خبر وتعليق
نشرت جريدة الحياة - في عددها الصادر بتاريخ ٩/١١/١٩٩٠م - الخبر
التالي:
(شهدت مدينة الإسكندرية هذا الأسبوع ولادة صرح علمي كبير، إنه الله جامعة الفرانكوفونية الإفريقية الدولية للناطقين باللغة الفرنسية، وقد شارك في افتتاحها رؤساء مصر وفرنسا والسنغال وزائير، وأطلق على الجامعة اسم الرئيس السنغالي السابق (ليوبولد سنغور) وهذه الجامعة تستقبل الدارسين من مختلف أنحاء العالم ليتم إعدادهم قادة للمستقبل يتولون مسؤولية إدارة المشاريع والشؤون الإفريقية خلال السنوات المقبلة) .
تعليق:
هكذا تخطط فرنسا ومَن تربى على أيديها مثل ليوبولد سنغور - يخططون
للمستقبل البعيد، تكوين القيادات التي تتولى إدارة المشاريع الإفريقية وباللغة
الفرنسية، وقد تبرعت فرنسا للجامعة بالأجهزة والمعدات العلمية والخبراء
المتخصصين.
فهل يفلح أغنياؤنا-يوماً من الدهر - بإقامة صرح علمي يخرّج قيادات دعوية
وإدارية؟ ، هذه الأمنية التي تمناها يوماً الشيخ رشيد رضا ولم تتحقق حتى الآن.
وإلى الله المشتكى.
стр. 772
ركن الأسرة
حليب الأم.. مزايا لا تُعَدُّ
د. محمد هليِّل
عندما نركز جُل اهتمامنا على حليب الأم، وعندما نستحث الأمهات على
إرضاع أطفالهن حليبهن فإننا ندعوهن إلى الفطرة؛ فهذا الحليب الذي أجراه الله في
صدر المرأة ما خلقه الله عبثاً - تعالى الله - ولكن كما يقول - جل شأنه -[إنَّا
كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ] [القمر: ٤٩] ، ويقول كذلك: [فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ]
[المرسلات: ٢٣] .
إن الصيحات التي بدأت تتعالى في الغرب تزداد يوماً بعد يوم تهيب بالأمهات
أن يعُدن إلى الرضاعة الطبيعية وأهمية حليب الأم بعد دراسات علمية كثيرة أكدت
هذه الميزات، فعلينا أن نعتبر بهم ومنهم وألا نبدأ من حيث بدأوا، بل من حيث
انتهوا.
قبل أن نعرج على مزايا حليب الأم لابد أن ننوه أن جميع أنواع الحليب
المتوفرة في السوق - إلا ما ندر - هي حليب حيواني المصدر، يؤخذ عادة من
الأبقار وتُجرى عليه بعض التعديلات التي يحاول بها العلماء جاهدين مضاهاة حليب
الأم.
ومع هذا تظل هناك فروق قائمة بين الحليب المعدل (الحليب الصناعي)
وحليب الأم. يطلق على الحليب المعدل اسم الحليب المُؤَنْسَن (Humanized) ...
وهي تعني الحليب الذي يشابه حليب الإنسان.
إن مزايا حليب الأم كثيرة نوجز بعضها في النقاط التالية:
١- مزايا في التركيب (النوعية) :
ليس همنا أن نجهد ذهن القارئ بتفاصيل دقيقة عن الفرق بين حليب الأم
والحليب المعدل ولكن الأمثلة التالية توضح الهدف من قصدنا:
إن حليب الأم يختلف عن الحليب المعدل، حتى بعد إجراء التعديلات كافة
عليه؛ فكمية البروتينات والأملاح في الحليب المعدل لا تزال أعلى بكثير منها في
حليب الأم وهذه الزيادة ليست هي الزيادة المحمودة، فارتفاع كمية الأملاح يزيد من
الجهد الواقع على كُلى الرضيع والوليد لطرح هذه الأملاح خارج الجسم.
إن بعض الدراسات الطبية بدأت تحاول ربط ارتفاع ضغط الدم المجهول
السبب - عند بعض الكبار -بزيادة كمية الأملاح المتناولة في الصغر، الا أن هذا
الربط ليس قطعي الثبوت لحد الآن.
مثال آخر: إن البروتينات الموجودة في الحليب المعدل هي أكبر كمية،
وتختلف نوعية عن تلك التي في حليب الأم. فهي أعسر هضماً لما تكوّنه من خثارة
كبيرة الحجم نسبياً في معدة الطفل الرضيع بعد تناوله الحليب المعدل، وهذا الحليب
المتخثر أعسر هضماً وبالتالي فإن الطفل الرضيع (يُرْجِع) جزءاً كبيراً من الحليب
المتناول، هذا كثيراً ما تشكو منه الأمهات اللاتي يرضعن أطفالهن حليباً معدلاً.
أضف إلى ما سبق أن تناسب بعض الأملاح في حليب الأم - كالكلس
والفسفور - هو تناسب مثالي، فعلى الرغم من أن كميتي الكلس والفسفور أقل في
حليب الأم عنهما في الحليب المعدل، إلا أن نسبة الأول إلى الثاني هي نسبة مثلى
تجعل امتصاص كل منهما عالياً جداً، فلا يعيق أحدهما امتصاص الآخر كما هو
الحال في الحليب المعدل لاختلال النسبة بينهما.
أما المثال الثالث: فإن حليب الأم يحتوي على مواد تساعد على امتصاص
بعض المعادن الموجودة في الحليب - كالحديد مثلاً - بشكل كبير على الرغم من
قلة كميته فيه، إذا ما قورن بالحليب المعدل الذي يحوي كمية أكبر ولكن
الامتصاص أقل بكثير.
٢- النظافة والتعقيم:
حليب الأم السليمة يخلو من أي جرثومة، وذلك أنه يتدفق من جسم الأم إلى
فم الطفل فلا مجال لتلوثه. بعكس الحليب الذي يحضّر في عدة أوانٍ وبمر بعدة
خطوات من غلي الماء، وتبريده، ومزج الحليب بالماء ... الخ وكل خطوة من
هذه الخطوات قد تكون مصدراً من مصادر تلوث الحليب؛ لذا فإن معدل إصابة
الأطفال الذين يتناولون مثل هذا الحليب - الذي يحتاج إلى عدة خطوات في
التحضير والإعداد - عالٍ نسبياً، كما أن مجال الخطأ في كمية الحليب المضافة إلى
الماء من زيادة أو نقص أمر وارد الحدوث عند تحضير الوجبة مما يضر بالرضيع
في كلتا الحالتين.
مهم جداً أن نتذكر أن حليب الأم يحوي مواد تمنع بشكل غير مباشر الإصابة
بالالتهاب المعوي الحاد؛ لذا تندر إصابة الأطفال الذين يرضعون حليب أمهاتهم أن
يصابوا بمثل هذه النزلات المعوية.
٣- مقاومة الأمراض:
يحتوي حليب الأم المتدفق في الأيام الأولى بعد الولادة - حليب اللبأ - على
كميات كبيرة من الأجسام المضادة والخلايا البيضاء والأنزيمات والخمائر وبعض
البروتينات التي تقي الطفل كثيراً من الأمراض، وهذه الميزة مقتصرة على حليب
الأم فقط.
٤- اليسر وسهولة التحضير:
حليب الأم يسهل الحصول عليه، ولا يحتاج من الأم جهداً في التحضير -
سواء في الليل أو النهار، داخل أو خارج البيت - يقارن هذا بالوقت والجهد اللازم
لتحضير وجبة حليب مع ما يلزم من (معدَّات) التحضير، خصوصا خارج البيت، أو تحضير وجبة حليب لطفل جائع بعد منتصف الليل!
إن حليب الأم يتدفق من جسم الأم إلى فم الطفل بدرجة حرارة مناسبة فلا
يحتاج إلى تسخين.
٥- التكلفة الاقتصادية:
إن التكلفة الاقتصادية الشهرية لعائلة ترضع طفلها حليباً حيوانياً معدلاً لا
تقارَن بما تكلفه الرضاعة الطبيعية التي لا تكلف شيئاً إضافياً البتة.
٦- حليب الأم معقَّم ومعقِّم:
حليب الأم يحتوي على مواد تعقم أمعاء الرضيع والوليد من الجراثيم الضارة
كما أن حليب الأم يحمي الرضيع من الإمساك الذي ينتشر بين الأطفال الذين
يتناولون حليباً معدلاً.
٧- حليب الأم يساعد الرضيع على الشبع بطريقة مضبوطة:
إذ تزداد كمية الدهون في الجزء الأخير من حليب الأم المتدفق أثناء وجبة
الرضاعة، وهذه الدهون التي تختلف نوعاً وكماً عنها في الحليب المعدل - تمنح
الرضيع الشعور بالشبع.
٨- الراحة النفسية والإشباع العاطفي:
إن الرضاعة الطبيعية تعطي الطفل شعوراً بالأمان أثناء حمل أمه له،
وإرضاعها إياه، وهذا الترابط العاطفي يزداد بين الأم والطفل يوماً بعد يوم وهو
مهم جداً في تكوين الطفل من الناحية العاطفية والسلوكية.
٩- التحسُّس:
الأطفال الذين يتناولون حليباً معدلاً - حيواني المصدر - معرضون للإصابة
بأمراض مقتصرة عليهم فقط مثل عدم احتمال حليب البقر أو الإصابة بالتحسس
لحليب البقر. كما أن أمراضاً أخرى - كالأكزيما ومغص الرضع - أكثر شيوعاً
عند مثل هؤلاء الأطفال.
١٠- حليب الأم أكثر أماناً وسلامة من الحليب المعدل:
وذلك لتدني نسبة الأمراض التي قد تصيب الرضيع في الحالة الأولى عنها في
الحالة الثانية. والأمراض التي قد تشيع بين الأطفال الذين يرضعون حليباً معدلاً
هي:
١- الالتهابات المعوية الحادة والمتكررة.
٢- أمراض سوء التغذية.
٣- توقف النمو والهزال.
٤- لين العظام (الكساح) .
٥- بعض أنواع الجفاف (Hyperosmolar Dehyration)
٦- أمراض نقص الكلس مثل: (Neonatal Tetatny)
٧- سوء الامتصاص (Malabsorption)
هذه مزايا الحليب الطبيعي ومردوده على الطفل الرضيع. أما الرضاعة
الطبيعية - بالإضافة لهذا - فإنها تعود بالنفع على الأم وذلك:
١- يمنح الإرضاع الطبيعي الأم راحة نفسية وطمأنينة تغمرانها، ويسبغ
عليها ثقة بنفسها تملأ عليها إحساسها باكتمال أنوثتها وأمومتها.
٢- أن الإرضاع كفيل - عند معظم النساء - بالعمل كإحدى وسائل منع
الحمل طيلة فترة الرضاعة، وهذا يقي الأم من الإجهاد الناجم عن تكرار الحمل في
فترة قصيرة. وهو أيضاً يعين الأسرة على تنظيم الإنجاب، كما أنه يعطي الطفل
فرصة كافية من التغذية الجيدة من حليب الأم، والغذاء العادي، مما يقيه أمراض
سوء التغذية. ومهم جداً أن نعلم أن المصادر الطبية تنصح بالرضاعة لمدة سنتين!!
٣- لقد أظهرت بعض الدراسات الطبية أن معدل إصابة النساء بسرطان
الثدي أعلى عند النساء اللواتي لم يرضعن أطفالهن إذا ما قورنت بالمرضعات وهذه
النسبة تقل كلما ازدادت معدلات الإرضاع.
٤- أن الإرضاع في الأيام الأولى - التي تلي المخاض - يساعد الأم على
وقف نزيف دم الولادة، وذلك أن الرضاعة تحث الغدة النخامية على إفراز مواد
تزيد من انقباض عضلات الرحم مما يمنع النزف.
إننا لم نقصد بذكر هذه المميزات أن نحصرها بل على سبيل التذكير، وإن
كنا قد ألقينا الضوء على بعض التفصيلات التي اقتضاها المقام لإعطاء فكرة أكثر
وضوحاً.
* يتبع *
стр. 773
امرأة وموقف
أم حبيبة .. ﵂
مؤمنة الشلبي
مؤمنة قانتة، مهاجرة صابرة، عرف الإيمان طريقه إلى قلبها فعاشت له
وتحملت في سبيله العذاب والتنكيل.. هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر
بن حرب.
جمعت ﵂ إلى رفعة النسب والحسب، الغنى الوافر،
والعقل الراجح، تزوجها عبيد الله بن جحش؛ فأسلمت معه وهاجرت إلى الحبشة
واعتصمت بدينها حين ارتد، فقضت أيامها في ديار الهجرة بين عذابين: عذاب
الغربة، وعذاب الترمل.. ولكنها - وبإيمانها الذي سكن جوارحها فأضاءها -
استطاعت أن تصمد في وجه المحنة بكل صبر وعزيمة.. إلى أن خطبها رسول
الله ﷺ من النجاشي (ملك الحبشة) الذي أكمل هذا الزواج
المبارك بين سيد البشر وبين المرأة المؤمنة الصابرة، التي عوضها الله بصبرها
عن زوجها الهالك برسول الله ﷺ فأقامت في بيته زوجة
مخلصة، تقدر مسؤوليتها، وتحرص على إسعاد زوجها الكريم وطاعته.
ولأم المؤمنين أم حبيبة ﵂ مواقف كثيرة مشرقة في حياتها
تعتبر أمثلة ونماذج حية لكل الدعاة إلى الله، نختار من بينها ذلك الموقف الجريء
العظيم، الذي تتجلى فيه مظاهر الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من
الطواغيت، ومن كل مشرك لا يؤمن بالله، وإن كان أقرب قريب.
الموقف:
ذكر ابن سعد - في كتابه (الطبقات) - أنه لما قدم أبو سفيان بن حرب
المدينة جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة، فكلمه
أن يزيد في هدنة الحديبية، فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقام
ودخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي - صلى الله عليه
وسلم - طوته دونه فقال: يا بنية أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت:
بل هو فراش رسول الله، وأنت امرؤ نجس ومشرك، ولم أحب أن تجلس على
فراش رسول الله.
فقال: (يا بنية، لقد أصابك بعدي شر) ! ، ثم خرج.
تحليل الموقف:
وهكذا قُدر لأم حبيبة ﵂ أن تواجه والدها بعد فراق دام
سنوات منذ أن أسلمت وفرّت بدينها إلى الحبشة، وأذهلتها المفاجأة ... حتى أنها لم
تدرِ ما تقول ... بل كيف تستقبل والدها سيد قريش وزعيمها المطاع ... ولعل أبا
سفيان قدر الموقف والتمس لابنته العذر، إذ لم تستقبله، ولم تدْعُه للجلوس، فتقدم
بنفسه ليجلس على البساط المفروش في ركن الحجرة ... وفجأة تعود المؤمنة إلى
هدوئها لتتصرف أمام هذا الحدث بكل رباطة جأش وعقيدة راسخة، لا مجاملة فيها
ولا محاباة، لتطوي البساط المتواضع، قبل أن تدوس عليه أقدام الشرك والطغيان
المتمثلة في أبيها آنذاك، ووقف أبو سفيان حائراً إزاء ما فعلته ابنته، فسألها: هل
كان طيك للفراش لأنك لا ترغبين أن أجلس عليه لسبب ما؟ ! أم أنك طويته لأنك
ترين أنه فراش لا يليق بمكانة أبيك؟ ؟
وأجابت أم المؤمنين بثبات، وثقة، واستعلاء إيمان، غير جازعة من سلطان
سيد قريش وجبروته، قائلة: بل هو فراش رسول الله ﷺ
وأنت رجل مشرك ونجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله.
ولم يكن من أبي سفيان - وهو يسمع هذه الكلمات القاسية التي لم يكن يتصور
على الإطلاق أن تتفوه بها ابنته - إلا أن كبح جماح غضبه فقد تذكر المهمة التي
جاء من أجلها، وقال لها - وهو يتميز من الغيظ -: (لقد أصابك يا بنية بعدي شر) ، ثم خرج غاضباً؛ ليبحث عن شفيع آخر ليتابع مهمته ... ولكن أنَّى للكفر أن يجد له شفيعاً بين هؤلاء المؤمنين الذين تغلغل حب الله ورسوله في نفوسهم ... فلم تعد تخدعهم المظاهر الجوفاء ولا القوى والاعتبارات التي تتعبد الناس في الجاهلية.
وكم نحن بحاجة ماسة - ونحن في غمرات الفتن العظيمة والأحداث السريعة
المتلاحقة - لترسيخ عقيدة
الولاء والبراء في النفوس؛ حتى لا يتكالب أعداء هذا الدين عليه من كل
حدب وصوب، طامعين في إطفاء نور الله بكل الوسائل المتاحة لهم ... هدفهم
الأول والأخير تشويه صورة الولاء والبراء، وفسخ ولاء المسلم لدينه وإخوانه
المؤمنين وزعزعة برائه وعداوته للكفار، عن طريق نشر الدعوات الهدامة بأسماء
براقة من قومية، ووطنية، وعالمية ...
وأفلح الاستعمار في تكوين جيل يرفض العمل تحت لواء الإسلام ويستحي من
الانتساب إليه وأصبح عوناً لأعداء هذا الدين وقدم ولاءه وتبعيته لهؤلاء.
وهنا نتساءل.. أين فتيات عصرنا - المبهورات بفتنة الغرب المتمردات على
حياة الزوجية - من أم حبيبة التي لم تعرف صلة إلا صلة الإسلام، ولم تعرف
ولاءً إلا لله ورسوله، ولم تعلم براءً إلا من الكفر والشرك؟ ! !
أين فتياتنا ونساؤنا اللاتي انخدعن بالحياة الدنيا وزينتها وشهواتها؛ فغمر
قلوبهن وران عليها حب المال والشهوات.. من تلك المؤمنة التي غمر قلبها حب
الله وحب رسوله فلم يبقَ فيه إلا تلك المحبة الطاهرة؟ !
أين أنتن يا مَن ترتعد فرائصكن خوفاً وذعراً من البوح بكلمة الحق ... من
تلك التي ضنت بفراش رسول الله ﷺ عن أبيها، وقالت له
تلك الكلمة القاسية وهو الذي لم تسمع منه إلا طيب الكلام وأحسنه؟ !
شتان ما بين حال فتياتنا الضائعات المشغولات بالتافه من الأمور، وحال تلك
الصفوة المباركة من أمهات
المؤمنين، والصحابيات الجليلات، والمؤمنات اللاتي أشرقت قلوبهن بنور
الله؛ فلم يتلكأن في طاعة الله ورسوله، والبراء من كل معصية لهما..... ...
أما آن الأوان لنسائنا وفتياتنا أن يتحلين بتلك الصفات ويمددن أياديهن ...
للمساهمة في بناء صرح الإيمان؟ ، ألم يأنِ لقلوبهن أن تصبح عامرة بحب
الله وحب رسوله؟ .
إن هذا لن يكون إلا بالبراءة من كل منهج وتشريع غير منهج الإسلام،
والبراءة من كل فكر يناقض هذه العقيدة التي كانت سبب ظهور الرعيل الأول من
النساء المؤمنات.
стр. 774
نسخة من الإنجيل لكل إنسان !
حسن الليدي
كتبت مجلة (وورلد مونيتور) الشهرية - الصادرة عن مؤسسة (كريستيان
ساينس مونيتور) في عددها لشهر ديسمبر عام ١٩٩٠م وتحت عنوان (عقود الإنجيل) - تقول:
(إن أعجب زيادة في توزيع الإنجيل حصلت في فترة قريبة هي ... تلك التي تمت في الاتحاد السوفييتي، ففي خلال عامين - وبالتحديد من يوم أن كتب) هارفي كوكس (مقالته في عدد مجلتنا الأول في يناير عام ١٩٨٨م والتي كانت حول ندوة الأناجيل في روسيا - تم توزيع ملايين النسخ مجاناً على الناس هناك.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار التوزيعات التي قامت بها مؤسسة (جمعيات الإنجيل
المتحدة) في الفترة التي تلتها، نجد أنه في مقابل ٢٢٠٠٠ نسخة وزعتها المؤسسة
عام ١٩٨٠م تم توزيع ٢٢٧. ٧٧٥ في عام ١٩٨٩م و٥٩٦. ٢٠٠ نسخة حتى
منتصف هذا العام (١٩٩٠م) . وهذه المؤسسة هي عبارة عن ائتلاف بين (١١٠)
جمعية في إطار لغاية واحدة هي: (إيصال الكتاب المقدس لكل إنسان على الأرض) .
كما نشرت المجلة أيضاً خريطة بيانية لأرقام التوزيعات في عامي ١٩٧٠م
و١٩٨٩م وهي عبارة عن إحصاءات لجهود المؤسسة السالفة الذكر للتوزيعات
المجانية دون اعتبار التوزيع التجاري (حيث إن ذلك خارج عن نطاق عمل
المؤسسة) . ومجموع هذه التوزيعات يشير إلى أن العدد قد تضاعف ثلاث مرات
على الأقل خلال العقدين الماضيين (٥١٥٩٠٢٢ عام ١٩٧٠م - ١٥٦٨٦٠٤٠ عام
١٩٨٩م) وذلك في مختلف بلاد العالم ما عدا الصين؛ حيث تمنع الحكومة عمل
المبشرين، ومع ذلك فقد تجاوز عدد الأناجيل المباعة تجارياً فيها أربعة ملايين
نسخة منذ عام ١٩٨٠م. وتوضح الخريطة الإحصائية كذلك تزايد التوزيعات في
كثير من البلاد العربية والإسلامية كمصر والسودان والأردن والخليج العربي
وبنغلاديش، وتشير الأرقام المدرجة مثلاً إلى أن حجم التوزيع قد تضاعف أربع
مرات في كل من الباكستان ومصر خلال العشرين عاماً الماضية.
وتضيف المجلة ( ... وعدد نسخ الإنجيل الي تمت طباعتها ... من يوم أن اكتشف الإنسان الطباعة الآلية يزيد على (٣) مليارات نسخة) ! .
ولا يحتاج خبر مثل هذا إلى كثير إيضاح أو إطالة تعليق!
فالذي لا ريب فيه أن الباطل يقظان وأهله جادون فيما يريدون. والكفر تعمل
أجهزته في بلاد عربية وغير عربية جهاراً نهاراً على التشكيك في الإسلام وطمس
حقائقه والتشويش على عقول من استطاعوا من أتباعه. ولسنا نقصد التهويل من
شأن الباطل وما يفعلون، لكن القرآن يعلّمنا أن سنة الله هي أنه لا قيام للباطل إلا
في غياب الحق وعند غفلة أهله [وقُلْ جَاء الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ
زَهُوقاً] [الإسراء: ٨١] ، وهذا بيت القصيد. فبرغم ما نرى من بشائر الصحوة
الأكيدة ومن إنجازات مباركة في كثير من المجالات إلا أن مضاعفة الجهود
وتطويرها كماً وكيفاً أصبحت أمراً لا يمكن القبول بأي تهاون فيه، ونحن نعيش في
عالم أصبح يرى في الصحوة الإسلامية خطراً يعيقه ويهدد مصالحه. ومطلوب من
الدعاة إلى الله - الذين يناط بهم أمر رفع راية الإسلام والتعريف به ونشره - أن
يأخذوا أنفسهم بشيء من الجد في هذا السبيل، وأن يكون لهم في جهود أهل الباطل
ومثابرتهم درس وعبرة، فإنه من المهانة أن لا نكون أقدر على الحركة بحقنا
ونصرته والإقناع به من دعاة الباطل الذين يركبون فيه الصعب والذلول.
стр. 775
بأقلام القراء
حياة القلوب
عبد السلام بن محمد الحمدان
لابد للداعية في هذه الحياة المليئة بالفتن والمصائب أن يخلو بنفسه وأن يلتفت
إليها حتى لا يخسرها - بعد ذلك - وتكون عبئاً ثقيلاً عليه. فإذا تدارك الداعية
نفسه فلم يهملها وعالجها في وقتها يكون قلبه حياً ويصبح أمره سهلاً. وعجيب أمر
القلب! ! فهو لا يثبت على حال أبداً وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلبه ... فكل
شيء يؤثر فيه! ! وكل أمر يغير منه بقدر ... إذاً فلابد من تعاهده والمحافظة على
استقامته وإصلاح هفواته ولهواته ...
وأول سبب لحياة القلب هو الاستجابة لله ولرسوله ... ففيها حياة للقلب..
وحياة للنفس وحياة للمجتمع كله.. [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ]
[الأنفال: ٢٤] .
يقول سيد قطب ﵀ في هذه الآية: إنها دعوة إلى الحياة بكل
صور الحياة، وبكل معاني الحياة.. إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول،
وتطلقها من أوهام الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن العبودية
لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء..
