منتدى القراء
أسباب رفع البلاء أو تخفيفه
أم عبد الرحمن
ذكر الله في كتابه الكريم أن المصائب والكربات التي
تصيب المؤمنين من عباده هي من عند أنفسهم سواء كانت هذه المصائب فردية أو
جماعية، قال : [ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو
عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ومن رحمته - سبحانه - أنه جعل هذه الكربات أو
البلايا التي يصيب بها عباده المؤمنين بمثابة الدواء المر الذي يتجرعه المريض
ليشفي من مرضه، وهذا المرض هو الذنوب التي تتراكم في صحائف أعمال العباد
فتأتي هذه المصائب لتكفر الذنوب، ولتنبه ذوي القلوب الحية إلى العودة إلى الله
بالتوبة إن أراد الله بها خيراً.
وقد يستطيع المؤمن أن يفعل بعض الأسباب التي - بمشيئته - يرفع الله بها
بلاءً كتبه عليه أو يخففه عنه بهذه الأسباب.. ومن هذه الأسباب وأهمها:
(١) التقوى:
ومعنى التقوى كما هو معروف: هو فعل أوامر الله واجتناب معاصيه الظاهرة
والباطنة ومراقبة الله في السر والعلن في كل عمل.
قال : [ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً] [الطلاق: ٢] .
جاء في تفسير ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير
هذه الآية: أي ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وقال الربيع بن خُثيم:
[يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً] : أي من كل شيء ضاق على الناس.
ويأتي حديث رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ليوضح
نتيجة هذه التقوى أو أثرها في حياة المؤمن حين قال له: (يا غلام، إني معلّمك
كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء،
يعرفك في الشدة) .
ومعنى احفظ الله: أي احفظ أوامر الله ونواهيه في نفسك.
ومعنى يحفظك: أي يتولاك ويرعاك ويسددك ويكون لك نصيراً في الدنيا
والآخرة.
قال - سبحانه -: [أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ]
[يونس: ٦٢] .
(٢) أعمال البر (كالإحسان إلى الخلق بجميع صوره) ، والدعاء:
ونستدل هنا على ذلك بقصة الثلاثة الذين انسدَّ عليهم الغار بصخرة سقطت
من الجبل، فقالوا: (إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم)
فكلٌّ دعا بصالح عمله فانفرجت الصخرة وخرجوا جميعاً، وهذا الحديث رواه
البخاري ومسلم.
وقد جاء في الحديث من صحيح الجامع الصغير: (صدقة السر تطفئ غضب
الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء) .
وجاء في الدعاء من صحيح الجامع الصغير: (لا يرد القضاء إلا الدعاء،
ولا يزيد في العمر إلا البر) .
فليثق بالله كل مؤمن ومؤمنة لهما عند الله رصيد من أعمال الخير، فليثق كل
منهما أن الله لن يخذل من يفعل الخير خالصاً لوجهه الكريم وأنه سيرعاه ويتولاه.
فكما قالت خديجة ﵂ للرسول ﷺ عندما عاد
إليها من غار حراء وهو خائف بعد نزول جبريل ﵇ مذكِّرة له
بسجاياه الطيبة، وأعماله الكريمة وأن مَن تكون هذه سجاياه وأعماله فلن يضيعه الله
وسيرعاه ويتولاه بحفظه.
قالت له: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك تصل الرحم،
وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على
نوائب الحق» .
ومن أمثلة أثر الدعاء في رفع البلاء قبل وقوعه: قصة قوم يونس. قال -
تعالى -: [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ومَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ] [يونس: ٩٨] . وذكر ابن
كثير في تفسير هذه الآية: أنه عندما عاين قوم يونس أسباب العذاب الذي أنذرهم
به يونس خرجوا يجأرون إلى الله ويستغيثونه، ويتضرعون إليه وأحضروا أطفالهم
ودوابهم ومواشيهم وسألوا الله أن يرفع عنهم العذاب؛ فرحمهم الله وكشف عنهم
العذاب.
وتحدث ابن قيم الجوزية في كتابه (الجواب الكافي) عن الدعاء قائلاً:
(والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله،
ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد،
ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منها صاحبه) .
وقال أيضاً: (ولما كان الصحابة ﵃ أعلم الأمة بالله
ورسوله، وأفقههم في دينهم، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم،
وكان عمر ﵁ يستنصر به على عدوه وكان يقول للصحابة: لستم
تنصرون بكثرة، وإنما تُنصرون من السماء) .
(٣) الإكثار من الاستغفار والذكر:
قال - سبحانه -: [ومَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] [الأنفال: ٣٣] .
وقد كشف الله الغمة عن يونس ﵇ وهو في بطن الحوت لكثرة تسبيحه
واستغفاره، قال - سبحانه - في سورة الصافات: [فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وهُوَ مُلِيمٌ *
فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] [الصافات:
١٤٢-١٤٤] وكان من استغفاره ﵇ وهو في بطن الحوت قوله: [لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ] [الأنبياء: ٨٧] وقال- ﷺ عن هذا الدعاء: «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» .
وهكذا سيجد المؤمن والمؤمنة - بإذن الله - أثراً محسوساً في حياتهما بهذه
الأسباب السالفة الذكر إن فعلاها وبالأخص في وقت الرخاء «تعرَّف إلى الله في
الرخاء يعرفْك في الشدة» وأن يُراعَى فيها إخلاص النية لله؛ عندئذ تؤتي ثمارها
بمشيئة الله وتكون كالرصيد المالي المدخر الذي تظهر منفعته وقت الحاجة إليه.
стр. 947
الصفحة الأخيرة
المجتمع المخملي
الذي يتابع بعض المجلات العربية- وخاصة التي تصدر في الخارج والتي
توصف بأنها سياسة إخبارية مصورة - يجد أنه برغم تباين اتجاهاتها ما بين يمين
ويسار، ورغم اختلاف أغراضها، فإنها متفقة على شيء واحد يظهر في الصفحات
الأخيرة منها وهي صور حفلات (عِلية القوم) من أغنياء ووزراء، وأصحاب
شركات وأصحاب أقلام صحفية مغموسة بالرياء والنفاق.
حفلات في أفخم الفنادق في أوربا والبلاد الغربية ينفق عليها الآلاف بل
الملايين، تظهر فيه هذه الفئة (المترفة) على حقيقتها، من حب الظهور
و (الفخفخة) والتفاهة، إنهم يعيشون في وادٍ والشعوب العربية في وادٍ آخر.
عندما ترى هذه المناظر (المنكرة) تشعر كم هي سحيقة الهوة بين طبقات
مجتمعنا، فلماذا تلوم هذه الصحف الشباب الذي يبحثون عن العمل، عن الشقة،
عن إعفاف نفسه بزوجة مستورة الحال فلا يجد إلى ذلك من سبيل.
لماذا يعجبون أن يصبح الشباب في حالة نفسية غير سوية، ويتصرفون
تصرفات غير صحيحة؟ ! ، إن هؤلاء الصحفيين الذين يتباكون على مشاكل البلاد
العربية، ويظهرون الشفقة على مستقبلها يشجعون (المترفين) على الإنفاق حتى
يصيبهم شيء منه، إن هذه المفارقات الصارخة ستؤدي إلى الكوارث، وإنها مناظر
مؤذية مؤذية.
стр. 948
ربيع الأول - ١٤١٢هـ
أكتوبر - ١٩٩١م
(السنة: ٦)
стр. 949
الافتتاحية
هل هذا من السياسة
إذا أردنا لحياتنا الفكرية أن تستقيم ويكون للكلمة معنى وتأثير، فلا بد من أن
نحدد المصطلحات التي يثار حولها الجدل أو تستعمل في غير معناها الحقيقي، وإن
كلمة (سياسة) من هذه المصطلحات التي يمارس باسمها كل أنواع التهريج والعسف
والخسف. وقد قرأت للمفكر الجزائري مالك بن نبي ﵀ تفريقاً دقيقاً بين
كلمتين: (السياسة) و (البوليتيكا) فالكلمة الأخيرة وإن كانت تعني في اللغات
الأوروبية: السياسة ولكن، بعض الناس أطلقوها على الذين يتقنون فن التهريج
والمكر والكذب على الشعوب، أو يتخبطون في الأحلام والأوهام، وأطلقها هذا
المفكر على الساسة المعاصرين له الذين يمارسون (البوليتيكا) وبظنون أنهم
يمارسون السياسة.
السياسة توجيه محدد وأهداف واضحة، وفعل الممكن، هذا عند من يعتمد
على ثقافة معينة وتجارب تاريخية، وأما عند المسلم فهي «استصلاح الخلف
بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة» [١] . فهي سياسة شرعية مبنية
على أصول ثابتة من القرآن والسنة وسيرة الرسول ﷺ ،
وسيرة الخلفاء الراشدين. وما كتبه العلماء حول هذا الشأن. ونحن عندما نفرق بين
السياسة القائمة على أصول ثابتة مع مراعاة المصلحة الشرعية وظروف الواقع
وبين ما يسمى سياسة: فلأننا ندرك حجم المأساة التي جرتها ممارسة (البوليتيكا)
على الدعوة والدعاة في العصر الحديث حيث المواقف المتناقضة، والدخول في
الصراعات التافهة بين الأحزاب. ويحق لنا أن نتسائل: هل من السياسة أن تعقد
عقداً أو تهادن عدواً ثم تنقضه في السر بحجة المصلحة وتظهر أمام الناس أنك تكيل
بمكيالين وتتناقض مع مبادئك؟ والإسلام لا يبيح هذا، جاء في سورة الأنفال:
[وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ] [الأنفال: ٥٨] .
أي إذا خفت «وتوقعت من قوم خيانة بنقض عهدك، وهذا يظهر لك بالدلائل
القوية فاقطع عليهم طريق الخيانة بأن تنبذ إليهم عهدهم أي تعلمهم بفسخه على
طريق سوي واضح لا خداع فيه ولا استخفاء ولا خيانة حتى تكون أنت وهم في
العلم سواء، والحكمة في هذا النبذ أن الإسلام لا يبيح لأهله الخيانة مطلقاً، وقد
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ميمون بن مهران قال:» ثلاثة المسلم والكافر
فيهن سواء، من عاهدت فوفِّ بعهده مسلماً كان أو كافراً، ومن كان بينك وبينه
رحم فَصِلهْا مسلماً كان أو كافراً، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلماً كان أو
كافراً « [٢] .
وفي معرض ولاية المؤمنين بعضهم لبعض وأن الذين لم يهاجروا إلى دار
الإسلام فليس لهم ولاية وحقوق كمن هاجر [والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن
ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا] واستثنى من ذلك إذا قاتلهم الكفار أو اضطهدوهم
لأجل دينهم فيجب على دولة الإسلام والمسلمين في دار الإسلام نصرتهم [وإن
استنصركم في الدين فعليكم النصر] ثم استثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقال:
[إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ] يعني» إذا استنصركم فانصروهم إذا كانوا في دولة كافرة محاربة، أما إذا كانوا في دولة كافرة ولكنها معاهدة فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم لأن الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض العهود والمواثيق « [٣] .
وجاء في صحيح مسلم عن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان قال:
» ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي: حُسيل، قال: فأخذنا
كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة،
فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله -
ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» [٤] .
إلى هذا المرتقى يرتفع الإسلام ويراعي العهود والعقود، ونتساءل مرة ثانية:
هل من السياسة ما يفعله البعض من إمساك العصا من الوسط ويعتبرها سياسة دائمة
له ويظن أن هذا منتهى الكياسة أو يطلق التصريحات العائمة الغائمة فلا يدري
السامع ماذا يريد؟ وماذا يعني؟ وهل من السياسة رفع شعارات لا يؤمن بها
صاحبها، وما رفعها إلا إرضاء للعامة وغوغاء الناس أو إرضاء لفئة من الناس
يحبون العيش فترة من حياتهم في أحلام اليقظة أو تستثيرهم التصريحات العاطفية.
قد يضطر المسلم للتورية أحياناً أو يصرح تصريحات عامة في ظروف معينة، ولكن أن يكون هذا ديدنه فهذا أقرب إلى الضعف والخور يلبسهما لبوس السياسة
بزعمه. ونحن نعتقد أن الحرب خدعة وأنه قد يستعمل المكر مع الأعداء ولكن هذا
يختلف عن التصريحات الكاذبة أو نقض العهود. إن بعض أسباب ممارسة هذه
(البوليتيكا) واضحة لمن يتأمل واقع المسلمين، فهذا الذي يتحدث، ويطلق
التصريحات الفضفاضة والتي هي أكبر منه، وهذا الذي يقود ويتزعم ... هؤلاء
ليسوا من رجال الفطرة الذين يملكون الشجاعة والروح الوثابة والروح الإيمانية
الغامرة التي تدفعهم للتغيير، ذلك لأنهم نشأوا في ضعف وهزيمة، الواحد منهم لا
يملك الاستعداد للأمور العظيمة، فهو دائماً في منتصف الطريق، وهو دائماً يمسخ
المشاريع الكبيرة ليحيلها إلى (سياسة) حسب مفهومه فهو مستعد «لنصف جهد،
ولنصف اجتهاد ونصف طريق» [٥] .
وبعضهم لم يكن يتصور في يوم من الأيام أنه سيقود الجموع وتفتح له أبواب
الجاه مشرعة فلما وسد إليه الأمر، لسبب وجاهته أو فصاحته أو ... لم يكن يصدق
ذلك فرجع إلى طبيعته من الضعف واستغل هذا لتحقيق أهدافه الدنيوية التافهة.
إذا أردنا التغيير فلابد من رجال الفطرة الذين يفهمون السياسة الشرعية فهما
دقيقاً ويكفون عن ممارسة (البهلوانية) والظهور بوجهين، وإطلاق التصريحات
العاطفية ويواجهون الواقع بحذر وحزم وعزم.
* * *
«فليس للانحراف طرق مرسومة نظرياً ولكن له دروباً مظلمة يتعثر فيها
السائر في كل خطوة» .
مالك بن نبي
стр. 950
علماء الاجتماع والعداء للدين وللصحوة الإسلامية
(٤)
رجال الاجتماع ومهمة تفكيك الدين
د. أحمد إبراهيم خضر
تناولنا في الحلقة الماضية قضية اتهام رجال الاجتماع في بلادنا لشباب
الجماعات الإسلامية بالتطرف، وبأنهم مرضى عقليون يمثلون شخصيات مريضة
تعاني من الجنون الدوري، أو جنون الاضطهاد والعظمة، وبينا سقوط هذا الادعاء
على أساس ما توصل إليه مائة متخصص ومهني من علماء الطب النفسي في عام
١٩٨٠ بالولايات المتحدة من أنه لا علاقة بين الإصابة بالأمراض العقلية
والسلوكيات وخاصة التطرف. كما عرضنا لاعتراف رجال الاجتماع بأن البديل
لانضمام الشباب إلى الجماعات الإسلامية هو إما الهجرة أو ممارسة الأعمال غير
المشروعة: كالاتجار في المخدرات، أو الرشوة، أو التهريب، أو ممارسة
الجريمة التقليدية، وغير التقليدية. كما سجلنا على رجال الاجتماع اعترافهم
بأصالة القيم التي يحملها شباب الجماعات الإسلامية، وبأن التجاءهم إلى الدين قد
حماهم من الدمار الشامل الذي أصيب به غيرهم من الشباب.
ونتناول في هذه الحلقة الأسباب التي تكمن وراء سعي رجال الاجتماع في
بلادنا لتفكيك الدين، ودور الدولة في تمهيد الطريق لإنجاح هذه المهمة.
لماذا يرى رجال الاجتماع في بلادنا أن تفكيك الدين ضرورة؟
يدرك رجال الاجتماع في بلادنا تمام الإدراك أن الإسلام يقدم تصوراً معرفياً
لتفسير العالم الاجتماعي، وأنه لا يمكن تصور استقلالية لهذا العالم إلا في حدود
(المشروع الرباني) الذي يمنحه إياها - هكذا قالوا بنص عباراتهم - كما يدركون
أيضاً أن هذا الإسلام يشكل نمطاً للبناء الاجتماعي وإطاراً مرجعياً يلجأ إليه الناس
بطريقة تلقائية للتفكر في هذا العالم الذي يعيشون فيه. ويرفض علم الاجتماع ذلك
لأنه يريد أن يقدم معطيات الحياة الاجتماعية من عنده تحت غطاء تعرية هذه
المعطيات، ولهذا السبب كان انتقاد علم الاجتماع للدين جزءاً لا يتجزأ من طبيعة
تكوينه، وكان صدامه مع الدين أمراً لا مفر منه، وإذا التقيا فإن التقاءهما لا يمكن
أن يتم إلا عبر صراعات.
يقول محمد شقرون أستاذ الاجتماع في جامعة محمد الخامس بالمغرب:
«تدخل السوسيولوجيا في هذا المجال في صدام مع الدين، إنها تصطدم به من جهة، لأن الدين يشكل نمطاً للبناء الاجتماعي للواقع، ونسقاً مرجعياً يلجأ إليه الفاعلون الاجتماعيون بكيفية تلقائية لتفكر العالم الذي يعيشون فيه. ويشكل هنا انتقاد الدين جزءاً لا يتجزأ من تعرية المعطيات التلقائية للتجربة الاجتماعية، حيث تكون الوقائع السوسيولوجية ملتصقة. وتشكل هذه التعرية نقطة عبور لا مفر منها في عملية موضعة هذه المعطيات. وتلتقي السوسيولوجيا بالدين كذلك في الوقت الذي يعتبر الدين تصوراً عرفانياً لتفسير العالم الاجتماعي والذي لا يمكن أن يتصور استقلالية لهذا العالم إلا في حدود المشروع الرباني الذي يمنحه إياها، لهذا فإن التقاء السوسيولوجيا بعلم اللاهوت لا يمكن أن يتم إلا عبر صراعات» [١] .
