← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

السعي في حاجة المسلم خولة درويش الحياة قاسية، وأهوالها كثيرة ومصائبها جمة، والإسلام دين الحياة الاجتماعية السليمة، يريد من اتباعه أن يكونوا كالطود الشامخ بل كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. وفي ظل تلك الحياة يشعر المسلم بالطمأنينة والهناء، وترفرف عليه السعادة لشعوره بأنه لا يواجه الحياة بمفرده في خطوبها الجليلة، فإن إخوته المؤمنين يمسحون آلامه ويقيلون عثراته، يعينونه برأيهم وهم له ناصحون ويمدونه بمالهم وهم عليه مشفقون، ويسعون معه بجاههم وهم لخيره راغبون وفي كل ذلك يلتمسون الأجر والقرب منه تعالى. روى الحاكم وقال صحيح الإسناد: «لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته، وأشار بأصبعه أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين» . وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «على كل مسلم صدقة. قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف» رواه البخاري ومسلم. فالمسلم يساعد أخاه المسلم. بقدر إمكانياته بيده، بماله، بجاهه ولا يضيق به مؤثراً السكينة وقد أخلد إلى الراحة.. بينما نجد غيره من إخوته تؤرقهم الهموم، وتقض مضاجعهم المحن.. وبإمكانه أن يمسحها بشيء من الإيثار ولو على حساب راحته. قد تحل بأحد المسلمين مشكلة فماذا يكون موقف الآخرين منها؟ لن نتحدث عن ضعاف الإيمان وإنما نتحدث عن الصفوة التي نأمل منها الكثير.. وكثير من هؤلاء يواجهون المشكلة بهز الكتفين ولسان حال أحدهم يقول: مالي ولهذا الأمر. فأشغالي أجل منها. وفي أحسن حالاته يحوقل ويتأوه وكأنه يقول: ليس بالإمكان أحسن مما كان. إن السلبية واللامبالاة لن تحل أمور المسلمين، وهذه التصرفات لابد أن نؤاخذ عليها. فالنعمة التي خولها الله للعبد سيسأل عنها فيم وضعها؟ فكيف إذا سئل العبد يوم القيامة إن فلاناً المسلم كان في ضائقة وكان بإمكانك مساعدته، وخذلانك له في هذه الحاجة قد ألجأه إلى الرشوة ليحصل على حقه، إنك لو سعيت له في جاهك الذي حباك الله إياه لقضيت مصلحته ويسرت أمره وحلت دون لجوئه إلى الرشوة. وكم من شاب قد ينحرف عن دينه لقضاء مصالحه عن طريق غير المسلمين إذا ساعدوه في المال لإنهاء دراسته! وكم من أسرة تضرع بالدعاء إلى من مد لها يد العون وقد يكون من أعداء الإسلام! .. وهذا ما يقوم به المنصرون في كثير من ديار المسلمين الفقيرة، وأندونيسيا خير شاهد على ذلك. كم من أسرة ناشئة بنيت على غير مرضاة الله للتقصير في مساعدة الشباب على الإحصان الذي يدعو له الشرع! كل ذلك في غيبة الوعي الفعلي والتقدير لقيمة العون. والله تعالى يقول: [مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا] [النساء ٨٥] . فلا تظن أخي المسلم أن العبادة مقصورة على نوع من القربات يرسمها خيالك، إنها كل ما يحبه الله من قول أو عمل. إن سيرك في حاجة أخيك المسلم إن أحسنت النية واحتسبت الأجر من الله قد تكون من أفضل العبادات. يقول ابن القيم ﵀ في معرض ذكره للآراء في أفضل العبادات: (ومنهم من رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعدٍ. فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر. فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي- ﷺ : «الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» رواه أبو يعلى. واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النافع متعدٍ إلى الغير (أين أحدهما من الآخر؟) . قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. واحتجوا أن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي سعى إليه. واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والرّهب) ولعل في هذا القول ما يشفي ويكفي. فإلى قضاء مصالح المسلمين ينبغي أن ينشط الدعاة المخلصون في كل مكان، ولا تشغلهم عنها كثرة التبعات. وما قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع المرأة التي كانت في حالة وضع، ومساعدة زوجها في طهي الطعام عنا ببعيدة. إن الفطرة السوية لن تنسى اليد التي امتدت إليها ساعة المحنة. أيها الأخ المسلم يا من تريد النجاح في الدارين: إن الأمر سهل ميسور، إذا عودت نفسك على قضاء مصالح إخوانك ذوي الحاجات، ولن تنفع الخطب والمواعظ إذا تقاعست عن أداء حق الأخوة والدين. وأنت أيتها الأخت المؤمنة: تذكري كلما حببت إليك نفسك الراحة والسكون: أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

стр. 842

الشورى هل نلتزم بها ؟ محمد العبدة الحديث عن الشورى في الإسلام يكتسب أهمية بالغة وذلك لخطورة هذا الموضوع أولاً، وللمعاناة التي عاناها ويعانيها المسلمون من أثر الاستبداد ثانياً، هذا الاستبداد الذي طال كل شيء: الفرد، والأسرة والتجمعات والدولة، وقد كتب الكثير حول الشورى، وسيكتب لأنها لم تترسخ بعد نظرياً فضلاً عن أن تترسخ عملياً، والمقصود هو التطبيق العملي. إن إعادة الكتابة عنها هو من باب التأكيد والتذكير حتى تصبح قاعدة من قواعد الدعوة والعمل، ولا يقال هنا: ما الفائدة وصورتها التطبيقية لم تأت بعد، وحتى تأتي الحكومة التي تقبلها نكتب عنها. والحقيقة أننا لا نكتب عن الشورى للدولة فقط، بل للدعوة الإسلامية، فالشورى قاعدة مهمة وأصيلة من قواعد بناء الأمة سواء على مستوى مؤسسة أو دولة أو أي تجمع يريد الخير. منذ بداية ما يسمى (عصر النهضة) أي من مائة عام تقريباً وأصحاب الغيرة على الأمة الإسلامية يدندنون حول هذا الموضوع، وسواء أصاب بعضهم أم أخطأ وسواء خلطوا معها مفهوم الحرية والديمقراطية الغربيين أم كانوا واضحين، المهم أن الموضوع كتب عنه لأنه من أساسيات النهضة ولم يترسخ بعد، لم يتحول القرار الفردي إلى قرار جماعي، لم تتحول المؤسسة التي تقوم على جهد جماعة وبدلاً من تطبيقه عملياً، راح بعض الكتاب يجادلون هل الشورى ملزمة أم معلمة؟ مع أن أمر الشورى أكبر من هذا الجدل، فنحن لم نحقق الخطوة الأولى وهي الإصغاء إلى أهل الخبرة والعلم، لم نتعلم فن الاستشارة، قبل أن ننتقل إلى الشورى كممارسة لصنع القرار في شؤوننا العامة، إن التشاور بحد ذاته عمل مهم وهو فن لم نتعود عليه، ولم نتقنه بعد، وقد أدبنا الله بهذا الأدب في لفتات من كتابه الكريم، ولكن يغفل عنها الغافلون. (ففي قوله تعالى للملائكة: [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ليعلم عباده أن أحدهم ولو عظم سلطانه وسما في العلم مكانه، لا يحول ذلك بينه وبين أن يعرض الأمر على من هو دونه، وقص القرآن علينا من أمر بلقيس أنها قالت للملأ من قومها بعد أن اتصلت بكتب سليمان ﵇ [يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ] والقرآن لا يقص علينا القصص للتفكه بالوقائع التاريخية، ولكن ليتعلم الجاهلون) [١] ... ويقول الإمام الطرطوشي منبهاً على أهمية الشورى: (ولا يمنعنك عزمك على إنفاذ رأيك وظهور صدام لك عن الاستشارة ألا ترى أن إبراهيم ﵇ أمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها فيحمله حسن الأدب على الاستشارة فيه فقال: [يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى] . وعدم المشورة يعني الاستبداد (والعمل بالرأي الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف ولا يسوغ أبداً أن يسلم أمر الدولة لإنسان واحد بحيث تكون سعادتها وشقاؤها بيده ولو كان أكمل الناس وأرجحهم عقلاً، وأوسعهم علماً) [٢] . وليس أشد إفساداً للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد، استخذاء تحت سوط الجلاد وتمرداً حين يرفع عنها السوط، وتسيطر حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة) [٣] . ومن التصوير الدقيق لأثر الاستبداد على النفوس وكيف ينزل بها إلى مستوى هابط ما ذكره الكوكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) يقول: (وقد يبلغ من نتائج الاستبداد بالأمة أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب (التسفل) بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور، وإذا ألزمت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أطلق سراحها) [٤] ... فإذا كان الاستبداد يصل بالأمة إلى هذه الدرجة فإن ما قصه القرآن الكريم عن بني إسرائيل وفساد فطرتهم بسبب خضوعهم الطويل لفرعون مصر لهو أكبر شاهد على ذلك. ولابد من الرجوع للقرآن الكريم لنرى ما قال المفسرون حول آية الشورى. ما قيل في آية الشورى: قال رشيد رضا في تفسير قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (وشاورهم في ... الأمر العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف والأمن وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية، أي دم على المشاورة وواظب عليها كما فعلت قبل الحرب (غزوة أحد) وإن أخطأوا الرأي فيها، فإن الخير كل الخير في تربيتهم على المشاورة دون العمل برأي الرئيس وإن كان صواباً لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم، فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر) [٥] ويقول سيد قطب: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] بهذا النص الجازم يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم وهو نص قاطع لم يدع للأمة الإسلامية شكاً في أن الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه. لقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة (معركة أحد) أمام ما أحدثته من انقسام في أوج الظروف ولكن الإسلام كان ينشئ أمة ويربيها ويعدها لقيادة البشرية وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة أن تربى بالشورى، وأن تدرب على حمل التبعة ولو كان وجود القيادة الرشيدة يمنع الشورى لكان وجود محمد ﷺ ومعه الوحي كافياً لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى ولكنه لم يبلغ هذا الحق [٦] . ويقول الطرطوشي: (إذا قيل: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم وواجب عليهم مشاورته. قلنا هذا أدَبٌ أدَّبَ اللهُ تعالى نبيه ﵇ به؛ ومن أقبح ما يوصف به الرجال ملوكاً كانوا أو سوقه الاستبداد بالرأي وترك المشورة) [٧] . قال الرازي في تفسيره: (إنما أمر الرسول ﷺ بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة، ولأنه إذا شاورهم اجتهد كل واحد منهم في تحصيل أصلح الوجوه فيها، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد) [٨] . يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره: (فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره، منها: أن المشاورة. من العبادات المتقرب بها إلى الله ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله) [٩] .

стр. 843

وهلك لويس عوض خالد بن صالح السيف لم أشأ أن أكتب عنه، ولا أحسبني قادراً على إرغام قلمي على إعادة الكتابة عنه مرة ثانية، بيد أن هلاكه أولاً وما حظي به من أزلامه اضطراني إلى أن أكتب محتسباً، وخائفاً من التأثم، إذ أمنحه مساحة لا يستحقها البتة، ولست أدري أتخفى طوية مثل هذا ... ربما! ! إذن فالأمر واجب، وعندها أجد المسوّغ طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار مداخلات: ١- يهب المستريبون أنفسهم دلالات تمنحهم بعداً يأخذ بتلابيب السذج، ليمارسوا التصفيق والمكاء احتساباً وتزلفاً لمقام المريدين، هم أنفسهم جردوا سيوفهم المتثلمة ليعلموها في رقاب الحروف المستقيمة، تعبيراً صلفاً إزاء مواقف زان أربابها لباس التقوى [وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ] [الأعراف ٢٦] . ٢- أحسب أن أمتنا التهمها (تنين الحداثيين) فقُدَّ قميصها من دبر ورأت حسناً ما ليس بالحسن! ! وبانت السوءة! ! من لدن المستغربين سفاهة. وفي هذا المعترك انخرمت قاعدة (الولاء والبراء) فاتسع خرق (العطب) فلم تعد روئيتنا تحسن التفريق بين الهادي والهاذي!! بل انطفأت حدقة الرؤية.. فألفينا الشمس في رابعة النهار (قرص خبز احترق) ورحنا نتعزى (وقد كلمنا) بقول بشار عن نفسه: عميت جنيناً والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلاً وغاص ضياء العين للقلب فاغتذى ... بقلب إذا ما ضيع الناس حصلاً [١] معالم هويته: ما كان (لويس عوض) نكرة ولم يكن أيضاً مستغرقاً في علميته بيد أنهم ... أرادوا له أن يتجاوز صخراً.. وإن رغم أنف الخنساء ﵂ فكان لهم ما أرادوه قسراً! ! تحقيقاً لمآربهم وكان من حينها ومن قبل متجذر الانتماء لأصله وملته! ! فلم لم يكن ذلك كذلك؟ ! لا ريب.. فقد كان! ! وانتصب صنماً لحقب تولت.. بزَّ هُبَلاً! ! في أتون المعارك: وإفرازاً لعطائه المنتن وتجاوزاته المريبة (حيث النزعة الإقليمية.. والعمالة التبشيرية.. وأبعاد النزعة الطائفية) كانت ثمة معارك في أواخر السبعينات ومن أشهر الكتاب الذين ناوشوه في معارك ضارية على اختلاف مشاربهم وعدم رضانا ... عن بعضهم فكراً وعطاءً: توفيق الحكيم.. أحمد بهاء الدين.. د. حسين فوزي ... يوسف إدريس ... وحيد رأفت ... د. محمد إسماعيل علي.. وعبد العظيم رمضان.. بيد أن أفضلهم وأشدهم غيرة وصدقاً أستاذنا وشيخنا محمود شاكر في سفره العظيم الذي سلخ فيه لويس عوض وعراه قبالة الملأ وقد وسمه بـ (أباطيل وأسمار) جزءان في مجلد واحد. يقول في رسالة الكتاب: (ولهذه الفصول غرض واحد وإن تشعبت إليه الطرق. وهذا الغرض هو ما قلت للأخ الصديق الأستاذ محمد عودة: (هو الدفاع عن أمة برمتها هي أمتي العربية الإسلامية، ... وجعلت طريقي أن أهتك الأستار المسدلة التي عمل وراءها رجال فيما خلا من الزمان، ورجال آخرون قد ورثوهم في زماننا وهمهم جميعاً كان: أن يحققوا للثقافة الغربية الوثنية كل الغلبة على عقولنا، وعلى مجتمعنا، وعلى حياتنا وعلى ثقافتنا، وبهذه الغلبة يتم انهيار الكيان العظيم الذي بناه آباؤنا في قرون متطاولة وصححوا به فساد الحياة البشرية في نواحيها الإنسانية والأدبية والأخلاقية والعملية والعلمية الفكرية وردوها إلى طريق مستقيم علم ذلك من علمه وجهله من جهله) [٢] ... أحسب أن شيخنا كفانا مؤنة الإسهاب قي إبانة طوية لويس الفرعوني والذي راح ... أبناء أمتنا يأسفون لهلاكه ويبكون دماً. ... الإسلام في عُرفه [٣] : محصلة رؤيته تجاه الإسلام أوجزها بالآتي: ١- لم يهزم الإسلام الصليبية إلا أنه دين علماني وأكثر علمانية مما كانت عليه مسيحية القرن السابع. ٢- ليس للإسلام نظام سياسي خاص به. كل ما يمكن قوله إن إسلام الأوائل (حين كان الإسلام شديد النقاء) كان نوعاً من الجمهورية الكالفانية! ! ٣- كل الذين يحلمون بنظام حكم إسلامي يؤكدون على الأبعاد الروحية واللاهوتية والبلاغية للإسلام وهذا لا يمكن إلا أن يلغي كل أمل قد يذهبون إليه في أن ينافس نظام الحكم الإسلامي النظم الغربية. ٤- الصحوة الإسلامية ليست إلا تراجعاً تاريخياً تعرقل الجهود الحقيقية لنهضة قومية. هذا هو الإسلام كما يراه هذا الهالك ولا يخرجه عن هذه الأطر وأحسبه موقفاً معروفاً عنه منذ ذي قبل بيد أن التباكي عليه اضطرني إلى نبشه مرة ثانية وحسبي أنه ضرب من الواجب إذا راحت الأقلام تنعاه وكأن الخطب جلل. تعريته لنفسه: يأبى أولئك الحانقون إلا أن يبينوا عن حقيقة أنفسهم بتلقائية المسوق بقدر الله تعالى، وتلك نعمة، فيدان من فيه، وليس ثمة تحامل من الأخيار كما يُزعم! ! ففي عام ١٩٨٥ م قال عن نفسه (أنه وجيله من الكتاب قد أصبحوا من الأشباح وأنهم انتهوا بهزيمة يونيو..) [٤] غير أن تباشير الصحوة ... الإسلامية أقضت فانعتق من (شبحيته) المشبوهة ليمارس تجاه هذا الطود الشامخ حرباً مني فيها وجيله من الأشباح بهزيمة نكراء أركستهم في شبحيتهم [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] . ورغم هذا العطاء الذي أدركت حقيقته يأسرك العجب ساعة أن تعي موقفه تجاه عطائه وقد رضي عنه ... كل الرضا فدونك موقفه حيث يقول: (أنا الآن على بعد خمسين عاماً من هذه الأحداث التي استرجعها في تأمل حزين وعلى الرغم من خمسين عاماً من العلقم جرعتها حتى الثمالة فلست نادماً على اختيارات حياتي مع أني اقتربت من القبر ولا أملك شيئاً من متاع الدنيا غير لقمتي وسترتي) [أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] [فاطر ٨] .

стр. 844

المسلمون في العالم النظام العالمي الجديد: الوجه الآخر للاستعمار -١ - د. أحمد عجاج تجتاح العالم فرحة غامرة، وتسوده حالة من الارتياح والاسترخاء عقب انتهاء حرب الخليج أو ما أصبح يعرف بحرب (تحرير الكويت) ، فالمعتدي، وهو هنا طبعاً العراق، قد لقن درساً قاسياً ورد على أعقابه، والمنطقة بدأت تتنفس من جديد هواء الحرية الذي حرمت منه في الأشهر الأخيرة. فالمستقبل يحمل كل بشائر الخير للمنطقة، وعلامات الرضى والتفاؤل بدأت تظهر ملامحها من خلال تصريحات المسؤولين الغربيين والمتجلية في إعادة ترتيب أوضاع العالم والمنطقة بشكل خاص. فنادراً ما نجد صحيفة أو مسؤولاً عربياً إلا ويتحدث عن الترتيبات الجديدة التي من شأنها أن تنقل المنطقة بلمسة سحرية من حالة الفوضى وعدم الأمن إلى واحة الاستقرار والحرية. وجوهر هذا التفاؤل يرجع أساساً إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطابه الشهير أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب في كانون الثاني حيث أعلن صراحة ودون مواربة رغبته في بناء نظام عالمي جديد للعالم، وهذا النظام سيتم بناؤه بإرادة الولايات المتحدة الأمريكية لأنها (هي الدولة الوحيدة بين دول العالم التي لديها المبدأ الأخلاقي والوسائل المتوفرة لتنفيذه) . إن ترديد معزوفة النظام الجديد، لم تعد محصورة في إطار التصريحات السياسية، بل تعدتها إلى الدوائر الثقافية والاجتماعية حتى أصبحت تردد على ألسنة العامة، دون أن يدرك بالفعل مكنونها ونتائجها. هذا الواقع بالذات يستدعي البحث لكشف جوهر هذا النظام العالمي الجديد والأسباب التي أدت إلى ظهوره ونتائجه المتوقعة على العالم ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. ولتبيان ذلك فإنه ستتم دراسة هذا النظام. ١- النظام الحالي أو ما يعرف بالنظام الثنائي: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شهد العالم مرحلتين من التغيير، تميزت المرحلة الأولى بانحسار نفوذ الإمبراطوريتين العظميين بريطانيا وفرنسا بشكل ملحوظ وتدريجي إلى أن بلغت ذروتها عقب حرب السويس عام ١٩٥٦ والتي توجته بانسحابهما من منطقة الشرق الأوسط. وبدأت المرحلة الثانية مع ظهور الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية دولتين عظيمتين في الساحة الدولية، وبظهورهما ابتدأ العالم يعيش مرحلة جديدة تختلف كلياً عن سابقتها. ولعل من أبرز صفات هذه المرحلة أو الفترة ظهور النظام القطبي الثنائي على مسرح السياسة الدولية. وما يقصد بكلمة القطبي الثنائي هو سيطرة دولتين فقط على مقاليد القوة والزعامة في العالم دون مشاركة غيرهما. فالاتحاد السوفييتي الذي ظهر كقوة يحسب لها حسابها عقب الحرب العالمية الثانية اعتنق الفكر الماركسي كعقيدة يسير ضمن نمطها ونواميسها ويلتزم بموجبها بتقديم كل الدعم لحركات التحرر العالمية التي تناضل من أجل حريتها وسيطرة الطبقة العاملة على مقاليد السلطة. فما يميز السياسة السوفييتية هو الالتزام التام بدعم نظرية الصراع الطبقي الهادفة إلى تقليص نفوذ البورجوازية في العالم، والسيطرة على حركات التحرر والعالم. في الجبهة المقابلة ظهرت الولايات المتحدة التي دخلت الساحة الدولية بعد فترة من الانعزال والانكماش كقوة عظمى استطاعت أن تحطم الآلة العسكرية الألمانية شر تحطيم. فالولايات المتحدة الأمريكية اعتنقت النظام الرأسمالي القائم على الحرية والمبادرة الفردية في امتلاك وسائل الإنتاج والتوزيع. وهكذا فإن كلا النظامين مناقض للآخر بطبيعته ويسعى كل منهما لإلحاق الهزيمة بالآخر. هذا الواقع دفع الرئيس الأمريكي ترومان إلى القول أن العالم منقسم إلى قسمين: أحدهما: ... (ديمقراطي مبني على حكم الأكثرية) والآخر: (دكتاتوري مبني على حكم الأقلية التي تفرض نفسها على الأكثرية) لذلك فإن واجب الولايات المتحدة الأمريكية هو أن تقدم (الدعم للأحرار من الشعوب الذين يتحدون الخضوع للقلة الحاكمة التي تفرض نفسها عليهم عبر الدعم الخارجي) . وهكذا يتضح أن الصراع بين هاتين الدولتين هو صراع عقائدي ومصلحي في آن معاً؛ لأن انتصار أي منهم هو تهديد لأمن ومصالح الآخر. لذلك كان من الطبيعي جداً أن تعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقليص النفوذ السوفيتي في أية بقعة من بقاع العالم من أجل تدعيم موقفها، والسيطرة على مقاليد الزعامة التامة. غير أنه رغم ضراوة هذا التنافس وشدته فإن هناك ضوابط ومعايير ونظماً تحكم نمط أو أطر سياسة كل منهما بالآخر. وجوهر هذه الضوابط والنظم يتمثل في اعتماد الدولتين العظميين نظرية الدمار المتبادل كمرتكز أساسي في سياستهما. ومفاد هذه النظرية أن نتيجة السلاح النووي المتكدس في ترسانتها - والذي هو من القوة والتدمير بمكان إذ يسمح بتدمير الكرة الأرضية خمس مرات إن هو استعمل- تحتم على الفريقين حسب هذه النظرية تجنب أية مواجهة عسكرية مباشرة، لأنها ستؤدي فعلاً إلى كارثة بشربة تنهي العالم. وبالفعل فإن الدولتين العظميين استطاعتا عبر عقود من الزمن أن يتجنبا المواجهة المباشرة عن طريق تذليل أية عقبات مهما عظمت أو تفاقمت، ولا تزال أزمة الصواريخ الروسية في كوبا مثلاً حياً على ذلك، إذ انتهت بسحب الصواريخ الروسية مقابل سحب الصواريخ الأمريكية في جنوب تركيا، وتعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بعدم التدخل بشؤون كوبا البلد الحليف للاتحاد السوفيتي. إلا أن هذه المواجهة لم تمنع كلا الدولتين من الاتفاق على مناطق نفوذ خاصة بينهما. فأوروبا الشرقية هي حكر خاص للاتحاد السوفيتي يفعل بها ما يشاء دون أي تدخل مباشر من الولايات المتحدة، وما اجتياح الاتحاد السوفيتي لتشيكوسلوفكيا والمجر وغيرها إلا دليل ساطع على اعتراف الولايات المتحدة بسلطته المطلقة على البقعة، وكذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي سيطرت على أمريكا اللاتينية دون أي تدخل مباشر من الاتحاد السوفييتي. إلا أن هذا الاعتراف لم يمنع الدولتين من التسابق والتزاحم على الزعامة في العالم الثالث وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الخاصة لكل من الدولتين. إلا أن هذا الصراع يبقى مرتبطاً ارتباطاً جذرياً بنظرية الدمار المتبادل التي تمنع أي تطور في المجابهة من شأنه أن يقود إلى حرب مباشرة، وذلك من أجل الحفاظ على مصالحها المشتركة. هذا النظام استطاع أن يؤمن نوعاً من التوازن في العلاقات الدولية تستطيع الدول الأخرى بموجبه أن تلعب دوراً عن طريق الالتفاف حول دولة دون الأخرى من أجل تأمين مصالحهم. وهذا الواقع استطاع أن يستمر فترة طويلة من الزمن منذ قمة مالطا عام ١٩٤٥ بين الدولتين العظميين إلى أن تسلم الرئيس السوفييتي غورباتشوف مقاليد السلطة والزعامة في الكرملين، حيث ادخل تغييرات جذرية على نظرية الدمار المتبادل، مما أدى إلى زوال النظام القطبي الثنائي. ٢- التغييرات الجديدة في النظام القطبي الثنائي: ما إن تسلم الرئيس السوفيتي غورباتشوف مقاليد السلطة حتى سارع إلى عملية إعادة النظر في السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي، فالزعيم السوفيتي نتيجة لأوضاع محلية واقتصادية متردية وغياب تام للحرية الفردية بدأ مرحلة من التطوير البطيء في هيكلية السياسة الخارجية والداخلية لبلده، ذلك التحول بدأ بهدم السياسة القديمة، والمبنية على دعم حركات التحرر من أجل نصرة الصراع الطبقي والتصدي للإمبريالية، واستبدالها بنظرية الوفاق الدولي والتعاون الاقتصادي خصوصاً مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيجابية هذه النظرية الجديدة تتلخص في تقليل الدعم المادي للحركات الثورية وإعادة استخدامه ضمن مشاريع اقتصادية داخل الاتحاد السوفييتي من أجل دفع عجلة التنمية التي يحتاجها بصورة ماسة. إضافة إلى ذلك فإن الاتحاد السوفيتي لم يعد يرى نفعاً في التسابق مع الولايات المتحدة الأمريكية، لأن من شأن هذا التسابق أن يلحق الضرر بالطرفين وأن يهدد أمن العالم في لحظة ما، لذلك رأى الاتحاد السوفيتي في الاعتماد على منظمة الأمم المتحدة مدخلاً إيجابياً ومهماً في تطوير العلاقات الدولية وتوظيفها في خدمة السلام العالمي، وهكذا فإن الاتحاد السوفييتي بسياسته الجديدة قد تخلى عن نظرية الدمار المتبادلة لمصلحة إحلال التعاون والتبادل الاقتصادي بين الدولتين العظميين كبديل واقعي ومنطقي. هذا التفكير قد لخصه المحلل للعلاقات الدولية (ولندر) في مقالة عن الاتحاد السوفيتي حيث قال: (الدول العظمى لا يمكن أن تحمي أمنها ... عن طريقة المواجهة، لأن أية محاولة إلحاق الضرر بأي منها سيدفع الآخر إلى الرد، وهكذا فإن الحرب تصبح حقيقة. لذلك فإن حالة التصعيد المستمرة والبحث المتبادل عن إلحاق الهزيمة بالآخر سيؤديان إلى نقل الصراع من حرب غير مباشرة إلى حرب مباشرة بين طرفين لم يختاراها طائعين) . وهكذا فالاتحاد السوفيتي، يكون قد تخلى عن سياسته القديمة تماماً، ولا عجب إذن أن نجد كاتباً في صحيفة (إزفستيا) السوفياتية مقرباً من الرئيس غورباتشوف يقول: (من الممكن جداً أن توجد حالة يضحي بها الاتحاد السوفييتي بمبدأ الصراع الطبقي من أجل مصلحة أعم وأشمل) . وما يقصده بتلك المصلحة هو زيادة التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية من أجل الحصول على مساعدات اقتصادية لدعم الاقتصاد السوفيتي المنهار. هذا التحول الهائل في سياسة الاتحاد السوفييتي لم يقابله أبداً حدوث أي تغيير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق، فالولايات المتحدة لم تتخل مطلقاً عن تفكيرها القديم الهادف إلى تقزيم النفوذ السوفييتي في العالم على الصعيدين الأيديولوجي والعسكري. فعلى الصعيد الأيديولوجي توجته أمريكا بانهيار النظرية الماركسية والتي اعترف بها قادة الاتحاد السوفيتي أنفسهم. أما على الصعيد العسكري فقد اغتنمت الولايات المتحدة الفرصة ووظفتها لتقوية نفوذها السياسي عبر السيطرة العسكرية، وتوظيف الطاقة العسكرية هو ناتج طبيعي للسياسة الأمريكية التي أصابتها أيضاً بوادر الضعف والانحسار. فأمريكا بعد عقود من الزمن قضتها في التصدي للشيوعية أصبحت دولة منهكة اقتصادياً مما أجبرها على التراجع في ميادين المنافسة الاقتصادية التي هي عنصر هام من عناصر القيادة العالمية. فالولايات المتحدة التي تصاعد نجمها بعد الحرب العالمية الثانية تميزت بنمو اقتصادي سريع انعكس في زيادة فائض كبير في رأس المال استطاعت أن توظفه في أوربا عبر مشروع مارشال الذي بلغ حوالي ١٣-١٥مليار وأن تمول به حلف شمال الأطلسي لمواجهة الاتحاد السوفييتي. إلا أن النجم الأمريكي لم يتسن له أن يستمر في التطور الاقتصادي السريع نتيجة ظهور قوى اقتصادية أخرى حدَّت من التقدم الاقتصادي الأمريكي. ففي الفترة الممتدة بين عامي ١٩٤٥-١٩٥٨ استطاعت أوربا الغربية واليابان أن تظهر بقوة على الساحة الاقتصادية، مما أثر بشكل بالغ على الناتج الإجمالي للاقتصاد الأمريكي من إجمالي الناتج العالمي حيث تدهور من نسبة ٢٧% عام١٩٥٠ إلى ١٨ % عام ١٩٨٤ فالتردي الاقتصادي أجبر الرئيس الأمريكي نيكسون في فترة السبعينات وبالتحديد عام ١٩٧١ وبقرار منفرد ودون الرجوع إلى صندوق النقد الدولي إلى وقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب حسب اتفاق بريتون وودز لأن استمرار هذا التعهد سيؤدي في النهاية إلى فقدان الولايات المتحدة الأمريكية رصيدها من الذهب وبانتهاء عصر (بريتون وودز) فقدت الولايات المتحدة الأمريكية سلطتها في مجال النقد الدولي إذ أن معظم التحويلات النقدية بدأت تتم خارج صندوق النقد الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا انقلبت المعادلة فأصبحت الولايات المتحدة مع مرور الوقت دولة مدينة بدل أن تكون دائنة. فحسب الإحصاءات الرسمية والموثوقة فإن ديون الولايات المتحدة قفزت من ١١٢ مليار عام ١٩٨٥ إلى ٢٦٣. ٦مليار دولار عام ١٩٨٦. ومما زاد أزمة الولايات المتحدة الأمريكية سوءاً مبادرة الرئيس غورياتشوف القائمة على نزع فتيل التفجير مما أدى إلى تقليل الدور العسكري الأمريكي لدى الدول الغربية واليابان، إضافة إلى ذلك فإن عامل الانفجار الدولي أدى إلى تخفيض الاتفاق العسكري الأمريكي مما هدد قطاع الصناعة العسكري الذي يلعب دوراً هاماً في عجلة الاقتصاد. هذا العامل من الأهمية بمكان إذ أن تخفيض الإنفاق العسكري سيؤدي إلى خلق نسبة عالية من البطالة في قطاع الصناعة الحربية مما ينعكس سلباً على الوضع الاقتصادي والسياسي. هذه المعطيات المتمثلة بتخلي الاتحاد السوفييتي عن سياسته القديمة والصعوبات الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية دفعت الأخيرة إلى التركيز على الدور العسكري من أجل تثبيت هيمنتها والتأكد من اندحار النظرية الماركسية من أجل تكريس دورها في صناعة نظام جديد تستطيع من خلاله أن تتخطى الصعوبات الاقتصادية، وتتابع دورها في العالم، وقد تسنى لها أن تحقق ذلك الحلم عبر ما يعرف بأزمة الخليج. (يتبع)