ويدعوهم إلى شريعة من عند الله تعلن (تحرر) الإنسان وتكريمه بصدورها
عن الله وحده، ووقوف البشر كلهم صفاً متساوين في مواجهتها، لا يتحكم فرد في
شعب، ولكنهم ينطلقون كلهم أحراراً متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب
العباد.
ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، لتقرير ألوهية الله - سبحانه - في
الأرض وفي حياة الناس وتحطيم ألوهية العبيد المدَّعاة ومطاردة هؤلاء المعتدين
على ألوهية الله وحاكميته وسلطانه؛ حتى يفيئوا إلى حاكمية
الله وحده، وعندئذ يكون الدين كله لله. حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان
لهم في الشهادة حياة.
ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسول ﷺ وهو دعوة إلى
الحياة بكل معاني الحياة.. بكل صورها وأشكالها، وفي كل مجالاتها ودلالاتها.
والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ]
استجيبوا له طائعين مختارين وإن كان الله - سبحانه - قادراً على قهركم على
الهدى لو أراد: [واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ] .
ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة..! [يَحُولُ بَيْنَ
المَرْءِ وقَلْبِهِ] ؛ فيفصل بينه وبين قلبه، ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه،
ويصرّفه كيف شاء، ويقلبه كما يريد. وصاحبه لا يملك منه شيئاً وهو قلبه الذي
بين جنبيه!
إنها صورة رهيبة حقاً يتمثلها القلب في النص القرآني، ولكن التعبير البشري
يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس! إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم، والاحتياط الدائم.
اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته، والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل
مخافة أن يكون انزلاقاً، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس.. والتعلق
الدائم بالله - سبحانه - مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته، أو غفلة
من غفلاته، أو دفعة من دفعاته.. ولقد كان الرسول ﷺ وهو
رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه: (اللهم يا مقلب القلوب ثَبِّتْ قلبي على
دينك) .. فكيف بالناس وهم غير مرسلين ولا معصومين؟ !
ومما يعين على حياة القلب: دوام ذكر الله فنعم الزاد الذي كان
يتغذى به الصالحون وينعم به العارفون كما قال ابن تيمية ﵀: الذكر
للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ ! .
هذه غدوتي!
يقول ابن القيم: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس
يذكر الله - تعالى - إلى قرب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: (هذه
غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء لسقطت قوتي) ، أو كلاماً قريباً من هذا. وقال لي
مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر) ..
فمتى كان القلب حياً.. كانت صلته بالله - تعالى - أعظم وأقوى ... والقلب
الموصول بالله دائماً هو الذي لا يشغله عن ذكره شاغل ولا يلهيه عنه لاهٍ.. ففي كل
أمر يذكر الله - تعالى -.. في نومه وانتباهه.. وأكله وشربه.. ودخوله وخروجه.. وجلوسه وقعوده.. وجميع أمور حياته.. [الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وقُعُوداً
وعَلَى جُنُوبِهِمْ] [آل عمران: ١٩١] .
فهذه هي الحياة الحقيقة.. حياة القلوب.. لا حياة الجسد وحده.. فكم من حي
ميت وكم من ميت حي..
مَن هو القدوة؟ !
(فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر؟ أو هو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ ! فإن كان الحاكم عليه الهوى وهو من أهل الغفلة، وأمره فُرُط، لم يُعتدّ به ولم يتبعه فإنه يقوده إلى الهلاك؛
قال : [ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً] [الكهف: ٢٨] .
стр. 776
مقتطفات
التقوى: قال ثابت البناني: قال أبو عبيدة: (يا أيها الناس إني امرؤ من
قريش وما منكم من أحمر ولا أسود يفضُلني بتقوى، إلا وَدِدتُّ أني في مسلاخه) . [١] ...
... ... ... ... ... ... ... ... (سير أعلام النبلاء ١/١٨)
الإنفاق: عن سعدى بنت عوف المرية قالت: " دخلت على طلحة يوماً وهو
خاثر [٢] ، فقلت: ما لك؟ ! لعلك رابك من أهلك شيء؟ ، قال: لا والله، ونِعم
حليلة المسلم أنت، ولكن مال عندي قد غمني، فقلت: ما يغمك؟ ، عليك بقومك،
قال: يا غلام! ادعُ لي قومي فقسِّمْه فيهم، فسألت الخازن: كم أعطى؟ قال:
أربع مئة ألف.
... ... ... ... ... ... (سير أعلام النبلاء، ١/٣٢)
تضييع القرآن والعمل به
عن جيلان بن أبي الجلد قال: (لا يذهب الليل والنهار حتى يَخْلق هذا القرآن
في قلوب رجال كمثل الثوب البالي الذي يتهافت، لا يجدون حلاوة له ولا لذة. إن
ترك أحدهم بعض ما أمر به تال: إن الله غفور رحيم! وإن ركب بعض ما نهي
عنه قال: إنه سيغفر لي إني لا أشرك! كل أمرهم إلى الطمع، وليس معهم من
الخوف شيء، خيرهم في أنفسهم المداهن) .
... ... ... ... ... ... (الكُنَى والأسماء للدولابي، ١/٤٠)
المجاهدة: قال ثابت بن أسلم: (كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها
عشرين سنة) .
... ... ... ... ... ... ... (النبلاء، ٥/٢٢٤)
الإخلاص: عن سعد بن إبراهيم قال: مروا على رجل يوم القادسية، وقد
قُطعت يداه ورجلاه، وهو يفحص، وهو يقول [مَعَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً] [النساء: ٦٩] ؛ قال: فقال: مَن أنت يا عبد الله؟ قال: " أنا امرؤ من الأنصار ".
... ... ... ... ... (أخرجه ابن أبي شيبة ١٥٥٩٧/١٥٥٨٩)
هلاك الناس بذهاب العلماء: قال هلال بن خباب أبو العلاء: سألت سعيد بن جبير، قلت: يا أبا عبد الله ما علامة هلاك الناس؟ قال: (إذا هلك علماؤهم) . ...
... ... ... ... (أخرجه ابن أبي شيبة ١٩٠٥٣، وأبو نعيم ٤/٢٧٦)
إعداد: عبد العزيز بن محمد
مازال أصحاب الطاقات المبدعة، وأصحاب الأقلام الصادقة يكتبون لأنفسهم،
حتى نرى للكتابة أناس ينفثون سمومهم، ويسمونه أدباً [وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي
الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ] [البقرة: ١١] ، فمتى يرتب المخلصون أوراقهم
المتناثرة؟ ، ومتى نرى كلماتهم الصادقة وتوجيهاتهم المنيرة؟ ، ولماذا لا يدفعون
زكاة علمهم وأدبهم؟ ؛ فإن آلاف الكلمات التي كتبها المرتزقة قد تصدها كلمة
صادقة من قلب غيور.
صالح حسن
стр. 777
غيرة لله
أم زياد
المدينة المنورة
في هذه الأيام وجد من يتجرأ على الإسلام وأهله، فيتكلم عن الحجاب وإبعاد
المرأة المسلمة عنه ليحفظ لها مكانتها، ونقول لهؤلاء رويدكم يا أدعياء التقدم، لقد
تطاولتم، وتعديتم حدودكم، وأعلنتم الحرب على الله ورسوله والمسلمين.
ومن كان هذا دأبه فإننا سوف نحاربه، ولن نغفل عنه، طالما أننا رضينا
بالحجاب ستراً وحفظاً للمرأة؛ لأن هذا هو ديننا الذي لن نتخلى عنه مدى الحياة،
فأربعوا على أنفسكم، وكفافكم نعيقاً؛ فإن نور لا إله إلا الله لم ينطفئ بعد، ونعدكم
أنكم كلما نعقتم فإننا سوف نعلن حرباً عليكم، فلا تتمادوا في غيكم. ويا أيها الناس
اعلموا أن هؤلاء أدعياء ضلال لا تقدم وإلا فإن لكل ساقطة لاقطة.
стр. 778
للعلماء والدعاة
فهيد عبد الله المطيري
قد تكون الأحداث التي تعصف بالمنطقة فرصة مواتية لخروج بعض
الإفرازات المتوقعة في المستقبل القريب.
والسبب الذي يدفعني لهذا الظن هو أن مشكلة الخليج حدث خارج عن حدود
التوقعات المحلية في بدايتها، وكذلك خارج حدود التوقعات في نهايتها، لا أشك في
أنها ستنتهي طال الزمان أو قصر. لكنها لن تنتهي إلا وقد أفرزت أحداثاً غير
متوقعة أيضاً. ربما بقانون (النتيجة تتبع المقدمات) ، وربما لأن هذه الإفرازات
فيها بُعد عن الواقع السياسي إلى حد مما يستدعي الغفلة عنها.
إن هذه المشكلة لم تنشئ هذه الإفرازات ابتداءً، لكنها قد تهيئ لها ظرفاً مناسباً
للبروز على السطح من خلال الدعوات المعروفة والمتعلقة بالديمقراطية، والمرأة،
والعلمانية، وغيرها.
وعلى ذلك فإني أوجه دعوة للعلماء والدعاة الإسلاميين ألا يكونوا بعيدين عن
تفاصيل الأحداث، أثناء هذه المشكلة وبعدها، بل عليهم أن يقتربوا منها أكثر مما
عداها وذلك لأمور:
الأول: أن الأحداث قد تفرض بعض النظم الإدارية، وهذا النظام لابد له من
دراسة وتمحيص وبكل دقة. ولابد من التروي في استيعاب هذا العمل استيعاباً تاماً
وعميقاً.
الثاني: أن هذه النظم إذا أثبتت صلاحيتها شرعاً لابد لمن ينخرط فيها من
رؤية شرعية واضحة، وحكمة سلوكية تبعث على الثقة والانشراح.
الثالث: قد تُستغل هذه الأمور من قبل بعض الانتهازيين والوصوليين،
فيبدأون بطرح أفكارهم المشوشة، وهم - كما عهدناهم - لا تعجزهم الحيلة من
التذرع بأي فكرة أو موقف ليبرروا تلك الأفكار بما يضفي عليها شيئاً من الشرعية
المقبولة.
على أية حال يجب ألا يشغلنا هذا الواقع عن دراسة مشكلة الخليج برؤيتنا
نحن، وعقولنا نحن، بعد تجميع أطرافها ومراجعة أصولها القديمة وإفرازاتها
المستقبلة. فلابد من ربطها بما يشاهد سياسياً وإدارياً وفكرياً؛ لكي نعلم مدى ارتباط
هذه الأفكار بالمشكلة، ثم لنجيب على هذا السؤال: هل أُريِدَ من وراء هذه المشكلة
خلق جو مناسب لهذه الأفكار؟
في الحقيقة سنتساءل وسنجد حلاً ولو ساذجاً مؤقتاً، ولكن يجب ألا نقول: (هذا واقع اتفاقاً، وهذا كان صدفة) .
стр. 779
الصفحة الأخيرة
إنصافاً للصحافة العربية
عبد القادر حامد
القول بأن الصحافة العربية لا تصور واقع العرب أصدق تصوير بعيد عن
الدقة ... فمَن يقول ذلك خيالي يكاد يطلب المستحيل؛ إذ يعتقد أن على الصحافة أن
تعكس واقع هذه الجموع المكدسة، بينما هي مجرد جموع خالية من الفاعلية والتأثير.
إن الحقيقة التي لا مرية فيها أن هناك اتحاداً واندماجاً بين هذه الصحافة وبين
القلة التي تنطق باسمها، فهي صحافة نُخَب وليست صحافة جماهير، وإن ادعى
بعض القائمين عليها غير ذلك، فهذا ادعاء لا يغير من الحقيقة شيئاً؛ ولذلك فإن
هذه الصحافة صادقة في نقل واقع مَن تنطق باسمه كل الصدق، (إذا أردنا بالصدق: انطباق الوصف على الواقع، لا المعنى الشرعي المفهوم من قوله تعالى:
[وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] [التوبة: ١١٩] ) . وهي سجل أمين، سواء سكتت أو
نطقت، لأن سكوتها عن أشياء هو إفصاح من جهة أخرى، فإذا وجدنا أنها لاذت
بالصمت على أمر نعتقد - نحن الجموع المكدسة - أنه لا يحسن السكوت عليه
فكأنها تقول لنا: مهلاً يا قوم، لا تحمّلوني ما لا أطيق، لقد ألجمني لجام الرغبة
والرهبة، فقد نشأت في حِجر مَن غذاني ورعاني؛ فكُتابي ربتهم مدارسه،
ومناهجه وبعثاته، وورقي وحبري من خزائنه، واشتراكاتي وإعلاناتي - التي
تحفظ عليَّ حياتي - قائمة على موظفي دواوينه وشركاته! ؛ فكيف تظنون أنني
أقوى على إنكار كل هذا الفضل وجحود كل هذا المعروف، فأتكلم عن صغائر
أصحاب الدواوين وأذكرهم بما يكرهون؟ ! ، ألا تعلمون أن ذلك غيبة والله نفَّر من
الغيبة أبلغ تنفير؟ ! هل تُراكم لم تقرأوا ما كُتب عن جزاء المعروف: عرفاناً أو
جحوداً في الأدب العربي؟ ! ، لو نطقت الصحافة العربية لقالت: نحن نعكس واقعاً
حياً على عُجَره وبُجَره، وأنتم يا ناس - أيها الجموع المكدسة - أموات غير أحياء
لا تدرون أيان تُبعثون!
стр. 780
رجب - ١٤١١هـ
فبراير - ١٩٩١م
(السنة: ٥)
стр. 781
الافتتاحية
دفاع عن المنهج
(٢)
عندما ندافع عن منهج (أهل السنة) في النظر والاستدلال وفي طريقة التفكير، وفي مصادر المعرفة، إنما نفعل ذلك لاعتقادنا الراسخ أنه لا يوجد منهج غيره
يوصل إلى أهداف الإسلام، فالمنهج الكلامي الاعتزالي يوصل إلى الجدل،
والمناظرات والردود، وتأليف الكتب الجافة، ويظن أهله أنهم إذا حرروا هذا
التعريف أو ذاك المصطلح فإن البشرية تسعد في حياتها، وشبيه بهؤلاء من يعيش
بعيداً عن هموم الدعوة ومشاكل الناس ويؤلف الكتب الضخمة في الحلول النظرية.
وأما منهج الصوفية الذي يعتمد على الذوق والعرفان والخيالات والرؤى فهو أبعد
وأضعف من أن يؤدي إلى إعمار الأرض والتمكين فيها كما يريد الله منا، ولذلك
كانت أعظم معجزة للرسول ﷺ هي معجزة القرآن «ما من
الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما الذي أوتيته
وحياً أوحاه الله إليَّ، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم
القيامة» [١ /١٣٤] .
إن منهج أهل السنة هو الذي يؤدي إلى تقدم المسلمين ونهضتهم وعزهم؛ لأنه
منهج يفضل العمل على الكلام، والتطبيق على النظري. وقد فقه الإمام مالك -
﵀ هذا المنهج عن التابعين والصحابة فقال: «لا أحب علماً ليس تحته
عمل» وقال مسروق: (سألت أبيّ بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد (هل وقع)
قلت: لا، قال: فأجمّنا (أرحنا) حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا) [١] .
والصحابة فهموا هذا من منهج القرآن [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ
لِلنَّاسِ والْحَجِّ] [البقرة: ١٨٩] ؛ فوقع الجواب بما يتعلق به عمل.
وسئل ﵊ عن الساعة، فقال للسائل: «ما أعددت
لها؟» ومنع من النظر في الأمور التي لا يقدر عليها العقل «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» وإنما كانت عناية السلف بعد تحصيل العلم الذي لابد منه بالجهاد وتفقد العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، «وليس في القرآن من الأمر بطلب العلم الزائد على الكفاية مثل ما فيه من الثناء على الخاشعين في الصلاة الصابرين في البأساء والضراء، وكذلك الحديث فإن في الصحيحين والسنن الثلاث والموطأ ثمانية وستين حديثاً في الحث على الجهاد..» [٢] .
وهذا المنهج في الرأفة والرحمة بالخلق، ومعرفة ما ينفعهم وما يضرهم كمثل
طبيب زار مريضاً فرأى مرضه فدلّه على شراب ودواء معين وأمره بنظام في
الطعام والشراب فأطاع المريض فشفي، ولكن الفيلسوف يسلك طرقاً طويلة، إذ
يتكلم عن سبب المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه، ولو سأل المريض عما يشفيه
لعجز عن الإجابة [٣] .
هذا المنهج في استقراء الجزئيات للوصول إلى القواعد العلمية العملية هو
الذي جعل عند علماء المسلمين الاستعداد للبحث التجريبي العملي، ولذلك ظهر فيهم
مثل ابن النفيس وابن الهيثم، ولكن عندما نُكسوا على رؤوسهم ورجعوا إلى الجدل
وعلم الكلام ضاعت منهم الفرصة وأخذها الأوربيون، وساروا بها طويلاً وخرج
منهم من يطلب تربية الأطفال على الشيء العملي النافع (جون ديوي) وتقدموا في
العلوم المادية تقدماً هائلاً بينما كان المسلمون على استعداد لهذا لو أنهم تبعوا منهج
أهل السنة، كما قال الإمام مالك: (وأكره أن ينسب أحد حتى يبلغ آدم، ولا إلى
إبراهيم، ومن يخبره مَن بينه وبين إبراهيم؟ !) [٤] . فالإمام مالك لا يحب علماً
غير محقق ولا يفيدنا شيئاً مثل أن يسلسل نسب شخص إلى آدم ﵇
وهذا ما يطالب به علماء التربية في العصر الحديث في تعليم الأطفال، والعجب أن
يأتينا في هذا العصر من يريد إرجاعنا إلى علم الكلام والجدل، وهو الذي أضعف
المسلمين عن أن يكونوا هم السابقين إلى إعمار الأرض واستخراج العلم النافع
ويكون هذا سبباً في نشر الإسلام.
стр. 782
البوطي ...والمنهج
عبد القادر حامد
تخبط وتناقض:
إن ميزة الكتب النافعة أنك لا تقرؤها مرة إلا وتجد فيها فائدة لم تكن وجدتها
في القراءة الأولى، لكن كتاب البوطي هذا على الضد، لا تقرؤه إلا وتجد فيه
خبيئة فاتتك في القراءة السابقة. ولو استعرضنا جميع التناقضات التي اكتشفناها في
هذا الكتاب لطال الكلام ولملّ القارئ، ولكن نكتفي ببعضها.
يقول - عند كلامه على العوامل التي أدت إلى تطوير أساليب الصحابة
الفكرية وطرقهم التربوية! وعاداتهم السلوكية! تحت عنوان: العامل الثالث: -
« ... ولما رأوا أنفسهم يعيشون في بلاد غير التي عرفوها، ويقابلون
عادات غير التي ألفوها، ويجابهون مشكلات لا عهد لهم بها، (كمشكلة المناخل!)
اضطروا إلى فتح باب الرأي بعد أن كان مغلقاً، وإلى التعامل معه والأخذ به بعد أن
كان ذلك أمراً مرفوضاً ومستهجناً.
ومن أشهر الصحابة الذين انتشروا في الأمصار، ورفعوا لواء الاتجاه في هذا
الطريق (طريق الرأي! انتبه!) الخلفاء الراشدون وعبد الله بن عمر وعائشة،
وهؤلاء كانوا في المدينة، (إلى أين انتشروا؟) وعبد الله بن عباس وقد كان بمكة
(أين ذهب؟ !) » [ص٣٤] .
ففي هذه الفقرة تخبط ومجازفة واضحة، فالخلفاء الراشدون كلهم - ماعدا علياً؛ وفي أيام خلافته فقط - عاشوا في المدينة ولم ينتشروا في الأمصار! ولم يطوروا
من أساليبهم الفكرية، وطرقهم التربوية، وعاداتهم السلوكية، ولم يفتحوا باب
الرأي بعد أن كان مغلقاً! وبخاصة أبو بكر الذي توفي بعد الرسول - صلى الله
عليه وسلم - بعامين ونصف تقريباً، ولم يدرك هذه الأزمة الفكرية المفترضة التي
يصورها المؤلف هذا التصوير (الدرامي) .
وفي [ص٨٠] يقرر في الفقرة الأولى قضية تنقضها الفقرة التي تليها، فيقول:
(إن قواعد اللغة الدلالية والبيانية قواعد لغوية صافية لا تتأثر بأي جهة دينية ...
أو مذهب فكري، وهذا معنى قولنا عنها: إنها قواعد حيادية) .
وهذه مسألة فيها نظر؛ من وجهة نظر شرعية ومن وجهة نظر لغوية بحتة،
وليس هذا مجال بحثها. وهذه القاعدة التي ذكرها ينقضها هو نفسه في الفقرة التالية
حيث يقول:
(غير أن الكثير من هذه القواعد، وإن كان محل اتفاق من أئمة اللغة، إلا أن فيها أيضاً، ما هو محل نظر وخلاف فيما بينهم) .
لكن القول السديد في هذه المسألة - التي أعاد البوطي فيها القول ليوهم قراءه
أن (السليقة العربية) وقواعد اللغة كافية لمن حذقها (في فهم النصوص وإدراك
مراميها) [ص ٤٩]- هو ما قاله ابن تيمية وسنثبته هنا متحملين ومحتسبين وصف
البوطي لنا بالسطحية وعدم الصبر والاستيعاب، هذه العيوب التي انعكست علينا
من أسلوب ابن تيمية المضطرب يقول: (وقد انعكس هذا الاضطراب في كلام ابن
تيمية على أذهان كثير ممن يقرؤون له، بسطحية وبدون صبر واستيعاب) . [ص
١٦١] لا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول ابن تيمية:
(ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم ولهذا قال الفقهاء: (الأسماء ثلاثة أنواع:
نوع يعرف حده بالشرع، كالصلاة والزكاة؛
ونوع يعرف حده باللغة، كالشمس والقمر؛
ونوع يعرف حده بالعرف، كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله:
[وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ] [النساء: ١٩] ونحو ذلك.
وروي عن ابن عباس أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:
* تفسير تعرفه العرب من كلامها،
* وتفسير لا يعذر أحد بجهالته،
* وتفسير يعلمه العلماء،
* وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب.
فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، قد بين الرسول - صلى الله
عليه وسلم - ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها ومن
هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي - صلى الله عليه
وسلم - لم يقبل منه. وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم
البيان، وتعليل الأحكام، هو زيادة في العلم، وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن
معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا.
واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله؛ فالنبي - صلى
الله عليه وسلم - قد بين المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يحتاج معه إلى الاستدلال على
ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات
هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معاني هذه الأسماء معلومة
من حيث الجملة للخاصة والعامة) . [مجموع الفتاوى٧/٢٨٦] .
وعند حديثه عن دوافع الشذوذ والخروج عن مقتضيات المنهج المتفق عليه في
تفسير النصوص (ولا تنس أنه منهج البوطي وحده) يذكر (أن هذه الدوافع تتجمع
في عاملين أساسيين:
العامل الأول: المغالاة في تحكيم العقل على حساب النص الصحيح والخبر
الصادق، أي تحميله فوق طاقته وجره في متاهات لا يملك السير السليم فيها إلا
على ضوء الخبر اليقيني الذي يتمثل في النصوص) . [ص١٢٧] . وهذا كلام سليم
وجيد لولا ما ينقضه ما جاء في [ص٦٣] عند كلامه عن (مراحله الثلاث) التي لا
يكون المسلم مسلماً إلا بها، حيث بعد أن يشترط لذلك: «التأكد من صحة
النصوص الواردة والمنقولة عن فم سيدنا محمد ﷺ ، قراناً
كانت هذه النصوص أم حديثاً، (وهذه فائدة جديدة عثرنا عليها من قراءتنا الثانية
لهذه الفقرة، وهي التأكد من صحة النص القرآني! فيجب أن ندرسه - على زعمه
- رواية ودراية، حتى ننتهي إلى يقين!» بحيث ينتهى إلى يقين بأنها موصولة
النسب إليه، وليست متقولة عليه يشترط أيضاً شرطاً آخر وهو قوله: (عرض
حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها على موازين المنطق
والعقل (يعني: إخضاع النصوص، أو ما فهمه من تلك النصوص - قرآناً وسنة
أيضاً! - لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها) !
وحتى نجمع بين هذين التناقضين، ونُعمل كلام الشيخ فيهما معاً فلا نهمل
واحداً، ونعتمد الآخر، وذلك ضناً بكلامه النفيس جداً عن الإهمال والتعطيل؛
نقول: لا بأس من تحكيم العقل في النص الصحيح قرآناً وسنة، لكن دون مغالاة!
وبذلك يتسق أول الكلام مع آخره! ومن يدري؟ ! فقد نستحق جائزة أو شكراً على
الأقل منه على ذلك!
