الافتتاحية
... ولا هم يذَّكَّرون
في مساء يوم الجمعة ١٤ أيار (مايو) من عام ١٩٤٨ وقف الصهيوني بن
غورين ليقرأ بيان الاستقلال وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وكانت
البداية مؤتمراً عقد في مدينة (بازل) في سويسرا الذي كتب عنه هرتزل في مذكراته
«لو أردت أن أختصر مؤتمر بازل في كلمة واحدة - وهذا ما لن أفعله - لقلت:
في بازل أسست الدولة الصهيونية، ولو أعلنت اليوم ذلك لقابلني العالم بالسخرية
والتهكم، ولكن بعد خمس سنوات على وجه الاحتمال، وبعد خمسين سنة على وجه
التأكيد سيرى هذه الدولة جميع الناس»
وما بين هذا التخطيط وقيام الدولة كانت هناك مؤامرات وأساليب ماكرة
ومساعدات قوية من الغرب، قابلها من العرب والمسلمين حركات جهادية عفوية
قليلة العدد والعدة، أو لجوء إلى منطق الضعفاء: الشكوى والشجب، وتصديق ما
يقوله الغرب ويكثر فيه من الوعود وإرسال اللجان للتحقيق وطرح المشاريع التي لا
يقصد منها إلا التسويف والخداع، حتى يتمكن العدو ويقوى مع الأيام. والعجيب أن
الغرب وإسرائيل استمرا على هذه السياسة، والعرب أيضاً استمروا على سياستهم،
فقد قاتل العرب مع الإنكيلز ضد الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى طمعاً في
أن تتكرم عليهم بريطانيا بدولة عربية، ولكن بريطانيا كانت في واد آخر، كانت
تخطط مع فرنسا لابتلاع البلاد العربية، وفي هذه الفترة أعطت اليهود هدية ثمينة
وهي (وعد بلفور) لمساعدتهم على إنشاء وطن قومي، وفي عام ١٩٢١ زار وزير
مستعمراتهم (تشرشل) مصر فقدم له عرب فلسطين شكوى عن اليهود وتصرفاتهم! ! واستمرت هذه السياسة إلى الآن. وفي عام ١٩٤٦ جاءت لجنة لتقصي الحقائق في فلسطين، وأوصت ببقاء الانتداب البريطاني، وفي عام ١٩٤٧ جاءت لجنة من الأمم المتحدة واقترحت تقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، واعتبار القدس وبيت لحم منطقة دولية، واستمرت اللجان والمشاريع المطروحة من التقسيم إلى مشروع (روجرز) ، إلى (شولتز) و (بيكر) .
وفي عام ١٩٣٧ عندما أنشب عبد القادر الحسيني القتال مع اليهود، أرادت
بريطانيا الالتفاف حول هذه الحركة، فاقترح أحد ساستهم (مكمايكل) : «أن يدخل
المسرح حكام البلاد العربية المجاورة الأكثر ميلاً للتعاون، كما اقترح إجراء
مفاوضات مع رؤساء بلديات العرب» .
وما يجري الآن وفي السبعينات هو عين ما جرى سابقاً، العرب يفرحون في
كل مرة انتظاراً للوعود، وسياسة إسرائيل والغرب من ورائها لم تتغير؛ ففي عام
١٩٧٨ قاد موشى ديان وزير خارجية إسرائيل أمريكا: «كي لا تكون القدس
عاصمتنا لا يكتفي بقرار مجلس الأمن، بل عليهم كتابة التوراة من جديد، وتغيير
أحداث آلاف السنين» [١] .
واليوم يقول (شامير) الكلام نفسه، وسياسة أمريكا تقوم على ثوابت لم تتغير
وهي: رفض إقامة دولة فلسطينية، رفض أي تغيير في الضفة الغربية لا ينسجم
مع سياسة إسرائيل، رفض أي وفد فلسطيني مستقل لمباحثات السلام التي يعدون
بها.
لقد قدمت أمريكا أثناء حرب الخليج الوعود ذاتها لحل ما يسمى بـ (الصراع
العربي-الإسرائيلي) وبدأت زيارات (بيكر للمنطقة) وبدأت الآمال تتبخر يوماً بعد
يوم، وحتى لو كانوا صادقين، فإن هذه الجولات والمباحثات ستستمر سنين،
فكيف ونحن نعلم أنهم غير صادقين، وفي مقابلة تلفزيونية مع (وليم كوليي) ،
رئيس المخابرات الأمريكية السابق قال بمناسبة زيارة بيكر الثالثة: «إن ما ندعوه
بمبادرات السلام لا يستهدف حل النزاع العربي الإسرائيلي فهذا نزاع لا يمكن حله
الآن، وإنما الهدف الاستمرار في عملية السلام..» [٢] .
وما زيارة وزير خارجية الاتحاد السوفياتي للمنطقة إلا تأكيداً لتضامنها مع
أمريكا، فقد صرح هذا الوزير في الأردن أن سياسة الاستيطان اليهودية تنسف
جهود السلام، ولكنه عندما زار إسرائيل لم يتفوه بكلمة حول هذا الموضوع.
وموقفه هذا يذكرنا بتنسيق روسيا مع أمريكا عشية حرب حزيران ١٩٦٧
عندما أبلغت روسيا بواسطة سفيرها في القاهرة، أبلغت مصر بألا تكون البادئة في
الحرب مع إسرائيل، ويالها من نصيحة ثمينة.
فإذا كان الموقف الأمريكي لم يتغير، و (شامير يعمل بالفكر التوراتي ولا
يريد أن يقدم في آخر حياته تنازلات - بزعمه - للعرب، فلماذا هذا الركض وراء
(السلام) ؟
الحقيقة أن هؤلاء اللاهثين وراء الصلح هم فاشلون في الحرب وفاشلون في
السلم، وبما أن أمرهم ليس بأيديهم، فلم يبق أمامهم سوى هذه المسرحية السخيفة.
стр. 878
بعضَ عنائك يا شيخ
عبد القادر حامد
لِمَ كل هذه الحملة المرهقة، والمعاناة الناصبة التي يتكلفها الشيخ البوطي؟ لم
هذا الحشد المنظم لهذه الأفكار المضطربة حول تيار لازال يشق طريقه بتصميم
وعزيمة جادة في ثنايا الحياة الإسلامية، وهذا التصميم وهذه العزيمة تناسب
الصعوبات المبثوثة في طريقه، وعلى الرغم من هذه الصعوبات فإن المؤمنين بهذا
التيار يعتقدون أن أمره جد، لأنه دين، وأنهم بهذا الاعتبار ليسوا ثلة قليلة منعزلة،
ولا جماعة مشاغبة همها التفريق - كما يحاول الشيخ البوطي أن يصوره - بل
جموع جرارة متعطشة إلى عودة الإسلام ليظلل حياة الناس من جديد.
إن المسلمين في كل البقاع ملوا من اللافتات التي ترفع باسم الإسلام هنا
وهناك، وضاقت صدورهم بالإسلام «الرسمي» الذي قيد بالقيود والسلاسل
والأغلال، الذي يقدم إليهم على أنه هو الإسلام الذي أنقذ به الله البشر، وصموا
آذانهم عما يلق عليهم من فتاوى هذا الإسلام «الحكومي» ، وفروا إلى تاريخهم
وسير رجالهم لعلهم يجدون فيها شيئاً من السلوان عن هذا الظلام المخيم، فهل
وجدوا السلوى؟
نعم وجدوا.. فإن قراءة فكر ابن تيمية تكشف عن رجل كانت حياته وأفكاره
تمثيلاً لقضايا المسلمين المصيرية، وشرحاً عملياً ونظرياً لقوة ونصوع الإسلام؛
وللعقبات والصعوبات التي تعترض سبيله لينتشر ويسود. بل وجدوا فيه أكثر من
ذلك؟ وجدوا فيه رجلاً عاش عصره وتفاعل مع مشاكله تفاعل المعتز بدينه،
الواثق به، على رغم كل المصاعب، وتصدى لجبهات كثيرة، فما طأطأ لها رأساً، ولا لانت له قناة. هذه الجبهات التي قد يبدو التصدي لها لبعض الناس - ومنهم
علماء - أمراً لا طائل تحته، ولا ثمرة منه غير التعب الذي يجني على صاحبه
ويسيء إليه. ولكن تصدي ابن تيمية لها بهذه الروح من أبرز بواعث الحياة في
حقل الدعوة الإسلامية فيما بعد عصره إلى اليوم. وذلك لأن مقصود هذه الجبهات
في حربها للإسلام واحد وهو تغييبه عن مسرح الحياة، أو تحييده وتجميده على
الأقل. بل إن ذلك هو أوضح دليل على وحدة المنهج الفكري والتطبيقي عند ابن
تيمية، فالسلبيات التي تعترض سبيل الإسلام يجب أن تبين أصولاً وفروعاً،
وأعداء الإسلام التاريخيون ينبغي أن يرشد المسلمون إلى أساليبهم ومواصفاتهم،
دون مواربة ولا مداهنة. والبدع التي طرأت على مسيرة المسلمين لابد من كشف
جذورها، ومصادر حياتها، وأخطارها، دون غمغمة ولا مجاملة.
صورة التيار السلفي عند البوطي:
يرى البوطي أتباع هذا التيار أنهم مجموعة تحاول اختلاق مذهب جديد
والانغلاق عليه. وأنهم جماعة تريد تفريق كلمة المسلمين، بل وتصد عن الإسلام،
وأن كلمة «السلف» تضم الصالح والطالح، ولم تعرف هذه الكلمة، ولم يستخدمها
المسلمون للدلالة على جماعة لها مواصفات معينة. «كيف ولو أنهم عبروا عن
كينونتهم الجماعية ووحدتهم المذهبية بهذا الشعار إذن لدخل معهم في تلك الكينونة
الجامعة سائر تلك الفرق الجانحة عن الحق الشاردة عن كتاب الله وسنة رسوله -
ﷺ ، إذ إنهم جميعاً (أي الفرق الجانحة عن الحق) مصبوغون
بصبغة هذا الشعار، سواء انتموا أم لم ينتموا إليه (هكذا بالإكراه!) ، بل إنهم
السلف أنفسهم لا المذهب الذي ينتمي إليهم (يا ناس!) ، فهم بكل فئاتهم وأشتاتهم
أصل هذا المذهب وجذوره، دون أي تفريق بين مهتد وزائغ، وبين صالح
وطالح» [١] .
ويرى أن ظهور شعار «السلفية» كان في مصر إبان الاحتلال البريطاني
لها، وأيام ظهور حركة الإصلاح الديني التي قادها وحمل لواءها كل من جمال
الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم استحلى أتباع (المذهب الوهابي) هذا الشعار؛ لما
بين أتباعه وبين حركة الأفغاني ومحمد عبده من قاسم مشترك! وهو لا ينسى أن
يعرض بدعوة محمد بن عبد الوهاب مدعياً «بأن ينبوع مذهبه - بكل ما يتضمنه
من مزايا وخصائص - يقف عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب» ، وهي عبارة
ملتوية لو طولب البوطي بشرحها لدار وناور، ولكان له موقف منها حسب هوى
من يكلمه فيها.
ويرى أن ضيق وتبرم أتباع ابن عبد الوهاب بكلمة (الوهابية) جعلهم
يستبدلون كلمة (السلفية) بها، ليوحوا إلى الناس بأن أفكار هذا المذهب لا تقف عند
محمد بن عبد الوهاب، بل ترقى إلى السلف، وأنهم في تبيينهم لهذا المذهب،
أمناء على عقيدة السلف وأفكارهم، ومنهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه [٢] . [٢٣٦
من كتابه] .
ويضع تعريفاً طريفاً للسلفي فيقول:
«والسلفي اليوم كل من تمسك بقائمة من الآراء الاجتهادية المعينة (!) دافع
عنها، وسفه الخارجين عليها ونسبهم إلى الابتداع، سواء منها ما يتعلق بالأمور
الاعتقادية، أو الأحكام الفقهية والسلوكية» [٣] [ص٢٣٧] .
ويقول أيضاً في كلام كأنما يصف نفسه: «فكل من حصر الحق في الرأي
الذي انتهى إليه، وعد صاحب الرأي الثاني مبتدعاً أو زائغاً، على الرغم مما
وضحناه من أن كلا الرأيين نابتان في حقل المنهج المتفق عليه، فهو المبتدع حقاً [٤] ، وهو المفرق لجماعة المسلمين، والمتسبب لإثارة البغضاء فيما بينهم دون أي
موجب أو عذر، وهو المتنكب عن إجماع المسلمين..» ، [ص ٢٣٨] .
ويرى أن (السلفية) مذهب جديد مخترع في الدين، وهو مجموعة آراء
اجتهادية في الأفكار الاعتقادية والأحكام السلوكية، انتقيت من مجموع آراء اجتهادية
كثيرة مختلفة، قال بها كثير من علماء السلف وخيرة أهل السنة الجماعة، لكن
على غير أساس علمي، بل «اعتمادا على ما اقتضته أمزجتهم وميولاتهم الخاصة
بهم» [٥] ، بل ويختم هذه التخرصات بالإعلان أن هذه البدعة لا سابقة لها في أي
عهد من عهود السلف أو الخلف، و «من أشنع مظاهر البدع الدخيلة على الدين»
بل ويقسم بحياته أنه لا يعرف للبدعة معنى غير ابتداع لفظة السلفية فيرفع
عقيرته قائلاً: «ولعمري، لئن لم يكن هذا كله ابتداعاً في الدين، فما هو المعنى
المتبقي للبدعة إذن، وفي أي مثال أو مظهر يبرز ويتجسد؟ !» [كتابه
ص ٢٤٢]
وقد سقنا هذه العبارات والفقرات ليتضح لنا تصور الشيخ لهذه الكلمة التي
أطارت النوم من جفونه وكلفته هذا العناء، ولا نريد مناقشة ما جاء به من تعريفات
وتأكيدات حتى لا يطول الكلام، ولكن نكتفي بطرح النقاط التالية:
لا شك أن الشيخ على علم بالعبارة المأثورة عند أمثاله ممن يدرسون ويدرسون
العقيدة على طريقة المتكلمين وهي: (مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم) [٦] ، ألا تعني هذه العبارة أن هناك شيئاً اسمه مذهب السلف، وشيئاً اسمه مذهب
الخلف؟
هل الشيخ متأكد أن الناس قبل هذا العصر لم يستخدموا كلمه السلف ليدلوا
على تيار معين في المسلمين؟ وليضرب صفحاً عن آثار ابن تيمية وابن القيم
وأتباع هذه المدرسة؛ ألا يجد في كتب الحديث والتراجم شيئاً يدل على ذلك؟
أما نحن فنجد ذلك واضحاً كل الوضوح، وأن التيار المتمسك بالكتاب والسنة
وفهمهما كما فهمهما الصحابة والتابعون وتابعوهم (وهم خير القرون) تيار واضح
القسمات في كتب العلم.
قال الخطابي: «هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان
مذهب السلف فيها: الإيمان بها وإجراءها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها» [٧] .
وجاء في الأعلام للزركلي، ٨/٦: «نبا بن محمد بن محفوظ القرشي،
المعروف بابن الحوراني، الشيخ أبو البيان، شيخ الطائفة البيانية، من المتصوفة
بدمشق، قال ابن قاضي شهبة: كان عالماً عاملاً، إماماً في اللغة، شافعي المذهب، سلفي العقيدة، له تآليف ومجاميع وشعر كثير» .
ويقول الدكتور وهبة الزحيلي عن الشيخ جمال الدين القاسمي: «كان سلفي
العقيدة، لا يقول بالتقليد» [٨] ، فهل الشيخ الزحيلي مبتدع في استخدامه هذا
المصطلح؟ وإذا كان كذلك فما هو المقابل لهذه الكلمة في وصف عقيدة الشيخ جمال
الدين القاسمي يا ترى؟ !
وقد غفل البوطي أو تغافل - في حمى حملته على خصومه - أن «السلفية»
مصطلح يختلف معناه الاصطلاحي بين قوم وقوم، فأعداء الإسلام عرباً وعجماً،
على اختلاف مشاربهم وتعدد نظرياتهم؟ يطلقونه على كل من يتمسك بدينه ولا
يتنازل عن عقيدته، ولا يتخلى عن الأصول التي لا يجوز التخلي عنها بحجة أنها
قديمة، فالشيخ البوطي عند هؤلاء سلفي؛ لأنه يعتقد أن في الإسلام واتباع منهجه
نجاة البشرية وهدايتها، ولا يفرقون بين مسلم ومسلم، سواء في جزيرة العرب أو
بلاد الشام أو شمال إفريقيا أو شبه القارة الهندية أو في أوروبا وأمريكا.. إذا كان
هؤلاء المسلمون يعتزون بدينهم ويرونه منهجاً كاملاً شاملاً يحكم الحياة ويصلح دنيا
البشر وآخرتهم.
والبوطي والمتصوفة وكثير من المشايخ المتأثرين بالمدارس ذات المناهج التي
كانت سائدة في عهد المماليك، ثم عهد الدولة العثمانية يحصرون هذا المصطلح
بأتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن تأثر بها، وبأفكار شيخ الإسلام ابن
تيمية وتلميذه ابن القيم.
أما «السلفيون» أنفسهم الذين كرّس البوطي جهاده ضدهم، فلا يرون أنهم
يخترعون ويبتدعون مذهباً جديداً، وإنما يقولون: إن هناك تياراً لازال موجوداً منذ
عصر الرسول ﷺ إلى عصرنا هذا، يعتمد جعل الكتاب والسنة
وإجماع الصحابة المنهج الذي يجمع المسلمين كافة، وهذا المنهج كان واضحاً كل
الوضوح في عصر الصحابة والتابعين، وهو المنهج الذي سار عليه أكابر علماء
الأمة فيما بعد ذلك، وقد عكر على هذا المنهج مؤثرات غريبة عنه تسللت بأسباب
وأساليب شتى، وما زال الأمر كذلك، حتى ظهور مدرسة ابن تيمية وتلاميذه التي
أحدثت هزة عنيفة في ذلك الوقت، وعلى الرغم من وقوف الحكومات وعلماء
السلطة في وجه هذه المدرسة وعملهم المستميت في كبت صوتها، إلا إن القوة التي
تميز بها هذا الصوت لم تتلاش ولم تندثر، بل بقي الصدى يتردد هنا وهناك، ولا
نرى حاجة في تفصيل أسباب ذلك وآثاره هنا، بل نقول: إننا نرى الجهود التي
تصدت لمنهج ابن تيمية في السابق هي هي الجهود التي تحتشد لاجتثاث هذا المنهج
من حياة المسلمين، ولكن هل يمكن ذلك؟ هذا سؤال متروك لأصحاب هذه الحملة
ليجيبوا عليه بالقول الصريح، أو بالفعل المقنع.
وأتباع هذا المنهج لا يدعون العصمة، كما أنه إذا بدا في سلوك بعضهم ما
يغضب غيرهم؛ فماذا في ذلك؟ إن من طبيعة النفس البشرية أن يضيق صدرها
بما يخالف ما هي عليه، والإنسان عدو ما يجهل، وكذلك فإن الخطأ والظلم من
هؤلاء ممكن ومتصور؟ أليسوا بشراً؟ وقد قال الله : [إنَّا عَرَضْنَا
الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا
الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] [الأحزاب ٧٢] .
وإنه «ما من طائفة إلا وفي بعضهم من يقول أقوالاً ظاهرها الفساد. وهي
التي يحفظها من ينفر منهم، ويشنع بها عليهم، وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها» [٩] ... وهذا ما فعله الشيخ البوطي عندما استضافته «رابطة العالم الإسلامي» عام ١٤٠٦ هـ شاكى هو، وكثير من ضيوف الرابطة الذين جاءوا من أوروبا ...
وأمريكا وآسيا وإفريقيا، تشاكوا بمرارة وأسى مشكلة وحيدة هي الخلافات
والخصومات الطاحنة (!) التي تثيرها بينهم جماعة السلفية [١٠] ! هذا ولعله من
رحمة الله بالمسلمين، ومن فضله وستره على السلفيين؛ أننا منذ ذلك التاريخ
المشار إليه - وهو تاريخ حضور الشيخ البوطي لذلك الموسم الثقافي الذي دعت
إليه «رابطة العالم الإسلامي» - لم نسمع بعدها عن شيء مما أشار إليه الشيخ
والشاكون إليه، فها نحن منذ عام ١٤٠٥هـ وإلى الآن - قرب نهاية عام ١٤١١
هـ - نعيش في بلد أوربي فيه عدد لا بأس به من المسلمين من مختلف الأصقاع
والمشارب، لم نسمع عن شيء من هذه «الخلافات والخصومات الطاحنة» التي
يتقلب البوطي منها على مثل جمر الغضا..! وهل على أحد لوم إذا ما ذكرته هذه
العبارة «الطاحنة» بأبيات زهير التي يصف فيها الحرب من معلقته:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ ... وما هو عنها بالحديث المرَجَّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً ... وتَضرَ إذا ضرَّيتموها فَتَضْرَمِ
فَتَعرُكُكُم عَرْك الرحى بثِّفالها ... وتَلْقَحْ كَشافاً ثم تُنْتَجْ فتُتْئِم
وقبل أن نضع القلم نحب أن نتوجه بكلمتين إلى شيخنا البوطي.
الكلمة الأولى:
في الناس من يقرأ لابن تيمية ولغيره، وفيهم من له عقل يستطيع أن يميز
بين السقيم والسمين، وبين النافع والضار، وهذه كتب العلم لم تزل مبذولة تشهد
على كاتبيها، وقد أصبحت منتشرة أكثر والوصول إليها أسهل بحمد الله؛ فمن يا
ترى من العلماء يرشح لنا الشيخ البوطي حتى نتخذ منه نافذة نطل بها على تراثنا
الإسلامي العظيم نقلاً وعقلاً وفهماً واستنباطاً، ومن كتب في مناحٍ المسلمُ أحوج ما
يكون إليها في هذا العصر الهائج المائج؟
سيقول الشيخ: وهل تدعون أن أحداً من العلماء أحاط بكل ما يحتاجه
المسلمون، وأجاب عن كل تساؤل يعرض لهم؟ إذا كنتم تدعون ذلك فقد أبعدتم
النجعة، وبالغتم مبالغة مذمومة، وبلغتم بابن تيمية أو غيره ممن تتعصبون له درجة
لا تطاق ولا تقرون عليها! إن هذا العلم قدر مشترك لكل علماء المسلمين، وكل
منهم ساهم في هذا البناء المتماسك.
فنقول: نعم، لا ندعي لأحد الإحاطة، ولا نغمط أحداً حقه ولا نبخسه ما
وهبه الله، يأبى علينا الإنصاف ذلك، ولكننا - مع اعترافنا لكل ذي حق بحقه -
ننظر إلى ما هو موجود، وإلى نفعه للمسلمين من الجانب العملي، وإلى مردوده
على ما نتطلع إليه من الانتقال بحالهم من التراجع والضعف؛ إلى النظر إلى
المستقبل بثقة وثبات، وإلى تحويل إمكاناتهم من قوة كامنة إلى قوة دافعة، أي كتب
تقترحها علينا نطل من خلالها على الإسلام الصافي بقوة حججه، وسمو أخلاقه،
ووضوح أفكاره، وحرارة الإيمان، وفاعلية العقيدة فيه:
الفتوحات المكية أم اقتضاء الصراط المستقيم؟ !
فصوص الحكم أم منهاج السنة النبوية؟ !
اليواقيت والجواهر أم الصارم المسلول؟ !
إرشاد المغفلين من الفقهاء والفقراء إلى شروط صحبة الأمراء! أم السياسة
الشرعية؟ !
الكبريت الأحمر وشرح وصية المتبولي أم درء تعارض العقل والنقل [١١] ؟
الكلمة الثانية:
هناك مجال ما أجداه على الدعوة الإسلامية لو اقتحمه الشيخ البوطي، فبدلاً
من اقتصاره على الحديث ناقداً ومشنعاً على إخوانه أتباع الكتاب والسنة، وشنه هذه
الحملات المتكررة عليهم في داخل بلده وخارجه؛ حبذا لو خرج من هذه الدائرة
المغلقة والتفت إلى تربية الدعاة والاهتمام بنشر العلم الشرعي الذي استؤصلت
معالمه بشكل مقصود وأساليب ملتوية مفضوحة، إلا بقايا من الجهود الفردية التي لا
تفي بالحاجة ولا تقوى على التحديات المحيطة، وإن في إمكانات الشيخ البوطي -
«التي لا نحب أن نرتاب فيها» - البركة، فهو في حال - من البحبوحة الكلامية، وحرية التحرك - يغبطه عليها الكثير، وله قدم صدق عند أصحاب الحل والعقد،
فلم لا يستثمر هذه الفرصة بما يعود على الإسلام والمسلمين بالخير، وينشِّط
«الصحوة الإسلامية» التي نوه بها بقوله مرة: «إن معين الصحوة الإسلإمية من الشام، وهي من الشام تنتشر، وسرها في الشام، وقد كان ذلك فيما مضى، واليوم، وسيبقى بعد اليوم» [١٢] . بشره الله بالخير، ولو أزال الشيخ الغموض الكامن في عبارة «وسرها في الشام» لأجاد وأفاد، ووفى بالمراد، ولشكر له المنتظرون سماع هذه التطمينات شكراً لا مزيد عليه. وكذلك قوله الآتي في كلمته تلك فيه غموض يحتاج إلى تفصيل وشرح، ولا يقدر على ذلك سواه - حفظه الله - فهلا فعل؟ ! يقول:
«إن المكائد تضاعفت ليس من أفراد فقط أو جماعات؟ بل من حكومات
تعادي الإسلام ... وإذا كانت الشام منبع أعداء الإسلام فلتنهض الشام نهضتها،
ولينهض الشعب متعاوناً مع رئيسه» [١٣] . كيف يكون معين الصحوة في الشام؛
ومنبع أعداء الإسلام من الشام؟ ! ومن الأفراد، ومن الجماعات، ومن الحكومات
التي تعادي الإسلام؟ ولم لا تضع دليلاً يستخدمه أهل الشام لاكتشاف هؤلاء الأفراد، والجماعات، والحكومات؟ ! كل ذلك يحتاج إلى تجلية وبيان من أجل النشء
الذي وقفت جهودك لتوعيته، لتستبين سبيل المجرمين. فضع إصبعك على
الجروح الناغرة يا شيخ، ولا تخف، وخذِّل عن المسلمين، ولا يكن همك كهمِّ
المتنبي فقط؛ ضيعة أو ولاية [١٤] ، فما أنت فيه خير من الضيعة أو الولاية،
وكن على ذكر من كلمة إبراهيم بن أدهم أو غيره: «لو يعلم الملوك ما نحن فيه
لجالدونا عليه بالسيوف» . واعتبر بأصحاب الضيعات حواليك - ضباع تتهارش
على الجيف في العاجلة، وتذهب - مخلفة روائح الجيف ورائها - إلى الآجلة.
*انتهى*
стр. 879
من أدب الأخوة
عبد الرحمن العقل
للأخوة أدب جمّ وخلق رفيع ارتقاه سعيد بن العاص، فقال: «إني لأكره أن
يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه» [١] .
وللأخوة آداب تمنح الأخوة رونقاً وبهاءً وجمالاً..
فمن هذه الآداب:
١- الابتعاد عن الإطراء وترك المدح:
حذر الرسول ﷺ من الإطراء والمدح، صيانة للأفراد
من الغرور والإعجاب بالنفس، وصيانة للعلاقات الأخوية، وحفاظاً على المجتمع
الإسلامي، عن أبي موسى قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يثني
على رجل ويطريه في المدح فقال: «أهلكتم - أو قطعتم - ظهر الرجل» [٢] .
بل إن من لوازم الأخوة ترك الثناء والمدح. قال عبد الرحمن بن مهدي:
«إذا تأكد الإخاء سقط الثناء» [٣] . وقال الحجيي لرجل: «حبي لك يمنع من الثناء عليك» [٤] .
٢- الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية:
فاحتلافك مع أخيك في الرأي لا يؤثر على مودته في قلبك، ولك في الإمام
أحمد قدوة، يقول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - عن الإمام اسحاق بن راهويه:
«لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في
أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً» [٥] .
«إنه التمازج الروحي والأخوة الحقة بين المؤمنين التي يلتمس فيها المؤمن
الحقيقة عند أخيه وإن كان له مخالفاً» [٦] .
٣- فن الاستماع:
تظهر لأخيك تلذذك بحديثه، ولا تصرف بصرك عنه، ولا تقاطعه في حديثه، حتى ولو كنت تعلمه. يقول الإمام سفيان الثوري - رحمه الله تعالى -: (إن
الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته قبل أن تلده أمه، فيحملني حسن الأدب أن
أسمعه) [٧] .
٤- لا انتقام ولا تشفٍ:
موقف رائع بين القاضي سعيد بن سليمان المساحقي المالكي والقاضي ابن
عمران الطلحي.. يصوره ابن الماجشون بقوله: «شهد سعيد بن سليمان عند ابن
عمران الطلحي وهو قاض، فرد شهادته، فلما ولي سعيد شهد عنده ابن عمران،
فنظر سعيد في شهادته ففكر قليلاً ثم قال لكاتبه: أَجِزْ شهادته يا ابن دينار، فإن
المؤمن لا يشفي غيظه» [٨] .
٥- ترك التكلف:
«حتى لا يشعر الأخ أنه غريب عن أخيه، ولا يلجئه إلى الاعتذار دائماً،
بسبب هفوة صغيرة، وكلمة عابرة، ويحاسبه على النقير والقطمير، وليتذكر قول
الشاعر:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟ [٩]
وكان جعفر بن محمد الصادق يقول:» أثقل إخواني علي: من يتكلف لي
وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي « [١٠]
٦ - الهدية:
الهدية.. سهم صائب يقع في القلوب مباشرة..
كم منقبض أثرت فيه الهدية، وكم من تائه قربته الهدية، وكم من حاقد ألفته
الهدية، لها تأثير عجيب وعجيب. وكما قيل: الهدية هي السحر الظاهر.
* تأثير الهدية:
» قال سفيان: لما قعد أبو حنيفة، قال للناس مُساور الوراق:
كنا من الدين قبل اليوم في ... سعة حتى بلينا بأصحاب المقاييس
قوم إذا اجتمعوا صاحوا كأنهم ... ثعالب ضبحت بين النواويس
قال: فبلغ ذلك أبا حنيفة، فبعث إليه بمال، فقال مساور - حين قبض المال -: ...
إذا ما الناس يوماً قايسونا ... بآبدة من الفتيا طريفة
أتيناهم بمقياس صحيح ... مصيب من طراز أبي حنيفة
إذا سمع الفقيه بها وعاها ... وأثبتها بحبر في صحيفة [١١]
وللهدية أثر واضح في تصفية القلوب من الأدغال والأحقاد، يقول الرسول -
ﷺ «تهادوا تحابوا تذهب الشحناء» [١٢] .
٧- الدعاء بظهر الغيب:
لقول الرسول ﷺ : «دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب
مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا له بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك
بمثل» [١٣]
* أبا حمدون لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة؟
عن عبد الله بن الخطيب: «أن الطيب بن إسماعيل أبا حمدون وهو أحد
القراء المشهورين كانت له صحيفة فيها مكتوب ثلاثمائة من أصدقائه، وكان يدعو
لهم كل ليلة فتركهم فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون لِمَ لم تسرج مصابيحك
الليلة؟ ، قال: فقعد فأسرج، وأخذ الصحيفة فدعا لواحد واحد حتى فرغ» [١٤] .
وقال أحد الصالحين: «أين مثل الأخ الصالح؟ إن أهل الرجل إذا مات
يقسمون ميراثه ويتمتعون بما خلف، والأخ الصالح ينفرد بالحزن، مهتماً بما قدم
أخوه عليه، وما صار إليه يدعو له في ظلمة الليل، ويستغفر له وهو تحت أطباق
الثرى» [١٥] .
٨- لا تزيد الصلة ولا تنقص بالانقطاع:
والأخوة الصادقة ثابتة لا تتغير مع مضي الوقت فلا تزيد بالبر والصلة، ولا
تضعف أو تتلاشى بالانقطاع والجفاء.
يقول يحيى بن معاذ الرازي: «حقيقة المحبة أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص
بالجفاء» [١٦] . وعدم رؤية الإخوان لبعضهم، وانقطاعهم عن بعض لا يسوغ
الهجر ولا اختلاف القلوب. عن اسحاق قال: «كان بين عبد الرحمن بن مهدي
ويحيى بن سعيد القطان مودة وإخاء فكانت تمر السنة عليهما لا يلتقيان، فقيل
لأحدهما في ذلك فقال: إذا تقاربت القلوب لم يضر تباعد الأجسام» [١٧] .
وكذلك ما روي أن يونس بن عبيد «أصيب بمصيبة فقيل له: ابن عوف لم
يأتك؟ فقال: إنا إذا وثقنا بمودة أخينا لم يضره أن لا يأتينا» [١٨] .
* مودة مدخولة:
فكل أخوة تزداد بالالتقاء وكثرة المجالسة فهي تحتاج إلى إعادة نظر، يقول
الحسن بن صالح: «كل مودة لا تزداد إلا بالالتقاء مدخولة» [١٩] .
٩- لا ترفع أخاك فوق منزلته:
ومن أدب الأخوة أن تضع أخاك في مكانه المناسب، حتى تصفو الأخوة
وتدوم، قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما رفعت أحداً فوق منزلته إلا وضع مني
بقدر ما رفعت منه» [٢٠] .
*ابن حزم يحذرك:
يقول ابن حزم - رحمه الله تعالى -: «أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس
فيك، لأنه نبه على نقصك، وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك، لأنه نبه على
فضلك، ولقد انتصر لك من نفسه بذلك، وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة» [٢١] .
١٠- بين الانقباض والانبساط:
فكن مع الناس بين المنقبض والمنبسط، فلا تخض مع الخائضين ولا تنعزل
مع المنعزلين، كما قال الشافعي: «الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة،
والانبساط إليهم مجلبه لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط» [٢٢] ،
وكذلك الأخ مع إخوانه لا ينبسط معهم انبساطاً يذهب فيه الاحترام ويقل فيه الأدب،
ولا ينقبض عنهم انقباضاً يشعرون معه بالجفوة، ويحسون بحاجز يمنعهم من
الاقتراب منه وتحقيق معاني الأخوة معه فهو بين بين..
١١- الصبر واحتمال الأذى:
إن خلق الضجر، وعدم الصبر والتحمل بين الإخوان هو طريق للتفرق
والاختلاف، وطريق لزوال الإخاء والود.. ولهذا كان احتمال الأذى من أدب
الأخوة.
* بضاعة الصديقين وشعار الصالحين:
«وأما احتمال الأذى فهو الصبر ولكنه أشق، وهو بضاعة الصديقين،
وشعار الصالحين، وحقيقة أن يؤذى المسلم في ذات الله فيصبر
ويتحمل، فلا يرد السيئة بغير الحسنة، ولا ينتقم لذاته، ولا يتأثر لشخصيته؛ ما
دام ذلك في سبيل الله، ومؤدياً إلى مرضات الله، ولم يبتل في طريقه إلى الوصول
إلى الله..» [٢٣]
١٢- مراعاة النفسيات:
النفس البشربة كالبحر، تارة يكون هادئاً راكداً، وتارة يكون هائجاً متلاطماً،
فوجب مراعاة هذه النفس ومعرفة تقلباتها وتحولاتها.. والنفوس تختلف باختلاف
أصحابها فما يصلح لهذه لا يصلح للأخرى، ولله در شبيب بن شيبة حينما قال:
«لا تجالس أحداً بغير طريقه، فإنك إذا أردت لقاء الجاهل بالعلم، واللاهي بالفقه، والغي بالبيان آذيت جليسك» [٢٤] .
١٣- لا تكن جافاً:
فلا تكن جافاً في تعاملك الأخوي ولا بليداً لا يتحرك لك وجدان، فإذا ما أخطأ
عليك أخوك، وجاء يستسمحك فلا تشمخ بأنفك؛ لكي لا ينطبق عليك وصف الإمام
الشافعي.. يقول الربيع: سمعت الشافعي يقول: «من استغضب فلم يغضب فهو
حمار، ومن استرضي ولم يرض فهو حمار» [٢٥] .
١٤ - لا تكن ثقيلاً:
وهذا أدب ظرفي يضفي على الأخوة طابعاً جميلاً..
وحقيقته: خفة في النفس ولباقة في التعامل ومراعاة لظروف الإخوان
ومشاعرهم، فلا يكون ثقيلاً في زياراته وفي أفعاله وكلماته.
* المؤمن قد يكون ثقيلاً:
الثقل صفة لا علاقة لها بالإيمان وعدمه. «سئل جعفر بن محمد عن المؤمن، هل يكون بغيضاً؟ قال: لا يكون بغيضاً، ولكن يكون ثقيلاً» [٢٦] .
* الثقلاء عند العلماء:
«قال الحسن البصري في قوله تعالى: [فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا] [الأحزاب
٥٣] قال:» نزلت في الثقلاء « [٢٧] . وكان حماد بن سلمة إذا رأى من يستثقله، قال: [رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ] [٢٨] [الدخان ١٢] .
وقال ثقيل لمريض: ما تشتهي؟ قال: أشتهي ألا أراك. وإن كنت تصرّ
على مخالفة هذا الأدب.. فاصبر على مخاطبة الشاعر:
... أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل
أنت في النظرة إنسان ... وفي الميدان فيل [٢٩]
١٥- عدم مواجهة الأخ بالعتاب:
وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه باباً بعنوان: من لم يواجه الناس بالعتاب. وعن عاثشة ﵂ قالت: صنع الرسول ﷺ
شيئاً فرخص فيه فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فخطب، فحمد الله ثم قال:» ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني
لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية « [٣٠] .
ورسولنا ﷺ هو ألطف الناس وأحسنهم خلقاً، لم يفضحهم
على رؤوس الخلائق، بل عاتبهم وأنبهم من غير جرح لمشاعرهم وأحاسيسهم.
ولا يفهم من فعل الرسول ﷺ ترك العتاب، بل يفهم:
عدم المواجهة، يقول ابن حجر ﵀:» أما المعاتبة فقد حصلت منه بلا
ريب، وإنما لم يميز الذي صدر منه، ستراً عليه، فحصل منه الرفق من هذه
الحيثية لا بترك العتاب أصلاً « [٣١] .
стр. 880
خواطر في الدعوة
حسداً من عند أنفسهم
محمد العبدة
من الشبه التي يرددها أعداء الإسلام كثيراً، بل قد تنقدح في نفس المسلم
أحياناً، هي شبهة التفرق وشدة الخصام والجدال، يقولون: إذا كان الإسلام هو
الحق الذي لا ريب فيه، فلماذا هذا التشتت وهذه الكثرة من الفرق، والمسلم
الضعيف يقول: لماذا لا نجتمع ولو على أي شكل من الأشكال وندع هذا الخصام
والأخذ والرد ونستريح من هذه المشاكل.
وللرد على هذه الشبه نقول: لابد أن يعلم المسلم أن الشيء الثمين والتحفة
النادرة تغري بالحسد والعداوة، فكيف إذا كان هذا الشيء سلعة معنوية وليست مادية؟ والإسلام في غاية الحسن والكمال، فعندئذ تنبعث النفوس التي ملئت بالحقد على الإيقاع به من الداخل، والتلبيس على المسلمين، ومحاولة التحريف والتبديل، حتى لا يبقى جوهر الإسلام صافياً.
لقد شَرِقَ اليهود والنصارى والفرس بحمل العرب لهذا الدين ونشره في الآفاق، وهيمنته على سائر الملل والنحل، وهو من الوضوح والقوة الداخلية فيه أن نوره
يبهر الأبصار، عندئذ كثرت سهامهم إليه وكثرت المؤامرات التي تريد اقتلاعه،
وجاس عبد الله بن سبأ وأتباعه خلال الديار، وانتشرت الباطنية تتستر بالإسلام،
وتأثر بهم أصحاب الأهواء أو ضعاف العقول فكثرت الفرق، وإذا كان الإسلام قد
أزاح عروشاً سياسية فإنه أزاح أيضاً رئاسات دينية من الكهنة والأحبار، خدعوا
الشعوب وأكلوا أموال الناس بالباطل، وهؤلاء حقدهم أشد، وعداوتهم أقوى، كل
هؤلاء قاموا بإثارة الشبهات فتلقفها ضعاف الإيمان فكثر الخلط، وأما المسلمون
الضعاف الذين لا يدفعون الشبهات بالإيمان القوي والثقة بهذا الدين أو النظر إلى
مواقع القدر الشرعي والكوني؛ هؤلاء الذين يتمنون في داخل أنفسهم أن لو يجتمع
المسلمون تحت اسم (الإسلام) ، ولو كان أحدهم يحمل من البدع الكبيرة والصغيرة
ما يصل إلى درجة الكفر، هؤلاء نقول لهم كما قال أحد العلماء:
«إن الحق لا ينقلب باطلاً لاختلاف الناي فيه، ولا الباطل يصير حقاً لاتفاق
الناس عليه، وسلامة الإنسان عن الخطأ ليس بمطموع فيه، ولكن الطمع في أن
يكثر صوابه» ..
стр. 881
تراث
أوقفوا هذا العبث !
محمد عبد الله آل شاكر
إن تراث كل أمة من الأمم هو ما يتناقله الخلف عن السلف، من علوم
ومعارف متنوعة، في الدين والفكر والأخلاق، وفي سائر جوانب الحياة العلمية.
وكل أمة من الأمم التي تعنى بحضارتها؛ تعتز بتراثها، وتقف حياله وقفة
إكبار وإجلال؛ فهو يربط حاضرها بماضيها بسلسلة من النسب العريق. ولذلك
يحتل مكانته التي تليق به، وتسمو مكانة هذا التراث وتعظُم أكثر عندما يتصل
بعقيدة الأمة وفكرها الديني، ويقوم على الوحي الإلهي مصدراً وغاية. وعندئذ
يكون من حق هذا التراث على أبناء الأمة الغيورين، أن يحافظوا عليه، فيصدُّوا
عنه غارات المغيرين، وينفوا عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال
المبطلين؛ وأن يأخذوا على أيدي العابثين الذين يعملون فيه معاول الهدم والتخريب، شعروا وقصدوا ذلك أو لم يشعروا أولم يقصدوا.