стр. 845

الأزمة الحالية في يوغوسلافيا مازن عبد الله عام ١٩١٨ كان عام ظهور يوغوسلافيا إلى الوجود. لقد بدأت يوغوسلافيا حينذاك رحلتها السياسية باتباع نظام ملكي، وكانت مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية، هي العنصر الصربي، العنصر الكرواتي والعنصر السلوفيني. لقد بقيت يوغوسلافيا تحت النظام الملكي حتى نشوب الحرب العالمية الثانية حيث انهارت تلك المملكة (الصربو - كرواتية - سلوفينية) .. ولكن إبان الحرب، جاء الجنرال جوزيف تيتو ليقود حركة التحرير الشعبية ويحرر البلاد من الاحتلال ويعيد بناءها حسب نظام فيدرالي مختلف تماماً عن سابقه، تحت اسم اتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية الاشتراكية. إن النظام السياسي المتبع في يوغوسلافيا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، هو نظام فيدرالي يضم اتحاداً لست جمهوريات هي جمهورية صربيا، جمهورية كرواتيا، جمهورية سلوفينيا، جمهورية البوسنة والهرسك، جمهورية مكدونيا وجمهورية الجبل الأسود، بالإضافة إلى إقليمي كوسوفو وفويفودينا اللذين يتمتعان بحكم ذاتي واستقلال إداري.. لقد ذكرنا سابقاً بأن الزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو استطاع أن ينهض بالبلاد إبان الحرب العالمية الثانية، ويجمع كل الجمهوريات اليوغوسلافية تحت صيغة اتحادية فيدرالية، فاجتمعت البلاد وتوحدت في ظل النظام الاشتراكي الجديد، ولكن التركيبة الاجتماعية للبلاد بقيت على حالها التي كانت عليها قبل الاتحاد ولم تتغير. وتلك التركيبة الهشة التي صمدت تحت الحكم الاشتراكي ٤٥ سنة، كانت نقطة الضعف الرئيسية التي رافقت البلاد طوال تلك الفترة، وكانت الأرضية الأساسية لأي خطر ممكن أن يهدد الاتحاد اليوغوسلافي في أي وقت؛ فالجمهوريات اليوغوسلافية عبارة عن تجمعات لعدة قوميات وديانات مختلفة؛ فجمهوريتا الصرب والجبل الأسود معظم سكانها من الأرثوذكس، وجمهوريتا كرواتيا وسلوفينيا معظم سكانها من الكاثوليك، أما جمهورية البوسنة والهرسك فأغلبية السكان من المسلمين.. لقد انتهت الحرب الباردة بسقوط النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، ومع سقوط النظام الشيوعي في عقر داره، بدأت الأنظمة الشيوعية تنهار في الخارج. الواحد تلو الآخر، وسقط النظام الشيوعي في يوغوسلافيا. وما إن سقط النظام الشيوعي حتى بدأت الأصابع الأمريكية بالتدخل. مستغلة الحدث الذي لم تكن بعيدة عنه ... فلقد ذكرت بعض المصادر أنه قبيل البدء بالانتخابات العامة والرئاسية والمحلية في الجمهوريات اليوغوسلافية مؤخراً، فوجئ الرأي العام بإصدار وزارة الخارجية الأمريكية وثيقة تضمنت اثني عشر شرطاً على اليوغوسلافيين أن يلتزموا بها في انتخاباتهم حتى تكون النتائج مقبولة من قبل الولايات المتحدة، فتوافق فيما بعد على تقديم مساعدات اقتصادية. لقد استنكر اليوغوسلافيون واعترضوا على هذا التدخل السافر في شؤونهم الداخلية، ولكن ضعف حيلتهم جعلهم يرضخون في نهاية الأمر. وجرت الانتخابات تحت الرقابة الأمريكية المباشرة، فكانت النتيجة فوزاً كاسحاً للأحزاب الليبيرالية، اليمينية المتطرفة، والقومية المتعصبة. فلقد أسفرت الانتخابات في كرواتيا وسلوفينيا عن تأييد كاسح من قبل المواطنين لإعلان الاستقلال والسيادة الكاملة. فأقامتا فعلاً جميع مؤسساتهما الديمقراطية والتمثيلية، وأكملتا أيضاً الانتقال الاقتصادي من المركزية إلى السوق الحرة. ففي سلوفينيا، فاز تحالف أقصى اليمين المنضوية في إطار جبهة ديموس وسيطر على الأغلبية الساحقة في البرلمان وعلى رئاسة الدولة، ورئاسة الحكومة وأعضائها. وفي كرواتيا، فاز أيضاً تحالف أحزاب أقصى اليمين بزعامة الرئيس الحالي للجمهورية (فراينو توجمان) الذي يرأس أيضاً الحزب الليبرالي الكرواتي الحر، أما على صعيد صربيا (أكبر وأهم الجمهوريات) ، فلقد فاز فيها الحزب الاشتراكي (الشيوعي سابقاً) بالأغلبية المطلقة في البرلمان كما فاز زعيم الحزب، رئيس الدولة (سلوبودان ميلوسيفيتش) في انتخابات رئاسة الجمهورية. لقد أتت نتائج الانتخابات هذه لتشكل تصعيداً في المواجهة بين الجمهوريات اليوغوسلافية وخاصة بين صربيا وبين الجمهوريتين كرواتيا وسلوفينيا. فهاتان الجمهوريتان ذات الأغلبية الكاثوليكية، تدعوان وتعملان على قيام جمهوريات مستقلة، ذات سيادة كاملة وفق الحدود التي رسمها تيتو في دستور ١٩٧٤، مع الاعتراف بحقوق الأقليات في كل جمهورية وقيام دولة كونفدرالية يوغوسلافية تشبه الدولة الأوربية الموحد التي ستقوم عام ١٩٩٢. أما جمهورية الصرب، ذات الأغلبية الأرثوذوكسية، فتعتبر المعقل الرئيسي للخط المتشدد في يوغوسلافية الذي يعارض التوجه نحو تحويل الاتحاد بين الجمهوريات الست والإقليمين المتمتعين بالحكم الذاتي، إلي كونفدرالية من دول ذات سيادة، كما يعارض بشدة التحول من الخط الاشتراكي المتميز الذي عرفت به يوغوسلافيا، إلى الخط الرأسمالي، ويدعو إلى الإبقاء على النظام الفيدرالي وإعطاء صلاحيات أوسع لصربيا باعتبارها الكبرى، وإعادة توزيع الثروات والمصالح بما يتفق وتضحيات صربيا وتحسين مستويات المعيشة في الجمهوريات الفقيرة. أما بالنسبة للجمهوريات الثلاث الباقية، فجمهورية الجبل الأسود تؤيد المشروع الصربي تأييداً تاماً، وتتحالف مكدونيا مرحلياً مع صربيا لكنها تدعو للحوار لإيجاد صيغة وسطى بين الفيدرالية والكونفدرالية، أما جمهورية البوسنة والهرسك فتقف على الحياد بسبب موقعها الجغرافي الخطير بين صربيا والشمال وتكوين سكانها العرقي الفسيفسائي الذي يضم أقليات متقاربة العدد من جميع شعوب يوغوسلافيا، وتؤيد هذه الجمهورية مشروع اتباع القومية الإسلامية الذين يشكلون أكبر أقليات الجمهورية والذين يدعون للمحافظة على وحدة يوغوسلافيا وإقامة نظام أقرب إلى الصيغة التي يطرحها رئيس الحكومة (ماركوفيتش) ولكنهم يركزون على استقلال البوسنة والهرسك في حال انهيار يوغوسلافيا ويرفضون اقتسام الجمهورية بين دولة صربيا والدولة الشمالية. (تجدر الإشارة هنا بأن مشروع الوزراء أنتي ماركوفيتش، الذي يستند إلى حركة سياسية أنشأها مؤخراً وتضم المثقفين والعقلاء من كل الجمهوريات الداعيين لنبذ التطرف القومي والتعصب العرقي والديني، يدعو لإلغاء الحدود نهائياً بين الجمهوريات وتطبيق نظام ديمقراطي على جميع المواطنين والمساواة واحترام حقوق الإنسان بصرف النظر عن العقيدة والقومية) . لقد دخلت يوغوسلافيا خلال الأسابيع القليلة الماضية في نفق مظلم، والحالة الأمنية والسياسية والاقتصادية في البلاد في تردٍ مستمر. فعلى الصعيد الاقتصادي يذكر أن يوغوسلافيا تعاني حالياً من معدل تضخم سنوي نحو ١٢٠ في المائة. ويتدنى الإنتاج الصناعي فيما يهدد العمال بتنظيم إضرابات عامة. ويبلغ مجموع الديون الخارجية المترتبة على يوغوسلافيا ١٨بليون دولار.. وعلى الصعيد السياسي، فالعلاقات بين الجمهوريات اليوغوسلافية تتدهور باستمرار والمؤسسات القوانين الفيدرالية تنهار وتخترق على نحو يدفع البلاد إلى مزيد من انبعاث مشاعر التعصب القومي والتطرف المصحوب بالعنف.. أما على الصعيد الأمني فعقب النزعات المستمرة بين كرواتيا وصربيا، أخذت الأمور تتفاقم حتى بدأت الصدامات التي كانت الأسوأ في مدينة باكاراتش في كرواتيا. فلقد اندلعت الاضطرابات عندما اقتحمت قوات الشرطة الخاصة الكرواتية باكاراتش في ٢/٣/٩١. إثر إعلان القوميين الصرب استقلال المدينة عن الحكم الكرواتي واستلائهم على المركز الرئيسي للشرطة. وكانت الصدامات عنيفة، حدثت خلالها عمليات إطلاق نار متبادلة أسفرت على عدة إصابات بين الطرفين مما اضطر الجيش إلى التدخل ونشر قواته ودباباته في الشوارع الرئيسية في المدينة، من دون أن تحصل أي مواجهة بينه وبين قوات الشرطة الخاصة الكرواتية التي سحبت قسماً من قواتها من المدينة بعد أن خف التوتر فيها. ونذكر هنا أن المجلس الرئاسي اليوغوسلافي كان قد أصدر إنذاره إلى جمهوريتي كرواتيا وسلوفينيا في ٩/١/١٩٩١ممهلاً إياهما عشرة أيام لحل كل التنظيمات المسلحة فيهما، ومن ضمنها قوات الشرطة الخاصة، أو مواجهة تحرك من الجيش اليوغوسلافي لتنفيذ ذلك بالقوة. ولكن المهلة انتهت، فمددت فانتهت ولم يحصل شيء. لقد نزح نتيجة لتلك الصدامات أكثر من خمسة آلاف صربي معظمهم من النساء والأطفال، ولجأوا إلى صربيا وإقليم فويفودينا. ويخشى الصرب الآن الذين يشكلون أحد عشر في المائة من سكان كرواتيا البالغ عددهم ة ٤٤ مليون نسمة، تكرار مجازر الحرب العالمية الثانية التي ارتكبها الكرواتيون بحقهم. لقد دامت الاضطرابات في كرواتيا ثلاثة أيام، بدأت الحياة بعدها تعود ببطئ إلى طبيعتها، ولكن بعد أربعة أيام فقط من انتهائها عادت الاضطرابات والصدامات لتنفجر من جديد، ولكن مع انتقال الكرة هذه المرة من الملعب الكرواتي إلى الملعب الصريي. ففي ٩/٣/٩١ انفجر الوضع الأمني في بلغراد، عاصمة صربيا، عندما وقعت اشتباكات عنيفة بين شرطة مكافحة الشغب وعشرات الألوف من المحتجين المناهضين للشيوعية، أسفرت عن مصرع شخصين على الأقل أحدهما من الشرطة وإصابة ما لا يقل عن ٧٥ بجروح. ولقد امتدت الاشتباكات إلى مناطق عدة في العاصمة، وأسفرت عن إحراق عدد كبير من السيارات وتحطيم نوافذ مئات المتاجر، وعلى أثر تلك الاشتباكات، تدخل الجيش اليوغوسلافي وأنزل دباباته إلى شوارع المدينة، معززة بعدة آلاف من أفراد شرطة مكافحة الشغب، واستطاع أن يسيطر على الوضع، وأعاد الهدوء إلى المدينة، ولكن لم تمضي ٢٤ ساعة على تدخل الجيش وإعادة الأمور إلى طبيعتها، حتى جاء قرار من المجلس الرئاسي بسحب الجيش، وتم سحبه فعلاً من شوارع المدينة في وقت متقدم من ليلة الأحد ١٠/٣/٩١ وفي اليوم التالي لانسحاب الجيش تجددت الصدامات بين الشرطة والمتظاهرين المعادين للشيوعية مما أدى إلى المزيد من الأضرار. ومع بزوغ فجر الثلاثاء ١٢/٣/٩١ انسحبت وحدات شرطة مكافحة الشغب وسمح للمتظاهرين بالتجمع في الساحة المركزية للمدينة التي تدفقت إليها عشرات الألوف من المتظاهرين الذين راحوا يهتفون ضد الحزب الاشتراكي الحاكم وضد الشيوعية.. لقد شكلت تلك التظاهرات الضخمة ضربة قوية للسلطة الصربية التي وجدت نفسها مضطرة إلى الرضوخ لبعض مطالب المعارضة والإفراج عن زعيمها الذي كانت قد اعتقلته منذ أيام.. إن الوضع الأمني في جمهورية الصرب حالياً متوتر جداً، والأجواء المشحونة والاضطرابات ما زالت على حالها، ويبدو أن الكرة التي استطاعت القوى التحررية الديمقراطية أن تقذفها إلى الملعب الصربي، ما زالت هناك وستبقى، حيث إن اللعبة التي لعبتها تلك القوى كانت موفقة وناجحة وذلك طبعاً بفضل ضغوطات القوى الخارجية وخاصة الأمريكية. فالمراقب للتطورات الدولية، يرى جلياً بأن الأحداث والاضطرابات التي اندلعت في الفترة الأخيرة في يوغوسلافيا، لم تبدأ إلا بعد انتهاء أزمة الخليج التي كانت المطابخ الأمريكية مشغولة بها ... أخيراً، فإن الساحة الدولية الآن، ومع انتهاء حرب الخليج، تشهد تغييرات جذرية وخاصة على الصعيد السياسي حيث إن المعركة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي اللذين ولدا في نفس المطبخ مع نهاية القرن التاسع عشر في أوروبا؛ انتهت لمصلحة النظام الرأسمالي. وعلى هذا الأساس فيبدو أن المعركة في يوغوسلافيا الآن، وكما حسمت في غيرها من دول أوربا الشرقية، سوف تحسم لمصلحة القوى الرأسمالية والتحررية ... السؤال المتبقي الآن، هو عن كيفية حسم تلك المعركة، وان كان الحل السلمي هو المرجح فهل بناء دولة كونفدرالية جديدة سيكون البديل عن الفيدرالية القديمة؟ وما هو مصير الجمهوريات الصغيرة والأقليات القومية وخاصة الإسلامية في هذه الحال؟

стр. 846

هل تضرب إسرائيل المفاعل النووي الباكستاني ؟ عدنان محمد عبد الرزاق نسأل الله تعالى ألا نكون عن عدونا غافلين ولا نكون كذلك من المهولين، فقد ذاق العرب سابقاً وبال أمرهم إذ كانوا من الغافلين والمستهينين بقدرة عدوهم، وبعد ذلك انقلبوا مهولين خائفين من قوته وهذا ما أراده العدو لهم بل ما أرادوه لأنفسهم. والحقيقة أن إسرائيل تخطط وتعمل ليل نهار وتنفذ بالوقت المناسب، وما عملية ضرب المفاعل النووي العراقي وقصر المنظمة في تونس وإنقاذ الرهائن في عنتيبي (أوغندا) . والذي لا بد من قوله: أن الإستراتيجية الغربية (إنكلترا سابقاً وأمريكا لاحقاً) حين ساعدوا إسرائيل في البناء ساعدتها لتكون جزءاً منها فأي اعتداء على إسرائيل أو تهديد لن ترضى عنه دول الغرب والعكس كذلك، وهذا الربط يقودنا إلى السعي الجاد والمستمر الذي تسعاه أمريكا للضغط على باكستان من أجل إيقاف أو تأخير أو إفشال برنامجها النووي.. لماذا تلهث أمريكا وراء ذلك وهي الساكتة عن برامج الهند النووية وإسرائيل؟ وهذا لا يخفى على أحد من أن الخوف أشد الخوف من أن يتمكن الباكستان من صنع تلك القنبلة والتي يمكن أن تهدد أمن إسرائيل بشكل أو بأخر. والباكستان وإن كانت عن الإستراتيجية الغربية ليست بعيدة، إلا أنها عن استراتيجيتها وهواجسها الخاصة وتاريخها ومستقبلها في المنطقة يفرض عليها أن تكون قوة متوازنة مع أعدائها وفي مقدمتهم الهند. هذا ما يفسر لنا أن من أهم أسباب دعم الباكستان للمجاهدين الأفغان لعل أفغانستان تصبح عمقاً استراتيجياً لباكستان إزاء الهند وهذا ما لا ترضاه أمريكا وكان من نقاط الخلاف مع القادة البكستانيين ابتداء من ضياء الحق حتى اليوم. وأمريكا وإن كانت تدرك تماماً ظروف باكستان ولا تذهب مذهب إسرائيل من أن هذه القنبلة سوف تهدد أمن إسرائيل إلا أنها (أمريكا) تخشى أن يفلت الأمر من يدها وهذا ما نشهد بداياته الآن؛ فأمريكا التي كانت تحتضن الباكستان وتدعمه وتؤدبه عند الغرور فقد عجزت رغم كل ثقلها عن إنجاح بي نظير بوتو لتفوز كرئيسة للوزراء، والبكستانيون وإن كانوا من أقل الشعوب تأثراً بالأحداث التي تدور في العالم اليوم إلا أن رياح التغيير لامست وجوههم فأفرزت الانتخابات الأخيرة التي توقع لها الشعب أن تضع حلولاً لمشاكلهم المستعصية وثار غضب أمريكا وخشيت أن يتسلل للسلطة بعض الإسلاميين وحذرت إن لم توقف الباكستان برنامجها النووي فسوف تقطع عنها المساعدات ولكن كما ذكرنا سابقاً هذا موضوع غير قابل للنقاش وفعلاً قطعت أمريكا مساعداتها العسكرية والغذائية وبدأت في باكستان مرحلة ضائقة اقتصادية خانقة حبست الحكومة في اعتباراتها الأولى وهو بداية الأزمات التي تخطط لها أمريكا وحلفاؤها ومع تشابك الخيوط في الخليج وما حوله ومع فشل محاولات الضغط الأمريكية على باكستان يصبح الخيار العسكري والذي كانت تطالب به إسرائيل قائماً وهو ضرب المفاعل النووي الباكستاني والذي قد خطط له سابقاً بمعاونة فنية من الهند والتي كانت تدعو إسرائيل له وهذا الأمر لن يفاجئ باكستان إذ أنها هددت إسرائيل سابقاً من أنها سترد رداً مؤلماً ولكن المضحك المبكي أن تهدد باكستان (١٢٠ مليون نسمة) وعلى بعد آلاف الأميال من إسرائيل وتخشاها وتحتج كما تحتج على الحكم الشيوعي في أفغانستان حين تسقط على أراضيها صواريخ سكود ويقتل عشرات الأبرياء إلى متى ذلك أما آن الأوان لكي نُهَدِدْ ولا نُهَدَد ونخيف ولا نخاف والرسول ﷺ يقول: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» فهلا نتبع خطاه وننصر وليس أمام الباكستانيين إذا أرادوا العزة في الدنيا والآخرة غير تقنين شرع الله فالدنيا الآن تجاهر بكفرها فعلينا أن نجاهر بتطبيق شرع ربنا القائل [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ] .

стр. 847

تربية ملاعبة الأطفال والرأفة بهم خولة درويش هؤلاء الأطفال ذوو النفوس الصافية، أحوج الناس إلى الرحمة بهم، والعطف عليهم، فهم يحسون بحسن المعاملة حسب مداركهم، ويهتمون بمن يوادهم منذ نعومة أظفارهم. فاللعب حق من حقوق الصغار، وهو رمز لحيويتهم ونشاطهم، ويرى (فروبل) أن الطفل الذي يلعب بنشاط، ولا ينفك يلعب حتى يصيبه الإجهاد فيكف؛ هذا الطفل سيكون في مستقبل حياته شخصاً ذا إرادة وعزيمة يكافح ويستميت في النضال لخيره وخير غيره [١] .. وكان الرسول ﷺ يداعب الأطفال، ويرأف بهم ويحسن ملاعبتهم ومن ذلك مواقفه مع أحفاده ومع أبناء الصحابة -رضوان الله عليهم - عن أبي هريرة ﵁ قال: «قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر رسول الله إليه ثم قال: من لا يرحم لا يُرحم» [٢] . فالأطفال هم الأطفال، اللهو وحب اللعب من طبيعتهم، والإسلام يعطي الطفولة حقها ويراعي الفطرة الإنسانية فلا يكبتها. عن عائشة ﵂ قالت: «دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ألعب بالبنات (أي اللعب) فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: خيل سليمان ولها أجنحة فضحك» . كان هذا والسيدة عائشة جارية صغيرة السن، يراعي رسول الله سنها ودواخلها الفطرية، فلا ينهرها كما يفعل بعض الجفاة، ولذا هي بقلبها الكبير النابض بحب الخير، تصبح من أمهات المؤمنين اللواتي يتسع عقولهن لمختلف فنون العلم والتي قد يعجز عن مثلها الرجال. فما كان لهو الطفولة سبباً يباعد بينها وبين النبوغ. وقد جاء في الإصابة أنه ﷺ كان يداعب الحسن والحسين ﵄ ويمشي على يديه وركبتيه وهما يتعلقان به من الجانبين فيمشي بهما ويقول: «نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما» . وهكذا فمن أهم واجبات المربي ولا سيما الأم أن تلعب مع أطفالها بمرح وحبور بعيداً عن الأنفة والكبر، يقول معاوية -رضي الله تعالى عنه-: (من كان له صبي فليتصاب له) . ولا يفوتنا أن الغرض من اللعب ليس التسلية فقط ولا تمضية الوقت وبعثرته وإنما نهدف إضافة إلى الترويح والتسلية أهدافاً نبيلة مفيدة تجعل اللعب في خدمة المثل، توجهها الأم الحكيمة الوجهة التي تريدها وترضي ربها. ففي اللعب التمثيلي يتعلم الأطفال الآداب الإسلامية التي تحرص على تمثلها والعمل بها فيتعلم الأطفال آداب الحديث والزيارة والاستئذان والطعام والشراب، وفي تمثيل الطبيب تشيع البهجة بين الأم وأطفالها، ويتعلم الطفل مساعدة المحتاج، وكذا تمثيل رجل المرور حيث يتعلم آداب السير. هذا وليست العبرة في كثرة الألعاب، أو غلاء ثمنها.. إن ميزاناً يعمل للطفل من أغطية العلب الفارغة ويبيع فيه في دكانه له أثر كبير في تنمية خياله وتوجيهه إلى أدب التعامل بما يتناسب مع طفولته. ومن روائع ملاعبة الرسول ﷺ للأطفال، أنه مر بعبد الله بن جعفر وهو يبيع مع الصبيان (أي يلعب لعبة البيع) فقال: «اللهم بارك له في بيعه» . ومع إتاحة الفرصة للأطفال في اللعب، لا يصح أن نمكنهم من الألعاب المحرمة حتى لا يعتادوها: (مر ابن سيرين على غلمان يوم العيد بالمربد وهم يتقامرون بالجوز فقال: يا غلمان لا تقامروا فإن القمار من الميسر) . وفي اللعب الجماعي وانتظار الدور يتعلم الأطفال الصبر واحترام رغبات الغير، والبعد عن العزلة والحرية المنضبطة، والابتعاد عن الخطر، وتعلم وسائل الأمن والسلامة والبعد عن الأنانية. كما يزداد محصول الطفل اللغوي ونموه العقلي إذ يتفتح ذهنه في كل لحظة على جديد، ويتعلم الطاعة وفن القيادة، ونصرة المظلوم. توجيهات أثناء اللعب: يحسن بالمربي أن يعامل الأطفال خلال ألعابهم حسب القوى التالية: ١- عدم التدخل في شأن الطفل أثناء انصرافه إلى اللعب إلا إذا استلزم نظام طعامه أو نومه ذلك، أو إذا تعرض الطفل للخطر. على أن نكون مستعدين لتشجيعه وتقدير أعماله وتقديم العون له إذا طلبه إلينا فقط. ٢- أن نتقبل الفكرة أو الخطة التي يرسمها الصغار للعبهم، ولا نفرضها عليهم، من أجل استفادتهم وللوقوف على أسلوبهم في التفكير وهكذا نستطيع أن نوجه نشاطهم في لباقة تبعد بهم عن الفوضى والعبث. ٣- مشاركة الطفل بين حين وآخر في لعبه تعليماً له وتفريحاً. ٤- لا يعطى الأطفال لعباً كثيرة دفعة واحدة حتى لا يزهدوا فيها جميعاً أو يعبثوا بها. ٥- الموازنة بين اللعب الجماعي والفردي لإبعاد الطفل عن الانطواء، وتعليمه أسلوب التعامل مع الغير واحتمال الأذى والتعرف على وجهة النظر المخالفة ٦- اللعبة الجيدة هي التي يستطيع الطفل أن يستخدمها بأوجه مختلفة وتندمج مع تصوراته الخيالية، أما اللعب الميكانيكية فهي قليلة الأهمية في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة لأنها تثير الخوف في نفس الرضيع ولا تترك له شيئاً حتى يعمله بنفسه. وليست العبرة في غلاء اللعبة وارتفاع ثمنها فقد يعزف الطفل عنها ليلعب بكرتونة فارغة أو نحوها، وقد تتصرف الأم بالألعاب القديمة فتجعل فيها حركة وحيوية تثير فرح الطفل وتسعده أكثر بكثير من الألعاب ذات الثمن المرتفع. وهكذا بالإمكان أن يعيش الأطفال في أجواء مريحة منشطة ومفيدة دون تكاليف تذكر. ٧- مراعاة الأمن في اللعب وعدم إرهاق حسه بكثرة التعب فيه، وكذا عدم اللعب في الليالي عند العشاء فعن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «كفوا صبيانكم عند العشاء فإن للجن انتشاراً أو خطفة» [٣] .

стр. 848

امرأة وموقف أم سليم بنت ملحان مؤمنة الشلبي أنصارية خزرجية من بني النجار، تسمى الرميصاء، وهي غصن نضر من شجرة طيبة المنبت، فأخوها حرام بن ملحان أحد القراء السبعين الذين غدر بهم المشركون في بئر معونة فقال قولته المؤمنة: فزت ورب الكعبة. وأختها أم حرام شهيدة البحر، وابنها أنس بن مالك خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما هي فقد بشرها رسول الله ﷺ بالجنة حين قال: «دخلت الجنة فسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الرميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» . وقد كانت الرميصاء -رضي الله- عنها تمتاز برزانة وذكاء نادرين، وخلق كريم. ومن أجل هذه الصفات العظيمة سارع أبو طلحة رجل الغنى والسؤدد إلى خطبتها بعد وفاة زوجها مالك بن النضر (والد أنس) وعرض عليها من المهر ما لا تحلم به بنات جنسها، إلا أن المفاجأة أذهلته بعد أن رفضته ﵂ بعزة المؤمنة وكبريائها وهي تقول له: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، إلا أن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره، وكان لأم سليم ما أرادت وهدى الله على يديها أبا طلحة وكان صداقها الإسلام ﵂. الموقف: إن القلم ليحار عند اختيار موقف متميز لأم سليم ﵂ فحياتها كلها مواقف متميزة تستحق أن تكون نموذجاً طيباً لكل امرأة مسلمة. وبعد تردد وقع الاختيار على الموقف التالي: تذكر كتب السيرة أن ابناً لأم سليم واسمه أبو عمير مرض، وشغل الأبوين به فكان أبوه أبو طلحة إذا عاد من السوق سأل عن صحته ولا يطمئن حتى يراه. وخرج أبو طلحة مرة إلى المسجد فمات الصبي، فهيأت أم سليم أمره وقالت: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، وجاء أبو طلحة فتطيبت له وتزينت وتصنعت وجاءت بعشاء، فقال: ما فعل الصبي؟ فقالت له: هو أسكن ما يكون. فتعشى وأصاب منها ما يصيب الرجل من أهله، فلما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم فهل لهم أن يمنعوها عنهم؟ فقال: لا قالت: فما تقول إذا شق عليهم أن تطلب هذه العارية بعد أن انتفعوا منها؟ قال: ما أنصفوا، قالت: فإن ابنك كان عارية من الله، فقبضه إليه فاحتسب ابنك. فقال أبو طلحة: تركتني حتى إذا تلطخت أخبرتني بابني! فما زالت تذكره حتى استرجع وحمد الله. ولما غدا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : «بارك الله لكما في ليلتكما» . تحليل الموقف: تأملي معي يا أختاه هذه الأم التي ليست كسائر الأمهات، كيف ترى صغيرها وفلذة كبدها وهو يذبل كالزهرة، ويرتعش ارتعاشته الأخيرة كالعصفور الصغير بين يديها، وهي تنظر إلى وجهه النضير كيف غدا وقد فارقته الحياة وتتفجر في قلبها ينابيع الأسى وتنهمر دموع الشفقة والعطف والرحمة من عينها، ولكنها -رضي الله عنها- لم تفعل إلا ما يرضي ربها متجهة إليه بالاسترجاع والاستغفار والذكر تبغي في ظلالهما الراحة والصبر والسلوان، ولم تفعل كما تفعل كل امرأة ثكلى من أمهات الجاهلية الحديثة من النياحة والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب. ولم تسارع كما تفعل نساء اليوم باستدعاء من يأتي بزوجها من عمله ليشاركها مصيبتها فتضيف إليه هماً جديداً إلى جانب ما يكابده ويعانيه من هموم، ويرتفع صوتها بالندب والعويل كما هي عادة الجاهليتين القديمة والحديثة ليسمعها القرب والبعيد فيأتي لمشاركتها ندبها وعويلها. أجل.. لم تفعل ﵂ شيئا ًيغضب الله ، وإنما قامت بما تمليه عليها عقيدتها الراسخة تجاه هذا الحدث الجلل، فقامت إلى صغيرها الغالي فغسلته ثم كفنته وسجته وغطته بعد أن شمته وطبعت على وجنتيه قبلة أم ثكلى أودعتها كل ما تملك من حزن وألم ودموع، ثم التفتت إلى أهل البيت قائلة: (لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه) . فمن أي طراز هذه المرأة والأم العظيمة؟ وهل تملك الدنيا بأسرها أما مثلها! ! ومن ثم تأملي يا أختاه موقف الزوجة الصابرة وهي تنتظر زوجها بعد أن جففت دموعها وابتلعت أساها خلف ابتسامة مشرقة تصنعتها لتستقبل زوجها كعادتها وتدخل السرور إلى نفسه المليئة بالهموم من خارج البيت، وعندما يسألها عن حال ابنه تقول بذكاء وفطنة: هو أسكن ما يكون، ويظن الزوج أن ابنه قد عوفي ففرح لذلك.. وما إن كان آخر الليل حتى أخبرته بأمر ابنه دون أن تفجعه أو تفقده ثواب الصابرين وأجرهم. فبالله عليك يا أختاه من أي طراز هذه المرأة الصالحة التي تحرص على ألا يراها زوجها إلا بأحسن وأجمل صورة حتى في أحلك الظروف وأشدها، بينما نرى نساءنا وقد أهملن أنفسهن فتستقبل الواحدة منهن زوجها ورائحة المطبخ تفوح منها، وتظل مرتدية ملابس المطبخ متجاهلة الآداب الزوجية وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة، فإذا كان هذا حالهن - في سائر الأيام فكيف بهن وقد وقعت المصائب واشتدت. ومن أي طراز هذه الزوجة الصالحة التي تحرص على أن لا تؤذي زوجها بهموم قد تفقده قوة الإيمان وصلابته وأجر الصابر وثوابه. فيا فتاة الإسلام هل لك أن تعتبري فتتعظي من مواقف أم سليم ﵂ فتضعينها نصب عينيك وتكوني نموذجاً للفتاة المسلمة التي لا تتباهى بغلاء مهر وإنما كل همها قول رسول الله ﷺ : «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» . وهل لك أن تكوني يا أختاه نموذجاً للأم حين تفقد ولدها ... فالصبر والتجلد عند الصدمة الأولى. وهل لك أن تكوني نموذجاً للزوجة الصالحة الوفية الودود التي تسر زوجها إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها، وتهيئ له أسباب الراحة ليستطيع أن يقوم بواجب نشر الدعوة إلى الله تعالى.

стр. 849

بريد القراء * الأخ مهدي بن نزال المهدي أرسل إلينا كلمة يشكو فيها حال أمته ويقول: ... الناظر البصير.. والمدقق الجليل في أحوال الأمة الإسلامية - اليوم - وما هي عليه من فتور وضعف.. وعدم إدراك وفهم.. ليجد لذلك أسباباً وأسباباً.. أهمها وقائدها الجهل بواقعها. ولعل ما حصل في هذا الزمان من فتنة عظيمة وتصرف بعض أفراد الأمة تجاهها والقول فيها ما ليس بصحيح لعل ذلك يوحي بأن الأمة وما قيل فيها من جهل وضعف كان هو الصحيح، ولذلك لابد لخير أفراد الأمة.. الداعية والعالم.. أن يبثا للأمة ما جهلته وما حصل فيها من خطأ وذلك بالبحث في قاموس معرفتهما وتفسير كل حدث يقع في ساحة الأمة. * * * * الأخ عبد الرحمن عبد الله سيف - أبها أرسل لنا هذه الكلمة: ماذا يراد منك يا فتاة الإسلام. إن حقداً عظيماً ويداً ماكرة تتداعى عليك لتخرجك من عفافك تخرجك من دينك. مؤامرة دنيئة تدبر لك يا فتاة الإسلام لتمسخك وتعبث بك، إن هناك من ينادي بل ويسعى ويجتهد من أجل هدم صرح الإسلام وذلك من خلال هدم الفضيلة في قلوب بناتنا وذلك بأساليب مختلفة. هم يريدون مسخ الفطرة وإفساد الأخلاق لتخرجي سافرة أمام ناظريهم وذلك من أجل التشكيك في إيمانك وزلزلة عفتك وشرفك، إنه حقد دفين يريد تحطيم المجتمع الإسلامي ويجعلك يا فتاة الإسلام تجرين وراء سراب السعادة الخادعة. والمرأة الحسناء تبكي حسنها ... إن ضاع منها عزها وإباءها فامضي على درب الرشاد فإنه ... زاد وللنفس السقيم شفاءها

стр. 850

منتدى القراء هموم مدعو أبو خولة نازعه في مراحل المراهقة نداء الفطرة ونداءات الهوى والصحبة، واستمر النزاع فترة طويلة من الزمن، وكان بعقليته تلك يتصور أن جميع من في عمره سائرون خلف الهوى والشهوة. وفي يوم من الأيام وقفت عيناه على شباب يلتزم بدينه، ويناجي ريه، ويتألم لواقع أمته، جلس معهم وكأنه في حلم وخيال، أيكونون بهذه الصورة وهم في ذروة سن الصبا! أيكونون بهذه الصورة وهم أمام سيول من الملاهي والمغريات! سبحانك يا رب! وما أن عاش معهم فترة من الزمن حتى تحول قلبه الميت القاسي إلى قلب حي راسخ، وتحول تفكيره في نفسه إلى تفكيره في أمته، وبدأ يفهم الحياة لأنه يعيش لله ولأمته ولا يعيش لنفسه.. وتيقظ الفتى بعد غفوة وبدأ يعمل ويدعو الناس وهو يؤمل بالفأل القريب، ويستبشر بالحلم الكبير، واستمر الفتى على ذلك وهو يترقب الفأل والأمل كيف لا والشباب المتدين أصبح ينتشر ويسود. وفجأة.. اصطدم حلم صاحبنا بما لم يكن بحسبانه، وتحول فأله السار إلى خيبة وانحسار، عندما أدرك أن الطريق طويل وطويل، لا يريد أن يعيش حياة اليأس في أمته، ولا يريد أن يخادع نفسه بما حققته من عز وتمكين، وقام يجاهد نفسه ويرغمها على العمل.

стр. 851

الداعية الصدوق وترك الشائعات أبو موسى المكي إن الأنظار -إلى الداعية أسرع، والآذان إليه أسمع، والخطأ منه أوقع، والنقد عليه أشد وأوجع ودعوته يجب أن تكون بحاله قبل مقاله، لذلك فتخلقه بالخلق الكريم أوجب وألزم قياماً بحق ما جعل الله على كاهله من الأعباء الجسام، وحماية للدعوة وأهلها من ألسنة المغرضين وأقلام الخصوم الشانئين وأوهام الغفل المتعجلين. فنحن بحاجة إلى دعاة يتجملون بالخلق الكريم، حتى إذا أبصر الناس منهم هذا هتفوا: هذه أخلاق الأنبياء. فنحن نحتاج إلى نمط من الدعاة آثروا الصدق في أقوالهم وأفعالهم حتى أصبح الصدق سجية تجري في عروقهم وتطل من طلعات وجوههم، إن صدقنا في حمل دعوتنا هو الذي يجعل الناس يتقبلون ديننا، يقول عبد الرحمن بن مهدي: (لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع) فليس ما سمعه الفرد المسلم كله حقاً، بل لا بد من أن يتخلله بعض من الروايات الواهية، فإذا ما حدث بكل ما سمع أصبح ولا بد كاذباً، فعلى الداعية أن يجنب نفسه مواطن الشبه بترك بعض ما سمعه وقد قال رسول الله ﷺ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومن ترك ما يريب ترك نشر الشائعات وترك كل خبر إن لم يثبت مأخوذ من وكالة (يقولون) فكم بهم من شائعة قُصِدَ أن يكون مروجوها الشباب الموسوم بالصلاح، حتى إذا بان زيفها قالوا: (هؤلاء مروجوها هؤلاء يريدون إثارة البلبلة) ، فعلى الداعية ترك ذلك وعدم نشر ما سمع إلا بتيقن وجزم. والداعية لابد أن يكون صادق الكلمة واضح المعنى متجنباً للغموض والتلبيس.

