تحزيب القرآن
وهدي السلف في ذلك
محمد عبد الله الدويش
إن القلوب تصدأ وتقسو، والنفس تضعف، وتهبط بها دواعي الشهوات
وهواتف الدنيا، والإنسان يعيش في هذه الدار في معركة مع النفس والهوى
والشيطان. ولئن كان المقاتل يحتاج للسلاح المعنوي والمادي؛ فالذي يخوض في
معركة المصير أولى بأن يعتني بإصلاح نفسه.
والذي يحمل لواء الدعوة وراية الإصلاح أولى الناس بأن يهتم بنفسه وتربيتها، وصلتها بالله- ، وأولاهم بأن يأخذ الزاد في سفره إلى الله والدار الآخرة.
وما تقرب إلى الله بأفضل من تلاوة كتابه والوقوف عند معانيه وحدوده؛
فحريٌّ بنا أن نضرب من ذلك بسهم وافر، ومن رحمة الله بعباده وفضله عليهم: أن
شرع لهم ما يتعبدون به إليه سبحانه.
ولما كان تحزيب القرآن من السنن المهجورة -بل المجهولة -عند كثير من
طلاب العلم فضلاً عن عامة الناس. في حين كان الأمر متواتراً ومعلوماً عند
السلف، فقلما تقرأ في ترجمة أحدهم إلا وتجد أنه كان يختم القرآن في كذا وكذا.
لذا رأيت أن أجمع بعض ما ورد في ذلك لعل الله ينفع به.
تمهيد: قال ابن فارس (٢/٥٥) :
(الحاء والزاي والباء أصل واحد وهو: تجمع الشيء، فمن ذلك الحزب
وهو الجماعة من الناس، قال تعالى [كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] . والطائفة من
كل شيء حزب. يقال: قرأ حزبه من القرآن)
وقال في (النهاية) (١/٣٧٦) : (الحزب ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالوِرد، والحزب النوبة في ورد الماء. ومنه حديث أوس ابن حذيفة: (سألت أصحاب رسول الله- ﷺ كيف تحزبون القرآن) .
ومعنى ذلك: أن يجعل الإنسان لنفسه نصيباً يومياً يقرؤه ويتعاهد نفسه عليه،
بحيث يختم القرآن في كل شهر، أو عشرين، أو خمسة عشر، أو عشر، أو سبع، أو غير ذلك.
١- وقد ورد في السنة النبوية استعمال ذلك المصطلح في قوله-صلى الله
عليه وسلم-: «من نام عن حزبه» ، وقوله: «إنه طرأ على حزبي من القرآن» .
وقد بوب غير واحد من الأئمة بتحزيب القرآن. وقال عقبة بن عامر: (ما
تركت حزب سورة من القرآن) . وقال نافع: (لا تقل: ما أحزبه) . وسوف يأتي
تخريج هذه النصوص إن شاء الله- .
٢- واستعمل عند السلف بلفظ الجزء، فقد ورد في كلامه-صلى الله عليه
وسلم-: «قرأت جزءاً من القرآن» . وقال عبد الله بن عمرو: (هذا جزئي الذي ...
أقرأ به الليلة) . وعن عائشة: (إني لأقرأ جزئي) . وعن ابن عباس وابن عمر:
(أنهما كانا يقرآن أجزاءهما بعدما يخرجان من الخلاء) .
٣- واستعمل بلفظ الوِرد، فعن ابن عمر قال: (كنت في قضاء وِردي) ،
وعن الحسن: (أنه كان يقرأ ورده من أوَّل الليل) .
المسألة الأولى: بعض فضائل تلاوة القرآن:
إن النصوص الدالة على فضل القرآن أشهر من أن تورد، إنما نورد هنا
بعض فضائل تلاوته؛ قال تعالى: [إنَّ الَذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وأَقَامُوا الصَّلاةَ
وأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراً وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ
ويَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ] ، وقال : [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ
الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ
الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّالِحِينَ *ومَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ] .
أما من السنة: فالأدلة على فضله كثيرة، ومن فضائله:
١- أن الماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يتتعتع فيه له أجران؛ كما
في حديث عائشة عند الشيخين والترمذي وأبي داود.
٢- أنه يقال له يوم القيامة: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا) ؛
كما أخرجه أحمد وأهل السنن إلا النسائي من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً.
٣- أن له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها كما أخرجه الترمذي
والدارمي من حديث ابن مسعود.
٤- أن الآية منه خير من الخلفة السمينة، كما أخرجه مسلم من حديث أبي
هريرة.
٥- أن مثل المؤمن الذي يقرؤه مثل الأترجة، كما رواه الستة إلا ابن ماجه
عن أبي موسى الأشعري.
٦- أنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة، كما رواه مسلم عن أبي أمامة.
٧- تنزل السكينة لقراءته، كما رواه الشيخان من حديث البراء.
٨- أنه يقود قارئه يوم القيامة لتاج الكرامة ورضا الله- ، كما
أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة.
المسألة الثانية: مشروعية تحزيب القرآن:
١- حديث عبد الله بن عمرو، وهو حديث طويل مشهور، رواه جمعٌ من
الأئمة بينهم الأئمة الستة. ولفظه عند مسلم: (كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كل
ليلة؟) ، قال: فإما ذكرت لرسول الله ﷺ ، وإما أرسل لي،
فأتيته، فقال: (ألم أُخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟) فقلت: بلى يا
نبي الله؛ ولم أرد إلا الخير، قال: (فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ثم قال: (واقرأ القرآن في كل شهر) ، قال: قلت: يا نبي الله: إني أطيق
أفضل من ذلك، قال: (فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقاً، ... ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً) ، قال: فشددت؛ فشدد علي، قال:
وقال لي النبي- ﷺ : (لعلك يطول بك العمر) ، فصرتُ إلى
الذي قال لي النبي- ﷺ ، فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة
النبي- ﷺ .
٢- حديث: «من نام عن حزبه» وقد أخرجه مسلم (٧٤٧) ، وأبو داود
(١٣١٣) ، والنسائي (١٧٩٠) ، والترمذي (٥٨١) ، وابن ماجه (١٣٤٣) ، ومالك
في (الموطأ) (١/ ٢٠٠) ، وأبو عبيد في (فضائل القرآن) (٢٨٥) ، وعبد الرزاق
في (مصنفه) (٤٧٤٧) ، وابن حبان في (صحيحه) كما في الإحسان (٢٦٣٤) .
ولفظه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه؛ فقرأه فيما بين صلاة الفجر
وصلاة الظهر: \كتب له كأنما قرأه من الليل) .
٣- ما رواه أبو داود (١٣٩٦) والمرزوي في (قيام الليل) كما في
(المختصر) (١٥٧) عن ابن الهاد قال: (سألني نافع بن جبير بن مطعم فقال لي:
في كم تقرأ القرآن؟ ، فقلت: ما أحزبه، قال لي نافع: لا تقل (ما أحزبه) ؛ فإن
رسول الله- ﷺ قال: (قرأت جزءاً من القرآن) ، وصححه
الألباني في (صحيح أبي داود) .
٤- حديث أوس بن حذيفة الثقفي ولفظه: (قدمنا على رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- في وفد ثقيف، فنزَّلوا الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول
الله- ﷺ بني مالك في قبة له، فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء؛
فيحدثنا قائماً على رجليه حتى يُراوح بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه
من قريش، ويقول: (ولا سواء، كنا مستضعفين مستذلين، فلما خرجنا إلى المدينة
كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، ندالّ عليهم ويدالُّون علينا) ، فلما كان - ذات ليلة
أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: يا رسول الله: لقد أبطأت علينا الليلة؟ قال: (إنه طرأ علي حزبي من القرآن، فكرهت أن أخرج حتى أتمه) ، قال
أوس: فسألت أصحاب رسول الله- ﷺ كيف تحزبون القرآن؟
قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب
المفصل) .
والحديث قال فيه أحمد شاكر فيما نقله في (تهذيب السنن) (٢/١١٣) عن ابن ...
عبد البر: أن ابن معين قال: (حديثه عن النبي- ﷺ في تحزيب
القرآن ليس بالقائم) . وضعفه الألباني في دفاع عن الحديث، كما في (ضعيف ابن
ماجه) (٢٨٣) . لكن حسنه الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء) (١/٢٧٦)
والحافظ ابن حجر كما في (الفتوحات) لابن علان (٣/٢٢٩) . وأورده الحافظ ابن ...
كثير في (تفسيره) محتجاً به على أن المفصل يبتدئ من سورة (ق) . واحتج به
شيخ الإسلام ابن تيميه في حديثه عن التحزيب بالسور والأجزاء كما سيأتي.
وتد تواتر ذلك عن السلف -رضوان الله عليهم -؛ فعندما تقرأ في ترجمة
أحدهم تجد أنه كان يختم القرآن في كذا وكذا، وسيأتي بعض هذه الآثار.
المسألة الثالثة: هدي السلف في تحزيب القرآن:
أولاً: ذكر من روي عنه الختم في سبع:
أخرج أبو عبيد في (فضائل القرآن) (٢٩١) بإسناده عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: (إني لأقرأ جزئي - أو قالت: سبعي - وأنا جالسة على فراشي أو
على سريري) .
وأخرج الطبراني كما في (المجمع) (٢/٢٦٩) وقال: رجاله ثقات، عن
الأحوص قال: قال عبد الله. (لا يُقرأ القرآن في أقل من ثلاث، اقرأوه في سبع،
ويحافظ الرجل على حزبه) . وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٥٠٢/٢) دون قوله:
(وليحافظ) ..
وأخرج أبو عبيد في (فضائل القرآن) (٢٦٣) ، والبيهقي في (السنن) (٢/
٢٩٦) عن ابن مسعود ﵁: (أنه كان يختم في غير رمضان من
الجمعة إلى الجمعة) .
وقال الحافظ: أخرج ابن أبي داود: عن عثمان وابن مسعود وتميم الداري:
(أنهم كانوا يختمون في سبع) بأسانيد صحيحة.
وأخرج أبو عبيد (٢٦٦) عن إبراهيم: (أنه كان يقرأ القرآن في كل سبع) ،
وكذا رواه ابن أبي شيبة (٢/٥٠١) .
وأخرج ابن أبي شيبة (٢/٥٠١) ، والفريابي (١٣٨) : عن هشام بن عروة
قال: (كان عروة يقرأ القرآن في كل سبع) .
وأخرج أيضاً (٢/٥٠١) عن أبي مجلز: (أنه كان يؤم الحي في رمضان،
وكان يختم في سبع) .
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناده (٢/٥٠١) : عن إبراهيم قال: (كان عبد
الرحمن بن يزيد يقرأ القرآن في كل سبع، وكان علقمة والأسود يقرؤه أحدهما في
خمس والآخر في ست، وكان إبراهيم يقرأه في سبع) .
وقال ابن قدامة في (المغني) (٢/٦١١) : (قال عبد الله بن أحمد كان أبي
يختم القرآن في النهار في كل سبعة، يقرأ كل يوم سبعاً، لا يكاد يتركه نظراً،
وقال حنبل: كان أبو عبد الله يختم من الجمعة إلى الجمعة) . وقال إسحاق بن
هانىء في (مسائله) (٥٠٦) : (وسئل: في كم يقرأ القرآن؟ قال: أقل ما يقرأ في
سبع) .
ثانياً: ذكر من روي عنه الختم من الثلاث إلى السبع:
سبق عن علقمة والأسود: (أنهما يقرآن في خمس وست) .
قال ابن علان (٣/٢٣٠) : (قال الحافظ: أخرج ابن أبي داود من طريق
مغيث بن سمي قال: كان أبو الدرداء يقرأ القرآن في كل أربع. ومن طريق بلال
ابن يحيى: لقد كنت أقرأ بهم ربع القرآن في كل ليلة، فإذا أصبحت قال بعضهم:
لقد خففتَ بنا الليلة) .
ثالثاً: ذكر من روي عنه الختم في أقل من ثلاث:
وذكر ابن علان (٢٣١/٢) : عن ابن أبي داود أنه روى عن الأسود بن يزيد: (أنه كان يختم القرآن في رمضان كل ليلتين) وقال: سنده صحيح، وأخرج
الحافظ من طريق الدارمي عن سعيد بن جبير: (أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين) قال: وأخرجه ابن أبي داود، قال: وأخرج ابن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يفعل ذلك. ومن طريق واصل بن سليمان قال: (صحبت عطاء بن السائب فكان يختم القرآن في كل ليلتين) .
*يتبع*
стр. 912
قصة
إمارة أبي صالح
د. مصطفى السيد
[قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ رَدْماً *
آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ ومَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً * قَالَ هَذَا
رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإذَا جَاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقاً] .
أطبق أبو صالح المصحف على كره، فهو لا يتذكر منذ أمد بعيد أنّه لم
يستكمل تلاوة سورة الكهف يوم الجمعة.
- ما بال هؤلاء الزوار الدائمين قد استعجلوا الحضور إليَّ؟
ربها أكون أنا الذي أخَّرت موعد التلاوة، أياً كان المسؤول، ليس مهماً،
المهم والمطلوب: أن أقوِّم هذا اللقاء نفسه والذي بات شبه يومي، هل يعقل أن
يستمر على نفس الوتيرة، وعواصف التغيير أشبه بإعصار يضرب كل شيء
بعنف حولنا محاولاً استئصالنا من الجذور؟
- وعليكم السلام ورحمة الله. ادخلوا، يسترجع آية الكهف في سره، ثم
يجهر بـ: [وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقاً] .
- أبو صالح اليوم على غير مألوفه، إنه يغرق وجهه في بحر لجي من
الصمت، لكأنما طرقات الباب قد أصابت منه لوحة التفكير بعطب شديد.
- لم أع ما قلت يا دكتور خالد، ماذا تقول؟ لم أكن معكم، إن أحدنا يوشك
أن يتهم سمعه وعقله بعد هذه الحرب الضروس في منطقة الخليج، إن ما يجري في
المنطقة يجعلنا مشدوهين، مأخوذين، عاجزين عن التفسير.
- سيأتي يوم تستطيع فيه معرفة الأمور على حقيقتها..
- عجباً لك يا دكتور خالد، كثيراً ما كنا في هذا المجلس نذُمُّ انصرافك إلى
قراءات نعتقد خطرها عليك، أو على الأقل عدم فائدتها لك. ولكن الآن نتهم
مقروءنا، لأنه لم يسعفنا في النوائب، ونجد في مقروئك تأويل غربتنا وتعبير
عزلتنا.
- أما وقد اعترفتم بأن ثقافة مجلسكم تعاني خللاً بنيوياً ومفصلياً، أو
باصطلاحكم: ليست (جامعة مانعة) ، وأصبحتم بالتالي تتقبلون رأيي، وهذه إحدى
فوائد حرب الخليج، فاعلموا - هداكم الله -: أننا لن نحصل على كل شيء
بالقراءة وحدها..
- إن أبا صالح لم يؤخذ فقط بما سمع من الدكتور خالد، بل هو فيما يبدو قد
ذهل عن نفسه وعن عاداته، فلأول مرة منذ خمس عشرة سَنة يقدم الشاي مُرَّاً قبل
القهوة المُحلاَّة.
- إنك يا محمد تقيس حياتك ارتفاعاً وعمقاً بالشاي والقهوة، بل لا ترى لك
وجوداً خارجهما أو في غيابهما.
- لقد رأيت ثقافة الشاي والقهوة، واسمحوا لي أن أضيف إليهما علم الذبائح،
وطبقات فارِهِ السيارات، وشاهق العمارات، وجدت مثل هذه الثقافات تضمن لأهلها
حياة مأمونة وعيشة راضية. ومن وجهة نظركم تُعدُّ سجناً، لا بأس، ولكنها سجن
مريح، يجعلك في الفعل والحضور والحجر سواء، (وحسبك من غنيٍّ شبع وريّ) ، إن هذا المذهب لم يكن شأني وديدني فحسب، بل هو أمر معروف عند كثير من
الناس الذين يرون فوائد هذا المذهب.
- فوائد؟ ! لا حول ولا قوة إلا بالله، أول مرة في حياتي أسمع إنساناً يُفلسف
عبوديته، ويفتخر بتحرره من مسؤوليته ورجولته.
- هوِّن عليك يا أبا صالح، فأنا مسجون قبل أن أولد، (وسجيني في دمي،
كيف الفرار؟)
آلة الفكر تعطلت تماماً، كأن تيار التشغيل لم يتصل بدورة الحياة، وكان
جدي بين أفراد القبيلة كلها أحد أوثق الرواة وأوعاهم وأجمعهم لتجربة القبيلة، كان
ديوانها مكتوباً على جبينه، مخطوطاً في سلوكه، ولم يكد يمر يوم في حياتنا، دون
أن يقرأ علينا شيئاً من فلسفة هذا المذهب؛ تنشئةً لنا على مناقبه وتأسياً لجيلنا على
فضائله.
وكان مما حفظتُ من الوالد فيما وعاه من فم الجد:
[إن الحياة لا تستحق من مغامرة كبيرة، ولا تستدعي أن يتجاوز حضورنا
فضيلة الصمت أو تشغيل العقول، فنحن كفينا بعقول من سبقونا، ولم لا يعلن عن
جراج لبيع العقول أو تأجيرها تحت عنوان: (عقول مفروشة للإيجار، مؤسسة
تتَّجِرُ بثقافة الاحتضار ومعلبات الأفكار) .
لِم يُستنكر هذا العرض؟ ، ما دامت الجهات الأربع قد قُنْبِلَتْ بدساتير
الممنوعات (لم يعد الأصل الإباحة) ، ولُغِّمت بنظم المحرَّمات، وأصبحت الخرائط
بلا عالم (والناس في المدن الكبرى عدد) ، إننا بأمسّ الحاجة إلى لغة شديدة
الاختصار، لأن لغتنا باتت فضفاضة مترهلة، أوسع من أمنياتنا، وأوفر من
حاجاتنا، انظروا إلى جبال الكتب وجيوش الكُتَّاب التي تسد الأفق أو تكاد، وتوشك
الحيلولة بين نور الشمس والعباد، انظروا إليها وقد غدت معارض للغة الخاوية،
وكان والدي كجدي من أولئك الرجال القادمين من المستقبل إلى الماضي، يعتقد أن
مسيرة الحياة قد انتهت، وكل إبداع آت ليس إلا ابتداعاً، إنه بحفاري القبور أشبه،
وأفكاره أقرب إلى أن تكون أكفاناً نواري فيها عزائم التجديد بعد وأدها.
- لم لا تخرج أفكار الوالد هذه بحاشية جديدة يحشَّى بها كتابه.
- أرجوك يا دكتور خالد لا تقاطعني، دعني أكمل، ولعلك تقوم بهذه المهمة
ما دمت قد وقفت على أصول المخطوطة، وكان الولد ﵀ يرى أن فلسفة
التاريخ تتمثل بحركة دائرية تنتهي من حيث ابتدأت، فهو يدور حول نفسه، أو
حول عقولنا، وفي كل دورة تاريخية تتوسع أمداء السجن وفضاؤه، وتعلو جدرانه
علواً يُلْغِبُ المتسوِّرين، كان يرفض تناسخ الأرواح ولكن يعتقد بتناسخ الأفكار.
كانت لغته مسكونة بالماضي، مصادرة في أبهائه وأطلاله، يتغنى:
لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسدير
جادك الغيث إذا الغيث هما ... يا زمان الوصل بالأندلس
الفعل الماضي المسند إلى واو الجماعة يشكل معجمه اللغوي، كانوا عاشوا
الإشارات المتلهفة، أولئك كان يتقن استحضار الماضي دون أن يستشعر أي دور
مستقبلي، كيما يكون نقطة توصيل أو جسر تواصل بين الماضي والحاضر.
إنها أكثر من شجاعة، لأن الإنسان عندما يعي سجنه يكون أكثر وعياً من
إنسان يقتات حرية زائفة.
- عجبا لك يا دكتور خالد، كيف تستطيع أن ترى بقعة خضراء وسط هذه
الظلمات المتكاثفة، وفي مثل هذه البانوراما الكالحة التي عرضها الأخ (محمد)
على مسامعنا.
- لا ضير أن أصارحكم بأننا بيننا وبين هذه القبيلة أعظم من وشيجة الرحم
وأكثر من صلة القربى.
- يا أبا صالح هذا ليس شعورك وحدك، بل يخامرنا جميعاً مثل هذا
الإحساس، إن طبيباً يشخص أمراضنا بحق لا يقارن بطبيب يسوق في مسامعنا
جملاً مستهلكة، مثل هذا الطبيب الثاني، يعجز عن مواجهة مشكلة في مبتدئها،
ليجعلنا عما قليل في مواجهتها وقد صارت معضلة يتعسر حلها، بعد أن أنضجها
الزمن الذي يسعفه جهل المعالجين أو تجاهلهم المسنود إلى جهل المعالَجين المفقود،
وحضورهم المختزل إلى أبعد الحدود، في طريقه إلى المسجد أنشأ أبو صالح يثني
على الله- ، أن يتجاوز مجلسه ما غرقت فيه كثير من المجالس، من
كونها باتت ملتقى لتبديد الوقت، وبث اليأس، وتصنيع الفراغ تمهيداً لتسويقه -
في سوق العجز - تحت أسماء مختلفة، وشرع يدعو ربه تضرعاً وخيفة أن يجعل
من هذا المجلس مثابة للحائرين، وأن يضاعف الله في قطرات الأمل التي أخذت
تتلألأ على تلكم الوجوه من رواد المجلس، وردد بفرح غامر وبهجة متنامية:
] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [
] الحديد: ١٧ [.
آه كم كنت أظن أن المقبرة هي الوصف الأليق بمجلسنا، ليت كل مسلم
يعرف أن لديه ما يعطيه، وعنده ما يقدمه ليبزُغ في الكون فجرٌ جديد.
آه ليت تجربة هذا المجلس تطير إلى كل أرجاء المعمورة، وتابع أبو صالح
محدثاً نفسه:
لكَم تأملت عندما كان الدكتور خالد يحدثنا عما يجري في العالم من أحداث
مهمة ولها تأثير في عالمنا الإسلامي.
إني إذا تذكرت ذلك الآن انتفضت من الأعماق، واسترجعت قول رسولنا-
ﷺ : «وليس وراء ذلك مثقال ذرة من إيمان» ، ولعل هذا
الحديث يعيد الحياة إلى دستور اللاءات الإسلامية المعطل، لعلَّ ...
لم يعد لقاء الجمعة في قهوة أبي صالح مجرد فرصة للتفنن في الهروب من
أعباء الحياة الجادة ومسؤوليات العقيدة الحية، بل أخذ المجلس يُحَدِّد روَّاده ويتحدد
بهم، وجعل المترددون والمتشردون يشعرون ألا مقام مطمئناً لهم إلا في جنباته،
وصار الحوار الذي يدور بين جدرانه الأربعة يتردد في جهات البلاد الأربع،
تهاوت الجدر، وأخذت الحياة تولد من جديد، والشمس تشرق على البطاح النائمة،
لتوقظها برفق، جاعلة من كل يوم ميلاداً جديداً، اكتست الأشجار خضرة جديدة،
وباتت الطرق تنتهي بالمرتادين إلى أهداف محددة، اتصلت الخطوط المقطوعة
بأرجاء الكون الفسيح، وحضر المقهورون الغائبون الذين كُتِّمت أصواتهم وتقطعت
بهم الأسباب من المسلمين، حضروا مجلس أبي صالح، وتقدم الحديث عنهم،
القضايا التقليدية التي قُتلت درساً، واستهلكت الأعمار بلا منتوج ولا مردود.
ابن تيمية بعث حياً، أخرج من سجن الغربة والاختزال، أعيدت قراءته عبر
مجاهر جديدة، وطرح مشروعه الإسلامي المتجدد، لم يعد ذكره ينتزع مجرد دعاء
له بالرحمة، وحوقلة العجز، واسترجاع اليأس، بل بات فكره دليل العمل وبوصلة
تحدد للمجلس اتجاهه.
لقد سقط الذين التمسوا في ابن تيمية أدلة تعاجزهم، فلم يروا منه إلا ما
سمحت به مصالحهم وأباحه لهم هواهم.
كما سقط يا دكتور خالد أولئك الذين ظنوا أن كتب الرجل وفكره مجرد زينة
وتنويع في إيقاع معزوفة الفكر المخملي.
- الفضل لله ثم لهذا المجلس الذي أحيا الله به فكر ابن تيمية، هذا المجلس
الذي يحلو للبعض أن يسميه حقاً: إمارة أبي صالح.
- غفر الله لك يا دكتور خالد، وهل نحن النموذج الوحيد لذلك؟
- لم أقصد سوءاً يا أبا صالح، ولكن قصدت أن مجلسك يمثل نظرة واقعية
للأمور، فالمعروف أن الكثيرين لا يسهمون في الخير، أو لا يساهمون في البناء
إلا إذا رأوا كل شيء ممهداً وميسراً أمامهم، وهذا مقتل من مقاتل البذل، إما كل
شيء أو لا شيء، نكون أو لا نكون، إن جيلنا يؤدي خدمة عظيمة إذا تمكن من
طرح المشروع الإسلامي بوعي وعمق، ويسدي يداً لا تنسى إذا هيأ الأرض
الإسلامية للاستنبات وطهرها من عقابيل العقم واللامبالاة.
- ما لي أراك واجماً يا أستاذ محمد؟
يا أبا صالح إن الدكتور خالد لم يترك لمتردد مكاناً يأوي إليه، ولا فكراً يعتمد
عليه.
- أين بات مخطوطك الطويل عن السجن ومرافعتك العصماء عنه؟
- يا أبا صالح في طريقي إلى هذا المجلس في الأيام الأخيرة أخذ يلازمني
شعور غريب، وبدأت أدرك أن العالم يتغير، وأن إرادته أكبر من سجني، كنت
أول الأمر عاجزاً عن الفهم، صرت أرى في وجوه رواد المجلس ما لم أكن أرى
من قبل، لغتهم تغيّرت ونظراتهم، وفي بيوتهم أخذت الحدائق تطارد اليبوسة
والعبوس، الماء يسمع خريره، الكتب تزاحم الأثاث، هطل المطر بغزارة هذا
العام، كنت لا أفكر إلا سهواً، ولا أناقش إلا غفلة، أشعر أن كوابيس السجن
تتهاوى، الحياة تفتح ذراعيها ابتهاجاً بالعائدين، ليمارسوا حضورهم بأنفسهم لا
بغيرهم، وبذواتهم لا بمسترقيهم ومصادري آرائهم، بهموم عصرهم لا بتراكمات
العقد ومشاكل الآخرين. أن تكون على الحق هو النصر الكبير، أن تكون على بينة
من ربك هو الفوز العظيم.
] هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإذَا جَاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَقاً [
لم تدعني يا أبا صالح أكمل سفر مولدي.
- ابتهاجي بخروجك من الضيق الذي كنت فيه أنْساني حديثك أن أذكره.
стр. 913
قصيدة
دمعة على شهيد
خالد بن سليمان القوسي
لم يكن ذلك الصمت، وذلك النور ليوهب إلا للصادقين أمثال: مصعب
العوشن، لله درُّك يا مصعب، ما أفصح صمتك، وما أبلغ هدوءك، لم تكن تريد
الشهرة [في زمن الاستماتة لنيل الشهرة] ، ولم تكن لتنالها لولا استشهادك، فلله
درك، كتبت أحرفك بدمك، وأن يكتب الإنسان تاريخه بدمه فذلك قمة المجد في
الدنيا.. والآخرة.
خطبوا فجادوا بالبيان وأطنب ... فأبنت أنك بالمواضي أخطبُ
ما كل من ركب البيان يسوسه ... عجُمت قوافيهم وأنت المُعْرِبُ
" يا مصعب " أوّاه كم نطقتْ بها ... شفتاي.. قلبي.. أدمعي " يا مصعبُ "
إيهٍ نديَّ الصوت أنشدتَ الربى ... شعراً فروحاً للمعالي تدأبُ
طاب القعود لنا فأما أنتمُ ... فرأيتم أن الشهادة أطيب
عذبت لنا الدنيا وأما أنتم ... فرأيتمُ أن القَضيَّةَ أعذبُ
بسمتْ لنا الدنيا ضحىً وازَّيَّنَتْ ... ما كنتَ تنعمُ والجنان تثوِّبُ
نُعمى الحياة سحابةٌ صيفيَّةٌ ... والباقيات سحابُهُنَّ الصيِّبُ
بعتَ الحياة رخيصة لما عشق ... تَ الباقيات وعشقهنَّ المكسبُ
من ذا يقود المرء من نعمائه ... من ذا يشوِّقه لكي يتغرَّبُ
من ذا يقود الناس نحو حتوفهم ... راح الصبيُّ وراح قَبْلُ الأشيبُ
عجبٌ -وربِّك- بذلُهم لنفوسهم ... لكنَّ ما يرجون منها أعجبُ
في ليلة يخشى الأبيُّ مصابها ... لم تثنه أغوالها والأذؤب
لقي المنون مشمراً متفانياً ... في ساعة منها العقول تغيب
بيمينه قرآنه، وسلاحه ... بشماله وفؤاده متوثب
يتلو كتاب الله يكسوه التقى ... ويلفه الصمت " الشتاء " الغيهب
عينان لا يصلاهما حرُّ اللظى ... عين بكت لله دمعاً تسكب
وحسيبة جفت المراقد تمتطي ... شم الجبال وللعدا تترقب
تخذ البسالة منهلاً لحياته ... أكرمْ به من منهلٍ لا يجدب
كفكف دموعك يا محبُّ فإنه ... لو قيل ماذا تشتهي يا مصعب؟
لوجدته يهوى الشهادة مرةً ... أخرى فبحر يقينه لا ينضب
ستراه بين جنانه فدع البكا ... ما مات من نحو الجنان سيذهب
стр. 914
دكاكين جديدة
يمتد الشارع الإسلامي الثقافي السياسي وعلى جانبيه تفتح الدكاكين أبوابها،
تعرض بضاعتها وتقدمها للزائرين.. كان هذا الشارع مجهولاً، وكان زواره
ومرتادوه قلة قليلة، فيما كانت الشوارع الأخرى تلقى رواداً وزواراً، وتلقى
بضاعتهم رواجاً، كالشارع القومي، والشارع الشيوعي والذي يتفرع منه الشارع
الاشتراكي، وأزقته التقدمية والثورية والناصرية.. الخ، وهناك أيضاً الشارع
الليبرالي التحرري..، أما الآن فقد قلَّ الزوار والمرتادون، وأغلقت بعض
الدكاكين وارتحل روادها، والبعض ظل في دكانه القديم ولكنه فتح فرعاً له في
الشارع الإسلامي الذي يشهد افتتاح أعداداً كبيرة من الدكاكين، وارتفعت لوحات
الإعانات الكبيرة المضاءة.. واشتدت المنافسة بين الجميع، لا على مستوى
الدكاكين فقط بل مستوى بعض المؤسسات والشركات الأهلية، وقبل ذلك على
مستوى الدوائر الحكومية كالبلدية ووزارة الأوقاف الخ
فالبلدية على استعداد لرصف الشارع والقيام بأعمال النظافة، والنظافة من
الإيمان، فالبلدية إذن مشهود لها بالإيمان؟ !
أما وزارة الأوقاف فهي على استعداد لإقامةالسرادقات الطويلة للاحتفال بالمولد
النبوي، مقابل الاحتفال بمولد الزعيم والثورة؟ ! أما وزارة الخارجية فهي على
استعداد لإقامة مؤتمرات على حسابها الخاص، ولكن على أصحاب الشارع تأييد
مواقف الوزارة وتمجيدها، ووزارة الزراعة ستقوم بتشجير الشارع، وستكتب على
كل جذع شجرة اسم الحاكم واسم الوزارة! ! ، وهكذا.
أما عن الشركات والمؤسسات الأهلية: فقد أقامت المشاريع التجارية في
الشارع الإسلامي تحت شعار: (إسلامي) ، فهناك دور أزياء للمحجبات فقط،
وتسريحات شعر إسلامية، وهناك شركات تأمين إسلامية، وهناك موسيقى وغناء
إسلامي.
أما الدكاكين: فبضاعتها متنوعة ومتعددة المصادر، كلها تحت لافتة
(إسلامي) ، وتحت هذه اللافتة تروج تلك البضائع والسلع الكاسدة، كسلعة (القومية)
و (العلمانية) ، وربما (الباطنية) ، على أن أكثر السلع رواجاً في السوق هي سلعة
(الديمقراطية) ، وهناك سلعة (الإنسانية) وسلعة (العقلانية) .
وقد قرر بعضهم إقامة سوق مركزي (سوبر ماركت) مفتوح، يعرض فيه
جميع أنواع البضائع والسلع رغم اختلافها وتباينها، وسيحمل السوق اسم (حوار
الثقافات) .
وهناك مشروع وهو إيجاد قاعة للمؤتمرات.. تضم طاولة مستديرة وكراسي.. يناقش فريق الشارع الإسلامي مع الضيوف الكرام القادمين من إحدى الشوارع
(الصديقة) ، وسيكون اسم القاعة (الحوار والرأي الآخر) ، حيث الاستماع إلى
الآراء والأطروحات من كلا الطرفين، وحول الطاولة المستديرة وعلى الكراسي
الوثيرة مناقشات حول تطبيق الشريعة وإمكانية ذلك.. وحكم الإسلام في
الديمقراطية.. والضيوف الكرام يمطرون الفريق المضيف بوابل من التهم والأسئلة
الحرجة، ليقع الفريق المضيف في الفخ.. ليقدم التنازلات.. تلو التنازلات.. تلو
التنازلات، يتراجع الفريق المضيف خطوة، ويتقدم الفريق الآخر خطوة ونصف
الخطوة، وفي آخر الشارع هناك دكان منزوٍ بعيداً عن الكثير من الجمهور.. حيث
تجارته مع الله لا يريد جزاءً ولا شكوراً من الناس. يقدم ما لديه، يريد سلعة الله
الغالية، على نهج سليم وصراط مستقيم.. إنها طائفة الظاهرين على الحق، لا
يضرهم من خذلهم. وبين هذا الدكان وتلك الدكاكين يوم الجنائز! !
стр. 915
المسلمون في العالم
مأزق الجزائر
الذين يتابعون أخبار الجزائر، يتابعونها وأيديهم على قلوبهم، فهم محبون لهذا
البلد المجاهد، ولهذا الشعب الذي يمتلىء حمية إسلامية، وهم خائفون عليه من
المأزق الذي وقع فيه، فالحكومة كانت تريدها نصف ديمقراطية مفصلة على مقاس
معين، فلما اختار الشعب الإسلام بدأت الضغوط العلنية والخفية، الخارجية
والداخلية، لمنع وصول الإسلام إلى موقع القرار. فتأجلت الانتخابات ثم تأجلت
مرة ثانية، والحكومة لا تريد الصدام، كما أن الإسلاميين لا يريدونه، فكلا
الطرفين ليس من مصلحته الوصول إلى الطريق المسدود.
إن من ينادي بالحرية والديمقراطية لا يجوز له أن يحتال على الانتخابات كي
يمنع الآخرين من الوصول، وإذا كانت الحكومة تعلن، وكذلك الغرب الذي
يحرض على الإسلاميين إذا كانوا يؤمنون بحق الشعوب في الاختيار، فلماذا لا
يدعون الانتخابات تسير حسب الأصول المتفق عليها [١] .
وإذا كانوا يخافون من الأصوليين كما يسمونهم، وإذا كانوا قد اتفقوا على
(مواجهة الأصوليين) في مؤتمراتهم المغلقة، فهل يستطيعون مواجهة الإسلام؟
فالمارد الذي خرج لا يستطيعون إرجاعه إلى القمقم، وكان الأولى بهم توفير دماء
شعوبهم إن كانوا يحبون أوطانهم، ويقال لهم كما قالت قريش لعثمان بن الحويرث
عندما أراد أن يتملك عليهم بمساعدة قيصر الروم، قالوا له: (إن مكة حي لقاح؛
لا تدين لملك) [٢] ، فيقال لهم: إن هذه الشعوب اختارت الإسلام، وليس هناك رجوع إلى الوراء.