وقد كان ذلك؟ فهيأ الله تعالى لتراث أمتنا حراساً أمناء، اعتنوا به عناية فائقة، وقاموا بجهود كبيرة مشكورة، يدفعهم إلى ذلك: إيمان بقدسية هذا التراث،
وغيرة على منهج الأسلاف.
ومع النهضة المعاصرة والصحوة الإسلامية التي تفتحت عليها أعين الجيل،
اشتدت العناية بالتراث، والذي يتابع حركة النشر وما تدفعه المطابع، يجد كمّاً
كبيراً أو سيلاً من المطبوعات، يدفع إلى إبداء بعض الملاحظات التي لا يخطئها
النظر. أحببت أن أعرضها على قراء «البيان» لعلهم يرون فيها رأياً، أو
يصححون فيها خطأ، أو يشاركون بجهد.
والذي آمله من الإخوة القراء وغيرهم: أن يكون مستقراً في الأذهان؟ أن
هذا لا يعني انتقاصاً - بأي حال من الأحوال - لجهد طيب يبذله مؤمنون صادقون، يعرفون للكلمة قدسيتها، وللتراث قيمته، فيعكفون على خدمته: دراسة وإشاعة
في الأمة، في حلة زاهية وثوب قشيب، بعد جهد ومعاناة، يتعانق فيهما الشكل مع
روعة المضمون.
كما لا يعني إبداء هذه الملاحظات - أو النصائح - أن كاتبها يجعل من نفسه
حكماً على غيره، يقوِّم أعمالهم وجهدهم.
ولكنها ملاحظات على ظواهر نراها بارزة، ونسعى للتخلص منها؛ تجويداً
للعمل وتصويباً للطريقة.
ولست في هذا بمبتدع، فقد سبق كثير من الباحثين والكتاب الأفاضل، برصد
بعض الظواهر وإبداء ملاحظاتهم، ورفعوا عقيدتهم بصيحات مخلصة -إن شاء الله
تعالى - تهدف إلى وقف الخطر على تراثنا.
تجد هذا في ما تقرؤه في كتاب «التعالم، وأثره على الفكر والكتاب»
لفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، وفي «أخطار على المراجع العلمية لتراث
أئمة السلف» للشيخ عثمان عبد القادر الصافي، وفي مقالات بمجلة «البيان»
الغراء، آخرها في العدد السادس والثلاثين. فعزز ذلك عندي إبداء هذه الملاحظات
التي تتبعتها وسجلتها منذ سنوات، ولعلها تكاملت في معظمها الآن، فعلى بركة الله
وتوفيقه نعرضها على الإخوة الكرام.
«التحقيق» : بذل عناية خاصة بالمخطوط لتقديمه صحيحاً كما وضعه
مؤلفه. وتكاد كلمة المحققين والمعنيين بالتراث تُجمِع على أن الجهود التي تبذل في
كل مخطوط يجب أن يتناول البحث فيها: أولاً تحقيق عنوان الكتاب، ثم تحقيق
اسم المؤلف، ونسبة الكتاب إلى مؤلفه، ومن بعد: تحقيق متن الكتاب [١] ، ولكن
هذه القاعدة المسلَّمة أو البديهة، يضرب بها بعض المحققين عرض الحائط،
ويجعلونها تحت أقدامهم، ودبر آذانهم، فيبيحون لأنفسهم تغيير اسم الكتاب وعنوانه، ويستبدلون به اسماً آخر موهماً، مع أن الكتاب قد عرف منذ قرون واشتهر باسمه
الصحيح، فيأتي محقق مجتهد ومعلق بارع، يجانبه الصواب، ويجانب الأمانة
العلمية والخلق الإسلامي، فيعدو على تراث الأمة وحقوق العلماء، فيعمل في
مؤلفاتهم تشويهاً وتحريفاً.
والأمثلة على ذلك كثيرة تعزُّ على الحصر وهذه إشارة إلى بعضها:
* للعلامة بدر الدين بن عبد الله الشبلي (توفي ٧٦٩ هـ) كتاب أسماه:
«آكام المرجان في أحكام الجان» وهو منذ سبعه قرون معروف بهذا الاسم
بين العلماء وطلبة العلم، وفي فهارس الكتب باسمه كاملاً ومختصراً. ومنذ سنوات
ظهر في سوق الكتب كتاب بعنوان تجاري يستهوي الباحثين عن العجائب والغرائب
في عصر العجائب الكثيرة التي نعيشها اليوم. هو «غرائب وعجائب الجان كما
يصورها القرآن والسنة» ، تحقيق وتعليق إبراهيم الجمل، (مكتب الخدمات
الحديثة بجدة، عام ١٩٨٢م) ، وكأن القرآن الكريم أنزله الله تعالى ليكون كتاب
عجائب وغرائب، وكذلك وردت السنة النبوية!
والذي يتبادر للذهن أنه كتاب غير الكتاب الأول بكل تأكيد، للمفارقة التامة
بين العنوانين، فالأول أحكام، والثاني عجائب.. وهذا يدفع لاقتناء الكتاب،
وخاصة لمن يتابع القراءة في مثل هذه الموضوعات أو يبحث فيها. ثم يفاجأ بأن
الكتاب نفسه عنده بعنوان آخر.
ولن تحتاج إلى جهد كبير لتقف على معرفة الجاني الذي عدا على الكتاب
بالمسخ وتغيير هويته، فستطالعك مقدمة محقق الكتاب بكل صراحة ووضوح:
«.. فغيَّرنا اسمه إلى: عجائب وغرائب.. ليلائم روح العصر» . (أقول: لا عجب أليس الإسلام ملائماً وصالحاً لكل عصر؟) وهذا التعليل أَعْجَبَ ناشر الكتاب
فقال مادحاً المحقق، مزكياً عمله: «وقد أحسن المحقق (!) إذ عدَّل في عنوان
الكتاب فجعله: غرائب وعجائب الجان.. حتى يعكس العنوان حقيقة المصدر الذي
اعتمد عليه المؤلف، فيطمئن القارئ إلى أنه سيقرأ كتاباً مستمداً من نور القرآن
الكريم والسنة المطهرة، خالياً من الشعوذة والخرافات التي عمّ انتشارها عن الجن
وأحوالها وعلاقتها بالناس» ! !
ولست أدري - ولا أخال عاقلاً يدري - كيف يطمئن القارئ إلى ما يقرأ،
وكيف يثق بالنص أمامه وهو يجد الإقرار على التحريف والتزوير الذي سماه
المحقق «تغييراً» ، وسماه الناشر «تعديلاً» ، كيف يطمئن لصحة النص وهو
يجد ذلك منذ وقعت عينه على غلاف الكتاب ثم على الورقة الداخلية، ويجد الإقرار
ممهوراً بتوقيع الجاني وشهادة الناشر!
فهل يظن حضرة المحقق أو الناشر أن هذا التراث نهب لكل من أراد، أو أنه
مزرعة آلت إليه ملكيتها بالإرث من أحد آبائه، وهو الوارث الوحيد، فله الحق أن
يفعل فيها ما يشاء دون رقيب أو حسيب؟ فماذا لو كان هناك وارث آخر وبدا له أن
يغير العنوان مرة ثانية (لأنه شريك في التركة) بعد سنوات ليكون ملائماً «لروح
العصر» أيضاً؟
ثم ما هذا التدليس والتغرير بالقراء بهذه العبارة: «كما يصورها القرآن
والسنة» ، أهي متاجرة بالدعوة للعودة إلى المصادر الأولى: الكتاب والسنة، بين
جيل الصحوة الذي يجد في هذه الدعوة تحقيقاً لأمله؟
أما اطمئنان القارئ إلى أنه سيقرأ كتاباً معتمداً على الكتاب والسنة، فيكفيه أن
يكون الكتاب عنوانه «أحكام الجان» فإن الأحكام في الإسلام مستمدة من الكتاب
والسنة والمصادر التبعية الأخرى، بينما العجائب والغرائب التي حشرها المحقق
ليست كذلك. فما كان جديراً بالمحقق ولا الناشر أن يتاجرا بهذا الكلام ويطمسا
الحقيقة. وأي شعوذة أو خرافة أكثر من هذا العمل في علاقتها بهذا الكتاب!
* وليس هذا الكتاب الوحيد الذي يتلاعب «الأستاذ الجمل» به، فيبدو أنه
استمرأ العملية هذه واستملحها، وساعده على ذلك ناشرون آخرون، فإن ابن غانم
المقدسي له كتاب اسمه: «مجموع منتخب في مصايد الشيطان، وذم الهوى»
فسطا عليه المحقق وعبث فيه، فجعل عنوانه: «مصائد الشيطان وذم الهوى،
مختصر إغاثة اللهفان لابن القيم» لابن غانم المقدسي (مكتبة القرآن، القاهرة،
١٩٨٢ م) .
وبالتأكيد لم يكن هذا سهواً أو جهلاً بحقيقة اسم الكتاب، بل كان عن عمد
وقصد، والشهادة على هذا بالزنكوغراف في الكتاب وفي صورة الصفحة الأولى
من المخطوط، والعنوان واضح فيها وضوح الشمس في رابعة النهار!
* للحارث بن أسد المحاسبي كتاب اسمه «العقل، وفهم القرآن» وقد نشره في بيروت الدكتور حسين القوتلي، (دار الكندي ١٤٠٢ هـ) ولكن محقَّقاً آخر هو- الأستاذ أحمد عطا، نشر الكتاب ثانية في القاهرة بعنوان:
«المسائل في أعمال القلوب والجوارح والعقل» تضمن كثيرً من السهو والخطأ
والاجتهادات الشخصية في تغيير النص.. ويستطيع القارئ اكتشاف ذلك كله بالمقارنة بين النشرتين للكتاب. (مقدمة القوتلي ص ٧) .
* ثم ظهر كتاب آخر للإمام الآجري ﵀ بعنوان: «أخلاق أهل
القرآن» محققاً في بيروت بإشراف المكتب السلفي لتحقيق التراث (!) وعنوانه
الصحيح الذي وضعه له المؤلف «آداب حملة القرآن» وحقَّقه تحقيقاً نفيساً وقدم له
بدراسة قيمة فضيلة الدكتور عبد العزيز القارئ، وجدير بالقارئ أن يقرأ ما كتبه
الدكتور عبد العزيز في هذا المجال عن الكتاب وعن تحقيقه. وحسبنا هنا هذه
الإشارة.
ومنذ زمنٍ وجدنا الشيخ محمد منير الدمشقي ﵀ يرفع عقيرته
بالشكوى من «العوام الذين يقرؤون ويكتبون وليسوا بعلماء ولا متعلمين، وهؤلاء
كثيرون جداً في جميع الممالك الإسلامية والبلاد العربية، وهم أغلب باعة الكتب
التي تروج بين غالب أهل الإسلام، وهؤلاء أهل مادة فقط، فكلما أرادوا نشر كتاب- كثر طلابه وتكرر استجلابه وقامت سوقه - تهافتوا عليه تهافت الفراش بدون
نظر لنفعه أو ضرره، وصحته أو سقمه، حتى إنهم ربما نسبوا الكتاب إلى غير
مؤلفه أو غيروا اسمه، وزيد عليه اسم آخر مخترع، يرغب سامعه ويشوق شاهده، وليس بغريب من أمثال هؤلاء العوام مثل ذلك، بل الذي يعجب منه ويستهجن:
إقرار العلماء على ذلك وإصرارهم على السكوت وعدم التعرض لذلك كتابة ونشراً،
ولو نبه العلماء على ذلك وبينوا أن هذا خيانة وتصرف فيما للغير بغير إذنه لا
يجوز بحال، لارتدع الناشر والطابع والمنفق، ولما تجاسر أحد على أمثال ذلك،
وإذا لم يكن العلماء يحافظون على مثل هذا وينبهون عليه، فمن المكلَّف بذلك؟»
(انظر كتابه: نموذج من الأعمال الخيرية ص ٧٨) .
وللحق لم يكن عمل هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ باسم التحقيق الذي يتبجح به
الناس اليوم، وإنما كان الدافع لهم الحرص على التجارة الخاسرة أو الجهل والعامية، فما بال محققي القرن العشرين اليوم؟ ! ثم إن أولئك عوام وهؤلاء متعلمون!
ثم يفْجَأ القارئ أو طالب العلم، بعد ذلك، عناوين جديدة لعلماء معروفين،
فيظنها كتباً جديدة تنشر للمرة الأولى، فيسارع إلى اقتنائها فيجد عجباً، إذ هي
منتزعة من كتب أخرى أو مسلوخة منها سلخاً، طبعت في كتاب مستقل بعنوان
جديد، فيقال مثلا: «خصائص يوم الجمعة» تأليف شمس الدين محمد بن أبي
بكر بن قيم الجوزية. هكذا: «تأليف» ، باللفظ الصريح دون الكناية أو التلميح.
وعندئذ يقطع الناشر أو المحقق قول كل قائل، إذن فالكتاب بهذا الشكل والمضمون
كتاب من تأليف فلان. ويمضي هذا التدليس دون أي إشارة إلى ذلك على غلاف
الكتاب أو صفحة العنوان الداخلية، وقد تجد شيئاً من هذا أحياناً في المقدمة على
خجل واستحياء، أو على خوف من اكتشاف التلاعب وبوار الكتاب. وقد لا تجد
هذا ولا ذاك، فتعرف الحقيقة بمجرد الاطلاع على الكتاب ومعرفة كتب المؤلف.
وهذا العمل فيه تدليس وتلبيس على القارئ، ونسبة كتاب جديد لمؤلف لم
يكتبه بهذا العنوان أو الشكل، فكأنه ينسب لرجل ولداً جديداً لم يلده!
ونجد كثيراً من الأمثلة على هذه البدعة الجديدة، يتأكَّل فيها بعض «المحققين» و «الناشرين» و «المشرفين» بأسماء أعلام كبار كابن تيمية، وابن القيم، وابن
حجر، والغزالي، والرازي وغيرهم، ويتولى كِبْرَ هذا العمل الخاطئ أصحاب
مكتبات يستغلون أسماء لها مكانتها ووقعها في نفوس المسلمين، ويشوهون بذلك
صورتهم الوضيئة في نفوس الناس، لارتباط هذا العبث باسمهم، فتجد «مكتبة
الصحابة» «مكتبة التراث الإسلامي» ، «المكتبة القيمة» .. وانظر ما شئت
من هذه الأسماء التي تزين أغلفة الكتب «المسلوخة» بأقلام «أبي فلان»
و «أبي علان» (عفا الله عنهما) .
وحتى لا يظن أحد أنني ألقي الكلام على عواهنه، أسوق بعض الأمثلة لهذه
التآليف المزعومة:
* «كتاب التوبة» تأليف ابن قيم الجوزية، تحقيق صابر البطاوي مكتبة دار
السنة، الدار السلفية للنشر، بالقاهرة الطبعة الأولى ١٤١٠هـ. وهو من كتاب
«مدارج السالكين» المطبوع في ثلاثة أجزاء.
* «خصائص يوم الجمعة» تأليف ابن القيم، المكتبة القيمة بالقاهرة وهو
فصل من «زاد المعاد» .
* «حكم الإسلام في الغناء» لابن القيم. وعليه اسم: أبو حذيفة إبراهيم بن
محمد (وهذه المرة ليس فيها كلمة تحقيق ولا جمع ولا إعداد) مكتبة الصحابة
(رضوان الله عليهم) طنطا ١٤٠٦ هـ. وهو فصل من كتاب «إغاثة اللهفان» .
* «معجم التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية» لابن القيم (أيضاً) مكتبة
التراث الإسلامي لصاحبها عبد الله حجاج، ويبدو من المقدمة أنه الذي فعل ذلك
فقال بعد أن ذكر كتاب «الطب النبوي» : قال: «.. سلخت (ما شاء الله على
هذا السلخ!) منه هذه المفردات الطبية التي وردت على لسانه -صلى الله عليه
وسلم- ... » الخ.
* «السحر والكهانة والحسد» ، للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، جمع
وإعداد عبد الله حجاج - هو نفسه - مكتبة التراث الإسلامي. وهو مأخوذ من
أبواب عدة من كتاب «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني
﵀.
* «المسيح الدجال وأسرار الساعة» تأليف العلامة محمد السفاريني، مكتبة
التراث الإسلامي، الناشر عبد الله حجاج (شاطر يا حجاج) .
وكلمة تأليف تعني أنه ألّف كتاباً بهذا الاسم، وهذه هنا أكثر تدليساً. وهو
مأخوذ من الجزء الثاني من كتاب «لوامع الأنوار البهيَّه» للسفاريني ص ٦٥ وما
بعدها. ولم يُشر حضرة الناشر إلى ذلك.
وكذلك أُخذت فصول ومباحث كثيرة من «إحياء علوم الدين» للغزالي،
و «التفسير الكبير» للفخر الرازي.. ونشرت بكتب مستقلة مثل «الموت وعذاب
القبر» ، و «السحر وحقيقته..» الخ، حتى طال الأمر، وعجزت عن تتبع
ذلك كله، مما ينبئ أن في الأمر خطورة وإلى الله المشتكى.
وليس هذا كل ما في الأمر، فإن هناك ملاحظات أخرى يضيق عنها المجال
الآن، فلنرجئها إلى مقال آخر، بإذن الله تعالى.
стр. 882
اجتماع
علماء الاجتماع والعداء للدين
وللصحوة الإسلامية
(١)
د. أحمد إبراهيم خضر
لماذا يعادي رجال الاجتماع في بلادنا الدين والصحوة الإسلامية وحركاتها؟
إن موقف علماء اجتماع الغرب المعادي للدين بصفة عامة، وللإسلام
وللصحوة الإسلامية وحركاتها بصفة خاصة لا يحتاج إلى مزيد عناء للكشف عن
أسبابه ودوافعه. أما أن يعادي رجال الاجتماع في بلادنا دينهم والصحوة الإسلامية
في بلادهم، فإن هذا الأمر يحتاج إلى وقفات.
أشاد رجال الاجتماع في بلادنا بما قام به أتاتورك فيما يسمونه بعملية تخليص
الشؤون الدنيوية من الدين بمنع التربية الدينية في المدارس، واعتماد القانون
الأوربي بعد إلغاء الشريعة الإسلامية، وتأميم الأوقاف، وتقليص قوة علماء الإسلام، ومنع أي إشارة إلى الإسلام في الدستور [١] ، ورأوا في ذلك إنجازاً كبيراً رسم
لهم طريقاً رائداً في تخريب النسيج الاجتماعي في عالمنا العربي [٢] .
وبينما استمر رجال الاجتماع في المشاركة في عملية تخريب النسيج
الاجتماعي في بلادنا باغتتهم الصحوة الإسلامية وحركاتها التي عمت كل المجتمعات
العربية بلا استثناء، واستهدفت إعادة تركيب النسيج الاجتماعي بصورة مكثفة وفق
المقياس الأوحد والمعترف به وهو الإسلام.
يقول علي الكنز أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر: (وفي هذا السياق نجد
بأن الموقف يستهدف إعادة تركيب البنى الاجتماعية والسياسية في المجتمعات
العربية وكذلك الذهنيات الجمعية والفردية وفق منظور محوري وهو الإسلام.. هذه
الحركة الجديدة التي تخضع لها المجتمعات العربية دون استثناء تشكل في الأساس
عملاً داخلياً مرتبطاً بهذه المجتمعات، ومستهدفة إعادة تركيب نسيجها الاجتماعي
بصورة مكثفة، وفق المقياس الأوحد المعترف به وهو الإسلام. وتتسم هذه الحركة
الجديدة في بنيتها وفي تطورها مع بعض الاختلافات الطفيفة بالمميزات الأساسية
نفسها في مختلف المجتمعات العربية) [٣]
وحينما أفاق رجال الاجتماع في بلادنا من صدمة مباغتة الصحوة الإسلامية
لهم تساءلوا أين كانوا وقت حدوثها؟ لم يكن رجال الاجتماع على امتداد عالمنا
العربي يتوقعون هذه الصحوة، كانوا يعتقدون أن تجارب التنمية في هذا العالم وما
يسمون بانتصاراته الوطنية قد شهدت ميلاد ثقافة جديدة خلفت الدين وراءها لتساير
ما يسمونه بالتطور الاقتصادي والاجتماعي في كل بلد.
يقول علي الكنز متحسراً: (من كان يظن أيام ميثاق القاهرة بأن مصر
الثمانينات سوف تواجه كمجتمع وكدولة تلك المسألة التي أصبحت محورية، ألا
وهي طبيعتها الإسلامية، وأن سيد قطب في مواجهته لعبد الناصر سيصبح يوماً ما
شهيد الجماهير، وأن حزب حسن البنا (الإخوان المسلمون) سيحظى يوماً ما في
أوساط بعض الشبان الجزائريين بمعرفة تفوق معرفتهم لتاريخ جبهة التحرير
الوطني) .
ويستمر علي الكنز قائلاً: (والسؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم هو: أين
كان الخيال السوسيولوجي من كل هذا في وقت عرف كبريات التجارب التنموية
لآمال معقودة عليها مثل سلسلة الإصلاحات التي توالت في مختلف البلدان العربية،
وكذلك التأميمات الكبرى، انطلاقاً من قناة السويس عام ١٩٥٦ إلى المحروقات في
الجزائر عام ١٩٧١، والانجازات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهائلة، مثل
سد أسوان - ومركبات الحديد والصلب، وكبريات الجامعات العلمية والتقنية؟) [٤]
وعن عدم توقع رجال الاجتماع للصحوة الإسلامية يستطرد علي الكنز قائلاً:
(نقول بأن هذه الظاهرة غير متوقعة؛ لأن الانتصارات الوطنية التي شهدها الوطن
العربي في الخمسينات، وظهور حكومات وطنية كما كانت الحال في كل من سوريا
والعراق والجزائر شهدت ميلاد ثقافة جديدة كانت مسايرة للتطور الاقتصادي
والاجتماعي في كل بلد، على الرغم مما عرفه كل بلد من نزاعات عديدة بين
مختلف المجموعات المتصارعة، مثل الوطنيين والشيوعيين والليبراليين) [٥]
كان رجال الاجتماع في بلادنا يتصورون أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية
ومهام التنمية في عالمنا العربي قد قلصت من مكانة الدين، وحولته إلى مسألة
شخصية لكنهم فوجئوا، بأن الدين يستعيد حيويته ويفرض هيمنته على جميع
جوانب الحياة.
يقول علي الكنز معترفاً: (كنا نعتقد ببساطة أن المشاكل الاقتصادية
والاجتماعية المعروفة وأن المهام المعقدة للتنمية سوف تقلص تدريجياً من مكانة
الدين في الضمير الجمعي فيصبح في النهاية قضية شخصية بحتة تماماً مئلما حدث
في مجتمعات أخرى، وبخاصة الغرب البرجوازي، غير أننا ها نحن اليوم أمام
هذا النموذج الكلياتي وهو يستعيد حيويته ويستهدف فرض هيمنته على جميع
جوانب الحياة) [٦]
اعترف رجال الاجتماع بأن «القومية» و «الوطنية» ليستا بقادرتين على
البقاء أو جذب الجماهير للالتفاف حولهما؛ لأن الإسلام أصبح المكافئ الوظيفي لهما.
يقول سعد الدين إبراهيم أستاذ الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة:
(إن الإسلام الثوري للجيل الحالي من أبناء الطبقة الوسطى والصغيرة في
الأمة العربية هو المكافئ الوظيفي للقومية العربية منذ جيل مضى، كما أنه مكافئ
للوطنية المناهضة للاستعمار منذ جيلين سبقا على الطريق) [٧]
ويعترف سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة بذلك في مقالة
شديدة العداء للجماعات الإسلامية في مصر فيقول: (شهدت مصر منذ تشرين
الأول / أكتوبر ١٩٧٢ ما يمكن أن نطلق عليه تلازماً بين ما سموه بالصحوة
الإسلامية، والتنظيمات الإسلامية العلنية والسرية، وبين غياب القضية العامة التي
تلتف حولها الجماهير أو المشروع الحضاري أو التنموي) [٨] .
أسقطت الصحوة الإسلامية تلك العقلانية التي تعلق بها رجال الاجتماع لفهم
الواقع الاجتماعي والسياسي بعد أن سقطت تلك الأحزاب والتنظيمات التي حملتها
الواحد تلو الآخر، بالرغم من سيرها وفق الخطوط التي رسمت لها لتحل محلها
التنظيمات الإسلامية التي اعتقد رجال الاجتماع أنها تنظيمات غريبة تجاوز التاريخ
إلى الأبد.
يقول علي الكنز متحسراً: (من كان يظن بأن كبريات الأحزاب الوطنية
المنجزة كقوى عقلانية لهذه التحولات العميقة لكل من الطبقة والمجتمع مثل حزب
البعث في سوريا والعراق، والاتحاد الاشتراكي في مصر، والدستور في تونس،
وجبهة التحرير الوطني في الجزائر سوف يأتي يوم ينهار فيه الواحد تلو الآخر؟
وما هو ملفت للانتباه حقاً في هذا الشأن هو أنه لم يحل مكان هذه الأحزاب تنظيمات
أخرى على يسار أو على يمين النهج المرسوم بالنسبة للكل، وإنما تنظيمات غريبة
وثقافة كان يعتقد آنذاك أن السير الموضوعي للتاريخ قد تجاوزها إلى الأبد) [٩] .
جاءت الصحوة الإسلامية لتثبت لرجال الاجتماع أن هذه (العقلانية) التي
علقوا عليها آمالهم لفهم الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي قد أصبحت عاجزة
على الصعيدين النظري والمنهجي في فهم هذا الواقع، ولتصيب هذا التفكير
(العقلاني) بأزمة عميقة وخيبة أمل.
يقول علي الكنز معترفاً:
(إن اقتحام التفكير الديني للأيديولوجية العربية المعاصرة بهذه الشدة ليدل في
الحقيقة على أزمة عميقة تمر بها مجتمعاتنا اليوم، وهذا ما يراه كثير من المحللين
ويعتمدونه في دراساتهم، غير أن هذا الأمر قد يتعلق أيضاً بمؤشر أو بمبرر لأزمة
عميقة أصبح يعاني منها التفكير العقلاني، وكذلك عجز هذا التفكير على الصعيدين
النظري والمنهجى في فهم واقع اجتماعي وثقافي وسياسي لم يتوقع حدوثه من قبل) .
وعن خيبة الأمل التي أصيب بها رجال الاجتماع يقول علي الكنز في إحدى
دراساته [١٠] :
(إني أريد من خلال تدخلي هذا أن أقوم بمساهمة متواضعة في تحديد هذا
المجال الجديد للبحث الذي يفرضه علينا ما عرفناه من خيبة أمل في تاريخنا الفعلي، وفي قدرتنا على معرفته علمياً) .
لم تكن العقلانية فقط هي التي سقطت مع ظهور الصحوة الإسلامية وإنما
سقطت معها كل شعارات التحديث والعلمنة وبناء المجتمع وضمان الرفاهية التي
دخلت هي نفسها في أزمة خانقة عميقة وحادة أيضاً.
يعترف (الهرماسي) أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسية:
(لقد جابهت الإنسانية في أواخر هذا القرن عدة أزمات مختلفة، كأزمات
الغذاء والطاقة والفقر، وما من شك في أن مثل هذه الأزمات قد حد من قدرة البشر
على إيجاد حلول ناجعة لمجمل المشاكل المطروحة عليهم، حتى عندما تكون هذه
المشاكل واضحة تمام الوضوح، وبالتالي فإن الأيديولوجية العصرية التي ما انفكت
تحمل شعارات التحديث والعلمنة، والتي اضطلعت ببناء الدولة العصرية، ونحت
معالم المجتمع الحديث وضمان الرفاهية دخلت هي نفسها في أزمة خانقة عميقة
وحادة) [١١]
لقد نجحت الصحوة الإسلامية تلك التي لم اعتقد رجال الاجتماع أنها لا تتفق
مع متطلبات العصر في إحباط ما أسموه بالمحاولات الجريئة للفكر العربي المعاصر، وساهمت في الأزمة التي آل إليها.
يقول علي الكنز معترفاً:
(إن هذا المنظور الجديد للوطن العربي والعالم الإسلامي يبدأ أولاً وقبل كل
شيء كظاهرة لم نكن نتوقعها وغير متفقة مع متطلبات العصر، ومن حيث هو
كذلك فقد ساهم بقسط وافر في الأزمة التي آل إليها الفكر العربي المعاصر الذي
يشهد اليوم إحباط أقل محاولاته جرأة) [١٢] .
راقب رجال الاجتماع في بلادنا هذه الصحوة الإسلامية عن كثب على أمل
يراودهم وهو محاولة التحكم فيها، وسجلوا على أنفسهم بأنهم يقومون بهذه المحاولة
مسترشدين بنفس الإطار الغربي الذي يرصد هذه الصحوة باهتمام بالغ.
يقول محمد شقرون أستاذ الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالمغرب: (إن
المشكل الأساسي الذي يطرح بالنسبة إلى البحث في هذه الظرفية الجديدة هو التحكم
في الاتجاه الجديد الذي يريد أن يرى في الدين كل شيء، ويمكن أن تعتبر المكانة
التي أصبحت تحظى بها دراسة الحركات الدينية الجديدة في سوسيولوجيا الدين
الانجلوسكسونية مادة خصبة للتفكير في هذا الإطار) [١٣]
توصل رجال الاجتماع في بلادنا في تحليلاتهم للصحوة الإسلامية وحركاتها
إلى ما يلي:
أولاً: أن الحركات الإسلامية تسعى إلى تحقيق هدف أساسي كان ولا يزال
ينحصر في محاولة العودة بالمجتمع العربي الإسلامي إلى النموذج الذي وجد في
صدر الإسلام أيام الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين [١٤] .
ثانياً: أن هذا الهدف الذي تسعى لتحقيقه هذه الحركات كان ولا يزال يستمد
شرعيته وتبريره من الإيمان الراسخ لدى منظري وقادة هذه الحركات، وغالبية
المسلمين من جهة أخري بأن الإسلام نظام حياة شامل يصلح لكل زمان ومكان،
ولذلك كانت هذه الحركات تصر على أسلمة المجتمع وعلى اعتبار الإسلام ديناً
ودولة [١٥] .
يقول (عاطف عضيبات) أستاذ الاجتماع في جامعة اليرموك بالأردن في لهجة
تحد وعداء: (إن التاريخ العربي-الإسلامي برمته يشهد على استحالة الرجوع إلى
الوضع الذي كان قبل العام الأربعين للهجرة، وجميع المحاولات للعودة إلى بدء
عهد الدعوة الإسلامية أو إلى مزج الزمني بالروحي مصيرها الفشل في يومنا هذا،
كما كان حالها بالأمس وكما ستكون غداً. [١٦]
ويقول عضيبات في موقع آخر: (وكلما تقدمت الأزمنة بالعرب المسلمين
زادوا من إضفاء المثالية على تلك الحقبة التاريخية التي لم تتجاوز نصف قرن،
وكلما ألهمت سيرتها خيال ووجدان الرافضين للواقع المعاش إلى المجتمع
الفاضل) [١٧] .
ثالثاً: ترجع الحركات الإسلامية باستمرار إلى الكتاب والسنة لفهم كل
المشاكل التي تطرحها علاقة الإنسان بالعالم والطبيعة والانتاج والفكر والثقافة
والمجتمع والقانون.. الخ. فكل تفكير سواء أكان علمياً أم غير علمي، جمالياً،
أخلاقياً، وسياسياً هو في النهاية مجرد عمل تفسيري وتأويلي لما جاء في الكتاب
والسنة [١٨] .
يقول علي الكنز بلهجة ساخرة: (في هذا السياق نجد حركة الأصوليين تمجد
العصر الذهبي الأول حيث يصبح الأسطورة المؤسسة للتاريخ الفعلي، أي للإسلام، كما هو موجود فعلاً -إن صح التعبير- هذا الإسلام الذي يجب أن يفرض بصورة
مطلقة وشاملة باعتباره المعيار الأوحد لتصور ما حدث في التاريخ وما سيحدث في
المستقبل) [١٩] .
رابعاً: ترفض الحركات الإسلامية أن ينحصر نشاطها في المجال الديني فقط، وهي لا تقر بالفصل بين الدين والحياة الاجتماعية بصورة عامة، وتعتبر هذا
الفصل موقفاً غريباً لا يمت إلى الإسلام بصلة، وإن التمييز بين ما هو ديني
ودنيوي غير وارد بالنسبة لهذه الحركات التي ترفض كل علمنة وتعتبر نفسها في
الوقت ذاته حركة دين ودنيا ودولة [٢٠] .
خامساً: تقوم الحركات الإسلامية على أساس الشرعية الإسلامية، بمعنى
تطبيق الشريعة الإسلامية ووترفض أن تطرح هذه الشرعية على أساس آخر،
ويعني هذا عند رجال الاجتماع أن هذه الحركات تتجاهل كل الثقافة العصرية التي
تعتبرها أجنبية وغريبة بما فيها مسألة الديمقراطية والصراع الطبقي.
سادساً: تسعى الحركات الإسلامية إلى إقامة الخلافة الإسلامية، كما أنها
تنظر إلى العالم على أساس ثنائية دار الإسلام ودار الحرب. وهي تهمل بذلك -
كما يرى رجال الاجتماع - الإشكالية العصرية المتمثلة في الدولة الوطنية،
وتجارب التنمية الوطنية المختلفة التي شهدها الوطن العربي.
وبإسقاط الحركات الإسلامية مسائل الديمقراطية والصراع الطبقي والدولة
الوطنية وتجارب التنمية من حساباتها تكون قد سحبت من يد رجال الاجتماع
مرتكزات أساسية يعتمدون عليها في تبرير وإثبات وجودهم وأهميتهم للجماهير.
سابعاً: يبدأ الإعداد لهذه الحركات في المدارس والجامعات؛ ليمتد بعد ذلك
إلى نشاطات تستهدف مراقبة المجتمع انطلاقاً من المساجد لينتهي في الأخير إلى
المواجهة المعلنة مع الدولة والنظام السياسي من خلال أحزاب في سياسية تتخذ
الإسلام قاعدة لها.
ثامناً: انتقلت الحركات الإسلامية من موقف دفاعي إلى موقف هجومي بفضل
تطور القضايا التي رسمت علامات حركتها كالإصلاحات التربوية والتنديدات
الأخلاقية والانتقادات السياسية عبر المساجد والمؤسسات والأحزاب السياسية.
تاسعاً: لا تختلف الموضوعات التي تتمحور حولها الحركات الإسلامية من
بلد عربي إلى آخر، وتتسم هذه الموضوعات بالبساطة، وتتبلور حول مسائل لا
تضيف في حد ذاتها أي جديد ملفت للانتباه، بل تكمن أهميتها في طريقة عرضها
وفي فعاليتها الأيديولوجية.
عاشراً: تمكنت الحركات الإسلامية من التغلغل في القطاعات الاجتماعية
المختلفة، وكونت قاعدة اجتماعية واسعة لمواجهة الأنظمة القائمة، ومحاولة العودة
بالمجتمع الإسلامي إلى منابعه الأصيلة [٢١] ، كما نجحت في اختراق التنظيمات
الطلابية وسيطرت على اتحاداتها وامتد تأثيرها إلى أعضاء هيئة التدريس
بالجامعات [٢٢] ، وذلك بسبب مرونتها وعموميتها التي جعلتها قوية وقادرة على
استيعاب قوى اجتماعية متباينة [٢٣] يعني ذلك في نظر رجال الاجتماع أن
الحركات الإسلامية لا تقر التمايز الطبقي في المجتمع، وأنها تتعدى الطبقات
وتحتويها كلها في الوقت ذاته على عكس الأيديولوجيات والأنظمة الفكرية التي
ظهرت ابتداءً من القرن التاسع عشر والتي تصور المجتمع على أنه قائم على وجود
طبقات ومصالح اجتماعية [٢٤] ، وتنظر الحركات الاجتماعية إلى المجتمع على
أنه كيان توحده العقيدة وليس كياناً يرتبط بمجرد مصالح عملية وعلاقات إنسانية
سطحية، وإذا أخذت هذه الحركات هذا التمايز في اعتبارها فإنها تفعل ذلك من أجل
التنديد بآثاره.
حادي عشر: الحركات الإسلامية متعددة الأبعاد تكتسح المجال الاجتماعي
عبر موجات متتالية تغمر بالتدريج كل جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم وآداب
واقتصاد وسياسة، ولا ينجو منها أي جانب، حتى الهندام وكيفية الضحك والحب
يمكن أن يخضع لها في وقت ما، وهذا يعني في نظر رجال الاجتماع أنها حركة
شاملة وشمولية.
стр. 883
محاضرات
الجامعة في مجهر القراءة المعاصرة [*]
د. مصطفى السيد
أريد بمصطلح القراءة الوارد في عنوان هذه المحاضرة «نظرية القواعد التي
تحكم تأويلاً من التأويلات، أي تحكم تفسير نص من النصوص أو تفسير مجموعة
من العلامات التي يمكن النظر إليها بوصفها نصاً» .
(والسبب وراء شيوع مصطلح القراءة بمثل هذا التصور في ثقافتنا العربية
المعاصرة راجع إلى الرغبة في تأكيد الطابع التفسيري لكل فعل من أفعال القراءة
في مختلف المجالات الثقافية من جانب، وتأكيد الدور الذي يقوم به القارئ في
عملية القراءة من جانب ثان، وتأكيد الطبيعة المعرفية التي تصل القارئ بالمقروء
في عملية إنتاج معرفة جديدة من جانب ثالث) [١] .
هذه القراءة الإنتاجية هي نقيض للقراءة الاستهلاكية، والقراءة الإنتاجية فعل
حضاري وسلوك مدني، وهي بتوفيق الله السبب القوي لتغيير المواقع والواقع في
أي أمة، وهي معيار الحكم في الخلف في كثير من القضايا التي لا يكون الموضوع
سبب الاختلاف، بل يعود إلى الكم والكيف القرائي حول هذا الموضوع، ومثل هذه
القراءة لم تمت ولن تموت في عالمنا الإسلامي، ولكن الذي مات ولم يعد له جمهور
هو الكلام المكرر والفكر المبتسر، ولابد أن أشير إلى أن من لوازم هذه القراءة
الاطلاع المتكامل على العناصر، لأن المقروء وإن كان واحداً في النتيجة، فهو
ليس وحيداً في المسببات والمقدمات، أقول هذا لما يكتنف الحديث عن الجامعة
محاذير لا حد لها، ولعل أدهاها هو خطر السقوط في التنظير الأخلاقي المجاني
السهل، وهو أمر تميزت به كثير من القراءات وتوكأت عليه، وأرجو من الله أن
تربأ عنه هذه الدراسة، وقبل البدء نلقي هذا السؤال:
ما هي الجامعة؟
في المعجم الوسيط: (الجامعة مجموعة معاهد علمية، تسمى كليات تدرس
فيها الآداب والفنون والعلوم) [٢] .
ويلحظ على هذا التعريف غياب العلوم الشرعية عن مفرداته، وفي ذلك
إخلال واضح بالصورة التاريخية للجامعة كما كانت عليه في تراثنا الجامعي المتمثل
في جامعة الأزهر؛ لأنها أقدم جامعة على وجه الأرض، حيث أنشئت عام ٩٧٠ م، بينما أقدم جامعة غربية لا يتجاوز عمرها القرن الثاني عشر الميلادي، هذه
الجامعة الأزهرية كانت تحمل عبء الدراسة الشرعية واللغوية عبر القرون ولله
در أمير الشعراء أحمد شوقي القائل في فضل الأزهر [٣] :
يا معهداً أفنى القرون جداره ... وطوى الليالي ركنه والأعصرا
ومشى على يبس المشارق نوره ... وأضاء أبيض لجها والأحمرا
وأتى الزمان عليه يحمي سنة ... ويذود عن نسك، وبمنع مشعرا
وهناك تعريف آخر «المؤسسة التي تتولى التعليم العالي» :
أما في الغرب فالكلمة مأخوذة من universitas، وقد أطلقت في العصور
الوسطى، كل المؤسسات التعليمية الجديدة وتعني: رابطة أو اتحاد بين مجموعة
بين الأفراد ينظمون بأنفسهم شؤون مهنة معينة) [٤] .
ولكن من المهم ان نلاحظ أن الجامعة قد تحولت عن مفهوم كونها جامعة
أحادية الوظيفة لتصير قائمة على التعددية في الوظائف والأقسام، وهذا ما عبروا
عنه بالإنجليزية multiuniversity a to university From
وفي تعريف غربي معاصر للجامعة هي بالمعنى الدقيق:
(المؤسسة التي تعلم الطالب العادي أن يكون شخصاً مثقفاً وعضواً ناجحاً في
مهنة ما) [٥] .
ولقد كان تعريف الجامعة ودورها يتطور في الغرب تبعاً للنظير الحضاري
والمعرفي، لأن الجامعة جزء من البنيان الفوقي للمجتمع، وتتأثر بالبنيان التحتي
وتؤثر فيه.
هي إذاً في متن الحياة العامة أوثق حلقاتها قربى وأكثرها أهمية [٦] ؛ لأنها
(تحرض على الإبداع، وتستثير كوامن القلق، وتبعث هاجس العطاء الأصيل
المنفرد) [٧] .
وأما اختيار الجامعة لهذه القراءة فلأنها تأتي في طليعة التشكيلات التي تحمي
عقيدة الأمة ووجودها الثقافي والعلمي، وتقف على خط الدفاع الأول ذائدة عن
حدودها الفكرية وتطلعاتها الثقافية، وجندها في ذلك فئة اجتماعية تعرف «المثقفة» التي تصوغ وعي الأمة وتقودها، وهي التي تتلقى مشاعر الأمة وآمالها النابعة
من عقيدتها، وحاجاتها الراهنة والمستقبلية والمتأثرة بتاريخها وتراثها، تتلقاها
وتحولها إلى وعي، وتحول الوعي إلى إرادة، وتحقق الإرادة في إنجازات.
إن النخبة من مدرسي الجامعة (إذ تقود الأمة فهي تنقل نشاطها في المقابل،
من حيز العلم الموضوعي اليومي الغارق في الجزئيات إلى مستوى العمل الإرادي
الفاعل النابع من رؤية شمولية) [٨] .
