاري في الأدب المفرد، وابن ماجة والبيهقي والترمذي. المعنى: أما الحديث الأول فمعناه أن النبي ﷺ مر على رجل يلوم أخاه على كثرة حيائه، كأن كثرة الحياء عنده قد أضرت به، فبين له -صلى الله عليه وسلم-: أن الحياء لا يأتي منه إلا الخير والبركة فهو من خصال الإيمان وشعبه، ولا يمكن لشعبة من شعب الإيمان أن تجلب الضرر لصاحبها. وأما الحديث الثاني فقد بين فيه النبي ﷺ بأسلوب منطقي سهل، على أن عاقبة خلق الحياء أنه يؤدي بصاحبه إلى الجنة وذلك بأنه إذا كان الحياء جزء من الإيمان، ومصير الإيمان إلى الجنة، فمصير المتصف بهذه الصفة الجنة أيضاً. وكذلك البذاء الذي هو عكس الحياء هو دليل الجفاء والغلظة وهذه عاقبتها النار. والحياء نوعان: ١- نوع يكون طبيعة وجبلة في الإنسان يمنحها الله العبد ويجبله عليها. ٢- ونوع مكتسب من المعرفة بالله وما يجب له وما يستحيل عليه، وما يحبه وما يبغضه وهذا من أعلى خصال الإيمان بل هو من أعلى درجات الإحسان لأنه يحتاج إلى رياضة ومجاهدة لتحصيله والاعتياد عليه. وبالجملة فالحياء خلق إنساني تتميز به الفطرة الإنسانية، وقد أعطى الله منه كل إنسان قدراً، ولكن هذا القدر إما أن ينميه الإنسان وإما أن يجمده ويقضي عليه نتيجة عيشه على هواه، أو وجوده في بيئة مشوهة خلقياً. لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً. نسأل الله أن يساعدنا على تنمية خُلُق الحياء في نفوسنا.

стр. 742

البوطي والسلفية وقضايا أخرى ... ! عبد القادر حامد من منهج مجلة البيان أنها لا تدخل في مهاترات وخلافات شخصية، مما يقع كثيراً بين المسلمين أفراداً وجماعات وعلماء، وهي إن أشارت إلى بعض الأسماء فليس من أجل فتح معارك شخصية توغر الصدور وتفرق الصف المسلم بل لبيان وجه الحق في مسألة ما، ونقد بعض المناهج والأساليب التي يلجأ إليها من يحبون إثارة المعارك الفكرية التي يكون محورها أشخاصهم وأهواؤهم. ومن هؤلاء الذين درجوا على إثارة المعارك الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فقد أخذ هذا الرجل على عاتقه مهمة الوقوف بقوة وبكل ما أوتي من مواهب في وجه التيار الذي ينادي بالعودة إلى الكتاب والسنة، وتحكيمهما في واقع المسلمين المعاصر، ولم يدخر جهداً أو وسيلة للهجوم على هذا التيار، فهو يستخدم المسجد الذي يخطب فيه، والكرسي الجامعي الذي أسند إليه، والمؤتمرات التي يدعى إليها، والكتب التي يسودها يستخدم كل ذلك وغيره من أجل تشويه كل من يمت بصلة إلى هذا التيار. ولقد أصبحت القضية عنده كأنها قضية حياة أو موت، وعندما تستعرض ما يكتبه في شأنها تتبدى أمامك شخصية قلقلة تتصنع ركانة ليست من طبعها، كأنها شخصية من يحاول جر واحتياز شيء ثمين سبقه إليه من هم أقوى منه سواعد، وأصعب منه قياداً ومراساً. لقد انتهى الأمر بالبوطي إلى أن حدد مساره بوضوح، وذلك بأن يعمل على جبهتين، ويحشد طاقاته لتسير على خطين متوازيين: ١- العمل على رمي الاتجاه السلفي بما يستطيع من عظائم وسخائم، وتضييع أوقاته التي يسترخصها في هذا المجال العقيم. ٢- بناء اسم ومجد شخصي له في حياته بواسطة هجومه الشرس الذي لا يكن ولا يكل على هذه الطائفة التي أصبحت عظيمة -والحمد لله- هذا من جهة، ومن جهة أخرن نعومته و (تحضره) ورزانته المزعومة التي يبدو بها أمام غيرهم ممن هم أولى بأن يصرف همه إليهم، ويقف جهوده على الإشارة إلى أفاعيلهم، وهم كثير في البلاد التي يصول فيها ويجول، لا يتطلب التعرف عليهم إلا أن ينظر إلى يمينه ويساره. لقد تصدى البوطي في أواخر الستينات لما سماه (اللامذهبية) ووضع كتيباً بعنوان تهويلي هو: (اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية) خطب ... وحاضر وسب وشتم حول هذا الموضوع، ورُدَّ عليه في حينها، ولكنه شعر أنه لم يكسب الجولة، فقد وجد أنه إذا كتب رسالة رد عليه برسائل، وإذا أصدر كتيباً، رد عليه بكتاب. فماذا يفعل! ؟ وجاءت الفرصة، حين تشتت أعداؤه شذر مذر، لأسباب لا يد له هو فيها، فمنهم من يقبع في غياهب السجون، ومنهم من أجبر على الهجرة، ومنهم من ألجم بلجام الخوف والإرهاب، فانبرى الرجل من جديد يعيدها جَذَعة، ويستأنف طريقته في النقاش والهجوم، والعلم والتعليم، مع أن الفروسية تقتضي أن يسكت حيث سكت -أو أسكت- خصومه، ولكن يبدو أن العرب الذين علموا البشرية الفروسية ماتوا، أو لا يعرفهم البوطي. ففي عام ١٤٠٨هـ أصدر كتاباً جديداً بعنوان: (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب) . يصلح أن يتخذ نموذجاً لما يجني التعصب والحقد والغرور والكبر على صاحبه وعلى العلم. كلمة حول الكتاب: من صفات العالم الحق أنه يعرض ما يراه من آراء وما يكتبه من بحوث وموضوعات على آخرين، فيستفيد من ملاحظاتهم وإشاراتهم، فيخرج عمله خميراً ناضجاً، ولكن يبدو أن البوطي يعيش في وقت غير طبيعي، وفي مشاعر غير طبيعية، أما الوقت غير الطبيعي: فهذا واضح من تراجع المؤسسات العلمية التي تعلم العلم الشرعي مقارنة بغيرها من المؤسسات، فعصرنا هذا -وهو عصر البوطي- تميز بالضغط الشديد على هذه المؤسسات، هذا الضغط المتمثل بالإغلاق أو التحويل أو المسخ أو التشويه، وكذلك تميز بكبت الأصوات الحرة والعقول النيرة، وعندما تبتلى الأمم بمثل هذا الفراغ يسارع إلى أخذ الدور وملء الفراغ من لا يغني فتيلاً، بل يُصْنَع من يسد هذه الخلة صنعاً، ولكن على عين الذين أرادوا للأمة أن تعيش في ظل الفراغ. ولذلك فقد يعتذر البوطي بأنه لا يجد أحداً يعرض عليه آراءه وأفكاره، وقد يكون حاله كحال دعبل الشاعر التي يمثلها قوله: ما أكثر الناس! لا بل ما أقلهم ... الله يعلم أني لم أقل فندا إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير! ولكن لا أرى أحدا! وهنا نصل إلى قضية أن البوطي يعيش في مشاعر غير طبيعية. فكيف يتصور من البوطي أن يتنازل ليعرض ما يكتبه على غيره؟ (وهل في الميدان غير حديدان؟ !) ولكننا نزعم أن الساحة لم تخل، ولن تخلو، وأن البوطي يلبس ... نظارة مكبرة بالمقلوب، تكبر له نفسه جداً وهو النحيل الجسم -كما نعلمه- وتصغر له من اصطنع خصومتهم حتى يراهم كالذر، أو لا يراهم شيئاً! ولو طامن من نفسه قليلاً لكان أليق به، وأكثر بركة على الإسلام والمسلمين. إن الرجل لو عرض كتابه على من يظن بهم العلم للفتوا نظره إلى كثير من المجازفات التي رماه فيها تسرعه ونزقه، ولبينوا له أن ما نصب له نفسه أمر قد استتب -والحمد لله- ولا رجعة فيه، ولا تضره كتب تكتب على عجلة، وتتلون بالغيظ الفائر من خلف الكلمات حيناً، وبالمداورة والتلبيس والعبارات الملتوية التي ليست من سمات المنهج العلمي في شيء، ذلك المنهج الذي أشار إليه البوطي كثيراً، وأبدأ وأعاد في بهره، ودار حوله واقترب وابتعد وحين ظن أنه اقتحمه مكتشفاً له مفتحاً أبوابه المسحورة؟ لم يدر أنه كان مثل الظمآن في الصحراء، أبصر على البعد ما ظنه ماء فأسرع إليه وطوح مغمضاً عينيه فإذا به لم يطوح في غير السراب! العمود الفقري للكتاب: تعارف الناس أن يكون فهرس الكتاب خلاصة لما في الكتاب، تبدو فيه القضايا الأساسية التي بحثها المؤلف، ولكن القارئ إذا أراد أن يطبق هذا الأمر المتعارف عليه بين الناس على هذا الكتاب بعد قراءته فإنه سيكتشف أن هذا الأمر المعروف للناس غير معروف للبوطي، فالقارئ لا يخرج بتعريف للسلفية في اللغة والاصطلاح، ولا يقبض على شيء من المنهج الذي أعاد فيه القول وحوله كثيراً، وظن أنه فصل ووضح ووضع النقاط على الحروف، أما تطبيقاته فجاءت كفاء منهجه: تناقض واضطراب مضحك، وإن كان يثير الشفقة. وقل مثل ذلك في وقفته مع ابن تيمية. أما الشيء الذي يخرج القارئ به ويتعثر به أينما جال بنظره في الكتاب فهو: كره شديد للدعوة السلفية ودعاتها يعبر عنه صراحة؛ بألفاظه التي تنم عن الكبر الموجود في نفسه، ومداورة؛ حينما يحاول أن يتزيا بزي العلماء ويستخدم عباراتهم. * حرص على النيل من ابن تيمية وابن القيم كلما لاحت له فرصة في مناسبة أو غير مناسبة. * افتراء وتهويل على خصومه. * إشارات مبسوطة في عرض الكتاب هنا وهناك تشير إلى اهتمامه بنفسه وحرصه على البروز. ومن مجموع هذه الإشارات ترتسم شخصية (نرجسية) [١] معقدة لا تأبه بما يقوله الآخرون. هذا هو الجد الذي يخرج به قارئ الكتاب، وهذا ما يستخلصه من هذه المعاناة التي عاناها المؤلف وهو يجلد نفسه من أجل أن يثبت أن: ١- السلفية بدعة، بل أخطر من كل سائر البدع التي وجدت والتي ستوجد. ٢- ابن القيم لم يأت بما يشفي الغليل في أعلام الموقعين. ٣- إذا جاز لنا أن نكفر ابن عريي فيجوز لنا أيضاً أن نكفر ابن تيمية! ٤- السلفيون جهلة. ٥- السلفية يستخدمها الاستعمار لتفريق المسلمين. كبر ومكابرة: نحن الآن في عصر اختلطت علينا فيه الأمور وأصبحنا في جهالة جهلاء حتى إننا لم نعد قادرين على معرفة من هو المسلم، وما هي شروط ممارسة الإسلام يقيناً وسلوكاً، ولكن رحمة الله أدركتنا بإرسال البوطي ليؤلف هذا الكتاب ليقول لنا فيه: إن الإنسان لكي يمارس الإسلام يقيناً وسلوكاً، لا بد أن يجتاز المراحل الثلاث التالية: أ- التأكد من صحة النصوص الواردة والمنقولة عن فم سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، قرآناً كانت هذه النصوص أم حديثاً بحيث ينتهي إلى يقين بأنها موصولة النسب إليه، وليست متقولة عليه. ب- الوقوف بدقة على ما تتضمنه وتعنيه تلك النصوص، بحيث يطمئن إلى ما يعنيه ويقصده صاحب تلك النصوص منها. ج- عرض حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها، على موازين المنطق والعقل (ونعني بالمنطق هنا قواعد الدراية والمعرفة عموماً) ، لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها. (وطبيعي أن من لم تتحقق عنده الشروط لا يحكم له بأنه مارس أو يمارس الإسلام يقيناً وسلوكاً) هكذا يقول الشيخ! وشرط رابع نسيناه (نستغفر الله) وهو المهم، فهو الأداة ... المنهج ... وما أدراك ما المنهج؟ ! يقول الشيخ: (واجتياز الإنسان بهذه المراحل الثلاث لا يتم إلا بعد الاستعانة بأداة، وهذه الأداة هي ما نعنيه بكلمة (المنهج) . مجموعة واحدة من المسلمين تستثنى من الذين اقتضت إرادة الشيخ أن يخضعهم لهذا البلاء الذي سماه المنهج: أتدري من هم! ؟ إنهم أصحاب رسول الله ﷺ فقد (كان لهم شرف الاستثناء من هذا الاحتياج طبقاً لما أوضحناه من قبل) (ص ٦٣ من كتابه المذكور) والحمد لله، أن استثنى الشيخ بتواضعه الجم الصحابة من أن يخضعوا لجبروت منهجه، وإلا لأصابهم ما أصاب التابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! إذن فمنهج المعرفة الإسلامية (وهو منهج البوطي) والانضباط بمبادئه وأحكامه يتكون من ثلاثة أجزاء، كل منها يتكفل بحمل صاحبه إلى ثلث الطريق، ومن تلاقي هذه الأجزاء الثلاثة متدرجة على الترتيب الذي ذكرناه؟ تتم الرحلة إلى معرفة الإسلام والانضباط به اعتقاداً وسلوكاً. وهكذا فقد اتضحت لنا المعادلة بحدودها شاخصة عارية، وهي: ١- اجتياز المراحل أ، ب، ج + الأداة = شخص يمارس الإسلام يقيناً وسلوكاً. ٢- اجتياز واحدة من هذه المراحل = ثلث مسلم! لكن ننبه القارئ الكريم إلى أن في الطرف الأول من المعادلة الأولى وردت كلمة الأداة وهي منهج البوطي، والمعادلة نفسها كاملة هي المنهج أيضاً، وحتى يفهمها على وجهها الصحيح لا بد أن نحيله على صمويل بيكيت ومسرحيته (في انتظار غودو) وإذا استثقل ذلك ورفض الإحالة فنقول له: العلم سر ولا ينفتح لمن هب ودب، بل لا بد له من استعداد ومواهب من نوع خاص! وقد وعد المؤلف بأنه سوف يثبت ملخصاً للجزء الأول والثاني من المنهج (أي مرحلة: أ، ومرحلة: ب) ويدع الجزء الثالث لمصادره المنطقية الخاصة به (لسنا ندري ماذا يريد بهذه العبارة) ولعلها مما سماه البلاغيون: حشو اللوزينج! وفي طريقه إلى توضيح الجزء الأول والجزء الثاني من منهجه العتيد يقول بعبارة مضمخة بالاشمئزاز: (فإن كثيراً من الذين يتحدثون اليوم عن الإسلام والمسلمين؛ يصرون على تقسيم المسلمين إلى سلفيين وبدعيين وخلفيين؛ زيادة على الانقسامات المبتدعة المؤسفة التي انتشرت فيما بينهم قد لا يعلمون من هذا المنهج إلا النزر اليسير، ولعلهم لا يقيمون له وزناً، ولا يرون له وظيفة ولا شأناً) (ص ٦٤) وتعليقنا على ذلك: الحمد لله على أن هؤلاء كثيرون، وحبذا لو عدل المؤلف هذه العبارة في الطبعة الثانية لتصبح: (لا يعلمون من هذا المنهج شيئاً، ولا يقيمون له وزناً، ولا يرون له وظيفة ولا شأناً) فهي أشق لصدره، وأصدق في وصف حالهم! إن البوطي حينما يلقي لنفسه العنان وينهد للتنظير والمنهجة [٢] ؛ يأتي بالفواقر والأعاجيب، ويوقع قارئه في الحيرة: من أين يبدأ في الرد من البدايات أم النهايات أم الأواسط؟ ولكنه حينما يعرج على ما يعرفه الناس ويرجع بك إلى القضايا التي يتحرش بها ليريك علمه وبعد غوره فهو سهل الخطب، مسترخي الحبل. ولكي يدخلنا في الجد فقد ساق لنا رأيه في خبر الآحاد، وقضية خبر الآحاد من القضايا المهمة التي تُكُلِّم فيها قبل البوطي كثيراً، وتكاد تكون من أبرز القضايا التي يتمايز بشأنها المسلمون قديماً وحديثاً، بل نؤكد أنها لب المسائل التي ينقسم الناس من المسلمين بشأنها إلى قسمين رئيسيين: ١- قسم يرجع كل أموره إلى كتاب الله وما صح من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير مفرق بين ما صح في مجال العقائد أو الأحكام أو السلوك. ٢- وقسم آخر يعطي لنفسه أو لشيوخه الحق في التحكم والتفريق بين أصناف الصحيح، فهذا يأخذ به في الأحكام والمعاملات؛ وذاك يهمله لأنه في العقائد، وهو خبر غير متواتر. لكن المؤلف يعتبر القسم الأول مبتدعاً وجاهلاً وسطحياً وعميلاً للاستعمار، بينما الذي يتبع منهجه هو المسلم الحق! والموضوعية والعلمية تقتضي من المؤلف إذا أراد أن يناقش هذه المسألة أن يضع رأيه وحججه واضحة، وينقل رأي خصمه وحججه واضحة أيضاً، ويحرر مكان الاختلاف ويرد حجج الخصم بعبارة غير محتملة، فهذا الأمر قضية علمية محددة وليست موضوعاً إنشائياً فضفاضاً، لكنه لم يفعل شيئاً من هذا واكتفى بعرض رأيه في قضية خبر الآحاد فقال: «هذا القسم الثاني (أي خبر الآحاد) لا تتكون منه حجة ملزمة في نطاق الاعتقاد، بحيث يقع الإنسان في طائلة الكفر إن هو لم يجزم بمضمون غير صحيح لم يرق إلى درجة المتواتر، وبقي في حدود رواية الآحاد. بل يسعه أن لا يجزم به دون أن يخدش ذلك في سلامة إيمانه وإسلامه (! !) وإن كان ذلك يخدش في عدالته ويستوجب فسقه» . هل تريد دليلاً على هذه الطامة! ؟ خذ -إذن- هذه الطامة الكبرى: (دليل ذلك أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ما في ذلك ريب ولا خلاف (من يرتاب في ذلك! ؟) والاعتقاد انفعال قسري وليس فعلاً اختيارياً (الرجل ليس نائماً ولا يشرب، ونحلف على ذلك!) فإن وجد العقل أمامه ما يحمله على الانفعال واليقين بأمر ما، اصطبغ بذلك اليقين لا محالة، دون أن يكون له في ذلك أي اختيار (أي اختيار مهما صغر! ؟) وإن لم يجد أمامه ما يحمله على ذلك الانفعال واليقين، هنا بيت الفرس!) لم يجد بداً من الوقوف عند درجة الريبة أو الظن، دون أن يكون له أيضاً في ذلك أي إرادة أو اختيار (!) فإن أجبرت العقل مع ذلك بالجزم واليقين، دون أن تتوافر أمامه موجبات الجزم؟ فقد حملت العقل ما لا يطيق (مسكين العقل!) ، ودين الله تعالى مبرأ من ذلك (ص ٦٦) . هكذا يستدل الرجل! ألا يصلح كلامه شرحاً لهذه الرباعية من رباعيات عمر الخيام: لبست ثوب العمر لم أستشر ... وحرت فيه بين شتى الفكر وسوف أنضو الثوب عني ... ولم أدرك لماذا جئت أين المفر! ؟ «أما في نطاق الأحكام السلوكية من عبادات ومعاملات ونحوهما، فقد دل الخبر اليقيني المتواتر عن رسول الله ﷺ على أن المسلم متعبد في ذلك بالأدلة الظنية. فحيثما وجد حديثاً عن رسول الله ﷺ يتضمن حكماً في العبادات أو الأحكام الشرعية الأخرى، وكان الراجح والمظنون في ذلك الحديث هو الصدق لتوفر شرائط الصحة فيه، وجب عليه -بالدليل اليقيني المتواتر- التمسك بذلك الحديث والاهتداء بهديه والالتزام بمقتضاه. أما الدليل اليقيني على ذلك، فهو ما تواتر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إرساله آحاد الصحابة إلى البلاد والقبائل المجاورة والبعيدة، ليعلموا أهل تلك البقاع أحكام الشريعة الإسلامية من عبادات ونحوها. وقد علمنا أن العقل يظل يفرض احتمال السهو والغلط والنسيان في حق أولئك الآحاد، ومع ذلك فإن النبي ﵊ كان يأمر أهل تلك البلاد باتباع ما يرشدهم إليه هؤلاء الآحاد الذين يبعثهم منتشرين في تلك الأصقاع. فكأنه بذلك يقول لهم: حيثما أخبركم هؤلاء الرسل بشيء من أمر دينكم، مما يدخل في نطاق التطبيقات السلوكية، وظننتم الصدق في كلامهم، فواجبكم تطبيق ذلك والأخذ به» (ص ٧٦) . لم يفصل لنا المؤلف سر هذا التفريق بين العقائد والأحكام السلوكية من عبادات ومعاملات! ولم يسق أدلة على هذا التفريق، بل إن الأدلة التي أشار إليها تدل على غير ما يريد، فآحاد الصحابة الذين كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرسلهم إلى القبائل والبلاد كانوا يحملون رسائله ووصاياه وكان من تبلغه هذه الرسائل أو الوصايا مكلفاً بطاعتها برمتها، لا أن يتوقف فيما يخص العقائد أو يرفضها؛ ويقبل الباقي، بل إن التفريق بين أحكام الشرع إلى عقائد وعبادات ومعاملات لم يعرفه الصحابة ولا العصور الأولى المفضلة وإنما حدث فيما بعد ذلك. ثم إن قوله عن الرسول ﷺ : «فكأنه بذلك يقول لهم: حيثما أخبركم هؤلاء الرسل بشيء من أمر دينكم مما يدخل في نطاق التطبيقات السلوكية» تقول على النبي ﵊، ونسبة ما لم يقله إليه -صلى الله عليه وسلم- فمن أين له هذا القيد: مما يدخل تحت نطاق التطبيقات السلوكية!؟ ولا أدل على مجازفة البوطي من قوله عن الحديث الضعيف أنه يجوز العمل به فيما ذهب إليه جل علماء الحديث في فضائل الأعمال، بشرط أن لا يصل الحديث إلى درجة متناهية في الضعف، وبشرط أن لا يعتقد راوي الحديث صحته ففي هذه العبارة (أ) عدم دقة في الصياغة، فالأدق أن تكون هكذا: «يجوز العمل به في فضائل الأعمال، فيما ذهب إليه ... » ب) تلبيس وتدليس مقصود في قوله جل علماء الحديث. ج) عدم استيفاء الشروط التي وضعها من أجاز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ومنها: أن يندرج تحت أصل معمول به. أما قوله: جل علماء الحديث؟ فهي عبارة موهمة من يقرأها يظن أن هذا رأي الأكثرين ولم يشذ عنه إلا عالم أو عالمان؟ مع أن العكس هو الصحيح. وإليك ما قاله الشيخ أحمد محمد شاكر في الباعث الحثيث (ص٩١-٩٢) عمن أراد أن ينقل حديثاً بغير إسناده «من نقل حديثاً صحيحاً بغير إسناده. وجب أن يذكره بصيغة الجزم، فيقول مثلا: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) . ويقبح جداً أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث، لئلا يقع في نفس القارئ والسامع أنه حديث غير صحيح. وأما إذا نقل حديثاً ضعيفاً، أو حديثاً لا يعلم حاله، أصحيح أم ضعيف، فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: (روي عنه كذا) أو (بلغنا كذا) . وإذا تيقن ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث ضعيف، لئلا يغتر به القارئ أو السامع. ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم، لأنه يوهم غيره أن الحديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل من علماء الحديث، الذين يثق الناس بنقلهم، ويظنون أنهم لا ينسبون إلى رسول الله ﷺ شيئاً لم يجزموا بصحة نسبته إليه. وقد وقع في هذا الخطأ كثير من المؤلفين، ﵏ وتجاوز عنهم. وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط: أولاً: أن يكون الحديث في القصص، أو فضائل الأعمال، أو نحو ذلك، مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن، ولا بالأحكام، كالحلال والحرام وغيرهما. ثانياً: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، والذين فحش غلطهم في الرواية. ثالثاً: أن يندرج تحت أصل معمول به. رابعاً: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال، لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله ﷺ ، من حديث صحيح أو حسن. وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك:» إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا «، فإنما يريدون به -فيما أرجح، والله أعلم- أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقراً واضحاً، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط. في العدد القادم البوطي والمنهج

стр. 743

خواطر في الدعوة أمراض القلوب محمد العبدة عندما تجد خللاً في الدعوة، وبطؤاً في السير، ففتش عن القلب، فأمراضه أشد من أمراض الأبدان، كما أن اكتشافه أخفى، ويحتاج إلى خبير في ذلك، وليس هناك وصف أدق لمكانة القلب من وصف الرسول ﷺ حين يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . ومن أمراض القلب التي تفسد على المرء دينه ودنياه مرض العجب، وهو ناشئ عن الكبر، لأن المعجب بنفسه لا يزال يزداد إعجاباً وينفخ الشيطان فيه حتى يزدري الكبار من العلماء والدعاة، وهو وإن حاول إخفاء هذا الإعجاب، لكنه يظهر على فلتات لسانه أو على تصرفاته. والمؤمن يعرف نفسه، فيبادر إلى علاج ما بها فوراً قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء. ولعله من المناسب أن أنقل هنا كلاماً لأحد كبار علماء الإسلام، يتحدث فيه عن نفسه بصراحة وأنه كان فيها عيوب وقد عالجها وبرئت بإذن الله، يقول ابن حزم ﵀: «كانت فيّ عيوب، فلم أزل بالرياضة (مجاهدة النفس) واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين، في الأخلاق وآداب النفس أعاني مداواتها، حتى أعان الله على أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها (العيوب) ، ليتعظ بذلك متعظ إن شاء الله. فمنها: كلف في الرضاء [١] ، وإفراط في الغضب، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلاً شديداً، وصبرت على مضض مؤلم كان ربما أمرضني، وأعجزني ذلك في الرضى [٢] ، وكأني سامحت نفسي في ذلك. ومنها: عجب شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع. ومنها: محبة في بعد الصيت (حب الشهرة) والغلبة، فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة، والله المستعان على الباقي [٣] . رحم الله أبا محمد، ولا شك أن أول درجات المعالجة ورياضة النفس هو الاعتراف بالنقص، وقد راض نفسه وألجمها، وأما وصفه للدواء فيقول: » من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه، فإن أعجب بفضائله، فليفتش عما فيه من الأخلاق الدنية، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أنه مصيبة للأبد وأنه أتم الناس نقصاً، لأن العاقل من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها، فإن أعجبت بأرائك فتفكر في سقطاتك واحفظها، وإن أعجبت بخيرك فتفكر في معاصيك وتقصيرك، وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله ... « [٤] .

стр. 744

فرق وعقائد منهج ابن تيمية في الرد على المتكلمين عبد العزيز التميمي مقدمة: لم يكن في القرون الأولى المفضلة أي جدل عقدي، بل أجمع السلف على عقيدة واحدة حتى ظهرت الفتن، وكانت بوادر الانشقاق في شكل سياسي يتبنى شذوذات عقدية، وذلك يتمثل في تيار الخوارج، ثم بدأت شقة الانحراف تتسع بظهور المعتزلة والشيعة، ولكن الشيء الجدير بالذكر أن تيار هذه الفرق ظل محدوداً وبقيت جماهير الأمة على العقيدة السليمة والاتجاه الواحد. ثم كان أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية ودخلت في هذا الدين شعوب وأعراق مختلفة لم تتلق القدر الكافي من التربية العقدية وبقيت تمحمل ألواناً مختلفة من ثقافاتها، وكانت الطامة الكبرى عندما ظهرت ترجمات الفكر الإغريقي الوثني في عهد بني العباس، وتبنت الدولة الخط الاعتزالي، وكانت محنة الإمام أحمد رحمه الله، وفي تلك الفترة ظهرت بوادر المتكلمين ممثلة في ابن كلاب الذي رد على المعتزلة لكنه لم يتبن عقيدة السلف كاملة، ثم ظهر الأشعري الذي كان معتزلياً في بداية أمره، ثم تبين له انحرافهم وضلالهم فخالفهم ولكنه لم يصب طريقة السلف وإنما توسط بين هؤلاء وهؤلاء، ثم في نهاية أمره ترك مذهب الوسط وانحاز إلى مذهب السلف وكان آخر كتبه (الإبانة) تبنى فيه مذهب السلف الذي كان عليه أحمد ابن حنبل. لم يلق القول الثالث قبولاً لدى أتباعه المتأخرين وتمسكوا بالمرحلة الوسطية وهي مرحلة التأويل. وفي عصر ابن تيمية كانت لا تزال المناقشات والمناظرات بين المتكلمين من أتباع أبي حسن الأشعري وبين من يتبع مذهب السلف في ذلك، وقد ألف ابن تيمية رسائل كثيرة بل كتباً في الرد على المتكلمين وبيان أن مذهب السلف أعلم وأحكم. التعريف بالمتكلمين: التعريف المختار لعلم الكلام هو «علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية أو ما يظن أنها عقلية» . [١] وسمي بعلم الكلام لأن مسألة كلام الله من أشهر وأقدم مباحثه. [٢] والمتكلمون هم الذين تبنوا هذا العلم وتوسعوا فيه. وعند الحديث عن المتكلمين لابد من الحديث عن معارضيهم الذين سُمُّوا بأهل الحديث أو أهل السنة أو السلف. والسلف يقصد بهم القرون الثلاثة المفضلة [٣] ، والسلفيون هم الذين اتبعوا عقائد الأئمة في تلك القرون الثلاثة. ويطلق على المتكلمين وأهل الحديث جميعاً الصفاتية لإثباتهم أصل الصفات لله تعالى [٤] وكذا المثبتة. وقد مر علم الكلام بمراحل تاريخية ذلك أن الفلسفة لما ترجمت إلى العربية لم تلق ترحيباً في أوساط المسلمين من العلماء والعامة لذلك تبنى بعض من سمي بفلاسفة الإسلام قضايا الفلسفة، وحاولوا تطويع النصوص الإسلامية لها، بل لم يتورعوا عن الاستخفاف بها وتكذيبها، والقول بأنها إن كانت كذباً فهي كذب لمصلحة الجمهور [٥] . وإزاء هذه المجازفات الشنيعة تلقى هؤلاء مقتاً من جمهور المسلمين وظلت الحال كذلك حتى جاء الباقلاني ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة في أصول الدين. وتوسع معاصره ابن فورك في التأويل حتى قيل أنه أول أشعري عرف عنه نفي الجهة وتأويل الاستواء. [٦] وأخذها عنه من بعده. ثم جاء أبو المعالي الجويني سنة ٤١٨ هـ الذي خلط المنطق بعلم الكلام، ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملة وقرأة الناس [٧] وجاء الغزالي الذي خلط بين الفلسفة وعلم الكلام بحيث يتعذر التمييز بينهما. يقول ابن خلدون «ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس شأن الموضوع في العلمين (أي الفلسفة والكلام) فحسبوه فيهما واحداً ... كما فعله البيضاوي في الطوالع [٨] وبهذه الطريقة آل علم الكلام في المتأخرين إلى ضرب من الفلسفة إن لم يكن هو الفلسفة المكروهة بين جماهير المسلمين، فهو تلطيف خفيف لم يغير من جوهر المسألة شيئاً. بعد أن تبين لنا تعريف المتكلمين وتطور علم الكلام، نشرع في عرض طريقة ابن تيمية في الرد عليهم بكشف أحوالهم وسنقسم هذا المنهج إلى قسمين: أ- خصائص أسلوبه في عرض العقيدة والشريعة. ب- طريقته في مخاطبة المتكلمين خاصة. أ- طريقة ابن تيمية في عرض العقيدة والشريعة ونقد المخالفين: جاء ابن تيمية في عصر ركود وجمود عام في شتى العلوم الإسلامية، التي غلب فيها التقليد ومتابعة أقوال السابقين والاكتفاء بالمختصرات والحواشي والتهذيبات. وأقفل باب الاجتهاد وانتشر المذهب الكلامي في العقيدة كما عاثت الصرفية فساداً في عقائد الناس وعباداتهم، هذا إلى جانب الفساد السياسي والاجتماعي. فما كان منه إلا أن شمر عن ساعد الجد وخاض في غمار تلك الانحرافات غير هياب، مستعيناً بالله متزوداً بعلم غزير في شتى المعارف البشرية في عصره، ويساعده في ذلك عقل عبقري نفاذ وذاكرة مذهلة لا تكاد تسقط شيئاً. فألف وناظر في العقيدة فكسب عداء المتكلمين وسجن بسببه من ٧٠٥-٧٠٧ ومن ٧٢٦-٧٢٨هـ وهاجم الصوفية وخزعبلاتها والمنحرفين من زعمائها وسجن بسبب ذلك من ٧٠٧-٧٠٨ هـ. وعاب على الفقهاء جمودهم الفقهي ودعا إلى الاجتهاد ومارسه بالفعل وكان أهلاً لذلك حتى لقد أفتى في مسائل يخالف بها الأئمة الأربعة جميعاً، فكسب بذلك عداوة المقلدة من الفقهاء وسجن بسبب ذلك، مرتين في سنة ٧١٨ هـ وسنة ٧١٩ هـ. وكان للشيخ في جميع حالاته تلك منهج محدد واضح لم يتخل عنه أو يتردد فيه أو يناقضه في حالة من حالاته، ونحن نوجزه فيما يلي: ١- الاعتماد على الكتاب والسنة وأقوال السلف: يقول ﵀ في هذا:» فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله من أسماء الله وصفاته مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان «. [٩] والمقصود هنا أن يؤخذ من الرسول العلوم الإلهية الدينية سمعياً وعقلياً ويجعل ما جاء به هو الأصول لدلالة الأدلة اليقينية البرهانية على أنه ما قاله حق جملة وتفصيلاً. [١٠] ٢- الاستدلال العقلي فيما يستطيع العقل الإحاطة به: وتلك من صور التوازن العجيبة في هذا الرجل فهو مع توقيره العظيم للنصوص لا يهمل العقل أو يزدريه بل يرى أن العقل السليم لابد أن يوافق النقل الصحيح وأن الدين يأتي بما تحار منه العقول لا بما تحيله، أي تراه مستحيلاً يقول في ذلك» إن كثيراً مما دل عليه السمع « (يقصد الوحي) يعلم بالعقل أيضاً القرآن يبين ما يستدل عليه العقل ويرشد إليه وينبه عليه.... والأمثلة المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية.... وهي أيضاً عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل [١١] . ويقول أيضا في نص شديد الروعة» والقول كلما كان أفسد في الشرع كان أفسد في العقل، فإن الحق لا يتناقض والرسل إنما أخبرت بحق والله فطر عباده. والرسل إنما بعثت لتكميل الفطرة لا بتغيير الفطرة « [١٢] . وهو مع هذا التوقير للعقل لا يقدسه بل يرى أن له قدرة محدودة ينطلق فيها كما يشاء ويعجز عن إدراك بعض قضايا الدين في ذلك» يبقى الكلام في نفس الحكمة الكلية في هذا الحوادث فهذه ليس على الناس معرفتها ويكفيهم التسليم لما قد علموا أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه أرحم الراحمين «. ولعلنا قبل أن ننهي هذه الفقرة نشير لاستخدام الشيخ لقاعدة عقلية جاء بها النقل بتوسع في صفات الله تلك هي (قياس الأولى) وهي أن كل كمال مطلق ... يوصف به المخلوق فالخالق أولى به وكل نقص يتنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزيه عنه [١٣] . ٣- حرصه الشديد على ضبط المصطلحات: وهو يعتني بذلك أشد العناية ويرى أن كثيراً من خلاف السلف خلاف تنوع لا خلاف تضاد أي أنهم يختلفون لفظياً. كما أن المتأخرين يستخدمون مصطلحات محدثة فيها الحق والباطل ثم ينفونها ليتوصلوا بها إلى نفي معنى صحيح. يقول ﵀: » وأما الألفاظ تنازع فيها من ابتدعها من المتأخرين مثل لفظ الجوهر والمتحيز والجهة ونحو ذلك فلا تطلق نفياً ولا إثباتاً حتى ينظر في مقصود قائلها فان كان قد أراد بالنفي والإثبات معنى صحيحاً موافقاً لما أخبر به الرسول صوب المعنى الذي قصده بلفظه. ولكن ينبغي أن يعبر عنه بألفاظ النصوص لا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد بها «. ٤- الاعتماد على اللغة الصحيحة: فالشيخ يعتمد على اللغة كما كانت عند العرب المتقدمين، ويميز بعبقريته بين معاني الألفاظ في أصل وضعها واستخدام المتأخرين لها. يقول:» وإذا اتفق شخصان على معنى وتنازعا هل يدل ذلك اللفظ عليه أم لا، عبر عنه بعبارة يتفقان على الوارد بها، وكان أقربهما إلى الصواب من وافق اللغة المعروفة، كتنازعهم في لفظ المركب.... فتكون السموات والأرض وما بينهما متحيزاً في اللغة « [١٤] . ٥- النقل الموثوق: فهو عندما يريد محاجة خصم، فانه يعتمد على كلامه، إما المكتوب، وإما المنقول شفهياً من مصادر موثوقة عن الخصم. ولذلك نجده في كثير من كتبه في الرد على الخصوم، يذكر أولاً كلام الخصم بنصه وبأمانة ولا يتدخل فيه حتى ينتهي من سرده، ثم يبدأ في نقده وبيان علله [١٥] ، وهذه الطريقة جعلت من كتبه مرجعاً هاماً موثوقاً به في الفرق، وخاصة تلك التي لم يأتنا شيء من مؤلفات زعمائها كالكلابية [١٦] . ولذلك نجده يطالب خصومه بالتزام هذا المنهج، يقول عن الغزالي:» وأما ما حكاه أبو حامد عن بعض الحنبلية: أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء وهي: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن) . فهذه الحكاية كذب على أحمد لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف لا علمه بما قال ولا صدقه فيما قال « [١٧] لذلك نجده يحرص كل الحرص على الأخذ من المصادر الأصلية ولا ... يكتفي بالنقل عن وسيط، بل إنه في كثير من الأحوال يصحح سوء الفهم، أو التحريف في النقل. وهو في هذا لا يكتفي بالمصادر الإسلامية بل يفعل ذلك حتى في مصادر الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية وكذا الفلاسفة والمتكلمين. ٦- العدل مع الأصحاب والخصوم: وتلك خصلة قلما تجدها في المختصمين فاللجاجة في الخصومة تدفع المتخاصمين إلى أن يتجاهل كل واحد منهم محاسن الآخر ويبحث عن معايبه ويفرح إذا اكتشف منها شيئاً. ولذلك نجده مع أشد أعدائه خصومة يذكر ما فيهم من المحاسن [١٨] ، وهو يمارس ذلك فعلاً وقولاً، وهذا النموذج الرائع الذي ننقله الآن يبين لنا هذين الجانبين فيه: » والناس يعلمون أنه كان بين الحنابلة والأشعرية وحشة ومناظرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفاً للقلوب في المسلمين وطالباً لاتفاق كلمتهم، اتباعاً لما أمرنا الله به من الاعتصام بحبل الله وإزالة عامة ما كان في النفوس من الوحشة، وبينت لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد ﵀ ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر ذلك الأشعري في كتبه. وكما قال أبو اسحق الشيرازي «إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة» . وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز وأبي الحسن التميمي ونحوهما يذكرون كلامه في كتبهم، بل كان عند متقدميهم كابن عقيل عند المتأخرين ولكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله، وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها، فإنه كلما كان عهد الإنسان أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول، وكنت أقرر هذا للحنبلية ... ولما أظهرت كلام الأشعري ورآه الحنبلية قالوا «هذا خير من كلام الشيخ الموفق وفرح المسلمون باتفاق الكلمة» . وقال: «وكان أبو الحسن الأشعري لما رجع من الاعتزال سلك طريقة أبي محمد ابن كلاب، فصار طائفة ينتسبون إلى السنة والحديث من السالمية وغيرهم كابن علي الأهوازي، يذكرون من مثالب أبي الحسن أشياء هي من افتراء المعتزلة وغيرهم عليه، لأن الأشعري بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها ما لم يبينه غيره» [١٩] . «ويقول هذا إجماع من جميع الطوائف على تعظيم السنة ... » . ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونه. فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم أعظم من أتباعه، والقاضي أبو بكر الباقلاني لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره. ٧- التأصيل: وهو يذكر أسباب ضلال من ضل وكيف زلت أقدامهم وما هي جذور انحرافهم، ويتتبعها بعبقرية فذة. يقول: «وأما من قال من الجهمية ونحوهم أنه قد يعذب العاجزين؛ ومن قال من المعتزلة ونحوهم من القدرية أن كل مجتهد لابد أن يعرف الحق وأن من لم يعرفه فلتفريطه لا لعجزه، فهما قولان ضعيفان، وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً» ويقول: «وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون على مفارقته، فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه وتجعل ما خالف ذلك من الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات التي لا يجوز اتباعها، بل يتعين حملها على ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه، والإعراض عنها وترك التدبر لها» . ولأسلوبه في الكتابة خصائص أخرى يطول تعدادها وجمع الشواهد لها، فمن ذلك البعد عن التعصب المذهبي، والشمولية في النقد، وتتبع التسلسل التاريخي لانحراف المنحرفين مع نقد داخلي للنصوص والأسانيد، مع نقد بناء يبطل الباطل ويحق الحق في أنصع صوره، مع اضطراد في المنهج لا يحيد عنه، وأدب جم، وحرارة في الروح، وحرص على حماية بيضة الإسلام، والإبقاء على عقائد المسلمين وعباداتهم بيضاء نقية كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم. ب- طريقته في نقد المتكلمين خاصة: أخذ نقد المتكلمين من جهد ابن تيمية ووقته وكتبه الشيء الكثير، ويبدو أنه فعل ذلك لأنه يرى أنهم أكثر الناس أنصاراً، بينما تقلصت المدارس الأخرى أو انقرضت نهائياً. وكان في منهجه لنقدهم لا يعطي أحكاماً عامة تسلكهم في نظام واحد، بل كان يميز بينهم، ويفضل نقد كل متكلم منهم بعينه، لأنه رأى أن كل فرد منهم قد يكون له آراء لا يشاركه فيها الآخرون، فمن الظلم والحالة هذه مؤاخذتهم بما قاله بعضهم. كما كان أيضاً في نقده لهم يبين حال الشخص الواحد، فهو على سبيل المثال لا يهاجم الأشعري بما كتبه في فترة الاعتزال، وقد مر معنا في نصوصه ما يشير لذلك. وكان بودي لو أفردت لكل واحد من هؤلاء المتكلمين باباً خاصاً، جمعت فيه آراء الشيخ حوله في مختلف كتاباته، إذن لخرجنا بكنز ثمين من ناقد خبير بالرجال ومعادنهم، ولكن أنى لنا ذلك والزمان والمكان لا يسمحان لذلك فنحن هنا نشير إلى أصول مشتركة، وجه بها نقده إلى كافة المتكلمين لأنهم تقريباً يتفقون فيها، فمن مآخذه عليهم ما يلي: ١) - إهمالهم توحيد الألوهية، فالتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أ- توحيد الربوبية وهو توحيد الله بأفعاله كالخلق والرزق، وهذا آمن به المشركون كما قال تعالى: [ «ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] . ب- توحيد الأسماء والصفات. ج- توحيد الألوهية (العبودية) وهو توحيد الله بأفعال العباد كالصلاة والذبح والنذر والخوف والرجاء وبه أرسل الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: [ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] ، ورغم الأهمية العظمى لهذا التوحيد فان المتكلمين لا يتحدثون عنه، ولا يبذلون جهدهم لتعليمه الناس، بل غاية جهدهم إنما هو الاستدلال على وجود الخالق، رغم أن هذا مركوز في الفطرة البشرية، لا يحتاج تقريره جهداً يذكر، فضلاً على أن يكون كل الجهد منصباً عليه، ذلك لأنهم يظنون أن الإلهية هي القدرة على الاختراع لذلك يسعون لبيان أنه المتفرد بالخلق. ٢) - اعتقادهم إمكانية تعارض العقل والنقل: (ومن تقديمهم العقل على النقل) . ذلك لأنهم رأوا أن قطعي النقل قد يعارض قطعي العقل، لذلك نحتاج إلى تأويل النقل لكي يوافق العقل، ومن هذا المنطلق الفاسد وضعوا قانون التأويل، وقد رد عليهم بما لا مزيد عليه في كتبه (درء التعارض والرد على المنطقيين، ونقض المنطق) . ٣) - وضعهم لمقدمات باطلة أفضت بهم إلى نتائج باطلة: وقد أطال كثيراً في بيان هذا النوع من الخطأ، يقول ﵀:» ولهذا من قال أن الله لا يصدر عنه إلا واحد كان جاهلاً فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء -لا واحد ولا اثنان- إلا [سبْحَانَ الَذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ومِنْ أَنفُسِهِمْ ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ] . ٤) - استخدامهم أدلة أضعف من المستدل عليه، يقول ﵀: «إن وصف هذه النقائص والآفات (كالبكاء والحزن) أظهر فساداً في العقل والدين من التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرف للمدلول ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى) ويقول:» فيقال لهم إثبات الوجود مع عدم المباينة والدخول والخروج، أبعد عن العقل وأبين فساداً في المعقول ... «. ٥) - نقض بعضهم لقول بعض بل وتناقض الشخص الواحد منهم: يقول » ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على مقدماته بل كل طائفة تقدح في دليل الأخرى، والفلاسفة تقدح في نفي المعتزلة على نفي الصفات.... فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر الذي يزعم أنه بني على النفي، كان في ذلك دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية، إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها «. وبقول:» إن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي «. ويقول:» وأيضا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة «. ٦) - حيرتهم وشكهم واضطرابهم رغم أنهم يزعمون أنهم يعارضون القرآن بعقليات يقينية، يقول الشيخ في هذا» إنك تجدهم أعظم الناس شكاً واضطراباً، واضعف الناس علماً وبقيناً، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر هنا ... وقد قيل أن الأشعري مع أنه أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك صنف في آخر عمره كتاباً في تكافؤ الأدلة يعني أدلة علم الكلام. فإن ذلك هو صناعته التي يحسن الكلام فيها «وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريقهم ... حتى قال أبو حامد الغزالي:» أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام «وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب بحيث له نهجه في التشكيك دون التحقيق؟ لذلك فقد جاء عنهم ترك هذا الطريق في أواخر أيامهم وعودتهم إلى طريق السلف.