стр. 852

رسالة إلى أهل الحسبة عبد الرحمن إبراهيم العتل إلى أولئك الرجال الذين باعوا أنفسهم لله، وسهروا لننام، وتعبوا لنستريح، وأوذوا لنسعد، أوجه هذه الرسالة: يا باذلين نفوسهم كي نسعدا ... طوبى لكم ملء القلوب ترددا نامت جوارحنا وأنتم في الدجى ... عين أبت أن تستريح وترقدا جاهدتم الأشرار كل دقيقة ... ودحرتم الشيطان كي لا يفسدا في كل حي غيرة يقظانة ... نزعت فتيل الشر واقتطعت يدا يا أيها الماضون في ركب الهدى ... يا أيها الساعون في طلب الردى يا أنفساً حازت من الرتب العلى ... طبعت على حب المكارم والندى تقضي النهار مع العلوم تعلَّماً ... والليل تحيي جانبيه تهجُّداً فطرت على التوحيد جلَّت فطرة ... نادى بها الرسل الكرام على المدى لله درّ فعالكم يا إخوتي ... جعلت على الميزان لم تذهب سدى

стр. 853

الصفحة الأخيرة من حسنات هذه الكارثة عبد القادر حامد من حسنات هذه الحرب - إن كان لها حسنات - أنه أصبح بالإمكان للكاتب أن يكتب منتقداً نظام الحكم في العراق بعد أن أصبح ظاهر الضعف تعصف به العواصف، بعد أن كان من الصعب توجيه كلمة لوم له في العلن، لا خوفاً منه في كثير من الأحيان؛ بل خوفاً من الروح (التضامنية) التي كانت تربط الأنظمة العربية، وحرجاً من كسر خواطرها. أما الآن فأمام الكتبة فرصة ذهبية ليبدءوا ويعيدوا في إظهار مخازي هذا النظام، ويجمعوا الصحيح إلى الباطل من الاتهامات. وقد يبدو مثل هذا العمل دلالة على الجبن وقلة الفروسية حيث إن (ضرب الميت نذالة) ، ولا فائدة من الإنذار بعد وقوع الكارثة! لكن الروح (التضامنية) التي كانت سائدة تعطي هذا الفعل دلالة أخرى قد يكون فيها بعض الفائدة، فكثير ممن يكتب عن الأنظمة بعد سقوطها لا يقصدها هي بعينها فيما يكتب، وإنما يقصد مثيلاتها من الحالات الراهنة، على مبدأ: (إياك أعني واسمعي يا جارة) ! إن مأساة الحرية في عالمنا المنكوب تجعل الإنسان يرضى بالقليل، وما أجدر الحرية التي نفتقدها بقول جميل في بثينة: وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرَّت بلابله بلا، وبأن: لا أستطيع، وبالمنى ... وبالأمل المرجوِّ قد خاب آمله وبالنظرة العجلى وبالحول، تلتقي ... أواخره - لا نلتقي - وأوائله

стр. 854

ذو القعدة - ١٤١١هـ مايو - ١٩٩١م (السنة: ٥)

стр. 855

الافتتاحية الغمرات.. ثم ينجلين هل طول الغمة يُطمع في انقضائها؟ ، وهل كثرة المصائب وتكالب الأعداء واشتداد الأزمة يوحي بانفراجها؟ جاء في السيرة النبوية أنه عندما تكالب الأحزاب على المسلمين ونقضت يهود قريظة العهد وتألبت مع من تألب، واشتد الأمر على المسلمين وزلزلوا زلزالاً شديداً قال ﷺ «أبشروا يا معشر المسلمين» [زاد المعاد ٣/٢٧٢] . لقد طال ليل الغمة على المسلمين، ومفاجآت المنطقة العربية لا تنتهي فبعد أزمة الخليج وخروج الأمة مثخنة بالجراح، جاءت مشكلة الأكراد لتضيف مأساة أخرى كمأساة فلسطين، ويغرق العرب بوعود أمريكا لحل مشكلة فلسطين بعد الحرب ثم يبدأ التنصل والمراوغة، وكانت الشعوب تأمل من الحكومات أن تستفيد من أحداث الخليج ومن التغيرات العالمية وتخفف من قيودها على الناس ولكن ما من مجيب ويبقى السؤال الملح بعد حالة الذهول وعدم التوازن، ما المخرج؟ هل فكرنا كيف قوي هذا الغرب، حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن، لقد بدأ التفكير بالتغيير عند الأوروبيين عندما اصطدموا بالحضارة الإسلامية بعد الحروب الصليبية فهل هذه الصدمات المتوالية تجعلنا نفكر بعمق كيف يبدأ التغيير؟ لابد أن نرجع قليلاً إلى الوراء لنرى المحاولات والتجارب التي جرت على جسد أمتنا المنهكة من تحديث محمد علي باشا ورفاعة الطهطاوي إلى الدول القطرية التي كرست التبعية للغرب والشرق، إلى العسكرتاريا التي حطمت شخصية الفرد المسلم، بل شخصية الإنسان كإنسان إلى التيارات العصرانية والعلمانية التي لاتزال تنفخ في قربة مقطوعة، مما يؤدي دائماً إلى تعطيل الدورة التاريخية للاجتماع الإسلامي. في مثل هذه الأجواء القاتمة لابد من عمل قوي يعيد للمسلم الثقة، لابد من مراجعة النفس ونقد الذات والاعتراف بالخطأ، لابد من اجتماع الدعاة والعلماء الصادقين، وترك الإحن والحزبية التي أفسدت علينا ديننا ودنيانا، لقد عاش المسلمون حالة تفاؤل لما يجري في أطراف العالم الإسلامي وقالوا: لعل الفرج يأتي من هناك، ولكن داء التفرق والمواقف غير المنضبطة أضعفت هذه الآمال، فهل يتوحد المسلمون لنرى يوماً من أيام الله.. وأما هذا الغرب وعلى رأسه أمريكا، فإن مطالعة سنن التاريخ تعلمنا أن الدول عندما تصاب بداء الغطرسة فإن ذلك بداية أفولها، وإصابة أمريكا بهذا الداء عبر عنه عضو مجلس الشيوخ الأمريكي (ألبرت بيفردج) عندما قال: «إن الأمريكيين جنس فاتح ولابد أن نطيع دماءنا، ونحتل أسواقاً وأرضاً جديدة إذا لزم الأمر، ولابد أن تختفي الحضارات الوضيعة، والأجناس المتعفنة أمام الحضارات السامية للإنسان الأقوى والأعظم نبلاً» [١] ، كما عبر عنه الرئيس روزفلت في عام ١٩٤٣ إثر اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني تشرشل في الدار البيضاء، قال: «إن الحلفاء سوف يقاتلون حتى يستسلم أعداؤهم دون أي شروط» يعلق الكاتب (ولبرايت) على هذه العبارة: «إنها طفرت من أعماق روح التعصب، ومبدأ الاستسلام غير المشروط مبدأ غير حكيم..» [٢] . وهذا لا يعني أن الغرب سينهار بسرعة، ولكنها دعوة إلى معرفته ومعرفة الأسباب العميقة لضعفنا، ودعوة إلى التفاؤل وتغيير أساليب تفكيرنا.

стр. 856

من كنوز السنة الاعتدال في الحب والبغض ستر الجعيد الاعتدال والتوسط سمة من سمات هذا الدين، يدخل في كثير من الأشياء، بل يمكن القول أنه قاعدة مطردة. والمتأمل في أحوال كثير من الأمم والأفراد، يجدهم بين غالٍ ومسرف، ومتهاون ومضيع، وبين معتدل ومتوسط سالك لطريق الأمة الوسط قال تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] . والتوسط الذي يجري في حياة الأمة كما هو في تفكيرها وفقهها، ومعالجتها لكثير من قضاياها يجعلها إذا التزمت به تحصل على فضائل جمة وخصال حميدة تجني عليها من المفاسد وعدم الاعتدال بقدر ما تفرط في التوسط والاعتدال، والأمثلة على ذلك كثيرة في حياة الأفراد والأمم بل وحتى الدعوات، ومناحي التوجيه، والتعليم، والتربية، ولكن لو نظرنا في الحب والبغض لوجدنا ذلك واضحاً، فالناس بين مشتط في البغض لأمور لا تستحق ذلك البغض أو على الأقل لا تستحق تلك الدرجة من البغض، وآخر متساهل فلا يبغض على أشياء تستحق البغض بل أحياناً البغض فيها واجب مفروض، وقد تجد من يضع الحب مكان البغض المطلوب. فتجد من هو مقيم بحب بلغ فيه درجته القصوى، وإعجاب يسيطر على مشاعره وتصرفاته في الوقت الذي تجد أن حباً أقل من ذلك يكفي في هذا الموطن مما يجعل الأثر يظهر في معالجة كثير من القضايا. ومع أن التوسط والاعتدال قاعدة مطرودة يفهم من فروع كثيرة لكن رسولنا - ﷺ نص عليه ونبه على أثر تركه في هذه المسألة بالذات لأنها ذات أثرٍ بالغٍ وينشأ عن الإخلال بها مفاسد كثيرة، كما ينشأ عن التمسك بها مصالح جمة. فقال محذراً وموجهاً: «أحبِبْ حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» [١] «ومعنى هوناً ما: أي حباً مقتصداً لا إفراط فيه وإضافة ما إليه تفيد التقليل، يعني لا سرف في الحب والبغض فعسى أن يصير الحبيب بغيضاً والبغيض حبيباً فلا تكون قد أسرفت في الحب فتندم ولا في البغض فتستحي» فما أعظم الإسلام، وما أعظم توجيهات النبي ﷺ ، فهلا من فقه صحيح، وتحرٍ واضح لهذه المسألة ومعرفة لحدود الحب والبغض حتى تصلح أحوال الأفراد والأمم والجماعات والدعوات، وتدرأ كذلك مفاسد كبيرة تنشأ من غياب هذا الفقه الصحيح في الواقع، وبالإضافة إلى ما سبق فإن هذا الحديث ينبه على بعض جوانب من قضايا علم النفس التي ذكرها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- ضمن توجيهاته وأقواله، فهل من دراسة جادة لها وتوضيح لمقاصدها، وبناءً لهذا العلم على أسس صحيحة بدلاً من تجارب فرويد ومن لهث وراءه بنظريات جوفاء خطؤها أكثر من صوابها، فهي لا تعدو أن تكون تفكيراً من كافر- في جوانب لا يصلح فيها التفكير وإنما جاء بيانها ممن خلق الإنسان - أو تجربة على حيوان أو على بيئة لا تتفق مع أحوال المسلمين في كثير من القضايا، وبالتالي جاءت ثمارها غير متفقة بل ونكدة في غالبها. أرجو الله أن يوفق المختصون للاهتمام بذلك ولا يأخذهم التعصب لتخصصهم، وليعيدوا النظر في كثير من أمور التربية وعلم النفس فهي بحاجة إلى إعادة النظر وإرجاع إلى أصول صحيحة وأسس قويمة.

стр. 857

دفاع البوطي عن دعاة وحدة الوجود عبد القادر حامد سننقل للقارئ حاشية طويلة من حواشي البوطي، لما تمثله من تلخيص جيد لمنهجه العلمي، وما تشتمل عليه من مميزاته التي أشرنا إليها في ثنايا ما كتبناه سابقاً، وهذه الحاشية دفاع منه عن ابن عربي، وهجوم (سماه هو دفاعاً) على ابن تيمية وعلى من يقلده وينهج نهجه، وسنرد على بعض ما جاء في هذه الحاشية، ولن نلزم القارئ بشيء، ولن نلح عليه بتصديق ما نقول، وإلا فهو غير «محرر قلبه من شوائب العصبيات والأهواء» ! إن صاحب المنهج الحق لا يستجدي موافقة الآخرين وتصديقهم له؛ فإن فعلوا فهم على الحق، وقلوبهم متحررة من شوائب الأهواء والعصبيات وإن لم يفعلوا كانوا عكس ذلك. إنه يبين منهجه، ويقول كلمته، ويفصل بحججه ما وسعه التفصيل، ويثق بعقول قرائه دون وصاية أو إغراء أو تحذير. يقول البوطي في صدد دفاعه عن القائلين بوحدة الوجود وتشنيعه على من ينتقدهم: « ... وخلاصة المشكلة أنه (أي ابن تيمية) ومن يقلده في نهجه يظلّون يأخذون ابن عربي وأمثاله بلازم أقوالهم، دون أن يحملوا أنفسهم على التأكيد من أنهم يعتقدون فعلاً ذلك اللازم الذي تصوروه. أما أن يكون في كتب ابن عربي كلام يخالف العقيدة الصحيحة ويستوجب الكفر، فهذا ما لا ريبة ولا نقاش فيه. وأمّا أن يدلّ ذلك دلالة قاطعة على أن ابن عربي كافر، وأنه ينطلق في فهم (شهود الذات الإلهية) ، من أصل كفري هو نظرية الفيض، فهذا ما لا يملك ابن تيمية ولا غيره أي دليل قاطع عليه. فإن كتب ابن عربي تفيض بالبيانات المفصلة المكررة التي تناقض هذا الأصل الكفري. هذا بالإضافة إلى أنه قد بات معلوماً ومؤكداً أن طائفة معلومة من الزنادقة الباطنية دسوّا ما شاؤوا أن يدسوّا في كتبه. ذكر ذلك المقري في (نفح الطيب) ، وأكده ابن عماد في (شذرات الذهب) ، وأكده في قصة طويلة الإمام الشعراني في (اليواقيت والجواهر) ، وذكره الحاجي خليفة في (كشف الظنون) ، ولا نشك في أن ابن تيمية ينبغي أن يكون في مقدمة من يعلم ذلك. ولست في هذا منطلقاً من عصبية لابن عربي أو غيره. بل إن الميزان الوحيد عندي في ذلك هو القاعدة الشرعية التي يجب اتباعها عند الإقدام على تكفير أناس أو تضليلهم، وهي قاعدة معروفة لأهل العلم جميعاً وفي مقدمتهم ابن تيمية - ﵀. ولقد حكّمت هذه القاعدة في حق ابن تيمية، قبل تحكيمها في حق ابن عربي، فلقد نقلت فقرات من كلامه الذي يتضمن إقرار الفلاسفة في اعتقادهم بالقدم النوعي للمادة، وبوجود قوة طبيعية مودعة في الأشياء بها تحقق فاعلياتها وتأثيراتها، بل يتضمن الدفاع عنهم، في ذلك ودعوى أنه الحق الذي لا محيض عنه. وقد ثبت للعلماء جميعاً أن الفلاسفة اليونانيين وقعوا في الكفر لثلاثة أسباب، في مقدمتها، قولهم بالقدم النوعي للعالم. ولا يرتاب مسلم أن الكفر بدعوى قدم العالم، أو بدعوى وجود قوة مودعة في الأشياء بها يتم التأثير، ليس أقل خطورة وجلاء من الكفر الذي تتضمنه عبارات واردة في كلام ابن عربي. ولكنا مع ذلك لم نجنح، لهذا السبب، إلى تكفير ابن تيميه ولا إلى تضليله، بل انطلقنا إلى النظر في ذلك من تحكيم القواعد الشرعية ذاتها، فلقد لاحظنا الأمر ذاته الذي لاحظناه في كتب الشيخ ابن عربي ﵀ إذ رأينا لابن تيمية كلاماً آخر في أكثر من موضع يناقض كلامه الباطل الذي أيّد فيه الفلاسفة في ضلالهم الذي كان سبباً من أسباب كفرهما، بحيث لو أردنا أن نردّ على ابن تيمية هذا الباطل الذي تورط فيه، لما وجدنا كلاماً نرد به عليه، خيراً من كلام ابن تيمية ذاته الذي كرره في عدة مناسبات أخرى. فاقتضانا ذلك أن نَعْرِفَهُ بالحق الذي تكرر في كتبه وكلامه، لا أن ننعته بمقتضى الكلمات الباطلة التي دار بها قلمه أو تحرك بها مرة لسانه. ومهما كان السبيل إلى حسن الظن بأهل القبلة ميسراً، فهو الواجب الذي لا محيد عنه، وما أيسر أن تزاح العبارات المشكلة عن السبيل إلى ذلك بأنواع من التأويل والاحتمال. وإذا كان لابد من تأويل العبارات الباطلة لتتحول إلى حق فنحافظ بذلك على حسن ظننا بصاحبها، أو من تأويل كلامه الحق ليتحول إلى باطل، فنجعله معتمدنا في إساءة الظن به، فإن مما لا يرتاب فيه المسلمون قط أن الواجب هو تأويل الباطل بما يتفق مع الحق الذي عرف الرجل به لا العكس. لأن حسن الظن هو الأمثل بحال الرجل الصادق في إسلامه، وهو الذي يقضي به قول الله : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] [الحجرات: ١٢] . وإذا أبى ابن تيمية ﵀ إلا أن يحملنا على تكفير ابن عربي استدلالاً بالكفريات الموجودة في كلامه، والإعراض عن الصفحات الطوال التي تناقضها وتردّ عليها في مختلف كتبه وأقواله، فإنها لدعوة منه بلا ريب إلى أن نكفره هو الآخر استدلالاً بالضلالات الفلسفية التي انزلق فيها، وأن نعرض عن كلامه الآخر الذي يناقضها ويبرئه من مغبتها. ولكني أشهد أن دين الله يأبى أن ندعو بهذه الدعوة، كما أنه يحذر من الانصياع لها. ولعل كل متدبر للحق، محررٍ قلبه من شوائب العصبيات والأهواء، لا يعجز عن تصديق ما أقول، وعن اليقين بأنه المتفق مع كتاب الله، والمنسجم مع هدي رسول الله ﷺ » [كتابه ص ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦] . القول ولازم القول: يبدأ البوطي موهماً باستخدام بعض عبارات العلماء، فيشير إلى القول ولازم القول، ولكن لا يوضح لقرائه - وهم بحاجة إلى ذلك - القول ولازم القول؟ حتى نعلم: أصحيح أن ابن تيمية - ودعك ممن يقلده في نهجه - يأخذ ابن عربي وأمثاله بلازم أقوالهم، دون أن يحمل نفسه على التأكد من أنهم يعتقدون فعلاً ذلك اللازم؟ معنى هذا أنه ليس في كتب ابن عربي ما يدل دلالة واضحة على هذا الذي أُخذ عليه، وإنما هي تخرصات تخرصها ابن تيمية عليه، لكن هذا الزعم ينقضه البوطي نفسه في عبارته التالية مباشرة: «أما أن يكون في كتب ابن عربي كلام كثير يخالف العقيدة الصحيحة ويستوجب الكفر، فهذا ما لا ريبة ولا نقاش فيه» . هذا طرف المعادلة الأول! وطرفها الثاني هو: «وأما أن يدل ذلك دلالة قاطعة على أن ابن عربي كافر وأنه ينطلق في فهم (شهود الذات الإلهية) من أصل كفري هو نظرية الفيض، فهذا ما لا يملك ابن تيمية ولا غيره أي دليل قاطع عليه» ... ما دليل البوطي على فقدان ابن تيمية وغيره الدليل عليه؟ ! دليله ما يلي: «فإن كتب ابن عربي تفيض بالبيانات المفصلة! المكررة! (كما نقول نحن اليوم: الإحصائيات المفصلة!) التي تناقض هذا الأصل الكفري» . ودليل آخر: «وهذا بالإضافة إلى أنه قد بات معلوماً ومؤكداً (لا نقاش في هذا المعلوم والمؤكد الذي كأنه معلوم من الدين بالضرورة عند الشيخ!) أن طائفة معلومة (!) من الزنادقة الباطنية دسوا ما شاؤوا أن يدسوا في كتبه (ما أسهل الدس في كتب المشبوهين!) . من ذكر ذلك؟ ذكره صاحب (نفح الطيب) ! وأكده صاحب شذرات الذهب! وأكده في قصة طويلة! الإمام الشعراني، (لماذا الشعراني إمام؛ والمقَّري وابن عماد ليسا إمامين؟ !) وأين أكده الإمام الشعراني؟ في (اليواقيت والجواهر) ، وذكره الحاجي [١] خليفة في (كشف الظنون) ، بل وقاصمة الظهر أن ابن تيمية في مقدمة من يعلم أن تزويراً ودساً حصل في كتب ابن عربي، (وهذا لا يشك فيه البوطي!) لكن ما الذي يمنع ابن تيمية من الاعتراف بهذا الذي لا يشك فيه البوطي؟ ! ليس غير حبه للتجني على غيره، وكتمان الحق المعلوم، والتشبت بالتخرصات التي لا دليل عليها؛ أو شيئاً في معنى هذا! ذكر الشيخ البوطي أسماء كل من صاحب» نفح الطيب «وصاحب » شذرات الذهب «وصاحب» اليواقيت والجواهر «وصاحب» كشف الظنون « فيمن أكد الدس في كتب ابن عربي، ووجدنا - لدى رجوعنا إلى ترجمة ابن عربي في نفح الطيب، الذي يعتبره الشيخ البوطي مصدراً يرجع إليه في هذا المجال - ما يلي: » ومما نسبه إليه - رحمه الله تعالى - غير واحد قوله: قلبي قطبي وقالبي أجفاني ... سري خَضِري وعينه عرفاني روحي هارون وكليمي موسى ... نفسي فرعون والهوى هاماني وذكر بعض الثقات أن هذين البيتين يكتبان لمن به القولنج في كفه ويلحسهما فإنه يبرأ بإذن الله تعالى قال: قال وهو من المجربات! وقد تأول بعض العلماء قول الشيخ -رحمه الله تعالى- بإيمان فرعون النفس، بدليل ما سبق، وحكى في ذلك حكاية عن بعض الأولياء ممن كان ينتصر للشيخ -رحمه الله تعالى- «. [نفح الطيب ٢/٣٧٢-١٣٧٣] وقد عثرنا في نفح الطيب على غير هذه الطرفة مما لا نستطيع أن ننقله هنا لما فيه من نبو عن كل ذوق، فليُرْجَع إليه في الجزء ٢/٣٨٣ من نفح الطيب، وتبين لنا مما ينقله هذه المؤلف أنه لا يصح أن يعتمد قوله في هذه المسألة لأنه ناقل عن الشعراني فلا يصح أن يقال: ذكر ذلك المقري وذكره في قصة طويلة الإمام الشعراني، فما عند المقري حول ابن عربي مصدره الشعراني وغيره من المخرفين. أما الشعراني فشهادته في ابن عربي لا تقبل لأن ما يقال في منهج ابن عربي يقال في منهجه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو متأخر عن ابن عربي، فبين وفاتيهما حوالي ٣٣٥ سنة فهل نتعلق بالشعراني ونذر مؤرخاً ثقة كالذهبي مثلاً؟ ! يقول الذهبي في ابن عربي: » ومن أردأ تواليفه كتاب «الفصوص» فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر - نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله! وقد عظمه جماعة وتكلفوا لما صدر عنه ببعيد الاحتمالات، وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد شيخنا أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول عن ابن عربي: شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم، لا يحرم فرجاً. قلت: (أي الذهبي) : إن كان محي الدين رجع عن مقالاته تلك قبل الموت فقد فاز، وما ذلك على الله بعزيز «. ونحن هنا لا نحقق بل نشير فقط إلى أولية من أوليات البحث العلمي وهي: إذا أردنا اعتبار آراء في شخصية ما فأول ما يجب أن ننظر فيه مدى قرب هذه الآراء من حيث الزمن من الشخصية المتناوَلة، ثم مدى وثاقتها وذلك بمعرفة درجة أصحابها وقيمة آرائهم في ميزان العلم، فلا نقبل مثلاً بتزكية صاحب بدعة لرأس في بدعته، كما يرفض رأي المتحامل فيمن عرف بالتحامل عليه، فلا بد من النظر في الجذور، وفي أقوال أهل العدالة والضبط ممن لا تعنيهم الأسماء أيا كانت، بل يعنيهم الحق ويدورون معه حيث دار. وقد كان على الشيخ البوطي - حفظه الله - قبل أن يشير إلى صاحب نفح الطيب وصاحب شذرات الذهب وصاحب اليواقيت والجواهر، وصاحب كشف الظنون أن يذكر لنا رأي ابن عبد السلام، وابن دقيق العيد، والذهبي، وابن حجر، ولا عليه بعدها أن لا يتعرض لابن تيمية من قريب ولا من بعيد، لماذا لم يفعل ذلك؟ هل يتمذهب هؤلاء النفر الكرام بالسلفية التي اعتبرها بدعة طارئة تمزق وحدة المسلمين؛ وتقف حجر عثرة أمام المد الإسلامي؟ ! ثم إنه يفهم من هذه الحاشية أنه يعتقد أن ابن تيمية يكفر ابن عربي، اعتماداً منه على رأيه في هجوم ابن تيمية على تكفير العلماء لأدنى شبهة، وقد بينا خطأ هذا الرأي في المقالة السابقة وأن ابن تيمية من أكثر الناس احتياطاً ودقة في هذا المجال، ولعل الذي يدفع البوطي إلى هذا الاعتقاد عدم تفريقه بين قول: هذا القول لفلان كفر أو فيه كفر، والقول بأن فلاناً كافر. إن القول الذي هو في نفسه كفر؛ أو المؤدي إلى الكفر ينبغي أن يبين غاية التبيين، ويحذر منه أشد التحذير -وهذا ما يفعله ابن تيمية عادة في نكيره على هذه الأقوال ومناصريها، وذلك أنه يرنو من خلال كل كتاباته وآثاره إلى قضية جوهرية هي الجانب العملي من الفكر الإسلامي، والبعد عن الترف الفكري، والخوض فيما لا فائدة منه، والدفاع عن عقائد الإسلام وأحكامه ضد المؤثرات الدخيلة الضارة، ووضع المسلمين على الجادة الصحيحة التي يفهمون فيها دورهم، ويدركون ما اختصوا به من دون الأمم. وعلى هذا ينبغي أن يفهم إنكاره التالي على القائلين بوحدة الوجود، وعلى من يلتمس الأعذار لهم: » وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة فإنه من رؤوسهم وأئمتهم، فإنه إن كان ذكياً فإنه يُعَرَّف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقداً لهذا باطناً وظاهراً فهو أكفر من اليهود والنصارى. فمن لم يُكَفِّر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلاً كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد «. [مجموع الفتاوى ٢/١٣٣] أما عن ابن عربي بالذات فيقول:» مقالة ابن عربي في فصوص الحكم: وهي مع كونها كفراً فهو أقربهم إلى الإسلام؛ لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد كثيراً ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع، الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى والله أعلم بما مات عليه «. [مجموع الفتاوى ٢/١٤٢] . فانظر كيف يفرق بين المقالة وبين صاحبها، وكيف ينصفه فينسب إليه كثرة الجيد في كلامه، وبأنه لا يثبت على الاتحاد مثل غيره من القائلين بوحدة الوجود، وكيف أنه لا يغمطه حقه ولا، يهضمه مميزاته التي امتاز بها كسعة الخيال، وكيف يجوز أنه قد يكون تاب من أقواله المنكرة تلك. أوهام على قواعد وهمية: إن الشيخ فيما يكتب لا يرمي إلى دفاع عن هذا العالم أو ذاك، وليس هو بصدد الإحسان إلى الغزالي أو ابن حزم أو ابن عربي؛ إنما يرمي إلى هدف محدود جداً يعرفه كل من تصفح كتابه هذا، وهو الهجوم على قوم خطَّؤوه وعقبوا على قول أو أقوال له، وقد اشتهروا بأشياء، فهو يظن أنه إذا تتبع هذه الأشياء وحاول أن يهوِّن من شأنها سيصيب ضالته، وهي إخماد صوت هؤلاء وتشويه صورتهم، فتراه يعنِّي نفسه هذا العناء، ويخوض مخاضات تكشف دعاواه، وهو لا يحاول أن ينجو من واحدة إلا ويرمي نفسه في أخرى، هدانا الله وإياه. لو كان يرمي إلى تجلية شبهات، والرد على أخطاء، والدفاع الصحيح عمن يدعي الغيرة عليهم والغضب لهم لكان هناك طريق آخر لذلك يتمثل في تحديد القضية المختلف عليها، وإزالة الإبهام عنها عن طريق نقل آراء كل من الفريقين فيها، ومناقشة كلام كل منهما» حسب منهج المعرفة وقواعد تفسير النصوص « التي دندن بها كثيراً في كتابه، ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل. والعجيب منه أنه يوهمك أنه ينطلق في أحكامه هذه من قواعد؛ حيث لا قواعد! ويضع نفسه في مكان القاضي الذي يمسك بالميزان الذي يزن به ابن تيمية مرة؛ وابن عربي مرة، أسمعه يقول: » ولقد حكمت هذه القاعدة في حق ابن تيمية، قبل تحكيمها في حق ابن عربي «ما هذه القاعدة الشرعية؟ وهل مر لها ذكر؟ ! وبناء على هذه القاعدة الوهمية يرى أن ابن تيمية يقر الفلاسفة في اعتقادهم بالقدم النوعي للمادة (وقد تبين لنا مبلغ هذه الدعوى من الصحة في المقال السابق) ثم يؤكد بصلافة أن ما توصل إليه؛ مما يحلو له أن يلصقه بابن تيمية ليس أقل خطورة وجلاءً من الكفر الذي تتضمنه عبارات واردة في كلا ابن عربي! لماذا هذا التعسف كله؟ هل يريد أن يأخذ ابن تيمية رهينة؛ فيهدده بالكفر والتضليل إن لم يقلع أتباعه عن القول بابن عربي ما يقولون؟ ! هذا ما تدل عليه حاشيته. لكنه يحاول أن يظهر للقارئ شيئاً من الفروسية والعفو عند المقدرة، وإن شئت فشيئاً من الورع عن التقحم بالقول بلا علم، وذلك حين ينكص عن التكفير والتضليل تبعاً للقاعدة أو القواعد الشرعية الموهومة التي حكمها فتراه يقول: (ولكنا مع ذلك لم نجنح، لهذا السبب (لا ندري أي سبب؟ !) إلى تكفير ابن تيمية ولا إلى تضليله، بل انطلقنا إلى النظر في ذلك من تحكيم القواعد الشرعية ذاتها! (ليلاحظ القارئ أنها كانت قاعدة، ثم فرخت فأصبحت قواعد! وليحل بنفسه هذه الأحجية، بل هذه المعجزة، ولا يستغرب كيف تصبح القاعدة قواعد؛ فلعل هذا التكاثر حدث بانشطار الخلايا! ولا ينسى المعجزة الكبرى، وهي أن القاعدة الشرعية الأولى لا وجود لها؛ ومع ذلك فقد ولدت قواعد! من قال إن أدب اللامعقول لم يترك في الفكر الإسلامي الحديث بصمات؟ !) تسوية: إن البوطي يحس بالمشكلة التي تحيط بالمقلدين الذين ربطوا أنفسهم بالأشخاص، فأصبحوا أسرى لكل ما يصدر عن هؤلاء الأشخاص، فبينما يحاول جاهداً أن يضع بين يديك منهجاً يعصمك من الخطأ، ويعترف انطلاقاً - من منهجه هو - أن في كتب ابن عربي كلاماً كثيراً يخالف العقيدة الصحيحة ويستوجب الكفر؛ (وهذه عبارته) تراه يلتف على هذا الاعتراف بطريقة بهلوانية لتفريغه من مدلوله ومحتواه، وذلك: ١- بالإشارة إلى ما يناقضه من (البيانات المفصلة المكررة) الموجودة في كتب ابن عربي [٢] . ٢- وبترداد خرافة الدس في كتب ابن عربي. ٣- وبأن ابن عربي ليس بدعاً في أن يوجد في آثاره كفر وإيمان؛ فابن تيمية مثله عنده هذا وهذا! ولا شك أن هذه النقطة الثالثة اكتشاف جديد فتح الله به على الشيخ البوطي، وهو يحس بهذا الفتح، فتراه يبدئ فيه وبعيد، وكأنه يتصور أن هذا الفتح هو الذي سيلجم الخصوم، ويلقمهم حجراً لن يستطيعوا بعده كلاماً ولن يحيروا جواباً! وهو في غمرة نشوته بهذا الفتح الذي ادُّخر له إلى هذا العصر يسترسل في جلاء هذه النقطة حتى لا يبقى على عينها قشة! فيأتي ببدائع أخرى ما نظن أنه سُبق إليها، فقضايا الكفر والإيمان داخلة في مبدأ حسن الظن، والعقائد والعبارات الدالة عليها خاضعة - في رأيه - لأنواع من التأويل والاحتمال،» وإن كان لا بد من تأويل العبارات الباطلة لتتحول إلى حق فنحافظ بذلك على حسن ظننا بصاحبها، أو من تأويل كلامه الحق ليتحول إلى باطل فنجعله معتمدنا في إساءة الظن به، فإن مما لا يرتاب فيه المسلمون قط (لاحظ هذا الجزم) أن الواجب هو تأويل الباطل بما يتفق مع الحق الذي عرف الرجل به لا العكس «. إن هذا العبث الذي يلبسه البوطي ثوب الجدية يلتقي مع العبث الذي يهذي به اللادينيون الذين يهيمنون على أجهزة التوجيه والثقافة في ردهم على دعاة الإسلام، مع فرق واحد وهو أن البوطي يجعل من هذا الكلام قاعدة يريد تطبيقها على ابن عربي وأمثاله، وهم يطبقونها على أنفسهم، ويطاردون بها من يقف في وجه ميوعتهم وزندقتهم، حيث إن كثيراً منهم يحمل أسماء إسلامية، وقد يقوم ببعض الشعائر الإسلامية، في الوقت الذي يلاحق فيه كل قضية إسلامية عملية وحيوية، فإذا ما قال لهم أحداً لا؛ جابهوه بهذا الكلام الذي يختلط فيه الحق بالباطل، ويستشهد فيه بالحق على الباطل، والذي ينبع خطره من التوائه وغموضه واستشهاده بمسلَّمات إسلامية من أجل التحلل من الإسلام. وهؤلاء العلمانيون اللادينيون لا يخفون إعجابهم بمثل ابن عربي الذي يهتف بمبدئهم ودينهم: لقد صار قلبي قابلاً كل صورة ... فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ وبيتٌ لأوثانٍ وكعبة طائف ... وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ أدينُ بدينِ الحبَّ أَنَّى توجهتْ ... ركائِبُهُ، فالحبُّ ديني وإيماني [٣] إن هذه السنة التي يستنها البوطي؛ وهي وجوب تأويل الباطل ليتفق مع الحق؛ فيها من الجرأة بقدر ما فيها من الجهل، فضلاً عن أنها مستحيلة عند التطبيق، حتى من قبل الدعاة إليها. فسلوك البوطي مع خصومه مخالفة عملية لهذه السنة التي يرفع لواءها، فهل هو يحمل باطل خصومه على ما يعرفون به من حق حين يطلق لسانه فيهم وينعتهم بما ينعتهم به؟ ! وهبه اطلع على ما نكتبه حول كتابه الذي ما أحببنا - والله - أن يكون قد كتبه، لما فيه من الإساءة إليه وإلى لقبه العلمي، ووددنا لو تصدق فيه أسطورة أن هذه الترهات قد دُسَّت عليه، كما يصدِّق هو هذه الأسطورة في كتب ابن عربي،.. نقول: هبه اطلع على هذه المقالات في نقد ما كتب؛ فكيف سيستقبلها؟ هل سينشرح لها صدره ويحسن الظن بكاتبها؟ ! إن ما عرف به مخالف لهذه السنة التي يبشر بها. إن هذه الدعوة هدم لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إماتة للفكر الصحيح البعيد عن الزغل في دنيا المسلمين، وإشاعة لمبدأ:» أغمض عينيك واتبعني «، وترك الحبل على الغارب لكل من يقول قولاً دون الالتزام بمبدأ خير القرون، فمهما قرأ المسلم أو سمع عن شخص قال كذا وكذا - مما فيه نظر - فليس له أن يستجلي حقيقة هذا القول بل عليه أن يذهب ويفتش ملف هذا الشخص: هل فيه شيء من الخير، فإن وجد خيراً فليسكت، حملاً لما سمع من الباطل على ما وجد من خير و (ظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر) ، وإلا فهو سيئ الظن بالناس، متعرض لما لا يعنيه، وهكذا لن يبقى هناك من يشار إلى أنه أخطأ في مسألة، أو ترتب على رأي غير سديد له مشكلة، أو سرت آثار بدعته في الأمة حتى اتسع الخرق على الواقع، وأصبح اقتلاع هذه البدعة متعسراً أو متعذراً، وهكذا سيجلس أمثال: الجعد بن درهم، والحلاج، وابن عربي، وابن الراوندي، والنصير الطوسي، مع مثل: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن المبارك، والليث بن سعد.. إخواناً على سرر متقابلين! حيث إنه من» المعلوم والمؤكد « أن كل من قيل فيه أو أنكر عليه شيء في التاريخ الإسلامي لا يخلو من جانب من جوانب الخير، حتى اللصوص وقطاع الطرق والظلمة والطغاة في كل عصر لا يخلون من ذلك، بل إن البدعة لا يصعب تمييزها ويقع الناس فيها إلا لخفائها عليهم من جراء اختلاطها بجانب من جوانب الخير، فهل نترك القول في ذلك حتى لا نرمى بإساءة الظن، وهل ترك هو النكير على مما سماه (بدعة السلفية) حتى يكون لدعوته وثاقة؟ ليتذكر القارئ ركن:» التخبط والتناقض «من أركان منهج البوطي. ألا يعلم الشيخ أن علماً قائماً بنفسه، خاصاً بالمسلمين، ومفخرة من مفاخرهم قد قام على ما يخالف دعوته هذه، وهو علم الجرح والتعديل؟ وهل على ما استشهد عليه يُسْتَشْهَدُ بالآية الكريمة: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] ؟ ! ابن تيمية تحت طائلة التهديد:. ثم يختم حاشيته بتهديد ابن تيمية بأن يضعه تحت طائلة التكفير، أو بكف الإشارة إلى كفريات ابن عربي، لأنه إن لم يفعل ويرتدع عن التعرض لابن عربي؛ يكون قد جنى على نفسه بنفسه (والبوطي لا ذنب له في ذلك) ودعا الناس (بلا ريب) أن يكفروه بسبب ما عنده من ضلالات فلسفية! لكن يا لهول هذه الخاتمة ويا لسوء عاقبة من يأخذ بها! إنه الورع يأخذ بحجزة الشيخ البوطي أن يقتحم هذه المخاضة! وهو الورع نفسه يفتقده ابن تيمية فيأبى إلا أن يحملنا على تكفير ابن عربي. هذا وجه من وجوه فهم عبارة الشيخ! ولكن مهلاً، هناك وجه آخر؛ كيف يتورع البوطي ويتحرج من شيء لا يد له فيه ولم يفعله هو، بل هو» دعوة بلا ريب من ابن تيمية «إلى تكفير ابن تيمية؟ ! أرأيت؟ ! ابن تيمية يدعو الناس إلى تكفيره ويلح عليهم أن يدعوا إلى تكفيره ولكن الشيخ البوطي يشهد:» أن دين الله يأبى أن ندعو بهذه الدعوة، كما أنه يحذر من الانصياع لها «. فالورع إذن ليس من أجل سواد عيني ابن تيمية خوفاً من أن يظلم أو يُفترَى عليه؛ بل تورعاً عن استجابة دعوته الملحة للناس أن يكفروه! فأي جريمة وأي ذنب يماثل ذلك؟ ! وكيف يقدم مثل البوطي على ذلك؟ هاهنا الورع يتدخل، فيحل المشكلة! هذا كلام له خَبئٌ ... معناه ليست لنا عقول! وبقي غموض يسير يحتاج إلى تجلية وهو مرجع الضمير في الفعل» نكفره «من قوله:» فإنها لدعوة منه بلا ريب إلى أن نكفره «فقد رجعته حينما شرحت كلامه إلى الناس (ومنهم البوطي) ، وقد يكون مرجعه الشيخ البوطي نفسه فقط! كما يقال: نحن الملك، أو نحن رئيس الجمهورية نرسم بما يلي، وأي المعنيين اختار القارئ فهو مصيب، ويصعب على الناقد الحكم: أي المعنيين أبلغ! عود على بدء: ولكن عجباً! يبدو الشيخ البوطي وكأنه يكتب رسالة تهديدية إلى ابن تيمية، وبينهما قرون طويلة! ألا يعلم الشيخ - أطال الله عمره - أن ابن تيمية الآن في مقام الذي لا يستطيع أن يقبل أو يرفض فيوجه إليه هذا الإنذار النهائي؟ ! إنه الأدب يا صاحبي. ومن صَحِبَ الليالي عَلَّمَتْهُ ... خداعَ الإلفِ والقيلَ الُمحالا وغيَّرت الخطوبَ عليه حتى ... تريهِ الذرَّ يحملنَ الجْبالا خاتمة التعليق على الحاشية: أنت - أيها القارئ الكريم، أمام البوطي - أحد رجلين: ١) إذا لم تعجز عن تصديق ما يقول؛ وساعدتك قواك العقلية والنفسية على الإيمان بأن قوله هو المتفق مع كتاب الله، والمنسجم مع هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنت متدبر للحق، محرر قلبك من شوائب: العصبيات والأهواء. ٢) وإذا - لا سمح الله - عجزت عن ذلك لسبب من الأسباب - والأسباب كثيرة! - فأنت على الضد من ذلك، يقول:» ولعل كل متدبر للحق، محرر قلبه من شوائب العصبيات والأهواء، لا يعجز كل عن تصديق ما أقول، وعن اليقين بأنه المتفق مع كتاب الله، والمنسجم مع هدي رسول الله ﷺ «. إنها دعوة تهديدية للموافقة، فمن يحب أن يكون معرضاً عن الحق؟ ، مملوءاً قلبه بشوائب العصبيات والأهواء؟ ! لا خيار لقارئ الشيخ البوطي، وكأن هذا الأسلوب التسلطي متأثر بالمناخ الذي يخيم على بلادنا العربية وشعوبنا الإسلامية، والاستفتاءات التي تطالعنا كل بضع سنين، والتي لا خيار لك فيها إلا أن تقول: نعم، وإلا فأنت عميل، أو خائن، أو طابور خامس، أو غير ذلك مما في معاجم تجار الشعارات من الأوصاف المقززة وعندها فالويل والثبور لك! وقد تكرر منه أمثال هذه العبارات التي تدل بمنطوقها ومفهومها على أن طرق المعرفة كلها ينبغي أن تُسَدّ، إلا ما يوصل إليه، مع أنه ينعى على هذا الأسلوب التسلطي الذي يمنيك وينعم عليك بكريم الأوصاف تحريضاً على موافقته على استنتاجاته، فإن لم تفعل وكان عندك تحفظ ما؛ سلّط عليك عكس تلك الأوصاف صراحة أو بمفهوم المخالفة. في العدد القادم الحلقة الأخيرة