وهي تفعل ذلك كله من خلال وظيفتها الرئيسية وهي:
«التحليل النقدي لعمليات إنتاج المعرفة ونشرها وتطبيقها» [٩] .
وبذلك تكون الجامعة أحد المعالم الرئيسية لمؤسسات الأمة، كما في أدائها
لدورها المدخل الرئيسي لعمليات التنمية المعنوية والمادية للمجتمع المثالي المطلوب
إحداثه، من هنا مسؤولية الجامعيين، وكل القيمين على الجامعة في أن يكونوا
بمستوى حقيقة الجامعة ووظيفتها، ولا يمكن للجامعة أن تحقق سيادة العلم في وطنها
إذا لم تكفل سيادتها في داخلها أولاً، ولا أن تبعث القوى الخيرة في مجتمعها إذا لم
تكن هي قد حققت هذه القوى في صميمها، ولا أن تسهم في بناء حياة وطنها على
المبادئ والقيم، إذا لم تشد هي بنيانه ذاته على نفس هذه القواعد، وبقدر ما تكون
الجامعة ممثلة لهذه الحقائق على أرض الواقع، بقدر ما تكون النتائج متحققة حسب
التطلعات والآمال المرجوة منها.
في بحث لأستاذ العلاقات الاجتماعية بجامعة هارفارد بعنوان (فيروس العقل)
أجراه على أربعين بلداً وصل إلى هذه النتيجة: (وهي أنه كلما ازدادت مواد القراءة
في المؤسسات التعليمية التي تبحث على الأمل والعمل جاءت النتيجة بعد ذلك بنحو
عشرين عاماً زيادة في النمو الاقتصادي، والعكس كذلك صحيح، وكان من أهم ما
لاحظه الباحث في مطالعات البلاد التي تقدمت بعد حين أنها احتوت على العلاقات
الاجتماعية التي تجعل الفرد يعمل من أجل نفسه ومن أجل سواه في آن معاً، كما
كان من أهم ما لاحظه الباحث في مطالعات البلاد التي تدهورت بعدئذ أو واصلت
طريق التدهور أنها بالغت في الإشادة بالطرائق التقليدية في الفكر والسلوك) [١٠] ،
والتقليدية (اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقداً الحقيقة فيه من غير نظر
وتأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الخير أو فعله قلادة في عنقه) [١١] .
ومن الطرائق التقليدية: الطريقة التلقينية التي تؤدي إلى الانقطاع بين
المجتمع ومضمون المواد الدراسية، لأن المعارف التي تلقن سواء منها ما ينتمي
إلى التراث، أو ينقل من العلم الحديث معارف غير مبيأة عربياً، غير معدة للغرس
والاستنبات في المجتمع؛ لاعتمادها أسلوب التلقين، ولقد كانت التلقينية التي
تسلسلت إلى العقل المسلم والثقافة الإسلامية حيناً من الدهر، وتقدمت المذهبية على
حساب المنهجية، كانت شذوذاً تأباه طبيعة الإسلام وعقيدة الإيمان التي دعت المسلم
إلى القراءة في كتاب الله المسطور هو القرآن، قال تعالى: [ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] وقال سبحانه: [إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً] ، فالارتباط واضح بين تحمل
المسؤولية وبين تأسيسها على القراءة المتأنية، كما دعته إلى التأمل في كتاب الله
المنشور، وهو الكون الواسع، قال تعالى: [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ
واخْتِلافِ الَليْلِ والنَّهَارِ والْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ومَا أَنزَلَ اللَّهُ
مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وتَصْرِيفِ
الرِّيَاحِ والسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] [البقرة ٦٤] .
فالثقافة التي تقدمها الجامعة ليست حشداً للمعلومات عن طريق التلقين (بل هي
تفاعل بين الإنسان والعقيدة والفكرة، ويظهر أثره في السلوك، فقد يحفظ الإنسان
معلومات كثيرة، ولكن سلوكه الاجتماعي غير مقبول، فنظرته للآخرين فيها
استعلاء واحتقار، وتقويمه للمواقف مبني على الأنانية وحب الذات، وتذوقه
للجمال ضعيف يدل على بلادة المشاعر، وضعف الإحساس، وكلامه خال من
المشاعر الرقيقة والمشاعر الطيبة ولا تظهر فيه آثر المعلومات التي يكتنزها، فمثل
هذا ليس مثقفاً، بل هو جهاز كمبيوتر من نوع بسيط ورخيص لقدرته المحدودة
على الاستيعاب والحفظ) [١٢] .
والإسهام في الثقافة هو إذاً غاية العمل الجامعي وكماله، وللإسهام هذا صيغ
وميادين تتنوع وتتعدد وتتمايز لكنها تتفق جميعاً في كونها إضافة أصلية متفردة.
الإسهام أن يضيف أو يقدم جديداً، والجديد متاح في ميادين الثقافة كلها، والعجز
عن الإضافة لا يعني العجز عن ولوج بوابات المستقبل فحسب، بل يعني كذلك
فشل الاحتفاظ بلحظة الحاضر، والكينونة التي لا يضاف إليها تخسر من ذاتها،
فتتراجع إمكاناتها وتنحط حتى الصدأ فالمرض فالموت، وتبقى في النهاية فيما لو
بقيت قفراً قاحلاً مجدباً، ذلك هو مصير جامعة لا تضيف إلى الثقافة جديداً،
ومصير طلاب وأساتذة يمضغون نظريات ويرددون اجتهادات خلف اجتهادات،
ويبقون خارج همّ الإضافة وعظمة الإبداع، الإضافة هي إعلان الحق بدخول
المستقبل) [١٣] .
وخير عون للجامعة على تحقيق رسالتها بعد توفيق الله حرية النقد المنهجي،
إذ كيف يمكن لمسيرة العلم والثقافة عموماً أن تتعزز ما لم يطلق العنان لنقد صادق
حر، لا يخضع إلا لسلطة النص الشرعي، أو الحقيقة العلمية، أما إذا أسقطنا
حرية النقد المنهجي «فإن ذلك يورث معرفة بائسة هجينة ملفقة، أدنى من أن
تستجيب لشروط الثقافة التي اؤتمنت الجامعة عليها. الجامعة مطالبة إذن إدارة
وهيئات بتشجيع ذلك اللون من النقد، فتحث عليه وتطلبه دوماً، فلا يطغى على
البحث التلقين ولا على النقاش التصديق الآلي، ولا تقدم المعرفة أياً كانت جاهزة
ونهائية، فالكلمة الأخيرة - ما عدا ثوابت الشريعة - اصطلاح لا محل له في العلم
والمعرفة، وإذا كان هناك كلمة أخيرة حقاً فهي للتجربة والاختبار والتاريخ [١٤] .
ولنا في المنهج القرآني مستند عظيم، فقد أعطى خصوم العقيدة فرصة التعبير
عن نظريتهم الكفرية، ليتبع ذلك نقدها، ومن ثم نقضها تأسيساً للحقيقة وتوجيهاً
للعقول السليمة إلى حرية الاختيار القائم على الأدلة الواضحة، قال تعالى: [أَمَّنْ
خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا
كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ] [النمل ٦٠] .
وإذا كان أداء الجامعة لدورها يشكل صمام الأمان لعقيدة الأمة ومستقبلها
المؤسس على العلم، فإن إخفاقها يعد كارثة عظيمة، ولقد قرأت مرة هذه الكلمة:
إذا أخفق المزارع فالخسارة ضياع موسم زراعي، وإذا أخفق المصنع فالخسارة
ضياع حفنة من الدراهم، ولكن إذا أخفقت الجامعة فالخسارة ضياع الجيل، وفي
شعر مترجم لشاعر مسلم هندي أنثرها لكم، تتبين فيه خطورة انحراف الجامعة عن
دورها حيث يقول:» يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات،
وقد كان ذلك أسهل طريقة لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء
الأحدوثة في التاريخ «. أجل فالكليات الجامعية قد تكون بفضل الله معبر الأمة إلى
حياة أفضل، وقد ترافقها بعض السلبيات فتحرفها عن منهجها، لتلقي بالجيل ومن
ورائه الأمة في مهامه الردى وسباسب الهلاك.
إن ثمن خطأ أحد ركاب القطار قد لا يدفعه إلا هو، أما إذا أخطأ قائد القطار
فالركاب وعربة البضائع سيواجهون الردى والعطب، وهكذا يكون حال المجتمع إذا
كثرت سلبيات الجامعة؛ لأن منزلة الجامعة من المجتمع تشبه من بعض الوجوه
وظيفة القائد للقطار الذي ينقل الناس إلى محطات الأمان والآمال.
ولعل من أخطر السلبيات التي تحاقبت مع نشأة المؤسسات الجامعية في العالم
الإسلامي، وتزامنت مع بداية نشاطها، أنها أخذت تمارس دورها تربية وتعليماً
منطلقة من الخلفية الثقافية الغربية التي ارتكزت عليها الجامعة في الغرب، يقول
بعض الباحثين العرب:» إننا في الواقع ورثة جامعات فرنسا وبولونيا « [١٥] .
ويقول الدكتور أكرم ضياء العمري الرئيس السابق لقسم الدراسات العليا في
الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية:
» نشأت معظم الجامعات في العالم العربي والإسلامي على أسس علمانية،
وذلك بحكم تسلط القوى الاستعمارية على العالم الإسلامي في وقت تكوينها، فطبعت
بطابع الحضارة الغربية، ونقلت إلى الطلاب نظريات العلماء الغربيين في حقول
الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس، نقلت إليهم على أنها مسلمات علمية وأنها العلم لا
سواها، وهكذا درس طلابنا ويدرسون «: سان سيمون - أوجست كونت -
دوركايم - ليني بريل - ديفيد هيوم - آدم سميث - هويز - هربرت سبنسر -
فرويد - ماركس - أنجلز - بافلوف - ديوي - برتراند راسل - هارولد لاسكي،
وكلهم ينطلق من أساس غير ديني في تفسير نشأة الخليقة والإنسان والمجتمع، وقد
لا يمر على مسامع الطلاب اسم الإسلام وأسماء علمائه [١٦] . أَمَا عَلِمَ جامعيونا أن
فقرنا أمام الفكر الغربي فقر معاصر، وأن نقلنا المباشر عنه في كثير من الأحيان
يصبح مهزلة فكرية. إذ إن ما نقلناه عنه جزء من أصيل تراثنا الذي نجهله جهلاً
مؤسياً [١٧] .
إن مثل هذه الأنهاج التعليمية قد أعطت الإسلام دوراً هامشياً في تكوين ثقافة
الجامعي، تاركة للطالب حرية التعاطي مع الدين، ومؤمنة له حق الولوج والخروج
منه متى شاء وكيف شاء، عاملة على تثبيت الازدواج في المعتقد والسلوك وإضفاء
الشرعية العلمية الغربية القائلة بقصر الدين على بعض النشاط الفردي دون أن
يكون له وجود أو دور فيما هو أبعد من ذلك.
ولقد كان الكثيرون من هؤلاء الخريجين من أمثال هذه الجامعات عقبة أمام
طلائع الصحوة الإسلامية لدفاعهم عن القيم الجامعية التي تلقوها والتي تتناقض
أحياناً مع عقيدة الأمة وهمومها.
ولكم سمعنا من جامعيين مرموقين وجامعات مرموقة كلمات مثل: هذا أمر
ديني وذاك مدني، أو علمي، أو نظامي، ولكل دائرته ودوره ودورته الحياتية،
وتأسس على مثل هذه المفاهيم الخطيرة، دعوة خاطئة وهي توجيه الجامعة إلى
توكيد التخصصية بكل وسيلة دون أن تفسح المجال للإسلام أن يشارك مشاركة فعالة؛ حماية لهذا التخصص من مزالق الخطأ، وحملاً على توظيفه توظيفاً لا يصطدم
مع المصالح العامة للأمة، هذه الدعوة إلى التخصص الأصم المبتور عن عقيدة
المجتمع وعن وحدة الثقافة تحصل في كثير من الجامعات العربية بالرغم من أن
رسالة الجامعة تقوم على وحدة المعرفة، على أساس أن المعرفة هي في الأساس
بنيان واحد متكامل من الحقائق المترابطة، كما يوجد في الغرب صوت يدعو إلى
توحد التخصصات وتوحيدها، بل توحيد روحها وجوهرها وأصولها في شخص
واحد، لإزالة التنافس، أو التعارض القائم بينها - لدى تفرقها في أفراد - هذا
التعارض الذي تدفع البشرية ثمناً له من أمنها واستقرارها، بل وحتى استمرارها.
وفي الولايات المتحدة أيضاً نجد جيمس كونانت رئيس جامعة هارفارد
١٩٧٨ - ١٩٨٣ م يلج بوابة التربية من عالم الكيمياء، ميدان تخصصه الدقيق،
ليترك منطلقاً من تخصصه الكيميائي مشاريع تربوية عملية تبنتها الحكومة
الأمريكية، ولقد كان في التطبيق الرسمي لآراء كونانت ردم للثغرة التي حدثت في
الثقافة الأمريكية عشية سبق روسيا لأمريكا في إطلاق أول قمر صناعي إلى الفضاء
عام ١٩٧٥ م، فإذا تبين لنا أن هذين الباحثين وكثيرين غيرهم يدعون للتصالح بين
التخصصات لأمن الإنسان وراحته، فالتصالح بين العلم والإسلام لم يعد مطلباً
جمالياً، بل ضرورة يقتضيها تاريخ الأمة، وجغرافية الأفكار فيها؛ لأنه لا يمكن
للمثقف أن يحصر معلوماته في قضية واحدة من قضايا الفكر إذا أراد أن يبقى مثقفاً. والتخصص المعمق والثقافة الموسوعية من السمات البارزة في تاريخ العلم
الإسلامي، فابن حزم ترك عشرات المؤلفات في شتى موضوعات المعرفة،
وأثارت في عصرها وعصرنا ما تثيره الثقافة الحية في متلق واع، وابن خلدون في
مقدمته ليس بعيداً عن ابن حزم.
وإذا عبرنا إلى المشرق نجد لدى ابن تيمية مشروعاً ثقافياً متكاملاً لمواجهة
التآكل في عقل الأمة وثقافتها، والتراجع في عقيدتها، كما كان حضوره على جبهة
الفكر اليوناني بما كان يمثله من بريق بهر كثيراً من معاصريه، فلم يجد بداً من أن
يجابه هذا الإعصار اليوناني، فكتب الرد على المنطقيين، ودرء تعارض العقل
والنقل، وفي الساحة الثقافية الداخلية كتب العقيدة التدمرية والواسطية والإيمان،
وفي الفقه السياسي السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ونقد الفكر القائم
في عصره بكل موضوعية وتجرد، أشخاصاً وموضوعات. ولم يعان عقدة نقص
أو تمذهب متعصب، وسرت في كتاباته روح الوعي والإشفاق على الأمة حكاماً
ومحكومين، ومن يقلب صفحات الفتاوى يشعر أنه أمام عالم فقهي، ومصلح
اجتماعي، وفقيه لغوي، تعقب سيبويه وكتابه، وسجل عليه بعض الملاحظات،
وتتبع سائر المؤسسات القائمة في مجتمعه، فداخلها وحاورها باذلاً النصح
والإخلاص فيه، لقد كان أمة في ثقافته ودوره، كان في عصره بوصلة مجتمعه،
وبعد عصره تتجلى جهوده بمنهجه الذي خلفه وراءه، وتخرج به كوكبة من كبار
العلماء.
فلنقارن بين حضور ابن تيمية في حياتنا وفكرنا، والنهضة العربية المعاصرة
التي نبحث الآن عن خطوط البداية فيها.
إن المفاهيم النهضوية الغربية التي فرضت على الكثير من جامعاتنا جعلتنا
لنتوهم أننا قد أنتجنا نهضة حقيقية، لقد كنت أطالع في بعض المجلات المتخصصة
مقالاً عن النهضة العربية الحديثة، أفكارها ورجالها، فوجدت كاتب البحث ينتهي
إلى القول: وبعد مائتي عام من النهضة ما زلنا نقرأ أهم الكتابات عن مجتمعنا
وتاريخنا على يد المستشرقين، ومازلنا عاجزين عن إنتاج ما نستهلك [١٨] .
والجذر اللغوي للجامعة لا يباين الجذع الألسني للجامع، إذ بينهما في الاشتقاق
والدور غير وشيجة وأكئر من صلة، والجامعات الإسلامية التي تحدرت أصولها
من الجامع، ولدت تلبية لمطامح شرعية، واحتياجات اجتماعية وعقلية، وشكلت
خلال مراحل تطورها في أكثر الأحيان إنجازاً رائعاً، ولقد قامت هذه الجامعات في
العالم الإسلامي لتؤكد على أصالة الأمة، وتوثيق ارتباطها بماضيها الإسلامي المجيد، وتبني شخصيتها على هدي الكتاب الكريم والسنة المطهرة، فصارت أملاً يرتجى، ومطمعاً للخيرين. وجامعة الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس خير مثالين
للجامعة القادمة من قيم المسجد الجامع ورسالته التربوية والتعليمية ولولا خشية
الإطالة لذكرت نماذج للأزهريين والزيتونيين الذين أدوا دوراً عظيماً في تحقيق
الترابط بين عقيدة الأمة وثقافتها وحاضرها ومستقبلها، ويكفي جامعة الزيتونة فخراً
أن تخرج رجلاً مثل عبد الحميد بن باديس ١٨٨٩ -١٩٤٠م الجزائري ليعود إلى
بلاده ليقود أمة ترزح تحت الفكر الغربي والكفر الفرنسي، فيؤلف ويحاضر
ويخطب ويناظر ويسافر في طول المغرب العربي وعرضه، حاملاً رسالة الإسلام
جاعلاً حياته كلها للإسلام، كما قال في أحد مذكراته، إن جهود ابن باديس بفضل
الله أثمرت رفض مسلمي الجزائر لفرنسا، وأشعلت الحرب ضد هذا الوجود الكافر.
إن ابن باديس والزيتونة مثال للجامعة والجامعي الذي يعرف موقعه ودوره في
نهضة أمته وخدمة عقيدته، في مثل هذه الجامعة ذات الأصول المسجدية.
يقول الله : [ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ
مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]
[التوبة٦٠٢] ، في هذه الآية يحث القرآن الكريم على طلب العلم بوصف النفرة
(فلولا نفر) ، وذلك يجعل العلم والجهاد في موقع واحد، كما أن سياق الآية وسياقها
يضع التعبئة الفكرية على قدم المساواة مع التعبئة العسكرية.
روى الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله
ﷺ قال:» من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو ليعلمه كان
كالمجاهد في سبيل الله «.
ورضي الله عن عمر الفاروق القائل عن العلماء:» بذلوا أموالهم ودماءهم
دون هلكة العباد «.
ويرحم الله ابن القيم القائل: تبليغ سنته ﷺ إلى الأمة
أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن الجهاد قد يستطيعه كل أحد أما العلم
فليس له إلا أهله.
وأخيراً:
لأن الجامعة تقوم في متن الوطن وتحيا هموم أهله، ولأنها تلامس وتعي
خصوصية محيطها وحاجاته، بات عليها أن تمتلك مشروعها الثقافي الذي لا
يستجيب لخصوصية اللحظة فحسب، وإنما يدفع بها كذلك في سياق البعد الإنساني
الأرحب والجامعة تستطيع ذلك، إذ لها من خبرتها وخبرة مدرسيها ما يسهم في
توفير انفتاح أكبر على المجتمع والدخول معه بوابات المستقبل، والجامعة عندما
تتنازل عن مشروعها بسبب بعض العقبات فذلك يعني التنازل العلمي عن الماضي
والحاضر والمستقبل.
وهناك عقبات داخل الجامعة وخارجها تحجم من دورها وتعمل على اختزاله
واختصاره منها:
١- غياب الصلة الأخلاقية والأبوية بين الطلاب والمدرسين في الغالب، مما
أدى إلى اهتزاز دور المدرس الجامعي الذي تشكل هذه العلاقة بينه وبين الطلاب
العمود الفقري في الحياة الجامعية.
٢- الانفجار السكاني الذي دفع إلى الجامعة بأعداد من الطلاب أكبر من
طاقتها، وكثيراً ما يكون استقبالهم على حساب سمعة الجامعة ومكانتها، ولهذا يتعين
على الجامعة أن توازن بين حاجات السوق وأهدافها الاستراتيجية.
٣- الاستفادة السلبية من الغطاء الجامعي من قبل بعض المدرسين للترويج
للفكر المضاد لثقافة الأمة وعقلها، والشعر الحداثي أوضح الأمثلة في هذا الميدان،
فهو نتاج بعض الجامعيين. قولاً ونقداً، هذا الشعر ألغى نفسه وفقد قراءه، وهو
في كثير من نصوصه ليس إلا إحياء للكهانة الوثنية تحت مسميات مختلفة، غير أن
أنكى ما في الأمر التغطية الجامعية له.
٤- غياب الصلة بين الجامعة ومراكز البحث العلمي.
٥- تواضع المكتبة الجامعية كماً وكيفاً ومساحة ومسافة وزمناً وعدم افتقار
البحث العلمي إلى التأصيل والدراسة المكتبية المعمقة.
إن الروح الجامعية لا تخالطنا وتلازمنا، لكوننا موجودين في الجامعة عمداء
ومدرسين وطلاباً، بل بكون الجامعة متلبسة فينا، قيماً خلقية، وموسوعية علمية،
ونهماً معرفياً، نرى اكتمالها في سعيها الدائم نحو الكمال.
إن الأمة التي ترسل إلى الجامعة بفلذات أكبادها، وجزء من دخلها، تفعل
ذلك واثقة من أن الجامعة سترد هذا العطاء عقولاً مؤهلة، وأرواحاً متوثبة لنقل
الأمة خانة أو أكثر في مراتب التقدم المنشود.
стр. 884
البيان الأدبي
رسالة إلى قلب الدين حكمتيار
(شعر)
أحمد بن راشد بن سعيّد
[رسالة إلى كل مجاهد أفغاني علمنا معنى العزة في زمان كثر فيه الخائبون
والأتباع]
اضرب فديتك بالقنابل
اضرب قلاعهم الحصينة
بالمدافع.. بالمعاول
لا تبق فيهم من يخون
ولا تصالح من يشاكل
اضرب - هديت -
فما بنى الطاغوت محض باطل
اضرب
ولا شلت يمينك.
واتَّبع نهج الأوائل
اضرب
فلا نام الجبان
ولا استطاب العيش خامل
اضرب
ونحن جنودك الأبرار
عشاق المحافل
لبيك نعلنها ونأتي
جحفلاً يتلو جحافل
اضرب فأمتنا تحن إلى ضياء الصبح
تستسقي الهواطل
اضرب فأنت لها تقاتل
اضرب فلا عاش التخاذل
هل أنت إلا عزة تصحو
وتاريخ يناضل
هل أنت إلا يقظة الأجيال
تجتاح المعاقل
اضرب فديتك بالقنابل
لله أنت
وزفَّ بشرى الفتح
وانهض بالجلائل
هذا أوان الفتح
كي تنساب في الكون الفضائل
هذا أوان الغرس
كي تزكو ربى الدنيا خمائل
هذا أوان العتق والتحرير
فاعصف بالسلاسل.
واضرب فديتك في المقاتل
هذا أوان الفصل
يا شيخي
وترتيب المسائل
لا، نحن لن نبقى وسائل
стр. 885
أدب
أزمة الشعر الحديث
عبد الله بن إبراهيم الزهراني
كان الشعر وما يزال ميداناً رحباً من ميادين الثقافة، وله دور فاعل في الحياة
الثقافية المعاصرة، ولكن كثيراً، من المثقفين ومن أساتذة كليات الآداب العربية
بدأوا، يشكون ويتذمرون بشكل واضح مما ينشر هذه الأيام في الصحافة والمجلات
الأدبية، ويقولون بصوت واحد: لم نعد نفهم هذا الشعر الذي تقولون أيها الشعراء.
والشعراء بدورهم يلقون باللائمة على القارئ.
ترى ما السبب الذي أدى إلى ظهور هذه الأزمة تجاه الشعر الجديد؟
هنالك عوامل عدة أدت أو ستؤدي حتماً إلى خروج الشعر بمستواه الحالي -
الذي تسوّد به كثير من الصحف والمجلات العربية - من دائرة الثقافة، ويرجع ذلك
في نظري إلى أن هذا الشعر يمر بعدة أزمات منها:
١- أزمة فكرية:
إن ما يسمى بالشعر الجديد نشأ أول ما نشأ على يد أناس متهمين فكرياً بدءً
بالسياب ونازك الملائكة، وعبد المعطي حجازي، وصلاح عبد الصبور.. وانتهاءً
بسعدي يوسف ومحمود درويش، والأفراخ الجدد ممن تربى بين أحضان تلك
المدارس.
ولا زالت القضية الفكرية هي المحور، فإن الانفصام الثقافي بين أولئك
الشعراء، وبين الطبقة التي تمثل الأكثرية في العالم العربي ممن يؤمن بدور،
الشعر التثقيفى، بل والتغييري، ومنهم روّاد في الثقافة - أدى ذلك إلى وجود أزمة
للقصيدة الجديدة، إذ تلقاها الجمهور المثقف على أساس أنها تمثل تياراً مناقضاً
للموروث بكل أشكاله، فرفضت ولفظت من هذا الجانب بكل قوة، إذ أنها بما تمثله
من تيار فكري غريبة تلقى أصحابها فتات الثقافة الأخرى.
والحق أن الانحراف الفكري لمنظري القصيدة الجديدة بلغ درجة لا تطاق،
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومن يلقي نظرة على إنتاج تلك الفئة يجده بيناً،
وعلى سبيل التحدي من أمثال البياتي، والسياب، وأدونيس، والمقالح، وبلند
الحيدري.. الخ.
حتى أصبحت قضية المفارقة الفكرية سمة ملازمة للقصيدة الجديدة وتنضح
بعبارات الإلحاد وشعاراته، مما يرفضه حس الإنسان المسلم.
٢- أزمة في الغموض:
هذه هي الأزمة الثانية التي تردت فيها القصيدة الجديدة وبخاصة في جيلها
الثالث.
والمقصود به الغموض الذي يصل إلى حد الأحاجي والألغاز، إذ أضحى
الشعر عند هذه الفئة نوعاً من الحذلقة، والتصنع في رص ألفاظها والتراكيب،
حتى أصبح الغموض سمة الشعر الجيد عند هذه الفئة، لدرجة لا يكاد يفهمه صاحب
النص، مما حدا بأدونيس أن يقول عن فهم الشعر: «ليس من الضروري لكي
نستمتع بالشعر أن ندرك معناه إدراكاً شاملاً؛ لأن مثل هذا الإدراك قد يفقدنا هذه
المتعة..» .
ويقول أحد المعجبين بأدونيس: «إن الشاعر المعاصر لا يتيح لهؤلاء
الآخرين فرصة الولوج إلى عالمه بسهولة، بل يرى قمة المجد ألا يكون
مفهوما» ، فهذا الضرب من التنظير النقدي، وفتح باب التجريب على صراعيه أديا بكثرة كاثرة من الجيل الثالث أن يتسلق هذا السلم كل من أراد الظهور والشهرة، وكان لبعض المجلات والجرائد المختصة دور تخريبي لا يغفل. ويأتي الغموض
تحت شعار تجديد اللغة الشعرية، وإصرارهم على الإتيان بصور غريبة يأباها
الذوق العربي، إذ هي بعيدة كل البعد في تركيبها عن العربية.
من ذلك مثلا قول «أدونيس» :
هذه ناري
لا تبق آية، دمي الآية
هذا بدئي
ونحوه قول «أنسي الحاج» :
المدينة الحاضرة جيب صادق
يهدل لحم الليل
يتفسخ يتطاير محروقاً
وشظايا نار
مدّها قحط السنوات
من حاملي الألوية.
وعلى نفس المنوال يقول - أحمد عبد المعطي حجازي:
وبعد صمت لم يطل
الطائر الأخضر طار
الغصن ما زال بسحره يميل
كأنني شجرة من الشجر
مرت بها الأمطار
فسار في أعماقها حلم الثمر
وانحلت الأشرار
بعد طفولة طويلة بعد انتظار
فهي كما يقول الدكتور يوسف عز الدين «ولكن هذا الإيحاء غامض،
غموض الغموض..» .
ولنا أن نتساءل ما الفائدة من الشعر إذا لم يتذوقه المفكر ويفهمه الأديب
والمثقف.
على أنه ينبغي القول إن الشعر لا بد أن يكون فيه نوع من الغموض الواضح
إن صحت التسمية لئلا ينزلق الشعر إلى السطحية، بل إن الشاعر قد يلجأ إلى نوع
من الرمز والغموض ليعبر عن قضاياه تجاه قوى القهر والظلم، والشاعر الذي
يمتلك الموهبة والثقافة يستطيع أو يوازن بين الغموض والوضوح.
٣- أزمة المتلقي:
لعل أشد الأزمات قتامة مني بها دعاة الشعر الجديد هو المتلقي، إذ يتشكى
كثير منهم من انفصام العلاقة بين كاتب القصيدة ومتلقيها، وذلك يرجع في نظري
إلى السببين السابقين، إذ أديا إلى النفور العام من القصيدة الجديدة، برغم محاولة
كثير من الشعراء والمثقفين لهم من النقاد الإلقاء باللائمة على الجمهور المتلقي،
لأنهم كما يزعمون ظلوا أسرى التخلف في مطالعاتهم، مما نتج عنه عدم تفاعلهم مع
الجديد، وهذا القول فيه مجافاة للحقيقة، فقد وجدنا أساتذة الأدب الحديث يقفون
حيارى مشدوهين أمام كثير من النصوص لعجزهم عن فك طلاسمها.
والشعر إذا لم يتقبله الجمهور المثقف الواعي يفقد هدفه، لذا فالأفضل أن
يخرج من دائرة الثقافة عامة، ومن فن الشعر خاصة.
على أن هنالك أزمات كثيرة تمر بها القصيدة الجديدة مما قد يطول المقام
عندها كأزمة اللغة، والإيقاع، والسرقة.. الخ.
ولأن هذا الشعر منبوذ من قبل الأمة لمضامينه المنحرفة التي تعيش على
فتات الأفكار المنحرفة يعجب المرء من هذا الغي والتمادي في الباطل.
стр. 886
خاطرة أدبية
قارئ الفنجان
سعد بن محمد عبد اللطيف
جلس الحلاج على كرسي في مقهى التاريخ.. يحمل معه كتاب «الثابت
والمتحول» صفق بيده الغليظة.. جاء يركض صبي القهوة ملبياً ذاك التصفيق،
تقدم الصبي إلى الحلاج قائلاً: ماذا تريد يا سيدي؟
الحلاج: أريد فنجاناً من القهوة الساخنة\.. أسرع الصبي ليجيب الطلب،
فضاء المقهى يعج بالدخان.. راح الحلاج يتأمل الطريق المؤدي إلى جمعية
التحرر-الثقافي الذي هو عضو فاعل فيها. وهي تقع خلف المركز التجاري -
الكبير. لابد من إصدار صحيفة تنادي للفجر الجديد.. لمحاربة المتعصبين
والأصوليين المتطرفين.. أصحاب الأفق الضيق الذين يحاربون الرأي الآخر
والحوار، أصحاب التسلط والإرهاب الفكري الأحادي.. أتى الصبي يحمل فنجان
القهوة، يضعه على الطاولة المتسخة.. ينقطع تأمل الحلاج وتفكيره ويقبل على
الفنجان يرفعه إليه ينظر إلى الفنجان.. يمارس هوايته.. قراءة الفنجان ليطلع على
مستقبل الفكر وحريته، وآخر أخبار البيت الأبيض والكرملين؟ !
يتطلع في الفنجان باهتمام مشدوداً إليه.. شيئاً فشيئاً تتهلل قسمات وجهه
وينفرج فمه عن ابتسامة صفراء،.. «ها هم أو هم سيأتون في زمن ما ولكنهم
سيأتون.. جيوش جرارة من المثقفين لا التقدميين.. يتصدرون المجالس
والمنتديات.. ولكن ما هذا الهذيان الأدبي وال١فكري الذي لا أفهمه.. لعلها تشبه
بعض إبداعاتي الطليعية.
ولكن كلام هؤلاء يغلب عليه الغموض وشبيه بطلاسم وأساطير الهند والفرس.. أهم وصلوا إلى قمة الإبداع وجوهره؟ أم هو الفيض والعلم اللدني؟ !
يعود إلى النظر في الفنجان.. يرى أحدهم اعتلى منبراً.. يلقي قصيدة..
يحرك يديه بانفعال كأنه يريد أن يمسك بذباب يضايقه» لو قال أحد أو لقي مثل هذا
الكلام من مجانيننا وادعى أنه شعر وأدب لكان جزاؤه اللطم على الخدود والركلات
على الرؤوس.. «.
يعود إلى النظر في الفنجان» أواه إني أرى أمريكا.. الحضارة.. الثقافة..
التحرر.. وذاك تمثال الحرية الشامخ. لكم تمنيت أن أصنع وأضع مثله في أرض
الجزيرة أو الشام.. هم وصلوا إلى سطح القمر وأطلقوا؟ الأقمار الصناعية والناس
هنا يتناقشون حول الحيض والمسح على الخفين.. «.
» على كل حال البركة في هذا الجيل القادم الذي رأيته في الفنجان قبل قليل.. حقاً ما أروعهم وما أروع هذا الجيل وهذا الجو المتخم بالحرية والديمقراطية،
أين كل هذا من واقعنا الحاضر.. من هذا التطرف والتعتيم الإعلامي.. «.
يبدأ بشرب القهوة بعد تلك الخواطر.. يخرج من تأملاته.. لكنه يتذكر: غداً
سألقي محاضرة في جمعية المرأة المثقفة بعنوان» دور المرأة المثقفة المتحورة في
التنمية «وسأقوم بقص الشريط لفتح معرض الشيكولاته والكعك، وسيكون ربح
هذا المعرض لجمعية المعوقين» .
يتشاغل الحلاج بنظر إلى زبائن المقهى.. يمر بائع الصحف.. يصيح
الحلاج: ناولني صحيفة اليوم.. يطالعها بلهفة.. «ما هذا، لا أصدق؟» لم أجد
ذلك عند قراءتي للفنجان.. «يخرج نظارته.. يلبسها مرتبكاً.. يتأكد.. يتمتم من
هؤلاء.. تبتلعه الدهشة.. يسقط مغشياً عليه على أرضية المقهى المملوءة بأعقاب
السجائر.. الناس حوله يتجمهرون.. يستفسرون» احملوه إلى المستشفى «قال
أحدهم.. يتفرق الجمهور يلتقط أحدهم الصحيفة، يرى السبب ويعلن الخبر.. يقرأ..» فاز الحلاج بجائزة نوبل لهذا العام. ومن المتوقع أن يكون هو حكم البلاد
اللاحق «!
стр. 887
المسلمون في العالم
الصراع العربي - الإسرائيلي
وأكذوبة السلام
مازن عبد الله
لقد انتهت حرب الخليج بانتصار دول التحالف وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي خرجت من تلك الحرب كقوة عظمى وحيدة خاصة بعد سقوط منافسها الاتحاد
السوفييتى وانحسار نفوذه على الساحة الدولية. ولقد ظنت الولايات المتحدة
المنتصرة في الحرب التي أعدت وجندت لها وقادت دول التحالف فيها، وفكرت
بأن تلعب دور الشرطي الدولي، فقرر رئيسها صاحب القرار وبطل العملية،
وطموحاً منه في أن يدخل التاريخ وينظم إلى مجموعة عظمائه، قرر أن يقوم بعمل
يتوج فيه نصره ويذكره التاريخ عليه، فوعد بنظام عالمي جديد ينهي به عهد الظلم
والظلمات ويحكم على أساسه بالعدل والإنصاف.. وكان لابد له، ولكي يصبح
لكلامه هذا معنى ومصداقية، بأن يبدأ بترجمة كلامه بحل مشكلة الشرق الأوسط،
منبع الاضطرابات وعدم الاستقرار في المنطقة والعالم. فكان القرار، وكما جاء
على لسانه في خطاب له بعد انتهاء حرب الخليج مباشرة، أمام الكونغرس الأمريكي.. «لقد حان الوقت لعقد سلام شامل في الشرق الأوسط يقوم على
مبدأ الأرض مقابل السلام وعلى قراري الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ و ٣٣٨» .
لقد مضى على بوش هذا أكثر من شهرين. وقبل أن نبدأ بتقييم الخطوات
العملية لهذا القرار التي تم تنفيذها حتى الآن، نود أن نستذكر بعض الأحداث.
والتطورات السابقة المتعلقة بهذا الموضوع، ذلك أن قراراً كهذا لم يكن الأول ولن
يكون الأخير ...
في حزيران عام ١٩٦٧، قامت إسرائيل بعدوان على الدول العربية واحتلت
سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان، فما كان من الدول العربية إلا أن لجأت إلى
الأمم المتحدة في الشهر التالي من العدوان، فتقدمت دول أمريكا اللاتينية بمشروع
القرار المعروف بالمشروع اللاتيني، والذي يقوم على أساس مبدأ الأرض مقابل
السلام، إلا أن الدول العربية رفضت القرار وقتئذ باعتباره يقدم مزايا سياسية
لإسرائيل. وفي شهر أيلول من نفس العام تم طرح الموضوع مجدداً أمام مجلس
الأمن، فأصدر هذا الأخير وبعد مناقشات دامت شهرين تقريباً قراره رقم ٢٤٢
وذلك في ٢٢ تشرين الثاني ١٩٦٧؛ لقد تبنى مجلس الأمن الدولي وبالإجماع هذا
القرار الذي قضى بانسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها
في النزاع الأخير. فلقد صدر هذا القرار إذن، بغية إنهاء العدوان الإسرائيلي على
الدول العربية، ولكنه لم يتعرض لا من قريب ولا من بعيد للقضية الفلسطينية.
ولقد حرص السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة حينذاك على تسمية هذا العدوان
نزاعاً، وذلك لاعتبارات قانونية إذ أن اعترافه بالعدوان الإسرائيلي، يستتبعه قبوله
تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات على إسرائيل،
وهو ما تم تطبيقه على العراق لعدوانها على الكويت. إنه وبالرغم من تجاهل هذا
القرار للقضية الفلسطينية، فلقد ضربت إسرائيل به عرض الحائط ولم تنفذ شيئاً
منه ولم تلقى أية ضغوطات لتنفيذه.
في ١٦ كانون الثاني ١٩٦٩، أرسلت فرنسا خطاباً إلى كل من الولايات
المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا تقترح فيه أن يلتقي مندوبو الدول الأربع
لبحث قضية السلام في الشرق الأوسط، فوافقت الدول على اقتراحها، وظل
المندوبون الدائمون الأربعة في مجلس الأمن يلتقون طوال عام ١٩٦٩ في نيويورك، ولكن من دون جدوى، فلقد باءت محاولاتهم ولقاءاتهم - هذه بالفشل.
في ٢٢ تشرين الأول ١٩٧٣ وخلال حرب أكتوبر تبنى مجلس الأمن الدولي
القرار وتم ٣٣٨ بأغلبية ١٤ صوتاً مقابل لا شيء. ولقد دعا هذا القرار جميع
الأطراف المشتركة في القتال إلى وقف إطلاق النار. والبدء فوراً بتنفيذ قرار
مجلس الأمن رقم ٢٤٢ بجميع أجزائه. ولكن القرار الجديد هذا لم يكن أوفر حظاً
من سابقه، فلقد ذهبت كلماته أدراج الرياح.
مع بداية عام ١٩٩٠، وعقب انتهاء الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد
السوفييتي ولقاء رأيسيهما في مالطا طرحت مسألة الشرق الأوسط مجدداً كونها من
أهم النقاط الساخنة، وتم الاتفاق على إقامة مؤتمر دولي تشارك فيه جميع الأطراف
تحت رعاية الأمم المتحدة. وبدئ فعلاً بالعمل والتحضير لهذا المؤتمر وكلف بهذه
المهمة وقتئذ جيمس بيكر نفسه الذي يقوم بنفس المهمة الآن بعد انتفاء حرب الخليج
والذي قدم مشروعاً من خمس نقاط لحل تلك المشكلة، ولكن في النهاية كل تلك
المحاولات والمشاريع باءت كسابقاتها بالفشل.
لقد انتهت الحرب في السادس من آذار ١٩٩١ بخروج أمريكا سيدة للموقف
الدولي، فعاد رئيسها للنغمة القديمة، ووعد بحل مشكلة الشرق الأوسط. ولقد عين
لهذه المهمة وزير خارجيته جيمس بيكر الذي بدأ فعلاً بجولات مكوكية على
الأطراف المعنية وكانت الخطة الأمريكية في بادئ الأمر تقضي بسحب موافقة
جميع الأطراف على عقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وحل النزاع على أساس
القرارين رقم ٢٤٢ و ٣٣٨. لقد قابل العرب والفلسطينيون هذا القرار بالقبول في
الترحيب بعد ما رفضه معظمهم في الماضي، فأيدوا مساعي بيكر وشجعوه على
المضي قدماً في طريق البحث عن سلام عربي إسرائيلي في ضوء تلك المبادئ التى
أعلنها بوش، وخاصة مقايضة الأرض بالسلام، والاعتماد على «الشرعية الدولية
» وكما تسمى، ممثلة في القرارين رقم ٢٤٢ و ٣٣٨. وشجعهم على ذلك أكثر
فأكثر، مواقف أوروبية أخرى كان أهمها موقف الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران
الذي، بالإضافة إلى موافقته على مبدأ الارض مقابل السلام وتحكيم «الشرعية
الدولية» في حل النزاع؛ عاد ليذكر بقرار الأمم المتحدة القديم بتقسيم فلسطين إلى
دولتين، واحدة إسرائيلية وأخرى عربية، وهو القرار الذي ترفضه إسرائيل
وتتجاهله أوروبا وأمريكا منذ الأربعينات وحتى اليوم ... أما بالنسبة لإسرائيل، فلقد
رفضت الخطة الأمريكية رفضاً قاطعاً، ورفضت فكرة عقد مؤتمر دولي، كما
رفضت إعطاء أي دور للأمم المتحدة ومجلس أمنها؛ خوفاً من أن تحاول تلك
الأخيرة ممارسة أي ضغط أو فرض أية حلول عليها، وعزت رفضها هذا لعدم
ثقتها بالأمم المتحدة التي تتهمها بالتحيز عندما قررت مساواة الصهيونية بالعنصرية. فلقد قال مرة «أبا إيبان» وهو أول مبعوث لإسرائيل في الأمم المتحدة، ويؤيد
قيام الأمم المتحدة بدور ما في عملية السلام.. «لو أن العرب اقترحوا مشروع
قرار يقول أن الأرض مسطحة، فسيحصلون على موافقة أغلبية ثلثي أعضاء
الجمعية العامة» .