يريد رجال الاجتماع في بلادنا إخضاع الدين لتحليلاتهم وتفسيراتهم
وتصوراتهم. وفي أذهانهم اعتقاد خاطئ بأن الدين كان ولا يزال ينافس العلم في
العالم العربي، وغاب عنهم تماماً أن الدين والعلم في الإسلام متساندان وليسا في
تصارع وصدام كالحال في بلاد الغرب. ويعبر محمد شقرون عن هذا الاعتقاد
الخاطئ فيقول: «إلا أنه لا يمكن أن نتجاهل الإشارة إلى هذا الصراع الأولي
عندما نتكلم عن الشروط التي جعل العلم فيها الدين موضوعاً له، لأنه قبل لم أن
يصبح الدين موضوعاً من بين مواضيع السوسيولوجيا فإنه كان المنافس لها وما زال
ينافسها في مجتمعاتنا العربية الحديثة العهد بالعلم الحديث» [٢] .
انبثاقاً من هذا التصور الخاطئ بتصادم الدين والعلم في بلادنا قياساً على ما
تعلمه هؤلاء من الغرب فإنهم قد أعلنوا ثورتهم على عقيدة الإسلام صراحة،
ووقوفهم إلى جانب العلم تماماً، وقالوا أنهم إذا خيروا بين عقيدة تحدد لهم أصل
الإنسان ومصيره وعلة وجوده؛ وبين علم يقدم لهم ما يتصورونه أنه معارف
وحقائق متاحة أمامهم فإنهم سيختارون طريق العلم بالرغم من اعترافهم بأن إسهام
الأخير إسهام محدود.
يقول محمد الجوهري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة [٣] : «.. ومن
الممكن أن نجيب على هذا السؤال.. الأشياء التي يقدر الإنسان على تحقيقها وما
هو مدى قدرتها على التكيف بطريقتين مختلفتين الأول (كذا) : على أساس عقيدة
دينية أو دنيوية تحدد لنا المسائل المطلقة والنهائية في حياة البشر. عقيدة تحدد لنا
أصل الإنسان ومصيره وعلة وجوده.. الخ والطريقة الثانية: أن نجيب على أساس
المعارف والحقائق العلمية المتاحة لنا.. وفي الحالة الثانية يتحتم علينا الإقلاع تماماً
منذ البداية عن محاولة الوصول إلى أي إجابة عن مثل هذه التساؤلات النهائية
والمطلقة ونقصر أنفسنا على كل ما هو متاح (امبيريقيا) [*] ، أي ما يمكن أن
نتوصل إلى إدراكه من الواقع ونستطيع تحليله تحليلاً مفهوماً مقبولاً، ومن الواضح
أننا - المشتغلين بالعلم - لا نفكر سوى في هذا الطريق الثاني طريق المعلم
والتأسيس على العلم. كما أننا لا نستطيع كمتخصصين اجتماعيين أن نقدم في هذا
الطريق سوى إسهاماً محدوداً، وهذا قيد نعرفه ونسلم به منذ البداية» .
لم يكتف رجال الاجتماع في بلادنا بناء على هذا التصور الخاطئ بتصادم
الدين بالعلم بإعلان ثورتهم على عقيدة الإسلام ولكنهم اتجهوا أيضاً إلى مهمة أخرى
وهي تفكيك الدين سعياً وراء وهم اسمه (استقلالية العلم) ، أو بمعنى آخر:
الانفراد بتفسير شؤون الحياة الاجتماعية وفصلها تماماً عن الدين.
تصور رجال الاجتماع أن ممارستهم لهذا العلم لن تتحقق ولن تتم إلا إذا
طرحوا قضية تفكيك الدين بجرأة وصراحة كضرورة واضحة لهذه الممارسة
المزعومة.
يقول محمد شقرون: «إن ضرورة تفكيك الدين من أجل التحرير الضروري
لمجال الفكر، وذلك لإنتاج تأويل علمي عن الاجتماعي لم تطرح بصراحة وجرأة
في الوطن العربي كضرورة واضحة لممارسة العلم بصفة عامة وممارسة العلوم
الإنسانية بصفة خاصة، ويرجع هذا بالطبع إلى غياب حقل علمي يتمتع بكامل
الاستقلالية عن السياسي وعن الدين نفسه» [٤] .
وربط رجال الاجتماع بين شرعية ممارستهم للعلم واستمرار صدامهم مع الدين
لتحقيق هذه الاستقلالية التي يطمحون فيها، إلا أنهم رأوا أنه يمكن أن يقبلوا بين
صفوفهم - تواضعاً - أي عالم مؤمن شريطة ألا يتحدث عن إيمانه وبهذا كان
إقصاء الدين شرطاً ضرورياً لممارسة العلم.
يقول محمد شقرون: «ومازالت شرعية العمل العلمي مضمونة بالإحالة إلى
هذا الصراع من أجل استقلالية المعرفة العلمية: يقبل عالم مؤمن في مجموعة
العلماء شريطة ألا يتحدث عن إيمانه. إن كبر سنه وشهرته هما اللذان يسمحان له
بـ (اعترافات) ذاتية بعيدة عن الممارسة العلمية» [٥] .
ولو توقف طموح رجال الاجتماع في بلادنا عند حد السعي لاستقلالية العلم
لهان الأمر، لكنهم لا يكتفون بذلك بل جعلوا مهمة تفكيك الدين - كما أوضحنا -
ضرورة لتأويل وتفسير الحياة الاجتماعية وفقاً لترهاتهم التي يطلقون عليها (علماً) ، إنهم لا يكنون أي احترام للدين الذي يريدون التعامل معه مثلما يتعاملون مع أي
وقائع أخرى، ولا زالوا يصرون على التمسك بأسطورة (العقلانية) رغم
اعترافهم - كما أوضحنا سابقاً - بسقوطها وإشارتهم هنا على استحياء بأن هذه العقلانية عليها مآخذ.
يقول محمد شقرون: «وطموح السوسيولوجيا الدينية يمكن تعريفه في هذا
الإطار مهما تكن المآخذ على العقلانية العلمية. ويمكن تلخيص هذا الطموح بكيفية
بسيطة: إن الأمر يتعلق فقط بمعاملة الوقائع الدينية كما تعامل الوقائع الاجتماعية
الأخرى من الناحية السوسيولوجية، أي بناء هذه الوقائع وتصنيفها ومقابلتها
ومعالجتها بمفهومي العلاقات والصراعات» [٦] .
ينتظر رجال الاجتماع في بلادنا ما يسمونه (بتراجع الدين) ، يأملون أن تأتي
العقلانية - رغم اعترافهم بفشلها - بثمارها مثلما حدث في الغرب. يتوقعون
مواجهة منسجمة بين الدولة والإسلام مثلما حدث بين الدولة والكنيسة في الغرب.
يطمحون أن تسجل بحوثهم شهادة على تراجع الدين ممثلة في قلة الممارسة الدينية
وتطبيق الفروض الدينية وتفكك الشعائر الدينية تحت ضغط التمدن والتصنيع مثلما
حدث في الغرب. يشكل هذا التراجع الذي يطمحون إليه بالنسبة إليهم أفقاً فكرياً
وثقافياً يسمح لهم بالعبث في النسيج العقيدي لبلادنا وتخريبه. لا يريد رجال
الاجتماع في بلادنا أي مقاومة من علماء الدين لمواجهة هذا التخريب، ويسعون إلى
الانفلات من قبضتهم مثلما أفلت الغربيون من ضغوط الكنيسة، إن نجاحهم في
الإفلات من قبضة علماء الدين سيسمح لهم بعمل مميز في علم الاجتماع ألا وهو -
نقد الدين - الذي يمثل أول خطوة في تفكيك الدين.
يقول محمد شقرون: «وإذا كان الإرث الفلسفي للعقلانية قد أثر في تطور
السوسيولوجيا الدينية في المجتمعات المتقدمة الغربية فإن ذلك يرجع إلى التجانس
الخاص بتاريخ المواجهة بين الكنيسة والدولة في هذه المجتمعات من جهة، ويرجع
ذلك من جهة أخرى إلى كون البحوث المقامة حول الوضعية الدينية في هذه
المجتمعات قد قدمت إثباتاً أساسياً لمسلمة تراجع الدين في العالم الحديث: قلة
الممارسات الدينية وتطبيق الفروض الدينية، تفكك الشعائر التقليدية تحت ضغط
التمدن والتصنيع، تقلص نسبة الرجال والنساء الذين ينخرطون في الرهبانية..
الخ وعملية تراجع الدين الذي هو الأفق الفكري والثقافي الذي تفترضه الحداثة [**]
كانت تشكل في هذه البحوث ظاهرة ملاحظة ومقاسة.. من هنا جاءت ضرورة
إفلات الممارسة السوسيولوجية من تأثير رجال الدين، إن هذه الإرادة في الإفلات
أو الانعتاق من ضغوط الهرمية الكنسية ومن احتواء رجال الدين، كانت تمثل
الشكل الأول لمتطلبات النقد التي تميز كل عمل سوسيولوجي» [٧] .
جاءت الصحوة الإسلامية لتصيب أماني وطموحات رجال الاجتماع في بلادنا
في تراجع الدين وأحلام نقده وتفكيكه ثم اختفائه في الصميم، وبينت لهم المآل
الحقيقي للحداثة، وأثبتت لهم أن الطريق الذي سلكوه ليس طريقاً سهلاً، وفوجئ
رجال الاجتماع بأن الدين بدلاً من أن يختفي فإنه يقاوم ويتحول ويمتد إلى قطاعات
كانوا يسيطرون هم عليها. أصبح رجال الاجتماع أمام هذا الموقف الجديد في
موقف الدفاع مع المقاومة الشديدة التي واجهتهم في ظروف غير مواتية لهم، لكنهم
لازالوا يصممون على الكفاح من أجل الحفاظ على ما يسمونه الطموح في نقد الدين.
يقول محمد شقرون: «إن الأهمية القصوى التي أصبح يحظى بها الحدث
الديني في المجتمعات الحديثة في أوساط المهتمين بالسياسة وفي أوساط المثقفين
الذين يتحدد دورهم في فهم مآل الحداثة لا تسهل الوضع الفكري لعلماء اجتماع الدين
تجاه موضوعهم. فقد بين هؤلاء منذ زمن بعيد أن الدين عوض أن يختفي، يقاوم
ويتحول ويستولي على موضوعات جديدة لا صلة لها بالدين، وأنه بإمكانه أن يخلق
ما هو جديد ولكنه يبدو أن مجموع هذه الظواهر (المقاومة، التحويل، التعويض،
التجديد.. الخ) تأخذ قيمة جديدة في النظرة السوسيولوجية، فقد أصبحت
السوسيولوجيا اليوم وخاصة في المجتمعات العربية أمام وضعيه الكفاح من أجل
الحفاظ على طموحها النقدي في ظرفية تتميز بتبني كل أشكال المقاومات الدينية
واستخدامها لمصلحة اللاعقلانية» [٨] .
يدرك رجال الاجتماع في بلادنا أن طموحاتهم في نقد الدين وتفكيكه لا تزال
قائمة ما دامت الدولة تقاسمهم هذه المهمة وتشترك معهم في التآمر ضد الدين.
تعطي الدولة وزناً كبيراً للعلوم الإنسانية لا يماثل هذا الوزن الذي تعطيه للعلوم
الطبيعية، حيث تظهر العلوم الإنسانية أن سلوك الإنسان بما فيه (السلوك الديني)
يخضع لتأثير معطيات نفسية واجتماعية، كما تبرهن العلوم الاجتماعية وخاصة علم
الاجتماع وعلم النفس والتحليل النفسي أن القوى والدوافع التي تتحكم بالآراء
والمعتقدات والإرادات هي قوى ودوافع ذات طبيعة متغيرة تبعاً لدرجة تطور
المجتمعات، أي (لا تأثير للدين والعقيدة فيها) وتبين هذه العلوم (للدين) كما يقول -
فرحان الديك - أن الإنسان تابع لنظام اجتماعي يرتبط فيه التفريق بين الديني
والدنيوي. أي فصل الشؤون الدنيوية عن الدين..
ومن هنا لا نستغرب أن نجد أن عداء رجال الاجتماع في بلادنا مرتبط ومحتم
بعداء الدولة للدين التي اتخذت منذ زمن بعيد خطوات محددة مهدت الطريق لرجال
الاجتماع لأداء مهمتهم في تفكيك الدين، وقد كان أبرز هذه الخطوات الآتي:
أولاً: التركيز على القومية كهدف أعلى وغاية أسمى، والعمل على ترويض
الإنسان ومحاولة الاستئثار به كلياً وإبعاده عن الدين مع تشديد الدولة على رعاياها
بالتأكيد على عدم الخلط بين الدين والدنيا، وتحرير السلطة السياسية من وصاية
الدين، وتطوير أخلاق سياسية لا تمت بصلة إلى أي معيار سماوي، ولا تترك
الدولة للإنسان فرصة اختيار موقف محايد في الصراعات الاجتماعية والسياسية
القائمة بتطبيقها، بل تصر على مبدأ (من ليس معنا فهو ضدنا) .
يقول فرحان الديك: «في الماضي غير البعيد بالنسبة إلى المجتمع العربي
كان الدين الإسلامي يتغلغل كلية أو في محمل حياة الفرد وفكره. وعلى هذا الأساس
كانت سيادته كأفق ثقافي للفرد، لكن عندما حلت الدولة بمفهومها الحديث محل الدين
في مناخ صراعي حدث تنافس بين الدين والمجتمع، فالأمة عندما تكف عن
الخضوع للدين ومنذ أن تصبح القومية الهدف الأعلى وتعد الغاية الأسمى تصبح
بالضرورة عدوة للدين، فهي تتطلع إلى ترويض الإنسان لتجعل منه غرضها
وشأنها وإبعاده عن الأجواء التقليدية لتستأثر به كلياً [٩] .
ثانياً: تطبيق سياسة العلمنة كتحد شامل وعام للدين خاصة لأن الدين في
الإسلام ليس قضية خاصة أو مجالاً أو حيزاً محدداً بدقة مستقلاً ومفصولاً عن
المجالات الأخرى، وإنما يغطي بشمول كبير المحيط العائلي والاجتماعي والسياسي
والقانوني، لا يترك حيزاً من الحياة الفردية والجماعية دون أحكام وقواعد، وتمتد
فروعه إلى كل مجال، وتأثيره حاضر باستمرار. ولتحقيق هذا الاستقلال
والانفصال بين شؤون الدنيا والدين قامت الدولة بما يلي: [١٠]
١- توطيد المؤسسات العلمانية التي تؤسسها، والتي تأخذ الطفل والشاب إلى
جو يختلف كلية عن جو الأوساط الدينية، وإدخال الفرد في عدة جماعات ذات
أهداف مستقلة لا تفكر مطلقاً في الدين أو اليوم الآخر. وتفرض الدولة على الفرد
الانتقال باستمرار من المحيط الديني إلى محيط يجهل كل شيء عن الدين، أو يكن
له عداءً مكشوفاً، ويتمركز أصلاً حول المصالح الدنيوية المادية، إلى أن ينتهي
الأمر بالفرد إلى اعتبار الدين مؤسسة شبيهة بالمؤسسات الاجتماعية الأخرى، لا
يكرس له من وقته ونفسه إلا حيزاً محدوداً.
٢- العمل على تحقيق العلمنة الفعلية للمجتمع بتأسيس منظمات وجمعيات
ثقافية ونقابية وحزبية وتنظيمية (كالنادي الرياضي، أو التنظيم المهني، أو
الجماهيري، أو السكني) تتوسط بين الفرد والمجتمع دون ضرورة للمرور على
المؤسسات الدينية كما كان الحال في الماضي. وبتأسيس هذه المنظمات يضعف
اعتماد الفرد في تفسير أمور حياته على القيم الدينية. وتتسع هذه المنظمات إلى لا
تقيم اعتباراً لقيم الفرد الدينية، ولا تهتم إلا بمصلحة الفرد في ضوء هدفها الذي
تسعى إلى تحقيقه، ومن ثم يتحول الدين إلى مسألة خيار شخصي لا يعنيها ولا
يهمها.
٣- فصل المجالات الاقتصادية عن الدين، بإعادة بناء المجتمع وفقاً
لمقتضيات ومتطلبات الإنتاج والاستهلاك، بحيث تكون الكلمة العليا للربح والدعاية
والتنافس وتقنيات الإنتاج والتسويق والإدارة، ولا يكون هناك تأثير مطلقاً للأخلاق
الدينية، ويكون القرار في يد أولئك الذين يملكون سلطة سياسية واقتصادية وسيطرة
لا حد لها. ومن هنا تختلف خيارات الإنسان المرتبطة بتصوره وحاجاته عن
التصور الذي ينبثق من مبادئ وقيم الدين، بحيث يشتد التركيز على الجانب المادي
من الحياة وعلى السعادة الدنيوية، دون وضع اعتبار لقيم الدين كالقناعة والابتعاد
عن الغش والاحتكار.. الخ.
٤- التركيز على سياسة تحديد النسل وتدخل السلطات الرسمية فيها، وهي
تعلم أنه مجال يلقى معارضة شديدة من الدين وعلمائه. تؤكد الدولة للإنسان بأن له
حق التصرف في جسده، كما تقوم بإدخال معطيات ديموغرافية وفيزيولوجية
ونفسية وطبية وسياسية في مسألة الإنجاب، وهي معطيات من شأنها أن تقوض
المرتكزات الدينية التي تقوم عليها هذه المسألة..
ثالثاً: تصوير الحضارة الصناعية على أنها حضارة منافسة للدين متحدية له
بما تقدمه من إمكانيات العلم والتقنية، وبتصويرها للإنسان على أنه سيد للطبيعة
وأن على الإنسان أن يتكيف لهذه الحضارة بسبلها المادية والفكرية معاً، وهذا
يستلزم منه أن يعيد النظر في أفكاره الدينية التي تكونت عبر مراحل تنشئته
الاجتماعية. وتؤدي هذه العملية إلى أن يصبح العالم الفكري للإنسان (عقلانياً) فلا
يحتاج بالتالي إلى الدين الذي ينظر إلى هذه الحضارة -كما يتصور فرحان الديك -
نظرة ترقب وتجاهل.