وعلى الإسلاميين تجنب هذا المأزق بالطرق الصحيحة التي لا تنازل فيها ولا
استدراج إلى حلبة الصراع، والقضية أولاً وأخيراً هي: قضية الشعب الجزائري.
стр. 916
موقف الصحافة الدولية
من أحداث الجزائر
رمضان بوشلوي
إن الموقف الذي وقفته الصحافة العربية من أحداث الجزائر كان موقفاً مخزياً
للغاية، وخاصة إذا قورن بموقف الصحافة الغربية، هذه الأخيرة التي ما كنا ننتظر
أن تكون موضوعية في تحليلاتها، وأمينة إلى حدٍ ما في نقل الأخبار، وهذا ليس
مدحاً لها، وإنما حقيقة تفرض نفسها.
وسأذكر بعض ما جاء في بعض هذه الصحف من تحاليل وأخبار وتعاليق:
كتبت صحيفة (Le Monde) الفرنسية في الصفحة الأولى من عددها
الصادر في ٦/١٠/٩١، مقالاً تحت عنوان: (فوز كبير للإسلاميين الجزائريين) .
ثم أردفته بمقال آخر على الصفحة الخامسة من نفس العدد تحت عنوان (الفوز الهام
للإسلاميين الجزائريين) . وكان مضمون المقال سرداً للأحداث، واعترافاً بفوز الإسلاميين، مع وصف الشيخين (علي بلحاج) و (عباسي مدني) بأنهما يتمتعان باستراتيجية قوية ورؤية عميقة للأوضاع.
ولنا هنا وقفة لابد منها:
ونحن نعرف تاريخ هذه الجريدة وحقدها الدفين على المسلمين، ولا يفوتني
هنا أن أشير إلى أن جُلَّ المسؤولين في الجزائر يقرؤون هذه الجريدة يومياً، وقد
أثرت عليهم تأثيراً بالغاً، حتى أصبحت تحدد تفكيرهم واتجاهاتهم، وأصبحت
عندهم من العدول الذين لا يقبلون الجرح.
ونفس العنوان تقريباً عنونت به جريدة (The Times) البريطانية مقالاً لها
بعد الأحداث؛ ومن الطريف كذلك ما ذكره مبعوث جريدة (Independent)
البريطانية بالجزائر في وصفه للذين استشهدوا خلال الأحداث فيقول: (they
died smiling) أي: (ماتوا مبتسمين) .
وهذا قليل من كثير، وإن كانت لهجة الصحافة الأجنبية قد تغيرت بعد فوز
الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات البلدية والولائية في شهر حزيران ١٩٩٠،
ولعلها ترى أنه ليس من المصلحة الاستراتيجية التعرض بلهجة طائشة لحزب قوي
الجزائر.
وأما الصحافة العربية (كعادتها) فقد حاولت منذ بداية الإضراب وصفه بأنه
فاشل، وأن الشعب لم يستجب لنداء الجبهة الإسلامية، بينما كان العكس هو
الحاصل، فقد ذكرت مجلة (الوطن العربي) (التي طلقت صدام حسين) في عددها
٢٢٠ الصادر في ٧/٦/٩١: أن الإضراب قد فشل فشلاً ذريعاً، وأن عباسي مدني
يقود الإسلاميين إلى الانتحار السياسي، وألقت بالمدح على الرئيس الشاذلي بن
جديد، ووصفته بأنه انتهج خطة طويلة النفس هزمت الإسلاميين! !
وهذا الكلام جاء ليؤكد حقد القوميين والعلمانيين وغيرهم من أذناب الغرب
على الإسلام والمسلمين.
وأكبر دليل على تهافت هذا الادعاء: نزول الجيش إلى الشوارع ليفض
الإضراب بقوة السلاح، وحل الوزارة، ووعود الدولة التي أطلقتها من أجل ضبط
الأمر، وعدم خروجها من أيديها.
وإن كان تشكيل الحكومة الجديدة هو: التأجيل والاستعداد لجولة أخرى، ولا
يفوتني هنا أن أشير إلى أن هذا القانون (قانون الانتخابات الجديد) كان لفرنسا يد
فيه (هذا للذين يقولون: إن الجزائر بلد مستقل) ، وأذهب إلى أبعد من ذلك، فأقول: أنه استُعمل علم الإحصاء (Statistics) وعلم الكمبيوتر لإعداد هذا القانون،
وذلك من خلال نتائج الانتخابات السابقة.
وخلاصة ما جاء في الصحافة العربية وخاصة الجرائد اليومية منها هو:
تجاهل للحقائق، وتحريف للواقع، وتحريض سافر مَرَّة ومبطن مرات للدولة من
أجل ضرب جبهة الإنقاذ الإسلامية، وتشويه سمعتها، بوصفها بأنها تهدد الأمن
والاستقرار، وأنها تهدد الديمقراطية، وأنه يجب ألا نقبل بديكتاتورية باسم الدين.
وبمحاولة خلق أكاذيب ونشر بعض الشائعات مفادها: أن هناك خلافات داخل
مجلس الشورى للجبهة، ووصف الشيخ علي بلحاج بأنه متشدد ومتطرف، وأن
الشيخ عباسي مدني معتدل، وذلك عملاً بسياسة (فرِّق تسُد) .
وأخطر تهمة هي ما جاء في جريدة (الحياة) نقلاً عن وكالة الأنباء الجزائرية
بأن الفرنسيين اللذين اعتقلا حيث وجد في حوزتهما أسلحة وخرائط، الخ.. كانت
لهما علاقة بالشيخين علي بلحاج وعباسي مدني، وأنهما أتيا للجزائر ليدافعا عن
إخوانهما، حيث أن أحدهما أعلن إسلامه! !
стр. 917
هجرة اليهود إلى فلسطين
حشود بشرية بانتظار الجولة المقبلة
مازن عبد الله
لقد حاربت إسرائيل العرب وتحدت المسلمين طوال الفترة الماضية وبقلة
بشرية قليلة، كانت تعتمد فيها على تفوقها الاستراتيجي الذي استطاعت به أن
تعوض عن نقطة ضعفها بشرياً وجغرافياً في محيط بشري وجغرافي عربي كبير،
فكانت كلما خاضت حرباً ربحتها، وكانت معنويات العرب حينذاك مرتفعة.. أما
الآن؛ فإن الأجواء قاتمة، وإذا سارت الأمور على ما هي عليه، وبقي العرب
يتخبطون في حالتهم الراهنة، فإن ذلك نذير خطر ماحق ومخيف، وستجري
الرياح بما لا تشتهي سفن العرب والمسلمين، فحالة العرب اليوم مؤسفة، وضعهم
مُخْزٍ، والتآمر عليهم من كل جانب، بينما تتزاحم الدول على خطوبة ود إسرائيل،
فتُغلق الأبواب بوجههم وتُفتح بوجه إسرائيل، تُنزع الأسلحة من أيديهم، وتُعقد صفقات الأسلحة المتطورة مع إسرائيل، تجهض كل حركة للخروج بالعرب مما هم فيه، ويضرب الإسلام في بلاده، ويقدم الدعم وتعطي الحرية لإسرائيل، وتتدفق موجات الهجرة عليها ...
في عام ١٨٣٥: كانت الطائفة اليهودية في فلسطين تقدر بحوالي عشرة آلاف
شخص (وفقاً لتقديرات نيفل) [١] . وكانت هجرة اليهود إلى فلسطين وقتئذ ضئيلة
جداً، ولم تزد بل ولم تبدأ بشكلها المنظم والمدروس إلا بعد قيام الصهيونية على يد
تيودور هرتزل، الذي أخذ على نفسه العهد بأن يكافح ضد الاندماج اليهودي في
المجتمعات التي يعيشون فيها، ويدافع بحماس عن هذه الفكرة، وطالب بفصلهم
ليكونوا دولة خاصة بهم، لقد بذل هرتزل كل ما بوسعه لتحقيق هدفه هذا، فاتصل
بكل المسؤولين الفاعلين في لندن عاصمة الدولة العظمى وقتئذ، وأقنعهم بضرورة
المساعدة على تحقيق هذا الهدف الذي يريح اليهود ويريحهم. ولقد تحدث لنفس
الغرض مع وزير خارجية ألمانيا (فون بولوف) ومع (غليوم الثاني) ، واتصل
بالقيصر الروسي نيقولا الثاني، وبوزير داخليته (بلهف) الذي كتب له رسالة جاء ...
فيها: (إن الصهيونية التي تشجع اليهود على الهجرة في روسيا ستلقى الترحيب،
ولكن شريطة ألا يشجع ذلك على قيام قومية أجنبية في روسيا..) .
لقد كان للاضطهادات التي حلت باليهود في أوربا في روسيا ورومانيا
وبولندة، ومن ثم في ألمانيا فائدتها وأثرها الطيب عند تيودور هرتزل، كما أن
حركة (معاداة السامية) كما يسمونها وموجات العداء التي انتشرت في تلك المجتمعات ضد اليهود، ومن ثم الدعوة، للانتقال للقتال لإنقاذ الإيمان اليهودي
والثقافة اليهودية ورسالتها. كان لكل تلك العوامل مردودها الطيب عند هرتزل،
حيث أنها ساعدته كثيراً في تشجيع وإقناع اليهود بضرورة بناء وطن قومي ومستقل
لهم، وبضرورة الهجرة إلى فلسطين.
وفي سنة ١٨٩٧: استطاع هرتزل أن يجمع غالبية القوى والحركات اليهودية
في مؤتمر (بال) بسويسرا، وتم على أثر هذا المؤتمر وضع مخطط عملي،
وحددت الخطوط العريضة التي يتعين على كل المشاركين في هذا المؤتمر العمل
على تنفيذها وبدقة، من أجل الوصول إلى إقامة الدولة اليهودية. وقد كان هدف
الوكالة اليهودية الأساسي حينذاك: العمل على إنشاء (الوطن القومي اليهودي) في
فلسطين، وتنظيم الهجرة إليها. وأخذت على عاتقها مهمة تحقيق هذا الحلم، وبدأت
فعلاً بتجنيد كل ما تملك من طاقات من أجلها، فكانت حلقة الوصل بين يهود
فلسطين وحكومة الانتداب، وبينهم والعرب، وبينهم ويهود العالم..
في أواخر القرن التاسع عشر كان هناك أقل من (٥٠٠٠٠) يهودي في
فلسطين، وفي الفترة ما بين عامي: ١٩٢٠و١٩٣٢ وفِد إلى فلسطين حوالي
١١٨٣٠٠ يهودياً، جاءوا بمحض إرادتهم، ولكن طبعاً بفضل الدعاية الصهيونية
وتشجيع الحاخامات المستمر، وفي عام ١٩١٠: بعثت الوكالة اليهودية إلى اليمن
واعظاً صهيونياً ادعى الاشتراكية، اسمه (وارشفسكي) ، ولقد أطلقوا عليه لقب
الحاخام.. لقد بذل هذا الواعظ جهوداً كبيرة في اليمن؛ أسفرت في النهاية عن إتمام
عملية استيراد لليهود اليمنيين في عام ١٩٤٨، العملية التي أطلق عليها اسم (بساط
الريح) ، والتي نفذت على مرحلتين: الأولى في ديسمبر ١٩٤٨ إلى مارس ١٩٤٩، والثانية: في يوليو ١٩٤٩ إلى سبتمبر ١٩٥٠، تكلفت ٥ر٥ مليون دولار.
فلقد أنشأت المخابرات الإسرائيلية أول جسر جوي بين عدن وتل أبيب، تم
بواسطته نقل حوالي ٠٠٠,٦٠٠ يهودي يمنيّ إلى إسرائيل، ولقد استغلت
إسرائيل وقتئذ فترة انشغال العالم الذي كان خارجاً من الحرب العالمية الثانية لتمرر
هذه الصفقة وبصمت وسرية تامة لم يفطن إليها أحد.
لقد تم الجزء الأول من عملية (بساط الريح) بنجاح تام، ولكن بالرغم من
هذا، فإن حركة الهجرة إلى إسرائيل كانت مازالت ضعيفة نسبياً، الأمر الذي
أزعج زعماء الصهيونية، فجاء خطاب (بن غوريون) في ٣١/٨/١٩٤٨، وفي
حفل استقباله لمجموعة من اليهود الأمريكيين، حيث قال: (رغم أننا حققنا حلمنا
بإقامة دولة يهودية، فإننا مازلنا في بدء العملية، وليس في إسرائيل اليوم سوى ٩٠٠.٠٠٠ يهودي، في حين تتواجد أغلبية الشعب اليهودي خارج إسرائيل،
يجب أن نجلب جميع اليهود إلى إسرائيل) .
لقد بدأت وعلى أثر كلمة (بن غوريون) هذه عمليات تنشيط مفتعلة في كل
المناطق التي يوجد فيها اليهود، سواء كانت شرقية أم غربية. وبدأت الدعاوي
والنداءات من قِبل كبار الصهاينة والحاخامات المسؤولين عن تلك المناطق،
لتشجيع اليهود على الهجرة إلى إسرائيل، مستعملين كل الأساليب الترغيبية
والترهيبية؛ من أجل الإسراع بتلك العملية. وهكذا كان، فلم تمض عدة أشهر حتى
استطاعت الوكالة اليهودية من استكمال عمليتها التي بدأتها في ديسمبر ١٩٤٨،
حيث نقلت حوالي ٢٠.٠٠٠ يهودي يمني من عدن إلى تل أبيب، وكان ذلك في
عام ١٩٥٠.
في عام ١٩٤٨: كان عدد الطائفة اليهودية في العراق حوالى ١١٠.٠٠٠
شخص. وكانت جذور هؤلاء في العراق مغرقة في القدم، وكانوا يتمتعون بنفس
الحقوق التي يتمتع بها العرب. ففي عام١٩٥٠، ولما رفض حاخام العراق وقتئذ
(خدوري ساسون) الانصياع لمطالب بن غوريون ودعاوى الصهاينة، بدأت أعمال
الإرهاب ضد يهود العراق؛ فنظمت المخابرات الإسرائيلية خلايا سرية كلفتها
بمهاجمة اليهود هناك، وإلقاء القنابل عليهم، واغتيالهم؛ مما أدى إلى نشوء حالة
من الذعر والخوف بين صفوف اليهود، الذين ظنوا بأن العرب هم وراء أعمال
العنف هذه، فاندفعوا تحت تأثير هذا الرعب ليهاجروا إلى إسرائيل، لقد تولت
الوكالة اليهودية عملية نقل يهود العراق إلى إسرائيل، العملية التي أطلق عليها اسم
عملية (علي بابا) ، والتي تم فيها نقل حوالى ١٠٠.٠٠٠ يهودي عراقي عبر
جسر جوي تم فتحه خصيصاً بين بغداد وتل أبيب.
في عام١٩٥٦: وبناء على موافقة ملك المغرب على هجرة يهود بلاده، تم
نقل ٦٧.٠٠٠ يهودي مغربي إلى إسرائيل. وتجدر الإشارة هنا بأن أكثر
التجمعات اليهودية في البلاد العربية كان موجوداً في المغرب، ولقد استطاع العديد
منهم الوصول إلى مناصب حكومية بارزة، وكانت تربط بينهم وبين حاكم البلاد
علاقات طيبة، فهم يكنون احتراماً كبيراً للملك محمد الخامس، والد الحسن الثاني،
بسبب رفضه تسليم اليهود المغاربة للنازيين أثناء الحرب العالمية الثانية..
وبالإضافة إلى موجات الهجرة الرئيسية هذه، كانت هناك عدة هجرات أخرى
لليهود من البلاد العربية، ولكنها كانت تتم بأساليب أقرب إلى الشكل الفردي منها
إلى الشكل المنظم والجماعي ... أما على صعيد دول أوربا، فلقد تمت عدة هجرات
مماثلة، ولكنها كانت ضعيفة نسبياً ولم تكن بالشكل المطلوب. فإنه وبالرغم من
الجهود التي بذلتها الحركة الصهيونية في تلك المناطق لتشجيع الهجرة، لم تستطع
هذه الجهود أن تحقق سوى القليل مما خططت وتعمل عليه. وتجدر الإشارة هنا إلى
أن أكثر التجمعات اليهودية في أوربا موجودة في فرنسا وبريطانيا، فيوجد حوالي
٤٥٠.٠٠٠ يهودي في بريطانيا، وحوالي ٥٥٠.٠٠٠ يهودي في فرنسا، ثلثهم ...
من يهود شمال أفريقيا الذين هاجروا إليها من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا منذ
عدة سنوات.
لقد انتبه زعماء الصهيونية لتلك المشكلة، فراحوا يطلقون الصيحات
والتصريحات، مطالبين إخوانهم المشتتين بالعودة إلى وطنهم (أرض الميعاد) ؛
لمؤازرة إخوانهم هناك، والعمل معهم من أجل الوصول إلى ما (وعدوا به) .. ففي
تصريح لبن غوريون، نشرته مجلة نيويورك تايمز في ٢ شباط ١٩٥٩، قال:
(وإن انتصار إسرائيل النهائي سيتحقق عن طريق الهجرة المكثفة، وإن بقاء
إسرائيل يعتمد فقط على توافر عامل هام هو: الهجرة الواسعة إلى إسرائيل) .
لقد ساهم بن غوريون كثيراً في دفع حركة الهجرة إلى إسرائيل، وخاصة بعد
الإعلان عن قيام الدولة اليهودية، ومع المجهود الكبير الذي قام به رفاقه من
الصهاينة وكبار الحاخامات الذين انتشروا في كل بقعة علموا أن فيها بعضاً من يهود
الشتات، تدفق اليهود وبكميات هائلة إلى إسرائيل، وفي خلال ثلاث سنوات فقط
ارتفع عدد السكان اليهود في فلسطين إلى الضعف. فعند قيام دولة إسرائيل كان
عدد سكانها اليهود حوالي ٦٥٠ ألف فقط، أضافت إليهم الهجرات الكبرى هذه
حوالي ٧٥٠ ألف يهودي، هاجر معظمهم من أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية
وفي آسيا والدول العربية، ولقد ساعد في دفع عمليات الهجرة هذه أيضاً قانون
العودة الذي صدر في ١٥ يوليو ١٩٥٠، والذي أضفى على عمليات الهجرة الصفة
الدينية، وذلك عندما سمى الهجرة إلى إسرائيل (العودة إلى بلادهم) ، وعندما أطلق
في مادته الثانية على موجة الهجرة لفظ (عليا) ؛ أي: الحج والصعود إلى أرض
الميعاد، ويعطي هذا القانون الحق لكل يهودي في أن يهاجر إلى إسرائيل،
ولأغراض هذا القانون اعتُبر يهودياً كل شخص أمه يهودية أو اعتنقت الدين
اليهودي، أو حتى لو تحول هو إلى اليهودية، بشرط أن يكون تحوله هذا بموافقة
حاخام من الأصوليين.
لقد لعبت الصهيونية إذن بكل الأوراق المتاحة لديها، فكانت تغري اليهود
بالمال وبالمستقبل المشرق الذي ينتظرهم في إسرائيل تارة، وتثير المشاعر الدينية
والقومية لديهم تارة أخرى. وكانت تنظم الخلايا السرية لضرب اليهود الذي
يجتمعون في بلاد تسمح لهم بالهجرة ويرفضون مغادرتها، وينظمون الحملات
الإعلامية عن (محاسن أرض الميعاد) لجذب اليهود. وعن تعذيب اليهود لكسب
تأييد الشعوب وتعاطفهم وموافقتهم على هجرة اليهود الذين يتجمعون في تلك البلاد
التي لا توافق على الهجرات الواسعة أو تضيِّق عليها.. وفي جميع الأحوال،
عرف هؤلاء كيف يستغلون كل التطورات والتغييرات المحلية والإقليمية والدولية،
من أجل تنشيط عمليات الهجرة وتحقيق أهدافهم؛ فبعد انتصار إسرائيل في حرب
١٩٦٧ لعبت الدعاية الصهيونية دوراً كبيراً في إبراز إسرائيل كقوة جبارة لا تقهر،
الأمر الذي جذب آلاف الشباب المتحمسين الذين هاجروا إلى إسرائيل وبأعداد
ضخمة بعد فترة الحرب ولقد قال (أبا إيبان) وقتئذ: (لو كنا أربعة ملايين يهودي في إسرائيل اليوم لكان لمطالبنا في الصراع القائم وزن كبير، وإن تنشيط الهجرة اليهودية من شأنه أن يعزز مكاسبنا في الحرب، فاحتلال الأراضي وحده ليس كافياً، فنحن بحاجة إلى استيطان هذه الأراضي) .
في ٦/١١/١٩٧٠: نشرت صحيفة (دافار) الإسرائيلية تصريحاً لغولدا مائير
تقول فيه: (ما نحتاج إليه في الوقت الحاضر أكثر من أي شيء آخر، هو:
الهجرة. توجد أمور كثيرة نحلم بشأنها، ولكن لقلة الرجال وبسبب الحروب
المفروضة علينا لا نستطيع أن ننجزها إلا إذا أتى المزيد من الرجال) . لقد كان
لندائنا هذا الأثر الكبير في دفع عملية الهجرة إلى الأمام؛ فلقد هاجر إلى إسرائيل
في الفترة ما بين عامي ١٩٧٠ و١٩٧٣، أي: خلال ثلاث سنوات فقط، ما يقارب
١٨٩.٠٠٠ يهودي.
في٩/١١/١٩٧٧: أعلن أنور السادات وفي مجلس الشعب المصري عن
رغبته زيارة القدس المحتلة (وغزو العدو في عقر داره) ؛ في ٢١/١١/١٩٧٧:
غزا السادات القدس، والتقى بمناحيم بيغن رئيس الوزراء آنذاك، وفي١٧/٩/
١٩٧٨: تم توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل..
لقد استغلت الدعاية الصهيونية هذا الحدث (التاريخي) وبذكاء، لتلعب دوراً
آخر بإعلانها عن انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وذهاب شبح الحرب، وتبشر
بازدهار اقتصادي وتجاري لإسرائيل بعد تحقيق الأمن والاستقرار. ولقد كان لهذه
الدعاية أثر كبير في جذب الكثيرين من اليهود، وخاصة أصحاب رؤوس الأموال
من الأوربيين، فبلغ عدد المهاجرين من اليهود في الفترة ما بين١٩٧٧و١٩٧٩
حوالي ٠٠٠ر٨٠ هاجروا إلى إسرائيل، وكانوا عوناً لها وسنداً في كثير من
المجالات، فساعدوا في إنمائها وإعمارها، وساهموا في تقدمها اقتصادياً وسياحياً
وحضارياً.
* يتبع *
في الحلقة القادمة
هجرة اليهود السوفييت الفلاشا..
стр. 918
ماذا يدبَّر للمسلمين في إرتيريا؟
الأحداث الأخيرة التي وقعت في الحبشة والموقف في إرتيريا، وما الذي
سيكون بين النظام الجديد والجبهة الشعبية التي تحاول فرض نفسها كممثل وحيد
للشعب الارتيرى، هذه الأحداث بحاجة إلى وقفة طويلة، فهذا الشرق الإفريقي ليس
بعيداً عن الأحداث الساخنة في المنطقة العربية الإسلامية، وليس بعيداً عن البحر
الأحمر والدول المحيطة به، وهذا من أسباب اهتمام الغرب ومجلس الكنائس
العالمي بهذه المنطقة، حتى أنهم كلفوا الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر بمهمة
الاتصال والإشراف على المباحثات بين الجبهة الشعبية والحكم في الحبشة، ومن
خلال هذا الاهتمام الغربي برزت هذه الجبهة التي يقودها نصراني (أسياسي
أفورقي) ، رغم أن المسلمين هم الذين بدأوا القتال للاستقلال عن الحبشة منذ ثلاثين
سنة.
لماذا الاهتمام بالحبشة؟
الحبشة من الدول النصرانية العريقة في إفريقيا، رغم أن نسبة المسلمين فيها
أكثر من ٥٠%، وأصبحت أخيراُ مصدراً بشرياً لإسرائيل، فعملية نقل الفلاشا
مستمرة، وكان آخرها عملية (سليمان) التي كلفت أمريكا ٥٠مليون دولار، وهناك
دول غربية أخرى تساعد على نقل اليهود، منها فرنسا، وهكذا ترضي أمريكا
اليهود، وتظهر هي والغرب أمام العالم أنهم دائماً مع الأقليات التي يريد أن يبتلعها
المحيط العربي الإسلامي.
إن رحيل الطاغية (منغستو) أمر لا يؤسف له، ولكن الغرب يأخذ
الاحتياطات مسبقاً، حتى لا يفاجأ بشيء لم يعدّ له، فهو يساعد حركات جديدة حين
يرى النظام السابق أخذ في الضعف، وهكذا دب النشاط في جبهة القوى الثورية
الديمقراطية، وساهم ضباط إسرائيليون في تدريب جماعة (التيغراي) ، كما كانت
صلة السفير الإسرائيلى قوية بكبار المسؤولين المحيطين بمنغستو، كل هذا يدل
على الخطة الموضوعة، وهي: أن لا تنفرد دول عربية بالبحر الأحمر، فإرتيريا
إذا استقلت وكان توجهها عربياً إسلامياً فإنها تطل على البحر الأحمر لمسافة
(١٠٠٠) كم، وإسرائيل ويساعدها الغرب تريد منفذاً إلى إفريقيا عن طريق البحر
الأحمر، وإحاطة العرب بدول عميلة، وهي الآن موجودة في جزيرة (دهلك)
المقابلة لساحل ارتيريا واليمن. (مجلة الأسبوع العربي ١٧/٦/٩١) .
وبعد أحداث الحبشة، ما هو المتوقع؟ هل تطالب الجبهة الشعبية بالاستقلال
الذاتي أو الاستقلال الكلي أو يطلب منها الاتحاد الكونفدرالي مع الحبشة؟ كل هذا
مطروح الآن، وما إبراز (أسياسي أفورقي) إلا ليكون ليناً مع الأحداث المستقبلية،
أما أن ترجع ارتيريا عربية مسلمة فهذا بحاجة إلى دعم حركة الجهاد الإسلامي
هناك، حتى تستمر في تعبئة الشعب وتوعيته ومقاومة الطغيان، والطريق طويل.
стр. 919
أخبار الدعوة الإسلامية
في الفلبين
بجانب العمليات الجهادية التي تقوم بها الجبهة المخصصة للدعوة إلى الله
بعمليات الدعوة المكثفة لدى القبائل الوثنية أو اللادينية والقبائل النصرانية أيضاً،
وقد اعتنق الإسلام خلال هذا الشهر (شوال ١٤١١هـ عدد كبير من تلك القبائل
المذكورة، وفيما يلي بعض التفاصيل.
في يوم السبت ١٣ شوال ١٤١١ هـ أشهر أكثر من مائتي شخص إسلامهم
في مديرية (كالامانسيج) بمحافظة (سلطان قدرات) على يد الداعية الدكتور محمد
كاناكان، وهو أحد دعاة جبهة تحرير مورو الإسلامية، ويضم هؤلاء خمسين عائلة
وثنية أو اللادينية، والدكتور المذكور هو أحد دعاة الجبهة الناجحين في كسب
النصارى والوثنيين، وذلك بفضل من الله تعالى ثم بفضل إلمامه بلغتهم وثقافتهم.
وفي محافظة بوكيدنون -حيث معظم سكانها من الوثنيين -: أسلم أيضاً خلال
هذا الشهر عدد كبير من هؤلاء الوثنيين على أيدي دعاة جبهة تحرير مورو
الإسلامية العاملين هناك، وكذلك في كل من محافظة دابا والشرقية ومحافظة
زامبوانجا الشمالية: أسلم أيضاً عدد كبير من الوثنيين والنصارى في المحافظتين
خلال هذا الشهر، والأمل كبير جداً -إن شاء الله تعالى- في كسب عدد كبير من
النصارى والوثنيين في المنطقة إلى الإسلام.
стр. 920
الخيرية
بين الحسبة والضبط الإداري
أحمد بن صالح السيف
تعد ولاية الحسبة في الدولة الإسلامية الأداة التي من خلالها تحقق دورها
المنشود لتأدية رسالتها إلى البشرية جميعاً.
[وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيداً] [البقرة: ١٤٢] .
وهي القناة المؤدية إلى امتثال الغرض المحتم عليها، وتحصيل الخيرية
والقيمة المرجوة منها، والتي أخرجت لتكون في الطليعة بين الأمم، [كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ]
[آل عمران: ١١٠] .
فالحسبة قد وردت بعدة تعاريف ومفاهيم من قبل العلماء المتقدمين والمتأخرين، الجامع بينها:
(أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهيٌ عن المنكر إذا ظهر فعله، يقوم به والٍ مختص من قبل الدولة) [١] .
وبهذا فالقائم بأمر الله لابد له من سلطة، يأمر وينهى من خلالها (سلطة تقوم
على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر، سلطة تجمع وحداتها وترتبط بحبل الله
وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله
في حياة البشر، وتحقيق هذا المنهج يقتضي (دعوة) إلى الخير يعرف منها الناس
حقيقة هذا المنهج، وتقتضي سلطة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قائمة على
التعاون بين أفراد الأمة والمسؤولين ولا يتخلف أحد عن واجبه؛ لأن ذلك أشد نفعاً
وتأثيراً، إذ أنه لا مكلف إلا ويجب عليه هذه الشعيرة، إما بيده أو لسانه أو بقلبه،
وعلى كل أحد دفع الضرر عن نفسه.
ولما كان هذا الأمر الملقى على عاتق الأمة لتحقيق خيرتها وأداء دورها ليس
بالأمر اليسير، لكونه صدعاً بالحق في وجوه بعض النفوس المريضة في المجتمع
الباغية إشباع شهواتها ونزواتها وحباً منها في أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا،
مما لا يجدي معهم الحكمة والموعظة الحسنة، ولا ينفع معهم إلا الردع والقسر كما
قال عثمان بن عفان ﵁: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) ، وروي عن عمر ﵁ مثله: (واعلم أنه لا قيمة لحق لا نفاذ له) [٢] ، لذا وجدها أعداء هذه الأمة فرصة سانحة لإقصاء الأمر الإلهي بدعوى الحضارة
والرقي إلى مصاف الدول المتقدمة - بزعمهم -، وجعلوا اللحوق بركبهم ضداً لا
يجتمع مع الشريعة الإسلامية، أي: النداء إلى علمنة هذا التشريع السماوي، حيث
إنه بزعمهم جامد لا يتحرك ولا يواكب التطور، وها هو (كرومر) ينفث في روع
المستغربين: (إن الإسلام ناجح كعقيدة ودين، ولكنَّه فشل كنظام اجتماعي) [٣] .
فلابد من فصل الدين عن الدولة والحكم بغير ما أنزل الله في مثل أغراض
الحسبة، وتقديم الدين عقيدة ونسك بدون سلوك دنيوي.
فما كان من هذه النفوس المريضة إلا أن انساقت خلف هذه الشعارات
والمقولات البراقة، واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، باسم النهوض بالأمة
والتقدم بها. [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ]
[المائدة: ٥٠] ، ليعيشوا بعد هذا في ضعف مزر وفرقة، واستعباد وسيطرة من
الأعداء عسكرياً وسياسياً وفكرياً، فجاء إقصاء أعداء الله لشرعه بصورة مهذبة من
خلال ما ينعتونه بالضبط الإداري بديلاً عن الأمر الإلهي: [ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] آل عمران: ١٠٤ [.
سرقوه من زادنا الثرّ ثم شوهوه ودسوا فيه سمهم الزعاف، وما أدراك ما
الضبط المزعوم في نظرهم، وهل له من اسمه نصيب؟ .
فالضبط الإداري جاء عند القانونيين بعدة تعاريف، الجامع منها: أنه (حق
الإدارة في أن تفرض على الأفراد قيوداً تحد بها من حرياتهم، بقصد حماية النظام
العام بالعناصر الثلاثة: الأمن العام، والصحة العامة، والسكينة العامة) ] ٤ [.
ويمارس هذا الضبط التشريعي من خلال قوانين ولوائح وقرارات تستهدف
بزعمهم حماية النظام العام وصيانة استقراره وتقدمه.
فالسلطة التشريعية واسعة النطاق، حيث يجوز لها أن تنظم أي نشاط تقدر
أن من المصلحة تنظيمه بواسطة الضبط التشريعي، وأن تسند القيام به إلى أي جهة
تراها] ٥ [.
وذلك بتشريع بشري ناقص نابع من الهوى والميل لتحقيق مبتغاهم وإشباع
نزواتهم، ولم يعلموا أن هذا تمرد على حق الله تعالى في التشريع، فهو المشرع
الأول العالم بالخير بما يصلح أحوالهم.] إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ
ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [] يوسف: ٤٠ [.
وإذا استعرضنا واقعهم لنرى هذا الادعاء المزعوم من أن تشريع هذا الضبط
بصورته الطاغوتية يكفل المحافظة على الآداب والسكينة والأمن والاستقرار. فنجده
الانفلاتَ الأخلاقي ظاهراً للعيان، وانتشارَ الجريمة بشتى صورها، وشيوعَ القمع
الناجم عن ممارسات الإرهاب.
وهكذا عندما استجابت الأمة لتلك الدعاوى الملفقة وأصابها ما أصابها من
هزيمة نفسية ونكوص على عقبيها، ها هي اليوم تعايش ما يعايشه أعداؤها من
نتيجة للحكم بغير ما أنزل الله من واقع مزر متفكك وفقد للخيرية والتمكين] سُنَّةَ
اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [] الأحزاب: ٦٢ [.
فالأمر من جلله حدى بالعلامة ابن خلدون إلى عقد فصلٍ في مقدمته: (فصل
في أن العرب لا يحصل لهم مُلك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم
من الدين على الجملة) .] ٦ [
стр. 921
رسالة إلى الدعاة
عبد الله الراشد
بين يدي هذه الملاحظات أقدِّم قول الشيخ عبد الرزاق عفيفي -حفظه الله -
وهو يتحدث عن بعض الأخطاء الفقهية: (إن الذين لديهم ذكاء حاد لا يقبلون الصواب إلا إذا كان من عند أنفسهم، وذلك أن الله أعطاهم قدرات وطاقات عالية
وفقوا بسببها إلى كثير من الصواب الذي أخطأ فيه الناس، ولذلك فلديهم من الثقة
بآرائهم ما يصعب على الناس إقناعهم بغيرها) .
لهذا أتمنى على من يقرأ هذه الملاحظات من أصحاب الذكاء الحاد أن يتفكر
فيها بنفسه دون أن يطيل النظر في العبارة أو الأسلوب. والله الموفق لكل خير.
أولاً: في مجال التربية والإعداد الجهادي:
إن ساحة أفغانستان مدرسة تربوية عظيمة لا يقدرها حق قدرها إلا من عاش
فيها فترة من الزمن، إذ (ليس الخبر كالمعاينة) ، وهو ميدان تبرز فيه الطاقات
الكامنة في الأفراد.
إن معظم من يسيرون في طريق الدعوة إلى الله بحاجة ماسة إلى العيش فترة
من حياتهم في هذا الجو الجهادي حتى تستقيم نفوسهم على الطاعة والعبادة. ويكفي
في مجال التربية شعور الداعية بدنو أجله وكتابة وصيته حتى تطهر نفسه من
أخطائها وأدرانها وأمراضها. ويكفي في مجال التربية الشعور بالأخوة في الله في
أعلى صورها.
ويكفي في مجال التربية والإعداد الجهادي والتدريب على مختلف الأسلحة؛
مما يصقل الداعية ويطرد عنه عقدة الخوف المبتلى بها كثير من الناس اليوم.
لكن بقي أن نقول: أن هناك طائفة بارزة من الدعاة قد لا يكونون بحاجة
ماسة إلى هذا الجو، نظراً لما حباهم الله من طاقات وقدرات عالية، إذ لديهم
الاستعداد للمواجهة والتضحية في سبيل الله والصدع بكلمة الحق مهما كانت آثارها
عليهم، لكن لنتذكر جيداً أن هذه الفئة قليلة وقليلة جداً بالنسبة لعموم السالكين لدرب
الدعوة، ويجب عليهم أن يعلموا أن معظم الدعاة ليسوا على نفس المستوى الذي هم
عليه.