في ١٠ نيسان ١٩٩١ أعلنت وكالات الأنباء، وعلى أثر مقابلة بيكر مع
وزير خارجية إسرائيل دافد ليفي، أنه تم الاتفاق بين أمريكا وإسرائيل على العمل
على عقد مؤتمر إقليمي للسلام في الشرق الأوسط برئاسة الولايات المتحدة ومشاركة
الاتحاد السوفياتي والدول العربية على أن لا يكون الهدف النهائي لعملية السلام،
إنشاء دولة فلسطينية. ولقد اشترطت إسرائيل في هذا الاتفاق أن يتم التعامل مع
المشكلة الفلسطينية على أساس خطة إسحاق شامير التي قدمها عام ١٩٨٩ والتي
تقضي بإجراء انتخابات محلية في المدن والقرى العربية تمنح الفلسطينيين في
الضفة الغربية وقطاع -غزة حكماً ذاتياً محدوداً، تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة
على الأرض والموارد والدفاع، وتمتد فترة الحكم الذاتي هذه لثلاث سنوات، تعقبها
محادثات لاحقة حول الحل النهائي، بشرط أن لا تجبر إسرائيل على قبول ما لا
يناسبها. واشترطت إسرائيل أيضاً أن يتم تشكيل وفد فلسطيني يتفق حوله معها،
ويكون من داخل الضفة والقطاع فقط، كما اشترطت الاعتراف بوجود أكثر من
تفسير لقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ وإعلان واشنطن حق إسرائيل في التفسير
المناسب لها؛ وتفسر إسرائيل قرار مجلس الأمن بأنه يدعوها إلى الانسحاب من
أراض احتلتها في حرب عام ١٩٦٧، وليس من الأراضي التي احتلتها في حرب
عام ١٩٦٧، وتعتبر أنها التزمت بهذا القرار ومنذ وقت طويل وذلك عندما انسحبت
من شبه جزيرة سيناء في إطار معاهده السلام التي وقعتها مع مصر عام ١٩٧٩م.
وعلى صعيد اشتراك الاتحاد السوفياتي إلى جانب الولايات المتحدة في اللقاء،
اشترطت إسرائيل على موسكو أولاً إعادة العلاقات الديبلوماسية كاملة معها، وثانياً
الإقرار بنقاط اللقاء الإسرائيلي الأمريكي سابق الذكر حول شكل وهدف المؤتمر.
تجدر الإشارة هنا إلى أن إسرائيل وخاصة اللوبي الصهيوني التابع لها داخل
الكونغرس الأمريكي، لعبت دوراً مهماً وأساسياً في الضغط على الاتحاد السوفياتي
من أجل إعادة العلاقات الديبلوماسية كاملة معها، ومن أجل إرغامه على تسهيل
هجرة اليهود السوفيات إليها؛ فلقد ذكرت وكالات الأنباء في ١٧/٤/٩١ أن وزارة
الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً جاء فيه أن الرئيس الأمريكي جورج بوش أوضح
عندما وقع الاتفاق التجاري الأمريكي السوفياتي خلال اجتماع قمة واشنطن، ومرة
أخرى عندما أوقف مؤقتاً العمل بقانون جاكسون - فانيك، الذي يحظر تقديم أية
قروض إلى الدول التي لا تسمح بحرية الهجرة، أنه لن يقدم الاتفاق التجاري
للكونغرس إلا إذا طبق الاتحاد السوفياتي قانوناً جديداً للهجرة. ولقد أعرب المؤتمر
القومي بشأن اليهود السوفيات في أمريكا وقتئذ عن قلقه العميق بشأن التقرير عن
تأخر صدور هذا القانون. وكان هذا المؤتمر قد حث الولايات المتحدة على تخفيف
القيود التجارية على موسكو عندما خففت القيود على الهجرة.
أخيراً، فإن فكرة المؤتمر الإقليمي هذا الذي طرحته إسرائيل وتبنته الولايات
المتحدة، حتى هذه الفكرة حمّلتها إسرائيل من الشروط ما يشجع العرب على
رفضها. بل يجعل من المستحيل القبول بها. ولكن وبالرغم من كل هذا، قبلت
بعض الدول العربية بها؟ فلقد اعتبرتها مصر ووصفتها بأنها «مفيدة جداً» ،
وتخلت بذلك عن طلبها، الذي تقدمت به خلال زيارة الرئيس السوري حافظ الأسد
إلى القاهرة بمشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في هذا المؤتمر. ولقد ذكر مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ ١١/٤/١٩٩١ أن
السعودية أبلغت بيكر أنها أوقفت الدعم المالي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن
الأمير سعود أبدى اهتماماً كبيراً بالاقتراع الأمريكي بعقد مؤتمر إقليمي للسلام بين
إسرائيل والدول العربية والفلسطينيين بإشراف الولايات المتحدة والاتحاد
السوفياتي ... وكانت سورية قد أصرت على التفاوض مع إسرائيل على الأسس التي اتفقت عليها المجموعة الدولية، بما فيها أمريكا، وتنفيذ قراري مجلس الأمن في إطار مؤتمر دولي تشارك فيه كافة أطراف النزاع بها فيها الطرف الفلسطيني.
ومن المسلم به أن إسرائيل ترفض فكرة المؤتمر الدولي والانسحاب حسب
قرارات الأمم المتحدة. وهذا ما حدا بوزير الدفاع الأمريكي ريتشرد تشيني، في
٢٩/٤/٩١ إلى الحد من توقع حل مبكر لأزمة الشرق الأوسط، فأعلن أن
«الانتصار في حرب الخليج يجب ألا يعني في شكل تلقائي أن علينا أن نتوقع أن في استطاعتنا خلال مدة قصيرة إزالة كل النزاعات ومصادر عدم الاستقرار في المنطقة» . وفي رد له على سؤال في مؤتمر عقده معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى من بعد ظهر ذلك اليوم عما إذا كانت تستطيع الولايات المتحدة تحمل الفشل في التوصل إلى سلام بعد كل الجهود التي بذلتها، أعرب عن أمله بالتوصل إلى حل سلمي للمشاكل في الشرق الأوسط وقال: «ولكنني أعتقد بأن علينا ألا نكون بسطاء للاعتقاد بأن الأمر سيكون سهلاً، وأننا نستطيع في الضرورة حل المشاكل الموجودة في المنطقة» .
أخيراً يبدو واضحاً من خلال متابعة التطورات والتصريحات الرسمية التي
رافقت جولات بيكر، أن إسرائيل ترفض مبدأ الأرض مقابل السلام، ولن تقدم
تنازلات، ولن تتخلى عن الضفة الغربية أو غزة أو الجولان، ولن تقبل بدولة
فلسطينية مهما كان شكلها ووضعها، وتصر على استبعاد الدول الأوربية والأمم
المتحدة، ولا تريد إلا مؤتمراً إقليمياً وبجلسة واحدة تمهد لمفاوضات مباشرة تقتصر
على إسرائيل وكل من الدول العربية على حدة.. فالذي ينظر إلى العقلية
الإسرائيلية بعمق، ويفكر بالنظرية الصهيونية ومنهجيتها العملية بعقلانية، يعلم
ويتيقن بأن تلك الفئة من المخلوقات، عندما تتحدث عن أمن أو سلام، إن هو إلا
ذر رماد في العيون. وأن هؤلاء الذين عملوا وجهدوا طوال عشرات السنين وفي
جميع الظروف والحالات ليصلوا وبكل الوسائل إلى هدفهم الموعود «إسرائيل
الكبرى» ، عندما يتكلمون عن مؤتمرات إقليمية أو غير إقليمية ومفاوضات مباشرة
أو غير مباشرة، وعندما يتحدثون عن إمكانية تقديم تنازلات أو استحالتها، إنما
يتبعون أسلوباً ذكياً مبنياً على تخطيط مسبق بعيد وعميق، يعملون ويقتسمون
الأدوار على أساسه، فهذا يميني وذاك يساري، وهذا متطرف وذاك معتدل، وهذا
يريد السلام وذاك لا يريده، فالقضية مناورات بمناورات، والمسألة تمثيل بتمثيل،
وفي النهاية تجدهم متفقين على الهدف النهائي.. لقد ذكرت - صحيفة «هآرتس»
أن رئيس حزب العمل شمعون بيريز تحفظ على تصريح النائب يوسي بيلين بشأن
تأييد الحزب للحكومة في حالة انسحاب الأحزاب اليمينية منها إذا ما وافق رئيس
الوزارة على تقديم تنازلات بشأن السلام. وقال بيريز: «ما كنت لأقول كما قال
بيلين لأن تصريحاً كهذا كان سيخلق انطباعاً بأن شامير مستعد فعلاً لتقديم تنازلات» ، وهو لا يريد أن يخلق انطباعاً بأن هذا ما سيحصل. وأضاف أن على الولايات
المتحدة أن تمارس الضغط على العرب وليس على إسرائيل «فالعرب يهذون في
أحلامهم ويبالغون في طلباتهم» .. فبيريز هذا، وهو زعيم المعارضة في إسرائيل، لا بأس عنده في أن يعارض وينتقد شامير في مسألة مبتوتة سلفاً وقطع شوطاً في
تنفيذها كمسألة الاستيطان وبناء المستعمرات، أما عندما تكون المسألة متعلقة
بقرارات عملية لها علاقة بمستقبل إسرائيل، فلا معارضة ولا خلاف. وتجدر
الإشارة هنا بأن شارون وزير الإسكان الإسرائيلي ومدبر ومخطط عملية غزو لبنان
بدأ بتعجيل برنامج إسكان ضخم في الأراضي المحتلة ليجعل من الانسحاب منها
تحت ضغط من جانب واشنطن أمراً مستحيلاً. وهذا البرنامج يشمل خطط لبناء
١٣٠٠٠ مسكن جديد في الضفة الغربية خلال العامين المقبلين.
أخيراً، أجد من المناسب أن أختتم هذا المقال بكلام لوزير العلوم الإسرائيلي
يوفال نئمان في مقابلة أجرتها معه مجلة (جيروزالم ريبورت) «وصف فيها
المسيرة السلمية كحيلة خطيرة لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات خطيرة. قال:
» إن اليهود تدبروا أنفسهم بدون سلام على مدى مائة سنة وبوسعهم أن يتدبروا
أنفسهم بدونه مائة سنة أخرى « ...
стр. 888
من مانغستو إلى غاندي
ماذا تعني هذه الأحداث
ما وقع أخيراً من الأحداث المتسارعة في دول آسيا وإفريقيا، قد يبدو في
الظاهر أنه لا يجمعه جامع ففي الهند اغتيل زعيم حزب المؤتمر راجيف غاندي
الذي ورث زعامة الحزب عن والدته وجده، وفي الحبشة فرّ منغستو متجهاً إلى
زيمبابوي تاركاً بلاده إلى أزلامه المقربين، بعد حكم دموي دام أربعة عشر عاماً،
وفي تونس ألقت الحكومة التونسية القبض على كثير من زعماء وأعضاء حركة
النهضة الإسلامية، وذلك بتهمة التآمر والانقلاب على الدولة.
ماذا تعني هذه الأحداث، وما هو الشيء المشترك بينها، أول ما يتبادر إلى
أن الذهن أن أكثر دول إفريقيا وآسيا (العالم الثالث) لا تزال في مرحلة تخلف
واضطراب، ولم تستقر على حال بعد، وكل الحكومات المتعاقبة لم تسر على
خطى صحيحة، وتعمل في سبيل مصلحة بلدها، وأولى الخطوات هي إعطاء
الإنسان الكرامة التي يستحقها، فالظلم يؤدي إلى الخراب الاقتصادي، والخراب
الاقتصادي يؤدي إلى الفساد الاجتماعي.. وهذه الدول لاتزال تعيش عقلية القرون
الوسطى الأوربية، فالذين قتلوا راجيف غاندي إنما يريدون منه أن يكون أكثر
تعصباً ضد المسلمين وهو لا يختلف عنهم إلا أنه ناعم الملمس، ومنغستو لا يقر
بأي حق للمسلمين في بلاده، بل إن مواطنيه يقولون: لن يتغير شيء بعد رحيله؛
لأنه ترك أزلامه في السلط. [١] .
وحركة النهضة الإسلامية كانت في البداية تداري وتؤيد الحكومة الجديدة على
أمل الحصول على حقوق الإنسان الأساسية، ولكن أمور الحكم تسير دائماً وكأنهم
يريدون تفجيرها ليهدموا البيت علىساكنيه، وتبقى البلاد في حالة مزرية من
الضعف والتمزق، وقد عبر راجيف غاندي لأحد الصحفيين قبل مقتله بقليل عن
إحباط الناس في الهند، فقال: «إن إحباطاً هائلاً يتولد بين الناس؛ لأن النظام لا
يحقق طموحاتهم» [٢] ، وطبعاً هو جزء من هذا النظام، فقد حكم هو وأسرته
فترة طويلة.
إن - هروب منغستو، وهروب سياد بري وسقوط غيرهم من المفسدين في
الأرض يجعل أكثر الناس غباءً يعتبر وينزجر، وليكن يبدو أنه قد ران على قلوبهم.
стр. 889
حوار
دور المرأة المسلمة
وجهت البيان مجموعة من الأسئلة إلى الأخت الفاضلة خولة درويش. وكان
الحوار يدور حول مكانة المرأة المسلمة ودورها في الأسرة والدعوة إلى الله،
فأجابت مشكورة.
س: لا نستطيع أن نقول أن هناك مشكلة في الإسلام اسمها المرأة، لأن هذا
الدين من عند الله ولا يظلم ربك أحداً، وكل له مكانه ومكانته في حدود ما يسر له.
ولكن السؤال من ناحية واقع المسلمين، هل هناك مشكلة للمرأة؛ وما أسباب
هذه المشكلة؟
ج: حقاً لا توجد مشكلة للمرأة في الإسلام ... أما من حيث واقع المسلمين،
فواقعهم يزخر بالمشكلات لكل من المرأة والرجل على السواء: من بناء الأسرة إلى
طريقة الكسب، طريقة الإنفاق، التعلم، العمل لخدمة الإسلام ...
والمرأة المسلمة تعيش الأوضاع نفسها التي يعيشها الرجل المسلم، فهي بلا
شك تعاني نفس المشكلات أيضاً، يضاف لها المشكلات المفتعلة والتي يصورون
سببها رئاسة الرجل للأسرة.
وفي ظل الالتزام بأمر الله تعالى، لن تكون هناك مشكلة أبداً، وسبب ذلك أن
الله تعالى خالق الذكر والأنثى وكرمهما جميعاً قال تعالى: [ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ]
شرع ما فيه خير الجميع من رجل أو امرأة، ولا يحابي في تشريعة الحكيم أيا منهما.
هذا وإن جعل التشريع الحكيم القوامة للرجل.. لكنه قيده بضوابط شرعية
تمنعه من النكاية بالمرأة وإلحاق الضرر بها.
وفي غيبة تطبيق الشريعة الربانية تبرز الأنظمة البشرية التي تقصد مصلحة
أحد الطرفين لا محالة، وهنا فقط تكون المشكلة من تضييق على المرأة باسم
القوامة ليحرمها من حقها المشروع.. إلى تسيب المرأة تحت دعوى الحرية
والمساواة.
س: بالنسبة لمشكلة التعليم، إلى أي حد تساهم المناهج الآن في تشكيل عقلية
المرأة وإعدادها لدورها المطلوب؟ وما هي حدود تعلم المرأة التي تتناسب ودورها
وشخصيتها؟
ج: إن عدم إلمامي بجمع مناهج البلاد العربية يجعل الجواب صعباً، وفي
حدود معلوماتي فإن المناهج الحالية لها بعض الفائدة في تعليم البنات ما ينفعهن في
حياتهن. لكن يعكر على هذه الفوائد كثير مما لا فائدة حقيقية منه، بل ومآله ضرر
محقق.
أما الاهتمام بدورها الأسري، وإعدادها لتكون زوجة واقعية وأماً مربية
فالمناهج لا تفي بهذا المقصود المهم. أما الشطر الثاني من السؤال، وهو حدود
تعلم المرأة: فالعلم المفروض هو ما تحصل به معرفة أمور دينها التي لا يتم
الإسلام إلا بها. أما ما زاد على ذلك فالمرأة تتعلم ما قدر الله لها من العلم وما
ترغب فيه ويتناسب مع استعداداتها وذكائها ما دام ذلك بحدود الشرع. في كون
العلم دون اختلاط أو خلوة.. ونحو ذلك وكذا نوعية العلم الذي تدرسه، فالعلم الذي
هو ترف فكري لا ينفعها في دينها أو دنياها، ويعتبر مضيعة للوقت وتحاسب عليه
أمام الله .
ومن أكثر ما يهم المرأة المسلمة ويجب أن تسعى لتعلمه: معرفة أسس
الشريعة التي تؤهلها للعبادة، معرفة قواعد الصحة العامة، التدبير والاقتصاد
المنزلي، أسس التربية، وكذا ما ينفعها في مهنتها المشروعة (كأن تنمي معلوماتها
التي تختص بالتعليم وإن كانت تعمل معلمة، أو تجدد اطلاعها إن كانت طبيبة..
وهكذا) .
س: من الملاحظ أن المرأة كان لها دور كبير في أوائل الدعوة فما دورها
الآن؟ وهل أتحنا لها أن تقوم بهذا الدور في مجتمعاتنا الدعوية المعاصرة. ومن
يتحمل مسؤولية إبعادها عن هذا الدور؟
ج: لا شك أن كل منصف يقدر للمسلمة في فجر الدعوة دورها ومساهمتها في
تبليغ رسالة السماء، ونتطلع إلى الاقتداء بأولئك النساء الفضليات. أما دورها الآن، فأرى أنه شبه مفقود، وإن وجد فهي محاولات ذاتية وقليلة للقيام بهذا الواجب
الشرعي. ونرجو لهذه المحاولات أن تنمو على أسس شرعية سليمة.
أما مسؤولية إبعادها عن هذا الدور:
- فتتحمله الأوضاع الجائرة في كثير من البلاد الإسلامية.. فهي قد أبعدت
الرجال عن القيام بهذا الواجب فضلاً عن النساء.
- وتتحمله الموروثات الخاطئة عن مهمة المرأة في الحياة، حيث ينظر إليها
على أنها أداة لحفظ النسل.
- وتتحمله أنانية كثير من الرجال أو ضيق أفق بعضهم، لشعورهم بذاتهم في
غيبة وعي المرأة وعملها في الدعوة.
وتتحمله المرأة نفسها؛ إذ للأسف يصعب على البعض الموازنة بين الحق
والواجب فيجمح بها الغرور، ويحول الكبر والغطرسة التي قد يخلفها العمل دون
تقدير رأي الزوج مما يحول البيت إلى جحيم لا يطاق.
وأرى أن الحل هو في التربية الإسلامية المتوازنة التي تدعو إلى إعطاء كل
ذي حق حقه أولاً، ومن ثم الدعوة إلى الخير والتناصح.
س: ضمن التناول المتطرف للأمور يأتي موضوع المرأة بين من يريدون
مساواتها بالرجل في أمور الدعوة وبين من يحتصرون دورها ومهمتها في المطبخ
والأثاث والملابس.. الخ ما رأيكم في هذا؟
ج: إن الدعوة قد تستلزم السفر أو الخروج من المنزل، وقد تستلزم الذهاب
إلى بيوت الأخريات أو قدوم النساء إلى بيت المرأة، كما وأنها تحتاج إلى بذل
وإنفاق. وهذه الأمور جميعاً ينظمها الشرع ويجعل الرأي فيها جزءاً من قوامة
الرجل على المرأة. أي أن مساواتها بالرجل في أمور الدعوة تنافي الدعوة التي
تريد أن تتصدر لها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن تكون مهمتها الطبخ والأثاث ونحو ذلك،
فهذه مهام تقوم بها أي امرأة أو حتى الرجل إن كان خادماً، فلماذا أوصى الشرع
بحسن اختيار الزوجة؟ وإلا ما الفرق بين امرأة وأخرى.
والناظر في دور المرأة المسلمة في هذا المجال عبر التاريخ، يجد أنه كان
لدعم عمل الرجل، ولا يصح بحال أن يستهان بهذا الدور، فمواساة السيدة خديجة
للرسول ﷺ في بدء الدعوة شدت أزره وأذهبت روعه حين
تحملت معه المصاعب في الشعب وواسته بمالها، فكان موقفها يعجز عنه الرجال.
فالمرأة في كونها السكن النفسي لزوجها تؤدي دوراً دعوياً مهماً. ذلك لأنه
مشغول البال والفكر، لا يمكن أن ينهض لحل مشكلاته الخاصة فضلاً عن دعوة
الغير إلى الخير. وأنّى له أن يجد الراحة وقد تحول بيته إلى مكان لتنغيص العيش
وإثارة الهم.
وباختصار فالرجل المسلم لا يكبتها فيحطم كيانها وبنفس الوقت لا يترك الحبل
على الغارب فيفسد دينها ودنياها، والمرأة المسلمة تعلم أن عملها في المطبخ ليس
مجال أنفة وكبر، وإنما هو مجال للثواب، ورجلها المسلم إذا أمكنه لا يبخل عليها
بإحضار بعض الآلة المريحة التي تشعرها، بكيانها، وتوفر جهدها ووقتها لتقوم
بمهام دعوية جليلة.
س: هل تستطيع المرأة المسلمة توظيف موضوع الزيارة مع الأقارب أو
الجيران أو أخواتها المسلمات دعوياً لإيجاد تطلعات إلى الحياة الإسلامية؟
ج: إذا كانت مسلمة حقاً فبالتأكيد تستطيع ذلك وهو جزء من واجبها الديني.
ذلك أن نظرة الناس إلى الدين إنما تبنى بالنظر إلى تصرفات المتدين.
ودعوتها تبثها في كونها قدوة حسنة في كريم أخلاقها، اعتدال لباسها واحتشامه،
همومها، تطلعاتها، معايشتها للآخرين ومشاركتها لهم في آلامهم وأفراحهم، حسب
ما يبيحه الشرع. كل ذلك تأتي به طبيعياً دون تكلف، فضلاً عن الدعوة المقصودة
في انتهاز الفرص المناسبة للدعوة والتوجيه على أن لا يكون في ذلك مبالغة، وعلى
أن تراعي أحوال المدعوات وإلا كان الكلام ممجوجاً ثقيل الظل. وبالتالي تمقت
المبادئ التي تدعو لها.
س: أين تقف المرأة المسلمة الآن من مؤسسة الأسرة وهموم هذه المؤسسة؟
ج: للأسف قد تزف الكثير من فتياتنا إلى بيت الزوجية، والواحدة منهن
تحمل أوهاماً كثيرة.. تظن أنها ستذهب للراحة والتدليل، وما درت أن هذه بداية
المسؤوليات، فقد ذهب دور الأخذ الأسري الطفولي وجاء دور العطاء العاطفي
والتضحية بالراحة والرغبات لمصلحة كل من الزوج وأهله والأصحاب والجيران.. ومن ثم الأولاد.
وتبدأ المشاكل حين تصطدم الفتاة بالواقع الذي لم تهيأ له، وقد يطول لسان
المسكينه لتثبت أنها ليست بأقل من رجلها، فتحول دون الهناءة المنتظرة ويتعلم
أطفالها ذلك.
والمرأة الداعية لدينها تعلم أنها إن احترمت زوجها وأحسنت عشرته احتساباً
للثواب من الله فهي في عبادة تؤجر عليها.
وإن حفظته في أهله فراعت حقهم وأحسنت إليهم، وإن حفظته في ماله
فوضعت كل درهم في موضعه المشروع فهي في عباده. وهي إن ربت أولادها
فأحسنت أدبهم فهي في عبادة يبقى أجرها لما بعد الموت، تعرف أطفالها حق الله،
وتتابعهم في أداء الصلاة، تعودهم على مراقبة الله والعمل على مرضاته، تعرفهم
حق الوالدين، فلا تسمح لأحد بذكر كلمة سوء عن الأب، حتى ولو كانت في أشد
حالات الغضب. وإلا فهي التي ستتلقى التهجمات من ابنها نفسه فيما بعد؛ لأنها قد
أورثته العقوق، تحببهم في العلم ومصاحبة الكتب..
وهكذا تجعل من بيتها واحة عطرة تفوح بالخير والفضيلة في أرجاء المجتمع، والمسؤولية للنهوض، بالمرأة (فيما أرى) موزعة بالتساوي على أسرنا وإعلامنا
ومناهج الدراسة.
س: ما هي الكتب والموضوعات التي تبني شخصية المرأة وتنميها في
الأمور التي نرى أنها مهمة لها كمسلمة تعيش في ظروف المجتمعات الإسلامية الآن؟
ج: الكتب كالدواء فكما أنه يوصف لكل مريض ما يناسبه، ويضر به أن
يعب من الصيدلية أي دواء. كذلك فلكل امرأة ما يناسبها من الكتب حسب ثقافتها
واستعداداتها والغاية التي تريد أن تقرأ لأجلها. وعلى العموم فالكتب التي يشترك
الجميع فيها قد تكون:
- المرأة بين الفقه والقانون لمؤلفه، د. مصطق السباعي ﵀
- كتاب الحجإب - تفسير سورة النور، لأبي الأعلى المودودي ﵀
- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، لأبي الحسن الندوي.
- واقعنا المعاصر، محمد قطب -حفظه الله-
- قولي في المرأة، مصطق صبري ﵀
- الإسلام والحضارة الغربية، د. محمد محمد حسين ﵀
- المجلات الإسلامية كالبيان مثلاً.
س: باعتبارك تشرفين على المدارس الأهلية للبنات، فما انطباعاتك عن هذه
المدارس؟ وما دورها في تربية أبناء المسلمين تربية إسلامية هادفة؟
ج: للمدارس الأهلية دور كبير في التغيير الاجتماعي سلباً أو إيجاباً، وقد
عرف المبشرون والعلمانيون ذلك، فتخرج من مدارسهم أناس أداروا دفة التوجيه
والقيادة في كثير من بلادنا الإسلامية.
واليوم ولله الحمد قد أدرك الكثير من المسلمين أهمية المدارس والتربية فيها،
فنشطوا ليسدوا بعض الثغرات، وليقوموا بأمانة تربية الأجيال المسلمة، وأصبح
كثير من هذه المدارس يسعى إلى غرس المثل الإسلامية، والقيم الخلقية السامية
رغم العقبات التي تلقاها، من قلة الكوادر المؤهلة في الإدارة والتعليم حيناً، أو
الصعوبات المالية حيناً آخر أو تدخل الأنظمة في أكثر بلدان المسلمين؛ لتحد من
انطلاقة المدارس الجادة نحو تحقيق أهدافها المرجوة الخيرة.
ومهما يكن الأمر فهي معقد الأمل للتربية الإسلامية المنشودة، جزى الله
القائمين عليها خيراً.
س: وأخيراً هل لديك نصيحة تريدين توجيهها إلى الفتاة المسلمة؟
ج: نعم أرجو من كل فتاة مؤمنة أن تكون على مستوى مسؤوليتها،
فالمؤامرات تحاك ضدها فلا تنخدع.
وأن تشعر أنها على ثغر خطير من ثغور الإسلام، فلا يؤتين من قبلها.
أن ترتفع فوق جواذب الأرض والتفاهات الفارغة، والموضات الخداعة
القاتلة، لأنها ذات رسالة وأية رسالة! إنها إعداد الأجيال المؤمنة، لَبِنات الحياة
الإسلامية، والمجتمعات الجادة على طريق سلف هذه الأمة وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 890
تربية
من وحي التربية النبوية للأطفال
مؤمنة الشلبي
إذا كانت معظم الحضارات السالفة التي ازدهرت قبل ظهور الإسلام، قد
عرفت ألواناً متعددة من التربية طبعت حياتها بطابع يعكس فلسفة كل أمة من تلك
الأمم.. فإن الأمة الإسلامية قد انفردت عن غيرها من الأمم بنظام تربوي متميز
قادر على تكوين أجيال مسلمة متوازنة، قادرة على تحمل المسئولية الكاملة في
تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
ولقد كان النبي ﷺ هو المربي الأول الذي قام بهذه
المهمة التربوية فرسم نماذج تربوية للطفولة لم يسبق لها مثيل في عالم الرعاية
بالأطفال، حيث كان يشرف بنفسه وبأسلوبه الفريد في تنشئة تلك البراعم التي لم
تتفتح، والأغصان التي لم يشتد عودها بعد.
ولم تكن هذه التربية النبوية قاصرة على من يعيش في كنف النبي الكريم -
صلي الله عليه وسلم-، أو من يعيش تحت سقف بيته، بل كان ذلك مبدءاً تربوياً
ينتهجه لأمته عامة، ويرسخه لكل الأجيال من بعده ليقتفوا أثره ويسيروا على
منهجه التربوي عملاً بقوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ] [الأحزاب: ٢١] .
ولو تتبعنا مراحل المنهج التربوي النبوي في عالم الطفولة لرأينا أن مرحلة
التربية تبدأ منذ أن يكون الطفل سراً في عالم الغيب، وذلك ليضمن الأصل الصالح، والمنبت الطيب، والمحضن الأمين، فدعا الزوج لاختيار الزوجة الصالحة التي
ستكون مصدر عزة الطفل ومربيته على الفضائل.
فقد قال رسول الله ﷺ : «تخيروا لنطفكم، فأنكحوا
الأكفاء وانكحوا إليهم» [١] وقال ﵇: «تنكح المرأة لأربع: لمالها،
ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» [٢] . كما دعا -
﵊ المرأة وبنفس القوة إلى إيثار الزوج الصالح الذي سيكون أباً
لأطفالها وقدوتهم ومصدر عزتهم، فقال تعالى: [ولَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ ولَوْ
أَعْجَبَكُمْ] [البقرة: ٢٢١] . كما قال ﷺ : «إذا جاءكم من
ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا
رسول الله وإن كان فيه؟ ؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه..
ثلاث مرات» [٣] ، وما أن يتم عقد الزوجية حتى يتمثل الزوجان قول الله عز
وجل: [رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً]
[الفرقان: ٧٤] .
وقبل المباشرة يردد الزوج ما أرشده إليه النبي ﷺ :
«بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا» متفق عليه.
وهذا من باب الأخذ بأسباب التربية الصالحة التي تبعث في الزوجين
الطمأنينة على مستقبل أطفال أصحاء روحياً وجسدياً.
وما إن تستقر النطفة في رحم المرأة، وتبدأ مرحلة تكوين الجنين في بطن
أمه حتى يوصي الإسلام بالعناية بالحامل عناية كبيرة من أجل سلامتها وسلامة
جنينها، فيأمرها بالأخذ بالأسباب العلاجية، والوقائية، والنفسية، والروحية،
لدرجة أنه يعفيها من فريضة الصيام أثناء الحمل [٤] ، كما أنه يحثها على قراءة
القرآن، والدعاء المستمر، فقد أثبتت التجارب العلمية والعملية أن المرأة المتزنة،
والمطمئنة نفسياً، يتصف وليدها بطبيعة هادئة ومتزنة على عكس المرأة
المضطربة نفسياً والتي تمارس العادات السيئة.
وبعد الولادة حيث يستقبل الطفل بالفرح والبشارات ومع بداية هذه المرحلة
الهامة من حياة الطفل الذي يكون فيها جاهزاً لكل ما يعرض عليه من مكارم
الأخلاق، ومحاسن الصفات، سنَّ لنا رسول الله ﷺ أن نبدأ
هذه المرحلة بغرس جذور العقيدة وكلمة التوحيد والشهادة من خلال الأذان في أذن
المولود اليمنى. فقد أذن النبي الكريم في أذن الحسين بن علي، فعن عبيد الله بن
أبي رافع قال: «رأيت النبي ﷺ أذن في أذن الحسين حين
ولدته فاطمة» [٥] .
وحين يبلغ الطفل يوم سابعه يوصي الرسول ﷺ بتكريمه
والاحتفاء به حين يقول: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه
الأذى» [٦] .
فيأكل الفقير والأقارب من هذا الاحتفال بقدوم المولود، ويحلق شعره ليماط
الأذى عن رأسه، ويتصدق بوزنه من الفضة على الفقراء، والمساكين،
والمحتاجين، فقد قال ﷺ لابنته فاطمة ﵂
حين ولدت الحسين: «احلقي رأسه فتصدقي بوزنه من الورق على
المساكين» [٧] .
وفي هذا اليوم أيضاً ندب ﵊ تسمية الطفل واختيار الاسم
الحسن له حيث قال -عليه أفضل الصلاة والسلام-: «أحب الأسماء إلى الله تعالى
عبد الله، وعبد الرحمن» [٨] ، فكانت هذه أيضاً مكرمة للطفل تساعده على
الابتهاج حين يدعى باسم حسن، وتجنبه الاعتزال والخجل فيما لو أسماه اسماً قبيحاً.
ومن أجل ذلك حرص ﵇ على إبدال الأسماء القبيحة بأسماء
حسنة، كما بين لنا أحب الأسماء وأصدقها، وأقبحها.
وهكذا تتدرج العناية بالطفل والاهتمام به، وتربيته بكل أنواع التربية الشاملة
من خلال توجيهات نبوية كريمة في كل مرحلة من مراحل نمو الطفل نفسياً،
وجسدياً، - بدءاً من التربية العقدية السليمة، ومروراً بالتربية الاجتماعية والخلقية، والعاطفية.
ولكن المهم الذي لا بد من ذكره أن النبي ﷺ كان نموذجاً
فريداً للأبوة الكريمة في حياة البشرية. يفرح بقدوم الأطفال، ويشارك في اختيار
أسمائهم، ويحنو عليهم فيمازحهم، ويلاعبهم، ويضمهم إلى صدره الكريم، ويقبلهم
بفمه، فإن هذا يعطيهم الجو النفسي للحياة الإنسانية السوية، رحمة، وحباً، وإخاء.
وبذلك كان من ثمار هذه التربية الفذة أن أنشأت جيلاً مثالياً حقاً في إيمانه،
وعبادته، وتفكيره، وأخلاقه، ومعاملته.
стр. 891
ركن الأسرة
عرض لكتاب كيف تخشعين في الصلاة
تأليف: رقية بنت محمد بن محارب
عرض: سمية عبد العزيز
لقد أنسانا هذا العصر المادي - عصر السرعة والجري المتواصل - الغرض
من الصلاة، فالكثير منا يصلي، والقليل منا يخشع مع الأسف الشديد.
نتساءل: ما معنى الخشوع؟ وما الهدف من الخشوع؟ ... والأهم من هذا كيف يتحقق الخشوع؟
نجد الإجابة عن هذه الأسئلة في هذا الكتاب: «كيف تخشعين في الصلاة» .
الكتاب يقع في حوالي الثمانين صفحة من القطع المتوسط، خمسة موضوعات
رئيسية بعد المقدمة.
وقد خصص الموضوع الأول منه في فضل الخشوع، ثم تلاه الثاني في ذكر
الخشوع قبل الصلاة، ثم الاستعداد للصلاة قبل الصلاة، ثم في أثناء الصلاة وأخيراً: خشوع السلف.
وعند حديث المؤلفة عن أصل الخشوع ذكرت قول ابن رجب: «لينُ القلب، ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره ورقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع
الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له» .
ثم تقول: «والخشوع يتأتى غالباً للعبد إذا ما بذل أسبابه، كما أن القلب
يقسو ويغفل إذا ما تركت أسباب الخشوع» .
وبعد ذلك يمضي الكتاب ذاكراً أسباب الخشوع، حيث يخص موضوعاً لذكر
ما يجب فعله استعداداً للصلاة قبل الصلاة. ثم يذكر ما يجب على المصلي أثناء
الصلاة.
ففي هذا الموضوع تقول: «أول ما يبدأ به المصلي تكبيرة الإحرام أما كيفية
الخشوع بتكبيرة الإحرام فإن عليك أيتها المصلية أن ترفعي يديك حذو منكبيك أو
حيال أذنيك متوجهة بباطن الكفين إلى القبلة ممدودة الأصابع ضامة لها، تشعرين
وأنت بهذا الحال بالاستسلام التام لرب العباد، واستشعري أنك إذ ترفعينها
تستسلمين لله الذي خلقك وهو الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه
سبحانه، كيف بمن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه،
يأمرك أن تستسلمي وتقفي بين يديه ذلاً وخضوعاً له، رافعة يديك معلنة التسليم
التام له. متخلية عن كل شيء في يديك أو تملكينه، فالأمر أعظم من أن تتمسكي
بشيء من أمور الدنيا، فهذا وقوف بين يدي من بيده كل شيء كيف يمر عليك
التكبير والمال هكذا بسهولة.
ثم تنطلق كلمة التسبيح والحمد لمن هذا شأنه، فتقولين:» سبحانك اللهم
وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك «.
وأنت في قيامك هذا تقفين موقف الذليل الخاضع، تضعين يدك اليمنى على
اليسرى على صدرك بكل استكانة لمن أوقفك هذا الموقف، وسيوقفك الموقف
الرهيب يوم القيامة، تنظرين إلى موضع سجودك بكل إطراق وتفكر، فما توردين
من ألفاظ مقتدية بنبيك محمد ﷺ الذي كان إذا صلى طأطأ رأسه
ورمى ببصره نحو الأرض.
تخشين أن ينصرف الله عنك وتستحضرين قوله ﵊:
» فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت «، وقوله:» لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه «.
ويمضي الكتاب في ذكر الأسباب الجالبة للخشوع أثناء الصلاة سواء في
القراءة أو في الركوع أو في السجود أو في التشهد، ثم تذكر الأذكار التي تقال بعد
السلام.
هذه نبذة يسيرة علها تكون دافعاً لقراءة هذا الكتاب القيم.
стр. 892
إعلام
قليلاً من العاطفة ...
ودعونا نفكر أكثر!
أحمد بن راشد بن سعيّد
بعد غزو صدام للكويت كان الرد الإعلامي في الدول العربية المستهدفة من
الغزو عاطفياً إلى حد كبير.. وكانت الصحف والمجلات لا تكف عن نقد صدام
حسين والتشهير به.. وأغفلت كثيراً التحليل الموضوعي، والمعالجة المنهجية
للأزمة.
وقد يكون مفهوماً أن يستجيب الإعلام عاطفياً للأزمة في أيامها الأولى، فيبدي
امتعاضه واستهجانه للغزو والقائمين به، ولكن هذا لا يكون هو الشغل الشاغل
للصحافة طوال أيام الأزمة.. وقد لاحظنا كماً هائلاً من رسوم (الكاريكاتير) الساخرة
بشخص صدام حسين، وقصائد نبطية تملأ أعمدة الصحف.. وكان استمرار نشر
هذه الرسوم والقصائد بعد انقضاء الأيام أو الأسابيع الأولى للصدمة أمراً لا يخدم
القضية.. وكان الأولى هو تنبيه الرأي العام إلى أن القضية ليست شخصاً يظهره
(الكاريكاتير) على أنه حيوان أو مجنون، وإنما القضية قضية حكم فردي دموي
جائر، يتبنى طروحات وعقائد دخيلة على المسلمين.
كانت مساحات التحليل والنقاش، ومعالجة أسباب الأزمة واستقاء الدروس
محدودة جداً، وتكاد تكون غائبة إذا قورنت بمساحات الغضب والانفعال والتهكم
بحكم العراق ومؤيديه.
غير أن هناك نوعاً من الإعلام برز خلال الأزمة، واتسم بالموضوعية
والتعقل والطرح المتوازن، وهو إعلام المساجد أو الخطب والمحاضرات التي
ألقاها بعض المشايخ وطلبة العلم حول الأزمة.. وقد استقطب هذا الإعلام اهتمام
الجمهور، وكسب احترامه، مما حفز كثيراً من الناس لتسجيل أشرطته وتداولها..
لكن بعض الصحفيين والكتّاب الذين تسوقهم العاطفة أكثر من التفكير التحليلي أو
المنهجي، لم يعجبهم انتشار وشعبية الإعلام «المسجدي» ، وحاولوا مقاومته
والتحريض عليه باسم العقلانية والمنهجية، وكان أحد هؤلاء الدكتور عبد الله
الفوزان.
فقد كتب الدكتور في مجلة اليمامة (العدد ١١٢٣ ٧ربيع الأول ١٤١١هـ) ،
مقالاً عن أزمة الخليج بعنوان: «كفى عواطف.. ودعونا نفكر» .. حذر فيه من
خطورة ما وصفه «بالإعلام السري» الذي «يتسرب في الظلام فلا يراه أحد» .. ومثل له «بالأشرطة» .. وعزا انتشار هذا النوع من الإعلام إلى ضعف ما
وصفه «بالإعلام العملي الرسمي» .
ووضح الدكتور الفوزان رأيه أكثر فقال: إن أحاديث بعض الإخوة في
(المساجد وحلق الذكر والمجالس الخاصة) «لا تصمد للعقل الفاحص» و «تحمل
قدراً كبيراً من الخطر على بعض السامعين البسطاء الذين يثقون أكثر مما
يفكرون» .. وعبارات الدكتور تشير بشكل واضح إلى أحاديث لبعض المشايخ وطلبة العلم حول الأزمة، وتحذر من تأثير سلبي محتمل لهذه الأحاديث على عامة الناس، لسبب جوهري وهو «مصداقية» هؤلاء المشايخ وتقبل الناس لكلامهم. ودعا الفوزان إلى مناقشة آراء هؤلاء في وسائل «الإعلام العقلي» ، حتى يتحصن الناس ضد ما وصفه «بالآراء الخاطئة والتحليلات البعيدة عن الصواب، التي يبثها الإعلام العقلي السري» .