стр. 858

خواطر في الدعوة الحلقة المفقودة محمد العبدة قال صاحبي: عجيب أمر هذه الشعوب، كيف تسكت على الظلم، وترضى بالهوان بل بالفقر والجوع، وكيف تسير مع أجهزة لإعلام أنَّى سارت! قلت له: مع أنه هناك فرق بين بعض الشعوب إلا أن كلامك في الجملة صحيح، ولكنك يا أخي تذكر الشعوب ومن يظلمها أو يسيرها بأجهزة إعلامه المرئية والمسموعة وتنسى حلقة بين هذين الطرفين وهي إن كانت موجودة فوجودها ضعيف غير مؤثر، وهي التي كان باستطاعتها أن تكون لها الكلمة المسموعة. نسيت يا أخي العلماء، هؤلاء هم زعماء الأمة، وورثة النبوة، وهم الموجهون لها، وهم الذين يحولون بين العشب وبين سقوطه فريسة الاستبداد، وهم الذين تتطلع إليهم الأمة في الملمات والشدائد وحين تطل الفتن برأسها وحين تختلط الأمور، وأعني بذلك العلماء المستقلين الذين يجمعون بين العلم والدين ويتكلمون كلمة الحق دون خوف أو وجل من قطع راتب أو تنحية عن منصب، هؤلاء قلة نادرة الآن، بل في بعض البلدان لا تجد لهم أثراً. ومن هذه القلة النادرة أناس عندهم حظ وافر من العلم والتقوى، ولكنهم غمطوا أنفسهم فابتعدوا عن مجالات التصدي لزعامة الناس وكأنهم ظنوا أن هذا من طلب الشهرة، ولهؤلاء نقول: إن علاقة العلماء بجماهير الأمة ستجعل لهم وزناً ويحسب لرأيهم حساب، «فهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقاً، وذوو النجدة مأمورون بارتسام مراسمهم واقتصاص أوامرهم والانكفاف عن مزاجرهم» [١] . لقد بذلت الحركات الإسلامية جهوداً في محاولة استئناف حياة إسلامية ولكنها لم تملأ هذا الفراغ بإبراز عدد من العلماء الربانيين الذين يفزع الناس إليهم ويسمعون منهم ويتبعونهم، وهؤلاء هم الذين يبعدون الشعب عن اتباع كل ناعق، هؤلاء العلماء إذا لم يكونوا موجودين في قطر من الأقطار فيجب علينا إيجادهم ونعد لهذا باختيار الطلبة الأذكياء ودفعهم إلى تعلم العلم الشرعي والتبحر فيه ومعرفة الواقع ليصبحوا محط أنظار الشعب يسألهم عما يفيده في دينه ودنياه، وعما ينجيه من النار ويدخله الجنة.

стр. 859

من مفاهيم العبودية دعاء الاستخارة معن عبد القادر الدعاء عند الاستخارة صلة بين العبد وربه في كل أمر يقدم عليه، يستعينه ويستهديه ويسترشده، وفيه آداب إسلامية جمة. وفوائد نفيسة، وقد حرص، الرسول ﷺ على أن يعلمه أصحابه. فعن جابر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - وتسمه باسمه - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاقدره لي (ويسره لي، ثم بارك لي فيه) [*] ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به» [١] . فوائد الحديث: أولاً: آداب الدعاء في هذا الحديث جملة من آداب الدعاء أولها: أن يقدم المسائل بين يدي دعائه ثناءً على الله بما هو أهله والله سبحانه يحب المدح والثناء من عباده وهذا أدب لا يكاد يخلو منه ذكر رسول الله - ﷺ ودعائه ومنها أن يقدم بين يدي حاجته عملاً صالحاً كما أرشد الرسول ﷺ في هذا الحديث الداعي أن يركع ركعتين قبل دعائه، وهناك أمثلة أخرى مشابهة كصلاة التوبة وصلاة الحاجة.. «قال ابن أبي حمزة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شيء لذلك أنجع ولا لأنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلاً وحالاً. وقال النووي في (من غير الفريضة) » لو دعا بدعاء الاستخارة عقب راتبة صلاة الظهر مثلاً أو غيرها من النوافل، الراتبة والمطلقة، سواء اقتصر على ركعتين أو أكثر أجزأ «قال ابن حجر معقباً» إن نوى تلك الصلاة بعينها وصلاة الاستخارة معاً أجزأ بخلاف ما إذا لم ينو.. ويبعد الإجزاء عمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة لأن ظاهر الخبر أن تقع، الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الأمر «. ومن آداب الدعاء بين يدي الله أن يظهر العبد فقره وعجزه وانكساره وذله وحاجته إلى ربه كما في الحديث» فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم «. ومنها رد الحول والقوة إلى الله، وفي الحديث تطبيق فعلي لمعنى» لا حول ولا قوة إلا بالله «التي كثيراً ما يرددها المسلمون وقل ما يفهمون معناها، فانظر كيف يتبرأ العبد من الحول ويرده كله إلى الله حين يسأله أن يقدر له الأمر إن كان خيراً، ثم يبارك له فيه، فإن كان شراً يصرف الأمر عنه ويصرفه عن الأمر ثم يقدر له بدل خير ويرضيه به فالحول كله لله. ومن أعظم الآداب سؤال الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى بما يتناسب مع الحاجة، وهذا أحفظ لحرمة أسماء الله وصفاته وأقوى في تدبر معانيها فإن القائل » يا جبار يا منتقم اغفر لي «أنَّى له أن يفقه معنى المغفرة والجبروت، وهو أيضاً أدعى للإجابة وفيه تربية للنفوس على التجاوب مع مقتضيات الأسماء والصفات. فتأمل ما أشد مناسبة صفات العلم والقدرة والفضل لطلب الخير في أمر ما، فإن السائل حين يطلب أن يُكتب له الأمر إن كان خيراً وأن يُصرف عنه إن كان شراً وأن يُقدر له الخير حيث كان فمثل هذا لا يتحقق إلا إذا كان المسؤول عليماً بما هو خير للسائل وما هو شر له، وقديراً حتى يقدِّره ويجعل للعبد قدرة عليه ثم كريماً متفضلاً حتى يعطيه. ومن طريف ما يروى في هذه المناسبة أن رجلاً من الأعراب كان يستمع إلى الأصمعي يتلو [والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ والله غفور رحيم] فقال كلام من هذا، قال الأصمعي كلام الله، قال لا والله ما هذا كلام الله، فأعادها الأصمعي وقرأ [واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] فقال نعم عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع. وانظر - يا أخي -كيف يعلمنا رسول الله ﷺ أن نبدأ بسؤال الخير في الدين، فإنه لا خير أعظم من سلامة الدين ولا مصيبة أطم من المصيبة فيه. فالواجب على العبد أن يعتني بدينه اعتناءه بسائر أموره، بل أشد. ثانياً: الاعتناء بالاستخارة: كما في الحديث» يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن «قال ابن حجر» قيل وجه التشبيه عموم الحاجة في الأمور كلها إلى الاستخارة، كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة «وقال ابن أبي جمرة:» التشبيه في تحفظ حروفه وترتيب كلماته، ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه، ويحتمل أن يكون من جهة الاهتمام به، والتحقيق لبركته والاحترام له.. قال الطيبي: فيه إشارة إلى الاعتناء التام البالغ بهذا الدعاء وهذه الصلاة لجعلهما تِلْوَيَّن للفريضة والقرآن «. فلا تفرط - أخي في الله - فيما أرشدك رسولك لأن تحرص عليه مثل هذا الحرص. ثالثاً: في أي شيء يستخير: جاء في الحديث» في الأمور كلها «قال ابن أبي جمرة:» هو عام أريد به الخصوص فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما «ذلك أن الله قد خار لنا في ذلك حين شرع لنا أمر ديننا [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] . فإذا أقدم المسلم على أمر سأل عن حكم الإسلام فيه، فإن كان للإسلام حكم فيه بفعل أو ترك فقد قضي الأمر وما على المسلم إلا أن يمتثل، ويشمل ذلك الأمور المستحبة، فلا يستخير لقيام الليل ولا لصيام الاثنين والخميس، إذ في ذلك خير حتماً، فتبقى الاستخارة في كل الأمور المباحة التي لا يقطع بكونها خيراً أو شراً إلا عالم الغيب. كم من الأمثلة على أمور ظن الإنسان فيها خيره فإذا فيها ضرره والعكس، والله يقول: [وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ] فلا ينبغي للمسلم أن يزهد في الاستخارة في أي أمر» ويتناول العموم العظيم من الأمور والحقير، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم «وتكون الاستخارة أيضاً (في المستحب إذا تعارض منه أمران أيهما يبدأ به ويقتصر عليه) . ولا يقدم الكثير على الاستخارة إلا في حال التردد، أما حين يظهر له الخير في أمر فإنه يغفل عن الاستخارة ويمضي في أمره معتمداً على علمه متكلاً على حوله وقوته، معرضاً عن هدي نبيه ﷺ . رابعاً: وماذا بعد الاستخارة؟ فإذا استخار المسلم ربه فإنه يمضي عازماً على أي أمر يراه، متوكلاً على الله في تحقيقه جازماً أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وليس شرطاً أن يأتيه بعد استخارته إلهام أو رؤيا صالحة أو أمر لا يعتاده وإن كان شيء من ذلك قد يقدره الله. ولما ظن بعض الناس ذلك ولم يجدوه بعد الاستخارة، ذهبوا إلى تكرار الاستخارة مرة بعد أخرى وإن كان تكرار الاستخارة في المسألة الواحدة قد أفتى بعض العلماء بجوازه من الناحية الفقهية، ولكن تكرارها بدافع التجربة والمحاولة ليس جيداً، بل قد يوقع الإنسان في اليأس والقنوط وسوء الظن بالله. ولذلك فإن بعض من أفتى بجواز التكرار قيده بقيد من لم تطمئن نفسه لصلاته الأولى. فالاستخارة -في جوهرها- تربية إيمانية قلبية يقدم الإنسان على أمره بعدها واثقاً بأن ما يمضي فيه هو الخير، لأنه قد استخار ربه وهو يحسن ظنه بربه أنه قد خار له، وحينئذ حتى لو واجه عقبات وصعوبات ومشاكل فيما أقدم عليه فإنه لا يسيء الظن بربه لأنه أولاً لا يدري ما كان سيجده لو قدر له الأمر الآخر، وثانياً فالمؤمن لا يقيس الخير بالماديات وإنما بما يكون في عمله من بركة في الدنيا وأجر في الآخرة. فلعل المصائب هي الخير له إذ فيها تكفير للذنوب ورفع للدرجات حين الصبر عليها. وحين يصل المؤمن إلى هذا الفقه لمعنى الاستخارة وما يترتب عليها، فحدث كما شئت عن مدى ارتياحه واطمئنانه وصبره على جميع أموره إذ يؤمن - وقد سبق أن استخار ربه بصدق - أن ما هو فيه هو خيرة ربه له، وذلك يورث من الاطمئنان والرضا بما يكون فوق ما يورثه شعوره أنها مجرد قدر الله له، فلا يندم ولا يتحسر ولا يقول لو ... لو. وينعكس أثر هذا على شخصيته، فيظهر دائماً واثقاً عازماً لا متردداً قلقاً. هذه بعض الآداب والتوجيهات في هذا الحديث العظيم الذي هجره كثير فن الناس وأعرض عنه زهداً فيه وغفلة عن لجوئهم إلى ربهم. اللهم توكلنا عليك وفوضنا أمورنا إليك، إلهنا دبر لنا فإننا لا نحسن التدبير وخذ بأيدينا إلى كل خير.

стр. 860

الشورى.. هل نلتزم بها ؟ (٢) محمد العبدة لا يرتاب عاقل أن من أشد الأمراض فتكاً بالأمة مرض الاستبداد، واستمراء الشعب للذل والخنوع أمام دول متجبرة متكبرة. وقد جاء الإسلام مضاداً لكل هذه الأدواء ومزيلاً لها. كانت شعوب المناطق التي فتحها الإسلام خاضعة لرؤساء السياسة والدين خضوعاً مذلاً، فأزاح الإسلام هذا الداء بتكريم الإنسان والتشنيع على المتبوعين الذين يوردون شعوبهم موارد الهلاك، ولكن عندما ضعفت قليلاً روح الإسلام الحقيقية رجع هذا الداء لأنه كان مستحكماً من قبل، وعادت الكسروية والقيصرية. وفي محاولتنا الآن للنهوض واستئناف حياة إسلامية لا بد من معالجة هذا الداء الذي أصاب كل شيء «إذ لا يعقل أن ترقى أمة وحقوقها مهضومة وأفرادها مظلومة» [١] . والدواء هو الشورى بكل معانيها بدءاً من الاستشارة والاستفادة من كل رأي حكيم، وحتى الشورى بمعناها السياسي الإداري. ومتابعة لما سبق نكمل سرد ما قيل في آيتي الشورى، ونذكر تطبيقات الشورى في عهد رسول الله ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين. جاء في تفسير الكشاف للزمخشري: «إذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى فتوكل على الله في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح» [٢] ابن عطية: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه» [٣] [وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] : «أي لا ينفردون برأي ما لم يجتمعوا عليه» [٤] والشورى صفة من الصفات المميزة للمسلمين ذكرها الله عقب الصلاة وقبل الزكاة في قوله تعالى: [والَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] وهذا يدل على بالغ أهميتها [٥] . وقد جاء في السنة عن عبد الرحمن بن غَنمْ عن رسول الله ﷺ : «لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما» [٦] يعني بذلك أبا بكر وعمر. وروي عن أبي هريرة قوله: «ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من رسول الله ﷺ لأصحابه» . التطبيق العملي لمبدأ الشورى في سيرة الرسول ﷺ : ١-في غزوة بدر: استشار الرسول ﷺ الصحابة في قتال قريش وذلك قبل بدء المعركة وهو في طريقه إلى بدر، فتكلم كبار الصحابة كأبي بكر وعمر والمقداد ابن الاسود وسعد بن معاذ وسُرّ الرسول ﷺ من كلامهم وقال لهم: «سيروا وأبشروا» [٧] . ٢- غزوة أحد: استشار النبي ﷺ أصحابه أيخرج إلى قريش أم يمكث في المدينة ويقاتلهم في الطرقات، وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة، ولكن كثيراً من الصحابة وخاصة الشباب منهم ألحوا عليه في الخروج، فعزم على الخروج والتقوا عند سفح أحد [٨] وبعد هذه الغزوة نزلت آية [وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] تأكيداً لمبدأ الشورى. ٣- غزوة الخندق: لما سمع رسول الله ﷺ بمسيرة الأحزاب إليه وتألبهم على المسلمين، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي ﵁ بحفر الخندق [٩] وعندما بلغ الضيق بالمسلمين ما بلغ أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التخفيف عنهم، فعرض على رؤساء غطفان - وهم من الأحزاب - أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا ويتركوا القتال، واستشار رسول الله - ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعه لنا فلا حاجة لنا به، والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوّب رأيهما [١٠] . غزوة بني المصطلق: في هذه الغزوة وقع حديث الإفك الذي تولى كبره زعيم المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول، وأبطأ الوحي في براءة عائشة ﵂، فشاور الرسول - ﷺ علياً بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فيما رمى أهل الإفك عائشة، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله، وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، واسأل الجارية تصدقك [١١] . صلح الحديبية: عندما علم رسول الله ﷺ أن قريشاً جمعت له الجموع وأنهم سيصدونه عن البيت وقد جاء معتمراً قال: أشيروا عليّ أيها الناس، أترون أن أميل إلى عيال وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا ضرب أحد فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: فامضوا على اسم الله [١٢] . وعندما تم الصلح على أن يرجع رسول الله ﷺ وأصحابه هذه السنة، أمر الرسول ﷺ الصحابة بالنحر والحلق والتحلل من العمرة، فلم يقبل أحد ما أمر به فدخل على أم سلمة وكلمها في ذلك، فأشارت عليه أن يخرج ولا يكلم أحداً، ويحلق ويذبح، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً [١٣] . فإذا كان رسول الله ﷺ وهو المسدد بالوحي المبلغ عن الله شرائعه ودينه، وهو من هو في كمال صفاته البشرية، ومع ذلك يكثر من المشاورة في الأمور العامة - فيما لا وحي فيه - وفي الأمور الخاصة، فالعجب ممن يجعل الشورى من المندوبات إن شاء أقامها الحاكم وإن شاء تركها، وهذا في الاستشارة فقط، فكيف يتكلم عن الإلزام بها، وكيف يستقيم حال أمة تحب الاستبداد! ! تطبيقات الشورى في عهد الراشدين: لم ينص الرسول ﷺ على من يخلفه في حكم المسلمين وإن كانت هناك إشارات واضحة على أن أبا بكر ﵁ هو المؤهل لذلك، وبعد المداولات التي وقعت في سقيفة بني ساعدة تم اختيار أبي بكر، ثم بويع البيعة العامة في اليوم التالي فاختيار أبي بكر كان عن مشورة من الصحابة وهم أهل الحل والعقل في عالم الدولة الإسلامية. وأراد عمر ﵁ أن يرسخ مبدأ الشورى ويقطع ألسنة الذين يظنون أن بيعة أبي بكر كانت برجل أو رجلين ويمكن أن يفعلوا مثل هذا ففي الحديث الطويل في البخاري من رواية ابن عباس أن عمر قال: «.. ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرَّة أن يقتلا..» [١٤] ويقصد الخليفة الراشد عمر ﵁ أن بيعة أبي بكر لم يحضر لها ويمهد لها، وأنها تمت في ظروف صعبة كان لا بد أن يختار الخليفة حتى لا يقع الشقاق خاصة وأن الأنصار اجتمعوا ليبايعوا خليفة منهم، فتمت مبايعة أبي بكر - ﵁ ووقى الله أمة محمد ﷺ شر الخلاف، ولكن أبا بكر بويع بيعة عامة في اليوم التالي.

стр. 861

من هدي السلف النظر في مآلات الأفعال د. حسن حسن إبراهيم اعتبار المآل أصل من أصول الفقه جارٍٍ على مقاصد الشريعة، ولا شك أنه لا بد لنا من معرفة هذا الأصل لنعرف متى نقدم؟ ومتى نحجم؟ .. متى نصرّح؟ ومتى نلمَّح؟ متى نواجه؟ ومتى نكون من وراء الستار؟ .. وحتى لا نكون عبئاً على الحركة الإسلامية، أو ثغرة تؤتى الحركة من قبلها! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية «مررت أنا وبعض أصحابى في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم» . [١] يعلمنا ابن تيمية مراعاة مآلات الأفعال فإن كانت تؤدي إلى مطلوب فهي مطلوبة وإن كانت لا تؤدي إلا إلى شر فهي منهي عنها. ويعلمنا أيضاً أن الغاية من إنكار المنكر هي حدوث المعروف فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه فإنه لا يسوغ إنكاره. ويقرر الإمام الشاطبي نفس الأصل فيقول: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة [*] .. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه صعب المذاق، محمود الغب (العاقبة) ، جار على مقاصد الشريعة» [٢] . ويقول في موضع آخر بعد أن يقرر أنه ليس كل حق ينشر، وبعد أن يحكي كراهية الإمام مالك للكلام فيما ليس تحته عمل يقول: «فتنبه لهذا المعنى وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية» [٣] والأعمال بالنسبة لمآلها أربعة أقسام: ١- ما يكون أداؤه إلى الفساد قطعياً: كمن حفر بئراً في طريق المسلمين بحيث يقع فيه المارة. فهذا ممنوع بإجماع الفقهاء. ٢- ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً: كزراعة العنب مع أنه قد يُتخذ خمراً فهذا حلال لا شك فيه. ٣- ما يكون أداؤه إلى المفسدة من باب غلبة الظن كبيع السلاح وقت الفتن وبيع العنب للخمار وهذا ممنوع أيضاً. ٤- ما يكون أداؤه إلى المفسدة دون غلبة الظن كالبيوع التي تُتَخذ ذريعة للربا وهذا موضع خلاف. [٤] وينبني على هذا الأصل القواعد الآتية: [٥] ١) قاعدة سد الذرائع: وحقيقتها تذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز فالأصل على المشروعية لكن مآله غير مشروع ومن الأمثلة على ذلك: * قوله تعالى: [ولا تَسُبُّوا الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] فالآية تمنع من الجائز لئلا يكون سبباً في فعل لا يجوز [٦] . * أمر الشارع بالاجتماع على إمام واحد حتى في صلاة الخوف مع كون صلاة الخوف بإمامين أقرب إلى حصول الأمن وذلك سداً لذريعة الاختلاف والتنازع وهذا من أعظم مقاصد الشرع وقد سد الذريعة إلى ما يناقضه بكل طريق حتى في تسوية الصف في الصلاة [٦] . * نهي المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد لأن مصلحة حفظ نفوسهم ودينهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة [٦] . * جاء في الحديث عن علي «حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يُكذب الله ورسوله» [٧] قاعدة الحيل -: وحقيقتها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر كالواهب ماله عند رأس الحول فراراً من الزكاة فإبطاله نظر في المآل. قاعدة الاستحسان: وحدها الأخذ بمصلحة جزئية في مقابله قياس كلي وحقيقتها منع القياس الذي يؤدي إلى قبيح أو بمعنى آخر ترك العسر لليسر، وهذا نظر في المآل. إقامة المصالح الشرعية وإن عُرض في طريقها بعض المناكر: كطلب العلم وإن كان في طريقه مناكر تُسمع وتُرى وكشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضى، فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها لأنها أصول الدين وقواعد المصالح وهو المقصود من المقاصد الشريعة فجيب فهمها حق الفهم فإنها مثار اختلاف وتنازع وما ينقل عن السلف الصالح مما يخالف ذلك قضايا أعيان لا حجة في مجردها حتى يعقل معناها فتصير إلى موافقة ما تقرر إن شاء الله، والحاصل أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال.. فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق. أخيراً: من يتأمل ما جرى غلى الإسلام في الفتن الكبار والصغار يرى أنها من إضاعة هذا الأصل ويرى مدى الحاجة إلى تلك القواعد الشرعية لتخليص الفكر والواقع الإسلامي من النزعة الشكلية التي أعجزته عن مواجهة الواقع مواجهة فعالة.

стр. 862

لمحات في طرق نقل التقنية والتخلف التقني في العالم الإسلامي د. عبد الله بن صالح الضويان إن التجارة بالتكنولوجيا أسهل بكثير من مهمة امتصاصها من قبل الدولة المستوردة لها. وأنه مع حلول السبعينات اتضح أن سياسة نقل التقنية إلى الدول النامية لم تنجح فقد تضخمت ديون هذه الدول وبدأت مشكلاتها الاجتماعية تتفاقم وآلت مشروعاتها إلى الهبوط. ماذا نعني بنقل التكنولوجيا: يمكن فهم نقل التكنولوجيا على مستوين [١] : ١- المستوى المحلي: ونقل التكنولوجيا على هذا المستوى يعرّف بأنه تحويل خلاصات البحوث العلمية التي تقوم بها الجامعات والمعاهد إلى منتجات وخدمات ويطلق على هذا النوع من النقل (النقل الرأسي) للتكنولوجيا. ٢-المستوى الدولي: ونقل التكنولوجيا من دولة متقدمة قادرة على تحقيق (النقل الرأسي) فيها إلى دولة أقل تقدماً لم تستطع بعد إنجاز (النقل الرأسي) للتكنولوجيا فيها ومثل هذا النقل من الدولة المتقدمة إلى الدولة الأقل تقدماً يأخذ في أبسط أشكاله نقل طرق وأساليب التكنولوجيا دون إجراء أية تعديلات لتكييف هذه الطرق والأساليب مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية السائدة في الدول النامية. ومثل هذا النقل يطلق عليه عادة (النقل الأفقي) للتكنولوجيا. وبقدر ما يتم تعديل أو تكييف النقل الأفقي مع الظروف المحلية بقدر ما يكتسب درجة أعلى من نمط (النقل الرأسي) وبالتالي درجة أعلى من النجاح في التوطّن. ولقد وجد (مانسفيلد وآخرون) في بحث لهما أخيراً أن عمر التكنولوجيا المنقولة (من أمريكا إلى دولة متقدمة أخرى مثل بريطانيا) هو ست سنوات (وهي المدة بين إنتاج سلعة وخدمة معينة بالولايات المتحدة ونقلها إلى الدولة المتقدمة المستوردة للتكنولوجيا) ، ويصل هذا العمر إلى ١٣ عاماً حينما لا يكون النقل عن طريق شركات أمريكية ولكن بطرق أخرى. أما في حالة الدول النامية فيتطلب ذلك فترة تتراوح بين عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن [٢] . فمثلاً يرى الدكتور عزّى [٣] أنه من أجل صناعة متكاملة في النقل البحري في بلد مثل السعودية فنحتاج إلى ٢٠ سنة نكون بعدها قادرين على امتلاك جزء من التكنولوجيا بجهد ذاتي وقادرين على الانتقال الرأسي. أنواع التكنولوجيا: يمكن التفريق بين ثلاثة أنواع من التكنولوجيا [٤] وهي: ١- تكنولوجيا مادية (Hardware) متمثلة بالأجهزة والأدوات والمواد. ٢ - المعلومات (Information) متمثلة بالمعرفة المسجلة أو المسموعة والتصاميم والمواصفات والاجراءات والأساليب الخاصة بتطوير التكنولوجيا واستعمالها وتشغيلها وادارتها وتمويلها والتدريب عليها. ٣- الخبرة الفنية (Know-how) متمثلة بالاستخدام السليم للمعلومات وبالاتصالات الشخصية اللازمة لتشخيص المشكلات وتقديم الحلول لها. قنوات وطرق نقل التكنولوجيا: هناك عدة طرق وقنوات توصل التكنولوجيا إلى الدول النامية بعضها يلعب دوراً أساسياً في النقل والبعض الآخر يحظى بدور ثانوي (فأساليب النقل تعتمد على التقنية المراد نقلها) . ومن أهم القنوات ما يلي: ١ - الاستيراد: فمن الممكن الحصول على أجهزة وآلات ومصانع جاهزة إذا توفر رأس المال ومعدات تتجسد فيها إلى حد بعيد التكنولوجيا التي انتجت بها. ومن محاسن هذه الطريقة أن المستورد عادة ما يكون حر التصرف فيما يشتري إلى حد ما عندها تستطيع الدول النامية الكشف عن التكنولوجيا بطرق شتى، منها فك الآلات والأجهزة إلى أجزائها ودراسة تركيبها وإعادة بنائها كما فعلت اليابان بنجاح من قبل. وفي حين أن درجة من هذا التقليد حاصلة في بعض دول جنوب شرق آسيا (تايوان، هونج كونج، كوريا الجنوبية) فإن الكثير من الدول النامية لا يملك حتى هذه القدرة على تفكيك وإعادة تركيب مثل هذه السلع كما أن تجربة اليابان لم تكن تقليداً أعمى بل جاءت جزءاً من مشروع حضاري متكامل لنهضة اليابان. ٢- الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول النامية: تتخذ الدول المتقدمة هذا الأسلوب في كثير من المشروعات التي تتم في البلدان النامية، لكن لا بد من ممارسة دور كبير من الحيطة من جانب الطرفين، المصدر والمستهلك، لجعل هذه الوسيلة مجدية بما يعود بالفائدة على الطرفين. وعندما تقوم الشركة (من الدول المتقدمة) باستثماراتها المباشرة في الدول النامية دون مشاركة من أي طرف محلي، فإنها تجلب معها (عدتها) الكاملة لإقامة مشاريعها يعها بما في ذلك الحزمة التكنولوجية (Technological package) التي تحتاج إليها وتشمل دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية للمشروع والقيام بالأعمال الهندسية والتصاميم وإحضار الخبراء والفنيين والإداريين والمعدات والآلات والإشراف على إنجاز المشروع وعلى مباشرته في الإنتاج والتسويق. وسلكت بعض الدول النفطية طريق الدخول في المشاركة مع الشركات التي تقوم بالمشاريع، ويمكن أن يكون الطرف المحلي هو حكومة الدولة النامية نفسها أو إحدى مؤسساتها أو أحد أصحاب رؤوس الأموال. وأصبحت الدولة النفطية تلح على امتلاك أكثر من ٥٠% من أسهم المشروع المشترك أملاً في الحصول على أكبر قدر من التأثير في سياسة الشركة مقابل تقديم الخدمات الأساسية (الغاز - الكهرباء - الهاتف) ويأخذ الطرف الأجنبي على عاتقه المسائل المرتبطة بإقامة المشروع وتشغيله وصيانته وإدارته وتسويق منتجاته [٥] . ٣- الشركات المتعددة الجنسيات: إن معظم الاستثمارات في الدول النامية يتم عن طريق الشركات المتعددة الجنسيات (Multinational Corporation) وهي من أهم قنوات نقل التكنولوجيا إلى البلدان النامية، لكنها تعتبر أكبر محتكر للتكنولوجيا على المستوى الدولي من خلال مختلف القنوات المتاحة لها (مثل الاستيراد، الاستثمارات والخدمات الاستشارية، العلاقات التجارية) والتي سنأتي عليها. إن تاريخ هذه الشركات قديم فمثلاً عرفت الشركة البريطانية للهند الشرقية عام ١٦٠٠م، وكان سوق هذه الشركات بلدانها الأصلية أولاً ثم اتخذت طابع العالمية ليبرز هذا الاسم (متعدد الجنسيات) للاستثمار خارج موطنها. ففي عام ١٩٣٧م مثلاً كانت ١٨٧ شركة أمريكية قد نجحت في إقامة ٧١٥ فرعاً صناعياً خارج أمريكا، ٣٣٠ في أوروبا، ١٦٩ في كندا، ١١٤ في أمريكا اللاتينية والباقي موزع على دول العالم وأصبحت أرباح تلك الشركات في الفترة الأخيرة خيالية فمثلاً بلغت مبيعات شركة - اكسون الأمريكية للنفط - أكثر من ١٠٣ مليار دولار في عام ١٩٨٠م وربح قدره ٦. ٥ مليار دولار. وبلغت مبيعات ٣٥ شركة أمريكية في عام ١٩٨٠م حوالي ٧٣٢. ٦ مليار دولار وربح صافي قدره ٤٠ مليار دولار [٦] . إن احتكار هذه الشركات للتكنولوجيا أدى إلى قلق الدول النامية كما أسلفنا حيث أن هدف هذه الشركات الربح فقط. إن إنتاج هذه الشركات يزيد بمعدل ضعف معدل نمو الاقتصاد الداخلي لكل من روسيا وأمريكا ومن المتوقع أن يكون لنحو ٤٠٠ إلى ٥٠٠ شركة من هذه الشركات (جنرال موتورز، شل، آي بي أم IBM، فيليبس.. الخ) قبل نهاية القرن الحالي ملكية مالا يقل عن ثلثي مجموع الأصول الثابتة في العالم بأسره وأن تقوم بإنتاج أكثر من نصف الإنتاج العالمي. إن تعريف هذه الشركات مختلف فيه فمن قائل بأنها تلك التي ينتمي فيها مالكو الشركة الأم إلى جنسيات مختلفة، وآخرون يرون أن الجنسيات تعني أعضاء مجلس الإدارة للشركة الأم ومديري الشركة الأساسيين. وبالإجمال هي شركة كبيرة الحجم يصل نشاطها وفروعها الانتاجية إلى عدة دول. ومن الملاحظ بروز شركات أصحابها من مواطني الدول النامية وهذه أنواع منها من استفاد مؤسسوها من طفرة مالية في ذلك البلد وجمعوا ثروات شخصية بشتى الطرق وهذه فقط تملك رأس مال كبير. ومنها تلك الشركات الحكومية مثل ما فعلت شركت النفط الوطنية الكويتية بشرائها شركة «سنتافي» العالمية مع أن الإدارة من مواطني الدولة الأم للشركة. ومنها من يكون أصحابها مواطنين من الدول النامية استفادوا من مزايا وطنية في بعض القطاعات مثل شركة البناء الكورية. [٧] إن من عيوب وأضرار نقل التكنولوجيا عن طريق هذه القناة أنها تعمق علاقة التبعية والضمنية في العالم بعيداً عن تحقيق تكامل دولي حيث تعيد جزءاً كبيراً من أرباحها إلى الدولة الأم (عادة دولة متقدمة) . كما أنها تصدر تكنولوجيا مكلفة رأس المال غير مراعية لظروف البلد التي يعاني أهلها من البطالة حيث أن أهداف هذه الشركات الربح السريع والضخم. كما أن من عيوبها أنها تطوع الأذواق والمعطيات المحلية للدولة النامية بدلاً من أن تتكيف معها وذلك بالحملات والإعلانات الضخمة الأمر الذي يخلق ميلاً هائلاً عند هذه الشعوب للاستهلاك بينما قدرتها الإنتاجية متواضعة. كما أنها تساهم في هجرة العقول بإغرائهم بالمال ونمط الحياة الراقي في بلد الشركة الأم ولا تنسَ كذلك أثر هذه الشركات على البلد النامي من حيث إغراقه في ديون وخفض عملته المحلية فمثلاً سحبت هذه الشركات عام ١٩٧٤م أكثر من ١٦ مليار دولار من الأرباح من الدول النامية في حين أنها لم تستقدم من الخارج أكثر من ٧ مليار دولار. وتسيطر هذه الشركات على ٨٠% من عمليات النقل في العالم حالياً. ٤- قد يأخذ نقل التكنولوجيا شكل الدخول في عقود ورخص وبراءات اختراع وعلامات تجارية بين شركة محلية في دولة نامية وبين شركة (في الغالب) متعددة الجنسيات (غير قادرة أو راغبة بالقيام باستثمارات مباشرة في دولة نامية ما لأسباب معينة) . هنا تسمح الثانية للأولى باستغلال الرخص أو البراءة أو العلامة التجارية حسب شروط وقيود يتفق عليها مسبقاً (مثلاً: حرمان الشركة المحلية من التصدير والاكتفاء بالسوق المحلية، أو منعها من الجمع بين علامات تجارية لشركات منافسة ... إلخ) . إن العلامات التجارية وبراءات الاختراع تمثل معاً حقوق ملكية صناعية غير ملموسة وكلاهما يمنحان الشركة التي تملكهما درجة من الاحتكار.