وإن نظرة شاملة إلى حالة الدعاة في مختلف القطاعات، سواء في التعليم أو
في المؤسسات أو في مواقع العمل المختلفة يتبين لنا منها ما تتعرض له النفوس من
الأسن والتقهقر.
وفي ظني أن العيش في جو الجهاد كفيل بإزالة الصدأ المتراكم، وكفيل بدفع
الداعية إلى النماء والعطاء والبذل والتضحية.
ثم إن المسلم الداعية الذي لم يعرض نفسه للجهاد لا يدري عن مقدار إيمانه
الذي بين جنبيه، إذ أن الجهاد فضحٌ للمنافق حيث قال المصطفى -عليه الصلاة
والسلام-: (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من
شعب النفاق) .
والله -جل وعلا -يقول: [وَلَو أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِن كَرِهَ اللَّهُ
انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ] ، ولقول سبحانه: [إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ
عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ... ] الآية.
فهل كل القاعدين عن الجهاد من الدعاة سالمين من مقتضى هذه الآيات.
ومن العجيب أن بلاداً مثل سويسرا (وهي الدولة المحاطة بالأمن من جميع
الجهات) يفرض على الفرد الذي يتراوح عمره بين الخامسة عشرة والخامسة
والأربعين الالتحاق بدورة تدريبية عسكرية مدتها قرابة الثلاثة أسابيع يعيدها سنوياً
وبشكل مستمر. بحيث يستطيعون خلال ساعتين (وعددهم لا يتجاوز الستة ملايين)
تحضير جيش مسلح قوامه ستمائة ألف مقاتل. أليس الدعاة أحق منهم بهذا الإعداد؟
ومن الخطأ الشائع: ما ذكره لي أحد العلماء الأفاضل من أن الإعداد العسكري
يمكن أن يتم في حالة نشوب الحرب، وأنه حيثما كانت الحرب وجدت معسكرات
التدرب والإعداد، وأقول لشيخنا الفاضل الحبيب: ترى لماذا لم يفكر السويسريون
بهذا المنطق؟ .
إن الإعداد العسكري للجهاد في وقت قصير من السنة لن يؤثر مطلقاً على
سير الدعوة وطلب العلم الشرعي، بل ولا على الأعمال والوظائف.
كما أن الإعداد المستمر للجهاد لا يقتضي مطلقاً الحماس غير المنضبط والذي
يؤدي إلى النكسات المتوالية للدعوات.
ثانياً: علاقتنا بالتيار الجهادي:
١- التيار الجهادي متكون من الشباب المتحمس الراغب في بذل نفسه لله
ينقصه العلم الشرعي، ولكنه قابل تماماً للتوجيه والإرشاد والتعليم، فمن الواجب
علينا أن نستفيد من هذه الطاقات الهائلة ونوجهها التوجيه الصحيح. لقد رأيت أحد
الشباب يستمع إلى شريط لأحد المشايخ ويقول لي: هذه رابع مرة أستمع فيها إلى
هذا الشريط، فقلت في نفسي: ترى لو كان الشيخ بينهم كم سيكون تأثيره فيهم؟
٢- هذا التيار الجهادي يشعر بالنفور ممن يثبطون عن الجهاد في أفغانستان،
ولهذا سيعرض عن الإقبال على الأفكار والمحاضرات الدعوية؛ لأن أصحابها لا
يحثون على الجهاد، وبهذا نكون قد وضعنا عوائق بيننا وبين هذا التيار.
٣- إن الإعراض عن الشباب المجاهد القاصر في علمه الشرعي يؤدي إلى
أن تتلقفه الأفكار المبتدعة ومناهج الخوارج؛ فتتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال،
وإذا تبنى هذا الشباب المتحمس مثل هذه الأفكار وتلك المناهج فلا تسأل عما يحدث
بعدها من الفساد.
كلمة أخيرة:
هذه الملاحظات المكتوبة ممن يعرف قدر نفسه إنما نشأت من قلب محب يشهد
بفضل من وجهت لهم وسبقهم في البر والتقوى.
وإن لهم على الأمة فضلاً لا ينكره إلا الجاحدون، فهي ليست إلا من قبيل
قول القائل:
ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام
стр. 922
الصفحة الأخيرة
تجربة شخصية مع شريط
حسن القارئ
ذكر صديقٌ لي يوماً تجربة مرت به، فقال: (توقفت يوماً أستمع لشريط
حول أزمة الخليج.. والقضية هنا ليست الأزمة.. وانما تجربتي مع الشريط.. لقد
علمت أن المتكلم من اتجاه إسلامي آخر.. ولكن لم يؤثر ذلك فيَّ كثيراً، وإن كان
حماسي لم يعد كما كان في البدء قبل معرفتي لانتماء المحاضر.. (وهي ظاهرة
ينبغي للمسلم مجاهدة نفسه على الحق فيها، لأن الحكمة ضالة المؤمن أنَّى سمعها
أخذها واستفاد منها) .. إلا أنني استمعت إلى الشريط.. وكانت تدور في نفسي
أمور عجبتُ لها.. لقد كنت أستمع بذهن متحفز ناقد أكثر من ذهن مهيأ للتلقي
والاستفادة.. فكنت كلما ذكر أمراً.. قلت في نفسي: هذا أمر ليس فيه جديد!
وذاك أمر كان ينبغي أن لا يقوله بتلك العبارة.. والحديث الذي ذكره في الموضع
الفلاني حديث أظنه ليس بصحيح. وهكذا انتهى الشريط وخرجت بانطباع: أن ما
قاله لم يكن صالحاً بالدرجة الكافية لتبنيه ونشر الآراء التي وردت فيه.. ولأهمية
الأمر سأضرب مثالاً تفصيلياً ورد في الشريط وكان لصاحبنا جولات ذهنية ونفسية
معه.. أورد المحاضر بعض التصريحات والتحليلات جزم صاحبنا حينها أنه قرأها
في مجلة إسلامية صدرت قبل تاريخ كلامه.. يقول صاحبنا: (فقلت مشمئزاً: لِمَ
لَمْ ينسب هذه التحليلات إلى أصحابها.. إن هذا الفعل ليس من الأمانة مطلقاً)
(وكانت المجلة التي يظن صاحبنا أن المحاضر أخذ منها التصريحات والتحليلات
مجلة تمثل اتجاهاً ينتمي إليه أو يتعاطف معه) .. وزاد الأمر سوءاً حينما سمعه وهو
يردد - عقب ذلك - رأياً لأحد المثقفين غير الإسلاميين، ومن ثم ينسب المقالة إليه
باسمه، بل ويضيف أنه أحد المثقفين اليساريين الذين لديهم تمكن في المتابعات
والتحليلات السياسية..
هناك احتمالاً أن المحاضر قد لا يكون كما ظن صاحبنا،.. لكنه لو ثبت أنه
تجاهل ذكر المجلة الإسلامية لأنها تمثل اتجاهاً آخر، ونوه بذكر رأي اليساري
بنسبته إلى صاحبه فقد وقع في ظلم عجيب.
стр. 923
صفر - ١٤١٢هـ
أغسطس - ١٩٩١م
(السنة: ٦)
стр. 924
الافتتاحية
ولا تهنوا ولا تحزنوا ..
ليس أضر على الدعوات من أن يتسرب اليأس إلى أفرادها، أو يصيبهم
الوهن والضعف بسبب محنة أو ابتلاء، فهذا مرض قاتل حذر الله المسلمين منه بعد
غزوة أُحُد فخاطبهم قائلاً [ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]
[آل عمران: ١٣٩] ، فإن من سنة الله في الدعوات أن تنتصر وتنهزم، وتُبتلى
بالمصائب ونقص الأفراد والأنفس؛ لتكون دروساً قاسية يتعلم فيها المسلم أشياء لم
يكن ليتعلمها بالوعظ والكلام.
لقد ابتليت الدعوات في هذه الأيام بتسلط الظالمين المفسدين يؤُزّهم من ورائهم
شياطين الإنس من كل ملة ودولة، بل إن المتتبع لما يجري على الساحة في أنحاء
العالم الإسلامي لَيجد تصميماً عجيباً على إقصاء الإسلام وإبعاده عن الفعل والتأثير، ويقابل ذلك دعوات مخلصة ولكن مع تفرق في الصف الإسلامي وضعف في
الأخذ بالسياسة الشرعية المناسبة لكل حدث ومعرفة سنن الله في التغيير.
وقد علَّمتنا دروس التاريخ القديم والحديث أنه بعد الفتن والمحن يخرج
أصناف من الناس إذا عرفنا توجهاتهم فلعلنا نخرج بأقل الخسائر.
هناك صنف من الناس سيصاب بإحباط شديد وبصدمة عنيفة، فهو لم يتوقع
أبداً ما يحدث ولم يُعد للأمر عدته، ولم يتعود إلا على سماع الأخبار التي يحبها،
ذلك لأنه عاطفي خيالي، فهو يرى أن دولة الإسلام قاب قوسين أو أدنى لما يرى
من كثرة المقبلين على هذا الدين ولما سمع من أن الإسلام قادم (وهو قادم بإذن الله) ، هذا الصنف لا ينقصه الإخلاص ولكن تنقصه التجربة والوعي العميق بتاريخ
الدعوة وتاريخ الدول، وأسباب النجاح والفشل.
وسيخرج صنف يفكر تفكيراً معوَّجاً، سيقول: لا فائدة من الدعوة والعمل
والكلام ... ولا يحل المشكلة إلا القوة، فهذا في الظاهر شجاع ولكن في الحقيقة
يقوم بعملية هروب، ولكنه هروب إلى الأمام! ، وهو صنف لا يملك في الغالب
الفقه العلمي والعملي، وتاريخنا الإسلامي في القديم والحديث يعلمنا أنه قد نبتت
نابتة مثل هذه عقب الفتن وعدم وضوح المنهج أو عندما لا تُدرأ الفتن بالسنن
الربانية.
وصنف ثالث مخالف تماماً للصنف السابق، إنه في الطرف الآخر، فهو يرى
أنه لا داعي إلى التضحيات والعمل الدعوي والتعاون مع إخوانه في سبيل الحق،
فالقضية تحتاج إلى نفس طويل، وعودة إلى الكتب والقراءة من جديد والفكر،
والحوار، وعدم العنف (والجهاد - عند هؤلاء - عنف!) ، وهذا الكلام ظاهره
فيه شيء من الحق وباطنه الهروب من الاستمرار والمواجهة.
إن العودة للنقد الذاتي والتعمق في فهم أخطاء الماضي شيء طيب، ولكن هذا
الصنف - مثل المرجئة - إنما يريد الهدوء وراحة البال.
وسيظهر صنف ر ابع هو من أخطر هؤلاء، هذا الصنف كان يكتم حب
الظهور والرئاسة لأن الوقت غير مناسب أو كان مندساً بين الصفوف، وقد لاحت
الآن الفرصة ليتقرب من أصحاب الشأن، ويقدموا له فتات الموائد، وإن من فوائد
المحن وحِكم الابتلاء ظهور مثل هذا الصنف حتى تتمحص الصفوف ويُعرف
الكاذب الدعي من الصادق المخلص.
سيبقى أعداد كثيرة - بإذن الله - على الحق سائرون، لا يضرهم ضعف أو
تخاذل أو إظهار الشماتة والحقد، ونقول للذين تسرب اليأس إلى قلوبهم: إن هذا
الأمر لايتم إلا بالصبر والمصابرة والرجاء بنصر الله ووعده الأكيد، ومن أكبر
أسباب الظفر ذكر الله والثقة به؛ قال تعالى: [واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [الجمعة: ١٠] ، قال المفسرون: (وفيه إشعار بأن على العبد أن لا يفتر عن
ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً، وأكثر ما يكون هماً وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك) ،
ومن أكبر أسباب الظفر معرفة سنن الله في التغيير، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر؛ لأن أعداءهم لا يفقهون [وإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ
لاَّ يَفْقَهُونَ] [الأنفال: ٦٥] وهذا يعني أنه من المفروض على المسلمين فقه أسباب
النصر والاستعداد له من الناحية المعنوية والمادية، وقد جاء في القرآن على لسان
موسى ﵇ عندما أراد أن ينقذ قومه من بطش فرعون [قَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ] [الأعراف: ١٢٨] ، فهذه الأرض لله وليست رهن تصرف الظالمين
وأنها تدوم لهم بل سنة الله أن يسلبها منهم عندما يتقي المؤمن أسباب الضعف
والهلاك، واليأس من روح الله ويتقي التخاذل والتنازع، ويعمل بضدها من
الأخلاق الإسلامية من الاستعانة بالله والصبر على المكاره، ويتفقه بسنن الله في
التغيير وتأثير العقيدة والاجتماع للتمكين في الأرض.
стр. 925
علماء الاجتماع والعداء للدين وللصحوة الإسلامية
(٣)
المتديّنون والمرض العقلي
د. أحمد إبراهيم خضر
عرضنا في الحلقة الماضية للاعترافات الصريحة لعلماء الاجتماع في بلادنا
عن فشل وإخفاق التحليلات والتفسيرات الماركسية عن الصحوة الإسلامية كقولهم
بارتباط الدين بالتراجع والتقهقر، وارتباط العقلانية بالصعود والتطور، وقولهم
بزوال ما يسمونه برجل الدين بسبب القدوم المظفر والمنتصر لرجل التقنية،
وقولهم بأن الصحوة الإسلامية نتجت عن عدم نضوج التركيبة الطبقية العربية ثم
اعترافهم بأن نظرية الصراع الطبقي مسؤولة عن الدمار الذي يتخبطون فيه،
واعترافهم كذلك بعدم ارتباط ظهور الجماعات الإسلامية بانحطاط وتدهور الظروف
الاقتصادية والاجتماعية أو تطورها.
ونتناول في هذه الحلقة قضية اتهام رجال الاجتماع لشباب الجماعات
الإسلامية بأنهم مرضى عقليون ويمثلون شخصيات مريضة.
لرجال الاجتماع في بلادنا مقولات تثير الدهشة والاستغراب منها ما يدل على
دهاء ومكر شديدين كقول (عضيبات) الذي أشرنا إليه في الحلقة الماضية - بأن
التيارات الوطنية والليبرالية واليسارية والقومية محاصَرة في مجتمعاتنا، وأن هناك
تضييقاً على دعاتها وتنظيماتها، وأن الساحة شبه خالية أمام الحركات الدينية التي
سيملأ فكرها وتنظيماتها الفراغ القائم. [١]
ومنها ما يدل على سطحية وسذاجة تفُوق الحد، يقول سمير نعيم (أستاذ
الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة) بأن الجماعات الإسلامية جزء من مخطط
إمبريالي صهيوني تسانده قوى إقليمية ومحلية تهدف إلى ضرب التماسك الاجتماعي
وتفسيخ المجتمع من جهة وتكريس تخلفه تدعيماً لتبعيته من جهة أخرى. [٢] رغم
أن أبسط الحقائق تقول إنه لا خطر أشد على الإمبريالية والصهيونية والقوى
الإقليمية والمحلية من الصحوة الإسلامية وحركاتها وجماعاتها.
وحقيقة الأمر أن الموقف العدائي لرجال الاجتماع في بلادنا من الصحوة
الإسلامية يرتبط ارتباطاً لا ينفصم بموقفهم العدائي من الدين.
الدين - كما يراه رجال الاجتماع في بلادنا - (وهم) و (خيبة أمل الزمن
الراهن) و (رد فعل سلبي للضمير الجمعي) و (عصاب نفسي) و (مأوى لموت
بطيء) ! . [٣]
طالب رجال الاجتماع في بلادنا علناً وبلا حياء ترك الاعتقاد بالدين. يقول
علي الكنز أستاذ الاجتماع بجامعة الجزائر: (قبل كل شيء علينا ترك الاعتقاد
بالدين لأنه لم يبرهن على أن الدين أصبح بمثابة رؤية للعالم أو فهو وظيفة عكسية
للتطور التاريخي والاجتماعي) [٤] أما هؤلاء الذين يدخلون في دين الله من خارج
مجتمعاتنا - في الوقت الذي يخرج رجال الاجتماع منه - فهم في نظرهم أفراد
منعزلون ولهذا فالإسلام عندهم لم يظفر بمسلمين جدد والصحوة الإسلامية بناءً على
هذا التصور نوع من التراكم المكثف للتجربة الإسلامية شأنها شأن تراكم رأس
المال [٥] وكما أشرنا من قبل فإن أحد الأسباب الرئيسية لكراهية رجال الاجتماع في بلادنا للصحوة الإسلامية هو رفض هذه الصحوة المفاهيم الجديدة إجمالاً منظومة الحداثة ورفضها للعقلانية كنمط للتفكير وكمشروع مجتمعي كما أشار إلى ذلك (الهرماسي) أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسية الذي اعترف بفشل هذه المفاهيم في قوله: (.. لا لسبب إلا لأنها فشلت في بعض الميادين) [٦] .
هؤلاء الذين يقولون إن الجماعات الإسلامية جزء من مخطط إمبريالي
صهيوني ورموا هذه الجماعات بالتطرف اشتقوا تعريفاتهم للتطرف من كُتاب يهود
كتبوها في قواميس ودوائر المعارف الفلسفية وأضفوا عليها الطابع العلمي، ولهذا
كان التمسك والالتزام بالدين أو العودة إليه - كما اعتبره رجال الاجتماع العرب نقلاً
من كتاب يهود مثل (روزنتال ويادين) - جموداً عقائدياً وانغلاقاً عقلياً. وهذا هو
التطرف عندهم الذي اعتقدوا أنه جوهر الفكر الذي تتمحور حوله كل الجماعات
الإسلامية التي هي الآن وبناءً على هذا التصور جماعات متطرفة. [٧]
وطبقاً لتعريفات الكتاب اليهود عن التطرف فإن رجال الاجتماع في بلادنا
يرون أن الشاب الذي لا يقبل معتقداً غير الإسلام والذي يعتقد أن الإسلام صادق
صدقاً مطلقاً وأبدياً وأنه صالح لكل زمان ومكان وأنه لا مجال لمناقشته والبحث عن
أدلة تؤكده أو تنفيه، هذا الشاب الذي يرى أن المعرفة كلها بمختلف قضايا الكون لا
تُستمد إلا من عقيدة الإسلام والذي يدين كل عقيدة تخالف عقيدة الإسلام هو (شاب
متطرف) ! . ومن ثم كان الالتزام بالإسلام وتعاليمه تطرفاً لأنه - كما يرى سمير
نعيم - حنين إلى الماضي وعودة إلى الوراء، ومنحًى رجعي يجر العلاقات
الاجتماعية إلى أوضاع بالية لا تتناسب مع تقدم العصر. هذا هو الإسلام في نظر
رجال الاجتماع. [٨]
أما الحجاب (الذي شرعه الله تعالى) والنقاب واللحى والجلابيب القصيرة
(التي في بعضها اتقاء للفتنة والتزام بسنة رسول - الله ﷺ )
وكذلك منع الاختلاط والمناظرات بين الإسلام والنصرانية فهي عند - سمير نعيم -
مظاهر سلوكية تعبر عن التطرف [٩] . لكن التبرج وحلق اللحية وارتداء الأزياء
الأوربية بمختلف تقاليعها والاختلاط بين الرجال والنساء وسيادة النصرانية وعبادة
الصليب والتثليث على الإسلام فهي عين الاعتدال عنده.
أما أشد مقولات رجال الاجتماع إثارة للدهشة والاستغراب فهي وصفهم لشباب
الجماعات الإسلامية بأنهم يمثلون شخصيات مريضة وأنهم مرضى عقليون يعانون
من الجنون الدوري أو جنون الاضطهاد والعظمة على حد تعبيرات سمير نعيم. [١٠] ...
وتمسك هذا الشباب المتدين بتعاليم الإسلام المتعلقة بالمرأة - عند سمير نعيم - مرض عقلي يعاني أصحابه من أوهام حيوانية الرجل وشهوانيته تجاه المرأة
وأنهم - أي هذا الشباب - يشكُّون في أنفسهم وفي الآخرين، وأن نظرتهم إلى
المرأة تُسقط ما في أنفسهم من مشاعر شهوانية مكبوتة ومشاعر دونية وعدم ثقة
بالنفس. [١١] بهذه الأوصاف الحادة والعنيفة ذات الطابع الفرويدي شن - سمير
نعيم - هجومه الضاري على شباب الجماعات الإسلامية الذين يريدون أن يحفظوا
للمجتمع نقاءه وطهارته، وأن يقفوا في وجه تيارات خطف واغتصاب النساء وفساد
العلاقات بين الجنسين واعتبار المرأة سلعة للعرض والمشاهدة وإثارة المتعة على
الأصعدة كافة من المنزل إلى الشارع إلى الإعلام إلى المجتمع.
إذن ما هو البديل عند رجال الاجتماع في بلادنا إذا لم ينضم الشباب إلى
الجماعات الإسلامية؟ .
هذه هي اعترافات سمير نعيم ذاته عن هذا البديل. يقول سمير نعيم: من
ملاحظة الواقع الاجتماعي وما تنشره الصحف اليومية يتضح ما يأتي:
١- يلجأ البعض إلى الهجرة إلى الخارج هروباً من الضغوط الاقتصادية
والمشكلات الاجتماعية التي يعانونها، وهي بالطبع حلول فردية، ولكن من الثابت
أنها غير متاحة لجميع قطاعات الشباب، فالفقراء منهم عاجزون حتى عن ذلك الحل
الذي يتطلب اتصالات وعلاقات للحصول على عقد عمل في أحد الأقطار العربية
ونفقات سفر لا تتوافر للجميع، والبعض الآخر يظل يحلم بالهجرة كأمل زائف
لمواجهة مشكلاته.
٢- يلجأ البعض الآخر إلى ممارسة أعمال غير مشروعة كالاتجار في
المخدرات أو في العملة والرشوة والتهرب.. الخ.
٣- يلجأ فريق آخر إلى الجريمة التقليدية أو غير التقليدية حيث تنتشر
سرقات المساكن والسيارات والمحلات التجارية والنصب والاحتيال والاغتصاب
والاعتداء على الأراضي الزراعية وعلى أملاك الغير والدولة.. الخ.
٤- يتجه آخرون إلى إدمان المخدرات كحل هروبي انسحابي للمشكلات التي
يعانونها.
٥- يصاب البعض - عندما يعجز عن كل من الحلول المشروعة وغير
المشروعة نظراً إلى ما يتمتع به من قيم إيجابية قوية - بالاضطراب النفسي
والعقلي وبالتالي فإن المجتمع المصري يشهد تزايداً في هذه الأمراض. [١٢]
تُعنى السطور السابقة باعتراف سمير نعيم أن البديل لانضمام الشباب إلى
الجماعات الإسلامية هو الهجرة أو التفكير فيها أو ممارسة الأعمال غير المشروعة
كالاتجار في المخدرات أو العملة أو الرشوة والتهريب أو ممارسة الجريمة التقليدية
أو غير التقليدية أو إدمان للمخدرات.
ونقف قليلاً عند النقطة الخامسة التي تعتبر أيضاً من المقولات المثيرة للدهشة
والعجب، وهي القول بأن القيم الإيجابية القوية التي يتمتع بها الشباب يمكن أن
تؤدي بهم إلى الإصابة بالاضطراب النفسي والعقلي حيث يريد سمير نعيم هنا أن
يثبت أن شباب الجماعات الإسلامية الذي لم يلجأ إلى السلوكيات اللاسوية ولجأ إلى
الدين - مصاب باضطرابات نفسية وعقلية بسبب هذه القيم الإيجابية التي يتمسك
بها لأن رغبة هذا الشباب في العودة إلى نموذج المجتمع الفاضل باللجوء إلى الدين
ما هي إلا هروب من الواقع ورفض له وتعلق بأمل كاذب في الخلاص من
المشكلات التي يواجهها. [١٣]
الخطأ الفادح الذي وقع فيه سمير نعيم هنا - وهو ربطه بين التمسك بالقيم
الإيجابية والإصابة بالاضطرابات النفسية والعقلية طعناً في شباب الجماعات
الإسلامية - كشف وشهد به عن أن معلوماته في علم النفس وتشخيص الاختلالات
العقلية وقفت عند حدود الخمسمينيات. لم يطَّلع سمير نعيم على جهود جمعية الطب
النفسي الأمريكية (A. P. A) التي بدأت منذ عام ١٩٨٣ في محاولة طموحة
مثيرة الجدل للإسراع بتطوير علوم وتشخيصات الأمراض العقلية لإعادة تنقيح
كتيبها عن هذه الأمراض، وقد أثمرت هذه الجهود بإصدار كتيب جديد في عام
١٩٨٠ شارك في إعداده المئات من العلماء والمهنيين في ميدان الصحة العقلية.
ويعرف هذا الكتيب (بالوجيز التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية - الطبعة
الثالثة) ويشار إليه اختصاراً (D. S. M. ١١١) . ويعتبر هذا الكتيب تطوراً
عظيماً في حقل التصنيف والوصف العلمي لهذه الأمراض، وكان له أكبر الأثر في
علاج مختلف أنواع الاختلالات العقلية. الذي يهمنا في شأن هذا الكتيب - الذي لم
يتابع سمير نعيم مراحل تطوره فاتهمَّ شباب الجماعات الإسلامية بالتطرف
وبالاختلال العقلي - هو هذا الإسهام الذي اعتبره المختصون في هذا الميدان من
أعظم اكتشافاتهم وهو (الفصل بين الأمراض العقلية والسلوكيات) تلك التي جدد منها
الكتيب مباشرة وبوضوح (سلوكيات التطرف) التي يرى الكتيب أنها مشتقة من
المعايير المجتمعية وليست ناتجة بالضرورة عن الأمراض العقلية. [١٤] فماذا
عسى أن يقول سمير نعيم بعد ذلك؟ .
نسجل بعد ذلك على سمير نعيم شهادته واعترافه بأصالة القيم التي يحملها
شباب الجماعات الإسلامية، واعترافه أيضاً بأن التجاء هذا الشباب إلى الدين حماه
من الدمار الشامل الذي أصيب به غيره من الشباب:
أولاً: يعترف سمير نعيم بأنه بالرغم من أن شباب الجماعات الإسلامية يعيش
في مناطق تعاني من التخلف والفقر والحرمان من إشباع الحاجات الأساسية،
وبالرغم من انسداد طرق الهجرة أمامهم لصغر سنهم وقلة خبرتهم وعجزهم عن
توفير مصاريف السفر وعدم الحاجة إليهم في البلاد النفطية، وبالرغم من صعوبة
إمكانية حدوث أي تغيير في أوضاعهم وأوضاع أسرهم وقراهم، وبالرغم من أنهم
يخبرون الفقر والمعاناة طوال سِنِي حياتهم مع مشاهدتهم للتفاوت الهائل في حظوظ
البشر في مصر واختلال توزيع الثروة بها لصالح الأغلبية الميسورة، بالرغم من
كل ذلك فإن القيم التي يتمتع بها هذا الشباب منعته من الانخراط في الأعمال
الإجرامية وغير المشروعة واللاأخلاقية. [١٥]
هذا ويحاول سمير نعيم جاهداً أن يربط بين انضمام الشباب إلى الجماعات
الإسلامية وبين حالة الفقر والحرمان والمعاناة التي يواجهونها، ولما وجد أن
افتراضاته ستسقط بوجود شباب ينتمي إلى أسر ميسورة الحال من بين شباب
الجماعات الإسلامية فسر ذلك بقوله: (.. وفي رأينا أن هؤلاء جميعاً - مهما
ارتفعت دخولهم -فهم يعتبرون من ذوي الدخل المحدود (موظفي حكومة) ويعانون
أيضاً الإحباط بفعل التضخم وارتفاع الأسعار والتطلعات الطبقية والاستهلاكية
والتفاوت الاجتماعي الحاد) أي أنه أرجع انضمام هذا الشباب إلى الجماعات الإسلامية إلى تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما أبطلناه في الحلقة الماضية. لكنه اعترف هنا مؤكداً أصالة القيم التي يتمتع بها هذا الشباب فقال:
(.. وامتناعهم عن مسايرة دروب الفساد المختلفة كالرشوة والاختلاس.. الخ استناداً
إلى ما يتمتعون به من قيم أصيلة.) [١٦] .
ثانياً: اعترف سمير نعيم بأن الالتجاء إلى الدين كأسلوب لمواجهة المشكلات
الشخصية والمجتمعية دون غيره من الأساليب اللاسوية التي أشار إليها - هو حماية
من الدمار الشامل.. يقول سمير نعيم: (إن اللجوء إلى هذا الأسلوب لمواجهة
المشكلات الشخصية والمجتمعية دون غيره من الأساليب السابق ذكرها إنما هو -
في رأينا - وسيلة دفاعية لحماية الذات من الدمار الشامل وذلك باللجوء إلى
المخدرات أو الجريمة أو الجنون أو الفساد) . [١٧]
إلا أن عداء سمير نعيم للدين جعله يصور التسلح بالتعاليم الدينية مصيدة
دمار للشباب وللمجتمع [١٨] وجعله يرى أن المساجد تقوم بأدوار تضليلية. [١٩]
هذا وقد كشف رجال الاجتماع عن خشيتهم من أن يتسبب نمو وتعاظم التيار
الإسلامي في مصر إلى أن تتحول مصر إلى مجتمع يسوده الطابع الإسلامي،
خاصة بعد أن لاحظوا تأثر العاملين المصريين وأبنائهم في السعودية بهذا الطابع
الإسلامي الذي يحملونه معهم إلى مصر بعد عودتهم. هذا، وعبر رجال الاجتماع
عن عدائهم الصارخ لهذا الطابع الإسلامي على النحو التالي، يقول سمير نعيم:
(ومن اللافت للنظر حقاً المقابلة بين اتجاه حركة التيار الإسلامي المتطرف
أو حتى المعتدل في الفترتين، ففي الفترة الأولى تحركت هذه الجماعات وتلك
الاتجاهات إلى خارج مصر فهرب أعضاؤها أو لجأوا إلى أقطار عربية وبخاصة
السعودية فاتسمت تلك المرحلة بطرد هذه التيارات. وفي الفترة الثانية تحركت هذه
التيارات والجماعات من الخارج إلى الداخل فجاءت ومعها (أكثر التيارات رجعية
وتطرفاً من تلك المناطق العربية) إلى داخل مصر فاتسمت هذه المرحلة بالغزو
والتغلغل والجاذبية الداخلية) . [٢٠]
ويعتبر رجال الاجتماع أن الطابع الإسلامي طابع غريب عن المجتمع
المصري وليس أصيلاً فيه، ولهذا فهم يخشون من تأثير الطابع الإسلامي الذي
يحمله العائدون المصريون وأبناؤهم منها على الأسر والأبناء الذين لم يذهبوا أصلاً
إلى السعودية، فينتقل إليهم هذا الطابع عبر التداخل الأسري، وتقديم النماذج
السلوكية.
يقول سمير نعيم: (ومما لا شك فيه أن الآباء أنفسهم الذين يذهبون إلى
الأقطار العربية يعودون وقد تشبعوا هم أنفسهم باتجاهات دينية كانت غريبة عنهم
وعلى المجتمع المصري بما يتبع ذلك من نماذج سلوكية جديدة ولا تنعكس تأثيرات
ذلك على أسر المهاجرين وحدهم بل تمتد لتشمل أسر غير المهاجرين أيضاً. ومن
خلال ما يعقده أفراد الأسر الأخيرة من مقارنات بينهم وبين أفراد الأسر المهاجرة
وما يقدم أعضاؤها من نماذج اتفاقية وسلوكية من جهة ومن خلال التداخل الأسري
من جهة أخرى) . [٢١]
* يتبع *
стр. 926
شعر
إلى الحبيبة الغائبة
مصطفى بكري السيد
(١)
حبيبتي مشغولة بالحب والمحَار
حاضرة حاضرة بوجهها المُعار
منفيّة عن يومها وفجرها الجديد
مقهورة بوأْدها في عشها البعيد
(٢)
وكلما تدانت البروق والرعود
وأثقلت بغيمها وخصبها الموعود
وأوشك العشاق أن يجاوزوا الحدود
تسارعت معاول الظلام والوغود
وأُذبلت أحلامهم تذابل الورود
(٣)
حبيبتي تنافس الجمال والربيع
وترتدي لعرسها وحلمها البديع
... ... ... ملابس القِيَان والإماء
... ... ... وتترك الحرير والفراء
... ... ... معلقاً بمشجب الزمان
(٤)
... ... ... حبيبك المولّه المحزون
... ... ... يواجه الشكوك والظنون
تتابعت من عمره القرون
يعايش الهموم والصعاب
ويرقب النجوم والسحاب
ويرتجي من رحلة الغياب
أن يحتفي بعرسه وحلمه القديم
فوق تخوم المجد والهضاب
(٥)
حبيبك لن يسأم الوعود
حبيبك لن يهجر الوجود
سيقهر الوشاة والأُسود
وينثر الزهور والورود
لعرشك وعزك الموعود
стр. 927
في إشراقة آية
[وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ..]
يقرر المتخصصون في علوم الأحياء والسلوك ووظائف الأعضاء أنه - وفي
كثير من الأحياء - يفوق الإحساس بالألم جميع الأحاسيس الأخرى، مثل الإحساس
بالجوع والعطش والمتطلبات العضوية الأخرى.
بمعنى آخر، أن هذه الأحياء قد يوقفها الألم عن طلب ما تسد به جوعها
وعطشها حتى عند الضرورة، يقررون ذلك بناءً على عدد كبير من التجارب على
حيوانات مختلفة وحتى الإنسان. وعادة ما تتم هذه التجارب بوضع حاجز يسبب
ألماً شديداً للكائن الحي عند محاولة اجتيازها للوصول إلى الطعام والشراب. فقد
لوحظ أن كثيراً من هذه الأحياء تتردد كثيراً قبل اجتياز هذه الحواجز، وقسم كبير
منها أدى به الجوع والعطش إلى محاولة هجر المكان تخلصاً من هذا الضغط
العضوي، وعند الفشل بمغادرة المكان، قد يقرر الكائن الحي اجتياز الحاجز
وتحمل الألم في سبيل سد هذه الحاجة العضوية المهمة. في حين أن هناك قسماً من
الأحياء تصل به عدم القدرة على تحمل الألم إلى الموت.
نفهم من هذا السلوك أمراً مهماً هو أن أي مطلب أو حالة عضوية تؤدي
بالكائن الحي إلى تجاهل أو تحمل الإحساس بالألم فلابد وأن يكون ذلك المطلب أو
تلك الحالة العضوية من القوة بحيث تعطل، ولو مؤقتاً، أو تقلل - على أفضل
تقدير - إحساس الكائن الحي بالألم.
وفي تجربة شخصية على عدد من الأحياء البحرية، وُجد أنها تتوقف تماماً
عن تناول الغذاء في حالة حصول عطب شديد. أو لا عادي في الظروف المحيطة
بالأحياء. وقد يتوقف الكائن الحي عن القيام بعدد غير قليل من الوظائف العضوية
تؤدي به إلى الموت التدريجي إذا زاد العطب والفساد في المحيط من حوله.
ونظرة تفكر فيما تقدم وفي قوله - تعالى - يصف حالاً مشابهاً لحال الأحياء
التي تتجاوز مرحلة الإحساس بالألم للحصول على شيء أكثر أهمية، أو قل أكثر
إلحاحاُ، هو قوله - عز من قائل -: [فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ]
[يوسف: ٣١] ؛ إذ تشير الآية إلى واقع حال تجاوز فيه الإحساس بمطلب معين (وهو هنا الانبهار برؤية النبي يوسف ﵊) الإحساس بألم قطع اليد، هذا الألم الذي يعرف الجميع ضرورة شدته بسبب تركز خلايا الحس في هذا الجزء من الجسم. إذاً فقد أدى ذلك المؤثر إلى تعطيل إحساس النسوة بألم قطع السكين ولو جزئياً..