وقد تجاهل الفوزان - تحت تأثير عاطفته المحضة - أن المساجد كانت
ولاتزال أماكن اجتماع المسلمين، وملاذهم في الخطوب، يناقشون فيها مشكلاتهم،
ويقترح فيها العلماء والخطباء حلولاً لهذه المشكلات، صادرين عن أصلين عظيمين
هما الكتاب والسنة، ومستشهدين بالتاريخ والآثار وأحوال الأمم الغابرة والحاضرة.. فإذا كان الدكتور قد عنى بالإعلام العقلي التحليل الموضوعي، والنقاش المبني
على المسببات والنتائج، والحلول والدروس، فإن المسجد هو المكان الأصلي
والطبيعي لمثل ذلك، إذ أنه أقدم وأشهر وسيلة إعلامية في التاريخ «الإسلامي..
وهذا بالطبع لا يعني التقليل من أهمية وتأثير الإعلام الحديث، إذ ينبغي أن تعمل
الصحيفة والإذاعة والتلفزيون جنباً إذ جنب مع المسجد في أداء وظيفة الإعلام
والاتصال وتبادل وجهات النظر.. ولا ضير أبداً من حديث أهل العلم في المساجد
وحلق الذكر، ولا خوف على الناس عامتهم وخاصتهم من ذلك، بل الخوف هو من
هذه النظرة الدونية إلى إعلام المساجد، والتي تقلل من فرص الإبداع والحوار،
والمشاركة الجماعية، وإثراء الرأي العام.
والغريب في الأمر أن الدكتور وأمثاله من دعاة العقلانية والمنهجية، يدعون
إلى تكرير هيمنة إعلام واحد فقط، ويحذرون من آثار سلبية مزعومة للإعلام
الأصلي النابع من ديننا وحضارتنا، وهو تحيز يقف بلا شك ضد العقلانية السوية!
إن عبارات» الإعلام السري «الذي» لا يصمد للعقل الفاحص «
و» يتسرب في الظلام فلا يراه أحد «.. هي عبارات مشحونة بالعاطفة والهوى، وليس فيها من العقل الفاحص ولا الناقص ذرة.
إن الدعوة ينبغي أن تكون لتوسيع نطاق الاعلام» المسجدي «والسماح له
بإثراء الرأي العام، وتصحيح الأخطاء القائمة.. كما ينبغي أن تكون لتصحيح
مسار الصحافة المغرقة في التنفيس العاطفي، وتوجيهها لكي تفسح مساحات أكبر
للنقاش الموضوعي، والنقد الذاتي، ووجهات النظر الأخرى.
لقد كشفت أزمة الخليج عن ضحالة كبيرة في الإعلام العاطفي وضيق أفق لدى
بعض أربابه، لا الذين يريدون وأد أصوات العقل والعاطفة، المنضبطة بحدود
الشرع.. كما كشفت عن قدرة الإعلام المسجدي (الذي تتميز به الأمة الإسلامية)
على الاتصال بالناس، والحوار معهم، وتحفيز مشاركتهم، وتوعيتهم وتثبيتهم.
بقي أن نقول: إن مهمة الاتصال بالمجتمع ليست حكراً على مؤسسة واحدة،
ولا» دكتور «أو» رئيس تحرير «بعينه، لا سيما إذا كانت الآراء التي يراد
إيصالها شاذة مستوردة، ومن النوع التحريضي العاطفي الصرف.
قليلاً من العاطفة إذن..
ودعونا نفكر أكثر!
стр. 893
مفارقات
المواعيد
د. خالد الموسى
سبحان الله لقد أصبح مثلاً أن يتخاطب شخصان عن موعد بينهما بتساؤلات
غريبة:
هل هذا الموعد عربيٌ أم افرنجي؟
ذلك لأن الموعد العربي (حسب زعمهم) متصف دوماً بالتأخير واللامبالاة
والاستهتار، بل والإخلاف بالوعد على نقيض الموعد الإفرنجي أو الانكليزي
بالتحديد الذي يعني دوماً وللأسف دقة الموعد وضبطه.. حتى صار مجالاً للمدح
والإطراء..
إنه لمؤسف جداً أن يتسم أعداء الإسلام ببعض صفات الخلق الاجتماعي
كالوفاء بالوعد والالتزام بالاتفاق وأقول للحق إن هذا الأمر فيما يخص المواعيد
واللقاءات وتحديد الزمن فيها موجود عند غالبيتهم العظمى..
ومقارنة لهذا النظام السائد بينهم وبين غيرهم نجد العكس تماماً فغالبية شعوبنا
لا قيمة للوقت عندهم.. سواء تأخر الشخص ساعة أو ساعات أحياناً أو يهمل
الموعد وينساه أو يتناساه، وما أكثر ذلك.. وسيان عنده الأمر إن حضر للموعد
والتزم بالوقت أو تأخر أو غاب عنه وتخلف.. ويقول لك: ماذا يعني هل خربت
الدنيا واندثر العالم بهذه المخالفة وهذا التأخير.. فيأبى في أعماق نفسه حتى عن
الاعتذار وإظهار الأسف عن التأخر أمام الآخرين مراعاة لشعورهم وأحاسيسهم
وتحرجهم وإحراجهم من هذا التأخير وهذا الارتباط بالموعد..
نسي الكثيرون أن الوقت ليس ملكهم خاصة.. وأن المواعيد ملك للمتعلقين
بهذا الوعد.. وقد يترتب عليها مفسدة بل مفاسد وأضرار تضر بالمصالح العامة أو
الشخصية.. قد تلغي أو تؤجل اجتماعات.. وقد يترتب عليها خسارات مادية
واعتبارات شخصية.. وخلل اجتماعي ... ويكفي أن يتصف هذا الشخص أو ذاك
بأنه كذاب وأنه يخلف الوعود.. وهذه صفة من صفات المنافقين.. يقول -عليه
الصلاة والسلام-: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
اؤتمن خان» .
وللإنصاف نقول من جهة أخرى: ما زال البعض وخاصة من حملة الرسالة
وحملة الدعوة الصادقين الملتزمين يحترمون هذه الأوقات ويلتزمون المواعيد
والارتباطات ويحثون الناس على احترام المواعيد والمواثيق. وتجدهم أسوة حسنة
ومرآة ناصعة أمام الجميع.
إنها لمفارقة عظيمة أن نستمر في هذه الفوضى وأن نعيش بعيداً عن معتقداتنا
ومنهجيتنا وسلوكنا القويم وتربيتنا الصحيحة السليمة. إنها لمفارقة أن نعترف
لأعدائنا بأنهم يتسمون بالنظام وضبط المواعيد ولأنفسنا بالفوضى واللامبالاة
والتخلف عن الموا عيد..
مفارقة أن لا نحاول ترك الكذب والمراوغة في حياتنا وسلوكنا اليومي وأن
ندع الآفات الاجتماعية برمتها تتراكم متثاقلة فوق أجسادنا وترسخ بكامل وزنها
وثقلها فوق عاتقنا حتى توصلنا إلى مرحلة اليأس من التغيير، والإذعان للأمر
الواقع.
إنه لجديرٌ بنا ونحن أمة القرآن وأمة الإسلام أن نسترد عزيمتنا ونقوم سلوكنا
ونربي أنفسنا ونغير منهجنا لما لا يرضي الله ووفق منهج الحق،
والصلاح والاستقامة وأن ننشئ الجيل القادم على الفضيلة والصدق والوفاء وأن
نتمثل ذلك فينا لنكون قدوة حسنة وأسوة طيبة.
إنه لحريٌ بكل منا أن يغير ويبدأ الإصلاح بنفسه ويعاهد الله بالالتزام
بالمواعيد والتقيد بها بدقة أن تجاهد نفسه على تنظيم أوقاته، وارتباطه مع الآخرين، ووالله سيجد لذة ومتعة حينما يجد نفسه التزم مع الآخرين والتزم الآخرون معه،
وعرف قيمة الوقت وتنظيم الساعات.. وهذا لا يكلف الكثير.. مرات ومرات من
المحاولة والاعتياد. فيجد نفسه سار في درب النظام وتعود على دقة المواعيد
وأصبحت جزءاً من حياته اليومية وأصبح قدوة لغيره.
قال تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] .
стр. 894
منتدى القراء
أزمة الخليج.. حولها ندندن
عبد الحليم صالح البراك
مع أن هذه الأزمة كانت فتنة، ولكن قد تلوح الحمرة قبل الفجر، وأمل المسلم
بالله كبير.
إن الذين حاولوا استخدام الدين لمصالحهم الشخصية، أو لإبعاد تأثيرات
الأزمة إنما كانوا يعلمون أن الإسلام في الحقيقة هو محرك الشعوب، وهو الذي يهز
المشاعر وقبل هذا ما كانوا يأخذون رأي الدين.
حتى أن (بوش) حاول إبعاد الدين عندما قال: «الحرب ليست حرب أديان
أو حرباً مقدسة..، وذلك لعلمه بتأثير الدين وكل يتكلم من زاويته التي يراها
مناسبة.
إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، وما جاءت هذه الفتنة إلا لأن الصحوة
الإسلامية عمّت واشتد عودها واستوت على سوقها، واشتدي أزمة تنفرجي..
стр. 895
ضوء في طريق الغرباء
بدأ الوحي مع رسول الله ﷺ بتلك الهزة الشديدة العنيفة،
وكأنها تهيئة له ﷺ لاستقبال ذلك الأمر الضخم ليكون -عليه
الصلاة والسلام- في قمة الانتباه والصحو.
ثم يأتي أول أمر، أول توجيه، أول كلام الله إلى رسوله الكريم
وإلى البشر أجمعين [اقْرأْ] ، يأتي دعوة قوية للقراءة والعلم.. قراءة الكون
والحياة، قراءة الإنسان والكائنات، قراءة السنن والأوضاع والأحوال. قراءتها
على هذا النحو [بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ] باسم الله سبحانه الخالق المبدع، اقرأ هذه
الآيات ولكن بالنظرة الجديدة بالإخلاص الكامل والتجرد لله الواحد، اقرأ كل هذه
الآيات ولكن من خلاله سبحانه بالتصور الذي يوحيه ويرضاه، اقرأ وزن ولكن
بميزان الله، وانظر وشاهد ولكن من خلاله سبحانه.. إخلاص كامل، ونقلة بعيدة..
هذا هو الطريق وتلك أولى خطواته، طريق تقوم خطواته منذ بدايتها على
الجادة واليقظة والانتباه بل على قمة هذه المعاني تسير يدفعها الإخلاص والتجرد لله
سبحانه.. هذا هو الطريق إخواني فهل نحن سائرون؟ !
نعلم إخواني إن الاستمرار على الجادة شيء صعب، وإن الارتقاء ومداومة
اليقظة والصحو شيء كذلك صعب يحتاج إلى عزيمة لا تنضب، كما أن الإخلاص
ومتابعة النفس وشهواتها والتجرد لله تعالى شيء يحتاج إلى صلة دائمة بالله تبارك
وتعالى وذكر دائم، وأن كل هذا في إجماله يحتاج إلى صبر لا ينفذ.
لهذا فأول ما يحتاج إليه الإنسان بعد أن يضع قدمه على الطريق ويخلص النية
والقصد ذلك هو الزاد.. فتعالوا معي إخوتي لنرى ما الذى وجه الله تعالى إليه نبيه
الكريم ليستطيع حمل التبعة والأعباء العظام. تعالوا لنرى ثم لنحاول أن نحمل
أنفسنا على مثله، عسانا نصدق في اقتفاء الأثر الكريم لذي الخلق العظيم على درب
رب العالمين. في محاولة لبعث الأمة من جديد بعد إزالة الغربة على طريق
التمكين لدين الله ربنا رب العالمين.
كان من أول التوجيهات تلك التي جاءت في أول سورة المزمل وأول سورة
المدثر، فكانت دعوة إلى قيام الليل والتهجد، وترتيل القرآن الكريم كلام الله رب
العالمين، وكانت دعوة لذكر أسماء الله وصفاته والتسبيح والتبتل إليه والخضوع
لجنابه، وكانت دعوة للتوكل عليه والخلوص إليه سبحانه فهو مالك الملك رب
المشرق والمغرب بيده الأمر كله وهو فعال لما يريد، ثم كانت الدعوة إلى الصبر
والاحتمال، هذا مع الإعراض عن سبيل المجرمين وفي الحقيقة أن كل هذا من قيام
وترتيل وذكر وتبتل وحسن توكل يحتاج إلى صبر تتقاصر دونه الهمم الضعيفة
وترتعد منه الأوصال الهزيلة في حين أن من يقوم بتلك الأعمال فإنه يزداد يقينه
وتثبت أقدامه وبالتالي يزيد صبره فهي حلقات يسلم بعضها إلى بعض، وهي في
مجملها الزاد والنبع الذي لا ينضب.
стр. 896
آخر يوم في حياة الداعية
سعيد بن محمد القحطاني
إن الدعاة إلى الله لهم منزلة من أعلى المنازل، ذلك لأنهم لا يستوحشون من
قلة السالكين ولا يغترون بكثرة الهالكين، عرفوا أن الأمة الإسلامية جاء دورها
لتحقيق ما أراده الله منها، وإذا كان الداعية بهذه المثابة فما هو آخر يوم في حياته؟
إنه اليوم الذي يتخلى فيه عن أعز ما يملك، يتخلى عن دعوته إنه يوم مظلم قاتم،
لأن سقوط الداعية سيتعدى ضرره إلى غيره ويثقل كاهل الدعوة ويزيد من أعبائها،
عدا ما تحدثه هذه الظاهرة من شروخ وتصدع في بنية العمل الإسلامي، ولعلي
أذكر سبباً من أسباب هذا النكوص فمنها:
١- ضعف في الجانب التربوي حتى تطغى الجوانب الإدارية والسياسية على
كل شيء مما يجعل الإداريين مقطوعي الصلة بالتربية والشؤون التربوية نظرياً
وعلمياً.
وهنا يبرز صنف يقال عنهم بأنهم فوق التربية إنهم تجاوزوا مرحلة التربية،
وهذا غير صحيح.
٢- عدم وضع الفرد المناسب في المكان المناسب مما يؤدي إلى الفشل أو
الخسارة.
٣- عدم متابعة التأهيل التربوي إما تكاسلاً أو أن القاعدة العريضة من
الجماهير أكبر من الإمكانيات.
٤- طبيعة غير انضباطية، فهو لا يطيق القيود، ويريد المحافظة على كيانه
وشخصيته كما هي وما فيها من عيوب ونقائص.
٥- الوهن والخوف على الرزق، أو حب الدنيا والتكالب عليها.
٦- حب الظهور وقديماً قيل «حب الظهور يقصم الظهور» وهذا الغرور
يقوده إلى التطلع للرئاسة ويرى أنه أفضل الموجودين.
٧- ضغط المحن والأهل والأقربين.
وأخيراً لابد من ذكر بعض القواعد الهامة:
١- إن الداعية لا يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة من العمل للدعوة.
٢- إن من سن سنة الله أن هذا الدين لا يتحقق في واقع البشرية إلا
بالجهاد البشري، وذلك يجعلنا نسعى دائبين لتحقيق هذه السنة الربانية.
٣- إن هذا الدين عزيز وغال لا ترتقي إليه همة الضعفاء العاجزين.
٤- إن الله تكفل بحفظ هذا الدين ولو كره الكافرون، طال الزمن أو قصر.
٥- إن نكوص البعض عن الدعوة لا يزيد النفوس المؤمنة إلا مضاء وثباتاً،
وهذه هي طريق الأنبياء.
стр. 897
ظلم الكتاب ومؤلفه
أبو مالك - الأردن
التقيت قبل مدة بمجموعة من الشباب الطيب، الذين نحسبهم يحبون الدعوة،
ويبذلون في سبيلها كل غال ورخيص (ولا نزكي على الله أحداً) ، فأحببت أن أقدم
إليهم كتاباً قيماً يستفيدون منه في حياتهم الدعوية، فسألني أحدهم عن اسم المؤلف
فقلت: فلان بن فلان وبعد أن علم أنه غضب وقال: ألا تعلم من هذا إنه كذا وكذا،
وبدأ يذكر مساوئ ذلك المؤلف، قلت له متسائلاً: أقرأت للمؤلف كتاباً ولاحظت فيه
تلك الأمور؟ قال: لا فأنا لا أقرأ له ولكن سمعت فلاناً يقول ذلك.
عند تلك اللحظة تذكرت ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁
في قصة الشيطان الذي حاول أن يسرق من مال الصدقة، أنه قال لأبي هريرة
«إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنك لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح» ، فقال النبي ﷺ : «أما إنه صدقك وهو كذوب» .
وكان مما يستفاد من ذلك الحديث أمرين:
الأول: أن أبا هريرة ﵁، قد استفاد من الشيطان، وهو
شيطان رجيم مدحور مذموم، فكيف الشخص يترك مؤلفاً لا لسبب، إلا لأن أحدهم
قد ذم المؤلف أمامه! ! فكيف إذا كان هذا المؤلف من الدعاة الصادقين ولكن بعض
الناس لجهل أو لحسد يتكلمون فيه. اللهم هذا ظلم لا نرضاه.
الثاني: أن الرسول ﷺ قد وقف وقفة الحق فقال قد
صدقك في هذه يا أبا هريرة ولكنه كذوب.
стр. 898
أخبار حول العالم
زار تونس في الأيام الأخيرة الجامعي الفرنسي المختص في العلوم السياسية
الأستاذ موريس ديفيرجيه، وشارك في الندوة التي انتظمت هناك عن: «التحولات
الديمقراطية في العالم اليوم» . وكان ديفيرجيه المتدخل غير العربي الوحيد الذي
تعرض للحركات الإسلامية في أحد تعقيباته التي استرعت الانتباه. قال: «إن
ظاهرة الحركات التمامية» (Integrisme) المتنامية عندكم (يعني في المجتمعات
الإسلامية) تشبه كثيراً ما عاشته أوروبا خلال الفترة الفاصلة بين الحربين عندما
برزت على السطح الحركات الفاشية والنازية أو الستالينيه. وقد انتهت هذه
الحركات إلى القضاء على الديمقراطية. لهذا أرى أن مسألة الاعتراف بالتنظيمات
الإسلامية الأصولية مرهون بحجمها. فإن كانت محدودة التأثير صغيرة الحجم فلا
خوف من تشريكها. لكن إذا بلغت من النمو ما من شأنه أن يهدد ميزان القوى
السائد، يجب إقصاؤها، حتى لا تستفيد من النظام الديمقراطي الذي تؤمن به.
(مجلة منبر الحوار) .
تعليق: ويبدو أن حكومة تونس قد أخذت بهذه النصيحة الغالية التي يقدمها
«ديفيرجيه» وتعمل بكل أمانة على وضعها موضع التطبيق، وبقدر قيمة الناصح
يكون الحرص على تطبيق نصيحته، ولا أحد أعز ولا أليق من أن توضع نصائحه
على الرأس والعين - عند علماني تونس وتلاميذ بورقيبة من رجل فرنسي المولد
والنشأة والهوى.
* * *
في تونس اكتشفت مصلحة الجمارك شبكة لتهريب الذهب إلى روما وباريس
ويشرف على هذه الشبكة يهود في داخل تونس، ويهود أوربيون وكانوا يجمعون
الذهب في جزيرة جربة، ثم يصدرونه إلى إيطاليا وتتوقع الحكومة أن يكون هناك
عدد أكبر من هذه الشبكة ضالعين في العملية.
الأسبوع العربي ١٥/٤/٩١
стр. 899
الصفحة الأخيرة
مثل البالون المثقوب !
حسن القارئ
تعجبت من أمرنا.. وأنا أسمع يوماً خطيب الجمعة يخطب وقد انتفخت
أوداجه واحمرت عيناه من الغضب والحماس.. وجزاه الله خيراً على ذلك.. إلا
أنني فكرت في الأمر فوجدته لا يعدو أن يكون مثل النفخ في بالون مثقوب..
وأعني بذلك أن من عادة الناس أن يقف بعضهم حماساً وتجاوباً مع الخطيب وهو
يخطب.. ولكن سرعان ما يخبو ذلك الحماس، كما يخرج الهواء من ثقب في
بالون منفوخ..
والأمر في الحقيقة له جانبان:
الجانب الأول: الخطيب نفسه.. فهناك فرق بين خطيب معلم مربي وبين
خطيب جل أمره انتفاخ أوداج واحمرار عينين ...
فالأول يسير في أمره بحلم ورفق وأناة.. يرسم إطاراً ومنهجاً ثابتاً يكون
ارتفاع الحماس فيه وانخفاضه ضمن ذلك الإطار وذاك المنهج.. فيشد الحبل متى
أرخوا ويرخي الحبل متى شدوا.. خشية أن ينقطع.. فلا يعود يستطيع توصيل
وإبلاغ الحق.
والثاني.. يسير في أمره نتيجة انفعالات وانبعاجات نفسه.. فإن أصيب
بإحباط نقل في خطبته مشاعر الإحباط.. وإن أصيب ببلوى في نفسه أو أهله أو
ماله صور الدنيا وكأنها دار خربة لا خير فيها.. وإن طابت نفسه وزان عيشه
توردت وجنتاه وطابت كلماته وخفت وطأتها على النفوس ...
والجانب الثاني.. السامع للخطيب.. فهو إما موسوس يظن الخطيب يعنيه،
وإما عاطفي يلهبه الحماس وليس بعد الخطبة عمل فسرعان ما يخبو، وهؤلاء كثير، وإما ناقد لا يعجبه العجب، أو عاقل حليم يترك الغث ويأخذ السمين.. يرتجف
قلبه وترتعش مشاعره ولكن تدمع عيناه ويزيد إيمانه.. أن الفرج مع الكرب وأن
النصر مع الصبر..
стр. 900
المحرم - ١٤١١هـ
يوليو - ١٩٩١م
(السنة: ٦)
стр. 901
الافتتاحية
قالوا وقلنا
قالوا: إن الأوطان تبنى بالمشاركة وتعاون جميع فئات المجتمع، ولا يتصور
قيام مجتمع إلا بمساهمة كل أفراده -كل حسب طاقته وتخصصه - في عملية البناء
والتنمية.
قلنا: نعم، وهذا هو عين ما نفتقده في مجتمعاتنا الإسلامية التي لا يصنف
الإنسان فيها على حسب جدارته ومواهبه الفردية، بل على حسب أمور أخرى:
كالنسب، والجاه، والمال، ومدى قربه من أصحاب السلطان ... ولذلك فإن الوقت
قد حان للخروج من أسر هذه المعوقات والمثبطات التي أصبحت غير صالحة في
هذا الزمن الذي اقتنع فيه جل سكان الأرض أن هذه المقاييس لا تبني بل تهدم،
وهذا المعنى هو الذي يلح عليه العاملون في الحقل الإسلامي في كل مكان، مع
اختلاف بينهم وبين غيرهم في أنهم يريدون تحكيم الإسلام واستلهام مبادئه وآدابه.
قالوا: ولكن من يفسر الإسلام؟ ، ولماذا تنصبون أنفسكم متحدثين باسم ...
الإسلام؟
قلنا: إن الإسلام - بحمد الله - دين محفوظ الأصول، ويفسره علماؤه الذين
ترتضيهم الأمة. وليس لأحد أن يحتكر حق التحدث باسم الإسلام، بل كل مسلم
أنس من نفسه القدرة على التوجيه والنصح فله ذلك - إذا كان منضبطاً بالأصول
المتعارف عليها - فإن أخطأ رد الناس عليه، وبينوا خطأه.
لكننا نرى أن هذه العبارة: (احتكار التحدث باسم الإسلام والوصاية عليه) قد
أصبحت قالباً جامداً من القوالب الجاهزة التي ترمى في وجه كل من يدعو إلى
الإصلاح ومحاربة الفساد مستنداً إلى تعاليم الإسلام، فكلما أمر بمعروف أو نهى عن
منكر قوبل من يستند إلى هذا الأمر المشروع بهذه التهمة = تهمة الاحتكار
والوصاية، وهذا أسلوب معروف في المداورة والمناورة، فعندما لا تستطيع نكران
الحق إلى تجريد من ينطق به من الشرعية التي يستند إليها، وعندما تفعل ذلك
سوف لن تظل وحدك في مواجهة هذا الحق؛ بل سينضم إليك جموع وأفراد من
دعاة الحق أنفسهم، وهذا هو ما يفعله العلمانيون في حربهم للإسلام ودعاته في
بلادنا، وهكذا فإن هؤلاء العلمانيين لا يحبون ألا يظهروا وحدهم في جبهة، ودعاة
الإسلام في جبهة أخرى، بل يفضلون أن تكون المعركة في صورتها الظاهرة بين
فرقين أو أكثر من المسلمين، وفي الوقت الذي يورِّثون نار العداوة بين طوائف
المسلمين ويذكونها بشتى الحيل، يظهرون بمظهر الآسف أحياناً لما يجري،
وبمظهر الحكم الذي (تدارك عبساً وذبيان بعدم تبزل بين العشيرة بالدم) [١] .
قالوا: إن ما ترونه معروفاً أو منكراً قد تخالفكم طبقات من الناس في اعتباره
ذاك، وعندما تلجأون إلى إقرار ما ترونه حقاً ومعروفاً وإنكار ما ترونه منكراً
وباطلاً فإنكم تتدخلون في حرية الآخرين، وهذا هو الإرهاب الفكري.
قلنا: إذن هو اختلاف على تحديد معاني الألفاظ، ونحن نرضى أن يكون
للألفاظ التي نستخدمها معانٍ محددة لا رجراجة، ونكره التلاعب بالألفاظ والرضا
بمعانيها في حال أخرى، والنكوص عن الاعتراف بها في حال أخرى، وهذا ما
ننقمه على أصحاب الشعارات التي ترفع ثم تفرغ من محتواها، وما نكرهه في لغة
السياسيين تلامذة (ميكافيلى) والشيطان، فنحن لا نبتكر معروفاً من عند أنفسنا ولا
نختلق منكراً، كما لا نحوِّل محرماً إلى معروف، ولا حقاً إلى منكر. بل المعروف
والمنكر معنيان لهما في حس المسلم وشعوره معانٍ وجذور لا تزيلها السفسطة، ولا
تمحوها الأجهزة الإعلامية على اختلافها وجبروتها، فهي من الحق القديم الذي لا
يمحوه الباطل بهيله وهيلمانه، فالمعروف ما عرفه الشرع، والمنكر ما أنكره الشرع. وهذه حقيقة بسيطة وسهلة، وكلما حاول المحاولون الدوران حول هذه الحقيقة،
أو استبدالها بتعريف لا تعرفه الأمة، ولا يلامس شعورها؛ فإن عاقبة ذلك مزيد من
عدم الثقة، ومزيد من المعاناة لأكبر عدد من أفراد المجتمع، وباختصار؛ كل
محاولة لاستيراد مفاهيم جديدة لا عهد للأمة بها، ولا تمثل شيئاً لما سوف ينعكس
أثرها آلاماً وفقدان أمن، وركوداً في جميع المجالات.
قالوا: أنتم لا تريدون الديمقراطية، وإنما تستغلونها من أجل الوصول إلى
الحكم، فأنتم قوم متعطشون ضد السلطة، وتتخذون من الديمقراطية سُلَّماً لذلك،
وإذا وصلتم إلى ما تريدون سوف تحكمون حكماً استبدادياً، وسوف تتسلطون على
غيركم، وتنتهكون حقوق الإنسان، ولهذا فمن الطبيعي والمشروع لمؤسسات
المجتمع والدولة أن تقف في وجهكم.
قلنا: هذا هو أسلوب فرعون في الجدل، الذي قصه الله- علينا
بقوله: [وقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ
عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إلَى إلَهِ مُوسَى وإنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ *
واسْتَكْبَرَ هُوَ وجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أَنَّهُمْ إلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ
وجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] [القصص: ٣٨- ٤٠] .
إن في قولكم هذا من المغالطة قدراً كبيراً، وكأنكم حينما تلقون بهذا الكلام
تصفون أنفسكم بغيركم، وتنتزعون صفات المظنون من المحقق.
أما المظنون: فهو أن يكون من يلحون بتحكيم الإسلام لهم شأن مؤثر
بمؤسسات الحكم في هذا القرن الأخير على الأقل، فقد أبعدوا وأهملوا قسراً وعمداً، وعملت القوى التي ترى في الإسلام عدوها الأول على تشويه صورتهم بكل ما
أوتيت من قوة وحنكة ووسائل.
وأما المحقق: فعلى العكس من ذلك، إذ ولِّيت الأمور إما إلى من ليس يعنيه
شأن الشريعة الإسلامية بقليل أو كثير، وإما من اعتبر أن مهمته الأساسية كبت هذه
الشريعة ومحاربتها، واعتقدَ أن الأمة لن تنهض إلا بتخليصها من كل أثقال
الماضي ورواسبه المتخلفة بزعمه. ولا يمكن لأحد أن يزعم أن الشعوب العربية
والإسلامية كانت بعيدة عما يرمي به العلمانيون المسلمين من نزوع إلى التسلط
والاستبداد، فإن هذه الشعوب قد جربت أبشع أنواع الاستبداد والقهر في ظل هذه
الحكومات التي تسلمت حكم البلاد بعد الرحيل الصوري للمستعمر الغربي، وعانت
من فقدان الحرية بعد فترة الاستعمار ما جعل كثيراً من أفراد هذه الشعوب - ممن
جرب العهدين -يتحسر على عهود الاستعمار، ويتمنى لو رجع هذا الغربي الغريب
ينقذهم من ظلم ذوي القربى، فقد شاهدوا كيف تنحر الحرية باسم الحرية، وكيف
يسود الظلم بدعوى محاربة الظلم، وكيف تمزق الأوطان بدعوى الحفاظ على
الوحدة الوطنية، وكيف تتعطل أحكام الإسلام باسم الإسلام، وكيف تتحول أغلبية
الناس إلى عبيد في عصر حرمت فيه تجارة الرقيق.
فكيف يُرمى الداعون إلى الإسلام بالتسلط والاستبداد وهم لم يحكموا؟ ! !
وكيف يحرمون من حق الاختيار وهم بشر؟ ! وكيف تفرض عليهم وجهات النظر
الأحادية في العصر الذي يدعي (المتحضرون والمتنورون) فيه أن حرية العقيدة
وحرية التفكير مكفولة؟ وأي حصانة لمن ينتهك كل المحرمات ثم يرمي البرآء
بانتهاك حقوق الإنسان؟ وأي شرعية هذه التي يستند عليها من يداه ملطختان بالدماء
فيتهم الناس جزافاً أنهم ظلمة فجرة، ويسخر مؤسسات المجتمع والدولة للوقوف في
وجههم؟ والمؤسسات والدولة ما احتاج الناس إليها إلا إقراراً للعدل لا تثبيتاً للظلم،
وحرباً للباطل، لا تمرداً على الحق، وللأخذ على يد الظالم المستهتر، لا لتقييد
الداعين إلى ضمان الحقوق وسيادة التشريع الذي يتساوى جميع الناس أمامه! :
[إنَّ الَذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ
مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] [آل عمران: ٢١] .
إن أجهزة الدول ومؤسساتها ليست حكراً على مجموعة تستخدمها لمصالحها
الشخصية وضمان استمرار تسلطها، بل هي مرفق عام لدفع الضرر عن المجموع
وجلب المصالح لهم. وما دمتم قد ارتضيتم الديمقراطية سبيلاً لإدارة الشؤون العامة؛ فلماذا لا تدعونها تجري مجراها، وعندما تتكرمون بمنحها للشعب؛ فلماذا لا
تصحبونها بتعريف محدد يزيل عنها الغبش والإبهام، فتقولون مثلاً: نريدها
ديمقراطية بطول كذا، وعرض كذا، وارتفاع كذا! وكل مجاوزة لهذه الأبعاد سوف
تجعلنا نسحب هذه (العطية) من أيدي الذين أعطيت لهم، ونعيدها إلى مخازنها
للحفاظ عليها من الجروح والخدوش؟ !
لكن مهلاً، إن (العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه) [٢] . هذا إذا سلمنا
أنكم تملكون ما وهبتم، فكيف بمن يَمُنُّ بما لا يملك؟ ! لقد آن لمن يتعسفون في
استخدام ما بأيديهم من وسائل الإذلال أن يدركوا أن الناس قد شبت عن الطوق،
وأنه لا سبيل للخروج من المآزق التي يجدون أنفسهم فيها إلا بأن يعاملوا المسلمين
كبشر، فيريحوا ويستريحوا.
стр. 902
علماء الاجتماع والعداء للصحوة الإسلامية
(٢)
الاعتراف بفشل التحليلات الماركسية
د. أحمد إبراهيم خضر
تعرضنا في الحلقة الأولى لبيان كيف أن الصحوة الإسلامية قد باغتت رجال
الاجتماع في بلادنا ولتساؤلهم لأنفسهم أين كانوا وقت حدوثها؟ وكيف كانوا يعتقدون
بأن ما يسمونه بالانتصارات الوطنية والقومية قد خلفت الدين وراءها؟ ، ثم
اعترافهم بعدم قدرة الوطنية والقومية على البقاء أو جذب الجماهير حولهما،
واعترافهم كذلك بأن (العقلانية) التي علقوا عليها آمالهم في فهم الواقع العربي قد
أصبحت عاجزة على الصعيدين النظري والمنهجي، وأن التفكير العقلاني أصيب
بأزمة عميقة وخيبة أمل، ثم اعترافهم بسقوط شعارات التحديث والعلمنة وبناء
المجتمع الحديث. ثم عرضنا أخيراً لتشخيصهم لسمات الحركة الإسلامية التي سعوا
إلى رصدها أملاً في التحكم فيها.
وسنخصص هذه الحلقة لبيان اعترافات الماركسيين العرب من رجال الاجتماع
في بلادنا بفشل تحليلاتهم عن الصحوة الإسلامية والدروس التي تعلموها منها.
في كلمات بسيطة وموجزة حسم الأستاذ (محمد قطب) القضية التي قضى
رجال الاجتماع من الماركسيين العرب زمناً في دراستها. يقول الأستاذ محمد قطب: (جاءت الصحوة الإسلامية في موعدها المقدور من الله.. وكانت مفاجأة ضخمة
لكثير من الناس) وعن الذين باغتتهم هذه الصحوة يقول: (هؤلاء قد أغفلوا حقيقة
ضخمة تندرج تحتها حقائق كثيرة لا تسير حسب حساباتهم، ولا تستطيع حساباتهم
أن تصل إليها، لأن الله قد جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً.. أغفلوا بادئ
ذي بدء أن الذي يدبر الأمر في هذا الكون العريض كله ليسوا هم وليس غيرهم من
البشر، إنما هو الله) . [١]
الماركسيون من رجال الاجتماع العرب ليس مرجعهم (الله ) ،
إنما مرجعهم ماركس ولينين وماكس فيبر وألتوسير وغرامشي وسمير أمين وطيب
تيزيني وعابد الجابرى وحسين أحمد أمين ومحمد أركون وعبد الله العروي.. الخ.
يقول (علي الكنز) أستاذ الاجتماع في جامعة الجزائر في تفسيره للصحوة
الإسلامية: (لتفسير صحوة وانتعاش التوجه الديني الذي تعرفه المجتمعات العربية
المعاصرة استعملت العديد من فرضيات البحث، لكل واحدة منها فعاليتها النظرية
الخاصة. وباختلاف هذه الفرضيات من حيث التناول والطرح فهي ساعدت على
كشف واقع التشكيلات الاجتماعية العربية الراهنة. هذه الفرضيات العديدة
والمختلفة وضعت من قبل الكثيرين من أمثال: سمير أمين والطيب تيزيني ومحمد
أركون وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وغيرهم من الذين زودوا الانتاج
العلمي بإنتاجهم الذي لا يستهان به من حيث نوعية التحليل وثراؤه) . [٢] ...
وفي إحدى الحواشي لدراسته عن الإسلام والهوية يذكر أنه تبنى عنوان كتاب
حسين أحمد أمين: دليل الحزين إلى مقتضى السلوك في القرن العشرين [٣] ، وفي
حاشية أخرى يقول: (ونستطيع هنا أن نردد الطريقة اللينينية المتعلقة ... (بالحلقة الأكثر ضعفاً) ، أو بطريقة غرامشي (الزمن التاريخي) ، أو حتى المقولة الألتوسيرية المستوحاة من التحليل النفسي [٤] .
هؤلاء هم مراجع الماركسيين العرب من رجال الاجتماع في تفسير الصحوة
الإسلامية. وسنعرض فيما يلي اعترافاتهم الصريحة بإخفاق تحليلاتهم وتفسيراتهم
لهذه الصحوة، وما تضمنته هذه الاعترافات من تأكيد على خيبة أملهم في
(العقلانية) [٥] التي ظنوا أنها ستساعدهم في فهم الواقع العربي.
أولاً: قولهم بارتباط الدين بالتراجع والتقهقر، وارتباط العقلانية بالصعود
والتطور.
الدين عند رجال الاجتماع تعبير عن الحزن وانعكاس لبؤس العالم وشقائه،
أما الفكر العقلاني فهو تعبير عن حيوية الوعي الجماعي الذي يعكس تطور العالم
وازدهاره.. ومن ثم فإن الصحوة الإسلامية وما يسمونه بانتعاش التوجه الديني هو
عندهم تراجع وتقهقر إلى الوراء.
يقول علي الكنز: (.. فهل يمكن لنا أن ندلي بأن الوعي الديني أو التشبث
بالدين هو مُزامن للفترات التراجعية والمراحل المتقهقرة، وأن الفكر العقلاني يزامن
الفترات التصاعدية أو المتطورة، ونقول أن ذلك هو تطبيق للقانون التاريخي..
وعليه؛ فإن الدين هو بمثابة تعبير عن الحزن، وبالتالي فهو انعكاس لبؤس العالم
وشقائه، وعكس ذلك اعتبار الفكر العقلاني بمثابة تعبير عن حيوية الوعي الجماعي
الذي يعكس هذه المرة تطور العالم وازدهاره) [٦]
اعترف الماركسيون العرب من رجال الاجتماع بعد مراجعة حساباتهم بفشل
تصوراتهم عن الارتباط بين الدين والتقهقر، وبين العقلانية والصعود، وساقوا
الأسباب الآتية لبيان فشل هذا الارتباط: -
١- أن هذا الارتباط يأخذ تاريخ الغرب على أنه النموذج الأصلي والمرجعي
لتاريخ البشرية وهذا غير صحيح باعترافهم.
٢- أن هذا الارتباط يعتبر أحكاماً مسبقة لا أساس لها من الصحة لكونها غير
مبنية على وقائع تاريخية أو براهين استدلالية.
٣- أن هذا الارتباط يمثل في رأيهم سقوطاً فيما يسمونه (بغي الأيديولوجية
الوضعية [٧] ، والعلموية [٨] التي أنتجتها الثقافة الغربية) ، بمعنى أنه: (استهلاك
لقراءة غربية يستهلكها الفكر العربي باسم العقلانية) ، وبصورة أخرى: أنه (تبنٍ
لايديولوجيات وفكر ونظريات أنتجت خارج المجتمعات العربية) ، وذلك حسب
تعبيراتهم ذاتها التي أوردوها في ثنايا اعترافهم [٩] .
ثانياً: قولهم بالقدوم المظفر والمنتصر لرجل التقنية وزوال ما يسمى (برجل
الدين) .
من المعروف أنه ليس هناك رجال دين في الإسلام وإنما هناك علماء،
فمصطلح (رجال الدين) ، انتقل إلينا من النصرانية، وشاع استخدامه في بلادنا
بسبب التأثر بحضارة الغرب.
اعتقد الماركسيون العرب من رجال الاجتماع نقلاً عن عبد الله العروي بأن ما
يسمى برجل الدين قد اختفى وزال من الساحة بسبب القدوم المظفر والمنتصر لرجل
التقنية لكنهم عادوا يعترفون بعدم صحة ذلك مؤكدين في نفس الوقت اعترافهم بفشل
العقلانية وأشكال تحليلاتها.. وساقوا بأنفسهم أيضاً أدلة عدم صحة افتراضهم السابق
على النحو التالي: [١٠]
١- ان الاعتقاد بزوال ما يسمى برجال الدين مغالطة لا تشاهد في التاريخ،
يقول علي الكنز معترفاً: (إن التحليل السوسيولوجي الذي جاء به عبد الله العروي
وتبنيناه نحن بدورنا.. ما هو في نهاية الأمر إلا مغالطة يمكن أن تكون انطلقت من
حالة تلبس صامتة وهي مغالطة لا تشاهد في التاريخ) .
٢- أن إيمانهم بزوال ما يسمى برجل الدين كان سببه تبنيهم للعقلانية كشكل
إيديولوجي جعلهم يرون ما يريدون هم رؤيته، وهو زوال ما يسمى برجل الدين،
يقول علي الكنز معترفاً: (وهل اختفى رجل الدين عن الساحة فعلاً، أم أن إداركنا
الإيديولوجي لهذه الساحة هو الذي أوحى لنا بذلك تحت أشكال عقلانية، حتى
أصبحنا نؤمن بالوهم القائل بزوال رجل الدين؟ إنها صورة مزيفة جعلتنا نشاهد ما
نريد نحن مشاهدته) ، ويعترف علي الكنز مرة أخرى: (وبناءً عليه وبما أنه من
المحتمل جداً عدم اختفاء رجل الدين عن الساحة؛ فإنه يجب أن نتساءل، بل نسأل
أنفسنا ليس عن هذا الاختفاء بما أنه لا وجود له على الإطلاق، بل عن عدم قدرتنا
على كشف حضور رجل الدين بين فجوات الأيديولوجية المسيطرة حالياً) . [١١]
ثالثاً: قولهم بأن الصحوة الإسلامية ظهرت بسبب عدم نضوج التركيبة
الطبقية العربية:
يعلل الماركسيون العرب ظهور الصحوة الإسلامية يما يسمونه عدم نضوج
وعدم اكتمال تكوين التركيبة الطبقية في العالم العربى التي من شأنها إذا كانت كاملة
منسجمة وناضجة أن تؤدي إلى ظهور إيديولوجية علمانية وعقلانية، وأنها إذا كانت
غير كاملة ومذبذبة ستؤدي إلى ظهور إيديولوجية دينية ولا عقلانية. ولهذا فإن عدم
اكتمال ونضوج هذه التركيبة الطبقية في العالم العربي -كما يتصور الماركسيون
العرب - الذين وصفوها بأنها عاجزة ومشوهة أدى إلى فراغ، هذا الفراغ هو الذي
أدى لظهور الصحوة الإسلامية.