стр. 863

علماء معاصرون الشيخ أحمد محمد شاكر حكمت الحريري هو الأستاذ العلامة المحدث أبو الأشبال الشيخ أحمد بن محمد شاكر بن أحمد ابن عبد القادر. ولد ﵀ بعد فجر يوم الجمعة في التاسع والعشرين من شهر جمادي الأخرة سنة ١٣٠٩هـ الموافق ١٨٩٢م بمنزل والده بالقاهرة، ثم ارتحل مع والده إلى السودان حيث كان قد عُينَ قاضياً فيها. درس الشيخ أحمد شاكر في السودان بكلية «غوردن» ثم بعد رجوعه إلى مصر درس بالإسكندرية، ثم التحق بالأزهر الذي صار والده وكيلاً لمشيخته سنة ١٣٢٨هـ. وانتقال الشيخ إلى الأزهر كان بداية عهد جديد من حياته، فقد استطاع أن يتصل بكثير من العلماء وطلبة العلم الموجودين في القاهرة ثم بدأ ينتقل في مكتبات القاهرة ويستفيد من العلماء ويكثر من المطالعة وقد حاز على الشهادة العالمية من الأزهر سنة ١٩١٧م وعمل في التدريس لمدة أربعة أشهر فقط، ثم عمل في سلك القضاء حتى أحيل على التقاعد سنة ١٩٥١م. ولم ينقطع خلال فترة اشتغاله بالقضاء عن المطالعة والتصنيف، بل إنه أثرى المكتبة الإسلامية بأبحاثه القيمة وتحقيقه لأمهات الكتب المفيدة. وكانت وفاته في السادس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ١٣٧٧هـ الموافق ١٩٥٨م. أشهر شيوخه: تربى الشيخ أحمد شاكر في بيئة علمية، فوالده كان وكيلاً للأزهر، وجده لأمه العالم الجليل هارون عبد الرزاق؛ بالإضافة إلى وجود الأزهر الذي كان يستقطب كبار العلماء من شتى بلدان العالم الإسلامي مما أتاح للشيخ فرصة أن ينهل من معين العلم والعلماء. ومن أشهر العلماء الذين استفاد منهم: ١- والده العلامة محمد شاكر، وكان أعظم الناس أثراً في حياته. ٢- الشيخ عبد السلام الفقي، وقد تعلم منه كتب الأدب واللغة والشعر. ٣- الشيخ محمود أبو دقيقة، وتعلم منه الفقه وأصوله بالإضافة إلى أنه تعلم منه الفروسية، والرماية، والسباحة. ٤- علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي. ٥- علامة المغرب ومحدثها الشيخ عبد الله بن إدريس السنوسي، وقد أجازه برواية صحيح البخاري وبقية الكتب الستة. ٦- الشيخ طاهر الجزائري من كبار علماء الشام. ٧- العلامة محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، وغيرهم من جهابذة العلم. جهوده في خدمة السنة: أهم المصنفات التي حققها وعلق عليها: ١- تحقيق كتاب الرسالة للإمام الشافعي تحقيقاً علمياً نافعاً ينم عن غزارة علمه وسعة اطلاعه، وهو أول كتاب عرف به الشيخ أحمد. ٢- تحقيق (الجامع) للترمذي عن عدة نسخ، وصل فيه إلى نهاية الجزء الثالث. ٣- تحقيق وشرح مسند الإمام أحمد بن حنبل، وقد شرع بخدمة هذا الكتاب من ١٩١١م حتى بدأ بطباعته سنة ١٩٤٦م، فهرس أحاديثه حسب الموضوعات، وخرجها وشرح مفرداته وعلق عليه تعليقات هامة ومفيدة، ولكنه لم ينته من تخريج كامل أحاديث المسند بل وصل إلى ثلث الكتاب تقريباً، وعدد الأحاديث التي حققها [٨٠٩٩] وقدم للكتاب بنقل كتابين جعلهما كالمقدمة بالنسبة للمسند هما: «خصائص المسند» للحافظ أبي موسى المديني «والمصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد» لابن الجزري. ٤- تحقيق مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، ومعه معالم السنن للخطابي، وتهذيب ابن قيِّم الجوزية، بالاشتراك مع الشيخ محمد حامد الفقي، وطبع الكتاب في ثمانية مجلدات. ٥- تحقيق صحيح ابن حبان: حقق الجزء الأول منه فقط. ٦- شرح ألفية السيوطي في علم الحديث، وطبع الكتاب في مجلدين. ٧- الباعث الحثيث شرح «اختصار علوم الحديث» للحافظ ابن كثير. ٨- تحقيق كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم. ٩- عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير اختصره وحذف منه الأسانيد، والروايات الإسرائيلية والأحاديث الضعيفة، وتفاصيل المسائل الكلامية، وهو أفضل المختصرات التي طبعت لتفسير ابن كثير. ١٠- تخريج أحاديث من تفسير الطبري: شارك أخاه محمود شاكر في تخريج أحاديث بعض الأجزاء من هذا التفسير وعلق على بعض الأحاديث إلى الجزء الثالث عشر. ١١- تحقيق كتاب «لباب الآداب» للأمير أسامة بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ هـ. ١٢- تحقيق كتاب شرح العقيدة الطحاوية. هذا بالإضافة إلى كتب أخرى قيمة في الأدب واللغة، وبحوث مفيدة في الفقه والقضايا الاجتماعية والسياسية كتبها في مجلة «الهدي النبوي» حينما كان رئيس تحرير لها، وقد جمعت بعض هذه المقالات ونشرت في كتاب بعنوان «كلمة الحق» . جهوده في المجال السياسي والاجتماعي: عاش الشيخ أحمد شاكر في فترة امتازت بكثرة الأحداث وتواليها، والدول الإسلامية تئن تحت نير الاستعمار الإنكليزي والفرنسي، وخور المسلمين وعجز معظم العلماء عن القيام بواجبهم، بل كانوا يشعرون بالانهزامية والصغار أمام هجمات الصليبيين وتلامذتهم من المستشرقين الفكرية وطعنهم في هذا الدين، والتركيز على مصر المركز العلمي للعالم الإسلامي، واليهود يخططون لاحتلال فلسطين، وأحكام الشريعة الإسلامية أقصيت عن حياة الناس بفعل الفساد والتخطيط الصليبي الماكر ضد هذه الأمة، حتى صار التدين والتمسك بدين الإسلام، وصمة عار وتخلفاً ورجعية. وأمام هذه الموجات المتلاطمة والعواصف الجارفة التي تهب بالفساد وقمع الصالحين من العباد، ونصبوا لذلك رايات في كل هضبة وواد. فلا يقوى على الصمود والمواجهة إلا العظماء من الرجال، وما دام أنه كما يقال: لكل زمان دولة ورجال، فقد هيأ الله الشيخ ليذود عن حياض هذه الأمة ويدافع عن شرفها وعزتها التي لا تكون أبداً إلا بتمسكها بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، فانبرى الشيخ للتصدي لكل الأفكار الهدامة متمسكاً بكتاب الله ملتزماً بعقيدة السلف، يقارع الأعداء وتلامذة الغرب من المستشرقين دون أن تلين له قناة أو تخور له عزيمة، مع قلة من أمثاله من الرجال. وصار يدبج ببراعه مقالات نفيسة وتعليقات مفيدة على بعض ما حققه من الكتب، ومن ذلك تعليقاته على تفسير ابن جرير الطبري، وعمدة التفسير مفصلاً القول عن آيات الحاكمية وتكفير من لا يحكم بشريعة الله، وتعليقاته لا تزال مصدراً هاماً لمن جاء بعده من العلماء المجاهدين الذين فتح الله بصيرتهم ولا أريد للقارئ لمقالتي هذه أن يعيش في جو التصور النظري، بل أنصح والدين النصيحة بالاطلاع على كتاب «كلمة الحق» فليس من سمع كمن رأى وعندها يتعرف القارئ على مدى مقدرة الشيخ على البيان وفصاحته، ودفاعه عن هذا الدين الحنيف، وتصديه للمبتدعين، والخرافيين وللمستشرقين وغيرهم. وأريد أن أخص بالذكر من بين المقالات الهامة للشيخ ثلاثة مقالات هي: «أيتها الأمم المستعبدة» ، «بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمم العربية والإسلامية عامة» ، والثالثة «تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين» . ستلاحظ من خلالها مواقفه الحازمة وبغضه لأعداء الله، وتحريض الأمة على جهاد المستعمر الذي نهب خيرات البلاد ونشر في الأمة الفساد. منهجه في تصحيح الأسانيد: غلب على الشيخ في مجال البحث العلمي الاهتمام بتخريج الأحاديث ودراسة أسانيدها خاصة في تخريجه لأحاديث المسند. وعند تتبع الأسانيد التي حكم عليها بالصحة، يلاحظ أن أهم القواعد التي يسير عليها في تصحيح إسناد حديث ما هي كالآتي: ١- إذا ذكر البخاري الراوي في «تاريخه الكبير» وسكت عنه، ولم يذكره في الضعفاء فإن الشيخ يعتبر سكوته توثيقاً للراوي. ٢- إذا ذكر ابن أبي حاتم الراوي في «الجرح والتعديل» وسكت عنه أيضا، فإن الشيخ يعتبر سكوته عن الراوي توثيقاً له. ٣-كان يعتمد على توثيق ابن حبان فالرواة الذين ذكرهم ابن حبان في كتاب «الثقات» ثقات عند الشيخ أحمد شاكر. ٤- توثيقه لـ (عبد الله بن لهيعة) بإطلاق. ٥- توثيقه للمجهول من التابعين قياساً لحالهم على حال الصحابة. ومما أخذ على الشيخ أمور: الأولى: معظم الكتب الهامة التي قام بتحقيقها أو شرحها لم يكد يتممها وكأنه كان يشتغل بأكثر من كتاب في وقت واحد، فالترمذي والمسند وصحيح ابن حبان وتفسير ابن كثير وتفسير الطبري، وغيرها، لم تكتمل، ولو أكملها لكانت الفائدة أوسع وأكثر، فلا تكاد تجد من يسد هذا الفراغ الذي تركه الشيخ، فمنهجه وأسلوبه يختلف عمن جاء من بعده. الثانية: في نقد منهجه في تصحيح الأسانيد بناء على أهم القواعد المذكورة آنفاً. فالبخاري في «التاريخ الكبير» وكذا ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» لا يعتبر سكوتهما عن الراوي تعديلاً له، فقد يذكر البخاري في كتابه راوياً ضعيفاً ويسكت عنه، وقد يسكت عن بعض الرواة المجهولين، ويسكت أحياناً عن بعض الرواة الذين لم يعرفهم ولم يفرق بين أسمائهم. وأما ابن أبي حاتم فقد يسكت عن الرواة الذين لم يتمكن من معرفة أحوالهم فقد قال في مقدمة كتاب الجرح والتعديل: «على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم وجاء وجود الجرح والتعديل فيهم فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله تعالى» . أما اعتماده على توثيق ابن حبان، فابن حبان كان متساهلاً في التوثيق فما كل من ذكرهم في «كتاب الثقات» بثقات. وقد تكلم عن تساهل ابن حبان في التوثيق العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني في كتاب «التنكيل» وكذا الشيخ ناصر الألباني في مواضع من السلسلة الضعيفة. فكان مما قاله الألباني: «إن ابن حبان متساهل في التوثيق، فإنه كثيراً ما يوثق المجهولين حتى الذين يصرح هو بنفسه أنه لا يدري من هو ولا من أبوه» . وتساهله نابع من اصطلاحه في تعريف العدل، فالعدل عنده من لم يعرف منه الجرح إذ الجرح ضد التعديل، فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده إذ لم يكلف الناس معرفة ما غاب عنهم [١] . وأما توثيقه لعبد الله بن لهيعة بإطلاق فهو موضع انتقاد أيضاً. إذ أن عبد الله بن لهيعة ضعفه أكثر العلماء الذين يعتد بقولهم كابن معين، والنسائي وابن المديني، والجوزجاني، وابن حبان، والذهبي، وابن خزيمة، لأنه اختلط في آخر عمره بعد احتراق كتبه وأما من روى عنه قبل الاختلاط فروايته صحيحة، والذين رووا عنه قبل أن يختلط وقبل احتراق كتبه هم العبادلة. «عبد الله ابن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن المقرئ» وفي غير رواية هؤلاء عنه فهو ضعيف. وأما توثيقه للمجهولين من التابعين فليس بصحيح، وإنما فعل ذلك قياساً لحال هؤلاء على حال الصحابة، والفرق واضح، فالصحابة مشهود بعدالتهم وثقتهم وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وليس حال التابعين كذلك، قال الحافظ ابن حجر: «ثم إن من بعد الصحابة تلقوا ذلك منهم وبذلوا أنفسهم في حفظه وتبليغه، وكذلك من بعدهم إلا أنه دخل فيمن بعد الصحابة في كل عصر قوم ممن ليست لهم أهلية ذلك وتبليغه، فأخطأوا فمما تحملوا ونقلوا، ومنهم من تعمد ذلك فدخلت الآفة فيه من هذا الوجه، فأقام الله طائفة كثيرة من هذه الأمة للذب عن سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فتكلموا في الرواة على قصد النصيحة» [٢] . لكن الشيخ أحمد شاكر إذا مر بتابعي وكان مجهولاً، فكثيراً ما يكرر العبارة الآتية: «وهو تابعي، فأمره على الستر والعدل حتى يتبين فيه جرح» .

стр. 864

شعر دمعة حزن في مقلة عروس عبد الرحمن صالح العشماوي تروح بنا مصائبُنا وتغدو ... فما يُرعى لنا في الناس عَهْدُ ونحبو في طريق العلم حَنْواً ... وعَالمُنَا على قدميه يعدو ويخطب (باقلٌ) في كل نادٍ ... فيا (سحبانُ) قولُك لا يُعَدُّ ويحرق ثوبه عمرو بن هندٍ ... ولو علمتْ لما احتضنته هندُ ولو أبصرت يا كعب (سعاداً) ... لما ناديتها وكفتك (دَعْدُ) ويا (حسّانُ) بعدك ألف صوتٍ ... من الشعراء، بالنعرات تشدو كأنّا قد نسينا ألف عامٍ ... ونصفَ الألف، وانتفضتْ (مَعَدُّ) وهبّتْ ريح (ذبيان) و (عبسٍ) ... فثار لها غطارفةٌ وأُسْدُ كأنَّ عقولنا ممّا اعتراها ... مساحاتٌ من الصحراء جُرْدُ تقول الحربُ: ها أنذا بسيفي ... أمدُّ يدي فقوموا واستعدّوا وبعض رجال قومي في يديهمْ ... حبالٌ لا تُلَفُّ ولا تُشَدُّ وأنذرت الخطوب، فليت تشعري ... متى يلوي ذراع الغيِّ رُشْدُ غضبتُ لأمتي ممّن يغنّي ... لها وفؤاده دَنَسٌ وحِقْدُ يبادلها حديث الحبَّ جهراً ... وفي أعماقه خصمٌ ألدُّ سلوني عن دكاترةٍ كبارٍ ... لهم في فكرنا أَخْذٌ وردُّ تُعيرهمُ الصَّحافةُ مقلتيها ... فهم في عُرفها الركنُ الأَشدُّ لهم عَبْرَ الإذاعةِ ألفُ صوتٍ ... وفي التِّلفاز أذرعةٌ تُمَدُّ دكاترةٌ لهم فكرٌ غريبٌ ... وأحلامٌ عراضٌ لا تُحدُ على وطنيَّةِ التفكير قاموا ... وتحت غطائها قبضوا ومدُّوا وباسم ثقافة العصر استباحوا ... حمى الفكر الأصيل وعنه نَدُّوا أقول لهم: ثقافتكم هباءٌ ... وليس لغيمكم برقٌ ورَعْدُ أقول لهم: كتابُ اللهِ فيكم ... إلى يَنبوعه الصَّافي المَرَدُّ تعبتم في ملاحقة الدّعاوى ... وجرحُ فؤادِ أمتكم يجِدُّ لنا وطنيَّةٌ ليست نَشازاً ... فما تجفو الكتابَ ولا تَنِدُّ لنا البيت الحرام، لنا حراءٌ ... نعم، ولنا تهامتُنا ونَجدُ لنا أرض الجزيرة قام فيها ... من الإسلام دون البَغي سدُّ لنا الأقصى، لنا شام ومصرٌ ... لنا يَمَنٌ وبغدادٌ وسِنْدُ لنا في المغرب العربي أهلٌ ... وأحبابٌ، وفي كابولَ جُنْدُ لنا الإسلام يجمع شمل قومي ... وإنْ ورمتْ أنوف من استبدُّوا ولا وطنية لدعاة فكرٍ ... دخيلٍ، من سوانا يُسْتَمَدُّ إذا صارتْ روابطُنا تُراباً ... عليه حبال أمتنا تُشَدُّ فلا تعجبْ إذا اضطربتْ خطانا ... وساومنا على الأمجادِ وَغْدُ ولا تعجبْ إذا صارت رُؤانا ... تَغيم، وقصر فرحتنا يُهدُّ ألا يا سائلي عما أعاني ... معاناتي لها في القلب حَشْدُ تعالَ لكي ترى غاراتِ قومي ... على قومي وتبصرَ ما أعدُّوا ولا تسألْ، فليس لنا جوابٌ ... وليس لأمتي في الأمر قَصْدُ مضى زمن عليها وهي تحبو ... ولم يُقدحْ لها في المجد زَنْدُ عروس لا تُزَفُّ إلى عريسٍ ... وليس لجيدها القمريِّ عِقْدُ ولا مُنحتْ أساورَ من نضارٍ ... ولم يُغْرسْ لها في الدرب وَرْدُ عروسٌ جُلِّلتْ بثياب حزنٍ ... وطاف بها على الشَّارين عَبْدُ مراكبُها تُسيِّر في بحارٍ ... ولا هدفٌ على الشطآن يبدو نقول لأجلها حقاً، ولكن ... يواجهُنا من الأحباب صَدُّ نُقَابَلُ بالتجاهل والتغاضي ... وينسى القوم أنَّ الأمرَ جدُّ إذا لم يحكم الإسلامُ قومي ... فمهْدُك أيُّها المولودُ لحْدُ

стр. 865

تربية الشعور الديني عند المراهق عثمان جمعة ضميرية إن مرحلة المراهقة من أخطر المراحل التي تواجه كل من يقوم بالتربية، وذلك لأنها مرحلة انتقال جسمي وعقلي وانفعالي واجتماعي، بين مرحلتين متميزتين هما: مرحلة الطفولة الوادعة، الساذجة الهادئة، ومرحلة الشباب التي تُسْلمِ المراهق إلى الرشد والنضوج والتكامل والرجولة الكاملة. وهي مرحلة طبيعية في النمو، يمر بها المراهق كما يمر بغيرها من مراحل العمر المختلفة، لا يتعرض لأزمة من أزمات النمو، مادام هذا النمو يجري في مجراه الطبيعي، فهي ليست - بحد ذاتها - أزمة، وإنما هي مرحلة انتقال وتغيير كلي شامل، وإن حصلت الأزمة فإنها إنما تنشأ بسبب عوامل مؤثرة غيرها، أو بسبب معالجة مشكلات المراهق. والمراهقة هي: الفترة من بلوغ الحلم إلى سن الرشد [١] والمراهق هو الغلام الذي قارب الحلم. ولن نعنى في هذا المقال بدراسة التغيرات النفسية والعقلية والجسمية التي تطرأ على المراهق، وإنما نُلْمَعْ إلى الشعور الديني عند المراهق وتطوره لبيان اتجاهات المراهقين الدينية والأخلاقية. خلق الله الإنسان على فطرة التوحيد والإيمان، وقد أخذ العهد على بي آدم مذ كانوا ذرية في ظهور آبائهم وأشهدهم على أنفسهم: [ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا] [الأعراف: ١٧٢] وفي الحديث القدسي «.. إني خلقت عبادي حنفاء كلَّهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» . فالإنسان مؤمن بفطرته، يتجه إلى الله وحده بالعبادة والخضوع، ولكن هذه الفطرة قد يغشاها ما يغشاها، أو قد تنحرف وتمرض، بتأثير بعض العوامل كالوالدين أو البيئة الكافر أهلها، ففي الصحيحين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يُهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة ﵁: واقرؤوا إن شئتم [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ] . وإذا كان الطفل منذ نعومة أظفاره يدرك عدداً من المعاني الدينية بتأثير هذه الفطرة التي أودعه الله إياها، فإن هذا الإدراك هو شعور غير محدد، فهو يبدي عدداً من الانفعالات ويطرح جملة من الأسئلة عن الله خالق الكون، خالق الشمس والقمر.. منزل المطر من السماء، عن الرعد والبرق، وعن الجنة والنار.. فإن المعاني الدينية تتضح أكثر عند المراهق، بسبب نضجه العقلي. الذي وصل إليه، فلا تكاد مرحلة المراهقة تبلغ أوجها حوالي السادسة عشرة تقريباً حتى تكون مستويات المراهق الإدراكية قد تفتحت وتسامت، وذكاؤه قد بلغ أوجه، كما تتحدد في هذه المرحلة اهتمامات المراهق، ويتحرر من الشطحات والخيال ويميل إلى القراءة والاطلاع، ويصبح قادراً على التجريد وإدراك المعنويات، وتجاربه في البيت والمدرسة والمجتمع قد تنوعت. كل تلك العوامل العقلية والاجتماعية، إضافة إلى النضج الجنسي، تتضافر في إيجاد وعي ديني عند المراهق، يختلف عن الاهتمام الديني عند الأطفال. فعندئذ يبدأ بتكوين فكرة عن الحياة والمصير والغاية، ويفكر في الخالق سبحانه وفي صفاته، وهذا يكوِّن لديه يقظة دينية تثير نشاطاً عملياً، كالعبادة التي تترجم عن إيمانه، وكالجهاد في سبيل الله، وتحمل المطالب والمسؤوليات تجاه دينه، والاستهانة بالعقبات التي تقف أمامه. والمراهق -كغيره - يجد في الدين أملاً مشرقاً بعد يأس مظلم، ويجد فيه أمناً من خوف، وفكراً يسدّ فراغه النفسي وقلقه الانفعالي. وهذا كله يدفع بالمراهق إلى المبالغة في العبادة والتعمق فيها أحياناً. وهذا الوعي الديني عند المراهق، يجب توجيهه وجهة سليمة صحيحة، تتفق ومقدرته العقلية وتكوينه النفسي والانفعالي، ليكون فهمه للدين - منذ البداية - فهماً صحيحاً، بعيداً عن الأوهام والخرافات والتعصب. فلا يجوز أن يفهم بعض آيات الكتاب الكريم على نحو غير صحيح استناداً إلى أنه لا يستطيع الآن أن يدرك معانيها الحقيقية كما ندركها نحن مثلاً، أو بحجة استغلال عاطفته الدينية خوفاً من موجات الشك والإلحاد، أو انتصاراً للدين على العلم -كما يفعله بعضهم -أو بأي حجة أخرى. فإن تلقين المعاني والأفكار الدينية للمراهق بشكل منحرف أو خرافي يؤدي إلى ناحية سلبية، فينكر الدين إلحاداً وازدراءً، أو ينكر العلم جهلاً وتعصباً! ومن هنا، كان من الواجب توجيه المراهق توجيهاً سليماً واضحاً، ووجب الابتعاد عن السطحية والضحالة في تقديم الأفكار الدينية له وتعليمه إياها؛ إذ يجب في هذه المرحلة أن نوسِّع ثقافته - وهو في دراسته في هذه المرحلة في مستوى الدراسة المتوسطة والثانوية - من الناحية الدينية حتى ننهض بمستواه الروحي، ونرى أثر هذه الثقافة في أخلاقه وسلوكه. كما يجب على كل من يُعنى بتربية المراهق أن يفتح له قلبه بفتح باب المناقشة الهادئة الواعية الدقيقة، وأن يعوِّده على ذلك، وأن لا يضيق أو يتبرم بمناقشته وأسئلته، لأنه يميل في هذه المرحلة إلى مناقشة كل فكرة تُعرض عليه فهو لم يعد طفلاً يأخذ كل شيء بالتسليم المطلق، وإن كان هذا لا ينفي أن نزرع في نفسه أيضاً التسليم المطلق لله تعالى والانقياد لأوامره وأحكامه، وأنه إنما شرع شرعته لمصلحة لنا، قد يدركها العقل، وقد يعجز عن دركها ومعرفتها أحياناً ولكنه - بكل تأكيد - ما من حكم شرعي إلا وهو ينطوي على مصلحة للبشر. وهذا ما أشار إليه وفصَّله الإمام المحقق الشاطبي في كتابه العظيم «الموافقات» والعز بن عبد السلام في «قواعد الأحكام» . وهذا هو الطريق السوي السليم - فيما أحسب - في توجيه المراهق دينياً، بحيث نبعث في نفسه السكينة والاطمئنان، والثقة بالنفس، مع القناعة العقلية والوجدانية، والمباعدة بينه وبين الغرور، وبهذا نحفظه من رياح الإلحاد والاستهتار والانحلال. وفي دراسة إحصائية لخبرات المراهقين، أجراها الدكتور عبد المنعم المليجي في مصر، اقترح تصنيفاً للمراهقين حسب الاتجاه الديني الذي يغلب عليهم، إلى فئات أربع: ١- فئة يلتزمون قواعد الدين حرفياً دون مناقشة، وهذه فئة المؤمنين إيماناً تقليدياً - حسب تعبيره -. ٢- فئة تأخذ الدين بجدية أكثر، فتندفع إلى تبرير الدين والتحمس له. وهذه فئة المتحمسين للدين. ٣- فئة تأخذ الدين جدياً، لكن تميل إلى اتجاه نقدي أكثر وهي فئة المتشككين. ٤- فئة تنكر الدين إنكاراً صريحاً. وفيما يلي جدول يلخص توزيع الاتجاهات الدينية، مستخلصاً من أجوبة المراهقين على الاستفتاء الذي صممه الدكتور المليجي وأجراه في مصر، ونظرة سريعة إلى هذا الجدول تبين لنا تناقص عدد الأفراد كلما بعدت فئاتهم عن الاتجاه التقليدي في التدين -كما أسماه - ويتبين من النسب المئوية وجود ارتباط موجب بين اتجاه البنين واتجاه البنات الدينية: ------------------------------------------------------------------------------ الاتجاهات الدينية [*] بنين ... ... بنات عدد النسبة المئوية عدد النسبة المئوية ------------------------------------------------------------------------------ إيمان تقليدي ٥٠ ٥٠% ٤٢ ٦١.٥% حماس ... ٢٥ ٢٥% ١٨ ٢٥.٨% شك ٢٤ ٢٤% ٩ ١٢.٨% إلحاد ١ ١% - - المجموع ١٠٠ ١٠٠ ٧٠ ١٠٠ ---------------------------------------------------- ويتبين من الجدول أن المراهقات أقلُّ من البنين نزوعاً إلى التحرر من الدين وأكثر منهم سلبية، ولا نجد بين البنات إلحاداً قط، في حين نجد نسبة ضئيلة لدى البنين، كما نجد أن نسبة الإيمان التقليدي بين البنات تفوقها لدى البنين بمقدار ٥,١٠ % (المليجي ص ٢١٤) . وحبذا لو أجريت استفتاءات أخرى في بعض البلدان الإسلامية، لمعرفة مدى الرصيد الإيماني لشبابنا المراهقين الذين تحاصرهم كثير من التغيرات، وتغزوهم وسائل الإعلام التي يزيد الهدم فيها ويفوق البناء، وبذلك نرصد اهتمامات شبابنا وتوجهاتهم، ويمكن معالجة ما قد يقع من انحراف، وتصويب ما يمكن تصويبه من أخطاء. وكذلك يقف المراهق - والمراهقة أيضاً - موقفاً إيجابياً من الأخلاق، بعكس ما كان عليه عندما كان طفلاً، فهو لا يتقبل أي موقف أخلاقي دون مناقشة أو تقليب النظر. إن المراهق والمراهقة يناقشان في صراحة - أحياناً - كل ما يصدر عن الوالدين من أعمال ويحاولان أن يُصدرا أحكاماً على هذه الأعمال، فكل منهما يقبل عندئذ ما يروقه وما يتمشى مع منطقه، ويرفض ما يتعارض مع مُثُلِه العليا، ويجادل والديه في هذا كله. وهناك ظاهرة أخرى في سلوك المراهق الخلُقي ج إذ باستطاعته، الآن التفكير في صيغ عامة، وأن يكوِّن لنفسه «مُثُلاً عليا» هي تجمع لخبراته السابقة في الطفولة. ومن الأمثلة القريبة على هذه المثل العليا والأخلاق السامية عند المراهق: أولئك الفتيان الذين ينشطون دائماً في جمع التبرعات للمنكوبين أو المشرّدين، دون أن ينتظروا من وراء ذلك كسباً مادياً أو نفعاً دنيوياً عاجلاً. مثال آخر يدل على شهامة المراهقين ومثاليتهم العالية: أولئك الطلاب الذين اشتركوا في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م أو في معركة القنال بمصر بعد إلغاء المعاهدة المصرية الإنكليزية عام ١٩٢٦م، وكان الكثير من هؤلاء في سن المراهقة، ذهبوا وضحَّوا بأنفسهم في سبيل مبدأ جليل دون رهبة أو وجل، يدفعهم إلى ذلك إيمان بالله قويٌّ، وأخلاق عالية سامية. وإذا ارتقينا في تاريخنا الإسلامي إلى عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- وجدنا أمثلة كثيرة تعزُّ على الحصر، تؤكد ذلك، فأولئك الشباب من الشهداء في عهد النبوة، وأولئك الذين جاهدوا مع النبي ﷺ مثال رائع لذلك، وكان فيهم من لا يتجاوز الخامسة عشرة من العمر، ومنهم من ردّه الرسول - ﵊ ولم يُجِزه في الاشتراك في الجهاد، لصغر سنِّه! وحسبنا هنا أن نشير إلى مَثَلٍ واحد رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف وهو يحكي قصة معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء - غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما - في سؤالهما عن عدو الله أبي جهل، إذ كل واحد منهما قد عاهد الله «لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا» . إنها مثل رائع للبطولة الشامخة والإيمان القوي. وبعد؛ فقد يجد المراهق أن مثاليته هذه بعيدة عن الواقع وصعبة التنفيذ، عندما تتسع الدائرة التي يتعامل معها، وتد يساوره شيء من الشك في قيمة تلك المُثُل العليا، أو قد يعتبرها رياءً، لا معنى لها، فينتهي إلى الانطواء على النفس واحتقار الذات، أو الاندفاع في غمار الحياة لتحقيق رغباته وإشباع دوافعه الفطرية، دون احترام للمبادئ الأخلاقية، ما لم يكن هناك وازع من الدين والتربية القويمة التي تربط هذه القيم الأخلاقية بعقيدة المراهق وإيمانه بالله تعالى، ووجوب الالتزام بشرعه، وبضبط النفس بين دوافعه وضوابطه، وطموحاته وواقعه، وهي مسؤولية عظمى تقع على عاتق كل من جعله الله تعالى داعياً لأولئك الأفراد، تحتاج إلى عون من الله تعالى، وإلى كثير من الجهد والصبر والمصابرة [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] .