стр. 745

جانب الدعوة في شخصية الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبد العزيز آل عبد اللطيف حظيت دعوة محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدراسات كثيرة، وبحوث متنوعة، سواء كانت تلك الدراسات والبحوث في سيرة وترجمة صاحب هذه الدعوة، أو بيان مؤلفاته وآثاره العلمية، أو عرض لمنهجه في تقرير العقيدة، ومنها ما يتحدث عن أثر هذه الدعوة المباركة داخل الجزيرة العربية أو خارجها، ونوعية هذه الآثار سياسية كانت أو علمية أو اجتماعية.. وغيرها. ومع هذا الكم من الدراسات إلا أن هناك جوانب مهمة لم تأخذ حقها من الدراسة والتحليل، وفي هذه المقالة سأتعرض لأحد هذه الجوانب المهملة من حياة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو جانب الدعوة، وبيان فقهه للدعوة، وأساليبها. إن في كتب محمد بن عبد الوهاب عموماً ورسائله الشخصية [١] خصوصاً والتي يبعثها إلى البلدان والعلماء والأمراء؛ معالم مهمة يحتاج إليها الكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمان. ١- يركز الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيراً على بيان وضوح هدفه وغايته من هذه الدعوة فهو يدعو إلى الله وحده لا شريك له، مخلصاً له الدين، ويحرص أيما حرص على اتباع الحق مهما كانت الأحوال. يقول ﵀: ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ ، التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين. [٢] ... ويقول عن قوله تعالى [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ ... اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] «التنبيه على الإخلاص، لأن كثيراً لو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه» [٣] . إن هذه الحقيقة البديهية وهي أن يدعو الشخص إلى الله لا إلى نفسه لا بد من استحضارها في جميع أحوالنا، بالإخلاص، وكم نغفل عن هذه الحقيقة، فيدعو الشخص إلى ما هو حق وصدق في ذاته، ولكن القصد هو مصلحة جماعة أو فرد أو نحوهما مما هو من حظوظ النفس، وربما كان هذا القصد مشوباً بالإخلاص لله! ! وقد يغيب عن الكثير أن هذه الدعوة لله وحده لا شريك له، أياً كان هذا الشريك. ونلمس كما هو ظاهر من خلال النص الأول من كلام الشيخ، حرصه على اتباع الحق والبحث عنه ونجده مرة أخرى -يقول- مخاطباً أحد سائليه: «وأنا أجيبك عن الكتاب جملة، فإن كان الصواب فيه فنبهني وأرجع (أي وسأرجع) إلى الحق.. فالواجب على المؤمن أن يدور مع الحق حيث دار» [٤] إن التجرد في طلب الحق، واتباع الدليل والبرهان من أهم صفات الدعاة إلى الله السائرين على منهج سيد المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ ، وكم يحزن المسلم عندما يرى دعاة قد تحكمت بهم قناعات وآراء بلا دليل أو برهان فلا يقبلون لها صرفاً ولا عدلاً. وهكذا ندرك أن الشيخ قد صدق مع الله، وأخلص قصده لوجه الله، واتبع الحق حيث دار، ومن ثم وفقه الله، وحظيت دعوته بالتمكين، ونالت القبول في كثير من البلاد والعباد. ٢- وفق الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب لاستعمال الحكمة في دعوته، فنجده مراعياً أحوال الناس، ومنازلهم، ومدى قربهم من الحق أو عكسه، ومن ثم يتنوع أسلوبه في الدعوة حسب حال المدعو ومكانته. فعندما يخاطب أمير العُيينة عثمان بن معمر -والذي ناصر الدعوة في أول أمرها- يخاطبه بأسلوب فيه ترغيب وتحبيب فيقول: «إني أرجو إن قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى، وتملك نجداً وأعرابها» . [٥] ويخاطب شيخه عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي بأسلوب تظهر فيه المحبة وصدق المودة فيقول له: «فإني أحبك، وقد دعوت لك في صلاتي وما أحسنك لو تكون في آخر هذا الزمان فاروقاً لدين الله تعالى كعمر رضي الله عنه» . [٦] أما عن أعداء هذه الدعوة السلفية ممن شرق بها، فأظهروا العداوة والصد عن دين الله، فنجد أن الشيخ يخاطبهم وبما يناسب حالهم بأسلوب فيه شدة وغلظة، بعد أن استعمل معهم أسلوب اللين والملاطفة. يقول الشيخ مخاطباً أحد مراسليه عند الحديث عن خصومه: «هذا ابن إسماعيل والمويس وابن عبيد جاءتنا خطوطهم في إنكار دين الإسلام، وكاتبناهم، ونقلنا لهم العبارات، وخاطبناهم بالتي هي أحسن وما زادهم ذلك إلا نفوراً» [٧] ويقول عن عبد الحق المويس بالذات: «استدعيته أولاً بالملاطفة، وصبرت منه على أشياء عظيمة» [٨] فلما ظهرت عداوتهم، ولم ينفع معهم الأسلوب اللين، استعمل الشيخ معهم الشدة والحزم، فها هو يقول عن أحد خصومه الألداء وهو ابن سحيم: «لولا أن الناس إلى الآن ما عرفوا دين الرسول، وأنهم يستنكرون الأمر الذي لم يألفوه، لكان شأن آخر، بل والله الذي لا إله إلا هو لو يعرف الناس الأمر على وجهه، لأفتيت بحل دم ابن سحيم وأمثاله، ووجوب قتالهم، كما أجمع على ذلك أهل العلم كلهم، لا أجد في نفسي حرجاً من ذلك» [٩] ويخاطب ابن سحيم قائلاً له: «ولكن أنت رجل جاهل مشرك مبغض لدين الله، وتلبس على الجهال» [١٠] لقد كان الشيخ ﵀ حاد المزاج [١١] وقد صرف حدته في مكانها الصحيح، فجعلها في الانتصار لدين الله، والغيرة على محارم الله، والعداوة والبراءة من الشرك وأهله. ٣- ويظهر فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب لنفوس المخاطبين والمدعوين، ويدرك ما قد يعتري النفس البشرية -أحياناً- من استعلاء، واستكبار عن قبول حق جاء من شخص لا تميل إليه تلك النفس، فيخاطب تلك النفوس ويوجهها إلى التضرع إلى الله وسؤاله الهداية فيما اختلف فيه من الحق، ومرة يخاطبها بالرجوع إلى كتب أهل العلم دون الرجوع إليه، ومرة ثالثة يرشدها إلى تدبر آيات القرآن الكريم. يقول ﵀ مخاطباً أحد مراسليه: «وإن أردت النظر في أعلام الموقعين فعليك بالمناظرة في أثنائه بين مقلد وصاحب حجة، وإن لقي ذهنك أن ابن القيم مبتدع [١٢] ، وأن الآيات التي استدل بها ليست هذا معناها، فاضرع إلى الله، واسأله أن يهديك لما اختلفوا فيه من الحق، وتجرد ناظراً ومناظراً» . [١٣] ويقول في موضع آخر: «وبالجملة فالذي أُنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره، فإن كنت قلته من عندي فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسول الله ﷺ ، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه لأجل أهل زمانه أو أهل بلده» . [١٤] ويقول أيضاً: «إني أذكر لمن خالفني أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها، ولا تأخذ من كلامي شيئاً، لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم فاتبعوه، ولو خالفه أكثر الناس» . [١٥] ويقول: «وإن صعب عليك مخالفة الكبر، أو لم يقبل ذهنك هذا الكلام فأحضر بقلبك إن كتاب الله أحسن الكتب، وأعظمها بياناً وشفاء لداء الجهل، وأعظمها فرقاً بين الحق والباطل، والله سبحانه قد عرف تفرق عباده واختلافهم قبل أن يخلقهم، وقد ذكر في كتابه [ومَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً] وأحضر قلبك هذه الأصول وما يشابهها في ذهنك، واعرضها على قلبك فإنه إن شاء الله يؤمن بها على سبيل الإجمال» . [١٦] أرأيت إلى هذا التجرد التام في تبليغ ما هو حق، وكمال النصح والإشفاق على المدعوين، وانظر إلى إهماله ذاته من أجل دين الله ونصرته، إضافة إلى سبره لأحوال النفوس وإدراك حقائقها وصفاتها. ٤- يلاحظ من خلال رسائله الشخصية أن الشيخ مهتم بما قد يراه نافعاً ومجدياً لمصلحة الدعوة فمن ذلك إثارة النخوة في نفس المخاطب، فهو يحاول إقناع مخاطبه بقوله: «إن لك عقلاً، وان لك عرضاً تشح به، وإن الظن فيك إن بان لك الحق أنك ما تبيعه بالزهايد [١٧] ويستثير همم أهل شقراء ضد خصوم الدعوة ... بقوله:» والله العظيم إن النساء في بيوتهن يأنفن لكم، فضلاً عن صماصيم بني زيد «. [١٨] ٥- تميز الشيخ بقوة حجته وعلى حسب حال المخاطب، كما يظهر فقه الشيخ لأساليب المناظرة والإقناع للخصم. فمن ذلك قوله ﵀:» أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كلاً أخاصمهم بكتب المتأخرين من علماء مذهب الذين يعتمد عليهم « [١٩] وكم وقع ويقع في هذا الوقت من صد عن دين الله وافتتان عن معرفته والتزام الصراط المستقيم، وذلك بسبب ضعف حجة أهل الحق، وهزالهم العلمي. ويقول أيضاً معقباً على رسالة بعثها أحدهم إليه:» قولك في الدليل على إثبات نبوة محمد ﷺ ، ودليله الكتاب والسنة، ثم ذكرتَ الآيات، كلام من لم يفهم المسألة، لأن المنكر للنبوة أو الشاك فيها إذا استدللت عليه بالكتاب والسنة، يقول: كيف تستدل بشيء عليّ ما أتى به إلا هو، والصواب في المسألة أن تستدل عليه بالتحدي بأقصر سورة من القرآن، أو شهادة علماء أهل الكتاب « [٢٠] . وأخيراً، فإني أؤكد أن في الرسائل الشخصية لهذا الإمام، الكثير من المعالم المهمة والوقفات الجيدة.

стр. 746

البث المباشر: الغزو المدمر د. عمر المالكي إن الحق الذي لا مراء فيه أن النفوس استمرأت المستوى الهابط الذي يبث على المستوى المحلي أو من دول مجاورة أقل تمسكاً بالقيم الاجتماعية الأصيلة مما انعكس على البث الأجنبي المباشر. ونحن المسلمين في عصور الضعف تعودنا ألا نفيق إلا على صدمة الحدث، وأن نكون في غيبة تامة عما يسبق الحدث من مقدمات. فلم يكن البث المباشر وليد الساعة، ولا يمكن لحدث هذا حجمه وله من الآثار المعلنة والخفية ماله أن يكون حدثاً ذا بعد زماني قصير. وأهمية الحدث باختصار تكمن في اعتماده على المعلومة وسيلة للتغلغل في عقول الأفراد والجماعات، وبالتالي توجيهها بما يخدم أهداف الجهة الناشرة. فالبث المباشر يمثل قمة الإنجاز العلمي فيما يسمى ثورة الاتصالات، وإنه لمن المؤسف حقاً أن يحيا المسلمون على هامش الحدث وأن يكونوا الضحية الكبرى شباباً وشيباً، نساء ورجالاً. في هذه المقالة، سنستعرض هذه التقنية والمستفيدين منها باستعراض استخدامات هذه التقنية في الدول المتقدمة في هذا المجال ثم نعرج على بعض الاقتراحات التي نأمل أن تجد طريقها إلى التنفيذ. الوحدات الأساسية للعالم: إلى ما قبل إعادة البناء، كان العالم ينقسم إلى معسكرين: شرقي وغربي، ودول عدم الانحياز التي في حقيقتها منحازة إما إلى الشرق الشيوعي أو الغرب الرأسمالي بما في ذلك دول كبيرة كالصين واليابان. وفي جميع الأحوال لم يكن الشرق والغرب مختلفين في وجهة النظر حيال قضايا أساسية كالتجمع الإسلامي، بل إن مفكري الغرب وصنّاع القرار يصرّحون بأن المخاوف من الخطر الأصفر (الياباني) وهم لا مبرر له، وإنما الخطر الحقيقي هو الإسلام [١] . ولقد كانت الحركة الإصلاحية (إعادة البناء) تؤكد هذا الشعور والقناعة ... الراسخة، ويكفي مراجعة فصل: (أوروبا، بيتنا المشترك) وفصل (النزعات الإقليمية) من كتاب بيروسترويكا لجورباتشوف [٢] لمعرفة طبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي ودول العالم تعين كثيراً في معرفة طبيعة الغزو المدمر الذي يحمله البث المباشر. كيف يتم البث المباشر؟ : على ضوء التقنية الحالية فان البث المباشر يتم عبر أجزاء ستة لابد منها وهي: ١- قرص استقبال من الأقمار الصناعية. ٢- جهاز معالجة التشويش والموجات غير المرغوب فيها. ٣- جهاز التقاط البث التلفزيوني من الأقمار. ٤- معالج قنوات البث التلفزيوني. ٥- جهاز التلفزيون. ٦- محطة الإرسال التلفزيوني والقمر الصناعي الموزع. ولكن التقنية تتغير تغيراً سريعاً، واليابان تعد بأجهزة صغيرة جداً تجعل من اليسير جداً التقاط البث المباشر بواسطة ساعة يد! وهذا أمر غير مستبعد إذا ما نظرنا إلى القفزات الهائلة التي تحققت في مجال صناعة الفضاء والإلكترونيات. فما أفاق العالم، من الذهول الذي أحدثه إرسال أول مركبة فضائية حتى تم تحقيق معجزة أكبر من ذلك عندما التحمت مركبتا فضاء تنطلقان بسرعة كبيرة، ثم تبع ذلك قبيل عام ونصف تقريباً قيام مركبة فضاء باصطياد قمر صناعي سابح في الفضاء وإصلاحه ومن ثم إعادة إطلاقه في الفضاء! ولقد كان القرص المطلوب لالتقاط البث المباشر كبيراً نسبيا في بداية البث المباشر فإذا به يصغر مع التطور الكبير في تقنية الميكرويف وصناعة الهوائيات، وهذا يؤكد على سلامة إجراءات التفتيش الجمركي في المنافذ البرية والجوية والبحرية بل إن صغر حجم الأجهزة يدعو إلى مزيد من الدقة في إجراءات التفتيش. واقع البث المباشر [٣] : تنقسم الأقمار الصناعية إلى محلية وأخرى غير محلية، ففي عام ١٩٦٤ قامت أمريكا وعشر دول أخرى للتباحث والاتفاق حول تشغيل شبكة من الأقمار الصناعية التي تخدم عدة دول. هذه الشبكة العالمية يطلق عليها (انتلسات) وقام بتركيبها مؤسسة (كومسات) الأمريكية وبحلول عام ١٩٨٢ أصبح للشبكة أكثر من ١٠٦ مستخدم مع وجود محطات أرضية في ١٥٥ دولة، وبلغ استثمار الولايات المتحدة لوحدها في الشبكة ٢٢%. يوجد حالياً أربعة عشر قمر صناعي عالمي من نوع انتلسات موجهة نحو المحيطات الأطلسي والهندي والهادي، وتقدم خدماتها على مدار الساعة. والجدير بالذكر أن البث المباشر والاتصالات الفضائية تخضع لاتفاقيات دولية، فالاتحاد العالمي المسؤول عن البث هو (the world administrative radio conference) أو اختصار (W A R C) يعتبر ذراع رابطة الاتصالات العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة والذي سبق له الاجتماع في عام ١٩٧٧ ووضع مواصفات البث التلفزيوني، وحدد مجال الذبذبات المخصصة للبث ما بين١١. ٧ إلى ١٤٥ جيجاهرتز (جيجاهرتز = ١٠٠٠ مليون هرتز) كما أن الاتحاد حدد عدد القنوات لكل قمر صناعي بخمس قنوات وسيسمح للدول ببناء أقمار صناعية خاصة بها في حدود هذه المواصفات. ولقد جعل للاتفاقية مدى زمني للتنفيذ ينتهي بحلول عام ١٩٩٢ , التأثير الواضح والكبير لإطلاق الأقمار الصناعية غير المحلية (انتلسات) هو زيادة البث التلفزيوني الذي أصبح يغطي مساحات شاسعة عبر طريق إرسال البرامج التلفزيونية للأقمار العالمية والتي بدورها توزعها على الأقمار المحلية. ففي عام ١٩٦٥ كان هناك ٨٠ ساعة بث تلفزيوني بواسطة الأقمار العالمية بينما ارتفع العدد ارتفاعاً هائلاً بحلول عام ١٩٨١ ليصبح ٢٦٦٥٨ ساعة وزاد العدد في عام ١٩٨٢ إلى ٤٥٥٠٠ ساعة وفي عام ١٩٨٤ وصل إلى ٧٥٠٠٠ ساعة هذا هو الحال في الغرب والدول الحليفة له. في المعسكر الشرقي (قبل إعادة البناء) قامت روسيا ببناء شبكة البث لدول حلف وارسو (انترسبوتنيك) فوجد فروق فنية بين هذه الشبكة ومثيلاتها في الغرب ولكنها تعمل لذات الهدف. أما بعد إعادة البناء فقد عقد مؤتمر رواد الفضاء في هولندا وحضره أكثر من خمسين رائد فضاء معظمهم من الولايات المتحدة وروسيا وهيمنت على المؤتمر الدعوة إلى (بيروترويسكا فضائية) . [٤] *الخدمات التي يوفرها البث عن طريق الأقمار الصناعية: تنوعت برامج البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية تنوعت إلى درجة كبيرة، وأصبحت هناك شبكات مخصصة لكل نوع من البرامج، فهناك: **شبكة للأخبار. **شبكة للبرامج الدينية. **شبكات تعليمية. **شبكة لعقد الاجتماعات والمؤتمرات لأفراد في أمكن مختلفة. **شبكات تجارية. **الشبكات الخاصة (مثل شبكة وكالة الفضاء الأمريكية ناسا) وغيرها كثير والأمر الملفت للنظر وجود شبكة للبرامج الدينية التي تشرف عليها الكنائس مثل شبكة البث المسيحي (NBN) وشبكة (CBN) والشبكة الأخيرة يصل بثها إلى أكثر من ١٧ مليون عائلة عن طريق التلفزيون الكابلي VTAC وبرامجها على مدار الساعة تقدم عن طريق القمر الصناعي SARCOM٣ وتوجد عدة قنوات للبث الديني واحدة منها للبث الديني اليهودي ومن المقرر بنهاية عام ١٩٩٠ أن يصل عدد الكنائس الموصلة بشبكات البث الخاص عن طريق الأقمار الصناعية إلى عدة آلاف!! *صناعة قرص الاستقبال (disque antenna) في أواسط السبعينات كانت تكلفة قرص الاستقبال تصل إلى (١٠٠٠٠) دولار أمريكي مما حدا البروفيسور تايلور هوارد إلى تصميم قرص بنفسه، وتبع ذلك محاولات أخرى جعلت من الممكن صناعة القرص في حدود تكلفة إجمالية تصل إلى (١٠٠٠) دولار. ولقد قامت العديد من المجلات والكتب العلمية بطباعة تقارير عن طريق تصميم دوائر الاستقبال وقرص الالتقاط في حدود تكلفة تصل الآن إلى (٣٠٠) دولار فقط. *ملاحظات: حتى يمكننا الوصول إلى مقترحات محددة فلابد من تحديد الملاحظات التي على أساسها يكون التوجه، ويمكن إجمال الملاحظات في النقاط التالية: **إن هناك غياباً عن معايشة مقدمات الحدث رغم أن معظم هذه الأحداث وقعت في زمن الوفرة الاقتصادية. **كما أن هناك غياباً عن معايشة الحدث نفسه معايشة إيجابية فاعلة باستثناء ندوة أقيمت في اليمن [٥] أقامتها الهيئة العامة للمعاهد العلمية هناك. ** بدأت بوادر البث المباشر في تونس، فالبث الفرنسي على القناة الثانية بدأ بعد زيارة الرئيس الفرنسي في تونس وعقدت اتفاقية بموجبها يسمح للبث الفرنسي في تونس، وقدمت فرنسا دعماً قدره ٦٠ مليون فرنك ومساعدة تونس للحصول على التقنية اللازمة، كما وقعت اتفاقية لاحقة تقضي بمنح تونس مساعدة (١٥٠) مليون فرنك. ولقد حدث تقليص في ساعات البث بسبب عرض برامج تناقض أقوال المسؤولين التونسيين بخصوص الانتخابات! ! والجدير بالذكر أن هناك بثاً تلفزيونياً إيطالياً في تونس سبق البث الفرنسي حيث بدأ منذ ١٩٦٧ [٦] . **رغم انتشار الجامعات والكليات التقنية في طول العالم الإسلامي وعرضه إلا أنه -حسب علمي- لم تقم جامعة واحدة بتبني ندوات ومؤتمرات علمية كما لم تقم جامعة بوضع سياسة للإشراف على رسائل ماجستير ودكتوراه في هذا المجال الخطر. **كذلك لم يسمع عن المؤسسات الإسلامية الكبرى كرابطة العالم الإسلامي وغيرها أنها قامت بنشاط في هذا المجال. **إن البث المباشر في ظل التقنية الحالية لا يمكن استقباله دون عمل تجهيزات خاصة حسبما سبق بيان ذلك. **إن ديننا يعلمنا أنه ما من داء إلا وله دواء علمه من علمه وجهله من جهله، ونحن لم نبذل شيئاً إطلاقاً في البحث عن العلاج، كما علمنا ديننا بأننا مطالبون ببذل الوسع في حدود الإمكانات [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] فإذا بُذل الوسع تحققت بذلك سنة الله في الأرض بنصر المؤمنين الآخذين بالأسباب. **إن العالم الإسلامي يزخر بالثروات المادية والإمكانات العلمية من علماء ومفكرين، والواجب تجميع هذه الطاقات وتوجيهها لخدمة الأمة، ولا يليق بأمة مستهدفة أن تنفق ثرواتها على اللهو بصنوفه العديدة. وأضعف الإيمان أن يعامل البث المباشر كصنف من تلك الأصناف اللاهية! الاقتراحات: بناء على ما سبق يتبين لنا ضرورة وجود عمل جاد تجاه هذا الغزو المدمر الذي هو من أقسى ما تعرض له المجتمع المسلم من حروب، وذلك لأنه يهدف إلى استئصال الإنسان المسلم من جذوره بمحاربة عقيدته وأخلاقه وقيمه، وهدم كيانه النفسي والاجتماعي، وتأصيل الممارسات الفردية المنحرفة، لتصبح ظواهر اجتماعية يحسب لها كل حساب. وحتى يكون للمقترحات صدى وتأثير لابد: - أن تكون لجان من ذوي الخبرة والاختصاص لوضع الخطط والسياسات اللازمة لمكافحة هذا الغزو. - أن تحول المقترحات إلى عمل منظم، إذ لا خير في علم لا يتبعه عمل، ولا خير في عمل إذا لم يكن وفق نظام وخطة محددة الأهداف والمراحل. - أن تكون الجماهير المسلمة جزءاً من الحل ومشاركة فيه، وإلا فإن أي قرار يتخذ بعيداً عنها وفي غيبتها -خصوصاً هذا الأمر- فسيكون منبتاً ولا جدوى له. وبمكن إيجاز المقترحات في النقاط التالية: **ما دام البث المباشر لا يتم إلا بواسطة تجهيزات خاصة فإن من وظيفة الحكومة الإسلامية هي حماية الدين والأخلاق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . لذا يجب منع هذه الأجهزة والتشديد في إجراءات التفتيش في جميع المنافذ على المواطنين والأجانب على حد سواء. **الحل السابق مؤقت ومرتبط بما وصلت إليه التقنيات الحديثة، لذلك فالحل يكمن في مساهمة الجامعات التقنية ومركز ومعاهد الأبحاث التي تنفق عليها الأمة من ثرواتها المبالغ الهائلة، ولا يليق بهذه الجامعات ومركز البحث العلمي أن تشتغل بأبحاث تخدم مجتمعاً غير مجتمعها، كما لا يليق بها أن تغيب عن معركة حاقدة يقف وراءها يهود ونصارى وغيرهم. يجب على هذه الجامعات أن تنشر الوسائل العلمية في مجال دراسة أسرار هذا الغزو وفك أسرار التقنية ومحاولة السيطرة عليها. قد يكون هذا صعباً ولكنه ليس بالمستحيل فدول شرق آسيا الفقيرة أصبحت منافسة للدول الصناعية الكبرى. **يجب إقامة الندوات والمؤتمرات المتخصصة التي تجمع ذوي الاختصاص والخبرة ليتبادلوا الآراء ونتائج الأبحاث فهذا هو الطريق المتبع في الشرق والغرب على حد سواء، فعلى أساس ما يتخذ من إجراءات في ختام كل ندوة ومؤتمر يتم بناء الصناعات الكبيرة والخطيرة. **يجب إقامة الندوات والمؤتمرات التي تهدف إلى نشر الوعي الاجتماعي، وأن تعتمد هذه الندوات والمؤتمرات الطابع الشعبي والأساليب الحديثة من ملصقات وأشرطة فيديو وكاسيت، بالإضافة إلى الأساليب الشرعية من وعظ وتذكير، كما أنه من واجبات وزارات الأوقاف تكليف الأئمة والخطباء بإقامة دروس التوعية وتقديم الخطب بصورة شبه دائمة فلا شك أن هذا سيؤدي إلى استثارة الغيرة الإسلامية على العرض والدين. **كما تبين في الفصول السابقة، فإن البث التلفزيوني يخضع لعهود واتفاقيات دولية وهنا يأتي دور الحكومات والرقابة الشعبية في منع هذا البث وألا يخضع الأمر للميول والأهواء كما حصل بالنسبة للبث الفرنسي في تونس، كما يجب ألا نركن إلى هذه العهود والمواثيق فهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ويجب على العلماء والدعاة أن يذكوا روح الجهاد في الأمة كما يجب على الخطباء أن يجعلوا من البث المباشر جزءاً من دعائهم لضمان يقظة الضمير الاجتماعي لدى الأمة. **لقد سبق ذكر عدد الشبكات الدينية الموجهة والتي ينفق عليها مجالس الكنائس، وتحظى هذه الشبكات بتسهيلات على اعتبار أنها ليست تجارية، فإذا كان أهل الباطل يستفيدون من هذه التقنية ويوجهونها إلى ما يخدم أهدافهم فمن الواجب والضروري لمجلس المساجد العالمي والاتحادات الإسلامية أن تتعاون فيما بينها لامتلاك شبكة لبث الدعوة الإسلامية وفضح المذاهب الضالة والديانات المنحرفة.

