إصدارات جديدة
التوحيد وواقعنا المعاصر
تأليف: الدكتور عدنان علي رضا النحوي
صدر عن دار النحوي للنشر والتوزيع ص. ب. ١٨٩١ الرياض ١١٤٤١
يتحدث المؤلف عن التوحيد كقضية أساسية في حياتنا، ويرجع جميع المشكلات
التي تعصف بالمسلمين إلى اضطراب التوحيد واختلال التصور الإيماني، وأن
التوحيد في صفائه وصدقه هو مفتاح صلاح واقعنا. فهو الحقيقة الكبرى في الكون، عليه يجب أن يقوم الفكر، والمنهج، والأدب، والعلم.
سلسلة بحوث نفسية وتربوية
تقديم وإعداد: د. فاروق عبد السلام - د. ميسرة طاهر
صدر عن دار الهدى للنشر والتوزيع - الرياض
شارع طارق بن زياد - ص. ب. ٢٥٥٩٠ فاكس ٤٦٢١٤٨٠ ويحتوي
على:
* الأسس التربوية الإسلامية للمناهج التعليمية.
ء أساليب المعاملة الوالدية وبعض جوانب الشخصية.
* النشاط المغرض لدى الأطفال وكيف نتعامل معه.
* مفهوم الذات.
* نحو نظرية للتدريس.
* العلاقة بين الأداء والتدريس لمعلمي الرياضيات واللغة العربية.
* مقياس الاتجاه نحو الغش لدى طلاب وطالبات الجامعة.
* اختبار مفهوم تعلُّم القراءة.
стр. 807
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
الاستسرار بالدعوة؟ !
الاستسرار بالدعوة كلها أمر مخالف للأصل الثابت المستقر، فلا يجوز اللجوء
إليه إلا عند الضرورة، وأعني بالدعوة بيان دين الله وشرعه وحكمه.
أما الاستسرار بما سوى ذلك من الوسائل والخطط والتفصيلات فهو أمر
مصلحي خاضع للنظر والاجتهاد البشري، إذ لا يترتب عليه كتمان للدين ولا
سكوت عن حق، ولا يتعلق به بيان، ولا بلاغ.
سلمان بن فهد العودة - الغرباء الأولون
هذه هي الحضارة..
إذا تعلمنا تخصيص نصف ساعة يومياً لأداء واجب معين، وخصص كل فرد
منا هذا الجزء من يومه في تنفيذ مهمة منتظمة وفعالة فسوف يكون لدينا في نهاية
العام حصيلة هائلة من ساعات العمل لمصلحة الحياة الإسلامية في جميع أشكالها
العقلية والخلقية والتقنية والاقتصادية والمنزلية.
وسيثبت هذا (النصف ساعة) عملياً فكرة الزمن في العقل الاسلامي، أي في
أسلوب الحياة في المجتمع، وفي سلوك أفراده، فإذا استُغل الوقت هكذا فلم يضع
سدى ولم يمر كسولاً في حقلنا، فسترتفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي،
وهذه هي الحضارة.
مالك بن نبي - شروط النهضة، ١٤١
إلى الله المشتكى..
لا يذوق العبد حلاوة الإيمان، وطعم الصدق واليقين، حتى تخرج الجاهلية
كلها من قلبه. ووالله لو تحقق الناس في هذا الزمان ذلك من قلب رجل لرموه عن
قوس واحدة. وقالوا: هذا مبتدع، ومن دعاة البدع. فإلى الله المشتكى، وهو
المسئول في الصبر والثبات، فلابد من لقائه [وقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى] [طه: ٦١] ،
وقال كذلك: [وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] [الشعراء: ٢٢٧] .
ابن القيم - مدارج السالكين، ٢/٣٨٥
الأمم لا تكون في حالة انحدار حقيقي إلا إذا ٠صارت راضية عن نفسها،
متباهية بواقعها وأنانية، يستحوذ عليها هاجس الرفاه المادي، وقد عبر أينشتاين
عن ذلك بكل وضوح حين قال:
(لم يحدث أن اعتبرت الرفاه والسعادة أهدافاً مطلقة، بل وإني أميل لمقارنة
مثل هذا الأهداف الأخلاقية بطموحات الخنزير، فالحياة التي يعيشها المرء من أجل
الآخرين وحدها التي تستحق العيش) .
(ولا تكون الأمة صادقة مع نفسها إلا إذا التزمت بقضية أكثر منها، وحين
يعتقد زعماء أمة ما أنها وصلت القمة، وإن هدفها الوحيد هو البقاء هناك فإنها أمة
منتهية سلفاً) .
ريتشارد نيكسون - (صنداي تايمز) ، ٥/١٠/١٩٨٨
قال الحسن: (اعتبروا الناس بأعمالهم، ودعوا أقوالهم فإن الله لم يدعْ قولاً
إلا جعل عليه دليلاً من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا سمعت قولاً حسناً، فرويداً
بصاحبه، فإن وافق قوله عمله فنعم ونعمة عين) .
стр. 808
تنويه وردّ
أرسل لنا الدكتور علي السالوس - حفظه الله - عن طريق هيئة الرقابة
الشرعية في مصرف قطر الإسلامي هذا الرد من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
على ما كتبته جريدة (الأهرام) :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة (الأهرام) - الصادرة في ١٨/٢ ...
/١٤١١ هـ الموافق ٧/٧/١٩٩٠ م نقلاً عن معالي وزير الأوقاف المصري بأنني
أفتيت بجواز التعامل مع البنوك بالفوائد من أجل الضرورة.. اهـ المقصود.
ومن أجل إيضاح الحق للقراء وغيرهم أعلن أن هذا النقل لا صحة له، وقد
صدرت عني فتاوى كثيرة نُشرت في الصحف المحلية وغيرها بتحريم الفوائد
البنكية المعروفة؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على ذلك. وحسبنا
الله ونعم الوكيل، ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعاً لكل ما يوافق شرعه المطهر
ويعيذهم من أسباب غضبه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 809
رمضان - ١٤١١هـ
مارس - ١٩٩١م
(السنة: ٥)
стр. 810
الافتتاحية
الشرق والغرب
ليس هناك منطقة في العالم تعرضت للغزو ورد الغزو، وقامت على أرضها ...
حروب ومعارك كالمنطقة العربية، أو ما يسمونه في لغة الغرب (الشرق الأوسط) ،
إنها التفاحة التي تغري الآخرين بقطفها، فهي دائماً في نظر هؤلاء بلاد (السمن
والعسل) ، جاءها الإسكندر من الغرب، وجاءها هولاكو من الشرق، وذهب
الغازيان وبقيت المنطقة محتفظة بهويتها وثقافتها، هكذا قدر لها، وهكذا ينظر إليها
الغرب، كما يؤكد تقرير صادر عن مجموعة العمل الخاصة بالشرق الأوسط التابعة
للمجلس الأطلسي حينما عبر عن لا (الأهمية العظمى) ، للشرق الأوسط. [١] .
لقد كنا نحاذر أن تقع هذه الحرب التي أعقبت أزمة الخليج، وكنا نتمنى ألا
تقع، لأنها ستترك جرحاُ ليسر من السهل برؤه في المدى القريب، ولكن ستبقى
هوية المنطقة (الإسلام) ، وستبقى أصالة المنطقة.
لقد تذكرنا في هذه الأيام قول أحد شعراء الإنكليز المشهورين (الشرق شرق
والغرب غرب، ولن يلتقيا) ، هذه المقولة التي حاول كثير من الكتاب في الشرق
والغرب أن يثبت عكسها، ولكنها الحقيقة التي تثبت نفسها مع الأيام، فطبيعة
الثقافة الغربية التي يرضعها الطفل من المنزل والمدرسة والمجتمع تختلف جذرياً
عن طبيعة الثقافة الإسلامية، فالغربي الذي يعطف على الحيوان، وفي الوقت نفسه
يخرب البلدان إنما يعبر عن ثقافته، وليس من باب التمثيل أن يعطف على الحيوان
لإظهار رقته ورحمته، ولكنها الثقافة الغربية، ومن النماذج الواضحة في
ذلك ما يروى أن جندياً إنكليزياً كان يصوب بندقيته على مواطن كيني، فما
كان من هذا الكيني إلا أن هجم وعض الإنكليزي فاستغرب الأخير هذا التصرف
والتفت إلى زميل له وقال له: انظر إلى هذا المتوحش....
كان أجدادنا على علم بعقلية الأوروبيين وطريقة تصرفهم، فعندما كتب مسلمو
الأندلس معاهدة مع ملك أسبانيا يؤمنهم على أموالهم وأعراضهم، وحرية تدينهم قام
فيهم القائد العربي موسى بن أبي الغسان وقال: «يا قوم لا تغشوا أنفسكم، ولا
تتسلوا بالمحال، ولا تظنوا أن ملوك النصارى وافون بمواعيدهم لكم، فوالله إن
الموت الأحمر هو أهون مما نتوقع، وإنما نحن مستقبلون أمراً أيسره اكتساح
الأوطان وفضيحة العيال وانتهاب الأموال وقلب المساجد» .
كما يعبر عن هذه الحقيقة المستشرق النمساوي الذي اعتنق الإسلام محمد أسد، عندما قال: «قد لا تقبل أوربا تعاليم الفلسفة (البوذية) ، أو (الهندوكية) ، ولكنها
تحتفظ دائماً فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير، إلا
أنها عندما نتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي في
التسرب..» [٢] .
ويقول غوستاف لوبون: «لقد تجمعت العقد الموروثة، عقد التعصب التي
ندين بها ضد الإسلام ورجاله، وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن
تركيبنا العضوي» [٣] .
إن الغرب وهو في نشوة انتصاره لا يتنبه إلى قوانين التاريخ الصارمة، إنه
لا يستطيع العيش طويلاً وهو يجترح الأزمات ويمتص خيرات الشعوب، وله عبرة
في الامبراطورية الروسية، التي أضعفت الدولة العثمانية ثم بدأت تلتهم الأقاليم
الإسلامية في آسيا، ثم جاءها العقاب الخفي، وجدت نفسها فجأة خاوية على
عروشها، تستجدي المعونة الاقتصادية، وهكذا علمت روسيا وسيعلم الغرب أن
الظلم مرتعه وخيم.
стр. 811
وقفة البوطي مع ابن تيمية
عبد القادر حامد
لا تقل: كيف يكون هذا؟ وكيف يستوقف البوطي ابن تيمية؟ فهكذا كان!
افترض أنه استوقفه! ولكن هل وقف، ﵀، وهل أصاخ لتحرشات البوطي
بعد ستمائة وثمانين سنة من وفاته، لقد تُحرِّش به كثيراً في حياته وبعد مماته إلى
الآن، ولم يهادن، ولم ينحن، بل هاهو ما يزال يزداد على التحرشات سطوعاً
وانتشاراً. لقد تعاوره ناس من طبقات شتى، وناشته أسلحة عمالقة وأقزام، كلهم
يحاول جهده، ويجرب حظه! ولكن أين هؤلاء، ومن يذكرهم؟ ! ومن يقرأ لهم؟
نحن نجيب: لا يقرأ لهم - في الأغلب - إلا من يريد أن يجرب حظه مع ابن
تيمية من جديد، ليجرد عليه أسلحة ثبت أنها إما كليلة أو فليلة.
مجلدات، رسائل مجردة، فتاوى، قصائد، ترجمات.. كلها ساهمت في هذه
الملحمة التي بدأت في حياة ابن تيمية ولمّا تنته بعد: أهواء يختلط فيها الحسد
والغيرة، بالتصوف الأعجمي، بالعداء للسنة، بالحقد على الصحابة، بالحرص
على المنصب، بحب الظهور عند جهة مدخولة العقيدة، بالشعوبية المبنية على كره
كل ما هو عربي، بالتعصب للمذاهب والأشخاص، بكثير مما يصعب حصره من
الدوافع التي تظهر خطوطها في كلام أصحابها بادية للعيان، أو تلك التي تتوارى
وتتدارى وتتلفف وتتدثر، ولكن تدل عليها رائحتها وفحيحها من وراء الكلمات. كل
ذلك وأكثر منه قد أُرصِد ويُرصَدُ كي يخفت صوت ابن تيمية، ويسدل الستار على
المنهج الذي نصب له جهده وحياته. ولكن هل نجح ذلك الإرصاد في خفت صوته
وتغييب منهجه؟ ما أحرى ابن تيمية بمعنى قول المتنبي:
كم قد قتلتُ وكم قد متُّ عندكم ... ثم انتفضتُ فزال القبر والكفن
قد كان شاهد دفني قبل قولهم ... جماعة، ثم ماتوا قبل من دفنوا
هذا أمر ومنهج قد استتب، وهو إلى قوة وانتشار بحمد الله ومنه وكرمه.
إننا لا ندافع عن ابن تيمية، فابن تيمية يدافع عن نفسه بأسلوبه، وعلى
الرغم من ضياع كثير مما كتب، فيما بقي من تراثه كفاء خصومه، وإذا أشرنا إلى
فقرات من آرائه في مؤلفاته، فهذا ليس تعبيراً عن تعصب للرجل، بل إنصافاً
للحق المجرد الذي نؤمن به وندين الله عليه، فإذا أحبه محبوه فللحق الذي ينافح عنه، وإذا تحامل عليه من تحامل فللباطل الذي يمدون إليه بسبب أو أكثر.
كما لا نظن بابن تيميه العصمة، فهو بشر يصيب ويخطئ، ولكن المناقشة
العلمية شيء، والتحامل الصارخ، والتشفي العاري شيء آخر.
لا زال مغروساً في ذاكرتي ذلك الموقف الذي كنت عاجزاً عن فهمه وتحليله
يوم حدث، وذلك أني كنت طالباً في كلية الشريعة في دمشق، وكانت مقررة علينا
مادة سموها: الفقه المقارن، وكان تدريسها مسنداً للدكتور الذي نناقش بعض ما
جاء في كتابه هذا، وكان صنف ورقات تحتوي عدة مسائل فقهية خلافية. وكان
من بين هذه المسائل مسألة: الطلاق بلفظ الثلاث، هل يقع ثلاثا أم واحدة، وهي
مسألة مشهورة، وابن تيميه يخالف في هذه المسألة المفتى به عند الفقهاء، وطبيعي
أن الشيخ البوطي ينصر رأي الفقهاء ولا لوم عليه في ذلك، لكن الذي استوقفني في
ذلك الوقت أمران:
١- وضع الأدلة وسياقها كما ناقشها البوطي حتى ننتهي إلى ما انتهينا إليه من
تأييد رأي الجمهور، فعلى الرغم من الجهد الواضح والحشد وكثرة الأقوال، إلا أنه
ظل في أعماق النفس شيء من هذه الاستدلالات وطريقة عرضها.
٢- الصورة التي عرض البوطي علينا المسألة فيها.
فلا أزال أذكر أنه عندما عرض الأدلة وبدأ يناقشها تغيرت صورته التي
أعرفها أنا على الأقل، فارتفعت لهجته واحتدت، وهذه الحدة كانت ترافق عرض
الحجج التي يعتمدها ابن تيمية، بل كنت أحس أن الشيخ - وهو الهادئ الرزين في
نظري -كان يتهيأ للنهوض عن كرسيه بغضب ظاهر ليدفع خصماً أمامه لم يبق له
معه كلام، ولا بد من اللجوء إلى لغة الدفع باليد، بعد عجز لغة الحجة والبرهان.
طبعاً لم يخلف هذا الموقف في نفسي شيئاً نحو الشيخ حتى عندما سعر الحرب بينه
وبين خصومه الذين يحرص على نعتهم بأقبح الصفات، لم تكن هذه الحروب من
اهتماماتي، فلم أتابع ما قال كل طرف في الآخر. حتى قرأت له هذا الكتاب،
فعجبت أن يكتبه دكتور سلخ مدة ليست بالقصيرة من عمره يدرس ويحاضر ويؤلف.
هل النضج يؤدي إلى هذه النتيجة؟ أم هي فتنة يفتن بها الشيخ بعد هذا العمر؟ أم هذا ديدنه في سائر إنتاجه؟
وبعد أن قرأت «وقفته مع ابن تيمية» أدركت تلك الصورة الغريبة، التي
عجزت عن تفسيرها في ذلك الوقت المبكر، لأنني لم أكن قد اطلعت على شيء
كاف مما كتب ابن تيمية، تؤهلني لإدراك ما وراء الآكام.
تتجمع خصائص البوطي في التأليف والجدل، وتحتشد على نحو بارز
وطريف حينما يتصدى لابن تيمية (منبهاً إلى أخطاء وقع فيها ومعتذراً له!) ،
وحتى يكون لتصديه هذا مؤيدون فلا بد من اللجوء إلى رمز له جمهوره، وهكذا فما
إن افتتح البوطي اللعبة التي سماها: «وقفة مع ابن تيمية» ، حتى دلف وألقى
الرمز بين يدي جمهوره! هذا الرمز هو الغزالي..
والمجيء بالغزالي إلى هذا المعمعان حيلة يراها البوطي ناجحة، فلا بد من
إثارة العواطف، وهذه لا تثور إلا بندب وتفجع وتوجع! ولا بد أن يكون موضوع
هذا الندب والتفجع والتوجع رمزاً معروفاً، ولعله يستخدم هذه الوسيلة تأثرً بالذين
يستغلون حب المسلمين قاطبة لآل البيت من أجل الوصول إلى أهداف أخرى.
وهو الذي تحول بآخره إلى الاحتطاب بحبلهم!
وسبب آخر وهو تحويل المعركة من طرفين يشك الجمهور في تكافئهما؟
وهما: البوطي وابن تيمية، إلى طرفين قد يوجد من الناس من يقول بتكافئهما وهما: الغزالي وابن تيمية! والتبعة على البوطي ستكون أخف وأهون - أو هكذا يظن
- إذا ما جعل هذين الإمامين يتصارعان وعندها قد يقف على مبعدة منهما يفرك
يديه ضاحكاً قائلاً:
وكتيبةٍ لبستها بكتيبةٍ ... حتى إذا التبست نفضتُ لها يدي
يقول البوطي [ص ١٦٠] :
«ولكن ابن تيمية أنحى باللائمة- على الغزالي بسبب خوضه في تلك
المصطلحات والمقاييس (مصطلحات ومقاييس الفلاسفة) واتهمه أكثر من مرة بما
كان جديراً به أن يشكره عليه، انطلاقاً من قراره الجازم بأن الاشتغال بعلم الكلام
لإحقاق الحق الذي جاء به القرآن والسنة، عمل مبرور لا حرج فيه ولا مانع منه. ويضع البوطي على طريقته في الإيهام والتلبيس في الحاشية ما يشير إلى أن
مضمون ما قاله موجود في صفحة ١٨٤ من الجزء التاسع من مجموع فتاوى ابن
تيمية.
ولكن - قبل أن نرجع إلى الموضوع المشار إليه - ما مضمون كلامه؟
إن مضمونه أن ابن تيمية:
١ - أنحى باللائمة على الغزالي بسبب خوضه في مصطلحات ومقاييس
الفلاسفة.
٢- اتهمه أكثر من مرة بما كان جديراً أن يشكره عليه!
ولكن ما هذا الذي كان يجب على ابن تيمية أن يشكر الغزالي عليه؟ ! لقد
تركه البوطي مبهماً!
٣- إن لابن تيمية قراراً جازماً لا مثنوية فيه بأن الاشتغال بعلم الكلام لإحقاق
الحق الذي جاء به القرآن والسنة عمل مبرور لا حرج فيه ولا مانع منه.
نقول:
أما إن لابن تيمية كلاماً في الغزالي فلا ينكر ذلك أحد، وأما أن يكون هذا
الكلام حقاً أو باطلاً في نفسه فهذا متروك للعلماء ليقرروه، وهو مباح لكل ناظر
وباحث - لكن بشروط البحث والنظر - لينظر فيه ويبحث عن وجه الحق فيما
احتواه. ولكن غير المباح، بل المعيب؟ أن تدعى دعاوى لا دليل عليها لمجرد
تشويه السمعة والصد ليس إلا! وإذا كان البوطي غيوراً على من يحب - وهذا حقه
- فاللائق به أن يجمع أطراف كلام ابن تيمية في الغزالي، وأن يناقش ذلك مناقشة
العلماء، وأن لا يقصقص أطراف النقول والاستشهادات حتى توافق هواه، وتتفق
مع ما في نفسه من دخن على ابن تيمية.
ولنعد إلى ص ١٨٤ من الجزء التاسع من مجموع الفتاوى.
يتكلم ابن تيمية عن عيب نظار المسلمين طريق أهل المنطق، وبيانهم
قصورها وعجزها، ورأيهم في المنطق جملة فيقول:
» ومازال نظار المسلمين يعيبون طريق أهل المنطق، ويبينون ما فيها من
العي واللكنة، وقصور العقل وعجز النطق؛ ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلي
واللساني أقرب منها إلى تقويم ذلك. ولا يرضون أن يسلكوها في نظرهم
ومناظراتهم، لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه.
وإنما كثر استعمالها في زمن «أبي حامد» ؛ فإنه أدخل مقدمة من المنطق
اليوناني في أول كتابه «المستصفى» ، وزعم أنه لا يثق بعلمه [١] إلا من عرف
هذا المنطق.
وصنف فيه «معيار العلم» و «محك النظر» ؛ وصنف كتاباً سماه:
«القسطاس المستقيم» ، ذكر فيه خمس موازين: الثلاث الحمليات؛ والشرطي
المتصل، والشرطي المنفصل. وغير عباراتها إلى أمثلة أخذها من كلام المسلمين، وذكر أنه خاطب بذلك بعض أهل التعليم، وصنف كتاباً في تهافتهم، وبين كفرهم
بسبب مسألة قدم العالم، وإنكار العلم بالجزئيات، وإنكار المعاد وبين في آخر كتبه
أن طريقهم فاسدة؛ لا توصل إلى يقين؟ وذمها أكثر مما ذم طريقة المتكلمين.
وكان أولاً لا يذكر في كتبه كثيراً من كلامهم: إما بعبارتهم؟ وإما بعبارة أخرى،
ثم في آخر أمره بالغ في ذمهم؛ وبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما
يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريق المتكلمين؟ ومات وهو مشتغل بالبخاري
ومسلم.
والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول؟ ما حصل له مقصوده، ولا أزال عنه
ما كان فيه من الشك والحيرة؛ ولم يغن عنه المنطق شيئاً.
ولكن بسبب ما وقع منه في أثناء عمره وغير ذلك، صار كثير من النظار
يدخلون المنطق اليوناني في علومهم، حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من
المتأخرين يظن أنه لا طريق إلا هذا، وأن ما ادعوه من الحد والبرهان هو أمر
صحيح مسلم عند العقلاء، ولا يعلم أنه مازال العقلاء والفضلاء من المسلمين
وغيرهم يعيبون ذلك ويطعنون فيه. وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات
متعددة، وجمهور المسلمين يعيبونه عيباً مجملاً لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة
على ما في أهله مما يناقض العلم والإيمان ويفضي بهم الحال إلى أنواع من الجهل
والكفر والضلال «. [مجموع الفتاوى ٩/١٨٤ -١٨٥] .
هذا ما جاء فيه ذكر الغزالي في هذا الموضع، فهل فيه اتهامات؟ فقد قال ابن
تيمية أن نظار المسلمين يعيبون طريق أهل المنطق، وأن هذه الطريق كثر
استعمالها منذ زمن الغزالي، وأنه أدخل مقدمة من المنطق اليوناني في أول كتابه» المستصفى «، وزعم - أي الغزالي - أنه لا يوثق بعلم من لا يعرف المنطق،
وصنف في المنطق كتباً مثل:» معيار العلم «و» محك النظر «، وصنف أيضاً
» القسطاس المستقيم «و» تهافت الفلاسفة «، فهل هذا كذب على الغزالي؟
وبين أن الغزالي بيَّن كفر الفلاسفة وأسبابه، وكذلك ادعى على الغزالي أنه
حكم بفساد طريق المعرفة على طريق الفلاسفة وادعى ذمه لطريق المتكلمين؛ فهل
هذه مجرد دعاوى لا دليل عليها، أم أن أدلتها مبثوثة في كتب الغزالي المعروفة؟
وكذلك ذكره التطور الذي حصل لأبي حامد وأنه مات وهو مشتغل بالبخاري
ومسلم، هل هذه دعوى غير صحيحة؟ أم أنها لوم وشيء معيب أن يسند للغزالي؟
هل في قول من قال في عالم من العلماء: إنه قال كذا، وفعل كذا وبيان
أسباب ذلك ظلم لهذا العالم أو تهمة أو لوم؟
ثم ما معنى قولك:
» بل إن ابن تيمية ﵀ ازداد حماسة في الهجوم على المنطق
ومقاييسه واصطلاحاته، حتى لكأن فرط الحماسة أنساه ما قد قرره بشأن علم الكلام، وجواز الاستفادة من اصطلاحات المناطقة وأساليبهم في بيان الحق، فأخذ يقرر
بأن ما يعتمده النظار من أهل الكلام من الأدلة العقلية شيء لا حاجة إليه ولا موجب
للاشتغال به؛ فإن القرآن جاء بما يغني عنه «، [ص ١٦٠] .
لماذا تغار على المنطق غيرتك على الغزالي حتى لكأنهما توأمان؟ ، وهل
علم المنطق وعلم الكلام شيء واحد في نظرك؟ إن ابن تيمية لم يخرج عن ما قرره، ولم يناقض نفسه -كما يحلو لك أن تثبت، وتقيم ما تسميه أنت أدلة على ذلك -
فالموضع الذي تشير إليه على أن ابن تيمية تحدث فيه طويلاً في علم الكلام، وحكم
دراسته وممارسته والاحتجاج في مسائل العقائد الإسلامية به؛ وانتهى بحمد الله إلى
أن ممارسته ليست بدعة، والاعتماد عليه في الدفاع عن العقائد الإسلامية ليس
محرماً، إذا لم يقصد به الاستدلال بالأدلة الفاسدة أو تبني ما قد يكون من المقولات
الباطنة!
نقول: هذا الفعل منك تحميل لكلام ابن تيمية ما لا يحتمل، وعلى طريقتك
في البتر والقصقصة والتشويه تستدل على ما تريده، وتلوي كلام ابن تيمية عن
مقصده، متوهماً أنك بهذا البتر والتشويه تصير كلامه ملائماً لهواك.
ولكن هيهات! فأي عاقل يقرأ كلام ابن تيمية في سياقه التام يكتشف استهانة
وتلاعباً بالنصوص لا يليقان بطلبة العلم فضلاً عن الذين نصبوا أنفسهم للتدريس
والإرشاد.
ولو وضعنا - هنا - الكلام الذي يحيل على شذراته؛ بتمامه؛ لطال
الموضوع، ولأمللنا القارئ، فليرجع من يشاء إلى ذلك الموضوع من مجموع
الفتاوى ٩/٢٩٣ - ٣٢٧، وليقرأ كلاماً كانت له روح هناك، فجاء البوطي وانتزع
روحه، وجعله عضين، وقدمه على أنه هو الذي يقول به ابن تيمية!
والغريب أنه لا يفطن لهذا التشويه؛ فيبني عليه، أو يستنتج منه آراء شائهة
من مثل قوله:» فإن أحداً منهم لم يتبن المضامين الباطلة للفلاسفة والمناطقة
اليونانيين « [ص ١٥٩] .
وقوله:» وقد انعكس هذا الاضطراب في كلام ابن تيمية على أذهان كثير
ممن يقرءون له بسطحية ودون صبر أو استيعاب « [ص ٦١] ، ففي كلامه هذا
أمور:
١- وصف لكلام ابن تيمية بالاضطراب.
٢- انعكاس هذا الاضطراب على أذهان كثير ممن يقرءون لابن تيمية
بسطحية ودون صبر أو استيعاب، وهذه العبارة ملتوية أشد الالتواء، وبيان ذلك أن
وصف كلام ابن تيمية بالاضطراب تركه البوطي معلقاً، حتى إذا قال له قائل: يا
شيخ، كثير عليك أن تحكم على كل كلام ابن تيمية بالاضطراب، لربما قال: لا،
أنا لا أقصد جميع كلامه؟ وإنما أصف بالاضطراب هذه الفقرة التي نقلتها من
الجزء التاسع ص ٢٢٥ من مجموع الفتاوى! فيقال له: حتى على هذه النية، أين
الاضطراب في هذا الكلام؟ وهل هذه الفقرة وحدها كافية لبلبلة أفكار من يحكم
عليهم البوطي هذا الحكم الجائر؟ فإن كان كلام ابن تيمية مضطرباً كله فهو يعني
قراءه، وأنت منهم! إلا أن تحصن ذهنك من الاضطراب بالابتعاد عنه، والفرار
منه فرارك من مجذوم! وياليتك فعلت هذا؟ إذن لكفيت واستكفيت، ولكن ها أنت
من قراء ابن تيمية! لكن استغفر الله، فقد كدنا ننسى ما قلت، فأنت من القلة القليلة
التي أفادها مفهوم كلامك السابق، والتي تقرأ له بعمق وصبر واستيعاب! ، فالحمد
لله الذي عصمك - عند نفسك - من الاضطراب!
مثال من المبالغة والتحدي الفارغ:
قد يظن ظان أن هجوم البوطي على ابن تيمية، واستظهاره بالغزالي آت من
دراسة مستفيضة لعلم الرجلين، ومن تعمق فيما كتبا، ثم من تبيُّن عادل لما كتبه
ابن تيمية حول الغزالي؛ أو حول المسائل العلمية التي تعرض لها، ومن توصل
إلى أن وجه الحق في هذه المسائل كان إلى جانب الغزالي ...
والحق أن كل ذلك لم يكن - وسوف نبرهن على ذلك - وإنما الذي كان أن
البوطي سمع من المتعصبين مثله أن ابن تيمية عاب على الغزالي، وهو بنظر
هؤلاء (قدس الأقداس) الذي لا يُمس ولا يُنتقد.
ومن جهة ثانية يريد البوطي أن يجعل هذه المشكلة - انتقاد ابن تيمية للغزالي
- سلاحاً من الأسلحة التي يرمي ابن تيمية بها، لعله يصيب منه مقتلاً بعد أن تيقن
أن علمه وآراءه لم تمت، وأنه لا زال حياً على الرغم من قول متعصب شعوبي
حاقد من المتأخرين [٢] فيه:» وحيث لم يكن له شيخ يرشده في العلوم النظرية
أصبح علمه لا يرتكن على شيء وثيق خليطاً كثير التناقض، توزعت مواهبه في
أهواء متعبة، ثم أفضى إلى ما عمل وزالت فتنته برد العلماء عليه «.
ولا شك أن البوطي قد مر بهذه العبارة المظلمة، ولا ندري هل أمَّن عليها؟
أم أشاح عنها وجهه لقبحها وعفونة رائحتها؟ ! إن كان أمَّن عليها فقد أمَّن على
كذب، وإن كان أشاح عنها فمضمون كلامه عن ابن تيمية مخالفة عملية لهذه
الإشاحة!
وحتى نقيم الدليل على مجازفات البوطي ننقل فقرة من فقر كتابه تدلك على ما
حكمنا به عليه من قلة التعمق والتبين التي سببها العجلة أو الهوى أو كلاهما، يقول
عن الغزالي:
» ... وأما أنه قد انطلى عليه شيء من أوهامهم أو انزلق إلى أي من الباطل
الذي ضلوا في أوديته، فهذا ما شهدت الدنيا كلها بنقيضه، بل شهد بنقيض ذلك ابن
تيمية نفسه (سبحان الله) ، وما عرف تاريخ الفلسفة رجلاً مزق الأوهام الفلسفية
بمباضع المقاييس الفلسفية ذاتها (هذه استعارة مكنية!) ، وانتصر للحق الذي دل
عليه كتاب الله ، بالاصطلاحات الفلسفية نفسها كالإمام الغزالي «
[ص ١٦٣] .
ليس ابن تيمية وحده من ينقض أمثال هذه الفقرة التهويلية التي جادت بها
قريحة الشيخ البوطي، بل هو عندما يشير إلى أن الغزالي تأثر بأساليب الفلاسفة
ينقل كلام العلماء قبله من جهة، ويعتذر للغزالي من جهة أخرى؛ لأنه لم يتيسر له
العلم بالسنة، التي تعصم الإنسان من العدوى بطرق الفلاسفة وأساليبهم، ومعروف
أن الغزالي قال:» بضاعتي في الحديث مزجاة «، وكتبه - ومن أشهرها الإحياء
- تشهد بذلك (ولا ندري أينكر البوطي ذلك؟ !) ، وابن تيمية في نقده ينهج المنهج
الأعدل، فيبين أوهامه وأسبابها وعذره فيها، ويذكر ما له من محاسن، ويذكر
أقوال العلماء فيه فلا يقبل ما جاء به دون نقاش، ولا يرد كل ما جاء به دون دليل، يقول عن الغزالي:
» ولكن كان هو وأمثاله -كما قدمت - مضطربين لا يثبتون على قول ثابت؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوفون به إلى طريقة خاصة الخلق، ولم يقدر
لهم سلوك طريق خاصة هذه الأمة، الذين ورثوا عن الرسول - صلى الله عليه
وسلم - العلم والإيمان، وهم أهل حقائق الإيمان والقرآن، - كما قدمناه -، وأهل
الفهم لكتاب الله والعلم، والفهم لحديث رسول الله ﷺ وإتباع
هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك، كما جاءت به الرسالة.
ولهذا كان الشيخ «أبو عمرو بن الصلاح» يقول - فيما رأيته بخطه -:
«أبو حامد كثر القول فيه ومنه، فأما هذه الكتب (يعني المخالفة للحق) فلا يلتفت إليها، وأما الرجل فيسكت عنه، ويفوض أمره إلى الله» . ومقصوده: أنه لا يذكر بسوء، لأن عفو الله عن الناسي والمخطئ وتوبة المذنب تأتي على كل ذنب، وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله، ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره، وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي على محقق الذنوب، فلا يقدم الإنسان على انتفاء ذلك في حق معين إلا ببصيرة، لاسيما مع كثرة الإحسان والعلم الصحيح، والعمل الصالح والقصد الحسن. وهو يميل إلى الفلسفة، لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية.
ولهذا: فقد رد عليه علماء المسلمين، حتى أخص أصحابه أبو بكر بن
العربي، فإنه قال: «شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج
منهم فما قدر» . وقد حكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك
في كتبه. ورد عليه أبو بكر الطرطوشي، ورد عليه أبو الحسن المرغيناني ورفيقه، رد عليه كلامه في مشكاة الأنوار ونحوه، ورد عليه الشيخ أبو البيان، والشيخ
أبو عمرو ابن الصلاح، وحذر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النواوي وغيرهما، ورد عليه ابن عقيل، وابن الجوزي، وأبو محمد المقدسي وغيرهم «. [مجموع
الفتاوى ٤/٦٥-٦٦] .
ويقول عن كتابه الإحياء:
» و (الإحياء) فيه فوائد كثيرة؛ لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة
من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان
بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين. وقد أنكر أئمة الدين على
«أبي حامد» هذا في كتبه، وقالوا: مرضه (الشفاء) يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة.
وفيه أحاديث وآثار ضعيفة؛ بل موضوعة كثيرة. وفيه أشياء من أغاليط
الصوفية وترهاتهم. وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين
في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما
هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يرد منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس
وتنازعوا فيه «. [مجموع الفتاوى١٠/٥٥١-٥٥٢] .
وهكذا يتبين لنا من هاتين الفقرتين السابقتين حقيقة الدعوة العريضة من قول
البوطي:» فهذا ما شهدت الدنيا كلها بنقيضه «! ياليته ذكر لنا أسماء من أهل هذه
الدنيا! وقوله كذلك:» بل شهد بنقيض ذلك ابن تيمية نفسه «! فهلا ذكر الشيخ
أين شهد ابن تيمية بنقيض ذلك؟ ! وما تبق من فقرة الشيخ فهو صراخ وحدة
وتحدي» قبضايات «لا علماء.
على أننا نضع هنا بين يدي البوطي درساً في النقد يعلمناه ابن تيمية لعله
ينتفع به، فتهدأ نفسه وتعتدل، ويضعه نصب عينيه إذا كتب في المستقبل معلماً
ومرشداً وناقداً، إذن، يكفر عن تحامله وأخطائه التي يقتحم فيها بدافع العجلة
والهوى، ولا ريب عندنا وعند الشيخ أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في
الباطل.
يقول ابن تيمية في معرض ذكره شيئاً مما ينتقد على أبي ذر الروي واعتذاره
له، ولمن ينتقد عليه شيء من العلماء، وذكره ما هو معروف عنه من العلم والدين
والمعرفة بالحديث والسنة، وغير ذلك من المحاسن والفضائل:
» ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات
مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل
السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل
وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً من المعتزلة، وهم
فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما
أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم؛ لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم، لما وقع في كلامهم من البدع
والباطل، وخيار الأمور أوساطها.
وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات؟ ويتجاوز لهم عن السيئات،
[رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا
رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [الحشر ١٠] .
ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه
لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: [رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] [البقرة ٢٨٦] .
ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه
صواباً بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم
أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقلّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين،
لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به
يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب، ولهذا تجد
كثيراً من المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها،
فيقولون القول الموافق للسنة، وينفون ما هو من لوازمه، غير ظانين أنه من
لوازمه، وبقولون ما ينافيه، غير ظانين أنه ينافيه، ويقولون بملزومات القول
المنافي الذي ينافي ما أثبتوه من السنة، وربما كفروا من خالفهم في القول المنافي
وملزوماته، فيكون مضمون قولهم: أن يقولوا قولاً ويكفروا من يقوله، وهذا يوجد
لكثير منهم في الحال الواحد لعدم تفطنه لتناقض القولين، ويوجد في الحالين،
لاختلاف نظره واجتهاده.
وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجملة، التي يظن
الظان أنه لا يدخل فيها إلا الحق، وقد دخل فيها الحق والباطل، فمن لم ينقب عنها
أو يستفصل المتكلم بها - كما كان السلف والأئمة يفعلون - صار متناقضاً أو مبتدعاً
ضالاً من حيث لا يشعر.
وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة، كلفظ الجسم والجوهر والعرض
وحلول الحوادث ونحو ذلك، كانوا يظنون أنهم ينصرون الإسلام بهذه الطريقة،
وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله، فوقع منهم من الخطأ والضلال ما
أوجب ذلك، وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم، فإن البدعة لا تكون حقاً
محضاً موافقاً للسنة، إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولكن تشتمل على حق
وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: إما مخطئاً غالطاً، واما متعمداً
لنفاق فيه وإلحاد. كما قال تعالى: [لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا
خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ] [التوبة ٤٧] . فأخبر أن المنافقين لو
خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاً، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين،
يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم: إما لظن مخطئ،
أو لنوع من الهوى، أو لمجموعهما؛ فإن المؤمن إنما يدخل عليه الشيطان بنوع من
الظن واتباع هواه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه
قال: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند
حلول الشهوات» .
وقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ *
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ] [الفاتحة ٦-٧] ،
فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والضالون عبدوا الله بلا علم.
ولهذا نزه نبيه عن الأمرين بقوله: [وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ
ومَا غَوَى] [النجم ١-٢] ، وقال تعالى: [واذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ
أُوْلِي الأَيْدِي والأَبْصَارِ] [ص ٤٥] . [درء تعارض العقل والعقل ٢/١٠٢ - ١٠٥] .
صورة ابن تيمية كما رسمها البوطي:
إنه لشيء مؤسف لي أن أجمع خطوط صورة ابن تيمية كما رسمتها ريشة
البوطي الصناع، وأبرزها للقراء؛ حى يطلعوا على هذا الفن الذي يضطلع به
الرجل ويأخذ به نفسه، وبادئ ذي بدء فإني أهمس في أذن الشيخ البوطي همسة
لعلها تفيده في دنياه، وهي أن في هذا العصر - عصر ثقافة التلفاز - قد شاع هذا
النوع من الكتاب الذين يكتبون لهذا الجهاز، ويغذون برامجه بإنتاجهم، فيكتبون
قصصاً وحكايات يستخدمها ويعتمدها منتجو هذه البرامج والمسلسلات.
وقد كشفت في تصوير الشيخ لابن تيمية ﵀، هذه الموهبة النادرة
في التصوير الذي يناسب أهداف أصحاب هذه المسلسلات ومن يقف وراءهم،
وبخاصة إذا كانت مادتها تتعلق بشخصيات إسلامية تاريخية لها دور في البناء
الاجتماعي والفكري والحضاري للمسلمين، فتراهم ينتقون من الكتابات أكثرها
سطحية وتشويهاً، أو يتعاقدون مع «خياطي» الكتابة الذين يكتبون لا عن مبدأ أو
عقيدة، خلا عقيدة الارتزاق (والشيخ البوطي ليس من هؤلاء) ، فيسطون على
الكتب والمراجع، ويقصون منها ما يناسب شروط العقد! ويفصلونه زياً على
حسب الطلب، صيفياً أو شتائياً، رجالياً أو نسائياً، طويلاً ضافياً فضفاضاً، أو
قصيراً ممسوخاً، كاسياً عارياً، أو منتعلاً حافياً، وهكذا.. وابن تيمية من هذه
الشخصيات التي تعتبر موضوعاً غنياً لكتاب المسلسلات هؤلاء، والنفس المستفاد
مما صوره به البوطي نفس هؤلاء الكتاب: دعاوى عريضة، وتشويه مقصود،
وهوى غلاب والعياذ بالله.
هذه أمثلة مما جادت به قريحة الشيخ في تصوير ابن تيمية:
اللوحة الأولى:
هذه مائدة الفلسفة مفروشة، مصفوفة أطباقها - بتنسيق وترتيب جميل، وقد
أعدت وجهزت حتى يرتادها الناس، كل الناس، وفجأة يدخل صبي صغير طائش، وإن شئت فرجل أخرق مجنون يذود الناس يميناً وشمالاً عن هذه المائدة، يريد أن
يختص بها لنفسه فقط، لا يستفيد منها، بل «ليعثو [٣] بأطباقها كما يحب» ،
تكسيراً وتحطيماً وتخليطاً، يضع من هذا الطعام على ذاك، دون مراعاة للأذواق أو
المراسم! وهو بين هذا وذاك «يصيح في كل من حوله» [٤] ! !
هذه صورة ابن تيمية عند هذا الرجل الداعية الذي يحترم العلم والعلماء!
أليس هذا ما ينطق به كلامه التالي:
«أما الثاني (أي ابن تيمية) فقد تربى على مائدة الفلسفة يتناول منها ويعثو
بأطباقها كما يحب، ويصيح في كل من حوله! يطردهم عن المائدة، ويحذرهم من
أن يذوقوا منها مذاقاً، لأن كل ما عليها طعام آسن ضار غير مفيد! !»
[ص ١٦٣] .
صورة طريفة مع أنها مزعجة، وبخاصة عندما يختلط صراخ ابن تيمية -
﵀ بصوت الأطباق التي ينهال عليها تكسيراً وتفتيتاً. وقديماً قيل: أعذب
الشعر أكذبه!
ولوحة ثانية:
هذا ابن تيمية قد طوح بنفسه في بحر الفلسفة، وتعرض لما لا يحسن أن
يتعرض له، وخدعته نفسه حين ظن أنه قادر على السباحة في هذا البحر،
والسلامة من أخطاره، فها هو يتطوح هكذا وهكذا مضطرباً تائهاً لا يدري كيف
الخلاص، كشخص فقد دليله في مفازة مترامية الأطراف لا يدري أين طريق النجاة..
اقرأ قول البوطي بنصه التالي وتأمل:
«والعجب الثاني، أنه - وهو المحذر من سمادير الفلاسفة وأوهامهم - لم
ينج من هذه الأوهام والسمادر، بل أصابه بعض رشاشها، بل أصابه بعض من
أخطار رشاشها؟ ومع ذلك فهو لم يتبنها ويعتقد بها من منطلق التثبت العلمي الجازم، ولكن تطوح في شأنها تطوح المضطرب، وناقض نفسه في حديثه عنها مناقضة
التائه وقع في مهمه لا يتبين سبيلاً للخلاص منه» [ص ١٦٣] .
وبعد:
فإن هذا الأسلوب الذي يكتب به البوطي ابن تيمية يناقض ما جاء في حاشيته
على (وقفته مع ابن تيمية) ص ١٥٨ والتي يقول فيها:
«ليس الهدف من عرض ما قد يؤخذ على ابن تيمية هنا، تفسيقه أو تبديعه، كما فعل بعض خصومه، وإنما القصد أن ننبه إلى خطأ ما وقع فيه، ثم إلى
التماس العذر له من خلال العثور على نصوص أخرى يناقض فيها نفسه في هذه
النقاط التي أخذت عليه..» .
لو أن البوطي فسق أو بدع لكان الخطب أهون والتبعة أخف محملاً على نفسه، إذا لا يعدو بعمله ذاك أن يكون كرر شيئاً قد قيل من قبل، ولم يأت بجديد، ولكن
الشيخ البوطي يأبى إلا أن يبذ الأوائل ببدواته وإبداعه، فيسخر ويتشفى، ويتعالى
ثم يتواضع، ويقدر ثم يعفو، ويدين المجرم بجرائمه الواضحة، ثم - لفرط
إنسانيته وفروسيته - يذهب ويفتش في حيثيات القضية، لعله يعثر على ما يجعله
يتجاوز عن إنزال العقوبة الرادعة المستحقة. هذا ما تدل عليه حاشيته تلك التي تلح
علينا بأن يكون لنا معها وقفة أخرى.
*يتبع*
стр. 812
خواطر في الدعوة
وضوح الأهداف
محمد العبدة
اذا أردت لدعوتك أن تكون قوية مؤثرة تجمع عليها الناس، يؤيدونها
ويناصرونها، فعليك أن تكون واضحاً في عرضها، واضحاً في عرض أهدافها،
اذكر الحقيقة التي تؤمن بها ناصعةً وبصورة حاسمة، أما الغمغمة واتباع الطرق
الملتوية، فهذا سيبعد الطريق ولا يؤدي إلى الغرض المطلوب، ومعنى هذا أن
أفراد الدعوة أنفسهم يجب أن يكونوا متشبعين بفهمها، وفهم أهدافها ووسائلها،
وإذا لم يكونوا كذلك فهناك التشويش والخلط بين المراحل الأولى والمراحل الأخيرة، الذي يؤدي إلى التعثر والتخبط.
لقد كنت الأهداف المرحلية واضحة تماماً في السيرة النبوية، كان دعاؤه -
ﷺ مركزاً وواضحاً في البداية، دعوة الناس جميعاً إلى عبادة الله
وحده، وترك كل ما يعبد من دون الله من أصنام وطواغيت وأهواء وشهوات، ثم
انتقل إلى مرحلة البحث عن مكان آمن للدعوة وأهلها، وأن تكون منطلقاً للتمكين
في الأرض.
فيسر الله له أهل يثرب، ودخلوا في دين الله وانتقلت الدعوة إلى الدولة، ثم
انتقلت الدولة من مرحلة الجهاد الدفاعي إلى مرحلة الجهاد، حتى يكون الدين كله
لله.
إن هذا الوضوح والإصرار عليه جعل بعض العرب يعجبون بالدعوة
وصاحبها، فإن الإصرار على الحق والدفاع عنه لا بد أن يوقظ الناس، وسيقولون
لو لم يكن هذا الشيء حقاً لما دافع عنه الناس بهذه التضحية..
وهذا الإصرار يتلوه النجاح، وهذا أيضاً من أسباب إقبال الناس عليه، فإن
الدعوة الحق لا بد أن تنجح ولو في بعض المراحل أو بعض الأحيان [واللَّهُ غَالِبٌ
عَلَى أَمْرِهِ] ، أما فشلها مرة بعد مرة، فهذا دليل على أن أفرادها لم يميزوا من
المقصد والوسيلة، فيتسرعون حيث البطء أو يبطئون حيث يجب الاندفاع.
وفي هذا العصر وجد زعماء من غير المسلمين وضعوا أهدافاً واضحة،
واستخدموا وسائل واضحة، وقد وصلوا إلى كثير مما كانوا يؤملون، يقول أحد
هؤلاء الزعماء:
«لا يمكن لحزب سياسي أن يبقى على المسرح ويحقق النجاح إلا إذا كانت
لديه أفكار ومعتقدات صلبة وخطة عمل واضحة» ونحن نقول أيضاً لا بد للعمل
الإسلامي من خطة عمل واضحة.
стр. 813
مراجعات في عالم الكتب
رؤية إسلامية
لأحوال العالم المعاصر
إعداد: عادل الشدي
لاتزال المطابع تقذف لنا كل يوم بالجديد من الإصدارات، وطالب العلم حريّ
به أن يكون له قدر من المتابعة مما يطرح في الساحة يمكنه أن يعيش عصره ويفيد
من علم الآخرين وتجاربهم. وبين يدي كتاب جديد بعنوان (رؤية إسلامية لأحوال
العالم المعاصر) للأستاذ محمد قطب.
المقدمة:
تحدث فيها المؤلف عن أهمية تكوين رؤى مستقلة للأمة الإسلامية، وأن
الرؤى لها منطلقات إيديولوجية، وبناء على ذلك فتحديد الرؤية المتميزة مطلب
شرعي.
الفصل الأول: الجاهلية المعاصرة:
ومهد له بتعريف للجاهلية وناقش من ينفي عن الجاهلية المعاصرة هذا
الوصف.
ثم تحدث عن جذور الجاهلية المعاصرة وارتباطها بالجاهلية الرومانية
والإغريقية، وأنها استفادت من الأمة الإسلامية مع العلم: إرادة الحياة، ومواجهة
الظلم، واحترام العقل الإنساني، وعدم القداسة للبشر، وقد كادت تدخل الإسلام
لولا تشويه الكنيسة له. ثم تحدث عن خصائص الجاهلية المعاصرة، وأولها: إرث
العقلانية عن الجاهلية الإغريقية والرومانية، وثانيها: تحكيم العقل في التشريع
الذي نشأ عنه التمرد على حق الله في التشريع وعلى حكمته. والخاصية الثالثة:
تحكيم العقل في منهج الحياة، ونجحت في ذلك لكنها أخفقت في الأهداف.
ثم تحدث عن السنن الربانية التي تحكم أوضاع الجاهلية المعاصرة، وأجاب
عن تمكينهم بأن ذلك لهوان الدنيا على الله، وأن من سنته تعالى الإملاء للظالمين،
ولغياب الحق عن الساحة، وأخيراً فالتمكين ليس بمجرد الكفر إنما بفعل الأسباب،
ثم قارن بين تمكين الاستدراج وتمكين الرضا (الذي يكون للمؤمنين) .
الفصل الثاني: السيطرة العالمية لليهود:
وابتدأ الفصل بالإشارة إلى أنهم لم يعودوا يخفون مخططاتهم. ثم تحدث عن
العقدة اليهودية في احتقار الآخرين واستعبادهم. وأشار إلى ثلاث نماذج من مكرهم
(ما قام به بولس لإفساد النصرانية، ابن سبأ، إشاعة الفاحشة) .
ثم تحدث عن السيطرة الحالية لليهود، وبيّن أنهم يستغلون الأحداث ولا
يصنعونها، وبيّن كيف استغلوا ثلاث وسائل: الثورة الفرنسية وحطموا من خلالها
سلطة الدين المتمثل في الكنيسة، ورجال الإقطاع ليحصلوا على الثراء. ثم استغلوا
الثورة الصناعية التي أثروا من خلالها وحطموا القيم والأسرة والمجتمع عن طريق
تحرير المرأة. وأخيراً استغلوا الثورة الداروينية التي تقول بحيوانية الإنسان.
ثم أشار إلى أحوال اليهود بين الكتاب والسنة، ووعد الله ووعيده، وكيف أن
الله مكنهم بحبل من الناس، وعقوبة لهذه البشرية على كفرها، وأن هذا التمكين
مؤقت لا تلبث الأمة المحمدية بعده إلا أن تعود إلى الشهادة والقوامة.
الفصل الثالث: أمة التوحيد بين الماضي والحاضر:
وفيه قال: إن كل الأمم داعية إلى التوحيد في الأصل، لكنهم لم يسيروا عليه، كما سارت هذه الأمة. ثم قارن بين خيرية هذه الأمة وادعاء اليهود أنهم شعب الله
المختار، وأن هذه الخيرية ليست تعصباً عرقياً أو لجنس دون غيرهم، وهي
خيرية بحكم الله . ولما كان دور هذه الأمة الشهادة والقوامة تطلب هذا
الدور الضخم ضخامة الأساس والإعداد.
ثم أشار إلى بعض لمحات من التاريخ وهي:
١ - الهداية للتوحيد فما من أمة حافظت على التوحيد كهذه الأمة، وكان من
نتائجه: الإيمان باليوم الآخر، وتحكيم الشريعة، وأن عاشت الأمة لم تعرف
الإقطاع، وكانت أقل بلدان العالم جريمة.
٢ - كان الإسلام ميلاداً جديداً للبشرية.
٣ - كانت حركة التوسع الإسلامي حركة فريدة في التاريخ - مضموناً
وأهدافاً - فحررت البشرية من الظلم، وقام فيها تجمع فريد على أساس الإسلام،
رغم اختلاف الأجناس والألوان.
٤ - قامت على يد هذه الأمة حركة علمية واسعة، صححت أخطاء الإغريق
واكتشفت المنهج التجريبي، وقبل ذلك وأهم منه: قامت على أساس العقيدة.
٥- قامت على يد هذه الأمة حركة حضارية ضخمة منبثقة من العقيدة، دون
تناقض أو تعارض أو خصام..
٦- أن الإسلام قد أثر في جوانب كثيرة من حياة الأمة في اتجاه مغاير للبيئة،
فحول الذين اعتادوا الفوضى وعدم الانضباط إلى مجتمع منضبط بدءًا من الصف
في الصلاة والمواقيت وانتهاء بالدعوة والحرب والسلم.
٧- وأخيراً تحدث عن الواقع المعاصر لأمة التوحيد، وبيَّن كيف انحسرت
المفاهيم الإسلامية في حسّ الكثير من المسلمين إلى شعائر ومظاهر هامدة.
الفصل الرابع: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين:
وقد استعار هذا العنوان من كتاب لأبي الحسن الندوي، وبيّن في هذا الفصل
كيف أن العالم خسر كله بانحطاط المسلمين. ففقد النموذج الصحيح حين برزت
أوربا (النموذج الفاسد) ، ولو بقيت الأمة على ما هي عليه لما برز النموذج الفاسد.
ولقامت الثورة الصناعية في الأمة الإسلامية. وحينئذ تسلم من الربا الذي توصل
الغرب من طريق إباحته إلى أن استقر عند الناس أن الدين يقف عائقاً عن التقدم.
وهكذا كانت ستسلم من تحرير المرأة وما عاقب ذلك من فساد في القيم والعقائد
والأخلاق.
توقعات المستقبل:
وتحدث في هذا الفصل عن سقوط الأنظمة الجاهلية الشرقية والغربية،
وإفلاس جميع النظم في تقديم ما يسعد الإنسان. وذكر أربعاً من نقاط الخلل تتصف
بها الجاهلية المعاصرة والإسلام منها بريء. وأشار إلى أنه عندما نقول: إن
المستقبل للإسلام، فلا يعني إهمال الجهد والبذل. وركز في آخر المبحث على
العناية بالتربية الجادة، والشورى، والنظام، وحذر في آخر الفصل من استدراج
الإسلاميين ووقوعهم في شرك العلمانية والمهادنة معها..
стр. 814
سؤال وجواب
العلم قبل العمل
عبد العزيز القارئ
ما معنى قول الصحابي: «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن» ، ما المقصود
بالإيمان هنا؟ وكيف يكون قبل تعلم القرآن؟
حملنا هذا السؤال إلى الدكتور عبد العزيز القارئ، الأستاذ المشارك في
الجامعة الإسلامية، فأجاب مشكوراً:
روى الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال:
لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة
فيتعلم حلالها وحرامها، وأوامرها وزواجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد
رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى
خاتمته، لا يدري ما أمره وما زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل.
نفهم من هذا الخبر بعضاً من أهم معالم منهج الصحابة في تلقي الدين:
أولاً: لابد من التعلم قبل العمل، فالعلم قبل القول والعمل، هذه قاعدة أساسية
في منهج السلف يكررها علماء هذا المنهج ويؤكدون عليها، وتجدها عنوانا بارزاً
في صحيح البخاري. قد يقول قائل: هل نعطل العمل والدعوة والجهاد حتى نتعلم؟ التعلم نفسه عمل؛ إنه بداية الطريق، ألم تسمع قول النبي -صلى الله عليه
وسلم-: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة» ،
فماذا تريد غير الجنة؟ وبداية طريقها العلم، أما إذا غلبتك العجلة، فبدأت الدعوة
والجهاد بغير علم، فإننا نخشى عليك ألا تصل إلى الجنة، نقول هذا ونكرره في
مناسبات كثيرة هذه منها، شفقة على أولئك الذين لم يفهموا المنهج الصحيح، ولا
يحاولون فهمه، إنهم يتعبون الأمة، ولا يخدمون الدعوة، لماذا لا يتعلمون أولاً؟ !.
ثانياً: في عملية التعليم: العقيدة (أولاً) ، وهي التي عبر الصحابي عنها
بالإيمان، وهذا أمر واضح، فالتصورات الأساسية إذا لم تكن صحيحة، فكل ما
سيبنى عليها سيلحق بها، هنا في هذا الحديث يرتب الصحابي على فهم الإيمان فَهمَ
سائر أحكام الدين، كما يرتب العكس على العكس. ثم إننا نتساءل؟ إذا لم تكن
غاية المسلم هي معرفة الله وعبادته فما هي غايته؟ هل هناك هدف أغلى وأهم من
هذا للفرد والجماعة؟ إذا لم نعرف ربنا معرفة صحيحة فما فائدة جهودنا المتراكمة؟
وإذا لم نعبده عبادة صحيحة، فما هي الحكمة من جهادنا؟ لماذا لم يَفرَق بعض
الدعاة إذا ذكرت صفات الله؟ لا يريدون أن يعرفوه؟ ! لماذا يخاف بعض الدعاة
من تعليم الناس توحيد العبادة؟ بل قل: من تعلَّمه؟ ! ألا يريدون أن يعبدوا ربهم؟!
أحسنهم حالاً من بدأ يتعلم القرآن ونسي الإيمان، أي ذهب يتعلم أحكام الدين
في التشريع ونسي الأساس، وهذا كله انحراف عن منهج الصحابة الذي تلقوه من
النبي ﷺ .
стр. 815
فكر
بين المفكر والمختص
د. عبد الكريم بكار
يزداد تشعب العلوم يوماً بعد يوم، ويصبح الفرع فروعاً، ويتولد من العلم
الواحد علوم، وتتفجر المعرفة نتيجة الأعداد الضخمة من المثقفين الذين يعملون في
مجالات البحث العلمي، ونتيجة الوسائل الكثيرة المتاحة لهم، وعلى رأسها الحاسب
الآلى.
وإلى جانب هذا فإن العلم نفسه صار يفرز مشكلات جديدة، يوصف كثر منها
بأنه مصيري، ويتقدم العلم ويزداد تشابكه مع العلوم السياسية والأخلاقية! مما دفعنا
إلى تسليط الضوء على هذه القضية.
من هو المفكر؟
يمكن أن نقول بإيجاز: إن المفكر هو من يملك رؤية نقدية ينقل من خلالها
تناقضات مجتمعه ومشكلاته إلى حسِّ الناس وأعصابهم، لتصبح إحدى مفردات
همومهم اليومية، وهو بما يعرف من سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق، وبما
يملك من رؤية شاملة فاحصة للواقع والتاريخ يتمتع بـ (حاسة الاستشعار عن بعد) ، فيرى ما لا يراه الناس، فينذرهم ويوجههم نحو طريق الفلاح. وكثيراً ما تكون
حياة المفكر قلقة، بل قد يدفع حياته ثمناً لما يحمل من فكر، إذ أن المفكر كثيراً ما
يكون سابقاً لمعاصريه، وهذا يجعل إدراك أبعاد ما يقول غير متيسر لأكثرهم، كما
أن ما يحدثه من استبصار في مشكلات أمته يتعارض مع مصالح فئات في المجتمع، تقتات من وراء وجود تلك المشكلات، مما يثيرها عليه، ويجعله هدفاً لها. وقد
يكون المفكر متخصصاً في أحد فروع العلم، وقد لا يكون. وقليل أولئك الذين
يتقنون تخصصاً ما ثم تكون لهم رؤية مجتمعية شاملة.
أما المختص فإنه يكون - في الغالب - متبحراً في علم من العلوم التطبيقية أو
الإنسانية، فهو لا يصدر عنه إلا ليعود إليه، وكثيرًا ما يكون المختص فاقداً للوعي
الاجتماعي، إذ إن التخصصات في حالة من التوسع المستمر، كما أن مشكلاتها في
تزايد مستمر، ومهما بذل المرء من جهد بغية إتقان تخصصه وجد أن التراكم
المعرفي يبعده عن غايته تلك، وهذا يقتضي منه المزيد من الانهماك فيه، والمزيد
من البعد عن مشاكل الحياة اليومية، وبالتالي فهو يبتعد باستمرار عن الرؤية الشاملة.
وحياة المختص - في الغالب - أقرب إلى السلامة والاستقرار، لأن الفئات
التي تنزعج من المفكرين تتخذ من الاختصاصيين وسائل تساندها - ولو بصورة
سلبية - في الوصول إلى مصالحها.
ويمكن أن يقال: إن المختص يشبه طبيباً في قافلة كبيرة، فهو لا يعرف
الكثير عن أهداف المسيرة أو محطات التوقف، إذ إن معالجة الأعداد الكبيرة من
المرضى تستغرق كل وقته، أما المفكر فهو قائد القافلة الذي عنده معرفة تامة بكل
المشكلات الكبرى التي تواجه القافلة، كما أن مخطط السير واضح لديه تماماً،
وهذا في الغالب يجعله لا يتمكن من معرفة التفاصيل الدقيقة لكل شؤون الرحلة،
ولماذا يهتم بذلك وهناك المختصون الذين يعملون على علاجها وتسييرها.
التخصص ومشكلاته:
يجب القول ابتداء أن مجالات التخصص آخذة في التفرغ يوماً بعد يوم،
والباحثون يشعرون بضيق المجالات التي يعملون فيها وميلها إلى شدة التخصص،
وهذه الحال نفسها هي التي أدت إلى التراكم المعرفي الضخم الذي نراه اليوم، حتى
إن بعض المولعين بالإحصاء يقولون: إن المعرفة تتضاعف فيما بين كل عشر
سنوات إلى خمس عشرة سنة، وهذا كله ما كان ممكناً لولا التخصص الدقيق
والدقيق جداً، لأنه وحده الذي يسعف في رفع سقف المعرفة، وهو وحده الذي أدى
إلى وجود كل هذه الإنجازات التي نراها. والذين يحاولون إظهار أنهم على معرفة
موسوعية يعرضون - في الغالب - معلومات ناقصة أو مزيفة؛ لأن زمان المعرفة
الموسوعية قد انتهى.
ولكن لابد هنا من القول: إن ما تم من إنجاز علمي، وبذل في سبيله الغالي
والنفيس، إنما وجد من أجل خدمة الإنسان وتحقيق سعادته، وعلى المختصين أن
يتأكدوا من أن تلك الإنجازات حققت أهدافها، وظلت في مأمن من أن تستخدم
لتدمير إنسانية الإنسان، بل وجوده كله! !
ولنضرب لذلك مثالاً واحداً نجلو به ما نرمي إليه.
فقد كان من المعروف قبل الحرب العالمية الثانية أن العلماء الألمان قطعوا
شوطاً بعيداً في محاولة استغلال المعرفة النظرية المتعلقة بالتركيب الداخلي للذرة،
وكان من المسلم به أن هذه المحاولات ستسير في المجال العسكري، وكان هناك
خوف من أن تستغل الطاقة الهائلة التي تتولد عن انشطار الذرة في تدمير الإنسان
على يد هتلر الزعيم النازي، ومن ثم فإن مجموعة من العلماء الفارين من جحيم
النازية إلى أمريكا طلبوا من الرئيس (روزفلت) رئيس أمريكا آنذاك تخصيص
الأموال والوسائل اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية قبل أن يتمكن العلماء الألمان من
صنعها وجعلها في يد حاكم مثل هتلر يستخدمها في فرض قيم معادية للإنسانية،
وكان في ظنهم أن حيازة أمريكا لها سوف يردع هتلر - فيما لو امتلكها - عن
استخدامها. وتم ذلك في مدة قصيرة حين أجريت أول تجربة ذرية في عام ١٩٤٥
في صحراء نيفادا، ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى ألقيت أول قنبلة على
(هيروشيما) في اليابان في الثامن من آب عام ١٩٤٥، وأعقبتها بعد أيام قنبلة
أخرى على (نغازاكي) مما عجل بالاستسلام النهائي لليابان.
وقد كان من رأي العلماء الذين اخترعوا القنبلة الذرية أن تجرى تجربة دولية
أمام مندوبين من مختلف بلاد العالم لإطلاعهم على مدى القوة التدميرية للقنبلة،
ويطلب من اليابان أن تستسلم على هذا الأساس، ولكن الحاكم السياسي لأمريكا
آنذاك، وهو الرئيس (ترومان) كان له رأي آخر.
وتكفيراً عن الذنب أمضى كثير من أولئك - ومنهم أينشتين - بقية عمرهم في
الدعوة إلى السلام. ومن العسير على العلماء اليوم أن يتحكموا في كيفية استخدام
علومهم وتطبيقاتها حيث إن الشركات والمؤسسات الكبرى هي التي تنفق على
أبحاث العلماء في الغرب، كما أن الدولة في المعسكر الشرقي ترعى العلماء وتنفق
عليهم، مما يجعل إسقاط حقهم في التحكم فيها أمراً مسلماً به مسبقاً.
ولا تقف مشكلات التخصص المغلق عند هذا الحد، فقد وجد مثلاً أن بعض
الأمم تولي ثقة للمختصين والفنيين، وربما يحثونهم على القيام بتشكيل حكومة
تسمى بالحكومة (التكنوقراطية) ، أي حكومة الاختصاصيين، وقد خيب هؤلاء
الآمال في كثير من الأحيان، لأنه ثبت أنهم ينظرون إلى المشكلات الكبرى بمنظور
أضيق مما هو مطلوب؛ لأن مهنتهم وتخصصهم الدقيق يغلب عليهم، ومن ثم فإنهم
عاجزون عن تأمل الأمور من منظور شامل. ومن هنا فإن المجتمع كثيراً ما يلجأ
إلى السياسيين والشخصيات العامة لإصلاح ما أفسده المختصون.
إن في المجتمع حوارات داخلية غامضة، لا يقف عليها إلا من خالط الناس
في شرائحهم العديدة، ومن ثم يعجز غالباً المختصون عن قيادتهم وتحسس مشكلاتهم.
وقد عزلت التخصصات المغلقة أصحابها عن طبيعتهم الإنسانية حين تحول
العلم على أيديهم إلى مجموعة من الإجراءات التي تقتضي تدريباً وتعليماً مكثفاً،
ومن ثم فإن المختص يتباعد تدريجياً عن رؤية الصورة الكلية للحياة، كما أن العلم
وفق هذا المنهج يفقد وظيفة من أهم وظائفه، وهي فقه الذات والعودة إليها واستكناه
أغوارها [وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ] [الذاريات: ٢١] . ومن ثم فقد برز اتجاه
يدعو إلى ضرورة خروج العالم من تخصصه إلى تخصصات أخرى قريبة منه
تتكامل معه وتثريه، كما نشأت دعوات للعلماء التطبيقيين أن يقرءوا في الدراسات
الإنسانية، وأن يعايشوا المشكلات اليومية لمجتمعاتهم - ولو بمقدار - حتى يحدث
التوازن في ثقافاتهم وشخصياتهم المجتمعية.
وهذه المشكلات هي مشكلات الباحث في العالم المتقدم مادياً، أما المختصون
عندنا فلهم إلى جانب هذه المشكلات مشكلات أخرى من نوع آخر، حيث إن
الباحثين في ميادين العلوم التطبيقية مازالوا إلى هذه اللحظة عند العلوم، أما
التطبيق فإن الأوضاع في العالم الإسلامي لا تساعد على التطبيق الصحيح، ولذلك
فإن من استطاع من الباحثين الهجرة إلى الغرب هاجر، ليجد هناك المجال الرحب
لتطبيق النظريات التي توصل إليها، وليضاف إنتاجه بعد ذلك للحضارة الغربية،
ومن لم يستطع الهجرة توقف النمو العلمي لديه، ثم تراجع؛ لأن العلم لا ينمو إلا
بالتجربة والتطبيق.
أما الباحثون في ميادين العلوم الإنسانية عامة فلهم مشكلة من نوع آخر، حيث
إن عدم تنظيم المعرفة لدينا بالشكل المناسب وانعدام التواصل بين الباحثين جعل
كثيراً منا يجاهد في غير عدو، وذلك لأن البناء المعرفي أشبه شيء ببناء ذي
طوابق، مع فارق واحد هو أن العلماء كلما انتهوا من بناء طابق معرفي انتقلوا إليه
وتركوا ما تحته فارغاً ليشكل أساس البناء ومنطلقاته، وهذا هو التراكم المعرفي.
والمشكلة أن كثيراً من الباحثين لدينا يرفضون الانتقال من الطابق الأول إلى ما فوقه، إما لعدم إدراكهم لضرورة الانتقال، وإما لعجزهم عنه، وإما لعدم معرفتهم أن
هناك طوابق أخرى فوقهم. وهذا ما نعنيه عند القول: إن المعرفة عند كثير من
باحثينا تفقد صفة التراكم اليوم.
إن كثيراً ممن يملك أفضل العقول لدينا مشغولون بنشر كتب تراثية أو كتابة
بحوث كتب خير منها من أكثر من قرن من الزمان، وقد يعمل الواحد من سنوات
في تحقيق كتاب مخطوط نقله مؤلفه عن كتاب مطبوع بين أيدينا، فما الحاجة إلى
تكرار غير مفيد! ! إن ما ينبغي العمل فيه في ميادين العلوم الإنسانية هو كل ما
يمثل إضافة للذات، أو يساعد في حل مشكلة واقعة أو متوقعة، وما عدا ذلك فهو
هدر لطاقات الأمة بأمس الحاجة إليها.
ولا يقف الأمر عند هذا، بل يتجاوزه إلى أن بعض المختصين يفني عمره في
حفظ مسائل وقراءة أبواب لا يحتاج إليها الواقع المسلم في شيء، ولو أنه التفت
إلى واقعه، ثم أعمل النظر فيما يحتاج إليه ذلك الواقع، من فقه، وفهم، وتفجير
للنصوص، وقراءة للتاريخ، لاستطاع عمل الكثير لهذه الأمة.
ومن هنا يرى بعض المفكرين أنه لا يمكن تنمية فقه الأولويات، وفقه
الموازنات في وضع حضاري شديد التعقيد، إلا إذا امتلك المختصون رؤية شاملة،
وعرفوا مواضع أقدامهم، من خلال معرفة الواقع المعاش والواقع التاريخي، ومن
خلال الانفتاح على الأنشطة الحياتية المختلفة.
стр. 816
عقيدة
الشرك الأصغر تعريفه وأنواعه
عبد العزيز بن محمد عبد اللطيف
إن الشرك بالله تعالى أعظم ذنب عصي الله به، كما قال جل وعلا:
[إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان ١٣] .
ولما سئل رسول الله ﷺ «عن أي الذنب أعظم؟ قال:
أن تجعل لله نداً وهو خلقك» رواه البخاري ومسلم.
ولذا فإن الشرك وحده لا يغفره الله تعالى [إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ]
[النساء ٤٨] ، ومن ثم فهو محبط للأعمال الصالحة [ولَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الأنعام ٨٨] .
ويقسم العلماء الشرك إلى قسمين، أحدهما شرك أكبر، وهو أن يصرف العبد
نوعاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى.
والآخر هو الشرك الأصغر، وهو موضوع هذه المقالة، وهذا الشرك من
الموضوعات المهمة التي تحتاج إلى دراسة وافية، نظراً لخطورته وشدة وعيده،
حيث خافه رسول الله ﷺ على صحابته - أكمل الأمة إيماناً -
﵃ ولكثرة من وقع فيه من المسلمين، فلا يكاد أحد ينجو منه إلا من
عصم الله، وأرجو من الله تعالى التوفيق في عرض هذا الموضوع المهم الخطير
للأخوة القراء، وهو جهد مقل سعى في جمع كلام أهل العلم في هذا الموضوع من
خلال العناصر التالية:
أولاً- تعريفه:
يمكن أن نعرف الشرك الأصغر بأنه هو: (ما أتى في النصوص أنه شرك،
ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر) [١] .
وهناك دلالات معينة يمكن اعتبارها ضوابط في تبيين الشرك الأصغر من
الأكبر، منها: صريح النص عليه، كقوله ﷺ : «إن أخوف
ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» رواه أحمد.
ومن الدلالات على الشرك الأصغر أن يأتي منكراً غير معرف، فإن جاء
معرفاً بـ (الـ) دل على أن المقصود به الشرك المخرج من الملة [٢] ، ومن ذلك
قوله ﷺ «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» رواه أحمد وأبو
داود.
ومن الدلالات أيضاً على الشرك الأصغر ما فهمه الصحابة من النص،
فالصحابة أعلم الأمة بمعاني نصوص الكتاب والسنة، ومثاله حديث «الطيرة ...
شرك، وما منا إلا، ولكنَّ الله يذهبه بالتوكل» رواه أحمد والترمذي. ...
فإن آخر الحديث على الصحيح هو من قول ابن مسعود ﵁،
ومعناه: وما منا إلا ويقع له شيء من التطير.
ومن ذلك حديث رسول الله ﷺ «من حلف بغير الله فقد
أشرك» رواه الترمذي وحسنه، فقد فسر ابن عباس ﵁ أن الحلف
بغير الله من الشرك الخفي والذي يعتبر شركاً أصغر.. فقد قال ابن عباس عن قوله
تعالى: [فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] [البقرة ٢٢] ، «الأنداد هو الشرك
أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله،
وحياتك يافلان، وحياتي..» رواه ابن أبي حاتم.
والشرك الخفي يعتبر شركاً أصغر، حيث فسر الرسول -صلى الله عليه
وسلم- الشرك الخفي بالرياء، والذي يعد شركاً أصغر، وإليك الدليل عن أبي سعيد
الخدري ﵁ مرفوعاً: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من
المسيح الدجال؟ قالوا: بلى! قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين
صلاته لما يرى من نظر الرجل» رواه أحمد.
وعن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- الشرك الأصغر «رواه الحكم وصححه [٣] .
ومن هذه الدلالات أن يفسر الرسول ﷺ هذا الشرك الذي
جاء في نص بما يوضح أن المراد به ما دون الشرك الأكبر، ومن ذلك حديث
معاوية الليثي مرفوعاً:» يكون الناس مجدبين فينزل الله عليهم رزقاً من رزقه،
فيصبحون مشركين؛ يقولون: مطرنا بنوء كذا «رواه أحمد. فالمراد بهذا الشرك
هو كفر النعمة ضد الشكر، وهو من الكفر الأصغر (العملي) ، لما أخرجه الشيخان
من حديث زيد بن خالد ﵁ قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء (أي مطر) كانت من الليل، فلما
انصرف أقبل على الناس، فقال:» هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا
بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا
وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب «. وفي رواية لمسلم عن ابن عباس مرفوعاً:» أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد
صدق نوء كذا وكذا «.
ومن الشرك الأصغر ما يكون شركاً بحسب قائله ومقصده [٤] ، فمثلاً الحلف
بغير الله تعالى - في حد ذاته - من الشرك الأصغر (شرك الألفاظ) ، لكن إن قصد
قائله تعظيم غير الله تعالى كتعظيم الله تعالى مثلاً، فهذا شرك أكبر.
ولا أنسى أن أشير إلى أن الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ قد
عرف الشرك الأصغر بما يلي:» كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك
الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة « [٥] . ويبدو لي
والله أعلم أن الحد السابق للشرك الأصغر أكثر دقة وانضباطاً من هذا الحد الذي لا
يمكن تمييزه وحصره.
ثانيا: الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر:
إن الشرك الأكبر محكوم على صاحبه بالخروج من الإسلام في الدنيا،
والتخليد في النار، وتحريم الجنة في الآخرة، وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك، فلا يحكم على صاحبه بالكفر ولا الخروج من الإسلام، ولا يخلد في النار.
كما أن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، بينما الأصغر يحبط العمل الذي
قارنه.
وتبقى مسألة - هي محل خلاف - وهي هل الشرك الأصغر لا يغفر إلا
بالتوبة كالأكبر أم هو مثل الكبائر تحت المشيئة الإلهية؟
هناك من العلماء من قال: إن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة
لعموم الآية: [إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ] ، لكن يدخل تحت الموازنة بخلاف
الأكبر الذي يحبط كل الأعمال كما سبق، فإن حصل معه حسنات راجحة على
ذنوبه دخل الجنة وإلا دخل النار [٦] .
وكأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يميل إلى ذلك حيث يقول مثلاً:
» وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما
دون ذلك لمن يشاء، والشرك من جليل ودقيق، وخفي وجلي « [٧] .
ويقول بعبارة أصرح من السابقة:» وقد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا
أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن، وإن كان صاحب الشرك [أي الأصغر] يموت
مسلماً، لكن شركه لا يغفر له بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة « [٨] .
لكن يفهم من عبارات ابن القيم أن الشرك الأصغر تحت المشيئة، حيث يقول
﵀:» فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة ونجاسة مخففة،
فالمغلظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والمخففة
الشرك الأصغر كيسير الرياء « [٩] .
ومرة يقول:» الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه [١٠] «إلى أن
يقول:» وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق [١١] «
وقد ذكر العلامة السعدي كلاماً مهماً في هذه المسألة، أنقل بعضه:» من
لحظ إلى عموم الآية [يعني قوله تعالى:] إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [] ، وأنه
لم يخص شركاً دون شرك، أدخل فيها الشرك الأصغر، وقال: إنه لا يغفر، بل
لا بد أن يعذب صاحبه؛ لأن من لم يغفر له لا بد أن يعاقب، ولكن القائلين بهذا لا
يحكمون بكفره ولا بخلوده في النار، وإنما يقولون: يعذب عذاباً بقدر شركه، ثم
بعد ذلك مآله إلى الجنة. وأما من قال: إن الشرك الأصغر لا يدخل في الشرك
المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة، فإنهم يحتجون بقوله تعالى: [إنَّهُ
مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْوَاهُ النَّارُ] [المائدة ٧٢] ، فيقولون: كما
أنه بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل في تلك الآ ية، وكذلك لا يدخل في
قوله تعالى: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] [الزمر ١٦٥] ؛ لأن العمل هنا مفرد
مضاف ويشمل الأعمال كلها، ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها إلا الشرك الأكبر.
ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات والسيئات التي هي دون الشرك
الأكبر؛ لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره؛ فإنه لا يبقى معه عمل
ينفع « [١٢] .
ثالثاً: أمثلة الشرك الأصغر وصوره:
الشرك الأصغر قد يكون ظاهراً جلياً، وربما كان خفياً دقيقاً، كما أنه يكون
في الإرادات والنيات، ويكون في الأقوال والأفعال.
- فمن أمثلة هذا الشرك: التطير: وهو التشاؤم بالطيور، والأسماء،
والألفاظ، والبقاع وغيرها، فنهى الشارع عن التطير وذم المتطيرين، قال تعالى:
[أَلا إنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ] [الأعراف: ١٣١] .
وقال ﷺ :» لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر «،
وعن ابن مسعود مرفوعاً:» الطيرة شرك «رواه أبو داود والترمذي.
إن التطير سوء ظن بالله تعالى، وتعلق بأسباب موهومة.. ومن ثم فإن
التشاؤم إنما هو في نفس الشخص المتشائم لا في الشيء المتشائم منه، فوهمه
وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، ولذا لما قال معاوية بن
الحكم السلمي لرسول الله ﷺ : ومنا أناس يتطيرون. فقال:
» ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم «رواه مسلم. لقد كان رسول الله -
ﷺ يحب الفأل ويكره الطيرة، لأن الفأل الحسن إنما هو حسن
ظن بالله تعالى، ودون تعلق للقلب بغير الله، بل فيه من المصلحة والسرور وتقوية
النفوس، وموافقة الفطرة إلى ما يلائمها.
وقد جاءت الأحاديث في بيان علاج ذلك منها:» من ردته الطيرة عن حاجته
فقد أشرك، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا
طير إلا طيرك، ولا إله غيرك «رواه أحمد.
ولأبي داود عن عقبة بن عامر قال:» ذكرت الطيرة عند رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- فقال: «أحسنها الفأل ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره
فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا
قوة إلا بك» .
إن هؤلاء المتشائمين والواقعين في شَرَك هذا الشرك الأصغر إنما هو لظنهم
أن التطير سبب في حصول نفع أو دفع ضر، ومن ثم فإنه يتعين على المكلف أن
يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها: أن لا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت أنه سبب شرعاً أو قدراً، والطيرة
ليست كذلك، فالشارع نهى عنه، وأما القدر فإن التطير ليس سبباً مادياً معهوداً في
حصول المقصود، ومن ثم فلا بد من إبطال التطير وإلغائه.
ثانياً: أن لا يعتمد العبد عليها بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيامه
بالمشروع منها وحرصه على المنافع منها.
ثالثاً: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله
وقدره ولا خروج لها عنه [١٣] .
ومن أمثلة هذا الشرك، شرك الألفاظ، ومنه الحلف بغير الله لما جاء في
الأحاديث الكثيرة من التحذير من ذلك، ووصفه بأنه شرك، ومنه قوله - صلى الله
عليه وسلم -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» رواه أحمد وأبو داود.
وكذلك حديث ابن عمر مرفوعاً: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان
حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» أخرجاه، وعن بريدة مرفوعاً: «من حلف
بالأمانة فليس منا» رواه أبو داود، وقد جاءت كفارة ذلك من حديث أبي هريرة
مرفوعاً: «من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله» رواه البخاري ومسلم.
ومن شرك الألفاظ ما ورد عن ابن عباس في قوله تعالى: [فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ
أَندَاداً] [البقرة ٢٢] ، حيث قال ﵁: الأنداد هو الشرك أخفى من
دبيب النمل على صخرة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك
يافلان، وحياتي، وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار
لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا
الله وفلان، لا تجعل فيها «فلان» هذا كله شرك. رواه ابن أبي حاتم.
ومن الشرك الأصغر: الشرك الخفي: وهو الشرك في الإرادات والنيات،
ورحم الله ابن القيم عندما يقول عن هذا الشرك: «فذلك البحر الذي لا ساحل له،
وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئاً غير التقرب إليه
وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته» .
ومن هذا الشرك: يسير الرياء؛ لقوله ﷺ : «إن يسير
الرياء شرك» رواه ابن ماجه وأما الرياء المحض فهذا من النفاق الأكبر المخرج
من الملة، كما ذكر ذلك ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم. وقد سمى
رسول الله ﷺ الرياء شركاً خفياً، وسماه شرك السرائر، فعن
أبي سعيد مرفوعاً: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟
قالوا: بلى. قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من
نظر الرجل» رواه أحمد.
وعن محمود بن لبيد ﵁ قال: خرج النبي -صلى الله عليه
وسلم- فقال: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الرجل
إليه، فذلك شرك السرائر» رواه ابن خزيمة.
إن الرياء داء عضال، وآفة عظيمة تحتاج إلى علاج شديد وتمرين النفس
على الإخلاص ومجاهدتها في مدافعة خواطر الرياء والاستعانة بالله على
دفعها [١٤] .
وكما قال الطيبي عن الرياء: «هو من أضر غوائل النفس، وبواطن
مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة، فإنهم مهما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات عجزت
نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فطلبت
الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصاً من مشقه
المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق ﵎،
وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمده الله وحده، فأحبت مدحهم، وتبركهم
بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم
اللذات، وأعظم الشهوات، وهو يظن أن حياته بالله تعالى وبعبادته، وإنما حياته
هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة، قد أثبت اسمه عند الله من
المنافقين، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم
منها إلا الصديقون، ولذلك قيل:» آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب
الرياسة «.
يقول عمر بن الخطاب ﵁:» فمن خلصت نيته في الحق ولو
على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله [١٥] «.
وقد أرشد نبينا محمد ﷺ إلى علاج لهذا الشرك، فقد جاء
في حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ
ذات يوم فقال:» أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقيل
له: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا اللهم إنا
نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه «رواه أحمد [١٦] .
стр. 817
نحن والغرب
لمحات في طرق نقل التقنية
والتخلف التقني في العالم الإسلامي
د. عبد الله بن صالح الضويان
إن المتأمل في أحوال الدول يجد أن القرار بيد تلك الدول القوية عسكرياً
والتي وصلت إلى مستوى متقدم من حيث امتلاك التكنولوجيا. وعلى النقيض تجد
أن الدول المتخلفة (والمسماة مجاملة بالنامية) ، وفي مقدمتها الدول الإسلامية لا تملك
أي قدرة على اتخاذ القرار فيما يتعلق بالأحداث الدولية، بل فيما يتعلق بأوضاعها
الداخلية، ولا ريب أن السنن الربانية اقتضت أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم، وعملية التغيير النفسي هذه تشمل التغيير في شتى المجالات، فنرى أن
العالم الإسلامي متخلف سياسياً، واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، سواء على مستوى
الأفراد أو المؤسسات أو الحكومات. ولا شك أيضاً أن عملية التغيير الشاملة هذه لا
بد أن تكون ضمن إطار متكامل ومتزن ثابت في جوانب، متطور في جوانب
أخرى، ذلكم هو المنهج الإسلامي الصافي من الخرافات والبدع الملائم لكل زمان
ومكان.
قال تعالى: [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم
مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الفَاسِقُونَ] ، وإن انتشار ظاهرة التدين بين الأمة وخاصة الشباب لهي بشارة خير،
ومع قناعتنا أن هذا الرجوع إلى الله وهذه الصحوة لابد أن تقرأ التاريخ، وتتمسك
بمنهج أهل السنة، حفاظاً عليها من الوقوع في الانحراف - أي انحراف كان - في
مجال التربية أو الفكر، فإنه لابد لهذه الصحوة أن تأخذ دورها في جميع المجالات:
الإعلامية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتكنولوجية، إننا نعيش في مرحلة
تأسيس تكنولوجي للعالم الإسلامي، وذلك يستلزم الابتداء من حيث انتهى الغرب،
هنا لابد من نقل ما توصل إليه من رقي تكنولوجي، واستلام عجلة القيادة منه، إن
عملية النقل عملية شاقة وطويلة، مضخمة، تأخذ بعين الاعتبار الضوابط الشرعية
التي تدين بها الأمة وهي مرتكزة على مبدأ إسلامي: [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن
قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ] . وهذا البحث ما هو إلا
لمحات في قضية التخلف التكنولوجي (التقني) لدى الأمة الآن، وسبل تخطيها
ونقل التكنولوجيا إليها من دول سبقتها، قمت بتجميعه من مصادر متنوعة،
بالاضافة إلى بعض الاقتراحات والتي أدرجتها في آخر البحث. ولا بد أن أذكر
مرة أخرى بأن الأمة ما عادت تثق إلا بجيل الصحوة، وطرحت كل فكر ومفكر
وقائد ملحد علماني لا يقيم لدين الأمة وزناً، فهل نأخذ زمام المبادرة؟
ما هي التكنولوجيا:
إن تجديد المصطلحات أمر في غاية الأهمية، إذ بدونه سندور في حلقة
مفرغة، ولا نستطيع أن ننطلق من مفاهيم واضحة للوصول إلى حل أي مشكلة،
ونظراً للمطاطية التي اكتسبها مفهوم التكنولوجيا، فقد أصبح من الصعب التوصل
إلى تعريف دقيق موحد للتكنولوجيا يقبل به جميع المهتمين بالموضوع، لاسيما وقد
ارتبط لفظ تكنيك technique وهو قديم بلفظ تكنولوجيا technology، وهو
حديث نسبياً.
إن كلمة تكنولوجيا إغريقية الأصل، وهي تعني في عصر الحضارة اليونانية
والرومانية القديمة كل الفنون المتعلقة بالمهارة والبراعة وحذق الصناعة، وهي
الجهد المنظم الرامي لاستخدام نتائج البحث العلمي في تطوير أساليب العمليات
الانتاجية لتسخير البيئة المحيطة بالإنسان وتطويع ما فيها من مواد وطاقة لإشباع
مصالحه الضرورية والحاجية والتحسينية.. وبصورة عامة مجموع السبل التي
توفر للإنسان حياة مادية آمنة.
إن هذا التعريف فيه شيء من الشمولية المرضية، مع أنه يوجد تعريفات
أخرى ويستطيع أي واحد منا أن يعطي نفس التعريف، ولكن بألفاظ يختارها من
عنده، ومن التعريف يتضح الارتباط الوثيق بين لفظ العلم ولفظ التكنولوجيا.
العلم والتكنولوجيا:
للتفرقة بين العلم والتكنولوجيا نستطيع القول بأن العلم هو معرفة السبب (لماذا
Know - why) في حين أن التكنولوجيا هي معرفة (الكيف Know - how) .
العلم يأتي بالنظريات والقوانين العامة، والتكنولوجيا تحولها إلى أساليب
وتطبيقات في مختلف النشاطات والميادين، فمثلاً: إذا كانت العلوم الفضائية قد
توصلت إلى نظريات محددة عن طبيعة القمر وتنبأت بإمكانية إنزال الإنسان على
سطحه، فإن التكنولوجيا الفضائية قد استطاعت أن تصل إليه وتحصل على عينة
من تربته وتعيدها إلى الأرض ليتم فحصها من قبل العلماء لمعرفة مدى تطابق
خصائصها مع ما توقعته نظرياتهم.
كذلك يمكن القول بأن العلم يملك صفة العمومية أما التكنولوجيا فتملك صفة
الخصوصية، فالعلم نتاج فكري، أما التكنولوجيا فهي نتاج عملي، كذلك نلاحظ أن
العلم متاح لكل من يملك الذكاء والقدرة المادية لتحصيله على خلاف التكنولوجيا.
ومن هذا يأتي الفرق بين الاكتشاف والاختراع، فمثلاً اكتشف نيوتن قانون الجاذبية
وأينشتين النظرية النسبية، واكتشف الإنسان النار ضمن احتكاك حجرين ولكن
اخترع طرقاً وأساليب لتوليدها وهكذا، ولا نخلط بينهما بسبب حدوث بعضها
(الاكتشافات والاختراعات) بالصدفة كما هو معلوم. هذه مقدمة موجزة لتعريف
بعض المصطلحات الجافة والفكر الذي يوجه أمة من الأمم.
تأثير صراع الايديولوجيات على توجيه العلم:
يظن الكثير أن حقائق العلم غير قابلة للصراع الأيديولوجي، وفي حقيقة
الأمر يتعرض العلم والتكنولوجيا للخضوع للنزاعات الايديولوجية والقومية، وهذا
أمر نجده بصورة قليلة فيما يتعلق بكشف القانون العلمي، ولكن بصورة كبيرة في
الجانب التكنولوجي، وللتوضيح نورد بعض الأمثلة.
١- عندما هرب أينشتين من الحكم النازي ولجأ إلى السويد ثم أمريكا،
هوجمت نظرياته في ألمانيا، وقوطعت فيزياء أينشتين لفترة طويلة، وكان ينظر
في الاتحاد السوفييتي إلى النسبية على أنها نظرية مثالية.
٢- لعب اليهود دوراً بارزاً للترويج لنظرية دارون في أوربا نكاية بالكنيسة،
وكانت من الأسباب التي غيرت فكرة الأوربيين حول عقيدة الخطيئة وصلب المسيح
(في عقيدتهم) لاسيما في بدء عصر النهضة في أوربا آنذاك.
٣- في فترة من الفترات كان عالم الأحياء السوفييتي (لايسنكر) يحصل على
دعم السلطة الشيوعية، فكان يوفق بين نظرياته العلمية وبين النظرية الشيوعية كما
كان يحجب الكثير من الأبحاث العلمية عن أصدقائه ومواطنيه الذين كانوا على
خلاف معه، وكانت نتيجة ذلك تأخر هذا الفرع من المعرفة في هذه البلاد. ولهذا
فإن نتائج العلم تطوع أحياناً لفلسفات باطلة تبين علاقة الإنسان بالمجتمع والكون.
لهذا فحري بأهل الحق أن يستلموا الراية ليوقفوا الفوضى الضاربة الأطناب،
ويضعوا الإنسان في مكانه الصحيح.
أسلمة العلوم:
يأتي دور أسلمة العلوم في شكل متناسق مع عملية النقل التكنولوجي، لا
لإضافة أيديولوجية جديدة إلى العلم - وإن كان هذا مسوغاً لها - ولكن لكي تعيد
للعلم موضوعيته كما كان في عصر الحضارة الإسلامية، إن أسلمة العلوم ضرورة
حتمية، خاصة بعد ظهور نزعات في الغرب الآن مثل (العلموية) التي تقدس العلم
وتعتبره القادر على حل كل شيء. ويقابل ذلك نزعة (التكنوقراطية) والتي تؤكد
على أن التكنولوجيا أفضل من غيرها على صياغة قوانين المجتمع. يقابل هاتين
النزعتين نزعة أخرى وهي (اللاعلمية) وهي معادية للعلم وتحذر منه ومن خطورة
المادية المعاصرة، وأنها ستؤدي بالبشرية إلى الهلاك، ولابد من العودة إلى الفطرة
والبعد الكامل عن العلم. ونشير هنا إلى ذلك التحقيق عن منطقة في ويلز ببريطانيا
يعيش أهلها بعزلة عن العالم (منذ سنتين) ويوجد نفس التفكير عند مجموعات أخرى
في أمريكا.
هذه المسوغات كافية لبيان ضرورة أسلمة العلوم، بالإضافة إلى أن عقيدة
التوحيد تدفع العلم. إلى ما لا يعرفه الغرب؛ لأنها تعطي تصوراً أن هناك علماً
ظاهرياً وآخر غيبياً، ومن ثم يعرف الباحث حدود بحثه. وهذا من شأنه أن يشعر
العالم بالاطمئنان، لأن الظواهر التي يدرسها تتسم بالاضطراد والاستمرارية، حيث
إن مشيئة الله شاءت أن تؤكد استمرارية الأشياء واضطراد الظواهر، وأن التعميم
فيها له معنى من خلاله يتعرف الباحث على قدرة الله، وهذه نقطة مفقودة في
الفلسفة المادية الغربية.
التكنولوجيا فريضة وضرورة:
إن التكنولوجيا وتطورها له دور في توجيه الصراعات القائمة، وهذا يفرض
إعادة نظرة بصورة شاملة في الرؤية التغييرية، وتحديد أساليب العلم من أجل
التنمية المتكاملة للأمة الإسلامية لتفرض نفسها بين الأمم بقوة العلم والجسم، إن
التحديات اليهودية المعاصرة (مثلاً) تفرض على الأقطار الإسلامية الدخول في
عصر العلم والتكنولوجيا، وخلع ربقة التشكيلات والهياكل البالية على جميع
الأصعدة.
إن الغرب والشركات الاحتكارية الدولية الكبرى وهي تعمل على احتكار العلم
والتكنولوجيا، يضعان شروطاً صعبة على حركة المد الإسلامي، وجعلها تعيش في
واقع محدد لا تتعداه، وإن تدمير المفاعل النووي العراقي وخوفها من المفاعل
النووي البكستاني لدليل على سعي أعداء الأمة للحيلولة دون إنجاز تكنولوجيا متقدمة
في العالم الإسلامي، ولسنا بصدد ذكر مقولات قادة الغرب والشرق عن عدوهم
المشترك المقبل ولجوئهم إلى ما يسمى سياسة الوفاق الدولي، والذي هو في حقيقة
الأمر وفاق على عدو مشترك وهو المد (الإسلامي!) المتنامي، مع يقيننا بأن أهل
الباطل يختلفون على المصالح، كيف لا والخلاف قد يحصل بين دعاة الحق.
ولقد أثبتت الأحداث في الخليج ضرورة السعي إلى الاستقلال الكامل لأمة
الإسلام عن أعدائها في المجال الاقتصادي والعسكري والعلمي والفكري
والتكنولوجي، وفي اتخاذ القرار. وكل واحد من هذه المجالات يحتاج إلى بحوث
مستمرة يتبعها عمل جاد.
* يتبع *
стр. 818
المسلمون في العالم
دروس من الأحداث
عبد العزيز بن ناصر الجليل
فإن من الأصول المستقرة في باب الإيمان بالله : الإيمان بقضاء الله
وقدره، وأن شيئاً لا يحدث في هذا الكون صغيراً أو كبيراً إلا بعلم الله
وإرادته وخلقه له قال تعالى: [إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ] [القمر ٤٩] وقال جل
شأنه [وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ] [القمر ٥٣] .
كما أن الإيمان بالله سبحانه وقضائه وقدره وأسمائه وصفاته، لا يحصل إلا
بأن يجزم المسلم أن ما يكتبه الله ويقدره في هذا الكون فمن ورائه حكمة
بالغة ولو ظهر للناظر أنه شر ومكروه. فالإنسان بإدراكه المحدود في الزمان
والمكان، ولأن من طبيعته الجهل والظلم، فإنه لا يمكن أن يدرك مآلات الأمور
وعواقبها، ولا يعلم بذلك إلا العليم الحكيم خالق الأشياء ومقدرها وعالم الغيب
والشهادة، قال تعالى [قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ ومَا
يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ] [النمل ٢٥] ، وقال تعالى: [أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ
اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] [الملك ١٤] ، وقال تعالى: [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ
ولا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ]
[الحديد ٢٢] .
إذ الأمر كذلك فلا شك ولا ريب أن ما حصل من أحداث وشرور في أحداث
الخليج، إثر الاجتياح العراقي للكويت، لابد وأن نخضعها للأصول الآنفة الذكر،
وأن من حاد عن هذا المنهج فقد خسر إيمانه بالله أصلاً، وانحاز إلى
معسكر الكفر والإلحاد الذين لا يؤمنون بشيء من هذه الحقائق، وإنما يفسرون
أحداث التاريخ تفسيراً مادياً معزولاً عن علم الله وتقديره وحكمته البالغة
فيما يخلق، وعلى ضوء ما سبق فإن الواجب على المسلم إزاء هذه الأحداث أن
يؤمن إيمانا جازماً أن ما قدره، الله في أحداث الخليج - وإن كانت موجعة
ومؤلمة - فإن من ورائها حكمة بالغة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين، والمرتبطة
باسمه (الحكيم) . ولقد ظهرت بعض الدروس والحكم جلية من
خلال هذه الأحداث المؤلمة، مع أن ما خفي علينا في غيب الله من الحكم
والمصالح أكثر ومن هذه الدروس التي ظهرت ما يلي:
الدرس الأول:
التعرف على سنة الله في التغيير، وهي التفسير الإسلامى للأحداث.
إن ما حصل من أحداث في دولة الكويت وما ترتب على هذا الحدث من أمور
ومستجدات قد فتح أعيناً عمياً وأذاناً صماً على حقيقة مهمة، وسنة ثابتة لا تتغير ألا
وهي: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد١١] .
وأصبحنا والحمد لله نجد هذه الحقيقة على ألسن كثير من الناس الذين منّ الله
عليهم باليقظة بعد الغفلة، رجالاً ونساءً وعوام ومثقفين. وهذا بحد ذاته نعمة ومنحة
ورحمة من الله لم تكن لتحصل لولا قدر الله لهذا الحدث.
لقد كنا نعترف ونؤمن بهذه الحقيقة قبل ذلك ولكنه إيمان ضعيف أما الآن فقد
تحول هذا الإيمان إلى صورة واقعية عملية، صار الخبر فيها عياناً، ولا شك أن
الإيمان بهذه السنة الثابتة وأثرها على النفوس سيكون أبلغ وأقوى من الإيمان بها
قبل وقوعها، وكما هو معروف أن الطرق على الحديد وهو ساخن أقوى بكثير في
تليينه وتأثره من الطرق عليه وهو بارد.
كما أن رحمة الله وحكمته البالغة قد تجلت في هذا الحادث بأنه لم
يترك الناس ينحدرون وبعجلة سريعة إلى الفساد وهم غافلون عما ينتظرهم من الهوة
السحيقة التي هم قادمون عليها لو استمر انحدارهم ولم يأت ما يوقفهم ويحد من
انحدارهم، ولذا فإن من رحمة الله أنه يوقف الناس عن فسادهم بالوسائل
الشرعية للإصلاح، فيقدر عليهم أحداثاً مؤلمة تشدهم عن المزيد من الانحدار،
وتقف أمام تهالكهم على الفساد لعلهم يرجعون ويتوبون ويستيقظون من غفلتهم، قال
تعالى: [ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي
عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] [الروم: ١٤] ، وهذه والله هي عين النعمة والرحمة وإن
كان ظاهرها التشريد والقتل وفقد الأموال، فإن كل هذه المصائب تهون وتصغر
عند فقد الدين وما يترتب عن ذلك من مفاسد كبيرة فيما لو استمرت عجلة الفساد في
انحدارها الشديد ولم يأت للناس ما يوقفهم ويهز رؤوسهم ليستيقظوا ويتداركوا انفسهم
من السقوط في هوة سحيقة هم يتجهون إليها، لو لم يوقفهم الله بما يقدره
من أحداث. وإن هذا الدرس العظيم لا يدركه ولا يستفيد منه إلا المؤمن الذي يجعل
من مثل هذه الأحداث باباً إلى التوبة ومحاسبة النفس والرجوع إلى الله ،
وتغيير الأحوال. أما المنافق والمادي والعلماني وغيرهم من أهل الإلحاد والزندقة،
فلا تراهم إلا ساخرين ومستهزئين من هذه المعاني العظيمة، والأصول الإيمانية
الثابتة، ولا تزيدهم هذه الأمور إلا كبراً ما هم ببالغيه، ولن يزيدهم هذا إلا رجساً
إلى رجسهم كما قال تعالى: [وإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ
إيمَاناً فَأَمَّا الَذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَاناً وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلَى رِجْسِهِمْ ومَاتُوا وهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ
يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هُمْ يَذَّكَّرُونَ] [التوبة ١٢٤ -
١٢٦] ، وقال تعالى: [فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ولَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الأنعام ٤٣] .
الدرس الثاني: تمييز الخبيث من الطيب:
يقول الله تعالى: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ
الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ] [آل عمران ١٧٩] ، إن من
رحمة الله تعالى وحكمته البالغة أن يقدر أحداثاً مؤلمة تتميز من خلالها الصفوف،
وتتعرى فيها النفوس، فتظهر على حقيقتها للناس، وهذا هو الذي ظهر من خلال
هذه الأحداث، حيث ظهرت حقائق مهمة ساهمت في توعية الناس والدعاة منهم
بصفة خاصة، وذلك بحقيقة أعدائهم، وتهافت راياتهم، وانكشاف مخططاتهم،
وادعاءاتهم الكاذبة التي كانوا يخدعون بها الناس، وتعرت بذلك دول وأفكار
ودعوات، بل إن الإنسان نفسه قد تعرى أمام نفسه، وكشف من خلال هذه الأحداث
حقائق من حوله ومن نفسه ما كانت لتعرف لو لم يقدر الله مثل هذه
الأحداث، وإن هذه الثمرة الكبيرة من توعية المسلمين بحقيقة أعدائهم وبحقيقة
الأفكار والنحل التي تتلاطم من حولهم ما كانوا ليعرفوا عنها شيئاً، وبهذا الكم الهائل
من المعلومات لولا تقدير الله لهذا الحدث.
وقد حقق الله هذه الثمرة في أسابيع عدة ما كانت الدعوة الإسلامية
لتحصل عليها في عدة سنوات، والأيام حبلى بدروس وعبر جديدة، أليس هذا من
رحمة الله وفضله؟ بلى والله، ولا يعني هذا أننا نتمنى المصائب والفتن، معاذ الله، فإن المسلم لا يدري ما تكون حاله حينئذ وقد نهانا الرسول ﷺ
عن ذلك بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموه فاصبروا» متفق عليه.
ولكن أردت الإشارة هنا إلى ربط الأحداث بعلم الله وحكمته البالغة،
وأن شيئاً في هذا الكون لا يكون إلا بعلم الله وحكمته البالغة، ويريد الله
منه الخير للمسلمين في الحال أو المآل.
الدرس الثالث: أهمية التوحيد والتربية عليه:
لقد ظهر من خلال هذه الأحداث الأهمية البالغة لتربية النفوس على عقيدة
التوحيد الخالص، ولقد بدا من خلال الأحداث أن هناك ضعفاً شديداً في هذا الجانب
المهم في حياة المسلم، كما ظهر من خلال الأحداث أن هذا الأصل المهم من أصول
الإيمان لم يأخذ حقه من التربية العلمية والعملية، ولعل من أهم دروس هذا الحدث
أن يشعر المسلمون وأرباب التوجيه بضعف هذا الجانب، وما كان ليعرف هذا
الخلل لولا تقدير الله لهذه الأحداث.
ومن مظاهر هذا الضعف ما حصل من الارتباك الشديد في بعض المفاهيم
العقدية، والتي تعتبر من الثوابت والأصول التي لا تتزعزع ولا تهتز ولا تتغير
مهما تغيرت الأحوال والأزمان والأمكنة، ومن أهم هذه الأصول التي اعتراها
الاهتزاز: مفهوم الولاء والبراء، الولاء لله ولرسوله -صلى الله عليه
وسلم- وللمؤمنين، والبراءة والعداوة للكافرين والمشركين والمنافقين بشتى مللهم
وأفكارهم. أما أن يصبح العدو صديقاً والصديق عدواً، وأما أن تبذل المحبة للكافر
والعداوة للمسلم، ويكون الميزان في الحب والعداوة موازين الأرض وموازين
المصالح الشخصية، فهذا كله مما ترفضه عقيدة التوحيد الثابتة، والتي تقوم الموالاة
والمعاداة على أساسها، وهذا هو أصل لا إله إلا الله الكلمة الطيبة التي وصفها الله
بقوله: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا
ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا] [إبراهيم٢٤-٢٥] .
وهي الكلمة التي من أجلها أرسل الرسل، وأنزلت الكتب، وجاهد من أجلها أنبياء
الله ودعاته الصادقين، كما قال تعالى: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي
إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا
بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ] [الممتحنة ٤] ،
أما ما سواها من المصالح الشخصية والموازين الأرضية عدم الثبات والروغان،
فالذي يحب وبعادي من أجل المصالح الدنيوية يدور مع هذه المصالح حيث دارت،
فقد يعادي في الصباح من أحبه في المساء وقد يوالي في المساء من عاداه في
الصباح، وصدق الله العظيم: [ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ
الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا
وفِي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] [إبراهيم ٢٦-٢٧] ، اللهم
ثبتنا بقولك الثابت ولا تضلنا مع الظالمين.
ومما يؤيد الاهتمام الشديد بالتربية على التوحيد، ما ظهر من النقص
والضعف في توحيد التوكل والاستعانة والاستغاثة وغيرها، مما نتج عن هذا
الضعف من الركون إلى غير الله من أعداء هذا الدين والثقة بما عندهم
أكثر من الثقة فيما عند الله .
ولأجل كل ما سبق ظهر أن الحاجة ماسة جداً إلى مزيد من التربية على
العقيدة علماً وعملاً، بأن نتعلم أركان التوحيد وما يضاده من الشرك القديم والجديد،
وأن لا يستخفنا الذين لا يوقنون من أرباب السياسة والمصالح الأرضية فيستهوننا
معهم ويُركبوننا في ركابهم، بل يجب علينا الحذر الشديد منهم ومن مكرهم، وأن
نقبل على ديننا نتعلمه ونعمل به وندعو إلى الله ونصبر على الأذى فيه، وأن لا
نستطيل الطريق أو الوقت الذي نمضيه في تعلم التوحيد بكل متعلقاته كما يجب
علينا أن نعي واقعنا، وأن نربط ما تعلمناه من دين الإسلام بقضايا عصرنا
ومستجداته من الأفكار والنحل التي لم تكن موجودة عند أسلافنا، وأن يكون للتربية
الشاملة على التوحيد دورها في مواجهة الشرك المعاصر والتي تشن فيه العلمانية
معارك طاحنة ضد المسلمين بوسائل شتى أي أننا نربد منهجاً دعوياً يقوم على
(سلفية المنهج وعصرية المواجهة) ، ونقصد بالسلفية: العودة بأصول الفهم
والاستدلال إلى الكتاب والسنة وقواعد الفهم المعتبرة لدى أصحاب رسول الله -
ﷺ ومن تبعهم بإحسان، وذلك لنتمكن من خلال هذا المنهج من
المواجهة السلفية المعاصرة لمشكلات عصرنا المتجددة، حيث لا نقصد بالسلفية:
الوقوف فحسب عند القضايا العقدية التي واجه بها سلفنا الصالح انحرافات عصرهم، وكانت فريضة الوقت يومئذ، ثم نتخلى عن المعارك الطاحنة التي تديرها
الجاهلية في المجتمعات المعاصرة حيث ضاعت إسلامية الراية وإسلامية النظم.
إن السلفية الحقة لا تقبل أن تستهدف الدعوة في بض المواقع تحرير العقائد
من شرك الأموات والتمائم، وتضرب صفحاً عن شرك الأحياء والأوضاع والنظم
والتي لا تقل خطراً عن شرك الأصنام، وكلا الشركين خطير، كما لا تقبل السلفية
الحقة أن تحارب التشبيه والتعطيل في صفات الله وتقف عند ذلك ولا
تعلن الحرب على تعطيل الشريعة وتحكيم القوانين الوضعية وفصل الدين عن
الدولة. وإننا بهذا المنهج الشامل والسلفية المعاصرة نسلم وتسلم عقيدتنا الثابتة من أي خلط أو اهتزاز كما هو الحاصل في هذه الأيام ولكنها الفتن نعوذ بالله منها ما ظهر وما بطن.
وما أحسن ما كتبه الأستاذ محمد قطب في كتابه القيم (واقعنا المعاصر) حول
أهمية التربية والرد على من يستطيل طريقها ويريد قطف الثمرة قبل استكمالها
فيقول ص٤٨٦: (أما الذين يسألون إلى متى نظل نربي دون أن (نعمل) ؟ فلا
نستطيع أن نعطيهم موعداً محدداً فنقول لهم: عشر سنوات من الآن أو عشرين سنة
من الآن! فهذا رجم بالغيب لا يعتمد على دليل واضح، إنما نستطيع أن نقول لهم
نظل نربي حتى تتكون القاعدة المطلوبة بالحجم المعقول..) ثم يستمر وفقه الله
حول هذا الموضوع إلى أن يقول: (.. ونكتفي بثلاثة أبعاد ننتقيها من بين أبعاد
كثيرة ومجالات عديدة لأنها ذات أهمية خاصة وذلك بالنسبة لبناء القاعدة المطلوبة:
يقول [إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ] ، ولو أنك سألت
أي إنسان في الطريق من الذي يرزقك لقال لك على البديهة: الله ولكن انظر إلى
هذا الإنسان إذا ضيق عليه في الرزق يقول: فلان يريد قطع رزقي! فما دلالة هذه
الكلمة؟ دلالتها أن تلك البديهة التي نطق بها لم تكن «يقينا» قلبيا إنما كانت بديهة
ذهنية فحسب وبديهة تستقر في وقت السلم والأمن، ولكنها تهتز إذا تعرضت للشدة، لأنها ليست عميقة الجذور. فلا يصلح لتلك الأعباء إلا شخص قد استقر في قلبه
إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله هو المحي والمميت،
وأن الله هو الضار والنافع، وأن الله هو الذي المعطي والمانع وأن الله هو المسير،
وأن الله هو الذي بيده كل شيء.. ترى كم جلسة، كم درسا، كم موعظة، كم
توجيها يحتاج إليها الإنسان ليرسخ في قلبه إلى درجة اليقين إن الله هو الذي يدبر
وأن هذه المخلوقات البشرية التي يخالطها في حياته إن هي إلا أدوات لقدر الله،
وانها حين تضره فهي بشيء قد كتبه الله له، فلا يتوجه إلا إلى الله في سرائه
وضرائه سواء ويعلم - يقينا - أن الخلق كلهم لا يملكون له ولا لأنفسهم ضراً ولا
نفعاً) .
الدرس الرابع: صحة الفهم وحسن القصد ودورهما في درء الفتن:
في أيام الفتن تضطرب الأفهام وتحتار العقول أمام الشبهات كما أن القلوب
تضعف أمام الشهوات ولا يعصم منها إلا من عصمه الله تعالى بعلم صحيح وفهم
دقيق يدرأ بهما الشبهات، وبدين وتقوى وصبر يدرا بها الشهوات ولا يسلم من
الفتن ورياحها إلا من تحلى بهاتين الصفتين: الفهم الصحيح، والقصد الصحيح
ومن فقد أحداً من هاتين الصفتين فقد عرض نفسه للفتن ولقد اتضح مظاهر فقد
هذين الأمرين أو أحدهما في هذه الأيام أيام الأحداث والفتن فسقط في هذه الفتن من
سقط وهلك فيها من هلك ولا يتعدى أسباب السقوط هذين الأمرين الآنفي الذكر
فبضعف اليقين والبصيرة تسيطر الشبهات وبضعف التقوى وفساد المقصد تسيطر
الشهوات. وصحة اليقين والفهم يتمان بأمرين اثنين: بالعلم بدين الله
وأحكامه وشرعه، وبالعلم بالواقع والفقه فيه وأبعاده، فمن فرط فى أي من هذين
العلمين والفهمين فسد فهمه وعرض نفسه للشبهات وأخذ الباطل يحسبه حقاً. أما من
تحلى بالفهم بأحكام الله والفهم بالواقع ثم وقع الأول على الثاني فقد تمت له البصيرة
ووصل إلى الحق. ولكن معرفة الحق لا تكفي في النجاة من الفتن حتى ينضم إليها
التقوى والصبر وحسن القصد فينقاد إلى الحق الذي ظهر ويذعن له، وإلا لو كان
الصبر ضعيفاً أو القصد فاسداً فإن المسلم يتعرض للفتن من باب الشهوات فلا يصبر
على الحق والثبات عليه أمام المغريات والشهوات.
ولقد ساق الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- هذه المعاني بأوضح عبارة
وأدقها وأبلغها حيث قال ﵀ في كتابه القيم (أعلام الموقعين) في معرض
شرحه لخطاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁
في القضاء فقال في شرحه لقول عمر: (فافهم إذا أدلى إليك) :
«صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل
ما أعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام وقيامه
عليهما، وبهما يأمن، العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق
الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت فهومهم
وقصودهم. وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم
في كل صلاة.
وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به الصحيح والفاسد، والحق
والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد وتحري الحق
وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا، وطلب
محمدة الخلق وترك التقوى.
ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات
والعلامات، حتى يحيط به علماً.
النوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في
كتابه أو على لسان رسوله ﷺ في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما
على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً؛
فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله.