تلبيس وتدليس:
كثيرا ما يلجأ البوطي إلى التعميم والتلبيس، فيصدر حكماً، أو يضع مقدمات
يتركها بلا دليل ولا إثبات. وهذا الأسلوب في الكتابة شائع بين العلمانيين الذين
يهجمون على القضايا الفكرية الأساسية بجرأة عجيبة، وبخاصة على ما كان منها
متعلقاً بالأمور الشرعية التي لا علم لهم بها.
والمفترض أن يكون أسلوب النقاش مع الشيخ البوطي يختلف عن الأسلوب
الذي يتبع مع هؤلاء، فهو شيخ وابن شيخ، وهذا أعرق له وأثبت قدماً في مجالات
العلم والبحث، وهو أيضاً حامل لشهادة الدكتوراه - وأظنها مع مرتبة الشرف إن لم
يكن أكثر - من الأزهر، وهذا أَطلَق لقلمه ولسانه، وأكثر ترويجاً للكتب في السوق
هذه الأيام، وبخاصة في بلاد كبلاد الشام حيث من اللائق بالشيخ أن ينشد:
خلت الديار فسدت غير مسود ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
فكيف يهجم الشيخ هجوم أولئك؟ ! وما له يرسل الكلام إرسالاً، ويطلق ...
الأحكام إطلاق المتمكن الواثق؟ ! ألا تكفينا مجازفات العلمانيين وتعالم الجهلة الذين ...
أفسدوا العلم والثقافة، وسمموا العقول والقلوب؟ ! لمن يكتب هذا الكلام ومن أي ...
بئر يَمْتَح؟ ! :
(وهذا ما حدث، فقد كان في الصحابة والتابعين من أخذ يستنبط الأحكام تعليلاً واعتماداً على اجتهاده المرسل، استجابة لمقتضيات الظروف الطارئة والأوضاع الحديثة، (يقصد: الحادثة) وكان فيهم أيضاً من يتجنب ذلك ويحذر منه، بل يشتد في النكير على استعمال الرأي والأخذ به، خوفاً من تجاوز النصوص والاستبدال بها، مما يسبب الوقوع في زلات لا تغتفر) [ص٤٩] .
- لِمَ لم يذكر الشيخ اسم صحابى واحد كان يستنبط الأحكام تعليلاً واعتماداً
على اجتهاده المرسل؟
- ثم ما معنى الاجتهاد المرسل؟ نحن نفهم الاجتهاد المرسل على أنه الاجتهاد
الذي لا دليل عليه؛ لا من كتاب، ولا من سنة، ولا حتى من عقل، كالجمل
المرسل: لا خطام ولا عقال. والفرس المرسل: لا عنان، ولا لجام، ولا هِجار!
هل يقصد الشيخ إلى أمثال هذه التلبيسات قصداً؟ وهو فعل غير محمود
العواقب عليه وعلى قرائه؟
والجواب - والله أعلم - أن منها ما يأتي بسبب العجلة وقلة الصبر كهذه التي
أشرنا إليها آنفاً؛ ومنها التي تجمع إلى العجلة وقلة الصبر قليلاً من الهوى كهذه التي
نعثر عليها في هامش [ص ١٠١] حيث يقول:
(إلا ما ذهب إليه الإمام أحمد من حكمه بكفر تارك الصلاة ولو لم يكن جاحداً ...
لها) . فما الدافع لهذا الإجمال المخل؟ إن لم يكن ما ذكرنا؟ ! وإلا فالمسألة فيها تفصيل معروف عند العلماء، وليس هذا الذي ذكره هو رأي الإمام أحمد وحده، فقد قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي ﵀ في كتابه في الصلاة:
(ذهب جملة من الصحابة ﵃ ومن بعدهم إلى تكفير تارك
الصلاة متعمداً لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، ومعاذ
بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدرداء، وكذلك روي
عن علي بن أبى طالب، هؤلاء من الصحابة. ومن غيرهم: أحمد بن حنبل،
وإسحق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عيينة،
وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبى شيبة، وأبو خيثمة
زهير بن حرب) . [كتاب الصلاة وحكم تاركها لابن القيم، ٥ ١] .
ولكن هناك من التلبيسات ما يبدو أنه يقصد إليه قصداً، كتلك الواردة في [ص
١٠٢] (والصلاة جماعة خلف كل بر وغيره) !
فالمعروف عند المسلمين: الصلاة خلف كل بر (وفاجر) فما الداعي يا ترى
لوضع: (غيره) موضع (فاجر) هل هو النسيان؟ أم هو سبق قلم؟ أم أن الكلمتين
مترادفتان تقوم إحداهما مقام الأخرى؟ !
لا شك أن كلمة (غيره) أعم من كلمة (فاجر) .
وعلى كل حال؛ فكان يمكن أن تعد هذه هنة من الهنات التي لا يوقف عندها
لولا ما بلونا من الشيخ وضعه للرقة والنعومة والقسوة والتشنيع والتشهير في غير
مواضعها، فلعله - وهو في زمن كثر فيه هذا الصنف من الأئمة - لا يريد أن
يكسر خاطرهم بمثل هذه الكلمة التي قد يعتبرها نابية؟ ! أو لعله يجوز إمامة المنكِر
معلوماً من الدين بالضرورة أو من في حكمه - وهو غير برٍّ حتماً - وهكذا قد يظن
أنه بهذه (المجاملة) ينجو من المحذور فيقع في المحظور. ولكن هل عليه بأس
بمجاراة الزمن، والصحابة - الذين هم مَن هم - قد جاروه؟ !
ألفاظ غير لائقة بالشيخ:
يقول عن الصحابة والتابعين:
(ولكن، ها هم اليوم، وقد تمازج جيل التابعين مع الصحابة، قد غيروا طريقهم، وفتحوا صدورهم للجدل في كل مسائل الاعتقاد، (بلا استثناء؟ !) وفي مقدمتها تلك التي كانوا بالأمس ينغضون لها الرأس والفكر قبولاً واستسلاماً دون أي بحث أو نقاش..) [ص٤٢]
لا نريد أن نناقش هذه الفقرة من الناحية الموضوعية، بل من الناحية الشكلية
فقط، فنقول:
استخدام هذه الكلمة (ينغضون لها الرأس) في وصف الصحابة أو التابعين
أمر غير لائق، فقد وردت مرة واحدة في القرآن الكريم في وصف الذين لا يؤمنون
بالآخرة، وقد قال ابن عباس وقتادة في تفسير [ينغضون رؤوسهم] أي يحركونها
استهزاءً. [ابن كثير تفسير الآية ٥١من سورة الإسراء] ، لكن حرص الشيخ على
الأسلوب الأدبي الرفيع، واحتفاله به يجعله يضحي بالمعاني في سبيل الألفاظ!
كذلك قوله عن علم الجرح والتعديل ويسميه هو: فن الجرح والتعديل بأنه
(يقف ذيلاً وخادماً) فلِمَ هذا التكلف؟ ولم كل هذا الجبروت في منهجك حتى تجعل من علم الجرح والتعديل ذيلاً وخادماً له؟ ! يا أخي، لقد ملكت؛ فأسجحْ!
وانظر إليه كيف يستحسن - بتشفٍّ وحنق وشماتة ظاهرة - أن يصفع شرطي
فرنسي مسلماً (سلفياً) ويشتمه:
(لقد اشتدت هذه الخصومات ذاتها واهتاجت في أحد مساجد باريس منذ ثلاثة
أعوام، حتى اضطرت الشرطة الفرنسية (مشكورة!) إلى اقتحام المسجد، ...
والمضحك المبكي [١] بآن واحد، أن أحد أطراف تلك الخصومة أخذته الغيرة
الحمقاء لدين الله ولحرمة المساجد، (صحيح أحمق! لماذا يغار على دين الله وعلى
حرمة المساجد؟ أعلى مثل هذه الأمور يغار؟ !) لما رأى أحد الشرطة داخلاً
المسجد بحذائه، فصاح فيه (كذا) أن يخرج أو يخلع حذاءه (كذا) ولكن الشرطي
صفعه قائلا: وهل ألجأنا إلى اقتحام المسجد على هذه الحال غيركم أيها
السخفاء؟ ! ..) [ص ٢٤٥]
لمثل هذا فليكتب الكاتبون!
نقول:
لو أن الشيخ نقل لنا كلام الشرطي الفرنسي باللغة الفرنسية وأردفه بهذه
الترجمة لأحسن صنعاً، ولكان عمله أقرب إلى الدقة والموضوعية! ؛ لأننا في شك
طفيف من هذه العاطفة البادية في عبارة هذا الشرطي الورع الذي لم يلجأ إلى ما لجأ
إليه إلا بعد أن بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطُّبَيين! وإلا فهو - وكذلك بنو
جلدته - من أشد الناس معرفة بحرمة المساجد ومراعاة مشاعر المسلمين! !
أخي القارئ الكريم:
اقرأ هذه الفقرة، وعاود قراءتها حتى تمل، وإياك أن تظن أن كاتبها أدونيس
بل هو الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي صاحب حوالي عشرين مؤلفاً حول
القضايا الإسلامية، وسلسلة من ثمانية كتيبات بعنوان: أبحاث في القمة.
أي القمم؟ !
وأخيراً، فإن مما لا يليق بالشيخ أيضاً أن يشتم ويسب (السلفيين) ويصفهم
(بالكاذبين والمخادعين والمضللين) [ص٢٥٥] فهذه والله كبيرة، وأن يصف
(السلفية) - كمصطلح - بقوله: (تلك الكلمة المَيْتَة [٢] التي لا تنحط (! !) إلا
على واقع يضم أخلاطاً ومذاهب شتى من الناس) .
وهذه أكبر!
اللهم هذا ليس بكلام مسته بركة العلم الشرعي، واستروح نسائم الأدب
الإسلامي!
غرور وادعاء:
تكثر العبارات والفقرات الثقيلة التي محورها النفس والهوى - والعياذ بالله -
فهناك من الجمل الفضفاضة الكثير في ثنايا الكتاب، ونحن نشهد أن الكاتب حاول - جهده - أن يكف كثيراً من هذه العبارات التي تتزاحم لتندلق على صفحات كتابه، وتتجسد كلاماً يقرأ وتحسب له الحسابات، ولكن على رغم من جهده وعنائه في
كفكفتها؛ فإن قدراً منها لا بأس به قد غلبه وخرج يتلألأ ويلوح!
خذ مثلاً قوله [ص٦٩] :
(ولابد أن نقول هنا كلمة وجيزة نضمنها عصارة ما هو مدون في المطولات
والموسوعات التي تناولت هذا الموضوع عموماً، وهو منهج المعرفة بصورة عامة، والتي ركزت على هذا المدخل الذي نحن بصدده خصوصاً) .
انظر، ضمّن كتابه هذا العصارة! عصارة ماذا؟ عصارة ما هو مدون في
المطولات والموسوعات، فالمطولات وحدها لا تشفي غليل الشيخ، بل لا بد من
الموسوعات، والمطولات والموسوعات هضمها الشيخ هضماً، وعصرها عصراً،
حتى أخرج لنا هذه الآبدة!
صدق مَن قال: (المرء حيث وضع نفسه) !
وهذه ثانية:
(ومع ذلك فلنتبع هذا الباب، بباب آخر يزيد من وضوحه، نضع فيه النقاط
على الحروف، وننتقل فيه من البيان النظري الواضح الجلي! إلى التطبيقات الحية
كي نسد بذلك كل ثغرة قد يتسلل إلى الذهن منها وسواس، أو يتشابه من خلالها حق
بباطل. والله المستعان) . [ص ٩٤] .
إن الشيخ تعجبه نفسه كثيراً! وهو معجب بأسلوبه أكثر! ولو أن مقرّظاً قرّظ
كتابه بمثل هذا الكلام لصح أن يقال له: مهلاً، هوّن عليك، رحمة بالرجل فقد
قطعت عنقه!
فليت شعري، ماذا نقول للرجل وهو يتحدث عن نفسه هكذا؟ !
وثالثة:
اسمعه يصف منهجه:
(وسنزداد يقيناً، على أعقاب ذلك، بأن هذا المنهج هو الميزان ... والمقياس الوحيد لتصنيف الناس في مجال البحث عن هوياتهم (!) الاعتقادية والسلوكية، في أي عصر من العصور عاشوا، ومن أي القبائل أو الشعوب انحدروا، وهو المحور الذي أدرنا عليه سائر بحوث هذا الكتاب) . [ص ٩٨] .
ونحن نضيف على وصفه منهجه هذه العبارة:
(حتى لو أن قائلاً قال: إنه هو الميزان الذي عناه أبو طالب بقوله ... في قصيدته اللامية:
بميزان قِسطٍ لا يَخيسُ شعيرةً ... له شاهد من نفسه غير عائل
لما أبعد!
ورابعة:
(ولقد أصغينا طويلاً، ونقبنا كثيراً، فلم نسمع بهذا المذهب في أي ... من العصور الغابرة!) [ص٢٣١] . لم يقل لنا الشيخ: لمن أصغى، ولا أين نقب؟ ولكن هذا معلوم بديهة؛ فقد أصغى طويلاً لأهل العلم، ونقب كثيراً في بطون الكتب (والمطولات والموسوعات) وعصرها عصراً، لن ننسى ذلك أن الشيخ يجهد نفسه، ويحملها على أوعر الطرائق من أجل أن يُجهّل ويُبدّع ويُسخّف هؤلاء السلفيين، ويخرجهم من دائرة أهل السنة والجماعة!
لقد أتعبت نفسك يا رجل، ألا تستريح!
وخامسة أخيرة:
بعد أن أظهر لنا في كتابه أنه ابن بَجْدة الفقه والأصول (ومنهج المعرفة
وتفسير النصوص) أراد أن يستولي على الأمد فيتسلق إلى علم العربية، فوقع.
استمع إليه وهو يتمايل ويتخايل:
(يدلك على ذلك أن (بل) لا تقع إلا بين نقيضين (!) فليس لك أن تقول، ...
وأنت عربي: لست جائعاً بل أنا مضطجع، وانما تقول: بل أنا شبعان (هكذا!)
وليس لك أن تقول: ما مات خالد بل هو تقي، وانما تقول: بل هو حي، ولا
تقول: ما قتل الأمير، بل هو ذو درجة عالية عند الله، لأن ثبوت درجته العالية
عند الله لا ينافي قتله (فافهم!) وانما تقول: بل هو ما زال حياً.) [ص ١٢٦] .
لا يغترّنّ أحد بحسم الشيخ وجزمه في قوله: (إن بل لا تقع إلا بين نقيضين) .
فهذا من (عندياته) وتهويلاته، أما كتب النحو ففيها شيء آخر، قال ابن
هشام في المُغني:
(بل) حرف إضراب، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما: ...
- الإبطال، نحو: [وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ]
[الأنبياء: ٢٦] ، أي: بل هم عباد، ونحو [أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ]
[المؤمنون: ٧٠] .
- وإما الانتقال من غرض إلى آخر ومثاله: [قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وذَكَرَ
اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا] [الأعلى: ٤ا-٦ا] ، ونحو: [ولَدَيْنَا
كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا] [المؤمنون ٦٢-٦٣] ، وهي في ذلك كله حرف ابتداء - لا عاطفة - على الصحيح.
ومن دخولها على الجملة قوله:
بل بلدٍ ملءُ الفجاج قَتَمُهْ
إذ التقدير: بل رب موصوف بهذا الوصف قطعته. ووهم بعضهم فزعم أنها
تستعمل جارّة.
وإن تلاها مفرد فهي عاطفة.
ثم إن تقدمها أمر أو إيجاب ك (اضرب زيداً، بل عمراً، وقام زيد بل عمرو) فهي تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشيء، وإثبات الحكم لما بعدها.
وإن تقدمها نفي أو نهي فهي لتقرير ما قبلها على حالته، وجعل ضده لما بعده، نحو: (ما قام زيد بل عمرو ولا يقم زيد بل عمرو) [مغني اللبيب، ص ١٥١] .
وقد يلومنا بعض القراء أن وضعنا هذا المثال من تعالُم الشيخ تحت عنوان:
(غرور وادعاء) ولم نضعه تحت عنوان: (التواء وتهويل) فنقول:
الالتواء والتهويل ليسا بعيدين كثيراً من الغرور والادعاء، بل بينهما لُحمة
وكيدة وعلاقة وطيدة، تهويل يؤدي إلى الادعاء، وغرور يسوق إلى التهويل. ففي
هذا المثال؛ لولا الغرور والادعاء والإعجاب بالنفس التي تدفع بالشيخ لتجشم مثل
هذه الصعاب لما هوّل علينا بهذه الأمثلة التي يريد من ورائها إيهام قرائه أنه قادر
على الفتوى ليس في (السلف والسلفية) فحسب؛ بل في العربية أيضاً! وأمامك -
فانظر - فتاواه في هذين الشأنين.
*يتبع *
стр. 783
مصطلحات إسلامية
الشهيد
عادل التل
المعنى اللُّغوي:
شهد، يشهد، فهو شاهد وشهيد، والجمع أشهاد وشهود، والشهداء جمع شهيد، وأصل الشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو بالبصيرة،
والشهيد من أسماء الله الحسنى، وهو من صيغ المبالغة بوزن (فعيل) فإذا اعتبر
العلم مطلقاً، فهو العليم، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة، فهو الخبير، وإذا
أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد..
المعنى الاصطلاحي:
التعريف: (الشهيد هو الذي يقتل مجاهداً في سبيل الله، مخلصاً مقبلاً غير
مدبر) ومصطلح الشهيد الذي يدل على المقتول في سبيل الله - هو مصطلح
إسلامي صرف لم تستعمله العرب في الجاهلية بهذا المعنى، وإنما كان معروفاً
عندهم بمعناه اللغوي فقط.
عناصر التعريف:
أولاً: تسمية الشهيد:
ذكر العلماء أقوالاً كثيرة توضح السبب في تسمية الشهيد شهيداً نختار منها:
- لأن الشهيد حي فكأن أرواح الشهداء شاهدة: أي حاضرة.
- لأن الشهيد يشهد له الله بحسن نيته وإخلاصه.
- لأنه يشهد عند خروج روحه ما أُعد له من الكرامة.
وقد أطلق لفظ الشهيد على خصال وأعمال في غير القتل في سبيل الله، ولكن
إذا ذُكر هذا اللفظ مطلقاً دون قرينة - فإن فهم الناس يتجه إلى أنه المقتول في سبيل
الله. فقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «ما
تقولون في الشهيد فيكم؟ قالوا: القتل في سبيل الله قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل! ، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، والمبطون
شهيد، والمطعون شهيد» . صحيح أخرجه ابن ماجه.
والمبطون هو الذي يموت بداء البطن، والمطعون هو الذي يموت بمرض
الطاعون، وقد عدَّد العلماء أكثر من عشرين خصلة وردت في الأحاديث الصحيحة
مثل الحرق والغرق والنفساء وذات الجنب وغير ذلك. قال ابن التين: هذه كلها
ميتات فيها شدة، تفضل الله على أمة محمد ﷺ بأن جعلها
تمحيصاً لذنوبهم وزيادة في أجورهم، يُبلّغهم بها مراتب الشهداء.
قال ابن حجر في فتح الباري:
والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما رواه أحمد
وابن ماجة «أن النبي سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده وأُهريق دمه» حديث صحيح.
ثانياً: القتال في سبيل الله:
يجب أن يتحقق القتل في سبيل الله بسبب الجهاد، فمن جاهد حياته كلها -
ولم يحدث القتل أثناء الجهاد وبسببه - فلا يكون شهيداً وإن كان له أجر المجاهدين
وثواب الشهداء، فقد أخرج ابن ماجة في باب الجهاد عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -: «من سأل الله الشهادة بصدق من قلبه بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات
على فراشه» .
ولا يشترط أن يتحقق القتل في خضم المعارك وخلالها، وإنما يكفي أن يكون
القتل في الجهاد وبنِيته، وهذا يشمل مرحلة ما قبل المعركة وما بعدها.
وقد أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق بسهم في الأكحل، ومات منه بعد مدة
فكان شهيداً. وقال رسول الله ﷺ أيضاً:
(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه
فقتله) حسن أخرجه الحاكم والضياء.
ثالثاً: صلاح النية:
وهو أن يكون القصد من الجهاد، والغاية من الخروج إلى القتال هو إعلاء
كلمة الله، والنية أمر خفي؛ لذلك كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عن حقيقة الجهاد.
أخرج البخاري عن أبي موسى قال:
«جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكْر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمَن في سبيل الله؟ قال: من
قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .
وقد أنكر الإسلام دواعي القتال في الجاهلية وأبطلها، فكان الفخر، والثأر،
وحب الرياسة، وطلب المغنم، والتعصب للقبيلة تمثل أكثر الأسباب التي تؤدي إلى
نشوب المعارك والحروب، وليست أيام العرب في الجاهلية عنا خافية.
من أحكام المصطلح:
للشهيد خصائص وميزات عند ربه لا تكون لغيره:
- الشهيد حي عند ربه؛ قال - تعالى -: [ولا تَقُولُوا لِمْن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ولَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ] [البقرة: ١٥٤] .
- الشهيد يرزق في برزخه؛ قال رسول الله ﷺ :
«إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر لها قناديل معلقة تحت العرش
تسرح في الجنة حيث شاءت» أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهم.
- الشهيد يتمنى الرجوع إلى الدنيا للجهاد مرة ثانية؛ لذلك تمنى رسول الله -
ﷺ أن يُقتل شهيداً فقال:
«والذي نفسي بيده لوَدِدتُّ أني أُقتل في سبيل الله ثم أَحيا، ثم أقتل ثم أحيا،
ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» أخرجه البخاري.
- الشهيد يغفر الله له ذنوبه؛ قال رسول الله ﷺ : «
يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْن» . أخرجه أحمد ومسلم.
стр. 784
اجتماع
نصوص مختارة من مقدمة ابن خلدون
اختيار وتعليق: محمد العبدة
تمهيد:
مقدمة ابن خلدون أشهر من أن تُعرّف، فهي من أعظم ما كتب في العصور
الإسلامية حول ما يسمى الآن (علم الاجتماع) وفلسفة التاريخ، وسماه ابن خلدون
(علم العمران) [١] ، ولم يتنبه المسلمون لأهميتها بعد ابن خلدون؛ لأن الضعف
العلمي والثقافي الذي جاء بعده لا يتيح الفرصة لاكتشاف أهمية مثل هذا العمل،
فكيف بالزيادة عليه أو إكمال بعض النقص فيه، وإن كان بعض تلامذته
(كالمقريزي) أو من جاء بعده بقليل (ابن الأزرق) عرفوا أهمية فكر ابن خلدون
التاريخي، ولكن لم يضيفوا شيئاً يذكر على ما كتبه هو.
وقبل أن نختار بعض الفصول من المقدمة نرى أنه من المناسب إعطاء
القارئ لمحة موجزة عن حياة ابن خلدون وعن المقدمة.
هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، من أسرة عريقة في
الأندلس، يرجع نسبها إلى خالد (خلدون) بن عثمان، وهو أول مَن دخل الأندلس،
ويُرجع ابن حزم نسب هذه الأسرة إلى الصحابي وائل بن حجر.
ويمكن تقسيم مراحل حياته إلى:
١- نشأته وتعلمه.
٢-الوظائف الإدارية والسياسية التي قام بها.
٣- التفرغ للعلم وكتابة المقدمة.
٤- رحلته إلى المشرق واستقراره في مصر.
١- نشأته وتعلمه:
وُلد ابن خلدون في مدينة تونس في غرة رمضان سنة ٧٢٢ هـ، وذلك لأن
أسرة ابن خلدون هاجرت من الأندلس مع الحفصيين بعد تغلب النصارى هناك.
وعلى طريقة التعليم يومها تعلم الطفل القرآن والتجويد ثم العلوم العربية والتفسير
والحديث والفقه. ولما شب أخذ من كل العلوم، فدرس المنطق والعلوم الطبيعية
والرياضية، وفي الثامنة عشرة من عمره انقطع عن التعلم بسبب الوباء الذي اجتاح
تونس وهجرة أكثر العلماء إلى المغرب الأقصى.
٢- الوظائف الإدارية والسياسية:
بدأ ابن خلدون حياته بوظيفة متواضعة وهي كاتب في ديوان وزير الدولة
الحفصية، ثم انتقل إلى حاشية السلطان أبي عنان في المغرب الأقصى، وأصبح
عضواً في مجلسه العلمي ومن كُتابه، وهنا بدأت طموحاته السياسية، وتعرَّف على
القصور والمؤامرات التي تحاك لإزاحة السلطان والإتيان بغيره، وشارك في هذه
المؤامرات، وكان هدفه الوصول إلى الوظائف الكبيرة وقد وصل إلى شيء منها
عندما عُين حاجباً (رئيس الوزراء) لأمير بجاية في سنة ٧٦٦ هـ. وفي هذه الفترة
بدأ يشعر أن لا فائدة كبيرة من الخوض في غمار السياسة؛ خاصة وأنه لم يحقق
كل طموحاته، وعاوده الحنين إلى العلم وهي نزعة أصيلة في ابن خلدون، ولكنه
لم يقرر الاعتزال النهائي إلا في سنة ٧٧٦ هـ.