стр. 747

البيان الأدبي محيي الدين عطية في ديوانه الجديد (صلاة الفجر) عبد الله الطنطاوي مدخل: (صلاة الفجر) هو المجموعة الشعرية السادسة للشاعر المبدع: محي الدين عطية، وقد سبقته خمس مجموعات شعرية أخرى هي: نزيف قلم - دموع على الطريق - قسماً - مجموعة أناشيد المقاومة - من الأعماق. وقارئ تلك الدواوين يخرج بانطباع حزين ثائر، لأنه يقرأ الأبيات والكلمات والمقطعات والقصائد وظلالها وموحياتها، ويغوص في أعماقها وأغوارها البعيدة، فيحس لفح أفيائها، من خلال نفس تتلظى وهي تستعيد ذكريات الليالي الخوالي، وهي - في أكثرها- ليال عوابس دوامس مترعة بالأنين، مغلفة بالآلام والأحزان. وشاعرنا واحد من أولئك الصيد الذين لقوا الألاقي فصبروا وصمدوا. وليس هذا بمستغرب ممن وضع لبان الرجولة مع تعاليم الإسلام ومبادئه وعقيدته، فكان يأرز إلى إيمانه بالله وقضائه وقدره، كلما حزبته الأمور، وعصفت به العواصف الهوج من الهمج والسفلة وسفلة السفلة ... والإيمان يصنع الأعاجيب من رجولة الرجال ... الديوان: وهذه المجموعة الشعرية تنبئ عن شاعرية فذة، تملكها صاحبنا منذ أن انضوى تحت راية الإسلام، وعّب من ينابيعه الثرة فكراً صافياً، وثقافة عميقة، وبعداً في النظر، ونقاء في السريرة، وقد أخصب كل ذلك بما عانى من أنماط القهر وغنى التجارب التي أثرت عواطفه، وقد انعكس كل ذلك على شعره، ليجعل منه شاعراً متميزاً، على الرغم من أنه شاعر مقل -فيما يبدو- ولكن الغزارة في الإنتاج ليست شيئاً ذا بال، ما لم يواكبها إبداع. وإقلال في إبداع؛ خير ألف مرة من إكثار في غثاثة.. يتألف الديوان من ست وثلاثين قصيدة عشارية فكل قصيدة من قصائد هذا الديوان تتألف من عشرة أبيات، سوى قصيدة (إسراء) فإنها تتألف من تسعة أبيات، وأحسب أن البيت العاشر قد سقط سهواً أو قسراً ... وقصائد الديوان تنطلق من منطلقات إسلامية، في محورها الإسلامي العبادي، وفي محورها السياسي، وفي محورها الاجتماعي، فقد تمكن الشاعر من صهر هذه المحاور في بوتقة الإسلام العظيم الذي يعيشه الشاعر ويحياه ... وقد استخدم الشاعر مختلف البحور الشعرية، كالطويل والبسيط والمديد والمجتث والوافر ومجزوئه، معتمداً في سائره على عمود الشعر: بمعناه الحديث وليس بمعناه الجاهلي أو الأموي -مبتعداً عن شعر التفعيلة.. والشاعر سلس الأسلوب، عذب الكلمات، يتحدث إلى قارئه في شعره حديث الصديق للصديق، في تؤدة ولين وحب وأنس، فيه رقة ونعومة وصدق وبعد عن التقعر في اللفظ والمعنى معاً، مما جعل موسيقاه هادئة محببة تتسلل إلى النفس لتنقل أحاسيس الشاعر فيا تعج به بعض القصائد من تنوع العواطف والمشاعر والأحاسيس، والحزينة منها بخاصة. وصوره لا تقل عذوبة وجمالاً عن أسلوبه وموسيقاه، كهذه اللوحة البديعة التي رسمتها ريشة صناع: إذا ما الفضة انتثرت ... خيوطا في ليالينا تراقبها مآذننا ... فتصدح كي تنادينا يلبيها فيهرب ما ... تثاقل من مآقينا ونلقى النسمة العذرا ... نرشفها وتروينا تعانقنا، تقبلنا، ... وتوقظ خير ما فينا وفي قصيدته (جريح من هرات) مجموعة من الصور الحية المعبرة كهذه: تمازحني كأنك يوم عرسٍ ... وجرحك وجه عذراء مليحُ ويضحك في ندى عينيك طفل ... فتضحك دمعتي، ولها فحيح وجرحك أحمر الشفتين يشدو ... بأغنيةٍ لها كالمسك ريح واقرأ معي في قصيدته (نشوة) وتأمل هذه الصور البديعة: إذ ما استحمت عيون السماء بضوء القمر هنالك يدعى اليراع الوفي لبعض السهر وتتلو القوافي مع الكائنات دعاء السحر هنا يسبح المرء في نشوة من نسيج القدر صلاة الفجر: وإذا أردنا أن نقف أمام بعض قصائد الديوان، فسوف نطرب لمعانيها، طربنا لمبانيها، فنحن نطالع في (صلاة الفجر) الإحساس الصادق، والأسلوب الشاعري، والصور الجميلة، تتدفق فيها المشاعر عبر الكلمات والصور التي تتنفس في جو إيماني، وتتنسم من عبيره ... فالخيط الأبيض من الفجر هو حزمة من خيوط فضية ترقبها المآذن في شوق ولهفة، وحالما تراها تصدح بالأذان، فتوقظ الوسنان الذي يخف إلى بيوت الله، والنسمات المنداة تستقبله، تعانقه، تقبله، وتبعث فيه خير ما فيه، والمؤمن كله خير، تحف به ملائكة الرحمن، وهي تزفه إلى المسجد، حيث المؤمنون صافون أقدامهم للصلاة، للعطاء والخير، وترق الأرواح وهي تصيخ إلى قرآن الفجر الذي ينقيها من أدران المادية، فتهتف أشواقها داعية مبتهلة، وتتجاوب الأطيار والأشجار وما حوى ملكوت الله، فتهتف مؤمِّنة: آمين آمين.. كل هذا الجمال يتودد إليك بلا حشو ولا إقحام معنى أو تكلف صورة، أو تعسف معنى أو قسر كلمة، ويجعلك تصرخ: أين كان شاعرنا؟ أم أن ليل المحنة الطويل الطويل، الثقيل الثقيل، قد آده وضعضع نفسه الرقيقة فصرفها عن قول الشعر حيناً من الزمن؟ . المسجد: وفي (المسجد) عبر الشاعر عن مفهوم العبادة في الإسلام.. فالمسلم العابد ليس من يرتاد المساجد وحسب، بل هو الذي يتعلق قلبه بالمساجد، ويحمل فأسه ويعمل في حقله ويتحمل مشاق العمل، وهو الذي يسعى على عياله ويرعى والديه ولا يؤذي جاره، ولا يقطع رحمه، ويبث الحياة في قلوب العجزة، ويذكي الهمم ويستنهض العزائم، وهو الذي يجاهد بقلمه، والذي إذا عمل عملاً أتقنه ليكون - أبداً- في سباق مع العلماء والمخترعين، والذي لا يكتم علماً ... هؤلاء هم العباد، فالمؤمن يتعبد ربه في سائر أحواله، وقد جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً.. إنها أطايب الإسلام، قدمها إلينا الشاعر على طبق شهي من لذيذ الشعر.. الزائر الأخير: و (الزائر الأخير) هو الموت، وقد وصفه وصفاً دقيقاً، في أسلوب تقريري، غير أنه ينبض بشتى المشاعر التي تنتاب مستقبِل هذا الزائر الذي لا بد من استقباله ولا مفر.. فإن خيراً هنا، فهناك خير ... وهل يخشى من اللقيا حبيب؟ العطاء: وفي (العطاء) يخرج الشاعر عن مألوف أصحاب النظرة المادية والتفسير المادي للأمور، أولئك الذين يرون في المال درعاً وكافلاً وأمناً، وأن الجود يفقر، فالمال -في نظر الشاعر وفي نظرنا- عارية مستردة، وهبه الله عباده ليتصرفوا به فيما يعود عليهم وعلى مجتمعاتهم بالخير، لا ليكونوا عبيداً له. وفي (الخطاب) رمز لكف العامل الذي يكدّ ويشق ليسعد الناس، يتعب وهو يسعى على عياله.. هذه الكف التي يحبها الله ورسوله، لا نكاد نجدها في صورتها المناسبة في محيطنا الزاخر بالعجز عن الأداء الكامل في كثير من الميادين، حتى صرنا في مؤخرة الركب.. فلا منظر النحلة العاملة، ولا منظر العنكبوت المبدع، ولا سواها من الطيور، ولا قطرة الماء، مما يلفت انتباهنا إلى ضرورة السعي كما أمرنا الله ورسوله: [وقل اعملوا..] فماذا ترانا نفعل؟ وبماذا نسوغ ما نحن فيه؟ أي سر في الأكف اللواتي ... تزرع التاريخ بالمكرمات؟ وفي (الناموس) يأبى الشاعر حياة الذل والمسكنة، وما يتبعها من بكاء واستبكاء، وحياة الدعة والتمجد والزهو في فراغ نفسي وخواء روحي، والغد المأمول مظلوم بين هذا وذاك، لما ينتابنا من عجز أو سوء تخطيط أو تعثر إدراك وما لم نتدارك الأمر بالأخذ بأسباب الحياة كما شرعها الله ورسوله التزاماً بهذا الدين وما يدعو إليه من الجهاد بالسيف والقلم والعلم، فناموس العدالة الربانية لنا بالمرصاد: لعمري لئن لم يدرك الأمر أهله ... شباب بسيف العصر دوماً مدجّجُ وشيب بمحراب الرسول قلوبهم ... وألبابهم في موكب العلم هودج فإن الرحى لن يخطئ الحَبّ طحنها ... ولله ناموس من العدل أبلج وفي (الرغيف) نطالع التباين والفوارق الكبيرة بين (دولنا) التي أطلق عليها الشاعر اسم القرية -وهو محق- فهذه جدباء أكلها القحط، وتلك مخصبة، ولكنها تكفر بأنعم الله، حيث الكسل والبلادة والإسراف ومنع الزكاة والسرقة والربا واستيراد ثمرات كل شيء.. ثم يتساءل مستنكراً: ترى.. هل أصل حاجتنا رغيف؟ ... أم الإيمان والعقل الرشيد؟ وينعى الشاعر في (حواء) ما آلت إليه حال المرأة عندنا، بعد التغريب الذي حل بمجتمعاتنا، فلم تعد في نظر الشرق والغرب سوى سلع رخيصة، وغابت (حواء) الأم والزوجة والأخت والبنت وصانعة الأبطال من حياتنا، فصرنا إلى ما صرنا إليه من هوان. ويعالج في (الرأي الآخر) مشكلة الحرية وأزمة الرأي والرأي الآخر في حياتنا التي يفتك بها الاستبداد السياسي، وبتحكم فيها الطواغيت، ويعمّ الإرهاب الفكري، فلا رأي إلا لصاحب الأمر والنهي، يسحق من يشاء، ويقتل ويسجن ويمتهن الكرامات.. وهذا من أهم أسباب تخلفنا الذي يرهق إحساس الشاعر، ويقض مضجعه، فيعالجه معالجة شاعرية، ولكنها ذات كثافة وثقل على الواقع المعيش فيقول: واطلب الرأي البديل فإنا ... كم جنينا من حصاد الغرور أبله من ظنّ أن الليالي ... بعده ما أنجبت من بدور والتمس في القول عذرا لخصم ... صادق، فالظن بعض النفور هل ترانا نعبر النهر إلا ... أن نرى ما بيننا من جسور؟ وفي (الأصنام) متابعة للواقع السياسي المرير القائم على الظلم والاستبداد، ولكنه هنا ينعى على الشعراء والعلماء الذين أقاموا الأصنام والأوثان من لحم ودم، وليس من حجر، كما كان المشركون الوثنيون يفعلون قديماً: هُرعنا نصنع الأوثان لحما ... وكانت عندهم حجرا وطينا نؤله كل سلطان منيع ... تربّع فوق هامتنا سنينا وليس العيب في الأصنام، إنا ... أقمناها، فكنّا الظالمينا وصار لكل إنسان إله ... بداخله يقود له السفينا وفي (الصكوك) صورة عن بهلوانات العصر الذين يهرفون بما لا يعرفون.. ولعل ذلك الواقع السياسي جعله يقدم إلينا في (الانتحار) تلك الصورة المشينة لحال أبنائنا في هذه الأيام، فهذا الجيل لا يكاد يتزود بغير الجهل، وتصبح الرؤوس والنفوس خاوية خالية يتمكن منها أي فكر يصادفها، ويكون اليأس وانطفاء جذوة الأمل فيهم، ويكون الانتحار، ونحن المسؤولون عن ضياع هذا الجيل، والمناهج التي نقدمها إليهم مسؤولة: وينتحر الشباب على يدينا ... زرعنا.. ثم باؤوا بالحصاد وهناك نمط آخر من هذه العشاريات، يتناول في كل واحدة منها حديثاً من أحاديث رسول الله ﷺ ، ففي (المظلة) يتحدث عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وفي (الاستمرار) يحكي حديث رسول الله - ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . وفي (السؤال) يتحدث عن حديث الرسول العظيم الذي يخبر عما يسأل عنه المرء يوم القيامة: عن عمره فيم أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيم أنفقه.. و (الظافر) هو الذي يظفر بالفتاة المتدينة «فاظفر بذات الدين تربت يداك» وفي (ألوان من الصدقة) نطالع حديث رسول الله ﷺ عن الفقراء من أهل الصفة الذين جاؤوا رسول الله شاكين لأن أهل الدثور (الأموال) ذهبوا بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم.. ونطالع حديث رسول الله ﷺ في (المنافقون) «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهم كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» و (الحب الأكبر) شرح شاعري لقول رسول الله ﷺ : «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه» وفي (التغيير) : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . وفي (نهر البر) : «احفظ ودّ أبيك» وفي (اللقيمات) : «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه» وفي (أدب الهجر) : «لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» . وكما قلنا.. يطيب للشاعر أن ينتقل بين الموضوعات، وعينه دائماً على هذا الواقع التعيس.. ولعل أتعس ما فيه (أقلام الفتنة) التي لا ترعى حقاً ولا ذمة ولا صدقاً فيما تكتب، بل تسعى لتشبّ نيران الفتنة بين الإخوة، يقودها شيطان رجيم، ولو أن أصحابها وعوا دروس التاريخ، وعمّر الإيمان قلوبهم، لكان لهم ولأقلامهم مسار آخر في هذه الحياة: يا جامعي حطب التاريخ في قلم ... لا تحرقون سوى الأيدي بلا حذر هلا وعيتم دروس الأمس دامية ... هلاّ استجبتم لضّم القوس للوتر فالقلب إن يعزف الإيمان نبضته ... كان الجناحان ملء السمع والبصر وهكذا يكون (الحريق) يلتهم شرفنا وأمجادنا وتاريخنا، يوقد نيران الفتنة فيه طواغيت لا يقرّ لكراسيهم قرار إلا فوق الأشلاء، والرسول ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار» المسلمان إذا سيفاهما التقيا ... كلاهما من عرى الإسلام ينعتق وأخيراً.. يبدو للقارئ المتأمل في هذا الديوان وأشقائه الدواوين الأخر، أن الشاعر حكيم، قد بلا الحياة والناس، وعركته التجارب، وامتحن الدهر، ثم جاء بنظراته وتأملاته هذه في هينة ولين، لا صخب ولا قعقعة، بل تنساب في رقة وعمق؛ يقرّبان الشاعر منك، ويقرّبانك منه، فكأنه يهمس في أذنك، وهو ملتاع لالتياعك، حزين لأحزانك، عامل على استنهاض الهمة فيك في تحبب وتودّد وأنس. وأرجو أن يكون شاعرنا ممن نفعه الله بما وهبه وعلّمه ومنحه من شاعرية فياضة، لينتفع بها المؤمنون.. كما أدعو إلى أن نعلم أبناءنا ونحفظهم هذه القصائد ونحفظها نحن، ونحاول أن نقنع من نستطيع إقناعه لتكون ضمن المناهج، تعلم أبناءنا أمور دينهم، وتحببهم بأخلاق الإسلام، وتقودهم إلى رضى المليك الديّان.

стр. 748

شعر استذكار أبي عاصم الحكمي فيا شبابا بدين الله قد سَعِدوا ... هل فيكم لمصاب الدين جبران؟ هبوا فقد بلغ السيلُ الزبى وسرت ... في جسم أمتكم للكفر نيران حقٌّ عليكم تعيدوا مجد أمتكم ... أتنعمون وهُدَّت منه أركان؟ أتنعمون وللإسلام نائحة ... قد زاحمته قوانين وصلبان؟ ما عذركم وبعقد البيع قد شهدت ... آي من الذكر والمبتاع ديان؟ وجنة الخلد قد زُفّت له ثمنا ... أيرغبنّ عن الفردوس إنسان؟ ودربنا المصطفى أرسى معالمه ... وحفّ جنبيه توفيق ورضوان والصحب خاضوه والأسلاف بعدهم ... فهم نجوم الدجى إن ضل ركبان عودوا لتاريخهم واستنطقوه ففي ... أيامه البيض نِبراس وبرهان وجددوا العزم وامضوا للعلا قدما ... فالجد بالجد والتسويف حرمان إن العقيدة حصن شامخ فبها ... لوذوا تَدِنْ لكموا هام وتيجان دليلكم في السرى إن تاه غيركم ... هَدْيٌ من السنة الغرا وقرآن تزودوا الصبر والتقوى فما لزما ... قلباً ورام حماه قط خسران والعلمَ بُثُّوه في الأمصار تحْيَ به ... فسرُّ نهضتها علم وعرفان والجهل ما حل في أرجاء مملكة ... إلا وصاح بها بوم وغِربان فالنشء نِيطت به آمالنا وبه ... معاقل للهدى تسمو وأوطان والله في عونكم يا قوم لا تهنوا ... ما ضيرُ عبدٍ له الرحمن مِعوان

стр. 749

قصة قصيرة جيل الضياع د. عمر عبد الله رجع جمال إلى البيت منهكاً، كان يوماً طويلاً بدأ بصلاة الفجر وهاهو ينتهي عند منتصف الليل ... فتح الباب فإذا بزوجة قلقة حائرة مرتبكة. * جمال , لماذا تأخرت؟ .. لقد انشغلت عليك ... مقاطعاً: كنت في الجامعة.. أعرف أنني لم أعطك مكالمة هاتفية لأخبرك بذلك لكن ستعرفين العذر. * ماذا حدث؟ - لقد كنت مدعواً لإلقاء محاضرة تعريفية بالإسلام انقلبت إلى معركة * ولم؟ - بعد إلقاء المحاضرة أخذ بعض الطلبة المسيحيين استثارتي ولكني رددت عليهم فما كان منهم إلا أن حاولوا الاعتداء علي. * لماذا..؟ - لا أدري.. لكن الغريب أن وليم علي الذي حدثتك عنه هو الذي كان يقودهم. * هذا المرتد؟ - نعم إنه قائد المجموعة الصليبية في الجامعة التي تسمي نفسها المولودين من جديد إنه حاقد على كل ما يمت للإسلام بصلة.. * وهل هناك سبب منطقي لذلك؟ - نعم فهمت منه أن أباه الذي ولد مسلماً قد أتى إلى هنا قبل أربعين سنة ثم تعرف على أمه ليثمر هذا الزواج بهذا النتاج النكد.. * وهل كان أبوه نصرانياً مثله؟ - كلا كان شيوعياً.. يكره الأديان ويحاربها.. ولم تجد الأم حلاً سوى أن تنفصل عنه وتأخذ ابنها إلى الكنيسة لترعاه فكراً ومعتقداً ... كان أبوه سيئاً سلوكياً أيضا. * إذن؟ - إذن وليم نشأ وهو يكره هذا الأب وصورة الإسلام متمثلة في ذهنه بسلوكيات بشعة، وتصرفات مفزعة خصوصاً أن أباه قد قدم دعاوى حضانة للابن اشترط فيها أن لا يمارس ابنه الصلوات الكنسية لأنه يريده أن يكون بلا دين ... * فهمت ... مسكين ... إنه يستحق الشفقة! - نعم إنه حقاً يستحق الشفقة والرحمة لاسيما وأنه مثال للذين ربطوا بسلاسل في أعناقهم فهي إلى الأذقان ... صم، بكم، عمي، لا يستخدم أدوات الحس سوى لمحاربة أي شخص أو فكرة تمس المجتمع المسيحي المثالي الذي يتحمس له! * هل حاورته ... هل ناقشته؟ . - تعرفين يا أسماء أن الحوار في منهجنا قضية أمر وواجب، ليست ترفاً ولا مراوغة وهي أبعد عن أن تكون تكتيكاً كما يقولون ... إنها دعوة حوار قضى المصطفى ﷺ معظم وقته وهو يحاور أهل مكة ثم مطالباً أهل الكتاب بالمثل دون جدوى ...، نعم لقد حاورته ...كثيراً. * وماذا كان رد فعله؟ - تذكرين رد فعل ... * نعم مسكينة هي الأخرى - وليم لا يبتعد عنها كثيراً ... إنهما مثال لجيل الضياع والتشرد المنتشر ... آباءهم حملوا أسماء إسلامية ولافتات تدل على ذلك.. كان آخر ما يفكرون فيه أمر هذا الدين.. كان اللهاث وراء الرزق والشهادة والفرصة يتم بتصاعد وعلى إيقاع أمريكي متسارع ومنهك... - دخل جمال لينال قسطاً من الراحة ... ولكنه التفت إلى أسماء قائلاً: تعرفين أني قابلت برهان اليوم ... * هاه بشر ... ماذا دار بينكما؟ - لقد كان حواراً طويلاً وشاقاً ... تعرفين أن الرجل في هذه المرحلة يشعر بجحيم الجريمة البشعة التي ارتكبها بحق نفسه أولاً ثم ابنته.. لكنه اليوم اعترف لي بأنه عاجز ... عاجز حتى عن ممارسة الواجبات البسيطة ... خذي مثالاً لقد نسي كيفية الوضوء ... ، وهيئة الصلاة ... ، آخر مرة صلى فيها عندما كان في الرابعة عشرة.. مع أنه على استعداد لكي يتعلم من جديد..، تصدقين أنه مشتت تماماً بين القلق الذي يعيشه والذكريات الغائمة لأبويه وهما يودعانه ويقول له أبوه جميل: الله الله في ربك ... لقد حلت بنا النكبة لذنوبنا ... ، لقد قال لي اليوم أنه قرر أن يسافر لرؤية أمه ... وأنه لم يتصل بهما منذ ثلاثين سنة ... تصوري..! * وأبوه؟ - سحقته دبابة عسكرية عندما خرج ليتظاهر على خيانة نظام ثوري في ما يسمى بالنكسة ... ، لقد قتل مع مئات غيره.. ولم يعرف هو ذلك إلا بعد سنوات عن طريق صديق مشترك ... * وماذا عن ابنه - لقد اقتنع أخيراً بأن الماسونية حالة ومؤسسة تخدم اليهود ولكنه قال لي ان الواقع يضغط عليه فهو كحال المعدم الذي يصيح بمن يلومه بيتي يبخل لا أنا. إنه يشعر أن عليه أن ينقذ نفسه أولاً. * وأسرته؟ - مرحلة لاحقة ... لا يريد أن يفكر فيها الآن.. إنه مشغول بنفسه * أخباره سارة.. ولا شك..

стр. 750

شؤون العالم الإسلامي مَن المستفيد ومَن الخاسر مِن أزمة الخليج ما زالت أزمة الخليج تتصدر الأحداث العالمية، وما يزال الناس يتساءلون ويترقبون ماذا سيحدث، هل الحرب أم السلام؟ كل يوم يمر، والناس بين متفائل ومتشائم، فالحديث عن الحرب في المساء يعقبه حديث عن الحلول السلمية واستنفاذ وسائل الحصار الاقتصادي في الصباح، ولكن من المؤكد أنه برز أخيراً تيار يريد الحل السلمي ولا يربد الحرب لأنها إن وقعت فلا تبقي ولا تذر، من هذه الدول: روسيا وفرنسا وكثير من الدول العربية. وأما الموقف الأشد تمسكاً بالحرب فهو موقف بريطانيا، والسبب قد يكون واضحاً -والله أعلم - وهي أنها تريد الرجوع إلى المنطقة بقوة ولكن على حساب أمريكا وجنود أمريكا، كما هي عادة الإنكليز. والشيء المؤكد أيضاً أن الحل العسكري سيكون دماراً للمنطقة، وليس في مصلحة أحد، وإذا كان بوش وصدام وضعا أنفسهما في الزاوية، بإصرارهما على مواقف صعبة، ثم خضوعهما لهذه المواقف فهذا يجب ألا يمنع العقلاء من الأفراد والشعوب والدول أن تستمر في الضغط لإيجاد مخرج سلمي من هذه الأزمة، ولم تكن الدول العربية بحاجة لأن يستنفر هممها غورباتشوف عندما صرح في باريس بأن على كل الأطراف أن يكونوا واقعيين، ويتجنبوا الخراب الشامل. وأيا كانت طريقة حساب الأرباح والخسائر الناتجة عن هذه الأزمة فإن مما لا شك فيه أنها أول اختبار يتعرض له الوفاق الدولي بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، أمام التحالفات الإقليمية فقد تعرضت لهزة شديدة وعلى رأسها مجلس التعاون العربي! ! وتبدلت مواقع وحصلت مفارقات، وكان أبرز المستفيدين من هذه الأزمة: ١- إسرائيل ٢- تركيا ٣- إيران أولاً: إسرائيل: التي تعتبر أكثر المستفيدين فقد سارت وفق التوصية الأمريكية بالحرص على عدم الدخول طرفاً في الأحداث خوفاً من تأثير الشعور الإسلامي المعادي لإسرائيل، وركزت على الاستفادة في الوقت نفسه في بناء علاقتها مع الاتحاد السوفييتي، وزيادة المهاجرين من الاتحاد السوفييتي، فقد قام شارون وزير الإسكان بزيارة إلى موسكو تزامنت مع وصول المهاجر رقم ١٠٠٠٠٠ إلى إسرائيل وتوجت بعقد كبير لشراء آلاف من المساكن الجاهزة لإيواء المهاجرين الجدد. (الأسبوع العربي ٢٤سبتمبر١٩٩٠) وكذلك الإسراع بصفقات أسلحة متميزة من أمريكا وكذلك دعم خاص من أمريكا لتسهيل استيطان اليهود السوفييت (٤٠٠ مليون دولار) صرح بذلك بيكر وزير خارجية أمريكا. وأيضاً استغلت التركيز الإعلامي العالمي والمحلي على أحداث الكويت، فشددت قبضتها على الضفة والقطاع، وبدأت في قمع الانتفاضة، بل بدأت في تلميع صورتها عالمياً ومحلياً موهمة العالم أنها ليست هي عامل تهديد الاستقرار في المنطقة؛ بل إن هناك أنظمة أكثر تهديداً للاستقرار منها. ثانياً: تركيا: تحاول تركيا الاستفادة كغيرها من هذه الأزمة، فمن جهة تهول بخسائرها التي نجمت عن إغلاقها أنبوب النفط العراقي المار في أرضها، وعن فقدانها لتصريف إنتاجها في العراق والكويت، وكذلك تستثمر هذه المناسبة من أجل أن تقنع حلفائها في حلف الأطلسي أن خدماتها لا يمكن الاستغناء عنها عند مواجهة العراق، ولذلك تجعل من هذه الأزمة سبباً جوهرياً وجيها لإقناع المجموعة الأوربية لقبولها عضواً في السوق الأوربية المشتركة. ثالثاً: إيران: لقد خرجت إيران من الحرب منهكة القوى ومثقلة بالأعباء فقد خاضت الحرب بقدراتها الذاتية تقريباً، بعكس العراق الذي كانت تقف خلفه اقتصادياً دول الخليج العربي، كانت تمل معظم مشترياته سواء المدنية أو العسكرية، وكانت إيران شبه محاصرة سياسياً في المنطقة، وليس لها متنفس في المنطقة سوى سوريا -على ما بينهما من تنافس على النفوذ في لبنان- وجاءت الأحداث لتقلب الوضع رأساً على عقب بل وتقدم الحكومة الكويتية اعتذاراً رسمياً لموقفها من إيران خلال الحرب، وبدأت مرحلة الغزل السياسي بين إيران ودول الخليج بسبب تطورات الأحداث، وقام العراق في محاولة لتحييد إيران بإعادة الاعتراف بمعاهدة الجزائر ١٩٧٥ والانسحاب من الأراضي الإيرانية وتبادل الأسرى، وأخيراً قام طارق حنا عزيز وزير الخارجية العراقية بزيارة إيران وتم الاتفاق على عودة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة، وهكذا كسبت إيران من طرفي النزاع الحالي، وسيكون لها دور في ترتيبات أمنية قادمة في المنطقة بصفتها إحدى القوى ذات التأثير الأمني والعسكري فيها، كما يتوقع لها دور كبير في رسم المستقبل السياسي للعراق مستغلة سيطرتها على الأحزاب الموافقة لها في العراق، وقد بدأت هذه الأحزاب تحركاتها لإثبات وجودها أولاً، وطرح نفسها كشريك في أي ترتيب جديد، ويتضح ذلك من عقدها مؤتمراً مشتركاً مع الأحزاب القومية واليسارية الشيوعية والكردية في دمشق. (الشرق الأوسط ٣٠/٩/١٩٩٠) * وهناك دول خارج المنطقة كسبت من هذه الأزمة، فالاتحاد السوفييتي حقق من جراء ارتفاع أسعار النفط (٢٥ بليون دولار) ، كما حقق لوبي النفط في منطقة تكساس في الولايات المتحدة مكاسب مماثلة، عدا عن المكاسب السياسية التي حققتها الولايات المتحدة في مواجهة اليابان وأوربا، واستعادت فرنسا دورها العالمي مؤكدة على استقلاليتها. أما الخاسر الأكبر من هذه الأزمة فهي الشعوب التي تأتي النكبات دائماً على رأسها، فهل تحل هذه الأزمة وتكون بداية لمراجعة الأخطاء الكبيرة التي مارسها الكل شعوباً وحكومات؟

стр. 751

المسجد وأعداء الإسلام يعتبر المسجد رمز الحياة الإسلامية ومحور اهتمام المسلمين، ومركز المدينة أو المحلة الإسلامية، وحوله يتجمع نشاط المسلمين بكل مظاهره وصوره، فمنه انبثقت أفكارهم وتطلعاتهم، إليه يعودون بعد ضربهم في الأرض، وخوضهم في كل المجالات اقتصادية أو جهادية أو سياسية. والمسجد تجسيد لأهداف المسلم وغاياته في حياته وهو الطريق لتحقيق هذه الأهداف والغايات فبناؤه يعد أول خطوة من أجل ذلك، وهدمه قضاء على هذه الأهداف والغايات في مهدها ومحاولة قضاء على مجرد التفكير فيها أيضاً. وهذا ما يدركه كل من المسلمين وخصومهم بوضوح أيضاً. فالمسلم الحق أينما حل يبحث عن المسجد، فإن لم يجده فكر في طريقة إيجاده، وتطلع إلى الوسائل التي تعينه على ذلك، من التعرف على إخوانه في العقيدة الذين يشاركونه هذا الاهتمام، ومن تسهيل السبل لرفع هذا البناء الذي يوقف لعبادة الله وحده، ويرفع فيه اسم الله عز وجل وحده، كل ذلك إعمالاً لقول الله تعالى: [إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ] . أما أعداء الإسلام، فمن إدراكهم لهذه الحقائق، ومعرفتهم بأن المسجد هو نقطة تجمع للمسلمين، وبؤرة ضوء يلتفون حولها ويقتبسون من نورها؛ يعز عليهم أن يكون للمسمين أي تجمع، ويهتدون بأي نور، فقد أخذوا على أنفسهم عهداً أن يضربوا كل وحدة للمسلمين وكل شبه وحدة، وأن يقضوا على أية وسيلة يستمدون منها الشعور بذاتهم، والحفاظ على خصائصهم، والتميز عن غيرهم، وهذه الطبيعة في أعداء الإسلام ليست جديدة، وليست غير طبيعية، وليست غير مفهومة، فهي طبيعة قديمة وطبيعية ومفهومة. ولسنا نريد الحديث عن أساليب الأعداء في تفريق صفوف المسلمين والعمل على ضرب قواهم والوسائل الكثيرة التي تسخر لذلك، ولكن نريد أن نتحدث عن موقفهم من المساجد فقط. ونبدأ بالشيوعية فعندما سيطرت هذه الشيوعية على الشعوب الإسلامية كانت مساجد المسلمين من أولى أهدافها، فهدمت منها ما يعز على الحصر والذي ضنت به عن الهدم -لجمال هندسته وضخامة بنيانه- حولته إلى متاحف أو معامل أو مرافق، ومنها ما جعلته مخازن للخمور وغيرها من النجاسات زيادة في تحدي المشاعر. وحرمت ارتياد هذه المساجد للعبادة، وقضت على ما كان ملحقاً بالكثير منها من مدارس العلم والمؤسسات الخيرية التي أوقفت على مصالح المسلمين، ففي خوجند التي كانت إحدى العواصم في وسط آسيا وكانت مليئة بالمساجد لم تبق الشيوعية فيها إلا مسجداً رسمياً واحداً ليكفي حاجة ١٥٠ ألف شخص، بينما هدمت المساجد الباقية وحول بعضها إلى مكتبات للأطفال ومخازن وبارات، وفي داغستان هدم في عهد ستالين (٢٠٠٠) مسجد، وفي (آخطي) وهي بلدة تبعد عن دربند (وهو ما يسمى بباب الأبواب في المراجع الإسلامية) أربع ساعات بالسيارة - تحول المسجد إلى متحف، ووضع فوقه تمثال معدني للينين ارتفاعه سبعة أمتار تقريباً.. واليوم وبعد سقوط الشيوعية يعيد المسلمون بناء المساجد بنشاط وحماسة مذهلة، فأهل داغستان بنوا حوالي ٢٠٠ مسجد من أموالهم الخاصة منذ بداية ١٩٩٠ إلى الآن، وفي خوجند العمل جار لبناء ١٤ مسجداً في وقت واحد. وفي كل أمكنة أخرى يكون النشاط نفسه، فتبنى المساجد الجديدة، ويعاد فتح المساجد القديمة المعطلة أو التي كانت مستخدمة لأغراض أخرى، وأصبح بالإمكان إعادة فتح أي مسجد للعبادة إذا طالب بذلك عشرون شخصاً على الأقل. وفي فلسطين فإن سياسة الاستيطان اليهودي الشرسة تحرص على تغيير وجه فلسطين المسلم، وصبغها بالصبغة اليهودية، وتبذل جهوداً وأموالاً خيالية في هذا المجال، يمدها في ذلك اليهود والصليبيون المتعصبون في أمريكا وأوربا. وعلى الرغم من النجاح الذي حققه اليهود في مدن فلسطين الرئيسية في حيفا ويافا، فإنهم يحرصون أن يطبقوا هذه السياسة على الضفة الغربية وقطاع غزة، ويبدأون بالرموز الكبيرة في كل مدينة. فقد نجحوا في أن يكون لهم مكان عبادة في مسجد الخليل، وهم يسعون لتحويل كل مكان خالص للعبادة اليهودية وحرمان المسلمين منه، على الرغم من أن المسلمين أمضوا أكثر من أربعة عشر قرناً في العبادة فيه. على أن جهودهم تستنفر وتتجمع لهدم المسجد الأقصى ومسجد الصخرة لإقامة هيكلهم المزعوم مكانه. ومحاولتهم لإحراق المسجد الأقصى عام ١٩٦٩، وتكرار محاولاتهم وضع الحجر الأساسي في ساحته وبناء هيكلهم بعد ذلك على أطلاله ليست مجرد هدم لمسجد فقط؛ وإنما هي قضاء على كل أمل للمسلمين في حقهم في مدينة القدس، وجعل الفلسطينيين يقتنعون أنه لا قبل لهم بنيل أي حق يطالبون به، وهي بعد كل ذلك يمكن أن تكون سابقة خطيرة لها نتائجها وأبعادها لا على مسرح النزاع بين اليهودية والإسلام وهو فلسطين؟ بل على كل أرض يقف فيها الإسلام في مواجهة أي دين آخر. وبهذا يجب أن تفسر المذبحة التي وقعت للفلسطينيين في ساحات المسجد الأقصى وعلى تخومه، وبهذا أيضاً تظهر العلاقة واضحة بين هذا الحادث وبين ما يجري في الهند من هذه الحملة المسعورة التي يقوم بها الهندوس الوثنيون لهدم المسجد البابري وإقامة معبد لصنمهم (راما) في مكانه. ووجوه التشابه كثيرة بين ما يفعله اليهود في فلسطين للمسجد الأقصى وغيره، وما يفعله الهندوس. *فاليهود يريدون إلغاء كل ما يمت للإسلام بصلة في فلسطين ليقنعوا العالم أنها أرضهم الشرعية وأن المسلمين طارئون عليها. والهندوس كذلك يريدون إلغاء وجود الإسلام في شبه القارة الهندية وإذابة المسلمين هناك. *واليهود والهندوس يريدون الإيحاء للعالم أن الإسلام فترة زمنية انتهت، كما انتهت فترة الاستعمار الغربي، وأن على المسلمين أن يرحلوا كما رحل الإنكليز والفرنسيون والبرتغال والطليان عن البلاد التي حكموها بالظلم والطغيان والقهر، ويعمون عن حقيقة جوهرية أن هذه الشعوب التي دخلت في الإسلام لم تأت من الجزيرة العربية، بل هي من أهل البلاد الأصليين الذين قبلوا الإسلام عن طواعية، وأنه من الصعب بل من المستحيل أن يتخلوا عنه بسهولة وبخاصة في هذا الزمن على الرغم من تطور أساليب الفتنة، وما حدث في البلاد الشيوعية يعطي الدرس البليغ للهندوس ولليهود ولغيرهم ممن يفكر في تغيير دين المسلمين وإذابتهم. *واليهود والهندوس تبدوا جهودهم وكأن هناك تنسيقاً بينهما من أجل الضغط على المسلمين وإشغالهم وتشتيت جهودهم فالمنطقة الممتدة بين المتوسط وشرق آسيا، وهي المنطقة التي ينساح الإسلام فيها على مساحة واسعة الأرجاء نجدها الآن تُتَحَّيف من أطرافها وتثار فيها مشكلات مستعصية تشغل المسلمين وتشتت جهودهم وهذا واضح شديد الوضوح في الهند في الشرق، وفي فلسطين في الغرب، كما أنه واضح أيضاً في أفغانستان وفي سيلان، وفي الفلبين. إن إصرار الهندوس على هدم المسجد البابري في الهند ليس مجرد هدم مسجد فقط، وإنما هو رمز لإزالة أثر الإسلام من الهند، وهو بداية سلسلة من الأعمال التي تذكر بالمذابح المتبادلة التي حصلت هناك بهندسة من الاستعمار البريطاني قبل انفصال الباكستان. وعلى الدول العربية والإسلامية واجب كبير في لفت نظر الهند حكومة وشعباً إلى خطورة ما يحدث للمسلمين عندهم، هذا الواجب الكبير الذي توجبه الأخوة الإسلامية التي تربط بين المسلمين في كل مكان، فإن لم يكن واجب الأخوة الإسلامية، فالأخوة الإنسانية والعلاقات التي تربط بين الدول. إن الشعوب العربية تضامنت مع شعوب غير مسلمة سابقاً ولاحقاً، ولازالت أجهزة إعلامها وكتب التاريخ المدرسي فيها تشيد بصمود فيتنام وكوريا، وتتعاطف مع دول أمريكا اللاتينية، ونعتقد أن تعاطفها مع الشعوب والأقليات الإسلامية لا يقل من حيث الواجب الإنساني -إن لم يكن هناك دين- أهمية وإلحاحاً. والهنود -على الرغم من كثرة عددهم- عندما تصلهم الاحتجاجات من الدول العربية والإسلامية فإنهم سينظرون إلى الأمور بتعقل أكثر، ذلك لأن الهند لها علاقات مزدهرة مع أغلب هذه الدول بل إن بعضها يفضلها على باكستان. فلا أقل من تصريح يفهم الهند أن القضاء على١٢٥ مليون مسلم أمر مستحيل وضار بمستقبل الهندوس أنفسهم. أما الكلمة الأخيرة فهي موجهة للمسلمين الذين يجب أن يفهموا أن الديمقراطية الهندية ديمقراطية زائفة وأن المسلمين يعانون من عسف هذه الديمقراطية ما يهدد وجودهم من أصله، وإن الهند لها تطلعات استعمارية، وهي تعاني من مشاكل داخلية معقدة وتتطلع إلى حلها على حساب ما يحيط بها من الدول، والمجال الذي تتطلع إليه لبسط نفوذها هو مجال إسلامي بشكل كامل تقريباً، فليس التهديد الهندي موجهاً للصين مثلاً أو للشرق بل تهديدها متجه إلى البنغال وباكستان وأفغانستان بالدرجة الأولى. والهنود يظنون أنهم بامتلاكهم القنبلة النووية أصبحوا قادرين على فرض الاعتراف بهم كقوة مسيطرة في آسيا، ولا تكتفي بالعيش داخل حدودها.