وبعد هذا الكلام المفيد من كلام الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وبعد
النظر الدقيق للمواقف المضطربة إزاء الأحداث والفتن هذه الأيام، وبعد خوض من
خاض وهلاك من هلك فيها إما بقلبه أو لسانه أو يده، يتبين لنا أن هناك خللاً في
منهاج الدعوة عند بعض الدعاة، ونقصاً في التربية، لعل من دروس هذه الأحداث
اكتشافنا لهذا الخلل حتى نتفاداه، ويمكن مما سبق تلخيص هذا الخلل في النقاط
التالية:
١ - عدم التربية على طلب العلم الشرعي من مصادره الصحيحة وأصوله
المنضبطة.
٢- عدم التربية على طلب العلم والفقه بالواقع والوعي الصحيح بسبيل
المؤمنين فيه وبسبيل المجرمين.
٣- هناك خلل في القلوب وفساد في القصود لابد من تداركه والاهتمام بتزكية
القلوب وتربيتها على الإخلاص لله وإنشاء همّ الآخرة والزهد في الدنيا
وعدم طلب محمدة الناس والتربية على الصبر والثبات أمام الشهوات والمغريات.
وعندما يتم التغلب على هذه الأنواع من الخلل ويربى الناس عليها وعلى
طلبها، فإنه بإذن الله تتم العصمة من الفتن وأخطارها، فبالعلم بدين الله والعلم
بالواقع نتقي الشبهات ونحسن القصد والإخلاص لله ، والصبر أمام
المغريات نتقي الشهوات والله أعلم وبعد:
فإن الدروس والحكم كثيرة وكثيرة، وليس مقصود البحث هذا هو التفصيل
فيها، ولكن ذكرت بعض هذه العبر والحكم والمصالح من هذا الحادث المحيط بنا
هذه الأيام؛ لنتذكر من خلاله أن لأسماء الله وصفاته لوازم ومقتضيات لا
يتم الإيمان إلا بها، ومن هذه الأسماء الكريمة اسم الله (الحكيم) ، والذي هو
موضوع بحثنا في تفصيل لوازم هذا الاسم الجليل والتعرف على العبوديات التي
يضمنها، والآثار التي يتركها في القلب والجوارح، وما يلزم عليه من لوازم
ومقتضيات، ومنها ما تم استعراضه من الدروس الماضية لحدث واحد مما يقضيه
الله ويقدره من بين أحداث وأحداث كثيرة تصغر في حجمها وتكبر ولكنها
كلها لا تخرج عن علم الله وتقديره، ولا تخرج عن حكمته البالغة وتيسيره.
стр. 819
المسلمون في أراكان (بورما) ومسيرة المعاناة
أحمد موفق زيدان
ما تزال مسألة الأقليات المسلمة غائبة عن أذهان كثير من المسلمين في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، بل حتى لو سألت الواحد منهم عن «أراكان» أو «تراقيا» أو غيرها لصعب عليه تحديد موقعها وشيئاً بسيطاً من تاريخها، ومسلمو الأراكان تعرضوا لهجمات شديدة من الاضطهاد والقتل والتعذيب والاستلاب على أيدي البوذيين البورميين في محاولة لاستيعابهم ضمن المجتمع البورمي في البداية، وعندما عجزوا عن هذه السياسة شرعوا في سياسة جديدة وهي التخلص من المسلمين إمَّا بالقتل، والإبادة، أو بطرد البعض إن عجزوا عن إبادته، وما مجازر ١٩٢٢و ١٩٤٢ و ١٩٧٨ ببعيدة عن أذهان المسلمين المهتمين بشؤون
أراكان، وقد التقت (البيان) أخيراً ببعض أركان وأعمدة منظمة تضامن الروهنجيا
أراكان أثناء زيارة لهم لأرض الجهاد في أفغانستان، وحاورتهم وحصلت منهم على
منشوراتهم وبياناتهم ومجلاتهم في محاولة لعرض مسيرة المعاناة التي يعانيها هذا
الشعب، وهنا حصيلة التقرير:
١- خلفية تاريخية:
تقع (أراكان) جنوب غرب بورما على الحدود مع بنغلاديش، وتبلغ مساحتها
٢٠ ألف ميل مربع، ويحدها غربا خليج البنغال الذي كان يسمى تاريخياً (بحيرة
العرب) ، ثم غير اسمه، ويحدها شمالاً بنغلاديش، وذلك على طول ١٧١ ميل،
ومن الشرق جبال الأراكان التي تعتبر حداً فاصلاً بين أراكان وبورما الدولة الغازية، ويصل عدد سكان أراكان إلى ٤ ملايين نسمة منهم ٧٠% مسلمون. ويطلق على
سكان أراكان (الروهنجيا) وهي مأخوذة من (روهانج) وهو الاسم القديم لأراكان،
وتعرف الآراكيون على الإسلام في القرن الأول من هجرة النبي -صلى الله عليه
وسلم-، وذلك مع مجيء التجار العرب المسلمين إلى هذه البلاد، وكان لهؤلاء
التجار الفضل الأكبر بعد الله في نشر الإسلام، بل وتذكر الروايات أن
التجار العرب كانوا يمرون بأراكان حتى قبل الإسلام؛ لأنها طريق تجارتهم،
وبدأت علاقات العرب مع بعض السكان المحليين منذ تلك الفترة، وفي القرن
الرابع عشر وحتى التاسع عشر بدأت قوميات أخرى غير العرب بالوفود إلى
أراكان، مثل الباتان والبنغال والفرس والمغول والمغارية، وبهذا الاختلاط اعتنق
الآراكيون الإسلام حتى غدا الإسلام دين الأغلبية في القرن الخامس عشر الميلادي.
وفي عام ١٤٠٦م لجأ (نراميخله) ملك أراكان آنذاك إلى ملك البنغال المسلم،
وتسمى الآن (بنغلاديش) ويدعى (الياس شاهي) بسبب إغارة ملك بورما البوذي
على أراضي أراكان واحتلالها، واعتنق (نراميخله) الإسلام بعد ٢٤ عاماً من مكوثه
عند الملك البنغالي، واستطاع (نراميخله) مع ملك البنغال في ١٤٢٠م الانقضاض
على أراكان وطرد الملك البوذي منها وتأسيس مملكة إسلامية هناك بقيادته، وتعاقب
عليها حوالي ٤٨ ملكاً مسلماً مدة ٢٥٠ عاماً إلى أن غزاها البوذيون الزاحفون من
بورما مرة أخرى عام ١٧٨٤م واحتلوا أراضيها.
ويقول الأستاذ محمد زكريا ويشغل منصب القائد العام لمجاهدي الحركة
الإسلامية في أراكان، وكان محاضراً في جامعة بورما: في أوائل ١٤٢٠م دخل
١٥ ألف مسلم مجاهد من منطقة غزني في أفغانستان لبلادنا وأسسوا هناك مملكة
إسلامية، ويضيف الأستاذ زكريا في حديثه بأن المملكة الجديدة فرضت اللغة
الفارسية واستمر نفوذ هؤلاء الأفغان حتى عام ١٧٨٤.
وفي عام ١٧٨٤م قام البورميون بغزو أراكان واحتلال أراضيها، وبعد ٤٢
عاماً من هذا الاحتلال أقدمت القوات البريطانية على احتلال بورما وأراكان، وذلك
عام ١٨٢٤ م، واستطاع المستعمر البريطاني إحكام قبضته بضم أراكان لبورما،
وعشية الاستقلال وعندما حاولت الحكومة البورمية الجديدة تعيين الوزراء ضمت
وزيرين من المسلمين إليها وقامت بتعيين (١٢) عضواً مسلماً في البرلمان، فظن
المسلمون أن هذا يعني فتح صفحة جديدة بعيدة عن الاضطهاد والإبادة، ولكن
سرعان ما تلاشى الأمل؛ لتجاهل الرئيس البوذي لحقوق المسلمين، حيث أعلنوا
أن اسم بورما مشتق من (بوذا) ، وبالتالي فهي للبوذيين فقط، وعلى المسلمين إن
أرادوا البقاء معهم أن يغيروا حروف القرآن الكريم إلى الحروف البورمية وأن
يتبادل المسلمون والبوذيون الزواج، وأن يقوم المسلمون بالتسمي بأسماء بوذية،
وترفع النساء حجابها الشرعي، وبشكل مختصر فقد أرادوا تذويب شخصية المسلم
هناك.
حملات الإبادة والاضطهاد:
يقول الأستاذ محمد زكريا: (عندما عجزت الحكومة البورمية عن استيعاب
المسلمين في مجتمعها البوذي، وفشلت في سياسة التذويب والامتصاص، شرعت
في سياسة الإبادة والاضطهاد، ففي عام ١٩٤٢ وقبل الاستقلال قتل من المسلمين
١٠٠ ألف شخص، وفر عشرات الآلاف إلى الدول المجاورة، مثل بنغلاديش،
ويتابع حديثه فيقول: مازلت أذكر عندما كنت صغيراً في الخمسينات، عندما أقدم
الجنود البوذيون على قطع رؤوس المسلمين وبدءوا يلعبون بها ككرة القدم
ويتقاذفونها، أما القتل والسلب والنهب فهو الغذاء اليومي للجنود البوذيين في مناطق
المسلمين، وأخذهم بالقوة للشباب والكبار من أجل استخدامهم في الأعمال الشاقة،
كبناء الطرق والجسور ونحوها دون دفع أي مقابل لهم، حتى ولا الطعام، وإذا لم
يجدوا الشباب في المنازل يأخذون النساء.
وبعد وصول الحكومة العسكرية للسلطة في بورما عام ١٩٦٢م اشتد الفتك
بالمسلمين، ويتحدث عن هذه الفترة الأستاذ سيف الإسلام وهو يشغل نائب رئيس
الحركة في حديثه لـ (البيان) يقول: في عام ١٩٧٨ أجبر ٣٠٠ ألف مسلم على
الهجرة من أراكان إلى بنغلاديش وبعد سنة واحدة من حكومتهم هناك طردتهم
بنغلاديش بعد توقيعها الاتفاقية مع بورما الحكومة وأعادتهم لأراكان، وطلبت
الحكومة البورمية آنذاك مساعدة غذائية ونحوها لإعادة توطين المهاجرين دون أن
تعطي للمسلمين إلا النزر اليسير.
وفي عام ١٩٨٢ قامت الحكومة البورمية بتعديل دستور البلاد بحيث يقضي
بسحب الجنسية من المسلمين الأراكانيين.
وسلكت الحكومة العسكرية الجديدة سياسة التأميم، وقام الجنرال (ينون) الجديد
الذي عزل رئيس الوزراء السابق (أونو) باتباع هذه السياسة، (وبعد مدة قليلة من
استيلائه على السلطة نفذ مخططاً واسعاً في تأميم ومصادرة العقارات والممتلكات
بصورة (الاشتراكية البورمية) وتحت هذا الشعار أمم ٩٠ % من ممتلكات وعقارات
المسلمين، أما البوذيون فلم يتأثروا سوى بـ ١٠ % من أراضيهم، كما قامت
الحكومة الجديدة بمنع المسلمين من أداء الحج، وذلك في الفترة الواقعة بين
١٩٦٢- ١٩٦٨، وإذا سمحت بذلك في مجال محدود فهو لعملاء الحكومة، وليس
هناك عضو واحد من المسلمين في البرلمان البورمي ولا المجلس التشريعي.
ميلاد منظمة تضامن الروهنجيا:
يقول محمد زكريا: (رداً على هذه السياسات التعسفية والظالمة بحق شعبنا
قمنا في عام ١٩٨٢ بتأسيس هذه المنظمة وذلك لمواجهة سياسات الحكومة البورمية
الرعناء تجاه المسلمين، وذلك لقيام حكومة إسلامية في أراكان منفصلة تماماً عن
بورما، وما زلنا نعد العدة حتى الآن لهذا تربوياً وعسكرياً) .
ويقول أحد منشورات الحركة: (نظراً لهذه الأوضاع الخطيرة التي يتعرض
لها المسلمون في أراكان استشعر جماعة صالحون مهمة واجبهم، ومسؤولياتهم نحو
دينهم، وعقيدتهم وأمتهم ووطنهم، فقاموا للجهاد في سبيل الله للدفاع عن أنفسهم
وأعراضهم، وللحفاظ على دينهم وعقيدتهم وهويتهم الإسلامية) .
ويحدثنا الأستاذ زكريا عن بداية التفكير والإرهاصة الأولى لتأسيس الحركة،
وهو الذي كان أحد عناصر الحركة الوطنية الأراكانية، والتي تتعارض توجهاتها
مع الحركة الإسلامية (روهجيا) يقول: (لم نكن في البداية على اطلاع
بالأيديولوجية الإسلامية، وبعد حضورنا المؤتمرات مع بعض الجماعات الإسلامية
في كوالالمبور ودكا وغيرها اطلعنا على ذلك واستفدنا كثيراً، وبدأنا بالاتصال مع
بعض الإخوة، حيث كنت أعرف الأخ عمر رئيس الحركة حالياً من الجامعة،
وكان يشغل آنذاك منصب نائب رئيس المستشفى العام، وبعد التدارس توصلنا إلى
ضرورة قيام حركة إسلامية بعيدة عن الحركة الوطنية الأخرى المعارضة للتوجهات
الإسلامية) .
وحول نشاط الحركة يقون محمد زكريا وسيف الإسلام: (حتى الآن نركز
على التدريب العقدي لشبابنا والتدريب العسكري أيضاً ونحتفظ بـ ٢٠٠-٥٠٠
مجاهد في مخيماتنا التدريبية، ونرسل الباقين للداخل، وقمنا حتى الآن بتدريب
٢٠٠٠ مجاهد واكتسبنا أشخاص من كافة شرائح الشعب الأراكاني من علماء وطلبة
وموظفين وأساتذة جامعات، وبشأن تمويلنا فنعتمد على تبرعات إخواننا في الداخل
وتبرعات إخواننا المسلمين.
وعن سبب سماح الحكومة البنغلاديشية للحركة أن تزاول بعض نشاطها هناك
قال: (هناك حقيقة جغرافية وهي الحدود الطويلة بين أراكان وبنغلاديش، وليس
هناك أي حدود بين الأخيرة وبورما، ولهذا لا تريد بنغلاديش أن تستعدي شعباً
بكامله ضدها، وهذا ليس في صالحها مستقبلاً، والأمر الثاني هو وجود حركة
(شنتي بهيلي) الانفصالية البنغالية، وتتخذ من الهند مقراً لها، وإذا أرادت شن
هجمات على بنغلاديش، فلا بد أن تمر بأراضينا وعلاقتنا الجيدة مع بنغلاديش
ستعرقل من نشاطات هذه الحركة، ولعل مشاطرتنا لهم عقيدة واحدة سبب في ذلك) .
وبخصوص البدء بالعمل العسكري يقول سيف الإسلام نائب رئيس الحركة:
(حتى الآن نقوم بإعداد أنفسنا وسنقوم بالنشاط العسكري قريباً حالما يتحسن وضعنا
وتجهيزاتنا) .
стр. 820
قراءة أولية
في حرب الخليج
هناك نظرية في التاريخ تقول: «إن وقوع الأحداث الكبيرة أمر محتم عندما
تتفاعل الظروف الموضوعية والأسباب المؤثرة» . ولكنها نظرية مرجوحة؛ لأن
الإنسان أولاً وأخيراً هو المسؤول عن أعماله في الخير والشر، فلو لم يتصرف
فلان كذا، أو يفعل فلان كذا لما وقع كثير من الحروب.
والكوارث العظام التي تصيب البشرية إنما هي نتيجة الظلم والفساد في
الأرض قال تعالى: [قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ
لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] [الأنعام ٦٥] .
إن قراءة أولية في هذه الحرب تؤكد لنا:
أولاً: عند نزول الكوارث العظام لابد من الرجوع إلى القرآن الكريم الذي
يقول لنا: [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] ، وإذا رجعنا إلى التاريخ الحديث سيتبين لنا
كيف هو من عند أنفسنا.
لقد وقعت الكارثة الأولى للمسلمين في هذه المنطقة عندما استطاع أعداء
الإسلام هدم الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٣، وقد ساعد فريق من العرب الإنكليز في
الحرب العالمية الأولى، ساعدوهم على ضرب الأتراك طمعاً في دولة عربية،
فكانت العقوبة أن عاش العرب تحت حكم الإنكليز والفرنسيين عشرات السنين.
وجاءت الكارثة الثانية عام ١٩٤٨ بإنشاء دولة (إسرائيل) على أرض
فلسطين، فقامت على إثر ذلك انقلابات وثلت عروش، ولكن الناس اتجهوا إلى ... القومية والوطنية والاشتراكية، وما زالوا في هذا التخبط إلى أن جاءت الكارثة الثالثة عام ١٩٦٧ حين احتلت إسرائيل سيناء والضفة الغربية والجولان، في الساعات الأولى من الحرب. وكانت صدمة عنيفة للناس، اتجه كثير من بعدها إلى الدين، وامتلأت المساجد وخاصة من الشباب المسلم، وأصبحت ظاهرة واضحة في كل أنحاء العالم الإسلامي، وأعجبت المسلمين كثرتهم، فتعجلوا قطف الثمرة، وأصيبت الدعوة الإسلامية بنكسات هنا وهناك، فهل جاءت هذه الحرب لتهز العالم العربي والإسلامي هزة أقوى من سابقاتها، ليعود مثخناً بالجراح متأملاً: ما هي الأسباب، وما هو السبيل وكيف، نتعامل في السياسة، وكيف يفكر الغرب، ولماذا وصل إلى ما وصل إليه؟
ثانياً: من أخطر ما ابتلي به المسلمون طوال حقب طويلة من تاريخهم،
وخاصة في هذا العصر هو داء الاستبداد والدكتاتورية، وما يعقب هذا من الذل
والهوان اللذين يمارسان على الشعوب، ففي هذه الأنظمة الفرد هو الذي. يستطيع
أن يورط أمة بكاملها في حرب لا تبقي ولا تذر، وما على كبار القوم والعلماء
والمثقفين إلا السكوت أو التصفيق لهذا القرار أو ذاك.
إنها مصيبة المصائب هذه التي ابتلي بها المسلمون وأهل الشرق عامة، حتى
سرى الداء إلى العلماء والدعاة، بينما نجد أن الشورى أصل أصيل في السياسة
الشرعية الإسلامية، وأعتقد أننا إذا لم نرجع إلى هذا الأصل في كل شؤوننا، فلن
يكون هناك أمل بالنجاح، وقد كتب علماؤنا السابقون حول هذا الموضوع وهم
مدركون لخطورته، وكانوا يعانون مثل ما نعاني نحن الآن، كتب الإمام
الطرطوشي عن الشورى وذكر مثالاً فقال: ألا ترى أن إبراهيم ﵇ أمر
بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها، فيحمله حسن الأدب على الاستشارة فيه فقال: [يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى] ، فإذا كان هذا في أمر
إلهي فكيف في غيره؟ !
ثالثاً: لماذا يخاف قومي من اليهود، وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أنهم أضعف
مما نتصور، ورغم امتلاكهم للأسلحة المتطورة فإن عنصر الإنسان يبقى له دور
مهم، وهؤلاء يعتمدون على التكنولوجيا، لأنهم لا يملكون الإنسان الجاد، وهذا
يؤكد لنا مرة أخرى أن المشكلة ليست في صعوبة مواجهة الكيان الصهيوني، بل
في النية أصلاً لمواجهته، حتى لاسترجاع الأراضي التي فقدت عام ١٩٦٧ على
الأقل، وحتى لتأييد الانتفاضة التي تقاتل بالحجارة، فلماذا مؤتمرات السلام
والحرص عليها، ولماذا لا يبحثون هم عن السلام.
رابعاً: أظهرت هذه الحرب خفايا الدول والمجتمعات الغربية، وانكشف ما
كان مستوراً، كان التعصب وكره الإسلام والمسلمين مغطى بقشرة رقيقة من الحرية
والديمقراطية. لقد تعرض المسلمون الذين يعيشون في الغرب في هذه الأيام
للاستهزاء والسخرية، ثم الشتائم والضرب، وقد وقع في الولايات المتحدة أكثر من
مائة اعتداء على المسلمين من شتى الجنسيات، وفي بريطانيا تعرض مسجد في
مدينة (ووكنج) لحرق أبوابه، كما تعرض مسجد في مدينة (باتلي) لاعتداء مماثل،
وفرنسا أشد من بريطانيا في هذا المجال، والكتاب الأكثر مبيعاً الآن في ألمانيا هو
كتاب (سيف الإسلام) وأنه الخطر القادم.
وفي ندوة تلفزيونية في بريطانيا قال أستاذ جامعي قادم من إسرائيل: «أنتم
تتحدثون عن عاصفة الصحراء، وتنسون عاصفة أشد وهي عاصفة الإسلام» .
لقد ظهرت الفجوة العميقة بين ما يعلنه الغرب، وما يريده فعلاً، هذا مع أنه
لم يقع منهم ضحايا كثيرة فكيف لو وقع!
خامساً: سيكون من نتائج هذه الحرب ظهور أصناف من الناس، منهم
المتشائمون الذين سيقولون (ما في فائدة) ، العرب كذا، والمسلمون كذا ... ودعنا
نبحث عن جهة في العالم نعمل ونعيش، ويكون بعضهم متديناً فيقول: نعبد الله
لوحدنا ولا نتدخل في شيء، وهؤلاء رغم إخلاصهم ولكن تصرفهم يدل على
ضعفهم، وعدم قدرتهم على الصبر والاستفادة من النتائج.
ومنهم الذين يضخمون المشكلة ودور الغرب وأننا لا نستطيع الوقوف في
وجههم، وأن العالم كله ضدنا، وهذا الصنف قريب من الأول، وهؤلاء وأولئك
ممن لم يرسخوا بعد.
والصنف الثالث هم الذين تهب عليهم العواصف فلا تبددهم، ويتابعون الجهد
وعملية الإنقاذ، ويعلمون أنه لا ينجي من النوائب إلا الإخلاص والوعي والعمل
الدءوب.
سادساً: أثبتت هذه الحرب أن العرب إذا لم يهتدوا بهدي الإسلام، الذي يغير
من تركيبتهم الداخلية ويصوغهم صياغة جديدة فإنهم سيعيدون حرب (البسوس)
و (داحس والغبراء) التي يفنى فيها المال والأهل والولد.
لقد قامت حرب البسوس بين ربيعة وبكر لأسباب تافهة، من أجل ناقة جرباء
ولم تنته إلا بعد أربعين عاماً.
إن الذين يراهنون على المد القومي يثبتون أنهم أغبياء للمرة الثانية، فليس
هناك إلا (الله أو الدمار) .
стр. 821
ركن الأسرة
هكذا أتمنى أن تكون أمي
مؤمنة الشلبي
١- أتمنى أن تكون أمي وكل أم مسلمة من أرهف الإسلام مشاعرها، وفتح
نوافذ البصيرة في نفسها، فأضاء لها معالم الطريق الذي ستسير عليه في تربية
أبنائها، وتوجيههم بعيداً عن الخطر الذي يدسه لهم أعداء هذا الأمة، متبعة في ذلك
شتى الأساليب التربوية النبوية.
٢- أتمنى أن تكون أمي على قدر كبير من الوعي والثقافة بما يدور حولها من
مؤامرات ودسائس تحاك لها بدقة وتدبير؛ لصرفها عن مهمتها الأساسية في تربية
أبنائها الذين هم شباب الإسلام وسده المنيع. ولتنهمك هي بتوافه الأمور وصغائر
الأعمال من إغراءات دنيوية مثيرة، وزخارف فانية، وموديلات جذابة كذابة،
وشهوات تؤجج، وزينة هدامة، وتقليد أعمى لأولياء الشيطان وجنود إبليس.
٣- أتمنى أن تكون أمي وكل الأمهات المسلمات على يقين أن وظيفة الأم
المسلمة لا تقتصر على العناية بالأطفال من حيث المأكل والمشرب والملبس فقط،
فهذه هبة من الله أعطيت لها، إنما هي المسؤولية الكبرى تجاه الأبناء والتي طوق
الله بها عنقها، وجعلها بمقتضاها مسؤولة عن تربية أولادها تربية إسلامية قائمة
على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات فيشبوا مهيئين لتحمل المسؤوليات، وقادرين
على نشر الإسلام بقلوب مؤمنة ونفوس صافية.
٤- أتمنى من أمي أن تغرس العقيدة الإسلامية في نفوس أبنائها، وأن
ترشدهم إلى الحلال والحرام، وتدربهم على العبادات التي تناسب أعمارهم كالصلاة
والصيام والصدقة، كما تحرص على أن تطرب أسماعهم بقصص السيرة،
وقصص أبطال الإسلام وعلمائه؛ لتثير في نفوسهم حب العلم والعمل والبطولة
والجهاد في سبيل الله.
٥- أتمنى من أمي أن تنصب من نفسها حكماً بين أبنائها، فلا تظلم ولا تجور، ولا يذهب بها الهوى أن تميل مع بعض أبنائها دون البعض، بل تخصهم جميعاً
بحبها وعدلها، وتعترف بالفروق الفردية والعقلية بينهم، فلا تطالبهم فوق طاقاتهم،
وقدراتهم العقلية والجسمية المختلفة ما بين صغير وكبير وذكر وأنثى.
٦- أتمنى من أمي أن تحرص على سلامة الجو العائلي من الخصومات التي
تؤدي إلى اضطراب شخصية الطفل وضعفها، مستخدمة من سيرة رسول الله
وصحبه المنهل الذي تنهل منه في كل موقف لها مع أبنائها.
٧- أتمنى من أمي أن تعلم أنها موضع القدوة لأبنائها، فهي معقد نظرهم
ومنار حياتهم، فإن هي أحسنت وقرنت القول بالعقل غرست فيهم السلوك الراشد
والعادات الحسنة، وجعلت منهم شباباً صالحاً يكون موضع أمل الإسلام وعدته.
٨- أتمنى من أمي أن تتيح لأبنائها التمتع بطفولتهم من لهو ولعب، وأن
تختار لهم الألعاب المناسبة لعقولهم، ضمن إمكانيات الأسرة، وضمن حدود ما
أباحتة الشريعة الإسلامية.
٩- أتمنى من أمي أن تحرص على إيجاد جو من الحرية؛ ليتمكن أبناؤها من
التعبير عن أنفسهم وحاجاتهم دون خوف أو خجل أو تردد.
١٠- وأخيراً أتمنى من أمي ومن كل أم مسلمة - بعد أن تستفرغ كامل جهدها
لتعذر إلى الله بالأخذ بجميع الوسائل والأسباب المشروعة - أن تستغرق بالدعاء
وبسط أكف الضراعة إلى الله ؛ تناشده توفيقها وإصلاح ذريتها؛ فإن الله
سبحانه وحده هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 822
البديل ...
عبد الله بن مبارك آل سيف
يشكو كثير من الناس الملتزمين من حاجتهم إلى معرفة البدائل عن منكرات
البيوت، وحاجتهم إلى سد فراغ أهاليهم ومن يعولونهم، ويتذرع كثير من الناس
بهذا الأمر إلى إبقاء هذه المنكرات في البيوت بشبهة عدم وجود ما يملأ فراغهم،
ولأجل هذين الأمرين دعت الحاجة إلى طرح مثل هذا الموضوع على الساحة،
فأذكر هنا ما يحضرني - ولعل هذا يشعل الحماس في قلوب الكتاب المجيدين
فيكتبون فيه - فأقول: من هذه البدائل:
١- العبادة: وهي من الأمور المهمة التي ينبغي تربية الأبناء والبنات
والزوجات والأهل عليها وإشغال وقتهم بها وكل وقت المسلم يمكن أن يكون عبادة
بالنية الصالحة.
فمثلاً من كان لسانه رطباً بذكر الله ألا يمكن أن يحس بالفراغ وضياع الوقت، وكذلك من يحافظ على الصلوات والنوافل والصيام والحج والعمرة والصدقة
وقراءة القرآن والنوافل المطلقة، فمن اشتغل بهذه العبادات سوف يشعر - بلا ريب
- بضيق في وقته، وأنه بحاجة إلى وقت أطول لإدراك كل هذه العبادات ولذا
نلاحظ أن وقت العلماء والعباد الصالحين هو وقت قصير في نظرهم، ويحسون
بقصر الوقت وضيقه ويتضايقون من ذلك، في حين أن أصحاب البطالة والفساد
يحسون بفراغ رهيب، ولذا تراهم يقولون: نقتل الوقت، بأي شيء كان يريدون
ملء فراغهم وقتل الأوقات وإهدار الأعمار الثمينة.
٢- الاشتغال بالعلم وتعويد الأهل على مصابرته بالأساليب المناسبة وتحبيب
الأطفال إلى العلم وتحفيزهم بما يناسب، وسيأتي تفصيل هذا.
٣- وضع دروس علمية في البيت على مدى الأسبوع، ويختار منها الدروس
المشوقة المحببة، مثل السيرة والتاريخ والتراجم، ومن ثَمَّ تطور إلى دروس أكثر
تنوعاً وعمقاً، ويراعى فيها الجانب التربوي بالربط بين العلم والعمل.
٤- الاعتناء بمراعاة حفظ الأهل للأذكار والأدعية ووضع برامج حفظ على
المدى الطويل لحفظ الأذكار والأدعية.
٥- وضع دروس لحفظ القرآن على مدى السنة، مع تكرارها في الأسبوع
أكثر من مرة، في برامج حفظ ومراجعة، سهلة، وجادة.
٦- وضع مسابقات علمية في قراءة كتاب وإدراك القدرة على استيعابه وفهمه ... ومن ثَمَّ تنمية القدرات، ووضع مسابقات علمية بالأسئلة والأجوبة.
٧- التشويق في القراءة والتحبيب فيها بوضع كتاب مشوق في القصص
السهلة الأسلوب، جيدة العرض، والمجلات الجيدة ذات المواد الجذابة.
٨- إشغالهم في برامج علمية مفيدة تقربهم من الكتب وقد يطلعون في أثناء
الفهرسة على كتب تشد قلوبهم قراءتها، ومثل فهرسة كتب معينة أو إدخال
معلومات عن الكتب في برامج الكمبيوتر.
٩- تكوين مكتبة خاصة في غرفة كل فرد، كل بحسبه وبما يناسبه، هذا
ينمي الاهتمام بالكتب والحفاظ عليها ومن ثَمَّ قراءتها والاستفادة منها.
١٠- الاستفادة من برامج الكمبيوتر الجاهزة والبرامج المفيدة فيه في التعليم
وتنمية الذكاء والقدرات.
١١- النزهات المأمونة في حفظ وصون إلى أماكن مناسبة بعيدة عن التهتك،
وممارسة الألعاب المباحة فيها.
١٢ - اصطحاب الأطفال إلى مجالس الرجال لتعويدهم على الانطلاق في
الكلام ومعرفة آداب الرجال من كرم ومروءة وشهامة وخلق حسن.
١٣- إشغال الفتيات الصغيرات بأمور المنزل وتعويدهن على تدبير البيت
وإدارته والتعلم على فنون الخياطة والطبخ والنظام، والنظافة، وتعويدهن على
تحمل مسؤولية البيت وتربية الأطفال.
١٤- حضور المحاضرات القيمة والدروس العلمية المفيدة.
١٥- انتظام الأطفال في حلقات القرآن الكريم ومتابعتهم فيها.
١٦- وضع مكتبة صوتية في المنزل ومتابعة الأشرطة الجديدة واختيار
المناسب منها وتوجيه الأهل إليه.
١٧- ممارسة الألعاب الرياضية التي تقوي البدن بالنسبة للأطفال والمراهقين
والشباب وغيرهم، مثل ألعاب الكراتيه والجودو وغيرها، وأدوات رياضية تقوي
أجزاء معينة من الجسم.
١٨ - وضع أوقات مخصصة لزيارة الأرحام والأقارب ووضع برامج مفيدة
في هذه الزيارات.
١٩- بث هموم الأمة في مجالس الأنس والسمر؛ لتكون هموم الأمة تخالج
مشاعرهم وتسيطر على إحساسهم وبث الوعي بينهم وإرشادهم إلى مصادر الوعي
الموثوقة.
٢٠ - استكتاب الأهل والأولاد وتعويدهم على الكتابة وتقويمهم فيها وتنمية
قدراتهم الكتابية وتحبيبهم فيها بوضع حوافز مناسبة.
٢١- ربطهم باللغة العربية والأدب العربي، وحفظ دواوين العرب، ووضع
برامج حفظ للقصائد المختارة وتحفيزهم بما يناسب.
٢٢- التركيز على الاعتناء بالدروس المدرسية ومذاكرتها، ومتابعة حل
الواجبات، والمساعدة على شرح الغامض وتذليل الصعب..
وأخيراً وليس أخراً «الحاجة أم الاختراع» ومن جد وجد، ومن صدق أعين، ومن أخلص وفق.
стр. 823
تربية
تعويد الأطفال تحمل المسؤولية
خولة درويش
«يرى جميع المربين أن تنمية الشعور بالمسؤولية لدى الطفل ينبغي أن
يكون الهدف الذي تسعى إليه تربيته وتعليمه فيما تقدمه له من خبرات وتتبع معه من
أساليب» [١] .
وذلك أن الإنسان اللاهي العابث لن يفيد أمته ولا نفسه بشيء ذي بال. وقد
غرس الإسلام في نفوس أتباعه منذ فجر الدعوة الإحساس بمشاعر الأخوة
والتزاماتها، ذلك أن الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين لن يتكون إلا نتيجة تحمل
المسؤولية فعلاً، أي عن طريق المشاركة مع الآخرين من أفراد الجماعة في دراسة
ومواجهة المشكلات العامة التي تضمهم وتربط بينهم جميعاً، وهذا نموذج من توجيه
النبوة يرشدنا إلى أسلوب بناء شخصية الناشئ، قال تعالى في قصة إبراهيم -عليه
السلام-: [فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ
مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ]
[القصص: ٢٦] .
فلم يتعجل ﵇ على ولده ليقضي أمر الله تعالى، وإنما شاوره
لتكون الاستجابة عن رضا نفس.
فاحترام شخصية الطفل وإشعاره بالثقة في نفسه خير معين له على تحمل
المسؤولية والقدرة على حمل التبعات.
-روى مسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ «أن رسول الله
ﷺ أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام، وعن يساره
أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله لا أوثر
بنصيبي منك أحداً» رواه مسلم.
وهكذا يعتاد الطفل الجرأة الأدبية، وينشأ بعيداً عن الانهزامية، وفيه قوة رأي
وحجة.
هذا ولتحميل الأطفال المسؤولية حدود لا يجوز للمربي أن يتعداها. فلا يصح
تكليف الأطفال فوق طاقتهم، وكذا الاستعانة بهم استغلالاً لهم في أمور تجري فيها
الإجارة، وقد جاء في المدونة: وكل من استعان غلاماً ما لم يبلغ الحلم فيما ينبغي
في مثله الإجارة، فهو لما أصابه ضامن [٢] . كما وأنه لا يصح بحال أن نئد
شخصياتهم، ونهدم فيهم روح الابتكار والتجديد بالتسلط، وحد باب الحرية أمامهم.
«إن التحكم الفارغ من الأبوين لمجرد الإلزام بالطاعة وتعويد الطفل عليها،
فذلك حري بأن ينتهي بالطفل إلى التمرد إن كان شديد المراس، أو الاستكانة
والانطواء إن كان لين القوام، وكلاهما فاسد» [٣] .
ويبقى التوازن بين الضبط والحرية اللامسؤولة هو الأسلوب الحكيم، وخير
الأمور أوسطها.
نعود الطفل الاعتماد على نفسه في الأكل والشرب، بل واختيار ملابسه فتنمو
شخصيته، يشارك في ترتيب السرير والمائدة والكتب ... ونحوها، فينبذ الكسل
والتوكل والخمول ويتجه إلى العمل المنتج.
يتعامل مع مصروفه الشخصي بحرية موجهة.. ماذا يشتري وماذا يترك؟
وفي العمل تشاوره المربية: إنك سترتب ألعابك وتمسح غبار الغرفة، فأيهما ترغب
تقديمه الآن، وأيهما يؤخر إلى ما بعد ساعة من الآن؟
لعل ذلك يساعد في قدرته على تحمل المسؤولية، والإحساس برغبات
الآخرين، وتقدير قيمة ما سيعمله لأنه سيجني نتائجه. فعندما يخطئ ندربه كيف
يتعلم من أخطائه ونعالج الخطأ بحكمة، فيصلح الطفل ما أفسد، ويزيل آثار فعلته،
فإن وسخ ينظف، وإن تكلم بكلمة خاطئة يعتذر.. أو يحرم من لعبة ما.. وفي كل
حال لا بد من الحكمة والعبر في التعامل مع الأطفال، والنظر إلى الأسباب الكامنة
وراء أعمالهم من وجهة نظرهم هم، لا كما يراها الكبار، ومن ثَمَّ معالجتها
بتحميلهم تبعات أعمالهم. وبالمقابل تشجيع من يبدي استعداداً لتحمل المسؤولية،
نشعرهم بلهجة الحب والحنان بواجبهم وإمكانياتهم، وأنهم سيصبحون من أبطال
الإسلام، فقد كانوا أطفالاً مثله، وبذلك نبعث الثقة في نفوسهم ويتوثبون نحو العمل
الخير المفيد. فإذا بالبنت تعين أمها والولد يساعد أباه حسب إمكانيات الأطفال وكل
يبذل جهده راضياً ليعمل بعيداً عن اللهو والعبث.
стр. 824
شعر
بني قومي
مروان كجك
لمن أشكو ضلالكم ... وأنتم مقلة الزمن
وأنتم أنس هذا الدهر ... ذي التنكيل والمحن
ألستم خير من ركبوا ... إلى الجوزاء والقنن
ألستم يا بني قومي ... دعاةَ الطيِّب الحسن
وأيديكم إذا امتشقت ... حسام الحق لم تهن
فمن في الأرض ينصفكم ... إذا حدتم عن السنن
ومن في الأرض يرفعكم ... إذا لذتم بكل دنٍ
ومن يا قوم يرحمكم ... غداة الروع والوهن
ومن يأسو جراحكم ... إذا ثعبت من الفتن
فهذا الناس قد جمعوا ... لكم في السر والعلن
جياعاً قد رأوا فيكم ... شهي الروح والبدن
تداعوا لا إلى خير ... سوى الإيذاء والإحن
صليب الأمس والأفعى ... وذاكم عابد الوثن
فقوموا نحو بارئكم ... وصونوا النفس عن دخن
وهبوا هبة الأبطال ... أهل البأس والفطن
وزحوا عن ضلالتكم ... فأنتم مقلة الزمن
стр. 825
إعلام
المرحلة الإعلامية
والشريط الإسلامي
خالد بن صالح السيف
أحسبني لست بحاجة إلى اجترار الكتابة عن الدور الإعلامي وبخاصة بعد أن
استحال إلى حقيقة بدهية تستظهرها العامة فضلاً عن الخاصة.. وإن شئت فارقبها
جلية في تشكل عقلياتهم.. وأبعاد تفكيرهم.. ومنتهى إدراكهم، بل وفي منطق
ألسنتهم..