٣- التفرغ للتأليف:
استأذن ابن خلدون سلطان (تلمسان) في نزوله على أصدقائه بني عريف في
قلعة بني سلامة فأذن له ولأسرته، فانتقل إلى هذا المكان المنعزل، ومكث فيه أربع
سنوات نَعِم فيها بالاستقرار، وبدأ بتأليف كتابه (العِبَر) في التاريخ، وكان مقصده
الأساسي الكلام عن دول المغرب بشكل عام، ثم وسعه بعدئذ وتكلم عن دول
المشرق ويبدو أنه قبل فراغه من هذا الكتاب كتب مقدمة وفي نيته الكلام عن أغلاط
المؤرخين وكيف يصحح الخبر التاريخي، وما هي القواعد التي تعتمد في هذا
الموضوع، ومعرفة نشوء الدول وقيامها وأسباب انهيارها، وبمجرد البدء بالكتابة
انهالت عليه (شآبيب الكلام) كما يقول، فكتب عن الظواهر الاجتماعية وتأثيرها في
العمران البشري يقول: (ولم أترك شيئاً في أولية الأجيال والدول، وما يعرض في
العمران في دولة وملة، ومدينة وحِلَّة، وعزة وذلة، وعزة وقلة، وعلم وصناعة،
وكسب وإضاعة، وأحوال متقلبة مشاعة، وبدو وحضر، وواقع ومنتظر، إلا
واستوعبت جمله، وأوضحت براهينه وعلله) [٢] .
كل هذا درسه كظواهر يمس من خلالها تفسير العمران الإنساني وكيف تقام
الدول وكيف تذوي وتذبل وكأن عقله الجوال وذهنه الوقاد كان يختزن هذه
المعلومات أثناء عمله في الإدارة والسياسة، فكان يحلل ويفكر في مثل هذه ...
المواضيع، فلما بدأ بالكتابة جاءته الأفكار قوية مندفعة كأنها شلال، فأنهى المقدمة
في خمسة أشهر، واكتشف أنه أتى بعلم جديد، فهو يقول: (وكأن هذا عالم مستقل
بنفسه، فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل
وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته [٣] ، واعلم أن الكلام في هذا
الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث،
وأدى إليه الغوص) [٤] .
٤- بعد فراغه من تأليف الكتاب (الذي هو المقدمة وكتابه في التاريخ المسمى
(العبر)) أهدى نسخة منه إلى سلطان تونس، وعزم بعدها على الحج والاستقرار
في المشرق، فوصل إلى الإسكندرية سنة ٧٨٤ هـ ثم إلى القاهرة وعاش بقية
حياته فيها بين وظائف القضاء والتدريس، وتُوفي سنة ٨٠٨ هـ.
مضمون المقدمة:
تشتمل المقدمة على خطبة الكتاب وتمهيد في فضل علم التاريخ، ثم ستة
أبواب في شؤون العمران، والباب الأول كله مقدمات عن أثر البيئة الجغرافية في
الإنسان، وتكلم في الباب الثاني عن العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل كأصل
للعمران الحضري وفي الباب الثالث عن الدول العامة والملك والخلافة، وهو أهم
الأبواب، وفي الباب الرابع عن البلدان والأمصار (المدن) وما يعرض في ذلك من
الأحوال أي طريقة التجمع الإنساني. وتكلم في الباب الخامس عن الكسب والمعاش
والصنائع أي عن الاقتصاد. وأخيراً عرض في الباب السادس موضوع العلوم
وأصنافها والتعليم وطرقه. وهذه مختارات من الباب الثاني قال:
معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة عنهم: [٥] ...
وذلك أنه ليس كل أحد مالك أمر نفسه، فمن الغالب أن يكون الإنسان في ...
ملكة [٦] غيره ولابد، فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعاني فيها حكم ولا
منع وصد - كان من تحت يدها مدلِّين [٧] بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن، واثقين ... بعدم الوازع، حتى صار لهم الإدلال جِبِلَّة لا يعرفون سواها. وأما إذا كانت ... الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سَوْرة [٨] بأسهم وتذهب ... المنعة عنهم، لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبينه، وقد نهى عمر ... سعداً [٩]﵄ عن مثلها [١٠] ، لما أخذ زهرة بن حويه [١١] سَلَبَ الجالنوس، وكانت قيمته خمسة وسبعين ألفاً من الذهب، وكان (زهرة) اتبع ... جالنوس يوم القادسية فقتله وأخذ سلبه، فانتزعه منه سعد وقال له: (هلاَّ انتظرت ... في اتباعه إذني؟) وكتب إلى عمر يستأذنه؛ فكتب إليه عمر: (تَعْمِدُ إلى ... ... مثل زهرة وقد صَلِي [١٢] بما صلي به، وبقي عليك مما بقي من حربك وتكسر ... فُوقه [١٣] وتفسد قلبه) وأمضى له عمر سلبه.
وأما إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس بالكلية؛ لأن وقوع العقاب به ولم
يدافع عن نفسه - يكسبه المذلة التي تكسر من سورة بأسه بلا شك وأما إذا كانت
الأحكام تأديبية وتعليمية، وأخذت من عهد الصبا أثرت في ذلك بعض الشيء لمرباه
على المخافة والانقياد، فلا يكون مدلاً ببأسه. ولهذا نجد المتوحشين [١٤] من
العرب أهل البدو أشد بأساً ممن تأخذه الأحكام [١٥] ، ولا تستنكر ذلك بما وقع في
الصحابة من أخذهم بأحكام الدين والشريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم، بل كانوا أشد
الناس بأساً؛ لأن الشارع - صلوات الله عليه - لما أخذ المسلمون عنه دينهم كان
وازعهم فيه من أنفسهم، لما تلي عليهم من الترغيب والترهيب، ولم يكن بتعليم
صناعي [١٦] ولا تأديب تعليمي. إنما هي أحكام الدين وآدابه المتلقاة نقلاً يأخذون
أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان والتصديق، فلم تزل سورة بأسهم
مستحكمة كما كانت، ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم، قال عمر - رضي الله
عنه -: (من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله) ، فقد تبين أن الأحكام السلطانية ...
والتعليمية مفسدة للبأس؛ لأن الوازع أجنبي (خارجي) وأما الشرعية فغير مفسدة؛
لأن الوازع فيها ذاتي [١٧] .
من عوائق الملك حصول المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم: [١٨]
وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية [١٩] وشدتها، فإن
انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما رئموا [٢٠] للمذلة حتى عجزوا عن
المدافعة ومن عجز عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزاً عن المقاومة والمطالبة،
واعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم موسى ﵇ إلى ملك الشام،
وأخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملكها، كيف عجزوا عن ذلك، وقالوا: [إنَّ فِيهَا
قَوْماً جَبَّارِينَ وإنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا] [المائدة: ٢٢] . ولما عزم عليهم
لجوا وارتكبوا العصيان وقالوا له: [فَاذْهَبْ أَنتَ ورَبُّكَ فَقَاتِلا] [المائدة: ٢٤] وما
ذلك إلا لما آنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة، وذلك بما حصل
فيهم من خلق الانقياد وما رئموا من الذل للقبط أحقاباً، حتى ذهبت العصبية منهم
جملة، مع أنهم لم يؤمنوا حق الإيمان بما أخبرهم به موسى من أن الشام لهم،
فعاقبهم الله بالتيه، ويظهر من سياق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة،
وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة، وتخلقوا به وأفسدوا
من عصبيتهم، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا
يسام بالمذلة [٢١] .
стр. 785
اليهود وأسلوب الكذبة الكبرى
جعفر محمد
يحفل تاريخ اليهود بالمفتريات والأكاذيب وليس في شأن الأرض فحسب،
ولكن في شأن العقيدة أيضاً، وأما واقعهم وحاضرهم فيشهد أن أسلوبهم في القول
والعمل هذا أسلوب الكذبة الكبرى.. فهم يرفعون شعارات العدل، ويسعون ليحلوا
في ظلم الناس محل ظالميهم.. ويرفعون شعارات الحرية، ويسعون جاهدين
لحجبها عن كل الناس غير اليهود.. ويرفعون شعارات المساواة.. لا ليتساوى
الأسود والأبيض، بل لتختلط كل العقائد ولا يستطيع أي أحد أن يميز؟ !
١- عقيدة اليهود كذب:
المصدران الأساسيان للمعتقدات اليهودية اليوم هما التوراة والتلمود.
فأما التوراة فتُجمع المصادر التاريخية والعلمية أن اليهود قد أعادوا كتابتها
على النحو الذي هو قائم الآن، وجعلوها منطلقاً للعنصرية والحقد والكراهية لكل
العالم وصولاً لتأسيس دولة داود جغرافياً وسياسياً ومادياً! ! وهو هدف معارض
للتوراة التي أوحى الله بها لموسى ﵇.
(وقد أثبت العلم العصري - بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة ... والتاريخ وعلم اللغات - أن التوراة لم يكتبها موسى، وإنما كتبها أحبار لم يذكروا اسمهم عليها، ألفوها على التعاقب معتمدين في تأليفها على روايات سماعية سمعوها قبل أسْر بابل) [١] .
وقد أشار كثير من الباحثين إلى ذلك الاحتواء الخطير الذي وقعت فيه تعاليم
الدين الذي أنزل على موسى ﵇ مرتين: الأولى في اتصاله بالفكر
البابلي، ثم بالفكر اليوناني. ويعد فيلسوفهم (فيلون) هو الذي وفق بين التوراة
وتعاليم اليونان الوثنية، وفسر التوراة تفسيراً يوفق بين تعاليمها وتعاليم اليونان.
وأشار جيمس فريزر في كتابه عن (الخرافة) - بقوله: (لقد شهد كثيرون بأن
العقيدة التي يتستر وراءها اليهود هي شريعة الغاب التي تقوم على تدمير المدن
والقرى، وحرق المسكن وقتل الأطفال والشيوخ) .
ويقول ول ديورانت: (يبدو أن الفاتحين اليهود عمدوا إلى أحد آلهة كنعان
فصاغوه على الصورة التي كانوا هم عليها وجعلوه الإله (يَهْوَه) ؛ فيهوه ليس خالقاً
لهم بل مخلوق لهم، وفي يهوه صفاتهم الحربية: التدمير والسرقة، ويهوه قاسٍ
مدمر متعصب لشعبه؛ لأنه ليس إله كل شعب بل إله بني إسرائيل فقط! ، وهو
بهذا عدو للآلهة الآخرين كما أن شعبه عدو للشعوب الأخرى! !) .
وأما التلمود فهو جملة من القواعد والوصايا والتعاليم المتعلقة باليهود على
مدار التاريخ.. وقد حرص اليهود - لكي لا تنكشف نياتهم تجاه العالم - أن تظهر
طبعات التلمود وقد حُذف منها بعض الفقرات والأخلاق وكل ما يعتبر طعناً مباشراً
في الأديان الأخرى، وتقرر أن يترك مكان هذه الفقرات خالياً حتى يثبتها اليهود
فيما بينهم، وبهذه الوسيلة لا يثور الناس عليهم، ومع هذا الحذف والتبديل والتغيير
فإن هذه الطبعات لا تزال زاخرة بالفضائح والشنائع المخجلة، والتلمود هذا مملوء
بدعاوى العصبية والعنصرية وزعم أن اليهود هم شعب الله المختار.
٢- عنصرية.. وغدر:
هناك مجموعة معتقدات وأساليب حياة ينظر إليها اليهود على أنها خطة عمل
يجابه بها العالم.. تلك هي: (بروتوكولات حكماء صهيون) وبين سطور هذه
البروتوكولات تتأرجح بغضاء دينية وعنصرية عميقة الجذور، فهي تقوم على
محاولة القيام بأمور كثيرة منها:
١- حكم الدول كما تحكم الحكومات رعاياها عن طريق تكبيل هذه الحكومات
بالقروض ذات الفوائد عن طريق المال اليهودي، وعن طريق اختيار رؤساء الدول
من الذين ليس لهم خبرة في شؤون الحكم ليكونوا كقطع الشطرنج.
٢- انحلال الشعوب غير اليهودية بالطرق كافة وشتى الوسائل.
٣- اعتبار المحافل الماسونية كالقناع الذي يحجب الأهداف الحقيقية.
٤- تغيير التجمعات العقائدية إلى تجمعات مصلحية مادية.
٥- السيطرة على وسائل الإعلام للسيطرة على الجموع البشرية.
٦- إلهاء الجماهير بأنواع شتى من الملاهي والألعاب.
٧- وتقوم البروتوكولات برسم وتحديد الحكومة العالمية المتوهمة لليهود في
شتى المجالات.. وهذه هي البروتوكولات.
ولا شك أن الناظر إلى ما يجري في العالم يلحظ وجود علاقة بين ما يحدث
ومواقف اليهود تجاه غيرهم على ضوء المخطط السياسي والعقائدي المرسوم في
أصول اليهود العقائدية المحرفة (التوراة والتلمود) وفي خطتهم السياسية
(البروتوكولات) التي تحوي العنصرية والغدر، وتوصي بكل أنواع الجرائم من قتل
وحرق واغتيال وتشويه.. فمن ذبح مائتين وخمسين إنساناً، والتمثيل بأجسادهم ما
بين طفل ورضيع وامرأة حُبلى وشيخ طاعن في دير ياسين إلى حرق المسجد
الأقصى، إلى اغتيال العلماء النابغين وخاصة في مجال الذرة.. وهذا قليل من
كثير يكشف عن أخلاق اليهود وصفاتهم.. وصدق الله العظيم: [ويَقُولُونَ عَلَى
اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ] [آل عمران: ٧٥] ، وقال :
[سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ] [المائدة: ٤١] وقال -جل شأنه -: [الَذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ] [الأنفال: ٥٦] ، وقال جل وعلا: [ويَقْتُلُونَ الَذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ] [آل عمران: ٢١] .
٣- ثمار اليهود المحرمة:
كان من ثمار اليهودية العالمية فصل الدين عن الدولة وإقصاؤه عن واقع الحياة. واستغل اليهود مسمى (الحرية) ليكون ستاراً لجميع أنواع الإلحاد والعهر التي
تهز القيم الدينية، وتجاهر بتسفيه أهلها وتشكيك الناس فيها، وإطلاق العِنان
للشهوات.. وهكذا يعمل اليهود على جعْل الإنسان يعبد نفسه بالسعي وراء متطلباتها، أو جعل الإنسان يعبد إنساناً مثله باسم المبدأ أو الفلسفة أو الزعامة فيه، وإعطاء
هذا المعبود المزعوم قداسة الألوهية بتعظيم صورته وتضخيم أعماله.. بل إن
اليهود في بعض الأحيان يُعَبِّدون الناس للأرض والوطن أو لفئة من الناس في
صورة الشعب أو الحزب! !
فالذي يمسخ شخصيته بالانقياد لهم يصفونه بالوطني المتحرر، والناقض
لعهود الله الفطرية والشرعية يصفونه بالحر الأبي! !
وهكذا نفذ علينا اليهود وتلاميذهم والمأجورون من جلدتنا المدربون في
مدارسهم الذين انصبغوا برجسهم وثقافتهم، فانصبغت مناهج الحياة في كثير من
بلادنا بصبغة مادية وثنية إلحادية بعيدة عن حكم الله فيما أنزل وخان المأجورون من
جلدتنا أمانة الله، ونبذوا كتابه ورفضوا حكمه وشريعته. وزعموا أن الإسلام ما هو
إلا مجموعة من العقائد والعبادات والشعائر، فهو مسألة لا تعدو أن تكون شخصية!! ...
وطبعاً إذا كان الدين لا يحكم شؤون الحياة فلابد أن تحل محله نظريات اليهود
وأفراخهم! ! وهكذا لم يبقَ معهم من الإسلام إلا مجرد الانتساب الذي هو كالصورة
وما أعظم الفرق بين الحقيقة والصورة! ! وكانت هذه وغيرها من الثمار المحرمة
لشجرة اليهودية العالمية.
٤- بشرى للمسلمين.. ولكن! :
هل تبقى هذه الأوضاع سائرة على وفق المخطط اليهودي في تأسيس مملكة
اليهود العالمية؟ !
لا شك أن الجواب: لا، دون تردد، فقد بشرنا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بمعركة فاصلة بيننا وبين اليهود؛ فقال ﷺ :
«لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ
اليهودي من وراء الحجر والشجر؛ فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله،
هذا يهودي خلفي، فتعالَ فاقتله إلا الغَرْقَد فإنه من شجر اليهود» متفق عليه.
ولكن ما دام الناس على إعراضهم عن عبادة الله بمعناها الحقيقي، فسيبقون
مسخرين لجميع أنواع المتحكمين فيهم من يهود أو ذيولهم، أما في الوقت الذي تقوم
فيهم (أمة) ترفع لواء الإسلام وتعيد سيرته الأولى فإن جميع مَن أمامهم من يهود
وأعوانهم لا يستحقون أكثر من وصف الجرذان.. فلا يخيف اليهود ولا أتباعهم
سوى العصبة المؤمنة العابدة لربها التي تجدد مجد أمتها وتعيد تاريخها وما ذلك على
الله بعزيز.
стр. 786
تطبيق السنة
بين الغلوّ والجفاء
محمد بن عبد الله الدويش
إن مظاهر البعد عن السنة تتمثل في اتجاهين:
أولاً: التفريط والجفاء:
وهذا له مظاهر نشير إلى أهمها بإيجاز:
١- عدم العناية بها:
البعض من الدعاة إلى الله قد أهمل هذه السنن ولم يعتنِ بها
بل كثيراً ما يمتد الأمر إلى التهاون في الواجبات والمحرمات. وعندما ترى الداعية
لا تكاد تفرق بينه وبين غيره في عبادته وصلاته وهديه وسَمْته ومظهره، ولا شك
أن المسلم ينبغي له أن يلتزم الإسلام من حيث الجملة، ولا يعفيه من ذلك كونه
يعيش في واقع سيئ.
٢- دعوى تقسيم الإسلام إلى لب وقشور:
بدأت تطل هذه الدعوى نتيجة لغيبة منهج أهل السنة والجماعة عن الساحة
وفشو الجهل وقلة العلم. ويكفي في بطلان هذه الدعوى أن هذا التقسيم لا يُعرف
عن سلف الأمة. كيف وقد قال - تعالى -[ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى
اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ٣٦] وقد حذر النبي
ﷺ من محقِّرات الذنوب التي يقع فيها الكثير من هؤلاء بحجة
أنها قشور أو مسائل خلافية «يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً» أخرجه النسائي وابن ماجة من حديث عائشة. وأخرج أحمد بسند حسن من
حديث سهل بن سعد ﵁ أنه ﷺ قال:
«إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ ...
فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى ما يؤخذ بها صاحبها تهلكه» .
وهناك فرق بين التقسيم إلى فروع وأصول والتقسيم إلى لب وقشور.
٣- الانشغال بالقضايا المعاصرة:
إننا في عصر قد بلينا بأمور جسام وانحرافات خطيرة يصل بعضها إلى الردة
عن دين الله كما سيأتي الإشارة إلى شيء من ذلك، ولذلك قال
البعض بحسن نية: لِمَ نشغل أنفسنا بهذه الأمور وندع القضايا الأهم؟ ! ، المسلمون
يُقتلون ويُذبحون وأنت منشغل بحكم الإسبال واللحية والإشارة بالسبابة في الصلاة.
ونحن لا نجادل أن هناك قضايا أهم من هذه بكثير، لكن هل يعني ذلك ترك
هذه الأمور الفرعية والسخرية ممن يفعلها؟ ولِمَ نفترض التعارض أصلاً؟ ؛ فإن
الكثير من هؤلاء تضيع عليهم أوقات كثيرة سدى، فلا هم نصروا المستضعفين،
ولا حلوا مشاكل الأمة، بل تجد إعراضهم وبُعدهم يمتد إلى أصول مهمة في الدين
لا يُعرف تفاصيل حكم الله فيها. إن وجود هذه الانحرافات يتطلب الاهتمام بها ولا
شك، وأن تكون في قائمة اهتماماتنا، لكن لا يعني ذلك بالضرورة ترك ما عداها
ولا الانشغال بما دونها عنها. ولما جاء عقبة بن عامر يبشر عمر بفتح بيت المقدس
تلقى بُشراه ثم نظر إلى قدميه فرأى عليه خفين فسأله.. فلم يشغله اهتمامه بأمر
المسلمين عن العناية بهذه القضية الفرعية. ولما دخل عليه شاب مسبل إزاره -
وهو في النزع - لم يشغله ذلك عن الإنكار عليه.
ثانياً: الغلو في تطبيق السنة:
١- تتبُّع الغرائب:
مما يؤسف له أن البعض يحرص على السنن الغريبة والمجهولة عند الناس،
والتعلق بالغرائب مما جبلت عليه النفوس، أليست القصة الغريبة والحديث الغريب
مما يجد رواجاً لدى الناس ويشد انتباههم أكثر من غيره؟ ، ومن هنا تتعلق نفوس
البعض ببعض الغرائب - عن الناس - فعندما يرى سنة مجهولة أو غريبة يسارع
إلى المبادرة إليها والتمسك بها، ولسنا نقف ضد إحياء السنة. إنما الغالب في هذا
الأمر شهوة خفية لدى البعض قد لا يحس بها ألا وهي التعلق بالغرائب وحب مخالفة
الناس، ثم إن فعْل ذلك يعطي تميزاً لهذا الشخص وهذا من مداخل الشيطان. وإذا
كان الأمر يتعلق بإحياء السنة لا غير فما بال بعض السنن المهجورة نجد القلة ممن
يحييها!
إن تأليف قلوب الناس على الحق وجمع كلمتهم مطلب شرعي؛ فقد قال ابن
مسعود ﵁: (ما أنت محدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان
لبعضهم فتنة) . وقال علي- ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون ...
أن يكذَّب الله ورسوله؟ !) بل قد ترك رسول الله ﷺ هدم
الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم؛ لأن قومه حديثو عهد بجاهلية، وبعد أن بناها
ابن الزبير وأعادها الحجاج لم يفتِ أحد من علماء الأمة بهدمها وبنائها مرة أخرى.
وقد ترك ﷺ قتل المنافقين لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل
أصحابه، إن تأليف قلوب الناس بترك سنة أو تأجيلها أوْلى من ترك الكعبة وقتل
المنافقين.
ومجتمعنا يحوي عدداً من كبار السن الذي عاشوا سنين طويلة في مجتمع
متدين محافظ، فكيف بهم يفاجأون بشاب يأتيهم بما لم تأتِ به الأوائل، يأتي ليؤذن
أذاناً ما عهدوه، أو يوتر بخمس وقد عهدوا خلاف ذلك! . أليس من المصلحة اتباع
الحكمة والتروي في تعليم الناس السنة؟ وأن تكون ممن يثقون بعلمه ودينه لا من
حدث في سن أصغر أحفادهم. وثمَّة أثر آخر لذلك وهو أن الناس يهون عليهم
التغيير بعد ذلك فقد يقبلون بداعي البدعة أو تبديل بعض شرع الله؛ لأنهم اعتادوا
الخروج عما ألفوه واعتادوه.
٢- الاهتمام بها على حساب الواجبات:
لا أظن أني أجاوز الحقيقة إذا قلت إن البعض ممن يعرف تفاصيل الأدلة في
مثل هذه المسائل قد يخطئ في عدة أركان أو شروط أو مبطلات الصلاة، وقد لا
يفرق تفريقاً دقيقاً بين الواجب والشرط والركن، ناهيك عما يفسد الصوم وما لا
يفسده، ومسائل المسح على الخفين، والجبيرة، وما يصح وما لا يصح من العقود، فضلاً عن أدلة هذه المسائل وتفصيلاتها، بينما يعرف دقائق التفصيلات في هذه
السنن. وقُل مثل ذلك عن شروط الشهادتين ولوازمهما ومقتضياتهما، وأصول أهل
السنة والجماعة والحد المخرج عن جماعة أهل السنة والمدخل فيها. أما أصول
الفقه واللغة فلا تسأل عنهما!
٣- الاهتمام بها على حساب القضايا المعاصرة:
لقد ابتلينا في عصرنا الحاضر بانحرافات خطيرة عن دين الله
يصل بعضها إلى الكفر البواح، كالحكم بغير ما أنزل الله، وتشريع الأنظمة
والقوانين المخالفة للشريعة، وإباحة الربا والفواحش، وسن الأنظمة التي تحميها
وتنظمها. والدعوة للسفور وخروج المرأة ناهيك عن العلمانية التي استحكمت
خيوطها في جسد الأمة. أما الفرق الضالة فقد بدأت تنفض ركام التاريخ لتعيد أمجاد
القرامطة والعُبيديين، وتحيي ذكريات أبي طاهر وابن العلقمي ونصير الشرك
والحاكم بأمره؛ لترقص على أشلاء أهل السنة في غيبة فوارسهم.