стр. 752

من أخبار المجاهدين في الفلبين في محافظة (باسيلان) في الفلبين وقعت مواجهة حامية بين جبهة مورو الإسلامية وحكومة الفلبين، وقد استمرت المعركة التي وقعت بتاريخ ١٢/٩/١٩٩٠ حوالي ١٢ ساعة قتل فيها ٢١ جندي حكومي. أما المجاهدون فقد استشهد منهم ١١ وأصيب منهم ١٤ بجروح ومن بينهم قائد المجاهدين الأخ إسماعيل الذي تدرب مع مجاهدي أفغانستان ثم عاد إلى وطنه ليقود المعارك ضد العدو الصليبي. عائلات نصرانية أشهروا إسلامهم أمام المجاهدين: اعتنق الإسلام في أواخر الشهر الماضي ثلاث عائلات نصرانية في مديرية تاكورونج بمحافظة سلطان قدارات وأشهروا إسلامهم أمام دعاة جبهة تحرير مورو الإسلامية في المنطقة، وفي مقدمة هؤلاء المعتنقين للإسلام رجل مثقف وله مكانة اجتماعية مرموقة وزعيم جماعته المدعو ليوناردو روبين وقد اختار [عبد المجيد] اسماً جديداً له، ووعد الدعاة أن يجتهد في إقناع جيرانه وأهل قريته باعتناق الدين الحنيف، وعبر عن أمله الكبير في تحقيق هدفه وهو تحويل جميع أقاربه وأصدقائه وأهل قريته إلى الإسلام. كما أسلم على أيدي دعاتنا خلال شهر صفر ١٤١١ هـ شخصيات نصرانية بارزة في مديرية ماريانو ماركوس بمحافظة سلطان قدارات، ومنهم الدكتور مارلين ابيليرا والسيد كورتادو والسيد بيرهيليو، ومنهم ضابط نصراني في الجيش الفلبيني المدعو نويل واختار (عبد الله) اسماً له بعد إسلامه، ومنهم رئيس قرية لامبايونج بمحافظة سلطان قدارات وهؤلاء من الشخصيات البارزة في المجتمع المسيحي ومن المثقفين ثقافة عالية.

стр. 753

ركن الأسرة هدى محمد سميح إن أي عمل أو نشاط إسلامي يحتاج إلى عدة عوامل لنجاحه وظهور النتائج المطلوبة منه. ولضمان استمرارية هذا العمل لابد من وجود النية الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى أولاً، ثم يأتي بعد ذلك وجود الرغبة الصادقة والحماس المشتعل في نفوس الراغبين بالقيام بأي نشاط يستفيد منه المسلمون مهما كان حجم هذا النشاط متواضعاً، ولابد أيضاً من تشجيع الآخرين، وخصوصاً المستفيدين من هذا النشاط. ولا شك أن الكتابة في موضوعات تخص الحياة الأسرية بأقلام نسائية لديها الحس الإسلامي أمر مهم ومطلوب، فالنساء شقائق الرجال، وعليهن من الواجبات ما هو ضروري ويعادل في أهميته واجبات الرجال، وخاصة في هذا المجال الذي إن صلح صلحت الأمة وهو مجال الأسرة. حجاب العادات والتقاليد: عجبت لذلك الرجل الذي يصطحب نساءه معه للسياحة خارج بلاده، وقد نزعن عنهن حجاب الحياء والإيمان حينما ركبن الطائرة دون أن يحرك ذلك فيه غيرة الرجل المسلم على نسائه، من زوجة وبنات وأخوات. والنساء اللواتي يرخين حجابهن أمام من يعرفهن، وينزعنه إذا خلا لهن الجو، ولم يفهمن الحكمة من تستر المرأة المسلمة، ولم يتغلغل الإيمان واليقين في قلوبهن، وحجابهن هذا ليس إلا مجرد تمثيل ونفاق تفرضه العادات والتقاليد والخوف من الناس، ليس الدين. جارتنا والخادمة والخوف من الناس: جارتنا تصر على إحضار خادمة غير مسلمة، والسبب أنها ملت من الخادمة المسلمة لأنها دائماً في وقت فراغها تقرأ القرآن، وتصلي وتصوم النوافل مما يضعف بنيتها؟ ! الطفل البالغ: كثير من الأهل ينسى أن الطفل بين الخامسة والسابعة طفل وليس رجلاً، فهم يتوقعون منه أن ينظم حياته بنفسه، بل بعضهم يتوقع من الطفل أن يربي نفسه بنفسه، دون أن تكون هناك حاجة لتوجيه وإرشاد الوالدين، وينهالون عليه بالضرب والتوبيخ إذا أخطأ، ولو فتشنا بإنصاف عن أسباب أخطاء الأطفال لوجدنا أكثرها يرجع إلى أسلوب الوالدين في التربية وانعكاس ذلك على صفحة نفس الطفل السريعة التأثر. ثلاث فوائد أنت بحاجة إليها في منزلك: ١- الأرضية الدكنة تعطي شعوراً بصغر المكان، فاستخدمي سجاداً. أو أثاثاً فاتح اللون وهادئاً ليعطي الشعور بالاتساع والارتياح. ٢- إذا أزعجتك الروائح المكتومة في الخزائن فضعي فيها إناء فيه حليب مغلي وأغلقي الأبواب إلى أن يبرد الحليب. ٣- كي تمنعي الملح من التجمد أو الرطوبة داخل المملحة ضعي حبات من الرز داخلها.

стр. 754

تربية الأطفال في رحاب الإسلام الثواب والعقاب محمد الناصر إن إثابة المحسن على إحسانه، وعقاب المسيء على إساءته مبدأ إسلامي أصيل لقوله تعالى: [هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ] [الرحمن: ٦٠] ، وقوله جل من قائل: [وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا] [الشورى: ٤٠] . أنواع الثواب: عندما نحاول أن نغرس العادات الطيبة لابد من مكافأة الطفل على إحسانه للقيام بعمل بما يثبت في نفسه جانباً من الارتياح الوجداني. وقد قدر السلف أهمية ترغيب الأبناء وثوابهم عند حسن استجابتهم ومن ذلك ما رواه النضر بن الحارث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول، قال لي أبي: «يا بني اطلب الحديث، فكلما سمعت حديثاً وحفظته فلك درهم. فطلبت الحديث على هذا» والثواب قد يكون مادياً ملموساً كإعطاء الطفل لعبة، أو حلوى أو نقوداً أو ... وقد يكون معنوياً يفرح له كالمدح والابتسام، والاعتزاز بالطفل لعمله الطيب أمام الناس. إلا أن عدم الغلو في المدح أدب إسلامي، فلا يكثر المربي من عبارات الاستحسان حتى لا يدخل الغرور في نفس الطفل. كما أنه لا يجعل الثواب المادي هو الأساس، لما لذلك من أثر سيئ على نفسية الطفل مستقبلاً، وإنما يوازي بين الثواب المادي والثواب المعنوي. العقاب وأنواعه: إن التربية لا تعني الشدة والضرب والتحقير، كما يظن الكثير، وإنما هي مساعدة الناشئ للوصول إلى أقصى كمال ممكن ... هذا وإن ديننا الحنيف رفع التكليف عن الصغار، ووجه إلى العقاب كوسيلة مساعدة للمربي ليعالج حالة معينة قد لا تصلح إلا بالعقاب المناسب الرادع، وذلك بعد سن التمييز كما يبدو من الحديث النبوي الشريف: مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر «ونستشف من هذا الحديث الشريف أن الضرب من أجل تعويد الطفل الصلاة لا يصح قبل سن العاشرة، ويحسن أن يكون التأديب بغير الضرب قبل هذه السن. وأما نوعية العقاب فليس من الضروري إحداث الألم فيه، فالتوبيخ العادي الخفيف، ولهجة الصوت القاسية مثلاً يحدثان عند الطفل حسن التربية نفس التأثير الذي يحدثه العقاب الجسمي الشديد عند من عود على ذلك. وكلما ازداد العقاب قل تأثيره على الطفل، بل ربما يؤدي إلى العصيان وعدم الاستقرار. فالعقاب يجب أن يتناسب مع العمر، إذ ليس من العدل عقاب الطفل في السنة الأولى أو الثانية من عمره، فتقطيب الوجه يكفي مع هذه السن، إذ أن الطفل لا يدرك معنى العقاب بعد. وفي السنة الثالثة قد تؤخذ بعض ألعاب الطفل لقاء ما أتى من عمل شاذ. ولا يصح بحال أن يكون العقاب سخرية وتشهيراً أو تنابزاً بالألقاب، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ] [الحجرات: ١١] أين هذا التأديب الرباني ممن ينادون أبناءهم: يا أعور، يا أعرج، فيمتهنون كرامتهم.. أو يعيرونهم فيجرئونهم على الباطل بندائهم: يا كذاب ... يا لص. وفي ضرب المربين للصبيان: حدد فقهاؤنا حدوداً لا يجوز للمربي تجاوزها إذ يلزمه أن يتقي في ضربه الوجه ومكان المقاتل لما ورد في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال:» إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه «. وينبغي أن يكون الضرب مفرقاً لا مجموعاً في محل واحد، والمهم أن يكون ثباتاً في المبدأ ومساواة بين الأولاد وعدلاً بينهم، لأن العقوبة الظالمة لا تجلب إلا الضرر. كما وأن الخطأ الذي يحدث للمرة الأولى يحسن أن يخفف فيه العقاب، إلا إن كان الخطأ فادحاً فلا مانع من استخدام العقاب الأشد حتى لا يستهين الطفل بالذنب. وإذا وقع العقاب من أحد الأبوين، فالواجب أن يوافقه الآخر، وإلا فلا فائدة من العقاب، مع إشعار الطفل بأن العقاب ليس للتشفي وإنما لمصلحته، وإن شعور الطفل بخلاف ذلك قد يحدث انحرافاً معيناً في نفسه، وهو أن يتعمد إثارة والديه، ليستمتع بمنظر هياجهما وثورتهما عليه. ويحس بالارتياح الداخلي، لأنه وهو الصغير استطاع أن يثير أولئك الكبار ويزعجهم.. وعندئذ تكون الخسارة مزدوجة العقوبة أدت غرضها في الإصلاح، وزاد في نفس الطفل انحراف جديد هو تحقيق الذات عن طريق غير سوي. ونود أن نؤكد على أن العقاب يجب أن يتلو الذنب مباشرة وألا يكون من الخفة بحيث لا يجدي، أو من الشدة بحيث يشعر بالظلم أو يجرح الكبرياء. ويتضح أن الأطفال المنبسطين يضاعفون جهودهم عقب اللوم في حين أن المنطوين يضطرب إنتاجهم عقب اللوم. ومطرد التعلم (أي النبيه المجتهد) يحفزه الثناء أكثر من النقد والمربي بحسن حكمته يضع الأمر في نصابه عادة. أيهما أفضل الثواب أم العقاب؟ إن نتائج التجريب على الحيوان توضح أن كلاً من الثواب والعقاب يؤدي إلى زيادة في التعليم.. ولكن الدراسات الإنسانية توصي بضرورة الاهتمام بقضية الثواب والاستحسان، وتركز على الثواب لعدة أسباب منها: الأثر الانفعالي السيئ الذي يصاحب العقاب، أما الاستحسان ففيه توجيه بناء لطبيعة السلوك المرغوب فيه أكثر من مجرد معلومات سلبية عن الأشياء التي يجب أن يتجنبها. وقد ندد ابن خلدون في استعمال الشدة في التربية فقال:» من كان مَرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به إلى القهر، وضيق كل النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعا إلى الكسل، وحمله إلى الكذب خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة. ومن كلام سحنون الفقيه في وصية لمعلم ابنه: «لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، وليس هو ممن يؤدب بالضرب أو التعنيف» ولعل أجدى الطرق التي ينبغي اتباعها مع الصغار هي ما ذهب إليه بن مسكويه في الموازنة بين الثواب والعقاب يقول في ذلك: «ليمدح الطفل بكل ما يظهر من خلق جميل وفعل حسن ويكرم عليه، وإن خالف في بعض الأوقات لا يوبخ ولا يكاشف بل يتغافل عنه المربي ... ولا سيما إن ستر الصبي مخالفته ... فإن عاد فليوبخ سراً، ويعظم عنده ما أتاه ويحذر من معاودته.. فإنك إن عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة....» فالعقاب ليس الوسيلة المجدية، إنه قد يؤدي إلى كف الطفل عن العمل المعيب، لكن لن يؤدي إلى حبه للخير المطلوب. ومن ثم سيعاود الطفل ما منعه عن إثبات ذاته، وإغضاب الآخرين، فضلاً عن أنه يعوده البلادة والوقاحة. فالترغيب عموماً أفضل من الترهيب، والاعتدال هو الميزان.

стр. 755

الزاوية الطبية الإمساك (القبض) د.عزت علي محمد الإمساك عرض شائع وكثير الحدوث عند غالبية الناس، وقد يكون عارضاً لفترة قصيرة، وهذا أمر محتمل لا يشكل أية أهمية أو معضلة سواء للشخص أو للطبيب. وقد يتحول إلى إمساك مزمن يعاني منه المريض كثيراً، ويتخبط في دوامة من العلاجات والمعاناة النفسية، وهذا هو محور حديثنا. وقبل ذلك لابد من تعريف بسيط للإمساك: الإمساك: هو قساوة البراز الزائدة مع صعوبة التغوط، أو الفترة الطويلة بين عادات التغوط والإفراغ المعوي. وهذه الأمور فيها شيء من النسبية أيضاً وتختلف من شخص لآخر. فعلى سبيل المثال: قد يذهب شخص إلى دورة المياه كل يومين أو ثلاثة مرة واحدة، مع تغوط رخو لين طبيعي، فهذا لا يعتبر مصاباً بالإمساك (رغم طول المدة الإفراغية) . وعادة ما يكون لتغير عادات التغوط الأهمية الاعتبارية حيث أن ذلك الشخص كان يعتاد الإفراغ اليومي والمنتظم وإذا بالتغوط يصبح عسيراً عليه، فهذا لا شك لديه إمساك ومشكلة. أما أسباب الإمساك فهي كثيرة جداً، لا نخوض في تفاصيلها فمنها أسباب وظيفية والتي نحن بصددها، ومنها أسباب مرضية عضوية كالتهاب الأمعاء والكولون، أو بعض الأمراض الجهازية المزمنة أو الاستقلابية أو بعض الأورام الحميدة أو الخبيثة خاصة في الكولونات (خاصة إذا حصل ذلك بتغير مفاجئ عند المسنين على غير عادة، أو سبب ظاهر ولا سيما إذا ترافق بتغوط دم أو نقص وزن ونقص شهية مع آلام بطنية.... .) وإن أهم أسباب الإمساك تعود لأسباب بسيطة تتعلق بروتين الحياة اليومية والشخصية. أهمها: الانشغال والانصراف عن تنظيم عملية التغوط وهذا ما يلاحظ كثيراً عند ذوي الأعمال والموظفين، حيث يكونوا دائماً على عجلة من أمرهم ومع الزمن يتحول إلى إمساك مزمن وعادة ملازمة سنين طويلة. *التنقلات والسفر وعدم الاستقرار وقد يكون عابراً كما يلاحظ عند من يغير مسكنه أو في رحلاته وقد يتحول إلى مزمن عند كثيري السفر والمتنقلين من مكان لآخر. *العادات الغذائية والاجتماعية وأنواع الطعام تلعب دوراً مهماً في ترسيخ وحدوث الإمساك حسب طبيعة كل فرد أو مجتمع أو بيئة. *العادات الشخصية الفردية كالتدخين، وتناول الشاي الثقيل، والركود وقلة الحركة. *وقد يكون الإمساك أخيراً كنتيجة ثانوية لاستعمال بعض الأدوية أو العلاجات، أو الأمراض النفسية أو العضوية المزمنة. وبعد هذه المقدمة نتساءل: كيف الخلاص وما هو العلاج وهل من وقاية من الإمساك؟ لابد بالنسبة للطبيب من النظر والبحث عن وجود أمراض عضوية وذلك بالاستجواب الكامل والفحص السريري الشامل وغالباً منذ الزيارة الأولى. ومن ثم محاولة أقلمة المريض وتعويده لإفراغ يومي مريح، وذلك عن طريق تنظيم حياته اليومية والشخصية وتجنب مسببات الإمساك. وسنحاول عرض أهم الوسائل الفردية والشخصية التي يمكن اتباعها لكل شخص مصاب بالإمساك وبدون اللجوء إلى علاجات طبية أو دوائية، وإنما هي توصيات عملية يسهل تطبيقها وهي أكثر نجاحاً ونجاعة من الأدوية لأنها تعالج السبب وتعيد التوازن العصبي الودي إلى طبيعته، إضافة لتجنب التأثيرات الجانبية لكثير من الأدوية التي لا يخلو بعضها منها. ١- عادة صباحية منتظمة وهذه تعني: الدخول إلى الحمام في وقت ثابت محدد معين قدر الإمكان صباح كل يوم وبحيث يكون هذا الوقت مريحاً ومناسباً للشخص، وهو يحدده ويختاره دون أن يكون على عجلة من أمره. ولينتظر في الحمام عدة دقائق حتى ولو كان لا يشعر بحاجة التغوط. ٢- الإكثار من شرب الماء والسوائل قبل الطعام وبعده لأنها تلين المواد البرازية وتسهل عملية حركة الأمعاء. ٣- تناول عدة وجبات صغيرة متكررة يومياً بدلاً من وجبة واحدة ثقيلة. ٤- تناول واحتساء فنجان قهوة صباحاً باكراً حيث أن القهوة تزيد من حركة الأمعاء وتساعد في عملية الإفراغ المعوي. ٥- الإكثار من وجبات الخضار بشتى أنواعها خاصة السلطات -الخس- الخيار والبندورة، السلق، السبانخ، الكوسة والباذنجان، الملوخية وغيرها. ٦- الإكثار من تناول الفواكه خاصة بعد كل وجبة طعام وعند النوم: كالبرتقال والتفاح والتين والبطيخ والمشمش والعنب. ٧- الإقلال ما أمكن من تناول الرز، البطاطا، النشويات، المكرونة، اللبنة، المشوي الثقيل. ٨- الإقلال أو تجنب تناول البهارات -الشطة- الفلفل. ٩- تناول نخالة قمح أو نخالة فريكة القمح ٢ ملاعق يومياً كيفما تشاء أو مع كوب ماء أو حليب أو شاي (وتعتبر من أفضل منظمات الأمعاء) وتباع هذه النخالة في الأسواق في علب تشبه علب الكورن فلاكس. ١٠- المشي والهرولة والسباحة والركض ... كل ذلك يساعد في حركة الأمعاء وليونتها. ١١- تجنب تناول الأدوية الملينة والمسهلة إلا باستشارة الطبيب، وبفضل اقتصارها على بعض الأدوية النباتية الغنية بالألياف وأفضلها الميتاموسيل METAMUCIL مع اتقان طريقة استعماله، وربما يفيد إضافة للتوصيات السابقة في المرحلة الأولى من العلاج ثم يوقف تدريجياً مع التحسن الطبيعي والتدريجي لعادة الإفراغ المعوي. ١٢- وأخيراً لابد من التوصية الفردية والسلوكية كالابتعاد عن التدخين نهائياً، وتجنب القلق والكآبة ومعالجة الأمور الحياتية والاجتماعية بمرونة، وبهذا يكون الجهاز العصبي الودي متوازناً ووظائف الأعضاء والأحشاء متوازنة ومن ضمنها حركة الأمعاء والإفراغ المعوي.

стр. 756

مكتبة البيان ١- صدر العدد (٢٧) من سلسله كتاب (الأمة) تحت عنوان (المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي) للدكتور عبد العظيم الديب رئيس قسم الفقه وأصوله بكلية الشريعة -جامعة قطر وقد قدم للكتاب مقدمة ضافية الأستاذ عمر عبيد حسنة. يتحدث المؤلف عن التحامل والتحريف للتاريخ الإسلامي عندما يكتبه الغربيون، والمشكلة ليست في الغربيين (المستشرقين) ولكن في الذين يقلدونهم في البلاد الإسلامية، الذين يظنون أن المستشرقين يعتمدون المنهج العلمي في كتاباتهم ويورد المؤلف أمثلة على عدم منهجيتهم. ٢- من القاهرة وتحت سلسلة: دعوة لإنقاذ التعليم، صدر الجزء الأول من (التطوير بين الحقيقة والتضليل) المؤلفان: د. جمال عبد الهادي، علي أحمد لبن، الكتاب ١٢٦ صفحة من الحجم المتوسط. عالج المؤلفان موضوع من أخطر الموضوعات التي تؤثر على الأجيال وعلى الأمة بأسرها، وهو موضوع المناهج في مصر وكيف تعرضت في السنوات الأخيرة للتبديل والتحريف وخاصة فيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي. يستوي في ذلك المدارس الثانوية والمعاهد الأزهرية. فقد ألغيت كثير من الكتب المفيدة، وجيء بكتب غثة تركز على الوطنية والفرعونية والثقافة الضحلة. ٣- أيعيد التاريخ نفسه؟ دراسة لأحوال المسلمين قبل صلاح الدين مقارنة مع الواقع المعاصر. المؤلف: محمد العبدة يتحدث الكاتب عن أحوال المسلمين في القرنين الرابع والخامس الهجريين من النواحي السياسية والاقتصادية والعلمية، وما هي الإرهاصات والعوامل التي هيأت لظهور المجاهد نور الدين محمود، ثم صلاح الدين الأيوبي. ٤- صدر العدد الثاني من مجلة (النور) التي تصدر في صنعاء وهي مجلة إسلامية شهرية. ومن موضوعاتها: هيمنة وكالات الأنباء العالمية، من وحي الزيارة للجزائر المرابطة، حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية، وغيرها من الموضوعات الأدبية والإسلامية.

стр. 757

بريد القراء الأخت أم زياد المالكي: أرسلت تشكر المجلة على فتح ركن الأسرة وإعجابها بما يكتب، وتقترح تخصيص صفحة لمناقشة أمر الداعيات إلى الله، وكتبت حول هذا الموضوع: والاهتمام بمشاكل الدعاة أمر جيد للغاية ولكن الذي ألمسه أن هناك فرق بين مجال الدعوة في حقل النساء، ومجال الدعوة في حقل الرجال حيث أن هناك مشاكل تعاني منها الداعيات، تختلف تماماً عن المشاكل التي يعاني منها الدعاة، وهذه حقيقة مسلمة. فالمرأة الداعية تجد صعوبة في فهم بعض الأمور، فربما ييسر الله لها من الصالحين من يشرح لها، وربما لا تجد أحد فتفهم كثيراً من الأمور على حسب ما تفهم، والله المستعان. وهذا بطبيعة الحال لكونها تجلس في البيت ولا تتلقى العلم إلا من الكتب والأشرطة إن تيسرت، فقضية عدم وجود من يشرح لها قضية مهمة جداً، فقد عانيت من هذا الأمر كثيراً، فنظرت فلم أجد إلا المخلصين من إخواني في الله، العاملين في مجلة البيان، أن ييسروا لنا حل بعض المشكل التي تعاني منها كثير من الفتيات اللواتي فتح الله لهم باب الهداية. ولعل أهم مشكلة: كيف يمكن للمرأة أن تدعو إخوانها وأمها وأخواتها بأسلوب فيه الحكمة والتناسب، لعل المرأة بطبيعة حالها تستطيع أن تقنع والدتها وأخواتها البنات، ولكن كيف يمكن الوصول إلى الوالد والأخوة الأولاد. هذه الأمور تحتاج إلى نظرة ثاقبة، وشاملة لأن الله تعالى يقول: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَاراً] ومسألة عدم نجاح الفتاة بالدعوة في أهلها، أمر في غاية الصعوبة، يكسب الفتاة التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مشاهد في كثير من الفتيات، إن وجود المنكر في البيت ولا تستطيع النهي عنه، أمر في منتهى الخطورة، ربما أدى الأمر إلى نقص الإيمان وربما يصاب القلب بالمرض فيهلك. مشكل كثيرة تعاني منها الفتيات، على عكس الشباب، فنادراً ما تواجهه مشكلة في البيت، لأسباب كثيرة لا تخفى على من له ذهنٍ واعٍ. وأرجو من الله أن يكون الاهتمام بالمرأة، اهتماماً متكاملاً وشاملاً ولو شاورتم أهل الفكر من النساء لوجدتم الشيء الكثير بإذن الله. وعند النظر في هذا سوف نحدد المشاكل التي تخص المرأة الداعية حتى تعرض على من يتولى حلها، وهذا ما نرجوه منكم، فإن المرأة هي نصف المجتمع إن لم تكن المجتمع بأكمله. فلو خصصت مجلة البيان صفحة في ركن الأسرة، تناقش أمر الداعيات إلى الله لكان هذا أبلغ في الفائدة والله الموفق إلى سواء السبيل. الأخ المعتصم جودي -عمان- نشكرك على ملاحظاتك وعلى متابعتك لما يكتب ونحن نرحب بمثل هذه الملاحظات، وفقك الله لما يحبه ويرضاه. الأخ أبو بكر هشام خراز أرسل يعقب على مقال: تمثل العقائد في الطفولة: في مقال للأخت خولة درويش العدد (٣١) ص ٨٩ ذكرت ما نصه: «وإذا نما صغيرنا وترعرع نلفت نظره إلى مظاهر قدرة الله ونعمه التي لا تحصى: إذا نظر في المرآة نقول له معلمين قل:» اللهم كما حسنت خَلقي فحسِّن خُلُقي «وذكرت في الهامش أنه حديث صحيح في صحيح الجامع (١/٢٨٠) وراجعته فوجدته كما قالت لكن بدون تقييد للدعاء أن نقوله عند النظر في المرآة. والحديث الذي فيه التقييد بهذا لا يصح من جميع طرقه ولا يقوي بعضها بعضاً لشدة ضعفها وانظر الإرواء (١/١١٣-١١٦) حديث رقم (٧٤) ووافقه الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تخريج الأذكار للنووي ص ٤٣٦ الطبعة الثانية دار الهدى. وأما حديث» الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين «فأحب أن أقول أنه وقع خطأ مطبعي في ذكر المرجع فطبع في الهامش (شرح السنة ١/ ٢٧٩) والصواب (١١/٢٧٧٩) ويظهر أن المحقق يحسن الحديث ومثله الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تخريج الأذكار ص ٣٤١ فإنه سكت عن الحديث وهذا يدل على ثبوته عنده كما ذكر في مقدمة التحقيق. أما حديث الشيخ الألباني فذكره في تخريج المشكاة (٤٢٠٤) ومختصر الشمائل حديث رقم (١٦٣) ذكر أنه ضعيف. وفي تخريج الأذكار لبشير عيون الطبعة الأولى ص ٢٩٨ ذكر أن الحافظ حسنه وذكره في الفتح وسكت عنه وقال: إن الألباني في تخريج الكلم (١٨٨) وتخريج المشكاة قال: الحديث ضعيف الإسناد كما بينه الحافظ في التهذيب. وكلامه يشعر أن هذا مذكور في المشكاة أيضاً، وليس كذلك، وإنما هو في تخريج الكلم الطيب فقط. كما في عمل اليوم والليلة لابن السني بتخريج بشير عيون ص ٢٢٠ الذي نقل هذا عن الألباني. وبعد هذا فلعل من حسن الحديث اعتمد على الحافظ وقد علمت أن الحافظ ضعفه في التهذيب. والله أعلم بالصواب.

стр. 758

الصفحة الأخيرة الفنادق عبد القادر حامد أصبحت الفنادق تلعب دوراً مهماً في حياة البشر اليوم، فقد تحولت إلى ساحات معارك، وأصبحت الأمور المستعصية على الحلول تحسم فيها، فمنها تخرج الأسماء الطنانة، وفي دهاليزها تلتقي الشخصيات المهمة، ومن قاعات مؤتمراتها تصدر التصريحات والبيانات التي تحدد مصائر الشعوب، وفي أجنحتها تصنع الأسماء والبطولات، وهي تصنع الشهرة لأنواع مختلفة من الناس: سياسيين، رجال علم، فنانين، ممثلين، مهرجين، قادة منظمات وهمية، ممثلي شركات ومراكز لا وجود لها ... ومازالت الفنادق تلح بسحرها وإغرائها حتى جذبت إليها (دعاة الصحوة) ، فأصبحت ترى بين المترددين على هذه الفنادق لحى، وعمائم، وطيلسانات، وقفاطين وجبب، وأقبية، تخب السير وتلهث حاملة جوازات السفر المختلفة الأشكال والألوان، وتبرز من بين صفحاتها تذاكر الطائرات؛ فهذا مؤتمر بالمشرق، وذاك مؤتمر بالمغرب، وآخر في أوربا ورابع في أمريكا، وخامس، و ... الجهاد يبدأ وينتهي بالفنادق، وأمور المسلمين تناقش بين الموائد العامرة، والأجنحة المحجوزة! وتسأل عن الثمار؟ ! (علينا أن نعمل، والنتائج على الله!) هناك نتائج مادية وعملية، فالصعوبات الشخصية تذلل، والاختلاط بأصحاب الرأي وذوي المكانات مفيد! وذوو المكرمات لم ينقطعوا، وكيف ينقطعون والدعاة إلى الله يدعون لهم بأن يطيل الله أعمارهم، والله يجيب المضطر إذا دعاه، والدعاة مضطرون..! لقد آل الأمر بهؤلاء الدعاة إلى أن كل صاحب قضية عادلة أو ظالمة أصبح يستعين بهم على تزيين حجته، وأصبحوا مثل الشهود الذين كانوا يرتزقون من مكوثهم أمام المحكم ليشهدوا على قضايا لم يشهدوها. أي صحوة هذه التي رجع الحال بكثير من منظريها إلى أن يشهدوا الزور ويشهدوا به؟ !

стр. 759

جمادى الآخرة - ١٤١١هـ يناير - ١٩٩١م (السنة: ٥)

стр. 760

الافتتاحية دفاع عن المنهج عندما قلنا في العدد الأول من (البيان) إننا ملتزمون بمنهج أهل السنة، لم ... يكن هذا منا رفع شعار أو تمحور حول شكل حزبي ضيق، نتعصب له وندافع عنه بالحق والباطل، فهذا المنهج في الفهم، والاستدلال أكبر من هذا وهو التيار الوسط الذي استمر خلال العصور بعيداً عن الغلو والتقصير، وبعيداً عن التأثر بالمناهج التي وفدت على المسلمين مبكراً سواء جاءت من الشرق الفارسي الهندي أو من الغرب اليوناني. وهذا المنهج هو الذي يمثل الفهم الصحيح للكتاب والسنة، والمسلمون أفراداً وجماعات ملزمون باتباع هذا المنهج والبحث عن أصوله وتفاصيله، والاقتراب منه ما أمكنهم ذلك، لأنه هو الذي يصحح المسار ويصحح المفاهيم وليس للمسلمين خيار في ذلك. في هذا العدد سيرى القارئ أننا نبين ونوضح زيف طريقتين في الهجوم على السنة وأهل السنة: طريق أهل الاستغراب الذين نهلوا من ثقافة الغرب وراحوا يتشدقون بالمنهجية والموضوعية كطريق بعضهم الذي راح يعيث فساداً بالكتابة عن الإسلام، وبأسلوب دعيّ سمج، يزعم فيه امتلاك وسائل النقد لكل ما هو موجود تحت يده من النصوص (نصوص القرآن والسنة) وكل تراث الإسلام، وما إن سمع به أصحاب الاتجاهات اليسارية أو العلمانية أو قُل أي عدو للإسلام حتى طبلوا له وزمروا، وأطلقوا عليه لقب (مفكر إسلامي) وبدأوا بنشر المقالات عنه وعن كتبه في مجلاتهم وصحفهم، وسيقال للشباب المسلم (وخاصة في أوربا) هذا رجل يكتب بموضوعية وهو أستاذ في (السوربون) ، ولذلك كان لابد من الكتابة عن محمد أركون. هذا في الغرب وفي المشرق هناك أساتذة جامعات مشهورون، لهم مؤلفات يتبعهم عليها كثير من الشباب، ولكن دأبهم الذي وهبوا حياتهم له هو محاربة الاتجاه (السلفي) ، هذا الصنف من المشايخ يظن أنه أعلم من غيره لأنه مدرس في الجامعة ولذلك يجب على الكل أن يستمعوا له ويصيخوا، فراح يكتب بجرأة عجيبة وبأساليب ملتوية مهاجماً منهج أهل السنة، وكأن الحقد والحرب واحدة، سواء جاءت من رجل صفيق كأستاذ السوربون، أو جاءت من شيخ كالذي كتب عن (السلفية) منتقداً لها بغير حق، صاباً جام غضبه على (ابن تيمية) ، زاعماً أن هذا الاتجاه المبارك - اتجاه التمسك بالكتاب والسنة اللذين هما المحجة البيضاء - اتجاه خاص بابن تيمية وليس اتجاه خير القرون. إن الأمر وصل إلى الحد الذي لابد فيه من التصريح بعد التلميح، ولا يجوز السكوت عنه، خاصة عندما تكون الأسماء لها شهرة واسعة بين أوساط المسلمين، وقديماً قيل: (من ألَّف فقد استُهدف) . ونحن من جهة أخرى نرثى لحال هؤلاء لأن منهج أهل السنة في الفهم والاستدلال هو الذي سينتصر بإذن الله. [واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٢١] .