إذن فليس ثمة حاجة في إعادة كلام استمرأه القارئ من ذي قبل، ولا ضير
حينئذ في تجاوز هذا الجانب اتكاءً على ما سلف.
المفهوم قبل اختلاط الأوراق:
يبدو أن لكثرة تداول لفظة - إعلام - واستفحال انتشارها أحالها إلى مصطلح
لا يكتنفه غموض، وكأنه لا يحتاج إلى تعريف، مع أنها - حقيقة - مازالت غير
واضحة المعالم، ندرك هذا من خلال خلط فج بين مفهوم الدعاية ومفهوم الإعلام،
بل تجاوزه إلى خلط بين هذين المفهومين ومفهوم التعليم، وربما جاء عرضاً مفهوم
الدعوة أيضاً رغم اجتماعها في نقاط تلاق، مع تباين في بعض الوسائل، ومن قبل
في سبل الغايات، وسلامة المقاصد، وخلوص ذات الوسيلة من شوائب التحريم،
وبخاصة في جانب الدعوة إلى الله تعالى، ولا مشاحة في أن الوسائل ليس لها حكم
الغايات من حيث الأمر التوقيفي.
ما سبق لا يعفيني البتة من تجاوز المفهوم، بل أحسبه يضطرني بداهة إلى
إبراز مفهوم الإعلام إضافة إلى وسيلته من جانبي اللغة والاصطلاح: ففي اللغة:
ربما قصر على مجرد التبليغ.. ويقال: «بلغت القوم بلاغا» أي أوصلتهم الشيء
المطلوب، والبلاغ ما بلغك أي وصلك، وقد جاء في الحديث: «بلغوا عني ولو
آية» [١] .
كما يقال أيضاً: «استعلم لي خبر فلان فأعلمنيه حتى أعلمه» [٢] .
نخلص من هذا التعريف إلى أن المفهوم اللغوي للإعلام هو: إحاطة الغير
علماً بشيء ليدرك حقيقته.
والوسيلة هي الأخرى: ما يتوصل به إلى الشيء برغبة.
وبإضافة كلمة واحدة على، ما سبق يقترب المعنى اللغوي من المعنى
الاصطلاحي وهو: إحاطة لغير علماً بشيء ليدرك حقيقته بقصد التأثير.
إذن فمحصلة المفهوم إجمالاً هي: تلك الأدوات المستخدمة في نقل المعلومات
والمفاهيم والمشاعر والعواطف وغيرها مما يؤثر في حياة الناس.
ما سلف أرجو أن يكون قدراً كافياً يبين عن هوية المفهوم تلافياً لاختلاط
أوراق المنظرين.
إذن.. فالإعلام من هذا المنطق ليس مرتعاً مستهجناً لترفيه فاحش، وليس
مرآة ينعكس على أثرها الواقع بتجاوزاته المريبة.
إنما هو وسيلة صالحة ذات قدرة فاعلة على التصحيح والتقويم في مسار أمة
وفق منهج راشد يستشرفه الخلص من أبناء الأمة..
تهيئة الطرح الإعلامي:
الوسائل الإعلامية متعددة، وخاصة ما يمكن استخدامه على نطاق واسع
شامل، وأحسبها تتراوح ما بين وسائل اتصال شخصي بمختلف أنواعها، ووسائل اتصال جماهيري، بيد أن ثمة عوامل تقتضي اختيار هذه الوسيلة منها: مدى توافر فاعليتها وتأثيراتها في محيط معين، كما أن ثمة أسساً للاختيار نفسه تدور حول ما تملكه هذه الوسائل من خصائص موضوعية أو وصفية، إضافة إلى مقدار خدمتها الإعلامية، ومدى الانتشار الجغرافي لها مع الإدراك المسبق لطبيعة ... الوسيلة وإمكانياتها الفنية.
كل ذلك تتم الإحاطة به مسبقاً ليتساوق مع مستوى طرح المادة الإعلامية
رغبة في استكناه بعد أثر «المعطيات الإعلامية» في الملتقى.. واستشرافاً من
لدن الإعلاميين - على اختلاف مساربهم - للأثر الفاعل والذي من أجله كان
التسخير الإعلامي.
وتجيء هذه الكتابة - المجتزأة - وقد قصرت على نوع واحد وحسب، وهو
شريط الكاسيت، لذا وسنضرب صفحاً عن الوسائل الإعلامية الأخرى.
ميلاد الكاسيت:
في ذات صباح يوم من أبريل عام ١٨٧٧م تقدم إلى أكاديمية العلوم الفرنسية
العامل الفيزيائي (تشارلز كروس) ليسجل لديها فكرة محدثة لتسجيل الأصوات
وإعادة سماعها متى شاء مرة ثانية.
ولضعف القدرات المستحدثة حينها لم يتمكن من تطوير جهاز عملي لتنفيذ
فكرته، إلا أن هذه الفكرة لم تخبُ بعد، حيث رأت النور في شهر ديسمبر من العام
نفسه عندما أعلن في الولايات المتحدة الأمريكية كل من (توماس أديسون) ،
ومساعده الميكانيكي (جان كروسي) عن اختراع جهاز عجيب لتسجيل الصوت ومن
ثم إعادة إسماعه، وأطلق عليه اسم (الفونوغراف) ، وبذلك أسهم جهاز التسجيل
الصوتي في إحداث ثورة عارمة في مجال الاتصالات. وتحفل الأسواق اليوم
بالعديد من أنواع التسجيلات الصوتية التي بلغت ذروتها باختراع أشرطة (الكاسيت)
عام ١٩٦٤ م وهو أصغر الأنظمة التسجيلية حجماً. وإفرازاً لما سلف ذكره مع ما
يمتاز به التسجيل الصوتي من ميزات متعددة تبوأ مكانة تعد من أهم وأبرز وسائل
الاتصال المؤثرة في المجتمعات على اختلاف أنواعها وتباين فئاتها.. ويحسن بنا
ألا نغفل في - سياقنا هذا -جانب الصناعة المتقدمة للتسجيل الصوتي، حيث
أسبغت عليه لبوساً بأن جعلته أكثر وسائل الاتصال الحديثة انتشاراً وتوزيعاً.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية أكثر بلدان العالم استهلاكاً للأشرطة بلغت
مبيعات الأشرطة فيها ثلاثة ملايين دولار سنوياً في إحصاءات مضت عليها سنوات
عديدة.
كما أن عدد شركات تسجيل الأشرطة فيها يبلغ أكثر من ١٥٠٠ شركة ولو
لم تجيء هذه الأرقام في إحصاءات معتمدة لحسبتها ضرباً من المبالغة.
وليس ثمة شك في أن ما تحمله بين أعطافها لا يعدو عن كونه غناءً ماجناً
صاخباً أو فكراً منحلاً منتناً تمارس فيه الدعوة إلى التنصير وإلى الانحلال الأخلاقي
في أرذل صورة! كل ذلك يتم من خلال إدراك طبيعة الوسيلة - الشريط - إمعاناً
في تأكيد أثرها في الجماهير المتلقية قاطبة حيث الإغراء والإثارة. ...
ماذا بعد السنة؟ !
وعقب سنة من النوم غطت فيه أمتنا أفاقت على إثر غزو سافر لم تألفه من
ذي قبل إمعاناً في إباحة الفجور! ! ومحاولة جادة في سلب أثمن ما تملكه الأمة -
إسلامها - ليس غير! !
كل ذلك جاء ويجيء من قبل من لا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة! وقد أقضت
مضاجعهم تباشير الصحوة الإسلامية، فلله الحمد من قبل ومن بعد [واللَّهُ غَالِبٌ
عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] .
ونجم عن هذه الإفاقة المتأخرة جهود لا تزال في بدايتها، بيد أن هذا لا يبرر
لنا البتة - بقاءنا في المؤخرة.. ونروح من حينها ننحو باللائمة على المادة، وعدم
تناسبها مع طبيعة الوسيلة.. عند ذلك تقصر بنا الهمة عن تجاوز العقبات متذرعين
بحجج واهية لا تنهض لمدَّعٍ عادةً! ولست أدري من لهذه الثغور؟ ! إن زهد بها
المقتدرون ممن يقع على كواهلهم تبعات الواجب.. وليس ثمة نفل يُمَنُّ به.
على المرء أن يسعى إلى الخير جهده، وليس عليه أن تتم المقاصد.
أمة فأل:
ومع ما سلف فإنا نربأ بأنفسنا أن يغشانا التشاؤم ونحن أمة فأل تربينا على
منهجه السوي وما ارتضينا به بديلاً.
وإنا ننتظر يوماً تتوافر فيه جهود علمائنا وطلاب العلم وذوي التخصص
والاقتدار في هذا المجال للانتقال بوسائل الإعلام عامة - وشريط الكاسيت بخاصة
- من أطواره الأولى إلى أن يؤدي دوره في التربية والبناء.
وأخيراً:
كم هو جدير بك أيها الأخ المسلم وأنت تدلف إلى أعتاب محالّ بيع الأشرطة
الخيرية أن لا تتعامل مع ما تقتنيه بالمقياس المادي؛ فإنك - والحالة هذه - خاسر
لا محالة! !
ولست أدري أين التساؤل - المفترض - من قبلك عن المردود الإيجابي
الخير لما تقتنيه - حيث المادة العقدية والشرعية والسلوكية والمعرفية بعامة، وأربأ
بك أن تنسى أن التعامل مع الله تعالى يقتضي التجرد من المساومة المادية.
стр. 826
مفارقات
القراءة
خالد الموسى
إن المتأمل لحياة وواقع الشعوب الغربية يجد أنها شعوب قارئة متعلمة، بل
ومولعة بالقراءة، تحب الثقافة بمفهومها العام، وليس هذا إعجاباً بهم.. لا..
فالطريق مختلف.. لكنها حقيقة يعيشونها وسلوك يحيونه، فلا تجد شخصاً (بشكل
عام) إلا ويقرأ جريدة أو صحيفة مجلة أو قصة أو كتاباً.. تلمح ذلك في الشوارع
والمحلات التجارية.. في المكاتب، في الحدائق العامة والأماكن الترفيهية، في
الحافلات العامة والقطارات، ولن أخوض في ماهية ما يقرؤون من روايات تافهة
أو قصص سخيفة أو مقتطفات سطحية أو أو.. فهذا ينعكس عموماً على طبيعة
شعوبهم ونمط حياتهم الاجتماعية والفكرية.. ولن أتعمق أيضاً في خلفيات هذه
القراءة وهذا النشاط.. ولا الأسباب التي دعتهم، بل ونمت فيهم حب المطالعة
والقراءة.. من أساليب تربوية ومناهج تعليمية أثناء مراحل الدراسة.. لكن شيئاً
واحداً ملاحظاً ونؤكد عليه كظاهرة عامة واضحة: إنها شعوب قارئة.
والعجيب أن أمة الإسلام التي بدأت رسالتها بأول آية نزلت من السماء [اقْرأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ] . قلما تجد قارئاً ونادراً ما تجد مولعاً بالعلم أو شرهاً للمطالعة
وحب المعرفة. بل حتى طلبة العلم انتقلت إليهم العدوى، وكأنهم مرغمون أو
مجبرون على القراءة والتعلم.
وإنها لمفارقة أن تجد أعداء الإسلام والعلمانيين وأصحاب الفكر والمذاهب
الهدامة والتيارات المنحرفة لا يكلون ولا يملون من المطالعة والبحث والكتابة،
فتجد مؤلفاتهم وكتبهم تملأ الأسواق ومقالاتهم تغطي الصحف والمجلات والجرائد،
ويتناولون مواضيع مهمة، ويتطرقون لأبحاث جديدة.. فيبدو وكأنهم رواد الحضارة
والثقافة العربية المعاصرة.
وهذا الكسل له أسباب أذكر بعضها:
١- منهج التعليم والأسلوب التربوي الخاطئ في المدارس والبيوت المحشو
بكثرة المعلومات وإجبار الطلاب على الحفظ وملء دماغه بمعلومات مفيدة أو غير
مفيدة، وجعل ذلك أصلاً ومقياساً للنجاح أو التفوق يخلق نوعاً من الكراهية والملل
والضجر من القراءة وحب البحث. وغياب البحث العلمي وأسلوب تنمية التفكير
والمشاركة لكل ما يلائمه، وإعطاء الأطر العامة، وترك الخيار والتشجيع للطلاب
بالحب الذاتي والرغبة الداخلية للبحث العلمي.
٢- طبيعة البيئة التي نعيشها والرواسب السلبية الراسخة منذ عهد الانحدار
الفكري والخلقي والعلمي، إضافة لتأثيرات رواسب الاستعمار الغربي الفكري
والثقافي والاجتماعي على مجتمعاتنا.
٣ - التركيز والتصويب نحو هدف وغاية العلم والحياة: هي رغد العيش
ورفاهية الحياة، وليس هدفاً سامياً.. خلق في نفوس الكثير اللامبالاة وضعف
الإحساس وفقدان أهمية الوقت وأهمية العلم.
٤- انعدام المسؤولية، مسؤولية حمل الرسالة وحمل الأمانة والنهضة بالأمة
النهضة السليمة التي أوكلت إلينا، كما يقول الله : [إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ
عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ
كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] ، ومتى فقدت الأمة مسؤوليتها فقل ﵍.
٥- نوعية ما يوجد في الأسواق وما يكتب في الصحف وما يوجد في وسائل
الإعلام، تنفر الفرد من الإقدام.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات
ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح
يدعو له» . أليس من جذور الإيمان التعلم والعلم والعمل به، وبالعودة لهذه الجذور
والأصول وحب العلم والعمل تعود لنا المكانة التي أرادها الله لنا.
стр. 827
منتدى القراء
تصحيح مفاهيم
حول كتاب واقعنا المعاصر
زين الدين حاج الطيب
حينما نزل العمل الإسلامي إلى الساحة السياسية ثارت بلبلة في صفوف بعض الشباب الذين أخذوا أطراف الحديث حول هذا الموضوع مستدلين بتجارب لا يمكن
مقارنتها مع الوضع القائم في الجزائر [١] ومستشهدين في ذلك بمواقف الأستاذ
محمد قطب الذي تعرض في كتابه «واقعنا المعاصر» للعمل الإسلامي الذي
ينطلق من منبر الحكم ليصل إلى القاعدة مع العلم أن الحال في بلادنا يكاد يكون
العكس تماماً، والفرق شاسع بين طليعة تريد أن تبلغ الإسلام إلى الشعب من خلال
منبر الحكم وبين شعب يريد أن يبلغ الإسلام إلى منبر الحكم من خلال طليعة.
إن الجبهة الإسلامية هي وليدة إرادة شعب وليس إرادة أشخاص.
«فهي ظهرت وليدة روح وإرهاصات تاريخية وليست حركة كونتها جماعة
أرادت أن تكون حزباً، إنما هي مولود تاريخي» [٢] .
إن من حظوظ الحركة الإسلامية في الجزائر هو كونها تتعامل مع شعب يتميز
بروح جادة يمكن أن نقارنها بحرارة الشعب الأفغاني ويكفي أن نشير بأن عدد
ضحايا أكتوبر كانوا أكثر من عدد ضحايا بعض الشعوب في ثوراتها التحريرية.
إنه لا يمكننا مقارنة الجبهة الإسلامية ببعض الحركات في الشرق، ولاسيما
في مصر، حيث تعرض الأستاذ محمد قطب لتلك التحالفات التي خاضها المسلمون
مع بعض الأحزاب من أجل الوصول إلى البرلمان. فالجبهة الإسلامية بقوة
أنصارها وولاء الشعب لا تزال متميزة بشعارها وأهدافها ووسائلها وهي بهذا غنية
عن أي تحالف يكون على حساب أهدافها.
وهذا الكلام لا يعني التقليل من شأن الحركة الإسلامية في مصر التي نعتبرها
هي الرائد في مطلع هذا القرن، إنما أردنا أن نقول إن للشعوب حظوظاً، وأن حظ
الحركة الإسلامية في الجزائر كان في عزيمة الشعب وحماسته وإخلاصه لدينه.
إن فضيلة الأستاذ حينما يتعرض للمسلمين الذين يشتركون في الحكم بعد ما
كانوا ينتقدونه ويقولون للناس: [ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ]
صادق في كلامه، مصيب في انتقاده - وموقف الجبهة الإسلامية في هذا الصدد
واضح ليس فيه التباس، فهي تستعمل المطالبة والمغالبة دون إفراط أو تفريط لقوله
تعالى: [ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] ، وقوله -عليه
الصلاة والسلام-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من
خالفهم ولا من خذلهم» ، وتستعمل المطالبة لإقامة الحجة لقوله تعالى: [ومَا كُنَّا
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] وقوله تعالى: [ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ
حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ] .
كما تستخدم المغالبة لضمان مصالح الأمة والمحافظة على ثوابتها وصيانة
مكاسبها؛ لقول عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم
أحراراً» .
إن مسألة تحكيم شرع الله أصبحت مطلباً شعبياً وليست مطلب الحركة
الإسلامية فحسب وهذا ما يوافق قول الأستاذ محمد قطب في التغيير حينما قال:
(إن المسلمين يصلون إلى الحكم ممكنين في الأرض حين تعي الجماهير جيداً أن
«لا إله إلا الله» معناها: تحكيم شريعة الله [٣] ، فالشعب الجزائري بوعيه الفطري
لمقتضيات الشهادة عبر عن رغبته في تطبيق شرع الله، وذلك من خلال الانتخابات
التي كانت فيها الأغلبية الساحقة للجبهة الإسلامية.
فالجبهة الإسلامية كالحوتة بحرها الشعب [٤] ، شعب واع متحمس لدينه
وعقيدته.. ويكفي أن نشير بأن هذا الشعب في تجاوبه مع الجبهة أصبح مستعداً
لمواجهة أشد التحديات.
стр. 828
أماه ...
وليد بن إبراهيم
أماه أنت غريبة في موطني ...
هذا الرويبضة الحقير يذلك ...
هذا الرويبضة الحقير وغيره ...
زرعوا رغم أنوفنا ...
زرعوا على أشلائنا ودمائنا ...
يبنون كل رذيلة لا تحمد ...
أماه ثوبك طاهر منذ الشروق ...
أماه أعلم أنك لا ترتضين ...
أماه قد زرع الطغاة بأرضك ...
أماه هذا دورنا ...
نادى المؤذن.. فتوضأت أيدي الرجال ...
يطؤون أرضك يسجدون ...
وقلوبهم نور على نور ...
هم فتية رفضوا الخنوع أو القيود ...
أماه هذي روحهم ودماؤهم ...
نار على قلب الطغاة الحاقدين ...
أماه يا أرض العقيدة والسلام ...
أماه يا أم الأباة ...
أماه قد هلك الطغاة ...
قراء الكتاب ...
رفع السلام بأرضك ...
كَثُرَ الدعاة ...
قام الرجال لعرضك ...
بكت النساء لأجلك ...
علم الشيوخ نام الصغار بحبك ...
أماه عودي بثوبك ...
أماه عاد بياضك ...
أماه لسنا غريبين في موطني ...
стр. 829
الفرار إلى الله
أمين فايز
أخبرني صديق أن شاباً اسمه خالد يسأل عني، فكرت ملياً، من يكون خالد
هذا؟ أهو ذاك الشاب السوري الذي قابلته في الجامعة منذ أكثر من ثلاث سنوات؟
نعم كان اسمه خالد، ولكن ما أحببته قط، كان لا يعرف ربه لا في صلاته ولا
صيامه، ولا أزال أذكره طويلاً، أشقر البشرة، تلمح في وجهه علامات الكبر،
فخوراً بعضلاته المفتولة، مخلصاً في تقليد الأمريكيين.
مرت هذه الذكريات سريعة في خاطري وأنا أدلف إلى المنزل عندما فوجئت
بذاك الشاب خالد، ولكنه الذي عرفت، ما هذه اللحية العظيمة، أين شعره الطويل، و (الشورت الأمريكي) ، لم أصدق ما أرى، قام إليَّ وعانقني عناق المحب الذي
يبحث عني من سنين، سألته عن أحواله ورغباته، فبادرني بلهجة جازمة وقال:
أريد أن أرحل عن هذا البلد، قررت الذهاب لأفغانستان، الحياة هنا بين الكفار لا
تطاق.
فهمت ما حدث، إنها الصحوة الإسلامية، لا تزال تجذب لها من هنا وهناك
شباباً هداهم الله وأعادهم إلى الصراط المستقيم، بعد ضياع أحمق، ونوم عميق.
أما قصة التزامه بدينه الحنيف فهي غريبة عجيبة، لقد تعرف على شاب
أمريكي مسلم، وراح هذا الأمريكي يحدثه عن الإسلام ويدعوه للرجوع إلى الله،
وإذا بخالد ينتفض ويفيء من غفلته ويقول لنفسه: أأمريكي لم يمض على إسلامه
سنوات قليلة يدعوني إلى التوبة، وقد كان الأحرى بي أن أدعوه للإسلام، إنه قدر
الله أن يكون هذا الأمريكي سبباً في هداية خالد، لقد نفض عن قلبه غبار الغفلة،
وبدأ حياة جديدة أراد فيها إرضاء الله، لقد تغيرت حياته بشكل جذري وطلق زوجته
اللاهية العابثة، التي بدأت تصفه بالجنون، وأبدله الله خيراً منها، وقرر أن يعيش
حياة إسلامية في هذه المدينة (سانتياغو) ، ولكن أنى له هذا في تلك البلاد، والفتن
فيها كقطع الليل المظلم، كيف يعيش هنا والمعاصي ترتكب أمام أعيننا، قال لي:
ماذا أفعل يا بني عندما تكبر في هذا المجتمع، لا بد أن أخرج إلى أفغانستان لقد
سمعت عن فضائل الجهاد في سبيل الله وقررت الخروج لأرض الجهاد.
سبحان الله كيف تتغير الأيام وتتغير الأهداف إنه الفرار إلى الله.
стр. 830
السر الذي احتفظ به
السلطان عبد الحميد
أبو البراء عبد العزيز بن محمد
ما هو السر الذي احتفظ به السلطان عبد الحميد طوال حكمه (٣٣) سنة، ولم
يبح به لأحد؟
ما هو السر الذي كان يؤمل عليه رجوع الدولة العثمانية دولة كبرى؟ ما هو
السر الذي احتفظ به وهيأ الظروف له حتى اتهمه الصديق بالضعف والعدو بالظلم
والغدر؟ لنستمع إليه حيث يقول في مذكراته (١٧ مارس ١٣٣٣) :
(منذ أربعين عاماً وأنا أنتظر أن تشتبك الدول الكبرى مع بعضها البعض -
روسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا - كان هذا كل أملي؛ كنت أرى أن سعادة الدولة
العثمانية مرتبطة بهذا وجاء ذلك اليوم الذي كنت أنتظره، ولكن ... هيهات فقد
أبعدوني عن العرش، وابتعد الذين حكموا البلاد بعدي عن العقل والتبصر،
والفرصة العظيمة التي ظللت أربعين عاماً في انتظارها ولت وأفلتت من يد الدولة
العثمانية إلى الأبد.
جاهدت لكي لا يعزلوني عن العرش طوال ثلاثين عاماً، وجهادي هذا كان
من أجل هذه الفرصة. حبست الأسطول في الخليج ولم أخرجه ولو للتدريب،
وحبسي له كان من أجل هذه الفرصة. تجاهلت الحرب اليونانية لكي لا أدع
للإنجليز منفذاً للاستيلاء على كريت، وتجاهلي هذا كان من أجل هذه الفرصة،
بمعنى آخر: إن كل مجهودي قرابة ثلاثين عاماً، بصوابه وبخطئه، إنما كان من
أجل هذه الفرصة.
وحفظت هذا السر في نفسي أربعين عاماً. وسأوضحه لأحفادي لكي يعرفوا
أني لم أفاتح فيه أحداً، حتى مع أكثر صدوري العظام ثقة، لأني تعلمت بالتجارب
أن شيئاً يعرفه اثنان يخرج عن كونه سراً، ولذلك كان من ألزم الأمور ألا يعرف
مقصدي هذا أحد، وألا تحس به الدول الأجنبية.
كان تقديري أن استخدام العثمانيين لفرصة كهذه في وقتها، وبتبصر كفيل بأن
ينقذهم، فيعيدون لدولتهم مكانتها في مصاف الدول العظمى.
كان الواضح أن التنافس بين الدول الكبرى سيجرها أخيراً إلى التصارع
والتصادم فيما بينها، وعلى هذا فإن الدولة العثمانية أمام تصارع وتصادم كهذا
تصبح بعيدة عن أخطار التمزق والتقسيم، ويوم التصادم سيوضح قيمتها بين الدول. هذا هو سر سياستي التي استمرت ٣٣ عاماً) .
رحم الله السلطان عبد الحميد الذي هُضم قدره من قبل مثقفينا، والذي كان
يفكر بقوة وإرادة أجداده سلاطين بني عثمان، وقاتل الله أدعياء العلم والتحرر،
كيف جروا هذه الأمة إلى ويلات وإلى نكبات عظام لها أول وليس لها آخر، حتى
أصبحت دولة عظيمة من دول الإسلام، تمتد عبر قارات ثلاث، أصبحت في مدى
عشر سنوات حفنة من تراب.
стр. 831
الصفحة الأخيرة
هل هناك صحافة إسلامية ؟
عبد القادر حامد
عندما نقول: صحافة إسلامية، نعني: صحافة تعبر عن شمولية الإسلام،
وتعرض عقائده وأحكامه كما أنزلها الله وطلب من البشر اتباعها، دون تحريف، أو
تعطيل، أو تزوير، أو استغلال.
ووجود صحافة من هذا النوع ضرورة شرعية وإنسانية. ولكن المشاهد مما
يسمى «صحافة إسلامية» بعيد عن تناول الإسلام بهذا الشكل الشامل، بل هناك
موضوعات هي من بدهيات الإسلام وأساسياته محظور على هذه الصحافة أن
تتعرض لها أو أن تضعها في اهتماماتها، وإذا تعرضت لها فبأسلوب فيه المدارة
والتورية والرمزية ما يجعله معدوم الأثر، قليل الفائدة.
نضرب على سبيل المثال موضوعات مثل التشريع، ومناهج التربية والتعليم
وصلة ذلك بعقيدة الأمة، وكذلك الجهاد وتحديد مفهومه شرعاً، ومسائل مهمة، مثل: الولاء والبراء، ومن هو العدو والصديق في نظر المسلم، ووضع النقاط على
الحروف في مثل هذه القضايا، وتوضيحها بدون لبس أو إجمال موهم أو مخل.
إن ما هو موجود من «صحافة إسلامية» غالباً ما يشتغل بقضايا فرعية
ونظرية يقتلها بحثاً، بينما يمر على القضايا الرئيسية مر الكرام، أو يتحرج من
البحث فيها، أو لا يمكنه ذلك لما هو مبثوث في طريقه من الحواجز والموانع.
إن البديل عن الحرية في تناول مثل هذه القضايا المصيرية هو الكبت الذي
يسبب الفوضى، ويشل الأفراد والجماعات عن إنجاز أي شيء نافع، ويعيق أي
توجه للخروج من جو السلبيات والعراقيل والمشاكل التي تعصف بالمسلم في هذا
العصر، وتجعله عرضة للمهانة والإذلال الذي أصبح وصمة لازمة له..
стр. 832
شوال - ١٤١١هـ
أبريل - ١٩٩١م
(السنة: ٥)
стр. 833
الافتتاحية
دفاع عن المنهج
(٣)
لم يشعر المسلمون أنهم بحاجة، إلى منهج يضبط أقوالهم وتصرفاتهم كما
يشعرون في هذه الأيام، حيث أثبتت الأحداث الأخيرة أنه بغياب هذا المنهج
ضاعت الرؤية الإسلامية الصحيحة، وغاب الوعي عن خطورة الأعداء، ووضح
العجز عن اتخاذ موقف يرضي الله ، موقف تاريخي لتعلقه في
بأحداث كبيرة لها شأن في مستقبل الأمة.
وللمرة الثالثة نعود لنؤكد أن المنهج الصحيح هو منهج أهل السنة، فهو
العاصم من الزلل وهو الذي يهدي في حالك الظلمات، هذا المنهج هو الذي جعل أبا
بكر الصديق ﵁ يقف من حركة الردة ذلك الموقف الصلب حتى
أذعن له بقية الصحابة، وهو الذي عصم الإمام أحمد حين تساقط كثير من ...
الشخصيات، وهو الذي جعل ابن تيمية يصمد للتتار في دمشق حين صمم أهلها
على تركها خوفاً من الدمار الزاحف، وحين فكر العلماء أنفسهم بترك دمشق، وقد
ذكرهم ابن تيمية بغزوة الأحزاب وأن النصر للمسلمين.
إن التمسك بهذا الميزان العادل والقسطاس ليس صعباً ولا هو من الأمور
المستحيلة بل كما قال تعالى: [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] فهو يسير
على من يسره الله عليه، وعسير على من لم يوفق لذلك لضعف في الرأي أو هوى
خفي، أو لجهل في فقه الكتاب والسنة، ومبادئ الإسلام الكبرى في السياسة والحكم
في الحرب والسلم، وفي تقدم الأمم ورقيها، وسنن الله في فشلها وذهاب ريحها.
إن هذا المنهج ليس للذين يقيسون الأمور بآرائهم، ويسمونها (اجتهاد) دون
علم شرعي دقيق ودون فقه للولاء والبراء، ولا هو للذين يبترون النصوص مع قلة
معرفتهم بالواقع ومعرفة مناط الحكم، والذين يتكلمون عن المصلحة لا يملكون
وسائل الاجتهاد، فكيف يجتهدون في أمور خطيرة؟ ! هلا استشاروا قبل أن يقدموا، وهلا دققوا في تحقيق المناط والإحاطة بكل جوانب القضية، وماذا يقول قادة
الرأي وزعماء الأمة حين يتركون شعوبهم تتيه في بيداء الأوهام وهم المكلفون
بقيادتها إلى مواقف العزة والكرامة، وإذا كانوا هم الرواد فإن الرائد لا يكذب أهله.
إن التمسك بالمنهج عند بعضهم كان نظرياً وعندما جاء التطبيق ابتعد كثيراً
عن الأصل، بل إن بعضهم لا يحبون امتلاك منهج ما لأن هذا يتعبهم، وهم تعودوا
التنقل حسب المزاج وما يسمونه (المصلحة) وهل هناك مصلحة غير مستنبطة من
فقه الكتاب والسنة وتطبيقات هذا الفقه عندما كان المسلمون يعيشون في ظل
الاستعلاء الإيماني اللهم لا مصلحه إلا في هذا الفقه، ولابد من العودة إلى هذا
المنهج. ...
стр. 834
من مشكاة النبوة
(من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)
محمد المنجد
حديث من جوامع كلمه ﷺ ، مشتمل على آداب جمة، ...
حتى عده بعض علماء الإسلام أحد أربعة أحاديث تتفرع عنها أبواب الخير، وعده
أبو داود ﵀ أحد أربعة أحاديث يدور عليها مسنده.
- (من حسن) تربوية تورث في النفس التحفز لنيل المطالب العالية، ...
والوصول للكمال، ومحاولة تحسين المرء لإسلامه.
- وكلمة (ما) تدل على أن الحديث يعم جميع الأقوال والأفعال. ...
- وكلمة (ما لا يعنيه) أي ما لا يهمه في دنياه وآخرته سواء كان في ذلك ...
شؤون نفسه أم من شؤون الآخرين.
- وتحديد ما يعني منا يعتمد على الشرع ويستمد منه، كما يدل على ذلك ...
إسلام الواردة، فليس الناس الذين يحددون ذلك بأهوائهم وشهواتهم، إذاً لفسدت ...
السموات والأرض.
أولاً:
نماذج مما لا يعني المسلم عموماً، والداعية خصوصاً في أمر نفسه:
- أنواع اللهو واللعب التي تصد عن ذكر الله ويدخل فيها كثير من وسائل ...
الترفيه والتسلية اليوم كالأسفار التي لا يقصد بها غرض شرعي، كجهاد أو دعوة
إلى الله، أو هرب من أعداء الله، أو دنيوي صحيح كالتجارة المباحة وطلب
التداوي النادر.
- كثير من الهوايات المضيعة للوقت والمال، كجمع التحف النادرة واللوحات
الفنية التي تزخر بها بيوت الأثرياء، ينفقون فيها الأموال الطائلة، ويخصصون لها
زوايا في بيوتهم.
ولنسائل أنفسنا بتجرد: ماذا تفيد هواية جمع الطوابع، أو العملات والصور
وغيرها من صلاح في الدين أو الدنيا؟
القراءات الفارغة، وعند بعض الناس اليوم مضمونها جاهلي بعنوان (القراءة ...
للقراءة) فيقرأ ولا يميز بين الغث والسمين، والضار والنافع، ومن أمثلة تلك ...
القراءات:
- قراءة القصص والروايات والمقالات الرديئة التي تثير الغرائز بالطرق ...
المحرمة، أو تحلق بالقارئ في أجواء الخيال، أو تورث في نفسه دافع العنف ...
والإجرام أو الإعجاب بشخصيات الكفار.
- الإفراط في قراءة دقائق الأخبار، وتفاصيلها التي لا تهم المسلمين، ومتابعة ...
الجرائد والمجلات المتكاثرة، ووسائل الإعلام الأخرى، وقد يدخل الشيطان على ...
المسلم في ذلك من باب تكوين الوعي والإلمام بأمور السياسة العالمية، والحق أن ...
الناس يختلفون في هذا ويتفاوتون، والشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.
- القراءة في الكتب والمجلات ذات الاهتمامات التافهة، ككتب التراث
الشعبي والمأكولات والأزياء المختلفة، وأخبار الفن الفاجر، وكم أضر تلك ...
القراءات بمن يفترض أنهن محاضن للجيل المسلم.
الخوض في بعض مسائل تنسب للعلم ولا تبنى عليها فائدة في الدنيا ولا في
الآخرة وليس إلى معرفتها سبيل صحيح فيها كبعض تفاصيل أخبار الماضين
وآثارهم.
ومن مسؤولية طالب العلم أن يفرق بين مثل هذا والتحقيقات العلمية المفيدة،
وعلى أية حال فكل مسألة لا يبنى عليها عمل ولا عقيدة (سواء أكان قول القلب أو ...
عمل القلب أو قول اللسان أو عمل الجوارح، خلافاً لما يفهمه البعض عند ذكر مثل ...
هذه القاعدة) فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه.
ولذلك نُهي عن الأغلوطات، وذم السلف المسائل وعابوها، ومنها السؤال ...
عما هو مستبعد الوقوع أو لا يقع عادة.
ويرتبط بما سبق ما يقع اليوم عند بعض الغثائيين في إنفاق الأوقات في تآليف
وتحقيقات (زعموا) فائدتها لا تساوي الاشتغال بها وقيمة محتوياتها لا تساوي الورق ...
الذي أنفق فيها.
أو الخوض في مسائل القضاء والقدر مثلاً، وقد قال ﵊: ...
(إذا ذكر القدر فأمسكوا) ..
ثانياً:
نظرات فيما لا يعني المسلم الاشتغال به من شؤون الآخرين:
التدخل في خصوصيات الآخرين وشؤونهم مما لا يصادم الشريعة الإسلامية
وليس مجالاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلبية عمت الكثيرين وهي نابعة
من غريزة الفضول وحب الاستطلاع.
ومن أمثلة هذا النوع:
- محاولة معرفة الأخبار الخاصة عن طريق الأسئلة الملحة المزعجة
المتكررة، من أين جئت؟ وإلى أين ستذهب؟ ومن كان عندك في البيت؟ ... إلخ.
التدخل المزعج بفرض الرأي على الشخص الأخر في الأمور العائدة إلى
الذوق المباح، كطريقة ترتيب أثاث المنزل وألوان السلع المشتراة ونحو ذلك.
التجسس بأنواعه وهو أخطرها، وورد النهي المقتضي للتحريم عن جميع
أنواع ووسائل التجسس على المسلم بكلمة واحدة من كتاب الله [وَلاَ تَجَسَّسُوا]
كنهي الرجل أن ينظر في كتاب أخيه إلا بإذنه.
ولنا عند هذا الموضوع وقفات تندرج تحت ما يمكن أن نطلق عليه أصلاً من
الأصول في هذا الموضوع، وهذا الأصل هو أن التدخل يختلف حكمه باختلاف
الأشخاص والأحوال.
من التدخل ما يكون دعوة إلى الله ونصحاً في الدين وليس تدخلاً فيما لا يعني، كنهيك الرجل عن منكر يفعله حتى ولو كان ضرره مقتصراً عليه يفعله وحيداً
داخل بيته.
وهنا يبرز أدعياء التحرر ويقولون هذا تدخل في الحريات الشخصية، وهذا
متوقع من أناس لا يفقهون مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن
والسنة وأهميتها في دين الله، وللرد عليهم موطن آخر، ويكفينا حديث البخاري -
﵀ في القوم الذين استهموا على سفينة.
ومنه ما يكون وجيهاً معتمداً على صلة القرابة فالأب والأم أو الإخوة لهم
التدخل في أمور لا يصح أن يتدخل فيها غيرهم.
فمثلاً الأب الصالح يحق له معرفة أين كان ولده، ومن يصادق، وله عليه
الولاية وحق التأديب.
ومن التدخل ما يكون مطلوباً معتمداً على الصلة التربوية بين المعطي
والمتلقي، والمربي والمربَى من أمور التربية والتهذيب والتعليم، إلا أن تدخل
المربي في بعض الأحوال الشخصية لمن يربيه ضروري في تسديده، وتقويم ...
اعوجاجه، وتفصيل هذا طويل قائم على المصلحة الشرعية، ويتضح في الواقع ...
العملي، وفي الإشارة العابرة ما يغني عن الكَلِم.
ومما يضبط التدخل أيضاً (درجة الاستفصال) عند السؤال، فلو قابل رجل أخاه المسلم فسأله أتزوجت أم لا فقال نعم فقال له بارك الله لك وبارك عليك ... ... لَعُدَّ هذا أمراً حسناً من واجب سؤال المسلم عن أحوال أخيه المسلم، أما لو زاد عن ذلك واستفصل منه عن شيء محرج؛ لَعُدَّ هذا تدخلاً مستهجناً.