ما نصيب هذه الأمور من الاهتمام والدراسة العلمية الرصينة والنقاش
والإثارة، لا أبالغ إذا قلت إن بعض الأخيار يجهل أصول بعض هذه المسائل فضلاً عن تفاصيلها. فضلاً عن الاهتمام بها.
ولا يعني هذا إهمال الأمور الفرعية - كما سبق - إنما يجب أن تُعطى قدرها
من الاهتمام وتوضع الأمور في نصابها.
٤- الإكثار من طرحها واثارتها:
وثمَّة موقف آخر يحتاج إلى وقفة، ذلكم أن البعض كثيراً ما يردد هذه المسائل
في المجالس وكثيراً ما يقرأ فيها وينقب ويسأل عنها كل مَن لقيه، وهذا كله على
حساب ما هو أهم وأوْلى كما سبق، أليس من وضع الأمور في نصابها أن نبحثها
مرة أو مرتين بقدر ما نصل في ذلك إلى قناعة عملية ثم نشتغل بغيرها؟ ، فهل هي
كل ما نحتاجه لنقرأ فيه ونسأل عنه ونطرحه للنقاش؟ .
٥- التكلف والتشدد في تطبيقها:
ما أحوجنا إلى أن نلزم أنفسنا بما فُرض فعله أو تركه، ونتفقد أنفسنا على
ذلك ثم نسعى جاهدين لتطبيق ما نستطيعه من سنن بيسر ودون تشدد أو مبالغة.
لقد رأيت أكثر من شخص في موسم الحج والعمرة وقد أطلق شعر رأسه إلى
منكبيه اتباعاً للسنة بزعمه وأين هو من قوله - تعالى -: [مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ
ومُقَصِّرِينَ] [الفتح: ٢٧] ، وقوله ﷺ : «اللهم اغفر
للمحلقين ... » ، ومثله أن يجئ شخص متأخراً إلى المسجد بعد إقامة الصلاة ويدفع
الناس ليصل إلى الصف الأول، أو يضايقهم ليسوِّي الصف!
وإن مَن يسلك هذا المسلك لابد له من أن يكون ذلك على حساب الفرائض،
أو على حساب سنة أولى منها، أو إلى الغلو والتشدد الذي قد نُهي عنه، أو أن
يطبق السنة تطبيقاً خاطئاً.
سنن مهجورة أوْلى بالإحياء:
ثمة فرق واضح بين السنن المهجورة والسنن المجهولة؛ فالأولى أعم، فكل
سنة لا يعمل بها الناس فهي مهجورة ثم قد تكون مجهولة لدى الناس وقد تكون غير
ذلك. ولقد كان السلف لا يدعون ختم القرآن وتحزيبه، فقلما تقرأ في ترجمة أحدهم
إلا وتجد أنه كان يختم في كذا وكذا ومعظم هدْيهم التسبيع. فأين شبابنا عن التعشير
بله التسبيع، بل أين مَن يختم منهم مرتين في الشهر، وثالثة الأثافي أن الكثير منا
لا يأتي إلى المسجد إلى عند الإقامة وتراه لا يساوم على الصف الأول، فأين انتظار
الصلاة، والرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، وقل
مثل ذلك في قيام الليل وصيام النفل والجلوس في المسجد للذكر بعد الصبح؟ ! .
أين الحريصون على السنة والمتشددون في تطبيقها من هذه السنن، أليست
هذه السنن أولى بالإحياء وفيها ما يدعو إلى حياة القلب وصلاحه وإزالة القسوة التي
نشكو منها جميعا. وثانياً أليس هذا يعطي دليلاً صادقاً للناس على صدقنا ويجعلنا -
معشر طلاب العلم - قدوة للآخرين؟ .
وأخيراً نستطيع أن نخلص إلى ما يلي:
أولاً: ضرورة العناية من الدعاة إلى الله بالإسلام جملة
وتفصيلاً بالسنن والواجبات بالفروع والأصول، وأن يتميز الدعاة إلى الله عن
غيرهم بالعناية بهذا الأمر.
ثانياً: ضرورة أن نحرص على نوع من السنن (المهجورة لا المجهولة)
كالتبكير للصلاة والجمعة، وقيام الليل والجلوس في المسجد للذكر بعد الصبح؛ لما
لها من دور في إحياء القلوب وإزالة قسوتها، ولأنها تعطي الناس الثقة بما نحن
عليه.
ثالثاً: لا بد في تطبيق السنة من الحكمة والتأني وعدم مفاجأة الناس بأمور لا
يعرفونها، ومن التيسير وعدم التكلف فيها والتشدد.
رابعاً: لا يسوغ أن نكثر من بحث هذه المسائل وإثارتها على حساب ما هو
أهم منها بل يكفي تأصيلها.
стр. 787
خواطر في الدعوة
الشجاعة المفقودة
عندما دعت جامعة هارفارد الأمريكية الكاتب الروسي (سولجنتسين) الهارب
من جحيم الشيوعية ليتكلم من منبرها؛ لخص هذا الكاتب الأزمة التي يعاني منها
الإنسان في الغرب بأنها (زوال البأس) وخصوصاً في الطبقة الحاكمة وعند نخبة
المفكرين، وتابع يقول: (يوجد أفراد لهم شجاعة وبأس ولكنهم لا يلعبون أي دور
مسؤول في الحياة السياسية، والتاريخ يعلّمنا أن الهبوط في البأس مؤشر على نهاية
الدول) .
... ... ... ... ... ... ... (الحياة ١/١٢/٩٠)
لا أدري هل قرأ (سولجنتسين) لابن خلدون - ولا أظنه - ولكن من عجيب
الاتفاق أن ابن خلدون ركز كثيراً على هذا المعنى، وأن الاستبداد والظلم ومعاناة
الناس للحكم يزيل البأس عنهم، ويتحولون إلى شخصيات ضعيفة فيها كذب ومكر
وتملق، وعندئذ فلا خير فيهم، فلا هم يستطيعون المطالبة بشيء قوي، ولا
المدافعة إذا طالبهم أحد.
إن كلام الكاتب الروسي يدل على دقة ملاحظة وعمق في فهم المجتمع الغربي، فكثرة الرفاهية أنتجت أجيالاً، حتى على مستوى السياسة والفكر لا تملك الشجاعة
في اتخاذ القرار أو لا تملك الشجاعة بشكل عام..
ولكن ما بالنا نحن؟ ! هل نعاني من قلة البأس، وقلة الرجال الذين يملكون
الشجاعة للجهر بالحق، أم أن هذا داء عام، فالأجيال الحاضرة غير الأجيال السابقة، الواقع أننا نعاني من هذه الطامة، وإذا كانت الرفاهية - أو (الحضارة) بلغة ابن
خلدون - هي سبب هذه الظاهرة في الغرب، فالسبب عندنا هو عقم التربية في
المنزل والمدرسة والعيش في أجواء الظلم والقهر، فهذا مفسد للبأس ذاهب بالمنعة.
كيف نعيد هذا (البأس) ونحييه في الأمة؟ إن مثل هذا لا يُعطى كجرعة
الدواء، ولكن التربية الطويلة على الاستقلالية، وخشونة العيش، والجهاد في سبيل
الله - كلها تساعد على تربية الشخصية التي تعتد بنفسها وما تملك من دين وخلق،
والمحاضن الطبيعية هي المنزل والمدرسة، والعيش في أجواء إسلامية نظيفة،
يتربى الفرد فيها على الاحترام المتبادل وعلى العطف والتقدير.
стр. 788
من هدْي السلف..
التلازم بين الظاهر والباطن
د. حسن حسن إبراهيم
قاعدة (التلازم بين الظاهر والباطن) قاعدة قطعية في الشريعة الإسلامية، ...
ولا شك أن لهذه القاعدة أهمية كبرى في إزالة (التميُّع) وفي ضبط الرؤية في كثير ...
من قضايا الحركة الإسلامية.
الظاهر تابع للباطن:
يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ألا وإن في
الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي
القلب» [١] .
ويعقب ابن تيمية على هذا الحديث بقوله: (إن الإيمان قول وعمل: قول
باطن وظاهر وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن، لازم له، متى صلح
الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي
العابث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه!) [٢] .
الظاهر دليل على الباطن:
يقول الشاطبي: (.. فمن التفت إلى المسببات من حيث كانت علامة على الأسباب في الصحة أو الفساد لا من جهة أخرى - فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على وزان ما شُرع أو على خلاف ذلك. ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلاً على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرماً حكم على الباطن بذلك أو مستقيماً حُكم على الباطن بذلك أيضاً. وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات. بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جداً. والأدلة على صحته كثيرة جداً. وكفى بذلك عمدة أنه الحكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر وطاعة المطيع وعصيان العاصي وعدالة العدل وجرح المجرّح، وبذلك تنعقد العقود وترتبط المواثيق إلى غير ذلك من الأمور، بل هو كلية التشريع وعمدة التكليف بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة) [٣] .
فانظر كيف جعل الظاهر دليلاً على الباطن ثم انظر كيف جعل ذلك أصلاً
عاماً نافعاً أدلته كثيرة وحكم به على إيمان المؤمن وكفر الكافر.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الله - تعالى: [مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ
إيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ولَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ
مِّنَ اللَّهِ ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [النحل: ١٠٦] .
فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً وإلا تناقض أول الآية
وآخرها (ولو كان المراد بَمن كفر هو الشارح صدره - وذلك يكون بلا إكراه - لم يُستثنَ المكره فقط بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهي كفر. وقد دل على ذلك
قوله - تعالى -: [يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ
اسْتَهْزِءُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (٦٤) ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ
ونَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ
إيمَانِكُمْ] [التوبة: ٦٤-٦٥] .
فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له
بل كنا نخوض ونلعب، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر ولا يكون هذا إلا ممن
شرح صدره بهذا الكلام. ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام) [٤] .
فتأمل قوله: (وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً) وقوله: ...
(ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام) ويقول في موضع آخر: ... (التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف كما أنه يوجب
المحبة والتعظيم، واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا - أمر جرت به سنة الله في
مخلوقاته) [٥] ويقول: (إن سب الله أو سب رسوله كفر، ظاهراً وباطناً، سواء
كان السابّ يعتقد أن ذلك محرماً أو كان مستحلاً له أو كان ذاهلاً عن اعتقاده. هذا
مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) [٦] .
فانظر أيضاً كيف حكم بالظاهر على الباطن ولم يرتب الحكم على الاعتقاد
فقط. ويتضح التلازم بين الظاهر والباطن أيضاً في قوله - تعالى -[ولَوْ كَانُوا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ] [المائدة: ٨١] .
فتأمل كيف جعل الله - سبحانه - فساد الظاهر دليلاً على فساد العقيدة والباطن.
الرد على شبهات يقول بها البعض:
لا يقال إن المنافق يظهر غير ما يبطن فإن للمنافق ظاهراً آخر يتفق تماماً مع
باطنه، وأيضاً فقد قال الله -تعالى -: [ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ] [محمد: ٣٠]
وكذلك لا احتجاج بالمكره على نقض هذه القاعدة؛ فإن المكره قد ظهر من ظروف
الإكراه أنه لم يرد ولم يقصد هذا الظاهر إنما قصد دفع الإكراه. فمَن عرف ارتباط
الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة - التي دخلت على المرجئة وعلى بعض
المنتسبين إلى العلم في زماننا هذا - من أن المرء قد يكون مؤمناً كامل الإيمان في
الباطن وإن كان في الظاهر يشرع من دون الله ويعادي المؤمنين ويوالي الكافرين.
وهؤلاء هم سبب اللبس الذي تعانيه أجيالنا المعاصرة منذ أن زحفت العلمانية
بغزوها الفكري على أراضينا وشريعتنا وفكرنا.
стр. 789
البيان الأدبي
السعادة الوهمية
مؤمنة الشلبي
بدأت ظلمة الليل تتبدد وأخذ الفجر طريقه إلى الحياة، انسحب الليل بسواده
أمام الضياء الذي بدأ يطل على نافذة غرفة (سناء) التي كانت بصحبة خادمتها
(ناتالي) تُعدها، وتزينها، وتلقي النظرات الأخيرة على أناقتها قبل أن تخرج
لتستقبل يومها الأول في الجامعة.
ووقفت (سناء) أمام المرآة لتطمئن على أناقتها وأحاسيس مثيرة تنتابها وتملأ
كيانها بالغبطة والسعادة؛ فهي منذ اليوم ستكون فتاة جامعية لها شأنها.
وفي هذه الأثناء عاودتها ذكرى قدوم (ناتال) - الخادمة الفلبينية الوديعة
المحببة إلى النفوس من جميع أفراد العائلة - بما تقدم كل من إخلاص في الخدمة
وعذوبة في الحديث وتودُّد من الجميع لا نظير له ولا أدل على ذلك مما وجدته
(سناء) عندها من العطف والحنان، بل والحب الذي افتقدته عند والدتها التي لا تكاد
تنصرف عن زياراتها ومكالماتها مع صديقاتها، موكلة مهمة العناية بالبيت والأطفال
لخادمتها، بل طالما انصرفت الأم عنها وهي في شدة المرض لتمرضها (ناتالي)
وتهتم بها!
صحت (سناء) من شرود أفكارها على يد (ناتالي) الناعمة تُميل برأسها نحوها
وتضمها إلى صدرها، وتقبّلها قائلة: حسناً يا سناء، إنك بهذا الجمال وهذه الأناقة
تستحقين أن تكوني (الأستاذة سناء) !
وابتسمت (سناء) وهي تتابع كلام (ناتالي) بتعطش شديد فقد ضربت وتراً
حساساً لديها، فهي منذ الصغر تتلهف لليوم الذي تكون فيه أستاذة المستقبل يتحدث
الجميع باسمها.
وفي البهو الجامعي كانت المفاجأة السارة حيث التقت (سناء) مع صديقة
الطفولة وزميلة الدراسة (أمل) ، كان اللقاء حاراً استهلته (أمل) بإبداء الابتهاج
لنجاح سناء ودخولها الجامعة، واتبعت ذلك بالسؤال عما كانت تعانيه (سناء) من
صداع بين الحين والآخر.
فأجابتها (سناء) على الفور: الفضل كل الفضل في نجاحي يعود إلى خادمتنا
(ناتالي) التي سهرت على راحتي، وآنستني أثناء دراستي، وجلبت لي كل ما
يساعد على مواصلة السهر حتى الصداع الذي كنت أعانيه من جراء ذلك كان يزول
بأقراص السعادة العجيبة التي تقدمها لي!
وما زالت (سناء) تحدث (أمل) عن (ناتالي) بإعجاب وتصف شدة حبها
وتعلقها بها، و (أمل) لا تزيد أن ترد بابتسامة مجاملة لها، وقد اضطرم القلق في
عروقها.. إلى أن قطع الحديث بينهما بداية المحاضرة الأولى؛ فانسلت كل منهما
إلى قاعتها.
وتوالت اللقاءات بين (سناء) و (أمل) بتوالي الأيام، وفي كل مرة كان الشك
والقلق يزداد عند (أمل) .. إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان حين دخلت (أمل)
كافتريا الجامعة في أحد الأيام، وإذا بصديقتها (سناء) وقد استندت إلى أحد الكراسي، وقد بدا الشحوب على وجهها، وأمسكت برأسها تضغطه بكفيها وكأنها تريد أن
تستخرج منه شيئاً ما.
أسرعت إليها (أمل) تستوضح حقيقة الأمر؛ لتقوم ببعض الواجب تجاه
صديقتها وخاصة في مثل هذا الموقف وفوجئت بسناء تقول لها وببرود قاتل: لا
عليك يا عزيزتي؛ فالأمر لا يحتاج إلى اهتمام كبير فلقد اعتدت هذا، وما عليك إلا
مساعدتي للوصول إلى المنزل، وهناك تدبر أمري (ناتالي) بحبوب السعادة التي
تقضي على كل الآلام، وتعيد لي نشاطي وقوتي!
ولمعت الدهشة في عيني (أمل) ، وبدأ الشك الذي تسرب إلى نفسها يتحول
إلى يقين.. ولكن لم يكن بإمكانها في مثل هذا الموقف إلا الإسراع لتلبية طلب
(سناء) ، فاتصلت بوالد (سناء) في عمله والذي حضر لتوّه دون أن يظهر عليه أي
تأثر بالغ، فقد اعتاد هو الآخر على مثل هذه المواقف.
وفي المساء كانت (أمل) في بيت (سناء) لتطمئن عن صحتها ولم تتمالك نفسها
من إظهار الدهشة والإعجاب وهي ترى صديقتها بكامل صحتها ونشاطها، وقد تألق
وجهها بفيض من ملامح السرور والسعادة، واندفعت نحو (أمل) تضمها إليها وهي
تردد - والضحكات لا تفارق ثغرها -: ألم أقل لك يا عزيزتي بأن الفضل كل
الفضل يعود إلى الفتاة العظيمة (ناتالي) ، فما إن أوصلني والدي إلى المنزل وعاد
إلى عمله حتى احتضنتني (ناتالي) بعطفها وحنانها، وما إن ناولتني الأقراص
سرعان ما زال ألم الصداع، وعشت في عالم من السعادة، ودب النشاط في جسمي، وذهب أثر الشحوب عن وجهي وبدأ يتألق بالجمال كما تقول (ناتالي) ، وقهقهت
بخبث وهي تردف قائلة:
هل تصدقين يا أمل بأن (ناتالي) مقتنعة جداً بجمالي، فهي لا تفتأ تبدي
إعجابها وتردد على مسامعي: جمالك بارع جداً يا سناء ولكنك تشوهينه بهذا
الحجاب اللعين! ، سمعتها وهي تشتم أن يكون مولدي في هذا المكان، وأنه لمن
الظلم أن أظهر للمجتمع بلبوس العجائز! ، واتبعت ذلك بضحكة عريضة وهي
تقول: ألا توافقين على ذلك يا أمل؟ !
كانت (سناء) مسترسلة بحديثها المحبب إلى نفسها ولم تكن تدري ما يجول في
خواطر (أمل) التي تمالكت أعصابها وقالت: ثم ماذا؟ ! تابعي حديثك يا سناء.
فقالت سناء: أجل لقد نسيت أن أخبرك بأن (ناتالي) كثيراً ما كانت تؤكد لي
بأنها مستعدة لجلب تلك الحبوب لكل مَن أحبها وأثق بها من زميلاتي، وبأسعار
معقولة، بل إنها ستقدمها بدون مقابل للمرة الأولى فقط! ، فما رأيك يا (أمل)
بتجريب تلك الأقراص؛ فإنها ستكون عوناً لك على مواصلة السهر أثناء الدراسة
الجامعية، وإشعارك بنوع من السعادة الخفية العجيبة؟ !
وفي تلك اللحظات كان الانفعال قد بلغ ذروته عند (أمل) ، وارتسمت على
وجهها ظلال من الخوف الممزوج بالغضب، وجمدت كلمات مخنوقة في حلقها،
ومرت برهة صمت غمر فيها (أمل) شعور مَن يرى عزيزاً عليه يغرق في مياه
آسنة، ثم اندفعت الكلمات من حلقها - وهي تزمجر كالأسد الهائج -: لا.. لا..
لن أسح لتلك الشيطانة اللعوب أن تؤدي بك إلى الجحيم.. تنبهي يا (سناء) إن هذه
المجرمة تناولك السم بيدها، وثقي بأنها هي مصدر ما تعانيه من آلام الصداع،
والإرهاق، ولن يكون مصيرك معها سوى الموت أو الضياع! ، أو..، فقاطعتها
سناء ذاهلة - وهي تجاهد أن تملك نفسها من فرط العجب والدهشة لغضب (أمل)
المفاجئ -: ماذا جرى لك (يا أمل) ؟ ! .. وما هذا الذي تقولين؟ ! ؛ فأنا لا أسمح
لك أن تصفي (ناتالي) العظيمة الحبيبة بهذه الصفات! .
وأجابتها (أمل) باستنكار شديد: بل الغريب منك يا (سناء) - كيف لا تسمحين
لي أن أصف تلك المرأة الوثنية بالحقيقة؟ ! .. والأغرب من هذا أن تدافعي عن
العدوة الحاقدة، وتسمحي لها أن تصف دينك زوراً وبهتاناً بتلك الصفات القذرة،
وأن تهدر قيمة حجابك بكلمات خبيثة براقة، وتعترض على مولدك في المكان الذي
شرَّفه الله من فوق سبع سموات ...
أجل.. يا سناء لقد نسيتِ تحت تأثير الوهم القاتل (حبوب السعادة) - أن كل
ذلك هو مصدر عزتك وكرامتك بل ومصدر إنسانيتك الحقة التي تحميك ألم الذل
والمهانة والضياع، ومن ثم التردي والوقوع بين مخالب الذئاب المفترسين الذين
يريدون منك ومن كل مسلمة أن تكون بين أياديهم الظالمة الآثمة باسم الشعارات
المزيفة الجذابة ...
وفي هذه الأثناء بدت (سناء) متهالكة وقد فغرت فاها، وأمسكت برأسها،
وصرخت بأعلى صوتها: رأسي.. رأسي.. أين أنت يا (ناتالي) وبسرعة عجيبة - وهي تسدد إلى (أمل) نظرات حاقدة مشوبة بشيء من الحذر؛ فقد كانت خلف
الباب تسمع كل ما دار من حديث.. وضمت (سناء) إلى صدرها، ومسحت على
شعرها تحاول تهدئتها وقالت: لا بأس عليك يا حبيبتي؛ فكل شيء على ما يرام،
وما هي إلا لحظات وتستعيدي نشاطك وسعادتك! .
وهنا ارتفع رأس (سناء) مع ارتفاع حاد في صوتها وهي تخاطب (ناتالي)
بانزعاج بالغ: أخرجي هذه الفتاة من بيتنا.. لقد أثارتني وأحرقت أعصابي..
أخرجيها.. أخرجيها.. لا أحب أن أراها..
وأقبلت أم سناء مسرعة تستوضح سبب الضجة الغريبة في غرفة ابنتها،
وفوجئت بأعز صديقات ابنتها وهي تردد:.. أجل سأخرج من منزلكم الآن
مطرودة بسبب هذه الخادمة الشيطانة الماكرة، ولكن تأكدي بأني سأعود لزيارتكم
يوماً ما - إن شاء الله - معززة مكرمة.
وحاولت أم سناء أن تمسك بأمل لتعرف حقيقة الأمر، ولكن (أمل) انسلت
مسرعة، وقد عقدت العزم على القيام بالواجب الملقى على عاتقها تجاه أمتها،
ولإنقاذ هذه الأسرة المسكينة من براثن شر محدق لا يعلم مداه إلا الله.
ولم يمضِ وقت طويل على طرد (أمل) من منزل (سناء) حتى فوجى الأبوان - والد سناء ووالدتها - بالحادث الجلل الذي زلزل كيانهما، وأقضَّ مضجعهما،
ودمر ثقتهما بكل شيء، وهما لا يكادان يصدقان ما يجري في بيتهما من هول
الصدمة العنيفة، ولكنهما مجبران على التصديق.
فهذه ابنتهما الحبيبة (سناء) تُنقل إلى مستشفى الأمل للعلاج من أثر الإدمان
الخطير على الحبوب المخدرة التي كانت تجلبها لها (ناتالي) !
وهذه (ناتالي) - وقد حاولت أن تستنجد بدموعها أمام رجال المكافحة - علَّها
تقيها هذا الموقف الخطير، وتعفيها من الكلام، ولكن الأمور لم تكن لتسمح بذلك؛
فالجريمة فوق مستوى الرحمة والعطف ولابد من الاعتراف.
وفي مركز مكافحة المخدرات اعترفت الخادمة (ناتالي) بجريمتها التي كانت
تنفذها بمساعدة العديد من بنات جلدتها من المربيات والخدم الذين قدموا إلى ديار
الإسلام بخطة مدروسة لتدمير أبناء الإسلام.
وشعرت الخادمة (ناتالي) بقلبها يتحطم تحت وطأة المفاجأة؛ \ فقد رأت كيدها
يرُد إلى نحرها، وتتحطم كل الآمال التي بنتها أما (سناء) الراقدة في المستشفى
تحت العناية المركزة؛ فقد انقشعت سحابة الوهم من أمام عينيها، وأضاءت شمس
الهداية في قلبها، واهتز وجدانها وهي تشاهد صديقتها (أمل) بجوار سريرها،
فغطت وجهها بكفيها لتخفي ما ترقرق من الدمع في عينيها وهي تقول: سامحيني يا
(أمل) فقد ظلمتك وأخطأت في حقك كثيراً.
وتهلل وجه (أمل) بفيض من البِشر والسعادة، وقد لمست صدق الحديث من
صديقتها (سناء) فاقتربت منها وضمتها إلى صدرها وهي تردد على مسامعها كلمات
السماح والحب الصادق.