والواقعة - كما هي معروفة من القرآن في سورة يوسف - تخبر عن
مراودة امرأة العزيز لفتاها المملوك عن نفسه. تلك المراودة التي خطط لها أحسن
تخطيط وتحرز لها كل الحرز على أن تتم بدون علم بشر [وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ
هَيْتَ لَكَ] [٢٣] ولكن خبر المراودة والمحاولة انكشف بإرادة الله واطلع عليه مَن
اطلع داخل البيت وخارجه. فطار الخبر للخارج - من غير جهة يوسف عليه
السلام - بسرعة حتى أن نساء المدينة أصبحن يلُكن وينقلن الخبر في كل مكان
ومجلس [وقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ امْرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُباً]
[٣٠] ؛ حتى رجع الخبر إلى مصدره الأصلى الذي بُهت فيما يبدو من عظم ما
يُحاك من مكر في الخارج [فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ] [٣١] ، وكأن حال لسان نسوة
المدينة يقول إننا لا نجد لها عذراً؛ فهي مَن هي مركزاً ومقاماً وجاهاً، وأنه لابد
وأن يكون قد أصابها شيء إذ تفعل ذلك [إنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [٣٠] ، أي
أننا لنستقبح منها ذلك الفعل، فما كان من امرأة العزيز إلا أن صممت أن تجرب
بهن نفس السلاح الذى عطل عندها أو أفقدها الإحساس بكل القيم العليا. وفيما يبدو
من سياق الآيات الكريمة أن امرأة العزيز لم تزل قادرة على مراودة يوسف - عليه
السلام - والخلوة به مع علم زوجها، الذي كان قليل الغيرة أو عديمها، ولهذا لما
اطلع على مراودتها أول مرة قال [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ
كُنتِ مِنَ الخَاطِئِينَ] [٢٩] ، فلم يعاقبها ولم يفرق بينهما، وهو كان له دور في
تيسير دعوة يوسف للفاحشة من قبل نسوة المدينة. وكان أن كانت نتيجة التجربة
أنهن قطعن أيديهن بسبب الرغبة الجنسية التي فاقت إحساسهن بالألم، تلك الرغبة
الجماعية منهن جميعاً والتي بيَّنها يوسف ﵇ في قوله (تعالى) [وَإلاَّ
تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إلَيْهِنَّ] [٣٣] ، وقوله [ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ
النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ] [٥٠] ، فهن قد راودنه عن
نفسه لأنفسهن ولامرأة العزيز!
سبحان الله! ، إن رؤية الرجل الحسن مؤثر عظيم القوة عطل لدى المرأة
الإحساس بالطهر والعفاف وكل معايير إكرام المثوى وحسن الضيافة وحفظ الزوج
وحقوقه. هل يبقى شك بعد هذه الآيات بخطورة الاختلاط وعدم غض البصر؟ هل
يبقى بعد هذا تساؤل عن المقصود من قوله - تعالى -: [وقُل لِّلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ
مِنْ أَبْصَارِهِنَّ] [النور: ٣١] ، أو قوله [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ]
[النور: ٣٠] ، أو قوله - عز من قائل عليم -: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ...
وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ]
[الأحزاب: ٥٩] .
ومن فوائد هذه الآيات من سورة يوسف أن الله - تعالى - يروي للأمة
تفاصيل قصة حصلت في السر أو هكذا خُطط لها بصورة فردية أعقبها فتنة عظيمة
على مستوى نساء المدينة وبصورة علنية وعامة. وقد بلغت السرية كمالها عند
إغلاق الأبواب والتي كانت سبعة أبواب (القرطبي) ، حيث الإرادة أن يتم المنكر
معها وحدها، لكن إرادة الله شاءت أن يطلع على ذلك الشهود وزوجها ونساء المدينة
وكأنه - تعالى - أراد لهذا الدرس عنواناً آخر هو أن مَن يهتك الستر الذي بينه
وبين الله يهتك الله السر الذي بينه وبين الناس وأن من يتقِ الله يجعل له مخرجاً.
هذا ليعلم أن الفتنة والمكر قد يبدأ بصورة فردية أو حالة سرية هنا وأخرى
هناك أو تساهل في مسألة ومسامحة في أخرى، ولكن شر الفتنة لابد أن يعم
المجتمع جُله إما بصورته المباشرة، كما هو في كثير من المجتمعات متمثلة بانتشار
الأمراض التي يعم شرها الصالح والطالح، ذلك إذا لم يؤخذ على يد الفتنة والمكر
من أوله وحال حدوثه، والضابط في ذلك كله الشرع الإسلامي.
ومن الفوائد الأخرى ملاحظة خطورة إهمال البيوت والمجتمعات مما يجلبه
الاختلاط والسفور والتبرج من فتن يمكن أن تعصف بالمجتمعات المسلمة، فإنه من
باب تشابه الميول والطبع بين النساء كما فطرهن الخالق كذلك، فإن ترك باب
الاختلاط والفتنة مفتوحاً على مصراعيه وإهمال الضوابط الشرعية في ذلك سيكون
له - كما كان الحال مع امرأة العزيز - ردود فعل قد لا يسلم منها كثير من نساء
ورجال المجتمع المسلم مما يودي إلى انتشار ما لا يحمد عقباه من أمور تضيع الدين
وتخل ببنيان وحدات بناء المجتمع.
وكطباع الصالحين الذين وقاهم الله السيئات، فإن يوسف ﵇
عندما تعرض للفتنة، فإنه اندفع ليهجر مكان الفتنة لينجو بدينه وعفته. ونستفيد من
ذلك درساً عظيماً هو أن هجر المكان الذي يشاع ويظهر فيه الفساد - خصوصاً عند
عدم القدرة على ردها أو اصلاحها أو إنكارها عملياً - قد يكون واجباً بحق الكثير
منا. على أن هجر المنكر وداره ليس دائماً مستطاعاً للجميع؛ فإن الطواغيت غالباً
ما تلجأ إلى سد المنافذ [قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ] [٢٥] .
أليس هذا ما يعمله طواغيت اليوم بالصالحين من سد منافذ الهجرة وفتح أبواب
السجون وسد الأفواه والعيون بالأموال والآمال. وأما مَن لم يستبق الباب - وهو
قادر على ذلك ورضي أن يكون في مكان السوء والفحشاء واطمئن من غير أن
يحرك ساكناً وهو قادر على ذلك - فأخشى أن يكون ممن قال فيهم خالقهم [إِنَّ
الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ
قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ
مَصِيرًا] [النساء: ٩٧] . ولكن حسبنا الله، فحتى من يملك القوة على الهجرة قد سد الطغاة في الأماكن الأخرى أبواب أرض الله الواسعة فسُقط في أيدي الكثير من الصالحين وإلله المستعان.
ثم إن أساليب الطغاة تتجدد ولا تتبدل. فإن نبي الله يوسف ﵇
لما أنجاه الله من الفتنة الأولى وأظهر طهره وبراءته نصبوا له فخاً آخر أشد قوة
ومعه التهديد بأن يكون من الصاغرين، فما كان منه ﵇ إلا أن قدم
نفسه للسجن [رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ] [٣٣] . وكانت له المكافأة
هناك في السجن حيث قيض الله - تعالى - له جواً مناسباً للدعوة وإيصال دين الله
لمن لم يمكن له - لولا السجن - طريقاً للوصول إليه. ذلك ليعلم طواغيت اليوم أن
تكميم أفواه الدعاة أمر مستحيل حتى داخل الزنزانات والحديد. ولنا في أئمة
الإسلام - بعد رسل الله - أسوة حسنة.
وعودة إلى نبي الله يوسف نلاحظ أنه ﵊ قد حقق كل
مراحل الهجرة، فقد هجر الكفر [إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهُم بِالآخِرَةِ
هُمْ كَافِرُونَ] [٣٧] وهجر الكبائر [قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ] [٢٣] وهجر الصغائر [قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهُوَ
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] [٩٢] .
وفائدة عظيمة أخرى أن وعد الله متحقق بأن يجعل لمن يتقيه رزقاً من حيث
لا يحتسب؛ فهذه براءة يوسف ﵇ تأتي من عدة وجوه وطرق:
فيشهد له خالقه أولاً أنه من عباده المخلَصين وأنه صرف عنه السوء، ويشهد شاهد
من أهلها، وتشهد نسوة المدينة، ويشهد الملك فيما بعد وفيما قبل، ثم هي تشهد
ببراءة ونزاهة نبي الله. فقد سخر الله هذه الجنود لتقدم دليلاً تلو الآخر على حفظ
الله لنبيه وعباده الصالحين عموماً [ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ] [المدثر: ٣١] ،
ذلك إذا علم الله منهم صدق القلوب ثم كان التمكين في الأرض لدين الله وعباده وهي
الجائزة التي يرجوها كل مَن يشري مرضاة الله.
стр. 928
أخلاق
أثر العقيدة في توجيه السلوك والأخلاق
محمد الناصر
إن الإيمان الصادق يصنع الأعاجيب، فمتى استقر في القلب ظهرت آثاره
واضحة في المعاملة والسلوك.
(والإسلام عقيدة متحركة لا تطيق السلبية؛ إذ إنها بمجرد تحققها في عالم
الشعور، تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج وتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في
عالم الواقع) . [١]
والمسلم إذا تمكنت العقيدة من نفسه تبرأ من المشركين وما هم عليه من عقائد
وأفعال وسلوك، وإذ تخرّج على التربية الإيمانية نموذج فريد من الرعيل الأول،
كانوا قمماً شامخة؛ ارتفعوا فوق جواذب الجاهلية ومفاتن الدنيا وما فيها من مغريات.
وسارت الأجيال المسلمة تنهل من التربية المثلى التي غرسها رسول الله -
ﷺ ومن الأخلاق الفاضلة التي لم تتغير من فرد إلى فرد، ولا
من مجتمع إلى آخر بل هي قيم ثابتة تزداد ثباتاً كلما مرت الإنسانية في تجاربها
خلال هذه الحياة.
وهي أخلاق متكاملة تحتضن جميع الفضائل والأعمال الخيرة لصالح الفرد
والمجتمع وني جميع لا الميادين. [٢]
وقد يتساءل البعض قائلاً:
ما علاقة العقيدة بالأخلاق؟ ألا يمكن أن يكون للناس أخلاق طيبة بلا عقيدة؟ ! نعم، قد يوجد أخلاق عالية مُثلى كانت عند عرب الجاهلية وعند المجتمعات
غير المسلمة أحياناً ولكن هذا سببه أن النفس تحتجز رصيدها الخلْقي بحكم العادة
والتقليد أمداً طويلاً، بعد أن تكون قد فقدت الإيمان كجزء من العقيدة؟ .. وقد
تحتجزه فترة على وعي منفصلاً عن العقيدة، على أنه شيء ينبغي في ذاته أن يقوم.
ولكن النتيجة الحتمية واحدة في النهاية..
إنه ما دامت العقيدة قد انحرفت فلا بد أن تنحرف الأخلاق أخيراً وما دامت
الأخلاق قد انفصلت عن العقيدة فلا بد أن تموت. وإن هؤلاء المخدوعين - حسبوا
بتأثير الجاهلية - أن التصورات قد تنحرف ثم يستقيم السلوك.
إن هذا وهم من أوهام الجاهلية، لأن هؤلاء الناس قد ضُلّلوا عن حقيقة الشر
الذي يعيشون فيه.. وأن الحياة البشرية ذاتها مهددة بالدمار من ضخامة هذا الشر
وعنفوانه ومن ضخامة تمكُّنه من الحياة الواقعية للناس. [٣]
وغاية المسلم الأساسية في أخلاقه، أن يحقق مرضاة ربه، ذلك أن هدف
المؤمن الأول من أعماله كلها هو ابتغاء وجه الله - جل وعلا - فقد أمره - سبحانه
وتعالى - بذلك، وعده بالجزاء الأوفى على أعماله الخيرة يوم القيامة.
قال-تعالى-: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً
يَرَهُ] [الزلزلة: ٧-٨] .
كما أن المسلم يحقق سعادته في الدنيا؛ يقول - تعالى -: [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ
آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً] [النور: ٥٥] .
فالسرور ثمرة عملية لمن يتحلى بالأخلاق الفاضلة، والطمأنينة القلبية
والشعور بخيرية الذات وخيرية المصير من ثمرات الانسجام بين الإيمان والأخلاق
وذلك نتيجة طبيعية؛ لأن الإنسان عندما يتصرف بمقتضى عقيدته - فيؤدي
الواجبات كما ينبغي أداؤها ويتجنب المحرمات - يشعر بأنه إنسان خيِّر قوي الإرادة.
ومن يقرأ للملاحدة والكتاب الوجوديين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، يعلم مدى ما يعانون من الاضطراب النفسي والقلق والحيرة في أعماقي قلوبهم.
ذلك أن في طبيعة الحياة الإنسانية جانباً لا يُملأ إلا بالإحسان.. وكثيراً ما
يدفع القلق هؤلاء الحيارى إلى محاولات الانتحار. [٤]
وإذا تفحصنا العلاقات الاجتماعية في حياتنا المعاصرة نجد أن الاضطراب في
السلوك هو الظاهرة السائدة، وأن الابتعاد عن الاستقامة مما تعج به أكثر المجتمعات
الحديثة، وهذا دليل واضح ومؤشر قوي على ابتعاد الناس - حتى كثير من
المسلمين - عن صفاء عقيدتهم المؤثرة والتزامهم المنضبط بتوجيهاتها.
سوء الخلق دليل على ضعف الإيمان:
ربط الإسلام بين الإيمان والسلوك ربطاً قوياً، ونلاحظ ذلك في نصوص
كثيرة مثبتة في الكتاب والسنة.
ومن ذلك قوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» [٥]
وقوله - صلى الله عليه ومسلم -: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً» . [٦]
إن قرن الإيمان بحسن الخلق، والسلوك الرفيع أمر يلفت النظر إلا أن كثيراً
من المسلمين يهملون هذا الجانب أيامنا هذه مع الأسف الشديد.
فبينما كان المسلمون الأوائل إذا سمعوا آية فيها تكليف سارعوا إلى تطبيقه،
وإذا نزل تحريم لأمر انتهوا عند ذلك من صدق الإيمان وصلابة العقيدة..
وقد عرفنا من كتب السيرة في قضية تحريم الخمر، كيف أسرع المؤمنون
إلى إراقة الخمور في شوارع المدينة المنورة.
وهنا سؤال مهم يطرح نفسه: وهو إذا كان للعقيدة هذا الدور الفعال في توجيه
السلوك. فلماذا لا نرى ذلك الأثر في واقع المسلمين الآن؟ !
إننا نجد البون شاسعاً بين ما يدّعون من عقيدة وبين ما يسلكون ويتصرفون به
في المعاملات والسلوك.
والحقيقة: أن الدعوى شيء والإيمان الحقيقي شيء آخر؛ إذ إن الإيمان
حقيقة وكل حقيقة لها علامة، وعلامة الإيمان العمل به، وإذا دخل الإيمان القلوب، واستقر فيها نبضت بالحيوية، ودفعت النفوس إلى العمل بموجبها..
وهؤلاء ممن [يَقُولُونَ بَأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ] [آل عمران: ١٦٧] ؛
لأن معيار صدق الإيمان هو العمل الصالح، والإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه
العمل، والاعتقاد الصحيح يدفع إلى السلوك الطيب. [٧]
إن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان، أو فقدانه، فالرجل المعوج
السلوك، الذي يقترف الرذائل غير آبه لأحد [٨] يصف الرسول - صلى الله عليه
وسلم - حاله بأنه بعيد عن الإيمان بعيد عن الحياء، يقول ﵊: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال:
الذي لا يأمن جاره بوائقه» [٩] ويقول ﷺ تقريراً لهذه
المبادئ الواضحة في صلة الإيمان بالخلق القويم: «ثلاث من كن فيه فهو منافق،
وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال: إني مسلم! ، إذا حدث كذب، وإذا وعد
أخلف، وإذا أؤتمن خان» رواه مسلم.
لقد أصبحت الشكوى مريرة لما أصاب الناس في العصور المتأخرة من انهيار
في الأخلاق، واضطراب في الموازين، فالجار يشكو جاره، والأمانة ضاعت بين
الناس، والمراوغة راجت سوقها، والتعلق بمتاع الدنيا فاق كل القيم عند كثير من
البشر، وإنه لخطر عظيم ينذر بالشرور والفوضى، وإن ذلك لدلالة واضحة على
فساد التصور وضعف الإيمان، فظهر بسبب ذلك انفصام نكد وازدواجية بين مفهوم
الإيمان ومقتضياته.
ومن هنا يلزم الدعاة والمربين أن يتنبهوا لهذا الخطر، وأن يبينوا للناس
حقيقة ما هم فيه، وأن الإيمان الصادق لا يعني حفظ بعض المتون في العقيدة أو
حتى تعلُّمها إذا لم يتمثل المرء أخلاقياتها..
لابد من تمثل العقيدة وتشرُّبها، وأن تتحول إلى واقع عملي في الحياة
والتعامل بين الأنام.. تأسياً بأصحاب رسول الله ﷺ الذين
تحولوا إلى نماذج فريدة سلوكاً وإخلاصاً وطهراً.
стр. 929
خواطر في الدعوة
مَن لهذه المنابر؟
محمد العبدة
رغم الأهمية البالغة لخطبة الجمعة والتي يحضرها المسلمون أسبوعياً، في
أعداد لا تجتمع في غير هذه المناسبة، بل يتمنى أعداء الإسلام جمع عُشر مثل هذا
العدد لينفثوا أباطيلهم، رغم هذا فإنها لم تُعْطَ العناية الكافية من الدعاة: ما هو
الأسلوب الأمثل في مخاطبة الناس؟ ما هي المواضيع المناسبة؟ وكيف نرقى
بالناس إلى فهم دينهم فهماً واعياً؟ كيف نقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً؟ كيف نعالج
مشكلات حياتهم؟ كل هذا يجب أن يبحث ويكتب فيه، فإن غالب الخطباء إما أن
يتكلم بعواطف فائرة دون تبليغ فكرة أو معالجة مشكلة معينة، أو تكون خطبة هادئة
جداً تصل إلى درجة البرود، ومع ذلك فإن هذا الصنف يفتقر غالباً إلى المادة
العلمية القوية.
ومن الظواهر الجلية في الدعوة الإسلامية في هذا العصر أن الخطباء الذين
يملكون الحنجرة القوية والكلمات الطنانة الفضفاضة، استطاعوا صياغة شخصيات
كثير من أصحاب النوايا الطيبة في العمل للإسلام، وكثير من الشباب المتحمس
للدعوة. فأصبحت جموع كثيرة لا تحب التفكير الهادئ المتزن ولا تحب التعمق في
فهم المشاكل والصعوبات، ويكفيها أن تعيش على أحلام الخطب الحماسية التي
تشبع رغبتها.
نحن لا ننقص من قدر العاطفة وأهمية حشد الجماهير؛ فالرسول - صلى الله
عليه وسلم - عندما كان يخطب وكأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم مسَّاكم، ولكننا
نريد الجمع بين هذه الحماسة وبين تقديم العلم النافع والفكرة الصحيحة، حتى يجتمع
لنا رأي عام بين صفوف المسلمين يؤيد الدعوة ويحبها ويدافع عنها، نريد الخطيب
المفكر والخطيب المؤثر، نريد الذي يجتمع عنده أصناف الناس من متعلم وعالٍ
وعامي، والكل يرجع وقد استفاد من موعظة قلبية أو فكرة هادفة.
أليس عجيباً أنك إذا زرت مدينة عربية لا تجد في كل المدينة إلا الخطيب أو
الخطيبين، ممن يجتمع علية الناس؟ وتجمع خطبه بين العلم والعاطفة والتأثير
القوي؟ .
هلاّ اعتبرنا بقول أحد زعماء الأحزاب التي تحارب الإسلام في بلادنا: (آه
لو عندي مثل هذه المنابر) ؟ !
стр. 930
تراث
تعددت الأساليب.. والعبث واحد !
محمد عبد الله آل شاكر
(١)
لا يزال الكلام موصولاً بما سبق في العددين السابقين عن بعض ألوان العبث
بتراثنا. وإن مما يتصل بالتصرف في النصوص المحققة ونشرها، أن تجد ذلك
مقروناً بخيانة الأمانة وسرقة جهود الناشرين والمحققين السابقين، حيث يقوم ناشر
جديد فيطبع بعض الكتب القديمة بطريقة التصوير عن الطبعة الأصلية ويحذف من
الصورة اسم الناشر الأول أو المحقق أو اسم كليهما، وقد بذل كل منهما جهداً كبيراً
في الحصول على الأصول الخطية التي طبع عنها الكتاب، ثم قام بمقابلة
مخطوطاته وضبط الكتاب وتفصيله.
وهذه الطريقة تضيع حقوق الآخرين وتنكر جهدهم، فيُنسى فضلهم الذي
سرقه المتاجرون بكتب العلم، الذين يأكلون حقوق الناس ظلماً فيجعلونه باباً من
أبواب الرزق الحرام، ولكن الأثر يكون أكثر أهمية بالنسبة لتوثيق النصوص عند
الباحثين والمعنيين بحركة النشر ومتابعتها..
وأنت واجد أمثلة كثيرة لهذا اللون من التزوير؛ فقد كان الأستاذ حسام الدين
القدسي ﵀ -وقف جهده وعلمه ومكتبته، التي أنشأها في القاهرة بعد
هجرته من بلاد الشام، على تحقيق وطباعة كثير من الكتب الأمهات، في الحديث
وعلومه، وفي اللغة والتاريخ والتراجم.. وتوفي القدسي، ثم جاء تجار الكتب في
بيروت ليعيدوا طباعة كتبه سرقة، وضنوا على صاحب الجهد الأول بإثبات اسمه
أو اسم مكتبته على الكتاب، فأصبحت تجد (مجمع الزوائد) للهيثمي - بأجزائه
العشرة - وتحت عنوانه: (منشورات دار الكتاب العربي - بيروت جميع الحقوق
محفوظة..) .
وبالطبع الحقوق محفوظة لغير أصحابها، أي للسارقين! درن اي إشارة إلى
عمل القدسي حتى المقدمة التي قدم بها للكتاب، وفيها وصف المخطوطة ليس فيها
اسمه.
والحال نفسه بالنسبة لكتاب (شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب) لابن عماد
الحنبلي - الذي طبعه القدسي أيضاً - وسرقته (دار إحياء الكتاب العربي في
بيروت) بطبعات متوالية، ولم تكن (دار الكتب العلمية) أقل حظاً من غيرها في
التزوير والادعاء، فهي تعيد طبع الكتاب وعلى صفحته الداخلية تحت العنوان تجد
هذه العبارة من الطبعة السابقة وفيها إيهام للقارئ، تقول مثلاً: (عن نسخة دار
الكتب المصرية العامرة، مع إتمامها ومقابلة بعضها بنسخة كوبريلي محمد باشا
بالأستانة) وهو ما تجده في كتاب (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء) لابن
عبد البر الذي نشره القدسي سابقاً؛ فتظن أن دار الكتب العلمية أو صاحبها أو لجنة
التحقيق فيها - قد قامت بجمع النسخ ومقابلتها حتى أخرجت الكتاب مقابلاً مصححاً
ومفهرساً أيضاً!
وهكذا الحال أيضاً مع كتب الخانجي والحلبي والساسي المغربي، التي طُبعت
أولاً في مصر ثم عثر عليها الآخرون من الناشرين الجدد! .
(٢)
وإن كان بعض الناشرين (السارقين) يبقون على اسم المحقق، لصعوبة إخفائه، نظراً لطبيعة العمل الذي فيه وعدم تصديق أحد أن الناشر الجديد يمكن أن يقوم بما ليس من شأنه؛ فإنهم يحذفون اسم الناشر الأول أو اسم المطبعة فحسب، أشرت إلى أن هذا له أثره في عملية التوثيق، فقد أخرج المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كتباً كثيرة منها (موطأ الإمام مالك، رواية محمد بن الحسن) تعليق وتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. ثم أعادت طبعه بالتصوير المكتبة العلمية، مع حذف اسم المجلس فأصبح الكتاب يُعرف بطبعة (المكتبة العلمية) ! .
وبهذا الأسلوب نفسه طبع (تفسير الطبري) بتحقيق محمود شاكر وتخريج
أحمد شاكر، الذي أخرجته دار المعارف بالقاهرة، وصدر الجزء الأول منه عام
١٣٧٤ هـ، وتوقف المشروع عند المجلد الخامس عشر هذا الكتاب نشرته منذ
عامين في القاهرة نفسها (على عينك يا تاجر!) مكتبة ابن تيمية (رحمة الله
على ابن تيمية) مع حذف اسم الدار وإضافة عبارة (الناشر: مكتبة ابن تيمية)
وبذلك انتهى دور دار المعارف مشكورة غير مأزورة.
وليس هذا كل ما تجده من أمثلة، ولكن حسبنا هذه الإشارة التي تغني عن
الإطالة، وإلا فإن الأمر تجاوز الحد وعجزنا عن الحصر، لنأخذ لوناً آخر من
العبث الذي لا يجوز السكوت عليه بحال.
(٣)
يزداد الضرر أكثر عندما يقوم ناشر جديد، أو محقق تاجر، على طبع كتاب
قديم بنصه وفصه، مع حذف مقدمة التحقيق السابقة والإبقاء على الكتاب كما نشره
المحقق الأول، كما تجد في كتاب (إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال
والحفدة والمتاع) للمقريزي - الجزء الأول - الذي صححه وشرحه الشيخ أحمد شاكر، ونشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، وفي صدره مقدمة للشيخ شاكر ثم كلمة لرئيس لجنة النشر.
هذا الكتاب أعيد تصويره على نفقة إدارة الشؤون الدينية بدولة قطر، وعلى
غلافه عبارة: (عُني بنشره وطبعه: خادم العلم عبد الله إبراهيم الأنصاري) .
واستبدل مقدمته بمقدمة الشيخ شاكر - وليته لم يفعل - فأضاع على القارئ والباحث
فائدة كبرى، يجنيها من معرفة أصل الكتاب والقسم الموجود فيه وطريقة عمل
المحقق وجهده وما نبه عليه في مقدمته. وإن كان له فضل يشكر عليه في إشاعة
الكتاب ﵀ .
وقد يتجاوز بعضهم كثيراً، فيسرق الكتاب مع حذف اسم المحقق والناشر
والإبقاء على تعليقات وشرح الكتاب بنصها؛ فقد طبع الشيخ منير الدمشقي كتاب
(تجريد التوحيد المفيد) للمقريزي وعلق عليه الشيخ طه الزيني، وأعادت طبعه مكتبة القاهرة، حتى جاءت (مكتبة السلام) فأعادت طبع الكتاب مع جل التعليقات والتخريجات وحذفت اسم (طه الزيني) مما يوهم أن العمل في الكتاب- تعليقاً وشرحاً- إنما هو للناشر الجديد.
(٤)
وقد يلجأ بعضهم إلى طريقة أخرى، يتظاهر فيها بالظرافة (فإن اللص
الظريف لا تقطع يده، كما يقولون) فيعمدون إلى إعادة تنضيد حروف الكتاب
المحقق دون الحواشي أو الشروح، فراراً من المساءلة والملاحقة؛ لأن الحقوق
محفوظة. وعندئذ يقع في أخطاء كثيرة فاحشة، تفسد المعنى وتغير الأحكام؛ إذ
يحتاج الكتاب إلى تصحيح دقيق من صاحبه أو من لجنة تصحيح، وهذه الكتب
المسروقة - وخاصة المراجع الكبيرة - من ذا الذي يقوم ويجاهد في تصحيحها؟ !
فلو سقط حرف نفي مثلاً من العبارة أخل بالمعنى وجعل الحلال حراماً، فمثلاً
(ولا يجوز بيع مطعوم، مكيل أو موزون، بجنسه إلا مثلاً بمثل) فسقط حرف
النفي أو أداة الاستثناء.. هل تجد الكلام مستقيماً من الناحية الشرعية؟ .
وتعظم هذه المصيبة عندما ينتشر الكتاب بين أيدي الطلبة والمتفقهين الذين
يتلقون علمهم عن الأوراق دون معلم، ويقتنون هذه الكتب بأخطائها. وتجد أمثلة
على هذا في كتاب (الكافي) لابن عبد البر، وفي (منار السبيل) الذي طبعته
مكتبة المعارف بالرياض بأخطاء كثيرة، وفي كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير،
أو (تفسير القرطبي) الذي لم يصور عن طبعة دار الكتب وإنما أعيد طبعه بشكل
جديد في بيروت.
(٥)
ويتشبع بعضهم بما لا يملك، فيلبس أثواباً من زور، وينسب لنفسه محمدة
ليست له، صراحة أو ضمناً ويندرج عمله تحت عموم قوله - تعالى -: [لا
تَحْسَبَنَّ الَذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ويُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ
مِّنَ العَذَابِ] [آل عمران: ١٨٨] .
للحافظ ابن الجوزي كتاب (القواعد في الفقه الإسلامي) عثني فيه بجمع
القواعد الفقهية العامة، وما بني عليها من الفروع الفقهية وهو كتاب قيم نفيس.
وحتى يتم الانتفاع به بسهولة ينبغي وضع فهرس له يجمع مسائله مرتبة مبوبة وقد
فعل ذلك الشيخ (جلال الدين نصر الله الحنبلي البغدادي) ، فصنع له فهرساً جمع
فيه مسائل الكتاب مرتباً لها على أبواب الفقه، حسب تشكل المسائل ومناسبة بعضها
لبعض، لا على ترتيب المؤلف، فصار الكتاب أداة طيبة تكشف للباحث سريعاً
عما يريد. (انظر: الأموال ونظرية العقد، د. محمد يوسف موسى، ص٥٨) .
وقد طُبع الكتاب بمصر طبعة جديدة عام ١٣٩٢ هـ مكتبة الكليات الأزهرية
ومكتوب على جلده: راجعه وقدم له وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد - ولا
يعنينا الآن التعليقات المزعومة -! وهذا الأمر يوحي بأن المحقق المعلق المراجع
هو الذي صنع الفهرست الذي أُلحق بآخر الكتاب، كما اعتاده المحققون والمعلقون،
ولكن كل من عرف الشيخ طه وعمله في كتبه الأخرى أدرك الحقيقة وعرفها.
وأما الطريقة الظريفة أكثر فهي: أن يأتي أحدهم لكتاب محقق فيقرن اسمه مع
اسم المحقق ثم يزاحمه حتى ينفرد وحده بالكتاب - اسماً - تحقيقاً ونشراً.
منذ عشر سنوات - في ١٤٠١ هـ - قرأت إعلاناً نشرته (مكتبة النهضة
الحديثة بمكة) على بعض كتبها، تقول فيه: (ترقبوا صدور (المتجر الرابح في
ثواب العمل الصالح) تأليف الحافظ الدمياطي (توفي سنة ٦١٣هـ) ، كتاب قيّم مفيد،
يطبع لأول مرة عن نسخة مكتبة الأزهر المخطوطة. حققه وأشرف على طبعه
جماعة من العلماء) انتهى الإعلان.
وكان الشيخ رضوان محمد رضوان قد طبع الكتاب هذا في القاهرة منذ حوالي
نصف قرن (وكان وكيلاً للجنة إحياء المعارف النعمانية بمصر، ويقيم في حي
السيدة زينب بالقاهرة، وقد اهتديت إلى منزل إقامته منذ سنوات وعلمت بوفاته
﵀ ، وصدر الكتاب عن مكتبة النهضة عام ١٤٠٣ هـ بمجلد ضخم، وعلى جلده عبارة: (قرأه وأمر بطبعه عبد الملك بن دهيش - ابتغاء مرضاة الله) دون اسم رضوان محمد رضوان، إلا أنه نسي أن يحذفه من آخر صفحة في الكتاب، ففيها: (بلغ مقابلة على نسخة رواق الأتراك بالأزهر الشريف..) ثم تحتها (رضوان) . (وهذا فسَّر جماعة من العلماء.. وبقي دليلاً على الصدق) .
ولم تنتهِ القصة بعدُ؛ فإليك تمامها:
صدر الكتاب بطبعة تالية مكتوب عليها: (نسخه وضبطه وقابله: عبد الملك
ابن عبد الله بن دهيش، ورضوان محمد رضوان - من علماء الأزهر الشريف)
(سبحان مَن يحيي الأموات! يبدو أن رضوان قد أعاده الله - تعالى - حتى ينسخ
ويحقق مع الشيخ من علماء الأزهر! - وكلمة (يحقق) هذه من عندنا) .
وتحمل الأيام لنا طبعة أخرى أيضاً من الكتاب نفسه بشكله السابق - تصويراً
أنيقاً - وعليه هذه العبارة: (تحقيق عبد الملك بن دهيش - ومحمد رضوان) (يبدو
أن رضوان لم يحسن عمله فاستعان الشيخ بأبيه محمد) ، وتحت ذلك: (مكتبة
النهضة..) وفي الداخل: (الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ، طبعة منقحة وتمتاز بزيادات مفيدة، وفيها مقدمة، في صفحة واحدة، كتبها الفقير إلى عفو ربه عبد الملك بن عبد الله بن دهيش) وعلى الغلاف: (الناشر عبد الملك بن دهيش) .
هذه خطوات متدرجة على طريقة سياسة الخطوة خطوة [ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ] [الأنعام: ١٤٢] ، فما أدري ما دلالة هذا التصرف بهذا الترتيب وهذه
المراحل المتدرجة في العبث؟ وهل يثير ذلك في ذهن القارئ شيئاً؟ !
وعلى كل حال: ليست هذه آخر الملاحظات، فلا يزال هناك أمور أكثر
خطورة، والله المستعان.
стр. 931
الإنسان بين العبادة والحضارة
د. نعمان عبد الرزَّاق السَّامَرَّائي
حضرت ندوة حول (المشاكل التربوية) في عالمنا المعاصر، وقد وجدت
الانقسام واضحاً، فهذا يركز على الفرد، وذاك على المدرسة، وثالث على الإعلام، ورابع على الوضع السياسي، وخامس على الاستعمار، وسادس على الشيطان ...
كما وجدت البعض يقول بأن الحل معرفة العلوم الشرعية، وينادي آخر بتعلم
العلوم كافة وهكذا.
وأريد أن أطرح سؤالاً ثم أنطلق منه؛ إذ من المعروف أن الإنسان (مخلوق
ثقافي غائي) ، فهو منذ نعومة أظفاره يتساءل لماذا نفضل كذا؟ لماذا نترك كذا؟ .
والسؤال: لماذا خُلق الإنسان؟
١- هل صحيح ما قاله (ماركس) إن المبدأ الذي يحكم جميع العلاقات بين
البشر هو إنتاج الوسائل التي يحددون حياتهم، وبعد ذلك يأتى تبادل ما أنتجوا،
وأن الإنسان يعيش أولاً ثم يفكر بعد ذلك. والذي أريده (تحديداً) هل هذه النظرية ...
كاشفة لواقع أم مقررة لحقيقة ابتداءً؟ ؟
بمعنى آخر: هل نظر ماركس للإنسان في الغرب فوجده كذلك، أم هي حقيقة
توصِّل إليها عن طريق البحث والاستقصاء؟
والأمر الآخر: لنفرض أن الإنسان إذا جاع أو عطش استبد به ذلك بحيث
صار كل همه أن يصل إلى الطعام أو الشراب، ولكن بعد أن يأكل أو يشرب ماذا
يفعل؟
هل يبحث عن قضايا واهتمامات جديدة أم يبقى محصوراً في دائرة (الإنتاج ...
وتبادل ما أنتج) ؟ ...
في العالم الرأسمالي الذي رآه - (ماركس) وعايشه - كان الإنسان والدولة ...
والمجتمع إلى حد كبير مشغولاً بالإنتاج وتوزيعه، حتى قال نيتشه: (اجمع اجمع ...
ذلكم هو الشريعة والقانون) أي اجمع المال فذلكم هو الهدف، من هنا صار (رأس ...
المال) ديناً جديداً، حتى قال برنارد شو الفيلسوف الساخر: (إن الشعب البريطاني ...