стр. 761

البوطي ... والمنهج عبد القادر حامد (إن من طبيعة المنهج، أياً كان، أنه يكتشف اكتشافاً ولا يبدعه ... ... الباحثون والعلماء إبداعاً ... ) [ص٦٠، من كتاب البوطي السلفية] . ... يكتشف الباحث منهج البوطي - وهو منهج من المناهج على كل حال - من خلال استقراء ما يكتب، غير أنه مع تقديمه هذه المقدمة الحاسمة لا يترك لنا حرية اكتشاف هذا المنهج بأنفسنا، ولا ندري ماذا وراء ذلك: هل هو شك في قدرات قرائه، وعدم اطمئنانه إلى أنهم قادرون على الاكتشاف؟ ؛ لذلك يعرِّف لهم المنهج حتى لا يتركهم في حيص بيص؟ أم أن كلمة المنهج عنده كلمة من جوامع الكلم. لها معانٍ كثيرة يصعب حصرها؟ ! لا ندري! لذلك يعرف لنا المنهج كما يلي: ماذا نعني بالمنهج؟ وما الشروط التي يجب أن تتوفر فيه؟ إننا نعني بكلمة (المنهج) المعنى الذي يريده كل أولئك الذين يستعملون هذا المصطلح في نطاق دراساتهم وبحوثهم العلمية، نعني بها الطريقة التي تضمن للباحث أن يصل إلى الحق الذي يبتغيه، ولا يضل في السعي إليه بين السبل المتشعبة، ولا يلتبس عليه بالحق فيركن إليه ظاناً أنه الحق الذي يبحث عنه ويسعى إليه، سواء أكان هذا الحق الذي يبحث عنه خبراً يريد أن يتبين صحته أو أن يعلم مضمونه، أم أطروحة علمية يريد أن يعرف دلائل صحتها أو بطلانها) [ص٦٠ من كتابه] . أما أنا فقد قرأت هذا التعريف عدة مرات متهماً عقلي بعدم القدرة على فهمه، لعل الإعادة تفتح لي ما انغلق، وتكشف ما استتر، ولكنني أخيراً سلمت بأن هذا التعريف أشبه ما يكون بالشعر الحر الذي لا تستسيغه أذواق وعقول الكثير من القراء؛ إما لفقر وتخلف في مقدرتهم الثقافية أو لفراغه وخُلوه من أي معنى، وكل من الرأيين له جمهوره وقائلون به. إن من صفات التعريف أن يصاغ بعبارة جامعة مانعة محددة حتى يتمكن القارئ من الفهم، وخاصة في القضايا العلمية، لكن البوطي لا يأبه - كما قلنا - بما تعارف الناس عليه، ويحب أن يأتي بما لم يأتِ به الأوائل! كيف لا؛ وهو أديب فنان يطمح - وهو في قمة تسنُّمه مهمة البحث العلمي - أن يستخدم العبارات المجنحة التي تلفت إليه الأنظار. وها نحن نبدأ بتحليل تعريفه للمنهج لعلنا نظفر بما عجزنا عنه أثناء القراءة. يقول: (إننا نعني بكلمة (المنهج) المعنى الذي يريده كل أولئك ... الذين يستعملون هذا المصطلح في نطاق دراساتهم وبحوثهم العلمية) . اقرأ هذه العبارة ورددها مرة ومرة ومرة، هل تفهم منها تعريفاً، وهل تزيدك علماً بشيء؟ طبعاً لا! فمَن هم أولئك الذين يستعملون هذا المصطلح؟ من أي ملة هم؟ . وأي دراسات وأي بحوث؟ ، لعل التوضيح يأتينا بعد كلمة (نعني) ! (نعني بها الطريقة (طريقة ماذا؟) التي تضمن للباحث أن يصل إلى الحق الذي يبتغيه) . كل باحث يعتقد أن ما يقوله ويصل إليه هو الحق، فهل هذا هو الحق في المنهج الإسلامي؟ وكثير من بغاة الباطل يطلقون على مبتغاهم اسم الحق! وقبل أن نخرج من هذه الدوامة في تعريف المنهج، يدرك البوطي بكياسته وذوقه الدقيق جداً أننا بحاجة إلى تحديد كلمة الحق، فيحددها، وكأنه أحس أن تعريفه يحتاج إلى شروط كي يصبح تعريفاً له شَبه بالتعريفات، فهل تظن أنه يُقر عينك بذكر هذه الشروط ليجعلك تشعر بالراحة وتتنفس الصُّعَداء؟ ! لا، لن تفرح بذلك! فهذه مشكلتك، عليك حلها بنفسك! اسمعه يقول: (وأما شروطه (المنهج) فبوسعك أن تعرفها من خلال إدراكك لطبيعته ... ومهمته) . وإذا ما أخفقت في معرفة هذه الشروط فهذا يعني أنك لا تدرك طبيعة المنهج ولا مهمته! وإذن فأنت لست جديراً أن تكون من قرائه، ولست مقصوداً فيما يكتب؛ لأنه: عليه نحت القوافي من معادنها ... وما عليه إذا لم تفهم إن القارئ سيصيبه الدوار إذا ما ظن أنه - بترديده ما كتب البوطي عن المنهج - يمكن أن يظفر بشيء، وسوف يكتشف أخيراً أن الرجل يتلاعب بعقله ليوهمه أن ما كتب حول المنهج له معنى متماسك، إنك تطالبه بشروط المنهج حتى تتضح معالمه فيقول لك: (بوسعك أن تعرفها من خلال إدراكك لطبيعته ومهمته) ، ثم يمضي بك موهماً أنه ذكر شروطاً، لكن حين تريد أن تضع بداية ونهاية لهذه الشروط وتحصرها في عبارة واضحة لها دلالة فإنك تطلب المستحيل! وتمضي في القراءة لتعثر على عبارة تظن أنها ستفتح لك ما استغلق، وتكشف ما غمض، فتكاد تصيح مثل أرخميدس: (وجدتها) ، إنها قوله: (إذن فمن أهم شروط سلامة المنهج ... ) لكنك تتبين أن هذه العبارة وما بعدها ليست بداية الشروط، بل نهايتها، واخيبتاه! فترجع أدراجك إلى الفقرة السابقة وقد فركت عينيك ووسعت حدقتيهما وأحددت النظر بهما لتبحث عما كانت العبارة السابقة فذلكة له فتجد شيئاً مثل: (فقد كان الإنسان بحاجة إلى أن يرصد خطوات هذا المنهج في أغوار فكره، وأن يتلمس آثارها في شغاف وجدانه (العرب تعرف شغاف القلب، فما الوجدان؟ وما شغافه؟ !) وساحة شعوره، ثم يصوغها في عبارات دقيقة، ويصبها في قواعد منضبطة، ثم يجعل منها مشعلاً هادياً في طريقه إلى المعرفة، وملاذاً يتقي به الشرود في أودية التيه والضلال. وهكذا فإن تحول المنهج الفطري من شعور وتفاعل خفي في الفكر والنفس إلى قواعد مدونة مضبوطة ماثلة للعيان، من شأنه: أن يجمع شوارد الأفكار عليه، وأن يبعد عوامل التلبيس والكيد عن التسلل إلى ساحة المعرفة، ودائرة النظر والمحاكمة العقلية في الذهن، في حين لو بقي شعوراً غامضاً في النفس وفطرة مستكنة في أغوار الفكر؛ لأمكن أن تتسلل إليه الشوائب، وأن تحاط بعوامل الغموض والريب، وأن يغشي عليها المبطلون بزخرف القول وزيف الأدلة الباطلة) . [ص٦١] أرأيت إلى هذه الخطبة العصماء خطبة ولا خطبة زياد البتراء! سنحاول أن نشير إلى خطوط عريضة في منهج البوطي - الذي هو غير منهج السلف قطعاً، وكون منهجه غير منهج السلف أمر يسره ويسر السلف والحمد لله - وسنستخدم عبارته هو في طريقة تناولنا لهذا المنهج المبتكر! فنحن ليس لنا حياله إلا: (الرصد، ثم الاكتشاف، ثم الصياغة والتقعيد. أما الإبداع والاختراع فإن المنهج أبعد ما يكون عن أن يأتي ثمرة لذلك) : ١- استهانة بالمراجع: يتعامل البوطي مع المراجع تعاملاً غريباً وعجيباً، وكما سبق أن قلنا، فإنه يخرق الأعراف والتقاليد، ويحب دائماً أن يكون نسيجاً وحده، فتراه يحيلك على كتب ويذكر أرقام أجزاء وصفحات، فتحب أن تتأكد لا من النقل ذاته والإحالة نفسها أحصلت أم لا- ولكن من سياق العبارة، فتفاجَأ بعدم وجود ما يتحدث عنه البتة، كما حدث في صفحة ٤٧ من كتابه حيث أحال على كتاب (الاعتصام) للشاطبي، ج٢، ص٢٤٢، وبعد الرجوع إلى هذا الموضع من كتاب الاعتصام لا تجد أثراً للموضوع الذي يتحدث عنه. وكذلك فعل في صفحة ٣٧ فأحال على (المدخل) لابن الحاج، ج٤، ص ١٥٥ ولا أثر لما أحال من أجله في ذلك الموضع! بل وجدنا في (المدخل) ٤/ ١٥٧ ما يلي: (وقد نقل عن السلف ﵃ أنهم كانوا لا ... ينخلون الدقيق، ونخله من إحدى البدع الثلاث المحدثة أولاً) ؛ لكن البوطي يجعل هذه العبارة هكذا: (ومعلوم أن الروايات تواردت (!!) عن السلف أنهم كانوا ... في أول عهدهم لا ينخلون الدقيق وأنهم يرون نخله بدعة) . [ص٣٩] ، وكذلك فعل ... في أكثر من مكان فمما يتعلق بإحالاته على (فتح الباري) ؛ ففي صفحة ١٣٥ أحال ... على (الفتح) ، ج ٧، ص٨٢ وج٣، ص٣١٥ ولم نجد في هذين الموضعين شيئاً مما ذكر، بل وجدنا ما له تعلق بثاني الإحالتين في ج٣، ص٣٤٢، وسنرجع إلى هذه الإحالة لنرصد ماذا فعل البوطي بها من الأفاعيل!. وأمر آخر يخرق البوطي به الأعراف العلمية، ويبعج البحث العلمي بعجاً، وهو تداخل عبارته بالعبارة المنقولة أو المحال عليها، فيصبح بين العبارتين تزاوج أو اتحاد، ولا يمكن التمييز بعدُ بين عبارة الناقل وعبارة المنقول له، وتمتزج الأمور بصورة طريفة، وهناك أمثلة كثيرة في كتابه لهذا الأمر، وسنكتفي بذكر مثال واحد - مع أنه مثال طويل - ولكن ماذا نفعل؟ ! فإن البوطي يأبى إلا أن يحمل قراءه على أصعب الخطتين. وهذا المثال إحالة إلى (الرسالة) للشافعي. يتكلم البوطي كلاماً طويلاً لسنا الآن بصدد تحليله، ثم يختم كلامه هذا برقم ترجع إليه في الحاشية لتقرأ: انظر باب (العلم) من كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي ٣٥٧ بتحقيق أحمد شاكر، وتتحير بعد قراءة هذه الحاشية: هل هذا الكلام الذي سبق وكتبه هو كلامه أو كلام الشافعي؟ أو شرح لكلام الشافعي؟ إن كان كلامه؟ فَلِمَ أَحال على الرسالة؟ . وإن كان كلام الشافعي؛ فَلِمَ لَمْ يحصره بين حاصرتين حتى نعرف بدايته ونهايته؟ ! وإن كان شرحاً لكلام الشافعي فلِم لم يذكر ذلك؟ كلها أسئلة تحتاج إلى جواب. ... ومع أننا سنجد صعوبة في تحديد بداية نقلنا لكلامه ذاك، لكننا سنلجأ إلى الخرص والتخمين في ما يمكن أن يكون بداية - ونحن مكرهون على ذلك يشهد الله، ومعذورون لذلك إن أخطأنا التحديد. يقول: (فإذا فعل المسلم ذلك؛ فلا بد أن يصل إلى العلم بحقائق هذا الدين الذي جاء به كتاب الله. وسيجد عندئذ أن هذا العلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم يشمل عامة الناس، على اختلاف مداركهم ومنازلهم العلمية، ما داموا عقلاء راشدين. فلا يعذر أحد في جهله، ولا سبيل إلى اقتحام شيء منه بأي تأويل له أو تنازع في فهمه أو خطأ في روايته. وهذا العلم يشمل كليات العقائد وبدهيات الفروض والأحكام، كالعلم بفرضية الصلوات الخمس وأن لله على الناس صيام شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وأن عليهم زكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الربا والزنا والقتل والسرقة والخمر. فهذا الصنف من العلم موجود كله نصاً في كتاب الله، ومعروف عند أهل الإسلام عامة، ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله - ﷺ ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه. وسبيل هذا الصنف منه هو ما يسمونه بقطعي الدلالة والثبوت. أي كل نص وصل إلينا من مصدره بطريق التواتر، وكانت صياغته ودلالته على معناه من الوضوح بحيث لا يحتمل أي تأويل له أو أي خطأ في فهمه. ومن أحكام هذا النوع من العلم أن الناس كلهم مكلفون به، ولا يسع بالغاً غير مَغْلوبٍ على عقله جهلُ أي شيء منه. ومن أحكامه أيضاً أن الاجتهاد غير وارد فيه؛ إذ الاجتهاد قد لا يرقى بصاحبه في كثير من الأحيان فوق درجة الظن، وقد يقع فيه الخطأ، ثم إن الناس متفاوتون في القدرة عليه، مختلفون في النتائج التي يصلون به إليها. وهذا القسم من العلم مبرّأ، كما قد أوضحنا، من ذلك كله) . [ص٧٣ من كتابه] . أما كلام الإمام الشافعي المحال عليه فهو: (قال الشافعي: فقال لي قائل: ما العلم؟ وما يجب على الناس في العلم؟ ؛ فقلت له: العلم علمان: علم عامة لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله جهله. قال: ومثل ماذا؟ قلت: مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، مما كُلِّفَ العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عنه: ما حرم عليهم منه. وهذا الصنف كله من العلم موجود نصاً في كتاب الله، وموجوداً عاماً عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم. وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع. قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما ينوب العباد من فروع الفرائض، وما يخص به من الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نص كتاب، ولا في أكثره نص سنة، وإن كانت في شيء منه سنة، فإنما هي من أخبار الخاصة، لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويُستدرك قياساً. قال: فيعدو هذا أن يكون واجباً وجوب العلم قبله؟ أو موضوعاً عن الناس علمه، حتى يكون من علمه منتفلاً ومن ترك علمه غير آثم بتركه؟ أو من وجه ثالث، فتوجدناه خبراً أو قياساً؟ فقلت له: بل هو من وجه ثالث (. [الرسالة، ص ٣٥٧] . ومن هذين النصين المنقولين يظهر لنا أن كلام الشافعي يختلف عما أوهم البوطي أنه كلام الشافعي، وأن القارئ العادي الذي قد يكون على عجلة من أمره قد يغتر بتلبيسه بتلك الحاشية المدلسة التي تجعله يظن أو يعتقد أن الشافعي قال ذلك الكلام! فقارن مثلاً بين عبارة الشافعي حيث يقول: (وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، ولا ... يجوزفيه التنازع) وبين ما فهمه البوطي منها بقوله: (وسبيل هذا الصنف منه هو ما يسمونه (مَن هم؟ !) بقطعي الدلالة ... والثبوت، أي كل نص وصل إلينا من مصدره بطريق التواتر (الشافعي لم يذكر ... التواتر) وكانت صياغته ودلالاته على معناه من الوضوح بحيث لا يحتمل أي تأويل له أو أي خطأ في فهمه) . وقل مثل ذلك في إشارته إلى كتاب (الفرق بين الفرق) للبغدادي عند تعرضه للمرجئة في ص١١٢، حيث عرَّف المرجئة تعريفاً لم يشر إليه البغدادي لا عند إشارته إلى المرجئة إجمالاً في أول كتابه ولا حين فصَّل القول في هذه الفرقة ومذاهبها فيما بعد. وتفصيل عبث البوطي في هذه القضية وحدها يحتاج إلى مقال خاص. أما قصته مع ابن تيمية فهي أمر يحتاج إلى وقفة خاصة ليس هذا وقت الحديث عنها. ولكننا نكتفي بضرب مثال على تصرفه وتلاعبه بكلام ابن تيمية من أجل أن يقيم الحجة عليه وعلى مَن ينصر آراءه، وأسلوبه هذا يذكِّر بأسلوب الشيعة في الاحتجاج، حيث إنهم ينتقون من آراء أهل السنة ما يظنون أنه حجة عليهم مع أنهم لا يؤمنون هم - أي الشيعة - بمصادر أهل السنة، وهي عندهم لا تصلح للاحتجاج؛ لأنها تعارض ما اصطلحوا عليه من أنه أدلة لهم. يقول: (ومن ذلك ما رواه ابن تيمية ﵀ عن جعفر الصادق ﵁ ، من تأويله (الوجه) في قوله - تعالى -: [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ] [القصص: ٨٨] ، بالدين. وما رواه عن الضحاك من تأويله (الوجه) في الآية ذاتها بذات الله والجنة والنار والعرش. أما هو - أي ابن تيمية ذاته - (بلحمه وشحمه وعظمه ودمه!) فقد رجح أن يؤول (الوجه) بمعنى الجهة، فيكون المعنى: كل شيء هالك إلا ما أريد به جهة الله - تعالى -. ثم قال: (وهكذا قال جمهور السلف) [ص١٣٥] . أما ابن تيمية فقد أشار إلى هذه القضية ضمن كلام رائع له في الرد على القائلين بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، لكن البوطي اقتطع من كلام ابن تيمية ما ظن أنه نصر لحجته، ثم يا ليته اكتفى بهذه الإساءة بل أشبع هذا المقتطع مسخاً وتشويهاً، أما عن حقيقة الدافع له إلى ذلك: أهو الهوى أم قصر الباع أم ضيق الصدر؟ فهذا ما نتركه للقارئ ليكتشفه بنفسه. يقول ابن تيمية: روي عن أبي العالية قال: (إلا ما أريد به وجهه) وعن جعفر الصادق: (إلا ... دينه) ومعناهما واحد. وهذا مخالف لقول البوطي: (روى ابن تيمية عن جعفر الصادق) ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى معلوم ماذا يعني اصطلاح: ... رُوي، بالبناء للمجهول، عند أهل الحديث. ثم نقل ابن تيمية ما ورد من الأقوال في الآية على عادته في الاستقصاء، وهو من خلال سوقه لهذه الأقوال يتوقف مناقشاً مؤيداً أو معترضاً، وقد يستطرد قليلاً لجلاء نقطة يرى توضيحها من بحث لغوي، أو فقهي، أو تاريخي، أو غير ذلك، ثم قد يعود لمتابعة نقله الأقوال، إما معضداً رأياً رآه، أو لاستبعاد وهم قد يطرأ، وشبهة قد تثار. هذا هو أسلوب الرجل، وهو لذلك يحتاج إلى شيء من الصبر وسعة الصدر حتى يُتذوَّق، وتنفتح عجائبه، وتكتشف أوابده، ولكن أنَّى لرجل نَزِق ضيّق الصدر أن يصبر على ذلك؟ ! وكيف به إذا جمع إلى ذلك هوى مستحكماً وعقدة نفسية من ابن تيمية؟ ! ثم بحث ابن تيمية عن اشتقاق كلمة (الوجه) مما يبدو أن البوطي لم يفهمه لضيق صدره، فقال - أي ابن تيمية -: (وذلك أن لفظ (الوجه) يشبه أن يكون في الأصل مثل الجهة، كالوعد ... والعدة، والوزن والزنة، والوصل والصلة، والوسم والسمة) . لكن فِعْلَة حذفت فاؤها وهي أخص من الفعل، كالأكل والإكلة، فيكون مصدراً بمعنى التوجه والقصد، كما قال الشاعر: أستغفر الله ذنباً لست مُحصيَهُ ... ربَّ العباد إليه الوجهُ والعملُ ثم إنه يسمى به المفعول، وهو المقصود المتوجه إليه، كما في اسم الخلق، ودرهمٌ ضَرْبُ الأمير، ونظائره، ويسمى به الفاعل المتوجه، كوجه الحيوان، يقال: أردت هذا الوجه، أي هذه الجهة والناحية، ومنه قوله: [ولِلَّهِ المَشْرِقُ والْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ] [البقرة: ١١٥] ، أي قبلة الله ووجهة الله، هكذا قال جمهور السلف [مجموع الفتاوى: ٢/٤٢٩] . ومن قراءة النص الأصلي لابن تيمية لا النص المحرَّف - نستنتج أنه لم يؤول كما زعم البوطي بل استدل بما ورد من أقوال السلف في هذه الكلمة، وبلغة العرب التي يهوِّل بها البوطي كثيراً حتى لتظنه الخليل بن أحمد أو ابن جني، وهو ليس بذاك. ولو ذهبنا لتتبع تعامل البوطي مع المراجع - في كتابه هذا فقط - لطال الكلام، ولكن حسب القارئ الكريم أن يعرف أن هذه القضية فرع لما أشرنا إليه في مقالنا السابق عنه من خيلاء ضارة، واستهانة بأقدار الناس أحياءً وأمواتاً، وسوء تقدير لهم، وإساءة ظن بهم، قدر إحسانه الظن بنفسه، هداه الله. التواء وتهويل: الشيخ البوطي يحب التهويل، حتى ولو أوقعه هذا التهويل فيما لا تحمد عقباه، ... فمن حيث الأسلوب عنده القدرة التعبيرية التي تريك المهم هيناً، والهين السخيف عظيماً ومشكلة لابد لها من هز الأكتاف وقرع الظنابيب، حتى يُتَغَلَّبَ عليها، وهذه القدرة تذكرنا بالبراعة التي عُرف بها الفارابي في الموسيقى - فيما زعموا - أنه في أحد مجالسه مع سيف الدولة لم يعجبه عزف العازفين الذين عزفوا أمامه، وأظهر أخطاءً كثيرة لكل واحد منهم، فتعجب سيف الدولة من ذلك وسأله إن كان يحسن هذه الفنون، فأجاب بالإيجاب، ثم أخرج من وسطه خريطة (جراب من جلد) ففتحها وأخرج منها عيداناً وركبها ثم عزف بها، فضحك كل مَن كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيباً آخر، وضرب بها، فبكى كل مَن كان في المجلس! ثم فكها وغيَّر تركيبها وضرب بها ضرباً آخر، فنام كل من كان في المجلس حتى البواب! فتركهم نياماً وخرج! وإليك هذه الفقرة التهويلية التي يمهد فيها لاكتشاف الصحابة والتابعين للمنهج - والذي سبق أن سميناه منهج البوطي - ليقول: (الآن، وقد اتضح لك ذلك؛ ينبغي أن نتبين حجم المشكلة الخطيرة التي انبثقت عن ذلك التطور الكبير، صحيح أن تلك العوامل أدت إلى خروج الصحابة من نطاق حياتهم الخاصة المتميزة التي فتحوا أعينهم من داخلها (مرجع الضمير هنا على حياتهم الخاصة أو على أعينهم؟ ! البوطي أعلم، وعلى كلا التقديرين فالكلام مستقيم! وهذه صفة جوامع الكلم!) على الإسلام ومبادئه، وساحوا تحت وطأة ظروف لا قِبَلَ لهم بالإحاطة بها أو السيطرة عليها، (مساكين الصحابة ﵃!) في حياة جديدة (الجار والمجرور متعلق بساحوا) ذات آفاق أوسع غير أن المشكلة التي واجهتهم (انتبه! هذه مشكلة المشاكل) أنهم نظروا، فوجدوها آفاقاً بعيدة لا تستبين لها معالم ولا حدوداً. وليس في يدهم من وراء النصوص (نصوص كل من القرآن والسنة) مقياس يحددون به معالم تلك الحياة، بحيث يقيمون على أساسه ضوابط للسير فيها وحدوداً للوقوف عندها (ألا تكفي نصوص القرآن والسنة مقياساً لتحديد معالم تلك الحياة وأساساً تقام عليه ضوابط وحدود؟ يا شيخ! !) فكان ذلك مبعث اضطراب وقلق، وخلافات حادة، (مَن قال إن الإسلام جاء رحمة للعالمين؟ ! ألم يكن نقمة على الصحابة ومَن جاء بعدهم؟ ! وقد عانى الصحابة بسببه هذا العناء المعنى، وهذا الاضطراب والقلق والخلافات الحادة. هذا ما يفيده كلام الدكتور، وما شهدنا إلا بما علمنا!) ، بل سبباً في ظهور فرق وفئات شتى، اتخذت من تلك البيداء الواسعة طرائق متخالفة، بل متخاصمة، وكان لابد لهذه المشكلة أن تستمر بينهم إلى حين) . [ص٤٥] . هذا مقطع - فقط - من تهويلات الرجل. ولسنا ندري على وجه اليقين ما الذي يدعوه إلى مثل هذه التهويلات، أهو قد استعار هذا الكلام من أحد المستشرقين، أو ممن تأثر بهم، ثم نسي المصدر، أو تناساه؟ ! ، إنه كلام يشبه كلام طه حسين في كتبه التي عالج فيها التاريخ الإسلامي، كالفتنة الكبرى وغيرها، وإن شئت فقل: إن كلامه عليه مسحة من اعتقاد الرافضة في الصحابة، أما عن تأثر الشيخ بالمستشرقين فقد يكون الدافع له إلى ذلك عقدة النقص وحب الظهور عنده، خاصة وأنه يدندن ويهول بمناظرات وما يسميه منازلات لبعض رموز من يطفون على سطح الفكر حواليه ممن يسرّه أن يقرن بهم ويتمسح بمسايرتهم، وهذا واضح من إصراره على تعبير (منهج المعرفة) وترديده له كثيراً في ثنايا كتابه، أليست هناك مجلة شهيرة ليست على مبعدة منه - يكتب فيها من يتطلع إلى مسامتتهم اسمها مجلة (المعرفة) ؟ ! . إن كان الأمر كذلك فنقول له: ألهى بني تغلِب عن كل مكرمة ... قصيدةٌ قالها عمرُو بن كلثوم! وأضفْ إلى المثال السابق من أن كلامه أشبه بكلام المستشرقين، الفقرة ... ... الأخيرة من ص ٤٨ من كتابه فسوف تجد هذا الكلام لا يختلف عن مناهج ... المستشرقين في تحليلهم ونظرتهم إلى الفكر الإسلامي بشيء. وأما أن كلامه عليه مسحة من اعتقاد الرافضة في الصحابة فاقرأ كلامه التالي الخارج من صدر ضيق تفوح منه رائحة الحنق: (فمن التزم بمقتضى هذا الميزان، فهو متبع كتاب الله متقيد بسنة رسول الله ﷺ سواء أكان يعيش في عصر السلف أو جاء بعدهم، ومن لم يلتزم بمقتضاه، فهو متنكبّ عن كتاب الله تائه عن سنة رسوله ﵊ وان كان من الرعيل الأول (يا لطيف) ولم يكن يفارق مجلس رسول الله ﷺ ) ! ! [ص ٧٩] بل يحتج ببعض الرافضة ومؤلفاتهم، وفي مؤلفات أهل السنة غنية له ولغيره على هذه القضية التي يعالجها [انظر الحاشية في ص٤٣ من كتابه] . بل يستنعج (يصبح كالنعجة بجامع النعومة وحب السلامة في كلٍّ) عندما يتعرض للشيعة، فيشير إلى حقيقة معروفة عندهم، بل هي من أصول مذهبهم، بل تكاد تكون أصول مذهبهم كلها قامت من أجل هذه القضية، وهي إنكار إمامة الشيخين (أبي بكر وعمر) ، فتراه عندما يشير إليها كأنما يقترب من أفعى سامة متربصة بمن يقترب منها، فيقول هذه العبارة التي تطفح بالوجل والتدسس والنعومة: (وعلى سبيل المثال نقول: (لمجرد المثال فقط، فنرجو المعذرة!) إن ... إنكار إمامة الشيخين، وهو مذهب يراه كثير من الشيعة (وليس جميعهم! ولاحظ تنكير كلمة) مذهب (أيضاً) ليس كفراً، (الحمد لله) وإن كان خروجاً على الإجماع) [ص١٠٧] (يعني ماذا إذا كان خروجاً على الإجماع؟ !) ولنكن على ذكر من هذا الاعتذار الناعم حينما نناقش معه نزوله بساحة ابن تيمية وثورته وفورته وانتفاخ أوداجه هناك على شيء لم يخرق ابن تيمية الإجماع فيه قطعاً، ولكن ناقش دعوى الإجماع على قضية فهم منها أعداؤه - وأخيرهم البوطي - أنه يقول بهذا الرأي الذي ناقش دعوى الإجماع عليه، مع أنه لا يناقض نفسه ﵀. ويقول في عبارة أخرى ملتوية: (ومن ذلك ما يجزم به بعض الناس (! !) ، من أن في أئمة أهل البيت مَن قد وصلوا إلى منزلة لم يبلغها ملَك مقرب ولا نبي مرسل! وممن يجزم بذلك ويقرره في منشوراته، الإمام الخميني) . لاحظ الالتواء في عبارة: (بعض الناس) ، ولاحظ ما في هذه العبارة: (من أن في أئمة أهل البيت من قد وصلوا ... ) وكأنه لا يدري أن القول بعصمة الأئمة الاثني عشر من أصولهم! وليس هذا فحسب، بل إنه سأل بعض علماء الشيعة الإيرانيين عن كيفية اتفاق هذا الكلام مع أصول الإسلام وكلياته الأساسية فقال: إنها غلطة من المترجم! فتعجب هو من (أن الكتاب طُبع منذ ذلك الحين مرات متعددة، وغلطة المترجم لا تزال باقية!) [حاشية، ص١١٢ من كتابه] . ونحن أيضا نعجب، لكن لا من غلطة المترجم هذه ولكن من تعجبه وعدم معرفته وتجاهله أن التَّقِيَّة من أصول القوم! لكن مع هذا يبقى عندنا شك من إثارته هذا الاعتراض على مَن ذكر من علماء الشيعة، وذلك أنه من المؤكد أن الشيخ قد حضر مؤتمراً لهم في لندن في ١٨ من ذي الحجة ١٤١٠هـ الموافق ١١/٧/١٩٩٠م للاحتفال بيوم الغدير [١] وشاهد ... وسمع على الطبيعة - كما يقولون - كيف يفكر القوم، وكيف يحتفلون، وسُبَّت أمامه وعلى مرأى ومسمع منه السنة وأهل السنة الذين ينتسب إليهم سباً مقذعاً، ولكن لم يبلغنا أنه أنكر على دهاقينهم ذلك المنكر لا بقليل ولا بكثير من إنكاره الذي ينكره على من يشاركونه عدم اعتبار الإمامة والعصمة والرجعة من أصول الدين، بَلْهَ مشاركتهم له في أشياء أخرى! [٢] مشكلة المناخل! ! ولنختم هذه التهاويل بواحدة تعيدنا إلى حيث بدأنا إلى [ص٤٦] من كتابه، وهي مشكلة المناخل! ونحب أن تكون مُلْحة الوداع ومسك الختام، ولسنا - والله - ندري مِمَّ نضحك أكثر؟ من هذه المشكلة التي ألقت بظلها الكئيب على الصحابة الكرام وعصرهم؛ فكانت اختباراً لقوتهم وحكمتهم وصمودهم، وامتحاناً للمبادئ التي تلقوها من محمد بن عبد الله ﷺ ولكن الله سلَّم! ... نقول: نضحك أكثر من مشكلة المناخل هذه أم من عرض الشيخ لها واحتفاله بها بتعاظمه المعهود، وأسلوبه الطريف الذي يزاوج فيه بين الخبر والإنشاء بركانة وزكانة؟ حيث يقول: ( ... لقد ظهرت المناخل فيهم فجأة، (فجأة، وقعت عليهم وقوع الصاعقة!) ... وما كان لهم عهد بها من قبل، أين كانت مختبئة؟ ! بل من الذي اخترعها؟ !) ... قد يجيب الشيخ لم يكن هناك سجل لبراءات الاختراع حتى نعرف مخترع المناخل! ثم لا زلنا نطلب مزيد تعريف بالمناخل هذه فيزيدنا الشيخ شكوراً: (وهي من ... أدوات التنعم والترفه في المأكل، مما لم يكن يعرفه العرب ولا المسلمون من قبل) . ... (إن العرب عند الشيخ هم أكلة الضِّبَاب واليرابيع، وصورتهم عنده كصورتهم عند الفرس عندما يتحدثون عنهم!) فما الذي ينبغي أن يتخذوه؟ أيتبعون في ذلك سنن الصحابة الذين من قبلهم، فيجتنبون استعمال المناخل في نخل الدقيق، نظراً لأن ذلك بدعة مستحدثة وكل بدعة ضلالة (معاذ الله! هذا لا يمكن!) أم يُجارون الزمن وتطوراته، (هذه أهون! لابد من مجاراة الزمن وتطوراته!) وينظرون إلى المسألة على أنها من الأعراف المرسلة عن قيود الاتباع وعدمه، ولا علاقة لها بشيء من الأحكام التعبدية التي قضى بها الإسلام؟ . وأيا كان الموقف المتخذ، فما هو الميزان أو البرهان المعتمد في ذلك؟ . حاشية تكميلية! جواباً للقراء الذين لم يعرفوا الجواب الشافي على تساؤل الشيخ الثاني البادئ بقوله: (أم يجارون الزمن....) نفيدهم أن الصحابة الكرام - بعد نقاش عاصف أدى إلى ارتفاع اللهجة، وتكدير الخواطر، وأنذر بانفضاض مجلسهم على غير اتفاق؛ مما كان سيكون له أشأم العواقب، وأقلها - لا سمح الله - شرخ (ونؤكد على كلمة شرخ) في وحدة الكلمة، واجتماع الصف التي انتصروا بها على فارس والروم ... نقول بعد تلك الحادثة التي كان سيكون لها ما بعدها جاروا الزمن وأجمعوا على استعمال المناخل، عملاً بأخف الضررين! وهي قاعدة معتبرة في الشريعة، ونخبرهم أنه ما كان لهم أن يصلوا إلى هذا الإجماع المبارك لولا المنهج الذي صاروا إليه، وساروا عليه، والذي: رصده، ثم اكتشفه، ثم صاغه وقعَّده الدكتور الشيخ، أو الشيخ الدكتور (البوطي) خلال العشر الأولى من القرن ... الخامس عشر الهجري. *يتبع *

стр. 762

خواطر في الدعوة دعوة عامة محمد العبدة من الأخطاء التي وقعت بها الدعوة الإسلامية في العصر الحديث - ولعلها تحاول تلافيها الآن - التركيز على المدن من جهة وعلى الشباب المتعلم من جهة أخرى، ولا نقول إهمال الريف وجماهير الأمة بشكل عام، ولكنه شِبه إهمال، والحجة في هذا أن المدن فيها الجامعات والمدارس الثانوية وهي بؤر الشباب المتعلم لا جدال في أهمية الشباب المتعلم، ولكن هل هذا كافٍ وحده للتغيير المنشود، وهل يقع التغيير دون التفاف الجماهير حول الدعاة والعلماء، الذين يبصرون الناس بدينهم ويقودونهم إلى الغاية المطلوبة. إن طاقات الأمة ليست محصورة بفئة معينة، فقد يتفوق مَن هو صاحب فطرة سليمة وحب للدين على صاحب دراسات وكتب. وعندما وضع الرسول ﷺ العرب في الطريق الصحيح تفجرت طاقاتهم وهم أمة أمية، ونشاهد الآن في أوربا مَن يصل إلى الوزارة بل إلى رئاسة الوزراء ممن لم يدخل الجامعة قط، ولكنها الخبرة والتجربة والذكاء. كنت في زيارة قريبة لبلد عربي، وصلَّينا مع بعض الزملاء في مسجد قرية من قراه، كانت وجوه الناس تدل على الطيبة وأصالة المعدن ولكن - وفي الوقت نفسه - كانت تدل على أنه لا يأتيهم أحد يعلّمهم أمور دينهم، ويصبح مرشدهم، ويستفتونه في كل صغيرة وكبيرة، ويطيعون أوامر الشرع من خلال توجيهاته، وتذكرت أن بعض القرى في بلد عربي آخر لا تبعد عن العاصمة إلا أميالاً وأهلها من أجهل الناس، وكان الدعاة وطلبة العلم في هذه العاصمة لا يكلفون أنفسهم عناء الذهاب إليهم للدعوة، كما تذكرت ما حدثني به أحد الإخوة الأفاضل - وكان يومها طالباً يدرس في القاهرة - عندما ضمه مجلس مع أصحاب الاهتمام بالدعوة وشؤونها، فسألهم عن هذه القضية وهل وقعت الدعوة في هذا الخطأ فاهتمت بالمتعلمين من أهل المدن بشكل خاص، فأجاب أحدهم نعم؛ لأن المدن فيها الجامعات والمدارس! ، فقال لهم: وما ذنب الريف وباقي جماهير الناس؟ ! . لقد تبين مع الأيام أن الدعوة إن لم يلتف حولها الناس جميعهم، وتصبح قوة يهابونها - فلا تستطيع أن تحقق أهدافها؛ لأن أي ظالم يمكن أن يدَّعي أمام الشعب أن هؤلاء الشباب متهورون، متطرفون، معزولون في بعض الزوايا الخاصة إلى آخر قائمة الاتهامات المعروفة، ولكنه لا يستطيع أن يستغفل الناس ويقول: هؤلاء الدعاة والعلماء والتجار والصغار والكبار والنساء، كل هؤلاء يتسترون بالدين. إن العلماء والدعاة الذين يتكلمون بالحق وبه يعدلون هم الذين تثق بهم الأمة، وهم المؤهلون للتغيير.