وقدوتنا ﵊ كانت كل استفصالاته في موقعها، تدل المسلم
على خير أو تحذره من شر.
ولو استعرضنا مثلاً حديث جابر في البخاري لما سأله ﵊
عمن تزوج بها أبكراً أم ثيباً فقال بل ثيب فقال ﵊: «فهلا بكراً
تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك» فالسؤال هنا ليس تطفلاً أو مجرد حب
استطلاع، حاشا وكلا، وإنما سؤال المعلم الذي يريد من وراء السؤال التوصل إلى
نفع المسؤول.
ولما عرف السلف حدود السؤال والتدخل، ارتقت حياتهم الاجتماعية إلى
مستويات لم يعرفها العالم من قبل.
فهذا سعيد بن المسيب ﵀ لما زوج ابنته الجميلة الفقيهة من تلميذه
الفقير ثم سأله كيف وجدت أهلك (سؤال عام) فقال بخير على ما يحب الصديق
ويكره العدو، لم يتدخل سعيد ﵀ أكثر من ذلك وإنما قال إن رابك شيء
فالعصا، والقصة مشهورة في السير للذهبي وغيره.
ومن التدخل ما يكون حسناً في الأمور الدنيوية المباحة، كإبداء الخبرات
والإشارة بالرأي من غير إلزام من باب تقديم النصيحة.
ولما جهل الناس اليوم حدود السؤال والتدخل، انقسموا قسمين:
وقع الأول في الإفراط والثاني في التفريط، قسم يدسون أنوفهم في كل شيء، فجروا على حياتهم وحياة غيرهم شقاء ونكداً. وقسم وقع في التفريط فلا يسأل
عن أحوال إخوانه مطلقاً، فوقعت القطيعة وانقصمت عرى الأخوة.
ونتيجة لفقدان تمييز أواسط الأمور، فقد فَقَدَ السؤال عن الحال والصحة
الأهمية اليوم وأصبح أمراً شكلياً لا تأثير له في نفس السائل والمسؤول.
ومن تبلُّد الإحساس وخمود حرارة الإيمان أن ينظر بعض المسلمين اليوم إلى
أحوال إخوانهم المستضعفين في الأرض والمنكوبين نظرة اللامبالاة والإهمال الشديد
لأن أمرهم لا يعنيهم بزعمهم ما داموا بعيدين وما دامت القارعة لم تحل في دارهم،
فالاهتمام هنا والاعتناء من حسن الإسلام، والقاعدة عندنا: من لم يهتم بأمر
المسلمين فليس منهم.
وبالجملة فقد يكون التدخل واجباً مثل التدخل لتغيير المنكر، ويأثم لو لم
يتدخل وهو يستطيع.
وقد يكون التدخل مستحباً، مثل التدخل لتحسين وضع أخيك في طريقة كلامه
مثلاً.
وقد يكون التدخل مباحاً، كسؤال إنسان هل سافر أم لا.
وقد يكون التدخل مكروهاً، مثل سؤال رجل يتحرج في الجواب في أمر
خاص به.
وقد يكون التدخل محرماً، مثل التجسس على المسلم.
فالعلم الشرعي عامل أساسي للتدخل من عدمه.
стр. 835
تتمة وقفة البوطي مع ابن تيمية [*]
عبد القادر حامد
مر معنا في المقال السابق تصوير البوطي لابن تيمية، وقد كانت تلك
الصورة على ما قد بيناه من استهزاء وبعد عن الإنصاف، وحطة في الأسلوب
تعكس نفساً قلقة بعيدة عن الاتزان.
وقد حاول البوطي جهده في رسمه تلك الصورة أن يضع في وهم قرائه أن
ديدن ابن تيمية هو هكذا: اضطراب وتطويح وتناقض، وصال وجال مشيراً إلى
هنة هنا، وهنة هناك، مما يعتبره هو مآخذ على ابن تيمية، ولكن حينما أحس أن
هذه الهنات قد لا تقنع قراءه برأيه في ابن تيمية هز كتفيه ونفض كنانته؛ فأخرج
منها هاتين الفاقرتين:
١- المسألة الأولى:
تعليق لابن تيمية على كتاب (مراتب الإجماع) لابن حزم.
٢- المسألة الثانية:
رأي ابن تيمية في مسألة الكسب عند الأشاعرة.
أما المسألة الأولى؛ فهي مسألة حاول أعداء ابن تيمية قديماً وحديثاً أن
يستخدموها للنيل منه، فراشوا بها سهامهم، والبوطي يسير على هدي الكوثري عند
تعرضه لهذه المسألة، ورأي الكوثري في ابن تيمية معروف ومشهور. أما تحليل
هذا الموقف وأسبابه فلا زال يحتاج إلى مزيد من إلقاء الضوء عليه، لأن نتائج هذا
التحليل لها صلة بالمنهج العام الذي تقبل بمقتضاه الأقوال أو ترد، ويقوم على
أساسه فهم المسلم لتاريخه الفكري، وتتضح على ضوئه المؤثرات التي كان لها فعل
سيئ في حياة المسلمين خلال القرون الماضية. وشخص كالكوثري في تركيبته
الفكرية وخلفيته التربوية لا يمكن إلا أن يكره ابن تيمية وكل ما جاء به. ...
فابن تيمية له رأي فذ في العلاقة بين العرب والإسلام، وارتباط الإسلام باللغة
العربية، ويرى أن كره العرب نفاق، هذا مع أنه يقول: (فضل الشخص لا
يستلزم فضل الجنس) والكوثري أبسط ما يقال فيه من هذه الناحية أنه شعوبي، ...
وشعوبيته قد أدخلته مداخل صعبة وعنته عناء يعرفه من قرأ له.
وابن تيمية حر التفكير، حرب على التقليد والجمود، لا يسير خطوة دون
الاهتداء بالدليل والكوثري مقلد جامد ومتعصب ضيق العطن، حبس نفسه في حدود
المذهب الحنفي، ويرى أن الإسلام هو هذا المذهب فقط، فهو لذلك حرب على
الشافعية، والمالكية، وسم زعاف على الحنابلة، أما كبار علماء الحديث فأقل ما
يقوله فيهم أنهم (حشوية) ، أما ما يقوله في كل واحد منهم على انفراد: من تجن ...
وتحامل وتعسف، ومن تهم باطلة، ومن بعد عن منهج العلماء في النقد؛ فأمره
مشهور وشرحه يطول. وهكذا فقد حجّر واسعاً، ورسم لنفسه دائرة ضيقة من
دخلها فهو منه، ومن لا فلا!
هذا هو الكوثري الذي يسير البوطي على خطاه، فهل مثل هذا الصنف من
يقبل قوله في خصمه؟ ! أخصم وحكم؟ !
ولنعد الآن إلى المسألة التي اعتبرها البوطي مقتلاً من مقاتل ابن تيمية، وهي
ما جاء في تعليقه على مراتب الإجماع لابن حزم والتي قامت لها قيامة البوطي.
ونريد أن نناقش بعض ما ساقه من الدعاوى واحدة واحدة باختصار، فنقول:
هل صحيح أن ابن تيمية (يكفر خصومه لأدنى المواقف الاجتهادية التي قد ...
يخالفهم فيها) ؟ ! لم يسق لنا البوطي دليلاً واحداً على ذلك، بل إن هذه المسألة التي ... اهتم لها وحشد لها بعض ما في جعبته من رخص التهم العشوائية دليل على أن ابن تيمية ليس ممن يهجم بالتكفير لأدنى المواقف الاجتهادية التي تخالف رأيه، ولينظر ... الشيخ البوطي في هذه المسألة هادئ النفس والنَفَس وسيتبين له ذلك، وكذلك فإن لابن تيميه كلاماً في غير موضع من كتبه يدلي بصريح العبارة على عكس ذلك، فمن ذلك قوله:
( ... هذا مع أني دائماً - ومن جالسني يعلم ذلك مني - إني من أعظم الناس ...
نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت
عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة؛ وفاسقاً أخرى، وعاصياً
أخرى، وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل
الخبرية القولية، والمسائل العملية) [مجموع الفتاوى ٣/٢٩٩] .
ومن ذلك أيضاً قوله: (مما يصلح أن يكون ضابطاً للتكفير) ، ودرساًً ... للذين يلقون الكلام على عواهنه-:
(ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي ... تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ...
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا ...
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ] وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى ...
أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.
والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين. واتفق على قتالهم أئمة
الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن
أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم
حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم بدفع ظلمهم وبغيهم
لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله
ورسوله ﷺ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه
عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف
أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا
كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، وقد تكون بدعة
هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه.
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمه من بعضهم على
بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله. قال النبي ﷺ لما خطبهم
في حجة الوداع: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا
في بلدكم هذا في شهركم هذا» وقال ﷺ : «كل المسلم على
المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» وقال ﷺ : «من صلى
صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله» وقال: «إذا
التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» ، قيل: يا رسول الله؛ هذا
القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتل صاحبه» وقال: «لا ترجعوا
بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ، وقال: «إذا قال المسلم لأخيه يا كافر! فقد باء بها أحدهما» ، وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.
وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر ابن
الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق،
فقال النبي ﷺ : «إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله قد اطلع
على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟» وهذا في الصحيحين.
وفيهما أيضاً: من حديث الإفك: أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة:
إنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي -صلى الله عليه
وسلم- بينهم. فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم: إنك منافق، ولم يكفر
النبي ﷺ لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة.
وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة ببن زيد أنه قتل رجلاً بعد ما قال لا إله
إلا الله، وعظم النبي ﷺ ذلك لما أخبره، وقال: «يا أسامة،
أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟» وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم
أكن أسلمت إلا يومئذ. ومع هذا لم يوجب عليه قوداً، ولا دية ولا كفارة، لأنه كان
متأولاً ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذاً.
فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضاً من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم
مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: [وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن
فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] فقد بين الله تعالى
أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم
بالعدل.
ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين؛ لا يعادون
كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض
ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض؟ مع ما كان
بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ سأل ربه «أن لا
يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم
فأعطاه ذلك، وسأله ألا يجعل بأسهم بينهم فلم يعطه ذلك» وأخبر أن الله لا يسلط
عليهم عدواً من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضاً وبعضهم يسبي
بعضاً.
وثبت في الصحيحين لما نزل قوله تعالى: [قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ
عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ] قال: «أعوذ بوجهك» [أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ] قال:
«أعوذ بوجهك» [أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ] قال: «هاتان
أهون» .
هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: ... [فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] وقال النبي -صلى الله عليه
وسلم-: «عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة» وقال: «الشيطان مع
الواحد وهو من الاثنين أبعد» وقال: «الشيطان ذئب، الإنسان كذئب الغنم
والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم» [مجموع الفتاوى ٣/٢٨٣-٢٨٦] .
وكذلك يشير إلى ضوابط تكفير أهل البدع في ٣/٣٥٣ من مجموع الفتاوى
فليراجع.
فلا ندري بعد ذلك ماذا سيقول الشيخ في هذه النصوص من أقوال ابن تيمية،
لعله يهز كتفيه ويقول: يعني ماذا؟ لقد أثبتنا في كتابنا هذا أن ابن تيمية متناقض!
وعندها يكون السكوت أفضل.
وبعد أن سقنا من أقوال ابن تيمية ما يكذب الدعوى بأنه (يكفر خصومه لأدنى
المواقف الاجتهادية التي يخالفهم فيها) نقول أيضاً: إن هذه المسألة التي يتواصى ...
بها خصومه شاهد على عكس ذلك، أي على أن ابن تيمية يتريث، ويبحث،
ويتوثق قبل أن يحكم. ويتحرج من إلقاء تهمة الكفر، أو إعلان الإجماع عليها دون
تثبت. فكيف ذلك؟ فلننقل عبارة ابن تيمية التي نقلها البوطي، وتحكم فيها ما تحكم، ... وحذف منها ما حذف، وفهم منها ما فهم، وسخر منها ما سخر، ولنضعها بين ...
حاصرتين ولننظر فيها نظر من يريد أن يفهم؛ لا من يريد أن يصطاد ويشوه.
يقول ابن تيمية:
(قلت: أما اتفاق السلف وأهل السنة والجماعة على أن الله وحده خالق كل ...
شيء فهذا حق. ولكنهم لم يتفقوا على كفر من خالف ذلك، فإن القدرية الذين
يقولون: إن أفعال الحيوان لم يخلقها الله؟ أكثر من أن يمكن ذكرهم من حين
ظهرت القدرية في أواخر عصر الصحابة إلى هذا التاريخ. والمعتزلة كلهم قدرية،
وكثير من الشيعة، بل عامة الشيعة المتأخرين، وكثير من المرجئة والخوارج
وطوائف من أهل الحديث والفقه نسبوا إلى ذلك منهم طائفة من رجال الصحيحين.
ولم يجمعوا على تكفير هؤلاء) . [نقد مراتب الإجماع ١٦٨] ...
ما معنى هذا؟
إن هذا النص سيق أصلاً للرد على من ادعى إجماع السلف من أهل السنة
والجماعة على تكفير من خالف هذه المقدمة: (الله وحده خالق كل شيء) .
فالمسألة هنا ليست مسألة إثبات هذه الحقيقة ونفي عكسها؛ وإنما هي إثبات
دعوى الإجماع على أمر آخر، وهو تكفير من قال قولاً يخالف ما انطوى عليه هذا
العموم، فالسلف وأهل السنة والجماعة الذين اتفقوا على أن الله خالق كل شيء؛ لم
يتفقوا على تكفير من خالف ذلك، أي إن منهم من كفر؛ ومنهم من لم يكفر. ثم
استطرد ابن تيمية مفصلاً، فذكر من هؤلاء الذين لم يجمع السلف على تكفيرهم:
القدرية، وكثير من الشيعة، بل عامة الشيعة المتأخرين، وكثير من المرجئة
والخوارج، وطوائف من أهل الحديث والفقه، بل وبعض رجال الصحيحين نسب
إليه القول بأن: (أفعال الحيوان لم يخلقها الله) . ...
إذن؛ هناك رجل (وهو ابن حزم) يقول: اتفق السلف على كفر من خالف
القول بأن الله خالق كل شيء.
ورجل ثان (وهو ابن تيمية) يقول: لا، لم يتفق السلف على كفر من خالف
ذلك: فمنهم من كفر، ومنهم من لم يهجم بالتكفير.
ورجل ثالث (وهو الكوثري) ، يتتبع الثاني بما لا طائل تحته.
ورجل رابع (وهو البوطي) يؤيد الأول، ويستصغر بالثالث، ويتهم الثاني
(بالخلط والتخبط) طبقاً لمبدأ (رمتني بدائها وانسلت) ! ...
أما الأول: فساق القضية مجردة عن الدليل، على سبيل التعداد.
وأما الثاني: فذكر أدلته فقال: دليلي على أن لا إجماع على القول بالتكفير
لمن خالف منطوق أن الله خالق كل شيء أنني وجدت طوائف من المسلمين
(وسماهم) لم يتفق السلف وأهل السنة والجماعة على تكفيرهم، بل تنازعوا في
كفرهم، ومعلوم أن ابن تيمية ينقل ما يعرف، وهو الذي عاش في أواخر القرن
السابع وأوائل القرن الثامن، ومن يدري فلربما لو كان البوطي معاصراً، له وبلغه
قوله هذا لأثبته، كأن يقول: أما ما قاله البوطي في كتابه السلفية [١] : (غير أنني ...
ما سمعت وما رأيت إلى هذا اليوم أن القدرية يعتقدون أن أفعال الحيوان لم يخلقها
الله، وها هي ذي كتب الفرق والملل والنحل أمامنا، ولم أجد في شيء منها مثل
هذا النقل عنهم) فيقال له: ما دامت كتب الفرق والملل والنحل أمامكم فافتح منها ...
الجزء الثالث من: (الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم) ص ٥٤ واقرأ: ...
(قال أبو محمد: اختلفوا في خلق الله تعالى لأفعال عباده، فذهب أهل السنة ...
كلهم، وقل من قال بالاستطاعة مع الفعل؛ كالمريسي، وابن عون، والنجاربة،
والأشعرية، والجهمية، وطوائف من الخوارج، والمرجئة، والشيعة؛ إلى أن
جميع أفعال العباد مخلوقة، خلقها الله في الفاعلين لها. ووافقهم على هذا
موافقة صحيحة من المعتزلة: ضرار بن عمرو، وصاحبه أبو يحيى حفص الفرد.
وذهب سائر المعتزلة، ومن وافقهم على ذلك من المرجئة، والخوارج والشيعة إلى
أن أفعال العباد محدثة، فعلها فاعلوها، ولم يخلقها الله . ...
فماذا عسى البوطي يقول بعد ذلك؟ أيصر على تكذيب ابن تيمية ويجمع إليه
تكذيب ابن حزم الذي يدافع عنه؟ هذا لا يكون! لأن القضية تسقط برمتها حيث
سقط موضوعها.
لقد كان البوطي في غنى عن هذه النهاية التي انتهى إليها لو أنه قرأ كلام ابن
تيمية كاملاً [٢] ، ولم يحذف منه ما حذف ومع ذلك تراه يقول: (هذا هو كلام ابن ...
تيمية بطوله) ! ، والقارئ يعجب ويحار في تفسير هذا الحذف في هذا الموضع:
هل هو الحرص على تكذيب ابن تيمية وعدم الثقة فيما ينقل، مع أن الرجل لم
يرمه أحد من خصومه بالكذب والتقول، وخاصة في نقل آراء الناس والفرق، بل
المشهور عنه أن الناس تضبط ما عندها من آراء الفرق والمذاهب على نقله. أم
لأنه ذكر الشيعة فيمن ذكر ممن يقول بخلق أفعال العباد؛ فخاف البوطي من تبعة
النقل، أو جامل على الأقل، عادّاً ذلك من الحكمة مثلاً! أم هو دافع العجلة
والتسرع وغليان الدم؟ الله أعلم أي ذلك كان!
إن الشيخ يثير الشفقة حقاً.
يثير الشفقة حينما يحرص على أن يصم ابن تيمية بالتناقض.
ويثير الشفقة حينما يخلط اجتهاداته بكلام الكوثري.
ويثير الشفقة حين يقول: (ودونك فاستعرض ما هو مدون في مجموع فتاوى
ابن تيمية تجده يكرر الحكم بتكفير من ينساق وراء أحد هذين الوهمين في كل
مناسبة) .
ويثير الشفقة حينما يعد بنقل بعض من تلك النصوص، لكنه لم يفعل، ولكن؛ ... ألم يعلق الأمر على مشيئة الله؟ ! إذن، فلا لوم عليه!
تبقى مسألة أخيرة تتعلق بهذا الجدل غير المتكافئ، فالقارئ لتعليق البوطي
يخرج بنتيجة وهي أن ابن تيمية يرى رأي هؤلاء الذين يقولون: (إن أفعال العباد
محدثة، فعلها فاعلوها، ولم يخلقها الله .
بل يفهم القارئ - من حدته وخوضه يميناً وشمالاً - أن لا أحد يقول بهذا ...
القول إلا ابن تيمية، وهذا واضح من نفيه أن يكون أحد قد قال بذلك، وأنه (ما
سمع ولا رأى) ، لا هو ولا العلامة المحقق الكوثري [٣] أن القدرية يعتقدون ذلك، ...
ولا يدري أن رأي ابن تيمية فيمن يقول بهذا القول يوجد في غير هذا الوضع الذي
يختص - فقط - في بيان حقيقة بعض الإجماعات التي يدعيها بعض الناس؟ وقد
أشار ﵀ إلى ذلك بعبارة تبين مقصوده، وتدفع كل توهم فقال: (والمقصود
هنا الكلام على ما يظنه بعض الناس من الإجماعات) . أي لا مجال هنا لتفصيل
القول فيمن قال بالتكفير ومن لم يقل، لكن (الهوى يعمي وبصم) كما كتب الكوثري
في واحد من تعاليقه، وما أصدق هذا القول فيه وفي من يمشي على خطاه.
ويدعي أيضاً أن ابن تيمية (يمارس سعادة ولذة كبيرة في نقده معظم الأئمة
والعلماء) .
والجواب على ذلك: أما أن ابن تيمية ينقد كثيراً من العلماء فهذا حق، ولا
حرج عليه في ذلك إن شاء الله، فلم يزل العلماء ينقد بعضهم بعضاً ويرد بعضهم
على بعض، وهذا مما يفتخر به الفكر الإسلامي، ونعتبره مظهراً من مظاهر حرية
الفكر التي طبعت هذا التاريخ، وأما أنه يمارس سعادة ولذة كبيرة في النقد فهذا
يحتاج إلى بينة: إما من إقرار ابن تيمية نفسه؛ كأن يقول مثلاً: ما أسعدني حين
أنقد عالماً! أو: ما ألذ الهجوم على فلان من العلماء؛ أو ما في معنى ذلك! أو أن
ينقل لنا البوطي شيئاً مما نقد به ابن تيمية غيره، ويضع أصابعنا على تلك السعادة
وتلك اللذة! وحيث إنه لا إقرار من ابن تيمية، بل عكس ذلك كثير ومثبوت في
تضاعيف مؤلفاته؛ ولا نقل من البوطي، ولم يدع هو لنا -كما لم نعهد عنده -
القدرة على التدسس في مشاعر وأحاسيس ونوايا غيره؛ فستظل هذه دعوى لا تضر
إلا مدعيها.
ويتطرف البوطي في أوهامه وتقديراته، فيرى أن ابن تيمية يستسيغ
ويستجيز تبرئة الفلاسفة القائلين بقدم العالم من الكفر إذا كان في ذلك وسيلة لتخطئة
ابن حزم وبيان جهله! وهذه عبارته:
(.. إذ لما كان في الانتصار لمذهب الفلاسفة في هذه المسألة، بإبعاد ... تهمة الكفر عنهم بسببها على أقل تقدير، ما يظهر ابن حزم في الإجماع الذي نقله، ... في مظهر المخطئ المتسرع الذي لا يتثبت في الأحكام، فلقد كان للجنوح إلى مذهب الفلاسفة وتهوين القول بالقدم النوعي للمادة، ما يبرره! ولعل - من أقوى المبررات في نظره وشعوره [٤] أن يصل إلى تخطئة ابن حزم وبيان جهله!) [كتابه ص ١٧٣] .
وحتى يكتمل عجبنا من هذه الجرأة، (ونستحي أن نسميها بغير هذا الاسم)
لنستمع إلى رأي ابن تيمية بابن حزم الذي يدافع عنه البوطي هذا الدفاع المبطل،
ويرى أن ابن تيمية يستحل الكفر إذا كان ذلك سبيلاً إلى ماذا؟ ! إلي أمر بسيط
بالنسبة للكفر؟ تخطئة ابن حزم وبيان جهله!
يقول ابن تيمية معقباً على ذم العلماء لابن حزم بسبب اتباعه الظاهر، ونفيه المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق، وما في كلامه من الواقعية في الأكابر، والإسراف في نفي المعاني، ودعوى متابعة الظواهر:
( ... وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا
مكابر، ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال،
والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره. فالمسألة التي
يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح، وله من التمييز بين الصحيح
والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء) [مجموع
الفتاوى ٤/١٩-٢٠] .
ولا ندري بعد هذا كيف نوفق بين هذه الشهادة التي يشهدها ابن تيمية في ابن
حزم، وبين الشهادة التي يستخلصها البوطي ويقول: إنها ديدن ابن تيمية لا مع ابن
حزم بل مع معظم الأئمة والعلماء! والأعجب من هذا أنه يعتبر هذه الافتراءات
والترهات التي أوصله إليها تفكيره دفاعاً عن ابن تيمية حيث يقول:
(ولعل خير دفاع عنه (عن ابن تيمية) في تحليل أسباب هذا التناقض ...
العجيب الذي تلبس به، أن نتذكر طبيعته النقدية لمعظم الأئمة والعلماء، حتى لكأنه ...
يمارس سعادة ولذة كبيرة في ذلك) . أرأيت إلى هذا الدفاع؟ ! ألا يذكرك بتسمية
هجوم إسرائيل وإغارتها على ما حواليها من الدول واحتلالها أرضها دفاعاً؟ !
بل لا يستحي من تكرار هذا المعنى عندما يقول: (إن هذا التحليل لهذا
الاضطراب المتناقض [٥] في موقف ابن تيمية في هذه المسألة هو - بنظري - ...
أقرب ما ينسجم مع الدفاع عن عقيدته الإسلامية التي لا نحب أن نرتاب فيها) ...
والحمد لله على أن وضع هذا الاحتراس: (بنظري) في ثنايا هذه النتيجة التي
وصل إليها، فهو احتراس جميل بقدر ما هو منصف، حيث لم يسد الباب أمام
أنظار أخرى تقرأ لابن تيمية وتحكم عليه.
المسألة الثانية: نظرية الكسب:
ينسب البوطي لابن تيمية مخالفته عامة أهل السنة والجماعة. ومن يسميهم
عامة أهل السنة والجماعة هنا هم الأشاعرة.
وعلى عادة البوطي في الإيهام والعبارات الملتوية، يدعي على الخصم
ادعاءات، ثم يبني على هذه الادعاءات نتائج، ثم يضع هذه النتائج في قوالب
المسلمات التي لا تقبل الجدل كما فعل هنا. فبعد أن أشار إلى رأي الفلاسفة القدماء
من أن الأشياء تكمن فيها أسباب ذاتية بالطبع؛ وإلى رأى بعض الفلاسفة
(الإسلاميين) كالفارابي وابن رشد من أن الأشياء فيها أسباب أودعها الله فيها؛ ... ويضع قاسماً مشتركاً بين أولئك وهؤلاء، وهو أن في الأشياء فاعلية كامنة في ذاتها ...
تسمى العلة أو السبب، ليصل إلى نتيجة موافقة ابن تيمية - القائل بالأسباب - ...
للفلاسفة، وهذا ما لا يغتفر.
ومن حيث الأصل فإن الحكم بصحة الرأي لا ينبني على موافقته لهذا الفريق
من الناس مهما كانوا، أو عدم موافقته، بل لا بد أن يكون هذا الرأي صحيحاً في
نفسه حتى لو أعرض عنه من أعرض، أو أخذ به من أخذ، ولكن العجب لا
ينقضي من البوطي الذي يتجاوز عن الغزالي في تبنيه منطق اليونان برمته،
وحكمه (أنه من لا يحيط به فلا ثقة بعلومه أصلاً) [٦] ، بل يقرر أن ذلك ما هو جدير ... أن يشكره عليه ابن تيمية وغيره؛ فإذا ما قال ابن تيمية برأي وتبين أن ...
للفلاسفة قولاً يوافقه كانت جريمة، وأي جريمة!
نقول هذا ونتحفظ كثيراً على أن ابن تيمية وافق الفلاسفة، فهكذا أراد البوطي، وإلا فابن تيمية يرى رأيه مستنداً قبل كل شيء وبعده إلى الكتاب والسنة - وهذا
شأنه دائماً - وحتى في هذه المسألة فإن رأيه في غاية الوضوح والسطوع، ولا
يعكر عليه إلا الابتسار والتشويه والتدخل المغرض في ليِّ عباراته والتقول عليه،
وبتر ما يدفع أي شبهة في فكر الرجل وعقيدته، وكمثال على هذا البتر المغرض
فإن البوطي نقل عنه قوله:
(ومن قال: إنه يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما ...
خلقه الله من القوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في ...
الحيوان التي يفعل الحيوان بها، مثل قدرة العبد) . فسكت البوطي هنا، ووقف،
ووقوفه مريب جداً حيث إن تتمة الفقرة تقول: (كما أن من جعلها (أي الأسباب)
هي المبدعة فقد أشرك بالله وأضاف فعله إلى غيره) . [مجموع الفتاوى ٣/١١٢]
واستبعاد هذه العبارة من الاستشهاد يهدم تهويلة البوطي من أساسها من أن (ابن
تيمية يثبت بكلامه هذا العلة الأرسطاطاليسية صراحة (! ) ويكرر نظرية الغريزة
بمعناها الفلسفي الذي يعطي المادة فعالية ذاتية مستقلة. وبتعبير أدق: إن ابن تيمية
يثبت من خلال كلامه هذا في السبب (ماهية) هي في الحقيقة مسبب السبب (!) ،
وبهذا يخرج ابن تيمية هنا عن روح المذهب الإسلامي، ويعتنق أكبر الأفكار التي
يقوم عليها المنطق الأرسطاطاليسي كما يقرر الدكتور علي سامي النشار)
[كتابه ١٧٥] . ...
ومرة أخرى ننبه إلى أنه هنا خلط كلامه بكلام النشار، فبينما يبتدئ الفقرة
فتظن أن هذا كلامه؛ إذا به يختتمها محيلاً على النشار، لكن أين ينتهي كلامه؛
وأين يبدأ كلام النشار؛ فهذا غير مهم عنده.
ونحن هنا ننقل عبارة النشار للمقارنة، فهو يقول:
(.. أو بمعنى موجز إنه أثبت العلية الأرسططاليسية (زاد البوطي هنا: صراحة!) فأثبت بقوله هو الغريزة أو النحيزة، أو الخلق (اجتهد البوطي هنا
فأضاف كلمة: نظرية، وأضاف القوسين، وأضاف جملة: بمعناها الفلسفي الذي
يعطي المادة فاعليه ذاتية مستقلة. وهذا حتى يثبت إضافته على ما جاء به النشار،
فكم ترك الأول للآخر) أو بمعنى أدق: أثبت في السبب (ماهية) وجوهراً هو ...
مسبب السبب (عبارة البوطي: (ماهية) هي في الحقيقة مسبب السبب) ! وبهذا ...
خرج عن روح المذهب الإسلامي، واعتنق أكبر الأفكار التي يقوم عليها المنطق
الأرسططاليسي) [٧] . ...
البوطي والنشار:
لابد هنا من كلمة تضاف حول النشار، نضعها لما لها من مساس بمنهج
البوطي، فقد قرأت ما كتبه النشار في كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام)
وخاصة ما كتبه عن الغزالي وابن تيمية، ووجدته في الأغلب ينصف الرجلين،
ولا يجانبه الصواب إلا في هذا الرأي الذي يقّوِّم فيه رأي ابن تيمية في نظرية
(الأسباب) ، والنشار بالدرجة الأولى دارس فلسفة، وقد يكون معذوراً في اعتباره
أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة فقط، وأن من خالف الأشاعرة فقد خالف أهل
السنة، وأن نصيبه من الاعتماد على الأدلة - الشرعية في بحثه قليل إن لم يكن
معدوماً. وإنما قصاراه أقوال يجمعها لهذا وذاك، ومقارنات بين آراء فلاسفة
اليونان والغرب؛ وفلاسفة المسلمين، وعلى هذا فإذا قال ما قال بحكم التقليد فهذا ما
أداه إليه علمه، على أن له في تقييم تراث ابن تيمية ما يغضب البوطي ويضيق به
صدره، فهو القائل في ابن تيمية: (وليس هناك في الحقيقة من تكلم - فيما قبل
العصور الحديثة بما تكلم به ابن تيمية. لقد وصل حقاً إلى أوج الدرج في فلسفة ...
المنهج التجريبي بنقده للمنطق اليوناني القياسي، وبدعوته إلى المنطق الإسلامي
التجريبي، وعبر عن روح الحضارة الإسلامية الحقة في عصر الانهيار الحضاري
الإسلامي الذي عاش فيه) [٨] . ...
ويقول في كتاب ابن تيمية: (الرد على المنطقيين) :
(أعظم كتاب في التراث الإسلامي عن المنهج، تتبع فيه مؤلفه تاريخ ...
المنطق الأرسططاليسي والهجوم عليه، ثم وضع هو آراءه في هذا المنطق في
أصالة نادرة وعبقرية فذة) [٩] . ...
من المؤكد أن الشيخ البوطي قد مر على هذه الآراء في كتاب النشار، ولكن
لم يختر إلا ما يوافق هواه بغض النظر عن صحته. وكمقارنة بين الرجلين:
النشار والبوطي؛ فإن النشار يكتب عن ابن تيمية بعقلية العالم الحيادي، وحتى لو
أخطأ في بعض آرائه فلا يمنعه التعصب والهوى أن يعلن ما يعتقد أنه صواب، وما
يبدو من خطئه فمرجعه إلى ما ألفه واعتاده من آراء، أما البوطي فيكتب عن ابن
تيمية بعقلية الذي يصيح: يالثارات الغزالي، وعلم الكلام، وابن حزم، والصوفية، وابن عربي، ونظرية الكسب، يالثارات كل الأشخاص، وكل المسائل التي ...
تعرض لها ابن تيمية وعصف بها. وفي الجملة؛ فمن الصعب عليه أن ينصف من
يرى أن مصلحته في الهجوم عليه، إنه قد يوهمك أنه يحاول الإنصاف، ولكن
طبيعته لا تطاوعه في ذلك، وهذه كتبه هل ترى فيها شيئاً من إنصاف من ينزل
بساحتهم، بل هذا كتابه (السلفية) اقرأه وقلب النظر فيه، فإنك لن تعثر فيه على
رائحة إنصاف.
ومما عرضناه حول هاتين المسألتين اللتين جاء بهما البوطي ليستدل على
تخبط وتناقض ابن تيمية تبين لنا: من المتخبط ومن المتناقض؟ على أن عدم
الأصالة في الفهم؛ وعدم إصابة المعنى الصحيح للكلام قد تغتفر، فالناس فهوم
وطاقات. لكن الذي لا يغتفر هو البعد عن الأمانة في النقل، وتحريف الكلام
ليوافق الهوى.
وكلمة أخيرة: فالبوطي ليس مبدعاً في التعرض لهاتين المسألتين: لا من
حيث اختيارهما؛ ولا من حيث معالجتهما. ولم يفعل سوى أن دلل على قدرة لا
يحسد عليها في ادعاء اجتهادات ليست له، ويا ليتها كانت اجتهادات صحيحة! إذن
لهان الخطب! ولكنها اجتهادات خطأ فأصبحت بتبني البوطي لها وتعليقه عليها خطأ
مركباً.
стр. 836
خواطر في الدعوة
إنَّه أمر الله
محمد العبدة
كنا نقول في السنوات السابقة: إن المسلمين لا ينقصهم الإخلاص، وإنما جاء
الضعف والتقصير من جانب قلة الصواب ومعرفة سنن الله في التغيير، وهذا
الكلام - بمجمله - مازال صحيحاً، ولكن عند التدقيق سوف نجد أن
الإخلاص أيضاً تشوبه شوائب، ويحول حوله حوائل، من أعظمها حب الرئاسة، هذا الداء العضال الذي أهلك الناس قديماً وحديثاً، حتى قيل إنه آخر داء يخرج من قلوب العلماء، فكيف بالدهماء وأصحاب الأهواء و (مجانين الزعامة) .
وهذا الداء وإن كان غريزة في جميع البشر، إلا أنه قد يكون أظهر وأوضح
في بعض الشعوب والعرب حظهم وافر منه، إلا إذا هذبهم الإسلام وردهم إلى
الاعتدال والجادة المستقيمة، وقد فعل ذلك في الرعيل الأول فظهر أمثال أبي عبيدة ابن الجراح أمين الأمة، والذي لا يهمه إن كان أميراً أو مأجوراً وقد مدح الرسول - ...
ﷺ ذاك المؤمن في قوله: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في
سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة،
وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع له» [١] ... ولذلك قال العلماء: (ما صد عن الله مثل طلب الرفعة، ولا يفلح من شُمت
رائحة الرياسة منه) .
وإذا كان الله يعطي من هذه الدنيا المؤمن والكافر، وذلك
لهوانها ومنزلتها عنده، ولكنه سبحانه أغير من أن يتم أمره بالتمكين لهذا الدين في
الأرض على يد أناس عندهم شوب في الإخلاص، ويحبون الرئاسة والاستعلاء في
الأرض، فكيف إذا كانوا مشعبذين يتخذون الدين مطية للدنيا، يبيعون دينهم بعرض
قليل، ويسخرون كل شيء لأهوائهم ومطامعهم، فهؤلاء أبعد وأبعد عن التمكين،
لأنه أمر الله ولا يعطيه إلا لمن أحب.
والعجيب أن زعماء الغرب عندما تنتهي مدة رئاستهم يرجعون إلى مكانهم
الأول ويعيشون مع المجتمع كأفراد عاديين، وربما رجع المدرس إلى عمله والتاجر
إلى تجارته، ولا يبحثون عن الرئاسة مرة ثانية، فهل يكون هؤلاء أقل حباً للرئاسة
منا وذلك لما اعتادوه من النظام الذي ارتضوه لأنفسهم، ونحن عندنا كتاب ربنا
يؤدبنا ويهذبنا!
أيكون لغير المسلمين منظمات ومؤسسات استطاعوا من خلالها التعايش بينهم، ولم تنهدم بسبب تسلط واحد منهم، ولا يقوم للمسلمين مثل ذلك، ولا يجتمعون
على صيغة تحل فيها عقد حب الرئاسة، ويتنازل المسلم لأخيه قليلاً حتى تستمر
آصرة التعاون؟
نرجو أن يكون لهم مثل ذلك وخاصة في مثل هذه الأيام.
стр. 837
منهج أهل السنة في
النقد والحكم على الآخرين
هشام بن إسماعيل
إن الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو عدة أمور:
أولاً: أهمية بيان منهج أهل السنة في النقد والحكم على الآخرين، لكثرة
صدور الأحكام من جهات إلى أخرى دون تحري المنهج السليم في إصدار الأحكام،
مما أدى إلى الوقوع في أخطاء جسيمة في حق الآخرين.
ثانياً: حاجة المجتمع إلى أن تكون عنده قواعد عامة في الحكم على الآخرين، ليكون الحكم بعلم وعدل وإنصاف، يقول ابن تيمية ﵀: (لابد أن يكون
مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات
كيف وقعت، وإلا يبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات،
فيتولد فساد عظيم) . [١]
ثالثاً: عظم حرمة المؤمن عند الله تعالى.
رابعاً: الآثار السيئة المترتبة بسبب الانحراف عن هذا المنهج، من بخس
للناس، وتقطيع الأواصر، وحدوث الفرقة، ووقوع الغيبة والحسد والبغضاء،
وغير ذلك من الأدواء الكثيرة، والتي لا تخفى على القارئ لكثرة وقوع هذا الأمر.
القاعدة الأولى
الخوف من الله عند الكلام في الآخرين
حرم الله الغيبة في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، فقال الله : [وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ] [الحجرات /١٢] .
وتفسير الغيبة جاء في قول النبي ﷺ : «أتدرون ما
الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن
كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد
بهته» [٢] .