ويستند الماركسيون من رجال الاجتماع العرب هنا إلى فكرة (محمد أركون)
القائلة بأن المجتمعات العربية لا يوجد لديها ما يقابل أو يعادل طبقتي (البورجوازية
والبيروليتاريا) في المجتمعات الغربية، بمعنى أن هاتين الطبقتين اللتين تضامنتا
وتصارعتا عملتا على إظهار الأيديولوجية العلمانية في الغرب، لكن ضعفهما
الملحوظ في عالمنا العربي ساعد على ظهور الصحوة الإسلامية. هذا ويضيف
الماركسيون العرب أسباباً أخرى لظهور الصحوة الإسلامية منها: الفشل الاجتماعي
والاقتصادي للمجموعات التي أزالت الاستعمار وقامت بالتنمية الوطنية، ومنها
أيضاً: وجود مجموعات متحالفة مع الغرب وأخرى طفيلية ظهرت وانتشرت
أخيراً. [١٢]
ثم يعود الماركسيون العرب من رجال الاجتماع إلى الاعتراف بفشل هذا
التحليل، استناداً إلى ما يلي:
١- أن هذا التحليل اعتمد على المماثلة والقياس بالغرب، بمعنى أنه يعتبر أن
الفئات التي ظهرت وتصارعت قديماً في أوربا، وأنها تشبه الطبقات الرئيسية بها
وخاصة البورجوازية والبروليتاريا. هذه المماثلة - باعترافهم - غير صحيحة لأن
هاتين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمعات العربية تختلفان من حيث السلوك عن
النموذج الأصلي لهما، ومن ثم - نعتوهما - بعدم النضوج واللاعقلانية الذي مهد
لظهور الصحوة الإسلامية [١٣] ، ويلخص الماركسيون العرب من رجال الاجتماع
هذه النقطة بقولهم: (إن هذا الفكر التحليلي سجن نفسه في إطار محدد وحبس نفسه
في حقل تاريخي واجتماعي غريب عنه) . [١٤]
٢- أن واقع المجتمع العربي لا يتفق مع ما يريده الماركسيون ولا يخضع
أفراده (لقيم الإنتاج) التي يتحدثون عنها، ويعني هذا: أن الناس لا تربطهم
المصالح الاقتصادية دائماً وإنما الدين هو الذي يسيطر عليهم. [١٥]
٣- الخطاب الديني - باعترافهم - خطاب متفوق وليِّن، يجتاز ويؤثر على
جميع الفئات الاجتماعية، بما فيها تلك الفئات التي يأملون أن تقوم بالتغيير
كالبورجوازية والبروليتاريا، بالإضافة إلى فئات صغار وكبار الموظفين [١٦] ،
وفي عبارات صريحة تحوي اعترافاً صريحاً بفشل نموذج التحليل الماركسي،
وبإخفاق واضطراب الفكر العقلاني، وبسعي كل الطبقات إلى تطبيق الشريعة
الإسلامية وممارسة الشعائر الدينية، يقول علي الكنز: (نحن اليوم أمام فشل نموذج
التحليل، وأمام قلق واضطراب الفكر العقلاني، وإذا كنا ننتظر على الأقل تأثرات
الطبقة العاملة والبورجوازية أن تتبلور وتتجسد داخل الحركة الاجتماعية، فنحن
نلاحظ هروب هذه الطبقات عن كل الفاعلين: شعائر دينية وأصول عرقية
والتحريض لتطبيق الشريعة الإسلامية في قانون الأسرة.. الخ، إنه إخفاق في
نظري يضع الفكر التحليلي أمام البديل) . [١٧]
رابعاً: اعترافهم بأن نظرية الصراع الطبقي مسؤولة عن الدمار الذي
يتخبطون فيه، لا زال الماركسيون العرب من رجال الاجتماع يصرون على أن
فكرة الصراع الطبقي فكرة صائبة، بالرغم من أنهم اتهموا هذه النظرية بأنها
مسؤولة عن الدمار الذي يتخبطون فيه. كما يعترفون بأن بعض المحللين العرب
أرادوا قراءة الواقع العربي ماضياً وحاضراً انطلاقاً من معطيات المجتمعات الغربية
وفي ضوئها. ويعترفون كذلك بأنه في هذا التاريخ الأوربى الذي يتخذونه كنموذج:
نادراً ما تطاحنت الطبقات الاجتماعية في المجتمعات الرأسمالية، وأنها لم تكن
فاعلة مباشرة، ولم تتمكن من فرض نفسها كطبقات..
كما يعترفون بأنهم تسرعوا في الحكم على الواقع العربي لأنهم لم يراجعوا
نظرية الصراع الطبقي في فئاتها المرجعية المستعملة وفي منطلقاتها النظرية ولم
يتأكدوا من صحتها ومدى ملائمتها ومدى صحة وقابلية أدواتها، بل اعتبروا أن هذه
النظرية هي الواقع الوحيد، واحتقروا الحركة الإسلامية لأنها لم تتطابق مع
نموذجهم المرسوم [١٨] .
وسجل هذه الاعترافات علي الكنز بقوله:
(لقد تسرعنا في مشاهدة الطبقات وفئاتها، وكذلك البورجوازية والبروليتاريا
والبورجوازية الصغيرة والفلاحين، داخل الحركات الاجتماعية والسياسية التي
زعزعت بلدان العالم الثالث، وقد تم هذا التسرع دون مساءلة المنطلقات النظرية
والفئات المرجعية المستعملة، وحتى التأكد من صحتها ومدى ملائمتها. وهكذا قمنا
بالمعاينة دون التفكير في مدى صحة وقابلية تلك الأدوات، بحيث أصبحت النظرية
العلمية للطبقات هي المرجع الوحيد، وعندما نشاهد الطبقات الاجتماعية حيث لم
تكن موجودة حتى وإن تم ذلك على حساب الحركة الاجتماعية واحتقارها لا لشيء
إلا لأنها غير مطابقة للنموذج المرسوم) . [١٨]
خامساً: اعترافهم بعدم ارتباط ظهور الجماعات الإسلامية بانحطاط وتدهور
الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو تطورها.
تبني بعض الماركسيين العرب من رجال الاجتماع فكرة أن هزيمة ١٩٦٧
وتدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الرئيسي لظهور الجماعات
الإسلامية، ومن ثم رأوا أن ما يسمى بالفهم العلمي السليم لما يسمونه بهذه الظاهرة
والتصدي لها بجدية لا يتحقق إلا بفهم البنية الاجتماعية التي ظهرت فيها، وفهم
مجموعة الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة، بمعنى أن الصحوة الإسلامية
ظهرت كرد فعل لحالة أزمة حادة وعامة على المستوى الاجتماعي، وأن وجود
أزمة حادة وعامة كان ولا يزال الشرط الضروري اللازم لظهور واندفاع ما يسمونه
بالحركات الدينية والاجتماعية ذات الطابع التعبيري.
يقول (عضيبات) أستاذ الاجتماع بجامعة اليرموك بالأردن: (هذا ويلاحظ
خلال التاريخ العربي أن ظهور الحركات الدينية الاجتماعية كان ولا يزال مرتبطاً
بفترات الاضطراب الحاد، التي يكون فيها بقاء المجتمع وتماسكه واستمراره مهدداً، لذلك كانت هذه الحركات الدينية الاجتماعية ولا تزال بمثابة استجابات للأزمات
الروحية والاجتماعية والسياسية الحادة التي شهدها ولا يزال يشهدها مجتمعنا العربي
الإسلامي) . [١٩]
واستشهد (عضيبات) بالأزمة التي مر بها المجتمع العربي الإسلامي خلال
فترة حكم معاوية، والتي مهدت لعمر بن عبد العزيز إعادة توجيه الحكم بما يتفق
والمبادئ الإسلامية، كما استشهد أيضاً بتجربة الإخوان المسلمين التي أسسها (حسن
البنا) ، والأزمات التي كان يعانيها المجتمع في عهده، ليصل في النهاية إلى القول
بأنه (من المؤكد أنه في ظل الظروف البالية والقلقة التي يعيشها الآن مجتمعنا
العربي الإسلامي، فإن نشاط الحركات الدينية مستمر لمواجهة هذه الظروف) [٢٠]
أخذ سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة كمثالٍ، سعى فيه
جاهداً ليثبت أن سبب انتشار الدين والجماعات الإسلامية كان مرتبطاً بالخلل الذي
أصاب النظم الاجتماعية في مصر على كافة المستويات.
تعرض نعيم لفساد النظام الاقتصادي الذي قال: أن مفاتيحه قد أصبحت في يد
الغرب الذي يملك في أي لحظة إحداث انهيار في هذا الاقتصاد؛ إذا ما تهددت
مصالحه، أو تعارضت القرارات القومية المصرية مع هذه المصالح، كما كشف
عن تراجع الصناعات التحويلية والزراعة، وتراجع دور الدولة في إقامة
المشروعات الكبرى التي تستوعب الطاقة العاملة، وتحدث عن ظهور واستشراء
الفئات الطفيلية التي شهدت ثراء فاحشاً من خلال عملية تخرب الاقتصاد المصري،
وانتشار تجار العملة، وزيادة معدلات التضخم، واشتداد أزمة الإسكان، وبطالة
الشبان المتعلمين، وكذلك انتشار الفساد والانحلال الخلقي، وتراجع قيم الشرف،
وأن المال أصبح هو القيمة العليا، وأصبحت الغاية تبرر الوسيلة حتى لو كانت هذه
الوسيلة هي بيع الشرف أو الدعارة.
وعن تدهور النظام التعليمي؛ أوضح نعيم: أنه نظام يعتمد على التلقين القائم
على حشو ذهن الطالب خلال مراحل الدراسة بمعلومات عليه أن يحفظها دون أن
يشغل عقله بالتحليل والنقد، ودون أن يشجع على المعرفة والفكر أو المطالعة في
المكتبات.
وعن فساد الثقافة والإعلام؛ بيَّن نعيم كيف أن الثقافة تحولت إلى سلعة
تجارية واستثمارية تهتم بالربح وبالمظهر أكثر من الفائدة والمضمون، وأشار أيضاً
إلى الفن الهابط والمبتذل في المسارح، المتاح فقط لمن يقدرون على تحمل أثمان
دخول هذه المسارح، ولتلك الفئة من الشباب التي تتفق قيمها وميولها مع ذلك النوع
من الفن المشجع على الانحراف. أما وسائل الإعلام: فإنها تعرض لجماهير
الشباب صوراً متنوعة وبكثافة عالية للإنفاق البذخي والمظاهر الاستهلاكية، التي
تعجز غالبية الشباب عن مجاراتها كما أنها تعرض نماذج سلوكية وثقافية غريبة
مبتذلة، بما يثير نقمة واشمئزاز الكثير من الشباب، أو يمثل غواية لهم للانحراف.
أوضح نعيم: أن نتائج فساد كل الأنظمة من اقتصادية وسياسية وتربوية
وثقافية، تصب في الأُسرة التي تقوم بالتنشئة الاجتماعية الأولى للإنسان، ثم تحدث
عن المشكلات اليومية التي تواجهها الأسرة المصرية من مواصلات وإسكان وغذاء
وملبس وتعليم وصحة وتلوث وضوضاء وفوضى واضطراب وتسيب وفساد،
وحصار إعلامي ودعائي.. الخ [٢١] .
انتهي سمير نعيم من كل ذلك إلى القول: بأن كل هذه الظروف أدت إلى
ظهور الجماعات الإسلامية التي انضم إليها الشباب لمواجهة هذا الفساد وهذا الخلل
في النظم الاجتماعية، وأن هذه الجماعات قد سارعت لملء الفراغ الثقافي الذي
تسبب عن فساد الثقافة والإعلام بطبع كتب وصحف ومجلات وأشرطة وفيديو
كاسيت بحجم ضخم، واعترف نعيم كذلك بزيادة حجم الإقبال على هذا المنتج. كما
أشار إلى دور هذه الجماعات في بيع ملابس المحجبات والكتب والدروس
الخصوصية بأسعار رمزية زهيدة، وأنها قامت بخدمات إنسانية اجتماعية عبر
الساجد، كالعلاج الصحي في المستوصفات والدروس المجانية للطلاب، أو
المساعدات الاجتماعية، ودور الحضانة.. الخ. [٢٢]
تؤكد الشهادة السابقة لعضيبات وسمير نعيم هذا الدور الإيجابي والبنَّاء
للجماعات الإسلامية في موجهة الخلل والفساد الذي حل بالنظم الاجتماعية وأصابها
في الصميم، ومع ذلك يصر رجال الاجتماع على مهاجمة هذه الجماعات ومناصبتها
العداء؛ لا لشيء إلا لأن ماركسيتهم تعادي الدين وكل ما يرتبط به من حركات
ورموز.
ومع كل هذا؛ فإن الصحوة الإسلامية لم تظهر بسبب تدهور البنية الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية للمجتمع، وإنما جاءت كما يقول الأستاذ محمد قطب: (في
موعدها المقدور من الله) ، ونأتي هنا إلى اعترافات البعض الآخر من الماركسيين
العرب من رجال الاجتماع بخطأ الربط بين ظهور الصحوة الإسلامية وتدهور
الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
يرى (علي الكنز) أن ربط انتشار الدين بالانحطاط أو التطور الاقتصادي
والاجتماعي منزلق وقع فيه رجال الاجتماع، واستدل الكنز لإثبات ذلك بالماضي
الأوربي ذاته الذي ظهرت فيه الرأسمالية في الأصل في وقت عرفت فيه البلدان
الأوربية إصلاحات دينية، وربطت التنمية بانتشار الأيديولوجية الدينية كما حدث
في كل من بريطانيا وأمريكا الشمالية وهولندا..
استدل الكنز أيضاً باليابان في الحاضر المعاصر التي تربعت على عرش
الاقتصاد العالمي مقابلة بالصين، فاليابان ربطت الدين بالمجتمع والدولة ربطاً
عضوياً، وفعلت الصين المستحيل لمنع ذلك [٢٣] .
ويشير الكنز في مثال آخر إلى الكاثوليكية التي أثارت العمال والشعب
البولوني لمحاربة الطبقة الحاكمة، وإلى الإيرلنديين ومناهضتهم للبروتستانت
الإنجليز، ويوجز الكنز ملاحظاته هذه معترفاً بقوله: (وبإمكاننا تعداد هذا النوع من
الملاحظات اللامنتهية، وتوضح اليوم -كما في الأمس- بأن البعد الديني قد ساهم
دوماً بشكل أو بآخر في تبلور الهوية الجماعية، وبأن انتشاره لم يرتبط في كل
زمان ومكان بفترات الانحطاط أو التطور الاقتصادي الاجتماعي [٢٤] .
ويعطي (فرحان الديك) مثالاً آخر من الواقع العربي على خطأ هذا الربط؛
فيقول: (.. فظهور مثل هذه الحركات لا يمكن رده كما يفعل البعض إلى تردي
الوضع الاقتصادي، وربط ظاهرة الصحوة الدينية بالأزمة الاقتصادية؛ لأن ما
يسمى بالمد الديني ظهر وتطور في الفترة الزمنية نفسها التي تميزت أيضاً بالطفرة
أو الفورة الاقتصادية التي عرفتها -ولكن بدرجات متفاوتة بالطبع- كل المجتمعات
العربية [٢٥] .
إلا أن المثير للدهشة والعجب أن يدعي رجال الاجتماع بعد كل اعترافاتهم
بفشل تحليلاتهم أن التيارات الوطنية والليبيرالية واليسارية والقومية هي المحاصرة
في بلادنا، وأن هناك تضييقاً على دعاتها وتنظيماتها، وأنه لهذا السبب فإن الساحة
ستظل شبه خالية أمام الحركات الدينية الاجتماعية، وسيملأ فكرها وتنظيماتها
الفراغ القائم [٢٦] .
لا أحد يشك في عدم صحة هذا الادعاء، ولا أحد ينكر أن التنظيمات
الإسلامية هي المحاصرة من الداخل والخارج، وأن هناك تضييقاً على دعاتها،
وأن الساحة ليست خالية تماماً أمامها، ولا يرد هذا الادعاء إلا اعترافاتهم أنفسهم
بفشل تحليلاتهم وتفسيراتهم وافتراضاتهم، وعلى رأسها نظرية الصراع الطبقي.
جاءت هذه الاعترافات للماركسيين العرب من رجال الاجتماع إثر دروس
قاسية تعلموها من الصحوة الإسلامية، كان أقسى هذه الدروس عليهم أن تاريخ
الوطن العربي ليس هو إعادة ولا تكرار لتاريخ أوربا في القرن العشرين، عبر
الماركسيون عن ذلك بمرارة في قولهم: (وبكل قساوة تمكن الفكر العربي العقلاني
اليوم من اكتشاف هذا الدرس الجدلي) [٢٧] ، أما الفكر العقلاني ذاته فقد أصيب كما
أوضحنا سابقاً بأزمة عميقة أجبرت أصحابه على ضرورة التفكير في نقده نقداً
جذرياً، مع الاعتراف بأن هذا الفكر العقلاني مأخوذ من الثقافة الغربية بطريقة
سيئة جداً بنص عباراتهم.
علمتهم الصحوة الإسلامية: أن عليهم التخلي عن الوضعية التي غلفت لهم
بغطاءات ماركسية متدنية ورديئة بنص عباراتهم أيضاً، وأن الجماعات الإسلامية
ليست بطبقات اجتماعية، وأن عليهم أن يلاحظوا هذه الصحوة بكل رصانة وبكل
سكينة -بنص عباراتهم كذلك -، على أساس أن هذا هو أول شرط للتحليل
العقلاني الذي أجبرته هذه الصحوة على أن يعيد النظر في افتراضاته ومنطلقاته
النظرية، وحتى إشكالياته ومنهجياته، على أمل زائف من أن يتمكنوا من ضبط ما
يسمونه بالواقع التاريخي.
الصحوة الإسلامية عند الماركسيين العرب من رجال الاجتماع (تحديد سالب
لكيان اجتماعي يستعيد حيويته، ويتبلور في حركة سياسية) [٢٨] ، تصور رجال
الاجتماع أنه لا زال بإمكان الفكر العقلاني مواجهة هذه الصحوة إذا نوَّع مجالات
بحثه وانفتح على هذه الصحوة، واعترف بها كواقع، وأن يتخلى عن منهجيته
القائمة على أساس عالم متخيل. إلا أنهم رغم ذلك يرون أن الصحوة الإسلامية هي
انحراف للوطن العربي عن مساره الطبيعي وتجميد لتطوره، ذلك لأن هذه الصحوة
رفضت رفضاً كلياً الحداثة والعلمانية والليبيرالية والتقدمية؛ ولهذا رموها
بالانحراف والجمود.
اعترف رجال الاجتماع بأن فشل التجارب التنموية والوطنية تسببتا في ثغرة
أدت إلى ما أطلقوا عليه بالهجمة الواسعة للتوجه الديني الذي غاص في هذه الثغرة
وحقق نجاحاً لامعاً وسريعاً.
تعلم الماركسيون العرب من الصحوة الإسلامية درساً قاسياً آخر هو: أن
الدين يمكن أن ينوب عن رمزيتهم العقلانية والعلموية التي تشهد -كما يقولون -
أزمة عميقة.
تعلموا أيضاً: أن الإسلام بصفة خاصة يمكن أن يستفيد بشدة من الاضطراب
الذي تسبب عن التقنية الغربية وأزمة الأنظمة السياسية الغربية [٢٩] .
تعلموا أيضاً: أن الإسلام لا العقلانية هو المطابق للوسط الثقافي المحلي،
وللمرجع التاريخي الحضاري للشعوب وأخلاقياتها، أما الإسلام السياسي - كما
يسمونه - فهو كالحوت في البحر بنص عباراتهم [٣٠] ، وأنه يتميز باستراتيجية
وبتكتيك وبتقنيات الخطابة والدعاية، وأنه يستمد سلطته من الجماهير [٣١] .
علمتهم الصحوة الإسلامية أن الدين يمكن أن يتغلب على غيره في كل
الفترات، سواء أكانت فترات صعود نحو العلمانية والعقلانية، أو فترات انحطاط
وتدهور كما يتصورون؟ .
ودرس آخر شديد القسوة تعلموه من الصحوة الإسلامية هو: قدرة الإسلام
على الانتشار الواسع المحلي والوطني، وقدرته على إفشال الأحزاب والحركات
السياسية العلمانية التي تأسست في خضم حركات التحرر والتشييد الوطني، وقدرته
على التحول بسرعة خاطفة إلى أحزاب جماهيرية تستطيع توجيه أسلحتها الثقيلة
حسب عباراتهم نحو مسألة شرعية السلطة السياسية وأنظمتها القائمة على الوطنية
والتنموية [٣٢] ، يقول علي الكنز:
(لقد بنيت الأنظمة العربية اليوم على أسس الوطنية والتنموية، ونراها اليوم
تنحسر وتنهار بوطنيتها وتنميتها في الوقت ذاته) [٣٣] .
- يتبع -
стр. 903
منهج أهل السُّنة في النقد
والحكم على الآخرين
(٢)
هشام بن إسماعيل
العدل في وصف الآخرين
وهي جزء من القاعدة السابقة، ولكن لأهميتها أفردت لوحدها. والأصل في
هذه القاعدة قوله تعالى: [وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ] [هود: ٨٥] . ...
والمقصود بالعدل في وصف الآخرين هو: العدل في ذكر المساوئ
والمحاسن، والموازنة بينهما.
وثبت أن النبي ﷺ قال: «كل ابن آدم خطَّاءٌ، وخير
الخطاءين التوابون» [١] .
فلا أحد يسلم من الخطأ، فلا ينبغي أن تدفن محاسن المرء لخطأ، كما أن
الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. [٢]
ولذلك ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يغفل المحاسن لوجود بعض المساوئ، كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو بغضاء بينه وبين
من يصفه، فالله قد أدبنا بأحسن أدب وأكمله، فقال سبحانه: [وَلاَ
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ] [هود: ٨٥] . وإنك لتجد كثيراً ممن يذم غيره بذكر
مساوئه، ويغض الطرف عن محاسنه، بسبب الحسد والبغضاء، أو لتنافس مذموم
بينهما.
ولكن المنصفون هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه
حقه، ولو كان الموصوف مخالفاً لهم في الدين والاعتقاد، أو في المذهب والانتماء.
ومن العلماء الذين برز إنصافهم لغيرهم: الحافظ الذهبي ﵀ فمن
خلال كتابه القيم: (سير أعلام النبلاء) ، والذي ترجم فيه لعدد من العلماء الأجلاء، وكذلك لعدد ممن اشتهر بين الناس وكان من أهل البدع أو الفسق أو الإلحاد، تجده
لم يبخسهم ما لهم من صفات جيدة، بل أنصفهم بذكر ما لهم وما عليهم.
وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، منها:
١- قال عن عبد الوارث بن سعيد: (وكان عالماً مجوداً، ومن أهل الدين
والورع، إلا أنه قدري مبتدع) السير (٨/٣٠١) .
٢- وقال عن الحكم بن هشام: (وكان من جبابرة الملوك وفساقهم،
ومتمرديهم، وكان فارساً، شجاعاً، وكان ذا دهاء وعتوٍّ وظلم، تملك سبعاً
وعشرين سنة) السير (٨/٢٥٤) .
٣- وقال عن الواقدي: (والواقدي وإن كان لا نزاع في ضعفه فهو صادق
اللسان، كبير القدر) ، السير (٧/١٤٢) .
٤- وقال عن المأمون الذي تبنى فتنة القول بخلق القرآن وامتحن علماء أهل
السنة بذلك: (وكان من رجال بني العباس حزماً، وعزماً، ورأياً، وعقلاً، وهيبة، وحلماً، ومحاسنه كثيرة في الجملة) السير (١٠/٢٧٣) .
٥- وقال في ترجمة الجاحظ الأديب المعتزلي: (العلامة، المتبحر، ذو
الفنون.. وكان أحد الأذكياء.. وكان ماجناً، قليل الدين، له نوادر) السير (١١/
٢٥٦) .
٦- وقال عن قرة بن ثابت: (الصابئ، الشقي، الحراني، فيلسوف عصره.. وكان يتوقد ذكاء) السير (١٣/ ٢٨٥) .
٧- وقال في ترجمة الخياط المعتزلي: (شيخ المعتزلة البغداديين، له ذكاء
مفرط، والتصانيف المهذبة.. وكان من بحور العلم، له جلالة عجيبة عند
المعتزلة) [السير ١٤/٢٢٠] .
وهناك أمثلة كثيرة غير هذه، ومن أراد الاستزادة فعليه بمراجعة سير أعلام
النبلاء، يجد بغيته -إن شاء الله-.
ومنهج الذهبي في العدل في وصف الآخرين، منهج علمي دقيق، وهو منهج
أهل السنة والجماعة في أحكامهم على غيرهم، وهو نابع من قوله تعالى: [وَلاَ
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ] [هود: ٨٥] والآيات المشابهة لها.
ولذلك ينبغي لكل من رام الإنصاف أن لا يحيد عن هذا المنهج السوي، وأن
يتقي الله- في وصف غيره، ويتكلم بعدل وإنصاف.
العبرة بكثرة الفضائل:
فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، فمن غلبت فضائله هفواته، اغتفر
له ذلك.
يقول ابن رجب الحنبلي: (والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير
صوابه)
وكلمة ابن رجب بمثابة منهج صحيح في الحكم على الشخص الواحد، لأن
كل إنسان لا يسلم من الخطأ، ومن قل خطأه وكثر صوابه، فهو على خير كثير.
ومنهج السلف هو: اعتبار الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ،
والنظر إليه بعين الإنصاف.
يقول الحافظ الذهبي: (ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من
الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة
المحاسن) [٣] .
وقال الذهبي في ترجمة ابن حزم: (وصنف في ذلك - نفْي القياس -كتباً
كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل
فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن
تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى
بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقاداً واستفادة، وأخذاً ومؤاخذة، ورأوا فيها
الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين، فتارة يطربون، ومرة يعجبون،
ومن تفرده يهزؤون، وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا
رسول الله ﷺ ، وكان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل،
ويحسن النظم والنثر، وفيه دين وخير، ومقاصد جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد
زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكباً على العلم، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وقد
أثنى عليه قبلنا الكبار) [٤] .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة لطيفة: ولكن كثير من الناس من يرى المثالب، ويعمى عن المناقب، وفي ذلك يقول الشعبي ﵀: (والله لو أصبت تسعاً
وتسعين مرة، وأخطأت مرة، لأعدوا على تلك الواحدة [٥] .
وقد قيل: كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه.
يمكن أن تعتبر قاعدة مهمة في هذا الباب، يقول فيها: (العبرة بكمال النهاية
لا بنقص البداية) [٦] .
ومن نفيس كلامه في هذا الباب قوله: (وإنه كثيراً ما يجتمع في الفعل الواحد، أو في الشخص الواحد الأمران: فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه
أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى
ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك
بعض السيئات البدعية الفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل
بعض الحسنات السنية البرية، فهذه طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائماً
بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان) [٧] .
(ولا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم من وجه، ويعذب ويبغض
من وجه آخر) [٨] .
(ومن سلك طريق الاعتدال، عظم من يستحق التعظيم، وأحبه وولاه،
وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له
حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج، والمعتزلة، ومن
وافقهم) [٩] .
стр. 904
تراث
عبث المجهول والمعلوم
محمد عبد الله آل شاكر
كل عمل علمي صورة عن صاحبه، وهو الذي يتحمل مسؤولية ما فيه من
خطأٍ، وينسب إليه الفضل فيما أجاد فيه، كما يتحمل اللوم إن كان ملوماً في عمله
أو مقصراً.. وهذا يعني أن صاحب العمل ينبغي أن يكون معروفاً غير مجهول؛ إذ
لا يؤخذ العلم عن المجاهيل والنكرات، كما أن لأصحاب السمعة الحميدة في العلم
والدين مكانة في النفوس، تحمل القارئ على الاطمئنان لما يقولون ولما يصدر
عنهم - عندئذ - منزلة لا تعدلها منزلة آخرين.
وكما يصح هذا القول هنا، يصح أيضاً في التحقيق العلمي للتراث الإسلامي، إذ ينبغي أن ينسب كل تحقيق لمن قام به ويكون معروفاً بمؤهلاته التي تؤهله
للقيام بهذا العمل. ولكن هذه القاعدة لا يلتزم بها بعض المحققين، فتجد على بعض
الكتب والرسائل الصغيرة أمثال هذه العبارات: (حققه بعض طلبة العلم) ، أو:
(جماعة من المحققين) ، أو: (فئة من الجامعيين) ، وعلى بعضها أمثال: «كتبها
أحد طلبة الشيخ» ، «جمعها أحد طلبة الشيخ» . (وما أدراك ما طلبة الشيخ! !) .
ويبحث القارئ حتى يتعرف على هذا (البعض) أو (بعضه) ، أو على هذه (الفئة) مَنْ هُم؟ وما هي مؤهلاتهم ومكانتهم وتجربتهم التي خولتهم القيام بتحقيق تراثنا؟ ، وما مدى التزامهم بما ينبغي أن يلتزموا به..؟ تبحث، فلا تجد شيئاً، لأنك أمام مجهول، وحُقَّ للناس أن يخافوا دائماً من (المجهول) .
وحتى لا أطيل على القارئ، أجتزئ بمثالين اثنين:
الأول: (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لأبي محمد، عبد الحق
ابن عطية الأندلسي، وهو كتاب نال ثناء العلماء؛ حتى قال أبو حيان الغرناطي: ... (هو أجلّ من صنف في علم التفسير، وأفضل من تعرض للتنقيح فيه مع التحرير) .
ويصدر الكتاب عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب العربي،
(ووصل في علمي إلى المجلد الثالث عشر، وعلى غلافه عبارة: (تحقيق المجلس
العلمي بفاس) . فحسب.
وقد يكون أعضاء المجلس العلمي الموقرون معروفين بأسمائهم وأعيانهم
وعضويتهم في المجلس نفسه، ولكن لم لا ينسب العلم والجهد لأهله، فيعرف مَنْ
منهم شارك في التحقيق والجهد؟ (وإن كان هذا التحقيق برمته يحتاج إلى إعادة
نظر وتحقيق)
ثم طبع ثمانية أجزاء من الكتاب في (قَطر) بتحقيق وتعليق: الرحالي
الفاروقي (رئيس المجمع العلمي بمراكش) ، وعبد الله إبراهيم الأنصاري (مدير
الشؤون الدينية في قطر) ، والسيد عبد العال إبراهيم، وسيد الشافعي صادق. فكان
ذلك- فيما يبدو - سبباً لاستخراج مجهول في الطبعة المغربية (وإن كان التحقيق
الجديد أيضاً لم يغن شيئاً عن القديم) .
المثال الثاني: (تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين) تأليف العلامة الشيخ: محمد جمال الدين القاسمي ﵀ . وهو مطبوع أكثر من طبعة، ثم طبع عام ١٣٩٤ هـ وعام ١٤٠٥ هـ وعلى جلده وصفحة عنوانه الداخلية تحت اسم الكتاب والمؤلف هذه العبارة: (راجعه وحقق أحاديثه طائفة من الجامعيين) .
من هم هؤلاء الجامعيون؟ أهم طلبة مبتدئون في الجامعة، أم هم خريجوها؟ أو لعلهم أساتذة جامعيون؟ ، فكل هؤلاء يصدق عليهم أنهم جامعيون. وفي أي
جامعة؟ وبأي كلية جامعية هم؟ أهي كلية الشريعة وأصول الدين مثلاً؟ أم كلية
الهندسة بفروعها؟ ، أو كلية فنون جميلة؟ عِلْم ذلك كله عند الله تعالى (ثم عند من
يعرفهم) .
وهذا المثال الأخير، يُسْلمنا إلى ملاحظة أخرى عن التحقيق الذي أصبح
بمفهوم بعضهم مرادفاً للعبث والتلاعب بالنصوص (المسكينة) : حذفاً وإضافة
وتصرفاً. وفي هذه خيانة للأمانة وعدوان على التراث العلمي لسفنا الصالح،
وافتئات على المؤلفين، وهو داخل ضمن الكذب والزور [١] ، ومجانب للصواب
في عملية التحقيق التي تعني: (تقديم النص كما يريده المؤلف) دون أي تحسين أو تعديل أو تصويب [٢] .
ونأخذ أمثلة على ذلك من (تهذيب موعظة المؤمنين) أولاً، ثم من غيره ثانياً.
قالت الطائفة من الجامعيين تحت عنوان: (عملنا في هذا الكتاب) :
(لقد اعتمدنا هذا المختصر في دراستنا وتحقيقنا، (وهنا إضافة جديدة وهي
الدراسة) وهو مع علو شأن مختصره، احتوى على العديد من الأحاديث غير
الصحيحة، فحذفناها على الغالب لعدم الفائدة من ذكر الأحاديث الضعيفة
والموضوعة، ولو بالتعليق عليها، خشيةً من بلبلة المبتدئين، وحققنا الصحيح من
هذه الأحاديث كما هو واجب على كل باحث.. واستدركنا على الحافظ العراقي في
الأحاديث التي اكتفى بعزوها إلى كتب (السنن) فقط، مع أن فيها العديد من
الأحاديث غير الصحيحة) .
وليت شعري! هل أصبح حذف الأحاديث غير الصحيحة من الكتاب لعدم
الفائدة منها، هل أصبح داخلاً في حدود عملهم الذي قالوا عنه: (أولاً: المراجعة
وتحقيق الأحاديث) ؟ أو أنه من مقتضيات التحقيق؟ وكيف يحققها وقد حذفها من
الكتاب! ولو كان عملهم الاختصار أو التهذيب أو الحذف، لكان هناك من يسوغ
لهم هذا ويفتي به، أما وإن الكتاب مطبوع باسمه الذي وضعه المؤلف، فلا يجوز
بعد ذلك هذا التصرف فيه.
وإننا نحمد - صادقين - للمحققين غيرتهم على المبتدئين، وخشيتهم من
(بلبلتهم) ، وأما (الصحيح من هذه الأحاديث) التي حققوها فهو جهد متطوع ... بعد صحتها (كما قلتم) - فإذا كانت صحيحة فما داعي تحقيق صحتها؟
وأما استدراككم على الحافظ العراقي-﵀ فليتكم ضربتم مثلاً واحداً له، ولست أدري ما أقول في هذا؟ ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه. وغفر الله لي
ولكم.
ثم تقول فئة الجامعيين:
(٢- وكذلك حذفنا العثرات التي أشار إليها ابن الجوزي، وقد ذكرنا كلامه
في أول هذه المقدمة، مع أنه أبقى بعضها في (مختصره!)
ومرة ثانية: حذف العثرات (ونسأل الله أن يتجاوز عن عثراتنا) ليس داخلاً
في جُبَّة التحقيق ولا في عمامته، ولا في ثوبه ولا في كُمِّ الثوب، لا في التحقيق
ولا المراجعة. ولا يجيز ذلك أيضاً اضطراركم (للقيام بهذا المشروع نصرة للإسلام، وتسهيلاً لمهمة الخطباء والمدرسين، ورغبة في إرشاد المسلمين، وسعياً لتثقيف
أنفسهم بأنفسهم) . (وقلتم: إن الكتاب للمبتدئين الذين تخشون من بلبلتهم بالعثرات،
فكيف لا تخشون عليهم من تثقيف أنفسهم بأنفسهم؟ ، أليسوا بحاجة إلى من يعلمهم
ويثقفهم ويربيهم، أم أن الكتاب بعد جهدكم فيه، أصبح فيه غَناء لهم؟) .
(٣- وحذفنا أيضاً من كتاب (موعظة المؤمنين) المسائل المتعلقة ... بأحكام فقهية عن الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، كما حذف أكثرها الإمام ابن الجوزي أو المقدسي، لأنها مستفيضة في كتب مخصصة لها، وهي موضع خلاف بين المذاهب) .
عجبٌ لا ينقضي من هذه المراجعة والتحقيق، فإن هذا الذي حذفه الجامعيون
من مسائل الكتاب مما لا ينبغي أن يجهله المسلم، لأنه متعلق بأركان الإسلام، فمن
أول ما ينبغي معرفته بعد الشهادتين والإقرار بهما: الطهارة والصلاة؛ حتى يؤدي
ذلك كله عن علم وفقه.
وهو أيضاً خارج عن طبيعة عمل التحقيق -كما سبق -، وإن كان ابن
الجوزي أو المقدسي حذف أكثرها فلأن ذلك يتسق مع منهجه وعمله وهو الاختصار
والتهذيب، ولا يتسق مع منهجكم الذي زعمتموه. فهذا يختلف عن ذاك. ولئن كان
ابن الجوزي قد حذف أكثرها، لقد أبقى على أقلِّها لفائدةٍ؛ تحرمون القراء منها!
وأما التعليل لهذا التصرف فهو عليل، لأن استفاضة هذه المسائل في الكتب
المخصصة لا تبيح لكم حذفها، وإن كان فليكن تطبيق القاعدة عاماً، ويحذف من
الكتاب كل ما هو مسطور في كتب مخصصة من غير هذه الأحكام.
وما أظن - ولا أي عاقل يظن - أن كل ما هو (موضع خلاف بين المذاهب)
لا ينبغي حذفه من الكتب عند التحقيق، بل إن التحقيق يقتضي إثباته وتحرير
محل النزاع فيه، وبيان الصواب مثلاً مع الأدلة - إن اقتضى الأمر -، ولعلكم
تعرفون أن الخلاف في الأمور الفقهية واقع منذ عهد الصحابة ومَنْ بعدهم، وكتب
الحديث -والمصنفات بخاصة- كلها آثار تبين ذلك ويظهر فيها الخلاف، فهل
تحذف أيضاً عند التحقيق؟
ثم يأتى البند رقم (٤) في مقدمة المحققين إقراراً آخر بافتئاتهم على المؤلف،
بإثبات وإضافة ما هو مفيد - برأيهم - في صلب الكتاب، وكان بإمكانهم أن
يضيفوا ما يرونه مفيداً في حاشية الكتاب، قالوا:
(٤- وأثبتنا بعض مباحث وأحاديث وأشعار رأيناها مفيدة، وقد حذفها الشيخ
القاسمي) .
فماذا لو رأى غيركم من المحققين أن هذا الذي أثبتموه غير مفيد؟ هل يعيد
حذفه ثانية كما فعل أولاً الشيخ القاسمي؟ وهو قد فعل ذلك، لأن عمله تهذيب
للكتاب وليس تحقيقاً له وللأحاديث كما زعمتم.
ثم تتابع الطائفة من الجامعيين (بالطبع هي غير الفئة الباغية) فتقول:
(٥ - ومن أهم ما قمنا به: أننا ذكرنا بحثاً في الجهاد، ليأتي الكتاب كاملاً،
فإن الإمام الغزالي لم يتطرق إلى موضوعه على الرغم من خطورته وعظمته ... ) .
وبالتأكيد ليس هذا هو كل ما أضافه (المحققون) إلى الكتاب (المفترى عليه)
حتى يكون كاملاً، وإنما هذا الذي نبهوا عليه في مقدمة التحقيق. فقد أضافوا في
ص (١٨٦-٢٠٨) بحثاً عن شمائله- ﷺ .
وأهمية الجهاد مما لا يخالف فيها مسلم قط، لا تبيح إضافته إلى كتاب
المؤلف؛ (لئلا تختلط جهود العلماء والمحققين؛ فيضيع النسب، وتهدر الحقوق) ،
فيمكن المحققين أن يكتبوا كتاباً عن الجهاد وينشروه بأسمائهم - ويأخذوا أتعابه -،
ويبقى الكتاب كاملاً كما وضعه مؤلفه، لا كما أراد حضرات المحققين الماسخين
للكتب.
فإذا جاوزنا المقدمة التحقيقية هذه إلى الصفحة الثالثة من الكتاب (مقدمة
القاسمي ﵀) نجد تعليقات وتحقيقات غريبة تدعو إلى الاستفهام عن هوية
الجامعيين -كما سبق -؛ ففي متن الكتاب ص ٣ جاءت هذه العبارة: (.. ويكون
وافياً بحاجاتهم (٢) ، آتياً على جميع كمالياتهم..) ، وقد وضع رقم الإحالة (٢)
فوق كلمة: (بحاجاتهم) ؛ وفي أسفل الصفحة التعليق التالي: (٢- في الأصل:
حاجياتهم) (!) .
وهذا الذي جعلوه في المتن هو الخطأ بعينه، والصواب هو ما حذفوه أو
أنزلوه مكاناً ومكانةً إلى الحاشية؛ فإن (الحاجيات) نسبة إلى (الحاجّي) لا إلى
(الحاجة) ، وهي متسقة مع السياق بدليل ما بعدها وهو قول القاسمي: (آتياً على
جميع كمالياتهم) . ولكن جزى الله العجلة والتبجح كلَّ شرٍّ.
وفي الصفحة التي تليها، بعد صفحة فارغة، جاء في الكتاب: (.. وأما
الأخبار؛ فقال رسول الله- ﷺ : «من يراد (هكذا، وهو خطأ
مطبعي صوابه: يُرِدْ) الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده» مع إحالة رقم
(١) ؛ ثم يقول في الحاشية:
(١- ولفظ الحديث كما في البخاري ومسلم: «من يرد الله به خيراً يفقه (كذا) في الدين» ، دون زيادة: (ويلهمه رشده) . ومعنى يفقهه في الدين: أي: يعلمه القرآن والسنة) .
دع عنك كثرة الأخطاء المطبعية التي تدل على مبلغ اهتمامهم وتحقيقهم للكتاب، فأمرها قد يكون سهلاً، ولكن عد إلى التخريج للحديث، حيث تكرمت اللجنة
بتخريج لفظ لم يذكره المؤلف، وتركت ما نصَّ عليه، ولم تشر إلى الزيادة أين هي ...