стр. 763

فكر محمد أركون ومعالم من أفكاره محمد بن حامد الأحمري تطورت في عصرنا هذا وسائل الدعاية لكل شيء بمقدار لم يسبق له مثيل، هذه الدعاية في قضايا الكماليات ووسائل الراحة قد تكون معقولة إلى حد ما، لكن الغريب من أصناف هذه الدعاية، الدعاية الفكرية لعامة الكتاب والشعراء والروائيين إلى درجة تدفع إلى السأم وعدم الثقة بأي شيء يشتهر من كتاب أو كاتب أو صحيفة، فيجعلك هذا لا تثق بالشهرة لأي عمل، إذ قد يكون في غاية الرداءة والفساد لكن جيوش الإعلام والترويج تحاصرك حتى تفقد بصيرتك. وقد حاصرتنا الدعاية في زماننا ورفعت في وجوهنا مجموعة من الكتاب والمفكرين والأدباء، وألصقتهم في وجوه ثقافتنا كرهاً، وألزمتنا بهم وحاصرتنا كتبهم في كل زاوية، وليس هذا الحصار فقط بين العرب، بل لقد شكَت إحدى المستشرقات وقالت: إن أدونيس لم يقل شيئاً ولكن اللوبي الأدونيسي هو الذي أعطاه الأهمية! . هذا الجيش الدعائي من وراء كتاب صغار أو مغالطين كبار هو الذي أعطاهم أهمية كبرى في عالم الكتاب العربي. قال أحد القراء لقد رأيت كتب أركون ولفت انتباهي الدعاية الكبيرة لها؛ فذهبت مع القوم واشتريت منها وقرأت الأول والثاني فما أحسست بفائدة ولا ساعدني الفهم، وقلت كاتب متعب ولكن زادت الدعاية للرجل فقلت في نفسي: النقص في قدرتي على الدراسة والفهم، وسكتُّ وخشيت أن أقول لأحد: لا أفهمه، حتى إذا كان ذات يوم جلست إلى قارئ وكاتب قدير وتناول كتاب (تاريخية الفكر العربي الإسلامي) وقال: لقد حاولت أن أفهم هذا الكاتب أركون فما استطعت، فكأنما أفرج عني من سجن وقلت: رحمك الله أين أنت فقد كنت أبحث عن قارئ له يعطيني فيه رأياً، لا الذين أكثروا من الدعاية له دون دراية. وحتى لا تضر بنا المبالغة في هذا إليك نموذجاً للدعاية الأركونية: علق هاشم صالح مترجم أركون إلى العربية في آخر كتاب (الفكر الإسلامي نقد واجتهاد) ... يقول هاشم: بعد أن تركت محمد أركون رحت أفكر في حجم المعركة التي يخوضها بكل ملابساتها وتفاعلاتها، وهالني الأمر فكلما توهمت أن حدودها قد أصبحت واضحة محصورة، كلما اكتشفت أنها متشابكة معقدة، شبه لا نهائية. هناك شيء واحد مؤكد على أي حال: هو أن محمد أركون يخوض المعركة على جبهتين جبهة الداخل، وجبهة الخارج، جبهة أًصوليي المسلمين، وجبهة أصوليي المستشرقين: وسوى الروم خلف ظهرك روم ... فعلى أي جانبيْك تميل؟ [١] هذا مثل مما يفعل هذا المترجم، وقد يفاجئك مراراً بالمدح في وسط الكتاب أو في المقدمة أو في الهامش [٢] أو في لقاءاته مع أركون التي تمثل جزءاً كبيراً من أعماله؛ فهذه طريقة في الكتابة جديدة إذ يُجري المترجم حواراً حول أفكار أركون بعد كل فصل أو في آخر الكتاب كما في (الفكر الإسلامي قراءة علمية) ، أو (الفكر الإسلامي نقد واجتهاد) . أثناء قراءة أعمال أركون قد تصادفه ينقد مدرسة عقائدية أو فقهية، ويحاول أن يقول إنها خرافة، وأسطورة دغمائية كما يحلو له أن يكرر، وتقول: لعله ينصر المدرسة الأخرى، فهو إما شيعي أو خارجي، ثم يخرج عليك في صفحة أخرى وهو يعرض بعدم معقولية فكرة الإمامة لدى الشيعة [٣] ، ثم في مكان آخر لا يتفق مع الإسلام السني المتزمت في نظره [٤] علماً أن السني عنده هم الأشاعرة، وأما أحمد وابن تيمية فيدعوهما حنابلة متزمتين. وتحاول جاهداً أن تقف تماماً على ما يريد فإذا هو متناقض لا يؤمن بشيء ولا يرى أن لهذا العلم أو التراث الإسلامي أي مكانة إلا في عين المدارس النقدية الغربية؛ فما أقرته فهو الحق والمحترم - كنص للدراسة ليس أكثر من نص بشري قابل للأخذ والعطاء - وما لا تقره المكتشفات الأسلوبية اللغوية الاجتماعية والنفسية المعاصرة فإنه لا يرى إقراره والاهتمام به لقدمه وتخلفه عن العصر. ولعل كتاب (الفكر العربي) أول كتبه المترجمة إلى العربية وفيه تلخيص غامض لجُل ما قال في الكتب الأخرى، وأشار فيه بكثير من التحفظ إلى آرائه في القرآن والسنة والشيعة والحداثة والتجديد. عند أركون أهداف واضحة لمن يستقرئ أعماله ويصبر على التزوير والمراوغة واللعب بالكلمات في غير معانيها حتى يحصل على هدفه الكبير من كل مشروعه وسيأتي بيان الهدف بعد ذكر وسائله إليه. الوسائل: أول وسائله نقد الكُتاب الإسلاميين الذين ليست لهم صلة بالمدارس الغربية في الفكر، والذين ليس لهم إلمام بعلوم اللسانيات والاجتماع والنفس والنظريات التي خرجت - فيما يرى - بعد الخمسينات من هذا القرن الميلادي، وبالتالي يطالبهم بالمشاركة والدراسة لمستجدات النظريات الإنسانية الغربية، ثم هو يستخدم نظريات ميشيل فوكوه في مسائل المعرفة والسلطة، ويرى تاريخية المعرفة وبكوْنها قابلة للتغيير والتطوير والشمول، وأهم جوانب المعرفة التي يتحدث عنها المعرفة الدينية بكل أبعادها، ويرى اعتبار المعرفة الإسلامية نموذجاً أسطورياً لابد أن يخضع للدراسة والنقاش - كما سيأتي - ويرى المجاهرة باعتبار العلوم الإسلامية سياقاً معرفياً أسطورياً يزعج المسلمين ويهز إيمانهم، ولكن لابد - كما يرى - من بناء مفاهيم جديدة مستمدة من الاحتياجات الجديدة كما فعل السلف، ويرى أن هناك مناطق عديدة في الفكر الإسلامي لا تمس ولا يفكر فيها مثل مسألة عثمان - رضي الله عنه - وقضايا جمع القرآن، والتسليم بصحة أحاديث البخاري والموافقة على الأصول التي بناها الشافعي، ويرى أنه يضع أساساً للاجتهاد وعقلانية جديدة [٥] ، وهو يرى أن الوعي الإسلامي قد انشق فيما بين السنة والشيعة، والوسيلة عنده ليست بالتوفيق بين الجانبين ولا الانتقاء منهما إنما الوسيلة نقد الطرفين وهو يعتنق (النقدية الجذرية) للطرفين وإسقاط كل الحجج التي بأيدي الجميع، وبالتالي فإن النص السني مغلوط ومزور والنص الشيعي نص العدالة والعصمة مغلوط ومزور وأسطوري، والمطلوب أن يتحرر كل من الفريقين من نصه فيتوحدان [٦] . الأهداف: من أهم ما يهدف له أركون في كتاباته المكررة والمملة نزع الثقة من القرآن الكريم وقداسته واعتباره نصاً أسطورياً [٧] قابلاً للدراسة والأخذ والرد. وهو يغالط كثيراً في معنى كلمة (أسطورة) ويقول: إنه يعاني من صعوبة هذه الكلمة على أسماع العرب الذين يربطون بين هذه الكلمة وبين الأكذوبة أو الخرافة، لكن ما هي الكلمة التي يستخدمها أركون في تعبيره عن القرآن باللغة الفرنسية التي يكتب كل كتبه بها. إنه استخدم كلمة MYTHE وبالإنجليزية MYTH وكلتا الكلمتين تعني الخرافة أو الحكاية والكلمتان جاءتا من الكلمة الإغريقية MUTHOS وهي تعني في جميع اللغات الأوربية حكاية خرافية شعبية تتحدث عن كائنات تجسد - بصورة رمزية - قوى الطبيعة والوضع الإنساني [٨] . ثم إذا سلم بهذه الأسطورة - بزعمه - فإنها أولاً لم تصلنا بسند مقطوع الصحة؛ لأن القرآن -كما يقول - لم يُكتب كله في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل كُتب بعض الآيات ثم استكمل العمل في كتابة القرآن فيما بعد [٩] وهذه من المغالطات التي يسوقها أركون بكل سهولة ويخلط فيها ما بين قضية الجمع وقضية الكتابة، وبزعم أن الظروف السياسية هي التي جعلت المسلمين يحافظون فقط على قرآن واحد ويتركون ما عداه [١٠] . ومن أجل أن يمهد لما يريد من إنكار القرآن سنداً في أول الأمر يدخل بعد ذلك إلى نصوص القرآن فيشكك في القصص والأخبار ويرى أن التاريخ الواقعي المحسوس هو الذي يحاكَم إليه القرآن، فالأخبار والآثار التاريخية هي الموثوقة! ولنقرأ له هذا النص الذي يجد القارئ في كتبه كثيراً مثله يقول: (ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس) [١١] . ويرى أن القرآن عمل أدبي لم يدرس كما يجب إلا من قِبَل ندرة أهمهم عنده ... (محمد أحمد خلف الله) عندما كتب عن القصص الفني في القرآن وقال إن ... القصة القرآنية مفتعلة، ويتحسر على عدم استمرار (خلف الله) ويذكر أن الأسباب التي لم تمكن (خلف الله) في عمله أنه راعى الموقف الإسلامي الإيماني أولاً، وثانياً: لنقص المعلومات. إذن فقد آل الأمر إلى أركون الذي سيهاجم القرآن؛ لأنه لا يراعي الموقف الإسلامي الإيماني لأنه مطلع على الأبحاث الجارية. ومع زعمه أنه يعرف الأبحاث الجارية التي كتبها فوكوه والحاخام دريدا؛ فإنه يظهر للقارئ بشكل يجعله لا يثق في قدرة أركون ولا أنه فهم ما زعم فهمه من قضايا المعرفة ونقد اللاهوت ونظريات البنيوية وما بعدها [١٢] ، ويعاني في عرضه للأقوال من عدم التوثيق أو القول الصحيح لما ينقل؛ إذ يقلب كل قضية قرآنية أو تفسيرية أو سياق لعلم حتى يفسد المعنى ويلويه إلى ما يريد كما مر معنا في مسألة كتابة القرآن، ومثال آخر يعرِّف الوحي بقوله: " إنه يُدعَى بالتنزيل أي الهبوط من فوق إلى تحت " [١٣] . معاني القرآن: لو تجاوزنا قضية شكه في القرآن وردّه للسنة من باب أَوْلى فماذا يفسر به القرآن وكيف يفهمه، إنه يقول: " إن القرآن - كما الأناجيل - ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً، أما الوهم الكبير فهو اعتقاد الناس - اعتقاد الملايين - بإمكانية تحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون شغال وفعال ومبادئ محدودة تطبق على كل الحالات وفي كل الظروف " [١٤] . ويقول في موضع آخر: (إن المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية سوف تُتلقَّى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محورة عن مطامح ورؤى وعواطف حقيقية يمكن فقط للتحليل التاريخي السيولوجي والبسيكولوجي اللغوي - أن يعيها ويكشفهما) [١٥] . ويفصل أركون بين القرآن والشريعة، فالقرآن عنده " خطاب مجازي يغذي التأمل والخيال والفكر والعمل ويغذي الرغبة في التصعيد والتجاوز، والمجتمعات البشرية لا تستطيع العيش طيلة حياتها على لغة المجاز " [١٦] ولكن هناك البشر المحسوسون العائشون - كما يقول - في مجتمع وهناك أمورهم الحياتية المختلفة التي تتطلب نوعاً من التنظيم والضبط وهكذا تم إنجاز الشريعة [١٧] ثم يعقب بأن هناك مجالاً أسطورياً مجازياً وهو مجال القرآن، ومجال آخر واقعي للناس هو مجال الشريعة ويقول: (إنه وهم كبير أن يتوقع الناس علاقة ما بين القرآن والشريعة التي هي القوانين الشرعية وأن المناخ الميثي (الأسطوري) الذي سيطر على الأجيال السابقة هو الذي أتاح تشييد ذلك الوهم الكبير، أي إمكانية المرور من إرادة الله المعبر عنها في الكتابات المقدسة إلى القوانين الفقهية (الشريعة) وحجته في ذلك ما يلي: في الواقع أن هناك أنواعاً مختلفة من الكلام (من الخطاب) وهناك فرق بين خطاب شعري أو ديني، وخطاب قانوني فقهي أو فلسفي، ولا يمكن لنا أن نمر من الخطابين الأولين إلى الخطابات الأخرى إلا بتعسف واعتباط) [١٨] ألا ترى ... أنك يا أركون قد استطعت أن تمرق من الخطابين. مكانة السنة عنده: ليس هذا مجالاً لمتابعة هذه الأقوال والرد عليها، فيكفي هنا التعريف بمعالم فكره بما فيها جرأته على الشك في ثبوت وصول القرآن إلينا، وجرأته على نفي الحديث والزعم بأن الظروف السياسية وأوضاع المجتمعات التي انتشر فيها الإسلام احتاجت إلى أحاديث وقال: (إن السنة كُتبت متأخرة بعد موت الرسول - صلى ... الله عليه وسلم - بزمن طويل وهذا ولَّد خلافات. لم يتجاوزها المسلمون حتى اليوم بين الطوائف الثلاث السنية والشيعية والخارجية، وصراع هذه الفرق الثلاث جعلهم يحتكرون الحديث ويسيطرون عليه لما للحديث من علاقة بالسلطة القائمة) [١٩] . وهو يرى أن الحديث هو جزء من التراث الذي يجب أن يخضع للدراسة النقدية الصارمة لكل الوثائق والمواد الموروثة كما يسميها [٢٠] ، ثم يقول: (وبالطبع فإن مسيرة التاريخ الأرضي وتنوع الشعوب التي اعتنقت الإسلام - قد خلقت حالات وأوضاعاً جديدة ومستحدثة لم تكن متوقعة أو منصوصاً عليها في القرآن ولا في الحديث، ولكي يتم دمجها وتمثلها في التراث فإنه لزم على المعنيين بالأمر أن يصدقوا عليها ويقدسوها إما بواسطة حديث للنبي، وإما بواسطة تقنيات المحاجة والقياس) . [٢١] الشريعة والحياة تلك هي مكانة الشريعة عنده وهذه مكانة أحاديث الرسول - ﷺ إذ لا يرى أي تشريع جاء به القرآن، وأن القرآن خطاب أدبي عاطفي لا علاقة له بالحياة، والشريعة ضرورة اجتماعية أملتها ظروف المجتمع وحاجة الناس، وهي في مجموعها تراث إذا قابلت في الطريق ثقافة مجتمع آخر أو استجد شيء فإن هذا الجديد يدمج في هذا التراث بواسطة حديث أو قياس، وهو يناقض نفسه تماماً، إذ لو لم تكن الشريعة من غير هذين المصدرين كأساس لما سعى المعنيون بالأمر - كما يسميهم - لفعل ما كذبه عليهم. وهذا مثال واحد كبير من الغث والانحراف والكفر الذي يملأ به كتبه، كله يناقض بعضه بعضاً، وكفاه زوراً أو جرأة على كتاب الله قوله: (وليس في وسع الباحثين أن ... يكتفوا اليوم في الواقع بالتكرار الورع للحقائق الموحى بها في الجزيرة العربية في القرن السادس والتي طُرحت منذئذ على أنها بآن واحد مما يمكن تعريفه واستخدامه وأنها متعالية) [٢٢] وهو يرى أن الباحثين - يعني نفسه ومَن تابعه - (إذ حتى كبار الكفار من المستشرقين لم يحملوا على القرآن والسنة والأمة ... كالحملة التي يقودها أركون ولم يستطيعوا القول بكل هذه الافتراءات في آن واحد) لا يسعهم تطبيق القرآن لأنه نزل في الجزيرة في ذلك الزمن القديم، وهو لا يرى نفسه وهو يقدس ويستسلم لبقايا قوانين الرومان، بل ويحاسب الإسلام على أفكار فوكوه هل تتطابق معها أم لا، ويقول في نفس الوقت بأن القرآن حقائق، وقد ... سبق أن قال إنه مجازات عالية وقد أجمع القائلون بالمجاز على أن كل مجاز يجوز ... نفيه ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر [٢٣] ، علماً بأن المجاز بالأسلوب الذي ... يريده أركون أبعد بكثير من المجاز الذي حدث فيه الخلاف بين المسلمين والذي قال ... فيه الشنقيطي إن وروده في القرآن غير صحيح ولا دليل يوجب الرجوع إليه من نقل ولا عقل ونحن ننزه القرآن على أن نقول فيه مجاز بل نقول كله حقائق. [٢٤] ونقل الشنقيطي عن عدد من العلماء عدم جواز المجاز في اللغة أصلاً فضلاً عن القرآن وهو - أي الشنقيطي - ممن يرى هذا، وأركون لا يرى أن آيات الأحكام هي المجاز، ولا آيات الصفات كما قال بعض السابقين المخالفين لأهل السنة، لكنه يرى كل القرآن مجازات عالية، ومرة يقول متعالية أي تكون بعيدة عن المجتمع سياسة واقتصاداً واجتماعاً، إنما تهذيب روحي لا علاقة له بالدنيا. وليس هذا مكان الحديث عن المجاز ولا الخلاف فيه. لكن جاء بمناسبة خلط أركون وتناقضه؛ إذ يقول: القرآن حقائق نزلت قديماً ثم يرجع ويقول مجازات عالية. إن أركون يهدم كل شيء ولا يقيمك على سنن ولا يثق بأحد ولا بعلم أحد، فهو يسخر من كل مَن سبقه حتى يسخر من الطبري ومن طريقته في التفسير. وما دام قد اجترأ على كتاب الله وسنة رسوله كل هذه الجرأة فماذا يتوقع القارئ عن غيرها. وهناك جوانب عديدة يستنكرها كقضايا الثواب والعقاب والبعث بعد الموت [٢٥] . ويرى في آيات القرآن التي تحدثت عن الجنة وثوابها سياقات شعرية، وأيضاً يرى رمزية العذاب. خلاصة: يرى أركون أن القرآن والكتب السابقة تعاني من سياق واحد، ويضع القرآن مع الأناجيل في مستوى من الثبوت والدراسة واحد، وبرى أهمية النقد والتجديد. وعمله هذا النقدي السلبي النافي - الذي يمسخ كل الحقائق وكل المعاني - لا يمكن بحال أن يكون مذهباً فكرياً بديلاً؛ بحيث يحل محل شيء من الفرق أو الجماعات التي وجدت على الساحة الإسلامية وليس بأسلوب يمكن قبوله من قِبل السنة أو الشيعة؛ ذلك أنه يلغي الجميع ويرى العدمية [٢٦] التي يقدمها هي البديل أو التجديد، فالشك والجحود بكل شيء لن يكون أبداً بديلاً للإيمان، إذ هذا العدم لا يكون ديناً ولا يبني خلقاً، وهو يرى - مع هذا - ضرورة النظام في حياة الناس ويرى أهمية القوانين وهذه القوانين عنده تنشئها الضرورة الاجتماعية، لكن أي مجتمع وأية قوانين، أما المجتمع فلا يرى أركون أن يكون للإسلام سلطة عليه؛ لذا فليس للإسلام أن يسن أي قانون في ذلك المجتمع إذ ليس للإسلام في نظره أي قانون ولا علاقة بالوجود، وهو قد بذل وعصر كل سمومه وآفات الملحدين في الغرب لينكر المصادر أولاً ثم لو افترض إثباتها فليس لها حقائق ولا معاني تمس الناس، ثم إذا فهم منها معاني فتلك المعاني جاءت للحاجة والضرورة؛ لأنه لم يكن هناك قوانين في المجتمع. وقد علق أحدهم على نمط تفكير أركون وأسلوب تعامله مع النصوص فقال: إن تجديدية أركون هي تجديدية عدمية ولا نحسب أن مسلماً عاقلاً يهتم لقراءة أركون النافية [٢٧] وهذا ملخص لبحث مطول يتناول كتب ومقالات أركون، ومع أن أعماله غير معقولة لكن - ويا لَلأسف! - إن الذي يتحكم في سلوك وأفكار العالم الإسلامي اليوم هو (اللامعقول) لهذا يحتاج إلى بيان.

стр. 764

فن القراءة السريعة د. مبارك الغربي الشمري في هذا الزمان الذي يطلق عليه البعض عصر السرعة (صواباً كان أم خطأً) هناك عوامل عدة تتطلب من الفرد المسلم مضاعفة قراءته وعمل خطة تثقيفية للرقي بمستواه، ومن هذه العوامل ما يلي: * الصحوة الإسلامية المباركة في أرجاء العالم الإسلامي والتي رفعت الوعي الثقافي والتحصيل العلمي لدى جيل الصحوة. * الارتفاع المطرد في عدد المطبوعات في العالم العربي في شتى المجالات. * تحسن المستوى الاقتصادي نسبياً مع الانخفاض في أسعار الكتب المطبوعة باستخدام التقنية الحديثة التي سهلت للكثير اقتناء الكتب وإنشاء المكتبات المنزلية. * متطلبات الحياة العصرية أجبرت الكثير من الناس على الاطلاع على الكتب لمعرفة أسرار هذه الحياة. وعندما نتحدث عن القراءة يجب أن ندرك أنها متعددة الأنواع وتتمحور حول أربعة فروع رئيسية: (١) القراءة الثقافية: وتشمل الإلمام بالأولويات من أمور الدين والدنيا بما فيها الثقافة الشرعية الواجبة على كل مسلم والمعينة له على التزام الطريق الصحيح في هذه الحياة. (٢) القراءة الأكاديمية (الدراسية) : هذه القراءة تستوجب الفهم المتعمق لعدة مواد ليتمكن المرء من اجتياز اختبار معين أو الحصول على مؤهل دراسي يعينه على العمل وتحديد المهنة. والقراءة الأكاديمية لها عدة خصائص منها الإلمام بكل نواحي المادة المقروءة، وتتميز أيضاً بعدم وجود عامل الاختيار الحر للمادة المقروءة. (٣) القراءة المرجعية: نقوم بهذه القراءة عندما نرغب في البحث عن معلومات معينة قد تتطلب الاطلاع على عدة مراجع أو كتب. فعلى سبيل المثال تكون قراءتنا مرجعية عندما نبحث عن تفسير آية أو معرفة حكم أو صحة حديث أو عند التحقق من معلومات جغرافية عن بلد معين ... (٤) قراءة المتعة: قد تكون هذه أقل القراءات شأناً وتشمل قراءة الصحف والشعر وبعض القصص وما شابه ذلك، وهدفها غالباً يكون الترويح عن النفس وللتسلية. ولا شك أن الدراية بأصول القراءة السريعة سوف تعود بالفائدة العظمى على الفرد الواعي الطموح الراغب في استغلال وقته على أحسن وجه مهما كان نوع قراءته. فالسؤال الذي يطرح إذن هو: ما هي القراءة السريعة وما هي مبادئها؟ . القراءة السريعة - كما يدل عليها اسمها - هي عبارة عن أسلوب للقراءة تتضاعف به كمية المادة المقروءة في وقت معين مع الاحتفاظ بكامل الاستيعاب. فالفرد الذي يتقن هذه المهارة بإمكانه في المتوسط اختزال وقت قراءة كتاب معين إلى الربع أو أقل، وهذا المتوسط يعتمد أيضاً على مستوى القارئ وثقافته ومدى إتقانه وتدريبه على هذه المهارة، ولكن هناك بعض المبادئ الرئيسية والفرعية التي بإمكان أي فرد أن يطبقها بنفسه، ويمكن تلخيص بعضها فيما يلي: أولاً: المبادئ الرئيسية: أ- مسح المادة المقروءة: ويتلخص في الأقيام بعملية مرور سريع للتعرف الشكلي على المادة قبل الشروع الفعلي في قراءتها. فمثلاً عند قراءة كتاب ما يمكن أن تتم عملية المسح بالخطوات التالية: * الاطلاع على مقدمة الكتاب والتعرف على أهداف المؤلف من كتابة الكتاب. * التعرف على أبواب أو فصول الكتاب الرئيسية وعناوينها العريضة وعلاقة بعضها ببعض. * إلقاء نظرة سريعة على الأشكال التوضيحية المستخدمة في الكتاب وعلى الخاتمة. وكذلك يقال في المقال؛ حيث ينبغي التعرف على الموضوع وعلى الأهداف والأسلوب العام للموضوع. وعملية المسح هذه لها دور كبير في التحضير الذهني مما يساعد على سرعة الاستيعاب وبالتالي على سرعة القراءة. ب - إتقان أسلوب القراءة المطردة: اعتاد كثير من الناس منذ الصغر على عملية التراجع لقراءة الكلمة أو الكلمات مرة ثانية أو عدة مرات وأحياناً السطر بأكمله، وقد تستمر هذه العادة مع الشخص حتى الكبر مع عدم وجود المبرر لها. فعملية التراجع عند القراءة تؤدي إلى تشتيت الذهن وإعاقة تسلسل الأفكار لإكمال الصورة وترسيخ فكرة المادة المقروءة. ويعتبر التراجع من أكبر عوائق القراءة السريعة. ومن السهل التخلص من هذه العادة بالإصرار على عدم التراجع أو التوقف، بل محاولة الاستمرار في القراءة، وبالطبع في المحاولات الأولى ستقل درجة استيعاب المادة المقروءة ولكنها بعد التمرس ترتفع ثانية إلى ما كانت عليه سابقاً أو أكثر. ج - استخدام القراءة العينية المنتظمة: إن عملية الجهر بالقراءة أو مجرد تحريك الشفاه تستغرق وقتاً أكبر وتتطلب جهداً أكثر ويعتبر ذلك أيضاً من أكبر معوقات القراءة السريعة؛ ولذا يجب اجتناب تحريك العينين بدرجة كبيرة بين بداية السطر ونهايته وباعتياد ذلك يتوسع مدى العين وتتمكن من التقاط كلمات السطر في نظرة واحدة وبصورة منتظمة ومتتابعة لكل سطر أو لكل مجموعة من الكلمات. ولا يمكن تحقيق هذا إلا بعد التخلص نهائياً من عملية التراجع السابقة الذكر عند القراءة. فتطبيق هذه العملية سيريح العين وينظم حركتها وسيؤدي في الوقت نفسه إلى مضاعفة سرعة القراءة. د- التعايش مع المادة المقروءة: هذا المبدأ مرتبط بسابقه، ويعني التركيز التام ومحاولة التعايش الخيالي في جو الفكرة وربط أجزائها ببعض للوصول إلى الصورة النهائية لمفهوم الموضوع المقروء. وهذا العنصر له مردود كبير أيضاً في سرعة استيعاب الفكرة وترسيخها في الذهن بالإضافة إلى زيادة سرعة القراءة. ثانياً: العوامل الفرعية: هناك أيضاً بعض الصعوبات التي تبدو وكأنها قليلة الأهمية، ولكن لها دور كبير منها: أ - الجلسة الصحيحة: عند القراءة يجب الجلوس جلسة صحيحة ومريحة بدون الاسترخاء التام؛ حيث إن الجلسة الخاطئة تعيق الدورة الدموية التي تؤدي إلى تدني سرعة الاستيعاب، أما الاسترخاء فيفقد التركيز. ولكن يمكن استغلال وقت الراحة والاسترخاء لقراءة المتعة والتسلية التي لا تتطلب كثيراً من التركيز وليست ذات أهمية كبرى. ب - اختيار الوقت والمكان المناسب: يجب اختيار الأوقات التي تناسب نوع القراءة؛ فالقراءة الثقافية والأكاديمية تتطلب أن يكون القارئ نشطاً كالصباح الباكر، وبعيداً عن الضوضاء والمقاطعات، وفي مكان تتوفر به التهوية والإضاءة المناسبة. ج - تحديد مدة القراءة: قبل الشروع بقراءة كتاب معين يجب تحديد طول الوقت المناسب لإكمال قراءة الكتاب؛ فوجود عامل الضغط له أثر نفسي في رفع مستوى وسرعة القراءة كنتيجة لتحديد الوقت. وأخيراً - عزيزي القارئ - قد تتساءل عن مدى إمكانية تطبيق هذه المبادئ، ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نتذكر بأن النشاط البدني الرياضي يحتاج إلى التدريب والتمرين؛ لذا فإن فن القراءة السريعة من السهل جداً إتقانه، ولكن بالتطبيق والتدرج.

стр. 765

ظواهر أصنام عصرية محمد بخات الإدريسي إن هذه الأصنام العصرية - مع الأسف رياضية - بمعنى أنها ظهرت في عالم الرياضة، وباسمها وفي ميادينها، بحجة الجمال الجسمي، والكمال البدني، واللهو البرىء، والتنافس الشريف، والتباري النظيف للترفيه عن النفس بما هو رياضي، حتى يعيش الإنسان في حياة رياضية، وبذلك ينمو جسمياً ويزكو عقلياً، إلا أن الرياضيين انحرفوا ومحبيهم انجرفوا، وقد كان هذا الإفساد الذي طرأ على عالم الرياضة متوقعاً بل كان مقصوداً والبرهان هو التناحر والتقاتل والتنافر والتعارض والضحايا في سبيل الرياضة وبالأخص كرة القدم. كنت أسائل نفسي قائلاً وباحثاً: ألم ينحرف الناس من عشاق كرة القدم عن أهدافها التي تبدو معروفة ومعقولة؟ ألم ينشغلوا بها إلى أبعد الحدود؟ ألم يلهوا بها إلى حد المبالغة التي أدت إلى إضاعة حقوق وإزهاق أرواح؟ فأين الروح الرياضية والتغني بها وأين سمو المقاصد منها؟ ؟ ولم يطل التساؤل ولا البحث، ولم أتهم نفسي بعدم التوفيق في وضع النقط على الحروف، فقد وجدت الجواب المقنع أو بالأحرى الحجة الدالة على وجود الأصنام العصرية بالأشكال الرياضية من بروتوكولات حكماء صهيون: ( ... إنما توافق الجماهير على التخلي والكف عما تظنه نشاطاً سياسياً إذا أعطيناها ملاهي جديدة أي التجارة التي نحاول، فنجعلها تعتقد أنها أيضا مسألة سياسية. ونحن أنفسنا أغرينا الجماهير بالمشاركة في السياسات، كي نضمن تأييدها في معركتنا ضد الحكومات الأممية (غير اليهودية) . ولكي نبعدها عن أن تكشف بأنفسها أي خط ممل جديد سنلهيها أيضاً بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزجيات الفراغ والمجامع العامة وهلم جرا. وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في كل أنواع المشروعات: كالفن والرياضة وما إليهما. هذه المتع الجديدة ستلي ذهن الشعب حتماً عن المسائل التي سنختلف فيها معه) [١] . هذه الكلمات من البروتوكولات برهنت بها على وجود الانحرافات المرادة في عالم الرياضة عند المحترفين والهواة على صعيد أي لعبة رياضية، ففي بداية شهرة الرياضات كان المقصود منها شريفاً وظاهراً للعيان، ولكن بالتدريج تحققت لليهود الفوائد المرجوة منها كمشروعات من بنات أفكارهم تستهدف القضاء على غير اليهود بالإضعاف والاستعباد بالوسائل الرياضية، هذا الاستعباد الذي نتج بالتنافس المريب، والإلهاء الدائم، والتحريض اللامشرّف، والتضييع للأوقات فيما لا يفيد أو ينفع. وحتى لا يستمر تجسيم عنصر الشر والفساد في شتى الرياضات أصبح من الواجب تعليمها بحذر، ومزاولتها بتوجيه، والإقبال عليها بوعي، وبذلك نفوت على يهود الأغراض التي يريدون منها، ونخيب رجاء حكماء صهيون فيما خططوا له وابتكروا من وسائل وفنون رياضية تلهي وتضيع بالانشغال بها والانكباب عليها. ولعل الملاحظ المنصف يؤيدني في وجهة نظري هذه إذا تمعن فيما وضحت واستنتجت خصوصاً إذا مثَّلت له بكرة القدم، هذه اللعبة التي ضيعت أوقات الصغار والكبار وألهتهم عن معالجة مشاكلهم وتصحيح أوضاعهم وتحسين واقعهم والتخطيط لمستقبلهم بالأفيد الأهم والأصلح الأعم. ولكن أين نحن من هذه التحسينات الضرورية والتصحيحات الإصلاحية ما دام الناس في غفلتهم المعهودة، كل تجمعاتهم عن الرياضة وكل مشاهدتهم لكرة القدم حتى صاروا أساراها، وكيف لا يكونون ضحاياها وقد سلبت وقضت على إرادتهم ، وضيعت طاقاتهم بالاهتمام والافتتان بها، يحضرون تجمعاتها، ويقبلون على مبارياتها، ويفرحون للانتصار ويحزنون للاندحار؟ ! وقد بلغ بهم الحب الأعمى والتعلق بها إلى حضور حفلاتها والتفرغ لها غاية بعيدة، أما تجمعات الدين فقد غدت مُهمَلة مهجورة. وما الدين؟ أليس في نظرهم حياة على الهوامش حافلة بالمحظورات، مانعة للشهوات، مضيعة للفرص مع الرغبات، مضيقة على النفوس، معطلة للطاقات! ! وقد انغمس في الرياضة وغلا في حبها الكبار، بل سلبت عقول الصغار الذين لا تكاد تجد أحدهم يحادثك عن شيء غير كرة القدم، فهو يهمل ما عداها، ويقبل عليها لعباً ومشاهدة، ويلم بتاريخها ويعرف مشاهير لاعبيها وفرقها المحلية والعالمية، وان كلمته بالتدريج عن دينه ظهرت سلبيته فيه، وتجلت إيجابيته في غيره، فهو مسوق، وهو مقلد، وهو مسحور بكرة القدم، وهو مقدس لها، وذلك ما استهدفته بروتوكولات صهيون، وهكذا تجد عندهم العلم بأنواع الرياضات وفرقها وأبطالها مع معرفة أسمائها وأسماء أعضائها المشهورين الذين يحفظون أسماءهم عن ظهر قلب.. ولكن لا يحفظون فاتحة الكتاب ولا كلمات التشهد! [٢] . إن كرة القدم ومثيلاتها من بنات الرياضة - وبنات النظرة الجاهلية - أصنام عصرية تجسم ضياع الإنسان العصري كما جسمت اللات والعزى ضياع الإنسان العربي فيما مضى في جاهلية ما قبل الإسلام.

стр. 766

شعر يا حابسَ الفيلِ مروان كجك يا حابسَ الفيلِ احبس مجرماً مردَا ... على النفاق قد اختار الأذى جُدَدا في كل بيت له عين ومِقْصَلة ... هذي تُريعُ وتِلكم تفصِم الكبدا قد جاءنا ونذيرُ الشر يحمله ... على الأكف، وصوتُ الحق قد جمدا فهللت لنداه الضحلِ شرذمة ... لم تدرِ أن زمان القهر قد وُئِدا قد غاب عنها مَنِ الآتي وما دمه ... وصار صوتُ بني الإسلام رجعَ صدى يا قومُ إن لكم فيمن مضوا عِبَراً ... ما كان جدُّكُمُ خِبًّا ولا حَرِدا قد كان واللهِ سيفاً مُصْلتاً عبقاً ... بكل طيب، على الرحمن معتمدا إذا تراءى له شر مضى قُدُماً ... يسابق الريح كي يحظى بما وُعِدا وإن أتاه بأن القوم قد جمعوا ... له السرايا وجاؤوا كلُّهم عددا لم يَنههُ عن لقاء القوم ما جمعوا ... ولا التريُّث، أو قلب له ارتعدا سيروا على نهجه يا قومُ تنتصروا ... ويجعلِ اللهُ من أعدائكم بَدَدا وتنبت الأرض عدلاً والسماء غِنى ... ويُهْزَمُ الجمع ذو الأعلاج والعمدا وتسطع الشمس في أنحاكم فرحاً ... برفعة الحق واستخذاء مَن قعدا يا حابس الفيل شأن المسلمين غدا ... سَفِلاً وشأن بني الطغيان قد سَمدا ونافخ الكير أضحى سيداً عطراً ... وحامل المسك يا تُعساه قد هُردا وسارق الكحل من عين مؤرَّقة ... أضحى أميناً يَطِبُّ الحَسْرَ والرمَدا وخائن العهد قد أضحى أخا ثقةٍ ... وصادق الوعد في الخُوَّان قد حُشِدا كل الموازين يا ربَّاه قد قلقت ... صارت نتائجها للمسلمين سدى ضاعت معالمهم فيها وما ظهرت ... لهم مباهجُ أو نصرٌ لهم عُقِدا فسدِّدِ الله في الدنيا طرائقهم ... واجعل مفاوزهم في العالمين هدى واقصمْ عدوهم يا رب واقضِ لهم ... بكل خير وكن عوناً ومُلْتَحَدا واصرف ضراماً تنادى الحاقدون له ... واكشف بفضلك عن أنحائنا الكمدا واحبس بقدرتك العصماء ما صنعوا ... عنا، ودعْهم حيارى يشتهون ردَى فقد تمادوا وظنوا أننا صُبُرٌ ... على الأذية، حِملانٌ لهم بُلَدا سيعلم الجمع منهم مَن نكون غداً ... إذا انتضينا سيوفاً تنشُدُ القَوَدا سيعلم الجمع منهم أننا نُجُبٌ في ... أرضنا الصدقُ والإسلام قد وُلِدا ذاك الفرات وهذا النيل يرفده ... نِعْمَ الرفادة والإرواء يا بردى وماء زمزمَ ما ينفكُّ ذا عبقٍ ... يروي الجموع إذا ما الماء قد نفِدا فاحبس بفضلك يا رباه كل فتىً ... على الخسائس والإرجاف قد مردا