رابعاً: الاستفادة من انتشار العمران والحراك الجغرافي والاجتماعي بالتأكيد
على التجديد والابتكار وبتعددية المواقف ونسبية الخيارات، كل ذلك بقصد ألا
تنطلق المواقف والخيارات من الدين وحده، مع تأكيد النظرة إلى المسجد على أنه
أحد القطاعات التي تضمها المدينة أو القرية الريفية، والعمل ألا يختلط المسجد
بالحي أو بالوسط الريفي مثلما كان سائداً في الماضي مع تحجيم دوره بالصورة التي
تمنع هذا الخلط.
стр. 951
خواطر في الدعوة
أمراض القلوب
(٢)
محمد العبدة
من يتأمل النفس البشرية ويسبر غورها فسيجد العجب العجاب من مداخلها
ومساربها، فهي إذا كرهت تبعد صورة من تكره بألف حيلة وتشوهها بألف لون،
وإذا أحبت فمثل ذلك أن تلجم وتفطم عن مثل هذه المداخل.
حدثني أحد الأخوة عن لقاء عابر مع صديق له وهو من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، قال: فوجئت بهذا الصديق يغمز ويلمز بأحد الدعاة الذين حسبهم من أهل العلم والصدق - ولا نزكي على الله أحداً - وكان يغمز ويلمز بطريقة ذكية استعمل فيها التلميح دون التصريح. وتعجبت من تلميحاته وكرهه لهذا الداعية، وهو لم يلتق به من قرب ولم يقرأ له. فقلت لهذا الأخ: لا تعجب، إنه الحسد والمعاصرة، أليس هذان الاثنان من بلد واحد ومن منطقة واحدة؟ قال: بلى. قلت: إذن سأسمعك ما كتبه أبو بكر الرازي في هذا الموضوع - والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها -:
«إننا نرى الرجل الغريب حكماً في بلد ما، متحكماً في أهله، ومع ذلك فلا
يكادون يحسون نحوه بكراهية أما أن يحكمهم رجل من أهلهم فالأغلب أن تنصب
عليه الكراهية، مع أنه قد يكون أرأف بهم من الحاكم الغريب، وسر ذلك هو محبة
الإنسان ٠لنفسه، مما يجعله تواقاً إلى أن يكون سباقاً لسواه من أبناء قومه، فإذا
رأى الناس أن من كان بالأمس منهم قد أصبح اليوم سابقاً لهم، مقدماً عليهم،
اغتموا لذلك وصعب واشتد عليهم سبقه إياهم، أما المالك الغريب فمن أجل أنهم لم
يشاهدوا حالته الأولى لا يتصورون قصورهم في كمال سبقه لهم وفضله عليهم،
فيكون ذلك أقل لغمهم وأسفهم» [١] .
والرازي ضرب مثلاً للحاكم ونحن ننقل هذا المثل لما يقع الآن مع الدعاة
والعلماء، فنجد الرجل صاحب العلم والفضل يتكلم في أقرانه أو من أهل بلده ما
لا يتكلم فيه الآخرون، وما يقطع هذا المرض القلبي إلا أن يفكر المسلم، ماذا
يستفيد من هذا الحسد في الدنيا غير وباله في الآخرة، ويفكر في نفسه أن فضل الله
يؤتيه من يشاء، ولا حرج في المنافسة في الخير والمزيد من العلم، وربما استطاع
أن يسد ثغرة في جانب من الجوانب لا يسدها أخوه المحسود!
إننا نسمع هذه الأيام من يفرح بأخطاء أخيه ليجمعها ويؤلف فيها كتباً! !
أهكذا أمر الإسلام أتباعه؟ أوهكذا تُضيّع الأوقات، إنها مصيبة - والله - أن تهدر
الطاقات ولا يتنبه الذي يصّب نفسه داعية لأمراض قلبه وإحن صدره، ويعالجها
بالدواء الشافي كما يعالج بدنه إن أصابه شيء، فيكون مرضياً عند الله وعند الناس.
стр. 952
إلى خطباء الجمعة
الشيخ عبد الله بن حسن القعود
إلى إخوتي في الله خطباء الجمعة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحمد ...
الله تعالى وأصلي وأسلم على رسوله محمد بن عبد الله وبعد:
فتعلمون (وفقكم الله) أهمية خطبة الجمعة ومكانتها بين العبادات وما يتطلب ويتأكد فيها من إحياء وإظهار ما شرعت له، من عظة القلوب، وملامسة المشاعر التي أمرت هي من جانبها أن تتهيأ قلباً وقالباً جسماً وروحاً لاستماع الخطبة، الأمر الذي كماله المطلوب وتمامه الواجب الجاذب للقلوب، والشاحذ للهمم أن يكون الواعظ فيه قد اتعظ، والأمر قد ائتمر، وأول ما يتطلب الاتعاظ به في هذا الأمر حمايتها وحفظها من أن يتطرق إليها أو إلى شيء من أجزائها ولو ألفاظ الدعاء فيها ما ينقض الإخلاص فيها ويضعف التقبل لها. وأن تكون وفق منهجه صلوات الله وسلامه عليه فلا يخرج بها عنه.
وبتتبع منهجه صلوات الله وسلامه عليه نجد أن خطبه مليئة بالثناء على الله
وتعظيمه وبتذكير الناس بآلائه عليهم، بل وبأيامه وسننه فيهم ثواباً وعقاباً. قال ابن
القيم ﵀ في ذكر خصائص يوم الجمعة: (إن فيه الخطبة التي يقصد بها
الثناء على الله وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ
بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته وتوصيتهم بما يقربهم
إليه وإلى جناته، ونهيهم عن ما يقربهم من سخطه وناره فهذا هو مقصود الخطبة
والاجتماع لها) [١] .
ومن هذا يعلم أن ما بدأ يظهر في خطب الجمعة في عالمنا المعاصر من تقليل
الثناء على الله فيها، بحيث يكاد يقف القول فيه في بعض الأحيان عند أقل ما يجب، بل ومن جعلها في بعض الأحيان مادة للثناء على أقوام بأعيانهم، أو النيل من
أقوام كذلك بأعيانهم، أمر مخالف لما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه وما كان
عليه أتباعه بإحسان ﵃ وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين.
وخذوا مثلاً المقارنة فيما يتعلق بالتركيز في خطب الجمعة ونحوها على الثناء
على الله سبحانه والارتباط فيها بمضمون ما شرعت له مما أجمله ابن القيم -رحمه
الله- خطب ابن القيم نفسه في مقدمات كتبه المنبىء عن منهجه في الخطب -رحمه
الله-، وخطب ٠الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ المطبوعة ونحوهما،
خطب بعض الناس اليوم وما طرأ عليها في بعض الأحيان وقارنوا بينهما -أخذاً في
الاعتبار البحث عن روح التوحيد الخالص - لتروا أن أولئكم ﵏ لم
يسودوا ولم يؤموا ولم يبقوا بيننا بذكرهم المعطر للمجالس بتسخير أقلامهم وخطبهم
في مواقف محضة للثناء على المخلوقين وإنما الثناء على خالق المخلوقين.
ولا شك أن ذلك إدراك منهم ﵏ لروح التوحيد ولمراد الله سبحانه في قوله: [فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ] وفسر الذكر بالخطبة، ويشهد له حديث
(وحضرت الملائكة يستمعون الذكر) وفسر بالصلاة، ولا مشاحة فالأمر بالسعي للخطبة أمر بالصلاة ولن تكون الخطبة بالمعنى المطلوب الذي يصدق عليه أنه في جملته ذكر إذا تضمنت مدح أقوام بأعيانهم، أو ذم أقوام بأعيانهم، ولذا كان بعض السلف ﵏ يستسيغ لنفسه الكلام أثناء خطبة خطيب الجمعة إذا خرج فيها عن مقتضاها. قال صاحب المغني ﵀: (وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وإبراهيم بن مهاجر وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنَّا لم نؤمر أن ننصت لهذا) [٢] .
وقال القرطبي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: (فإن قلت كيف يفسر ذكر
الله بالخطبة وفيها غير ذلك؟ قلت ما كان من ذكر رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو
في حكم ذكر الله، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء
لهم وهم أحقاء بعكس ذلك فهو من ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على
مراحل) [٣] .
ولا جرم أن يخرج هذا النفس من هذا العالم الجليل، فإن أمراً جعل شرطاً
لصحة صلاة الجمعة واعتبر جزءاً من مجموعها ومعلوم وجوبها العيني أنه يتعين
الاهتمام به وحمايته وأداؤه وفق المشروع كي لا يتطرق إليه نقص، فينسحب نقصه
عليها.
فيا اخوتي في الله القائمين على هذا الثغر العظيم، ثغر توجيه وإبلاغ وإمامة
وشهادة على الناس يوم يقوم الأشهاد: اعرفوا لهذا الموقف حقه، واذكروا به موقفكم
أمام الله يوم تستشهدون على الناس، اسلكوا فيه الطريق السوي الذي لا غلو فيه ولا
جفاء، فاستعمال الخطبة للنيل من أقوام بأعيانهم خروج بها عن الوسطية المطلوبة
فيها، والمبالغة فيها بالثناء على أقوام بأعيانهم خروج كذلك عن الوسطية المطلوبة
فيها. قال جابر بن سمرة ﵁: «صليت (يعني الجمعة) مع رسول
الله ﷺ فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً» ، رواه مسلم
وغيره، والقصد الاعتدال، فالمطلوب في خطب الجمعة ونحوها على وجه التقريب
والتمثيل أن يختار الخطيب أوصافاً وأعمالاً فاضلة مما وصف به المؤمنون في
القرآن الكريم والسنة المطهرة، فيحث عليها، ويرغب فيها، أو أوصافاً ذميمة
وأعمالاً سيئة من أعمال وأوصاف الكفار أو المنافقين أو فجار المسلمين، فيحذر
وينذر منها، أو منكراً ظاهراً؛ فيذكره بأوصافه دون تسمية أهله في مثل هذا المقام
المشترك في التقرب إلى الله بين المتكلم فيه والمستمع له، مبتعداً في لفظه عن
وحشي الكلام ومبتذله، بادئاً بتقرير وبيان التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به
كتبه، وبيان ما يناقض أصله أو كماله الواجب، فأصول الإيمان وأركان الإسلام،
فالفضائل والمسائل، وبإمكانه أن يربط الموضوع الذي يريد علاجه بتلك الأوصاف
لا بأعيان أهله كما فعل ﷺ ، عن عائشة ﵂
قالت:
«جائتني بريرة. فقالت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي
فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم: فأبوا عليها، فجاءت من عندهم،
ورسول الله ﷺ جالس. فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم
فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي ﷺ ، فأخبرت
عائشة النبي ﷺ . فقال» خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما
الولاء لمن اعتق «ففعلت عائشة ﵂، ثم قام رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- في الناس، فحمد وسلم في الناس، فحمد الله وأثنى. ثم قال» أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله تعالى؟ ما كان من شرط
ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط
الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق « [٤] .
وليعلم أن هذا التوبيخ لأشخاص في مخالفة قد لا تعد كبيرة، أما في الكبائر:
الشرك فما دونه، فقد قال جابر بن عبد الله ﵁» كان رسول الله -
ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه،
حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم «رواه مسلم. وفي باب الكبائر وما
ذكره العلماء حولها مادة واسعة للخطباء عند ظهور أي منكر، فلا يكاد شيء من
المنكرات الظاهرة يخرج عنها، وخذوا مثلاً كتاب الكبائر للذهبي ﵀،
وكتاب الكبائر للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وكتاب الترغيب
والترهيب للمنذري ﵀ ونحوها، وما أسلفته من انتقاء الأوصاف
الممدوحة من الكتاب أو السنة والحث عليها، أو المذمومة والنهي عنها، وربط
الموضوع المراد علاجه بها لا بأسماء أو أعيان أهلها كما سلف. فلنأخذ كذا المنهج
مخلصين متبعين عسى أن يتقبل الله منا هذه الطاعة وغيرها، وأن يحقق بذلك
المعنى العظيم الذي شرعت له الخطبة، من تعاهد الناس بين الفينة والأخرى
بالتذكير والتبصير، بل التعرف على مشاكلهم وأمراضهم أمراض شهوة أو شبهة،
لمحاولة علاجها بما جعله الله دواء وشفاء لها في قوله سبحانه:
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وهُدًى
ورَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ]
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 953
في الدعوة والواقع
مطلبان للدعاة
د. سليمان التميمي
يلاقى الدعاة إلى الله صنوف الأذى بدءاً من مضايقتهم، والتجسس عليهم،
والتصنّتِ على كل مكالماتهم، ومراقبة أعمالهم، وتتبع حركاتهم، وإحصاء أنفاسهم
وأقوالهم، وروحاتهم وغدواتهم، وأصحابهم وجلسائهم، وانتهاءً باعتقالهم وسجنهم،
وضربهم أو قتلهم، وأخذهم بصورة لا تليق بكرامة الإنسان. ويستقبل الدعاة هذا
كله برحابة صدرٍ، وصبر واحتمال، وهم يعلمون أنّ العاقبة للمتقين، والبشرى
للصابرين، وأَنّ نصر الله - لا ريبَ - آتٍ والعجلة لا تقدّمه، كما أن التريث لا
يؤخره، محتسبين ما يجري عليهم من ظلمٍ وإفك، وأذى واضطهادٍ عند الله، ولله.
وهم مع هذا متمسكون بدينهم، لا يتقهقرون عن دعوتهم، ويطلبون أن يخلى
بينهم وبين الشعوب الإسلامية لدعوتها وإصلاحها، قياماً بالواجب الذي افترضه الله
على عباده المؤمنين:
[ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ]
[ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]
وهم في حالهم تلك لا يسألون الناس أجراً، يفرحون بهداية المهتدين، وعودة
التائبين:
[وجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا
مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وهُم مُّهْتَدُونَ]
هذا وصف داع للإجابة، دالٌّ على الصدق:
[ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ]
ويتحملون ما يأتيهم من الأذى والاضطهاد ممَّن يدعونهم، ولا يؤاخذونهم على
ما يصدر منهم من أذى، بل يعرضون عنه كأن لم يسمعوا ولم يروا:
[فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ولَمْ يُرِدْ إلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا]
والإعراض- هنا- ليس هو ترك الدعوة، ومقاطعة المعرضين، بل عدم
مؤاخذة المدعوين، بما يصدر عنهم من أذىً، مع الاستمرار في الدعوة والبلاغ،
والحرص على الخير.
وفيما هم على هذه الحالة، يعترض طريقهم المتنفذون من أصحاب الجاه
والدنيا، يقطعون عليهم طريق الدعوة إلى الله، ويحاربونهم من أجلها، لا يطلبون
أن يميّزوا بمعاملة خاصة، أو يعطوا شيئاً ليس لهم - وهم أقرب الناس إلى الزهد
فيما هو من حقهم، ولهم - بل يطلبون مساواتهم بالمجرمين، من قطاع الطرق،
والسراق، وغيرهم - وهو أمر مع ما يحمله من الظلم البين والإجحاف مطلبٌ
يمنعه أصحاب السلطان - وذلك بإحالتهم إلى القضاء. إذ أن هؤلاء إذا قُبض عليهم
أحيلوا على الشرع لإقامة حكم الله فيهم، بخلاف الدعاة الذين يحالون إلى الجلادين
من الشرط ورجال الأمن والاستخبارات بطريقة لا تمت إلى الإنسانية، فضلاً عن
الإسلام بصلة. أليس هذا الطلب عادلاً، بل متواضعاً، بل ظالماً، ومع ذلك يرض
به من نذروا أنفسهم ومالهم ووقتهم لدعوة الناس إلى الخير.
ويا لها من أمةٍ منكوبة، جعلت دعاة الإسلام يتواضعون إلى هذا الطلب
الجائر، على حين أن الواجب أن يجعل الدعاة فوق الهام، وأن يؤخذ برأيهم، وأن
يقدموا في كل شيء.
هذه حال الدعاة في الدول التي تدعي الإسلام. أمّا الدول التي أعلنت براءتها
من الإسلام، وانخلعت من ربقته بجعل التحكم إلى الجاهلية، والقوانين الوضعية،
والبراءة من الإسلام في دساتيرها، فالأمر فيها أسوأ، فإن مطلب الدعاة فيها أن
يعاملوا معاملة إنسانية، تليق ببني آدم، على وفق ما تنادي به دول الكفر التي
تدعي الديموقراطية، ورعاية حقوق الإنسان التي من أبسطها في نظرهم حرية
التعبير.
وللدعاة مطلب آخر من حملة العلم والمؤمنين من عباد الله بأن يؤازروهم
ويقفوا معهم، ويشاركوهم في دعوتهم التي كلف بها كل مؤمن، ويدفعوا عنهم كل
إفك وزور، وكل شر يتربص بهم، وإن لم يكن هذا فعلى الأقل أن يقفوا موقف
مؤمن آل فرعون الذي قال:
[أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وإن يَكُ كَاذِباً
فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن
جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] [١] .
فأين المشايخ وحملة العلم من هذا الموقف؟ ! إن الدعاة يتوقعون من هؤلاء
أن يقفوا هذا الموقف على أقل تقدير، إن لم يكن منهم قيادة للدعوة وتصدر وزعامة، ويرجون أن لا يأتي منهم خذلان في وقت الحاجة إليهم. وقد قال رسول الله -
ﷺ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا
يحقره» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
ألا فليعلم هؤلاء المتنفذون أصحاب الجاه، المتحكمون في شئون أمة محمد -
ﷺ أن للباطل جولة، يعود بعدها الحق إلى الظهور، ثم تكون
الغلبة له، وأن هذا الدين ما جعله الله آخر الأديان إلا ليعمَّ الأرض كلها:
[هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ
المُشْرِكُونَ]
وأن رسول الله ﷺ قد قال: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ
الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزٍ عزيز، أو بذلٍ ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر» رواه ابن حبان.