يعبد الله يوماً في الأسبوع) ويعبد (بنك باركليز) ستة أيام! .
ومن هنا جاءت قناعة (ماركس) ، فهي مأخوذة من الواقع متأثرة به، ولكن
تلاميذ (بني التلمود) ينكرون ذلك ويعطون أفكار الرجل الشمولية، علماً بأن
ماركس يرى أن الواقع ينطبع في ذهن الإنسان فتتحول الفكرة إلى مجرد صدى
للواقع ليس إلا، وهكذا كانت أفكار ماركس صدى لما رآه وعاشه من تكالب
استعماري وتطاحن حول ثروات الشعوب ونهبها.
٢- هل نذهب مع سارتر فيلسوف الوجودية في عبثيته إذ يقول: (إنهم
يكتشفون في وقت واحد، أن كل الأفعال الإنسانية سواء - وأنها بحتمية مبدئية -
محكوم عليها بالفشل ... وهكذا يستوي آخر الأمر أن أثمل بالشراب في وحدتي أو
أن أقود الشعوب) .
أما صاحبته (سيمون دوبوفوار) فتشرح هذه الفكرة بقولها: افعلْ ما ينبغي
لك وليكن ما يكون! .
فهل الحياة مسرح لتمثيلية (عبثية) لا يعرف الكاتب ولا المشاهد الهدف منها؟ . ...
٣- هل نقول بأن الإنسان حيوان قد سبق (إخوانه) وهو لم يبتعد كثيراً عن
الحيوانية في أهدافه وغاياته، فهو يأكل ويتناسل ثم يموت ولا شيء بعد ذلك ولا
فوق ذلك؟
إن الإنسان مخلوق غائي، خُلق لتحقيق أهداف كبرى يمكن ردها إلى:
١- عبادة الله - تعالى - كما أمر دون شرك، والعبادة - كما هو معلوم -
تطلق بإطلاقين:
فمَن يشتغل في بحث علمي أو رياضي أو أي عمل دنيوي يقصد به وجه الله
فهو في سبيل الله.
٢- العبادة بمعناها الخاص من صلاة وصيام وزكاة، وهذه أساسها النص
الصريح، وهي غير قابلة للتصرف بالزيادة أو النقص، أو التوجه لغير وجه الله
(تعالى) .
- عمارة الأرض: فقد ذكر الله - تعالى - في سورة هود [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ
الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] [هود: ٦١] ؛ فعمارة الأرض - كما يسميها ابن خلدون - هي إقامة الحضارة، وهي من مهمات الإنسان الأساسية الكبرى، وقد قام بها
الإنسان جيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة، وكلما تعبت أمة تلقت الراية أمة فتية،
وتجد تضافرت جهود الأمم، وراح اللاحق يبني على جهود سلفه ويزيد ويطور.
فمَن أراد العمران فعليه أن يتعلم علوم عصره كلها، حتى قال علماؤنا في
(فروض الكفاية) أن الأمة كلها تصير آثمة إذا وجدت صنعة أو علم وليس في الأمة
من يعرفه أو يمارسه.
أما العبادة - بالمعنى الخاص - فعلى صاحبها تحري النص الصحيح والاتباع
والبعد عن الغلو والابتداع، فإن فعل ذلك فقد حقق الأهداف التي من أجلها خلق
وفاز في الدنيا والآخرة وذلك هو الفوز العظيم.
وللشهيد سيد قطب كلمة يقول فيها [١] ( ... لقد غابت الأمة المسلمة عن
الوجود وعن الشهود دهراً طويلاً، وقد تولت قيادة البشرية أفكار وأمم أخرى
وتصورات أخرى، وأوضاع أخرى فترة طويلة، وقد أبدعت العبقرية الأوربية في
هذه الفترة رصيداً ضخماً من العلم والثقافة والأنظمة والإنتاج المادي، وهو رصيد
ضخم تقف البشرية على، ولا تفرط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة، وبخاصة أن العالم
الإسلامي يكاد يكون عاطلاً من كل هذه الزينة ... إن هذه الأمة لا تملك الآن وليس
مطلوباً منها - أن تقدم للبشرية تفوقاً خارقاً في الإبداع المادي، تحني له الرقاب،
ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية فالعبقرية الأوربية سبقته في هذا المضمار
سبقاً واسعاً، وليس من المنتظر - خلال قرون على الأقل-التفوق المادي عليها،
فلابد من مؤهل آخر، المؤهل الذي تفقده هذه الحضارة.
إن هذا لا يعني أن نهمل الإبداع المادي، فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا
ولكن لا بوصفه المؤهل الذي نتقدم به لقيادة البشرية في المرحلة الراهنة، وإنما
بوصفه (ضرورة ذاتية) لوجودنا كذلك بوصفه واجباً يفرضه علينا
(التصور الإسلامي) الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض ويجعلها تحت شروط خاصة عبادة لله وتحقيقاً لغاية الوجود الإنساني، لابد إذن من مؤهل آخر لقيادة
البشرية غير الإبداع المادي ولن يكون هذا المؤهل سوى (العقيدة) والمنهج الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج العبقرية المادية، تحت إشراف العقيدة والمنهج في تجمع إنساني، أي في مجتمع مسلم) .
ربما كان هذا الطرح المتوازن للقضية هو خير الطروحات، فلا نأخذ
الحضارة الغربية ومفرزاتها كلها كما دعا بعض الأتراك وطه حسين ولا نرفضها
كلها ونستغني عنها ولكن نأخذ بقدر ونطرح بقدر عارفين ما نحتاج وما لا نحتاج.
نحن وهذه الأهداف:
لقد مررنا بعدة مواقف من هذين الهدفين (العبادة والعمارة) يمكن تفصيلها
على الوجه التالي:
١- في الجاهلية لم نكن نعبد الله ولا نساهم في الحضارة باستثناء ما قدمه أهل
اليمن ومصر والعراق، من مساهمات معمارية.
٢- في الإسلام عبدنا الله حق العبادة ثم رحنا نساهم في بناء الحضارة حتى
حملنا الراية بجد وجدارة، وراح العالم يقتبس منا وينقل عنا وقد شكا قسس ورهبان
مر الشكوى من تعلُّم أبنائهم في الغرب لغتنا وعلومنا.
٣- بعد قرون اكتفينا بالعبادة وأهملنا الحضارة، وساهم التصوف والنكبات
السياسية وغيرها في هذا التوجه، ثم مع الأيام دخل العبادة الكثير من الدَّخَن، حتى
لا نجد مسجداً كبيراً يخلو من قبور، وشاعت زيارة القبور والتبرك بها ودعوة
أصحابها وطلب شفاعتهم، وهكذا صرنا مبتدعين في العبادة مقلدين في الحضارة،
وكان المطلوب العكس (الاتباع في العبادة والإبداع في الحضارة) .
٤- لقد أهملنا الحضارة حتى لم تعد من بين همومنا ولا من تطلعاتنا.
وضاقت دائرة العلم وراحت معاهدنا تضيق يوماً بعد يوم من العلوم المفيدة، والتي
خلت من الإبداع، تخلو من الجدة وتبعد عن الحياة.
٥- أعقب ذلك مرحلة أهملنا حتى العبادة، فصار الفرد منا بعيداً عن معانيها
(الواسعة والضيقة) ويكتفي أن يقال عنه إنه مسلم دون أن يتكلف شيئاً، وساعد على
ذلك رواج فكر (المرجئة) حتى صار جمهور الأمة منها دون أن يدعوه أحد، فكل
مسلم يدَّعي أنه عامر القلب بالإيمان، وهذا في نظره يكفي، وقد يفلسف الأمر
فيدعي طهارة القلب وعفة اللسان، وإنه أفضل من كثير ممن يمارس العبادة.
إن الأمة إذا كانت قوية تطلعت إلى الأمور الكبيرة، فإذا ضعفت تحاول فلسفة
ضعفها وهزائمها؛ لذا كانت أفكار (المرجئة) والمتصوفة أفضل فلسفة تناسب هذه
المرحلة.
٦- أخيراً وبعد الصحوة الإسلامية رجعنا للعبادة مرة ثانية، ولكن مازال
جمهور الأمة غائباً عن الاهتمام بأمر الحضارة.
فليس من الحضارة أن تركب سيارة لا تعرف عنها سوى القيادة، وليس من
الحضارة أن تأكل فواكه أمريكا وأوربا، ولكن أن تساهم في علوم العالم وصناعته،
وعلى رأس كل ذلك أن تساهم في تقديم فكر متميز، لا يكون عالة على أحد ولا
تبعاً لأحد.
يرى الكاتب مالك بن نبي ﵀[٢] أن لكل حضارة منتجاتها، فهي
متولدة عنها، ولكن لا يمكن صنع حضارة بمجرد تبني منتجاتها، فشراء ما تنتجه
الحضارة الغربية من كل دول العالم لم يجعلها تكسب حضارة، فشراء المنتجات هو
كسب وتحصيل للهيكل والجسد وليس للروح، والحضارة ليست تكديس منتجات بل
هي فكر ومُثُل وقيم لابد من كسبها أو إنتاجها.
والأنكى من ذلك أن أمراض الحضارة يمكن أن تضرب أولئك الذين يتعاملون
معها في الأخذ والاقتباس، فتطحنهم أمراضها قبل أن تصلهم خيراتها. ومن لا
يصدق ذلك فما عليه الا أن يزور إفريقية ليرى مصداق ذلك في أمراض الجنس
وتعاطي الخمور والمخدرات، وعدم وصول شيء من حضارة الغرب إليهم.
٧- قد يقول البعض إنه يريد الآخرة، ويكفيه في ذلك العقيدة الصحيحة
والعبادة السليمة..
والجواب: نعم، قد يصل المسلم الجنة عن هذا الطريق، لكنه لن يكون له
نصيب في الدنيا ولا في الحضارة، أو نصيب هامشي لا قيمة له وبالمثل فإن
الإنسان في الغرب يشكل الوجه الثاني (للعملة) فهو لا يعرف الله - تعالى - وإن
عرفه فهو يفصل بينه وبين الحياة فالإنسان في الغرب جعل دينه (الحضارة) كما
جعلها كل شيء في حياته، وقد قفز بها قفزات كبيرة، ولن يستطيع أحد تجاوز ذلك، أو جحوده، ولن تفرط البشرية في منجزاتها الحضارية، وأن حضارة اليوم تطلق
قوى كالذرة قد تكون سبباً في دمار الحضارة والقضاء عليها، وما تلوث البيئة،
والخراب الذي لحق بمفاعل (تشرنوبيل) وانتشار الأمراض إلا ثمرة من ثمار هذه
الحضارة إلى جانب المنجزات الكثيرة.
٨- تبقى ألوف الملايين من البشر تدب على هذه الأرض لا تعرف الله تعالى
ولا تعبده، ولا تساهم في الحضارة من قريب أو من بعيد، وفيهم وفي أمثالهم
يصدق قول الله - تعالى -[أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ] [الأعراف: ١٧٩]
وأقبح من الكل تلك الملايين من البشر التي تعجز حتى عن إطعام نفسها، وتطالب
الآخرين أن يطعموها ويداووها ويبنوا لها المساكن.
في العالم اليوم ملايين من الكسالى ليس لديهم الاستعداد لعمل شيء، حتى
الخبز تريده مبلولاً وربما مدهوناً وعليه سكر. والأمة الإسلامية مدعوة بكل جد
وقوة لعبادة الله كما أمر، وعدم الشرك مهما صغر، وكذلك المساهمة في الحضارة
دون أن تفلسف كسلها وعجزها وتخلفها.
إن العالم يموج بالأقوياء، ومَن لا يكون قوياً بفكره واستقلاله فإنه يعيش على
الهامش، كما تعيش بعض القوارض، وستظل الدنيا محكومة بالأقوى فكراً وإنتاجاً
وتحضراً، ولن يكون فيه مكان للكسالى المتواكلين، ولن يجدوا (خبزاً مبلولاً) ولا
سكناً جاهزاً ولا قبراً جاهزاً.
стр. 932
مقال
درس من يوغوسلافيا
كان دعاة القومية والعلمانية في أوائل هذا القرن يضغطون باتجاه إقامة نظام
الدولة على أساس تجاهل النزعة الدينية، متخذين من ضعف الدولة العثمانية وفساد
مؤسساتها أدلة على وجوب تنحية الدين أن يكون عاملاً له أهميته في بناء الدول
وحياة الأمم.
ومن أبرز دعاة هذا الاتجاه ساطع الحصري الذي يشكل مجموع آرائه مرجعاً
لدعاة القومية والعلمانية، وعلى الرغم من صيرورة معظم هذه الآراء موضع شك
من خلال التطبيق؛ إلا أن القيمين الذين ورثوا آراء الحصري لا زالوا في ضلالهم
القديم، ولم تفدهم الحوادث ووقائع التاريخ الحديث عبرة، وهذا (مركز دراسات
الوحدة العربية) يشرف على إعادة طباعة مؤلفات ساطع الحصري تحت عنوان: (سلسلة التراث القومي) .
وهذا المركز على الرغم من أنه يعلن من جملة أهدافه أنه: (يهدف إلى
ايصال نداء الوحدة للجماهير العربية والأوساط الفكرية على تعدد اتجاهاتها) - إلا
أنه يتبنى الوجهة القومية والعلمانية التي كان يؤمن بها ساطع الحصري بحذافيرها،
ولم نجد له ما يناقض ذلك سوى إحساس باهت بفشل كثير مما طرحه أنصار تلك
الأفكار؛ ولذلك فإنه تبنى إقامة عدة ندوات اشترك فيها أصحاب الاتجاه القومي
والعلماني ومن انتقاهم ممن يتحدثون عن الإسلام وبالإسلام. ولكن المراجع لهذه
المناقشات يكتشف بسهولة ويسر أين يقف هذا المركز وما هي الأفكار التي يروج
لها.
وقد يظن ظان أننا ضد شيء يسمى الوحدة العربية، وهذا وهم يؤمن به من
يجهل الحقيقة أو من يقصد تشويه السمعة والتلاعب بالعواطف. فإذا كان هناك
فريق يرى الاتحاد ونبذ الفرقة أصلاً من أصول العقيدة لا مبدأً ثبت بالتجربة
البشرية فائدته فقط فهم المسلمون، ولكن الخلاف هو حول الأساس والرابطة التي
تجتمع عليها هذه الشعوب التي توالت على حكمها جهات مختلفة، فبينما يذكر
القوميون عناصر اختاروها ليؤكدوا على أهميتها ويتجاهلون الدين كعامل أساسي في
هذا المجال، بحجة أن الدين يفرّق والقومية تجمّع، وهذا القول يقصد به إهمال
دين الأغلبية، وتحييده أن يلعب دوره الطبيعي في الحياة، وإلا فإن كثيراً من
هؤلاء - مع إعلانهم وتوكيدهم هذه المزاعم - لا يهملون أديان الأقلية، بل يُولُونها
كل التقدير والاحترام ويعطونها ما لها وما ليس لها من التجلة والتبجيل، بل إن
الهجوم القولي والعملي على دين الاغلبية يصب في مصلحتها وينعكس امتيازات
وتقوية مركز لأتباعها.
واللوم لا يتوجه إلى أتباع أي دين أن ينصروا أهل دينهم، ويقفوا إلى جانبهم
في السراء والضراء - فهذا شيء طبيعي - ولكنه يتوجه إلى من يتنصل من دينه
وينخلع منه إرضاءً لمن يبقى في قرارة نفسه وفياً لمبادئه ينصرها بالحق والباطل،
إن هذا الضرب من الناس يتحول إلى عدو شرس يذيق أبناء جلدته المر، ويسومهم
أنواع النكال ولا يشفي غليله إلا أن يصبحوا مثله في إهمال دينهم والحملة عليه،
وكل ذلك من أجل إرضاء (إخوانه في الوطنية!) فيغيظ الألوف المؤلفة ويقطع
أواصره معهم من أجل حفنة يحرص على رضاها والحصول على ثقتها، وليس
بقادر على ذلك مهما فعل. هذا هو منطق القوميين الأعوج الذي يتجاهل التاريخ،
ويناقض الفطرة البشرية.
إن القوميين - في غلوائهم لإثبات آرائهم - يدوسون الحقائق، ويغمضون
أعينهم عن الوقائع الناطقة التي قد تخرس تكلفاً لا طبعاً، إن الإنسان ناطق بطبعه،
وقد يعرض له ما يعقل لسانه فيمنعه من الكلام، فهو في هذه الحالة أبكم لمن يراه،
ولكن الناظرين إليه يتمايزون فئتين:
فئة ترى أنه أبكم طبعاً.
وفئة ترى أنه كذلك لعارض عرض له.
وهذا هو مثل يوغوسلافيا. فقد رأى القوميون فيها نموذجاً يُحتذى لإقامة
الدول على أساس قومي، يقول ساطع الحصري: (إن هذه الدولة الجديدة اصطدمت في بادئ الأمر بمشاكل داخلية كبيرة؛ لأن اختلاف التربية والتقاليد
الإدارية والثقافية التي سادت المقاطعات المذكورة منذ قررن عديدة - انضم إلى
اختلاف الثقافة فأوجد نزعات إقليمية عرضت كيان الدولة إلى مخاطر جدية.
إن الكروات والسلوفن كانوا أرقى من الصرب من وجهة العلم والثقافة. ولكن
الصرب كانوا أرقى من هؤلاء من حيث التشكيلات الحكومية والتنظيمات العسكرية.
فكان من الطبيعي أن يحدث تنافس وتنازع بين هذين العنصرين لتولّي الحكم
وكان من الطبيعي أن تتعرض الدولة التي تتكون منهما لأزمات خطيرة، ولكن
الشعور بالوحدة القومية كان كفيلاً بالتغلب على هذه المشاكل كلها وبالقضاء على
النزعات الإقليمية بأجمعها.
وهذا ما حدث فعلاً: بعد زوال أزمات الحكم الأولى، وتلاشي نزعات
الإقليمية المختلفة، رأى القوم أن يتركوا الاسم المركب الأول، وأن يسموا الدولة
باسم مختصر يكون أكثر دلالة على الوحدة القومية من الاسم الأول واختاروا لذلك
اسم (يوغوسلافيا) بالنسبة إلى اللغة التي تربط جميع العناصر بعضها ببعض،
والدولة اليوغوسلافية التي تأسست بهذه الصورة وبعد اجتياز مرحلة الولادة العسيرة
أصبحت متحدة ومتماسكة بكل معنى الكلمة.
ومن المعلوم أن شدة هذا التماسك والاتحاد بهرت الأنظار وأدهشت الأذهان
خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها) . [١] ...
ونحن نرى هذا التحليل التاريخي الاجتماعي لقيام يوغوسلافيا قاصراً ولا
يجيب على أسئلة تنبع من سياقه، وهو تحليل أُحادي وليس شاملاً، وقد صِيغ بلغة
تبشيرية [٢] فهو يشير إلى اختلاف المذاهب، وهذا يعني الاختلاف بين الصرب
الأرثوذكس وبين الكروات والسلوفين الكاثوليك، لكن ماذا عن الإسلام الموجود في
يوغوسلافيا؟
وهو يقول: (ولكن الشعور بالوحدة القومية كان كفيلاً بالتغلب على هذه المشاكل كلها، وبالقضاء على النزعات الإقليمية بأجمعها) . هل صحيح أن المشاكل كلها والنزعات الإقليمية بأجمعها قد زالت من وغوسلافيا بعد أن سُميت بهذا الاسم المختصر؟ !
وكذلك القول: إن الدولة اليوغوسلافية (أصبحت متحدة ومتماسكة بكل معنى
الكلمة. ومن المعلوم أن شدة هذا التماسك والاتحاد بهرت الأنظار وأدهشت الأذهان
خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها) .
فادعاء التماسك والاتحاد بكل معنى الكلمة يأتي الواقع العملي اليوم ليكشف ما
فيه من المجازفة والإصرار على الأوهام، فحال يوغوسلافيا لا تنبّئ بذلك بل
بعكسه (بكل معنى الكلمة) وتكاد الأزمة الحالية تنجلي عن استحالة أن تعود أجزاء
يوغوسلافيا إلى الالتئام ثانية.
وكذلك الاعتماد على ما حدث في يوغوسلافيا خلال الحرب العالمية الثانية وما
بعدها كدليل على ثبات هذا الاتحاد.
فقد يتعاون الأعداء وأصحاب المصالح المتعارضة من أجل دفع عدو آخر،
وهذا ما حدث عند الاحتلال النازي والفاشي ليوغوسلافيا، تناسى هؤلاء
اليوغوسلاف إِحَنهم الداخلية المتأصلة لإخراج الغزاة من أرضهم، لأنهم لا يمكنهم
ذلك إلا بهذه الطريقة، وهذا يذكّرنا بحالة التحالف بين دول مختلفة لإخراج
العراقيين من الكويت، فلا أحد يدَّعي أن قوة ذلك التحالف هي نتيجة لوجود وحدة
قومية بين أعضائه في الماضي أو في الحاضر أو في المستقبل. هذا من جهة،
ومن جهة أخرى فإن وجود شخصية مهيمنة مثل (تيتو) قد غطى على هذه المشكلة. وإن ظن الكثير من المخدوعين وأصحاب الأفكار الآنية أنه حلها إلى الأبد، وهذا
الأمر له دلالة ثانية، فالكبت والقهر لا يقتلع المشاكل، وإن بدت غائبة عن الأنظار
بل يجمدها أو يجعلها تتوارى تحت السطح مثل الهوام وخشاش الأرض في مرحلة
البيات الشتوي، حتى إذا جاء (سعد الخبايا) وزالت العوائق خرجت الخبايا من
الأرض لتتمتع بالدفء وتحيا حياتها الطبيعية من جديد.
إن الهدوء الذي كان يخيّم على يوغوسلافيا بعد الحرب العالمية الثانية،
وخلال الحكم الشيوعي في عهد تيتو لم يكن نهاية المطاف، وإنما هو بَكَمٌ عارض
وصمت مصطنع فرضته عوامل وقتية، وقد زال بزوالها.
стр. 933
تحزيب القرآن
(٢)
محمد بن عبد الله الدويش
وروى أبو عبيد (٢٧٧) وابن أبي شيبة (٢/٥٠٢) عن السائب بن يزيد أن
رجلاً سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن صلاة طلحة بن عبد الله فقال إن شئت
أخبرتك عن صلاة عثمان قال نعم قال قلت لأغلبن الليلة على الحِجْر - يعني
المقام - فقمت فلما قمت إذا أنا برجل متقمع يزحمني فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتأخرت عنه فصلى فإذا هو سجد سجود القرآن حتى إذا قلت هذه هوادي الفجر أوتر بركعة لم يصلِّ غيرها ثم انطلق، ولابن أبي شيبة (٢/٥٠٣) فتنحيت وتقدم فقرأ القرآن كله في ركعة ثم انصرف. وصححه ابن كثير في فضائل القرآن (٥٠) .
وأخرج أبو عبيد (٢٧٨) وابن أبي شيبة (١/٣٦٧، ٢/٥٠٣) عن نائلة بنت
الفرافصة الكلبية حين دخلوا على عثمان ليقتلوه فقالت: (إن تقتلوه أو تدعوه فقد
كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن) وحسنه ابن كثير في فضائل القرآن
(٥٠) .
وأخرج أبو عبيد أيضاً (٢٧٩) وابن أبي شيبة (٢/٥٠٢) عن تميم الداري أنه
قرأ القرآن في ركعة. وكذا أخرجا عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في
البيت وصححهما ابن كثير (٥٠) .
وأخرج أبو عبيد (٢٨١) والفريابي (١٤٠) عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة
طاف بالبيت أسبوعاً ثم أتى المقام فصلى عنده بالمِئِين، ثم طاف أسبوعاً ثم أتى
المقام فصلى عنده بالمئين، ثم طاف أسبوعاً ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية
القرآن. وصححه ابن كثير (٥٠) ورواه ابن أبي شيبة (٢/٥٠٣) مختصراً بلفظ أنه
قرأ القرآن في ليلة بمكة.
وأخرج أبو عبيد (٢٨٢) وابن أبي شيبة (٣/٥٠٢) عن سليم بن عتر التجيبي
أنه كان يختم القرآن في الليلة ثلاث مرات.
ونقل النووي في التبيان والأذكار جملة من ذلك فقال في التبيان (٤٦) (ومن
الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سليم بن عمر ﵁ قاضي مصر
في خلافة معاوية ﵁. وروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم
في الليلة أربع ختمات. قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي - رضي الله
عنه -: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابتن الكاتب - رضي الله
عنه - يختم بالنهار أربع ختمات، وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة. وروى
السيد الجليل أحمد الدروقي بإسناده عن منصور بن زادان من عُباد التابعين -
﵁ أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ويختمه أيضاً فيما
بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى
أن يمضي ربع الليل، وروى أبو داود بإسناده الصحيح أن مجاهداً كان يختم القرآن
فيما بين المغرب والعشاء وعن منصور قال كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب
والعشاء كل ليلة من رمضان، وعن إبراهيم بن سعد قال كان أبي يحتبي فيما يحل
حبوته حتى يختم القرآن، وأما الذي يختم في ركعة فلا يحصون لكثرتهم ... ) [١] .
المسألة الخامسة: أقل ما يُختم فيه القرآن:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول
الله ﷺ : «لا يفقه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث» . أخرجه أبو داود (١٣٩٤) والترمذي (٢٩٥٠) والنسائي وابن ماجه (١٣٤٧) ... وأحمد (٢/ ١٦٤، ١٦٥) وأبو عبيد وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه النووي في التبيان (ص٤٨) .
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والمروزي عن معاذ بن جبل - رضي الله
عنه - أنه كان يكره (أن يُقرأ القرآن في أقل من ثلاث) وصححه الحافظ ابن كثير.
وأخرج ابن أبي شيبة (٢/٥٠٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁
أنه قال: (اقرأوا القرآن في سبع ولا تقرأوه في ثلاث) وأخرج سعيد بن منصور
وابن أبي داود - كما في الفتوحات (٢٣١/٣) - عنه ﵁ أنه قال:
(لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث) . وأخرج ابن أبي شيبة وأبو عبيد والطبراني في
الكبير كما في المجمع (٢/٢٦٩) عن ابن مسعود ﵁ أنه قال:
(من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز) . وقال أبو عبيد: (إلا أن الذي أختار من ذلك أن لا نقرأ القرآن في أقل من ثلاث للأحاديث التي ذكرناها عن النبي ﷺ وأصحابه من الكراهة لذلك) .
وقال النووي في التبيان (ص٤٨) : (وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في
يوم وليلة، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي
الله عنهما - أن النبي ﷺ قال: (لا يفقه من قرأ القرآن في
أقل من ثلاث) وقال الحافظ ابن كثير: (وقد كره غير واحد من السلف قراءة
القرآن في أقل من ثلاث) كما هو مذهب أبي عبيدة وإسحاق بن راهويه وغيرهما
من الخلف أيضاً) .
وقال شيخ الإسلام: (فالصحيح عندهم أنه أمره - عبد الله بن عمرو - ابتداءً
بقراءته في الشهر، فجعل الحد ما بين الشهر إلى الأسبوع.. ولا يلزم إذا شرع
فعل ذلك أحياناً - التثليث - لبعض الناس أن تكون المداومة على ذلك مستحبة،
ولهذا لم يُعلم من الصحابة على عهده مَن دوام على ذلك؛ أعني على قراءته دائماً
فيما دون السبع؛ ولهذا كان الإمام أحمد ﵀ يقرؤه في كل سبع) .
أما ما نقل عن السلف مما ذكرنا طرفاً منه فقد اختلفت مسالك العلماء في
الإجابة عليه، فمنهم من حمل ذلك على أنه لم يبلغهم النهي ومنهم مَن رأى أنهم لم
يحملوا الحديث على المنع من ذلك، ومنهم مَن رأى أن ذلك يختلف باختلاف
الأشخاص.
وها هنا أمور لعل بها يتضح وجه المسألة:
أولاً: أن ورود ذلك عن السلف والصحابة بوجه أخص لا يعني المداومة عليه؛ خاصة أن الكثير ممن روي عنه ذلك - كعثمان وتميم وغيرهم - رُوي عنه أنه
كان يختم في سبع، بل قد نفى ذلك شيخ الإسلام ﵀ وهو من أعلم الناس
في مثل ذلك فقال: (ولهذا لم يعلم في الصحابة على عهده من دوام على ذلك أعني
قراءته دائماً فيما دون السبع) .
ثانياً: علل النبي ﷺ ذلك بعلتين الأولى عدم الفقه،
والثانية قوله لعبد الله (فإن لزوجك عليك حقاً ولجسدك عليك حقاً ولأهلك عليك
حقاً) . فالرجل عليه مسؤولية تجاه أسرته ومنزله وضيفه وكذلك عليه الرفق
بنفسه. وختم القرآن في أقل من ثلاث على حساب ذلك غالباً.
ثالثاً: يجب أن يربط ذلك بالنصوص الأخرى التي تحث على القصد
والمقاربة (إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة واعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة
بعمله) . وفي رواية الإمام أحمد لحديث عبد الله بن عمرو (٦٤٧٧) : (فإن كل
عابد شرّة ولكل شرة فترة، فإما إلى سُنة وإما إلى بدعة، فمَن كانت فترته إلى سنة
فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) .
رابعاً: أن خير الهدْي هديه ﷺ وهو أعبد الناس
وأخشاهم لله وقد غضب على الذين تقالُّوا عبادته، وفي رواية أحمد لحديث عبد الله
ابن عمرو أنه قال له: «لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام، وأمس النساء فمَن
رغب عن سنتي فليس مني» وروى مسلم من حديث عائشة ﵂
أنها قالت: (ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة،
ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان) ونحن متعبدون
باتباع سُنته وهديه. مع ما نكنّه في نفوسنا من تقدير وإكبار وإجلال لسلف الأمة.
ولذلك قالت عائشة ﵂ لما قيل لها إن رجالاً يقوم أحدهم القرآن في
ليلة مرتين أو ثلاثاً - (قرأوا أو لم يقرأوا كنت أقوم مع رسول الله ﷺ ليلة التمام فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب ولا بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ) والحديث ذكره في الفتوحات (٢/٢٣١) ونُسب للحافظ أنه قال: (والحديث حسن أخرجه ابن أبي داود
وأخرج أحمد المرفوع منه فقط) .
خامساً: هناك وظائف شرعية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والدعوة إلى الله وإصلاح الناس، والتي هي من فروض الكفاية ومن أفضل الأعمال
الصالحة والأمة لا تستغني عن جهود أبنائها في ذلك. ففي التفرغ لتلاوة القرآن
على هذا النحو تعطيل لهذه الوظائف خاصة في هذا العصر، وقد أشار النووي -
﵀ إلى شيء من ذلك حين قال في التبيان (ص٤٨) : (وكذا مَن كان
مشغولاً بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين فليقتصر على قدر لا
يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له) .
سادساً: في مقابل هؤلاء الذين نقل عنهم الإكثار من ختم القرآن نقل عن
غيرهم بل أكثر السلف التسبيع، فَلِمَ يكون رأي أولئك أَوْلى بالقبول من هؤلاء وهم
أكثر وفعلهم يتأيد بالسنة الصحيحة عنه ﷺ .
المسألة السادسة: هل يكون التحزب بالسور أو الأجزاء؟
عقد شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة فصلاً في الجزء الثالث عشر من
مجموع الفتاوى ورأى أن التحزيب المشروع هو أن يكون بالسور للأمور الآتية:
١- أن المنقول عن الصحابة هو التحزيب بالسور لا بالأجزاء وذكر حديث
أوس بن حذيفة، وقد سبق في أول البحث.
٢- أن الأجزاء والأحزاب محدثة وفيه حديث أوس أنهم حزّبوه بالسور،
وهذا معلوم بالتواتر فإنه قد علم أن أول ما جُزئ القرآن بالحروف تجزئة ثمانية
وعشرين، وثلاثين، وستين هذه الأجزاء التي تكون في أثناء السورة، وأثناء
القصة ونحو ذلك كان في زمن الحجاج وما بعده وروي أن الحجاج أمر بذلك. ومن
العراق فشا ذلك ولم يكن أهل المدينة يعرفون ذلك (١٣/٤٠٩) .
٣- أن هذه التحزيبات تتضمن دائماً الوقوف على بعض الكلام المتصل بما
بعده حتى يتضمن الوقوف على المعطوف دون المعطوف عليه، فيحصل القارئ
في اليوم الثاني مبتدئاً بمعطوف كقوله - تعالى -: [والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] [النساء: ٢٤] وقوله [ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ]
[الأحزاب: ٣١] وأمثال ذلك، ويتضمن الوقف على بعض القصة دون بعض - حتى كلام المتخاطبين - حتى يحصل الابتداء في اليوم الثاني بكلام المجيب كقوله تعالى: [قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً] [الكهف: ٧٢] ومثل هذا الوقوف لا يسوغ في المجلس الواحد إذا طال الفصل بينهما بأجنبي، ولهذا لو ألحق بالكلام عطف أو استثناء، أو شرط ونحو ذلك بعد طول الفصل بأجنبي لم يسغ ذلك بلا نزاع.
٤- أن النبي ﷺ كان عادته الغالبة وعادة أصحابه أن
يقرأ في الصلاة بسورة ك (ق) ونحوها وكما كان عمر ﵁ يقرأ
بيونس ويوسف والنحل.. وأما القراءة بأواخر السور وأواسطها فلم يكن غالباً عليهم.
وقال: (وإذا كان تحزيبه بالحروف إنما هو تقريب لا تحديد، كان ذلك من
جنس تجزئته بالسور هو أيضاً تقريب، فإن بعض الأسباع قد يكون أكثر من بعض
في الحروف وفي ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض،
والافتتاح بما فتح الله به السورة، والاختتام بما ختم به، وتكميل المقصود من كل
سورة ما ليس في ذلك التحزب. وفيه أيضاً من زوال المفاسد الذي في ذلك
التحزيب ما تقدم التنبيه على بعضها) .
وبعد هذه الوقفات السريعة أرى أنه لا يليق بشاب مسلم طالب للعلم، يحمل
بين كاهليه هم الإصلاح والتغيير ودعوة الناس - لا يليق به أن لا يكون له حزب
من كتاب الله قل أو كثر. ومهما ادعى الإنسان المشاغل فهذه الدعوى تحتاج للبينة
ولو أعطي الناس بدعواهم لادعى أقوام دماء أناس وأموالهم. وهذا دليل على قلة
اهتمامه، ومتى كانت تلاوة كتاب الله وإصلاح النفس وعبادة الله مما
لا يفعل إلا في وقت الفراغ.
ففي التحزيب تأسٍ بالسلف - رضوان الله عليهم - وفيه علاوة على ذلك
تحقيق لهديه ﷺ في المداومة على العمل الصالح فقد كان عمله
دائماً، وكان يقول: (إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) . وفيه أن الإنسان
يُكتب له حزبه إذا شغله عنه مرض أو سفر.
وفيه أيضاً تعاهد القرآن كما أمر بذلك ﷺ فعن أبي
موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعاهدوا
القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها» .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقّلة إن عاهد عليها أمسكها وإن
أطلقها ذهبت) .