стр. 767

شؤون العالم الإسلامي لماذا قطعت أمريكا مساعداتها عن باكستان ؟ أحمد موفق زيدان أعلنت الإدارة الأمريكية في الأول من أكتوبر الماضي قطع مساعداتها العسكرية عن باكستان بذريعة تنامي القدرات النووية الباكستانية، وامتلاك باكستان القنبلة الذرية التي ستهدد - حسب زعم أمريكا - السلام الدولي في المنطقة! ، كما تذرعت أمريكا بمسألة الانتخابات الباكستانية التي لابد لها أن تكون بصورة عادلة ونزيهة. وقد تزامن هذا القطع - الذي تصل قيمته سنوياً حوالي ٦٠٠ مليون دولار - مع الحشود الهندية المتنامية على الحدود الباكستانية، واشتداد الوضع في كشمير المحتلة، وقد عوَّدت أمريكا باكستان على التخلي عنها في الأوقات الحرجة والعصيبة، مثل قطع مساعداتها عنها في سبتمبر عام ١٩٦٥ أيام الحرب الهندية الباكستانية، وفي عام ١٩٧١ أيام انفصال بنغلاديش، بتواطؤ الثلاثي الهندي الروسي الأمريكي، كما قطعت مساعداتها عام ١٩٧٨ بعد وصول ضياء الحق للسلطة في يوليو عام ١٩٧٧، وتذرعت آنذاك بأن القانون الأمريكي يمنع دعم أي دولة تطيح بنظام ديمقراطي، وتحل محله نظاماً عسكرياً، ما لم يقُم الأخير بعقد انتخابات شعبية في فترة أقصاها ستة أشهر من وصوله للسلطة. ولكن البقاء للمصلحة، فقد تلاشى هذا القانون الأمريكي عندما فرضت المصلحة الأمريكية استئناف دعمها لباكستان بسبب غزو الاتحاد السوفييتي يوم ١٧ من ديسمبر ١٩٧٩ لأفغانستان، واستمر هذا الدعم لباكستان على مضض، واستفادت باكستان من الظروف الدولية هذه في تطوير منشآتها وقدراتها النووية. ويأتي قطع الدعم الأمريكي متزامناً مع الوضع الاقتصادي المتردي والمتدهور في البلاد، خاصة وأن البلاد ستخسر من جراء غزو العراق للكويت ما يقارب بليوني دولار سنوياً؛ بسبب عودة العمالة الباكستانية من الكويت، والبالغة ١٠٠ ألف عامل. وانتهت بذلك مسألة التحويلات، إضافة للارتفاع الحاد في سعر البترول. وكانت باكستان تعد ثالث أكبر دولة في العالم تتلقى مساعدات أمريكية بعد (إسرائيل) ومصر. تشجيع يهودي: لعب وما يزال يلعب عضو الكونغرس الأمريكي (ستيفن سولارز) - رئيس الهيئة الفرعية لشؤون آسيا والمحيط الهادي في الكونغرس الأمريكي - دوراً محورياً في تشجيع الإدارة الأمريكية على قطع مساعداتها عن باكستان. وينحدر ستيفن سولارز من ولاية فرجينيا الأمريكية وهو لا ينسى دور الهنود المنتشرين في هذه الولاية والذين أوصلوه إلى منصب عضو في الكونغرس الأمريكي، وبهذا لابد من قربان يقدمه قبل الموعد المقرر للانتخابات الأمريكية القريبة. قدم ستيفن سولارز - الذي يتمتع بصداقة وطيدة مع بي نظير بوتو رئيسة وزراء باكستان المعزولة منذ أيام دراستها في أمريكا - في ١٩ من سبتمبر المنصرم عريضة يناشد فيها الرئيس الأمريكي بوش بقطع الدعم عن باكستان بسبب محاولاتها المستمرة والدؤوبة في تطوير أسلحتها النووية! وفي ٨ من أكتوبر قدم ٥٢ عضواً من أعضاء الكونغرس الأمريكي ورقة لجورج بوش يحذرون فيها بقطع المعونات كاملة - عسكرية كانت أو غير عسكرية - عن باكستان ما لم تعقد الانتخابات بشكل نزيه، والآن وبعد أن عقدت الانتخابات ماذا سيكون رأي هؤلاء الأعضاء؟ ، خاصة وبعد أن أثبت تقرير المراقبين الدوليين المحايدين والمشرفين على الانتخابات من ٤٥ دولة أن الانتخابات عُقدت بشكل نزيه وعادل ولم تتعرض للتزوير والتزييف كما ادعت بي نظير بوتو رئيسة الوزراء. واستهدف قطع الدعم العسكري عن باكستان في هذه الظروف العصيبة إطلاق يد جارها العملاق المتنامي الهند، وإلا فلماذا يستمر الدعم الأمريكي للهند ولا أحد يسألها عن تفتيش منشآتها النووية؟ ! كما يتذرع بهذا الرئيس الأمريكي الذي يدّعي أنه لابد أن يثبت سنوياً في شهادته أمام الكونغرس بأن باكستان لا تملك أسلحة نووية، وهو أمر صعب نفيه الآن كما يقول! . ولماذا الكيل بمكيالين أو الوزن بميتزانين؟ فلماذا لا يتم التفتيش على المنشآت النووية الهندية إن كان القصد حقيقة هو السلام المنشود أم أن السلام لا يكون إلا بتسليم الضحية لجزَّارها دون إبداء أية مقاومة أو دفاع عن النفس؟ ! وقد أعرب زاهد (سر فراز) وزير الداخلية الباكستاني في الحكومة الانتقالية الفيدرالية عن استعداد بلاده لفتح المنشآت النووية الباكستانية للتفتيش وتوقيع اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية إن طُبق ذلك على الهند. وإلا فكيف يمنعوننا من الدفاع عن أنفسنا مقابل قوة كبرى مصغرة وهي الهند وتجاورنا بحدود طويلة؟ ! كما قال فراز. وعندما سئلت مارغريت تاتويلر متحدثة الخارجية الأمريكية عن امتلاك باكستان للقنبلة النووية أجابت: (ليس لدينا أدلة على أن باكستان تملك أسلحة نووية) . وجاء بعدها مقال (واشنطن بوست) التحريضي الذي ذكرت فيه أن باكستان سعت لدى دول عدة من أجل شراء مواد تساعدها على تصنيع أسلحة نووية، ولو عاملنا الأمريكان بما يقولونه فكيف يسمحون لأنفسهم أن يقننوا قانوناً جديداً وهو أن (كل شخص متهم حتى تثبت براءته) ، أليس هذا يخالف ما اتفق عليه البشر؟ . فإن كانت تاتويلر ليس عندها أدلة على امتلاك باكستان للأسلحة النووية فكيف يبررون قطعهم للدعم بهذه الحجج المصطنعة؟ . تواطؤ دولي: وصف سردار عبد القيوم خان رئيس كشمير الحرة ستيفن سولارز - في مقال له مطول في إحدى الصحف الباكستانية - بأنه ليس حريصاً على الديمقراطية في باكستان، وأن إظهار تأثر أمريكا على الديمقراطية في باكستان هو محض إذعان للإخراج الهندي لهذه التمثيلية. وقد تزامن قطع المساعدات الأمريكية عن باكستان مع هجوم شديد من راديو موسكو على التحالف الجمهوري الإسلامي الذي فاز أخيراً بالانتخابات، وعلى الجيش الباكستاني؛ لأن الجميع يدرك قوة الجيش الباكستاني وأنه الوحيد الحريص على مصلحة باكستان العليا وقد تباكى الهنود ونظام كابل العميل كثيراً على سقوط بي نظير بوتو عندما أعلنوا أن الديمقراطية في خطر! . لماذا وافقوا على بي نظير؟ المتتبع للإعلام العالمي وأحاديث سياسيه منذ مجيء بوتو وحتى الآن يلحظ أن توافقاً مشبوهاً قد تم ومازال على رفع شخصية بوتو، فلماذا كل هذه الدعاية الإعلامية والتباكي عليها مع أنها أعلنت منذ مجيئها للسلطة في أواخر عام ١٩٨٨ بأن باكستان لا تملك قنبلة ذرية ولا تسعى للحصول عليها كما أبدت في لقاء لها مع مجلة هندية (إنديا تُوداي) استعدادها لفتح أبواب المنشآت النووية الباكستانية من أجل تفتيشها! . إن بي نظير شخصية طموحة للسلطة وحسب، وتريد التمسك بكرسي الزعامة ولا يهمها قوة باكستان وهيمنتها، ومستعدة للتضحية حتى ولو على حساب أهم أسرار الدولة في سبيل البقاء في السلطة، وطالب سردار عبد القيوم خان رئيس كشمير الحرة أخيراً بمحاكمة مسؤولي الاستخبارات العسكرية أيام بي نظير بوتو والذين كانوا من حزبها؛ لأنهم سربوا أسراراً خطيرة - كما وصفها - للمخابرات الهندية أثرت على مجاهدي كشمير ونشاطاتهم. ومقابل هذا نشط الجيش الباكستاني في تطوير قدراته الدفاعية، حيث تسربت معلومات أخيراً عن قيام الخبراء الباكستانيين بتصنيع رؤوس نووية يمكن لطائرات ف١٦ أن تحملها، وقد صنعت باكستان خلال فترة قصيرة عدة صواريخ طويلة المدى ودبابة، وقمراً صناعياً، وهذا لا يروق للأمريكان ولا للهنود حيث إن من أهم معالم السياسة الأمريكية هو الاستئثار بالتصنيع الحربي، والهيمنة العسكرية، والتقدم النووي. وهنا نسجل الجهد الذي بذله الرئيس الراحل ضياء الحق مع رفاق دربه الذين قُتلوا معه في حادث تحطم طائرته في ١٨ من أغسطس عام ١٩٨٨ - بالإضافة لقادة الجيش الحاليين - جهدهم الذي بذلوه في هذا الصدد، وقد وصف وزير المالية الباكستاني الأسبق - أيام ذو الفقار علي بوتو - الدكتور مبشر حسن ويعتبر أحد زعماء حزب الشعب مسألة قطع أمريكا لمساعداتها عن باكستان بأنها نعمة ورحمة على الباكستانيين. فكيف لا تفضل أمريكا بي نظير على غيرها خاصة بعد أن كشفت الصحافة الباكستانية عن الرسالة التي وجهتها لكابريت عضو الكونغرس الأمريكي وزميلها في الدراسة أيام أمريكا والتي تقول فيها: (إنني سأكون ممتنّة جداً إذا تم إيقاف الدعم العسكري والاقتصادي لباكستان (كانت الرسالة قبل وقف المساعدات) كما أكون شاكرة إذا تم إيقاف الدعم عن باكستان من البنك الدولي والوكالات الدولية الأخرى، ويرافق هذا تجميد الودائع الباكستانية حتى عودة الحالة الطبيعية لباكستان، وعندما كنت رئيسة للوزراء كان التفتيش مستمراً على المفاعل النووي ولكن لا أعرف خطة الحكومة حالياً!) ، ثم تخاطبه بقولها: (عزيزي، استعمل نفوذك لدى رئيس الوزراء الهندي سنغ من أجل إشغال الجيش الباكستاني في مناوشات وحرب مع الهند) كما طلبت منه في الرسالة أن يستعمل ستيفن سولارز صلاحياته ونفوذه لدى الرئيس بوش للضغط على إسحق خان والجيش الباكستاني. وعلى الرغم من نفي بي نظير وكابريت للرسالة إلا أن الظروف الباكستانية والأمريكية وعلاقات بي نظير مع كابريت أو غيره تُبقي مجالاً للقول بصحتها. موقف الجيش والحكومة: عبر عدد من قادة الجيش ومسؤولي الحكومة عن امتعاضهم للتصريحات والتصرفات الأمريكية الأخيرة، وقال الجنرال أسلم بيغ قائد الجيش الباكستاني بأنه لا بد من استلهام الدرس الأفغاني في الاعتماد على الذات مهما كانت التكاليف باهظة، وأضاف بيغ يقول: (إن باكستان بالتأكيد قررت اليوم ألا تساوم على المبادئ مهما كانت النتائج) . وصرح سر فراز وزير الداخلية الفيدرالي: (إن باكستان ليست الولاية ٥٢ الأمريكية حتى يتصرف بها بوش كما يشاء، وإننا لسنا محمية أمريكية ولكننا دولة مستقلة) ، وأضاف في مكان آخر: (إذا لم تُعِدْ أمريكا استئناف مساعداتها لباكستان فسنضطر إلى إنهاء العلاقات التقليدية معها، وإننا واثقون بأن باكستان ستقف على أقدامها بما يتوفر لدينا من مصادر وإمكانيات ولا نستطيع العيش تحت رحمة القوى الكبرى) . وكان على باكستان أن تدرس بعناية مسألة الانفراج الدولي أو ما يسمى بالتوافق الدولي على مصالح المسلمين، وانعكاسات البيروسترويكا التي بدأت تظهر بوضوح أنها ضد المسلمين فقط. وهل ستعتمد باكستان على نفسها فعلاً أم أن التصريحات للاستهلاك أو لفترة معينة ثم تعيد أمريكا ضخ مساعداتها ونعيد علاقاتنا معهم من جديد؟ ، فهل عداوتنا معهم مرتبطة بمصلحة آنية من دعم عسكري أو اقتصادي أم أن الأمر أبعد من هذا؟ ! ولو تبرع كل باكستاني بروبية واحدة يومياً ولمدة ستة أيام لجمعت باكستان أكثر من المبلغ الذي تدعمها به أمريكا وهو ٦٠٠ مليون دولار ولانتهت بذلك الهيمنة الأمريكية علينا نحن المسلمين؛ فمتى سندرك ذلك؟ !

стр. 768

دروس من انتخابات الجزائر عبد المنعم جمال الدين تعددت ردود الفعل تجاه نتائج الانتخابات البلدية التي أُجريت في الجزائر والتي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأكثر من ٥٥ % من الأصوات بينما لم يحز حزب (جبهة التحرير) الحاكم منذ ثمانية وعشرين عاماً - إلا على ٢٢% ... تقريباً من الأصوات. ويمكن تلخيص ردود الأفعال هذه في كلمتين: قلق وفرح، قلق من أعداء الإسلام، وفرح من المسلمين. وقد أرجع القلقون شعورهم إزاء فوز الإسلاميين لأسباب تعددت بتعدد مصادرها، فعامة الغرب يخشون من تهديد الإسلاميين لمصالحهم في الجزائر كما يخشون من علو المد \الإسلامي - تأثراً بالجزائر - في سائر المنطقة العربية مما يهدد مصالحهم - حسب ظنهم - فيها. [١] أما رجال الأعمال الغربيون فقد عبروا عن قلقهم لما يعنيه هذا الفوز من مخاطر - لم يحددوها - على استثماراتهم التي كانوا يزمعون توجيهها إلى الجزائر، فضلاً عن قلقهم على القروض المستحقة على الجزائر. [٢] وبعد ذلك تأتي المخاوف الداخلية والتي تعد امتداداً للتفكير الغربي حيث عبر عنها محليون - التابعون للغرب فكرياً - نيابة عنه، ويمكن تلخيص هذه النوعية من المخاوف في ثلاث نقاط هي: ١- أن الإسلاميين يمثلون العصور الوسطى المتخلفة بظلام جهالتها. [٣] ... ٢- أن الإسلاميين سيهددون الحريات وحقوق الإنسان. [٤] ... ٣- أن الإسلاميين سيهددون حقوق المرأة. [٥] وهذه المخاوف المتعددة لا تمثل نشازاً في موقف الغرب - وأتباعه المحليين - من الحركة الإسلامية فهي متسقة تماماً مع مواقفهم عبر تاريخنا الحديث والمعاصر، كما أن رد الإسلاميين على هذه المخاوف لم يشذ هذه المرة، بل ظل متناغماً مع مواقفه السابقة، إذ ظل الإسلاميون - طوال تاريخهم الحديث والمعاصر - فريقين إزاء هذه الاتهامات: الفريق الأول: لا يبالي ولا يرد، وأكثرهم من الملتزمين بأصول أهل السنة والجماعة اعتقاداً واستدلالاً. الفريق الثاني: يحاول أن يرد، فيتخبط في رده، فتارة يأتي خطابه مبهماً لا يفي بالغرض ولا يكفي إلا لتثقيف الأتباع، وتارة أخرى يأتي منحلاً من الالتزام بالمنهج الإسلامي الصحيح حسب أصول أهل السنة والجماعة. ولتتطور الحركة الإسلامية نحو الأفضل لابد من تطوير موقف فريقي الحركة الإسلامية. فيتعين على الفريق الأول أن يعي طبيعة العصر ومطالبه وتحدياته فيعي الواقع بكل جزئياته جيداً، وبتمثل الشرع الحنيف بأفق متسع فيُنزِل أحكامه الحكيمة وتشريعاته الرحيمة على الأحداث المتجددة دون تشدد غالٍ، أو ترخص جافٍ. ويتحتم على الفريق الثاني أن يزيد من وعيه بالواقع ومتطلباته مع التركيز الخاص على دراسة أصول أهل السنة والجماعة دراسة عميقة في مجال الاعتقاد وأصول وقواعد الاستدلال والاستنباط، وذلك حتى يتسنى لهم الانضباط بالشرع أثناء استجاباتهم لتحديات العصر. ثم يجب على الفريقين - حينئذ - أن يترفعا عن أن تكون حركاتهم مجرد ردود أفعال، حيث الفعل من نصيب أعدائهم ورد الفعل من نصيبهم، وذلك الترفع لا يعني عدم التجاوب مع الأحداث بل يعني صنع هذه الأحداث والتحكم فيها، ولن يتم ذلك إلا إذا أخذوا بزمام المبادرة بأن يضعوا تصوراً متكاملاً لأهدافهم النهائية والمرحلية، ويحددوا لكل منهما وسائل عبر خطط مفصلة ذات برامج زمنية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى. حينئذ تكون الأفعال المختلفة بناءً على دراسات شرعية وواقعية، بحيث تدفع أعداءها إلى ردود الأفعال النافعة لأهداف الحركة الإسلامية. ويدخل في نطاق هذه الدراسات الإسلامية حول مجالات الحياة الدنيوية النظرية من مثل ضوابط المعرفة، وحدود العقل ومجالاته، وعلاقة الإنسان بعالم الأسباب، والعلل الكونية ومعلولاتها، ثم تنتقل هذه الدراسات إلى مجالات يبتعد أثرها قليلاً عن المجال النظري من مثل حقوق الإنسان وواجباته، ويدخل في هذا الموضوع موضوع حقوق المرأة وواجباتها باعتبارها إنساناً، ويدخل في هذا المجال - المجال الأقرب للواقع العملي - دراسة الواقع الدولي وكيفية التعامل معه، والنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الإسلامية. إن إتمام دراسة هذه المسائل وأمثالها دراسة شرعية وواقعية من المنظور المذكور آنفاً يؤدي إلى منافع جليلة جداً نلخص أهمها فيما يأتي: ١- تنظيم عقلية المسلمين عامة والدعاة منهم خاصة بأسلوب علمي إسلامي يمكِّنهم من القيام بأدوارهم على أكمل وجه ديناً ودنيا، مما يعود بالنفع على قضية الإسلام في المجال التطبيقي العملي عندما تسنح الفرص لذلك. ٢- هذه الدراسات ستمثل الزاد الرئيسي - إن لم يكن الوحيد - لإتمام وعي المسلمين عامة والدعاة خاصة بحقيقة الإسلام المراد تطبيقه مما يحُول دون الالتفاف حول إرادتهم واستغلال آمالهم من قِبَل بعض دجاجلة السياسة ومغامريها لتحقيق شهواتهم السلطوية. ٣- هذه الدراسات ستلعب دوراً رئيسياً وفعالاً في تربية الجيل المسلم الجدير بتأييد الله لأن التصورات الإسلامية في مجال المعاملات تعتمد على أحداث الواقع، وتتجدد الاستنباطات المتعلقة بها بتجدد جوانبها الواقعية، مما يعني أن جمودنا واعتمادنا على ما كُتب في عصور سالفة في بعض مسائل هذا المجال - هو من قبيل الخطأ العلمي [٨] ، كما أن بعض المسائل المتعلقة بالواقع - واقع الإنسان أو واقع الأشياء - في العبادات لا سيما القلبية منها تحتاج إلى تجديد فهمنا لها عبر النصوص الشرعية الملزمة مباشرة من منظور واقعنا الذي نعيشه يومياً لإحداث التكييف الشرعي اللازم في حياتنا حتى يمكننا الاستفادة منها إلى أقصى حد لتحقيق هدفها وهو تزكية النفس، ثم برضاء الله . ٤- ستؤدي هذه الدراسات إلى زيادة إيمان عامة المسلمين لتقديمها للنموذج المرجو من الحياة الإسلامية المعاصرة، مما يدفعهم لمعرفة حقيقة الإسلام وحقيقة الجاهلية المعاصرة؛ فيتميز الحق عن الباطل، ويزيد إيمانهم بالحق وهجرهم للباطل. ٥- سيؤدي عرض هذه الدراسات لتصورات الإسلام للحياة الدنيا إلى دفع المنصفين من غير المسلمين إلى البحث في الإسلام والتعرف عليه، ثم الإيمان به، كما سيدفع بعض أعضاء معسكرات المحاربة إلى معسكرات الحياد على الأقل، وسيخفف من حدة عداوة بعض الأعداء، وكل مكسب من هذه المكاسب لا يستهان به. ٦- إن هذه التصورات هي حجر الزاوية، بل هي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه أي بناء إسلامي مجتمعي وسياسي قادم؛ لأن مشكلة الأمة الإسلامية لا تكمن في غياب السيطرة السياسية للمسلمين بقدر ما هي أزمة التزام بالشرع ثم أزمة حضارية، فلابد من إصلاح كلا الجانبين بقدر غير يسير قبل قيام صرح المجتمع والدولة الإسلاميين. وأخيراً ... فإن كل نقطة من هذه النقاط جديرة بأن تفرد بالدراسة، فلعل الله يوفقنا إلى ذلك في مناسبة أخرى ونكتفي هنا بالإجمال خشية الإطالة ولكننا نختم مقالنا هذا بالتأكيد على الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة كعقيدة وأصول استنباط واستدلال وبحث مع إدراك حقيقة الواقع وتحدياته حتى نتجنب المزالق الحالية التي هي مظنة الوقوع فيها من قبل الكثيرين.

стр. 769

ماذا بعد موقعة الخليج ؟ ! محمد محمد بدري (تعودنا من أعدائنا تواضعاً لا حاجة لنا إلى شرح دوافعه الخبيثة، فنراهم لا يضعون توقيعهم على ما يصنعون، فهم يهيئون كل ما يقلب الوضع رأساً على عقب، يضعون القنبلة ثم ينسحبون بكل تواضع، تاركين لسواهم مهمة تفجيرها أمام العدسات الكبيرة وأجهزة الإعلام والإذاعة! ! فأعداؤنا يوظفون دائماً مَن يضع توقيعه على أعمالهم) . [١] أولاً: حتى لا نُخدَع: لابد أن نفكر في (الغد) بنفس الدرجة التي نفكر بها في (اليوم) هذه حقيقة. لكنا لابد أن نعلم أن هذا وذاك من كلا التفكيرين - لن يكون مؤدياً إلى الوعي الإسلامي الذي لا يُخدع إلا إذا كانت معطيات (الأمس) كلها أمام أنظارنا.. فمعطيات (الأمس) هي المقدمات لحقائق اليوم، وهذه الحقائق هي جذور المستقبل، ومن معطيات الأمس: دور النخبة العسكرية: كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود أعداء الإسلام - عن مواجهته جهرة إلى طرائق أخبث، وإلى حبائل أمكر.. لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيَّا بزي الإسلام، وتتمسح في العقيدة، ولا تنكر الدين جملة، ثم هي تحت هذا الستار الخادع - تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل [٢] . وهكذا ظهر في (اللعبة السياسية) عنصر جديد في حرب الإسلام هو (الانقلابات العسكرية) عن طريق شرذمة من العسكريين الذين أُشربوا في ... قلوبهم ثقافة الغرب وتربوا على يديه ونشأوا في كنفه ورعايته! ! يقوم هؤلاء (بثورة) لتخليص شعوبهم من الظلم إلى العدل ومن الاحتلال إلى الاستقلال - بزعمهم - فتتحقق معادلة الأعداء الشيطانية باستقلال سياسي شكلي وتغييرات اجتماعية محدودة مع تركيز السلطة في يد فرد مستبد لتكون النتيجة حكماً عسكرياً يقوم بتصفية الحركة الإسلامية. وقد قام الأعداء بصنع الكثيرين من زعماء النخبة، وكلما نفق منهم فرد دفعوا بالآخر إلى مسرح الأحداث. وقام أفراد (النخبة العسكرية) يثيرون في شعوبهم النعرة القومية، ويتحدون الغرب في الظاهر! ! ثم هم تحت هذا الستار الخداع ينفذون لأعداء الإسلام كل مخططاتهم. وفي الجانب الآخر قام هؤلاء (العملاء) بتخريب اقتصاديات بلادهم وأبقوا عليها في حالة فقر وتخلف وبالتالي تبعية للذين كانوا يستعمرونها! . ثم خرج زعماء النخبة العسكرية على شعوبهم بمقولات مفادها (الرضا بالأمر الواقع) و (التعايش مع الغرب) ! ! ويا لها من خدعة خبيثة مجملها (إثارة النعرات القومية وتخريب الاقتصاد ثم الوصول إلى الأمر الواقع ثم طلب التعايش مع الذين رفضتهم الشعوب وطلبت الاستقلال عنهم في فترة من الفترات) . وهكذا يعيد زعماء (النخبة العسكرية) البلاد الإسلامية هدية متواضعة لأسيادهم في الغرب، أولئك الأسياد الذين يَدين الانقلابيون - زعماء النخبة العسكرية - بالعبودية لهم. [٣] الحروب المصطنعة: (إمعاناً في الخداع والتضليل، وإمعاناً من الصهيونية العالمية ... والصليبية العالمية في التخفي، فإنها تثير حروباً مصطنعة باردة أو ساخنة، وعداوات مصطنعة في شتى الصور، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية، وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة! تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة، لتزيد من عمق الخدعة، ولتبعد الشبهة عن العملاء، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد) . [٤] وقائع ودروس وعبر الماضي تكشف لنا وجه الحقيقة وتعطينا المناعة السياسية إذا صح التعبير ضد الخداع والتضليل. (ففي عام ١٩٥٦ م قام وزير الخارجية الأمريكي دالاس بسحب عرض بناء السد العالي مما دفع النظام الناصري إلى تأميم القناة، وعلى أثرها قام الاستعمار الإنجليزي والفرنسي واليهودي بالاعتداء على مصر) . ثم ماذا؟ ثم تضغط أمريكا على إنجلترا وفرنسا و (إسرائيل) وتطالبهم بالانسحاب على هيئة قرار من الأمم المتحدة (متى كانت قرارات الأمم المتحدة تُحترَم؟ !) .. وتنسحب تلك الدول مع ضجة إعلامية ضخمة تعزو الانتصار إلى ذكاء القيادة السياسية، وتجمّل وجه أمريكا التي تعمل لصالح الأمم والشعوب الصغيرة! ! ثم ماذا؟ ثم بما أن النظام الناصري قد انتصر فإنه يمكنه ممارسة القمع بلا حدود.. فيضرب أساس الفكر الإسلامي، ويحاول استئصال كل أثر للإسلام في حياة الناس، ومطاردة كل مسلم حتى كان الناس يخافون أن يذهبوا إلى الصلاة. ومن بعد عبد الناصر جاء السادات وكانت حرب ١٩٧٣م وما إن بدأت الحرب حتى بدأت القيادة السياسية في تكبيل رجال القوات المسلحة، ثم تم اختراق تلك القوات من قبل العدو والدخول للضفة الغربية للقناة، وكان مما يدعو إلى العجب وقتها عدم ضرب ما يسمى (بالثغرة) ! ! .. ولكن وسط الضجة الإعلامية المضللة ظهر السادات في صورة (البطل) الذي هزم (إسرائيل) ولكنه لم يستطع هزيمة أمريكا! ! وأنه في سبيل إنقاذ الجيش الثالث سيقبل التسوية مما يعني الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها! ! وكان هذا هو بداية (تحريك القضية) و (تمرير) التسوية والذي استهدفته الإدارة الأمريكية من هذا النصر التكتيكي. [٥] فكان توقيع اتفاق كامب ديفيد وكان من الطبيعي جداً أن تضرب الحركة الإسلامية بلا هوادة لأنها هي المعوق الرئيسي أمام الاتفاقية والتطبيع، فكان ما كان من أحداث دامية واعتقالات واسعة للمسلمين! وهكذا (فعبور القناة مثَّل بالنسبة للسادات ما مثَّله التأميم بالنسبة لعبد الناصر: إنجاز ذو أهمية قصوى، يمنح النظام الشرعية المطلقة. وفي كلتا الحالتين فإن هذه الشرعية كانت تستخدم بالتالي لإخماد صوت المسلمين أو محاولة إخماده) [٦] وتتوالى الحرب المصطنعة من أعداء الإسلام لحلفائهم الذين يؤدون أدوارهم من داخل الحدود ويسحقون لهم الحق وأهله. حقيقة المعركة: من يدقق الطرف ويجيل النظر في تاريخ الاستعمار الحديث لبلادنا يعلم أن هدف المستعمرين محاربة الإسلام وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية. ويسرف في الخطأ من يعتقد أن عداوة اليهود وسائر أعداء الإسلام لنا، وحروبهم ضدنا ستتوقف إذا وجدت الأمم المتحدة حلاً لقضية فلسطين أو لبنان أو أريتريا أو غيرها. يسرف في الخطأ من يعتقد ذلك؛ لأنه يكون قد جهل أو تجاهل حقيقة أزلية أخبرنا بها رب العزة في محكم كتابه الكريم؛ حيث يقول : [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] ؛ فسيقاتلنا اليهود والنصارى والشيوعيون والمجوس وكل ملل الكفر، سيقاتلنا هؤلاء جميعاً مادمنا مسلمين. [٧] وليعد مَن شاء إلى قول سعد جمعة - في كتابه (أبناء الأفاعي) - أنه سمع بأذنيه تسجيلاً حياً لهُتاف الجماهير اليهودية حينما وصلت إلى (حائط المبكى) بعد احتلال القدس عام ١٩٦٧ وهي تصيح بهوس وجنون: (محمد مات وخلَّف البنات - اليوم انتهى محمد، اليوم قُضي على الإسلام!) [٨] ، فحقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة هي معركة العقيدة، ولكن معسكر الكفر يلونها بألوان شتى، ويرفع عليها أعلاماً شتى، في خبث ومكر وتورية. فهذا علم الاقتصاد، وذاك علم السياسة، والمراكز العسكرية، وغيرها. بينما معركة الأعداء معنا هي أولاً - وقبل كل شيء - لتحطيم تلك الصخرة العاتية التي نطحوها فأدمتهم جميعاً.. صخرة العقيدة. [٩] (والعالم الحر - المزعوم - هو الصليبية في حقيقة الأمر، وزعامة الصليبية تقع دائماً في يد الدولة الأقوى في العالم الصليبي، فحين كانت هي ... بريطانيا كانت زعامة الصليبية في يدها، ولما صارت هي أمريكا انتقلت الزعامة إليها بحكم الأمر الواقع) . [١٠] ولكن حقيقة المعركة هي معركة العقيدة، وحقيقة المؤامرة هي مؤامرة على العقيدة، وهي تتم يوماً بعد يوم؛ فعلينا أن لا نلبَس ثوب الغفلة تجاه هذه المعركة وتلك المؤامرة، حتى لا نُقاد كما تُقاد الأنعام. ثانياً: نظرة إلى الواقع: إن أوربا وأمريكا - أو بمعنى أدق (الغرب الصليبي) - لا يزال على صليبيته.. بل لقد ازدادت حدة هذه الصليبية في السنوات الأخيرة مع ظهور الصحوة الإسلامية التي يعتبرها الغرب الخطر المستقبلي عليه، ويدل على ذلك حرص الغرب على التواجد في المنطقة؛ يرصد تلك الصحوة عن كثب ويحاصرها .. بل ويتعاون مع الشرق في ذلك فتكون الصحوة الإسلامية هي إحدى قضايا قمة هلسنكي! ! ويدل على صليبية الغرب أيضاً ما يثار هذه الأيام في الإعلام الغربي حول أحداث الخليج واعتبارها (موقعة) مع الإسلام، وحديثهم عنها ليس فقط (كهدف) من أهدافهم بل (الهدف) .. و (نقطة الهدف) مع المسلمين. ونراهم يتحدثون من الآن عما يكون بعد (موقعة الخليج) من تركيب جديد لمنطقة يسمح لأمريكا أن تقوم بدور أكبر من الماضي كما صرح (بيكر) وزير الخارجية الأمريكي. وما هو أصرح من ذلك ما قاله (تشيني) وزير الدفاع: (إنني أعتقد أننا نكتب فصلاً جديداً في تاريخ القرن العشرين واستراتيجية جديدة وعلامات جديدة نتيجة ما يستهدف العالم من تطورات وعدم استقرار) ! ! كل ذلك وغيره كثير يؤكد من جديد أن الوفاق بين الشرق والغرب إنما هو (الوفاق ضد الإسلام) وأن معركتهم ضد الإسلام هي (حقيقة المعركة) . إن تدمير قوة (الأمة) وارجاعها إلى الوراء ولتنتهي حيث بدأت هو هدف من أهداف أعداء الإسلام، وقوة العراق كشعب مسلم أمر يخشاه هؤلاء الأعداء؛ ليس لأن صدام لا يسير في ركابهم - فهذا أمر لا شك فيه - ولكن لأن هذه القوة قد تصير يوماً لمن لا يسير في ركابهم! ! ولذلك فهم حريصون على تدميرها ويخططون لذلك من وقت بعيد فقد جاء في مقال نشر في صحيفة (كيفونيم) اليهودية - بتاريخ ١٤ من فبراير عام ١٩٨٢م: (وأما العراق فهو غني بالبترول، وفريسة لصراعات داخلية، وسيكون تفككه أهم بالنسبة لنا من تحلل سورية؛ لأن العراق يمثل على الأجل القصير أخطر تهديد لإسرائيل. وقيام حرب سورية عراقية سيساعد على تحطيم العراق داخلياً قبل أن يصبح قادراً على الانطلاق في نزاع كبير ضدنا) ! ! [١١] وهذا يجعلنا نتساءل هل يكون غزو الكويت هو تنفيذاً جزئياً لمخطط خارجي وهل تمتد المؤامرة إلى تقسيم وتمزيق العراق جغرافياً؟ ! ؛ لتدخل المنطقة مرحلة الدويلات الصغيرة؟ ! ! وفي ظل هذا الفهم.. هل يمكن اعتبار التصريحات القوية هي لون من ألوان (الحروب المصطنعة) التي تبعد الشبهة عن العملاء؟ ! وأخيراً.. فإن القوات الأمريكية التي جاءت باسم الحفاظ على الشرعية الدولية والقانون الدولي.. كان تدخلها سريعاً بل فائق السرعة وشديد الكثافة والتطور والقوة التدميرية وهو أمر قد يراد منه بث الرعب في نفوس المسلمين وإشعارهم (بالهزيمة الداخلية) والضعف عن مواجهة الغرب ومدافعته، وهو هدف بحد ذاته لأنه من يهزمه عدوه من داخله فإنه لا يبقى أمامه إلا أن يصفي الساحة من فلول عاجزة دون جهد أو تعب.. أمتنا اليوم: من الواجب على المسلم أن يرى الحياة من خلال واقعه وليس من خلال أمانيه، ولذلك فإنه من العبث أن نستغرق الوقت ونبذل الجهد في محاولة تجميل وتزيين لصورة واقعنا الذي نعيشه.. فواقع أمتنا اليوم لم يحدث من قبل، (لقد أحاط بنا عدونا وأرهقنا وأوصلنا إلى مرحلة الشتات والفرقة والهزيمة النفسية والاحباط.. بل والوهن والاستكانة وفقدان الانتماء للأمة وانعزال كل فرد في داخل نفسه وفي همه الفردي) ، ودخلت الأمة مرحلة (القصعة) وتداعت عليها الأمم، وأصابها النذير الذي حذرها منه رسول الله ﷺ . ولسنا نريد أن نساهم في صور اليأس والإحباط التي بلغت مداها في أمتنا اليوم، ولكنا نريد أن نؤكد أن واقعنا اليوم لا يخرج في حقيقته عن أن يكون نتيجة طبيعية للمقدمات التي صغناها بأيدينا، فنعرف حقيقة التحدي الذي يواجهنا ونجمع طاقاتنا النفسية والمادية لتبدأ عملية الإقلاع من جديد. ثالثاً: ماذا بعد موقعة الخليج؟ ! بعد ما ذكرناه من حقائق، وما كشفناه من مؤامرات، يواجهنا التساؤل الذي ... لا مفر منه والذي نعتقد أنه قفز ولا شك إلى ذهن القارئ، ما الذي يجب أن نفعله؟ ! كيف نواجه المؤامرة والمتآمرين، ونقطع دابر الغزاة المفسدين؟ ! كيف ننتقل بأمتنا من التبعية إلى الريادة؟ ومن الاستضعاف إلى التمكين؟ ومن الفرقة والضعف إلى الائتلاف والقوة؟ ! (أظلمكم وأظلم نفسي إذا زعمت أنني وحدي قادر على تحديد الجواب الكافي ... وتعيين الحل الشافي. أظلمكم وأظلم نفسي لأن القضية ليست قضيتي وحدي، وإنما هي قضية كل كاتب ومفكر وداعية ينتمي لأهل السنة والجماعة) . بل هي قضية كل مسلم من هذه الأمة، فالمسئولية عن الإسلام والمسلمين هي مسئولية كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على تفاوت في الدرجات بتفاوت الاستعدادات، والقدرات، والمواقع، والظروف. (فليشارك هؤلاء جميعاً في وضع الحلول الناجعة لأخطر مشكلة من مشكلات المسلمين في هذا العصر) . [١٢] وإذا كنت عاجزاً عن وضع الحلول لهذه المشكلة فلا أقل من توجيه نصيحة لإخواني المسلمين، لعلها تكون جزءاً من إطار هذا الحل. إحياء الأمة: لابد من الطريق الطويل الشاق البطيء الثمرة (لإحياء الأمة) التي تسند حكم الإسلام حين تقوم وتظل تسنده لكي يستمر في الوجود بعد أن تقوم. ويتم إحياء الأمة بدعوة التوحيد الواضحة على ما كان عليه القرون الثلاثة الأولى قبل تشعب الأهواء واختلاط العقائد. وذلك عبر مراحل: - (الانتصار للتوحيد) بتصحيح مفهوم العقيدة، وتخليصها مما شابها. - (ملء الفراغ الديني) بدعوة الناس إلى أن يقيموا حياتهم على قاعدة الإسلام. - (إحياء التوجه الإسلامي) بالانطلاق بهذا المفهوم انطلاقاً جاداً يتربى خلاله الأفراد على الأخلاق الإسلامية، وخط سير الإسلام في التعامل مع كل المعسكرات والمجتمعات البشرية، والعقبات التي كانت في طريقه ولا تزال تتزايد بشدة من معسكرات الأعداء. فلابد من (صفوة) تحمل الحق.. و (أمة) تحمي هذا الحق. (أمة) قامت على مرتكزات عقائدية ثابتة؛ فصار لها ولاء ثابت، وهوية ثابتة، وشخصية ثابتة، وتوجه ثابت. وهذه (الأمة) بتلك المواصفات هي التي تغلق - بعون الله - الطريق على عودة الانقلابيين من زعماء النخبة العسكرية في المستقبل، وبالتالي تخرج من التبعية للغرب. بل وتقتل طموح الغرب في هزيمة المسلمين. وهكذا نحن ننطلق من واقع [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] ؛ لنصل إلى مستقبل [اليَوْمَ يَئِسَ الَذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ] [المائدة: ٣] وذلك بحول الله وتوفيقه ثم بعملنا على (إحياء الأمة) . [١٣] الصف المرصوص: (من أبرز مشكلات العمل الإسلامي تفرق الجماعات العاملة في الساحة الإسلامية وتمزقها، وقيام بعضها بحرب بعض) [١٤] ، وبينما أمرنا خالقنا أن لا نختلف كما اختلف اليهود والنصارى؛ فقال : [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] . بينما أُمرنا بذلك يمثل واقعنا اليوم عجزنا عن تحقيق وحدة بين المسلمين كتلك الوحدة أو التعاون الذي حققه اليهود أو النصارى فيما بينهم.. وهذه هي الطامة الكبرى والبلية العظمى؛ فتعدد الاتجاهات إذا تحولت الى حزبية، وأهواء شخصية، ومنافع دنيوية خطر عظيم إذا كان المنتسبون إلى هذه الأحزاب من أهل السنة والجماعة!) (ولعل ما نعيشه من محنة تكون فرصة للعاملين في الحقل الإسلامي ليوقفوا التراشق فما بينهم وليعيدوا النظر في مهمتهم، ويدركوا أنهم يحملون أشرف دعوة ويعملون لأنبل غاية، فيوطنوا أنفسهم، ويعاهدوا الله أن يكونوا بمستوى إسلامهم وعصرهم فيتخلص العمل للإسلام من التمحور حول النفس والطواف حول الذات) . [١٥] ويدرك الجميع أنه لكي تظهر (الأمة) لابد من ترك الولاء الحزبي الضيق للجماعات المتفرقة، ولكي تظهر (التضحية) لابد من التخلي عن المكاسب الدنيوية .. فيتكون لدينا صف مرصوص يؤمن أن الأصل في حياة المسلمين هو الإسلام، وكل حركة من الحركات أو جماعة من الجماعات هي وسيلة لخدمته، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نضع الوسيلة في مستوى الغاية أو نعطيها مكانها، ونحلها محلها. إعداد العدة: هناك حقيقة أولية لابد أن نتيقَّنها ونحن نتحرك بالإسلام، وهي أن ما نسعى إليه من أهداف إنما يتحقق بجهودنا وفي حدود طاقاتنا الواقعية. فنحن مأمورون أن نتعامل مع سُنة الله الجارية وإن كنا لا نكف عن التطلع إلى رحمة الله في كل لحظة.. تلك السنة التي يقول عنها ربنا - في كتابه العزيز - [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] [الأنفال: ٦٠] ، وقال جل وعلا: [هُوَ الَذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالْمُؤْمِنِينَ] [الأنفال: ٦٢] . وإعداد العدة يشمل جوانب كثيرة، علمية وتربوية واقتصادية، وعسكرية.. وغيرها. فلابد من إعداد كل فرد في الأمة - إن استطعنا - إعداداً عقائدياً ونفسياً وتربوياً بحيث يراعي هذا الإعداد فرز (أُولي الألباب) لميادين القيادة وتوظيف الطاقات تبعاً لقدراتها العقلية واتجاهاتها النفسية واستعداداتها العملية بعيداً عن مؤثرات العلاقات والروابط الشخصية ومقاييس العصبية والإقليمية والطبقية. وفي إطار عمل عام يركز على العمل الجماعي وروح الفريق بدلاً من المبادرات الفردية، ثم تجسيد هذا العمل الجماعي في صورة مؤسسات متخصصة، فيكون لدينا مجموعتان: مجموعة فكرية ومجموعة تطبيقية. فأما المجموعة الفكرية فمهمتها ابتكار الاستراتيجيات اللازمة في جميع ميادين العمل وتطوير هذه الاستراتيجيات حسب متطلبات الزمان والمكان. وأما المجموعة التطبيقية فتكون مهمتها تنفيذ الجزء المتعلق بميدانها من الاستراتيجيات التي أفرزتها المجموعة الفكرية. ولا نود في هذا المكان الاسترسال في تفاصيل هذا الأمر فله موضعه، ولكنَّا نريد أن نقول إنه ما لم يتزاوج الإخلاص مع الاستراتيجية الصائبة في تعبية القوى البشرية في الأمة، وإعداد العدة التي أمرنا الله فإن مستقبلنا لن يحمل لنا إلا الكوارث المتلاحقة التي يرتكبها الطغاة الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة. حذارِ من اليأس: إلى كل المسلمين الذين تؤرقهم حال الأمة، وتقضّ مضاجعهم، أقول: إن الطريق إلى الخروج من أزمتنا سهل وميسور حين نقوم بإحياء الأمة وتوحيد الصفوف وإعداد العدة والسير في طريق التغيير. ومع ما نعيشه من واقع أليم (فنحن على يقين بأن الشدائد والمحن تصنع الرجال، وتبصر الأمة بأعدائها الحقيقيين، وأن اشتداد التحدي يصقل الرجال، ويقيم الحضارات، ويقضي على الخلايا الشائخة الأمة) . (وقد مر على المسلمين في تاريخهم أوضاع لا تقل سوءاً عن أوضاعنا المعاصرة.. وعندما قيض الله لهم من يقودهم تحت راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، ويقضي على الخونة تحولت هزيمة المسلمين إلى نصر وانحسارهم إلى مد) . (فالأمل في الله أكبر، والثقة في هذا الدين أعمق وهم يمكرون والله خير الماكرين) .