وأن الله قد وعد بإعلائه ونصره على الرغم من كيد الكائدين وعداوة الكفار
والمنافقين، وسيكتب الخزي على المنافقين والمرجفين:
[يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ]
ألا فليعلم الذين يخادعون الله أن الله خادعهم، وأن الصدق والوضوح خير من
النفاق والخداع، وأن الشعوب تعلم حقيقة أمرهم، وأنهم قد فقدوا مصداقيتهم أمام
شعوبهم، وقد قال رسول الله -صلى الله علمه وسلم-: «إنها ستكون أمراء
يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليَّ الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا
منه، وسيرد عليَّ الحوض» أخرجه الإمام أحمد عن أربعة من أصحاب رسول
الله ﷺ ورضي عنهم، وهم أبو سعيد الخدري، وكعب بن عجرة، والنعمان بن بشير، وحذيفة بن اليمان.
ولا أظنُّ عصراً تجلى فيه الكذب مثلما تجلى في هذا العصر، بوسائل
إعلامه من إذاعة وتلفاز وصحف، وغيرها. حتى صار في مقدور هذه الوسائل أن
تحول الظلم إلى عدل، والنهب إلى رجولة وذكاء، والباطل إلى حق، والكذب إلى
صدق، والخيانة إلى أمانة، ولكن هذا كله يبق محصوراً في فئة من الناس وفي
مكان محدود، وفي زمان معين ثم تنكشف الحقائق ولو بعد حين، فيعود كل شيء
إلى أصله ووضعه الطبيعي، ويتصور هؤلاء أن حقيقتهم لن تكشف، وبواطنهم لن
تظهر، وسرائرهم لن تعلن وقد أخطأوا في هذا الظن وسيقال لهم:
[وذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الخَاسِرِينَ] [٢] .
ألا فليعلم هؤلاء المخذلون ممن نسبوا إلى العلم الشرعيّ، وحسبوا عليه أن ما
هم فيه محض ابتلاء والله ناصر دينه بهم أو بغيرهم:
[وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] [٣] .
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- تلا هذه الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا
استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم
قال: هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس «قال ابن
كثير: تفرد به مسلم بن خالد الزنجي ورواه عنه غير واحد وقد تكلم فيه بعض
الأئمة والله أعلم به.
ألا فليعلم، ثم ليعلم هؤلاء أن الدين دين الله، وأنه لابد غالب والعاقبة للمتقين، وأن الله هو الذي يختار له أنصاره والمؤمنين به:
[ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] [٤] .
وأن العاقبة تكون لهم ولمن ناصرهم في الدنيا، ويوم لا تنفع نصرة ولا
شفاعة:
[إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا
يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ] [٥] .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 954
خُدعة الصدام المتعجل
محمد محمد بدري
قد نرى في الطرقات رجالاً يطاردون مجموعة من الأطفال لأن هؤلاء الأطفال قد نادوهم بألقاب معينة تثيرهم وتخرجهم عن وعيهم واتزانهم، فماذا- تظنون نظرتنا لهؤلاءالرجال؟ إننا نراهم حقاً جديرين بالرثاء لأن الأطفال استطاعوا أن يتحكموا في انفعالاتهم! !
وقد يذهب بعض الناس إلى إنسان يريدون إثارته فيذمون له رأياً أو يستخفون
بشيء من معتقداته حتى تغلي مراجل قلبه فيخرجونه عن سمته وهديه واتزانه..
لماذا؟ لأنهم كشفوا فيه موضع ضعفه فضغطوا على هذا الموضع ليثيروه، ولكن
لنفرض أن هذا الذي أراد الآخرون إثارته جاءه من يخبره بقصدهم فماذا ستكون
النتيجة؟ إن أغلب الظن أنه يستطيع بوعيه بقصدهم أن يتماسك أمام لعبتهم
فيرجعهم فاشلين! !
وهذا بالضبط هو مقصدنا من هذه الكلمة القصيرة مع إخواننا العاملين للإسلام، مقصدنا هو محاولة زيادة الوعي بسبيل المجرمين في خدعة جديدة وهي (الصدام
المتعجل! !) فما هي تلك الخدعة؟
إن هناك شرذمة تدربوا على استدراج الدعوة الإسلامية وإثارتها ليؤدوا دورهم
في الوقت المحدد.. فإذا جاء هذا الوقت ضغط هؤلاء على نقاط الضعف فأثاروها
وأخرجوها عن توازنها، واستدرجوها إلى الصدام معهم قبل الإعداد له وقبل وجود
القاعدة الإسلامية الواعية، وعلى إثر هذا الصدام يقوم هؤلاء بضرب العمل
الإسلامي ضرباً مؤلماً، أو يظهرونه في صورة السفيه الذي يجب بأن يحجر عليه.
وهكذا تقوم حملة على المسلمين والناس غافلون عن حقيقة المعركة، وعن
كون هؤلاء المجرمون إنما يعملون عداء للإسلام ذاته لا رداً على عمل بعينه؟ !
ولذلك يعتبر الاندفاع في اتجاه الصدام وفقدان الصبر على مواجهة تحديات
الأعداء مظهراً من مظاهر الضعف وليس القوة.. والشرع والعقل يفرض على
الدعوة الإسلامية في مثل هذه الظروف تفويت الفرصة على العدو حتى لا يحطم
الحركة، مع الالتزام بالصبر والسيطرة على المشاعر والانفعالات والتفكير
والتركيز في عمل دائب لصنع القاعدة المسلمة الواعية التي تحمي الدعوة.
قد يقول قائل: إن حياة المسلم لا تنفصل عن الابتلاء.. وهذا حق.. وهذا لا
يعني أن لا نأخذ حذرنا كما أمرنا [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ]
ونخطط في عملنا آخذين في اعتبارنا الاستهداء بنور القرآن الكريم دون إهمال
الأسباب المادية حتى لا نسقط ثمرات عملنا الإسلامي قبل أوانها..
فليست القوة بالحماس والانفعال بل بالسعي الدائب للوصول إلى الهدف
والتخطيط لذلك وضبط النفس أمام التحديات الخارجية التي تحاول أن تنحرف
بالدعوة عن خطتها من خلال الضغوط التي تُمارس ضدها من تشريد وقلق وعدم
استقرار..
وقد يقول قائل: وهل نقف مكتوفي الأيدي ونترك الطغاة يفعلون ما يريدون؟ ! إنهم لا يجدون في السكوت إلا مظهراً من مظاهر الخوف والذعر أمام قوتهم! !
ونحن لم نقل أبداً إننا سننسحب، ولم نقل أننا نريد ليناً مع الأعداء يحفظ
علينا أرواحنا، بل نقول إننا نحاول الاستمرار حى نصل إلى هدفنا بتوازن يحكم
إحجامنا كما يحكم إقدامنا؛ فلا نستسلم لزهو البطولة الانفعالي الذي يدفع الإنسان
إلى اتخاذ المواقف من خلال سياسة اللحظة السريعة لا من خلال سياسة النفس
الطويل..
فالقوة الحقيقية هي في الصمود أمام التحديات العاطفية. وعدم الوقوع ضحية
عقلية الفروسية الفردية.
أما أن نفسح المجال أمام أعدائنا ليثيروا انفعالاتنا ويجرونا إلى مواقف
محسوبة عندهم لمصلحتهم أو يدفعونا إلى معارك لم نعد لها، فهذا هو الضعف
الحقيقي بل الصبر في مثل هذه المواقف هو مظهر القوة.. الصبر على تحمل درء
الآلام.. والصبر على الإعداد الطويل للمستقبل. والإصلاح لا يتم في ليلة واحدة،
والخير لا يأتي دفعة واحدة، وسنة الله في خلقه التدرج والنماء وصيحة الحق التي
نريد أن تدوي في العالم لابد لها من أطوار تمهد لها.. وواجب. الفئة المستنيرة في
مثل هذه الأيام أن تقوم بهذا التمهيد.. وليس هذا التمهيد بالشيء اليسير إنه خطوة
في سبيل انتزاع الأمة المسلمة من الوحدة التي وقعت فيها.. وهو عمل طويل
وشاق ومجهد ويحتاج إلى تضحيات كبيرة.
стр. 955
منهج أهل السنة في
النقد والحكم على الآخرين
(٣)
هشام بن إسماعيل
«تكلم الكاتب في الحلقات السابقة عن قواعد أهل السنة في النقد، وذكر منها: حسن الظن بالمسلم، والخوف من الله والعدل في وصف الآخرين. ويتابع في هذه الحلقة بقية القواعد ... »
- البيان -
القاعدة السادسة
العدل في المفاضلة بين الناس
والأصل في هذه القاعدة قول الله تعالى: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]
[الحجرات ١٣] وقول الرسول ﷺ عندما سئل: أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم» [١]
والتفضيل بين الناس يكون على وجهين:
١- تفضيل مطلق.
٢- وتفضيل مقيد.
أما التفضيل المطلق بين الناس فيكون على أساس التقوى، وقوة الإيمان -
ولنا الظاهر والله يتولى السرائر - فمن ظهر لنا أنه على تقوى أعظم من غيره كان
أحب إلينا.
وأما التفضيل المقيد: فهو بحسب قيده، فإن الناس يتفاضلون في أمور
ومواهب وقدرات، فالناس يتفاضلون في العلم، وفي الذكاء والفهم، وفي قوة
الحفظ، أو حسن الإدارة والتنظيم، وأمثال ذلك فهنا المفاضلة تكون بحسب الحاجة
إليها، وهي مفاضلة مقيدة لا علاقة لها بالأفضلية عند الله تعالى وإنما فيما يظهر
للناس.
فهذا السهروردي يقول عنه الذهبي: (كان يتوقد ذكاء، إلا أنه قليل
الدين) [٢] والأمثلة من ذلك كثير.
وقاعدة السلف - رضوان الله عليهم - أنا لا نقدم إلا من قدمه الله ورسوله،
ولا نؤخر إلا من أخره الله ورسوله ﷺ . كما ينبغي هنا الإشارة
إلى أن أعمال القلوب والتفاضل فيها يرفع أصحابها منازل عليا عند الله تعالى؛
(فإنك ترى الرجل الفاضل ذا الهمة العالية، والعمل الدؤوب. في نشر الإسلام،
وكثرة العبادة مع طول عمره، ثم تجد من هو أقل منه نشاطاً وعملاً، أو أقصر منه
عمراً أحب إلى الله تعالى من الأول) .
وأما من جهة كثرة العمل والعبادة، ومفاضلتها بما في القلب فقد وجد من
العباد من اشتهر بكثرة الصلاة والصيام والإنفاق في سبيل الله تعالى، وملازمة
التقوى والخوف من الله تعالى، كالحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسفيان
الثوري، والإمام أحمد وغيرهم، وهم في أفرادهم بل في مجموعتهم لا يصلون
رتبة أبي بكر الصديق ﵁، بل الأمة كلها لا تصل إلى رتبة
الصديق ﵁ لأنه جمع خصائص لم تجتمع لغيره بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولذلك ينبغي أن يكون التفضيل بين الأشخاص قائماً على العدل والإنصاف
واعتبارات الشرع لا على الهوى والتعصب، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق
حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق) [٣] .
كما أن التفضيل المطلق في كل الأمور يصعب الحكم به في كثير منها، وذلك
لاشتمال كل واحد منهما على فضيلة لا توجد في الآخر فيلجأ حينئذ إلى التفضيل،
لأن التفضيل بدون التفصيل لا يستقيم.
يقول ابن القيم ﵀: (الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة، أو
فاطمة أفضل، إذا حرر محل التفضيل صار وفاقاً، فالتفضيل بدون التفصيل لا
يستقيم، فإن أُريد بالفضل كثرة الثواب عند الله فذلك أمر لا يطلع عليه إلا
بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، كم من عاملين
أحدهما أكثر عملاً بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة وإن أريد بالتفضيل
التفضل بالعلم، فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة، وأدت للأمة من العلم ما لم
يؤد غيرها، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها، وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل
وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة أفضل، فإنها بضعة من النبي -صلى الله عليه
وسلم- وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير إخوتها، وإن أريد السيادة ففاطمة سيدة
نساء الأمة، وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم
وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل، ولم يوازن
بينها، فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم
بالجهل والظلم، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسائل عديدة من مسائل
التفضيل فأجاب فيها بالتفصيل الشافي؛ فمنها أنه سئل عن تفضيل الغني الشاكر
على الفقير الصابر أو العكس، فأجاب بما يشفي الصدور فقال: أفضلهما أتقاهما لله، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة.. ومنها أنه سئل عن خديجة وعائشة
أمي المؤمنين أيهما أفضل؟ فأجاب بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام،
ونصرها وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين،
وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما
لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها. فتأمل هذا الجواب
الذي لو جئت بغيره من التفضيل مطلقاً لم تخلص من المعارضة.. فعلى المتكلم في
هذا الباب:
١- أن يعرف أسباب الفضل أولاً (بتعلم العلم الشرعي من مظانه) .
٢- ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينها ثانياً.
٣- ثم نسبتها إلى من قامت به - ثالثاً - كثرة وقوة.
٤- ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعاً.
فرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالاً لغيره، بل كمال غيره بسواها؛
فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال
أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا.
فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل. وتفضيل الأنواع
على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد من الهوى
والغرض.
وههنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله: وهي أن كثيراً ممن يتكلم في
التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد، ثم يأخذ في تقريظه
وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل، والمبالغة فيه،
واستقصاء محاسن المفضل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل
عليه بالعكس ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا، وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضى بغيرها.
ومن هذا التفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل
منهم لمذهبه وطريقته أو شيخه، وكذلك الأنساب والقبائل والمدن والحرف
والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة
أخرى: وهو أنه يشهد حظه ونفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره
بسواها، لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه
وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه، فهذه نكت جامعة مختصرة
إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته) [٤] ...
القاعدة السابعة
المنهج الصحيح في الحب والبغض
من المسلمين من يجتمع فيه أمران: أمر من الخير فيحب بسببه ويمدح عليه، وأمر من الشر فيذم بسببه ويبغض من جهته. وأما الحب والولاء بإطلاق فهو
للمؤمنين، والبغض والبراء بإطلاق - أيضاً - فهو للكافرين، فإن الحب والبغض
من أوثق عرى الإيمان، كما ثبت ذلك في الأثر [٥]
وإنما القاعدة في المسلم الذي يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً أنه يحب من جهة
عمله للصالحات، ويمدح لذلك، ويبغض من جهة عمله للسيئات، ويذم لذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وإنه كثيراً ما يجتمع في الفعل
الواحد، أو في الشخص الواحد الأمران: فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما
تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض
السيئات البدعية الفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض
الحسنات السنية البرية، فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائماً
بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان [٦]
ويقول في موضع آخر: (ولا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم
ويحب من وجه، ويعذب ويبغض من وجه آخر) [٧]
ويقول الذهبي ﵀ عن أبي جعفر الباقر: (ولقد كان أبو جعفر إماماً
مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن، لكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير [٨]
ونحوه، ولا في الفقه درجة أبي الزناد وربيعة، ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة
قتادة وابن شهاب، فلا نحابيه، ولا نحيف عليه، ونحبه في الله لما تجمع فيه من
صفات الكمال) [٩] .
وينبغي هنا التنبيه إلى أمر مهم، وهو: أن من الناس من يبني الحب
والبغض على مدى موافقة الآخرين له، فتجد من يحب فلاناً من الناس لأنه على
مذهبه أو طريقته في الدعوة، أو لأنه ضمن جماعته؟ ! وأمثال ذلك، وبعض
الآخرين إذا خالفوه في رأي فقهي اجتهادي، أو نظري عملي، أو ما شابه ذلك،
وهذا كله دليل على اختلال الإيمان في القلب، لأن هذا الأمر مبني على أوثق عرى
الإيمان، فإن كان محملاً في الواقع، فهو كذلك في القلب.
يقول ابن تيمية ﵀: (فإن الإنسان عليه أولاً أن يكون أمره لله،
وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور، أو إقامة الحجة عليه،
فإن فعل ذلك لطلب الرئاسة لنفسه ولطائفته، وتنقيص غيره، كان ذلك حمية لا
يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطاً، ثم إذا رد
عليه ذلك وأوذي أو نسب إلى أنه مخطئ وغرضه فاسد، طلبت نفسه الانتصار
لنفسه، وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر
على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي.
وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق
معه، وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو
رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون
الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهداً معذوراً لا يغضب
الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم، وإن كان جاهلاً سيئ القصد، ليس له علم ولا
حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم
يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء نفوسهم لا على دين الله
ورسوله.
ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال تعالى: [وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] [الأنفال ٣٩]
فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة. [١٠]
وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله،
والعبادة لله، والاستعانة بالله ...
وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك،
ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل
يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه،
ويكون جمع ذلك له شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وهو
الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن
قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه
وطائفته، أو الرياء، ليعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً، أو
لغرض من الدنيا، لم يكن لله، ولم يكن مجاهداً في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي
يدعي الحق والسنة كنظيره، معه حق وباطل، وسنة وبدعة، ومع خصمه حق
وباطل وسنة وبدعة؟ !
وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، وكفّر بعضهم بعضاً،
وفسّق بعضهم بعضاً، ولهذا قال الله تعالى فيهم: [ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ
إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ * ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ
ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ]
الخلاصة:
من خلال ما تقدم على الإنسان أن يتقي الله في نقده وألفاظه،
ويخلص النية لله ويتجرد عن الهوى وحظوظ النفس، ولا يتكلم إلا بعلم وعدل
وإنصاف ويقدم حسن الظن بالمسلم، ويوازن بين المحاسن والمساوئ، ويجعل
لكثرة الحسنات أو قوتها اعتبارها، ويتذكر أن الشخص الواحد غالباً ما يجتمع فيه
أمران، فيحمد ويحب بسبب أحدهما، ويذم ويبغض بسبب الآخر، ثم تكون ألفاظه
مهذبة ويبتغي بذلك وجه الله تعالى.
فمن سلك هذا السبيل، فيرجى له الصواب والسداد، وعدم التبعة يوم القيامة
بما يقول، ومن أخل بشيء مما سبق. فقد وقف على حفرة من حفر النار فلينظر
موقع قدمه أن تزل وهو لا يشعر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى شباب الدعوة إلى الله أن يستفيدوا من كلام السلف الصالح عند عرض
سير أعلام النبلاء فإنهم إذا كان لا بد لهم من الحديث عرضوا ما للشخص وما عليه. وإلا كفوا عن ذلك وشغلتهم عيوبهم عن عيوب غيرهم.
والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 956
وقفات مع
التحقيق والمحققين
محمد عبد الله آل شاكر
-١-
منذ قرون بعيدة أدرك العلماء أهمية تحقيق النصوص وتصحيحها، وعلموا
أنها مسؤولية عظمى تحتاج إلى جهدٍ كبير وإلى درايةٍ ومهارة، فقال الجاحظ في
مقدمة كتاب (الحيوان) : «ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفاً أو كلمةً
ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعنى، أيسر عليه من
إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام» .
ثم دار الزمن دورته، وجاء أناس يزعمون لأنفسهم التحقيق والضبط
والمراجعة، وقد انقلبت عندهم المفاهيم رأساً على عقب، وابتدعوا طريقة في
التحقيق جديدة، لم يعرفها السابقون، ولا يرضى عنها المعاصرون. بل إن عملية
التحقيق نفسها أصبحت عند بعضهم " هلوسة "، كلهم يريد أن يحقق، كلهم يريد أن
يحقق كل شيء، حتى القرآن الكريم!
ومن عجيب ما وقع في يدي من هذا اللون كتاب بعنوان (دليل آيات العبادات ...
والأحكام الشرعية) جمع وتحقيق ذخر الدين شوكة، عميد كلية الشريعة ... بالجامعة الأردنية، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ، طبع جمعية المطابع التعاونية في عمّان. وهو يحتوي على مجموعة من الآيات القرآنية الكريمة مصورة من المصحف ويقابلها ترجمة معانيها بالإنكليزية، من كتاب «تفسير آيات القرآن
الكريم» لمحمد بكتال، الذي قامت بطبعه رابطة العالم الإسلامي، عن طريق مكتبها الدائم في هيئة الأمم المتحدة بنيويورك! (انظر صفحة ١ من مقدمة الكتاب) .
رأيت هذا الكتاب في معرض للكتاب، فدعاني ذلك لسؤال صاحب المكتبة
مازحاً: هل عندك القرآن الكريم محققاً؟ وأبدى المسكين تأسفه لعدم وجوده! !
واستكمالاً لما سبق نشره في أعداد سابقة من البيان الغراء، حول تراثنا
وطريقة التعامل معه، أشير في هذه المقالة إلى بعض الملاحظات، والله الموفق.
-٢-
اضطرب مفهوم التحقيق عند بعض الدارسين الذين استهواهم هذا الاسم، فغدا
التحقيق في عملهم شرحاً لمتن، أو حاشية على الشرح، أو تقريراً على الحاشية،
يستعرض فيه أحدهم قدرته على تتبع كل كلمة في النص وشرحها. ومن أعجب ما
رأيت من هذا اللون من التحقيق ما أسميته بـ (التحقيق الأزهري) ، (وللأزهر في
نفوسنا مكانة، فهو مقصد طلاب العلم والعلماء) ، فقد لفت نظري إعلان عن كتاب
استهواني موضوعه، ولي فيه نوع اهتمام، وهو (تحرير المقال فيما يحلُّ ويحرم ...
من بيت المال) للحافظ تقي الدين، أبي بكر محمد بن محمد البلاطُسُني، تحقيق ودراسة: فتح الله محمد غازي الصباغ، منشورات دار الوفاء بالمنصورة الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ. واستعنت بالله ولم أستكثر الجنيهات التي دفعتها ثمناً له، فهو رسالة ماجستير قدمت لكلية الشريعة بالأزهر، وبإشراف أحد الدكاترة «الذي كان له الفضل في أن يسير البحث في خطواته الصحيحة (ليته كان) حتى وصل إلى الصورة التي عليها الآن» (كما يقول صاحب التحقيق والدراسة ص ١٦) .وتجاوزت المقدمة والدراسة التي بلغت ثمانين صفحة، ووصلت إلى متن الكتاب نفسه، وأُصبت بصداع، وأظلمت الدنيا في عيني، وأسفت على الحال التي وصل إليها التحقيق ... فالمحقق وضع عنوان الكتاب في سطر واحد، وأمام كل كلمة رقم إحالة، وفي الهامش شرح لكل كلمة في العنوان: تحرير ... القول ...
الحلال ... الحرام ...
واستغرق هذا الجهد ستة وعشرين سطراً بحرف صغير حتى أتى على شرح
العنوان كله في ص (٨٥) . وفي الصفحة التالية: تعليقات ثمانية على سطرين
اثنين يشرح فيها المحقق لفظ (المقدمة) .. ولماذا بدأ المؤلف بالبسملة والحمدلة،
ثم شرح لمعاني المفردات! وفي ص (١٣٠) شرح للكلمات الآتية: الباب،
الفصل ... الخ
ثم قلبت ورقة واحدة، فوجدت هذا العنوان: (سبب تأليف الكتاب) وفي
الهامش مع الإحالة هكذا: (المحقق) ، (يقصد أن العنوان من عمل المحقق) كثيراً
ما تطالعك هذه التعليقة البارعة. وبمناسبة ورود كلمة، (بدعة) في المقدمة، بدأ
صاحبنا يشرح معناها وأنواعها نقلاً عن الشاطبي والعز بن عبد السلام، -رحمهما
الله تعالى-. وعجبت من هذا الأسلوب في التحقيق أشد العجب، وقلت في نفسي:
لا ضير، فلكل شيخ طريقة، ولشيخنا هذا طريقة أقره عليها المشرف على الرسالة، ويبدوا أنهما لم يفرقا بين التأليف والشرح والتحقيق. ومن الطريف أن صاحبنا
رقَّم على غلاف الكتاب: (تحقيق ودراسة) وفي آخر الإهداء في ص (٥) التوقيع: ... (المؤلف) ، فهل هو محقق الكتاب أم المؤلف؟ أم أن الإهداء من البلاطسني
لوالديّ المحقق ولكل من يؤمن بالإسلام طريقاً للنجاة..؟ !
وليت صاحبنا اقتصد في عمله، وقرأ كتاباً في أصول تحقيق النصوص
ونشرها إذن لأفاد واستفاد، وأراح واستراح.
وسار على هذا المنهج في التحقيق آخرون كما نجد في (المنتخب) للحافظ
عبد ابن حميد، تحقيق وتعليق أبي عبد الله مصطفى بن العدوي شلباية، الجزء
الأول، دار الأرقم، الكويت، الطبعة الأولى ١٤٥٩ هـ. وأين هذا مما كان يفعله
علماؤنا في التحقيق وضبط النص، رغم أنهم لم يتبجحوا بهذه الكلمة التي ابتذلت
في أعمال كثير من الناس اليوم؟ ومن أراد معرفة ذلك فلينظر إلى كتب أدب الطلب، وليقرأ مقدمة كتاب «إرشاد الساري بشرح البخاري» للقسطلاني ص (٣٩-٤١) ، أو مقدمة الملاَّ علي القاري لكتابه (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) !
-٣-
وإذا أردت صورة أخرى من التعالم في (التحقيق والضبط والمراجعة) فستجد
أمثلة كثيرة لذلك في الكتب التي أفسدها المحققون والمراجعون الأدعياء، الذين
يضعون أسماءهم على أغلفة هذه الكتب المظلومة المفترى عليها باسم التحقيق، وقد
شحنوها بالأخطاء الفاحشة والنقص والسقط، ولم يقابلوا نسخها المخطوطة، وهي
قريبة منهم وفي متناول أيديهم ولم يكلفوا أنفسهم عناء القراءة المتأنية للكتاب، ولم
يصححوا فيه خطأ، أو يضعوا عليه تعليقاً مفيداً، أو أن يصنعوا له الفهارس التي
تيسر الإفادة من الكتاب.
ولكي لا نكون ممن يلقى الكلام على عواهنه، نأخذ مثلاً على ذلك، وهو
كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للعز بن عبد السلام ﵀، الذي
نشرته مكتبة الكليات الأزهرية من حوالي عشرين سنة، نشرة سقيمة سيئة جداً، ثم
أعادت نشره بطبعة جديدة (مضبوطة منقحة) (هكذا زعم الناشر أو المحقق) في
شهر صفر عام (١٣٨٨) هـ، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد.
وهذا الكتاب النفيس وأمثاله له مكانة في نفسي، وتستهويني قراءته التي
أشعر بلذتها، ويعكر علي هذا أنني أقف عاجزاً عن فهم كثير من المواطن في
الكتاب.. واتهمت نفسي وفهمي، وأحسنت الظن بغيري، إلى أن حصلت على
صورة من النسخة الخطية المحفوظة بالمكتبة الأزهرية (وهي على بعد أمتار من
ناشر الكتاب!) وأخرى من مكتبة الحرم المكي، وثالثة من دار الكتب المصرية
بالقاهرة. ورجعت إلى بعض النصوص التي كنت بحاجة إليها، فهالني ما رأيت،
عندما قابلت المطبوع بالمخطوط، فلم أجد صفحة واحدة، بل مقطعاً واحداً،
وأحياناً سطراً واحداً في صفحة، خالياً من الأخطاء والتصحيفات والنقص، حتى
ليكاد النقض في المطبوع يربو على عشر ورقات ذات وجهين، ومثاله في الجزء
الثاني ص (٢٧) ، ويقابله في النسخة الخطية المكية الورقة (١٧٩) وما بعدها.
وحتى التعليقات على الكتاب، وعددها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في
كتاب يزيد عن الخمسمائة صفحة، هذه التعليقات مسروقة عن الطبعة الأولى
(المكتبة الحسينية، ١٣٥٣هـ) المأخوذة أو المقابلة على نسخة الشنقيطي، وهي
الطبعة التي اعتمدها محقق الكتاب، ونشرها من جديد بنصها وفصها، دون أن
يشير إلى ذلك. فما أدري، ما الذي بقي من جهد أو عمل لهذا المحقق المحترم؟ !
وليت شعري، كيف يثق القارئ - بعد ذلك - بهذه الكتب التي أخرجها، أو أخرجت باسمه، وقد يقع الكتاب منها في مجلدات ذوات عدد مثل:
«الروض الأنف» بشرح سيرة ابن هشام للسهيلي، وهو من أعظم شروح السيرة وأدقها وأكثرها فوائد، و «تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام» لابن فرحون، وهو عمدة الدارسين في القضاء والسياسة الشرعية،
و (القواعد الكبرى) لابن رجب الحنبلي، وغيرها. فلا بد من إعادة النظر في طبعاتها كلها.
-٤-
وعلى هذا النهج من التحقيق يسر الدكتور الطبيب (!) عبد المعطي أمين
قلعجي، في تحقيقاته المزعومة، كتحقيقه لكتاب الحازمي «الاعتبار في الناسخ
والمنسوخ من الآثار» دار الوعي بحلب، الطبعة الأولى، القاهرة ١٤٠٣ هـ.
وإن تعجب من تحقيقه، فعجبك أكثر من تخريجه للحديث! والطبيب المحقق هذا،
يبدو أنه يستحل جهود الآخرين وأتعابهم، فيأخذ منهم كتباً ليطبعها لهم، أو يكلفهم
بالعمل على تحقيقها بالاشتراك ثم يطبعها باسمه وحده، وقد حدثني بذلك أحد كبار
أساتذة الأزهر، فقد وقع هو في أحابيله، وجّرأه على ذلك كِبَر سن الشيخ وعدم
قدرته على متابعة الطبيب المحقق!
وأما تحقيقات «محمد صادق قمحاوي» عضو لجنة مراجعة المصاحف
بالأزهر الشريف، والمدرس بالأزهر الشريف، (كما هو مثبت على صفحة
العنوان لكتاب (أحكام القرآن) لأبي بكر الجصاص، طبعة دار المصحف بالقاهرة، الطبعة الثانية) .. وهذه التحقيقات، طراز آخر من التحقيق، لا تجد فيه ضبطاً
لكلمة، ولا شرحاً لمصطلح، ولا تعليقاً على رأي مثلاً، ولا توثيقاً لنص ولا
تخريجاً لحديث، بل ولا تجد علامة من علامات الترقيم، ولا إخراجاً فنياً يساعد
القراء على القراءة والفهم حتى إنه ليصعب عليك أن تميز الآية التي يستشهد بها
المؤلف عن الآية التي يشرحها، وقد بخل على الكتاب والقارئ باسم السورة إلى
يفسرها المؤلف. أما صنع الفهارس المتنوعة للكتاب فهذا أبعد من نجوم السماء
وكأنه بدعة ضلالة!
ولئلا نبخس الرجل أو نهضمه حقه، فإن جهده - ولعله جهد المطبعة - يتمثل
في أنه أخرج الكتاب في خمس مجلدات بدلاً من الثلاثة في طبعة الآستانة. ووجدت
له كذلك تعليقين في الجزء الأول من الكتاب، أحدهما في الصفحة الخامسة، يقول
فيها: «المراد بهذه المقدمة التي ذكرها المصنف - الكتاب الذي ألفه في أصول
الفقه» . وفي ص (٣٠) عند قول المؤلف عن نافقاء اليربوع: «لأن له أجحرة
يدخل بعضها عند الطلب ... » قال المحقق: «هكذا في النسخ التي بأيدينا،
وصوابه جِحَرة» (بكسر الجيم المعجمة وفتح الحاء) وكفى الله المؤمنين القتال!
وكفى الله القارئين الجهد والتعب!
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (يتبع)
стр. 957
إدارة
الهدوء وضبط النفس
سمة القيادة الناجحة
سامي سلمان
أقصد بالقائد الشخصية القادرة على اختيار الرجال، وفرض احترامه عليهم،
والحصول على محبتهم ومعرفة إمكاناتهم واستغلالها، ووضع كل منهم في المكان
الذي يلائمه، وبث فكرة القوة والمساواة بينهم، وتوزيع المسؤوليات عليهم،
وإشراكهم جميعاً في خدمة هدفٍ سامٍ على أن يتمثل فيه إيمان جاد بالمهمة التي يقوم
بها.
وسوف أشير هنا إلى عنصر واحد من عناصر سمات القيادة الناجحة وهو
الهدوء وضبط النفس، وهي صفة جلية في رسول الله ﷺ في
جميع أحواله، إن الهدوء وضبط النفس موهبة فطرية وسمة خلقية تكتسب كذلك،
ولا بأس بذكر موقفين له ﷺ تتبين فيهما هذه الصفة:
أولاً: في معركة حنين عندما فوجئ المسلمون بهجوم قوي من الكفار (هوازن
ومن معها) وفر من فر ممن أسلم بعد الفتح، وتراجع المسلمون عشوائياً، في هذه
اللحظات الحرجة والصعبة كان رسول الله ﷺ ثابت الجأش
هادئ الأعصاب يقول: أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، ويقول لعمه العباس: ناد أصحاب الشجرة، وبفضل الله ثم بفضل هذا الثبات من
الرسول ﷺ آب المسلمون إليه ورجعوا يتجمعون حوله
وانتصروا بعدئذ بإذن الله.
هذا الموقف يحتاج إلى تأمل، ففيه الشجاعة وحسن التصرف، وفيه هدوء
النفس وعدم الهيجان، وفيه التوازن مع ما في الحدث من شدة انعكست على الألوف
ممن سار في الجيش، يذكرني هذا الهدوء من رسول الله ﷺ
بقول أحدهم: «لكي يحافظ القائد على هدوئه، عليه أن يعتاد على معالجة الأمور
المفجعة وكأنها عادية، بدلاً من معالجة الأمور العادية وكأنها فواجع» [١] ، ويقول
كذلك: «على القائد الذي يود أن يكون أهلاً للقيادة أن يبدأ بقيادة نفسه ولا يمكن
لمن لا يسيطر على نفسه أن يسيطر على الآخرين» [٢] .
إن استقبال أي حدث مهما كانت درجة عظمته بهدوء وضبط نفس. يمكّن
المسؤول والقائد من عدة أمور منها:
أولاً: استيعاب الحدث بمعرفة حجمه الحقيقي، فكم من موقف استقبلناه بشدة
وغلظة بينما هو أبسط وأصغر من أن يواجه ويستعد له على حساب أمور أخرى-
والعكس صحيح فكم من حدث ظهر لنا بسيطاً فلم يحسب له أي حساب فلما تبين لنا
أنه كبير ويحتاج إلى موقف سريع منا لم نتمكن من استيعابه، ففي كلا الحالتين
ضبط النفس وهدوءها يعين القائد على دراسة حجم الأحداث.
ثانياً: استيعاب الحدث بمعرفة مسبباته، الأسباب التي من شأنها أن تؤدي
إلى وقوع الحدث يعين على معرفة أفضل المواقف التي ينبغي اتخاذها.
ثالثاً: استيعاب الحدث بمعرفة أبعاده المستقبلية، فما من حدث إلا وله ما
وراءه، والهدوء وضبط النفس مما يعين القائد على الاستعداد لمواجهته بعقلية
الواعي لما يدور حوله.