وتعاقبت الأيام، وتماثلت (سناء) للشفاء الحقيقي التام، وزالت عنها كل
أعراض مرض الإدمان، كالصداع، والإنهاك.. و.. وسمح لها بمغادرة المستشفى
لتملأ الدار بشراً ومرحاً، ولتتمتع برعاية أبويها اللذين اقتنعا بالخطأ الفادح باستقدام
الخادمة من بلاد الكفر والإلحاد، وشعرا بأن مهمة الأم الأساسية هي القيام بحقوق
الزوجية، والإشراف المباشر على تربية فلذات الأكباد لبناء جيل مسلم رشيد يعتز
بدينه وأمته.
وكانت (أمل) من أوائل الزوار لسناء في بيتها وقد حملت معها مجموعة من
الكتب والقصص الإسلامية، بديلاً عن الهدايا التي تقدم عادة كالورود والحلوى في
مثل هذه المناسبات.
وشكرت (سناء) صديقتها (أمل) لوقوفها إلى جانبها في محنتها، وناشدتها
قائلة - بأدب جم -: أرجوك يا (أمل) أن تقبليني أختا لكِ في الله، فلا تبخلي عليَّ بوقت ولا نصيحة عسى أن يوفقني الله وإياك لطاعته والذود عن حرماته.
وأشرق وجه (أمل) بصفاء عميق وهي تقول: أهلاً ومرحباً بكِ أختاً في الله،
وما عليك - يا أختاه - إلا أن تشحذي همتك؛ فالغاية مشرقة نيِّرة والسبيل إليها
هدْيه ﷺ : «قل آمنت بالله ثم استقم» .
وبينما هما تتضاحكان وتتبادلان ذكريات الماضي.. إذ بصوت المذياع يعلن
عن إذاعة بيان صادر عن محكمة القضاء الأعلى.
وساد الصمت برهة جو الغرفة ومرت لحظات والفتاتان تصغيان بانتباه شديد، وما أن أُعلنت أسماء أفراد العصابة التي صدر بحقها الحكم الشرعي جزاءً على ما
اقترفته أيديهم من تهريب للمخدرات ونشر للفساد حتى فغرت الفتاتان فاهما، ونطقتا
بصوت واحد: ناتالي - الحمد لك يا رب.. لقد صدق قول الله فيها وفي أمثالها:
[كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً واللَّهُ لا يُحِبُّ
المُفْسِدِينَ] [المائدة: ٦٤] .
стр. 790
شعر
الطواغيت
أيمن جمال الدين
نامَ الأسودُ عن العرينِ ... فلا حُماة ولا كلامْ
أشبالُهم يتضوَّرون ... من الطوى ومن السِّقام
وحماةُ عرشِ الظلمِ في ... سُكْرٍ وفي عيشٍ حرامْ
يستنكرون ويشجبو ... ن ويكثرون من الكلامْ
يتحدثون عن الرفا ... هِ ويبحثون عن الطعامْ
ويقوم منهم واحدٌ ... كالذئب يخطب في هيامْ
لا للزيادة في البَنِي ... نَ لتُسعدوا قلب الإمامْ
لا للتطرف والتعص ... بِ والخروج على النظامْ
لا لن نحاورَ أو نجاو ... رَ من يبادلنا الخصامْ
ولتشنقوا هذا البغيَّ ... ففِكرُه بالدينِ قامْ
هذا الذي عاب السلامَ ... وحرَّضَ الشعبَ الهمامْ
إن لم نبادر بالقيامِ ... استيقظت فِرَقُ النَّعامْ
زُجُّوا بأطفال الحجار ... ةِ بين أحضانِ الخيامْ
أو زوِّروا أخبارهم ... لا تجزعوا فالكل نامْ
دُسُّوا بأسبابِ التخل ... فِ بين طياتِ الظلامْ
واستقبلوا فجر الحضار ... ةِ والتقدمِ والسلامْ
стр. 791
مقدمة لقراءة نقدية
خالد بن صالح السيف
مدخل: أجيء إليكم ممتطياً للحرف صهوة.. وإخال أنه لا تثريب عليَّ في
أن أنقد من الداخل نقداً ذاتياً صرفاً، إمعاناً في التخلية قبل التحلية:
الاتكاء على استقراء أبعاد معالم (الواقع) يجب أن نتجاوز فيه (الإقليمية) ! ! وزخم (الكم) ! ! (غثائية سيل) [١] ليس غير.. أو هكذا أحسبها! !
وليس ثمة ريب في (سذاجة) أطروحات تمارس (استشراف) المستقبل من
واقع أرضية (قيعان) لا تنبت غير (رِمْث) [٢] الإقليمية و (عَوْسج) [٣] الكم! ! (إنما الناس كإبلٍ مائةٍ لا يوجد فيها راحلة) [٤] .
***
لم تزل بعد (المطابع) وهي تلفظ زخماً هائلاً من مطبوعات تحسب عادة
على الفكر الإسلامي وتصنف في مختلف فروعه! ! وإزاء هذا الكم (الملفوظ)
استمرأ كُثر هذا المسلك (سهلٌ سُلَّمه) للارتقاء على كتف الكم.
والأذن هي الأخرى شنفتها مصطلحات (المناقصة) ! ! و (الكمسيون) [قُلْ
مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً] [النساء: ٧٧] .
في المكتبة الإسلامية نقف على هذه الحقيقة البدهية وأدرك يقيناً أن ثمة من
تجرع هذه الغصة ولا ريب.
كمية العطاء ... لا كيفية الإثراء! !
لم تكن مائة كتاب هذه المجموعة غير كتاب واحد كُتب مرة واحدة بمائة قلم
ومائة عنوان ومائة إخراج! ! ومائة ... ومائة ... ! !
لم أجد في العراق ليلى ولكن ... كلَّ يومٍ أمرُّ في مجنون
***
داروين ومن خلال كتابين اثنين فحسب أحدث هزة فكرية عالمية لم تزل بقايا
آثارها. (أصل الأنواع) و (أصل الإنسان) .
هما كتابان اثنان قَلَب فيهما موازين عقولٍ لم تنعتق من عبودية الشهوة نتاج
طبَعي للانحراف في قوامة الفطرة. وعلى الرغم من تصدع نظريته لأربابه أخيراً
بيد أنها لم تزل - بعد - قبلة يمم الغرب والمستغربون وجوههم شطرها.
***
التحقيق.. والتعليق.. والتخريج.. والإشراف على طبعه أعني (العناية) ،
وتدبيج مقدمات إنشائية ذات أسلوب فضفاض ومفردات ينوء بحملها الورق
الصقيل!! ويتولى كِبْرها المأخوذ بنشوة: وكتب أبو فلان عفا الله عنه!! ...
ولست أدري.. أيعوزنا إيجاد ضوابط للحد من استفحال (فيروس) (التزبب
قبل التحصرم) ولو عبْر قنوات هيئات (أكاديمية) ومركز علمية؟ ! تُعنى ... بهذا الشأن.
التكنِّي (بأبي فلان) ليس مطية يحسن ركوبها كل أحد.. ولا أحسبها شارةً
تبيح لكل أحدٍ أن يمارس العبث بعطاء جهابذة هذه الأمة - عليهم من الله شآبيب
رحمته - قال أبو الفتح:
أمران مفترقان لست تراهما ... يتشوقان لخلطة وتلاق
طلب المعاد مع الرياسة والعلى ... فدعْ الذي يفنى لما هو باق
الجنوح في الفكر إبان معترك الأزمة داء أفرزه انخرام أجل مقتضيات (لا إله
إلا الله) الولاء والبراء! !
أرقبه جلياً في أبعاد المواقف (المنتمية) و (اللامنتمية) ! ! تجاه أحداث ...
الخليج.. ورحى القضية يدور مدار (العقيدة) وليس ثمة تأول يلتمس لرقع الخرق
وقد اتسع! !
***
منهجية الإنصاف في بعض مشاريعنا الثقافية الفكرية شحيحة (أعز من
الشعرة البيضاء في جلد ثور) .
(ومن الأسباب المانعة من الإنصاف: ما يقع من المنافسة بين المتقاربين في الفضائل، أو في الرئاسة الدينية أو الدنيوية، فإنه إذا نفخ الشيطان في أنفهما وترقت المنافسة، بلغت إلى حد يحمل كل واحد منهما على أن يرد ما جاء به الآخر إذا تمكن من ذلك وإن كان صحيحاً جارياً على منهج الصواب.
وقد رأينا وسمعنا من هذا القبيل عجائب صنع فيها جماعة من أهل العلم
صنيع أهل الطاغوت، وردوا ما جاء به بعضهم من الحق وقابلوه بالجدال الباطل
والمراء القاتل) [٥] .
فكيف هي أيامنا هذه؟ ! وهي حبلى بمواجع الإنصاف المغلوب على أمره.
قال أبو فراس:
لم أؤاخذك بالجفاء لأني ... واثق منك بالإخاء الصحيح
وجميل العدو غير جميل ... وقبيح الصديق غير قبيح
стр. 792
المسلمون في العالم
الانتفاضة في عامها الرابع
مع بداية العام الرابع لوقوف شعب فلسطين ضد الاحتلال اليهودي لابد أن
نقول إن هذه الانتفاضة لم تقم إلا بعد المعاناة الطويلة وبعد الهزائم المتلاحقة، وبعد
الكلام عن السلام الهزيل وبعد نشوء جيل يختلف عن الأجيال السابقة، ومن غزة
فجَّر الشباب المؤمن بدايتها، ويومها قال بعض الناس: ما الداعي للخسائر، وماذا
سيجني أهل فلسطين من كل هذا العذاب؟ ! ، وكأنهم يريدون من شعب فلسطين أن
يبقى تحت الذل والهوان، يعمل في مصانع يهود، يأكل ويشرب والمهم هو العيش، كما يقول المثل: (نأكل القوت وننتظر الموت) . ألم تختفِ كثيراً من سلبيات
المجتمع الفلسطيني بعد الانتفاضة، ألم يتجه الناس نحو الدين أكثر من السابق
وتقلصت كثير من العادات السيئة، كما ازداد التعاون بين الناس وذهبت الأنانية.
وفي ظل الانتفاضة قاوم الناس الاقتصاد الإسرائيلي بمقاطعة بضائعه أو العمل
في مصانعه (فقد انخفضت الصادرات الإسرائيلية إلى المناطق المحتلة بما قيمته (٦٠٠) مليون دولار، كما انخفضت مستوردات) إسرائيل (من الضفة والقطاع بنسبة ٤٨ بالمائة، وهذا أدى بدوره إلى نشوء نظام الاقتصاد المنزلي وتطوير الصناعات والحرف والزراعة سعياً وراء الاكتفاء الذاتي) (الحياة ١٩/١٢/ ٩٠) ، هذه بادرة طيبة في تعلم الاقتصاد حتى لا نكون شعباً مستهلكاً فحسب.
أما التحول الكبير فهو هذا الطفل الذي ينام ويستيقظ وكل تفكيره في المقاومة
وما هي الوسائل المناسبة، أليس هذا أفضل ألف مرة من الطفل المدلل الذي يفكر
بألعابه ولهوه، وكيف تتكون شخصية هذا الطفل الذي يصارع الكفار وهو في هذه
السن، ثم ما هذه المرأة التي حاولت طعن جنديين يهوديين فعاجلها جندي ثالث
بالرصاص، هل هذه مثل امرأة (الفساتين) و (الموضات) والتي تحمل معها دائماً
كتاب (أشهى المأكولات) ؟ ! . إن بعض الناس ترتعد فرائصهم عندما يذكر الصراع
مع دولة يهود، ويقولون: ما لنا ولهذه المشاكل، دعونا نصالحهم ونَعِشْ في أمان! ، هؤلاء أصحاب العقل المعيشي - كما يصفهم ابن القيم - لا يهمهم إلا بطونهم
وفروجهم، وهل الحق على أصحاب الانتفاضة عندما لا يتلقون المساعدات
المطلوبة وكانوا يتوقعون تحرك الشعوب المجاورة بل العالم الإسلامي كله ليساعدهم
في هذه المواجهة مع يهود الذين يتلقون المساعدات من كل مكان.
إن صمود الشعب الفلسطيني وتقديمه للتضحيات يعيد لنا تضحيات بلاد الشام
في صدها للغزو الصليبي بينما كانت بقية أنحاء العالم الإسلامي تغطّ في نوم طويل.
نحن لا نقول إن الانتفاضة كلها إيجابيات فهنالك من يريد الاستفادة وركوب
الموجة حتى يصل إلى مباحثات السلام، وهذا ما صرح به هاني الحسن حين قال:
(إن كل الأمور العسكرية هي وسيلة للوصول إلى المفاوضات) ! . وهناك ما يسمى بالحوار مع الأحزاب اليسارية اليهودية التي تدعي حبها للسلام وهم يعملون ضمن سياسة الحكومة الإسرائيلية وهناك أشياء كثيرة يمكن أن تقال ولكن هذا الصراع أوجد رجالاً وبطولات، أوجد التحاماً مفقوداً بين الناس من زمن بعيد، والمطلوب من الشعب الفلسطيني- داخل فلسطين المحتلة - أن يكون جهادهم لله.
وأما ما هو مطلوب من الشعوب المجاورة فهو كثير.
стр. 793
الصراع بين الإسلام والعلمانية في تركيا
محمد آل الشيخ
نشرت جريدة (الحياة) - في عددها الصادر يوم الجمعة ٢٠/١١/١٩٩٠ -
تحليلاً إخبارياً خاصاً كتبه لها سامي كاوين، تكلم فيه عن جوانب الصراع بين من
سماهم بالأصوليين المسلمين والعلمانيين الذين يحكمون دولة تركيا البلد المسلم ديناً
والعلماني دستوراً، وفي هذا المقال نذكر للقارئ أهم جوانب الوضع في هذا
الصراع: ١- إصرار الطلاب المسلمين على السلوك الإسلامي التطبيقي في
الدراسة ظهر ذلك جلياً في رفض الطلاب المسلمين في كلية الطب فحص المرضى
من الجنس الآخر دون تغطية عورات الجثث التي يشرِّحونها. وقد رد عليهم بعض
أعضاء الهيئة التعليمية برفض دخول قاعات الدرس؛ لأن ما قام به الطلبة
الإسلاميون يعتبر خرقاً لمبادئ أتاتورك العلمانية، والمتمثلة في عدم إقحام الدين في
الجامعات.
وقد امتد الجدال حول الموضوع في أنحاء تركيا كلها، حيث اعتبر كثير من
أنصار العلمانية في الدولة أن ذلك يعتبر عملاً سياسياً خالصاً؛ حيث إن التفريق بين
الجنسين يعتبر تحدياً صارخاً لعلمانية البلد. وحظيت الخطوة التي أقدم عليها
الطلاب الأصوليون كما سموا بتأييد زملائهم في سائر أنحاء تركيا مما أحرج الدولة.
٢- من جوانب الصراع كذلك ما أقره البرلمان - بعد ضغط قوي عليه - من
إقرار قانون يسمح للطالبات في الجامعات بارتداء الحجاب الشرعي، وكانت محكمة
دستورية قد قضت قبل سنتين بأن ارتداء الحجاب الشرعي داخل قاعات الدراسة
منافٍ للعلمانية، ولكنه الآن أصبح دستورياً وأصبح عدد المحجبات في المدارس في
ازدياد.
٣- سعى البرلمانيون المحافظون إلى تمرير تشريع جديد يقضي بتدريس مادة
الديانة التطبيقية في كل مدارس تركيا إلى جانب تدريس مادة الدين نفسها التي أُقرت
في الثمانينات تماماً، ولم يصبح هذا نظاماً بعد ولكنه يعكس ميداناً من ميادين
الصراع القائم.
٤- من أهم مجالات الصراع هناك، محاولة الإسلاميين تنشيط دور المساجد
وربط المسلمين بها، بعد حث الناس على المحافظة على الصلوات والشعائر
التعبدية الكاملة، ويجري الآن بناء ١٥٠٠ مسجد سنوياً في تركيا، ويوجد الآن
٦٢٩٤٧ مسجداً بواقع مسجد لكل ٨٤٧ مواطن. ويحرص الإسلاميون هناك على
إنشاء المدارس الدينية وإن كانت لا تخرّج إلا أئمة وخطباء مساجد إلا أنها تساعد
على تأهيل هؤلاء للقيام بواجبهم، ووصل عدد هذه المدارس إلى ٤٠٠ مدرسة في
تركيا بزيادة ٥٠% عن الوضع في عام ١٩٨٠م، وأقرت لجنة الموازنة في
البرلمان قبل فترة وجيزة تخصيص مبلغ ١. ٢ بليون ليرة تركية (٤٥٠ مليون
دولار) لموازنة الشؤون الدينية.
وقد اضطر حزب الأمة الحاكم إلى الانقسام؛ فالبعض يصرح أن العلمانية
التي تحكم البلاد لا تعني تقييد حرية الاختيار في ممارسة الشعائر الدينية، ويرى
البعض الآخر أن أي تغيير في الوضع القائم مرفوض ويقف في وجه كل تنازل في
أمر الحرية الدينية.
وبسبب هذا الانقسام سرت إشاعة مفادها أن الجيش ينوي القيام بانقلاب جديد، وبلغ من شدة هذه الإشاعات أن رئيس الأركان التركي شعر بالحاجة إلى نفيها
قطعياً. وينص الدستور التركي على أن الجيش هو حامي العلمانية ومبادئ أتاتورك
في تركيا المسلمة.
هذه أهم جوانب المقال، وقد ذكر لي أكثر من واحد من الأتراك أنه لا يوجد
أي شعبية أو قبول لمبادئ أتاتورك في البلد ولكن القائمين على ذلك يتخذون منه
سُلماً للوصول إلى السلطة أو المحافظة على مكاسب في أيديهم.
стр. 794
مسلمو الهند ...
الواجب والدعم المطلوب
هل تعود مرة ثانية المذابح التي تولى كِبْرها الهندوس والسيخ وراح ضحيتها
آلاف المسلمين عندما انقسمت شبه القارة الهندية إلى باكستان والهند عام ١٩٤٧،
إن كل الدلائل تشير إلى أن الأحزاب الهندوسية المتعصبة مصرة على عمل مذابح
للمسلمين، ولذلك قاموا بحملة استفزازية عندما صمموا على هدم مسجد (بَابري)
وبناء معبدهم على أنقاضه، والصدامات بين الطرفين مستمرة وقد وصلت الأرقام
إلى أكثر من ألف ضحية في مدن حيدر آباد وعليكرة وكانبور وغيرها.
لقد حاول كثير من مسلمي الهند إقامة تعايش سلمي مع الهندوس عام ١٩٤٧
ولكن دون جدوى، فلم يبق أمامهم سوى توحيد صفوفهم والدفاع عن أنفسهم
وأعراضهم وأموالهم، ومع ذلك فلهم حق النصرة من مسلمي باكستان وبنغلاديش
ومن المجاهدين الأفغان سواء بالضغط المعنوي على الهند أو بالتهديد بأن الهند
ستواجه كل مسلمي الدول المجاورة وهم ليسوا بالقلة التي تستضعفها الهند وعلى
المسلمين في العالم أيضاً واجب النصرة سواء بالاحتجاج لدى دولة الهند أو بالدعم
المادي.
ولو يعلم الهندوس - وكل أعداء الإسلام - أنه لا يقتل من المسلمين رجل إلا
وقتل منهم أكثر لكفوا عن إيذاء المسلمين (فالقتل أنفى للقتل) كما تقول العرب.
стр. 795
خطة هندية لتغيير
التركيبة الديمغرافية في كشمير
أحمد موفق زيدان
تقوم القوات الهندية في كشمير بإحداث تغيير كبير في التركيبة الديمغرافية
لكشمير المحتلة، وذلك عندما زرعت مؤخراً مئات الآلاف من الهندوس في كشمير
في محاولة لإيجاد تركيبة سكانية جديدة في المنطقة ترجح من قوة الهندوس على
حساب المسلمين، وتؤكد الأنباء الواردة من سريناجار عاصمة كشمير المحتلة بأن
حوالي ٦٠٠ ألف جندي هندي قد انتشروا في كشمير المحتلة لنشر الرعب والهلع
في نفوس الأهالي، خاصة بعد التمرد شبه الشعبي والعمليات القوية التي وقعت
مؤخراً، فقد صعَّد مجاهدو كشمير من هجماتهم على محطات راديو الهند الحرة
وعدد من الأماكن الحساسة حيث ألحقوا بالمباني أضراراً كبيرة، ويظهر من
التقارير الواردة من كشمير أن استراتيجية القوات الهندية تركزت مؤخراً على
محورين اثنين.
الأول: اتباع سياسة الأرض المحروقة في إضرام النيران بالمباني ومهاجمة
الأماكن المشتبه بها أنها تساعد المجاهدين، ففي ٢٧ من أكتوبر الماضي أشعلت
القوات الهندية (ساحة الصين) المعروفة في مدينة (أناتنانج) وعندما هرب بعض
المارة وتسلقوا السيارات الموجودة في الساحة استقبلتهم القوات الهندية بوابل من
الرصاص حيث جُرح عدد من المواطنين، وكان الجنود الهنود يرددون وهم
يطلقون الرصاص (هذه حريتكم) (انظروا إلى الحرية) ، وتؤكد التقارير الصحفية
بأن ما لا يقل عن ١٠٠ منزل قد دُمِّر في ساحة الصين وعشرات المحلات التجارية
وثلاثة مساجد، كما هاجم مجهولون يعتقد أنهم ميليشيا حكومية تابعة للهند - مباني
الكلية الإسلامية في (سريناجار) وأضرموا النيران في مبانيها الداخلية؛ الأمر الذي
أسفر عن تدمير ممتلكات الطلبة بما فيها مصحف مخطوط يعود تاريخه إلى ٤٠٠
سنة ماضية، بالإضافة لمخطوطات قيِّمة أخرى.
ورداً على الاستراتيجية الهندية هذه بالانتقام من الدينيين، عمد المجاهدون في
كشمير إلى تغيير استراتيجيتهم عندما نقلوا عملياتهم العسكرية خارج المدن حتى لا
يبقى للحكومة الهندية حجة في الانتقام من الأهالي بذريعة تعاونهم مع المجاهدين،
ويقول القائد خالد محمد - من مجاهدي كشمير -: (نحن الآن لا نذهب إلى المدن، حيث نذهب للحقول لمهاجمة مواقع الجيش الهندي وبهذا نقلل من معاناة ومقاساة
الشعب، ولا شك أن هذا يكلفنا كثيراً، ولكنه ضروري في نفس الوقت) .
وبهذا الشهر تكون الانتفاضة في كشمير قد دخلت شهرها الحادي عشر،
وتقول الإحصائيات بأن الانتفاضة كلفت حتى الآن ذهاب ٢٥٠٠ ضحية. كما
استطاعت الانتفاضة أن تصيب الهند بنوع من العزلة الدولية وتكشف بعض الجرائم
الهندية بحق شعب كشمير.
الثاني: لوحظ أخيراً تزايد الاعتماد على الاستخبارات الهندية وخاصة (راوا)
وتعني (جناح التحليل والبحث) حيث بدأ الأخير بمحاولة تفريق صفوف حركات
المجاهدين المختلفة فيما بينها واستغلال تفرقها بضرب الواحدة بالأخرى، وتشجيع
الشخصيات غير الإسلامية أو الوطنية، مثل عودة فاروق عبد الله حكم كشمير سابقاً
والذي هدده المجاهدون قبل أشهر؛ ففر بعدها إلى بريطانيا ثم عاد مؤخراً للعب دور
جديد، وما إن وصل إلى كشمير حتى هدده المجاهدون بالرحيل خلال ٤٨ ساعة
وإلا سيعرض حياته للخطر ففر بعدها إلى هولندا، كما يعمل جهاز الاستخبارات
الهندية على تسرب العملاء؛ الأمر الذي نشر الهلع في نفوس الآخرين وقد تكونت
أخيراً (خلية هندية) من أجل متابعة قضية كشمير لمواجهة ما يسمى بالدعايات
الباكستانية ودعايات حركات المجاهدين، وتضم الخلية هذه (شخصيات من وزارة
الخارجية الهندية والداخلية والإعلام وجناح البحث والتحليل في الاستخبارات
الهندية) .