стр. 770

القوى العظمى تعد لحرب في الشرق الأوسط كحل للمسألة العربية بقلم: (Josef Brewda) مجلة (Eir Feature) بتاريخ ٢٠ من يوليو عام ١٩٩٠م (هذا المقال الذي ننشر ترجمة لبعض فقراته كُتب في مجلة أمريكية قبل ... أحداث الخليج، وفيه إشارات مهمة لبعض الأحداث التي يتوقعها الكاتب، وقد لا نوافقه في بعض توقعاته وبعض تحليلاته، ولكننا ننشر المقال لما فيه من النذر ... بالأخطار التي تهدد الأمة وخاصة من دولة يهود. وبعض نذرها قد هُيئت وندعو ... الله أن لا يتم ذلك، بل نقول: إن شاء الله لن يتم ذلك؛ لأن مقادير الأمم والدول ليست بيد هؤلاء كيف يشاؤون، فقد يخططون لشيء ولكن الرياح تجري بما لا يشتهونه) . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (التحرير) تخطط الحكومات البريطانية والأمريكية والسوفياتية لقيام حرب عربية - إسرائيلية جديدة في الشرق الأوسط، وذلك بهدف فرض ورعاية قيام تحالف عسكري سياسي بين (إسرائيل) وسورية حتى يصبح أمراً واقعاً وقوة لا تُبارَى في المنطقة، ولعل القناعة السائدة التي تدور في أذهان الساسة الأنجلو أمريكيين والسوفيات أن الحرب هي أفضل السبل لبناء مثل ذلك التحالف وتأسيسه كقوة إقليمية تهيمن على المنطقة، وبالرغم من الإشارات والدلالات المغايرة فإن ... السياسات الأنجلو أمريكية والسوفياتية ظلت تستهدف - ولفترة طويلة - قيام دولتي ... (إسرائيل) الكبرى وسورية الكبرى وتهيئتهما لتصيرا قوة إقليمية كبرى في منطقة ... الشرق الأوسط. إن قيام حرب شرق أوسطية على طاولة الأحداث لأمر يشير إليه تكوين مجلس الوزراء الإسرائيلي الأخير الذي ألفه رئيس الوزراء الإسرائيلي وزعيم الليكود إسحق شامير في الحادي عشر من يونيو الماضي، وما الحكومة الائتلافية الجديدة إلا حكومة حرب يسيطر عليها الجنرال أريئيل شارون وزير الإسكان، ورفاقه ديفيد ليفي وزير الخارجية، وإسحق موداعي وزير المالية، وموشي أرينز وزير الدفاع، وجميعهم توسعيون يرغبون في ضم الضفة الغربية المحتلة رسمياً وطرد السكان الفلسطينيين متى ما رأوا ذلك ممكناً. وبلا شك فإن شارون هو رجل النظام القوي وقد سبق له العمل كوزير دفاع في عام ١٩٨٢م، وقاد حينها عملية الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان. ورغم أن منصب شارون الحالي كوزير للإسكان قد يبدو في ظاهر الأمر ليس بالمهم إلا أنه ليس كذلك، هنا سيقوم شارون بالإشراف على توطين مئات الآلاف من اليهود السوفيات المهاجرين إلى (إسرائيل) ، وقد بدأ ذلك بالفعل منذ العام الماضي، هذا بالإضافة إلى قيامه بالإشراف على تنسيق وتسليح حركات الاستيطان اليهودية السرية التي تنتشر بين غلاة المستوطنين في الضفة الغربية، وستوكل لهؤلاء المتطرفين مهمة طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية. أزمة بترولية جديدة: بينما نعرف أن مقصد القوى العظمى الرئيسي من هذه الحرب هو تدعيم المحور السوري - الإسرائيلي، فإننا نجد كذلك أن القوى العظمى ترغب في أزمة بترولية جديدة كتلك التي حصلت في عام ١٩٧٣م، وذلك لأن ارتفاعاً سريعاً في أسعار النفط سيعطي السوفيات فائدة كبرى خاصة وهم يعتمدون على النفط ضمن بعض المنتجات القليلة الأخرى في توفير احتياجاتهم من العملات الصعبة، وسيؤدي هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار الزيت إلى جعْل تطوير وتنمية حقول الزيت البريطانية في بحر الشمال أمراً ذا جدوى اقتصادية مربحة، إلا أنه سيضع في نفس الوقت ضغوطاً هائلة على ألمانيا واليابان المستوردين للنفط. هذا وربما كان أحد أهداف هذه الحرب ومراميها هو خلق سابقة في استخدام الأسلحة الكيميائية والنووية، وهنا يجب ألا نتجاهل المؤسسات العنصرية السوفياتية والبريطانية والأمريكية التي تنظر بقلق شديد نحو التكاثر السكاني العربي، وتعتبر هذه الحرب الناشبة حرباً سكانية ذات تأثيرات مأساوية مفجعة خاصة ما يصيب منها السكان المدنيين عقب الحرب. والطريقة التي خطط بها الإنكليز والأمريكان الحرب الأهلية اللبنانية كوسيلة لتفتيت تلك الأمة - تقدم لنا نموذجا جزئياً أو مصغراً لطريقة تفكيرهم في استخدام الحرب كوسيلة لتخفيض عدد السكان. وفي هذا المجال يمكننا أن نطلق على هذه الحرب المدبرة (حرب الشمال والجنوب) . بدأت حكومة شامير الجديدة أعمالها باستهلال مفاوضات سرية مع السوريين توسطت فيها السفارة الأمريكية بدمشق، واستهدفت هذه المفاوضات التي بادرت بها (إسرائيل) التأكيد بأن سورية تعلم أنها لن تكون أحد أهداف الحرب الإسرائيلية العربية القادمة في الأساس، بالإضافة إلى تحديد الأهداف السورية الإسرائيلية المشتركة. هذا وقد كانت الأرضية المشتركة لهذه المفاوضات أن لإسرائيل وسورية نفس الأعداء كما أن لهما نفس الأصدقاء. ويحدد هؤلاء الأصدقاء والأعداء المشتركون الأهداف العسكرية بالإضافة إلى الطريقة التي قد تندلع بها الحرب، فمثلاً: منظمة التحرير الفلسطينية: وهذه لم يعد وجودها مرغوباً فيه سواء من قبل الولايات المتحدة، أو روسيا، أو (إسرائيل) وسورية، وأن عملية إسرائيلية محدودة في جنوب لبنان أثناء المرحلة الأولى من الحرب أو قبلها - لَكفيلة بإبادة جيش المنظمة (١٢) ألف رجل المتمركز في منطقة شرق صيدا. هذا وربما تقوم وحدات من الدروز - الذين تسيطر عليهم سورية في جنوب لبنان - بمساعدة القوات الإسرائيلية في إبادة جيش المنظمة. وحتى ولو لم تقم هذه الحرب في النهاية فإن نفس هذه (العمليات التنظيفية التي تقوم بها سورية و (إسرائيل) ستؤدي إلى اتفاق سلام إسرائيلي سوري منفرد بشكل رسمي ويتضمن نزع سلاح الجولان التي تحتلها (إسرائي) حالياً. العراق: يعتبر العراق واحداً من الدول الموجودة في المنطقة ولا تتناسب سياساتها مع السياسة الإقليمية الثنائية، ويقول الكثيرون إنه من المحتمل أن يكون العراق مكاناً لحرب شاملة. هذا ومن جهة أخرى قد تختار (إسرائيل) توجيه ضربة إلى حقول النفط في كركوك شمال العراق تتزامن مع انتفاضة كردية في الإقليم، وستوفر هذه الضربة ذريعة لزيادة جديدة في أسعار النفط وذلك أحد أهداف دعم بوش لخطة الحرب، بالإضافة إلى أنه أحد طموحات البريطانيين الذين يسيطرون على متمردي الأكراد. وجدير بالذكر أنه - ولزيادة الضغط على العراق - تقوم المخابرات البريطانية بمحاولات لإساءة العلاقات بين تركيا والعراق. الأردن: وصلت علاقات الأردن مع أمريكا إلى أدنى مستوى لها، وقد تذرع بوش في موقفه الخشن ضد الملك حسين بعلاقات الأخير الوثيقة مع صدام إلا أن السبب الحقيقي هو حل (المسألة الفلسطينية) نهائياً وإلى الأبد. من الممكن دوماً إيجاد ذريعة للحرب، وفي حالتنا هذه يمكن لإسرائيل بالتعاون مع سورية - صنع أحداث إرهابية فظيعة ضد السكان الإسرائيليين مما يبرر الحرب كرد فعل. وقد بُرر الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام ١٩٨٢م بذريعة مناسبة فقد وقعت محاولة لاغتيال دبلوماسي إسرائيلي في لندن وقامت بتنفيذها منظمة أبو نضال الإرهابية، وإنه لأمر بالغ السهولة أن تقوم (إسرائيل) بتنفيذ عمل إرهابي دموي كهذا ضد شعبها. وعند إلقاء نظرة عابرة على الصحافة الأمريكية والبريطانية نجد أن الأساس الدعائي للحرب قد تم بناؤه، وقد قامت وسائط الإعلام الغربية بالعزف على تهديدات صدام حسين لإسرائيل بينما قامت في نفس الوقت بإخفاء التهديدات الإسرائيلية لمختلف الدول العربية، وقد بدأ هذا السد الإعلامي منذ مارس الماضي بعد تنفيذ حكم الإعدام بالجاسوس الإسرائيلي البريطاني فارزاد بازوفت من قبل العراق. الصفقة الإسرائيلية السوفياتية السرية: في الحروب وأثناء الاستعداد لها هناك دائماً أدوار داخل أدوار، ولعل أبرز مثال على تلك الظاهرة في التطورات الجارية هو المفاوضات السرية الجارية الآن بين (إسرائيل) والسوفيات. وتأخذ هذه المفاوضات السرية شكلاً أكثر تحديداً من المفاوضات الجارية بين (إسرائيل) والولايات المتحدة. وتدور هذه المفاوضات حول المواضيع التالية: (١) التدفق المتواصل لليهود السوفيات على (إسرائيل) . (٢) التعاون الاستخباراتي بين (إسرائيل) والسوفيات في شرق أوربا وأمريكا الجنوبية. (٣) تقليل أو إنهاء الارتباطات الإسرائيلية السرية بالخاصرة الجنوبية لحلف الناتو. وقد وافق السوفيات الآن على جعل الإسرائيليين القوة العسكرية والاستخباراتية المهيمنة في المنطقة، واشترطوا لموافقتهم على الدور العسكري الإسرائيلي إنهاء ارتباط (إسرائيل) بحلف الناتو. أما موافقة موسكو على جعل (إسرائيل) القوة الاستخباراتية المهيمنة في المنطقة فيرجع إلى أن الروس سيكسبون كثيراً من المخابرات الإسرائيلية في شرق أوربا وأمريكا الجنوبية على وجه الخصوص. ومن الشخصيات المهمة التي ستلعب دوراً رئيسياً في هذا التنسيق الاستخباراتي ماركوس وولف الرئيس السابق للعمليات الخارجية في الاستخبارات الألمانية الشرقية، وسوف يتم تنسيق عمليات مشتركة خارج فنلندة والمجر بالاعتماد على ترتيبات يقوم بها تاجر الخمور سي جرام ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي إدجار برونغمان.

стр. 771

خبر وتعليق نشرت جريدة الحياة - في عددها الصادر بتاريخ ٩/١١/١٩٩٠م - الخبر التالي: (شهدت مدينة الإسكندرية هذا الأسبوع ولادة صرح علمي كبير، إنه الله جامعة الفرانكوفونية الإفريقية الدولية للناطقين باللغة الفرنسية، وقد شارك في افتتاحها رؤساء مصر وفرنسا والسنغال وزائير، وأطلق على الجامعة اسم الرئيس السنغالي السابق (ليوبولد سنغور) وهذه الجامعة تستقبل الدارسين من مختلف أنحاء العالم ليتم إعدادهم قادة للمستقبل يتولون مسؤولية إدارة المشاريع والشؤون الإفريقية خلال السنوات المقبلة) . تعليق: هكذا تخطط فرنسا ومَن تربى على أيديها مثل ليوبولد سنغور - يخططون للمستقبل البعيد، تكوين القيادات التي تتولى إدارة المشاريع الإفريقية وباللغة الفرنسية، وقد تبرعت فرنسا للجامعة بالأجهزة والمعدات العلمية والخبراء المتخصصين. فهل يفلح أغنياؤنا-يوماً من الدهر - بإقامة صرح علمي يخرّج قيادات دعوية وإدارية؟ ، هذه الأمنية التي تمناها يوماً الشيخ رشيد رضا ولم تتحقق حتى الآن. وإلى الله المشتكى.

стр. 772

ركن الأسرة حليب الأم.. مزايا لا تُعَدُّ د. محمد هليِّل عندما نركز جُل اهتمامنا على حليب الأم، وعندما نستحث الأمهات على إرضاع أطفالهن حليبهن فإننا ندعوهن إلى الفطرة؛ فهذا الحليب الذي أجراه الله في صدر المرأة ما خلقه الله عبثاً - تعالى الله - ولكن كما يقول - جل شأنه -[إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ] [القمر: ٤٩] ، ويقول كذلك: [فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ] [المرسلات: ٢٣] . إن الصيحات التي بدأت تتعالى في الغرب تزداد يوماً بعد يوم تهيب بالأمهات أن يعُدن إلى الرضاعة الطبيعية وأهمية حليب الأم بعد دراسات علمية كثيرة أكدت هذه الميزات، فعلينا أن نعتبر بهم ومنهم وألا نبدأ من حيث بدأوا، بل من حيث انتهوا. قبل أن نعرج على مزايا حليب الأم لابد أن ننوه أن جميع أنواع الحليب المتوفرة في السوق - إلا ما ندر - هي حليب حيواني المصدر، يؤخذ عادة من الأبقار وتُجرى عليه بعض التعديلات التي يحاول بها العلماء جاهدين مضاهاة حليب الأم. ومع هذا تظل هناك فروق قائمة بين الحليب المعدل (الحليب الصناعي) وحليب الأم. يطلق على الحليب المعدل اسم الحليب المُؤَنْسَن (Humanized) ... وهي تعني الحليب الذي يشابه حليب الإنسان. إن مزايا حليب الأم كثيرة نوجز بعضها في النقاط التالية: ١- مزايا في التركيب (النوعية) : ليس همنا أن نجهد ذهن القارئ بتفاصيل دقيقة عن الفرق بين حليب الأم والحليب المعدل ولكن الأمثلة التالية توضح الهدف من قصدنا: إن حليب الأم يختلف عن الحليب المعدل، حتى بعد إجراء التعديلات كافة عليه؛ فكمية البروتينات والأملاح في الحليب المعدل لا تزال أعلى بكثير منها في حليب الأم وهذه الزيادة ليست هي الزيادة المحمودة، فارتفاع كمية الأملاح يزيد من الجهد الواقع على كُلى الرضيع والوليد لطرح هذه الأملاح خارج الجسم. إن بعض الدراسات الطبية بدأت تحاول ربط ارتفاع ضغط الدم المجهول السبب - عند بعض الكبار -بزيادة كمية الأملاح المتناولة في الصغر، الا أن هذا الربط ليس قطعي الثبوت لحد الآن. مثال آخر: إن البروتينات الموجودة في الحليب المعدل هي أكبر كمية، وتختلف نوعية عن تلك التي في حليب الأم. فهي أعسر هضماً لما تكوّنه من خثارة كبيرة الحجم نسبياً في معدة الطفل الرضيع بعد تناوله الحليب المعدل، وهذا الحليب المتخثر أعسر هضماً وبالتالي فإن الطفل الرضيع (يُرْجِع) جزءاً كبيراً من الحليب المتناول، هذا كثيراً ما تشكو منه الأمهات اللاتي يرضعن أطفالهن حليباً معدلاً. أضف إلى ما سبق أن تناسب بعض الأملاح في حليب الأم - كالكلس والفسفور - هو تناسب مثالي، فعلى الرغم من أن كميتي الكلس والفسفور أقل في حليب الأم عنهما في الحليب المعدل، إلا أن نسبة الأول إلى الثاني هي نسبة مثلى تجعل امتصاص كل منهما عالياً جداً، فلا يعيق أحدهما امتصاص الآخر كما هو الحال في الحليب المعدل لاختلال النسبة بينهما. أما المثال الثالث: فإن حليب الأم يحتوي على مواد تساعد على امتصاص بعض المعادن الموجودة في الحليب - كالحديد مثلاً - بشكل كبير على الرغم من قلة كميته فيه، إذا ما قورن بالحليب المعدل الذي يحوي كمية أكبر ولكن الامتصاص أقل بكثير. ٢- النظافة والتعقيم: حليب الأم السليمة يخلو من أي جرثومة، وذلك أنه يتدفق من جسم الأم إلى فم الطفل فلا مجال لتلوثه. بعكس الحليب الذي يحضّر في عدة أوانٍ وبمر بعدة خطوات من غلي الماء، وتبريده، ومزج الحليب بالماء ... الخ وكل خطوة من هذه الخطوات قد تكون مصدراً من مصادر تلوث الحليب؛ لذا فإن معدل إصابة الأطفال الذين يتناولون مثل هذا الحليب - الذي يحتاج إلى عدة خطوات في التحضير والإعداد - عالٍ نسبياً، كما أن مجال الخطأ في كمية الحليب المضافة إلى الماء من زيادة أو نقص أمر وارد الحدوث عند تحضير الوجبة مما يضر بالرضيع في كلتا الحالتين. مهم جداً أن نتذكر أن حليب الأم يحوي مواد تمنع بشكل غير مباشر الإصابة بالالتهاب المعوي الحاد؛ لذا تندر إصابة الأطفال الذين يرضعون حليب أمهاتهم أن يصابوا بمثل هذه النزلات المعوية. ٣- مقاومة الأمراض: يحتوي حليب الأم المتدفق في الأيام الأولى بعد الولادة - حليب اللبأ - على كميات كبيرة من الأجسام المضادة والخلايا البيضاء والأنزيمات والخمائر وبعض البروتينات التي تقي الطفل كثيراً من الأمراض، وهذه الميزة مقتصرة على حليب الأم فقط. ٤- اليسر وسهولة التحضير: حليب الأم يسهل الحصول عليه، ولا يحتاج من الأم جهداً في التحضير - سواء في الليل أو النهار، داخل أو خارج البيت - يقارن هذا بالوقت والجهد اللازم لتحضير وجبة حليب مع ما يلزم من (معدَّات) التحضير، خصوصا خارج البيت، أو تحضير وجبة حليب لطفل جائع بعد منتصف الليل! إن حليب الأم يتدفق من جسم الأم إلى فم الطفل بدرجة حرارة مناسبة فلا يحتاج إلى تسخين. ٥- التكلفة الاقتصادية: إن التكلفة الاقتصادية الشهرية لعائلة ترضع طفلها حليباً حيوانياً معدلاً لا تقارَن بما تكلفه الرضاعة الطبيعية التي لا تكلف شيئاً إضافياً البتة. ٦- حليب الأم معقَّم ومعقِّم: حليب الأم يحتوي على مواد تعقم أمعاء الرضيع والوليد من الجراثيم الضارة كما أن حليب الأم يحمي الرضيع من الإمساك الذي ينتشر بين الأطفال الذين يتناولون حليباً معدلاً. ٧- حليب الأم يساعد الرضيع على الشبع بطريقة مضبوطة: إذ تزداد كمية الدهون في الجزء الأخير من حليب الأم المتدفق أثناء وجبة الرضاعة، وهذه الدهون التي تختلف نوعاً وكماً عنها في الحليب المعدل - تمنح الرضيع الشعور بالشبع. ٨- الراحة النفسية والإشباع العاطفي: إن الرضاعة الطبيعية تعطي الطفل شعوراً بالأمان أثناء حمل أمه له، وإرضاعها إياه، وهذا الترابط العاطفي يزداد بين الأم والطفل يوماً بعد يوم وهو مهم جداً في تكوين الطفل من الناحية العاطفية والسلوكية. ٩- التحسُّس: الأطفال الذين يتناولون حليباً معدلاً - حيواني المصدر - معرضون للإصابة بأمراض مقتصرة عليهم فقط مثل عدم احتمال حليب البقر أو الإصابة بالتحسس لحليب البقر. كما أن أمراضاً أخرى - كالأكزيما ومغص الرضع - أكثر شيوعاً عند مثل هؤلاء الأطفال. ١٠- حليب الأم أكثر أماناً وسلامة من الحليب المعدل: وذلك لتدني نسبة الأمراض التي قد تصيب الرضيع في الحالة الأولى عنها في الحالة الثانية. والأمراض التي قد تشيع بين الأطفال الذين يرضعون حليباً معدلاً هي: ١- الالتهابات المعوية الحادة والمتكررة. ٢- أمراض سوء التغذية. ٣- توقف النمو والهزال. ٤- لين العظام (الكساح) . ٥- بعض أنواع الجفاف (Hyperosmolar Dehyration) ٦- أمراض نقص الكلس مثل: (Neonatal Tetatny) ٧- سوء الامتصاص (Malabsorption) هذه مزايا الحليب الطبيعي ومردوده على الطفل الرضيع. أما الرضاعة الطبيعية - بالإضافة لهذا - فإنها تعود بالنفع على الأم وذلك: ١- يمنح الإرضاع الطبيعي الأم راحة نفسية وطمأنينة تغمرانها، ويسبغ عليها ثقة بنفسها تملأ عليها إحساسها باكتمال أنوثتها وأمومتها. ٢- أن الإرضاع كفيل - عند معظم النساء - بالعمل كإحدى وسائل منع الحمل طيلة فترة الرضاعة، وهذا يقي الأم من الإجهاد الناجم عن تكرار الحمل في فترة قصيرة. وهو أيضاً يعين الأسرة على تنظيم الإنجاب، كما أنه يعطي الطفل فرصة كافية من التغذية الجيدة من حليب الأم، والغذاء العادي، مما يقيه أمراض سوء التغذية. ومهم جداً أن نعلم أن المصادر الطبية تنصح بالرضاعة لمدة سنتين!! ٣- لقد أظهرت بعض الدراسات الطبية أن معدل إصابة النساء بسرطان الثدي أعلى عند النساء اللواتي لم يرضعن أطفالهن إذا ما قورنت بالمرضعات وهذه النسبة تقل كلما ازدادت معدلات الإرضاع. ٤- أن الإرضاع في الأيام الأولى - التي تلي المخاض - يساعد الأم على وقف نزيف دم الولادة، وذلك أن الرضاعة تحث الغدة النخامية على إفراز مواد تزيد من انقباض عضلات الرحم مما يمنع النزف. إننا لم نقصد بذكر هذه المميزات أن نحصرها بل على سبيل التذكير، وإن كنا قد ألقينا الضوء على بعض التفصيلات التي اقتضاها المقام لإعطاء فكرة أكثر وضوحاً. * يتبع *

стр. 773

امرأة وموقف أم حبيبة .. ﵂ مؤمنة الشلبي مؤمنة قانتة، مهاجرة صابرة، عرف الإيمان طريقه إلى قلبها فعاشت له وتحملت في سبيله العذاب والتنكيل.. هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب. جمعت ﵂ إلى رفعة النسب والحسب، الغنى الوافر، والعقل الراجح، تزوجها عبيد الله بن جحش؛ فأسلمت معه وهاجرت إلى الحبشة واعتصمت بدينها حين ارتد، فقضت أيامها في ديار الهجرة بين عذابين: عذاب الغربة، وعذاب الترمل.. ولكنها - وبإيمانها الذي سكن جوارحها فأضاءها - استطاعت أن تصمد في وجه المحنة بكل صبر وعزيمة.. إلى أن خطبها رسول الله ﷺ من النجاشي (ملك الحبشة) الذي أكمل هذا الزواج المبارك بين سيد البشر وبين المرأة المؤمنة الصابرة، التي عوضها الله بصبرها عن زوجها الهالك برسول الله ﷺ فأقامت في بيته زوجة مخلصة، تقدر مسؤوليتها، وتحرص على إسعاد زوجها الكريم وطاعته. ولأم المؤمنين أم حبيبة ﵂ مواقف كثيرة مشرقة في حياتها تعتبر أمثلة ونماذج حية لكل الدعاة إلى الله، نختار من بينها ذلك الموقف الجريء العظيم، الذي تتجلى فيه مظاهر الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الطواغيت، ومن كل مشرك لا يؤمن بالله، وإن كان أقرب قريب. الموقف: ذكر ابن سعد - في كتابه (الطبقات) - أنه لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة، فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية، فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقام ودخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - طوته دونه فقال: يا بنية أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله، وأنت امرؤ نجس ومشرك، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله. فقال: (يا بنية، لقد أصابك بعدي شر) ! ، ثم خرج. تحليل الموقف: وهكذا قُدر لأم حبيبة ﵂ أن تواجه والدها بعد فراق دام سنوات منذ أن أسلمت وفرّت بدينها إلى الحبشة، وأذهلتها المفاجأة ... حتى أنها لم تدرِ ما تقول ... بل كيف تستقبل والدها سيد قريش وزعيمها المطاع ... ولعل أبا سفيان قدر الموقف والتمس لابنته العذر، إذ لم تستقبله، ولم تدْعُه للجلوس، فتقدم بنفسه ليجلس على البساط المفروش في ركن الحجرة ... وفجأة تعود المؤمنة إلى هدوئها لتتصرف أمام هذا الحدث بكل رباطة جأش وعقيدة راسخة، لا مجاملة فيها ولا محاباة، لتطوي البساط المتواضع، قبل أن تدوس عليه أقدام الشرك والطغيان المتمثلة في أبيها آنذاك، ووقف أبو سفيان حائراً إزاء ما فعلته ابنته، فسألها: هل كان طيك للفراش لأنك لا ترغبين أن أجلس عليه لسبب ما؟ ! أم أنك طويته لأنك ترين أنه فراش لا يليق بمكانة أبيك؟ ؟ وأجابت أم المؤمنين بثبات، وثقة، واستعلاء إيمان، غير جازعة من سلطان سيد قريش وجبروته، قائلة: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك ونجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله. ولم يكن من أبي سفيان - وهو يسمع هذه الكلمات القاسية التي لم يكن يتصور على الإطلاق أن تتفوه بها ابنته - إلا أن كبح جماح غضبه فقد تذكر المهمة التي جاء من أجلها، وقال لها - وهو يتميز من الغيظ -: (لقد أصابك يا بنية بعدي شر) ، ثم خرج غاضباً؛ ليبحث عن شفيع آخر ليتابع مهمته ... ولكن أنَّى للكفر أن يجد له شفيعاً بين هؤلاء المؤمنين الذين تغلغل حب الله ورسوله في نفوسهم ... فلم تعد تخدعهم المظاهر الجوفاء ولا القوى والاعتبارات التي تتعبد الناس في الجاهلية. وكم نحن بحاجة ماسة - ونحن في غمرات الفتن العظيمة والأحداث السريعة المتلاحقة - لترسيخ عقيدة الولاء والبراء في النفوس؛ حتى لا يتكالب أعداء هذا الدين عليه من كل حدب وصوب، طامعين في إطفاء نور الله بكل الوسائل المتاحة لهم ... هدفهم الأول والأخير تشويه صورة الولاء والبراء، وفسخ ولاء المسلم لدينه وإخوانه المؤمنين وزعزعة برائه وعداوته للكفار، عن طريق نشر الدعوات الهدامة بأسماء براقة من قومية، ووطنية، وعالمية ... وأفلح الاستعمار في تكوين جيل يرفض العمل تحت لواء الإسلام ويستحي من الانتساب إليه وأصبح عوناً لأعداء هذا الدين وقدم ولاءه وتبعيته لهؤلاء. وهنا نتساءل.. أين فتيات عصرنا - المبهورات بفتنة الغرب المتمردات على حياة الزوجية - من أم حبيبة التي لم تعرف صلة إلا صلة الإسلام، ولم تعرف ولاءً إلا لله ورسوله، ولم تعلم براءً إلا من الكفر والشرك؟ ! ! أين فتياتنا ونساؤنا اللاتي انخدعن بالحياة الدنيا وزينتها وشهواتها؛ فغمر قلوبهن وران عليها حب المال والشهوات.. من تلك المؤمنة التي غمر قلبها حب الله وحب رسوله فلم يبقَ فيه إلا تلك المحبة الطاهرة؟ ! أين أنتن يا مَن ترتعد فرائصكن خوفاً وذعراً من البوح بكلمة الحق ... من تلك التي ضنت بفراش رسول الله ﷺ عن أبيها، وقالت له تلك الكلمة القاسية وهو الذي لم تسمع منه إلا طيب الكلام وأحسنه؟ ! شتان ما بين حال فتياتنا الضائعات المشغولات بالتافه من الأمور، وحال تلك الصفوة المباركة من أمهات المؤمنين، والصحابيات الجليلات، والمؤمنات اللاتي أشرقت قلوبهن بنور الله؛ فلم يتلكأن في طاعة الله ورسوله، والبراء من كل معصية لهما..... ... أما آن الأوان لنسائنا وفتياتنا أن يتحلين بتلك الصفات ويمددن أياديهن ... للمساهمة في بناء صرح الإيمان؟ ، ألم يأنِ لقلوبهن أن تصبح عامرة بحب الله وحب رسوله؟ . إن هذا لن يكون إلا بالبراءة من كل منهج وتشريع غير منهج الإسلام، والبراءة من كل فكر يناقض هذه العقيدة التي كانت سبب ظهور الرعيل الأول من النساء المؤمنات.

стр. 774

نسخة من الإنجيل لكل إنسان ! حسن الليدي كتبت مجلة (وورلد مونيتور) الشهرية - الصادرة عن مؤسسة (كريستيان ساينس مونيتور) في عددها لشهر ديسمبر عام ١٩٩٠م وتحت عنوان (عقود الإنجيل) - تقول: (إن أعجب زيادة في توزيع الإنجيل حصلت في فترة قريبة هي ... تلك التي تمت في الاتحاد السوفييتي، ففي خلال عامين - وبالتحديد من يوم أن كتب) هارفي كوكس (مقالته في عدد مجلتنا الأول في يناير عام ١٩٨٨م والتي كانت حول ندوة الأناجيل في روسيا - تم توزيع ملايين النسخ مجاناً على الناس هناك. وإذا ما أخذنا في الاعتبار التوزيعات التي قامت بها مؤسسة (جمعيات الإنجيل المتحدة) في الفترة التي تلتها، نجد أنه في مقابل ٢٢٠٠٠ نسخة وزعتها المؤسسة عام ١٩٨٠م تم توزيع ٢٢٧. ٧٧٥ في عام ١٩٨٩م و٥٩٦. ٢٠٠ نسخة حتى منتصف هذا العام (١٩٩٠م) . وهذه المؤسسة هي عبارة عن ائتلاف بين (١١٠) جمعية في إطار لغاية واحدة هي: (إيصال الكتاب المقدس لكل إنسان على الأرض) . كما نشرت المجلة أيضاً خريطة بيانية لأرقام التوزيعات في عامي ١٩٧٠م و١٩٨٩م وهي عبارة عن إحصاءات لجهود المؤسسة السالفة الذكر للتوزيعات المجانية دون اعتبار التوزيع التجاري (حيث إن ذلك خارج عن نطاق عمل المؤسسة) . ومجموع هذه التوزيعات يشير إلى أن العدد قد تضاعف ثلاث مرات على الأقل خلال العقدين الماضيين (٥١٥٩٠٢٢ عام ١٩٧٠م - ١٥٦٨٦٠٤٠ عام ١٩٨٩م) وذلك في مختلف بلاد العالم ما عدا الصين؛ حيث تمنع الحكومة عمل المبشرين، ومع ذلك فقد تجاوز عدد الأناجيل المباعة تجارياً فيها أربعة ملايين نسخة منذ عام ١٩٨٠م. وتوضح الخريطة الإحصائية كذلك تزايد التوزيعات في كثير من البلاد العربية والإسلامية كمصر والسودان والأردن والخليج العربي وبنغلاديش، وتشير الأرقام المدرجة مثلاً إلى أن حجم التوزيع قد تضاعف أربع مرات في كل من الباكستان ومصر خلال العشرين عاماً الماضية. وتضيف المجلة ( ... وعدد نسخ الإنجيل الي تمت طباعتها ... من يوم أن اكتشف الإنسان الطباعة الآلية يزيد على (٣) مليارات نسخة) ! . ولا يحتاج خبر مثل هذا إلى كثير إيضاح أو إطالة تعليق! فالذي لا ريب فيه أن الباطل يقظان وأهله جادون فيما يريدون. والكفر تعمل أجهزته في بلاد عربية وغير عربية جهاراً نهاراً على التشكيك في الإسلام وطمس حقائقه والتشويش على عقول من استطاعوا من أتباعه. ولسنا نقصد التهويل من شأن الباطل وما يفعلون، لكن القرآن يعلّمنا أن سنة الله هي أنه لا قيام للباطل إلا في غياب الحق وعند غفلة أهله [وقُلْ جَاء الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] [الإسراء: ٨١] ، وهذا بيت القصيد. فبرغم ما نرى من بشائر الصحوة الأكيدة ومن إنجازات مباركة في كثير من المجالات إلا أن مضاعفة الجهود وتطويرها كماً وكيفاً أصبحت أمراً لا يمكن القبول بأي تهاون فيه، ونحن نعيش في عالم أصبح يرى في الصحوة الإسلامية خطراً يعيقه ويهدد مصالحه. ومطلوب من الدعاة إلى الله - الذين يناط بهم أمر رفع راية الإسلام والتعريف به ونشره - أن يأخذوا أنفسهم بشيء من الجد في هذا السبيل، وأن يكون لهم في جهود أهل الباطل ومثابرتهم درس وعبرة، فإنه من المهانة أن لا نكون أقدر على الحركة بحقنا ونصرته والإقناع به من دعاة الباطل الذين يركبون فيه الصعب والذلول.

стр. 775

بأقلام القراء حياة القلوب عبد السلام بن محمد الحمدان لابد للداعية في هذه الحياة المليئة بالفتن والمصائب أن يخلو بنفسه وأن يلتفت إليها حتى لا يخسرها - بعد ذلك - وتكون عبئاً ثقيلاً عليه. فإذا تدارك الداعية نفسه فلم يهملها وعالجها في وقتها يكون قلبه حياً ويصبح أمره سهلاً. وعجيب أمر القلب! ! فهو لا يثبت على حال أبداً وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلبه ... فكل شيء يؤثر فيه! ! وكل أمر يغير منه بقدر ... إذاً فلابد من تعاهده والمحافظة على استقامته وإصلاح هفواته ولهواته ... وأول سبب لحياة القلب هو الاستجابة لله ولرسوله ... ففيها حياة للقلب.. وحياة للنفس وحياة للمجتمع كله.. [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ] [الأنفال: ٢٤] . يقول سيد قطب ﵀ في هذه الآية: إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة، وبكل معاني الحياة.. إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهام الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء.. ويدعوهم إلى شريعة من عند الله تعلن (تحرر) الإنسان وتكريمه بصدورها عن الله وحده، ووقوف البشر كلهم صفاً متساوين في مواجهتها، لا يتحكم فرد في شعب، ولكنهم ينطلقون كلهم أحراراً متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب العباد. ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، لتقرير ألوهية الله - سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس وتحطيم ألوهية العبيد المدَّعاة ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله وحاكميته وسلطانه؛ حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده، وعندئذ يكون الدين كله لله. حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة. ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسول ﷺ وهو دعوة إلى الحياة بكل معاني الحياة.. بكل صورها وأشكالها، وفي كل مجالاتها ودلالاتها. والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ] استجيبوا له طائعين مختارين وإن كان الله - سبحانه - قادراً على قهركم على الهدى لو أراد: [واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ] . ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة..! [يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ] ؛ فيفصل بينه وبين قلبه، ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه، ويصرّفه كيف شاء، ويقلبه كما يريد. وصاحبه لا يملك منه شيئاً وهو قلبه الذي بين جنبيه! إنها صورة رهيبة حقاً يتمثلها القلب في النص القرآني، ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس! إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم، والاحتياط الدائم. اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته، والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقاً، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس.. والتعلق الدائم بالله - سبحانه - مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته، أو غفلة من غفلاته، أو دفعة من دفعاته.. ولقد كان الرسول ﷺ وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه: (اللهم يا مقلب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك) .. فكيف بالناس وهم غير مرسلين ولا معصومين؟ ! ومما يعين على حياة القلب: دوام ذكر الله فنعم الزاد الذي كان يتغذى به الصالحون وينعم به العارفون كما قال ابن تيمية ﵀: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ ! . هذه غدوتي! يقول ابن القيم: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله - تعالى - إلى قرب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: (هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء لسقطت قوتي) ، أو كلاماً قريباً من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر) .. فمتى كان القلب حياً.. كانت صلته بالله - تعالى - أعظم وأقوى ... والقلب الموصول بالله دائماً هو الذي لا يشغله عن ذكره شاغل ولا يلهيه عنه لاهٍ.. ففي كل أمر يذكر الله - تعالى -.. في نومه وانتباهه.. وأكله وشربه.. ودخوله وخروجه.. وجلوسه وقعوده.. وجميع أمور حياته.. [الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِمْ] [آل عمران: ١٩١] . فهذه هي الحياة الحقيقة.. حياة القلوب.. لا حياة الجسد وحده.. فكم من حي ميت وكم من ميت حي.. مَن هو القدوة؟ ! (فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر؟ أو هو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ ! فإن كان الحاكم عليه الهوى وهو من أهل الغفلة، وأمره فُرُط، لم يُعتدّ به ولم يتبعه فإنه يقوده إلى الهلاك؛ قال : [ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً] [الكهف: ٢٨] .
следующие страницы →