فبمثل هذه الأمور الثلاثة وغيرها يوحي القائد والرئيس والمسؤول للآخرين
ممن حوله أنه متمكن من الموقف وممسك بزمامه فلا يظهر عليه الخوف والارتباك، فالقائد الحقيقي هو الذي لا يعرف الخوف ويتقن إخفاءه عندما يشعر به. ليوحي
لمرؤوسيه بأنه دائماً أصلب من الخطر. فإن تجنَب ردود الفعل العصيبة وكبح
جماح نفسه واستقبال المتاعب بروح مرحة، وتقبل المخاطر بصبر، طمأن بهدوئه
مرؤوسيه ودفع عنهم الهلع الذي يعتبر في الأزمات أكبر الأخطار.
يقول (كورتوا) : (ينظر المرؤوسون في ساعات الخطر غريزياً إلى وجه
رئيسهم، فإذا اكتشفوا لديه قلقاً أو توتراً عصبياً، انتشر هذا الشعور بينهم بسرعة
تزداد بمقدار ما يكون هذا الرئيس محبوباً وموثوقاً. [٣]
وحتى لا يظن القارئ أن الحاجة إلى مثل هذه السمة قاصرة على المعارك
مثلاً نسوق هنا موقفاً آخر لرسول الله ﷺ ، ففي غزوة حنين
نفسها غنم المسلمون غنائم كثيرة جداً، فأعطى رسول الله ﷺ
من هذه الغنائم أعطيات كبيرة للمؤلفة قلوبهم من أهل مكة وبعض زعماء الأعراب،
فوجد الأنصار في أنفسهم شيئاً لأن رسول الله ﷺ لم يعطهم،
وظنوا أنه قسّمه في قومه، فجمعهم رسول الله - ﷺ - في مكان
وخاطبهم قائلاً: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها علي
في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغنكم الله، وأعداء فألف الله بين
قلوبكم؟ قالوا: بلى، لله ولرسوله المن والفضل!
ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟
لله ولرسوله المن والفضل. قال ﷺ :» أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقكم: أتيناك مُكَذِّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت
بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب
الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذى نفس محمد بيده لولا
الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً
لسلكت شعب الأنصار! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً
وحظاً. ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا [٤]
وأنقلك أخي القارئ إلى مظهر أحد الرؤساء وهو في حالة ضيق وهيجان
وعصبية عندما نُقل له تذمر أحد مرؤوسيه أو جماعة منهم على تصرف أو تصريح
بَدَرَ منه فما كان منه إلا أن أصدر قراره العاجل بالحكم عليهم بسوء الفهم وقلة
الإدراك وبدا يخطط لتأديبهم بالسبل المختلفة. وأنا أطالب القارئ أن يقارن بين هذا
الموقف الذي اتخذه هذا الرئيس وبين موقف رسول الله ﷺ
الذي يظهر فيه الهدوء وضبط النفس الذي مكنه من استيعاب الموقف خير استيعاب. ولنمضي جميعاً ونحلل موقف هذا الرئيس فنسأله:
١- هل راجعت نفسك في صحة ما بدر منك من عدمه؟
٢- هل تأكدت من صدق ما نقل لك ومدى دقة هذا النقل؟
٣- هل فكرت في سبب تذمر مرؤوسيك مما بدى منك؟ .
٤- هل فكرت في أفضل السبل لإيجاد حل للموقف؟
٥- هل هناك مضاعفات للموقف تحتاج أن تلم بها؟
وسوف تجد أن الذي لم يتحلَّ بالهدوء وضبط النفس لن يتمكن من سؤال
نفسه مثل هذه الأسئلة بل ينساق وراء ما تمليه عليه نفسه المضطربة من وقع
الموقف. وما أجمل ما قاله أحد الخبراء: «لا يتأثر الرئيس الفعّال لأن شخصاً
خالفه أو انتقد رأيه بل يعتبر هذا الشخص عنصراً جديداً من عناصر المعضلة
الواجب حلها» .
ومما تقدم يبرز أثر انعدام صفة الهدوء والقدرة على ضبط النفس من سلبيات
وخيمة في ميزان القيادة الحكيمة وإن من المسلمات في علم الإدارة أنه لا يمكن
لرئيس عصبي سريع الانفعال أن يقوم بمهمته الأساسية وبشكل مشوق وهو في
الحقيقة مثال للقلق والرعونة، تلك الأمور التي عليه أن يحاربها لدى الآخرين.
يقول صاحب كتاب فن القيادة: «يوحي الهدوء بأن صاحبه ذو إرادة لا
تتحول عن هدفها وتسبب نظرة الرئيس الهادئة العميقة شعوراً من القلق لدى
المشاغبين ومثيري المشاكل من المرؤوسين، وإحساساً غريزياً بأنهم أمام قوة لا
تقهر» .
стр. 958
أخلاق
شيوع الأخلاق النفعية
في العصر الحديث
محمد الناصر
إن ظاهرة الأخلاق النفعية أضحت أمراً مقلقاً ولافتاً للنظر في هذا العصر..
وقد أدت إلى نتائج خطيرة في التعامل بين الأفراد والجماعات.. بل أصبح المرء
يصاب بإحباط شديد وخيبة مريرة لما يجده من ازدواجية عند صنف من الناس،
وتزداد الغرابة عندما نلمس ذلك عند بعض مَنْ يتخذون ظاهرة التورع والتدين
وسيلة لمآربهم الخاصة.
وبعد أن يضمحل أثر الإيمان في النفوس، يستمد الناس قيمهم في التعامل من
الهوى والمصلحة الشخصية، بل تصبح هذه المصلحة هي الشاغل الأول لأمثال
هؤلاء، ومن هنا فلا يرجى من أعمالهم خير مهما تلبسوا بالصلاح، لأن الإخلاص
والتجرد لله من أعظم خصائص هذا الدين، قال تعالى: [ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ] [البينة ٥] . ويقول ﷺ : «إنما
الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه.
ويقول ابن تيمية ﵀ في هذا المجال: «والأعمال الظاهرة لا تكون
صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب، فإن القلب ملك والأعضاء جنوده ... ولهذا
قال ﷺ :» ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد
كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؟ ألا وهي القلب « [١] .
فالإخلاص يبعث في نفس المؤمن كريم البواعث، فيعمل جاهداً على إشاعة
الخير والتعاون والعدل بين الناس. إلا أن هذه النزعة، نزعة الأنانية والنفعية
غزت مجتمعاتنا بعد أن سادت أخلاق الغربيين من خلال غزوهم الفكري لبلادنا.
سيادة الأخلاق النفعية في ديار الغرب:
لقد غزت فلسفة الغربيين مجتمعاتنا المسلمة، ويرى أصحاب هذه الفلسفة
(النفعية) أن السعادة الحقة هي التي يشعر بها الإنسان نتيجة لإشباع دوافعه الطبيعية
وغرائزه الحسية دون التقيد بدين أو خلق قويم.
» وأصبحت الأخلاق الحديثة تُستمد من القيم المادية النفعية تحدوها ميكافيلية
صريحة، وأضحى التعامل الاجتماعي قائماً على رابطة المصلحة وحدها، على
الأخلاق التجارية.
لقد كفرت أوربا بالدين والأخلاق، ونبذ المجتمع كل مقوماته المستمدة من
هذين الاتجاهين « [٢] .
تطور هذا الاتجاه النفعي في أوربا وأمريكا، وأخذ صوراً مختلفة، يمكن
إيجازها في ثلاثة مذاهب [٣] . لعل ذلك يوضح لنا ما نحن في صدده، وأثر هذه
الأخلاق في سياسة القوم.
المذهب الأول: مذهب المنفعة الشخصية، وله صورتان:
صورة دعا إليها أحد تلامذة سقراط» أرستبوس «وقد فسر السعادة لدى
أستاذه باللذات العاجلة بدلا من الآجلة، وأن إشباع الدوافع في حينها أمر ضروري
لأن تأخيرها يؤدي إلى الشعور بالحرمان والكآبة، فلا حياء ولا خجل في طلب
اللذات في آية صورة كانت، ويعتبرون أن السلوك الذي يحقق هذه السعادة سلوك
أخلاقي.
والصورة الأخرى: تتمثل في الفردية التي دعا إليها» هوبز «ومن سلك
مسلكه، فقد ادعى أن الطبيعة الإنسانية طبيعة أنانية تعمل لمصلحة الذات، وقد
اخترع الإنسان المبادئ الأخلاقية ليتخذها وسيلة يحقق فيها منفعته الشخصية.
ومن هنا يرى أن الأخلاق ما هي إلا وسيلة لتحقيق المنفعة وليست طبيعة في
الإنسان.
المذهب الثاني: مذهب المنفعة العامة.
قال أصحابه: على الإنسان أن ينشد منفعة البشر عامة حتى الحيوانات،
واعتبروا أن إقرار المنفعة غاية للأفعال الإنسانية، ومعيار للأخلاق، وتقاس
أخلاقية الفعل بنتائجها لا ببواعثها.
المذهب الثالث: مذهب النفعية العملية» المذهب البراغماتي «ويمثله جون
ديوي، ويهتم البراغماتي عادة بماله من قيمة معنوية.
والخطورة في هذا المذهب أن ديوي أرجع المثل الأخلاقية إلى نتائج الظروف
الواقعية للإنسان، فهي ليست مبادئ مطلقة ثابتة يضعها الفلاسفة، كما أنها ليست
من وضع المجتمع، ولا من وضع السماء.
ثم أنكر أن تكون للأخلاق غاية عليا سامية وثابتة، وأن لها مبادئ مطلقة لا
تقبل التغير، ذلك لأن الحياة متطورة [٤] .
لقد سيطرت هذه الفلسفة بمذاهبها المختلفة على أخلاق الناس والحكومات في
أوربا بقسميها وفي أمريكا، فاهتزت الأخلاق واضطربت الموازين، وسيطرت
المنفعة والأنانية، وتحول الناس إلى ذئاب بشرية، ومن ثم طغت الروح الرومانية
والفلسفة الإغريقية على أوربا من جديد.
وصارت بعض القيم، كالصدق والأمانة والاستقامة مثلاً لا تطبق إلا في حدود
القومية ومصلحة البلاد على أساس ما تجلبه من النفع لحاملها، وتبطل إذا بطلت
المنفعة القريبة أو البعيدة.
وهاهي المواثيق تعقد وتوثق، وفي لحظة غادرة تنقض وتصبح حبراً على
ورق مجرد أن تلوح المصلحة القومية في نقض الميثاق.
ويمر الناس بهذا الأمر غير مبالين، لأن النظرية شيء والتطبيق شيء آخر
بموجب فلسفة الجاهلية اليونانية [٥] .
وقد عانت أمتنا من هذه الأخلاق الأمرّين خلال الاستعمار القديم وأثناء التعامل
المعاصر من ازدواجية مريرة في قرارات الأمم وما يسمى بمجلس أمنها.
» إن السياسة لا تتفق مع الأخلاق في شيء، والحاكم المقيد بالأخلاق ليس
بسياسي بارع، وهو لذلك غير راسخ على عرشه « [٦] .
هذا ما ينصح به أشرار اليهود في خططهم. وهذا ما يفسر لنا سياسة
المستعمرين.
» كان الاستعمار يتوسل بكل سفالات الأرض ليوطد سلطانه، ويمتص دماء
الناس، ولا يرى في ذلك انحرافاً فالغاية تبرر الوسيلة، ولا يهم عندهم أن تكون
الغاية ذاتها نظيفة « [٧] .
وهذا ما أشار إليه الشاعر العربي إذ يقول:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر
... ... ... وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
ورغم ذلك كله فقد فتن بعض المسلمين في القرن الحالي بحضارة أوربا وظنوا
أنها ذات ركائز تصلح لأن يُقتدى بها، ونسي كثير منهم أن يميزوا بين التقدم
المادي والتخلف العقدي والأخلاقي، فتنوا ببعض ما يبدو من صدق وأمانة حيناً،
لأنها عند القوم تؤمن لهم ثقة ووقتاً، إلا أن أخلاقهم هذه ستتغير إذا لاحت منفعة
أشد، ومصلحة أقوى.
فالأخلاق النفعية سمة بارزة من سمات الجاهلية المعاصرة، بينما كان للعرب
في جاهليتهم بعض الترفع والإيثار كإغاثة الملهوف ونجدة الصريخ والذب عن
حرمات الجيران.
الغاية لا تبرر الوسيلة:
هذا مبدأ إسلامي أصيل، إذ لا بد أن تكون الوسائل الأخلاقية سامية كالغايات
تماماً ولابد أن يكون العمل خالصاً وصواباً حتى يتقبل، ولهذا قال الأصوليون:
الغاية لا تبرر الوسيلة، واتخذوا ذلك قاعدة تشريعية مستدلين بقوله تعالى:
[يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ] [المائدة: ٣٥]
فالآية ترسم طريق الفلاح بأن يتقي المسلم ريه بترك المحرمات وأن يتقرب
إليه تعالى بأداء الواجبات والتمسك بالقيم الأخلاقية، ولا يمكن التقرب إليه
بالمحرمات. [٨]
نتائج وملاحظات:
١- المعروف أن المجتمعات الإسلامية تتميز بالمحبة والتآخي والإخلاص،
ومقاومة الأهواء.
وأن الإيثار والتضحية والشهامة من أخص أخلاق العرب في جاهليتهم
وإسلامهم.. وأن الأنانية والنفعية أخلاق وافدة على أمتنا قد غزتها بعد أن ضعف
وازع العقيدة ودواعي الإخلاص.
٢- النفعية أخلاق غربية بنيت على مذاهب فلسفية تنسجم مع تطلعات
أصحابها ومعتقداتهم وتصوراتهم عن الحياة والإنسان، وهي أخلاق دخيلة غريبة
على أمتنا.
٣- لابد للمربين والدعاة إلى الله أن يهتموا بمعالجة هذه الظاهرة من خلال
التربية والتوجيه؛ بإبراز النماذج الرائدة عند سلف هذه الأمة، وأن يضرب الدعاة
والمربون من واقع حياتهم أمثلة صادقة بالمعايشة والقدوة الحسنة.
٤- إن النفعيين والانتهازيين خطرهم جسيم، في المؤسسات التجارية والعلمية
والدعوية، لأنهم سيتجاوزون كل القيم في سبيل مطامعهم وطموحاتهم، ومن تمعن
في أحداث التاريخ أسعفته الشواهد، والعاقل من اتعظ بغيره، والحذر يجنب
صاحبه المزالق والندم قبل فوات الأوان.
٥- لابد أن يتميز الداعية إلى الله، والمربي الجاد بصفات الإيثار والتضحية
وكرم النفس بعيداً عن الجشع والمراوغة والاحتيال، عسى أن يساهم في البناء
العقدي والأخلاقي المتماسك لهذه الأمة بإذنه تعالى.
стр. 959
البيان الأدبي
دور المرأة في القصة والرواية
د. عبد الله الخلف
ما الدور الذي يمكن أن تمثله المرأة في القصة القصيرة أو الرواية؟ وهل من
الضروري أن يسند إليها دور معين فيها؟
إن القصة قصيرة كانت أو طويلة لا بد أن ترتبط بواقع الحياة بصورة ما،
والمرأة تمثل دوراً هاماً وأساسياً في حياة البشر، لذلك كان من الطبيعي أن يكون
لها مكانها الذي تمثله في هذا العمل الأدبي.
وإذا نظرنا في قصص القرآن الكريم فسوف نجد من بين شخصياتها عدداً من
الشخصيات النسائية. فأم موسى قامت بدور الأم المؤمنة المستسلمة لقضاء ربها.
ومثلت امرأة فرعون دور المؤمنة الصابرة على الأذى في سبيل الله. ومثلت امرأة
العزيز دور المرأة الفتنة التي يمكن أن يتعرض المؤمن للامتحان بها. ومثلت حواء
بالمشاركة مع آدم ﵍ دور الإنسان عندما يتعرض للابتلاء ولإغواء
الشيطان فينهزم أمامه، ثم يدرك أنه لا ملجأ من الله إلا إليه فيعود إليه تائباً منيباً.
وقد ورد ذكر نساء أخريات أو تمت الإشارة إليهن في بعض قصص القرآن.
وهكذا نجد أن المرأة كانت حاضرة في ذلك القصص، وهو أمر يدل على أن
لها مكانها ودورها الهام الذي يمكن أن تقوم به في القصة.
وإذا ما نظرنا إلى الأعمال الروائية في العصر الحديث فسنجد أن المرأة
دخلتها من أوسع أبوابها، واحتلت مكاناً بارزاً فيها، غير أن الكثير من كتاب
الرواية قد أدخلوا المرأة في أعمالهم لا بوصفها عنصراً فنياً تقتضيه الضرورة الفنية
للعمل الأدبي، بل بوصفها عنصراً يساعد على جذب القارئ وشد انتباهه لمتابعة
الأحداث، أو لإغرائه باقتناء الرواية وقراءتها، وكأنهم يلتقون في ذلك مع شركات
الدعاية والإعلان، التي تظهر المرأة في إعلاناتها، ولو لم يكن لها أي صلة بالمادة
المعلن عنها، مستغلة إياها في جذب المشاهد ومداعبة غرائزه. لذلك نجد الدور
البارز الذي لعبته المرأة في تلك الروايات يدور حول العلاقات الغرامية أو الجنسية
المثيرة.
وإذا كان هناك عدد كبير جداً من كتاب الرواية قد أسندوا إلى المرأة مثل هذه
الأدوار، فإن منطلقاتهم لم تكن دائماً واحدة. فمنهم من كان قصده إشاعة الفساد
والانحلال من غير أن ينظر إلى مدى أهمية ما قام به من الناحية الفنية.
ومنهم من هو متأثر بالآراء والنظريات والدراسات النفسية الحديثة ولا سيما
نظريات فرويد التي تعطي الجنس الأهمية الكبرى في حياة البشر، وترى أنه
المؤثر الأعظم في سلوكهم.