في غير الصحيحين؟ إذ فيهما أصل الحديث فحسب دون الزيادة. وهل هناك من
رواها بهذا السياق؟
(وللفائدة فحسب، وعلى عجل، قال العراقي في (تخريج أحاديث الأحياء)
(١/٢١) طبعة دار العاصمة بالرياض: (وأما قوله: ويلهمه رشده، فعند الطبراني
في الكبير) . وقال الزبيدي: (ورواه مع هذه الزيادة أيضاً: أبو نعيم في (الحلية)
عن ابن مسعود، وسنده حسن. وفي (الصحيحين) و (مسند أحمد) بعد قوله:
(في الدين) زيادة: (إنما أنا قاسم، والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على
أمر الله) . (المصدر نفسه) .
فكيف بعد هذا، لو قلبنا بعض الصفحات لنتعرف على قيمة ما فيه من
تعليقات وتحقيقات، ولا يفوتنك أيضاً: أنه قد يأتي ناشرٌ آخر فيحذف مقدمة
المحققين -كما يفعله كثير منهم اليوم وسيأتي أمثلة على هذا -، وعندئذ لا يمكن
تمييز أصل الكتاب الذي طالته يد التحقيق والمراجعة والدراسة المزعومة.
وإذا كان ذلك مثالاً على عبث المجهولين، فإن أمثلة أخرى تتمثل في تغيير
بعض العبارات في النصوص المحققة، قام بها بعض أبناء هذا التراث، ولم يكن
عندهم ما يمنع من ذكر أسمائهم (إذ الحقوق محفوظة لأصحابها) .
فأحدهم يبيح لنفسه حذف بعض الكلمات مثل صيغة الدعاء والترحم والترضي
عن بعض العلماء، بسبب مخالفة فقهية، أو بسبب عداوة أو غباوة، وكأنه لا يجيز
أن يدعو بالرحمة للإمام الشافعي مثلاً، أو لأبي حنيفة - رحمهما الله تعالى -؛ لأنه
يخالفهم في شيء من الرأي. وأظن أن التصريح هنا باسم من يفعل ذلك ليس فيه
شيء من المصلحة الآن، فلندعُ له بالهداية.
وقد يحذف نص من كتاب مثلاً في باب معين لضعف رأي أو خطئه، فمثلاً
في طبعة الرياض لكتاب (الأذكار) للإمام النووي - تحقيق الشيخ الأرناؤوط -
حذفت حكاية العتبي في الأعرابي الذي جاء إلى قبر النبي- ﷺ
ودعا. وهي حكاية بلا إسناد، ويرويها البيهقي في (الشُّعب) بإسناد مظلم، وهي
موجودة في سائر طبعات (الأذكار) وفي كتب الفقه (كالمغني) وغيره، فليس لأحد
الحق في حذفها بحجة التحقيق أو لأنها حكاية ضعيفة، وإنما يعلق عليها في الحاشية
ويبيِّن الصواب والحق.
ثم قد علمت أن إسقاط هذه القصة إنما كان تصرفاً من مراقبة المطبوعات في
دار الإفتاء بالرياض، وليس من المحقق نفسه. وهذه أعجب!
وسبقت الإشارة أيضاً إلى تصرف الأستاذ أحمد عطا، واجتهاداته الشخصية
في تغيير نص كتاب (العقل) للحارث بن أسد. وهذا كله يتنافى مع الأمانة العلمية،
ومع الدقة التي يتصف بها علماؤنا في آداب تصحيح النص واحترامه، حتى قال
العلموي: (إنه لا يجوز أن يصلح كتاب غيره بغير إذن صاحبه) ، ويعجب من عمل يشبه عمل محققينا الذين سبقت الإشارة إليهم فيقول: (وقد تجاسر بعضهم فغيَّر ما الصواب إبقاؤه) [٣] .
стр. 905
من واقع الحضارة الغربية
(١) السفر إلى المشرق
أبو البراء عبد العزيز بن محمد
(سوزان ليليث) طفلة أمريكية في الثانية عشرة من العمر، تقول: إنني لا
أرى والدي كثيراً، وهو مرهق باستمرار، وكذلك أمي، عندما أبلغ الثامنة عشرة
أريد أن أهاجر وحيدة إلى الهند..، المدرِّسة قالت لي: إن البيوت هناك كثيرة،
وإن الناس يجلسون في الطرقات ويتحادثون، المدرسة قالت لي أيضاً: إن الهند
يقدسون البقرة، وأنا لم أر بقرة في حياتي إلا على شاشة التلفزيون أو في الكتب..، لا أريد أن أبقى هنا..، لا أريد أن يتجعد وجهي مثل أمي، إنني أنوي السفر
إلى المشرق.
(٢) الوحدة القاتلة
(بيتو لاهايت) عجوز في الخامسة والسبعين من أصل إرلندي، وتعيش منذ
خمسين عاماً في مدينة (أوتاوا) الكندية، تقول:
إنني أعيش وحيدة.. أولادي وأحفادي يعيشون في مونتريال، أتلقى منهم
الرسائل بانتظام، وأشعر أن عملية تناول الرسائل باتت (ميكانيكية) ، لأنها خالية
من الود الحقيقي..، هذا ليس ذنبهم..، أعود ستين عاماً إلى الوراء، عندما
كانت حياتنا أشبه بالمهرجان الدائم، الآن تبدل كل شيء، ويبدو أن الناس كلهم
يسيرون (في جنازة هم الأموات فيها)
(٣) العائلة والموت
[ (أنقذوا العائلة من الموت) هذا النداء (الدراماتيكي) أطلقه العالم الاجتماعي ...
الفرنسي (برنارد أوديل) ، وهو النداء الثالث الذي يطلقه خلال الثلاثين سنة
الماضية.
كان الأول: (أنقذوا العائلة من الاستلاب)
وكان الثاني: (أنقذوا العائلة من التفتت)
وهو يطلق النداء الثالث، لأن المعطيات التي توفرت لديه حول وضع العائلة
في الغرب تثبت جميعها أنه قد حان الوقت لكي تقرع أجراس الإنذار في كل بيت
من نصف الكرة الغربي] .
(٤) القرآن أقوى من فرنسا
[في ذكرى مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر، وقف الحاكم
الفرنسي في الجزائر يقول: (يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم.. ونقتلع
اللسان العربي من ألسنتهم؛ حتى ننتصر عليهم)
وبعد ذلك بسنوات قلائل:
قامت فرنسا - من أجل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر -
بتجربة عملية؛ فتم انتقاء عشرة فتيات مسلمات جزائريات، أدخلتهن الحكومة
الفرنسية في المدارس الفرنسية، ولقنتهن الثقافة الفرنسية، وعلمتهن اللغة الفرنسية، فأصبحن كالفرنسيات تماماً.
وبعد أحد عشر عاماً من الجهود، هيأت لهن حفلة تخرج رائعة دعي إليها
الوزراء والمفكرون والصحفيون ...
ولما ابتدأت الحفلة، فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن
الإسلامي الجزائري..
فثارت ثائرة الصحف الفرنسية، وتساءلت: ماذا فعلت فرنسا في الجزائر
إذن بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عاما؟ !
أجاب (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي: (ماذا أصنع إذا كان القرآن
أقوى من فرنسا؟)
стр. 906
خواطر في الدعوة
من سنن الاجتماع والجماعات
محمد العبدة
عندما يبرز علم أو داعية أو زعيم، ويشتهر أمره، تحوطه عادة جموع كثيرة
من الناس: منهم المخلصون وهمهم طلب العلم أو المشورة أو المساعدة في أمر
الدعوة، ومنهم المتملقون بالتقرب منه والذين يتظاهرون بالسؤال وحب الدعوة،
ومنهم الفضوليون الذين يحبون الشهرة بالسير في ركاب هذا أو ذاك، وأخلاط من
الناس تستمع ولكن الفائدة المرجوة قليلة، وفي غمرة حرص الداعية أو القائد على
نشر هذا الخير وتكثير سواد المسلمين قد يبتعد عن المقربين المخلصين من غير
تعمد منه لذلك، وهذا مما يكسر خواطرهم، ويضعف الفائدة المرجوة من التجمع
والتناصر، وفي العادة فإن المخلصين يبتعدون عن التزلف ويتحاشون القرب الدائم، فإذا غلبهم العامة أو المتملقون فقد وقعت المصيبة، وقد كان الصحابي الجليل عبد
الرحمن بن عوف مدركاً لهذه الناحية عارفاً بأمور الناس والزعامة، عندما نصح
عمر بن الخطاب ﵁ بألا يتكلم في (منى) أثناء الحج عن أمور تخص الخلافة والاستخلاف، وكان عمر ﵁ قد سمع قولة قائل:
(لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً) ، يظن أن البيعة بهذه السهولة، يبايع من شاء دون مشورة لأهل الحل والعقد، وكأنه ظن أن خلافة أبي بكر ﵁ كانت هكذا، فغضب عمر ثم قال: (إني -إن شاء الله- لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين؛ لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً) ، واستجاب عمر ﵁ لنصيحة عبد الرحمن بن عوف وقام هذا المقام في المدينة.
ونقول للدعاة الذين يشار إليهم بالبنان: لا يجوز أن يغلب المتملقون
والمتطفلون على أوقاتكم، ويجب أن يقرب المخلصون من تلامذتكم، وهذا من
آداب القيادة وسنن الاجتماع كما قال تعالى على لسان نوح- ﵇: [ومَا
أَنَا بِطَارِدِ الَذِينَ آمَنُوا] ، يقول الشيخ رشيد رضا في تفسير هذه الآية: هذا مبني
على سنن الاجتماع في الزعامة والعصبية وتأليف الجماعات، وكون ثباتها وظفرها
رهناً بإيمان الجماعة التي تألفت لأجله، وولاية بعضهم لبعض بصفة يكون فيها
الزعيم خير قدوة للأفراد بتفضيله أدنى المؤمنين فيهم على أعظم الكبراء من
خصومهم [١] ؛ فهل يعي هذه النصيحة الذين يتصدون للناس ولا ينسون الدعاة
الصادقين الذين لا يتزلفون للزعيم.
стр. 907
حديث عن المنهج
د. طارق عبد الحليم
الحديث (حول) منهج أهل السنة والجماعة حديث تطمئن إليه قلوب
المؤمنين وتنشرح له صدورهم؛ فهذا المنهج هو طريقهم السوي إلى بر الأمان في
خضم تلك البدع والأهواء والفتن المتلاطمة التي يجر بعضها بعضاً للقضاء على
زمرة أهل الحق.
لكن الحديث (حول) المنهج أمر، والحديث (عن) المنهج أمر آخر... ...
فالحديث حول المنهج، الذي اطمأنت به نفوس المؤمنين في السنوات الماضية قام
على الدعوة للرجوع إلى هذا المنهج القديم وتحبيب الناس فيه، والتركيز على أنه
لا منهج سوي سواه، ولا منجى مما يحيق من فتن إلا به.. فهو المنهج الذي أسسه
محمد- ﷺ ، وهو الذي سار عليه أعلام الصحابة والتابعين وأئمة
المسلمين من أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا، ما انحرف عنه أحد إلا دخلته
بدعة وفارقته سُنة، وبعد عن القصد، وقرب مما ليس فيه مصلحة.
أما الحديث (عن) المنهج فهو يعني: بيان أسس ذلك المنهج.. تقعيد قواعده
وتفريع فروعه.. بيان مبادئه وتفصيلاته، وشرح كلياته وجزئياته.. وهو ما
يحتاجه مسلمو اليوم ممن اطمأنوا إلى ضرورة اتباع هذا المنهج والسير على خطاه..
إن (منهج) أهل السنة والجماعة ليس هو (فتاوى) أهل السنة والجماعة أو
(مذهب) أهل السنة والجماعة الفقهي أو الحركي.. إنه (أسلوب) في النظر إلى الأمور الثلاثة التي تشكل مسار الدنيا، والتي يختلف عليها الناس في كل آن ومكان: الأفكار، والأشخاص، والأحداث.
المنهج هو: (طريقة) في البحث والتحري عن الحقيقة - أو بالأحرى: عن
الحق - تضيِّق نطاق الخلاف حول تلك الأمور الثلاثة التي ما فتىء الخلاف حولها
يهدد كيان المسلمين ويزعزع بنيانهم، وأهم من ذلك أنه الوسيلة التي تجعل النية
والقول والعمل موافقاً لسنة رسول الله- ﷺ ، أو قل إن شئت:
(هو تلك الأسس والقواعد الشرعية والعقلية التي يدرب عليها عقل المسلم؛ فتكون
قالباً تُصاغ من خلاله حركاته وسكناته.. أقواله وأفعاله.. إقدامه وإحجامه في كافة
شؤون حياته) .
إذن، ما هو ذلك المنهج أو الأسلوب أو الطريقة التي ما زلنا نتحدث عنها
وندعو إليها؟
سؤال يحتاج أن تتجرد له عزائم الرجال، وتتفرغ له أوقاتهم، وتشحذ عقولهم
لوضع تفاصيل ذلك المنهج وحدِّ حدوده ورسم معالمه.
أنواع المناهج:
نوعان من المناهج يتبعها الباحثون في المجالات العلمية أو النظرية، تجدر
الإشارة إليها كأحد المعالم الهادية إلى تحديد نوعية المنهج المراد؛ وهما:
أولاً: تلك المناهج التي توضع تفصيلاتها وتحدد معالمها قبل البحث المقصود
إليه أو المراد إنشاؤه، ويطلق عليها (أسلوب البحث) إن تعلقت بمبحث علمي، أو
(خطة البحث) إن تعلقت بأمر عملي فيزيقي، أو (خطوات البحث) إن تعلقت بأمر عمليّ في مجال الأعمال والتجارة وغيرها. هذه المناهج غالباً ما تكون مقصورة على البحث الذي وضعت لأجله.
ثانياً: تلك المناهج التي تستشف معالمها وتستنبط مبادئها من واقع حالٍ
وظروف قائمة وأحداث واقعة - سواء في الماضي أو الحاضر - لتكون هيكلاً في
البحث وطريقة في النظر؛ تتبع فيما يستحدث من وقائع أو ظروف أو أحداث في
المستقبل، وهو ما نرمي إليه في الحديث عن منهج أهل السنة والجماعة. وأقرب
ما وجدناه من معنى يعبر عن ذلك في معجم المباحث الغربية هو كلمة SCEME.
هذا النوع من المناهج هو ما استعمله (ديكارت) في كتيبه الشهير الموسوم
بـ: (مقال في المنهج) ، وهو الذي نبتت أفكاره من بذور الفكر الذي ساد تلك
الحقبة من الزمن، والذي قامت على أساس هدم الفكر الديني الكاثوليكي، وفصل
الدين عن السياسة، والوقوف في وجه طغيان الكنيسة وسيطرتها على مصائر
الناس، مما أشاع فكر (التحرر) وضرورة (الشك) في المسلمات السائدة. ذلك
المنهج الديكارتي هو الذي سيطر فمما بعد على مجالات الفكر النظري والعملي
الغربي، وأنشأ قواعد الفكر الغربي الحديث.
بين المنهج والقانون:
ومما يجب أن نلفت إليه النظر هو: ضرورة التفريق بين القانون أو النظرية
وبين المنهج، إذ أن الخلط بينهما يؤدي إلى أخطاء كثيرة في البحث والتطبيق
جميعاً.
فالقانون أو النظرية مع اختلافهما في درجة التوثيق هما قالب تفسر فيه
أحداث واقعة، سواء في الماضي أو الحاضر، تحت ظروف محددة خاصة،
وتنطبق أوصافهما وتتحقق نتائجهما كل مرة تتحقق فيها تلك الظروف أو الشروط،
كما في النظريات والقوانين العلمية بشكل عام.
فهي قوالب كلية استنبطت من جزئياتها [١] من جهة، ثم فسرت بها
الجزئيات المستحدثة، بعد ذلك من جهة أخرى.
أما المنهج فهو وإن كان قالباً أو هيكلاً للبحث يقوم على أحداث ووقائع كما
ذكرنا، إلا أنه أسبق في الوجود الذهني وأعلى في الدرجة من الكليات والقوانين؛
إذ على أساس منه وفي حدوده ومن خلاله تستنبط تلك الكليات والقوانين التي تفسر
من خلالها الوقائع وتقدم الحلول والنتائج، أو الأحكام الشرعية والفتاوى في التعبير
الشرعي.
فهو إذن مصدر الكليات والقوانين، لا بأعيانها وذواتها، وإنما بذلك التحديد
الذي تضعه فرضياته ومبادئه لتحكم به مسار الفكر واتجاه البحث الموصل إلى تلك
القوانين والكليات.
ولنضرب مثالاً على ما نقول:
فإن القاعدة الكلية - أو القانون إن شئت - (رفع الضرر) قد استنبطت من
جزئيات عديدة تكررت في مواضع عديدة من الشريعة مؤدية لذلك المعنى.
فقد قال تعالى: [لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا] ، وقال: [ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً
لِّتَعْتَدُوا] ، وقال- ﷺ -في الحديث: (الجار أولى بالشفعة) أي:
أن الشريك أو الجار أولى بالشراء من الغريب عند رغبة البيع، حتى لا يأتي من
يضر المالك في ملكه أو جواره.
كذلك الرد بالعيب في البيوع، وحكم الحجر على السفيه، وشرع القصاص؛
فإن فيه رفع الضرر عن العباد بكف أذى المعتدين. بذلك جاء في الحديث: «لا
ضرر ولا ضرار» ، وهو مروي في (الموطأ) مرسلاً، كذلك أخرجه الحاكم في
(المستدرك) والبيهقي والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري، وابن ماجه من
حديث ابن عباس، وهو وإن كان ضعيفاً إلا أن معناه صحيح مقرر في أماكن عديدة
من الشريعة.
كل ما سبق هي جزئيات أدت إلى استنباط قانون عام كلي هو (رفع الضرر) .
والمنهج الذي أدى إلى استنباط تلك القاعدة من جزئياتها ففرضياته المتعلقة بها
عديدة، منها العملية ومنها الشرعية، نذكر منها:
فرضية عقلية: أن الوقائع المتكررة في معنى واحد تؤكد ذلك المعنى وتقرره.
فرضية شرعية:
* أن الأحكام الشرعية إنما قصد بها جلب مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم.
* أن مقصود الشرع هو تحقيق (أفضل) الحلول الممكنة حسب الواقع لا
الخيال.
* تساوي الناس في حق تحصيل المنفعة ودفع المضرة.
وماذا بعد؟
في إطار ما قدمنا يحق للقارئ أن يتساءل: إذن ما هي مصادر منهج أهل
السنة والجماعة؟ ، ما هي معالمه ومبادئه؟ وما هي حدوده؟ ثم ما هي قواعده
وتفاصيله؟ أيطابق منهج أهل السنة في النظر والاستدلال منهجهم الحركي أم يغايره
في بعض تفصيلاته؟ إلى آخر تلك التساؤلات التي آن لها أن تجد أُذُناً صاغية
وعقولاً واعية.
ولأن الغرض الأساسي من حديثنا هذا عن المنهج هو إلى شحذ الفكر، وطرح
السؤال أكثر منه إلى إملاء الفروض وتقرير الجواب، فإننا نكتفي بهذا القدر،
وندعو إلى المشاركة في وضع تلك المعالم والتفصيلات. فقد آن لنا ذلك،
والمسلمون بحاجة شديدة إلى مثل هذا العمل، والله الموفق والهادي إلى سواء
السبيل.
стр. 908
انتشار الإسلام
التعليم في أفريقيا
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
انتشرت الصحوة الإسلامية بفضل الله تعالى في أقطار عديدة من الأرض
شرقاً وغرباً، وشمل هذا الانتشار قارة إفريقيا السوداء.. إلا أنَّ حظها من هذه
الصحوة لم يكن كغيرها لظروف فكرية واجتماعية وبيئية تعيشها هذه القارة، لكن
العقد الأخير أظهر انتشاراً سريعاً للوعي الإسلامي فيها؛ مما يبشر بخير كثير -إن
شاء الله-.. وإن من أبرز مجالات الدعوة الإسلامية في تلك القارة: مدارس التعليم
الإسلامي بمراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية.. إذ أن الجمعيات الإسلامية
اهتمت بهذا الجانب أكثر من غيره لأسباب كثيرة، من أهمها: انتشار الجهل
الشديد في تلك القارة، وكانت بداية تلك المدارس رد فعل للمدارس التنصيرية أو
العلمانية، التي تسعى لمسخ الهوية الإسلامية في نفوس الناس. وقد نجحت بعض
المدارس الإسلامية في حماية بعض شباب الأمة من الوقوع في براثن التغريب
والتنصير.
وقد قمت بزيارة لمدارس عديدة في دولتي السنغال وجمهورية غامبيا في
الغرب الإفريقي، ووجدت أن المدارس الإسلامية الجادة قليلة جداً، ومع ذلك فهي
لا تخلو من عيوب كبيرة، ولمست بعض العوائق التي تؤثر سلباً على مسيرة
التعليم في تلك المدارس، ومن أهمها:
أولاً: المناهج الدراسية:
تعتمد المدارس الإسلامية - في أغلب الأحوال - على المناهج المقررة في
الدول العربية، وخاصة مقررات المملكة العربية السعودية.. ومن هنا تبدأ المشكلة، إذ أن تلك المناهج ألفت لتتناسب مع العقلية العربية والخلفية الفكرية الاجتماعية
للطلاب، وصيغت بأسلوب يتلاءم مع أناس يعرفون العربية قراءة وفهماً.. ومن
ثَم فإن نقل هذه الكتب إلى بيئة اجتماعية وفكرية مختلفة تماماً سوف يؤثر حتماً على
مستوى التعليم، خاصة أن بعض تلك الكتب ألفت لمناقشة بعض الأوضاع التي
تناسب المكان المقرر فيه.. ومن الطريف أنني دخلت أحد الفصول الدراسية
للمرحلة الإعدادية ورأيت المدرس يشرح لتلاميذه تضاريس دولة الإمارات
العربية..! ...
وفي فصل آخر: رأيت أحد المدرسين يُعلِّم تلاميذه مسألة التعصيب في علم
المواريث من كتاب مقرر في المعاهد العلمية السعودية.. مع أني أجزم بأن كثيراً
من الطلاب لم يتعلم في تلك المرحلة أساسيات العبادات والمعاملات..!
وأحياناً تجد في المدرسة الواحدة بل في الفصل الواحد منهجاً من وزارة
المعارف السعودية، ومنهجاً آخر من مناهج المعاهد العلمية، وثالثاً من الأزهر،
ورابعاً من الكويت.. وهكذا لينتج خليطاً غير متجانس من المقررات المبعثرة التي
قد لا يربطها رابط.. مع أن بعض المدارس قد تعتمد بعض الكتب المنهجية التي لا
تخلو من انحرافات عقدية بدعية لأنها هي المتوفرة لديهم! ! هذا إذا توفرت النسخ
للطلاب، حيث تعاني معظم المدارس الإسلامية من ندرة الكتب المقررة التي لا
توجد إلا في يد المدرس، ومعه عدد قليل من الطلاب، وأذكر أني رأيت في إحدى
المدارس السنغالية كتاب التفسير في يد أحد المعلمين من مقررات وزارة المعارف
السعودية المطبوعة في عام ١٣٨٤ هـ!
وهذا التشتت في المناهج المتعلقة بالعلوم الإسلامية واللغة العربية، ولو انتقلنا
إلى العلوم التجريبية والتكنولوجية لوجدنا الكثير من المضحكات والمبكيات، إذ أن
كثيراً من المدارس الإسلامية لا تهتم بتدريس مواد العلوم والرياضيات، وإن درست
فهي تدرس بشكل بدائي لا يكاد يؤثر تأثيراً بيِّنا في المستوى العلمي للطلاب..
ولهذا فالغالب أن المدارس الإسلامية غير معترف بها حكومياً. بمعنى: أن
المتخرج من المدارس الإعدادية الإسلامية لا يستطيع أن يلتحق بالمدارس الحكومية
الثانوية، وعلى ذلك فقس في بقية المراحل. بل إن المتخرج من المدارس
الإسلامية لا يُقبل للعمل في القطاعات الحكومية المختلفة، لأنه لم يدرس اللغة
الرسمية للبلد، ولم يتعلم الثقافة العصرية، فأصبح الأطباء والمهندسون
والإعلاميون والاقتصاديون من غير المسلمين، أو ممن تربى في المدارس العلمانية
أو التنصيرية.
وهذا الأمر أوجد هوَّة واسعة بين تلك المدارس وبين القطاعات الرسمية، مما
جعل المسلمين المتميزين بعيدين تماماً عن قيادة المجتمع من الناحيتين الفكرية
والإدارية. من أجل ذلك أصبحت المدارس الإسلامية في أغلب الأحوال وقفاً على
الفقراء والمساكين الذين لا يملكون قيمة الرسوم في المدارس الحكومية، فيلتحقون
بالمدارس الإسلامية لأن الرسوم منخفضة ميسورة. أو يلتحق بهذه المدارس الطلاب
الذين لم يستطيعوا الاستمرار في المدارس الحكومية لضعف مستواهم العلمي.
وهكذا يدور الطلاب في حلقة مفرغة، يأتي الطالب من الحقل أو المرعى
ليدرس، ثم يتخرج، ليعود مرة أخرى للحقل أو المرعى.. وإن يسر الله له منحة
إلى بلد عربي وأخذ الشهادة الجامعية؛ رجع لمدرسته - إن استطاع - ليدرِّس فيها
جيلاً آخر، أو عاد كغيره للحقل أو السوق، ليعمل في التجارة الخفيفة.
وهذه المشكلة دفعت بعض الجمعيات الإسلامية إلى افتتاح معاهد للتدريب
المهني، لتدريب الشباب على النجارة والحدادة وأعمال الكهرباء.. وهذا أمر جيد
بلا شك، لكنه يبقي المسلمين بعيداً عن معترك القيادة والتوجيه للمجتمع، فلا أظن
أنَّ المقصود فقط هو تأمين لقمة العيش فحسب - وإن كان ذلك مطلوباً - بل
المقصود: قيادة المجتمع وتوجيهه الوجهة الإسلامية المتكاملة.
ثانياً: المدرسون:
تعاني المدارس الإسلامية في إفريقيا من قلة المدرسين الأكفاء تربوياً وعلمياً.. ولابد أن يظهر أثر هذا الضعف على مستوى الطلاب. فبعض المدارس
الإسلامية تعتمد على مدرسين يحملون الشهادة الإعدادية لتدريس الطلاب في
المرحلة الابتدائية، ومدرسين يحملون الشهادة الثانوية للتدريس في المرحلة
الإعدادية.. وهم يفعلون ذلك لقلة المدرسين المتخصصين، ولأن أولئك أقل تكلفة
من الناحية المالية، وعلى أحسن الأحوال فهم يعتمدون على خريجي الجامعات
العربية لتدريس جميع المواد لجميع المراحل. حتى أن بعض المدرسين المتخرجين
من الجامعات الشرعية قد يكلفون بتدريس مادتي الرياضيات والعلوم.
ونتيجة لضعف المستوى العلمي للمدرسين أصبحوا يهتمون بتحفيظ الطلاب
تحفيظاً مجرداً ولا يهتمون بتاتاً بالمحتوى العلمي الشرعي أو التجريبي.. وإذا
قرنت بين مشكلة المناهج الدراسية وعجز المدرسين عن توصيل تلك المناهج على
ما فيها من العيوب.. فلك أن تتصور مدى الضعف العلمي والتردي الفكري الذي
يصيب الطلاب على وجه العموم.
ويتبع ذلك القصور الإداري والتنظيمي في كثير من تلك المدارس، فكثير
منها يفتقد التخطيط والدراسة والتنظيم.
ثالثاً: التميُّز:
التميز في المدارس الإسلامية ظاهر والحمد لله إذا قورنت بنظيراتها من
المدارس الحكومية أو التنصيرية، لكن يظهر هناك قصور في عدة جوانب، أذكر
منها:
١- الاختلاط: الاختلاط في الدول الإفريقية سمة طبيعية لتلك المجتمعات،
بسبب الخلفية الاجتماعية والظروف الاستعمارية والتغريبية التي مرت عليها.
والعجيب أن معظم المدارس الإسلامية - إن لم تكن كلها - لم تسلم من ذلك الداء،
ولا أعني المدارس الصوفية أو غيرها.. بل أعني: المدارس ذات الاتجاهات
الفكرية الجيدة.. صحيح أن بعض المدارس تلزم الطالبات بما يسمى بالحجاب
الإسلامي.. وصحيح أن الطالبات يوضعن في طرف والطلاب في طرف آخر. إلا
أن الاختلاط متحققٌ قطعاً.. وتكمن الخطورة في المرحلة الإعدادية والثانوية.
وقد لمست من حيث الجملة: قلة اهتمام من الطالبات بالحجاب، وضعف
متابعة من المدرسين لهذه القضية. وقد يحتج القائمين على تلك بحجج منها:
أ- أنهم لا يستطيعون بناء مدارس مستقلة للنساء لضيق ذات اليد.
ب - حتى لو تم بناء مدارس خاصة للنساء، فيصعب عليهم توفير معلمات
قديرات، ولهذا قد يضطرون إلى الاستعانة بالرجال.. وهذه أشد.
والقائمون على تلك المدارس يعلمون جيداً أنهم قادرون على تجاوز هذه
العقبات لو كانوا جادين في طرح المشكلة والاهتمام بها.
٢- تعتمد المدارس الإسلامية على النظام الحكومي في بداية وانتهاء العلم
الرسمي.. وبسبب الخلفية الاستعمارية اعتمدت الدولة يومي السبت والأحد عطلة
رسمية، وتبعتها على ذلك المدارس الإسلامية في السنغال، مع أنها غير ملزمة
إدارياً بذلك.. ولا أظن أن هذه المسألة هينة فيما قد يبدو، حيث إن في ذلك تذويباً
لقضية الولاء والبراء، وتهاوناً في مخالفة النصارى.
ومع تلك الملاحظات إلا أن المدارس الإسلامية تقدم جهداً مباركاً في توعية
الناس وتعليمهم أمور دينهم، وتحميهم من حبائل المنصرين وشراكهم. ولتجاوز
تلك العقبات؛ أطرح هذه التوصيات:
أولاً: إعداد مناهج جديدة للعلوم الشرعية وتعليم اللغة العربية، تتناسب مع
خلفيات بلادهم الفكرية والاجتماعية، لنعالج المشكلات الإسلامية والحياتية التي
يعاني منها أهل تلك المنطقة، وتحتاج هذه المناهج إلى دراسات واعية ومتعددة
تخضع لتجارب ميدانية متزنة، وبذلك نضمن نشر اللغة العربية وتعميق الوعي
الشرعي بين الطلاب، بالإضافة إلى تحصينهم من شبهات النصارى والقاديانيين.
وأقترح أن تكون هذه المناهج من المراحل الأولى، ثم ينتقل بالطلاب تدريجياً
من مرحلة إلى أخرى، مع التقويم المستمر لكل مرحلة تربوياً وعلمياً ولغوياً.
ثانياً: اعتماد المناهج الحكومية الأخرى في الرياضيات والعلوم وغيرها،
وتدرس باللغة الرسمية للبلد، وبذلك نضمن التواصل بين المدارس الإسلامية
والمجتمع من حولهم، وبهذا نيسر للطلاب المسلمين المتميزين الدخول في الجامعات
التكنولوجية، ليكون لهم دور في الطب والهندسة، وغيرها من المجالات التي توجه
البلد وتدير دفته.
ثالثاً: محاولة تشجيع وتبني الطلاب المسلمين المتميزين الذين تيسر لهم
الدخول في جامعة داكار لدراسة العلوم التجريبية الحديثة، وتثقيفهم بالثقافة
الإسلامية اللازمة، وتعليمهم اللغة العربية قراءة وكتابة.
رابعاً: إعداد دورات مستمرة لتدريب المعلمين وتثقيفهم في شتى مجالات
المعرفة العلمية والتربوية القادرة على الإنتاج البنَّاء في هذا المجال.
ويتبع ذلك إعداد دورات مستمرة للإداريين لنضمن حسن الإدارة والتنسيق
والتنظيم.
стр. 909
عقيدة
من لهذه الوثنية المتعددة ؟
الشيخ/ إسماعيل بن سعد بن عتيق
(من المعلوم من الدين بالضرورة: أن تحقيق كلمة التوحيد لا يتم بمجرد ... الإيمان بالله.. بل لابد مع ذلك من الكفر بالطواغيت والتبرؤ منها.. ...
وهذا المقال يعالج جانباً مما يقع فيه كثير من المسلمين اليوم، مما يناقض هذه البديهية.. و (البيان) وهي تفسح المجال للكشف عن هذا الجانب انطلاقاً من منهجها لتتطلع إلى علماء هذه الأمة، ومن نفس المنطلق أن يكشفوا زيف الطواغيت الأخرى التي غرق الناس في عبادتها.. كمن يشرع ويحكم بخلاف حكم الله ويطيعه الناس في ذلك.. وكمن يحلل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، وكالأهواء والأفكار التي سادت أذهان الناس واتخذوها موجهاً ودليلاً لتصوراتهم في الكون والحياة والإنسان.. والحسن والقبيح، والحلال والحرام.. وغير ذلك من أمثال هذه القضايا الخطيرة التي تهز العقيدة من أساسها) .
- البيان -
كتب الله لي أن أزور كثيراً من عواصم العالم الإسلامي، ورأيت في كل
صقع من أصقاعه من يتهافت على تلك الأوثان حباً وتعظيماً وخشيةً وإنابة وتضرعاً
وافتقاراً، ولا حرج في التمثيل وذكر بعض أمثلة لتلك الدول التي تبنت الإسلام
شعاراً لا عقيدة، ومع الأسف فهي محسوبة على الإسلام! ! والله المستعان.
وأترك أسماء المدن لفطنة القارئ ليستنتج مواقع هذه الأوثان ومواطنها.
١- قبر مزعوم للحسين، يحج له الناس ويتقربون إليه بالنذر والقربات،
وتجاوز ذلك إلى الطواف به والاستشفاء، وطلب قضاء الحاجات عند الملمات.
٢- السيد البدوي، له مواسم في السنة أشبه بالحج الأكبر، يقصده الناس من
خارج البلاد وداخلها، وسُنة وشيعة، وهذان نموذجان في دولة واحدة من أقدم
الدول العربية والإسلامية في التعليم النظامي، وفيها أكبر مؤسسة تعليمية نظامية
منذ القرن الثالث الهجري، والتي كان لدعاتها وعلمائها الأثر الطيب في نشر
الإسلام والدعوة إليه، ولكن كما قيل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... الماء فوق ظهورها محمول
٣- جلال الدين الرومي الذي كتب على قبره ومزاره: صالح للأديان الثلاثة، المسلمين واليهود والنصارى، ويدعى هذا الوثن بالقطب الأعظم، وفعلاً كان
قطباً تدور عليه أفلاك أرباب المصالح الدنيوية طلاب الشرف باسم الدين المزور،
وقد لقي كل تشجيع وتقديس من الأيدي الخفية لإبقاء شعلة الوثنية وقَّادة في العالم
الإسلامي، فقبر جلال الدين الرومي في دولة ضمت الإسلام ثمانية قرون على أيدي
السلاطين المسلمين، ليسوا بالعرب ولا العرب منهم، ولكنهم المسلمون الذين تنبأت
الرسالة المحمدية بظهورهم، فكان في ظهورهم دلالة من دلائل النبوة، وغير جلال
الدين الرومي كثير وكثير في هذه الدولة التي أضحت دولة علمانية تحارب كل ما
هو إسلامي، حتى أصبح الإسلام غريباً في بحور المادة.
٤- محيي الدين بن عربي صاحب (فصوص الحكم) ، والمعتقد بوحدة
الوجود والحلول والاتحاد، وزعيم الفلاسفة القائلين بهذه البدعة المكفرة، أقول: إن
مزاره وثن يعبد ويقدس في عاصمة دولة كانت عاصمة الخلافة الأموية، ولا يزال
في أهلها الخير -إن شاء الله-، غير أن الفتنة بهذا الوثن تزداد يوماً بعد يوم،
وقفت على باب القبة لأرى وأعتبر، وكنت أحمل حذاءً في يدي؛ فأنكروا عليَّ
بالإجماع: كيف تقرب من المقام وفي يدك حذاؤك، احتراماً وتقديساً للولي؟ ! إنها لعبرة وعظة لأهل التوحيد والإيمان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
٥- (داتا) صاحب (مقبرة علي هجويري) في المشرق الإسلامي، ينتابها
الزوار في كل صباح ومساء، ومن عجيب ما شاهدتُه: أن له يوماً في العام تراق
عليه الألبان حتى لا نجد في الأسواق لبناً يباع ويُشترى، وله يوم في العام يغسل
بماء الورد والطيب أسوة بالكعبة المشرفة، يتشرف بتغسيله الساسة والقادة في البلاد، وليتك ترى ما يصنع حول هذه المقبرة من منكرات أخلاقية، فضلاً عن العقيدية،
وحولها الرقص والدف والاختلاط، والتبرك بسدنة هذه المقبرة، يُفعل ما لا يجوز
ذكره، وفي هذه الدولة حزب سياسي يزعم أنه إسلامي قد فتح باب الخرافة والبدع
على مصراعيه، ويحكى: أن وزير أوقاف هذه الدولة شكى لرئيس الدولة عجز
الميزانية في وزارته؛ فاتفق الرأي على إيجاد باب الجنة يتفتح دخوله الأعيان
والرؤساء، ثم تباع التذاكر للسواد الأعظم من جهلة المسلمين على أن من دخل هذا
الباب فقد دخل الجنة، وبهذا زال العجز المالي بفضل هذه التذاكر وصكوك الغفران!
ولعل القارئ يتساءل كيف يحصل هذا في دولة نالت استقلالها لتقيم حكم الشريعة في دولة إسلامية مثالية في المشرق الإسلامي؟ كيف يحصل هذا في دولة
ضحت بالكثير في سبيل الاستقلال ومحاولة تطبيق الشريعة الإسلامية؟ ولا أكون
مبالغاً إذا قلتُ: إن نسبة أهل البدع والخرافة تزيد على (٨٠%) ما بين متصوف
وقبوري وأصحاب نحل تنتمي إلى الإسلام كالقاديانية والبهائية والإسماعيلية الباطنية، أمَّا وثنية القبور فكثيرة، ومنها مدينة تعرف بمدينة القبور والتمور والفقر
والإفلاس، أعاذنا الله وإياكم من خسارة الدين والدنيا، ولا أريد أن أستطرد، فهذا
مثال للعبرة والفطنة لنقول: من لهذه الأوثان المتعددة؟ ثم انتقل بك إلى قطاع آخر
في عالمنا الإسلامي.
٦- مقبرة أحمد التيجاني، زعيم طائفته، ورائد التضليل، الذي شرع للناس
بمشورة الفرنسيين الطريقة المنسوبة إليه، والقائل: إن جوهرة الكمال أفضل من
القرآن الكريم سبعمائة مرة، وكذا صلاة الفاتح، وهما وردان ترددهما الطائفة
التيجانية صباحاً مساءً، ويكتفون بقرائتهما وتلاوتهما عن القرآن الكريم. مقبرة
زعيمهم أحمد التيجاني وثنٌ يُعبد من دون الله، ويحج له الناس تعبداً لنيل البركات.
٧- مقبرة عثمان فيدو الذي صمم على قبره بناية أشبه بالكعبة وكسيت
بالحرير الأسود، وحينما سئل أحد أحفاد هذا المصلح؛ قال: وضعت هذا أسوة
بقبر أحمد التيجاني، ومع أن الإمام عثمان فيدو كان ممن أقام به الله الدين، وتبنى
دعوة الإصلاح أشبه بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلا أن طريقته قادرية،
ثم تحول أتباعه إلى الطريقة التيجانية..
وبعد؛ فهذه سبعة نماذج من المشرق الإسلامي ومغربه وأوسطه، تعطي أمثلة
من اتجاه العالم الإسلامي وعقيدة الإسلام الصحيحة، ولا ننكر أن هناك منظمات
وجمعيات وأحزاباً، كلها تدعو إلى الإسلام، ولكن أي إسلام هو؟ اتجهت طائفة
إلى محاولة إيجاد الدولة الإسلامية لتنفيذ التشريع والأحكام، وكانت أخرى تتبنى
السلوكيات والتعبد من غير دخول في السياسة ولا شعابها الملتوية، وهاتان
الطائفتان فشلتا في تطبيق شمولية الإسلام والإيمان بقاعدته -التوحيد -، والعالم
ينتظر منطلقَ الدعوة المحمدية المبنية على توحيد الله وطاعته واتباع رسوله -
ﷺ في كل دق وجل. والدولةَ الإسلامية المنفذة لأحكام الله
وشرعه على أساس من التوحيد والتصديق والتجرد من كل شائبة بدعة أو شرك.
أقول مرة أخرى: من لهذه الوثنية المتعددة؟ ونرجو أن يكون هذا المقال
فاتحة خير ونافذة أمل في العمل على إبطال الوثنية في العالم كله، والله من وراء
القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 910
كتب
مدخل إلى وحدة العمل الإسلامي
تأليف: جمال سلطان
عرض وتلخيص: د. حسن حسن إبراهيم
اختلاف الفكر حقيقة ثابتة.. فكما أنه لكل إنسان بصمة أصبع، كذلك لكل
إنسان أيضاً بصمة فكرية، من صفاتها: أنها (متحولة) . فقد تعرض على الكافر
كافة البراهين التي تدفعه للإيمان، إلا أنه يحجم، ثم يأتي لحظة تقلب موقفه الفكري
رأساً على عقب، فيقرر الإيمان.
فقه الخلاف في الجيل الراشد:
في هذا الجيل تم توظيف ظاهرة الاختلاف توظيفاً بناءاً لم يحدث في أي جيل
آخر. وكان ذلك ثمرة تربية الرسول- ﷺ لصحابته ونتيجة
لتمسكهم بهديه. فعندما أرسل ﷺ معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قال
لهما: «تطاوعا ولا تختلفا» [١] ، أي: لا يصر كل منكما على رأيه واجتهاده؛
ويصعد الخلاف حوله، وإنما يتساهل فيه ليقدم وحدة العمل على اختلاف
الاجتهادات والآراء.