ومعلوم أن النبي ﷺ قرن حرمة الأعراض بحرمة يوم
عرفة من الشهر الحرام في البيت الحرام، فقال: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم
حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت» [٣] .
وعن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ : «خيار
عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله: المشاءون بالنميمة، المفرقون
للأحبة، الباغون للبرآء العنت» [٤] .
ومعنى الباغون للبرآء العنت: أي الذين يحبون أن تقع المشقة للأبرياء،
وغالباً لا يكون هذا إلا عن حسد وحقد.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تؤذوا المسلمين،
ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله
عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» [٥] .
وقد كان السلف -عليهم رحمة الله - من أشد الناس بعداً عن الغيبة والخوف
منها.
ومن ذلك ما قاله البخاري ﵀: سمعت أبا عاصم يقول: منذ أن
عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدا قط [٦] .
وقال البخاري ﵀: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت
أحداً قال (الذهبي) : صدق ﵀، ومن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل،
علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه ... حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني
اغتبت أحداً، وهذا والله غاية الورع [٧] .
وقال ﵀: (ما اغتبت أحداً قط منذ أن علمت أن الغيبة تضر أهلها) [٨] .
بل إن المغتاب في الحقيقة يقدم حسناته إلى من يغتابه، حتى إن عبد الرحمن
ابن مهدي ﵀ قال: (لولا أني أكره أن يعصى الله، لتمنيت أن لا يبقى
أحد في المصر إلا اغتابني، أي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته لم
يعمل بها) [٩] .
وأما ما يفعله بعض من ينتسب إلى الدعوة في هذا الوقت من غيبة الآخرين
بحجة التقويم والإصلاح، فإنه ينبغي لهم قبل أن يتكلموا في غيرهم أن يتدبروا عدة
أمور:
أولاً: يسأل نفسه، ما هو الدافع الحقيقي لكلامه في غيره؟ هل هو الإخلاص
والنصح لله ورسوله وللمسلمين؟ أم هو هوى خفي، أو جلي؟ أم هو حسد
وكراهية له؟ !
فإنه كثيراً ما يقع الأشخاص في غيبة غيرهم بسبب أحد الأمور المذمومة
السابقة، ويظن أن دافعه هو النصح وإرادة الخير، وهذا مزلق نفسي دقيق قد لا
ينتبه له كثير من الناس إلا بعد تفكر عميق وبإخلاص وتجرد لله تعالى [١٠]
ثانياً: ينظر في هذا الدافع الذي دفعه للكلام في أخيه المسلم، هل هو من
الحالات التي تجوز فيها الغيبة أم لا؟ [١١] .
ثالثاً: أن يتأمل كثيراً قبل أن يقدم على الكلام في الآخرين: ما هو جوابي
عند الله تعالى يوم القيامة إذا سألني: يا عبدي فلان لم قلت في فلان كذا وكذا؟
وليتذكر أن الله تعالى يقول: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ] [البقرة ٢٣٥] .
القاعدة الثانية
تقديم حسن الظن بالمسلم
والأصل في هذه القاعدة هو قول الله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا
كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا] [الحجرات ١٢] .
فأمر الله باجتناب كثير من الظن لأن بعض هذا الكثير إثم، وأتبع
ذلك بالنهي عن التجسس، إشارة إلى أن التجسس لا يقع في الغالب إلا بسبب سوء
الظن.
وأمر المسلم - في الأصل - قائم على الستر وحسن الظن به، ولذلك أمر الله
المؤمنين بحسن الظن عند سماعهم لقدح في إخوانهم المسلمين، بل وشدد
النكير على من تكلم بما سمع من قدح في إخوانه.
ففي حادثة الإفك، عندما قيل ما قيل، بيّن الله الموقف الصحيح
الذي ينبغي لكل مسلم أن يقفه، فقال : [لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ] ثم بيّن أن
التلفظ بهذا الكلام ونقله أمر عظيم، فقال : [إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (*) وَلَوْلا
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ] ثم وعظنا الله
أن نعود إلى الوقوع في مثل هذا الذنب العظيم فقال: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن
تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] .
وقد بيّن أن مجرد نقل الجرح في الآخرين بلا ضرورة شرعية، وبلا تثبت وروية، أنه إثم، فقال : [لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ
مِنَ الإِثْمِ] .
وقد صح عن النبي ﷺ «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل
ما سمع» [١٢] .
وبوب الإمام مسلم في مقدمة الصحيح: باب النهي عن الحديث بكل ما سمع،
وأورد تحته الحديث السابق، كما أورد قول الإمام مالك لابن وهب: اعلم أنه ليس
يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً، وهو يحدث بكل ما سمع.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن
بعض ما سمع [١٣] .
وقد أمر الله بالتثبت من الأخبار فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ]
[الحجرات ٦] .
القاعدة الثالثة
الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل إنصاف
والأصل في هذه القاعدة هو قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [المائدة ٨] ، وقوله : [وَلاَ تَبْخَسُوا
النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ] [هود٨٥] ونحو ذلك من الآيات.
يقول ابن جرير في آية المائدة: (يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا
بالله ورسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم
وأعدائكم، ولا تجورا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم
لعداوتهم لكم، ولا تقصّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم
لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري.
وأما قوله: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا] ، فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوة قوم أن لا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم من العداوة) [١٤] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع) [١٥] .
وقال الذهبي في ترجمة الفضيل: (قلت: إذا كان مثل كبراء السابقين قد تكلم
فيهم الروافض والخوارج، ومثل الفضيل يتكلم فيه، فمن الذي يسلم من ألسنة
الناس، لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله، لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في
العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع) [١٦] .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس جداً، يتضح فيه المنهج الصحيح في
الحكم على الآخرين - وخاصة العلماء - إذا أخطأوا حتى في مسائل الاعتقاد،
يقول: (قلت: أبو ذر (يعني الهروي) فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث
والسنة، وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة، وغير ذلك من المحاسن
والفضائل ما هو معروف به، وقد كان قدم إلى بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن
الباقلاني وحملها إلى الحرم، فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم، كأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين بما
ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي، على طريقة ابن
خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهل المغرب كانوا يحجون، فيجتمعون به،
ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ويدلهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل
إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد الباجي، فأخذ طريق أبي جعفر السمناني الحنفي
صاحب القاضي أبي بكر ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي، فاخذ طريقة أبي
المعالي في الإرشاد.
ثم إنه ما من هؤلاء إلا له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله
في الرد على كثير من الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما
لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وعدل وإنصاف، لكن لما التبس
عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة، وهم فضلاء وعقلاء، احتاجوا إلى
طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل
العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك:
ا- منهم من يعظمهم، لما لهم من المحاسن والفضائل.
٢- ومنهم من يذمهم، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل.
وخيار الأمور أوساطها.
وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات
[رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا
رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [الحشر ١٠] .
ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول -صلى الله
عليه وسلم-، وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي
استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: [رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا]
[البقرة ٢٨٦] .
ومن خلال النصوص السابقة؛ نعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم في غيره - إن احتاج إلى ذلك شرعاً - إلا:
١- بعلم.
٢- وعدل وإنصاف.
فمن تكلم في غيره بغير علم، فهو مخالف للكتاب والسنة ومنهج السلف
الصالح، مخالف لقوله تعالى: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] [الإسراء ٣٦] .
ومن تكلم في غيره بظلم وجور فقد خالف قوله تعالى: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] والكلام في الآخرين بدون علم، أو
بظلم وهوى سبب لكثير من التفرق بالقلوب، وحدوث الشحناء والحسد والتباغض،
بل سبب الفشل وذهاب وحدة الصف وقوته، والله المستعان.
стр. 838
قراءة في كتاب
أزمتنا الحضارية
في ضوء سنة الله في الخلق
تأليف د. أحمد محمد كنعان
عرض وتقديم: محمد السيد المليجي
من رزق نور البصيرة، ونعمة الاستنباط، يستطيع أن يخرج من معطيات
الطبيعة التي تمثلت في سنة الله في مخلوقاته، الكثير والكثير من سبل التقدم
ووسائل الرفاهية التي تعود على الإنسان بالخير الوفير في وقته الذي يعيش فيه.
هذا ما يريده الدكتور كنعان أن يجسده في بحثه القيم.
دور المنهج السماوي في بناء الحضارات:
وفي وقفة سريعة وإطلالة عاجلة على أهم ما احتواه الباب الأول، بين لنا
الكاتب أهم الأسباب التي حالت دون تقدمنا ورقي مجتمعنا الإسلامي في العصر
الذي نعيش فيه والتي كان من أهمها (الغفلة عن منهج الله) .
فقد قدم لنا الباحث أهمية النظر في السنن التي تسير عليها المخلوقات، وفهم
مرادها وتسخيرها الصحيح لكي نستخلص منها ما يعيننا على صنع حضارة إسلامية
عريقة.
فهؤلاء العرب الذين لم يكن لهم علم ولا معرفة بالسنن التي تتحكم في حياة
الأفراد والمجتمعات، جاء الإسلام بقرآنه ودستوره الأزلي، فقدم لهم تلخيصاً وافياً
دقيقاً عن تلك السنن، حتى إذا فهموها وأخذوا بها في حياتهم، تغيرت نظرتهم
للكون والحياة تغييراً جذرياً، ولم يلبثوا أن أصبحوا أمة واحدة يشد بعضها بعضاً.
كما اكتسبت الأمة الإسلامية إلى جانب ذلك قدرة بفضل الله باهرة على تسخير
ما في أيديها لتنتفع به وتفيد به الآخرين، فحملت إليهم نور الهداية والرحمة حتى
انتشرت راية التوحيد في أرجاء المعمورة، وقد تم هذا الفتح المبين في سنوات
معدودات لا تعد شيئاً في عمر التاريخ ...
وهذا النور الذي استمر شعاعه ألف سنة بكاملها، دعا الكاتب إلى هذا التساؤل
المنطقي: ما الذي تغير حتى عاد المسلمون فانتكسوا؟ وكيف حط التخلف رحاله
في ديارهم بعد أن ظلت الحضارة الإسلامية أولى الحضارات تقدماً ورقياً على مدى
ألف سنة؟
يسوق لنا الباحث وجهة نظره، وجوابه عن هذا التساؤل في كلمتين خفيفتين
هما (الغفلة عن منهج الله)
وأعرب الكاتب عن مراده في معنى الغفلة حيث قال: وأهم ما تعنيه هذه
الغفلة، تجاهل السنن الربانية التي تحكم حياة الأفراد والأمم، وفهم هذه السنن
وتسخيرها على الوجه الصحيح، بالإضافة إلى ضعف اهتمامنا بمسألة السير في
الأرض، والبحث عن السنن التي يمكن أن تعيننا في تصريف شؤوننا المختلفة،
وتذلل لنا الصعاب وتيسر لنا أمر عمارة الأرض، وفق المنهج الذي يأمرنا إسلامنا
بإقامته في واقع الحياة، فالذي يطلب الأسباب لابد وأن يجد من يقوده إليها، وهنا
تبدأ رحلته معها.
فعلى قدر تسخيرها تجاه الطريق الصحيح يكون هناك التقدم والرقي
والإزدهار.
من ثمار النظر في السنن الكونية:
يطل علينا الباب الثاني والذي ضمنه الباحث عدة ثمار هي نتيجة للنظر
والتفكر في السنن الكونية.
وإن من أغلى هذه الثمار (الإيمان بالله تعالى) الذي يؤكد فهمنا واستجابتنا
والإقرار بأن هذا الكون البديع في آياته، لابد له من مبدع أوجد هذه السنن وسيرها
حسبما يريد الصالح العام للخلائق.
وبجانب هذه الثمرة اليانعة (ثمرة الإيمان) هناك ثمرات عديدة لها مساس
مباشر وعميق بسلوكنا وحركتنا في الحياة، ومنها على سبيل المثال، الحرية،
العلم، وهو المعرفة اليقينية بالسنن التي تحكم جزئية من جزئيات هذا الوجود.
مبدأ الاجتهاد في الشريعة الإسلامية:
هذه نقطة أخرى من نقاط الباب الثاني تعرض لها المؤلف ليثبت للغافلين عن
المنهج الإسلامي القديم، موافقته ومطالبته بالتفكر والاجتهاد القائم على مقدمات
علمية صحيحة سابقة، بالإضافة إلى الإعراب عن أهمية وجود الاستنباط في
المنهج الإسلامي بما يكفل لحياة الناس في كل وقت وحين حياة هادئة مطمئنة
يعيشون فيها.
فقد قسم المؤلف الاجتهاد في الشريعة الإسلامية على قسمين:
١- مسائل لا يجوز الاجتهاد فيها بل يجب الالتزام بالأحكام الشرعية التي
وردت بخصوصها مثل الصلوات الخمس والزكاة والصوم وتحريم الجرائم كالقتل
والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وما ورد فيها من عقوبات مقدرة مما هو
معروف بالقرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة.
٢- مسائل يمكن الاجتهاد فيها إما لعدم ورود نص فيها، وإما لأنه ورد نص
ظني الدلالة، أو ظني الثبوت والدلالة معاً، فهنا المسائل يجوز الاجتهاد فيها
للوصول إلى حكم شرعي أو لمعرفة السنة التي تحكمها، وبذلك يجدد الكاتب تأكيد
الإسلام على أهمية الاجتهاد وثمرة ذلك على الفرد والمجتمع.
خلاصة النتائج التي توصل إليها الباحث:
ومع مطلع الفصل الثالث الذي يبين لنا قرب انتهاء الرحلة، يقدم لنا الدكتور
كنعان خلاصة النتائج التي توصل إليها وتعيننا في نفس الوقت على فهم طبيعة
الأزمة التي تحل بنا وترشدنا أيضاً إلى الطريقة العلمية والميسرة لتجاوز العقبات.
ومن بعض هذه النتائج:
١- أن لهذا الكون ربا، خلق كل ما في هذا الكون من خلائق وأخضها جميعاً
لسنن كونية تحكم كل صغيرة وكبيرة منها.
٢- تتصف هذه السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه، بمجموعة من
الصفات التي تعطيها صيغة القانون الرياضي الصارم، فهي من جهة ثابتة لا تتبدل
ولا تتحول، ومن جهة ثانية مطردة، تتكرر على الوتيرة ذاتها كلما توافرت
شروطها وانتفت الموانع التي تحول دون بلوغها.
٣- وسنة الله في الخلق تسري على كل شيء في هذا الوجود من غير تمييز
سواء أكان هذا الشيء مادياً أم معنوياً، ونحن البشر خاضعون كغيرنا من خلائق
هذا الوجود لسنن الله، سواء شئنا أم أبينا، وهذه الحقيقة تحتم علينا مسايرة هذه
السنن لكي نتمكن من تسخيرها فعما ينفعنا، وإلا فإن مخالفة السنن أو معاندتها لا
تأتي بخير.
٤- يقتضي معرفة السنة التي يقوم عليها أي عمل قبل الشروع فيه، فإذا
عرفنا سنته علينا أن نهيئ الشروط اللازمة لهذه السنة.
٥- فإذا فشلنا في إنجاز العمل المطلوب فإن هذا الفشل يعني وقوع خلل ما في
الخطة، ويمكن أن نحصر مواضع الخلل في ثلاثة مواضع رئيسية:
ا- عدم سلوك الطريق الصحيح نحو الهدف أو عدم إصابة السنة التي توافق
العمل.
ب - وجود عوامل خارجية تحول دون تحقيق السنة وبلوغها.
ج- وجود عوامل داخلية تؤدي إلى الإخلال بشرط أو بأكثر من الشروط
اللازمة السنة التي تتحكم بالعمل.
وبهذه النتائج يصبح الباحث مصيباً في محاولته في هذا المجال، وهي تعد
علامة بارزة تفتح الأبواب والنوافذ بمزيد من الدراسات والبحوث في هذا الموقع
الحيوي الهام والغائب بالنسبة لاستئناف المسلمين دورهم الحضاري، ومعالجة حالة
الركود التي يعيشونها.
стр. 839
شذرات وقطوف
وفاء
وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليُغِصني بالطعام ويشرقني بالماء، وقد
استراح من لم تكن هذه صفته، وما مللت شيئاً قط بعد معرفتي به، وما رغبت
الاستبدال إلى سبب من أسبابي قد كنت لا أقول الألاَّف والإخوان ولكن في كل ما
يستعمل من ملبوس ومركوب ومطعوم وغير ذلك.
ابن حزم
تعساء الغرب
(تثبت المعلومات التي تقع تحت ملاحظتنا بوضوح تام أن طريقتنا في
الجري وراء السعادة لا تثمر حياة طيبة، فنحن مجتمع من الناس التعساء على نحو ...
مزر، نعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب والنزوع التدميري) .
فروم: الإنسان بين الجوهر والمظهر
مغامرات الأجداد
(نسي المسلمون الأيام السالفة التي كان فيها العشرون مسلماً لا غير ... يأتون من برشلونة إلى مزاكية من سواحل فرنسا ويستولون على جبل هناك ويبنون به حصناً ويتزايد عددهم حتى يصيروا مائة رجل، فيؤسسون هناك إمارة تعصف ريحها بجنوبي فرنسا وشمالي إيطاليا، وتهادنها ملوك تلك النواحي، وتبقى خمساً وتسعين سنة مستولية على هذه الديار إلى أن تتألب الأمم الإفرنجية عليها) .
شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون
شاتي آل المهلب
قال الأخنس الطائي يمدح آل المهلب:
نزلت على آل المهلب شاتياً ... بعيداً عن الأوطان في الزمن المحل
فما زال بي معروفهم وافتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي
***
(إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني) .
عمر بن الخطاب ﵁
رسالة الجامعات (الرسمية) المتعارف عليها علمياً هي الوصول بالطلاب إلى
مستوى قوي ومتين ورفيع من المعرفة النظرية والتطبيقية، وهذا ما عملت وتعمل
له الجامعات في العالم قديماً وحديثاً. ولكننا نحن المسلمين - في مختلف أنحاء
الدنيا - ينبغي أن تكون رسالة الجامعة عندنا تزويداً بالعلوم، وترشيداً بالأخلاق في
وقت واحد.
(فالعلوم) في مفهوم الإسلام منذ جاءنا محمد ﷺ بالقرآن
الكريم والسنة النبوية ليست مجرد نظريات وأفكار للتعليم أو الإلقاء أو التلقين
والحفظ؛ وإنما العلم في الإسلام: معرفة وسلوك، قول وعمل، فكر وخلق.
أحمد محمد جمال
стр. 840
لمحات في طرق نقل التقنية
والتخلف التقني في العالم الإسلامي
د. عبد الله بن صالح الضويان
أية تكنولوجيا نريد:
مسألتان متعلقتان بنقل التكنولوجيا من حضارة إلى أخرى وهما:
١- ما يتعلق بالقوانين العلمية والتكنولوجيا التطبيقية.
٢- ما يتعلق بالأهداف والمبادئ التي تجري تحت مظلتها وباتجاهها عمليات
البحث العلمي والتكنولوجيا، وتشكل هذه الأهداف جزاً لا يتجزء من موضوع العلم
والتكنولوجيا، مما يجعل عملية النقل عملية خطيرة وحساسة تحتاج إلى تمحيص
وتدقيق.
إن التقدم التكنولوجي المنشود ليس أحد المصنوعات الحديثة التي تشترى
بالبترول، وإنما هو حركة أمة تفاعلت مع واقعها ورفضت التواكل والخنوع
وتهيأت له أفكار نابعة من عقيدتها، اليوم ترى أحدث الآلات تباع في الأسواق
الاستهلاكية ولا يزيد ذلك الدول الإسلامية (النامية) إلا فقراً وتخلفاً واستعماراً أشد
وطأة. أمام هذا الوضع لا بد من الوعي بمشاكل الإنسان المسلم حتى يمكنه تقديم
البدائل الإيجابية المنطلقة من عقيدته.
إن التكنولوجيا الغربية بشقيها الشرقي والغربي ليس فيها حل لمشكلة الإنسان
لأن الفكر الغربي (الماركسي والرأسمالي) يتعامل مع الإنسان على أنه عالم أعداد
وأرقام، ولكن المسألة تختلف عندنا فعقيدتنا تنظر للإنسان على أنه خليفة في
الأرض وأن كل ما في الكون مسخر له.
في الوقت الراهن غالباً ما يحسم الأمر بالنسبة للاستفادة من التكنولوجيا
المعاصرة هو الاعتبارات السياسية لقادة الحكومات الإسلامية، مثلاً إجهاد بلادهم
بعملية التسليح للحفاظ على الكراسي، أو الميل إلى مشاريع تعطيهم الاعتزاز
والافتخار كمشاريع السدود والمطارات والمباني الضخمة التي يستهلك فيها رأس
المال وتدار من قبل شركات غير مسلمة مثلاً.
أو إشغال الشعوب بتكنولوجيا تزيد من تخلف المسلمين فمثلاً لقد أصبح بإمكان
الشباب المسلم مشاهدة مباراة كرة قدم تنقل إليه لحظياً من أوربا أو أمريكا بواسطة
قمر صناعي مصنوع من ألفه إلى يائه في الغرب، بينما في نفس الوقت لا يستطيع
أن يجري مكالمة هاتفية مع كثير من بقاع العالم الإسلامي ولكن يستطيع أي مواطن
مسلم في تونس أن يتابع قنوات التلفزيون الفرنسي.
ومما ينبغي ذكره أن حيازة نوع من التكنولوجيا في مجتمعاتنا لا يعني
بالضرورة التقدم بجميع جوانبه، ولتقريب هذا المفهوم، فإن المواطن العادي يفضل
مثلاً ساعة ثمينة لأنها لا تخطئ إلا ثواني قليلة كل ألف ساعة في الوقت الذي لا
يقاس الزمن الإجرائي أو زمن الإنجاز في بلداننا إلا بالأيام والأسابيع.
التكنولوجيا الملائمة:
إن ملائمة التكنولوجيا هي أهم المعايير في عملية النقل والمقصود ملاءمة
التكنولوجيا لظروف الدول النامية وينبغي النظر إلى الأمة الإسلامية كوحدة واحدة
(وإن كان هذا فيه شيء من المثالية) يغطي بعضها جوانب النقص عند البعض
الآخر، والملائمة تشمل ثلاثة معان.
ا- الملائمة الهندسية والفنية:
وهي الأساليب الفنية والميكانيكية المستخدمة في عمل لإتمامه بأعلى درجة
ممكنة من الدقة وبأقل قدر ممكن من هدر الموارد وبسرعة جيدة، فمثلاً لا يعتبر
المحراث الخشبي (الآن) تكنولوجياً ملائماً لحراثة الأرض مع أن ملائمة الأسلوب لا
تعين بالضرورة عدم قدرته على إتمام الأمر.
ب - الملائمة مع الظروف الجغرافية والبيئية:
من أهم أسباب نجاح الحضارة هو قدرتها على التكيف مع ظروف البيئة
المحلية، فمثلاً كان إنسان الجزيرة العربية متكيفاً مع البيئة عند استخدام بيوت
الطين المكيفة ذاتياً، في البيرو مثلاً أدى استخدام المبيدات الحشرية إلى ظهور
حشرات ضخمة قضت على جزء هام من إنتاج القطن، وقس على ذلك مثلاً مشكلة
السد العالي.
ج - الملائمة الاقتصادية:
كما أنه يتوجب على الدول المتقدمة (ذات رأس المال) أن تختار الأساليب
التكنولوجية التي تتطلب رأس مال كبير من أجل مستوى معين من الإنتاج
والخدمات، فإن نفس المنطق يدعو الدول النامية إلى استخدام تكنولوجيا كثيفة
العمالة نظراً لفائض عنصر العمل في الكثير من الدول النامية (تذكر أن عدد
المسلمين يبلغ المليار) .
ولكن الدول النامية (وخاصة الإسلامية) تواجه وضعاً اقتصادياً صعباً يجعلها
عاجزة عن الاستخدام الأمثل للأساليب التكنولوجية، لهذا يجب الأخذ بعين الاعتبار
عدة أمور مثل مدى توفر النقد الأجنبي عند هذه الدولة (أو الدول) ، مستوى التطور
الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي الذي بلغته الدولة التي تحاول إيجاد
التكنولوجيا الملائمة لظروفها.
إن التكنولوجيا الملائمة هي التي تعمل على إشراك أكبر قدر ممكن من الفنيين
والمهندسين والأيدي العاملة المدربة وغيرهم من أهل الاختصاص في المشاريع
بحيث تساهم في إبقاء هؤلاء في أوطانهم بدل أن ينضموا إلى العقول المهاجرة
وحدوث ما يسمى بـ (النقل المعاكس للتكنولوجيا) .
مظاهر التخلف التكنولوجي:
إن مظاهر التخلف التكنولوجي في مختلف البلدان الإسلامية متشابهة ويمكن
إدراج سمات وخصائص هذه البلدان وواقعها تجاه العلم والتطوير التكنولوجي بما
يلي:
١- تفشي الأمية إلى حد كبير بحيث أن كثيراً من الطاقات معطلة.
٢- عدم الربط المباشر بين السياسات التعليمية والتربوية بسياسات التنمية
الشاملة في العالم الإسلامي ككل وعدم اعتبار أن الإنماء الكامل للفرد يحتل مركز
الصدارة في عملية التغيير المنشودة.
٣- عدم وجود قاعدة صناعية وخاصة الصناعات الحديدية الثقيلة.
٤- عدم وجود مؤسسات وأجهزة معنية بالتخطيط مركزياً لعملية نقل
التكنولوجيا وتوطينها.
٥- عدم وجود أجهزة علمية للبحث العلمي وإن وجدت فليس هناك اهتمام
كبير بها (مالياً وبشرياً) وربطها بالأجهزة الأخرى في العالم الإسلامي.
٦- عدم اشتراك العلميين والتقنيين وعلماء الاجتماع المسلمين اشتركاً علمياً
في إعداد الخطط.
٧- لا تتوفر إحصائيات ومسوحات دقيقة لكافة الطاقات الإسلامية البشرية في
مختلف المجالات.
٨- لا توجد سياسة واضحة للإعلام العلمي والتكنولوجي والجماهيري.
٩- لا توجد علاقة بين المؤسسات العلمية (معاهد، جامعات) وبين تحديد
احتياجات التطور الصناعي والتقني.
١٠- لا يوجد برنامج واضح حول سبل تدفق المطبوعات العلمية والتقنية من
مختلف أنحاء العالم.
١١- الاتجاه لتعريب العلوم والتكنولوجيا غير جاد.
١٢- عدم الاهتمام بتشجيع عقد الدورات والندوات التنشيطية في مختلف
مجالات العلم والتكنولوجيا.
١٣- عدم الجدية في الحد من عملية النقل المعاكس للتكنولوجيا المتمثلة بهجرة
الكفاءات والعقول المسلمة خارج بلادهم.
إن المؤسسات والحكومات مسؤولة مسؤولية كبرى تجاه هذا الوضع المتدني،
وهذا طبيعي طالما حركتها شهواتها ولم تحركها عقيدتها.
ومما ينبغي ملاحظته أنه مع تقدم الزمن فإن الدول الإسلامية تزداد تخلفاً
تكنولوجياً على نقيض الدول المتقدمة، من ذلك ما تدل عليه إحصائية من كتاب ألفه
مجموعة من الخبراء [١] أنه ارتفعت جملة صادرات الدول الصناعية إلى نحو
خمس عشرة دولة إسلامية في الشرق الأوسط في مجال الآلات من خمسة ونصف
بليون دولار عام ١٩٨٥ إلى حوالي ١٠٠ بليون دولار عام ١٩٨٢، ويوافق هذا
الارتفاع زيادة بلغت ثمانية أضعاف بمقياس الدولارات، وارتفعت فيما بعد أهمية
الصادرات الخدماتية وخاصة في المجالات التقنية والتسييرية وإدارة المشاريع.
стр. 841
السعي في حاجة المسلم
خولة درويش
الحياة قاسية، وأهوالها كثيرة ومصائبها جمة، والإسلام دين الحياة الاجتماعية
السليمة، يريد من اتباعه أن يكونوا كالطود الشامخ بل كالجسد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
وفي ظل تلك الحياة يشعر المسلم بالطمأنينة والهناء، وترفرف عليه السعادة
لشعوره بأنه لا يواجه الحياة بمفرده في خطوبها الجليلة، فإن إخوته المؤمنين
يمسحون آلامه ويقيلون عثراته، يعينونه برأيهم وهم له ناصحون ويمدونه بمالهم
وهم عليه مشفقون، ويسعون معه بجاههم وهم لخيره راغبون وفي كل ذلك
يلتمسون الأجر والقرب منه تعالى.
روى الحاكم وقال صحيح الإسناد: «لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء
حاجته، وأشار بأصبعه أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين» .
وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«على كل مسلم صدقة. قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف» رواه البخاري ومسلم.
فالمسلم يساعد أخاه المسلم. بقدر إمكانياته بيده، بماله، بجاهه ولا يضيق به
مؤثراً السكينة وقد أخلد إلى الراحة.. بينما نجد غيره من إخوته تؤرقهم الهموم،
وتقض مضاجعهم المحن.. وبإمكانه أن يمسحها بشيء من الإيثار ولو على حساب
راحته. قد تحل بأحد المسلمين مشكلة فماذا يكون موقف الآخرين منها؟
لن نتحدث عن ضعاف الإيمان وإنما نتحدث عن الصفوة التي نأمل منها
الكثير.. وكثير من هؤلاء يواجهون المشكلة بهز الكتفين ولسان حال أحدهم يقول:
مالي ولهذا الأمر. فأشغالي أجل منها. وفي أحسن حالاته يحوقل ويتأوه وكأنه يقول: ليس بالإمكان أحسن مما كان.
إن السلبية واللامبالاة لن تحل أمور المسلمين، وهذه التصرفات لابد أن نؤاخذ
عليها. فالنعمة التي خولها الله للعبد سيسأل عنها فيم وضعها؟ فكيف إذا سئل العبد
يوم القيامة إن فلاناً المسلم كان في ضائقة وكان بإمكانك مساعدته، وخذلانك له في
هذه الحاجة قد ألجأه إلى الرشوة ليحصل على حقه، إنك لو سعيت له في جاهك
الذي حباك الله إياه لقضيت مصلحته ويسرت أمره وحلت دون لجوئه إلى الرشوة.
وكم من شاب قد ينحرف عن دينه لقضاء مصالحه عن طريق غير المسلمين
إذا ساعدوه في المال لإنهاء دراسته!
وكم من أسرة تضرع بالدعاء إلى من مد لها يد العون وقد يكون من أعداء
الإسلام! .. وهذا ما يقوم به المنصرون في كثير من ديار المسلمين الفقيرة،
وأندونيسيا خير شاهد على ذلك.
كم من أسرة ناشئة بنيت على غير مرضاة الله للتقصير في مساعدة الشباب
على الإحصان الذي يدعو له الشرع! كل ذلك في غيبة الوعي الفعلي والتقدير لقيمة
العون.
والله تعالى يقول: [مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ
شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا] [النساء ٨٥] . فلا تظن أخي المسلم أن العبادة
مقصورة على نوع من القربات يرسمها خيالك، إنها كل ما يحبه الله من قول أو
عمل.
إن سيرك في حاجة أخيك المسلم إن أحسنت النية واحتسبت الأجر من الله قد
تكون من أفضل العبادات.
يقول ابن القيم ﵀ في معرض ذكره للآراء في أفضل العبادات:
(ومنهم من رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعدٍ. فرأوه أفضل من
ذي النفع القاصر. فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم
ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي- ﷺ : «الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» رواه
أبو يعلى.
واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النافع متعدٍ إلى الغير (أين
أحدهما من الآخر؟) .
قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.
واحتجوا أن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما
دام نفعه الذي سعى إليه.
واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في
معاشهم ومعادهم، ولم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والرّهب) ولعل في
هذا القول ما يشفي ويكفي.
فإلى قضاء مصالح المسلمين ينبغي أن ينشط الدعاة المخلصون في كل مكان،
ولا تشغلهم عنها كثرة التبعات. وما قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع
المرأة التي كانت في حالة وضع، ومساعدة زوجها في طهي الطعام عنا ببعيدة.
إن الفطرة السوية لن تنسى اليد التي امتدت إليها ساعة المحنة.
أيها الأخ المسلم يا من تريد النجاح في الدارين: إن الأمر سهل ميسور، إذا
عودت نفسك على قضاء مصالح إخوانك ذوي الحاجات، ولن تنفع الخطب
والمواعظ إذا تقاعست عن أداء حق الأخوة والدين.
وأنت أيتها الأخت المؤمنة: تذكري كلما حببت إليك نفسك الراحة والسكون:
أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
стр. 842
الشورى هل نلتزم بها ؟
محمد العبدة
الحديث عن الشورى في الإسلام يكتسب أهمية بالغة وذلك لخطورة هذا
الموضوع أولاً، وللمعاناة التي عاناها ويعانيها المسلمون من أثر الاستبداد ثانياً،
هذا الاستبداد الذي طال كل شيء: الفرد، والأسرة والتجمعات والدولة، وقد كتب
الكثير حول الشورى، وسيكتب لأنها لم تترسخ بعد نظرياً فضلاً عن أن تترسخ
عملياً، والمقصود هو التطبيق العملي.
إن إعادة الكتابة عنها هو من باب التأكيد والتذكير حتى تصبح قاعدة من
قواعد الدعوة والعمل، ولا يقال هنا: ما الفائدة وصورتها التطبيقية لم تأت بعد،
وحتى تأتي الحكومة التي تقبلها نكتب عنها. والحقيقة أننا لا نكتب عن الشورى
للدولة فقط، بل للدعوة الإسلامية، فالشورى قاعدة مهمة وأصيلة من قواعد بناء
الأمة سواء على مستوى مؤسسة أو دولة أو أي تجمع يريد الخير.
منذ بداية ما يسمى (عصر النهضة) أي من مائة عام تقريباً وأصحاب الغيرة
على الأمة الإسلامية يدندنون حول هذا الموضوع، وسواء أصاب بعضهم أم أخطأ
وسواء خلطوا معها مفهوم الحرية والديمقراطية الغربيين أم كانوا واضحين، المهم
أن الموضوع كتب عنه لأنه من أساسيات النهضة ولم يترسخ بعد، لم يتحول القرار
الفردي إلى قرار جماعي، لم تتحول المؤسسة التي تقوم على جهد جماعة وبدلاً من
تطبيقه عملياً، راح بعض الكتاب يجادلون هل الشورى ملزمة أم معلمة؟ مع أن
أمر الشورى أكبر من هذا الجدل، فنحن لم نحقق الخطوة الأولى وهي الإصغاء إلى
أهل الخبرة والعلم، لم نتعلم فن الاستشارة، قبل أن ننتقل إلى الشورى كممارسة
لصنع القرار في شؤوننا العامة، إن التشاور بحد ذاته عمل مهم وهو فن لم نتعود
عليه، ولم نتقنه بعد، وقد أدبنا الله بهذا الأدب في لفتات من كتابه
الكريم، ولكن يغفل عنها الغافلون.
(ففي قوله تعالى للملائكة: [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ليعلم عباده أن
أحدهم ولو عظم سلطانه وسما في العلم مكانه، لا يحول ذلك بينه وبين أن يعرض
الأمر على من هو دونه، وقص القرآن علينا من أمر بلقيس أنها قالت للملأ من
قومها بعد أن اتصلت بكتب سليمان ﵇ [يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا
كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ] والقرآن لا يقص علينا القصص للتفكه بالوقائع
التاريخية، ولكن ليتعلم الجاهلون) [١] ...
ويقول الإمام الطرطوشي منبهاً على أهمية الشورى:
(ولا يمنعنك عزمك على إنفاذ رأيك وظهور صدام لك عن الاستشارة ألا ترى أن إبراهيم ﵇ أمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها فيحمله حسن
الأدب على الاستشارة فيه فقال: [يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا
تَرَى] .
وعدم المشورة يعني الاستبداد (والعمل بالرأي الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه
ما بلغ من الكمالات والمعارف ولا يسوغ أبداً أن يسلم أمر الدولة لإنسان واحد
بحيث تكون سعادتها وشقاؤها بيده ولو كان أكمل الناس وأرجحهم عقلاً، وأوسعهم
علماً) [٢] .
وليس أشد إفساداً للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم
فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد،
استخذاء تحت سوط الجلاد وتمرداً حين يرفع عنها السوط، وتسيطر حين يتاح لها
شيء من النعمة والقوة) [٣] .
ومن التصوير الدقيق لأثر الاستبداد على النفوس وكيف ينزل بها إلى مستوى
هابط ما ذكره الكوكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) يقول:
(وقد يبلغ من نتائج الاستبداد بالأمة أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي
إلى طلب (التسفل) بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من
النور، وإذا ألزمت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أطلق سراحها) [٤] ...
فإذا كان الاستبداد يصل بالأمة إلى هذه الدرجة فإن ما قصه القرآن الكريم عن
بني إسرائيل وفساد فطرتهم بسبب خضوعهم الطويل لفرعون مصر لهو أكبر شاهد
على ذلك.
ولابد من الرجوع للقرآن الكريم لنرى ما قال المفسرون حول آية الشورى.
ما قيل في آية الشورى:
قال رشيد رضا في تفسير قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (وشاورهم في ...
الأمر العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف والأمن وغير ذلك
من مصالحهم الدنيوية، أي دم على المشاورة وواظب عليها كما فعلت قبل الحرب
(غزوة أحد) وإن أخطأوا الرأي فيها، فإن الخير كل الخير في تربيتهم على
المشاورة دون العمل برأي الرئيس وإن كان صواباً لما في ذلك من النفع لهم في
مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم، فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من
الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد
وأكبر) [٥]
ويقول سيد قطب: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] بهذا النص الجازم يقرر الإسلام
هذا المبدأ في نظام الحكم وهو نص قاطع لم يدع للأمة الإسلامية شكاً في أن
الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه.
لقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة (معركة
أحد) أمام ما أحدثته من انقسام في أوج الظروف ولكن الإسلام كان ينشئ أمة
ويربيها ويعدها لقيادة البشرية وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية
الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة أن تربى بالشورى، وأن تدرب على حمل التبعة ولو
كان وجود القيادة الرشيدة يمنع الشورى لكان وجود محمد ﷺ
ومعه الوحي كافياً لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى ولكنه لم يبلغ
هذا الحق [٦] .