стр. 934
قصيدة
قراءة في وجه امرأة شوهاء
د. عبد الرحمن العشماوي
بدتْ بوجهٍ قبيحِ اللونِ محروقٍ وقد علتْ فيه أصواتُ المساحيقِ
وقد جرتْ فيه للأصباغِ معركةٌ عنيفةٌ واعتلى صوتُ (البطاريقِ)
لها فمٌ واسعُ الشدقين تملؤُهُ أسنانُ غُولٍ فلا تسألْ عنِ الرِّيقِ
ولا تَسَلْ عن جبينٍ بارزٍ رسمتْ فيه الخيانةُ تكذيبَ المواثيقِ
ولا تسلْ عن لسانٍ ساءَ منطقُه إذا تحدَّثَ ألغى صرخةَ البُوقِ
فصوتُها غُنَّةٌ شوهاءُ مؤذيةٌ كأنَّها قد أُصيبتْ بالخوانيقِ
رَنَتْ بعينينِ كالثقبينِ قد مُلِئَا غَدْراً، وقد عَانتا من شدةِ الضيقِ
كأنما رُبطتْ أطرافُها، فبدتْ كعَينِ إبليسَ في جفنٍ وفي موقِ
أهدابُها كغصونِ الشوكِ أظهرها فصلُ الخريفِ بلا ريْن وتزويقِ
بيضاءُ، لكنها سوداءُ قاتمةٌ لمَن يراها بعينٍ ذاتِ تدقيقِ
تمشي فتحسَبُ أنّ الخُبْثَ في جسدٍ يمشي أمامك مفتوحَ المغاليقِ
حديثُها كذبٌ محضٌ، حقيقتُه مأخوذةٌ من أباطيلِ الغرانيقِ
تُباع في كلٍّ سوقٍ للضلالِ، فلا تسأل عن التاجرِ الكذابِ والسوقِ
ولا تتسلْ عن دنانيرٍ مزورةٍ وعن عقودٍ جرتْ من غير توثيقِ
وعن سماسرةٍ باعوا ضمائرَهم وذوَّبوا العقلَ في نارِ الأباريقِ
لها على منهجِ التضليلِ هَيْلمَةٌ وهَيْلَمَانٌ، وقولٌ غيرُ موثوقِ
خبيرةٌ في ادعاءِ العدلِ جاهدةٌ في وصْفِ آثارِهِ من غير تطبيقِ
تُبدي خصالاً من الإيمان كاذبةً وفي مشاعرِها إحساسُ زنديقِ
سمعتُ عنها حديثَ العاشقين لها فاستفت عن عاشق لاهٍ ومعشوقِ
أتيتُها فإذا همِّي يحاصرني كأنني طائرٌ في بطنِ صُندوقِ
يا هَمّ قاسمتَني ليلي سلكتَ إلى أعماقِ نفسي طريقاً غيرَ مطروقِ
مَن دَلَّ ركبَك، مَن أعطاكَ تذكرةً على (خطوطِ) الأسى القاسي لتطويقي
مَن هذه المرأةُ الشوْهاءُ، أحسِبُها وقد تراءتْ أمامي، شرَّ مخلوقِ
بدتْ أمامي بسَمْتٍ لا نظيَر له الوجهُ مستحدثٌ والعقلُ إغريقي
أجابني ساخراً مني: أتجهلُها هذي العظيمة ذاتُ الخيلِ والنُّوقِ
هذي التي تتغنى بالسلامِ ولا يهزُّها أن ترى مليونَ مسحوقِ
وتدعي أنها ترعى العبادَ، وكم مُجَنْدَلٍ بين رجليْها ومخنوقِ
هذي التي يعرض الإعلامُ صورتَها فثوبُها أسودُ الأكمامِ والزِّيقِ
وبيتُها أبيضُ الجدرانِ، كم عُقدتْ فيه اللقاءاتُ نقضاً للمواثيقِ
لها جواسيسُها في كل ناحيةٍ فلا تسلْ عن إشاراتٍ وتحديقِ
ولا تسل عن سُؤالاتٍ موجهةٍ إلى الضحايا وأوراقٍ وتحقيقِ
تغزو الفضاءَ غروراً، لا تريدُت به إلا التسابقَ في مَلْءِ الصناديقِ
هذي العظيمة - يا هذا - فألجمني صمتي، وجفَّ لما أدركتُه ريقي
بَرِئتُ منها [ولَن تَرْضَى ... ] [*] تؤكِّدُ لي أنَّ البراءةَ منها فِعلُ صِدِّيقِ
стр. 935
المسلمون في العالم
حوار مع زعيم الحزب الإسلامي في أفغانستان
قلب الدين حكمتيار
أجرى الحوار: أحمد موفق زيدان
* الحكومة الائتلافية تضم بعض المنسوبين للجهاد والفارين إلى أوربا
والحزب الشيوعي.
* الخيار العسكري هو الحل الذي نراه.
* إنهم لا يتركون الشعب الأفغاني يقرر مصيره ويختار حكومته دون ضغط
خارجي.
* على الحركات الإسلامية التنبه لمزلق الاعتماد على المساعدات الخارجية.
قال السيد قلب الدين حكمت يار زعيم الحزب الإسلامي الأفغاني بأن سياسة
الولايات المتحدة الأمريكية تتركز عل إنشاء قوى حقيقية لحماية الخطة التي تعمل
لها من أجل تشكيل حكومة ائتلافية بين المعتدلين ونجيب الله ويكون على رأسها
الملك المخلوع ظاهر شاه وأضاف الزعيم الأفغاني الذي كان يتحدث في حديث
خاص وشامل (للبيان) من مقر إقامته في بيشاور بأن هذه القوى قد بدأت في
الظهور فعلياً وحقيقياً المتمثلة في تشكيل مجلس للقادة الميدانيين عندما سحبوهم من
منظماتهم وكذلك مجالس القبائل بغية حماية الحكومة الائتلافية التي يعدون لها.
ولنترك القارئ الكريم مع حصيلة الحوار الذي دار معه واستغرق أكثر من
ساعة.
البيان: في ضوء التحركات السياسية المتعددة والظروف المتغيرة في
أفغانستان إلى أين يتجه الجهاد الأفغاني وخاصة في الجانب السياسي منه؟ .
حكمتيار: أعتقد أنه بعد انتصارات المجاهدين الأخيرة في الشمال والجنوب
قد أصبح بحوزة المجاهدين خطة للهجوم على كابل وأن وضع الحكومة ضعيف
للغاية ولا تستطيع الصمود أمام المجاهدين، كل هذه العوامل دفعت للتحرك
السياسي من قبل دول لا ترغب في انتصار المجاهدين عسكرياً، وبعض هذه الدول
تريد تكوين حكومة ائتلافية بين مجموعات المجاهدين المعتدلين والفارين إلى أوربا
وأمريكا والحزب الشيوعي في أفغانستان وذلك بتكوين جبهة ائتلافية يعقبها حكومة
ائتلافية ولكن هذا غير عملي، وتكوين حكومة ائتلافية أمر مستحيل، ولا أحد
يستطيع قبول نجيب كطرف أو الحزب الشيوعي كطرف في الحكومة أو في أي
انتخابات عامة، وهذا أيضاً غير عملي ولا يمكن تنفيذه، ولا أحد يستطيع ويجرؤ
من المجاهدين أن يتحدث بهذا أمام الشعب.
وحتى الذين التقوا مع نجيب لا يعلنون هذا أمام الشعب خوفاً، ومع أن بعض
الدول ترغب في تكوين حكومة مؤقتة بدلاً من حكومة نجيب وموقفهم أن لا يستقيل
نجيب لوحده ويبقى الحزب الشيوعي.
أما الأمريكان والروس فأرى أنهم يريدون تكوين حكومة ائتلافية، وتريدها
أمريكا تحت قيادة ظاهر شاه وكذا الروس، ولكنه أيضاً غير عملي، ولا يمكن
فرض حكومة كهذه على الشعب الأفغاني وكما تعرفون أن أمريكا حاولت في السنتين
الماضيتين بكل إمكانياتها تهيئة الظروف لهذه الحكومة وكانت تعتتبر المنظمات
الجهادية عقبة في تنفيذ هذه الخطة، وأخذت على عاتقها إضعاف هذه المنظمات
وضربها من الداخل وتكوين قوة للدفاع عن حكومة كهذه، مثل تكوين مجالس
شورى القبائل والقادة الميدانيين وإبعاد هؤلاء القادة عن منظماتهم، وبذلك تكون هذه
المجالس القومية وراء دعم هذه الحكومة ولكن لم تستطع تحقيق هذا.
البيان: ليس من السهولة أن يتخلى الروس عن دولة تجاورهم وتشاطرهم
أكثر من ألف وخمسمائة ميل عبر التفاوض السياسي خاصة وأن الوضع الداخلي
الروسي ينذر بالتشرذم والتفتت فكيف إذا وصلت حكومة إسلامية تشاطر عقيدة
وتاريخ ولغة الجمهوريات الإسلامية الست الواقعة فى روسيا، في ظل هذا الوضع
كيف ترون السبيل للوصول لأهدافكم؟ .
حكمتيار: الحل العملي لهذه القضية هو الخيار العسكري، ووضع الحكومة
في كابل سيئ جداً، وحتى الآن لا نرى حلاً آخر سوى التركيز على الحل
العسكري، وأعتقد أن موسكو لا تستطيع الاستمرار في دعم حكومة كابل ولا
يقدرون على مواصلة دعمها، ولو وجدنا أنهم يتركون للشعب الأفغاني أن يقرر
مصيره ويكوّن دولته بدون تدخل أو ضغط خارجي لما لمسنا ضرورة التركيز على
الحل العسكري، ولكننا نرى أنهم ليسوا على استعداد لترك الشعب الأفغاني يقرر
مصيره بنفسه في ضوء عقيدته ليكوّن دولته الإسلامية التي يريدها، ولكنهم يسعون
ويريدون فرض حكومة مقبولة لهم على الشعب الأفغاني عن طريق المؤامرات،
ولهذا فليس لدينا خيار آخر إلا الاستمرار بالجهاد وهم يريدون تكوين حكومة
ائتلافية، وعقد مجلس (لوياجركا) [١] لهذه الحكومة لتكون حكومة دائمة؛ لأنهم
يعرفون أن الشعب مع المجاهدين ولو جرت الانتخابات لن تكون في صالحهم، ولو
جرى إسقاط حكومة نجيب وتحل محلها حكومة مؤقتة يقبل أعضاءها الشعب مثلما
حدث في بنغلاديش عندما أعلن رئيسها الجنرال محمد إرشاد استقالته وطلب من
المعارضة أن تتفق فيما بينها على شخصية. فاتفقوا على قاضٍ ثم جرت الانتخابات، ولو حدث هذا لكان سهلاً أن يوافق عليه المجاهدون.
البيان: لو حصل تشكيل الحكومة الائتلافية، وغدت أمراً واقعاً ماذا سيكون
ردكم عليها؟ .
حكمتيار: لا يمكن فرضها، وتكوينها غير عملي وسنستمر في الجهاد وليس
أمامنا خيار سوى المقاومة.
البيان: العديد من المتابعين يرون أن الحزب الإسلامي تعرض لخضات بعد
خروج بعض أعضاء اللجنة التنفيذية من القيادة وبقائهم كأفراد، إضافة إلى تعرض
الحزب لبعض التصفيات في داخل أفغانستان كيف يرى حكمت يار هذا الوضع؟
حكمتيار: الحزب الإسلامي في أحسن وضع منذ تأسيسه، ومع جميع هذه
الضغوط على الحزب الإسلامي لم يخرج أحد منه؛ حيث يقوم على مبدأ الشورى
والقرارات بالأغلبية وليس لأحد الحق في الاعتراض على مواقف الحزب إلا في
مكانه ولو يقوم أي رجل بالدعاية السيئة ضد الحزب بعد اتخاذ القرار فهذا دليل على
إخراجه من الحزب وقد اتفقنا في لوائح الحزب بأنه لا يحق لأي شخص مسؤول أن
يعارض سياسة الحزب خارج مجلس الشورى أو اللجنة التنفيذية بعد أن اتفق عليها
بالأغلبية.
البيان: يتحدث حكمتيار كل مرة عن هجوم كبير على كابل، متى سيحصل
هذا الهجوم وهل اتفقت الأحزاب الأخرى على هذا الهجوم وماذا لو لم تشترك هذه
الأحزاب هل تستطيعون تحقيق شيء؟
حكمتيار: الهجوم على كابل قريب - إن شاء الله - ونأمل أن يوافق القادة
الميدانيون على الاشتراك وإن شاء الله سيحقق الحزب شيئاً كما حقق في الماضي،
وأقول بأن الانتصارات التي حصلت بعد الشتاء كانت بسبب العمليات التي حصلت
من قِبَل الحزب أثناء الشتاء عندما سيطر الحزب على ٦٠ موقعاً عسكرياً للنظام
حول كابل.
البيان: الحركة الإسلامية في أفغانستان أصبحت لديها تجربة في مسألة تلقّي
المساعدات الخارجية، ما رأيكم بموضوع تلقي المساعدات من الدول بشكل عام؟
وخاصة من الدول الكبرى الذين هم أعداء الإسلام.
حكمتيار: من الخطأ أن نعتمد على المساعدات الخارجية، وعلى جميع
الحركات الإسلامية التنبه لهذا.
البيان: مرة أخرى - حسب تجربتكم - هل ترى أن العامل العسكري لدى
الحركات الإسلامية يطغى على العامل الاقتصادي مما يجبرها أن تبقى أسيرة
سياسات دول وأطراف أخرى؟
حكمتيار: لا أعتقد أن أي حركة إسلامية تهمل الجانب الاقتصادي، والذي
رأيناه بأن الحركات الإسلامية تهمل الجانب العسكري، والحقيقة أن أول تجربة
عسكرية رأيناها كانت في أفغانستان، وأعتبرها تجربة ناجحة، ولو نستفيد من هذه
التجربة ونصحح الأخطاء فأرى أننا أهملنا الجانب العسكري وركزنا على الجانب
الثقافي ونرى أن معظم الحركات الإسلامية تتضامن مع عدوها وتفاوضه وعندما
يستفيد منها يتحين الفرصة لضربها وأظن أن هذا هو سبب الهزيمة.
البيان: هل تدعو لإنشاء تحالف بين الأحزاب الإسلامية المستقلة في
أفغانستان؟ .
حكمتيار: أعتقد لو ركزنا على الجانب العسكري أكثر وأكثر، وتركنا مسألة
تكوين الحكومة، ويكون التحالف عبارة عن تنسيق بين هذه المنظمات، ثم تشكل
حكومة بعد إسقاط نجيب وتُعقد الانتخابات ونأمل أن نتفق على مثل هذا.
البيان: كيف يستشرف حكمت يار دور أفغانستان في منطقة آسيا مستقبلاً؟ .
حكمتيار: إن جميع الشعوب الإسلامية تشعر بحاجة للتنسيق والتعاون
لمواجهة الأعداء، ولو استطعنا تكوين حكومة إسلامية فلعلنا نقوم بدور في ترسيخ
هذه الوحدة.
البيان: السؤال الأخير كيف ترون السياسة الباكستانية حيال أفغانستان بعد
استقبال المسؤولين فيها ولأول مرة بشكل علني مندوبين عن ظاهر شاه؟ .
حكمتيار: باكستان واقعة تحت الضغوط الأمريكية ولكن لها مواقف
استراتيجية لا يمكنها التخلي عنها، وصعب عليها أن تقبل بشيء يرفضه
المجاهدون، ومن الصعب بقاء حكومة شيوعية مجاورة أو حكومة تضم المعتدلين
وظاهر شاه وتضغط أمريكا على باكستان بأن تتخذ خطوة لا يرغب بها الشعب
الأفغاني.
стр. 936
عودة الجزائر إلى الحظيرة
يقول الله في كتابه الكريم: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] ...
[الحجرات: ١٠] ومن منطلق هذه الإخوة الإيمانية فإنه يسوءنا ويسوء كل مسلم أن يزج بالأعداد الكبيرة من المسلمين في المعتقلات ويعتدي على حقهم في الحرية والتعبير عما يؤمنون به، وتكال لهم التهم من كل جانب ولا يسمح لهم أن يدافعوا عن أنفسهم علناً كما يُشتمون ويُتهمون علناً.
لقد تكررت المحن ضد العاملين للإسلام في العصر الحديث، وكادت تصبح
عملاً روتينياً من أعمال الذين يطاردونهم، يتعسفون في استعمال السلطة التي
يتمتعون بها. حتى أصبحت صنوف المحن التي تجري على أيدي خصوم العاملين
في الصف الإسلامي لا تثير أحداً، ولا تحرك شعوراً، وكثير من المسلمين
المخلصين أصبح يستمرئ هذا الروتين ويتقبله بسلبية وتسليم يساء تطبيقه وتفسيره. فأن يصبر المسلم على قدر الله شيء وأن يرضى بالدُّون والهوان يصب على
رأسه وعلى رأس مَن يشاركه في العقيدة شيء آخر.
وإننا من خلال متابعة الأحداث وتطورها في الجزائر لاحظنا بقلوب يملؤها
الأسى كيف تُجر (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) جراً إلى ما آل إليه أمرها، وكيف
تجتمع خيوط الخطة في الداخل والخارج لتشكل مسار الأحداث التي أفضت إلى
اعتقال قادتها ومئات بل آلاف من أنصارها.
إن هذا الأسلوب في دفع الأحداث، وهذا النوع من (الديمقراطية) يجعل
المراقب الحيادي يعجب من جرأة أصحاب الفكر الأحادي على اختلاق التهم، ولا
يثق - من جهة أخرى - بأي وعد يقطعه مثل هؤلاء للناس بالعيش الكريم في ظل
سلطة تحترم الرأي المخالف وتحنو على المعارضين مثل حنوّها على الموافقين.
إن المسلمين يستحقون أن يعيشوا كبشر، وأن يتمتعوا بما يتميز به البشر،
أعني حرية الرأي وأن يكون لهم رأي فيمن يحكمهم وفي الأسلوب الذي يحكمون به. وهذه أول ضمانة وأهم ضمانة لمخلوقات يطلب منها أن تبني أوطاناً وتساهم في
الحضارة، وإذا لم تتوفر هذه الضمانة لأي شعب فاقرأ عليه وعلى بلاده ومَن
يحكمونها السلام.
لم تكن المحنة التي حلت بالجبهة الإسلامية للإنقاذ مفاجئة لمن يراقب الأمور
بعمق ولمن يقرأ التاريخ بعقل واعٍ، بل كانت المفاجأة التصريح بادئ ذي بدء
للجبهة بالعمل السياسي العلني، وقد أصابت هذه المفاجأة العاملين في حقل الدعوة
الإسلامية وخصومهم على السواء.
أما العاملون في حقل الدعوة الإسلامية فعندهم من قراءاتهم واطلاعهم
وتجاربهم ما يجعلهم لا يغيرون قناعاتهم أن (سعداً أخو سُعيد) فما عدا مما بدا؟ !
لابد أن في الأمر شيئاً وهذا الأمر لا يتم، وستعلمنَّ نبأه بعد حين.
وأما خصوم الدعوة الإسلامية فهم أيضاً وقعوا بين الشك واليقين، فمنهم غير
المصدق لما يسمع: الجزائر، ذات التاريخ النضالي العريق! بلد (جميلة بو حريد)
وجبهة التحرير و (بن بِلَّة) و (بو مدين) ، والنضال ضد وضد..، ومعلمة التقدمية ... (تخرج عن مدارها) وتزري بها الأيام حتى تسمح لهؤلاء الظلاميين بالحركة وفتح الفم؟ ! يا ويلاه! إنها لإحدى الكُبَر!
ومنهم من رأى أن الأمر جد، ولا وقت للبكاء وفغر الفم، فلنعمل على إنقاذ
ما يمكن إنقاذه، متعلقين ببارقة أمل وهي أى المعقل الأخير لم يخرج من اليد بعد،
ومراهنين على سلبيات الإسلاميين من جهة، وعلى أسلوب (بطرس الراهب) في
الاستنفار والتهويل في الدوائر الغربية.
وهكذا كان ... عاد الكوكب إلى مداره، وعادت الجزائر إلى حظيرة أخواتها! والآن - بعد هذا العرض الذي قدم فيه كل طرف ما يحسنه - فقد وصل المسلمون
إلى منعطف يجب أن يتساءلوا فيما بينهم ويسألوا أنفسهم عما ينبغي فعله.
على العاملين في صفوف الجبهة الإسلامية للإنقاذ وغيرهم ممن يشاركونهم
المبادئ والأهداف أن لا يتركوا للمفاجأة وقسوة المحنة أن تثنيهم عما يريدون، فلابد
من التحضير لمثل هذه الأوقات وذلك بإظهار التصميم والإصرار يقابل الإصرار
من الطرف المقابل على التصفية، وإشعاره أن القضية ليست قضية بضعة أفراد
مشاغبين أخلّوا بالأمن، فتصرف معهم أهل القانون بما أعاد الأمن إلى نصابه، لا، إن القضية هي قضية تيار كاسح له الحق الشرعي و (الوطني) أن يكون ممثلاً
أصدق تمثيل في المشاركة في بحث مشاكل وطنه:
* التركيز - وبوضوح لا غموض فيه - على نبذ الإرهاب واستخدام السلاح
واللجوء إلى العنف، (وهذا ما كانت تؤكد عليه الجبهة الإسلامية للإنقاذ) .
* التأكيد على مطلب حرية التعبير الذي هو حق لكل إنسان كرمه الله.
* وعلى حرية أن يتمسك المسلم بعقيدته، وأن يرجع إلى مَن يوثق به في
تفسيرها وتوضيحها لا مَن تشتريه الدول ليكون لساناً لها يشوه العقيدة ويضلل الناس.
إن وثيقة حقوق الإنسان ضمنت هذا الحق لكل العقائد الفاسد منها وغير الفاسد. والمسلمون يجب أن يؤكدوا على حقهم في هذا المجال، ويطلبون من خصومهم
الوقوف عنده، لا أكثر من ذلك.
* وعلى حقهم في المشاركة السياسية، دون وصاية أو خضوع، فهم ليسوا
طارئين على هذا المجتمع، كما أنهم ليسوا (حركيين) ، وحقهم هذا لا يقبل
التشكيك أو المساومة.
وليعلم المسلم أنه مبتلى، وأن حياته سلسلة من الابتلاءات والمواجهات، هذا
ما تقتضيه سنة الله في الصراع الدائم والمدافعة المستمرة بين الحق وبين الباطل،
[ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
العَالَمِينَ] [البقرة: ٢٥١] .
стр. 937
فرنسا ما بعد ديغول
تدفن أسطورة مساندتها للعرب
تحليل مترجم عن " الجارديان ويكلي "
إن شبح الجنرال شارل ديغول الذي أرسى مبدأ مساندة العرب، ونغمة
معارضة أمريكا في سياسة فرنسا الخارجية في الستينيات قد وُوري التراب وإلى
الأبد في جزيرة مارتنيك خلال القمة الأمريكية الفرنسية في ١٤/٣/١٩٩١، وقد
اختار الرئيس ميتران بشكل يدعو للاستغراب إقليماً فرنسياً ليعلن خضوع بلده للقوة
العظمى الوحيدة (أمريكا) وليدفن أسطورة مساعدة فرنسا لنضال العرب ضد إسرائيل. وكل من بوش وميتران في مؤتمرهما الصحفي - الذي عُقد بعد ٩٠ دقيقة محادثات - قد عبرا عن تصميمهما على الاستمرار بالوفاق الذي ظهر بين واشنطن وباريس خلال حرب الخليج. لقد كان دور فرنسا ثانوياً لكنه بالغ الأهمية في مساندة الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق. لكن حكمة الوفاق قد تعني التغطية على الخلافات، وقد ذهب ميتران إلى أبعد من ذلك عندما قال: (إن بلاده مستعدة لتأييد موقف أمريكا في سياستها تجاه الشرق الأوسط) .
وقد ذكرت صحيفة (هيرالد تريبيون) أنه بدلاً من التأكيد على وجهة نظر
فرنسا السابقة - وهي أن ترعى منظمة الأمم المتحدة مؤتمراً دولياً للسلام في الشرق
الأوسط كخطوة أولى - فإن ميتران أيد بوش في اتخاذ موقف عملي واستطلاعي
بدون تحديد مسبق.
وقد حيت الصحافة الفرنسية تراجع ميتران هذا واعتبرته صفحة جديدة في
العلاقات بين أمريكا وفرنسا. فقد قالت جريدة (لوموند) : لقد تبنت فرنسا بلا شك
مسؤولية تحمد عليها وهي موقفها الجديد من واشنطن.
وأضافت الصحيفة أن الرئيس ميتران قد اقتنص كل فرصة سانحة ليزيل
تحامل الرأي العام الفرنسي على الولايات المتحدة.
وقد مهد وزير الخارجية الفرنسي رولان دوما الطريق أمام إعلان ميتران
الرسمي التحالف مع الولايات المتحدة.، وذلك خلال المقابلة الطويلة مع جريدة
لوموند في ١١/٣/١٩٩١، حيث قال: إن باريس ستقف إلى جانب الجهود
الأمريكية في العمل على حسم النزاع العربي الإسرائيلي. وقد انتقد سياسة فرنسا
الخارجية خلال حكم الجنرال ديغول ووصفها بأنها كانت سلسلة من الأوهام. وقد
كان أهم عنصر في تلك السياسة تجنب التعاون المفتوح العلني مع الولايات المتحدة، وبناء عناصر تأثير ديبلوماسية في العواصم العربية.
لقد التزمت الحكومات الفرنسية المتعاقبة سياسة ديغول هذه التي واءمت بين
إرضاء أمريكا سراً، وإرضاء العرب في العلن. ولعل رولان دوما هو أول
مسؤول فرنسي ينتقد هذا الأسلوب علناً؛ فقد أعلن أن فرنسا ليست مقيدة إلي الأبد
بفكرة المؤتمر الدولي تحت إشراف مجلس الأمن من أجل بحث المسألة الفلسطينية.
لقد دعت فرنسا مراراً خلال أزمة الخليج لانعقاد هذا المؤتمر من أجل تهدئة غضب
المسلمين من سكانها، وإرضاءاً للحكومات العربية.
وحيث انتصرت أمريكا انتصاراً ساحقاً في هذه الحرب، وحيث اشترك في
هذه الحرب عدد لا بأس به من الحكومات العربية فقد وجدت فرنسا في الانضواء
تحت إرادة أمريكا فوائد أكبر من تأييدها للأهداف الفلسطينية.
ومعلوم أن الولايات المتحدة - على تعاقب إداراتها - تفضل سياسة الاقتراب
خطوة خطوة لانعقاد المؤتمر الدولي، هذا المؤتمر الذي يمكن أن يعطي الاتحاد
السوفييتي دوراً ما في الشرق الأوسط، الأمر الذي لا توافق عليه واشنطن.
لم يكن ديغول صديقاً مخلصاً للعرب أو للمسلمين، فيما يخص هذا الأمر،
وقد كان موقفه ذاك مجرد تلاعب بالألفاظ لإظهار باريس قوة دولية مستقلة عن
الولايات المتحدة التي تهيمن على المؤسسات الغربية بما فيها منظمة حلف الأطلسي، والجنرال الذي تخلى عن حلف الأطلسي لهذا السبب أعلن تأييده الكاذب للهدف
الفلسطيني بعد الهزيمة المنكرة التي لحقت بالجيوش العربية في حرب الأيام الستة
عام ١٩٦٧، ولم تحقق باريس من تعاطفها كله ذاك إلا الوهم الذي سمته استقلالاً
في سياستها الخارجية، وسرقة ملايين الدولارات من الدول العربية دُفعت مقابل
أسلحة ومعدات لا يمكنها هزيمة ترسانة الأسلحة الإسرائيلية. والنتيجة الوحيدة
المحسوسة لسياسة فرنسا المسانِدة للعرب كانت في إقناعها لدول السوق الأوربية
المشتركة إصدار إعلان البندقية عام ١٩٨٠ مع أن ذلك الإعلان ظل حبراً على
ورق منذ إعلانه؛ لأنه لا فرنسا ولا غيرها من دول المجموعة الأوربية كانت
مستعدة لتحدي الولايات المتحدة في تعهدها بتمويل وتسليح الدولة الصهيونية،
وبدون ضغط دولي مؤثر على الولايات المتحدة لوقف مساندتها لإسرائيل، فإن هذه
لا ترى حاجة للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وعلى أي حال فإن الاتجاه الدولي قد تحول لمصلحة الولايات المتحدة بعد
انهيار الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى، وبعد تطلع أمريكا المقنّع للهيمنة كقوة وحيدة.
وقد اعترفت كل من فرنسا والاتحاد السوفييتي بهذه الهيمنة باتباعهما الخط
الأمريكي في الحرب على الرغم من محاولتهما معاً تقديم خطط سلام اللحظة الأخيرة
قبل الهجوم على العراق وقد كانت جهودهما الديبلوماسية غير الجدية لإنقاذ العراق
للحفاظ فقط على صورتهما كقوتين عظميين ذواتي تأثير في العواصم العربية. إن
حرص فرنسا للتعاون مع واشنطن يعكس هذه الحقيقة الدولية الجديدة.
تغير آخر في موازين القوى في أوربا وهو (إعادة توحيد ألمانيا) قد بعث
الخوف الفرنسي من أن تكون بون هي القوة الجديدة المهيمنة في أوربا بدلاً من
فرنسا.
إن ألمانيا الموحدة في وضعها الجديد تحاول أن تجد مكاناً بين الدول دائمة
العضوية في مجلس الأمن التي لها حق النقض، وأي مراجعة لدور مجلس الأمن
لإحلال ألمانيا فيه سوف يؤثر بالتالي على فرنسا.
وفي مقابلة دوما مع (لوموند) كان واثقاً من أن مساعدة فرنسا للولايات المتحدة في حرب الخليج ثم مساندة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يحمل أمريكا على معارضة أية جهود ألمانية لدخول العضوية الدائمة، سوف يجعل أمريكا توافق على جهود ألمانيا لإطفاء دور فرنسا في مجلس الأمن، فألمانيا لم ترسل قوات لتحارب في الخليج.
وقد أشار دوما إلى أن الانشقاقات في العالم العربي التي أسفرت عنها حرب
الخليج كانت الأساس لمراجعة سياسة فرنسا في الشرق الأوسط.، إن الوحدة
العربية التي بُنيت عليها فكرة سياسة ديغول المؤيدة للعرب أظهرتها هذه الحرب
كخرافة، وفي الحقيقة فإن سياسة الجنرال كانت مزدوجة.
إن الحديث عن شيء اسمه (عرب) هو أسطورة كما يقول دوما، والحديث
عن شيء اسمه سياسة عربية موحدة أسطورة أخرى، وسياسة ديغول العربية كانت
سلسة من الأوهام، بالرغم من ذلك فقد ظل السياسيون متشبثين بها رغم خرا فتها.
وهناك دلالة أخرى لتقارب فرنسا مع الولايات المتحدة وهي قرار فرنسا في
١٥ من آذار الماضي الانضمام إلى مجموعة دراسة ومراجعة وتجديد استراتيجية
الحلفاء فيما يحصل بعد الحرب الباردة. وقد تألفت هذه المجموعة بعد قمة لندن
لحلف الأطلسي في تموز عام ١٩٩٠.
ولم تُنتخب باريس لتشارك في جدول الأعمال الذي كان مقصوراً على الأمور
العسكرية. ومع هذا فسوف تظل فرنسا تدعو إلى الأمن والاستقرار والسلام في
الشرق الأوسط من أجل العواطف العربية للحصول على عقود إعادة البناء في
الكويت والعراق ولبيعهم السلاح، ولكن دعوتها هذه سوف تظل غير مسموعة؛
لأن واشنطن في وضع يجعلها تمنع أي عقد بين فرنسا من جهة وبين حلفاء أمريكا
في المنطقة.
ولعل أكبر مفارقة ساخرة قامت بها فرنسا هي دخولها في حرب ضد حليفها
القديم الذي ساعدت على تسليحه خلال علاقتها المميزة معه في الخمس عشرة سنة
الأخيرة؛ فقد احتكر الفرنسيون العقود المدنية والعسكرية فى العراق، وربحوا من
ذلك بلايين الدولارات، هذه العلاقة بين فرنسا والعراق بدأت عام ١٩٧٤ على زمن
رئيس الوزراء جاك شيراك، لكن قدرة العراق على الدفع مقابل الأسلحة والمعدات
الفرنسية تناقصت بشدة خلال سنوات الحرب مع إيران التي استهلكت إنتاج العراق
من البترول، ونتيجة لذلك أصبحت بغداد مدينة لباريس بحوالي ٢. ٥ بليون جنيه
إسترليني بالإضافة إلى بليون جنيه إسترليني فوائد، وهكذا لم يعد العراق زبوناً
جذاباً كغيره في هذه الظروف.
عن " غارديان ويكلي " ١٥/٤/١٩٩١
стр. 938
أخبار حول العالم
بعد عملية سليمان
أي فلاشا جدد بعد الفلاشا الأثيوبيين؟
رئيس وكالة الهجرة اليهودية في إسرائيل سيمحا دينيتز - وهو الذي
أشرف على تنظيم (عملية سليمان) لنقل اليهود الأثيوبيين من أديس أبابا إلى تل
أبيب - أوضح في باريس أن الولايات المتحدة وفرنسا ودولاً أخرى تساعد على
نقل اليهود من سورية واليمن والعراق.
وكشف أن عملية سليمان كلفت ٥٠ مليون دولار. وقال: (في سورية ٣
آلاف يهودي، وفي العراق ألفان، وفي اليمن مئات عدة وفي إيران ٣٠ ألفاً ونريد
نقلهم جميعاً) .
الأسبوع العربي ١٠/٦/١٩٩١
الكوماندوس حاول تخريب كاهوتا ...
هل تصل يد التخرب الإسرائيلية إلى مفاعل (كاهوتا) وهو المنشأة النووية
الباكستانية الرئيسية؟
المعلومات الوثيقة تفيد بأن القتيل الإسرائيلي الذي سقط في ولاية كشمير
الهندية كان من ضمن مجموعة كومندوس، مؤلفة من ٧ سياح كُلفوا بمهمة تخريب
مفاعل كاهوتا الذي لا يبعد أكثر من ٢٠ كيلو متراً من الحدود مع كشمير الهندية.
وتردد أن الاستخبارات الهندية نسقت مع الموساد من أجل نسف كاهوتا حيث
الخطة لتصنيع قنبلة ذرية قطعت شوطاً بعيداً. ولهذا السبب قالت الخارجية
الباكستانية: (نحن قلقون لهذا الوضع، ويصعب تصديق أن هذا العدد من الأجانب
كان هنا لمجرد الاستمتاع بالمنظر الطبيعي للوادي، في ظل الوضع الحالي) .
الأسبوع العربي ٨/٧/١٩٩١
وزير إسرائيلي في آذربيجان
بناءً على طلب من رئيسها
بدأ وزير العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلي يوفال نعمان زيارة إلى الاتحاد
السوفياتي بدعوة من أكاديمية العلوم. وعقد في العاصمة الآذربيجانية باكو أمس
اجتماعاً مع رئيس الجمهورية اياز مطّلبوف الذي دعاه شخصياً إلى لقائه وأعلن
مطلبوف بعد الاجتماع عن قرب افتتاح خط جوي مباشر بين باكو وتل أبيب.
وذكرت وكالة (إنتر فاكس) المستقلة أمس أن مطلبوف أكد أن هناك (آفاقاً واسعة
للتعاون الاقتصادي بين آذربيجان وإسرائيل) وأشار نعمان إلى أنه (ذهل)
للاهتمام الذي تبديه القيادة الآذربيجانية بحل مشاكل الطائفة اليهودية المحلية.
جريدة الحياة ٢٩/٥/١٩٩١
стр. 939
الإسلام في تركيا
عبد المنان جولحة
بعد إبطال المادة رقم ١٦٣ من القانون التركي - التي كانت عائقاً كبيراً أمام
أي نشاط إسلامي - استطاع المسلمون في تركيا كسب مواقع جديدة، فتُرجمت كتب
لم يكن يسمح أن تترجم أو ترى النور، مثل كتب ابن تيمية وابن القيم وابن كثير،
ومن ناحية أخرى بدأت أصوات ترتفع منادية برفع القانون الذي يحمي الأتاتوركية، وظهرت الوثائق التي تكشف التزوير والتضليل الذي مارسته الأتاتوركية خلال
السنين السابقة وفي مدينة أزمير التركية أقيم مهرجان خطابي في يوم ٢٩/٥/٩١
حول فتح القسطنطينية (إستامبول) على يد القائد المسلم محمد الفاتح وكانت الكلمات
تتحدث عن سيرة الفاتح وأخلاقه وبطولاته ودعوة للشباب للاقتداء بهذا البطل
والتمسك بالإسلام، وقد حضرت هذا المهرجان وفود من أوزبكستان وطاجكستان
وتركستان من الاتحاد السوفييتي، ومن البوسنة والهرسك بيوغوسلافيا كما حضرت
وفود من إفريقية وأسيا.