стр. 796
بيان من الاتحاد الإسلامي الصومالي
محمد عبد الظاهر
الحمد لله في السراء والضراء ... الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه
ونصلي ونسلم على خير خلقه وخاتم أنبيائه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،
أما بعد:
فقد كانت المجاعة تعم الصومال، وكان الناس يهربون من استبداد الطاغية
زياد بري وينتشرون في أرض الله الواسعة بحثاً عن الحرية وفرص العمل.. وكان
الناس يتطلعون إلى المنقذ الذي يخلصهم من مصائبهم ومحنهم. وابتُلي شعبنا في
الصومال بما هو أشد من المجاعة.. ابتلي بحرب مدمرة بين المؤتمر الصومالي
الموحد - وهو أحد أكبر ثلاث حركات صومالية سياسية معارضة - وبين النظام
الحاكم - وهذه الحركات المعارضة ليست شيوعية ولا رأسمالية ولا غير ذلك من
الأفكار والاتجاهات وإنما هي قبائل مثل قبائل الجاهلية، وبينها ثارات مثل ثارات
الجاهلية، والنظام الحاكم كان يستمد قوته من القضية التي يمثلها. فالصراع في
الصومال إذاً لا يختلف عن البسوس وداحس والغبراء وغير ذلك من معارك العرب
في جاهليتهم. وقد نتج عن الحرب بين المؤتمر الصومالي الموحد والنظام الحكم
كوارث خطيرة: منها قطع ما تبقَّى من التيار الكهربائي في العاصمة - مقديشو -
وتدمير تمديدات المياه حيث تم قطع المياه عن السكان، ونهب المحلات التجارية.
والأهم من ذلك استباحة الدماء لأسباب قبلية جاهلية. وأمام هذا الصراع المدمر فإن
الاتحاد الإسلامي يرى أن الحل يتلخص في النقاط التالية:
١- لم يعد هناك أي مبرر لاستمرار طاغية الصومال زياد بري في الحكم بعد
أن دمر اقتصاد البلد، ونشر الفساد فيها، وكان مطية لأعداء الإسلام من الإنكليز
والإيطاليين والسوفييت والأمريكان.
٢- يستنكر الاتحاد الإسلامي الصراع القبلي الجاهلي ويذكر المتحاربين بقول
رسول الله ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفَيْهما؛ فالقاتل
والمقتول في النار) ، ومما لا يخفى على أحد أن الصراعات القبلية يستحيل أن تتوقف.
٣- يرى الاتحاد الإسلامي بأن الحل الوحيد لمشاكل الصومال كلها هو
الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -
ولهذا فإننا نطالب الأطراف والجبهات كلها باحترام دين الأمة وعقيدتها والإذعان
لشريعة الله، ونبذ القوانين الأرضية الجائرة.
٤- يدعو الاتحاد الإسلامي المسلمين عامة وقادتهم خاصة إلى الوقوف مع
الصومال في محنته ومد يد العون له، والله في عون العبد ما دام العبد في عون
أخيه، ونسجل هنا عتبنا على إخواننا في كل مكان من العالم الإسلامي؛ لأنهم لا
يهتمون بما يحدث في الصومال، وما ذلك إلا لأنه بلد فقير في حين تشرق
المؤسسات الصليبية وتغرب في ربوع بلدنا. ونلفت انتباه إخواننا المسلمين إلى أن
المساعدات التي لا تقدم عن طريق العلماء والدعاة لا تصل لأصحاب الحق في بلدنا
وفي كل بلد.
٥- يمد الاتحاد الإسلامي الصومالي - وهو أكبر الجماعات الإسلامية في
الصومال - يده لكل عالم وداعية للقيام بالواجب الذي فرضه الله علينا والتعاون لكل
ما فيه خير أمتنا وبلدنا.
والله نسأل أن يفرج كربنا ويوحد صفنا ويجعل لنا من بعد عسرنا يسراً وهو
الهادي إلى سواء السبيل.
الناطق الرسمي
باسم الاتحاد الإسلامي الصومالي
... ... ... ... ... ... NOOR EL ISLAM MOSQUE
... ... ... ... ٨ MARIA ST,BUTETOWN,DOCKS,
... ... ... ... ... ... ... ... CARDIFF CF١٥HG
стр. 797
ركن الأسرة (تربية)
تعليم اللغة الأجنبية للأطفال
محمد الناصر
إن إتقان اللغة الأجنبية لا يتم إلا على حساب اللغة الأم لغة العرب، ومع
اللغة تدخل المُثُل التي يريدها الأعداء، فضلاً عن الإتقان الضائع على حساب لغة
القرآن.
ولا يقول عاقل أو مخلص: بتعليم اللغة الأجنبية للأطفال ونترك تعليمهم
الفصحى لتشيع العامية وينتشر اللحن بين الناشئة.
(والوقت المناسب لدراسة اللغة الأجنبية يكون عادة في سن المراهقة أو قبلها بقليل، وذلك عندما يبدأ الناشئ يهتم بالعالم الخارجي، وبالأقوام الذين يعيشون
خارج وطنه ممن لهم به صلة في تاريخ أمته القديم أو الحديث ... ففرنسا وإنجلترا
ومعظم دول أوربا لا تعلّم في المرحلة الأولى إلا لغة الطفل القومية) [١] . ...
(وقد أدرك الإنكليز وأمثالهم أن التربية الإسلامية أكبر خطر على الاستعمار، ولكنهم لم يجابهوها بالعنف والإكراه، وإنما عمدوا إلى إفسادها من الداخل باسم
الإصلاح والتحديث. ومن النقط الأساسية التي أصبحت تحدد إطار التربية في
البلاد المختلفة.. فرض لغة المستعمر، واستعمال كل الوسائل التي تؤدي إلى
ضياع لغة البلاد الأصلية..) . [٢]
وقد فطن ابن خلدون إلى مضار الجمع بين لغتين أو علمين فيقول: (ومن
المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم: أن لا يخلط على المتعلم علمان معاً،
فإنه حينئذ قلَّ أن يظفر بواحد منها لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد
منهما إلى تفهم الآخر، فيستغلقان معاً ويستصعبان، ويعود منهما بالخيبة) [٣] .
والذي نلمسه بوضوح أن الإنكليز وكل الدول المستعمرة يحاولون أن يجعلوا
لغتهم لغة التعليم أينما حلُّوا، وقد أورد الدكتور محمد أمين المصري ﵀
من كلام أبي الحسن الندوي قوله: (وإن الاهتمام الزائد باللغات الأجنبية، وإعطاءها أكثر من حقها - يجعلها تنمو على حساب اللغة العربية. وإن تدريس عدة لغات في وقت ما قد أصبح موضع بحث عند خبراء التعليم خصوصاً في المراحل الابتدائية والمتوسطة) . [٤]
فما بالك - أيها القارئ الكريم - بَمن هم دون تلك المراحل؟ ممن لم يتقنوا
النطق الجيد بلغتهم بعد، ثم يُطلب منهم معرفة لغة أقوام آخرين؟ ! .
ومن الغرائب أن بدعة حديثة أصبحت تغزو المدارس الخاصة في ديار
المسلمين، إذ يخصص لمادة اللغة الإنجليزية مثلاً أربع حصص في الأسبوع وأين؟ وفي أي مستوى؟ في رياض الأطفال، وسن التمهيدي، أي قبل السنة الأولى
من المرحلة الابتدائية.
وصار يعتبر ذلك معياراً لجودة هذه المدارس، بسبب إقبال الأهالي ورغبتهم
ثم المتاجرة بهذه الرغبات.
إن تعلم لغة أخرى لضرورة ملحة، أو أمر طارئ - لا غبار عليه؛ فزيد بن
ثابت ﵁ كان في الحادية عشرة من عمره، لما قدم رسول الله -
صلي الله عليه وسلم - المدينة المنورة، وكان يكتب العربية ويروي عن نفسه
فيقول: (أُتِيَ بي إلى النبي ﷺ مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أُنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله ﷺ فأعجبه ذلك، وقال: يا زيد تعلّم لي كتاب يهود؛ فإني - والله - لا آمنهم على كتابي. قال: فتعلَّمته فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته) [٥]
نلاحظ هنا: أن رسول الله ﷺ طلب من زيد أن يتعلم
لغة اليهود بعد أن حذق اللغة العربية كتابة، وحفظ من القرآن الكريم ما حفظ.
أما أن يعلم أطفال المسلمين لغة أجنبية - وهم لا يتقنون لغتهم نطقاً أو كتابة
- فهذا لا يقوله عاقل أو منصف. ونستفيد من هذا الحديث أيضاً أن رسول الله -
ﷺ كان يختار في تربيته الشخص المناسب للمكان المناسب،
فعلينا ألا نبدد الطاقة الحية، والكفاءة الممتازة، ونفوّت بذلك مصلحة من مصالح
المسلمين.
وهاهو واقع المسلمين يشهد بأن الطاقات تهدر، وفي أبناء هذه الأمة العباقرة
والممتازون، لأمر أو لآخر، مما لا يُرضي الله، ولا ينسجم مع مصلحة المسلمين.
وكثيراً ما نضع الشخص غير المؤهل لمنصب لا يصلح له، ولسان الحال
يقول: (ليس بالإمكان أحسن مما كان) .
ونحن لا نتحدث هنا عن أبناء المسلمين في ديار غيرهم، فهؤلاء يعانون من
الضغوط عليهم - هم وأهلوهم - الكثير، والحاجة هنالك ماسة لوجود مؤسسات
تربوية تصون لغة الجيل الثاني وعقيدته، وقد اضطر هؤلاء غالباً أن يعيشوا في
تلك الديار مكرهين، أعانهم الله وسدد خطاهم نحو الخير.
وأخيراً نختم هذه الفقرة بقول ابن تيمية ﵀: (وأما مخاطبة أهل
اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا اُحتِيج إلى ذلك وكانت المعاني
صحيحة.. وإنما كرهه الأئمة إذا لم يُحْتَجْ إليه) . [٦]
стр. 798
رأي:
وقفة مع عمل المرأة المسلمة
أم عبد الرحمن
عندما علمت أختي في الله أنني موظفة قالت: كيف يحصل هذا وأنت
ملتزمة؟!
قلت لها: ماذا تقصدين؟
قالت: سيكون هذا على حساب رعاية زوجك وبيتك.. ثم لا تنسي أن
الشارع يأمر المسلمة بالقرار في بيتها، وإذا أردت الأفضل لك - عند الله وفي
الشرع - فعليك بقوله تعالى: [وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣] .
قلت لها: صحيح ما تقولينه، لكن ما المانع من عمل المرأة المسلمة إذا
استوفى جميع شروط الشرع ورضي الزوج به، وإذا لم يكن على حساب رعاية
الزوج والبيت.
صممت أختي ولم تعقب وبدت على وجهها علامات الاستغراب وعدم الاقتناع.
كثير من الأخوات الملتزمات بشرع الله ينظرن إلى عمل المسلمة المتزوجة
بمنظار ضيق، فلا يرين إلا الجانب السلبي منه، فقد ذكرت أختي في الله بأن
المسلمة العاملة المتزوجة لن تتفرغ تماماً لرعاية زوجها وأطفالها، وأنه سيترتب
على ذلك التقصير والإهمال للزوج والبيت والأطفال. ولي هنا رأي في هذه المسألة، قد يكون صواباً عند البعض، وقد يكون خطأً عند آخرين.
فلو بحثنا في الجوانب الإيجابية لعمل المسلمة الملتزمة بدينها - مع الالتزام
بقيود الشرع في عملها - لوجدناها تتضح في النقاط الآتية:
١- الاستفادة من الدرجة العلمية في تسخير أجرة العمل في وجوه البر
والإحسان وهي كثيرة الآن ومجالاتها عديدة، والمحتاجون لهذا المال كثيرون، بهم
من المسلمين المحتاجين في إفريقية وأفغانستان وأندونيسيا والفلبين وغيرها.. - قد
وقعوا في شباك المنصرين الماكرين بسبب يد حانية نصرانية قدمت لهم الإحسان
بجميع أشكاله ثمناً لاعتناق النصرانية.
٢- الدعوة إلى الله من خلال التقيد بالسلوك الإسلامي المثالي الملتزم في بيئة
العمل ومع زميلات العمل، والعمل على إبراز الفضائل الإسلامية في التعامل
والسلوك، وبذلك يتم تذكير وتوعية غير الملتزمات بدينهن ودعوتهن إلى الله
بطريق غير مباشر وذلك عن طريق مراقبة أخلاق وسلوك الشخصية الإسلامية
القدوة من خلال تعاملها مع مَن حولها.
٣- الدعوة إلى الله أيضاً عن طريق إعطاء الأشرطة والكتيبات الإسلامية
التي تساهم بشكل كبير في منع ممارسة كثير من المنكرات والرجوع عن كثير من
المعاصي.
٤- قد يكون هناك من زميلات العمل غير المسلمات، وهنا تجد المسلمة
العاملة فرصة جيدة لإبراز شعائر الإسلام وتوضيحها واستخدام أساليب الدعوة إلى
الله المباشرة أو غير المباشرة معهن حسب الظروف والأحوال، وفي هذا كله الأجر
الكبير لمن أعانها الله عليه.
٥- لا يخفى علينا أن أعظم مجال للدعوة إلى الله ولنيل الأجر العظيم منه -
سبحانه - هو عمل المسلمة في مجال التدريس إذا أخلصت النية لله ونوت بعملها
هذا الدعوة إلى الله وتبليغ العلم والحق وإنكار المنكرات المتفشية بين الطالبات
وزميلات العمل.
وأحب هنا أن أوجه كلمة لأخواتي في الله اللواتي كان لهن دور عظيم في
الدعوة إلى الله في جميع صورها (وقد كان التزامي بفضل الله ثم بفضل كلمة ألقتها
إحداهن يوماً في الجامعة يوم أن كنت طالبة فيها) واللواتي مع الأسف قد فتر
حماسهن للدعوة بل توقف نهائياً بعد زواجهن.
فأقول لهن: لماذا؟ ! ! لماذا لا يطلبن العون من الله بالدعاء ثم يطلبن العون
من أزواجهن للاستمرار في عملهن هذا؟ ! !
إن الفتيات والنساء التائهات البعيدات عن شرع الله في أشد الحاجة لكُنَّ وللعلم
الذي تحملنه في صدوركن.
إن العلمانيين الآن يستخدمون نساءهم وقريباتهم لنشر معتقداتهم بين النساء
والفتيات في الجامعات وفي كل مكان.
فلماذا لا يشجع كل مسلم ملتزم بدينه زوجته للمشاركة في محاربة كل ما يقف
عقبة في طريق الدعوة إلى الله؟ !
يا أخي في الله: الرسول ﵊ كان يساعد زوجته عائشة
في شؤون المنزل، وكانت تساعده في نشر الدعوة بين النساء.
لِمَ لا يدفع كل مسلم بزوجته إلى ساحة الدعوة إلى الله - وخاصة - هؤلاء
اللواتي سبق لهن العمل في حقل الدعوة قبل زواجهن، فمثلاً:
* الأخت الداعية التي كانت تجيد دروس الوعظ وتستطيع جذب وإقناع
الفتيات التائهات؛ لماذا لا يشجعها زوجها على الاستمرار في عملها هذا فيشاركها
الأجر عليه.
* والأخت التى كان جُل وقتها تصرفه لجمع التبرعات الطائلة من النساء (من
حلي ومال) لأفغانستان وفلسطين وإفريقية.. لماذا لا يشجعها زوجها على مواصلة
هذا المجهود العظيم.
* والأخت الثالثة التي كانت تجود بعلمها ووقتها لتعليم القرآن - من تفسير
وتجويد وتلاوة - لِمَ لا يشجعها زوجها هي الأخرى على مواصلة عملها هذا لينتفع
النساء بعلمها هذا وحتى لا تنسى هي الأخرى علمها مع مرور الزمن؟ .
وهكذا نستطيع - نحن المسلمات - أن ننال الأجر ويشاركنا أزواجنا أيضاً،
وفي نفس الوقت تقدم كل واحدة منا ما في وسعها ولو كان جهداً بسيطاً في سبيل
نشر دعوة الله، فكما تتعب هؤلاء العلمانيات في سبيل الباطل الذي يحملنه، فأولى
بنا أن نتعب من أجل الحق والنور الذي نحمله نحن.
[إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ] [التوبة: ١٢٠] .
[والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] [العنكبوت: ٦٩] .
اللهم اجعل عملنا صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
стр. 799
طب
دواعي إعطاء الحليب المعدل
د.محمد هليِّل
كنا قد بينا مزايا حليب الأم على الحليب المعدل، ومردود الإرضاع الطبيعي
على الطفل والأم معاً، وأرجو ألا يفهم من هذا أن الحليب المعدل ضار، أو أنه
يفتقر إلى كثير من خواص الحليب الطبيعي، وإلا لما كنا نسمح للأطفال بتناول هذا
الحليب، والسؤال الذي يطرح نفسه: متى يصح أن نعطي الطفل حليباً معدلاً؟
والإجابة على هذا السؤال تتطلب أن نتعرف على السبب الذي يدفعنا للجوء
إلى الحليب المعدل، هل هو كبديل أم هو كغذاء مساعد، وفي كلتا الحالتين ننصح
الأمهات ألا يباشرن أطفالهن حليباً معدلاً إلا بعد الاستشارة الطبية؛ لأن إعطاء
الطفل حليباً معدلاً يفقده الاهتمام بحليب أمه وبالتالي ينقطع عنه نهائياً.
إن الحالات التي تضطرنا للحليب المعدل كمصدر للغذاء - هي قليلة من
الناحية الطبية ونستطيع أن نجملها في النقاط التالية:
يمكن إعطاء الحليب المعدل كغذاء مساعد بالإضافة لحليب الأم إذا كانت كمية
الأخير لا تسد حاجة الرضيع لوجود توأمين مثلاً، أو بسبب تغيب الأم عن الطفل
لفترة من الزمن بسبب عملها خارج البيت، كالتدريس، أو التمريض، حيث يمكن
إعطاء الطفل رضعة واحدة أو اثنتين من الحليب المعدل ريثما تعود الأم من عملها.
أما الحالات التي يتطلب الأمر فيها وقف الرضاعة الطبيعية والاستعاضة عن
حليب الأم بالحليب المعدل فهي نادرة نسبياً ومؤقتة في معظم الأحيان ويجب ألا يلجأ
إليها إلا بعد الاستشارة الطبية وهي تتلخص فما يلي:
- أمراض قد تصيب الأم فتمنع الإرضاع الطبيعي:
* الأمراض المعدية: كالتدرن الرئوي النشط، وحمى التيفويد، أو انتانات
الدم (Septcaemia) أو خُرَّاج الثدي الأيمن والأيسر.
* أمراض عامة وشديدة: كقصور القلب، وفرط نشاط الغدة الدرقية
(Thyrotoxicosis) والأورام الخبيثة والقصور الكُلوي المزمن، والهزال
الشديد.
* الجنون والأمراض العصبية كالصرْع.
* الحمل: لا سيما بعد دخول الأم الثلث الثاني من الحمل.
* تناول الأم لأدوية ضرورية لصحتها قد تؤثر على الرضيع.
- أما إذا أصيب الطفل الرضيع ببعض أمراض الأيض الخَلْقية: (in born
errors of metabolism) (وهي حالات نادرة الحدوث) فإنه يعطَى حليباً خاصاً
بدل حليب أمه.
تمنع الرضاعة كلياً عن الطفل الخديج الذي لم يكتمل نموه وقت ولادته حتى
يشتد عوده ويكبر حجمه ويزداد وزنه، ويعطى المحاليل المغذية الخاصة بالوريد.
مهم جداً أن نعرف أن بعض أصناف الحليب المعدل لا تناسب إلا فئات
عمرية معينة، فهي ذات تركيب وعناصر تغذية تتلاءم مع هذه الفئات دون غيرها، ويجب ألا تعطى لأطفال يقلون عن تلك الأعمار، وإلا أضرت بهم.
مما سبق نرى أن إضافة الحليب المعدل كغذاء مساعد أو كبديل لحليب الأم -
يكون في حالات محددة وطبية، وليس بناءً على رغبة اجتماعية أو مظهر جمالي
تود الأم أن تحتفظ لنفسها به أو انسياقاً وراء وسائل الدعاية المختلفة.
стр. 800
منتدى القراء
رسالة إلى أختي المسلمة
عبد الرحمن بن إبراهيم العتل
حدثٌ وربِّك للبلاد يُدبرُ ... ومصائبٌ تترى فأين المعبرُ؟
وغوايةٌ في كلٍّ حين شأنُها ... متلوّنٌ متذبذبٌ متغيرُ
نادى بها الأعداءُ وقتَ قلاقلٍ ... وشعارُهم في الخافقين تحررُ
كذبوا وربِّ البيتِ ليس تحرراً ... بل إنه الكسرُ الذي لا يُجبرُ
جعلوا النساء مطيةً لمرادهم ... وتستروا في زيِّنا وتدثروا
خدعوكِ يا أختاه بالخُطب التي ... طاب البناءُ بها وساء المخبرُ
وركضتِ في عجلٍ ودون تفكرٍ ... وهم الذين سعَوْا لذاك وفكروا
ورميتِ طهرَك والحياءُ مجندلٌ ... يبكي ويصرخ والمدامعُ تُنثرُ
يا أخت أنتِ الأمُّ حين نريدُها ... تبني لنا الجيلَ الذي لا يُقهرُ
يا أخت أنتِ البرءُ للجرح الذي ... يقضي على أحلامِنا ويدمرُ
عُودي إلى التاريخِ واقتبسي الضيا ... سيرُ النساءِ مع العقيدةِ تزهرُ
إن التشتتَ والهلاكَ لأمتي ... أن يخرجَ الوجهُ الطَّهورُ ويسفر
стр. 801
رويدك يا أنجشة ! !
نوال- المدينة المنورة
في حديث العلماء عن العلم، وطلبة العلم، والدعوة والدعاة، يكثر تنبيههم
على (السلبيات) والأخطاء التي تصدر من طلبة العلم، ومن مسارعتهم إلى الفتوى، وغرورهم والأخطاء التي تصدر من الدعاة في دعوتهم ... إلخ.
وكان من الإنصاف أن يقال: إن الإنسان يخطئ ويصيب، ويمشي ثم يتعثر
مهما كان متزناً، والشيطان قد توعد أن يجلس في طريق الصراط المستقيم إذا سار
عليه الإنسان.
فطالب العلم والداعية هما ممن يتوقع منهما الزلل أكثر من غيرهما؛ لأنهما
من البشر الذي يخطئ ويصيب بنظراته، ولأنهما قد سارا في الطريق الذي تحفه
الشياطين تريد اقتناص السالكين! !
ونتوقع الخطأ من طالب العلم الداعية - أيضاً - فوق ذلك لأنه: غض
التجربة، صغير المدارك، لين الإهاب. وهكذا فإنك ترى الطفل الصغير - حديث
عهد بمشهي - يقع ويتعثر أكثر ممن هو أكبر منه سناً، وأكثر خبرة وتجربة.
إذن الأخطاء الصادرة من طالب العلم الداعية المبتدئ متوقعة وينبغي أن
توضع في مكانها الصحيح في إطار التربية المرحلية، ولذلك فإن من الصواب
بمكان أن نذكر للشباب المؤمن سيرة ابن تيمية ﵀ وصبره، وجهاده،
وسداده، وحنكة مواقفه، وشجاعته، وصدقه، بل من المفترض أن نذكر لهم سيرة
مَن هو أجلّ وأعظم، سيرة رسول الله ﷺ .
إنه لا ينبغي أن نُشعر طلبة العلم الدعاة أنهم بِدع في الناس، لهذه الأخطاء
التي يرتكبونها والحق أنها ليست أخطاءً هينة وقليلة وهذه الأخطاء هي مما يقع من
كل البشر.. ألم يقتل أسامة بن زيد ﵁ رجلاً من جهينة، وقال إنه
كان متعوذاً؟ ! [١]
ألم يسبق أبو بكر الصديق ﵁ رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - في تعبير الرؤيا؛ فقال له النبي ﷺ : أصبت بعضاً
وأخطأت بعضاً [٢] ألم يختلف الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - على غنائم
بدر شيوخاً وشباباً؛ فأنزل الله فيهم سورة الأنفال؟ ! [٣]
ألم يكتب حاطب بن أبي بلتعة للمشركين كتاباً يُعْلمهم فيه أحوال المسلمين..
وهذا - عند عمر - نفاق يوجب القتل، ولكن عند مربي هذه الأمة - صلى الله
عليه وسلم - هفوة وخطأ ... «ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما
شئتم فقد غفرت لكم» . [٤]
ألم يُعمل خالد سيفه في بني جذيمة.. فقتل وأسر.. وكان هذا بسبب أنهم لم
يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فقالوا: صبأنا ولم يفهم خالد مرادهم.. وتبرأ رسول
الهدى ﷺ مما صنع خالد.
وهناك شواهد أخرى كثيرة تدل على أن الأخطاء قد وقعت من خير القرون -
﵃ وأرضاهم - فهل نظن أن هذه المواقف مما يسودُّ بها وجه التاريخ
ويكفهرّ؟ !
كلا والله! ! بل هي البشرية في أسمى معانيها، ومن سمو معاني البشرية
وبهائها خطأ الإنسان ثم صوابه، واجتراحه للذنب ثم توبته، وعثرته ثم اتزانه،
واعوجاجه ثم استقامته! !