ومنهم من يشعر بضعف القيمة الفنية لعمله، ويدرك أنه لا يستطيع اجتذاب
القراء، فيجعل في تناوله لهذا الجانب وسيلة لاجتذابهم وشركاً يصطادهم به.
ونتيجة لشيوع إسناد مثل هذه الأدوار إلى المرأة في القصة الحديثة ظن
البعض أن ذلك مقوم من مقوماتها وعامل فعال من عوامل نجاحها، وشرط أساسي
لبلوغها المستوى المطلوب. وظنوا أنه لا غنى للكاتب ولا مفر له من أن يضمن
قصصه شيئاً من ذلك، وإلا فقد عمله قدراً كبيراً من قيمته وجاذبيته.
ويبدو أن هذا الظن تسرب إلى بعض كتاب القصة من ذوي الاتجاه الإسلامي، فأسندوا إلى المرأة أدوارا غرامية، وأصبح الهيكل العام لبعض رواياتهم قائماً
على أساس وجود هذه العلاقة بين بطل القصة وبطلتها، دون أن يكون لهذا مغزى
جوهري أو قيمة فنية، نجد مثل ذلك عند نجيب الكيلاني، وعلي أحمد باكثير.
وإذا كان هذا الأسلوب قد أدى إلى جذب بعض القراء فإنه أدى أيضاً إلى نفور
طائفة أخرى. وهو أسلوب لا يخلو من آثار سلبية ونتائج عكسية.
أما الظن بأن إسناد مثل هذه الأدوار إلى المرأة تقتضيه الضرورة الفنية فإنه
ظنٌ بعيد عن الصواب، وهناك من الروايات ما نال الإعجاب الكبير، ونال به
صاحبه شهرة واسعة على الرغم من خلوه من النموذج النسائي. فرواية الشيخ
والبحر للأديب الأمريكي أرنست همنجواي من أشهر الروايات، وترجمت إلى كثير
من اللغات، ونال عليها صاحبها جائزة نوبل للآداب مع أنه ليس من بين
شخصياتها أي شخصية نسائية. وهي رواية تبرز قيمة العمل والكفاح والمثابرة
والاعتماد على الذات.
ومن الروايات المشهورة رواية الطاعون للأديب الفرنسي ألبير كامو الحائز
على جائزة نوبل، وهي أيضاً تخلو من الحديث عن الحب والغرام وأبرز
الشخصيات النسائية فيها لعبت دور الأم.
لذلك يمكننا القول بأن القيمة الفنية للعمل الأدبي لا تتوقف على نوع الأحداث
أو الشخصيات، إذ أن الكاتب القدير يستطيع أن يحول أحداثاً بسيطة وشخصيات
مألوفة إلى عمل فني جميل قادر على أن يحوز على إعجاب النقاد، ويترك أعمق
الأثر في نفوس قرائه.
стр. 960
شعر
جزائر الخير
د. عبد الرحمن صالح العشماوي
جزائرَ الخير أين الرائح الغادي أين «ابنُ باديسَ» أين الغصن والشادي
جزائرَ الخير تاه اللحن في شفتي وضاق عن حسراتي ثغرُ إنشادي
ووثَّق الحزن في قلبي روابطه وقد رأى من جراحي خيرَ إمدادِ
جزائر الخير لا ظلٌ ولا ثمرُ ولا خُزامى ولا فُلُّ ولا كادي
تصَّحرت أرضُ أحلامي، فقافلتي تسير فيها بلا ماءٍ ولا زادِ
نام الخليُّون في أحضان رغبتهم ونحن في أرقٍ مُضنٍ وتَسهادِ
نخشى على أَّمةِ الإسلام حين نرى قوافل الخير تمضي دونما حادي
نخشى من الراكبين الوهمَ، ما قطعوا شوطاً، ولا فتحوا باباً لإنجادِ
تعمى بصائرهم عن كلِّ منحرفٍ ويرصدون ذوي التقوى بمرصادِ
ما بالهم سلبوا عينيكِ نورَهما وكبَّلوكِ بأغلالٍ وأصفادِ
ما بالهم جعلوا الأبواب مشرعةً للغرب مغلقةً في وجه أجدادِ
ما بالهم جعلوا باريس قدوتهم ووجَّهوا نحوها وجدانَ منقادِ
ما للصحافة تجري في أعنّتها على مساحاتِ أوهامٍ وأحقادِ
ما بالُها لا ترى إلا الظلامَ ولا ترى معالم إنقاذٍ وإرشادِ
جزائرَ الخير ما بال الربيع شكا موت الزهور وصَمْت البلبل الشادي
ما لي أرى تلمسان الحبِّ واجمة وفي الجنوب أرى إطراقةَ الوادي
تدفُّقُ النور من كفيك أفزعهم والنور يُفزع من يَسعى لإفسادِ
وأبصروا من شباب الحقِّ همّتَه ما بين حافظ قرآنٍ وسَجَّادِ
فاستوقفوكِ على أبواب حيرتهم وحرَّكوا ألفَ كوهينٍ وحدَّادِ
تسعين في طرق الإيمان جاهدةً وتشرئبّين في شوقٍ إلى الهادي
وتنشدين لنور الفجر أغنيةً تسجلين بها تاريخَ ميلادِ
وهم يغنون ألحان الضياع وقد ملَّت ترانيمَهم أوتارُ أعوادِ
جزائرَ الخير ما هانت روابطُنا ولا خضعنا لأعداءٍ وحُسَّادِ
ولا خُدِعْنَا بأقوالٍ ملفقةٍ تُدار ما بين خرَّاز وزرَّادِ
بين المشاعر جسرٌ من عقيدتنا وبين أفواهنا جسرٌ من الضادِ
ما زلتُ أذكر مليوناً جماجهم شواهدُ العزِّ في تاريخِ أمجادي
روت دماؤُهم الأرضَ التي كسرتْ طَوْقَ الخضوعِ لأمر الغاصب العادي
جزائر الخير، هذا نَهْرُ صحوتنا ما زال ينبع من قافٍ ومن صادِ
ما زال يغلسنا من كل منقصةً فينا، لبسنا بها أثوابَ إخلادِ
غداً - بإذن إله العرش - سوف نرى كتائب الحق تمحو كلَّ إلحادِ
وسوف نمسح عن أجفان أمتنا ما خَلَّف الدمع من آثار إجهادِ
جزائرَ الخير، إني سوف أُعلنها صريحة ذات إبراقٍ وإرعادِ
الظالمون سواءٌ كيفما اختلفتْ أوصافُهم، كلَّهم «جزَّارُ بغداد»
تعدّدتْ رتب الأقوام واختلفوا وجمَّعتْ بينهم أوصافُ جلادِ
هذا ندائي فيا دنيا اسمعي وخذي وبلِّغي، وافهمي معناه وازدادي:
يا ساسةَ القمع: هذا صوت أمتنا يقول: لا تقتلوا بالظلم أولادي
стр. 961
قصة قصيرة
أين الكعبة
أبو سهل البخاري
وأنا أسير في ساحة الحرم متجهاً إلى الكعبة، سمعت صوتا ينادي (حاجي،
حاجي! ! !) فالتفت فإذا بحاج قد بدت في وجهه آثار الجهد والإرهاق، كانت
هيئة وملامح وجهه تدل على أنه من بلاد ما وراء النهر، قال لي بالأُزبكية مع
حركات يديه الكثيرة محاولاً إفهامي: كم علي أن أطوف بالبيت؟ فأجبته بالأُزبكية، (وهي كل ما تبقى لنا من ذكريات بلادنا المنسية) : عليك أن تطوف سبعة أشواط. فرأيت السرور داخله بمعرفتي لغته، ثم ما لبث أن قال باستعجاب: سبعة أشواط! وهل تستطيعون ذلك، لقد بلغ الجهد مني مبلغه من أول شوط حول بيت الله
وأشار إلى مبنى الحرم الخارجي، ففهمت سبب تعجبه من كلامي ومدى ما أصابه
من إرهاق، لقد ظن هذا المسكين أن هذا المبنى هو الكعبة فشرع في الطواف حول
الحرم كله دون تردد، يا الله! ... لم ير البيت قبل الآن! ! !
فقطع تفكيري صوته قائلاً: استعين بالله وأكمل الطواف، ثم أخذ في
الانصراف، فوجدتها فرصة سانحة للتعرف على ما يدور داخل بلاد المسلمين
فاستوقفته عارضاً عليه مساعدته، فرحب مسروراً.
ذهبنا سوياً إلى داخل الحرم وأشرت إلى الكعبة المشرفة وقلت له: هذا هو
بيت الله، لا الذي طفت حوله قبل قليل،
فما هي إلا لحظات حتى رأيت الدموع تنهمر من عينيه،
وقال: يا الله! ... هذا هو بيت الله، سمعت به كثيراً ...
ولم أره إلا الآن! ! ... فأسرع الخطا نحو البيت وأسرعت معه قائلاً: هذا
من فضل الله عليك أن يسر لك القدوم إلى بيته وقد حُرِمَ من ذلك الكثير، فقال
بصوت منتحب: كم سمعت أبي ﵀ وهو يدعو ويتمنى رؤية بيت الله
ولكن الشيوعيين لم يمكنوه من ذلك ... فمات وفي قلبه حسرة وألم. لقد ذقنا يا بني
الكثير مما لا أظن أن أحداً ذاق مثله، ولكن ... دعنا نطوف بالبيت أولاً ثم أقص
لك شيئاً مما نلناه.
وبعد طواف رق به قلبي وذرفت عيناي مما شاهدت من عجيب انكساره بين
يدي الله وبكائه وعظيم حمده لله على تمكينه من حج بيته انطلقنا بعيداً عن الزحام
وجلسنا في ناحية مستقبلين البيت العتيق،
فقال لي ما اسمك؟ وكيف تعلم لغتنا؟
قلت: اسمي عبد اللطيف البخاري، هاجر والد جدي مع أهله وأبنائه في
بداية المحنة، وانقطعت عنهم الأخبار فلم يبق لدينا إلا هذه اللغة وقصصاً تروى
عن البلاد.. دعك مني الآن وأخبرني عن أحوال المسلمين هناك؟ هيا أخبرني
بالتفصيل فالوقت يدركنا..
قال: أنتم في نعمة عظيمة لا بد لكم من شكرها، نحن عشنا هناك مسلمين
ولسنا مسلمين! ! ! لم يترك لنا الروس شيئاً يمت إلى الإسلام بصلة إلا وحاولوا
إبادته وإنهاءه حتى اسماءنا، هل تصدق..؟
والدي أسماني عبد الحكيم ولكني لا أعرف بهذا الاسم إلا في البيت..
أما رسمياً فاسمي حكيموف! ! إن الروس قد فعلوا هذا بالأسماء وهي أسماء
لا تضرهم ولا تقاومهم فماذا تظن أن يفعلوا في علمائنا ومشايخنا الذين يعلموننا
القرآن والسنة؟ نعم لقد ضيقوا علينا جداً حتى إن شعائر الإسلام قد اندرست أو
كادت.
دعني أقص عليك طريقة كان بعض علمائنا يتبعونها في تعليم الصبية كتاب
الله، كان الشيخ يصعد فوق سقف المنزل من الداخل بسلم ويصعد الطلاب خلفه ثم
يرفع السلم إليه ويخبئه ويلقي الدرس بصوت خافت لكي لا يعلم أحد بهم ... وقل
مثل ذلك في مخازن تحت المنزل. كان الشباب في المصانع إذا أرادوا المذاكرة
ومراجعة شيءٍ من العلم اجتمع كل أربعة أو خمسة في وقت تناول الطعام ويتحدث
كل واحد بما عنده دون أن يلتفت إليه الباقون لكي لا يعلم بأمرهم.
حتى الصلاة.. التي هي عماد الدين كان الواحد يذهب ويختبئ بعيداً ويصليها
سريعة ويعود لكي يذهب الآخر فلم نعرف الجماعة منذ عهد بعيد. هكذا كان حال
المهتمين والحريصين على بقاء شعائر الإسلام عند أبنائهم أما عامة الناس فحدث
ولا حرج.
وماذا تستطيع أن تفعل لهم وأنت لا تأمن على نفسك وأهل بيتك؟ آه كم أشعر
بالأسى على مشايخنا وعلمائنا الذين كان لهم الفضل بعد الله على بقائنا مسلمين،
نلنا ما لم يستطيعوا أن ينالوه، بل لم نستطع أن نقدم لهم أبسط حقوق المسلم، لم
نستطع أن نغسّلهم ونكفنهم كما يأمرنا ديننا فماتوا ودفنوا حسب مراسم الدفن
الشيوعية حتى الصلاة عليهم لم تكن إلا سراً في جوف بيته.
لم أتمالك نفسي فبكيت وأنا أسمع ما يقول، حقاً إننا في نعمة من أمرنا، هذه
النعمة جعلتنا ننسى شكرها (إلا من رحم الله) ،
يا إلهي كم نال هؤلاء القوم ليتركوا دينهم رغم ذلك وبعد هذه السنين الطويلة لا يزال هناك من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. ولا يعبد إلا الله، نعم صدق الله
[ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ]
كم كنت أعيش في غفلة، أشعر أنني تعلمت من هذا الشيخ الشيء الكثير، شيئاً قد لا أجده مسطراً في الكتب، لكنه موجود في الواقع، أشعر أن أمامي مسؤولية عظيمة وحملاً ثقيلاً. ولكن نعم! من قال إن أمر هذا الدين سهل، لقد كان شاقاً حتى على رسول الله ﷺ : [إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً]
فهل نحن أعز على الله من نبيه ومصطفاه، حاشا وكلا، فلا بد من العمل،
لا بد من العيش للآخرين، لأن من عاش لنفسه عاش صغيراً ومات حقيراً؛ ومن
عاش لغيره عاش عظيماً وعمّر طويلاً حتى بعد موته.
ثم ودعته وشكرته بحرارة وانصرفت وكأن على كاهلي جبلاً عظيماً، رغم
ذلك، كنت مسروراَ سعيداً، أفكر فيما حدث هذه الليلة وأعيد شريط الأحداث من
بدايته، وأنا أشق جموع الحجاج بين الصفا والمروة لأخرج من الحرم فإذا بي أسمع
حاجاً روسياً. يقول لشخص بجانبه: هاأنا ذا في الشوط السادس ولكن أين الكعبة
أريد رؤيتها! ! ! .
المسلمون في العالم
أحداث (كنر)
ومقتل الشيخ جميل الرحمن
بحزن بالغ وألمٍ عميق تلقينا أخبار القتال المؤسف الذي وقع بين فصائل المجاهدين في ولاية (كنر) وما أعقب ذلك من الاغتيال الغادر للشيخ جميل الرحمن ﵀ رحمة واسعة.
كان حرصنا دائماً أن نكتب عن انتصارات المجاهدين، وكنا ننتظر أخبار
فتح كابل، ولكن ضريبة التفرق والتحزب جاءت بأخبار القتال في كنر التي سالت
فيها دماء الشباب المسلم من المجاهدين العرب والأفغان. ولا ندري كيف يبيح
المسلم لنفسه قتل مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كم نتمنى أن
يؤب المسلمون هناك إلى الحق، ويتراجعوا عن هذه الأساليب ويتقوا الله في أنفسهم.
لقد وقعت أحداث قتل قبل هذا ولكنها ليست بهذا الحجم، وكنا لا نذكرها
حرصاً على سمعة الجهاد الأفغاني وخوفاً من شماتة الأعداء، ولكن ما وقع أخيراً
هو من الخطورة بمكان، ولا بد من توضيح الصورة على حقيقتها، حرصاً على
مصلحة الائتلاف ووحدة المسلمين، وحرصاً على نصيحة المسلمين بالابتعاد عن
الوسائل غير الشرعية في حل مشاكلهم.
وسنتكلم في هذه العجالة عن:
١- ولاية كنر والصراع عليها.
٢- الأحداث الأخيرة ومقتل الشيخ جميل الرحمن.
٣- البيانات الصادرة عن الأحزاب الإسلامية وجو الإشاعات المؤسف.
٤- التنبيه إلى خطورة ما يكاد للجهاد الأفغاني من أعدائه الداخليين ومن
الخارج.
٥- أهمية المنهج وخطورة الاتهامات ونقل الأخبار والدعوة إلى الوحدة
والائتلاف.
ولاية كنر والصراع عليها:
تقع ولاية كنر في شمال شرقي أفغانستان شمال مدينة جلال آباد، ويجري
فيها نهر كنر الذي يجتمع من عدة فروع أهمها وادي بيج حيث منطقة الشيخ جميل
الرحمن، وأما شمال الولاية فيكون منطقة (نورستان) التي يسكنها قبائل
النورستانية، وهؤلاء لهم وضعهم الخاص وتنظيمهم الذي ارتضوه منذ بداية
الجهاد، وقد تركتهم الأحزاب الأفغانية على أنهم واقع موجود مع مسالمتهم للجميع: وغالبية أهل كنر ممن تأثروا بالمنهج السلفي وبرز من دعاتها وعلمائها (في كنر) المتبعين لهذا المنهج:
الشيخ جميل الرحمن - جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة
الشيخ محمد أفضل - نورستاني
الشيخ غلام رباني - الجمعية الإسلامية
الشيخ فقير الله - الحزب الإسلامي
كانت كنر من الولايات الأولى التي بدأ فيها الجهاد منذ عام ١٩٧٨ في نهاية
حكم محمد داود الذي استغله الشيوعيون ثم انقلبوا عليه، والشيخ جميل الرحمن بدأ
الجهاد مع إخوانه أهل المنطقة منذ ذلك الوقت، ثم هاجر إلى باكستان وكان عضواً
في الحزب الإسلامي ثم انفصل عنه وكون تجمعاً خاصاً أطلق عليه فيما بعد (جماعة
الدعوة إلى القرآن والسنة) ، وقد دمرت قريته (ننجلام) تدميراً كاملاً من جراء
قصف الشيوعيين وبقي القسم الأسفل من الوادي وفيه العاصمة (أسد آباد) بأيدي
الشيوعيين إلى أن انسحبوا منها قبل ثلاث سنوات لأسباب غير واضحة، ربما
يكون منها أن ما تحتاج من حماية ودفاع أمام هجمات المجاهدين المستمرة أكبر من
أهميتها الإستراتيجية، وبعد هذا الانسحاب دخلت أحزاب المجاهدين إلى المدينة
وشكلوا مجلساً للشورى لحكم الولاية يرأسه غلام رباني ويرتبط بالحكومة الإسلامية
الأفغانية المؤقتة في (بشاور) ولكن جماعة الدعوة بزعامة الشيخ جميل الرحمن
رفضت الانضمام لهذا المجلس ورأت أنه مجلس غير صحيح، وأنها صاحبة الحق
في إدارة الولاية. باعتبار أن معظم السكان من أتباعها ثم جرت الانتخابات في
الولاية أكثر من مرة ولكن ثار جدال في نتيجتها مما دعى الجماعة أن تعلن حكمها
الفعلي للولاية وسلطتها الكاملة وتسمية الولاية باسم (إمارة كنر الإسلامية) وطلبت
من الأحزاب الانضمام والبيعة أو يخرجون، ولم تحصل مواجهة مع الأحزاب
لضعفها ما عدا الحزب الإسلامي الذي لا يرى استقلال الولاية بنفسها، ولذلك
حوصر مقر الحزب ثم سمح لأميره فقير الله بالخروج فذهب إلى قريته واعتزل
القتال الذي حدث بعدئذ.