стр. 866

المسلمون في العالم النظام العالمي الجديد: الوجه الآخر للاستعمار (٢) د. أحمد عجاج أزمة الخليج وظهور النظام القطبي الواحد: إن اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت قد سرَّع عملية التحول الدولية، حيث سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى استغلالها خير استغلال. فإزاء رفض العراق لكل النداءات بالانسحاب عمدت أمريكا إلى تدعيم وجودها في المنطقة تحت شعار أمن دولي الخليج وتثبيت منطق الشرعية الدولية. فالولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لضعف الاتحاد السوفياتي سارعت إلى استغلال منظمة الأمم المتحدة لتثبيت دورها الجديد في المنطقة. وفعلاً سارع الاتحاد السوفياتي عبر وزير خارجيته إلى إدانة العراق الحليف الدائم، إلى أن وصل أخيراً إلى حد التهديد بالتدخل عسكرياً إذا لم يسارع العراق إلى الإفراج فوراً عن المدنيين السوفيات المحتجزين في بغداد. فالاتحاد السوفياتي لأول مرة يطبق عملياً نظريته الحديثة حيث أكد شيفردنادزه أن دعم العراق من شأنه أن يضر بالانفتاح الدولي، ويجلب عبئاً مادياً على الاقتصاد السوفياتي، ناهيك عن الأضرار المادية التي يمكن أن تنتج عن هذه السياسة. وبهذا يتضح أن الاتحاد السوفياتي لم يعد قادراً على تبوء منصب الدولة الكبرى ومناوأة الولايات المتحدة الأمريكية. فهذا الضعف قد بدا واضحاً جداً خلال الأيام القليلة التي سبقت الهجوم البري الذي شنته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها على العراق فالاتحاد السوفياتي مدفوعاً برغبته في الحد من الخسائر السياسية لسياسته الخارجية سارع إلى إعلان خطة سلام بموجبها يلتزم العراق بالانسحاب من الكويت على أن يتولى الإشراف على الانسحاب دول محايدة. إلا أن هذه الخطة قد رفضها الرئيس الأمريكي مباشرة ولم يرضه أيضاً الاقتراح الثاني الذي قدمه غورباتشوف لحل الأزمة سلمياً. فالولايات المتحدة الأمريكية رأت في الاقتراحين تقليصاً لدورها في المنطقة وفي العالم. هذا الدرر الذي توج عملياً بالانهزام الروسي من أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. فالاتحاد السوفياتي خسر سوريا التي تربطه بها علاقات دفاعية واستراتيجية وذلك بانضمامها إلى حلف الولايات المتحدة الأمريكية، والآن يشرف بنفسه على تدمير العراق الدولة الحليفة في المنطقة وهكذا فإن الاتحاد السوفياتي لم يعد له موطىء قدم في المنطقة بل أقصى طموحاته تجلت في تصريحات المسؤولين السوفيات الذين حرصوا على القول عقب تحرير الكويت بأن سياستهم كانت حكيمة وصائبة مع التركيز على ضرورة عقد مؤتمر سلام دولي يشارك فيه الاتحاد السوفياتي لحل مشاكل المنطقة والصراع العري الإسرائيلي. وبانتهاء حرب الخليج وما رافقها من تطورات يتضح جلياً بأن النظام القطبي الثنائي قد اختفى من خارطة السياسة الدولية، واستبدل بنظام قطبي واحد تسيطر فيه الولايات المتحدة الأمريكية على مجريات السياسة والاقتصاد في المنطقة. فالولايات المتحدة الأمريكية أصبحت أخيراً القوة الوحيدة القادرة على التهديد والضرب ووضع المقاييس التي تراها مناسبة لأوضاع المنطقة والعالم. انعكاسات ونتائج النظام القطبي الواحد: إن انعدام التوازن في النظام الدولى الراهن سيؤثر حقاً تأثيراً بالغاً على العالم ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، فالولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الطرف الأوحد، وبإمكانها أن تحقق ما عجزت عن تحقيقه خلال عقود من الزمن تميزت بصراع دائم مع الاتحاد السوفياتي للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بالذات. فالاتحاد السوفياتي أصبح ملتزما بحتمية التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية كنتيجة منطقية وليس بوسعه بعد الآن الابتعاد عن اشعاعات الولايات المتحدة بعد أن خسر أوراقه في المنطقة الواحدة تلو الأخرى. فأوروبا الشرقية تسعى جاهدة لتستظل بالمظلة الأمريكية وقس على ذلك جميع دول الشرق الأوسط بدءاً بمصر وانتهاءً بسوريا بعد أن دمر العراق الذي يعيش الآن حروباً داخلية من الممكن أن تؤثر على مجرياتها ونتائجها الولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا فإن الاتحاد السوفياتي قد تحول إلى دولة محدودة الأهمية، إذ أنه الآن ينتظر بلهفة المساعدات الاقتصادية الأمريكية من أجل إنعاش اقتصاده ولم شتات شعوبه التي من الممكن سريعاً أن تكسر جليد الخوف لتنطلق نحو الحرية والاستقلال مهددة بذلك كيان الاتحاد السوفياتي كدولة كبرى مترامية الأطراف، ومؤشرات تلك النهاية بدأت تظهر ملامحها والتي بدأت تتبلور عبر تصريحات المسؤولين الأمريكيين والتي تدعو الاتحاد السوفياتي إلى منح جمهوريات البلطيق حقها في الانفصال والاستقلال. إن من نتائج هذا الاختلال هو التأثير الأمريكي المباشر على دول الشرق الأوسط وبالذات دول الخليج بالإضافة إلى أوروبا واليابان. فوجود القوات الأمريكية في المنطقة مصحوباً بسيطرتهم على مفاتيح السياسة الدولية النابعة من اختفاء الاتحاد السوفياتي كقوة مواجهة يجعلهم يتربعون براحة تامة على أغنى بقعة اقتصادية على وجه الأرض تلك الحقيقة تعطي الولايات المتحدة دوراً لم تكن لتحلم به أبداً فهي الآن تتحكم في مصادر الطاقة والتي بمقدورها أن تضخ الحياة في الجسد الاقتصادي الأمريكي الهالك. فأهمية الطاقة في السياسة الأمريكية تحتل مرتبة أولى، ولا عجب أن يقول الرئيس الأمريكي بوش عشية تتويجه لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بالحرف الواحد «أنا أصوغها بهذه الطريقة لقد حظي الأمريكيون برئيس قدم من مؤسسات النفط والغاز وهو يعرف ذلك تماماً بل يعرفه جيداً» [١] . وفعلاً سارع الرئيس الأمريكي إلى حشد أكبر جيش عرفه التاريخ من أجل منع سيطرة العراق على منطقة النفط التي يعرف الرئيس الأمريكي أهميتها جيداً. فمسؤول الطاقة الأمريكي السابق كتب في مجلة الشؤون الخارجية «Foreign affairs» ما يلي: «بضربة واحدة أخذ الرئيس العراقي دولة الكويت وبهذا فقد قلب قواعد النفط الدولية» وتابع قوله ليستخلص «أن أزمة الخليج أعادت إلى الصدارة الحاجة إلى إعادة التفكير في أفضل الوسائل من أجل إعادة تنظيم الشؤون النفطية» . بالإضافة إلى هذا العامل فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تمهد لشركاتها التجارية المناخ المناسب لتأخذ حصة الأسد من العقود التجارية الموقعة مع بلدان المنطقة بعد أن دمرتها الآلة الحربية الأمريكية تحت شعار تحرير الكويت. ولم يقتصر الأمر على العقود التجارية بل تعداها إلى العقود العسكرية والتي قدرت حسب آخر الإحصاءات بمبلغ ٣٠ بليون دولار أمريكي. إن من شأن هذه العقود أن تبعد شبح البطالة عن المصانع العسكرية لمدة طويلة وتدفع عجلة الاقتصاد الأمريكي المتردي. ومن النتائج الأخرى الناتجة عن التغيير في النظام الدولي أن النفوذ الأمريكي امتد ليشمل أوربا واليابان اللتين عجزتا عن أن تلعبا دور الشريك في مسرح السياسة الدولية. فأمريكا تدرك خطورة اليابان وألمانيا الاقتصادية خصوصاً بعد توحيد الأخيرة لذلك عمدت إلى تهديدهما عبر السيطرة على مصادر الطاقة التي هي عصب الحياة لكل من البلدين، فالولايات المتحدة الأمريكية أصبح بمقدورها أن تفرض عليهما من الآن ثمن أتعابها في المنطقة وليس بمقدورهما أن يرفضا. فالمتتبع للأخبار يدرك حجم المبالغ التي دفعتها كل من ألمانيا واليابان للولايات المتحدة الأمريكية في حملتها العسكرية لتحرير الكويت. والصورة واضحة ليس فيها لبس ولا غموض فوزير الدفاع الأمريكي أعلن أمام لجان مجلس الشيوخ الأمريكي «إننا نتوقع أن نقتسم المسؤوليات الدولية بصورة أكثر إنصافاً مع حلفائنا وشركائنا الذين يزدادون قوة وهو ما يتفق مع زعامتنا» وأضاف قائلاً: «إن عملية عاصفة الصحراء تعد نموذجاً طيباً للتعامل مع الأزمات التي قد تنشب مستقبلاً» . تلك المعطيات المتمثلة في انحسار الدور السوفياتي وضعف الموقف الأوروبي والياباني وخضوعهما للسياسة الأمريكية، من شأنها أن تجعل الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط دوراً فريداً من نوعه. فالولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى سيطرتها الاقتصادية والعسكرية على المنطقة تستطيع أن ترسم سياسة المنطقة وتحديد سبل حل الصراع العربي - الإسرائيلي بشكل لا يتفق مع المصالح العربية والإسلامية. فرغم كل التفاؤل الذي أبدته الأوساط الأمريكية ببزوغ عصر جديد في العلاقات الدولية يتمثل في إحلال العدل والحربة والسلام لكل شعوب المنطقة؛ لا يوجد مؤشر إيجابي يؤكد صدق هذه الادعاءات. فإسرائيل التي تحدث ما يسمى بالشرعية الدولية وضربت بعرض الحائط كل قرارات الأمم المتحدة وانتهكت حقوق الإنسان في كل من فلسطين ولبنان لا تزال تتلقى المساعدات والدعم المالي من حامية هذه الشرعية. فالشعب الفلسطيني ليس له أولوية في حساب الإدارة الأمريكية على الإطلاق. ففي تصريح لأحد المسؤولين الأمريكيين السابقين أفاد أن المؤتمر الدولي لحل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يتم انعقاده إلا في حال تحقق شرطين أو حالتين تتلخصان في زوال عقدة الخوف عند الإسرائيليين، وتقليص الآمال العربية الكبرى. فإذا صح هذا التنبؤ فإن هذا يعني أن إسرائيل لكي تكون آمنة وتزول عنها عقدة الخوف يجب أن تحتل أراضي غيرها، وعلى هؤلاء أن يعلقوا آمالاً كبرى على استرجاعها. والحقيقة أن هذا ليس جديداً على منطقة الشرق الأوسط فإسرائيل تحتل المرتبة الكبرى في السياسة الأمريكية، بل هي المفتاح الرئيسي إلى المنطقة والسيف المسلط على شعوبها، وليس بوسع الإدارة الأمريكية أن تكسر أو ترمي جانباً هذا المفتاح. إن أقصى ما تبغيه الإدارة الأمريكية بعد أن سيطرت على المنطقة هو تأمين اعتراف عربي وإسلامي بدولة إسرائيل وزرع فرضية جديدة في عقول الأجيال العربية والمسلمة مفادها أن إسرائيل دولة وجدت لتبقى. وهذه الحقيقة ليست أبداً مجرد تخمين بل هي بديهية ثابتة في سلم أولويات الإدارة الأمريكية بعد أن تخلصت من الاتحاد السوفياتي وأخضعت أوروبا واليابان، وسيطرت عسكرياً على المنطقة. فالنظام العالمي الجديد الذي ينادي به رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو نظام صنعته أمريكا، وأرسته كما تشاء، وأجبرت الشعوب على قبوله لأنه يخدم مصالحها، وهي تمضي قدماً في تطبيقه باسم العدالة بلا خجل أو حياء.

стр. 867

سقوط خوست هل سيدفع للحل العسكري أم الحل السياسي؟ أحمد موفق زيدان بعد الجمود العسكري الطويل الذي أصاب الجهاد الأفغاني تمكن المجاهدون الأفغان مؤخراً من تحرير حامية خوست العسكرية والواقعة على بعد ٧٠ كلم عن الحدود الباكستانية وجاء هذا التحرير بعد اتفان من كافة مجموعات المجاهدين في المنطقة تحت قيادة الشيخ جلال الدين حقاني والتابع للشيخ يونس خالص، وكوّنت فصائل المجاهدين في المدينة مجلس الشورى من ٢١ عضوا واتفقوا على شن عمليات عسكرية منسقة وموحدة على المدينة. أهمية خوست العسكرية: وفقا لما قاله الشيخ حقاني لـ (البيان) من مقر إقامته في خوست فإن سقوط خوست كان ضربة معنوية للنظام في كابل، إضافة إلى أنها قطعت طرق الإمداد عن منطقة باكتيا التي تنتمي خوست لها من الحدود الباكستانية فقد كانت القبائل الشيعية الباكستانية في منطقة (خرم) و (وزيراستان) الباكستانية تقوم بدعم وتزويد وتموين المحاصرين في خوست، ويضيف الشيخ حقاني فيقول: (لقد قبضنا على ٤٠٠ عنصر شيعي في داخل مدينة خوست وهم باكستانيون ويقاتلون إلى جانب الحكومة العميلة) . وبخصوص ما حدث في مديرية (جاجي ميدان) يقول الشيخ حقاني: (لقد استسلمت المدينة للمجاهدين أما المتشددون والمتطرفون من الشيوعيين الأفغان فقد استسلموا لقبائل الشيعة الباكستانية) . وكان شيعة باكستان قد لعبوا دوراً مهما لصالح (نجيب الله) في هذا الجهاد خاصة القبائل الشيعية المحاذية للحدود الأفغانية، وقد تكشف أثناء معارك خوست مؤامرة شيعية باكستانية لاغتيال الزعيم (حقاني) لكن الأمر انكشف قبل حدوثه. ويأتي هذا التقارب الشيعي مع (نجيب الله) بعد التغير الصريح والواضح للقيادة الإيرانية حيال دعم ومساندة نجيب ضد المجاهدين، حيث تم استقباله في مشهد، وتقديم الدعم الإغاثي والمادي لنظام نجيب، وكان آخر ذلك ما قاله السفير الإيراني في إسلام اباد (جاويد منصوري) بأن التدخل الخارجي سيعقد المشكلة الأفغانية مثيرا بذلك للاتهامات التي وجهها نظام كابل ضد باكستان في تدخلها بمعارك خوست الأخيرة، وقد أرسل نجيب رسائل إلى الرئيس الإيراني للتدخل لدى باكستان في تورطها المزعوم بشأن خوست. أما حكمتيار فقد قال لـ (البيان) (إن انتصار خوست قد أفشل الدعايات الشيعية ضد المجاهدين بأنهم عاجزون عن النصر) ، وقد أصيب النظام بإحباط وفقد توازنه بعد السقوط خاصة وأن نجيب خطب قبل الفتح وقال: (إذا استطاع حكمتيار من تحرير خوست فأنا مستعد للتخلي عن كابل) . اهتزاز أسطورة ميليشيا " جلم جمع ": أفرزت معارك خوست أمراً كان في غاية الأهمية لدى المجاهدين من رفع معنوياتهم عندما استسلم حوالي ٧٠٠ عنصر ميليشيا يتبعون للجنرال (عبد الرشيد دوسة) ويلقب لدى الأفغان بـ (جلم جمع) أي الذي يجمع السجاد ويسرقه من أي مكان حتى ولو من المساجد وقد نسجت حول هذه الميليشيا الأساطير، حتى أن نجيب يعتبرها فوق الجيش والاستخبارات ورواتبهم عالية جداً، وتقول الأنباء بأن عددهم في خوست كان أكثر من ٣٠٠ عنصر ولم يعلم أين هربوا، وتنتمي هذه الميلشيات للعرق الفارسي والطاجيكي وترسل إلى مناطق البشتون لقتال غير أهل عرقهم حتى لا يكون في قلبهم رحمة أو رأفة وزيادة في الصراع والخلاف العرقي الطاجكي والبشتوني وهي نفس خطة فرنسا عندما كانت تأخذ المغاربة وغيرهم للقتال إلى جانبها في بلاد الشام، وبهذا يتعمق الخلاف بين الشعوب ويقول المجاهدون الذين شاركوا في الهجوم على خوست بأن الميليشيات لعبت دوراً محورياُ في تأخير النصر عن المجاهدين حيث استماتت في الدفاع عن المدينة، والعجيب أن عناصر هذه الميليشيات تتراوح أعمارهم بين ١٥- ٣٠سنة فقط وكثير منهم صغار في السن تركوا دراستهم للقتال والدمار. غنائم المجاهدين: غنم المجاهدون غنائم ضخمة جداً في هذه المعارك خاصة وأن الحامية استسلمت بعد حصار وقتال طويلين فقد غنموا طائرتي هيليكوبتر سليمتين وطائرتين مقاتلتين وحوالي عشرين دبابة و١٥٠ عربة عسكرية و٦٠٠ قطعة كلاشنكوف و٦٠٠ مدفع مضاد للطيران و٢٠٠ جهاز لاسلكي وكثيراً من المواد الغذائية ومعدات السيارات. أما الطائرات فقد أحصيت بنفسي دمار ٢٤ طائرة عسكرية نقل في مطار خوست القديم وعدداً من الدبابات والشاحنات والعربات العسكرية. الخطة القادمة: تتباين وجهات نظر المجاهدين حيال المعركة القادمة فقد طالب المهندس حكمتيار بالتركيز على كابل وعدم تشتيت الجهود ويتردد بأنه طلب من أتباعه في لوجر القريبة من كابل أن يستعدوا لهجوم شامل وحاسم على المدينة، وعين حكمتيار جيشاً منظماً في لوجر باسم (لايشكا ايثار) أي (جند الإيثار) ويتدربون على مستوى جيد، ويقوم حكمتيار بنفسه بتدريبهم معنوياً عبر إلقاء المحاضرات والدروس عليهم ويبلغ تعدادهم ٦٠٠٠ جندي، وتردد بعد تحرير خوست من حصول انقلاب عسكري في العاصمة بقيادة الجنرال (محمد نبي عظيمي) مع ٤٠ ضابطاً آخرين ولكن تمكن النظام من القبض عليهم، أما القائد جلال الدين حقاني فيركز على تحرير (كارديز) عاصمة (باكتيا) حتى يصبح ظهر المجاهدين محمياً عند التوجه نحو كابل ولكن يقول الشيخ حقاني بأنه لابد من التشاور وتبادل وجهات النظر. الشيخ يونس خالص الذي قضى أيامه الأخيرة في (جلال أباد) يقول المقربون منه بأنه يعد لهجوم على المدينة حيث يتمتع بقوة في جلال أباد. وعلى الجانب الآخر يعتبر البعض أن انتصار خوست سيكون دافعاً للحل السياسي، فلدى سؤال الشيخ حقاني هل سيكون انتصار خوست دافعاً للحل السياسي أم العسكري أجاب: (كليهما) ، أما الشيخ حكمتيار فلم يجب على السؤال بصراحة. (بير جيلاني) من المؤيدين لظاهر شاه طالب بالحل السياسي بعد انتصار خوست. ويرى البعض أن الأوراق الأفغانية قد اختلطت خاصة بعد اختلاف برز مؤخراً بين القادة السياسيين السبعة والقادة الميدانيين الذين شكلوا مجلساً باسم (مجلس شورى القادة الميدانيين) ويضم أغلب القيادات الميدانية في داخل أفغانستان ويعدون لإدخال العلماء ورؤساء القبائل في هذا المجلس الذي يتوقع أن يكون بديلاً عن القيادة السباعية أو قيادة موازية له، ويتولى هذه الفكرة حسب قول حكمتيار الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لتقسيم أفغانستان، وبهذا تستطيع اللعب بأوراق متعددة، ويبدو أن باكستان قد رضخت للفكرة أخيراً، أما في السابق فلم تكن تتحمس لها، خاصة أثناء حكم الجنرال ضياء الحق، وتولي أخطر عبد الرحمن الملف الأفغاني، ورئاسة الاستخبارات العسكرية الباكستانية المعنية بأفغانستان.

стр. 868

انتخابات بنغلاديش وسقوط اللوبي الهندي بانعقاد الانتخابات العامة في بنغلاديش أخيراً تكون الدولةالوليدة التي انفصلت عن باكستان عام ١٩٧١ بتواطؤ دولي هندي أمريكي سوفياتي، قد دخلت مرحلة جديدة من حياتها السياسية، حيث قضت الفترة الفائتة تحت حكم الأحذية العسكرية حيث تعاقب عليها ثلاثة جنرالات أولهم (مجيب الرحمن) العميل الهندي الذي تآمر مع الهند ضد باكستان وتربع على حكم بنغلاديش حتى عام ١٩٧٥ عندما قام بعض ضباط جيشه باغتياله، والثاني الجنرال (ضياء الرحمن) الذي تم تصفيته على يد أحد المقربين له الجنرال (محمد إرشاد) رئيس هيئة أركان الجيش سابقاً وقد اختاره وفضَّله على عدة جنرالات ليكون رئيساً لهيئة الأركان ولكن انقلب عليه عام ١٩٨١، وأواخر العام الماضي قامت مظاهرات شعبية تولاها طلبة الجامعات والمدارس وغذتها المعارضة الحزبية بقيادة (خالدة ضياء) أرملة الجنرال (ضياء الرحمن) وزعيمة الحزب القومي البنغلاديشي، والجماعة الإسلامية، و (حسينة واجد) ابنة الجنرال (مجيب الرحمن) وزعيمة حزب الرابطة القومية اليساري التوجه. ولن ندخل في هذا المقام بمسألة الحكم الشرعي في تولية المرأة فذلك أمر واضح لا تعقيب عليه إذ أنه في الإسلام لا تتولى المرأة منصب رئاسة الدولة، ولكن الملفت للنظر في منطقة جنوب وشرق آسيا أن كثيراً من الرؤساء نساء ولعل في هذا مادة للباحثين الاجتماعيين والتاريخيين وعلم السلالات عن أسباب ذلك ففي بنغلاديش امرأتان تتزعمان المعارضة، ووصلت إحداهن الآن إلى السلطة، وفي باكستان تمكنت بي نظير بوتو من الوصول للسلطة، وفي الهند وصلت (أنديرا غاندي) وكذلك في (سري لانكا) سابقاً، وأيضا في الفلبين. سقوط اللوبي الهندي: إن أكثر ما يميز هذه الانتخابات هو سقوط اللوبي الهندي والتي تتزعمه (حسينة واجد) ابنة الشخص السالف الذكر الذي تولى كبر انفصال بنغلاديش عن باكستان بتواطئ هندي كما ذكرنا آنفاً، وقد أسفرت الانتخابات التي عقدت في ٢٨/ ٢/١٩٩١ عن نجاح (خالدة ضياء) والتي يدعمها المسلمون لأنها أقرب للباكستان وعقيدة البلاد من (حسينة واجد) الموالية للهند وحصلت خالدة على ١٤٠ مقعد من أصل ٣٠٠ مقعد، بينما حصل حزب (حسينة) على ٨٣ مقعد، وفاز حزب الرئيس المخلوع (إرشاد) بـ ٣٥ مقعد في الوقت الذي حصلت الجماعة الإسلامية على ١٨ مقعد وحصل المستقلون على ٤ مقاعد وتكون (خالدة) بذلك قد حصلت على ٤٢% من نسبة أصوات المنتخبين وهي قريبة من الأغلبية المطلقة بينما لم تحصل (حسينة) إلا على نسبة ٢٨% وقد دعمتها الأقلية الهندية الموجودة في بنغلاديش وتشير التقارير بأن المخابرات الهندية قد ألقت بثقلها إلى جانب (حسينة) ضد منافستها (خالدة) المحسوبة على عدوة الهند التقليدية باكستان وهذا سيعزز من وضع باكستان في المنطقة حيث تملك حليفاً مسانداً لها في بنغلاديش ومعادياً للتوجه الهندي المنافس لباكستان، وسيكون الأمر مقلقاً للهند عندما تقدم (خالدة) على الاشتراك في حكومة مع (الجماعة الإسلامية) وهو الخيار الوحيد أمامها حتى تتمكن من إنشاء حكومة حسب عدد المقاعد الواجب توفرها لذلك. ولم يجد اللوبي الهندي بزعامة (حسينة) ذريعة لفشلهم سوى اتهام (خالدة) بتزوير الانتخابات تماماً كما فعلت بي نظير بوتو وفشلت في انتخابات أكتوبر الماضي فاتهمت التحالف الجمهوري الإسلامي بالتزوير، ويذكر هناك بأن حوالي (٦٠) مراقباً دولياً أشرفوا على سير انتخابات بنغلاديش وأكدوا على نزاهة وعدم تزوير الانتخابات. ويبقى أن نقول بأن الأيام القادمة صعبة جداً لهذا البلد الإسلامي المتضور جوعاً فملفات عديدة تنتظر أي حكومة قادمة بدءاً من الاقتصاد المتدهور، والجهل والأمية وانتهاءً بالأمراض والوضع الصحي المتدهور والفياضانات الموسمية التي لا تبخل الهند في ان تكون مسببتها من خلال التحكم بالسدود المقامة على الأنهار التي تعبر بنغلاديش من الهند.

стр. 869

القضية الكردية.. هل انتهت من المؤكد أن قراء البيان يذكرون ما نشر في العدد (٣٥) تحت عنوان (القوى العظمى تعد لحرب شرق أوسطية) وقد ذكر الكاتب في هذا المقال الاهتمام البريطاني بمشكلة الأكراد في شمالي العراق ودورهم في إساءة العلاقات بين تركيا والعراق، وتأتي الأحداث الأخيرة لمشكلة الأكراد لتؤكد هذا الكلام، وأن هناك اهتماماً خاصاً من بريطانيا وفرنسا لهذه المشكلة، وعندما قدم رئيس وزراء بريطانيا مشروعه (الجيب الأمني) للدول الأوربية وافقت عليه، ثم قدم إلى مجلس الأمن وكان تجاوب الولايات المتحدة معه بارداً وكذلك روسيا لأسباب خاصة بها، ثم وافقت أمريكا مجاملة لتحقيق الانسجام مع حلفائها، هذا الاهتمام من بريطانيا وفرنسا ليس لعاطفة إنسانية ولكن لتبقى المنطقة أشلاء ممزقة يمسك الغرب بخيوطها، وإذا كان الغرب يتباكى الآن على مشكلة هو أحد أسبابها فإننا من جانبنا مع الشعب الكردي المسلم، وقد ساءنا جداً ما وقع له من تشريد وقتل ومجاعة وإننا ضد الظلم من أي مصدر كان، وفي محن كهذه يجب أن نرتفع فوق العواطف ونبين مكمن الداء والمشكلة ليست مع الشعب الكردي المسلم ولكن مع زعمائه، مع البرزاني والطالباني، ولابد من الرجوع قليلاً إلى الوراء لنرى ما هي الصلة بين هؤلاء وبين مخططات بريطانيا وفرنسا، وربما ونحن نكتب هذا المقال، يكون هؤلاء الزعماء قد اتفقوا مع نظام العراق على حل المشكلة بنظرهم، ولكن من وجهة نظرنا لا تحل المشكلة إلا بالرجوع إلى تاريخها وليس هناك حل في النهاية سوى الرجوع إلى هويتنا وجذورنا إلى الإسلام. بعد الحرب العالمية الأولى كانت خطة الغرب المنتصر تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي للدولة العثمانية «ففي مؤتمر الصلح الذي عقد في سان ريمو عام ١٩١٩م أدرجت مذكرتان وخريطتان كمسودة مشروع لإقامة كيان سياسي خاص للأكراد [١] ولكن تركيا أفشلت هذه المعاهدة، وجاءت معاهدة (سيفر) عام ١٩٢٣م خالية من الإشارة إلى دولة كردية، وبعد المقايضة بين فرنسا وبريطانيا حول مدينة الموصل أصبحت أوراق القضية الكردية بيد بريطانيا، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تقدم الأكراد بمطلبهم إلى هيئة الأمم المتحدة ولكن لم تجد أذناً صاغية، فاهتبل الاتحاد السوفييتي الفرصة وعزز وضعه بين صفوف الأكراد وذلك لانحياز تركيا وإيران نحو أمريكا، وهكذا رعى الاتحاد السوفييتي عام ١٩٤٦ مؤتمر (باكو) عاصمة أذربيجان، وأسست جمهورية مهاباد التي لم تعش طويلاً، وتركها مصطفى البرزاني ليؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني [٢] وفي عهد عبد الكريم قاسم انتقل البرزاني إلى العراق، وحاول مع الحكومات المتعاقبة الحصول على مطالبه في الاستقلال الذاتي، وفي هذه الفترة تلقى الدعم من الغرب ومن إسرائيل، وفي السبعينات حصل الأكراد على شكل قانوني معين ومشاركة فعالة في حكم العراق، ولكن يبدو أنها لم تنفذ عملياً وهي التي تجري المفاوضات حولها هذه الأيام. إن وسائل تدخل بريطانيا باسم (الجيب الآمن) وغيره من المشاريع يعيد بنا الذاكرة إلى أساليبها عندما دخلت مصر، فقد» صاحب عملية الغزو سيل من التصريحات الرسمية البريطانية من يولية إلى أكتوبر عام ١٨٨٢ أن ليس لبريطانيا مطامع في مصر وأنها لا تنوي فتحها، وأن هدفها الوحيد من إنزال جنودها هو إعادة الأمن فيها والمحافظة على النظام، ولمدى سنين طويلة استمرت هذه النغمة.. « [٣] بعد هذا الاستعراض السريع نعود إلى الأحداث الأخيرة لنرى أن زعماء الأكراد (البرزاني - الطالباني) تحركوا نتيجة لوعود من الغرب، وقام الغرب بدعمهم في البداية ثم تخلى عنهم، لأن أمريكا والدول المحيطة لا تريد دولة كردية، وانساق هؤلاء الزعماء وراء الأحلام والأماني وتعاونوا مع الشيطان في سبيل مآربهم، وهنا سنلاحظ أنه لا فرق بين البرزاني وغيره. نشرت مجلة الأسبوع العربي بتاريخ ١/٤/١٩٩١م الخبر التالي» البرزاني - إسرائيل، عادت حليمة إلى عادتها القديمة: صحيفة (الفيغارو) عدد ٢٦ آذار مارس نشرت تقريراً من مراسلها في القدس في صدر صفحتها الخاصة جاء فيه أن مسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني قام بن بزيارة سرية إلى تل أبيب من أسبوعين طالباً دعماً تسليحياً من الدولة اليهودية وكانت صحيفة معاريف الإسرائيلية المقربة من الحكومة أول من أشار إلى زيارة البرزاني « وتتابع مجلة الأسبوع العربي فتقول: عادت حليمة إلى عادتها القديمة، والعادة القديمة أن اتفاق ١٩٧٥ بين العراق وإيران أنهى دعم تل أبيب و (C.I.A) وإيران لمجموعات (البشمركة) البرزانيين، وقبل ذلك كان مدربون إسرائيليون يلقنون هؤلاء البشمركة فنون القتال الحديث عامي ١٩٦٥-١٩٦٧ وفي هذه الفترة كان مصطفى البرزاني يتردد إلى إسرائيل» . كيف تتبع الشعوب المسلمة أمثال هؤلاء الزعماء الذين يقودونهم دائماً إلى الخراب، ولماذا تسلم هذه الشعوب قيادها إلى زعماء لا يؤمنون بالإسلام منهجاً وسلوكاً، إن الحل ليس مع البرزاني والطالباني، الحل في الرجوع إلى الإسلام، وهذا يستوي فيه العرب والأكراد وغيرهم من الأعراق المسلمة، ومشكلة العرب السنة هي مشكلة الأكراد والسنة فالجميع تحت حكم الطغيان والاستبداد وعدم تحكيم الشريعة الإسلامية، والقومية العربية لا يرد عليها بالقومية الكردية وإنما يرد بالدعوة إلى تطبيق الإسلام. وقد يعتب علينا إخواننا الأكراد أن نتكلم في مشكلتهم وهم في محنة، ونعود لنؤكد أن مشكلتنا واحدة وهي مشكلة الشعوب العربية الأخرى، والذي يعصمنا من هذه المزالق هو التعلق بالثوابت التي يدعونا إليها الإسلام ومنها وحدة المسلمين وعدم تفرقهم على أساس عرقي أو لغوي. إننا نتمنى أن توجه قوة الأكراد لمصلحة الإسلام وليس لمصلحة البرزاني وأمثاله.