إن وقوع الخطأ والزلل أمر مفروغ منه.. ولكن هذا التثريب المستمر الذي
يصُم أذنيه أحياناً عن معرفة أن هذا شوك في الطريق ينبغي اقتلاعه يسد باب الأمل
عند طلبة العلم الدعاة، ويحزنهم، ويشعرهم أنهم بدع في السائرين.
ولعل من نافلة القول أن يقال: إن الله - تعالى - يدفع بهذه الأخطاء إلى
الصواب، وبهذه الهفوات إلى السداد، فإن هذه الأخطاء الكثيرة - في البداية - تكاد
تكون أمراً لا بد منه؛ ليستقيم العوج، ويعمق التفكير وأسلوبه، وتستنير البصيرة،
ويصفوا الوادي بعد حمله الأكدار.. [أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ومِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] [الرعد: ١٧] .
وهكذا فبداية الدعوة وطلب العلم تحمل أكداراً وشوائب، ومع الاستمرار
والثبات والصبر والاهتداء وبذل النصح وتقبّله، ومع سريان ماء الوادي، ومع
انفصال الشوائب عن نفيس المعدن بفعل الحرارة والتوهج ... يصفو كل شيء.
وبعد: فهذا ليس تهويناً وتقليلاً من شأن تلك الأخطاء فهي كثيرة فادحة،
يكفيك منها التصدر للفتوى ما لو سئل عنه عمر لجمع أهل بدر له.
وبعد: فهذا ليس سداً لباب النصح والتوجيه، لكنه فتح لنافذة احتواء هذه
الهفوات وأن تنزل منا منزل التوقع والتدارك والنظر بعين العطف، وهو ليس تتبعاً
لهفوات القوم ﵃ وإنما هو بحث عن البشرية في أصدق معانيها
وفي خير مظاهرها، وهو رسم لخارطة السلوك الإنساني، والإشارة ببنان
مضطرب إلى موقع كل من الخطأ والصواب ... والله المستعان. ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 802
أبو رغال
رمز الخيانة والدجل
عابد حميان
يطالعنا التاريخ المعاصر للعرب عن أحداث تكاد تكون صورة مطابقة تماماً
لصور وأحداث تاريخ العرب قبل الإسلام. يقول ابن كثير: (قال ابن إسحق
واللات بيت لهم - يعني ثقيف - بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة، قال:
فبعث أهل ثقيف مع أبرهة الأشرم صاحب الفيل أبا رغال يدله على الطريق إلى
مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، حتى أنزله بالمغمس (مكان قريب من مكة)
فلما أنزله به مات أبو رغال هناك فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذي يرجم
الناس بالمغمس) .
إن استخلاص هذه القصة بكاملها من المصادر التاريخية يعطينا أكثر من دلالة، أن أبا رغال يبقى دائماً رمزاً للخيانة والغدر، وسيلقى دائماً منا الرجم والسباب.
بالأمس القريب كان كمال أتاتورك الذي تمسح بالإسلام، والغيرة على
المسلمين، وحمل المصحف وطاف بالجنود مشجعاً إياهم على الوقوف بجانبه ليصل
إلى مأربه حتى قال فيه شاعر (يا خالد الترك جدِّد خالد العرب) وكان في الحقيقة
السيف الأول الذي سلط أول ما سلط على الرقبة المسلمة، وما أكثر الكماليين في
عالمنا الإسلامي، حيث لا تزال تتكرر الصور والأشكال، وقبله كان ابن العلقمي
الذي خامر التتار ضد بني العباس.
إن تحديد المواقف وتحليل الشخصيات على ضوء ماضيها وسلوكها - أصبح
علماً قائماً بذاته وله أصوله ومناهجه ونتائجه التي لا تكاد تخطئ وإن كانت لا تصل
إلى درجة النتائج الرياضية أو الفيزيائية، إن ما كتبه السلف في هذا النص من
علماء الجرح والتعديل قد يفيدنا اليوم كثيراً.
قد تكون المشكلة اليوم تنحصر في الصورة الرديئة للذهنية الإسلامية وما علق
بها من النسيان، وقد يكون النسيان هو بلاءنا اليوم؛ إذ معرفة تاريخ الإنسان هو
الأساس الذي يشكل المدخل السليم لمعرفة شخصيته ومن ثم تحديد سلوكه وتصرفه
المستقبلي إلى حد بعيد. وقد يغتر المسلمون اليوم بتوبة بعض الدجالين الذين
يتخذون من التوبة إعلان التمسك بأهداب الدين ملجأ يفر إليه من آثار عدوانه وقد
يصل بعد ذلك إلى مكان القيادة في ظل البلهاء. وقد أعلن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - عن بعض المجرمين فقال: (اقتلوهم ولو تمسكوا بأستار الكعبة) لابد
أن يكون موقف الأمس هو موقف اليوم، وإلا كيف والحالة هذه يمكننا نحن أن نلغي
تاريخ الإنسان وسلوكه الماضي لمجرد موقف أو مظهر قد لا نكون قادرين تماماً
على إدراك دوافعه فضلاً عن إدراك نتائجه؟ !
стр. 803
الإعلانات التجارية
عثمان بن محمد الخنين
يعمد كثير من التجار إلى الإعلانات عن بضائعهم ومحلاتهم بوسائل إعلامية
مختلفة ولكن - ومع بالغ الأسف - لا تخلو كثير من تلك الإعلانات من مخالفات
شرعية: بالإضافة إلى الكذب والتمويه وإغراء الناس - وخاصة النساء والأطفال -
لدفعهم لشراء ما لا يحتاجون.. فكثير من الإعلانات تحاول تحويل الأشياء المعلن
عنها إلى ضروريات أو لا غنى عنها هذا على الرغم من تفاهتها أو قد يستغنى عنها
بغيرها.
ومع الأسف ففي كثير من الأحياء يكون الإعلان على حساب المستهلك بدليل
أن البعض يزيد في قيمة السلعة المعلن عنها. كل ذلك مخالفات يرتكبها بعض
التجار وكأنه يريد أن يستهلك أموال الناس بطرق ماكرة وملتوية ومحرمة.
أيها التجار الكرام يقول الأخ إبراهيم بن محمد في كتابه (آداب التاجر
وشروط التجارة) : (وليست التجارة انتهاباً واستغلالاً لحاجة المجتمع بالمكر
والخداع والأيمان الكاذبة وأساليب الترويج المغرية المضللة كما أنها ليست وظيفة
مالية مهمتها إنماء الثروة الاقتصادية فحسب. ولكن التجارة في الإسلام: خدمة
اجتماعية تعاونية للمجتمع الإسلامي في المقام الأول يجب أن تكون مشمولة دائماً
بالصدق والأمن حتى تؤتي ثمارها المرجوة من تيسير حياة المسلمين ودفع المشقة
عنهم.
وإذا صحت نية التاجر وقصد بتجارته منفعة المسلمين بأداء هذه الفريضة
الكفائية مع سعيه لطلب الرزق الحلال يحفظ به نفسه ويصون به أسرته، كانت
التجارة في حقه ليست مجرد بيع وشراء، بل صارت تجارته تعاملاً مع الله -
فهو يشتري ثواب الله بالأعمال الصالحة.
فالمسلم في تجارته يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وحينئذ
فقصده نفع نفسه فرع من قصده النفع العام، وذلك من شأنه أن يرتب الكثير من
النتائج إذا ما تعارضت مصلحته الشخصية مع المصلحة العامة، ومن شأنه أيضاً
أن يبرز العنصر الأخلاقي في المعاملات الإسلامية ويضعه في المقام الأول وذلك
مثل التزام الصدق، وحسن المطالبة، وحسن الأداء واعتبار القرض قربة إلى الله
ذلك من الأمور التي تحث عليها الشريعة ... ) .
أيها الإخوة إن العاقل الواعي الفطن لا تنطلي عليه مثل ذلك الإعلانات
المخالفة للشرع، المتضمنة للكذب والتهويل والمبالغة، إنه ينظر أولاً إلى حكم
شراء تلك البضاعة واستعمالها، ثم ينظر إلى مدى أهميتها وإلى جودتها ثم إلى
ثمنها، ينظر إلى ذلك كله ثم يقرر شراءها أو عدمه، وإذا اشتراها وجربها يقرر
إن صلحت استمر في شرائها وإلا فلا. هكذا يتعامل المسلم العاقل حيث يضع
الأمور في نصابها دون النظر في الإعلانات والدعايات.
فيا أيها التجار اتقوا الله وراقبوه في كل ما تقولون أو تعملون، والله الهادي
إلى سواء السبيل.
стр. 804
بريد القراء
الأخ عثمان بن محمد الخنين
أرسل لنا قصة قصيرة ورسالة فيها مقترحات نقتطف منها ما يلي:
١- ما تريدون نشره في كتاب لو يُنشر على حلقات في المجلة لتعم الفائدة ولو
كثرت الحلقات.
٢- عمل صفحات قليلة للطفل المسلم.
٣- إجراء تحسينات على الشكل الخارجي للمجلة.
٤- فتح المجال للقراء أكبر مما هو عليه الآن مع المحافظة على مستوى
المجلة.
٥- الكتابة عن بعض المذاهب الهدامة والاتجاهات المخالفة للإسلام
كالماسونية والباطنية والقومية والوطنية.
البيان: نشكر الأخ عثمان على اهتمامه وغيرته وقد حققنا بعض مقترحاته -
كما رأى - في العدد (٣٣) بإصدار (البيان الصغير) وتغيير شكل الغلاف، ونعده
بتحقيق بقية المقترحات إن شاء الله.
وأما بشأن القصة القصيرة التي أرسلها فإنها لم تستوفِ شروط القصة، ولا
بأس بإعادة التجربة وننصحك بالإكثار من المطالعة ومعرفة الشروط الفنية للقصة.
الأخ إبراهيم الغامدي - جدة:
ما أرسلت من القصيد لا يصلح للنشر في المجلة، وليس هذا من جهة المعاني، فالمعاني طيبة ولا شك، ولكن من حيث الأسلوب والبناء، نرجو أن تكرر
المحاولات وأن تقرأ كتباً في النقد الأدبي القديم والحديث، وتقرأ لكبار الشعراء.
الأخ علي عبد الله زوعري - الرياض
أرسل لنا رسالة يبدي فيها ارتياحه للبيان وتشجيعه لها.
البيان: نشكر الأخ على تشجيعه، ونرجو أن نكون عند حسن ظن الإخوة
دائماً.
الأخ أبو مالك - القصيم
أرسل إلينا قصة نقلها من كتاب (الراقصون على جراحنا) .
البيان: نشكر الأخ أبا مالك على اهتمامه، ولكن ليس من منهج المجلة نشر
إنتاج أدبي موجود في كتاب أو مجلة أخرى، ونرحب بالإنتاج الجديد والجيد.
الأخ خزعل العازمي - الدمام
أرسل طالباً الاهتمام بأزمة الخليج.
البيان: نشكر الأخ خزعل على اهتمامه بأمور المسلمين.
الأخ عبد الله بن علي الطعيمي - عنيزة
أرسل كلمة قصيرة يرد فيها على العلمانيين الذين يريدون تطبيق مدنية الغرب
على حياة المسلمين، كما أرسل لنا قصيدة للشاعر (محمود غنيم) .
البيان: نشكر الأخ عبد الله على مشاركته ونتمنى له التوفيق وأن يكون من
الشباب المؤمن المدافع عن الإسلام في وجه التغريب.
الأخ دخيِّل بن عبد الرحمن الدخال - الأحساء
أرسل مشجعاً وشاكراً لصدور (البيان الصغير) وضرورة تربية النشء على
الأخلاق العالية والفضائل الإسلامية.
أرسل لنا الأخ عبد الله محمد البا حُسين هذه الاختيارات:
قال الإمام ابن القيم:
(ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره - تعالى - على كل حال، وفي كل موطن، فللذكر تأثيره العجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه) .
زاد المعاد، ج٢، ص٢٥
يقول الأستاذ سيد قطب في الظلال:
(إن الإنسان بغير إيمان حقير صغير، حقير المطامع، صغير الاهتمامات
ومهما كبرت أطماعه، واشتد طموحه، وتعالت أهدافه، فإنه يظل مرتكساً في
الأرض، مقيداً بحدود العمر، سجيناً في سجن الذات، لا يطلقه ولا يرفعه إلا
الاتصال بعالم أكبر من الأرض، وأبعد من الحياة الدنيا، وأعظم من الذات..)
من ظلال سورة العاديات، ص٣٩٥٨
متى يحسن الثناء؟
(حالان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما، وهما: المعاتبة والاعتذار، فإنه
يحسن فيهما تعديد الأيادي، وذكر الإحسان وذلك غاية القبح فيما عدا هاتين الحالتين) .
الأخلاق والسير في مداواة النفوس: ابن حزم، ص٧٨
стр. 805
مراكز إسلامية
* أقام مركز الفرقان الثقافي في مدينة (إندهوفن) في هولندا دورة مكثفة في
بعض العلوم الشرعية، ابتدأت الدورة بتاريخ ٢٦/١٢/٩٠ وانتهت في ٣٠/١٢/٩٠
وقد درّس فيها المواد التالية: العقيدة، فقه المعاملات مع الكفار، السيرة النبوية،
كما درست المواد: مصطلح الحديث وأصول الفقه، وأصول التفسير بإعطاء فكرة
موجزة ومركزة عنها.
وفي المساء أقيمت ندوات ناقشت المواضيع التالية: واقع ومستقبل الإسلام
في الغرب، المرأة المسلمة: حقوقها وواجباتها، حاضر العالم الإسلامي، سلوك
الداعية المسلم، وقد تميزت الدورة بحضور مكثف من المسلمين المقيمين في هولندا، كما حضر عدد لا بأس به من الدول المجاورة وهذه الدورة هي الدورة الأولى في
هذا المركز ولعلها تستمر - إن شاء الله - لتكون عاملاً من عوامل تأهيل الشباب
للدعوة وحمل الفكر الإسلامي الصحيح.
* في المنتدى الإسلامي في لندن أقيم الملتقى الثقافي السابع وذلك خلال يومي
٢٩-٣٠ من شهر كانون الأول عام ١٩٩٠ وقد استضاف الملتقى الدكتور محمد
صلاح الصاوي وحاضر حول (من معالم الدعوة الراشدة) بالإضافة إلى محاضرات
أخرى منها: الأُخوة الإسلامية بين المفهوم والتطبيق، واهتمامات الشباب المسلم،
وقد حضر الملتقى العديد من الشباب المسلم في بريطانيا.
* وقد ختم الملتقى بلقاء مفتوح مع الدكتور الصاوي تعرَّض فيه للعديد من
الموضوعات المهمة مثل إحياء مفهوم الأمة، البنوك الإسلامية، مفهوم تطبيق
الشريعة وغيرها من القضايا الحيوية.
стр. 806
إصدارات جديدة
التوحيد وواقعنا المعاصر
تأليف: الدكتور عدنان علي رضا النحوي
صدر عن دار النحوي للنشر والتوزيع ص. ب. ١٨٩١ الرياض ١١٤٤١
يتحدث المؤلف عن التوحيد كقضية أساسية في حياتنا، ويرجع جميع المشكلات
التي تعصف بالمسلمين إلى اضطراب التوحيد واختلال التصور الإيماني، وأن
التوحيد في صفائه وصدقه هو مفتاح صلاح واقعنا. فهو الحقيقة الكبرى في الكون، عليه يجب أن يقوم الفكر، والمنهج، والأدب، والعلم.
سلسلة بحوث نفسية وتربوية
تقديم وإعداد: د. فاروق عبد السلام - د. ميسرة طاهر
صدر عن دار الهدى للنشر والتوزيع - الرياض
شارع طارق بن زياد - ص. ب. ٢٥٥٩٠ فاكس ٤٦٢١٤٨٠ ويحتوي
على:
* الأسس التربوية الإسلامية للمناهج التعليمية.
ء أساليب المعاملة الوالدية وبعض جوانب الشخصية.
* النشاط المغرض لدى الأطفال وكيف نتعامل معه.
* مفهوم الذات.
* نحو نظرية للتدريس.
* العلاقة بين الأداء والتدريس لمعلمي الرياضيات واللغة العربية.
* مقياس الاتجاه نحو الغش لدى طلاب وطالبات الجامعة.
* اختبار مفهوم تعلُّم القراءة.
стр. 807
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
الاستسرار بالدعوة؟ !
الاستسرار بالدعوة كلها أمر مخالف للأصل الثابت المستقر، فلا يجوز اللجوء
إليه إلا عند الضرورة، وأعني بالدعوة بيان دين الله وشرعه وحكمه.
أما الاستسرار بما سوى ذلك من الوسائل والخطط والتفصيلات فهو أمر
مصلحي خاضع للنظر والاجتهاد البشري، إذ لا يترتب عليه كتمان للدين ولا
سكوت عن حق، ولا يتعلق به بيان، ولا بلاغ.
سلمان بن فهد العودة - الغرباء الأولون
هذه هي الحضارة..
إذا تعلمنا تخصيص نصف ساعة يومياً لأداء واجب معين، وخصص كل فرد
منا هذا الجزء من يومه في تنفيذ مهمة منتظمة وفعالة فسوف يكون لدينا في نهاية
العام حصيلة هائلة من ساعات العمل لمصلحة الحياة الإسلامية في جميع أشكالها
العقلية والخلقية والتقنية والاقتصادية والمنزلية.
وسيثبت هذا (النصف ساعة) عملياً فكرة الزمن في العقل الاسلامي، أي في
أسلوب الحياة في المجتمع، وفي سلوك أفراده، فإذا استُغل الوقت هكذا فلم يضع
سدى ولم يمر كسولاً في حقلنا، فسترتفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي،
وهذه هي الحضارة.
مالك بن نبي - شروط النهضة، ١٤١
إلى الله المشتكى..
لا يذوق العبد حلاوة الإيمان، وطعم الصدق واليقين، حتى تخرج الجاهلية
كلها من قلبه. ووالله لو تحقق الناس في هذا الزمان ذلك من قلب رجل لرموه عن
قوس واحدة. وقالوا: هذا مبتدع، ومن دعاة البدع. فإلى الله المشتكى، وهو
المسئول في الصبر والثبات، فلابد من لقائه [وقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى] [طه: ٦١] ،
وقال كذلك: [وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] [الشعراء: ٢٢٧] .
ابن القيم - مدارج السالكين، ٢/٣٨٥
الأمم لا تكون في حالة انحدار حقيقي إلا إذا ٠صارت راضية عن نفسها،
متباهية بواقعها وأنانية، يستحوذ عليها هاجس الرفاه المادي، وقد عبر أينشتاين
عن ذلك بكل وضوح حين قال:
(لم يحدث أن اعتبرت الرفاه والسعادة أهدافاً مطلقة، بل وإني أميل لمقارنة
مثل هذا الأهداف الأخلاقية بطموحات الخنزير، فالحياة التي يعيشها المرء من أجل
الآخرين وحدها التي تستحق العيش) .
(ولا تكون الأمة صادقة مع نفسها إلا إذا التزمت بقضية أكثر منها، وحين
يعتقد زعماء أمة ما أنها وصلت القمة، وإن هدفها الوحيد هو البقاء هناك فإنها أمة
منتهية سلفاً) .
ريتشارد نيكسون - (صنداي تايمز) ، ٥/١٠/١٩٨٨
قال الحسن: (اعتبروا الناس بأعمالهم، ودعوا أقوالهم فإن الله لم يدعْ قولاً
إلا جعل عليه دليلاً من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا سمعت قولاً حسناً، فرويداً
بصاحبه، فإن وافق قوله عمله فنعم ونعمة عين) .
стр. 808
تنويه وردّ
أرسل لنا الدكتور علي السالوس - حفظه الله - عن طريق هيئة الرقابة
الشرعية في مصرف قطر الإسلامي هذا الرد من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
على ما كتبته جريدة (الأهرام) :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة (الأهرام) - الصادرة في ١٨/٢ ...
/١٤١١ هـ الموافق ٧/٧/١٩٩٠ م نقلاً عن معالي وزير الأوقاف المصري بأنني
أفتيت بجواز التعامل مع البنوك بالفوائد من أجل الضرورة.. اهـ المقصود.
ومن أجل إيضاح الحق للقراء وغيرهم أعلن أن هذا النقل لا صحة له، وقد
صدرت عني فتاوى كثيرة نُشرت في الصحف المحلية وغيرها بتحريم الفوائد
البنكية المعروفة؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على ذلك. وحسبنا
الله ونعم الوكيل، ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعاً لكل ما يوافق شرعه المطهر
ويعيذهم من أسباب غضبه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 809
رمضان - ١٤١١هـ
مارس - ١٩٩١م
(السنة: ٥)
стр. 810
الافتتاحية
الشرق والغرب
ليس هناك منطقة في العالم تعرضت للغزو ورد الغزو، وقامت على أرضها ...
حروب ومعارك كالمنطقة العربية، أو ما يسمونه في لغة الغرب (الشرق الأوسط) ،
إنها التفاحة التي تغري الآخرين بقطفها، فهي دائماً في نظر هؤلاء بلاد (السمن
والعسل) ، جاءها الإسكندر من الغرب، وجاءها هولاكو من الشرق، وذهب
الغازيان وبقيت المنطقة محتفظة بهويتها وثقافتها، هكذا قدر لها، وهكذا ينظر إليها
الغرب، كما يؤكد تقرير صادر عن مجموعة العمل الخاصة بالشرق الأوسط التابعة
للمجلس الأطلسي حينما عبر عن لا (الأهمية العظمى) ، للشرق الأوسط. [١] .
لقد كنا نحاذر أن تقع هذه الحرب التي أعقبت أزمة الخليج، وكنا نتمنى ألا
تقع، لأنها ستترك جرحاُ ليسر من السهل برؤه في المدى القريب، ولكن ستبقى
هوية المنطقة (الإسلام) ، وستبقى أصالة المنطقة.
لقد تذكرنا في هذه الأيام قول أحد شعراء الإنكليز المشهورين (الشرق شرق
والغرب غرب، ولن يلتقيا) ، هذه المقولة التي حاول كثير من الكتاب في الشرق
والغرب أن يثبت عكسها، ولكنها الحقيقة التي تثبت نفسها مع الأيام، فطبيعة
الثقافة الغربية التي يرضعها الطفل من المنزل والمدرسة والمجتمع تختلف جذرياً
عن طبيعة الثقافة الإسلامية، فالغربي الذي يعطف على الحيوان، وفي الوقت نفسه
يخرب البلدان إنما يعبر عن ثقافته، وليس من باب التمثيل أن يعطف على الحيوان
لإظهار رقته ورحمته، ولكنها الثقافة الغربية، ومن النماذج الواضحة في
ذلك ما يروى أن جندياً إنكليزياً كان يصوب بندقيته على مواطن كيني، فما
كان من هذا الكيني إلا أن هجم وعض الإنكليزي فاستغرب الأخير هذا التصرف
والتفت إلى زميل له وقال له: انظر إلى هذا المتوحش....
كان أجدادنا على علم بعقلية الأوروبيين وطريقة تصرفهم، فعندما كتب مسلمو
الأندلس معاهدة مع ملك أسبانيا يؤمنهم على أموالهم وأعراضهم، وحرية تدينهم قام
فيهم القائد العربي موسى بن أبي الغسان وقال: «يا قوم لا تغشوا أنفسكم، ولا
تتسلوا بالمحال، ولا تظنوا أن ملوك النصارى وافون بمواعيدهم لكم، فوالله إن
الموت الأحمر هو أهون مما نتوقع، وإنما نحن مستقبلون أمراً أيسره اكتساح
الأوطان وفضيحة العيال وانتهاب الأموال وقلب المساجد» .
كما يعبر عن هذه الحقيقة المستشرق النمساوي الذي اعتنق الإسلام محمد أسد، عندما قال: «قد لا تقبل أوربا تعاليم الفلسفة (البوذية) ، أو (الهندوكية) ، ولكنها
تحتفظ دائماً فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير، إلا
أنها عندما نتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي في
التسرب..» [٢] .
ويقول غوستاف لوبون: «لقد تجمعت العقد الموروثة، عقد التعصب التي
ندين بها ضد الإسلام ورجاله، وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن
تركيبنا العضوي» [٣] .
إن الغرب وهو في نشوة انتصاره لا يتنبه إلى قوانين التاريخ الصارمة، إنه
لا يستطيع العيش طويلاً وهو يجترح الأزمات ويمتص خيرات الشعوب، وله عبرة
في الامبراطورية الروسية، التي أضعفت الدولة العثمانية ثم بدأت تلتهم الأقاليم
الإسلامية في آسيا، ثم جاءها العقاب الخفي، وجدت نفسها فجأة خاوية على
عروشها، تستجدي المعونة الاقتصادية، وهكذا علمت روسيا وسيعلم الغرب أن
الظلم مرتعه وخيم.