وجاء في بيعة الصحابة للرسول ﷺ : «وعلى ألا ننازع
الأمر أهله، إلا أن نرى كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان» [٢] ، فهذا النص يبين
مبلغ حرصه ﷺ على وحدة الأمة، حتى أنه لم يعد ينقضها إلا
نقض الإسلام ذاته.
وعندما خرج النبي- ﷺ -على بعض أصحابه وقد تماروا في
آية من القرآن حتى ارتفعت أصواتهم؛ فأخذ يرميهم بالتراب وقد احمر وجهه-صلى
الله عليه وسلم-، ويقول: «مهلاً يا قوم؛ بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على
أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً،
بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى
عالمه» [٣] ، والنبي ﷺ لم يعرض لقضية: (الصواب والخطأ في اختلافهم) ، وإنما عرض لحسم مادة الشقاق برفع كل الخلاف والانشغال عنه بغيره.
والخلاف في الإسلام نوعان:
- الخلاف التخصيبي: هو ذلك الاجتهاد الجاد الذي يبحث ويتفحص لكي
يخرج برأي يزيد الآخرين تبصراً بأبعاد الموقف، ويزيدهم فهماً للقضية محل
النظر، دون إملاء هذا الرأي على الآخرين كحل نهائي لا يجوز خلافه، وهذا
خلاف محمود.
- الخلاف التفريقي: وهو ذلك الخلاف في الرأي الاجتهادي، الذي يتعدى الموقف الفكري ليتشخص في موقف عملي يلزم الآخرين باتباعه، ويؤسس على ذلك سلوكاً يشكل خطراً على وحدة الأمة المسلمة. وهذا خلاف مذموم.
الخلاف في واقعنا الإسلامي المعاصر:
هو خلاف تفريقي مذموم، متجه إلى شق الصفوف وتفريقها، وأسبابه هي:
١- ضعف المحصلة العلمية: وهذا يؤدي إلى تعظيم الصغائر، وتصغير
العظائم، كمن تنازعوا قديماً في دم البعوضة واستباحوا دم أصحاب رسول الله-
ﷺ ، وكهؤلاء الذين عندهم استعداد لتدمير الحركة كلها من أجل
خلاف فقهي بسيط.
٢- عدم فهم مقاصد الشريعة: فيؤدي ذلك إلى عدم فقه ترتيب الفروض وهو
فقه غزير لا سيما الآن، حيث يصعب أن تقيم فريضة إلا على حساب أخرى، وأن
تحقق مقصداً شرعياً إلا بتفويت آخر.
٣- الهوى والاستبداد: ويتمثل ذلك في تقديم الولاء للحركة على الولاء
للإسلام، مما يؤدي إلى إقامة حاجز بين أفراد هذه الحركة وبين غيرهم من
المسلمين.
٤- عقم العقل المبدع: الذي يبحث عن الأفكار الجديدة ويولد القضايا العملية
الجادة التي تشغل العقل بدلاً من أن ينشغل بالجدل وبما لا يجدي من قضايا، كما
هو حادث الآن، فيؤدي هذا إلى انشطار الصف.
٥- غياب المشروع الحركي المتكامل: أو ما يطلق عليه (استراتيجية
الحركة) ، فالكثير من الفصائل الإسلامية يتحرك بعشوائية وحسب الظروف، فتكون عرضة للاختراق والتدمير من الداخل والتورط والانزلاق والغرق أحياناً.
٦- أوهام الورع التي تصل بالبعض إلى حد الوسوسة؛ فيصير بذرة للفتنة،
خاصة عندما يبدأ في إعلان انتقاداته للسلوكيات المخالفة للمستحب، فيرسِّب ذلك
حزازات في النفوس تنبه روح التمرد.
٧- العجز عن إدراك طبيعة حركة الفكر وقوانينها: ومن أهم هذه القوانين قانون: الحرية، فلا فكر بلا حرية، والمفكر اليوم عليه مراجعة نفسه ألف مرة قبل إطلاق فكرته، لأنه سوف يهتم بالتبديع والتجهيل والتضليل ثم الاتهام بالعمالة. وقانون آخر يهمل وهو قانون: تراكم الخبرة المعرفية وتلاقح الأفكار، فالفكرة الآن ترفض دون أن تنقد أو تهذب أو يضاف إليها.
العلاج:
لن يكون إلا بطريقة تربوية شاملة تراعي التوجيه الفني الذي يلفت ولا يصدم، وينصح ولا يحرج، ومن ذلك:
١- تربية العاملين على التجرد لقضايا الإسلام العامة، وأن حفظ الإسلام
أقدس من حفظ الحركة.
٢ - توظيف الطاقات في ضبط الرؤية الفكرية وفي ضبط منهج العمل.
٣- إحياء وممارسة أدب الاختلاف في الإسلام، فالسلفية ليست مجرد ثراء
فقهي، ولكنها في المقام الأول تأسٍ تربوي وأخلاقي وسلوكي بما كان عليه سلفنا
الصالح. ونحن في حاجة أولاً إلى (فقه الخلاف) ، بتحليل ظواهره والكشف عن ...
أسبابه، ثم نفهم التناول الشرعي له، وبعد ذلك يأتي (أدب الاختلاف) .
٤- ترسيخ قاعدة الشورى في العمل الإسلامي، حتى يدرك كل مسلم رأيه
محترم وله دوره وفعاليته، وأحيانا قد يحسم المسألة.
٥- إحياء وتوسيع أبحاث (فقه السيرة) ، خاصة فقه السيرة في الخلاف
وكيف عالجته السيرة.
٦- تعميق الفهم في أبعاد ظاهرة الخلاف وكيفية التعامل مع كل بعد.
٧- تربية الأفراد على ضبط قواعد الحوار واحترامها، وفي مقدمة هذه
القواعد: السماع الجيد للرأي الآخر، وتجريد عرض الفكرة بعيداً عن المزايدات،
وتحديد نقطة الخلاف بدقة.
٨- الاهتمام بالنقد الإيجابي البنَّاء، الذي يعطي البديل لما يُرفض لا الذي
يقف عند حد الرفض المجرد.
стр. 911
تحزيب القرآن
وهدي السلف في ذلك
محمد عبد الله الدويش
إن القلوب تصدأ وتقسو، والنفس تضعف، وتهبط بها دواعي الشهوات
وهواتف الدنيا، والإنسان يعيش في هذه الدار في معركة مع النفس والهوى
والشيطان. ولئن كان المقاتل يحتاج للسلاح المعنوي والمادي؛ فالذي يخوض في
معركة المصير أولى بأن يعتني بإصلاح نفسه.
والذي يحمل لواء الدعوة وراية الإصلاح أولى الناس بأن يهتم بنفسه وتربيتها، وصلتها بالله- ، وأولاهم بأن يأخذ الزاد في سفره إلى الله والدار الآخرة.
وما تقرب إلى الله بأفضل من تلاوة كتابه والوقوف عند معانيه وحدوده؛
فحريٌّ بنا أن نضرب من ذلك بسهم وافر، ومن رحمة الله بعباده وفضله عليهم: أن
شرع لهم ما يتعبدون به إليه سبحانه.
ولما كان تحزيب القرآن من السنن المهجورة -بل المجهولة -عند كثير من
طلاب العلم فضلاً عن عامة الناس. في حين كان الأمر متواتراً ومعلوماً عند
السلف، فقلما تقرأ في ترجمة أحدهم إلا وتجد أنه كان يختم القرآن في كذا وكذا.
لذا رأيت أن أجمع بعض ما ورد في ذلك لعل الله ينفع به.
تمهيد: قال ابن فارس (٢/٥٥) :
(الحاء والزاي والباء أصل واحد وهو: تجمع الشيء، فمن ذلك الحزب
وهو الجماعة من الناس، قال تعالى [كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] . والطائفة من
كل شيء حزب. يقال: قرأ حزبه من القرآن)
وقال في (النهاية) (١/٣٧٦) : (الحزب ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالوِرد، والحزب النوبة في ورد الماء. ومنه حديث أوس ابن حذيفة: (سألت أصحاب رسول الله- ﷺ كيف تحزبون القرآن) .
ومعنى ذلك: أن يجعل الإنسان لنفسه نصيباً يومياً يقرؤه ويتعاهد نفسه عليه،
بحيث يختم القرآن في كل شهر، أو عشرين، أو خمسة عشر، أو عشر، أو سبع، أو غير ذلك.
١- وقد ورد في السنة النبوية استعمال ذلك المصطلح في قوله-صلى الله
عليه وسلم-: «من نام عن حزبه» ، وقوله: «إنه طرأ على حزبي من القرآن» .
وقد بوب غير واحد من الأئمة بتحزيب القرآن. وقال عقبة بن عامر: (ما
تركت حزب سورة من القرآن) . وقال نافع: (لا تقل: ما أحزبه) . وسوف يأتي
تخريج هذه النصوص إن شاء الله- .
٢- واستعمل عند السلف بلفظ الجزء، فقد ورد في كلامه-صلى الله عليه
وسلم-: «قرأت جزءاً من القرآن» . وقال عبد الله بن عمرو: (هذا جزئي الذي ...
أقرأ به الليلة) . وعن عائشة: (إني لأقرأ جزئي) . وعن ابن عباس وابن عمر:
(أنهما كانا يقرآن أجزاءهما بعدما يخرجان من الخلاء) .
٣- واستعمل بلفظ الوِرد، فعن ابن عمر قال: (كنت في قضاء وِردي) ،
وعن الحسن: (أنه كان يقرأ ورده من أوَّل الليل) .
المسألة الأولى: بعض فضائل تلاوة القرآن:
إن النصوص الدالة على فضل القرآن أشهر من أن تورد، إنما نورد هنا
بعض فضائل تلاوته؛ قال تعالى: [إنَّ الَذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وأَقَامُوا الصَّلاةَ
وأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراً وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ
ويَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ] ، وقال : [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ
الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ
الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّالِحِينَ *ومَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ] .
أما من السنة: فالأدلة على فضله كثيرة، ومن فضائله:
١- أن الماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يتتعتع فيه له أجران؛ كما
في حديث عائشة عند الشيخين والترمذي وأبي داود.
٢- أنه يقال له يوم القيامة: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا) ؛
كما أخرجه أحمد وأهل السنن إلا النسائي من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً.
٣- أن له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها كما أخرجه الترمذي
والدارمي من حديث ابن مسعود.
٤- أن الآية منه خير من الخلفة السمينة، كما أخرجه مسلم من حديث أبي
هريرة.
٥- أن مثل المؤمن الذي يقرؤه مثل الأترجة، كما رواه الستة إلا ابن ماجه
عن أبي موسى الأشعري.
٦- أنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة، كما رواه مسلم عن أبي أمامة.
٧- تنزل السكينة لقراءته، كما رواه الشيخان من حديث البراء.
٨- أنه يقود قارئه يوم القيامة لتاج الكرامة ورضا الله- ، كما
أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة.
المسألة الثانية: مشروعية تحزيب القرآن:
١- حديث عبد الله بن عمرو، وهو حديث طويل مشهور، رواه جمعٌ من
الأئمة بينهم الأئمة الستة. ولفظه عند مسلم: (كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كل
ليلة؟) ، قال: فإما ذكرت لرسول الله ﷺ ، وإما أرسل لي،
فأتيته، فقال: (ألم أُخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟) فقلت: بلى يا
نبي الله؛ ولم أرد إلا الخير، قال: (فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ثم قال: (واقرأ القرآن في كل شهر) ، قال: قلت: يا نبي الله: إني أطيق
أفضل من ذلك، قال: (فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقاً، ... ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً) ، قال: فشددت؛ فشدد علي، قال:
وقال لي النبي- ﷺ : (لعلك يطول بك العمر) ، فصرتُ إلى
الذي قال لي النبي- ﷺ ، فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة
النبي- ﷺ .
٢- حديث: «من نام عن حزبه» وقد أخرجه مسلم (٧٤٧) ، وأبو داود
(١٣١٣) ، والنسائي (١٧٩٠) ، والترمذي (٥٨١) ، وابن ماجه (١٣٤٣) ، ومالك
في (الموطأ) (١/ ٢٠٠) ، وأبو عبيد في (فضائل القرآن) (٢٨٥) ، وعبد الرزاق
في (مصنفه) (٤٧٤٧) ، وابن حبان في (صحيحه) كما في الإحسان (٢٦٣٤) .
ولفظه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه؛ فقرأه فيما بين صلاة الفجر
وصلاة الظهر: \كتب له كأنما قرأه من الليل) .
٣- ما رواه أبو داود (١٣٩٦) والمرزوي في (قيام الليل) كما في
(المختصر) (١٥٧) عن ابن الهاد قال: (سألني نافع بن جبير بن مطعم فقال لي:
في كم تقرأ القرآن؟ ، فقلت: ما أحزبه، قال لي نافع: لا تقل (ما أحزبه) ؛ فإن
رسول الله- ﷺ قال: (قرأت جزءاً من القرآن) ، وصححه
الألباني في (صحيح أبي داود) .
٤- حديث أوس بن حذيفة الثقفي ولفظه: (قدمنا على رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- في وفد ثقيف، فنزَّلوا الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول
الله- ﷺ بني مالك في قبة له، فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء؛
فيحدثنا قائماً على رجليه حتى يُراوح بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه
من قريش، ويقول: (ولا سواء، كنا مستضعفين مستذلين، فلما خرجنا إلى المدينة
كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، ندالّ عليهم ويدالُّون علينا) ، فلما كان - ذات ليلة
أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: يا رسول الله: لقد أبطأت علينا الليلة؟ قال: (إنه طرأ علي حزبي من القرآن، فكرهت أن أخرج حتى أتمه) ، قال
أوس: فسألت أصحاب رسول الله- ﷺ كيف تحزبون القرآن؟
قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب
المفصل) .
والحديث قال فيه أحمد شاكر فيما نقله في (تهذيب السنن) (٢/١١٣) عن ابن ...
عبد البر: أن ابن معين قال: (حديثه عن النبي- ﷺ في تحزيب
القرآن ليس بالقائم) . وضعفه الألباني في دفاع عن الحديث، كما في (ضعيف ابن
ماجه) (٢٨٣) . لكن حسنه الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء) (١/٢٧٦)
والحافظ ابن حجر كما في (الفتوحات) لابن علان (٣/٢٢٩) . وأورده الحافظ ابن ...
كثير في (تفسيره) محتجاً به على أن المفصل يبتدئ من سورة (ق) . واحتج به
شيخ الإسلام ابن تيميه في حديثه عن التحزيب بالسور والأجزاء كما سيأتي.
وتد تواتر ذلك عن السلف -رضوان الله عليهم -؛ فعندما تقرأ في ترجمة
أحدهم تجد أنه كان يختم القرآن في كذا وكذا، وسيأتي بعض هذه الآثار.
المسألة الثالثة: هدي السلف في تحزيب القرآن:
أولاً: ذكر من روي عنه الختم في سبع:
أخرج أبو عبيد في (فضائل القرآن) (٢٩١) بإسناده عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: (إني لأقرأ جزئي - أو قالت: سبعي - وأنا جالسة على فراشي أو
على سريري) .
وأخرج الطبراني كما في (المجمع) (٢/٢٦٩) وقال: رجاله ثقات، عن
الأحوص قال: قال عبد الله. (لا يُقرأ القرآن في أقل من ثلاث، اقرأوه في سبع،
ويحافظ الرجل على حزبه) . وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٥٠٢/٢) دون قوله:
(وليحافظ) ..
وأخرج أبو عبيد في (فضائل القرآن) (٢٦٣) ، والبيهقي في (السنن) (٢/
٢٩٦) عن ابن مسعود ﵁: (أنه كان يختم في غير رمضان من
الجمعة إلى الجمعة) .
وقال الحافظ: أخرج ابن أبي داود: عن عثمان وابن مسعود وتميم الداري:
(أنهم كانوا يختمون في سبع) بأسانيد صحيحة.
وأخرج أبو عبيد (٢٦٦) عن إبراهيم: (أنه كان يقرأ القرآن في كل سبع) ،
وكذا رواه ابن أبي شيبة (٢/٥٠١) .
وأخرج ابن أبي شيبة (٢/٥٠١) ، والفريابي (١٣٨) : عن هشام بن عروة
قال: (كان عروة يقرأ القرآن في كل سبع) .
وأخرج أيضاً (٢/٥٠١) عن أبي مجلز: (أنه كان يؤم الحي في رمضان،
وكان يختم في سبع) .
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناده (٢/٥٠١) : عن إبراهيم قال: (كان عبد
الرحمن بن يزيد يقرأ القرآن في كل سبع، وكان علقمة والأسود يقرؤه أحدهما في
خمس والآخر في ست، وكان إبراهيم يقرأه في سبع) .
وقال ابن قدامة في (المغني) (٢/٦١١) : (قال عبد الله بن أحمد كان أبي
يختم القرآن في النهار في كل سبعة، يقرأ كل يوم سبعاً، لا يكاد يتركه نظراً،
وقال حنبل: كان أبو عبد الله يختم من الجمعة إلى الجمعة) . وقال إسحاق بن
هانىء في (مسائله) (٥٠٦) : (وسئل: في كم يقرأ القرآن؟ قال: أقل ما يقرأ في
سبع) .
ثانياً: ذكر من روي عنه الختم من الثلاث إلى السبع:
سبق عن علقمة والأسود: (أنهما يقرآن في خمس وست) .
قال ابن علان (٣/٢٣٠) : (قال الحافظ: أخرج ابن أبي داود من طريق
مغيث بن سمي قال: كان أبو الدرداء يقرأ القرآن في كل أربع. ومن طريق بلال
ابن يحيى: لقد كنت أقرأ بهم ربع القرآن في كل ليلة، فإذا أصبحت قال بعضهم:
لقد خففتَ بنا الليلة) .
ثالثاً: ذكر من روي عنه الختم في أقل من ثلاث:
وذكر ابن علان (٢٣١/٢) : عن ابن أبي داود أنه روى عن الأسود بن يزيد: (أنه كان يختم القرآن في رمضان كل ليلتين) وقال: سنده صحيح، وأخرج
الحافظ من طريق الدارمي عن سعيد بن جبير: (أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين) قال: وأخرجه ابن أبي داود، قال: وأخرج ابن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يفعل ذلك. ومن طريق واصل بن سليمان قال: (صحبت عطاء بن السائب فكان يختم القرآن في كل ليلتين) .
*يتبع*
стр. 912
قصة
إمارة أبي صالح
د. مصطفى السيد
[قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ رَدْماً *
آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ ومَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً * قَالَ هَذَا
رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإذَا جَاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقاً] .
أطبق أبو صالح المصحف على كره، فهو لا يتذكر منذ أمد بعيد أنّه لم
يستكمل تلاوة سورة الكهف يوم الجمعة.
- ما بال هؤلاء الزوار الدائمين قد استعجلوا الحضور إليَّ؟
ربها أكون أنا الذي أخَّرت موعد التلاوة، أياً كان المسؤول، ليس مهماً،
المهم والمطلوب: أن أقوِّم هذا اللقاء نفسه والذي بات شبه يومي، هل يعقل أن
يستمر على نفس الوتيرة، وعواصف التغيير أشبه بإعصار يضرب كل شيء
بعنف حولنا محاولاً استئصالنا من الجذور؟
- وعليكم السلام ورحمة الله. ادخلوا، يسترجع آية الكهف في سره، ثم
يجهر بـ: [وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقاً] .
- أبو صالح اليوم على غير مألوفه، إنه يغرق وجهه في بحر لجي من
الصمت، لكأنما طرقات الباب قد أصابت منه لوحة التفكير بعطب شديد.
- لم أع ما قلت يا دكتور خالد، ماذا تقول؟ لم أكن معكم، إن أحدنا يوشك
أن يتهم سمعه وعقله بعد هذه الحرب الضروس في منطقة الخليج، إن ما يجري في
المنطقة يجعلنا مشدوهين، مأخوذين، عاجزين عن التفسير.
- سيأتي يوم تستطيع فيه معرفة الأمور على حقيقتها..
- عجباً لك يا دكتور خالد، كثيراً ما كنا في هذا المجلس نذُمُّ انصرافك إلى
قراءات نعتقد خطرها عليك، أو على الأقل عدم فائدتها لك. ولكن الآن نتهم
مقروءنا، لأنه لم يسعفنا في النوائب، ونجد في مقروئك تأويل غربتنا وتعبير
عزلتنا.
- أما وقد اعترفتم بأن ثقافة مجلسكم تعاني خللاً بنيوياً ومفصلياً، أو
باصطلاحكم: ليست (جامعة مانعة) ، وأصبحتم بالتالي تتقبلون رأيي، وهذه إحدى
فوائد حرب الخليج، فاعلموا - هداكم الله -: أننا لن نحصل على كل شيء
بالقراءة وحدها..
- إن أبا صالح لم يؤخذ فقط بما سمع من الدكتور خالد، بل هو فيما يبدو قد
ذهل عن نفسه وعن عاداته، فلأول مرة منذ خمس عشرة سَنة يقدم الشاي مُرَّاً قبل
القهوة المُحلاَّة.
- إنك يا محمد تقيس حياتك ارتفاعاً وعمقاً بالشاي والقهوة، بل لا ترى لك
وجوداً خارجهما أو في غيابهما.
- لقد رأيت ثقافة الشاي والقهوة، واسمحوا لي أن أضيف إليهما علم الذبائح،
وطبقات فارِهِ السيارات، وشاهق العمارات، وجدت مثل هذه الثقافات تضمن لأهلها
حياة مأمونة وعيشة راضية. ومن وجهة نظركم تُعدُّ سجناً، لا بأس، ولكنها سجن
مريح، يجعلك في الفعل والحضور والحجر سواء، (وحسبك من غنيٍّ شبع وريّ) ، إن هذا المذهب لم يكن شأني وديدني فحسب، بل هو أمر معروف عند كثير من
الناس الذين يرون فوائد هذا المذهب.
- فوائد؟ ! لا حول ولا قوة إلا بالله، أول مرة في حياتي أسمع إنساناً يُفلسف
عبوديته، ويفتخر بتحرره من مسؤوليته ورجولته.
- هوِّن عليك يا أبا صالح، فأنا مسجون قبل أن أولد، (وسجيني في دمي،
كيف الفرار؟)
آلة الفكر تعطلت تماماً، كأن تيار التشغيل لم يتصل بدورة الحياة، وكان
جدي بين أفراد القبيلة كلها أحد أوثق الرواة وأوعاهم وأجمعهم لتجربة القبيلة، كان
ديوانها مكتوباً على جبينه، مخطوطاً في سلوكه، ولم يكد يمر يوم في حياتنا، دون
أن يقرأ علينا شيئاً من فلسفة هذا المذهب؛ تنشئةً لنا على مناقبه وتأسياً لجيلنا على
فضائله.
وكان مما حفظتُ من الوالد فيما وعاه من فم الجد:
[إن الحياة لا تستحق من مغامرة كبيرة، ولا تستدعي أن يتجاوز حضورنا
فضيلة الصمت أو تشغيل العقول، فنحن كفينا بعقول من سبقونا، ولم لا يعلن عن
جراج لبيع العقول أو تأجيرها تحت عنوان: (عقول مفروشة للإيجار، مؤسسة
تتَّجِرُ بثقافة الاحتضار ومعلبات الأفكار) .
لِم يُستنكر هذا العرض؟ ، ما دامت الجهات الأربع قد قُنْبِلَتْ بدساتير
الممنوعات (لم يعد الأصل الإباحة) ، ولُغِّمت بنظم المحرَّمات، وأصبحت الخرائط
بلا عالم (والناس في المدن الكبرى عدد) ، إننا بأمسّ الحاجة إلى لغة شديدة
الاختصار، لأن لغتنا باتت فضفاضة مترهلة، أوسع من أمنياتنا، وأوفر من
حاجاتنا، انظروا إلى جبال الكتب وجيوش الكُتَّاب التي تسد الأفق أو تكاد، وتوشك
الحيلولة بين نور الشمس والعباد، انظروا إليها وقد غدت معارض للغة الخاوية،
وكان والدي كجدي من أولئك الرجال القادمين من المستقبل إلى الماضي، يعتقد أن
مسيرة الحياة قد انتهت، وكل إبداع آت ليس إلا ابتداعاً، إنه بحفاري القبور أشبه،
وأفكاره أقرب إلى أن تكون أكفاناً نواري فيها عزائم التجديد بعد وأدها.
- لم لا تخرج أفكار الوالد هذه بحاشية جديدة يحشَّى بها كتابه.
- أرجوك يا دكتور خالد لا تقاطعني، دعني أكمل، ولعلك تقوم بهذه المهمة
ما دمت قد وقفت على أصول المخطوطة، وكان الولد ﵀ يرى أن فلسفة
التاريخ تتمثل بحركة دائرية تنتهي من حيث ابتدأت، فهو يدور حول نفسه، أو
حول عقولنا، وفي كل دورة تاريخية تتوسع أمداء السجن وفضاؤه، وتعلو جدرانه
علواً يُلْغِبُ المتسوِّرين، كان يرفض تناسخ الأرواح ولكن يعتقد بتناسخ الأفكار.
كانت لغته مسكونة بالماضي، مصادرة في أبهائه وأطلاله، يتغنى:
لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسدير
جادك الغيث إذا الغيث هما ... يا زمان الوصل بالأندلس
الفعل الماضي المسند إلى واو الجماعة يشكل معجمه اللغوي، كانوا عاشوا
الإشارات المتلهفة، أولئك كان يتقن استحضار الماضي دون أن يستشعر أي دور
مستقبلي، كيما يكون نقطة توصيل أو جسر تواصل بين الماضي والحاضر.
إنها أكثر من شجاعة، لأن الإنسان عندما يعي سجنه يكون أكثر وعياً من
إنسان يقتات حرية زائفة.
- عجبا لك يا دكتور خالد، كيف تستطيع أن ترى بقعة خضراء وسط هذه
الظلمات المتكاثفة، وفي مثل هذه البانوراما الكالحة التي عرضها الأخ (محمد)
على مسامعنا.
- لا ضير أن أصارحكم بأننا بيننا وبين هذه القبيلة أعظم من وشيجة الرحم
وأكثر من صلة القربى.
- يا أبا صالح هذا ليس شعورك وحدك، بل يخامرنا جميعاً مثل هذا
الإحساس، إن طبيباً يشخص أمراضنا بحق لا يقارن بطبيب يسوق في مسامعنا
جملاً مستهلكة، مثل هذا الطبيب الثاني، يعجز عن مواجهة مشكلة في مبتدئها،
ليجعلنا عما قليل في مواجهتها وقد صارت معضلة يتعسر حلها، بعد أن أنضجها
الزمن الذي يسعفه جهل المعالجين أو تجاهلهم المسنود إلى جهل المعالَجين المفقود،
وحضورهم المختزل إلى أبعد الحدود، في طريقه إلى المسجد أنشأ أبو صالح يثني
على الله- ، أن يتجاوز مجلسه ما غرقت فيه كثير من المجالس، من
كونها باتت ملتقى لتبديد الوقت، وبث اليأس، وتصنيع الفراغ تمهيداً لتسويقه -
في سوق العجز - تحت أسماء مختلفة، وشرع يدعو ربه تضرعاً وخيفة أن يجعل
من هذا المجلس مثابة للحائرين، وأن يضاعف الله في قطرات الأمل التي أخذت
تتلألأ على تلكم الوجوه من رواد المجلس، وردد بفرح غامر وبهجة متنامية:
] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [
] الحديد: ١٧ [.
آه كم كنت أظن أن المقبرة هي الوصف الأليق بمجلسنا، ليت كل مسلم
يعرف أن لديه ما يعطيه، وعنده ما يقدمه ليبزُغ في الكون فجرٌ جديد.
آه ليت تجربة هذا المجلس تطير إلى كل أرجاء المعمورة، وتابع أبو صالح
محدثاً نفسه:
لكَم تأملت عندما كان الدكتور خالد يحدثنا عما يجري في العالم من أحداث
مهمة ولها تأثير في عالمنا الإسلامي.
إني إذا تذكرت ذلك الآن انتفضت من الأعماق، واسترجعت قول رسولنا-
ﷺ : «وليس وراء ذلك مثقال ذرة من إيمان» ، ولعل هذا
الحديث يعيد الحياة إلى دستور اللاءات الإسلامية المعطل، لعلَّ ...
لم يعد لقاء الجمعة في قهوة أبي صالح مجرد فرصة للتفنن في الهروب من
أعباء الحياة الجادة ومسؤوليات العقيدة الحية، بل أخذ المجلس يُحَدِّد روَّاده ويتحدد
بهم، وجعل المترددون والمتشردون يشعرون ألا مقام مطمئناً لهم إلا في جنباته،
وصار الحوار الذي يدور بين جدرانه الأربعة يتردد في جهات البلاد الأربع،
تهاوت الجدر، وأخذت الحياة تولد من جديد، والشمس تشرق على البطاح النائمة،
لتوقظها برفق، جاعلة من كل يوم ميلاداً جديداً، اكتست الأشجار خضرة جديدة،
وباتت الطرق تنتهي بالمرتادين إلى أهداف محددة، اتصلت الخطوط المقطوعة
بأرجاء الكون الفسيح، وحضر المقهورون الغائبون الذين كُتِّمت أصواتهم وتقطعت
بهم الأسباب من المسلمين، حضروا مجلس أبي صالح، وتقدم الحديث عنهم،
القضايا التقليدية التي قُتلت درساً، واستهلكت الأعمار بلا منتوج ولا مردود.
ابن تيمية بعث حياً، أخرج من سجن الغربة والاختزال، أعيدت قراءته عبر
مجاهر جديدة، وطرح مشروعه الإسلامي المتجدد، لم يعد ذكره ينتزع مجرد دعاء
له بالرحمة، وحوقلة العجز، واسترجاع اليأس، بل بات فكره دليل العمل وبوصلة
تحدد للمجلس اتجاهه.
لقد سقط الذين التمسوا في ابن تيمية أدلة تعاجزهم، فلم يروا منه إلا ما
سمحت به مصالحهم وأباحه لهم هواهم.
كما سقط يا دكتور خالد أولئك الذين ظنوا أن كتب الرجل وفكره مجرد زينة
وتنويع في إيقاع معزوفة الفكر المخملي.
- الفضل لله ثم لهذا المجلس الذي أحيا الله به فكر ابن تيمية، هذا المجلس
الذي يحلو للبعض أن يسميه حقاً: إمارة أبي صالح.
- غفر الله لك يا دكتور خالد، وهل نحن النموذج الوحيد لذلك؟
- لم أقصد سوءاً يا أبا صالح، ولكن قصدت أن مجلسك يمثل نظرة واقعية
للأمور، فالمعروف أن الكثيرين لا يسهمون في الخير، أو لا يساهمون في البناء
إلا إذا رأوا كل شيء ممهداً وميسراً أمامهم، وهذا مقتل من مقاتل البذل، إما كل
شيء أو لا شيء، نكون أو لا نكون، إن جيلنا يؤدي خدمة عظيمة إذا تمكن من
طرح المشروع الإسلامي بوعي وعمق، ويسدي يداً لا تنسى إذا هيأ الأرض
الإسلامية للاستنبات وطهرها من عقابيل العقم واللامبالاة.
- ما لي أراك واجماً يا أستاذ محمد؟
يا أبا صالح إن الدكتور خالد لم يترك لمتردد مكاناً يأوي إليه، ولا فكراً يعتمد
عليه.
- أين بات مخطوطك الطويل عن السجن ومرافعتك العصماء عنه؟
- يا أبا صالح في طريقي إلى هذا المجلس في الأيام الأخيرة أخذ يلازمني
شعور غريب، وبدأت أدرك أن العالم يتغير، وأن إرادته أكبر من سجني، كنت
أول الأمر عاجزاً عن الفهم، صرت أرى في وجوه رواد المجلس ما لم أكن أرى
من قبل، لغتهم تغيّرت ونظراتهم، وفي بيوتهم أخذت الحدائق تطارد اليبوسة
والعبوس، الماء يسمع خريره، الكتب تزاحم الأثاث، هطل المطر بغزارة هذا
العام، كنت لا أفكر إلا سهواً، ولا أناقش إلا غفلة، أشعر أن كوابيس السجن
تتهاوى، الحياة تفتح ذراعيها ابتهاجاً بالعائدين، ليمارسوا حضورهم بأنفسهم لا
بغيرهم، وبذواتهم لا بمسترقيهم ومصادري آرائهم، بهموم عصرهم لا بتراكمات
العقد ومشاكل الآخرين. أن تكون على الحق هو النصر الكبير، أن تكون على بينة
من ربك هو الفوز العظيم.
] هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإذَا جَاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقاً [
لم تدعني يا أبا صالح أكمل سفر مولدي.
- ابتهاجي بخروجك من الضيق الذي كنت فيه أنْساني حديثك أن أذكره.
стр. 913
قصيدة
دمعة على شهيد
خالد بن سليمان القوسي
لم يكن ذلك الصمت، وذلك النور ليوهب إلا للصادقين أمثال: مصعب
العوشن، لله درُّك يا مصعب، ما أفصح صمتك، وما أبلغ هدوءك، لم تكن تريد
الشهرة [في زمن الاستماتة لنيل الشهرة] ، ولم تكن لتنالها لولا استشهادك، فلله
درك، كتبت أحرفك بدمك، وأن يكتب الإنسان تاريخه بدمه فذلك قمة المجد في
الدنيا.. والآخرة.
خطبوا فجادوا بالبيان وأطنب ... فأبنت أنك بالمواضي أخطبُ
ما كل من ركب البيان يسوسه ... عجُمت قوافيهم وأنت المُعْرِبُ
" يا مصعب " أوّاه كم نطقتْ بها ... شفتاي.. قلبي.. أدمعي " يا مصعبُ "
إيهٍ نديَّ الصوت أنشدتَ الربى ... شعراً فروحاً للمعالي تدأبُ
طاب القعود لنا فأما أنتمُ ... فرأيتم أن الشهادة أطيب
عذبت لنا الدنيا وأما أنتم ... فرأيتمُ أن القَضيَّةَ أعذبُ
بسمتْ لنا الدنيا ضحىً وازَّيَّنَتْ ... ما كنتَ تنعمُ والجنان تثوِّبُ
نُعمى الحياة سحابةٌ صيفيَّةٌ ... والباقيات سحابُهُنَّ الصيِّبُ
بعتَ الحياة رخيصة لما عشق ... تَ الباقيات وعشقهنَّ المكسبُ
من ذا يقود المرء من نعمائه ... من ذا يشوِّقه لكي يتغرَّبُ
من ذا يقود الناس نحو حتوفهم ... راح الصبيُّ وراح قَبْلُ الأشيبُ
عجبٌ -وربِّك- بذلُهم لنفوسهم ... لكنَّ ما يرجون منها أعجبُ
في ليلة يخشى الأبيُّ مصابها ... لم تثنه أغوالها والأذؤب
لقي المنون مشمراً متفانياً ... في ساعة منها العقول تغيب
بيمينه قرآنه، وسلاحه ... بشماله وفؤاده متوثب
يتلو كتاب الله يكسوه التقى ... ويلفه الصمت " الشتاء " الغيهب
عينان لا يصلاهما حرُّ اللظى ... عين بكت لله دمعاً تسكب
وحسيبة جفت المراقد تمتطي ... شم الجبال وللعدا تترقب
تخذ البسالة منهلاً لحياته ... أكرمْ به من منهلٍ لا يجدب
كفكف دموعك يا محبُّ فإنه ... لو قيل ماذا تشتهي يا مصعب؟
لوجدته يهوى الشهادة مرةً ... أخرى فبحر يقينه لا ينضب
ستراه بين جنانه فدع البكا ... ما مات من نحو الجنان سيذهب
стр. 914
دكاكين جديدة
يمتد الشارع الإسلامي الثقافي السياسي وعلى جانبيه تفتح الدكاكين أبوابها،
تعرض بضاعتها وتقدمها للزائرين.. كان هذا الشارع مجهولاً، وكان زواره
ومرتادوه قلة قليلة، فيما كانت الشوارع الأخرى تلقى رواداً وزواراً، وتلقى
بضاعتهم رواجاً، كالشارع القومي، والشارع الشيوعي والذي يتفرع منه الشارع
الاشتراكي، وأزقته التقدمية والثورية والناصرية.. الخ، وهناك أيضاً الشارع
الليبرالي التحرري..، أما الآن فقد قلَّ الزوار والمرتادون، وأغلقت بعض
الدكاكين وارتحل روادها، والبعض ظل في دكانه القديم ولكنه فتح فرعاً له في
الشارع الإسلامي الذي يشهد افتتاح أعداداً كبيرة من الدكاكين، وارتفعت لوحات
الإعانات الكبيرة المضاءة.. واشتدت المنافسة بين الجميع، لا على مستوى
الدكاكين فقط بل مستوى بعض المؤسسات والشركات الأهلية، وقبل ذلك على
مستوى الدوائر الحكومية كالبلدية ووزارة الأوقاف الخ
فالبلدية على استعداد لرصف الشارع والقيام بأعمال النظافة، والنظافة من
الإيمان، فالبلدية إذن مشهود لها بالإيمان؟ !
أما وزارة الأوقاف فهي على استعداد لإقامةالسرادقات الطويلة للاحتفال بالمولد
النبوي، مقابل الاحتفال بمولد الزعيم والثورة؟ ! أما وزارة الخارجية فهي على
استعداد لإقامة مؤتمرات على حسابها الخاص، ولكن على أصحاب الشارع تأييد
مواقف الوزارة وتمجيدها، ووزارة الزراعة ستقوم بتشجير الشارع، وستكتب على
كل جذع شجرة اسم الحاكم واسم الوزارة! ! ، وهكذا.
أما عن الشركات والمؤسسات الأهلية: فقد أقامت المشاريع التجارية في
الشارع الإسلامي تحت شعار: (إسلامي) ، فهناك دور أزياء للمحجبات فقط،
وتسريحات شعر إسلامية، وهناك شركات تأمين إسلامية، وهناك موسيقى وغناء
إسلامي.
أما الدكاكين: فبضاعتها متنوعة ومتعددة المصادر، كلها تحت لافتة
(إسلامي) ، وتحت هذه اللافتة تروج تلك البضائع والسلع الكاسدة، كسلعة (القومية)
و (العلمانية) ، وربما (الباطنية) ، على أن أكثر السلع رواجاً في السوق هي سلعة
(الديمقراطية) ، وهناك سلعة (الإنسانية) وسلعة (العقلانية) .
وقد قرر بعضهم إقامة سوق مركزي (سوبر ماركت) مفتوح، يعرض فيه
جميع أنواع البضائع والسلع رغم اختلافها وتباينها، وسيحمل السوق اسم (حوار
الثقافات) .
وهناك مشروع وهو إيجاد قاعة للمؤتمرات.. تضم طاولة مستديرة وكراسي.. يناقش فريق الشارع الإسلامي مع الضيوف الكرام القادمين من إحدى الشوارع
(الصديقة) ، وسيكون اسم القاعة (الحوار والرأي الآخر) ، حيث الاستماع إلى
الآراء والأطروحات من كلا الطرفين، وحول الطاولة المستديرة وعلى الكراسي
الوثيرة مناقشات حول تطبيق الشريعة وإمكانية ذلك.. وحكم الإسلام في
الديمقراطية.. والضيوف الكرام يمطرون الفريق المضيف بوابل من التهم والأسئلة
الحرجة، ليقع الفريق المضيف في الفخ.. ليقدم التنازلات.. تلو التنازلات.. تلو
التنازلات، يتراجع الفريق المضيف خطوة، ويتقدم الفريق الآخر خطوة ونصف
الخطوة، وفي آخر الشارع هناك دكان منزوٍ بعيداً عن الكثير من الجمهور.. حيث
تجارته مع الله لا يريد جزاءً ولا شكوراً من الناس. يقدم ما لديه، يريد سلعة الله
الغالية، على نهج سليم وصراط مستقيم.. إنها طائفة الظاهرين على الحق، لا
يضرهم من خذلهم. وبين هذا الدكان وتلك الدكاكين يوم الجنائز! !
стр. 915
المسلمون في العالم
مأزق الجزائر
الذين يتابعون أخبار الجزائر، يتابعونها وأيديهم على قلوبهم، فهم محبون لهذا
البلد المجاهد، ولهذا الشعب الذي يمتلىء حمية إسلامية، وهم خائفون عليه من
المأزق الذي وقع فيه، فالحكومة كانت تريدها نصف ديمقراطية مفصلة على مقاس
معين، فلما اختار الشعب الإسلام بدأت الضغوط العلنية والخفية، الخارجية
والداخلية، لمنع وصول الإسلام إلى موقع القرار. فتأجلت الانتخابات ثم تأجلت
مرة ثانية، والحكومة لا تريد الصدام، كما أن الإسلاميين لا يريدونه، فكلا
الطرفين ليس من مصلحته الوصول إلى الطريق المسدود.
إن من ينادي بالحرية والديمقراطية لا يجوز له أن يحتال على الانتخابات كي
يمنع الآخرين من الوصول، وإذا كانت الحكومة تعلن، وكذلك الغرب الذي
يحرض على الإسلاميين إذا كانوا يؤمنون بحق الشعوب في الاختيار، فلماذا لا
يدعون الانتخابات تسير حسب الأصول المتفق عليها [١] .
وإذا كانوا يخافون من الأصوليين كما يسمونهم، وإذا كانوا قد اتفقوا على
(مواجهة الأصوليين) في مؤتمراتهم المغلقة، فهل يستطيعون مواجهة الإسلام؟
فالمارد الذي خرج لا يستطيعون إرجاعه إلى القمقم، وكان الأولى بهم توفير دماء
شعوبهم إن كانوا يحبون أوطانهم، ويقال لهم كما قالت قريش لعثمان بن الحويرث
عندما أراد أن يتملك عليهم بمساعدة قيصر الروم، قالوا له: (إن مكة حي لقاح؛
لا تدين لملك) [٢] ، فيقال لهم: إن هذه الشعوب اختارت الإسلام، وليس هناك رجوع إلى الوراء.
وعلى الإسلاميين تجنب هذا المأزق بالطرق الصحيحة التي لا تنازل فيها ولا
استدراج إلى حلبة الصراع، والقضية أولاً وأخيراً هي: قضية الشعب الجزائري.