стр. 870

الصومال بعد رحيل سياد بري محمد عبده آدم لقد استبشر الصوماليون والعالم معهم بسقوط الطاغية «سياد بري» والذي حكم بالنار والحديد طيلة عقدين من الزمن والذي أخر الصومال إلى الوراء أكثر من عشرين قرناً، وهذا التأخير والتخلف ليس خاصاً في مجال معين دون مجال آخر، بل عم جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وغيرها من المجالات، حيث إنه لم يخلف للصومال شيئاً من مقومات الأمة، فهو لم يترك جيشاً نظامياً يحمي البلاد من الأخطار الخارجية ولا بوليساً يقوم بمهمة حفاظ الأمن الداخلي ولا ترك أي مرفق آخر من مرافق الحياة الضرورية.. وبالتالي يمكن القول أن الصومال أصبح أمة بلا كيان مهددة بالانقراض والزوال واختفاء دورها الإسلامي في المنطقة حيث تخلو الساحة للدول الأخرى ذات الطابع المسيحي والتي تقف اليوم متفرجة وشامتة بما يجري في الصومال وذلك لأن الصومال يعتبر المنافس الوحيد للدول المسيحية المجاورة في المنطقة ثقافة وعقيدة فالصومال دولة إسلامية عربية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا بعد سقوط سياد برِّي؟ لقد كان هناك عدة جبهات تحارب ضد سياد بري وكل واحدة منها تهدف إلى إسقاطه وتخليص البلاد منه، وكان الشرط الأساسي المشترك لهذه الجبهات لوقف إطلاق النار والحروب الأهلية الدائرة في البلاد، وكان شرطهم الوحيد ذهاب سياد برِّي أو إسقاطه حيث أن وجوده في رأس السلطة يعتبر عقبة كؤوداً أمام أي تصالح وطني أو قومي. ولكن لماذا لم تتوقف النار والحروب الأهلية وأن الأمن والأمان لم يرجعا بعد، وأن اجتماع المعارضة الصومالية في مؤتمر وطني لم يحدث بعد، بل وصل الأمر أن حصل الاشتباك وتبادل النيران بين فصيلتين من أكبر فصائل المعارضة. والمعروف أن المعارضة الصومالية كانت تنادي وتجاهر علنا بأنها سوف تجتمع وتعقد مؤتمراً وطنياً مشتركاً فور سقوط سياد بري لتشكيل حكومة مشتركة ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد رحيل سياد بري حيث تبرأت كل جبهة من الأخرى، وزعمت كل منها أنها هي المسؤولة عن الأقاليم التي تسيطر عليها مما يؤدي إلى قيام دويلات في الأقاليم المختلفة من البلاد على أساس قبلي.. ولكن ما السر في عدم اتفاق الجبهات وعدم تطبيق البيانات التي كانوا يصدرونها معاً؟ ؟ المعروف أن معظم هذه الجبهات بدأت معارضتها مع سياد بري بعد الثمانينات وأنها تشترك في النقاط التالية: أولاً: أنها جميعاً حركات عرقية قبلية حيث أن كل جبهة تنتمي إلى عشيرة معينة من عشائر الصومال، والمعروف أن القبلية في الصومال واقع سلبي وأنها الداء العضال الذي ابتلي به الصوماليون الذي يفرق ويشتت بعد أن اشتركت جميع عوامل الاتحاد الأخرى من عقيدة إسلامية ولغة وأرض ومصالح مشتركة أخرى.. ومن ناحية أخرى فليس هناك حد تنتهي إليه القبلية حتى تصل إلى أبناء الأب الواحد المختلفين في الأم لتفرقهم.. وهكذا يتضح لنا أن القبلية لا يمكن أن تكون كياناً سياسياً أو قومياً بل إذا كان للقبيلة المركز الأول فلن تقوم للصومال قائمة وستستمر - لا سمح الله - هذه الحروب الأهلية القائمة حالياً في حال رفع لواء القبلية المنتنة.. ثانياً:أنها جميعاً حركات علمانية لا ترى للدين دوراً أساسياً وريادياً والمجتمع الصومالي المسلم لا يرضى منهجاً غير منهج الإسلام، فالمعروف أن رجال حركات المعارضة هم رجال سياد بري الذين كانوا يرددون بالأمس اسم سياد بري ويشيدون بذكره وهم بطبيعة الحال ساهموا بشكل أو بآخر في تخريب البلاد مع سياد بري فهم وزراء سياد بري وضباطه بالأمس، فارتداؤهم ثوباً نظيفاً أبيض خالياً من السقطات والعثرات شيء لا يصدقه ولا يقبله الشعب الصومالي المسلم، والمعروف أنِّ أي جبهة أو حركة علمانية ترفع شعار الإسلام في بداية طريقها وقبل وصول هدفها، ولكن عندما تصل هدفها وأغراضها الدنيوية تتنكر لذلك، وتجعل محاربة الإسلام هدفها، وهذا فعلاً ما هو حادث في الصومال فمن المعروف أن كل حركة كانت تستعطف الشعب بأنها سوف تطبق الشريعة الإسلامية عندما تستولي على السلطة من سياد بري، ولكن هاهم بعد سياد بري ولما يصلوا إلى هدفهم كاملاً بعد؛ وقد اختفت كلمة تطبيق الشريعة الإسلامية، بل قد صرح بعضهم بإبعاد الدين عن الحياة، حيث قال إسماعيل محمود هره رئيس اللجنة السياسية للحركة الوطنية الصومالية في مقابلة أجرتها معه جريدة الشرق الأوسط بعددها رقم ٤٤٥٦ الصادر صباح السبت ٩/٢/١٩٩١م قال: «إننا لا نرغب في أن نسيء الدين بإدخاله إلى سوق السياسة كما يفعل غيرنا..» ، ومدلول هذه الكلمة معروف لدى الجميع وهو فصل الدين عن الدولة، وإبعاده عن واقع الحياة وهو كذلك تبنى مبدأ العلمانيين الموروث من الكنيسة «ما لقيصر لقيصر وما لله لله» فعليك أن تتدبر قوله تعالى [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] وقوله تعالى [قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] فالإسلام منهج للحياة كلها بما فيها السياسة. وقال في معرض تبريره أن توجههم إسلامي قال: «إن دستورنا ينص على أن الإسلام هو دين الدولة» ولكن ألا يعلم «هره» أن أول فقرة في دستور سياد بري كان هذا البند الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة وهو كذلك كلمة تستفتح للتبرك في جميع دساتير الدول العلمانية المتمسلمة ولكن لا يعدو أن يكون حبراً على ورق حيث أن الواقع يثبت خلافه. ثالثاً: إنَّ معظم هذه الحركات نشأت وترعرعت تحت رحمة إثيوبيا وحضانتها العدو اللدود التاريخي للأمة الصومالية والإسلامية والتي لها مطامعها التوسعية في الأراضي الصومالية الإسلامية، والصراع بين المسيحية والإسلام قديم في القرن الإفريقي قدم الإسلام في تلك الديار. لذا فإيواء إثيوبيا لحركات المعارضة وتسليحها ضد الحكومة الصومالية أو حتى التسليح فيما بينهم يستهدف أولاً وقبل كل شيء إضعاف مركز الصومال وإحداث الفوضى والبلبلة في داخله حتى لا تقوم للصومال قائمة بعد هذا الانهيار، ثم يستهدف هذا الإيواء لحركات المعارضة تسليم السلطة في الصومال إلى رجال موالين وعملاء في نفس الوقت لإثيوبيا كي لا تطالب الصومال مرة أخرى بالأراضي الصومالية الي تحتلها إثيوبيا (أوغادين) والتي تعتبر مصدر التوتر بين الدولتين، وتحقيق هذا الهدف سرعان ما ظهر في تصريحات رجال المعارضة حيث يرددون في هذه الأيام بأنَّ العهد الجديد سوف يتسم بقيام علاقات ودية وسياسية خارجية منسقة مع إثيوبيا. ومما يوضح هذا ما قاله إسماعيل هره رئيس اللجنة السياسية في الحركة الوطنية الصومالية في المقابلة التي أجرتها معه جريدة الشرق الأوسط في عددها الذي ذكرناه آنفاً، قال: «نحن لا نحب تسمية أوغادين بل نفضل بدلاً عنها اسم الأراضي الإثيوبية التي يسكنها الصوماليون، وأوغادين اسم إحدى قبائل تلك المنطقة وسياد بري هو الذي اخترع هذا الاسم» . أظن أنَّ هذا الكلام لا يستحق الاهتمام أو التعقيب عليه إذ لا يعدو أن يكون مجرد ادعاء وإنكار الحقائق الواضحة كوضوح الشمس وتجنٍ على التاريخ وعلى القضايا الإسلامية، وحتى يكون القارئ على علم من أمر تلك المنطقة نعطي نبذة قصيرة عن تاريخها في السطور التالية. تعتبر قضية أوغادين في القرن الإفريقي بمثابة قضية فلسطين في الشرق الأوسط وأوجه التشابه بينهما متعددة ولكن أهمها أن كل منهما اقتطاع أرض عربية إسلامية لمصلحة دولة مسيحية أو يهودية، وتعاون إثيوبيا مع إسرائيل والصهيونية العالمية شيء ضارب في الجذور، وخير دليل على هذا ما نشهده في هذه الأيام من العلاقات الثنائية الطيبة بينهما، وليس تهجير يهود الفلاشا إلى أرض فلسطين وإرسال الخبراء العسكريين إلى إثيوبيا إلا جزءاً من تآمر القوتين على الإسلام والمسلمين في كل مكان. وقد كان مع بداية مأساة هذه المنطقة عندما قسم الاستعمار الغربي الصومال الكبير إلى خمسة أجزاء وكان من نصيب الحبشة «إقليم أوجادين» وقد ضمت هذا الإقليم انجلترا إلى إثيوبيا عام ١٩٤٨م، وبعد استقلال بعض الأجزاء الصومالية وتكوينها دولة مستقلة ظلت هذه المنطقة والمناطق الأخرى المحتلة موضع اهتمام الحكومة الجديدة حيث لا يمكن أن تحظى أي حكومة بتأييد الشعب ما لم تهتم وتطالب بالأجزاء المحتلة من الأراضي، وفعلاً لم يقصر الصومال بمطالبة الأراضي المحتلة ولم يتنازل عن شبر، وكان الصومال البلد الوحيد الذي رفض مبدأ القبول بالحدود الموروثة عن الاستعمار في المؤتمر التأسيسي لمنظمة الوحدة الإفريقية الذي عقد في العاصمة الإثيوبية عام ١٩٦٣م وكانت الحروب تقوم من وقت لآخر لتحرير المنطقة من الاحتلال، وكان من أشهر هذه الحروب حرب ١٩٧٧م المشهورة بحرب أوغادين والتي ألحقت بجميع الأطراف المشتركة خسائر مادية وبشرية هائلة. وتعتبر هذه المنطقة مقر الحركات التحريرية الصومالية وكان من أشهر هؤلاء المجاهدين الإمام أحمد جوري، الذي ولد في مقاطعة هرر عام ٩٠٨ هـ والذي حارب ضد الأحباش النصارى في القرون الوسطى حتى كاد يستولي عليها وقد قال عنه المؤرخ الفرنسي «رينه باسه» (إن أشهر دور من أدوار التاريخ الأثيوبي التي بقيت أخبارها محفوظة لدى الغربيين هو «أحمد جوري الصومالي» الذي كاد يسحق النصرانية الحبشية ويعيدها كبلاد النوبة إلى الإسلام) ومن هؤلاء المجاهدين الذين انجبتهم تلك المنطقة المجاهد الكبير «السيد محمد عبد الله حسن» والذي حارب ضد الكفار المستعمرين أكثر من عقدين من الزمن وألحق بهم خسائر وهزائم عديدة، وهكذا يتضح لنا أنَّ هذه المنطقة جزء لا يتجزأ من تاريخ الصومال وكيانها ولا يمكن إنكاره أو منحه لمكافأة عدو الإسلام والصومال مقابل إيوائها لبعض حركات المعارضة لأغراض معروفة لدى الجميع. ولا عجب أن تكون هذه القضية قضية أساسية وبديهية لرجل الشارع الصومالي، ولكن العجب العجاب أن تكون هذه القضية غامضة لدى رجل يدعي أنه سياسي ومناضل وطني ومسؤول من مسؤولي الحركات المعارضة. إنّه حقاً موقف مخز ووصمة عار في جبين الحركة الوطنية الصومالية ما لم تتبرأ من هذا التجني على التاريخ وعلى الأمة الصومالية. أمّا تسمية المنطقة باسم «أوغادين» فصحيح أنه اسم لإحدى قبائل تلك المنطقة ولكن يعتبر اسم الشهرة التي اشتهرت في أوساط الباحثين والسياسيين في العالم، وهذا ليس شيئاً ذا أهمية فالمعروف أن الأسماء والأعلام لا تعلل وأنّه لا مشاحة في الاصطلاحات، وإنما المهم هو جوهر القضية الذي هو احتلال الأراضي الإسلامية الصومالية من قبل نصارى الحبشة التي أنكرتها أنت يا سعادة (هره) واعتبرتها أرضاً إثيوبية. أمّا قولك: إن سياد بري هو الذي اخترع هذه التسمية فهو أيضاً مغالطة أخرى لحقائق معاصرة، فالمعروف أن سياد بري أسمى هذه المنطقة باسم الصومال الغربي بدلاً من أوغادين، وهذا معروف لدى الجميع حتى أن الجبهة التي أسسها سميت «بجبهة تحرير الصومال الغربي» . وهكذا يتضح أن القاسم المشترك بين حركات المعارضة الصومالية المسلحة أنها حركات قبلية وعلمانية وموالية لإثيوبيا، وعليه فإنها بصورتها الحالية غير مؤهلة للتحول إلى حزب سياسي بل هي نوع من التكريس للتقسيم القبلي الذي يهدد البلاد بالحروب الأهلية التي تلتهم الأخضر واليابس، وبالتالي فإنها لا تستطيع أن تنقذ الصومال مما هو عليه من الويلات والتفكك ولا تقدر أن تقود السفينة إلى شاطئ الأمان. ولكن ما المخرج والمنقذ ممّا تعاني منه الصومال من المآزق والويلات؟ أعتقد أن إجابة هذا السؤال لا تحتاج منا إلى تفكير أو البحث عنه، حيث إنِّ الحل الوحيد الذي يستطيع أن يحل المشاكل المستعصية في الصومال هو الإسلام، الإسلام الذي ظلمناه واعتقدنا أنه كلمة تقال في اللسان فقط، والمعروف أنّ الشعب الصومالي شعب مسلم بنسبة ١٠٠% وأنه تأكد تماماً فشل جميع المذاهب والمناهج غير الإسلامية، فقد بدأ الشعب الصومالي المسلم بالنظام الرأسمالي وانتهى إلى النظام الاشتراكي وقد وصل إلى ما وصل من التدهور والانحلال حتى الانقراض أو الذوبان تماماً، وأعتقد أن تجربة ثلاثين عاماً وزيادة تؤكد لنا فشل تلك المذاهب والمناهج المنحرفة، ولم يبقى للصوماليين إلاّ أن يأخذوا مأخذ الجد «المنهج الإسلامي» وأن يطبقوه في شؤون حياتهم جميعاً لإنقاذ مما هم فيه ليسعدوا في الدنيا والآخرة وليسوا مخيرين في هذا الاختيار فالله يقول: [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] . وأوجه النداء الأخير إلى الشعب الصومالي المسلم أن يتحد ويتعاون لحل مشاكله، وأن ينسى مخلفات العصر الجاهلي، وأن يستعيد التآخي والتآلف الذي كان رائداً قبل أن يفرقهم الطاغية الراحل الذي مارس ضدهم سياسة «فرق تسد» وعلى الشعب الصومالي أن ينضم تحت لواء الحركة الإسلامية المباركة في الصومال والتي تعتبر نظيفة من الأمراض والعيوب الموجودة لدى الحركات الأخرى التي ذكرنا، كما أنهم يعتبرون أول من عارض الرئيس المخلوع حيث أنهم وقفوا ضده في أيام شوكته وقوته وقدم كثير منهم روحه لصالح الإسلام والمسلمين في الصومال.

стр. 871

اليهود من الداخل جعفر أحمد الفوال الناظر إلى ما يجري حوله في العالم من وقائع سياسية وعسكرية وتخريبية وقتل واختطاف يلحظ وجود علاقة بين ما يحدث ومواقف اليهود تجاه غيرهم على ضوء المخطط العالمي السياسي والعقائدي المرسوم أصلاً وأساساً في المصادر الثلاثة: ١- التوراة ٢- التلمود ٣- بروتوكولات حكماء صهيون. فهي أسلوب العمل السياسي في تحويل جملة من المعتقدات اليهودية إلى خطة عمل يجابهون بها العالم. ١- اليهودية أمام المرآة: «الجهل بالحق» من الأسباب الغالبة على أكثر النفوس المعاندة له.. فإن انضاف إلى ذلك السبب بغض من أمره بالحق ومعاداته له كان المانع من القبول أقوى، فإن انضاف إلى ذلك إلفه ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظمه قوي المانع، ... فإن انضاف إلى ذلك خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه ... كما وقع لهرقل ملك النَّصارى بالشام على عهد رسول الله ﷺ ازداد المانع من قبول الحق قوة. ومن أعظم الأسباب «الحسد» فإنه داء كامن في النفس ويرى الحاسد المحسود قد فُضِّل عليه وأوتي ما لم يؤت نظيره فلا يدعه الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه وهل منع إبليس من السجود لآدم إلاّ الحسد؟ وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الإيمان بعيسى ﵇ وقد علموا علماً لا شك فيه أن رسول الله ﷺ جاء بالبينات والهدى فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الإيمان، وأطبقوا عليه وهم أمة فيهم الأحبار والعلماء والزهاد والقضاة والملوك والأمراء. ثم إنهم حسدوا النبي ﷺ حسداً شديداً فحسدوه مرتين: مرة لأن الله اختاره وأنزل عليه الكتاب وهم لم يكونوا يشكون في صحته، وحسدوه لما لقيه من نجاح سريع شامل في محيط المدينة. وقد جاء المسيح بحكم التوراة، ولم يأت بشريعة يخالفهم ولم يقاتلهم، وإنما أتى بتحليل بعض ما حُرِّم عليهم تخفيفاً ورحمة وإحساناً وجاء مكملاً لشريعة التوراة، ومع هذا اختارت طائفة منهم الكفر على الإيمان. فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع مبكتاً لهم بقبائحهم ومنادياً على فضائحهم ومخرجاً لهم من ديارهم وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم ويعلو هو وأصحابه، وهم معه دائماً في سفال، فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم. ٢- اليهود ... ووحدة الصف: توقع اليهود أن يعتبرهم رسول الله ﷺ -خارج نظام دعوته وأن يقصر الدعوة على الأميين فقط من العرب فلما أن وجدوه يدعوهم - أول ما يدعوهم - إلى كتاب الله بحكم أنهم أعرف به من المشركين وأجدر بالاستجابة له من المشركين، أخذتهم العزة بالإثم، وعدّوا توجيه الدعوة إليهم إهانة واستطالة.. هذا بجانب حسدهم فكان موقفهم من الإسلام موقف العداء والهجوم منذ الأيام الأولى، فزاد شعورهم بالخطر من عزلهم عن المجتمع المدني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقلية والتجارة الرابحة والربا المضاعف! أو يستجيبوا للدعوة الجديدة، ويذوبوا في المجتمع الإسلامي، وهما أمران في تقديرهم أحلاهما مر. ذلك فيما كان هنالك ظرف موات لليهود فيما بين الأوس والخزرج من فرقة وخصام وهي البيئة التي يجد اليهود فيها دائماً لهم فيها عمل.. فلما أن جاء الإسلام سلبهم هذه المزايا جميعاً فلقد جاء بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، فأزال الفرقة التي كانوا ينفذون من خلالها للدس والكيد وجر المغانم، ووحد الصف الإسلامي الذي ضم الأوس والخزرج، وقد أصبحوا منذ اليوم يعرفون بالأنصار والمهاجرين، وألفّ منهم جميعاً ذلك المجتمع المسلم المتضامن المتراحم الذي لم تعهد له البشرية من قبل ولا من بعد نظيراً على الإطلاق. ٣- وهكذا يعملون: كانت الماسونية في العالم الإسلامي هي الإطار الواسع، الذي تحركت فيه اليهودية التلمودية فأفرزت الصهيونية وقد أدخلها اليهود في الدولة العثمانية ونشروها في كل أجزاء البلاد العربية وخاصة الشام ومصر، وأعلن قادتها إسلامهم تقية، ومن خلال مراكزهم التي أقاموها في الدولة العثمانية استطاعوا السيطرة على حركة الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) وأفسحوا لها في محافلهم التي كانت بعيدة عن رقابة الدولة، حتى أنهم جعلوا دعوتهم القومية موجهة ضد الإسلام والوحدة الإسلامية ودولة الخلافة، فكانوا هم أعوان الصهيونية في هدم الدولة العثمانية وتمزيق الرابطة بين العرب والترك وإيقاد نار الخصومة بينهما حتى خططوا لاتجاههم والذي تم على مراحل على الوجه الآتي: أولاً: السيطرة على الحكومة وإسقاط السلطان عبد الحميد الذي رفض قبول اليهود في فلسطين ولم يزحزحه الوعد، أو الوعيد عن خطته وإقامة الحكومة الاتحادية التي أفسحت لليهود الدخول إلى فلسطين والإقامة فيها وشراء الأراضي. ثانياً: إيقاع الصراع والخصومة بين عنصري الدولة العثمانية تمهيداً لتدمرها وإدخالها في الحرب العالمية دون حاجتها إلى ذلك حتى يمكن تمزيقها والاتفاق مع العرب لموالاة البريطانيين في سبيل إقامة دولة لهم ثم الوقيعة بين العرب والترك. ثالثاً: إثارة روح العرق والعنصر في الأتراك تحت اسم الطورانية ومحاولتهم تتريك العرب، وتغيير لغتهم وثقافتهم بما يدفع العرب إلى الدعوة القومية العربية، ... واحتواء الدعوتين بمفاهيم غربية. رابعاً: خداع العرب بعد وعدهم بالدولة وتمزيقهم إلى احتلالين فرنسي لسوريا وبريطاني للعراق، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وإعلان وعد بلفور لليهود بإقامة الوطن القومي. وهكذا تحققت للماسونية الخطة التي استطاعت بها إقامة الصهيونية على أرض فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل على مرحلتين: الأولى: بعد الحرب العالمية الأولى بإدخال أعداد ضخمة من المهاجرين وإقامة الكيان الصهيوني لها. الثانية: بعد الحرب العالمية الثانية وذلك بإعلان دولة إسرائيل وإجلاء العرب الفلسطينيين عنها.. ثم توالت الخطوات حتى استطاعت إسرائيل أن تسيطر على القدس عام ١٩٦٧ وهكذا.. يعملون. ٤- كيف السبيل: إن الضراعة الصادقة إلى الله : [إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ] تستلزم المنافسة العامة بين عباد الله فما يصلح دنياهم وأخراهم، يتنافسون في نيل الدرجات العلى في الحياتين، يتنافسون أولاً بتلاوة القرآن حق تلاوته بحفظ ألفاظه وتدبر معانيه، ويتنافسون في فهمه من جميع النواحي، ثم يتنافسون في الانطباع به والتأثر حتى يتشرب في قلوبهم ويتغلغل في شرايينهم، ويتنافسون في الاقتداء بسنة الرسول ﷺ ثم يتنافسون بحمل الرسالة بالدعوة والتبليغ، وتوزيع هداية الله وتصدير أنواره في مشارق الأرض ومغاربها وتعميم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وكل ما يقتضيه موجب التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فيسود السؤدد الصحيح والقوة التي لا تغلب، التي تجمع الأهل وتشد بعضهم إلى بعض في هدف رباني سماوي، تتجلى فيه عبودية الله بمعانيها ومبانيها فتنقي النفوس من الشح والهوى ويمنع عنهم عناصر الفرقة ويقيهم من أسباب الفساد ويلهب حماسهم للقيام بواجب الله سبحانه وتعالى. ثم بصدق نياتهم مع الله، وإخلاصها لله، وطهارة جوارحهم وصلاح أعمالهم، يستمطرون رحمة الله بمدد السماء وحصانته التي لا يغلبها غالب أبداً. وهذه الحقيقة لا يفهمها إلا حملة تلك الرسالة الذين تمتلئ قلوبهم بتعظيم الله بدلاً من تعظيم المادة؛ صدق معنى الحديث المروي عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إنها ستكون فتنة قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: [إنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ] من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» [١] . وعليه نقول: لن يكون للإسلام وجود إلا بهذه العزمة ... عزمة العبودية لله ومرضاته المحققة للوحدة والأمن الصحيح والعيشة الراضية في الدارين التي لا تحصل إلا عن طريق الوحيين، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي تخرج العصبة المسلمة المؤمنة العابدة لربها التي تجدد مجد أمتها وتعيد تاريخها وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 872

منتدى القراء عبد الله بن إبراهيم الرميح لقد اطلعت على ما نشرته مجلة البيان العدد «٣٣» ص ١٤ موضوع: (أحاديث الفتن والفقه المطلوب) وطلب الكاتب البحث في أحاديث الفتن واستثارة همم القادرين من أهل العلم للكتابة عنها؛ وأقول إن الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ذكر في شريط بعنوان «الضوابط الشرعية للفتن» عدة ضوابط منها: ١- الحلم والأناة والرفق. ٢- العدل والإنصاف وعدم الظلم واتباع الهوى في الحكم. ٣- تصور المسألة تصوراً كاملاً صحيحاً وفهمها والحكم عليها وفق الكتاب والسنة. ٤- الحرص على الجماعة والائتلاف والوحدة بين المسلمين. ٥- معرفة الراية التي يقف المسلم تحتها. ٦- ليس كل ما يعلم يقال «حدثوا الناس بما يعرفون ... » ٧- أن الله أمر بموالاة المؤمنين. ٨- معرفة الفرق بين التولي والموالاة والاستعانة بالكفار. وطلب الدكتور أن يستفيد المسلمون والجماعات الإسلامية والدول الملتزمة بالإسلام من أحاديث الفتن للتخطيط للمستقبل وأقول: لقد ذكر الشيخ صالح الضابط الأخير عند وقوع الفتن وهو - أي أحاديث الفتن - لا تطبق على الواقع أثناء الفتنة بل بعد وقوعها وقال ما نصُّه: إن أحاديث الفتن لا تطبقها أخي المسلم على الواقع أبداً فإنه يحلو للناس عند ظهور الفتن أن يراجعوا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفتن ويكثر في مجالسهم قال النبي ﷺ كذا هذا وقتها، والسلف علمونا أن أحاديث الفتن لا تطبق على الفتن في وقتها وإنما يظهر صدق النبي ﷺ بما أخبره من حدوث الفتن بعد حدوثها وانقضائها فمثلاً بعضهم فسر قول النبي ﷺ أن الفتنة تكون من تحت رجل من أهل بيتي بأنه فلان بن فلان؟ أو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع بأن المقصود به فلان بن فلان أو قول النبي ﷺ ستصالحون الروم صلحاً آمناً وما يحصل بعد ذلك فإنه في هذا الوقت؛ وهذا التطبيق لأحاديث الفتن على الواقع وبثِّ ذلك في المسلمين ليس من منهج أهل السنة والجماعة وإنما أهل السنة والجماعة يذكرون الفتن وأحاديثها محذرين منها مباعدين للمسلمين عن غشيانها أو القرب منها لئلا يحصل بالمسلمين فتنة ولأجل أن يعتقدوا صحة ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولقد قابلت الشيخ وسألته عن مراجع هذه النقطة وأدلتها فذكر منها الفتاوى لابن تيمية عند حديثه عن الخوارج. أما الأدلة فهو ما حصل لعلي ﵁ أنه ما طبق معاملة الخوارج إلا حين ظهرت العلامة التي أخبر بها النبي ﷺ وهي ذو الثدية، وكذلك قتل عماَّر من قبل الفئة الباغية. وكذلك ذكر أن تطبيق أحاديث الفتن قبل وقوعها منهج غير سديد لذلك أحببت التنبيه وأطلب أن يقوم أحد العلماء المتخصصين في العقيدة ومنهج أهل السنة بدراسة هذا الموضوع دراسة قوية وتبيين أقوال العلماء فيها.

стр. 873

ثغرات خفية مهدي بن نزال المهدي أخي الداعية المربي إننا بحاجة ماسة إلى من يخرج بجهوده جيل فريد من نوعه ليسير على درب الهدى وينفع أجيالاً أُخر. لكن ما هي الثغرات التي تقف أمام الجيل الجديد لكي ينحرف عن درب الهدى.. وما هي أخطاء جهود الداعية المربي في ذلك؟ ! إن من الأخطاء: ١) عدم إدراك أفكار وشعور الأجيال المستقبلية: من المعلوم أن الأفكار والمعتقدات تقع في عقل الإنسان ويصعب على المرء معرفة ما يكنُّه رفيقه في قلبه من آلام وأحلام.. وكل إنسان له أفكار مستقبلية.. وكذلك الجيل الجديد. وما إن يعرف الجيل الطريق السوي ومعه أفكاره ومعتقداته المستقبلية التي يبني عليها حياته إلا ويأتي دور الداعية المربي لتوجيهه وارشاده.. وهنا يقع الخطأ في التوجيه! من تلقين العلم والعمل زمراً زمراً من غير دراسة لأفكاره المستقبلية.. فما إن يرى الجيل هذا النوع من المعاملة وعدم موافقتها لما يدور في خلده إلا وتكثر مجاملته لمعلمه وعدم اهتمامه بهذا الطريق السوي ظناً منه أنه ممل.. ويتدرج هذا الشعور إلى التفكر في السقوط ثم السقوط بعد ذلك. ٢) الإحاطة بمجتمع الجيل: «الناس أجناس» ، والمجتمع فيه السيئ والمحسن.. والجيل يندرج تحت غطاء السيئ أو المحسن في مجتمعهم.. وبعد تمسك الجيل بدرب الهدى يأتي خطأ الداعية المربي حينما يفرض عليهم أعمالاً وأفكاراً هي في نظر المربي سهلة معتادة في مجتمعه ولكنها في نظر الطرف الآخر عكس ذلك كله في مجتمعه.. وتأتي المجاملة لتحل هذا لموقف الحرج.. ولكنها لا تجدي وبالتالي لابد لذلك الفرد السير خلف مجتمعه إن كان ضعيفاً أو الوقوف محتاراً.. ويأتي حصاد السقوط بعد هذا. ٣) بين الأمر والإجابة: إذا عرف الإنسان طريق الخير وطريق الشر عرف على إثر ذلك الأعمال الموافقة لهما والمنافية لهما.. وللمربي الحق في أمر الجيل بأمر متوجب شرعاً على انفراد بعد ما يبينه له في سابق زمان.. وأما أمور الخير عامة فينبغي للداعية المربي عدم إلزامه بها ولكن له أن يعرضها في قالب جميل من الحكمة وأن يجعل من نفسه صورة معكوسة لأمور الخير عامة. إن الإلزام بشكل عام بحكمة ورزانة لأمر مستحب ومستحسن ولكن إذا طغى هذا الجانب على الجيل وأصبح يشغل حيزاً كبيراً من شعوره فإنه ما إن يحاول ترك طريق الهدى مع معرفته له.. لا سيما إذا كان الجيل في أول طريقه للخير فإنك ترى التقهقر والرجوع ينتابه.

стр. 874

قديم وجديد تعصب الغرب عن حاضر العالم الإسلامي تعليق: شكيب أرسلان كانت غرناطة آخر المعاقل التي سقطت في الأندلس، وقبل رحيل آخر ملوكها عقد معاهدة مع ملك إسبانيا على أن يترك للمسلمين حريتهم في دينهم ولغتهم، ولكن الإسبان نكثوا عهودهم ومارسوا سياسة البطش لتحويل المسلمين إلى النصرانية. يقول العالم محمد بن عبد الرفيع الذي حضر هذه المأساة وأنجاه الله منها: «أطلعني الله على دين الإسلام بواسطة والدي - رحمة الله عليه - وأنا ابن ستة أعوام وأقل، مع أني كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم ثم أرجع إلى بيتي فيعلمني والدي دين الإسلام، فكنت أتعلم فيهما معاً، وسني حين حملت إلى مكتبهم أربعة أعوام. فأخذ والدي لوحاً من عود الجوز كأني أنظر الآن إليه مملَّساً من غير طَفَل ولا غيره، فكتب لي فيه حروف الهجاء في كرّتين. فلما فرغ من الكرة الأولى أوصاني أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعمي وأخي وجميع قرابتنا، وأمرني أن لا أخبر أحداً من الخلق ثم شدد علَّي الوصية، وصار يرسل والدتي إليَّ فتسألني ما الذي يعلمك والدك فأقول لها: لا شيء فتقول أخبرني بذلك ولا تخف لأني عندي الخبر بما يعلمك: فأقول لها: أبداً ما هو يعلمني شيئاً. وكذلك كان يفعل عمي وأنا أنكر أشد الإنكار. ثم أروح إلى مكتب النصارى، وآتي الدار فيعلمني والدي إلى أن مضت مدة فأرسل إليَّ من إخوانه في الله الأصدقاء فلم أقر لأحد قط بشيء، مع أنه -رحمه الله تعالى- قد ألقى نفسه للهلاك لإمكان أن أخبر بذلك عنه فيحرق لا محالة. لكن أيدنا الله بتأييده وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته بين أظهر أعداء الدين» . قلت (شكيب أرسلان) فهمنا من هنا أن هؤلاء الجماعة كانوا أُجبروا على النصرانية طراً، وإنما كانوا باقين في الغالب على الإسلام سراً، وكانوا مضطرين أن يرسلوا أطفالهم حتى من سن أربع سنوات إلى مكاتب النصارى، ولم يكن يباح لهم أن يعلموا أولادهم شيئاً عن الإسلام، ومن كان يقدم على ذلك وكانت الحكومة تعلم به كان يحرق بالنار. وبرغم هذا كله كان بعضهم حريصاً على تعليم أولاده عقيدته الإسلامية ولغته العربية فكان يعلمهم ذلك مع أشد الاحتياط والامتحان خشية أن السلطة تأخذ سر الأمر من الأولاد فتحرق أولئك الوالدين بالنار كما هو قرار ديوان التفتيش الكاثوليكي. ويتابع ابن عبد الرفيع: «وقد كان والدي -رحمه الله تعالى- يعلمني حينئذ ما كنت أقوله عند رؤيتي للأصنام وذلك أنه قال لي: إذا أتيت إلى كنائسهم ورأيت الأصنام فاقرأ في نفسك سراً قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ] و [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ] إلى آخرها وغير ذلك من الآيات الكريمة وقوله تعالى [وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وقَوْلِهِمْ إنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وإنَّ الَذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ومَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً] . فلما تحقق والدي -رحمه الله تعالى- أني أكتم أمور دين الإسلام عن الأقارب فضلاً عن الأجانب أمرني أن أتكلم بإفشائه والدتي وعمي وبعض أصحابه الأصدقاء فقط. وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون في أمر الدين وأنا أسمع، فلما رأى حزمي مع صغر سني فرح غاية الفرح وعرفني بأصدقائه وأحبائه وإخوانه في دين الإسلام فاجتمعت بهم واحداً واحداً» .

стр. 875

الصفحة الأخيرة فئران.. للتجارب حسن القارئ لي صديق.. يدرس سلوك الحيوان.. يقول.. إننا أحياناً نحقن الفأر بمادة تستفزه.. ثم ندرس إمكانية أن يكون الفأر صالحاً للتجربة بمعنى أن نتعرف عليه وعلى إمكاناته. ذهب بي التفكير مذاهبه.. وتساءلت هل من الممكن أن يصبح الإنسان فأراً.. للتجربة.. بل يصبح مجتمع بأسره فئران تجارب؟ ! تذكرت حادثة.. وأنا أسرح في مذاهب التفكير.. حدثت في بريطانيا.. وأصبح لها ضجيج عجيب.. وذلك أن رجلاً تافهاً لم يكن معروفاً أخرج كتاباً يشتم فيه الرسول ﷺ ويتكلم في القرآن.. فأصبح اسم هذا الكاتب على كل لسان.. خرجت مظاهرات لم تشهدها مدن بريطانيا من قبل.. وكانت مظاهرات احتجاج من المسلمين في بريطانيا، ثم تتابعت الأيام وإذا بوسائل الإعلام تكشف أمراً عجيباً.. وخصوصاً في ظل أحداث أزمة الخليج.. لقد استفادوا من ذلك الكتاب.. وذلك المؤلف.. كما يستفيد الباحث.. يحقن الفأر.. لكي يتعرف عليه.. لقد حقنوا المسلمين بكتاب رشدي فثارت ثائرة المسلمين وتحركوا ونظموا.. وكان الباحث آنذاك يراقب السلوك يحدد الإمكانيات والبواعث وحجم الخطر ومواطن الضعف والقوة. قسماً أيها القارئ؛ إنني لا أضخم الأمر إنهم يراقبون.. ويدرسون.. ويخططون. ونحن لا نراقب.. ولا ندرس.. ولا نخطط.. بل جل أمرنا أن ننفعل.. أن نصيح هنا وهناك.. نستنكر.. ونشجب وتتحرك المسيرات.. ثم ماذا بعد ذلك، ليس هناك هدف.. لأنه لم تكن هناك مقدمات.. دراسة.. وتخطيط.. فسرعان ما يخبو اللهب.. وينطفئ.. وتعود المياه إلى مجاريها.

стр. 876

ذو الحجة - ١٤١١هـ يونيو - ١٩٩١م (السنة: ٥)

стр. 877

الافتتاحية ... ولا هم يذَّكَّرون في مساء يوم الجمعة ١٤ أيار (مايو) من عام ١٩٤٨ وقف الصهيوني بن غورين ليقرأ بيان الاستقلال وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وكانت البداية مؤتمراً عقد في مدينة (بازل) في سويسرا الذي كتب عنه هرتزل في مذكراته «لو أردت أن أختصر مؤتمر بازل في كلمة واحدة - وهذا ما لن أفعله - لقلت: في بازل أسست الدولة الصهيونية، ولو أعلنت اليوم ذلك لقابلني العالم بالسخرية والتهكم، ولكن بعد خمس سنوات على وجه الاحتمال، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد سيرى هذه الدولة جميع الناس» وما بين هذا التخطيط وقيام الدولة كانت هناك مؤامرات وأساليب ماكرة ومساعدات قوية من الغرب، قابلها من العرب والمسلمين حركات جهادية عفوية قليلة العدد والعدة، أو لجوء إلى منطق الضعفاء: الشكوى والشجب، وتصديق ما يقوله الغرب ويكثر فيه من الوعود وإرسال اللجان للتحقيق وطرح المشاريع التي لا يقصد منها إلا التسويف والخداع، حتى يتمكن العدو ويقوى مع الأيام. والعجيب أن الغرب وإسرائيل استمرا على هذه السياسة، والعرب أيضاً استمروا على سياستهم، فقد قاتل العرب مع الإنكيلز ضد الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى طمعاً في أن تتكرم عليهم بريطانيا بدولة عربية، ولكن بريطانيا كانت في واد آخر، كانت تخطط مع فرنسا لابتلاع البلاد العربية، وفي هذه الفترة أعطت اليهود هدية ثمينة وهي (وعد بلفور) لمساعدتهم على إنشاء وطن قومي، وفي عام ١٩٢١ زار وزير مستعمراتهم (تشرشل) مصر فقدم له عرب فلسطين شكوى عن اليهود وتصرفاتهم! ! واستمرت هذه السياسة إلى الآن. وفي عام ١٩٤٦ جاءت لجنة لتقصي الحقائق في فلسطين، وأوصت ببقاء الانتداب البريطاني، وفي عام ١٩٤٧ جاءت لجنة من الأمم المتحدة واقترحت تقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، واعتبار القدس وبيت لحم منطقة دولية، واستمرت اللجان والمشاريع المطروحة من التقسيم إلى مشروع (روجرز) ، إلى (شولتز) و (بيكر) . وفي عام ١٩٣٧ عندما أنشب عبد القادر الحسيني القتال مع اليهود، أرادت بريطانيا الالتفاف حول هذه الحركة، فاقترح أحد ساستهم (مكمايكل) : «أن يدخل المسرح حكام البلاد العربية المجاورة الأكثر ميلاً للتعاون، كما اقترح إجراء مفاوضات مع رؤساء بلديات العرب» . وما يجري الآن وفي السبعينات هو عين ما جرى سابقاً، العرب يفرحون في كل مرة انتظاراً للوعود، وسياسة إسرائيل والغرب من ورائها لم تتغير؛ ففي عام ١٩٧٨ قاد موشى ديان وزير خارجية إسرائيل أمريكا: «كي لا تكون القدس عاصمتنا لا يكتفي بقرار مجلس الأمن، بل عليهم كتابة التوراة من جديد، وتغيير أحداث آلاف السنين» [١] . واليوم يقول (شامير) الكلام نفسه، وسياسة أمريكا تقوم على ثوابت لم تتغير وهي: رفض إقامة دولة فلسطينية، رفض أي تغيير في الضفة الغربية لا ينسجم مع سياسة إسرائيل، رفض أي وفد فلسطيني مستقل لمباحثات السلام التي يعدون بها. لقد قدمت أمريكا أثناء حرب الخليج الوعود ذاتها لحل ما يسمى بـ (الصراع العربي-الإسرائيلي) وبدأت زيارات (بيكر للمنطقة) وبدأت الآمال تتبخر يوماً بعد يوم، وحتى لو كانوا صادقين، فإن هذه الجولات والمباحثات ستستمر سنين، فكيف ونحن نعلم أنهم غير صادقين، وفي مقابلة تلفزيونية مع (وليم كوليي) ، رئيس المخابرات الأمريكية السابق قال بمناسبة زيارة بيكر الثالثة: «إن ما ندعوه بمبادرات السلام لا يستهدف حل النزاع العربي الإسرائيلي فهذا نزاع لا يمكن حله الآن، وإنما الهدف الاستمرار في عملية السلام..» [٢] . وما زيارة وزير خارجية الاتحاد السوفياتي للمنطقة إلا تأكيداً لتضامنها مع أمريكا، فقد صرح هذا الوزير في الأردن أن سياسة الاستيطان اليهودية تنسف جهود السلام، ولكنه عندما زار إسرائيل لم يتفوه بكلمة حول هذا الموضوع. وموقفه هذا يذكرنا بتنسيق روسيا مع أمريكا عشية حرب حزيران ١٩٦٧ عندما أبلغت روسيا بواسطة سفيرها في القاهرة، أبلغت مصر بألا تكون البادئة في الحرب مع إسرائيل، ويالها من نصيحة ثمينة. فإذا كان الموقف الأمريكي لم يتغير، و (شامير يعمل بالفكر التوراتي ولا يريد أن يقدم في آخر حياته تنازلات - بزعمه - للعرب، فلماذا هذا الركض وراء (السلام) ؟ الحقيقة أن هؤلاء اللاهثين وراء الصلح هم فاشلون في الحرب وفاشلون في السلم، وبما أن أمرهم ليس بأيديهم، فلم يبق أمامهم سوى هذه المسرحية السخيفة.