ويقول الطرطوشي: (إذا قيل: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم وواجب
عليهم مشاورته. قلنا هذا أدَبٌ أدَّبَ اللهُ تعالى نبيه ﵇ به؛ ومن أقبح ما
يوصف به الرجال ملوكاً كانوا أو سوقه الاستبداد بالرأي وترك المشورة) [٧] .
قال الرازي في تفسيره: (إنما أمر الرسول ﷺ بذلك
ليقتدي به غيره في المشاورة، ولأنه إذا شاورهم اجتهد كل واحد منهم في تحصيل
أصلح الوجوه فيها، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على
حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة
الجماعة أفضل من صلاة المنفرد) [٨] .
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره: (فإن في الاستشارة من
الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره، منها: أن المشاورة. من
العبادات المتقرب بها إلى الله ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي المصيب، فإن
المشاور لا يكاد يخطئ في فعله) [٩] .
стр. 843
وهلك لويس عوض
خالد بن صالح السيف
لم أشأ أن أكتب عنه، ولا أحسبني قادراً على إرغام قلمي على إعادة الكتابة
عنه مرة ثانية، بيد أن هلاكه أولاً وما حظي به من أزلامه اضطراني إلى أن أكتب
محتسباً، وخائفاً من التأثم، إذ أمنحه مساحة لا يستحقها البتة، ولست أدري أتخفى
طوية مثل هذا ... ربما! !
إذن فالأمر واجب، وعندها أجد المسوّغ
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
مداخلات:
١- يهب المستريبون أنفسهم دلالات تمنحهم بعداً يأخذ بتلابيب السذج،
ليمارسوا التصفيق والمكاء احتساباً وتزلفاً لمقام المريدين، هم أنفسهم جردوا سيوفهم
المتثلمة ليعلموها في رقاب الحروف المستقيمة، تعبيراً صلفاً إزاء مواقف زان
أربابها لباس التقوى [وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ] [الأعراف ٢٦] .
٢- أحسب أن أمتنا التهمها (تنين الحداثيين) فقُدَّ قميصها من دبر ورأت
حسناً ما ليس بالحسن! ! وبانت السوءة! ! من لدن المستغربين سفاهة.
وفي هذا المعترك انخرمت قاعدة (الولاء والبراء) فاتسع خرق (العطب) فلم تعد روئيتنا تحسن التفريق بين الهادي والهاذي!! بل انطفأت حدقة الرؤية..
فألفينا الشمس في رابعة النهار (قرص خبز احترق) ورحنا نتعزى (وقد كلمنا)
بقول بشار عن نفسه:
عميت جنيناً والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلاً
وغاص ضياء العين للقلب فاغتذى ... بقلب إذا ما ضيع الناس حصلاً [١]
معالم هويته:
ما كان (لويس عوض) نكرة ولم يكن أيضاً مستغرقاً في علميته بيد أنهم ...
أرادوا له أن يتجاوز صخراً.. وإن رغم أنف الخنساء ﵂ فكان لهم
ما أرادوه قسراً! ! تحقيقاً لمآربهم وكان من حينها ومن قبل متجذر الانتماء لأصله
وملته! ! فلم لم يكن ذلك كذلك؟ !
لا ريب.. فقد كان! ! وانتصب صنماً لحقب تولت.. بزَّ هُبَلاً! !
في أتون المعارك:
وإفرازاً لعطائه المنتن وتجاوزاته المريبة (حيث النزعة الإقليمية.. والعمالة
التبشيرية.. وأبعاد النزعة الطائفية) كانت ثمة معارك في أواخر السبعينات ومن
أشهر الكتاب الذين ناوشوه في معارك ضارية على اختلاف مشاربهم وعدم رضانا ...
عن بعضهم فكراً وعطاءً:
توفيق الحكيم.. أحمد بهاء الدين.. د. حسين فوزي ... يوسف إدريس ...
وحيد رأفت ... د. محمد إسماعيل علي.. وعبد العظيم رمضان..
بيد أن أفضلهم وأشدهم غيرة وصدقاً أستاذنا وشيخنا محمود شاكر في سفره
العظيم الذي سلخ فيه لويس عوض وعراه قبالة الملأ وقد وسمه بـ (أباطيل
وأسمار) جزءان في مجلد واحد. يقول في رسالة الكتاب: (ولهذه الفصول غرض
واحد وإن تشعبت إليه الطرق. وهذا الغرض هو ما قلت للأخ الصديق الأستاذ
محمد عودة: (هو الدفاع عن أمة برمتها هي أمتي العربية الإسلامية، ... وجعلت طريقي أن أهتك الأستار المسدلة التي عمل وراءها رجال فيما خلا من الزمان، ورجال آخرون قد ورثوهم في زماننا وهمهم جميعاً كان: أن يحققوا للثقافة الغربية الوثنية كل الغلبة على عقولنا، وعلى مجتمعنا، وعلى حياتنا وعلى ثقافتنا، وبهذه الغلبة يتم انهيار الكيان العظيم الذي بناه آباؤنا في قرون متطاولة وصححوا به فساد الحياة البشرية في نواحيها الإنسانية والأدبية والأخلاقية والعملية والعلمية الفكرية وردوها إلى طريق مستقيم علم ذلك من علمه وجهله من جهله) [٢] ... أحسب أن شيخنا كفانا مؤنة الإسهاب قي إبانة طوية لويس الفرعوني والذي راح ... أبناء أمتنا يأسفون لهلاكه ويبكون دماً. ...
الإسلام في عُرفه [٣] :
محصلة رؤيته تجاه الإسلام أوجزها بالآتي:
١- لم يهزم الإسلام الصليبية إلا أنه دين علماني وأكثر علمانية مما كانت
عليه مسيحية القرن السابع.
٢- ليس للإسلام نظام سياسي خاص به. كل ما يمكن قوله إن إسلام الأوائل
(حين كان الإسلام شديد النقاء) كان نوعاً من الجمهورية الكالفانية! !
٣- كل الذين يحلمون بنظام حكم إسلامي يؤكدون على الأبعاد الروحية
واللاهوتية والبلاغية للإسلام وهذا لا يمكن إلا أن يلغي كل أمل قد يذهبون إليه في
أن ينافس نظام الحكم الإسلامي النظم الغربية.
٤- الصحوة الإسلامية ليست إلا تراجعاً تاريخياً تعرقل الجهود الحقيقية
لنهضة قومية.
هذا هو الإسلام كما يراه هذا الهالك ولا يخرجه عن هذه الأطر وأحسبه موقفاً
معروفاً عنه منذ ذي قبل بيد أن التباكي عليه اضطرني إلى نبشه مرة ثانية وحسبي
أنه ضرب من الواجب إذا راحت الأقلام تنعاه وكأن الخطب جلل.
تعريته لنفسه:
يأبى أولئك الحانقون إلا أن يبينوا عن حقيقة أنفسهم بتلقائية المسوق بقدر الله
تعالى، وتلك نعمة، فيدان من فيه، وليس ثمة تحامل من الأخيار كما يُزعم! !
ففي عام ١٩٨٥ م قال عن نفسه (أنه وجيله من الكتاب قد أصبحوا من الأشباح وأنهم انتهوا بهزيمة يونيو..) [٤] غير أن تباشير الصحوة ... الإسلامية أقضت فانعتق من (شبحيته) المشبوهة ليمارس تجاه هذا الطود الشامخ حرباً مني فيها وجيله من الأشباح بهزيمة نكراء أركستهم في شبحيتهم [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] . ورغم هذا العطاء الذي أدركت حقيقته يأسرك العجب ساعة أن تعي موقفه تجاه عطائه وقد رضي عنه ... كل الرضا فدونك موقفه حيث يقول: (أنا الآن على بعد خمسين عاماً من هذه الأحداث التي استرجعها في تأمل حزين وعلى الرغم من خمسين عاماً من العلقم جرعتها حتى الثمالة فلست نادماً على اختيارات حياتي مع أني اقتربت من القبر ولا أملك شيئاً من متاع الدنيا غير لقمتي وسترتي)
[أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن
يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] [فاطر ٨] .
стр. 844
المسلمون في العالم
النظام العالمي الجديد:
الوجه الآخر للاستعمار
-١ -
د. أحمد عجاج
تجتاح العالم فرحة غامرة، وتسوده حالة من الارتياح والاسترخاء عقب انتهاء
حرب الخليج أو ما أصبح يعرف بحرب (تحرير الكويت) ، فالمعتدي، وهو هنا
طبعاً العراق، قد لقن درساً قاسياً ورد على أعقابه، والمنطقة بدأت تتنفس من جديد
هواء الحرية الذي حرمت منه في الأشهر الأخيرة.
فالمستقبل يحمل كل بشائر الخير للمنطقة، وعلامات الرضى والتفاؤل بدأت
تظهر ملامحها من خلال تصريحات المسؤولين الغربيين والمتجلية في إعادة ترتيب
أوضاع العالم والمنطقة بشكل خاص.
فنادراً ما نجد صحيفة أو مسؤولاً عربياً إلا ويتحدث عن الترتيبات الجديدة
التي من شأنها أن تنقل المنطقة بلمسة سحرية من حالة الفوضى وعدم الأمن إلى
واحة الاستقرار والحرية.
وجوهر هذا التفاؤل يرجع أساساً إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش في
خطابه الشهير أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب في كانون الثاني حيث
أعلن صراحة ودون مواربة رغبته في بناء نظام عالمي جديد للعالم، وهذا النظام
سيتم بناؤه بإرادة الولايات المتحدة الأمريكية لأنها (هي الدولة الوحيدة بين دول
العالم التي لديها المبدأ الأخلاقي والوسائل المتوفرة لتنفيذه) .
إن ترديد معزوفة النظام الجديد، لم تعد محصورة في إطار التصريحات
السياسية، بل تعدتها إلى الدوائر الثقافية والاجتماعية حتى أصبحت تردد على ألسنة
العامة، دون أن يدرك بالفعل مكنونها ونتائجها. هذا الواقع بالذات يستدعي البحث
لكشف جوهر هذا النظام العالمي الجديد والأسباب التي أدت إلى ظهوره ونتائجه
المتوقعة على العالم ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. ولتبيان ذلك فإنه ستتم
دراسة هذا النظام.
١- النظام الحالي أو ما يعرف بالنظام الثنائي:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شهد العالم مرحلتين من التغيير، تميزت
المرحلة الأولى بانحسار نفوذ الإمبراطوريتين العظميين بريطانيا وفرنسا بشكل
ملحوظ وتدريجي إلى أن بلغت ذروتها عقب حرب السويس عام ١٩٥٦ والتي
توجته بانسحابهما من منطقة الشرق الأوسط.
وبدأت المرحلة الثانية مع ظهور الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية
دولتين عظيمتين في الساحة الدولية، وبظهورهما ابتدأ العالم يعيش مرحلة جديدة
تختلف كلياً عن سابقتها. ولعل من أبرز صفات هذه المرحلة أو الفترة ظهور النظام
القطبي الثنائي على مسرح السياسة الدولية.
وما يقصد بكلمة القطبي الثنائي هو سيطرة دولتين فقط على مقاليد القوة
والزعامة في العالم دون مشاركة غيرهما. فالاتحاد السوفييتي الذي ظهر كقوة
يحسب لها حسابها عقب الحرب العالمية الثانية اعتنق الفكر الماركسي كعقيدة يسير
ضمن نمطها ونواميسها ويلتزم بموجبها بتقديم كل الدعم لحركات التحرر العالمية
التي تناضل من أجل حريتها وسيطرة الطبقة العاملة على مقاليد السلطة. فما يميز
السياسة السوفييتية هو الالتزام التام بدعم نظرية الصراع الطبقي الهادفة إلى تقليص
نفوذ البورجوازية في العالم، والسيطرة على حركات التحرر والعالم.
في الجبهة المقابلة ظهرت الولايات المتحدة التي دخلت الساحة الدولية بعد
فترة من الانعزال والانكماش كقوة عظمى استطاعت أن تحطم الآلة العسكرية
الألمانية شر تحطيم.
فالولايات المتحدة الأمريكية اعتنقت النظام الرأسمالي القائم على الحرية
والمبادرة الفردية في امتلاك وسائل الإنتاج والتوزيع. وهكذا فإن كلا النظامين
مناقض للآخر بطبيعته ويسعى كل منهما لإلحاق الهزيمة بالآخر. هذا الواقع دفع
الرئيس الأمريكي ترومان إلى القول أن العالم منقسم إلى قسمين: أحدهما: ... (ديمقراطي مبني على حكم الأكثرية) والآخر: (دكتاتوري مبني على حكم الأقلية التي تفرض نفسها على الأكثرية) لذلك فإن واجب الولايات المتحدة الأمريكية هو أن تقدم (الدعم للأحرار من الشعوب الذين يتحدون الخضوع للقلة الحاكمة التي تفرض نفسها عليهم عبر الدعم الخارجي) . وهكذا يتضح أن الصراع بين هاتين الدولتين هو صراع عقائدي ومصلحي في آن معاً؛ لأن انتصار أي منهم هو تهديد لأمن ومصالح الآخر. لذلك كان من الطبيعي جداً أن تعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقليص النفوذ السوفيتي في أية بقعة من بقاع العالم من أجل تدعيم موقفها، والسيطرة على مقاليد الزعامة التامة.
غير أنه رغم ضراوة هذا التنافس وشدته فإن هناك ضوابط ومعايير ونظماً
تحكم نمط أو أطر سياسة كل منهما بالآخر. وجوهر هذه الضوابط والنظم يتمثل في
اعتماد الدولتين العظميين نظرية الدمار المتبادل كمرتكز أساسي في سياستهما.
ومفاد هذه النظرية أن نتيجة السلاح النووي المتكدس في ترسانتها - والذي هو من
القوة والتدمير بمكان إذ يسمح بتدمير الكرة الأرضية خمس مرات إن هو استعمل-
تحتم على الفريقين حسب هذه النظرية تجنب أية مواجهة عسكرية مباشرة، لأنها
ستؤدي فعلاً إلى كارثة بشربة تنهي العالم. وبالفعل فإن الدولتين العظميين استطاعتا
عبر عقود من الزمن أن يتجنبا المواجهة المباشرة عن طريق تذليل أية عقبات مهما
عظمت أو تفاقمت، ولا تزال أزمة الصواريخ الروسية في كوبا مثلاً حياً على ذلك، إذ انتهت بسحب الصواريخ الروسية مقابل سحب الصواريخ الأمريكية في جنوب
تركيا، وتعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بعدم التدخل بشؤون كوبا البلد الحليف
للاتحاد السوفيتي. إلا أن هذه المواجهة لم تمنع كلا الدولتين من الاتفاق على مناطق
نفوذ خاصة بينهما. فأوروبا الشرقية هي حكر خاص للاتحاد السوفيتي يفعل بها ما
يشاء دون أي تدخل مباشر من الولايات المتحدة، وما اجتياح الاتحاد السوفيتي
لتشيكوسلوفكيا والمجر وغيرها إلا دليل ساطع على اعتراف الولايات المتحدة
بسلطته المطلقة على البقعة، وكذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي
سيطرت على أمريكا اللاتينية دون أي تدخل مباشر من الاتحاد السوفييتي. إلا أن
هذا الاعتراف لم يمنع الدولتين من التسابق والتزاحم على الزعامة في العالم الثالث
وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الخاصة لكل من الدولتين. إلا أن
هذا الصراع يبقى مرتبطاً ارتباطاً جذرياً بنظرية الدمار المتبادل التي تمنع أي
تطور في المجابهة من شأنه أن يقود إلى حرب مباشرة، وذلك من أجل الحفاظ على
مصالحها المشتركة.
هذا النظام استطاع أن يؤمن نوعاً من التوازن في العلاقات الدولية تستطيع
الدول الأخرى بموجبه أن تلعب دوراً عن طريق الالتفاف حول دولة دون الأخرى
من أجل تأمين مصالحهم. وهذا الواقع استطاع أن يستمر فترة طويلة من الزمن منذ
قمة مالطا عام ١٩٤٥ بين الدولتين العظميين إلى أن تسلم الرئيس السوفييتي
غورباتشوف مقاليد السلطة والزعامة في الكرملين، حيث ادخل تغييرات جذرية
على نظرية الدمار المتبادل، مما أدى إلى زوال النظام القطبي الثنائي.
٢- التغييرات الجديدة في النظام القطبي الثنائي:
ما إن تسلم الرئيس السوفيتي غورباتشوف مقاليد السلطة حتى سارع إلى
عملية إعادة النظر في السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي، فالزعيم السوفيتي نتيجة
لأوضاع محلية واقتصادية متردية وغياب تام للحرية الفردية بدأ مرحلة من التطوير
البطيء في هيكلية السياسة الخارجية والداخلية لبلده، ذلك التحول بدأ بهدم السياسة
القديمة، والمبنية على دعم حركات التحرر من أجل نصرة الصراع الطبقي
والتصدي للإمبريالية، واستبدالها بنظرية الوفاق الدولي والتعاون الاقتصادي
خصوصاً مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيجابية هذه النظرية الجديدة تتلخص في
تقليل الدعم المادي للحركات الثورية وإعادة استخدامه ضمن مشاريع اقتصادية داخل
الاتحاد السوفييتي من أجل دفع عجلة التنمية التي يحتاجها بصورة ماسة. إضافة
إلى ذلك فإن الاتحاد السوفيتي لم يعد يرى نفعاً في التسابق مع الولايات المتحدة
الأمريكية، لأن من شأن هذا التسابق أن يلحق الضرر بالطرفين وأن يهدد أمن
العالم في لحظة ما، لذلك رأى الاتحاد السوفيتي في الاعتماد على منظمة الأمم
المتحدة مدخلاً إيجابياً ومهماً في تطوير العلاقات الدولية وتوظيفها في خدمة السلام
العالمي، وهكذا فإن الاتحاد السوفييتي بسياسته الجديدة قد تخلى عن نظرية الدمار
المتبادلة لمصلحة إحلال التعاون والتبادل الاقتصادي بين الدولتين العظميين كبديل
واقعي ومنطقي. هذا التفكير قد لخصه المحلل للعلاقات الدولية (ولندر) في مقالة
عن الاتحاد السوفيتي حيث قال: (الدول العظمى لا يمكن أن تحمي أمنها ... عن طريقة المواجهة، لأن أية محاولة إلحاق الضرر بأي منها سيدفع الآخر إلى الرد، وهكذا فإن الحرب تصبح حقيقة. لذلك فإن حالة التصعيد المستمرة والبحث المتبادل عن إلحاق الهزيمة بالآخر سيؤديان إلى نقل الصراع من حرب غير مباشرة إلى حرب مباشرة بين طرفين لم يختاراها طائعين) .
وهكذا فالاتحاد السوفيتي، يكون قد تخلى عن سياسته القديمة تماماً، ولا
عجب إذن أن نجد كاتباً في صحيفة (إزفستيا) السوفياتية مقرباً من الرئيس
غورباتشوف يقول: (من الممكن جداً أن توجد حالة يضحي بها الاتحاد السوفييتي
بمبدأ الصراع الطبقي من أجل مصلحة أعم وأشمل) . وما يقصده بتلك المصلحة
هو زيادة التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية من أجل
الحصول على مساعدات اقتصادية لدعم الاقتصاد السوفيتي المنهار.
هذا التحول الهائل في سياسة الاتحاد السوفييتي لم يقابله أبداً حدوث أي تغيير
في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق، فالولايات المتحدة
لم تتخل مطلقاً عن تفكيرها القديم الهادف إلى تقزيم النفوذ السوفييتي في العالم على
الصعيدين الأيديولوجي والعسكري. فعلى الصعيد الأيديولوجي توجته أمريكا بانهيار
النظرية الماركسية والتي اعترف بها قادة الاتحاد السوفيتي أنفسهم. أما على
الصعيد العسكري فقد اغتنمت الولايات المتحدة الفرصة ووظفتها لتقوية نفوذها
السياسي عبر السيطرة العسكرية، وتوظيف الطاقة العسكرية هو ناتج طبيعي
للسياسة الأمريكية التي أصابتها أيضاً بوادر الضعف والانحسار.
فأمريكا بعد عقود من الزمن قضتها في التصدي للشيوعية أصبحت دولة
منهكة اقتصادياً مما أجبرها على التراجع في ميادين المنافسة الاقتصادية التي هي
عنصر هام من عناصر القيادة العالمية. فالولايات المتحدة التي تصاعد نجمها بعد
الحرب العالمية الثانية تميزت بنمو اقتصادي سريع انعكس في زيادة فائض كبير في
رأس المال استطاعت أن توظفه في أوربا عبر مشروع مارشال الذي بلغ حوالي
١٣-١٥مليار وأن تمول به حلف شمال الأطلسي لمواجهة الاتحاد السوفييتي. إلا
أن النجم الأمريكي لم يتسن له أن يستمر في التطور الاقتصادي السريع نتيجة
ظهور قوى اقتصادية أخرى حدَّت من التقدم الاقتصادي الأمريكي. ففي الفترة
الممتدة بين عامي ١٩٤٥-١٩٥٨ استطاعت أوربا الغربية واليابان أن تظهر بقوة
على الساحة الاقتصادية، مما أثر بشكل بالغ على الناتج الإجمالي للاقتصاد
الأمريكي من إجمالي الناتج العالمي حيث تدهور من نسبة ٢٧% عام١٩٥٠ إلى ١٨
% عام ١٩٨٤
فالتردي الاقتصادي أجبر الرئيس الأمريكي نيكسون في فترة السبعينات
وبالتحديد عام ١٩٧١ وبقرار منفرد ودون الرجوع إلى صندوق النقد الدولي إلى
وقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب حسب اتفاق بريتون وودز لأن استمرار هذا
التعهد سيؤدي في النهاية إلى فقدان الولايات المتحدة الأمريكية رصيدها من الذهب
وبانتهاء عصر (بريتون وودز) فقدت الولايات المتحدة الأمريكية سلطتها في مجال
النقد الدولي إذ أن معظم التحويلات النقدية بدأت تتم خارج صندوق النقد الدولي
الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية.
وهكذا انقلبت المعادلة فأصبحت الولايات المتحدة مع مرور الوقت دولة مدينة
بدل أن تكون دائنة. فحسب الإحصاءات الرسمية والموثوقة فإن ديون الولايات
المتحدة قفزت من ١١٢ مليار عام ١٩٨٥ إلى ٢٦٣. ٦مليار دولار عام ١٩٨٦.
ومما زاد أزمة الولايات المتحدة الأمريكية سوءاً مبادرة الرئيس غورياتشوف
القائمة على نزع فتيل التفجير مما أدى إلى تقليل الدور العسكري الأمريكي لدى
الدول الغربية واليابان، إضافة إلى ذلك فإن عامل الانفجار الدولي أدى إلى تخفيض
الاتفاق العسكري الأمريكي مما هدد قطاع الصناعة العسكري الذي يلعب دوراً هاماً
في عجلة الاقتصاد. هذا العامل من الأهمية بمكان إذ أن تخفيض الإنفاق العسكري
سيؤدي إلى خلق نسبة عالية من البطالة في قطاع الصناعة الحربية مما ينعكس سلباً
على الوضع الاقتصادي والسياسي.
هذه المعطيات المتمثلة بتخلي الاتحاد السوفييتي عن سياسته القديمة
والصعوبات الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية دفعت الأخيرة إلى
التركيز على الدور العسكري من أجل تثبيت هيمنتها والتأكد من اندحار النظرية
الماركسية من أجل تكريس دورها في صناعة نظام جديد تستطيع من خلاله أن
تتخطى الصعوبات الاقتصادية، وتتابع دورها في العالم، وقد تسنى لها أن تحقق
ذلك الحلم عبر ما يعرف بأزمة الخليج.
(يتبع)
стр. 845
الأزمة الحالية في يوغوسلافيا
مازن عبد الله
عام ١٩١٨ كان عام ظهور يوغوسلافيا إلى الوجود. لقد بدأت يوغوسلافيا
حينذاك رحلتها السياسية باتباع نظام ملكي، وكانت مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية، هي العنصر الصربي، العنصر الكرواتي والعنصر السلوفيني. لقد بقيت
يوغوسلافيا تحت النظام الملكي حتى نشوب الحرب العالمية الثانية حيث انهارت
تلك المملكة (الصربو - كرواتية - سلوفينية) .. ولكن إبان الحرب، جاء الجنرال
جوزيف تيتو ليقود حركة التحرير الشعبية ويحرر البلاد من الاحتلال ويعيد بناءها
حسب نظام فيدرالي مختلف تماماً عن سابقه، تحت اسم اتحاد الجمهوريات
اليوغوسلافية الاشتراكية.
إن النظام السياسي المتبع في يوغوسلافيا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى
الآن، هو نظام فيدرالي يضم اتحاداً لست جمهوريات هي جمهورية صربيا،
جمهورية كرواتيا، جمهورية سلوفينيا، جمهورية البوسنة والهرسك، جمهورية
مكدونيا وجمهورية الجبل الأسود، بالإضافة إلى إقليمي كوسوفو وفويفودينا اللذين
يتمتعان بحكم ذاتي واستقلال إداري..
لقد ذكرنا سابقاً بأن الزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو استطاع أن ينهض
بالبلاد إبان الحرب العالمية الثانية، ويجمع كل الجمهوريات اليوغوسلافية تحت
صيغة اتحادية فيدرالية، فاجتمعت البلاد وتوحدت في ظل النظام الاشتراكي الجديد، ولكن التركيبة الاجتماعية للبلاد بقيت على حالها التي كانت عليها قبل الاتحاد ولم
تتغير. وتلك التركيبة الهشة التي صمدت تحت الحكم الاشتراكي ٤٥ سنة، كانت
نقطة الضعف الرئيسية التي رافقت البلاد طوال تلك الفترة، وكانت الأرضية
الأساسية لأي خطر ممكن أن يهدد الاتحاد اليوغوسلافي في أي وقت؛ فالجمهوريات
اليوغوسلافية عبارة عن تجمعات لعدة قوميات وديانات مختلفة؛ فجمهوريتا الصرب
والجبل الأسود معظم سكانها من الأرثوذكس، وجمهوريتا كرواتيا وسلوفينيا معظم
سكانها من الكاثوليك، أما جمهورية البوسنة والهرسك فأغلبية السكان من المسلمين..
لقد انتهت الحرب الباردة بسقوط النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، ومع
سقوط النظام الشيوعي في عقر داره، بدأت الأنظمة الشيوعية تنهار في الخارج.
الواحد تلو الآخر، وسقط النظام الشيوعي في يوغوسلافيا. وما إن سقط النظام
الشيوعي حتى بدأت الأصابع الأمريكية بالتدخل. مستغلة الحدث الذي لم تكن بعيدة
عنه ... فلقد ذكرت بعض المصادر أنه قبيل البدء بالانتخابات العامة والرئاسية
والمحلية في الجمهوريات اليوغوسلافية مؤخراً، فوجئ الرأي العام بإصدار وزارة
الخارجية الأمريكية وثيقة تضمنت اثني عشر شرطاً على اليوغوسلافيين أن يلتزموا
بها في انتخاباتهم حتى تكون النتائج مقبولة من قبل الولايات المتحدة، فتوافق فيما
بعد على تقديم مساعدات اقتصادية. لقد استنكر اليوغوسلافيون واعترضوا على هذا
التدخل السافر في شؤونهم الداخلية، ولكن ضعف حيلتهم جعلهم يرضخون في نهاية
الأمر. وجرت الانتخابات تحت الرقابة الأمريكية المباشرة، فكانت النتيجة فوزاً
كاسحاً للأحزاب الليبيرالية، اليمينية المتطرفة، والقومية المتعصبة. فلقد أسفرت
الانتخابات في كرواتيا وسلوفينيا عن تأييد كاسح من قبل المواطنين لإعلان
الاستقلال والسيادة الكاملة. فأقامتا فعلاً جميع مؤسساتهما الديمقراطية والتمثيلية،
وأكملتا أيضاً الانتقال الاقتصادي من المركزية إلى السوق الحرة. ففي سلوفينيا،
فاز تحالف أقصى اليمين المنضوية في إطار جبهة ديموس وسيطر على الأغلبية
الساحقة في البرلمان وعلى رئاسة الدولة، ورئاسة الحكومة وأعضائها. وفي
كرواتيا، فاز أيضاً تحالف أحزاب أقصى اليمين بزعامة الرئيس الحالي للجمهورية
(فراينو توجمان) الذي يرأس أيضاً الحزب الليبرالي الكرواتي الحر، أما على
صعيد صربيا (أكبر وأهم الجمهوريات) ، فلقد فاز فيها الحزب الاشتراكي (الشيوعي
سابقاً) بالأغلبية المطلقة في البرلمان كما فاز زعيم الحزب، رئيس الدولة
(سلوبودان ميلوسيفيتش) في انتخابات رئاسة الجمهورية.
لقد أتت نتائج الانتخابات هذه لتشكل تصعيداً في المواجهة بين الجمهوريات
اليوغوسلافية وخاصة بين صربيا وبين الجمهوريتين كرواتيا وسلوفينيا. فهاتان
الجمهوريتان ذات الأغلبية الكاثوليكية، تدعوان وتعملان على قيام جمهوريات
مستقلة، ذات سيادة كاملة وفق الحدود التي رسمها تيتو في دستور ١٩٧٤، مع
الاعتراف بحقوق الأقليات في كل جمهورية وقيام دولة كونفدرالية يوغوسلافية تشبه
الدولة الأوربية الموحد التي ستقوم عام ١٩٩٢. أما جمهورية الصرب، ذات
الأغلبية الأرثوذوكسية، فتعتبر المعقل الرئيسي للخط المتشدد في يوغوسلافية الذي
يعارض التوجه نحو تحويل الاتحاد بين الجمهوريات الست والإقليمين المتمتعين
بالحكم الذاتي، إلي كونفدرالية من دول ذات سيادة، كما يعارض بشدة التحول من
الخط الاشتراكي المتميز الذي عرفت به يوغوسلافيا، إلى الخط الرأسمالي، ويدعو
إلى الإبقاء على النظام الفيدرالي وإعطاء صلاحيات أوسع لصربيا باعتبارها
الكبرى، وإعادة توزيع الثروات والمصالح بما يتفق وتضحيات صربيا وتحسين
مستويات المعيشة في الجمهوريات الفقيرة. أما بالنسبة للجمهوريات الثلاث الباقية،
فجمهورية الجبل الأسود تؤيد المشروع الصربي تأييداً تاماً، وتتحالف مكدونيا
مرحلياً مع صربيا لكنها تدعو للحوار لإيجاد صيغة وسطى بين الفيدرالية
والكونفدرالية، أما جمهورية البوسنة والهرسك فتقف على الحياد بسبب موقعها
الجغرافي الخطير بين صربيا والشمال وتكوين سكانها العرقي الفسيفسائي الذي يضم
أقليات متقاربة العدد من جميع شعوب يوغوسلافيا، وتؤيد هذه الجمهورية مشروع
اتباع القومية الإسلامية الذين يشكلون أكبر أقليات الجمهورية والذين يدعون
للمحافظة على وحدة يوغوسلافيا وإقامة نظام أقرب إلى الصيغة التي يطرحها رئيس
الحكومة (ماركوفيتش) ولكنهم يركزون على استقلال البوسنة والهرسك في حال
انهيار يوغوسلافيا ويرفضون اقتسام الجمهورية بين دولة صربيا والدولة الشمالية.
(تجدر الإشارة هنا بأن مشروع الوزراء أنتي ماركوفيتش، الذي يستند إلى حركة
سياسية أنشأها مؤخراً وتضم المثقفين والعقلاء من كل الجمهوريات الداعيين لنبذ
التطرف القومي والتعصب العرقي والديني، يدعو لإلغاء الحدود نهائياً بين
الجمهوريات وتطبيق نظام ديمقراطي على جميع المواطنين والمساواة واحترام
حقوق الإنسان بصرف النظر عن العقيدة والقومية) .
لقد دخلت يوغوسلافيا خلال الأسابيع القليلة الماضية في نفق مظلم، والحالة
الأمنية والسياسية والاقتصادية في البلاد في تردٍ مستمر. فعلى الصعيد الاقتصادي
يذكر أن يوغوسلافيا تعاني حالياً من معدل تضخم سنوي نحو ١٢٠ في المائة.
ويتدنى الإنتاج الصناعي فيما يهدد العمال بتنظيم إضرابات عامة. ويبلغ مجموع
الديون الخارجية المترتبة على يوغوسلافيا ١٨بليون دولار..
وعلى الصعيد السياسي، فالعلاقات بين الجمهوريات اليوغوسلافية تتدهور
باستمرار والمؤسسات القوانين الفيدرالية تنهار وتخترق على نحو يدفع البلاد إلى
مزيد من انبعاث مشاعر التعصب القومي والتطرف المصحوب بالعنف.. أما على
الصعيد الأمني فعقب النزعات المستمرة بين كرواتيا وصربيا، أخذت الأمور تتفاقم
حتى بدأت الصدامات التي كانت الأسوأ في مدينة باكاراتش في كرواتيا. فلقد
اندلعت الاضطرابات عندما اقتحمت قوات الشرطة الخاصة الكرواتية باكاراتش في
٢/٣/٩١. إثر إعلان القوميين الصرب استقلال المدينة عن الحكم الكرواتي
واستلائهم على المركز الرئيسي للشرطة. وكانت الصدامات عنيفة، حدثت خلالها
عمليات إطلاق نار متبادلة أسفرت على عدة إصابات بين الطرفين مما اضطر
الجيش إلى التدخل ونشر قواته ودباباته في الشوارع الرئيسية في المدينة، من دون
أن تحصل أي مواجهة بينه وبين قوات الشرطة الخاصة الكرواتية التي سحبت قسماً
من قواتها من المدينة بعد أن خف التوتر فيها. ونذكر هنا أن المجلس الرئاسي
اليوغوسلافي كان قد أصدر إنذاره إلى جمهوريتي كرواتيا وسلوفينيا في
٩/١/١٩٩١ممهلاً إياهما عشرة أيام لحل كل التنظيمات المسلحة فيهما، ومن ضمنها قوات الشرطة الخاصة، أو مواجهة تحرك من الجيش اليوغوسلافي لتنفيذ ذلك بالقوة. ولكن المهلة انتهت، فمددت فانتهت ولم يحصل شيء. لقد نزح نتيجة لتلك الصدامات أكثر من خمسة آلاف صربي معظمهم من النساء والأطفال، ولجأوا إلى صربيا وإقليم فويفودينا. ويخشى الصرب الآن الذين يشكلون أحد عشر في المائة من سكان كرواتيا البالغ عددهم ة ٤٤ مليون نسمة، تكرار مجازر الحرب العالمية الثانية التي ارتكبها الكرواتيون بحقهم.
لقد دامت الاضطرابات في كرواتيا ثلاثة أيام، بدأت الحياة بعدها تعود ببطئ
إلى طبيعتها، ولكن بعد أربعة أيام فقط من انتهائها عادت الاضطرابات والصدامات
لتنفجر من جديد، ولكن مع انتقال الكرة هذه المرة من الملعب الكرواتي إلى الملعب
الصريي. ففي ٩/٣/٩١ انفجر الوضع الأمني في بلغراد، عاصمة صربيا، عندما
وقعت اشتباكات عنيفة بين شرطة مكافحة الشغب وعشرات الألوف من المحتجين
المناهضين للشيوعية، أسفرت عن مصرع شخصين على الأقل أحدهما من الشرطة
وإصابة ما لا يقل عن ٧٥ بجروح. ولقد امتدت الاشتباكات إلى مناطق عدة في
العاصمة، وأسفرت عن إحراق عدد كبير من السيارات وتحطيم نوافذ مئات المتاجر، وعلى أثر تلك الاشتباكات، تدخل الجيش اليوغوسلافي وأنزل دباباته إلى شوارع
المدينة، معززة بعدة آلاف من أفراد شرطة مكافحة الشغب، واستطاع أن يسيطر
على الوضع، وأعاد الهدوء إلى المدينة، ولكن لم تمضي ٢٤ ساعة على تدخل
الجيش وإعادة الأمور إلى طبيعتها، حتى جاء قرار من المجلس الرئاسي بسحب
الجيش، وتم سحبه فعلاً من شوارع المدينة في وقت متقدم من ليلة الأحد ١٠/٣/٩١
وفي اليوم التالي لانسحاب الجيش تجددت الصدامات بين الشرطة والمتظاهرين
المعادين للشيوعية مما أدى إلى المزيد من الأضرار. ومع بزوغ فجر الثلاثاء
١٢/٣/٩١ انسحبت وحدات شرطة مكافحة الشغب وسمح للمتظاهرين بالتجمع في الساحة المركزية للمدينة التي تدفقت إليها عشرات الألوف من المتظاهرين الذين راحوا يهتفون ضد الحزب الاشتراكي الحاكم وضد الشيوعية.. لقد شكلت تلك التظاهرات الضخمة ضربة قوية للسلطة الصربية التي وجدت نفسها مضطرة إلى الرضوخ لبعض مطالب المعارضة والإفراج عن زعيمها الذي كانت قد اعتقلته منذ أيام.. إن الوضع الأمني في جمهورية الصرب حالياً متوتر جداً، والأجواء المشحونة والاضطرابات ما زالت على حالها، ويبدو أن الكرة التي استطاعت القوى التحررية الديمقراطية أن تقذفها إلى الملعب الصربي، ما زالت هناك وستبقى، حيث إن اللعبة التي لعبتها تلك القوى كانت موفقة وناجحة وذلك طبعاً بفضل ضغوطات القوى الخارجية وخاصة الأمريكية. فالمراقب للتطورات الدولية، يرى جلياً بأن الأحداث والاضطرابات التي اندلعت في الفترة الأخيرة في يوغوسلافيا، لم تبدأ إلا بعد انتهاء أزمة الخليج التي كانت المطابخ الأمريكية مشغولة بها ...
أخيراً، فإن الساحة الدولية الآن، ومع انتهاء حرب الخليج، تشهد تغييرات
جذرية وخاصة على الصعيد السياسي حيث إن المعركة بين النظامين الرأسمالي
والاشتراكي اللذين ولدا في نفس المطبخ مع نهاية القرن التاسع عشر في أوروبا؛
انتهت لمصلحة النظام الرأسمالي. وعلى هذا الأساس فيبدو أن المعركة في
يوغوسلافيا الآن، وكما حسمت في غيرها من دول أوربا الشرقية، سوف تحسم
لمصلحة القوى الرأسمالية والتحررية ... السؤال المتبقي الآن، هو عن كيفية حسم
تلك المعركة، وان كان الحل السلمي هو المرجح فهل بناء دولة كونفدرالية جديدة
سيكون البديل عن الفيدرالية القديمة؟ وما هو مصير الجمهوريات الصغيرة
والأقليات القومية وخاصة الإسلامية في هذه الحال؟