стр. 940
تعقيب على مقال
" وقفة مع عمل المرأة المسلمة "
أم عبد الله
اطلعت على مقال (وقفة مع عمل المرأة المسلمة) شاكرة للأخت (أم عبد الرحمن) حماسها الطيب ومحبتها للخير ورغبتها في تعميمه والدعوة إليه.. مثنية بالشكر على مجلتنا (البيان) لاهتمامها بقضايا الأمة دقيقها وجليلها، سدد الله على الدرب خطاها.
ثم أما بعد.. فهذا تعقيب على مقال الأخت كتبته من باب التجربة ومعايشة
الواقع الحي ولا ألزم أحداً في قبوله [إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ]
[هود: ٨٨] ، وسأجمل القول في النقاط التالية:
أولاً: نحن كمسلمين ملتزمين بأمر الشرع تعترضنا قضايا لا يبدو فيها الحكم
واضحاً ليس من حيث الحل والحرمة ولكن من باب خير الخيرين!
وهنا المرجع إلى القواعد الكلية للشريعة السمحة، تلك الضوابط التي مَن
أتقنها اتضحت السبل أمامه وأبصر سبيله.. ومن فقدها تعثر.. بل ربما هلك وهو
يحسب أنه يحسن صنعاً!
وفي هذه القضية عمل المرأة - وبالأخص مشاركة المرأة الملتزمة في الدعوة
إلى الله واستغلالها مجال التدريس لهذا الهدف - لعل الناظر إليه برويَّة وأمل
واستقراء لقواعد الشرع يرى أن الأمر فيه تفصيل.
١- فإن كانت المرأة عازبة - أرملة أو مطلقة ولديها من العلم والتقى والمنهج
السليم نصيب - فبها ونعمت! تدعو إلى الله تأمر وتنهى.. وترشد وتنصح بعلمها
وسلوكها وشخصيتها المتميزة ونيتها المتجردة فيعظم النفع ويضاعف الأجر [ومَنْ
أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت:
٣٣] ، وهي في هذا مستشعرة واجب الدعوة (بلِّغوا عني ولو آية) [١] واضعة
نصب عينيها (اغتنم فراغك قبل شغلك) [٢] .
فحيَّاها الله أخت مباركة أينما كانت وتقبَّل عملها وبارك فيه وزادها من هداه
[والَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ] [محمد١٧] .
٢- فإن تزوجت ولم تُرزق أطفالاً فكذلك تستطيع بعون الله التوفيق بين عملها
ورعيتها بحسن تنظيم الوقت والاستعانة بالله (تعالى) .
٣- فإن رزقت أطفالاً فالحال تختلف تماماً! أولئك أمانات استُودعت إياهم
والله سائلها أحفظت أم ضيعت.. سائلها عنهم قبل شؤون الدعوة المتشدق بها في
هذه الحالة، فلتفقه المرأة الداعية هذا ولتلزم بيتها ولتحفظ رعيتها موقنة بأنها تربي
الجيل المسلم.. وتعده وأنها تشارك الأمة في عملية البناء وهي في مملكتها.. وهي
مرابطة على ثغرها! !
مستشعرة عظم العبء الذي تنوء به كأم مربية داعية وأفلحت إن شعرت!
إنه ليؤسفنا أن تنظر الأخت الملتزمة إلى (البيت) هذه النظرة الرائجة..
وكأنه آخر ما تفكر فيه فما هذا عهدنا بذوات الخدور القانتات الحافظات للغيب!
[وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣] عبودية يحبها الله فأحبِّيها.. وأحيي
شرع الله يحيي الله قلبك بالإيمان.
وهنا سؤال قد يطرحه البعض:
ماذا أربي في طفل وليد أو لم يبلغ سنة أو سنتين هل أنقطع من أجله؟ !
وهنا نحيلها على كلام الأستاذ محمد قطب (شبهات حول الإسلام) - فصل
الإسلام والمرأة ص١٣٨-١٣٩ ط. الشروق و (منهج التربية في الإسلام) ،
لمحمد قطب ٢/١٠٨-١٠٩، ط. الشروق.
إن الأمومة رسالة لا تقبل المزاحمة بعمل آخر يمتصها معظم النهار في أنظمة
علمانية تعامل المرأة كالرجل. (حيث تبدأ دوامها من الساعة السابعة صباحاً حتى
الثانية ظهراُ، بل قد تبدأ المصلحة من السادسة والنصف؟
فبربِّكم أين يُترك الأبناء؟ ! إنها خيارات مُرة فما المُلجِئ لها؟ !
أعند الخادمات وهذا هو الملاحظ عند كثير من الأخوات الملتزمات، حيث
يرين أنفسهن داعيات للحق ومريدات للخير.. لا يردن أن يتركن المكان شاغراً
لأهل الباطل.. تراهن قد وقعن في استقدام الخادمات من شتى البلدان.. وحكم ذلك
الاستقدام لا يجهله مبتدئ في العلم والدعوة.. بل مسلم من العوام يحفظ حديث
رسول الله ﷺ (لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو
محرم) .
أم يترك عند الجدات اللاتي آن الأوان لبِرّهن وإكرامهن!
أفمن الإحسان إليهن وقد بلغن من العمر عتياً أن يبدأن رسالة جديدة هي
حضانة الأحفاد؟ !
أين الالتزام [وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً] [البقرة: ٨٣] . لقد انقضت أعمارهن في
كدح وشقاء وشظف عيش.. أفلم يأنِ لهن أن يتفرغن لذكر الله والتقرب إليه!
لقد أدَّين رسالتهن وكفى!
شكر الله لهن ورزقهن الشكر لهن [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا] [سبأ: ١٣] .
أو في الحضانات.. وأحيلها كذلك على المرجع السابق (شبهات حول الإسلام) .
ثانياً: وفي هذه الحالة - وهي التفرغ لتربية الأطفال وهي في حد ذاتها
عبودية - فلن تفتر الدعوة كما ذكرت الأخت (أم عبد الرحمن) أو تنقطع بل أراها
ستوجه وجهة أخرى تناسب الحال..
يقول ابن القيم ﵀: (لله سبحانه على كل أحد عبودية بحسب
رتبته، سوى العبودية العامة التي سوَّى بين عباده فيها، فعلى العالِم من عبودية
نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسول الله ﷺ ما ليس على
الجاهل.. وعليه عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره وعلى الحاكم من
عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على
المفتي، وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير،
وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على
العاجز فيهما..) [٣] والشاهد هنا أن على الأخت المتفرغة ما ليس على المنشغلة
بأمومة وزوجية ورعاية بيت! !
ولكن أيضاً (عبودية الدعوة إلى الله) تقوم بها (الأخت الأم) حين توجه
المسار! فلا تزال على الدرب وإن شُغلت، وبين رعاية الحقوق مع الضر
ورعايتها مع العافية بون بعيد [٤] .
فأين الأخت الملتزمة الداعية من اجتماعات النساء بأنواعها من أعراس وولائم
وزيارات ولقاءات لِمَ لا تحييها بالكلمة الطيبة؟ !
أين الأخت الملتزمة من الاجتماعات العائلية لِمَ لا تحولها إلى رياض من
رياض الجنة تتخللها بالكلمة الهادفة [وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] [الشعراء: ٢١٤] .
أين هي من الجارات بل من الحي بأكمله إن كانت مارست التدريس وغُرست
فيه؟ لِمَ لا تجعل له درساً دورياً مستشعرة أن أعظم الإحسان إلى الخلق الإحسان
إليه بالعلم والهدى مستعينة بالكتاب الإسلامي والشريط الإسلامي وكل ما يخدم
الدعوة وييسرها، لقد جُرب هذا فأثمر.
ثالثاً: أن التدريس كوظيفة لها التزاماتها.. ويعرف هذا كل من مارس التعليم
الحكومي، الكثير من الأخوات لم يتركن التدريس كمجال للدعوة إلا بعد أن عانين
الأمرّين من ارتباك حياتهن الأسرية تحت ضغط أنظمة وقوانين لا تعامل المرأة
كمرأة! فكأن لسان حالهن يقول: (ما خرجنا إلا لله وما قعدنا إلا لله) ! .
ومعاناة أخرى تعانيها الأم المدرّسة الداعية فكيف ستكون سكناً للزوج الداعية
المرهق؟ !
إنها أمور جُربت وخُبرت.. ومن ذاق عرف!
فإذا كانت الدعوة عبودية، فالزوجية كذلك.. والأمومة كذلك، فلتوزن الأمور
بموازينها وليُعطَ كل ذي حق حقه.. ولنسرْ على الدرب بخطى مدروسة لا نقبل
أنصاف الحلول ولا نعالج الخطأ بالخطأ مستضيئين بقواعد هذا الشرع.
أما أن نترك بيوتنا وأطفالنا ورعايانا لنزاحم أهل الباطل في مواقعهم.. هكذا
بلا تفصيل فلا يقول به إلا مَن جهل الواقع.. أو تجاهل؟ ! ومَن تناسى الفطرة
والتبس عليه الخيران.
إن ترجيح الفاضل على المفضول قد يفوت بالحماس اللامنضبط بضوابط
الشرع، وذلك أمر يقع فيه الكثير إما لقصر النظر أو سطحيته أو استعجال النتائج
بغض النظر عن العواقب البعيدة!
وإن الزج بكل طيبة لمجال التدريس لتدعو إلى الله - بصرف النظر عن
حالها (أُماً كانت أم لا) - فيه نظر.. فليست القضية يا أختي (شؤون بيت) يساعد
فيها الزوج ويحتسب! فذلك أمر تقوم فيه الآلة بدور ولله الحمد.. ولكن القضية
المعمى عليها (قضية الأبناء) فهل نفقه؟ !
إن الأبناء والعناية بهم أعظم مجال تنصرف إليه المرأة وأشرف ما صرفت
فيه الجهد، وقضت فيه الوقت ولا يعادله أي مجال آخر، وهذا ما اعترف به
العقلاء والمنصفون في المجتمعات الغربية التي استهانت بهذا الدور؛ فحُرمت
السكينة.
فلتقم الأم بدورها متعبدة لله بذلك ولتقم الأخت الآنسة بدورها ولتدعو كل منهما
بما يناسب حالها فذاك الذي يُرضي ربها [والَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى] [الأعلى: ٣] .
وختاماً، فليست هذه الكلمات تثبيطاً للهمم بل أحسبها تصحيحاً للمسار ونبراساً
[لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] [الملك: ٢] .
стр. 941
ركن الأسرة
قبل أن تكوني داعية
اختيار: مريم سعيد
يقول الله في كتابه العزيز [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] [النحل: ١٢٥] .
جزء من آية يعبر عن معنى عظيم مهما حاول الإنسان أن يغوص في أعماقها
ليستخرج المعنى المناسب لها لا يستطيع ويبقى وكأنه على السطح أو على الشط لم
يتجاوزه. ولنحاول أن نأخذ معنى من هذه المعاني الكبرى التي تحتويها الآية
العظيمة: (الدعوة إلى الله) .
أختاه: أقول لكِ بعض كلمات أرجو أن تغرسيها في قلبك وأن تزرعيها في
عقلك وأرجو أن تجد لها مكاناً في قلبك وأن لا يطويها النسيان.
إن المسلم الحقيقي إذا قيل له: ألّف أجساداً تتجمع حولك وعيوناً تنظر إليك
وآذاناً تستمع إليك يقول: لا؛ إني أريد أن أؤلف قلوباً تتجمع وعقولاً تعي ويداً
تعمل وتبني. إن هم المسلم الصادق هو كيف يستطيع أن يحول القلب القاسي إلى
ينبوع من الحنان يتدفق وإلى شلال من العواطف تنساب، أن يمسح عن القلب
الغبار الكثيف الذي خلفه ركام الزمن. إن أسعد الناس حالاً في هذه الحياة أولئك
الذين منحهم الله نفساً جميلة مادة يحبها الناس وتثق بها النفوس وتأنس لها الأرواح.
يا أختاه، إن كثيرات من المسلمات بحاجة إلى قلب وعاطفة ومشاعر فكوني
أنتِ القلب لهن وأحبِّيهن بعاطفتك ومشاعرك، إن الإنسان الذي يعيش بلا قلب
مؤمن حي ولا مشاعر عفيفة صادقة لا يستحق الحياة، إن المؤمنة الصادقة هي التي
لا تفقد قلبها الطفل العطوف، وحتى لو أحست من قِبل أخواتها بقسوة فتتحمل،
وليس هناك شيء ذو قيمة حقة يمكن أن يُشترى بلا آلام وأنت تطلبين الجنة! .
فإن المسلمة الحقة هي التي تلوم نفسها على التقصير بينما التافهة هي التي
تلوم الآخرين، يا أختاه، إن في هذه الأمة مناجم من قلوب لا يحجبها عنا إلا غبار
الزمن، فامسحي بيدك على هذه القلوب لتتفتح كالزهور وتورق كالياسمين وهذه هي
فراسة المؤمن.
إن الإنسان يقاس بقدر المهمة التي يسعى إليها، فكلما ارتفعت ارتفعت قيمته
وسمت، إياك أن تكوني سطحية في الحكم وفي التفكير بل غوصي في الأعماق
لتستخرجي اللؤلؤ وإياك أن تهتمي بالأخطاء الصغيرة وتتوقفي عندها لتحكمي على
صاحبتها بالفشل (فالأخطاء كالقش تطفو على وجه الماء) فمن أراد البحث عن
اللؤلؤ فليغص في الماء ليستخرجه، فإن الشجرة التي تلامس السماء نمت
وترعرعت من أصغر بذرة وكما يقولون (ولولا ظلمةُ الأخطاءِ ما أشرقَ نورُ
الصوابِ) .
لابد أن نسير في طريق الدعوة مهما كانت شائكة، وعلينا أن نقطع الطريق
إلى القمة الشاهقة إلى الفردوس الأعلى مهما أدمت أقدامنا الأشواك ومهما جرح كلام
المستهترين القلوب. إنني كم كنت أحزن على ذلك الشباب المستهتر المغرور الذي
يظن الحياة للهو والمرح ومرتعاً للميوعة والعبث، أكره منهم تلك الأنانية المفرطة
التي تطغى على شخصيتهم وذلك الاستعلاء الفارغ الذي يطل من عيونهم، وتحت
مظهرهم الأرستقراطي الجذاب، كنت ألمح نفوساً دنيئة لا يراها أولئك الذين غرتهم
الحياة وغرتهم الأموال والشهوات.
إن وجودك - يا أختاه - متمسكة بأخلاق دينك وبمبادئك معجزة تدب على
الأرض؛ إذ كيف تشب هذه الفتاة أو هذا الشاب في واقع تذوب فيه الصخور
ويصهر فيه الحديد. وكثير من الناس - وا أسفاه! - ليس لهم من الإنسانية إلا
نقاط الالتقاء مع الحيوان، إنني أعرف أن كثيراً من الإخوة والأخوات الشباب
عقولهم من أذكى العقول، وقلوبهم من أطهر القلوب، يريدون التذكير والدعوة
ليصبحوا عاملين. ولو كان شبابنا وشاباتنا من هذا الطراز لطوينا حياة التخلف والانهيار التي نحياها في بلادنا.
فيا أختاه، ثقي بنفسك وبإيمانك وبدينك؛ فإن لك لغة مؤثرة لو لامست
الصخر الأصم لَلان واستمع، ولتعلمي أن سلب الأجسام أرواحها ليس بأسهل من
سلب النفوس غرائزها وميولها، وإني لأعلم أن في هذا مشقة ولكن قد كُتب لهؤلاء
العاملين على وجه الأرض في مجال الدعوة أن يعيشوا فيها عيش الأشجار في
الصحاري تظلل الناس بوارف ظلها وهي تصطلي حر الشمس.
стр. 942
امرأة وموقف
أسماء بنت يزيد بن السكن
مزنة محمد
صحابية جليلة وأنصارية وراوية ثقة ومجاهدة صابرة. فمَن تكون هذه التي
جمعت هذه الصفات النبيلة واختُصت بها؟
إنها أسماء بنت يزيد بن السكن الأشهلية، ابنة عمة معاذ بن جبل - رضي
الله عنهما - أسلمت وبايعت الرسول ﷺ بيعة الرضوان
وروت عنه أحاديث وشهدت معه فتح خيبر. ولقد لُقبت (برسول النساء) إلى النبي ﷺ . ولهذا اللقب قصة يحسن بنا أن نذكرها لما فيها من الفائدة لعامة النساء.
روى مسلم بن عبيد أنها أتت النبي ﷺ وهو بين
أصحابه فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن الله -
بعثك إلى الرجال والنساء كافةً، فآمنا بك وبإلهك وإنا - معشر
النساء - محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم- معشر الرجال - فُضلتم علينا بالجُمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله وإن الرجل إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً، حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم الأجر والثواب؟ !
فالتفت النبي إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط
أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة
تهتدي إلى مثل هذا.
فالتفت النبي إليها فقال: افهمي أيتها المرأة وأَعلِمي مَن خلفك من النساء أن
حسن تبعُّل [١] المرأة لزوجها وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله،
فانصرفت المرأة وهي تهلل [٢] .
يا لها من رسالة خالدة.. ومسؤولية عظيمة.. فتنال المرأة أجر الجهاد وهي
في مخدعها.. وتنال ثواب الجماعة وهي في غرفتها.. وتكسب شرف الجراح
والاستشهاد في سبيل الله وهي لمَّا تغادر بيتها! ! ، فجزاك الله عنا خيراً يا أسماء؛
فقد كنت سبباً في تعليم النساء أقرب الطرق إلى الجنة ومن أقصرها وهو سبيل
الطاعة.
كان الرسول ﷺ إذا أشرف على بيوت بني عبد
الأشهل - بيت قومها - يقول: ماذا في هذه الدروس، الخير! هذه خير دور الأنصار.
شهدت أسماء فتح خيبر مع مَن خرجن من النسوة لمداواة الجرحى ومناولة
السهام وطبخ الطعام وخرجت مع جيش خالد بن الوليد لملاقاة الروم في معركة
اليرموك وقتلت بعض جنود الروم بعمود خبائها. فلله درُّك يا أسماء فقد نلتِ أجر
الجهاد مرتين: الأولى وأنت في بيتك والأخرى في ساحة الوغى.
امتدت بها الحياة حتى شهدت انتهاء الخلافة الراشدة وتكوين الدولة الأموية
وتوفيت في خلافة معاوية في السنة الرابعة والخمسين للهجرة.
رحم الله أسماء ورضي عنها فقد صدق فيها حديث رسول الله: (رحم الله
نساء الأنصار لم يمنعهن حياؤهن من التفقُّه في أمور دينهن) .
стр. 943
مراجعات في عالم الكتب
كتاب دراسات في أصول المداينات
وكتاب دراسات فقهية
تأليف: أ. د. نزيه حماد
مراجعة: عثمان جمعة ضميرية
على كثرة ما تدفع المطابع من الكتب والمطبوعات، قد لا تجد في المائة كتاباً
جديراً بالعناية والدراسة، فإذا وقعت على دراسة دقيقة عميقة موثقة في أي فرع من
فروع العلم، فأنت إذن تقبض على كنز ثمين، ينبغي أن لا تفرِّط فيه.
أقول هذا، وقد فرغت من قراءة كتابين جديدين من منشورات دار الفاروق -
الطائف وتأليف الأستاذ الدكتور نزيه حماد، أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في كلية
الشريعة جامعة أم القرى، وهو المعروف بين إخوانه وطلابه بمحاضراته الجامعية
وبحوثه العلمية التي تتسم بالعمق والجدية، فهو لا يرضى بالسهولة والسطحية في
البحث، أو الخطف في الكتابة والتحقيق، وكتبه المحققة والمؤلفة، وإشرافه على
الرسائل الجامعية، ومناقشاته، وبحوثه المقدمة للمؤتمرات والمجامع الفقهية، فيها
الدليل الصادق لمن أراد.
الكتاب الأول: دراسات في أصول المداينات في الفقه الإسلامي
وهو مجموعة دراسات فقهية مقارنة في موضوع المداينات في التشريع
الإسلامي، كان قد ألقى أصولها محاضرات على طلبة قسم القضاء بكلية الشريعة،
عندما عهد إليه بتدريس مادة (الدَّيْن وطرق ثبوته) ، ونشر جُل مباحثها في بعض
المجلات العلمية والنشرات الجامعية؛ مما يحصر الإفادة منها بفئة من الباحثين
والقُراء فكان من الخير أن تُجمع في كتاب، منظومة في عقد واحد، نظراً للوحدة
الموضوعية التي تؤلف مباحثها وتجمع بين مسائلها وجزئياتها، وبعد أن أعمل فيها
يد التحرير والتنقيح، وأضاف إليها إضافات علمية ذات أهمية.
ويضم الكتاب بين دفتيه ستة بحوث:
البحث الأول:
حقيقة الدين وأسباب ثبوته، تناول فيه الكلام بالتفصيل عن حقيقة الدين في اللغة والاصطلاح الفقهي، وحقيقة الذمة، نظراً لارتكاز فكرة الدين على فكرة
الذمة وارتباطها بها، ثم بين أسباب ثبوت الدين في الذمة.
البحث الثاني:
توثيق الدين في الفقه الإسلامي وهي دراسة من أهم الأمور المتعلقة بمداينات الناس وعقودهم التي تتضمن ثبوت الدين في ذمة أحد المتعاقدين أو تسببه؛ لأن غرض الشرع ومقصده أن يحفظ لصاحب الدين حقه بأن يمكنه من بلوغه والحصول عليه، وأن يدفع عنه مفسدة هلاكه أو جحوده، أو العجز عن إثباته واستيفائه.
البحث الثالث:
التصرف في الدين في الفقه الإسلامي؛ فدرسها دراسة مقارنة، فهي من أهم موضوعات المعاملات المالية، وأكثرها عمقاً ودقة وشمولاً، بل إن مباحثها ومسائلها تعتبر بمنزلة العصب الساري في هيكل العقود والمعاملات. ومما يزيدها أهمية وشأناً أن كثيراً من صور التعامل المالي المعاصر - كالتحويلات المصرفية، والبريدية، والكمبيالات، والسحب على الحساب الجاري.. - إنما يرتكز تخريجها الفقهي، وتبنِّي أحكامها على أساس فروع وقواعد التصرف في الدين.
البحث الرابع:
تغيُّر النقود وأثره على الديون؛ وهذا البحث يعالج مشكلة اقتصادية عاصرة تمس الفرد والجماعة في أغلب دول العالم اليوم وهي مشكلة التضخم وما يرافقه من تأثير على النقود، كما أن التأثير قد يكون ناتجاً عن تخفيض دولة ما عملتها النقدية أو قد تلغيها وتستبدلها بغيرها.. فلذلك من الأهمية بمكان دراسة ما يتصل بالمعاملات المالية عند تغير أحوال النقد وأثر ذلك على الديون في الذمم أياً كان سببها ومنشؤها.
وهذا الجانب لم يغفله علماؤنا ﵏ وكان لهم نظرات مهمة جديرة
بالعناية، وقد جاء هذا البحث ليبين ذلك، فيدرس تغييرات النقود الذهبية والفضية، والنقود الاصطلاحية، وفي هذه الأخيرة فرَّق بين خمس حالات وهي: الكساد
العام للنقد، والكساد الإقليمي للنقد، وانقطاع النقد، وغلاء النقد ورِخصه. وحكم
كل حال من هذه الحالات، ثم يبحث حالة التضخم والانكماش.
البحث الخامس:
بيع الكالئ بالكالئ (بيع الدين بالدين) ، وحظْر بيع الكالئ بالكالئ من أبرز الأصول الشرعية في المعاملات، فكان لابد من تحرير القول فيه، وضبط معاقده وبيان أحكامه.
والبحث الأخير:
المؤيدات الشرعية لحمل المدين المماطل على الوفاء، وبطلان الحكم بالتعويض المالي عن ضرر المماطلة.
فقد ذهب الأستاذ مصطفى الزرقا في مقال له بمجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي
بجدة عام ١٤٠٥ هـ إلى أنه يجوز الحكم على المدين المليء المماطل بتعويض
مالي يدفعه للدائن مقابل ما فوَّته عليه من منافع بسبب تأخير الوفاء.
ونظراً لبطلان هذا الرأي شرعاً، لضعف الأساس الذي ارتكز عليه، وفساد
الاجتهاد الذي نحا إليه، فقد جاء هذا البحث لتفنيد تلك المقولة وبيان أوجه الغلط
فيها لئلا يغتر بها أحد، مع بيان العلاج الشرعي الصحيح للمماطلة، والتعريف
بالمؤيدات الشرعية لحمل المدين المماطل على الوفاء بدينه.
* * * ...
أما الكتاب الثاني: دراسات فقهية
وهي مجموعة فقهية منهجية في موضوعات متنوعة تكمل الكتاب الأول،
وتضيف جوانب أخرى، قد لا يجمعها مع سابقتها وحدة موضوعية، ولكنها تناقش
قضايا فقهية مهمة، وانتظم الكتاب ستة بحوث وهي: الصلح في الأموال، اللُّقطة
في البلد الحرام، الوعد، القبض الحقيقي والحكمي للأموال، الهجرة، القنوت.
والكتابان دراسة فقهية مقارنة دقيقة للمسائل، تقوم على منهج علمي دقيق،
يحرر فيه المسألة ومحل الوفاق والخلاف، من خلال عرض المذاهب الفقهية
والاستدلال لها، مع المناقشة والترجيح، وقد يترك للقارئ من خلال العرض يختار
ما يراه أقوى ومتفقاً مع الدليل ومقاصد الشريعة.
ونلحظ الدقة في عزو الآراء، وتوثيقها بشكل دقيق أمين، وفي خاتمة كل
بحث بيان بمراجعه ومصادره، وهي طريقة تربي في طالب العلم الملكة الفقهية،
وتعوده على البحث الدقيق في الدراسات الإسلامية الفقهية.
وللمؤلف خالص الدعوات، و (للبيان) خالص الشكر والثناء أن فسحت.
стр. 944
قديم جديد
الأوروبيون والكيل بمكيالين
شكيب أرسلان-حاضر العالم الإسلامي ٤/٦٧-٦٨
جاءني مرة - وأنا منذ سنتين في برلين - اثنان من سفارتين من سفارات
الإنكليز الكبرى في أوروبا، يريدان أن يباحثاني في المسائل الشرقية، فكان من
جملة ما قال لي أحدهما: قُلْ لنا هل تعتقد كوْن هذه الشعوب الشرقية القائمة كلها
بطلب الاستقلال هي أهلاً له. فأجبته: قل لي هل بلاد اليونان منذ قرن والبلغار
منذ ٤٠ سنة والجبل الأسود والصرب كانت أرقى مما هي عليه مصر وسورية
وتونس الآن؟ فلماذا يطلب لتلك الاستقلال مع مساعدة جميع أوروبا وأثناء تصفيقها
وابتهاجها وينكر على هذه بحجة أنها لم تصل إلى درجة الكفاءة؟ !
قال الإنكليزي: أفلا تعترف بكوْننا أقدر على إدارة مصر من أهلها. وإن
وجودنا فيها أضمن لمرافقها المادية. قلت له: أفلا تعترف بأن النمسا أقدر على
إدارة يوغوسلافيا من الصرب وأنها أرقى بدرجات من الصرب؟ أفلا تعترف بأن
النمسا هي التي هذبت ورقت مستوى جميع تلك الأمم التى انسلخت عنها بمساعدتكم؟ أفلا تسلم بكون الرومان الذين كانوا في المجر هم أرقى من رومان نفس رومانيا
وأن حكومة بودابست هي أعلى مراراً من حكومة بوخارست؟ أفلا تقر بكون
الألمان هم أقدر من البولونيين على إدارة سليزيا العليا؟ وأن مرافق سليزيا العليا
تكون تحت إدارة ألمانية مضمونة أكثر مما تكون تحت إدارة بولونية؟ فلماذا إذا
سلختم يوغوسلافيا عن أوستريا وترانسيلفانيا عن المجر وقسماً من سليزيا عن ...
ألمانيا؟ ربما تقولون لملاحظات أخرى وطنية واعتبارات قومية لابد منها؛ إذ
كل أمة لها حق في أن تدير نفسها بنفسها فلماذا هذه الاعتبارات القومية والوطنية تبقى مرعية ما دامت في أوروبا فإذا كانت المسألة في الشرق لم يبقَ هناك من سبب يجب اعتباره سوى حسن الإدارة؟ قلت له: أنا لا أشك في أنه لو استولت ألمانية على أستونية أو ليتوانية أو لاتفيا لإدارتها أحسن مما يديرها أهلها اليوم، ولو استوليتم أنتم على البرتغال لكانت حال البرتغال المالية والإدارية أحسن ... منها في أيدي البرتغاليين وهَلُمَّ جَرَّا، أفتسمح أوروبا لألمانية بحجة علوية ... الإدارة أن تستولي على بلاد البلطيك أو لكم بأن تستولوا على البرتغال؟ لا أظن ذلك. ... فلماذا بحجة أفضلية الإدارة تتمسكون بالبقاء بمصر ولا تنظرون إلى ما هنالك من العوامل القومية والوطنية؟ ولماذا جمهورية أريفان الأرمنية تستحق الاستقلال وكرجستان هي أهل للحرية، ومصر وسورية لا تستحقان الاستقلال ولا الحرية؟ أترى أريفان هذه بل كرجستان أرقى من مصر أو سورية أو العراق أو تونس؟ كلا. فلماذا تحللونه عاماً وتحرمونه عاماً. وأغرب من هذا أن آذربيجان التي هي أرقى جداً من أريفان لم نجد دولة من دول أوربا طلبت لها الاستقلال
وهن بأجمعهن يطلبنه لأريفان. مع أن آذربيجان أربعة ملايين وأريفان أربعمائة ألف وآذربيجان متمدنة وأريفان بجانبها تعد متوحشة. وكذلك جميع الدول
مهتمة بدفع البولشفيك عن أريفان وكرجستان وليس من واحدة تطلب دفعهم عن
آذربيجان والطاغستان، هل في ذلك سبب إلا كوْن الأوليين مسيحيتين والآخريين مسلمتين؟ أفبمثل هذا العدل وهذه المساواة تطمع أوروبا أن يكون بينها وبين الإسلام سلام؟ .
стр. 945
إلى علماء الأمة
سعود بن محمد آل عوشن
إن العلماء في كل زمان ومكان هم مصابيح الأمة وسراجها المنير وقدوتها
وقادتها؟ .. ويجب أن يتولوا توجيهها إلى سبيل الرشاد غير أن البعض منهم بَعُدَ
عن الميدان وتكاسل مما أدى بدخول مَن لم يكن أهلاً لذلك؛ مما دفع الأعداء إلى
استغلال هذه الأصناف من البشر يهدمون الإسلام باسم أهله، دخلوا الميدان
الإعلامي فاستغلوه لنفث سمومهم وترويج مبادئهم وسلعهم وتنشئة أبنائنا عليها؟ ..
فهل أنتم غافلون؟ أم متنصلون من المسؤولية؟ لا شك أنكم مسؤولون عن ذلك أو
محاسبون على كتم العلم أو عدم تعليمه وتبليغه للبشرية بصفة عامة؟ .. فأين تبليغ
للإسلام؟ وأين الدعوة إليه؟
بل أين المؤلفات العصرية التي يمكن أن يبلغ الإسلام بها؟ وتبين محاسنه
ومبادئه وما يقتضيه من إسعاد للبشرية؟ .. وأين الكتب المبسطة لمن دخل الإسلام
لتعلُّمه تطبيقه؟ وغير ذلك مما هو شاغر من ميادين الإسلام وأعماله بينما امتلأت
المكتبات والأرفف بالقصص الماجنة والخزعبلات الضالة؟ .. أين أنتم من هذا
الخضم في الأسواق من الصحافة الضالة والمؤلفات الكثيرة والأفكار الهدامة وما
يسخر في سبيل ذلك من طاقات وجهود وأموال الأمة الإسلامية؟ .
سادتي الأفاضل: إنها الغيرة على الإسلام وأهله وعلى الأمة الإسلامية وما
تعاني من ويلات ومشاكل؟ وندم على ما نشاهد من تفكك في أهل الخير وتباعدهم،
وتضحية عند أهل الباطل لباطلهم وتخاذل وتهاون بين أهل الحق.
إن أموال الأمة نلعب بها كلاب البشر في ملاهيهم وباراتهم ونواديهم وغير
ذلك من ألوان الفسق والكفر بينما نرى البعض مُخلدين لحب الدنيا والدرهم لا
يسألون إلا عن أنفسهم وأكلهم ومعاشهم وتجارتهم وما يتعلق بهم؟ وكأنهم يعيشون
في الوجود وحدهم أو ليسوا مسؤولين عن غيرهم ولا حتى بالمشاركة الوجدانية.
سادتي الأفاضل: هل أدركتم وضعكم وما يجب عليكم وما يحيط بكم وما
يحاك لكم وكيف حال أمتكم وإخوانكم في مشارق الأرض ومغاربها؟ .. فلماذا لا
تعلمون حال أمتكم وتشاركونها وجدانها آلامها وأحزانها تفزعون لمصائبها وتسعدون
لسعادتها وتجاهدون في الذود عن حياضها.
لماذا نبرئ أنفسنا من مسؤوليات مشاركة إخواننا في الجهاد في آلام الجوع
والعري وغيره ونحن نعاني من آلام التخمة الكثير والكثير.
سادتي الأفاضل: أنا لا أعني بخطابي هذا أولئك العلماء الذين سخروا
جهودهم في خدمة الأمة الإسلامية في أي ميدان؟ ، سواء في الدعوة أو التعليم أو
التربية أو غير ذلك في مجالات الخدمة العامة، إنما أعني بذلك أولئك الذين قبعوا
في دورهم؟ .. أو جمدوا على كراسيهم يعدون الشهر باليوم والليلة حتى يحين
موعد المعاش أو العطاء أو الدَّيْن أو الربح أو غير ذلك من أهداف الدنيا الفانية غير
مبالين بعلمهم وعملهم وحياتهم وإذا عملوا لا يعملون إلا لأنفسهم ويذلونها في سبيل
طلب الدنيا، فقد يركع البعض منهم لطواغيت الأرض أو يقبّل أطرافه بانحناء؟ ..
تزلُّفاً إليه وتقرباً منه طمعاً في مادته وعطائه وخشية من سطوته وإبعاده.
فيا علماءنا أفيقوا من هذه الغفلة أو الرقدة الطويلة واغتنموا ما بقي من العمر
القصير، واعلموا أن التاريخ يسجل عليكم كل صغيرة وكبيرة وسينشر صحائفه
للملأ في الدنيا وأن القرين يسجل ذلك أيضاً ليوم الحساب والعذاب أو الثواب وسيقدم
سجله لملك عادل لا تخفى عليه خافية.
فكفانا غفلة وإهمالاً وكفانا كسلاً وخذلاناً.. ولنبدأ الحياة من جديد بعمل جاد
أكيد نغسل به ما مضى ونستدرك به ما بقي فنقول الحق ونطلب الحق ونسعى لأجل
الحق، لا نخشى في الله لومة لائم ولا نخاف إلا من الله ولا نرجو إلا هو وتؤدى
رسالته فنخدم عباده وأمته ونفيض بالعلم والخير عليها ونسخر كل طاقاتنا المادية
والمعنوية علمية أو عملية في بناء الأرض وعمارتها بالعمل الصالح، فتعود للأمة
الإسلامية قوتها وعزتها وللإسلام علوه ومكانته فوق الأديان والأمم وما ذلك على الله
بعزيز.