стр. 878

بعضَ عنائك يا شيخ عبد القادر حامد لِمَ كل هذه الحملة المرهقة، والمعاناة الناصبة التي يتكلفها الشيخ البوطي؟ لم هذا الحشد المنظم لهذه الأفكار المضطربة حول تيار لازال يشق طريقه بتصميم وعزيمة جادة في ثنايا الحياة الإسلامية، وهذا التصميم وهذه العزيمة تناسب الصعوبات المبثوثة في طريقه، وعلى الرغم من هذه الصعوبات فإن المؤمنين بهذا التيار يعتقدون أن أمره جد، لأنه دين، وأنهم بهذا الاعتبار ليسوا ثلة قليلة منعزلة، ولا جماعة مشاغبة همها التفريق - كما يحاول الشيخ البوطي أن يصوره - بل جموع جرارة متعطشة إلى عودة الإسلام ليظلل حياة الناس من جديد. إن المسلمين في كل البقاع ملوا من اللافتات التي ترفع باسم الإسلام هنا وهناك، وضاقت صدورهم بالإسلام «الرسمي» الذي قيد بالقيود والسلاسل والأغلال، الذي يقدم إليهم على أنه هو الإسلام الذي أنقذ به الله البشر، وصموا آذانهم عما يلق عليهم من فتاوى هذا الإسلام «الحكومي» ، وفروا إلى تاريخهم وسير رجالهم لعلهم يجدون فيها شيئاً من السلوان عن هذا الظلام المخيم، فهل وجدوا السلوى؟ نعم وجدوا.. فإن قراءة فكر ابن تيمية تكشف عن رجل كانت حياته وأفكاره تمثيلاً لقضايا المسلمين المصيرية، وشرحاً عملياً ونظرياً لقوة ونصوع الإسلام؛ وللعقبات والصعوبات التي تعترض سبيله لينتشر ويسود. بل وجدوا فيه أكثر من ذلك؟ وجدوا فيه رجلاً عاش عصره وتفاعل مع مشاكله تفاعل المعتز بدينه، الواثق به، على رغم كل المصاعب، وتصدى لجبهات كثيرة، فما طأطأ لها رأساً، ولا لانت له قناة. هذه الجبهات التي قد يبدو التصدي لها لبعض الناس - ومنهم علماء - أمراً لا طائل تحته، ولا ثمرة منه غير التعب الذي يجني على صاحبه ويسيء إليه. ولكن تصدي ابن تيمية لها بهذه الروح من أبرز بواعث الحياة في حقل الدعوة الإسلامية فيما بعد عصره إلى اليوم. وذلك لأن مقصود هذه الجبهات في حربها للإسلام واحد وهو تغييبه عن مسرح الحياة، أو تحييده وتجميده على الأقل. بل إن ذلك هو أوضح دليل على وحدة المنهج الفكري والتطبيقي عند ابن تيمية، فالسلبيات التي تعترض سبيل الإسلام يجب أن تبين أصولاً وفروعاً، وأعداء الإسلام التاريخيون ينبغي أن يرشد المسلمون إلى أساليبهم ومواصفاتهم، دون مواربة ولا مداهنة. والبدع التي طرأت على مسيرة المسلمين لابد من كشف جذورها، ومصادر حياتها، وأخطارها، دون غمغمة ولا مجاملة. صورة التيار السلفي عند البوطي: يرى البوطي أتباع هذا التيار أنهم مجموعة تحاول اختلاق مذهب جديد والانغلاق عليه. وأنهم جماعة تريد تفريق كلمة المسلمين، بل وتصد عن الإسلام، وأن كلمة «السلف» تضم الصالح والطالح، ولم تعرف هذه الكلمة، ولم يستخدمها المسلمون للدلالة على جماعة لها مواصفات معينة. «كيف ولو أنهم عبروا عن كينونتهم الجماعية ووحدتهم المذهبية بهذا الشعار إذن لدخل معهم في تلك الكينونة الجامعة سائر تلك الفرق الجانحة عن الحق الشاردة عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ ، إذ إنهم جميعاً (أي الفرق الجانحة عن الحق) مصبوغون بصبغة هذا الشعار، سواء انتموا أم لم ينتموا إليه (هكذا بالإكراه!) ، بل إنهم السلف أنفسهم لا المذهب الذي ينتمي إليهم (يا ناس!) ، فهم بكل فئاتهم وأشتاتهم أصل هذا المذهب وجذوره، دون أي تفريق بين مهتد وزائغ، وبين صالح وطالح» [١] . ويرى أن ظهور شعار «السلفية» كان في مصر إبان الاحتلال البريطاني لها، وأيام ظهور حركة الإصلاح الديني التي قادها وحمل لواءها كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم استحلى أتباع (المذهب الوهابي) هذا الشعار؛ لما بين أتباعه وبين حركة الأفغاني ومحمد عبده من قاسم مشترك! وهو لا ينسى أن يعرض بدعوة محمد بن عبد الوهاب مدعياً «بأن ينبوع مذهبه - بكل ما يتضمنه من مزايا وخصائص - يقف عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب» ، وهي عبارة ملتوية لو طولب البوطي بشرحها لدار وناور، ولكان له موقف منها حسب هوى من يكلمه فيها. ويرى أن ضيق وتبرم أتباع ابن عبد الوهاب بكلمة (الوهابية) جعلهم يستبدلون كلمة (السلفية) بها، ليوحوا إلى الناس بأن أفكار هذا المذهب لا تقف عند محمد بن عبد الوهاب، بل ترقى إلى السلف، وأنهم في تبيينهم لهذا المذهب، أمناء على عقيدة السلف وأفكارهم، ومنهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه [٢] . [٢٣٦ من كتابه] . ويضع تعريفاً طريفاً للسلفي فيقول: «والسلفي اليوم كل من تمسك بقائمة من الآراء الاجتهادية المعينة (!) دافع عنها، وسفه الخارجين عليها ونسبهم إلى الابتداع، سواء منها ما يتعلق بالأمور الاعتقادية، أو الأحكام الفقهية والسلوكية» [٣] [ص٢٣٧] . ويقول أيضاً في كلام كأنما يصف نفسه: «فكل من حصر الحق في الرأي الذي انتهى إليه، وعد صاحب الرأي الثاني مبتدعاً أو زائغاً، على الرغم مما وضحناه من أن كلا الرأيين نابتان في حقل المنهج المتفق عليه، فهو المبتدع حقاً [٤] ، وهو المفرق لجماعة المسلمين، والمتسبب لإثارة البغضاء فيما بينهم دون أي موجب أو عذر، وهو المتنكب عن إجماع المسلمين..» ، [ص ٢٣٨] . ويرى أن (السلفية) مذهب جديد مخترع في الدين، وهو مجموعة آراء اجتهادية في الأفكار الاعتقادية والأحكام السلوكية، انتقيت من مجموع آراء اجتهادية كثيرة مختلفة، قال بها كثير من علماء السلف وخيرة أهل السنة الجماعة، لكن على غير أساس علمي، بل «اعتمادا على ما اقتضته أمزجتهم وميولاتهم الخاصة بهم» [٥] ، بل ويختم هذه التخرصات بالإعلان أن هذه البدعة لا سابقة لها في أي عهد من عهود السلف أو الخلف، و «من أشنع مظاهر البدع الدخيلة على الدين» بل ويقسم بحياته أنه لا يعرف للبدعة معنى غير ابتداع لفظة السلفية فيرفع عقيرته قائلاً: «ولعمري، لئن لم يكن هذا كله ابتداعاً في الدين، فما هو المعنى المتبقي للبدعة إذن، وفي أي مثال أو مظهر يبرز ويتجسد؟ !» [كتابه ص ٢٤٢] وقد سقنا هذه العبارات والفقرات ليتضح لنا تصور الشيخ لهذه الكلمة التي أطارت النوم من جفونه وكلفته هذا العناء، ولا نريد مناقشة ما جاء به من تعريفات وتأكيدات حتى لا يطول الكلام، ولكن نكتفي بطرح النقاط التالية: لا شك أن الشيخ على علم بالعبارة المأثورة عند أمثاله ممن يدرسون ويدرسون العقيدة على طريقة المتكلمين وهي: (مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم) [٦] ، ألا تعني هذه العبارة أن هناك شيئاً اسمه مذهب السلف، وشيئاً اسمه مذهب الخلف؟ هل الشيخ متأكد أن الناس قبل هذا العصر لم يستخدموا كلمه السلف ليدلوا على تيار معين في المسلمين؟ وليضرب صفحاً عن آثار ابن تيمية وابن القيم وأتباع هذه المدرسة؛ ألا يجد في كتب الحديث والتراجم شيئاً يدل على ذلك؟ أما نحن فنجد ذلك واضحاً كل الوضوح، وأن التيار المتمسك بالكتاب والسنة وفهمهما كما فهمهما الصحابة والتابعون وتابعوهم (وهم خير القرون) تيار واضح القسمات في كتب العلم. قال الخطابي: «هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها: الإيمان بها وإجراءها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها» [٧] . وجاء في الأعلام للزركلي، ٨/٦: «نبا بن محمد بن محفوظ القرشي، المعروف بابن الحوراني، الشيخ أبو البيان، شيخ الطائفة البيانية، من المتصوفة بدمشق، قال ابن قاضي شهبة: كان عالماً عاملاً، إماماً في اللغة، شافعي المذهب، سلفي العقيدة، له تآليف ومجاميع وشعر كثير» . ويقول الدكتور وهبة الزحيلي عن الشيخ جمال الدين القاسمي: «كان سلفي العقيدة، لا يقول بالتقليد» [٨] ، فهل الشيخ الزحيلي مبتدع في استخدامه هذا المصطلح؟ وإذا كان كذلك فما هو المقابل لهذه الكلمة في وصف عقيدة الشيخ جمال الدين القاسمي يا ترى؟ ! وقد غفل البوطي أو تغافل - في حمى حملته على خصومه - أن «السلفية» مصطلح يختلف معناه الاصطلاحي بين قوم وقوم، فأعداء الإسلام عرباً وعجماً، على اختلاف مشاربهم وتعدد نظرياتهم؟ يطلقونه على كل من يتمسك بدينه ولا يتنازل عن عقيدته، ولا يتخلى عن الأصول التي لا يجوز التخلي عنها بحجة أنها قديمة، فالشيخ البوطي عند هؤلاء سلفي؛ لأنه يعتقد أن في الإسلام واتباع منهجه نجاة البشرية وهدايتها، ولا يفرقون بين مسلم ومسلم، سواء في جزيرة العرب أو بلاد الشام أو شمال إفريقيا أو شبه القارة الهندية أو في أوروبا وأمريكا.. إذا كان هؤلاء المسلمون يعتزون بدينهم ويرونه منهجاً كاملاً شاملاً يحكم الحياة ويصلح دنيا البشر وآخرتهم. والبوطي والمتصوفة وكثير من المشايخ المتأثرين بالمدارس ذات المناهج التي كانت سائدة في عهد المماليك، ثم عهد الدولة العثمانية يحصرون هذا المصطلح بأتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن تأثر بها، وبأفكار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. أما «السلفيون» أنفسهم الذين كرّس البوطي جهاده ضدهم، فلا يرون أنهم يخترعون ويبتدعون مذهباً جديداً، وإنما يقولون: إن هناك تياراً لازال موجوداً منذ عصر الرسول ﷺ إلى عصرنا هذا، يعتمد جعل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة المنهج الذي يجمع المسلمين كافة، وهذا المنهج كان واضحاً كل الوضوح في عصر الصحابة والتابعين، وهو المنهج الذي سار عليه أكابر علماء الأمة فيما بعد ذلك، وقد عكر على هذا المنهج مؤثرات غريبة عنه تسللت بأسباب وأساليب شتى، وما زال الأمر كذلك، حتى ظهور مدرسة ابن تيمية وتلاميذه التي أحدثت هزة عنيفة في ذلك الوقت، وعلى الرغم من وقوف الحكومات وعلماء السلطة في وجه هذه المدرسة وعملهم المستميت في كبت صوتها، إلا إن القوة التي تميز بها هذا الصوت لم تتلاش ولم تندثر، بل بقي الصدى يتردد هنا وهناك، ولا نرى حاجة في تفصيل أسباب ذلك وآثاره هنا، بل نقول: إننا نرى الجهود التي تصدت لمنهج ابن تيمية في السابق هي هي الجهود التي تحتشد لاجتثاث هذا المنهج من حياة المسلمين، ولكن هل يمكن ذلك؟ هذا سؤال متروك لأصحاب هذه الحملة ليجيبوا عليه بالقول الصريح، أو بالفعل المقنع. وأتباع هذا المنهج لا يدعون العصمة، كما أنه إذا بدا في سلوك بعضهم ما يغضب غيرهم؛ فماذا في ذلك؟ إن من طبيعة النفس البشرية أن يضيق صدرها بما يخالف ما هي عليه، والإنسان عدو ما يجهل، وكذلك فإن الخطأ والظلم من هؤلاء ممكن ومتصور؟ أليسوا بشراً؟ وقد قال الله : [إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] [الأحزاب ٧٢] . وإنه «ما من طائفة إلا وفي بعضهم من يقول أقوالاً ظاهرها الفساد. وهي التي يحفظها من ينفر منهم، ويشنع بها عليهم، وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها» [٩] ... وهذا ما فعله الشيخ البوطي عندما استضافته «رابطة العالم الإسلامي» عام ١٤٠٦ هـ شاكى هو، وكثير من ضيوف الرابطة الذين جاءوا من أوروبا ... وأمريكا وآسيا وإفريقيا، تشاكوا بمرارة وأسى مشكلة وحيدة هي الخلافات والخصومات الطاحنة (!) التي تثيرها بينهم جماعة السلفية [١٠] ! هذا ولعله من رحمة الله بالمسلمين، ومن فضله وستره على السلفيين؛ أننا منذ ذلك التاريخ المشار إليه - وهو تاريخ حضور الشيخ البوطي لذلك الموسم الثقافي الذي دعت إليه «رابطة العالم الإسلامي» - لم نسمع بعدها عن شيء مما أشار إليه الشيخ والشاكون إليه، فها نحن منذ عام ١٤٠٥هـ وإلى الآن - قرب نهاية عام ١٤١١ هـ - نعيش في بلد أوربي فيه عدد لا بأس به من المسلمين من مختلف الأصقاع والمشارب، لم نسمع عن شيء من هذه «الخلافات والخصومات الطاحنة» التي يتقلب البوطي منها على مثل جمر الغضا..! وهل على أحد لوم إذا ما ذكرته هذه العبارة «الطاحنة» بأبيات زهير التي يصف فيها الحرب من معلقته: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ ... وما هو عنها بالحديث المرَجَّمِ متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً ... وتَضرَ إذا ضرَّيتموها فَتَضْرَمِ فَتَعرُكُكُم عَرْك الرحى بثِّفالها ... وتَلْقَحْ كَشافاً ثم تُنْتَجْ فتُتْئِم وقبل أن نضع القلم نحب أن نتوجه بكلمتين إلى شيخنا البوطي. الكلمة الأولى: في الناس من يقرأ لابن تيمية ولغيره، وفيهم من له عقل يستطيع أن يميز بين السقيم والسمين، وبين النافع والضار، وهذه كتب العلم لم تزل مبذولة تشهد على كاتبيها، وقد أصبحت منتشرة أكثر والوصول إليها أسهل بحمد الله؛ فمن يا ترى من العلماء يرشح لنا الشيخ البوطي حتى نتخذ منه نافذة نطل بها على تراثنا الإسلامي العظيم نقلاً وعقلاً وفهماً واستنباطاً، ومن كتب في مناحٍ المسلمُ أحوج ما يكون إليها في هذا العصر الهائج المائج؟ سيقول الشيخ: وهل تدعون أن أحداً من العلماء أحاط بكل ما يحتاجه المسلمون، وأجاب عن كل تساؤل يعرض لهم؟ إذا كنتم تدعون ذلك فقد أبعدتم النجعة، وبالغتم مبالغة مذمومة، وبلغتم بابن تيمية أو غيره ممن تتعصبون له درجة لا تطاق ولا تقرون عليها! إن هذا العلم قدر مشترك لكل علماء المسلمين، وكل منهم ساهم في هذا البناء المتماسك. فنقول: نعم، لا ندعي لأحد الإحاطة، ولا نغمط أحداً حقه ولا نبخسه ما وهبه الله، يأبى علينا الإنصاف ذلك، ولكننا - مع اعترافنا لكل ذي حق بحقه - ننظر إلى ما هو موجود، وإلى نفعه للمسلمين من الجانب العملي، وإلى مردوده على ما نتطلع إليه من الانتقال بحالهم من التراجع والضعف؛ إلى النظر إلى المستقبل بثقة وثبات، وإلى تحويل إمكاناتهم من قوة كامنة إلى قوة دافعة، أي كتب تقترحها علينا نطل من خلالها على الإسلام الصافي بقوة حججه، وسمو أخلاقه، ووضوح أفكاره، وحرارة الإيمان، وفاعلية العقيدة فيه: الفتوحات المكية أم اقتضاء الصراط المستقيم؟ ! فصوص الحكم أم منهاج السنة النبوية؟ ! اليواقيت والجواهر أم الصارم المسلول؟ ! إرشاد المغفلين من الفقهاء والفقراء إلى شروط صحبة الأمراء! أم السياسة الشرعية؟ ! الكبريت الأحمر وشرح وصية المتبولي أم درء تعارض العقل والنقل [١١] ؟ الكلمة الثانية: هناك مجال ما أجداه على الدعوة الإسلامية لو اقتحمه الشيخ البوطي، فبدلاً من اقتصاره على الحديث ناقداً ومشنعاً على إخوانه أتباع الكتاب والسنة، وشنه هذه الحملات المتكررة عليهم في داخل بلده وخارجه؛ حبذا لو خرج من هذه الدائرة المغلقة والتفت إلى تربية الدعاة والاهتمام بنشر العلم الشرعي الذي استؤصلت معالمه بشكل مقصود وأساليب ملتوية مفضوحة، إلا بقايا من الجهود الفردية التي لا تفي بالحاجة ولا تقوى على التحديات المحيطة، وإن في إمكانات الشيخ البوطي - «التي لا نحب أن نرتاب فيها» - البركة، فهو في حال - من البحبوحة الكلامية، وحرية التحرك - يغبطه عليها الكثير، وله قدم صدق عند أصحاب الحل والعقد، فلم لا يستثمر هذه الفرصة بما يعود على الإسلام والمسلمين بالخير، وينشِّط «الصحوة الإسلامية» التي نوه بها بقوله مرة: «إن معين الصحوة الإسلإمية من الشام، وهي من الشام تنتشر، وسرها في الشام، وقد كان ذلك فيما مضى، واليوم، وسيبقى بعد اليوم» [١٢] . بشره الله بالخير، ولو أزال الشيخ الغموض الكامن في عبارة «وسرها في الشام» لأجاد وأفاد، ووفى بالمراد، ولشكر له المنتظرون سماع هذه التطمينات شكراً لا مزيد عليه. وكذلك قوله الآتي في كلمته تلك فيه غموض يحتاج إلى تفصيل وشرح، ولا يقدر على ذلك سواه - حفظه الله - فهلا فعل؟ ! يقول: «إن المكائد تضاعفت ليس من أفراد فقط أو جماعات؟ بل من حكومات تعادي الإسلام ... وإذا كانت الشام منبع أعداء الإسلام فلتنهض الشام نهضتها، ولينهض الشعب متعاوناً مع رئيسه» [١٣] . كيف يكون معين الصحوة في الشام؛ ومنبع أعداء الإسلام من الشام؟ ! ومن الأفراد، ومن الجماعات، ومن الحكومات التي تعادي الإسلام؟ ولم لا تضع دليلاً يستخدمه أهل الشام لاكتشاف هؤلاء الأفراد، والجماعات، والحكومات؟ ! كل ذلك يحتاج إلى تجلية وبيان من أجل النشء الذي وقفت جهودك لتوعيته، لتستبين سبيل المجرمين. فضع إصبعك على الجروح الناغرة يا شيخ، ولا تخف، وخذِّل عن المسلمين، ولا يكن همك كهمِّ المتنبي فقط؛ ضيعة أو ولاية [١٤] ، فما أنت فيه خير من الضيعة أو الولاية، وكن على ذكر من كلمة إبراهيم بن أدهم أو غيره: «لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف» . واعتبر بأصحاب الضيعات حواليك - ضباع تتهارش على الجيف في العاجلة، وتذهب - مخلفة روائح الجيف ورائها - إلى الآجلة. *انتهى*

стр. 879

من أدب الأخوة عبد الرحمن العقل للأخوة أدب جمّ وخلق رفيع ارتقاه سعيد بن العاص، فقال: «إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه» [١] . وللأخوة آداب تمنح الأخوة رونقاً وبهاءً وجمالاً.. فمن هذه الآداب: ١- الابتعاد عن الإطراء وترك المدح: حذر الرسول ﷺ من الإطراء والمدح، صيانة للأفراد من الغرور والإعجاب بالنفس، وصيانة للعلاقات الأخوية، وحفاظاً على المجتمع الإسلامي، عن أبي موسى قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدح فقال: «أهلكتم - أو قطعتم - ظهر الرجل» [٢] . بل إن من لوازم الأخوة ترك الثناء والمدح. قال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا تأكد الإخاء سقط الثناء» [٣] . وقال الحجيي لرجل: «حبي لك يمنع من الثناء عليك» [٤] . ٢- الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية: فاحتلافك مع أخيك في الرأي لا يؤثر على مودته في قلبك، ولك في الإمام أحمد قدوة، يقول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - عن الإمام اسحاق بن راهويه: «لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً» [٥] . «إنه التمازج الروحي والأخوة الحقة بين المؤمنين التي يلتمس فيها المؤمن الحقيقة عند أخيه وإن كان له مخالفاً» [٦] . ٣- فن الاستماع: تظهر لأخيك تلذذك بحديثه، ولا تصرف بصرك عنه، ولا تقاطعه في حديثه، حتى ولو كنت تعلمه. يقول الإمام سفيان الثوري - رحمه الله تعالى -: (إن الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته قبل أن تلده أمه، فيحملني حسن الأدب أن أسمعه) [٧] . ٤- لا انتقام ولا تشفٍ: موقف رائع بين القاضي سعيد بن سليمان المساحقي المالكي والقاضي ابن عمران الطلحي.. يصوره ابن الماجشون بقوله: «شهد سعيد بن سليمان عند ابن عمران الطلحي وهو قاض، فرد شهادته، فلما ولي سعيد شهد عنده ابن عمران، فنظر سعيد في شهادته ففكر قليلاً ثم قال لكاتبه: أَجِزْ شهادته يا ابن دينار، فإن المؤمن لا يشفي غيظه» [٨] . ٥- ترك التكلف: «حتى لا يشعر الأخ أنه غريب عن أخيه، ولا يلجئه إلى الاعتذار دائماً، بسبب هفوة صغيرة، وكلمة عابرة، ويحاسبه على النقير والقطمير، وليتذكر قول الشاعر: ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟ [٩] وكان جعفر بن محمد الصادق يقول:» أثقل إخواني علي: من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي « [١٠] ٦ - الهدية: الهدية.. سهم صائب يقع في القلوب مباشرة.. كم منقبض أثرت فيه الهدية، وكم من تائه قربته الهدية، وكم من حاقد ألفته الهدية، لها تأثير عجيب وعجيب. وكما قيل: الهدية هي السحر الظاهر. * تأثير الهدية: » قال سفيان: لما قعد أبو حنيفة، قال للناس مُساور الوراق: كنا من الدين قبل اليوم في ... سعة حتى بلينا بأصحاب المقاييس قوم إذا اجتمعوا صاحوا كأنهم ... ثعالب ضبحت بين النواويس قال: فبلغ ذلك أبا حنيفة، فبعث إليه بمال، فقال مساور - حين قبض المال -: ... إذا ما الناس يوماً قايسونا ... بآبدة من الفتيا طريفة أتيناهم بمقياس صحيح ... مصيب من طراز أبي حنيفة إذا سمع الفقيه بها وعاها ... وأثبتها بحبر في صحيفة [١١] وللهدية أثر واضح في تصفية القلوب من الأدغال والأحقاد، يقول الرسول - ﷺ «تهادوا تحابوا تذهب الشحناء» [١٢] . ٧- الدعاء بظهر الغيب: لقول الرسول ﷺ : «دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا له بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» [١٣] * أبا حمدون لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة؟ عن عبد الله بن الخطيب: «أن الطيب بن إسماعيل أبا حمدون وهو أحد القراء المشهورين كانت له صحيفة فيها مكتوب ثلاثمائة من أصدقائه، وكان يدعو لهم كل ليلة فتركهم فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة؟ ، قال: فقعد فأسرج، وأخذ الصحيفة فدعا لواحد واحد حتى فرغ» [١٤] . وقال أحد الصالحين: «أين مثل الأخ الصالح؟ إن أهل الرجل إذا مات يقسمون ميراثه ويتمتعون بما خلف، والأخ الصالح ينفرد بالحزن، مهتماً بما قدم أخوه عليه، وما صار إليه يدعو له في ظلمة الليل، ويستغفر له وهو تحت أطباق الثرى» [١٥] . ٨- لا تزيد الصلة ولا تنقص بالانقطاع: والأخوة الصادقة ثابتة لا تتغير مع مضي الوقت فلا تزيد بالبر والصلة، ولا تضعف أو تتلاشى بالانقطاع والجفاء. يقول يحيى بن معاذ الرازي: «حقيقة المحبة أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء» [١٦] . وعدم رؤية الإخوان لبعضهم، وانقطاعهم عن بعض لا يسوغ الهجر ولا اختلاف القلوب. عن اسحاق قال: «كان بين عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان مودة وإخاء فكانت تمر السنة عليهما لا يلتقيان، فقيل لأحدهما في ذلك فقال: إذا تقاربت القلوب لم يضر تباعد الأجسام» [١٧] . وكذلك ما روي أن يونس بن عبيد «أصيب بمصيبة فقيل له: ابن عوف لم يأتك؟ فقال: إنا إذا وثقنا بمودة أخينا لم يضره أن لا يأتينا» [١٨] . * مودة مدخولة: فكل أخوة تزداد بالالتقاء وكثرة المجالسة فهي تحتاج إلى إعادة نظر، يقول الحسن بن صالح: «كل مودة لا تزداد إلا بالالتقاء مدخولة» [١٩] . ٩- لا ترفع أخاك فوق منزلته: ومن أدب الأخوة أن تضع أخاك في مكانه المناسب، حتى تصفو الأخوة وتدوم، قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما رفعت أحداً فوق منزلته إلا وضع مني بقدر ما رفعت منه» [٢٠] . *ابن حزم يحذرك: يقول ابن حزم - رحمه الله تعالى -: «أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك، لأنه نبه على نقصك، وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك، لأنه نبه على فضلك، ولقد انتصر لك من نفسه بذلك، وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة» [٢١] . ١٠- بين الانقباض والانبساط: فكن مع الناس بين المنقبض والمنبسط، فلا تخض مع الخائضين ولا تنعزل مع المنعزلين، كما قال الشافعي: «الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبه لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط» [٢٢] ، وكذلك الأخ مع إخوانه لا ينبسط معهم انبساطاً يذهب فيه الاحترام ويقل فيه الأدب، ولا ينقبض عنهم انقباضاً يشعرون معه بالجفوة، ويحسون بحاجز يمنعهم من الاقتراب منه وتحقيق معاني الأخوة معه فهو بين بين.. ١١- الصبر واحتمال الأذى: إن خلق الضجر، وعدم الصبر والتحمل بين الإخوان هو طريق للتفرق والاختلاف، وطريق لزوال الإخاء والود.. ولهذا كان احتمال الأذى من أدب الأخوة. * بضاعة الصديقين وشعار الصالحين: «وأما احتمال الأذى فهو الصبر ولكنه أشق، وهو بضاعة الصديقين، وشعار الصالحين، وحقيقة أن يؤذى المسلم في ذات الله فيصبر ويتحمل، فلا يرد السيئة بغير الحسنة، ولا ينتقم لذاته، ولا يتأثر لشخصيته؛ ما دام ذلك في سبيل الله، ومؤدياً إلى مرضات الله، ولم يبتل في طريقه إلى الوصول إلى الله..» [٢٣] ١٢- مراعاة النفسيات: النفس البشربة كالبحر، تارة يكون هادئاً راكداً، وتارة يكون هائجاً متلاطماً، فوجب مراعاة هذه النفس ومعرفة تقلباتها وتحولاتها.. والنفوس تختلف باختلاف أصحابها فما يصلح لهذه لا يصلح للأخرى، ولله در شبيب بن شيبة حينما قال: «لا تجالس أحداً بغير طريقه، فإنك إذا أردت لقاء الجاهل بالعلم، واللاهي بالفقه، والغي بالبيان آذيت جليسك» [٢٤] . ١٣- لا تكن جافاً: فلا تكن جافاً في تعاملك الأخوي ولا بليداً لا يتحرك لك وجدان، فإذا ما أخطأ عليك أخوك، وجاء يستسمحك فلا تشمخ بأنفك؛ لكي لا ينطبق عليك وصف الإمام الشافعي.. يقول الربيع: سمعت الشافعي يقول: «من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضي ولم يرض فهو حمار» [٢٥] . ١٤ - لا تكن ثقيلاً: وهذا أدب ظرفي يضفي على الأخوة طابعاً جميلاً.. وحقيقته: خفة في النفس ولباقة في التعامل ومراعاة لظروف الإخوان ومشاعرهم، فلا يكون ثقيلاً في زياراته وفي أفعاله وكلماته. * المؤمن قد يكون ثقيلاً: الثقل صفة لا علاقة لها بالإيمان وعدمه. «سئل جعفر بن محمد عن المؤمن، هل يكون بغيضاً؟ قال: لا يكون بغيضاً، ولكن يكون ثقيلاً» [٢٦] . * الثقلاء عند العلماء: «قال الحسن البصري في قوله تعالى: [فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا] [الأحزاب ٥٣] قال:» نزلت في الثقلاء « [٢٧] . وكان حماد بن سلمة إذا رأى من يستثقله، قال: [رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ] [٢٨] [الدخان ١٢] . وقال ثقيل لمريض: ما تشتهي؟ قال: أشتهي ألا أراك. وإن كنت تصرّ على مخالفة هذا الأدب.. فاصبر على مخاطبة الشاعر: ... أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل أنت في النظرة إنسان ... وفي الميدان فيل [٢٩] ١٥- عدم مواجهة الأخ بالعتاب: وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه باباً بعنوان: من لم يواجه الناس بالعتاب. وعن عاثشة ﵂ قالت: صنع الرسول ﷺ شيئاً فرخص فيه فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فخطب، فحمد الله ثم قال:» ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية « [٣٠] . ورسولنا ﷺ هو ألطف الناس وأحسنهم خلقاً، لم يفضحهم على رؤوس الخلائق، بل عاتبهم وأنبهم من غير جرح لمشاعرهم وأحاسيسهم. ولا يفهم من فعل الرسول ﷺ ترك العتاب، بل يفهم: عدم المواجهة، يقول ابن حجر ﵀:» أما المعاتبة فقد حصلت منه بلا ريب، وإنما لم يميز الذي صدر منه، ستراً عليه، فحصل منه الرفق من هذه الحيثية لا بترك العتاب أصلاً « [٣١] .

стр. 880

خواطر في الدعوة حسداً من عند أنفسهم محمد العبدة من الشبه التي يرددها أعداء الإسلام كثيراً، بل قد تنقدح في نفس المسلم أحياناً، هي شبهة التفرق وشدة الخصام والجدال، يقولون: إذا كان الإسلام هو الحق الذي لا ريب فيه، فلماذا هذا التشتت وهذه الكثرة من الفرق، والمسلم الضعيف يقول: لماذا لا نجتمع ولو على أي شكل من الأشكال وندع هذا الخصام والأخذ والرد ونستريح من هذه المشاكل. وللرد على هذه الشبه نقول: لابد أن يعلم المسلم أن الشيء الثمين والتحفة النادرة تغري بالحسد والعداوة، فكيف إذا كان هذا الشيء سلعة معنوية وليست مادية؟ والإسلام في غاية الحسن والكمال، فعندئذ تنبعث النفوس التي ملئت بالحقد على الإيقاع به من الداخل، والتلبيس على المسلمين، ومحاولة التحريف والتبديل، حتى لا يبقى جوهر الإسلام صافياً. لقد شَرِقَ اليهود والنصارى والفرس بحمل العرب لهذا الدين ونشره في الآفاق، وهيمنته على سائر الملل والنحل، وهو من الوضوح والقوة الداخلية فيه أن نوره يبهر الأبصار، عندئذ كثرت سهامهم إليه وكثرت المؤامرات التي تريد اقتلاعه، وجاس عبد الله بن سبأ وأتباعه خلال الديار، وانتشرت الباطنية تتستر بالإسلام، وتأثر بهم أصحاب الأهواء أو ضعاف العقول فكثرت الفرق، وإذا كان الإسلام قد أزاح عروشاً سياسية فإنه أزاح أيضاً رئاسات دينية من الكهنة والأحبار، خدعوا الشعوب وأكلوا أموال الناس بالباطل، وهؤلاء حقدهم أشد، وعداوتهم أقوى، كل هؤلاء قاموا بإثارة الشبهات فتلقفها ضعاف الإيمان فكثر الخلط، وأما المسلمون الضعاف الذين لا يدفعون الشبهات بالإيمان القوي والثقة بهذا الدين أو النظر إلى مواقع القدر الشرعي والكوني؛ هؤلاء الذين يتمنون في داخل أنفسهم أن لو يجتمع المسلمون تحت اسم (الإسلام) ، ولو كان أحدهم يحمل من البدع الكبيرة والصغيرة ما يصل إلى درجة الكفر، هؤلاء نقول لهم كما قال أحد العلماء: «إن الحق لا ينقلب باطلاً لاختلاف الناي فيه، ولا الباطل يصير حقاً لاتفاق الناس عليه، وسلامة الإنسان عن الخطأ ليس بمطموع فيه، ولكن الطمع في أن يكثر صوابه» ..
следующие страницы →