стр. 946
منتدى القراء
أسباب رفع البلاء أو تخفيفه
أم عبد الرحمن
ذكر الله في كتابه الكريم أن المصائب والكربات التي
تصيب المؤمنين من عباده هي من عند أنفسهم سواء كانت هذه المصائب فردية أو
جماعية، قال : [ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو
عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ومن رحمته - سبحانه - أنه جعل هذه الكربات أو
البلايا التي يصيب بها عباده المؤمنين بمثابة الدواء المر الذي يتجرعه المريض
ليشفي من مرضه، وهذا المرض هو الذنوب التي تتراكم في صحائف أعمال العباد
فتأتي هذه المصائب لتكفر الذنوب، ولتنبه ذوي القلوب الحية إلى العودة إلى الله
بالتوبة إن أراد الله بها خيراً.
وقد يستطيع المؤمن أن يفعل بعض الأسباب التي - بمشيئته - يرفع الله بها
بلاءً كتبه عليه أو يخففه عنه بهذه الأسباب.. ومن هذه الأسباب وأهمها:
(١) التقوى:
ومعنى التقوى كما هو معروف: هو فعل أوامر الله واجتناب معاصيه الظاهرة
والباطنة ومراقبة الله في السر والعلن في كل عمل.
قال : [ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً] [الطلاق: ٢] .
جاء في تفسير ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير
هذه الآية: أي ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وقال الربيع بن خُثيم:
[يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً] : أي من كل شيء ضاق على الناس.
ويأتي حديث رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ليوضح
نتيجة هذه التقوى أو أثرها في حياة المؤمن حين قال له: (يا غلام، إني معلّمك
كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء،
يعرفك في الشدة) .
ومعنى احفظ الله: أي احفظ أوامر الله ونواهيه في نفسك.
ومعنى يحفظك: أي يتولاك ويرعاك ويسددك ويكون لك نصيراً في الدنيا
والآخرة.
قال - سبحانه -: [أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ]
[يونس: ٦٢] .
(٢) أعمال البر (كالإحسان إلى الخلق بجميع صوره) ، والدعاء:
ونستدل هنا على ذلك بقصة الثلاثة الذين انسدَّ عليهم الغار بصخرة سقطت
من الجبل، فقالوا: (إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم)
فكلٌّ دعا بصالح عمله فانفرجت الصخرة وخرجوا جميعاً، وهذا الحديث رواه
البخاري ومسلم.
وقد جاء في الحديث من صحيح الجامع الصغير: (صدقة السر تطفئ غضب
الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء) .
وجاء في الدعاء من صحيح الجامع الصغير: (لا يرد القضاء إلا الدعاء،
ولا يزيد في العمر إلا البر) .
فليثق بالله كل مؤمن ومؤمنة لهما عند الله رصيد من أعمال الخير، فليثق كل
منهما أن الله لن يخذل من يفعل الخير خالصاً لوجهه الكريم وأنه سيرعاه ويتولاه.
فكما قالت خديجة ﵂ للرسول ﷺ عندما عاد
إليها من غار حراء وهو خائف بعد نزول جبريل ﵇ مذكِّرة له
بسجاياه الطيبة، وأعماله الكريمة وأن مَن تكون هذه سجاياه وأعماله فلن يضيعه الله
وسيرعاه ويتولاه بحفظه.
قالت له: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك تصل الرحم،
وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على
نوائب الحق» .
ومن أمثلة أثر الدعاء في رفع البلاء قبل وقوعه: قصة قوم يونس. قال -
تعالى -: [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ومَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ] [يونس: ٩٨] . وذكر ابن
كثير في تفسير هذه الآية: أنه عندما عاين قوم يونس أسباب العذاب الذي أنذرهم
به يونس خرجوا يجأرون إلى الله ويستغيثونه، ويتضرعون إليه وأحضروا أطفالهم
ودوابهم ومواشيهم وسألوا الله أن يرفع عنهم العذاب؛ فرحمهم الله وكشف عنهم
العذاب.
وتحدث ابن قيم الجوزية في كتابه (الجواب الكافي) عن الدعاء قائلاً:
(والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله،
ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد،
ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منها صاحبه) .
وقال أيضاً: (ولما كان الصحابة ﵃ أعلم الأمة بالله
ورسوله، وأفقههم في دينهم، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم،
وكان عمر ﵁ يستنصر به على عدوه وكان يقول للصحابة: لستم
تنصرون بكثرة، وإنما تُنصرون من السماء) .
(٣) الإكثار من الاستغفار والذكر:
قال - سبحانه -: [ومَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] [الأنفال: ٣٣] .
وقد كشف الله الغمة عن يونس ﵇ وهو في بطن الحوت لكثرة تسبيحه
واستغفاره، قال - سبحانه - في سورة الصافات: [فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وهُوَ مُلِيمٌ *
فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] [الصافات:
١٤٢-١٤٤] وكان من استغفاره ﵇ وهو في بطن الحوت قوله: [لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ] [الأنبياء: ٨٧] وقال- ﷺ عن هذا الدعاء: «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» .
وهكذا سيجد المؤمن والمؤمنة - بإذن الله - أثراً محسوساً في حياتهما بهذه
الأسباب السالفة الذكر إن فعلاها وبالأخص في وقت الرخاء «تعرَّف إلى الله في
الرخاء يعرفْك في الشدة» وأن يُراعَى فيها إخلاص النية لله؛ عندئذ تؤتي ثمارها
بمشيئة الله وتكون كالرصيد المالي المدخر الذي تظهر منفعته وقت الحاجة إليه.
стр. 947
الصفحة الأخيرة
المجتمع المخملي
الذي يتابع بعض المجلات العربية- وخاصة التي تصدر في الخارج والتي
توصف بأنها سياسة إخبارية مصورة - يجد أنه برغم تباين اتجاهاتها ما بين يمين
ويسار، ورغم اختلاف أغراضها، فإنها متفقة على شيء واحد يظهر في الصفحات
الأخيرة منها وهي صور حفلات (عِلية القوم) من أغنياء ووزراء، وأصحاب
شركات وأصحاب أقلام صحفية مغموسة بالرياء والنفاق.
حفلات في أفخم الفنادق في أوربا والبلاد الغربية ينفق عليها الآلاف بل
الملايين، تظهر فيه هذه الفئة (المترفة) على حقيقتها، من حب الظهور
و (الفخفخة) والتفاهة، إنهم يعيشون في وادٍ والشعوب العربية في وادٍ آخر.
عندما ترى هذه المناظر (المنكرة) تشعر كم هي سحيقة الهوة بين طبقات
مجتمعنا، فلماذا تلوم هذه الصحف الشباب الذي يبحثون عن العمل، عن الشقة،
عن إعفاف نفسه بزوجة مستورة الحال فلا يجد إلى ذلك من سبيل.
لماذا يعجبون أن يصبح الشباب في حالة نفسية غير سوية، ويتصرفون
تصرفات غير صحيحة؟ ! ، إن هؤلاء الصحفيين الذين يتباكون على مشاكل البلاد
العربية، ويظهرون الشفقة على مستقبلها يشجعون (المترفين) على الإنفاق حتى
يصيبهم شيء منه، إن هذه المفارقات الصارخة ستؤدي إلى الكوارث، وإنها مناظر
مؤذية مؤذية.
стр. 948
ربيع الأول - ١٤١٢هـ
أكتوبر - ١٩٩١م
(السنة: ٦)
стр. 949
الافتتاحية
هل هذا من السياسة
إذا أردنا لحياتنا الفكرية أن تستقيم ويكون للكلمة معنى وتأثير، فلا بد من أن
نحدد المصطلحات التي يثار حولها الجدل أو تستعمل في غير معناها الحقيقي، وإن
كلمة (سياسة) من هذه المصطلحات التي يمارس باسمها كل أنواع التهريج والعسف
والخسف. وقد قرأت للمفكر الجزائري مالك بن نبي ﵀ تفريقاً دقيقاً بين
كلمتين: (السياسة) و (البوليتيكا) فالكلمة الأخيرة وإن كانت تعني في اللغات
الأوروبية: السياسة ولكن، بعض الناس أطلقوها على الذين يتقنون فن التهريج
والمكر والكذب على الشعوب، أو يتخبطون في الأحلام والأوهام، وأطلقها هذا
المفكر على الساسة المعاصرين له الذين يمارسون (البوليتيكا) وبظنون أنهم
يمارسون السياسة.
السياسة توجيه محدد وأهداف واضحة، وفعل الممكن، هذا عند من يعتمد
على ثقافة معينة وتجارب تاريخية، وأما عند المسلم فهي «استصلاح الخلف
بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة» [١] . فهي سياسة شرعية مبنية
على أصول ثابتة من القرآن والسنة وسيرة الرسول ﷺ ،
وسيرة الخلفاء الراشدين. وما كتبه العلماء حول هذا الشأن. ونحن عندما نفرق بين
السياسة القائمة على أصول ثابتة مع مراعاة المصلحة الشرعية وظروف الواقع
وبين ما يسمى سياسة: فلأننا ندرك حجم المأساة التي جرتها ممارسة (البوليتيكا)
على الدعوة والدعاة في العصر الحديث حيث المواقف المتناقضة، والدخول في
الصراعات التافهة بين الأحزاب. ويحق لنا أن نتسائل: هل من السياسة أن تعقد
عقداً أو تهادن عدواً ثم تنقضه في السر بحجة المصلحة وتظهر أمام الناس أنك تكيل
بمكيالين وتتناقض مع مبادئك؟ والإسلام لا يبيح هذا، جاء في سورة الأنفال:
[وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ] [الأنفال: ٥٨] .
أي إذا خفت «وتوقعت من قوم خيانة بنقض عهدك، وهذا يظهر لك بالدلائل
القوية فاقطع عليهم طريق الخيانة بأن تنبذ إليهم عهدهم أي تعلمهم بفسخه على
طريق سوي واضح لا خداع فيه ولا استخفاء ولا خيانة حتى تكون أنت وهم في
العلم سواء، والحكمة في هذا النبذ أن الإسلام لا يبيح لأهله الخيانة مطلقاً، وقد
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ميمون بن مهران قال:» ثلاثة المسلم والكافر
فيهن سواء، من عاهدت فوفِّ بعهده مسلماً كان أو كافراً، ومن كان بينك وبينه
رحم فَصِلهْا مسلماً كان أو كافراً، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلماً كان أو
كافراً « [٢] .
وفي معرض ولاية المؤمنين بعضهم لبعض وأن الذين لم يهاجروا إلى دار
الإسلام فليس لهم ولاية وحقوق كمن هاجر [والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن
ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا] واستثنى من ذلك إذا قاتلهم الكفار أو اضطهدوهم
لأجل دينهم فيجب على دولة الإسلام والمسلمين في دار الإسلام نصرتهم [وإن
استنصركم في الدين فعليكم النصر] ثم استثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقال:
[إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ] يعني» إذا استنصركم فانصروهم إذا كانوا في دولة كافرة محاربة، أما إذا كانوا في دولة كافرة ولكنها معاهدة فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم لأن الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض العهود والمواثيق « [٣] .
وجاء في صحيح مسلم عن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان قال:
» ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي: حُسيل، قال: فأخذنا
كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة،
فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله -
ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» [٤] .
إلى هذا المرتقى يرتفع الإسلام ويراعي العهود والعقود، ونتساءل مرة ثانية:
هل من السياسة ما يفعله البعض من إمساك العصا من الوسط ويعتبرها سياسة دائمة
له ويظن أن هذا منتهى الكياسة أو يطلق التصريحات العائمة الغائمة فلا يدري
السامع ماذا يريد؟ وماذا يعني؟ وهل من السياسة رفع شعارات لا يؤمن بها
صاحبها، وما رفعها إلا إرضاء للعامة وغوغاء الناس أو إرضاء لفئة من الناس
يحبون العيش فترة من حياتهم في أحلام اليقظة أو تستثيرهم التصريحات العاطفية.
قد يضطر المسلم للتورية أحياناً أو يصرح تصريحات عامة في ظروف معينة، ولكن أن يكون هذا ديدنه فهذا أقرب إلى الضعف والخور يلبسهما لبوس السياسة
بزعمه. ونحن نعتقد أن الحرب خدعة وأنه قد يستعمل المكر مع الأعداء ولكن هذا
يختلف عن التصريحات الكاذبة أو نقض العهود. إن بعض أسباب ممارسة هذه
(البوليتيكا) واضحة لمن يتأمل واقع المسلمين، فهذا الذي يتحدث، ويطلق
التصريحات الفضفاضة والتي هي أكبر منه، وهذا الذي يقود ويتزعم ... هؤلاء
ليسوا من رجال الفطرة الذين يملكون الشجاعة والروح الوثابة والروح الإيمانية
الغامرة التي تدفعهم للتغيير، ذلك لأنهم نشأوا في ضعف وهزيمة، الواحد منهم لا
يملك الاستعداد للأمور العظيمة، فهو دائماً في منتصف الطريق، وهو دائماً يمسخ
المشاريع الكبيرة ليحيلها إلى (سياسة) حسب مفهومه فهو مستعد «لنصف جهد،
ولنصف اجتهاد ونصف طريق» [٥] .
وبعضهم لم يكن يتصور في يوم من الأيام أنه سيقود الجموع وتفتح له أبواب
الجاه مشرعة فلما وسد إليه الأمر، لسبب وجاهته أو فصاحته أو ... لم يكن يصدق
ذلك فرجع إلى طبيعته من الضعف واستغل هذا لتحقيق أهدافه الدنيوية التافهة.
إذا أردنا التغيير فلابد من رجال الفطرة الذين يفهمون السياسة الشرعية فهما
دقيقاً ويكفون عن ممارسة (البهلوانية) والظهور بوجهين، وإطلاق التصريحات
العاطفية ويواجهون الواقع بحذر وحزم وعزم.
* * *
«فليس للانحراف طرق مرسومة نظرياً ولكن له دروباً مظلمة يتعثر فيها
السائر في كل خطوة» .
مالك بن نبي
стр. 950
علماء الاجتماع والعداء للدين وللصحوة الإسلامية
(٤)
رجال الاجتماع ومهمة تفكيك الدين
د. أحمد إبراهيم خضر
تناولنا في الحلقة الماضية قضية اتهام رجال الاجتماع في بلادنا لشباب
الجماعات الإسلامية بالتطرف، وبأنهم مرضى عقليون يمثلون شخصيات مريضة
تعاني من الجنون الدوري، أو جنون الاضطهاد والعظمة، وبينا سقوط هذا الادعاء
على أساس ما توصل إليه مائة متخصص ومهني من علماء الطب النفسي في عام
١٩٨٠ بالولايات المتحدة من أنه لا علاقة بين الإصابة بالأمراض العقلية
والسلوكيات وخاصة التطرف. كما عرضنا لاعتراف رجال الاجتماع بأن البديل
لانضمام الشباب إلى الجماعات الإسلامية هو إما الهجرة أو ممارسة الأعمال غير
المشروعة: كالاتجار في المخدرات، أو الرشوة، أو التهريب، أو ممارسة
الجريمة التقليدية، وغير التقليدية. كما سجلنا على رجال الاجتماع اعترافهم
بأصالة القيم التي يحملها شباب الجماعات الإسلامية، وبأن التجاءهم إلى الدين قد
حماهم من الدمار الشامل الذي أصيب به غيرهم من الشباب.
ونتناول في هذه الحلقة الأسباب التي تكمن وراء سعي رجال الاجتماع في
بلادنا لتفكيك الدين، ودور الدولة في تمهيد الطريق لإنجاح هذه المهمة.
لماذا يرى رجال الاجتماع في بلادنا أن تفكيك الدين ضرورة؟
يدرك رجال الاجتماع في بلادنا تمام الإدراك أن الإسلام يقدم تصوراً معرفياً
لتفسير العالم الاجتماعي، وأنه لا يمكن تصور استقلالية لهذا العالم إلا في حدود
(المشروع الرباني) الذي يمنحه إياها - هكذا قالوا بنص عباراتهم - كما يدركون
أيضاً أن هذا الإسلام يشكل نمطاً للبناء الاجتماعي وإطاراً مرجعياً يلجأ إليه الناس
بطريقة تلقائية للتفكر في هذا العالم الذي يعيشون فيه. ويرفض علم الاجتماع ذلك
لأنه يريد أن يقدم معطيات الحياة الاجتماعية من عنده تحت غطاء تعرية هذه
المعطيات، ولهذا السبب كان انتقاد علم الاجتماع للدين جزءاً لا يتجزأ من طبيعة
تكوينه، وكان صدامه مع الدين أمراً لا مفر منه، وإذا التقيا فإن التقاءهما لا يمكن
أن يتم إلا عبر صراعات.
يقول محمد شقرون أستاذ الاجتماع في جامعة محمد الخامس بالمغرب:
«تدخل السوسيولوجيا في هذا المجال في صدام مع الدين، إنها تصطدم به من جهة، لأن الدين يشكل نمطاً للبناء الاجتماعي للواقع، ونسقاً مرجعياً يلجأ إليه الفاعلون الاجتماعيون بكيفية تلقائية لتفكر العالم الذي يعيشون فيه. ويشكل هنا انتقاد الدين جزءاً لا يتجزأ من تعرية المعطيات التلقائية للتجربة الاجتماعية، حيث تكون الوقائع السوسيولوجية ملتصقة. وتشكل هذه التعرية نقطة عبور لا مفر منها في عملية موضعة هذه المعطيات. وتلتقي السوسيولوجيا بالدين كذلك في الوقت الذي يعتبر الدين تصوراً عرفانياً لتفسير العالم الاجتماعي والذي لا يمكن أن يتصور استقلالية لهذا العالم إلا في حدود المشروع الرباني الذي يمنحه إياها، لهذا فإن التقاء السوسيولوجيا بعلم اللاهوت لا يمكن أن يتم إلا عبر صراعات» [١] .
يريد رجال الاجتماع في بلادنا إخضاع الدين لتحليلاتهم وتفسيراتهم
وتصوراتهم. وفي أذهانهم اعتقاد خاطئ بأن الدين كان ولا يزال ينافس العلم في
العالم العربي، وغاب عنهم تماماً أن الدين والعلم في الإسلام متساندان وليسا في
تصارع وصدام كالحال في بلاد الغرب. ويعبر محمد شقرون عن هذا الاعتقاد
الخاطئ فيقول: «إلا أنه لا يمكن أن نتجاهل الإشارة إلى هذا الصراع الأولي
عندما نتكلم عن الشروط التي جعل العلم فيها الدين موضوعاً له، لأنه قبل لم أن
يصبح الدين موضوعاً من بين مواضيع السوسيولوجيا فإنه كان المنافس لها وما زال
ينافسها في مجتمعاتنا العربية الحديثة العهد بالعلم الحديث» [٢] .
انبثاقاً من هذا التصور الخاطئ بتصادم الدين والعلم في بلادنا قياساً على ما
تعلمه هؤلاء من الغرب فإنهم قد أعلنوا ثورتهم على عقيدة الإسلام صراحة،
ووقوفهم إلى جانب العلم تماماً، وقالوا أنهم إذا خيروا بين عقيدة تحدد لهم أصل
الإنسان ومصيره وعلة وجوده؛ وبين علم يقدم لهم ما يتصورونه أنه معارف
وحقائق متاحة أمامهم فإنهم سيختارون طريق العلم بالرغم من اعترافهم بأن إسهام
الأخير إسهام محدود.
يقول محمد الجوهري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة [٣] : «.. ومن
الممكن أن نجيب على هذا السؤال.. الأشياء التي يقدر الإنسان على تحقيقها وما
هو مدى قدرتها على التكيف بطريقتين مختلفتين الأول (كذا) : على أساس عقيدة
دينية أو دنيوية تحدد لنا المسائل المطلقة والنهائية في حياة البشر. عقيدة تحدد لنا
أصل الإنسان ومصيره وعلة وجوده.. الخ والطريقة الثانية: أن نجيب على أساس
المعارف والحقائق العلمية المتاحة لنا.. وفي الحالة الثانية يتحتم علينا الإقلاع تماماً
منذ البداية عن محاولة الوصول إلى أي إجابة عن مثل هذه التساؤلات النهائية
والمطلقة ونقصر أنفسنا على كل ما هو متاح (امبيريقيا) [*] ، أي ما يمكن أن
نتوصل إلى إدراكه من الواقع ونستطيع تحليله تحليلاً مفهوماً مقبولاً، ومن الواضح
أننا - المشتغلين بالعلم - لا نفكر سوى في هذا الطريق الثاني طريق المعلم
والتأسيس على العلم. كما أننا لا نستطيع كمتخصصين اجتماعيين أن نقدم في هذا
الطريق سوى إسهاماً محدوداً، وهذا قيد نعرفه ونسلم به منذ البداية» .
لم يكتف رجال الاجتماع في بلادنا بناء على هذا التصور الخاطئ بتصادم
الدين بالعلم بإعلان ثورتهم على عقيدة الإسلام ولكنهم اتجهوا أيضاً إلى مهمة أخرى
وهي تفكيك الدين سعياً وراء وهم اسمه (استقلالية العلم) ، أو بمعنى آخر:
الانفراد بتفسير شؤون الحياة الاجتماعية وفصلها تماماً عن الدين.
تصور رجال الاجتماع أن ممارستهم لهذا العلم لن تتحقق ولن تتم إلا إذا
طرحوا قضية تفكيك الدين بجرأة وصراحة كضرورة واضحة لهذه الممارسة
المزعومة.
يقول محمد شقرون: «إن ضرورة تفكيك الدين من أجل التحرير الضروري
لمجال الفكر، وذلك لإنتاج تأويل علمي عن الاجتماعي لم تطرح بصراحة وجرأة
في الوطن العربي كضرورة واضحة لممارسة العلم بصفة عامة وممارسة العلوم
الإنسانية بصفة خاصة، ويرجع هذا بالطبع إلى غياب حقل علمي يتمتع بكامل
الاستقلالية عن السياسي وعن الدين نفسه» [٤] .
وربط رجال الاجتماع بين شرعية ممارستهم للعلم واستمرار صدامهم مع الدين
لتحقيق هذه الاستقلالية التي يطمحون فيها، إلا أنهم رأوا أنه يمكن أن يقبلوا بين
صفوفهم - تواضعاً - أي عالم مؤمن شريطة ألا يتحدث عن إيمانه وبهذا كان
إقصاء الدين شرطاً ضرورياً لممارسة العلم.
يقول محمد شقرون: «ومازالت شرعية العمل العلمي مضمونة بالإحالة إلى
هذا الصراع من أجل استقلالية المعرفة العلمية: يقبل عالم مؤمن في مجموعة
العلماء شريطة ألا يتحدث عن إيمانه. إن كبر سنه وشهرته هما اللذان يسمحان له
بـ (اعترافات) ذاتية بعيدة عن الممارسة العلمية» [٥] .
ولو توقف طموح رجال الاجتماع في بلادنا عند حد السعي لاستقلالية العلم
لهان الأمر، لكنهم لا يكتفون بذلك بل جعلوا مهمة تفكيك الدين - كما أوضحنا -
ضرورة لتأويل وتفسير الحياة الاجتماعية وفقاً لترهاتهم التي يطلقون عليها (علماً) ، إنهم لا يكنون أي احترام للدين الذي يريدون التعامل معه مثلما يتعاملون مع أي
وقائع أخرى، ولا زالوا يصرون على التمسك بأسطورة (العقلانية) رغم
اعترافهم - كما أوضحنا سابقاً - بسقوطها وإشارتهم هنا على استحياء بأن هذه العقلانية عليها مآخذ.
يقول محمد شقرون: «وطموح السوسيولوجيا الدينية يمكن تعريفه في هذا
الإطار مهما تكن المآخذ على العقلانية العلمية. ويمكن تلخيص هذا الطموح بكيفية
بسيطة: إن الأمر يتعلق فقط بمعاملة الوقائع الدينية كما تعامل الوقائع الاجتماعية
الأخرى من الناحية السوسيولوجية، أي بناء هذه الوقائع وتصنيفها ومقابلتها
ومعالجتها بمفهومي العلاقات والصراعات» [٦] .
ينتظر رجال الاجتماع في بلادنا ما يسمونه (بتراجع الدين) ، يأملون أن تأتي
العقلانية - رغم اعترافهم بفشلها - بثمارها مثلما حدث في الغرب. يتوقعون
مواجهة منسجمة بين الدولة والإسلام مثلما حدث بين الدولة والكنيسة في الغرب.
يطمحون أن تسجل بحوثهم شهادة على تراجع الدين ممثلة في قلة الممارسة الدينية
وتطبيق الفروض الدينية وتفكك الشعائر الدينية تحت ضغط التمدن والتصنيع مثلما
حدث في الغرب. يشكل هذا التراجع الذي يطمحون إليه بالنسبة إليهم أفقاً فكرياً
وثقافياً يسمح لهم بالعبث في النسيج العقيدي لبلادنا وتخريبه. لا يريد رجال
الاجتماع في بلادنا أي مقاومة من علماء الدين لمواجهة هذا التخريب، ويسعون إلى
الانفلات من قبضتهم مثلما أفلت الغربيون من ضغوط الكنيسة، إن نجاحهم في
الإفلات من قبضة علماء الدين سيسمح لهم بعمل مميز في علم الاجتماع ألا وهو -
نقد الدين - الذي يمثل أول خطوة في تفكيك الدين.
يقول محمد شقرون: «وإذا كان الإرث الفلسفي للعقلانية قد أثر في تطور
السوسيولوجيا الدينية في المجتمعات المتقدمة الغربية فإن ذلك يرجع إلى التجانس
الخاص بتاريخ المواجهة بين الكنيسة والدولة في هذه المجتمعات من جهة، ويرجع
ذلك من جهة أخرى إلى كون البحوث المقامة حول الوضعية الدينية في هذه
المجتمعات قد قدمت إثباتاً أساسياً لمسلمة تراجع الدين في العالم الحديث: قلة
الممارسات الدينية وتطبيق الفروض الدينية، تفكك الشعائر التقليدية تحت ضغط
التمدن والتصنيع، تقلص نسبة الرجال والنساء الذين ينخرطون في الرهبانية..
الخ وعملية تراجع الدين الذي هو الأفق الفكري والثقافي الذي تفترضه الحداثة [**]
كانت تشكل في هذه البحوث ظاهرة ملاحظة ومقاسة.. من هنا جاءت ضرورة
إفلات الممارسة السوسيولوجية من تأثير رجال الدين، إن هذه الإرادة في الإفلات
أو الانعتاق من ضغوط الهرمية الكنسية ومن احتواء رجال الدين، كانت تمثل
الشكل الأول لمتطلبات النقد التي تميز كل عمل سوسيولوجي» [٧] .
جاءت الصحوة الإسلامية لتصيب أماني وطموحات رجال الاجتماع في بلادنا
في تراجع الدين وأحلام نقده وتفكيكه ثم اختفائه في الصميم، وبينت لهم المآل
الحقيقي للحداثة، وأثبتت لهم أن الطريق الذي سلكوه ليس طريقاً سهلاً، وفوجئ
رجال الاجتماع بأن الدين بدلاً من أن يختفي فإنه يقاوم ويتحول ويمتد إلى قطاعات
كانوا يسيطرون هم عليها. أصبح رجال الاجتماع أمام هذا الموقف الجديد في
موقف الدفاع مع المقاومة الشديدة التي واجهتهم في ظروف غير مواتية لهم، لكنهم
لازالوا يصممون على الكفاح من أجل الحفاظ على ما يسمونه الطموح في نقد الدين.
يقول محمد شقرون: «إن الأهمية القصوى التي أصبح يحظى بها الحدث
الديني في المجتمعات الحديثة في أوساط المهتمين بالسياسة وفي أوساط المثقفين
الذين يتحدد دورهم في فهم مآل الحداثة لا تسهل الوضع الفكري لعلماء اجتماع الدين
تجاه موضوعهم. فقد بين هؤلاء منذ زمن بعيد أن الدين عوض أن يختفي، يقاوم
ويتحول ويستولي على موضوعات جديدة لا صلة لها بالدين، وأنه بإمكانه أن يخلق
ما هو جديد ولكنه يبدو أن مجموع هذه الظواهر (المقاومة، التحويل، التعويض،
التجديد.. الخ) تأخذ قيمة جديدة في النظرة السوسيولوجية، فقد أصبحت
السوسيولوجيا اليوم وخاصة في المجتمعات العربية أمام وضعيه الكفاح من أجل
الحفاظ على طموحها النقدي في ظرفية تتميز بتبني كل أشكال المقاومات الدينية
واستخدامها لمصلحة اللاعقلانية» [٨] .
يدرك رجال الاجتماع في بلادنا أن طموحاتهم في نقد الدين وتفكيكه لا تزال
قائمة ما دامت الدولة تقاسمهم هذه المهمة وتشترك معهم في التآمر ضد الدين.
تعطي الدولة وزناً كبيراً للعلوم الإنسانية لا يماثل هذا الوزن الذي تعطيه للعلوم
الطبيعية، حيث تظهر العلوم الإنسانية أن سلوك الإنسان بما فيه (السلوك الديني)
يخضع لتأثير معطيات نفسية واجتماعية، كما تبرهن العلوم الاجتماعية وخاصة علم
الاجتماع وعلم النفس والتحليل النفسي أن القوى والدوافع التي تتحكم بالآراء
والمعتقدات والإرادات هي قوى ودوافع ذات طبيعة متغيرة تبعاً لدرجة تطور
المجتمعات، أي (لا تأثير للدين والعقيدة فيها) وتبين هذه العلوم (للدين) كما يقول -
فرحان الديك - أن الإنسان تابع لنظام اجتماعي يرتبط فيه التفريق بين الديني
والدنيوي. أي فصل الشؤون الدنيوية عن الدين..
ومن هنا لا نستغرب أن نجد أن عداء رجال الاجتماع في بلادنا مرتبط ومحتم
بعداء الدولة للدين التي اتخذت منذ زمن بعيد خطوات محددة مهدت الطريق لرجال
الاجتماع لأداء مهمتهم في تفكيك الدين، وقد كان أبرز هذه الخطوات الآتي:
أولاً: التركيز على القومية كهدف أعلى وغاية أسمى، والعمل على ترويض
الإنسان ومحاولة الاستئثار به كلياً وإبعاده عن الدين مع تشديد الدولة على رعاياها
بالتأكيد على عدم الخلط بين الدين والدنيا، وتحرير السلطة السياسية من وصاية
الدين، وتطوير أخلاق سياسية لا تمت بصلة إلى أي معيار سماوي، ولا تترك
الدولة للإنسان فرصة اختيار موقف محايد في الصراعات الاجتماعية والسياسية
القائمة بتطبيقها، بل تصر على مبدأ (من ليس معنا فهو ضدنا) .
يقول فرحان الديك: «في الماضي غير البعيد بالنسبة إلى المجتمع العربي
كان الدين الإسلامي يتغلغل كلية أو في محمل حياة الفرد وفكره. وعلى هذا الأساس
كانت سيادته كأفق ثقافي للفرد، لكن عندما حلت الدولة بمفهومها الحديث محل الدين
في مناخ صراعي حدث تنافس بين الدين والمجتمع، فالأمة عندما تكف عن
الخضوع للدين ومنذ أن تصبح القومية الهدف الأعلى وتعد الغاية الأسمى تصبح
بالضرورة عدوة للدين، فهي تتطلع إلى ترويض الإنسان لتجعل منه غرضها
وشأنها وإبعاده عن الأجواء التقليدية لتستأثر به كلياً [٩] .
ثانياً: تطبيق سياسة العلمنة كتحد شامل وعام للدين خاصة لأن الدين في
الإسلام ليس قضية خاصة أو مجالاً أو حيزاً محدداً بدقة مستقلاً ومفصولاً عن
المجالات الأخرى، وإنما يغطي بشمول كبير المحيط العائلي والاجتماعي والسياسي
والقانوني، لا يترك حيزاً من الحياة الفردية والجماعية دون أحكام وقواعد، وتمتد
فروعه إلى كل مجال، وتأثيره حاضر باستمرار. ولتحقيق هذا الاستقلال
والانفصال بين شؤون الدنيا والدين قامت الدولة بما يلي: [١٠]
١- توطيد المؤسسات العلمانية التي تؤسسها، والتي تأخذ الطفل والشاب إلى
جو يختلف كلية عن جو الأوساط الدينية، وإدخال الفرد في عدة جماعات ذات
أهداف مستقلة لا تفكر مطلقاً في الدين أو اليوم الآخر. وتفرض الدولة على الفرد
الانتقال باستمرار من المحيط الديني إلى محيط يجهل كل شيء عن الدين، أو يكن
له عداءً مكشوفاً، ويتمركز أصلاً حول المصالح الدنيوية المادية، إلى أن ينتهي
الأمر بالفرد إلى اعتبار الدين مؤسسة شبيهة بالمؤسسات الاجتماعية الأخرى، لا
يكرس له من وقته ونفسه إلا حيزاً محدوداً.
٢- العمل على تحقيق العلمنة الفعلية للمجتمع بتأسيس منظمات وجمعيات
ثقافية ونقابية وحزبية وتنظيمية (كالنادي الرياضي، أو التنظيم المهني، أو
الجماهيري، أو السكني) تتوسط بين الفرد والمجتمع دون ضرورة للمرور على
المؤسسات الدينية كما كان الحال في الماضي. وبتأسيس هذه المنظمات يضعف
اعتماد الفرد في تفسير أمور حياته على القيم الدينية. وتتسع هذه المنظمات إلى لا
تقيم اعتباراً لقيم الفرد الدينية، ولا تهتم إلا بمصلحة الفرد في ضوء هدفها الذي
تسعى إلى تحقيقه، ومن ثم يتحول الدين إلى مسألة خيار شخصي لا يعنيها ولا
يهمها.
٣- فصل المجالات الاقتصادية عن الدين، بإعادة بناء المجتمع وفقاً
لمقتضيات ومتطلبات الإنتاج والاستهلاك، بحيث تكون الكلمة العليا للربح والدعاية
والتنافس وتقنيات الإنتاج والتسويق والإدارة، ولا يكون هناك تأثير مطلقاً للأخلاق
الدينية، ويكون القرار في يد أولئك الذين يملكون سلطة سياسية واقتصادية وسيطرة
لا حد لها. ومن هنا تختلف خيارات الإنسان المرتبطة بتصوره وحاجاته عن
التصور الذي ينبثق من مبادئ وقيم الدين، بحيث يشتد التركيز على الجانب المادي
من الحياة وعلى السعادة الدنيوية، دون وضع اعتبار لقيم الدين كالقناعة والابتعاد
عن الغش والاحتكار.. الخ.
٤- التركيز على سياسة تحديد النسل وتدخل السلطات الرسمية فيها، وهي
تعلم أنه مجال يلقى معارضة شديدة من الدين وعلمائه. تؤكد الدولة للإنسان بأن له
حق التصرف في جسده، كما تقوم بإدخال معطيات ديموغرافية وفيزيولوجية
ونفسية وطبية وسياسية في مسألة الإنجاب، وهي معطيات من شأنها أن تقوض
المرتكزات الدينية التي تقوم عليها هذه المسألة..
ثالثاً: تصوير الحضارة الصناعية على أنها حضارة منافسة للدين متحدية له
بما تقدمه من إمكانيات العلم والتقنية، وبتصويرها للإنسان على أنه سيد للطبيعة
وأن على الإنسان أن يتكيف لهذه الحضارة بسبلها المادية والفكرية معاً، وهذا
يستلزم منه أن يعيد النظر في أفكاره الدينية التي تكونت عبر مراحل تنشئته
الاجتماعية. وتؤدي هذه العملية إلى أن يصبح العالم الفكري للإنسان (عقلانياً) فلا
يحتاج بالتالي إلى الدين الذي ينظر إلى هذه الحضارة -كما يتصور فرحان الديك -
نظرة ترقب وتجاهل.
رابعاً: الاستفادة من انتشار العمران والحراك الجغرافي والاجتماعي بالتأكيد
على التجديد والابتكار وبتعددية المواقف ونسبية الخيارات، كل ذلك بقصد ألا
تنطلق المواقف والخيارات من الدين وحده، مع تأكيد النظرة إلى المسجد على أنه
أحد القطاعات التي تضمها المدينة أو القرية الريفية، والعمل ألا يختلط المسجد
بالحي أو بالوسط الريفي مثلما كان سائداً في الماضي مع تحجيم دوره بالصورة التي
تمنع هذا الخلط.