الأجواء المشحونة وفتنة القتال الأخير:
حين رأى الحزب أن الجماعة سيطرت على الولاية قرر إلغاء هذه السيطرة،
خاصة بعد أن تسممت الأجواء بالإشاعات والاتهامات المتبادلة، ولا نستبعد أن
يكون هناك أطراف ثالثة لها مصلحة في إذكاء نار العداوة والبغضاء. وهي متآمرة
على الجهاد الأفغاني وهذه شنشنة نعرف من يقولها ويشيعها بين المسلمين، وتهجمت
جريدة الحزب الإسلامي (شهادت) على الوهابية وصنفتها بأنها مثل القاديانية وإن
كان الحزب قد اعتذر عنها في بيانه الصادر بتاريخ ١٨/٢/١٤١٢ هـ حيث قال
«وقد نشرت في جريدة (شهادت) معبرة عن رأي كاتبها ولا تمثل الموقف الرسمي للحزب، ولقد ساءنا ما نشر في الجريدة» .
في هذه الأجواء المسمومة أصدر الحزب تحذيره للشباب العرب في كنر بأن
يخرجوا من الولاية للبعد عن أجواء الفتنة، وفعلاً ابتعد بعضهم إيثاراً للبعد عن
الفتن والخلافات، ورأى البعض أنه لا يمكن التخلي عن جماعة الدعوة واشتدت
الحرب الكلامية بين الطرفين، وأصدرت جماعة الدعوة بياناً توضح فيه وجهة
نظرها وتجددت مساعي الصلح ولكنها فشلت كلها وقام الحزب بأمر خطير، حيث
استقدم مجموعة كبيرة من المقاتلين من خارج المنطقة، وأما أهل المنطقة فالقليل
منهم من شارك سواء مع الحزب أو مع الجماعة.
استمر الهجوم عدة أيام، وقد شارك بعض أفراد الأحزاب الأخرى وليس كلها
مع الحزب الإسلامي في هجومه، سواء بصفته الرسمية أو الشخصية، ويظهر أن
الحكومة الباكستانية قدمت دعماً ظاهراً للحزب وكأنها ترى الوقوف بجانب القوي.
تمكن الحزب بعد الهجوم على الولاية من السيطرة على المنطقة المتنازع عليها وقد
وصل عدد القتلى والجرحى إلى المئات كما ذكرت بعض المصادر بينهم بضعة
عشر عربياً.
أثناء هذه الأحداث تكونت لجنة للمصالحة بتاريخ ١٨/صفر/١٤١٢ بمرافقة
الشيخ جميل الرحمن والمهندس حكمتيار من بعض الأخوة العرب من الذين لهم
علاقة طيبة بالطرفين، ومن أبرزهم الأخ أسامة بن لادن، وقد تقدمت اللجنة
بأعمالها حسب ما هو مقرر لها، وكان من المقرر أن تعلن وقف إطلاق النار بين
الطرفين صباح يوم الجمعة ٢٠/٢/١٤١٢.
وكان من قدر الله أن لا يصل وفد الحزب إلى مكتب الشيخ جميل الرحمن
للالتقاء بوفد جماعة الدعوة ويذهبوا إلى كنر لإعلان وقف إطلاق النار، وذلك
لوقوع الحادث الأثيم على الشيخ جميل الرحمن في منزله في منطقة (باجور) وهي
منطقة قبليه تقع على الحدود مع أفغانستان.
نبذة عن حياة الشيخ وكيف وقع الاعتداء عليه:
ولد الشيخ جميل الرحمن بن عبد المنان عام ١٩٣٤ بقرية (ننجلام) بوادي بيج
من محافظة (كنر) ، وقد تلق علومه الدينية في أفغانستان وباكستان، وبعد ذلك بدأ
دعوته إلى التمسك بالكتاب والسنة، وكان من السباقين إلى مقارعة الحكومات
الشيوعية وفي عهد محمد داود أمرت الحكومة بالقبض عليه، وتتابعت الحملات
على قريته ففرّ الشيخ إلى الجبال ومعه تلاميذه وأبناء إخوته وبعد ذلك هاجر إلى
باكستان وأسس جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة. وكان له جهود طيبة في تأسيس
المدارس الإسلامية في أوساط المهاجرين الأفغان والمناطق المحررة.
وبتاريخ ٢٠/٢/١٤١٢ الموافق ٣٠/٨/١٩٩١ تمكن القاتل عبد الله الرومي -
ليس هذه اسمه الحقيقي - المصري الجنسية [١] ، من الدخول إلى منزل الشيخ
بحجة السلام عليه وملاقاته، وجلس ينتظر ويقرأ القرآن وبعد أن أنهى الشيخ حديثه
مع أحد القادة اقترب هذا المجرم منه ليوهمه أنه يعانقه ثم صوب مسدسه وأطلق
رصاصات أصابت وجه الشيخ ورأسه عند منطقة الأذن، فقضى نحبه فوراً -رحمه
الله- وحاول القاتل الفرار ولكن الحرس انهالوا عليه بالرصاص فأردوه قتيلاً، وقد
أصدرت جماعة الدعوة بياناً تذكر فيه حادثة القتل نقتطف منه هذه الفقرة:
«ولئن ظن أعداء الدين أنهم بقتلهم للشيخ جميل الرحمن فإنهم سيقضون
على الدعوة التي آمن بها ودعا إليها فقد خاب ظنهم، وإن الله يقيض لهذا الدين من
يحمله ويدافع عنه ويقدم له نفسه وماله، والحمد لله الذي لم يعلق دينه على الرجال
ولم يتعبدنا بتعظيمهم ولا تقديمهم على الحق، ولسنا - بفضل الله تعالى - ممن
يطري ويغلو في قادتهم، فإن الشيخ أفضى إلى ما قدم - لا نقول أنه من الشهداء،
ولا في الجنان العلى، بل ندعو الله أن يكون من الشهداء، ويعفو عنه
ويغفر له ويدخله فسيح جناته» .
مَنْ وراء هذه الجريمة:
لم يتهم الشيخ سميع الله نائب الشيخ جميل الرحمن والذي اختير أميراً للجماعة
بعده، لم يتهم أحداً ودعا للتريث وانتظار نتائج التحقيق كما أن الحزب الإسلامي
تبرأ من القتل وأدانه في بيان له بتاريخ ٣٠/٨/١٩٩١، ولم يعرف عن القاتل عبد
الله الرومي انتماء معين، وقد كان يسأل كثيراً عن لجنة الإصلاح، كتب إليهم
يستحثهم على الإسراع في إنهاء المشكلة، ويظهر أن قلبه امتلأ حقداً وبغضاً للشيخ، وساعد على ذلك الأجواء المسمومة التي أحاطت بالقتال في كنر ولا يستبعد أن
تظهر الأيام القادمة أنه كان مدفوعاً بشكل غير مباشر، من جهات تكره أهل السنة
وتخطط دائماً لاغتيال علمائهم، وريما تكون هي وراء مقتل الشيخ عبد الله عزام -
﵀.
وقفات مع الأحداث:
١- لا شك أن أجواء الاتهامات المتبادلة كان لها تأثير كبير في شحن النفوس
وجعل جهلة المسلمين يقدمون على قتل إخوانهم دون أن يرفّ لهم جفن، ووصلت
هذه الأجواء إلى حد تصريح حكمتيار بأن العرب الذين مع جميل الرحمن يرون أن
قتال الأفغان مقدم على قتال الشيوعيين [٢] وأصدر الحزب في صحيفة (شهادت)
مقالات يتهم فيها ما يدعونه (الوهابية) بأنها صنيعة الإنكليز! ! ثم تبرأوا من ذلك
كما ذكرنا، وقد يوجد من الطرف الآخر الشباب المندفع الذي يتفوه بكلمات لا يدري
مواقعها، ولا يستعمل الحكمة في دعوة الناس، ولكن تبعة القتال الأخير تبق على
الحزب الإسلامي الذي استقدم جهال القبائل للإغارة على إخوانه، وكان الواجب
استعمال الطرق السلمية الشرعية ولو طالت.
٢- إن أحداث كنر وغيرها من أحداث العالم الإسلامي تؤكد على أهمية
المنهج في حياتنا وأن الابتعاد عن هذا بالطرق الملتوية التي يسمونها (سياسة) لا
يوصلنا إلا إلى التفرق والضعف، وإن تقريب المبتدعة والمنحرفين والمشبوهين
وإعطاءهم من لين الكلام وأننا نجاهد معهم في خندق واحد، كل هذا لم ينفع شيئاً.
ونذكر القراء بما كتبناه في العدد الأول من البيان حول أهمية وضوح المنهج في
حياة المسلمين.
٣- لا زلنا نحذر من المكايد التي تحاك ضد الجهاد الأفغاني سواء كانت مكايد
داخلية من أصحاب الفرق المنحرفة الضالة؛ أو مكايد خارجية من الدول التي لا
تريد أن تعلو كلمة لا إله إلا الله. وتاريخنا الإسلامي في القديم والحديث يشهد على
خطورة مثل هذه الاتجاهات، وعدم تورعها في ضرب أهل السنة في أحلك
الظروف.
٤- إننا ندعو الإخوة الأفغان بعد هذا الحادث الأليم أن يتفكروا في أسباب
النصر، وأنه بيد الله يعطيه من يشاء من عباده الذين تتمحض صفوفهم للحق،
وتتوحد وجهتهم، وأن دولة الإسلام لا تقام على أشلاء القتلى والجرحى بين
المسلمين أنفسهم ولا باستغلال القبلية التي تزيد التفرق والتشرذم، ومن طبيعة
الجهاد في سبيل الله أنه يوحد الصفوف.
وبعد:
إننا ونحن نكتب هذه المقالة عن الأحداث المؤلمة التي جرت في كنر تطالعنا
الأخبار باتفاق أمريكا وروسيا على تصفية القضية الأفغانية أي تصفية الجهاد
الأفغاني عموماً وفرض الحل الدولي من خلال إجراءات تتفق عليها أمريكا وروسيا
مع دول المنطقة ذات العلاقة بالقضية الأفغانية، ولذا فنحن نحذر أصحاب القضية
الأفغانية ومن يتعامل معها أن يعينوا هذه التوجهات الدولية تجاه القضية الأفغانية من
خلال هذا القتال والتنازع والاختلاف وهي أحد الوسائل التي يراهن عليها أعداء
الجهاد الأفغاني لتصفيته ولا نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة.
نسأل الله أن يعلي كلمته وينصر راية السنة ويوحد كلمة المسلمين على الحق.
стр. 964
مقابلة
لقاء مع الشيخ سميع الله
حرصاً من البيان على وحدة الصف الإسلامي وذكر الحقائق من أصحابها
مباشرة، قام مندوبنا لدى الجهاد الأفغاني بطرح أسئلة على الشيخ سميع الله أمير
جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة فأجاب مشكوراً:
س: كيف حصل مقتل الشيخ جميل الرحمن ﵀ ومن كان وراء ذلك؟
ج: إن هناك بياناً صادراً عن الجماعة حول مقتل الشيخ بعنوان (البيان
الرسمي والوحيد حول مقتل الشيخ) ... يمكنكم نشره.
س: متى أسست جماعة الدعوة بعد الهجرة بشكلها الحالي؟
ج: إذا كان يفهم أن لنا جماعة بمفهوم حزبي يفرق المسلمين ويجعلهم أحزاباً، فليس لنا بهذا الاعتبار أية جماعة، أو أي تنظيم، لأن الحزبية والتحزب من
أبطل الباطل في دين الله ... وقد دل الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على ذلك.
وما نعانيه الآن على أرض أفغانستان من الاقتتال، وتأخير النصر، ما هو إلا ثمرة
مشئومة لهذا التفرق اللعين.
ولذلك ليس عندنا في جماعتنا أي مظهر من مظاهر التحزب لغير كتاب الله
وسنة رسوله وفهم سلفنا الصالح، وإنما المقصود بجماعة الدعوة ... جماعة تجمعت
على الدعوة إلى التوحيد، ونصرة سلفنا الصالح، ولذلك لسنا من الحزبية في شيء، فليس عندنا انتسابات حزبية، ولا فصل عن الجماعة ولا سرية في التنظيم، ولا
تقوقع ... ولا تقليد لأشخاص، ولا تفريق عندنا بين المسلمين بغير العقيدة والمنهاج
ولا غير ذلك من مظاهر الحزبية المحرمة، ولذلك من كان من عقيدتنا وعلى
منهاجنا، فهو منا ونحن منه، سواء كان قريباً أو بعيداً ... مطيعاً أو مخاصماً.
وجماعتنا اجتمعت على عقيدة السلف ومنهاجهم ... وهي إذن بهذا الاعتبار
امتداد لأهل السنة والجماعة.. أهل الحديث ... وهم في أفغانستان قبل تلك
الأحزاب جميعها وقبل ولادة قادتها.
س: ما هي المناطق التي فيها نشاطات لجماعة الدعوة؟
ج: نشاطاتنا في كل بقعة نصل إليها ... وفي كل مجلس نغشاه، فنحن لا
ندعو إلى جماعتنا، ولا ندعو إلى حزب معين ولا إلى قائد ... وإنما ندعو إلى
الكتاب والسنة على فهم سلفنا الصالح.
س: ما هو تصوركم عن شكل الدولة الإسلامية التي سقام بعد سقوط حكومة
نجيب الله إن شاء الله تعالى؟
ليس لنا تصور عن شكل الدولة الإسلامية! ! ولا يجوز لنا ولا لغيرنا أن
يتصور شكلاً غير شكل ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه.
والواجب على المسلمين في أفغانستان إقامة دولتهم منذ أن حرروا أول شبر من
أراضيها، ولا يجوز لهم تأخير هذا الواجب الذي شرع الجهاد من أجله حتى سقوط
كابل أو سقوط نجيب.
فالمسلمون عندما فتحوا دمشق أقاموا فيها إمارة، ولم ينتظروا حتى فتح الشام
جميعها، أو حتى يسقط هرقل ...
إن عدم قيامنا بهذا الواجب ما هو إلا لبعدنا عن منهج سلفنا وبسبب اتباعنا
سنة غيرنا من الكفرة الملحدين، الذين يؤمنون بالحدود والعواصم وهيئة الأمم
وغيرها! .
إن إقامة دين الإسلام ... دين الله.. ليس مرهوناً بموت أحد ... ولا بفتح
بلد! ! ...
إن بعض الأساليب التي ينادي بها بعض الأحزاب الإسلامية لإقامة الدولة
الإسلامية، عن طريق الانتخابات البرلمانية، أو التحالفات الدولية ... إنما هي
أشكال من أشكال الطاغوت والجاهلية، وإنما أتوا من جهلهم بهذا الإسلام العظيم..
[فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ]
[أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ]
стр. 965
جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة
البيان الرسمي والوحيد الصادر عن الجماعة
حول اغتيال الشيخ جميل الرحمن ﵀
[ومَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ] ...
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ...
أما بعد
فبقلوب مطمئنة، ونفوس مسلمة لأمر الله، وقضائه، تلقت جماعة الدعوة
إلى القرآن والسنة ومن وراءها من إخوانهم العرب والعجم نبأ اغتيال أميرها جميل
الرحمن ﵀ وأجزل له المثوبة.
فقبل ظهيرة يوم الجمعة ٢٠/٢/١٤١٢ هـ وقفت سيارة بجوار مجمع الدعوة
في (باجور) ونزل منها عربي حنطي السحنة، وبقي فيها أفغانيان ... ولما كانت
جماعة الدعوة أكثر الجماعات ارتباطاً بالأحبة الأنصار العرب، وأشدها مودة كان
الشيخ ﵀ قد أصدر أمراً بعدم تفتيش العرب الذين يطلبون مقابلته ...
وذلك احتراماً لهم، وتقديراً لجهودهم، ولبعد الشبهة عنهم.
وتقدم هذا العربي من الشيخ موهماً معانقته، فإذا به يطلق عدة طلقات من
مسدس على رأس الشيخ -رحمه الله تعالى- ليرديه قتيلاً، ثم ولى هارباً باتجاه
السيارة المنتظرة عند الباب.. فتبعه أحد الحراس فأطلق القاتل عليه طلقة أصابته
في بطنه.. ثم تتابع عليه الحرس فأمطروه وابلاً من الرصاص أرداه قتيلاً.
فلما سمعت السيارة إطلاق النار الغزير ... لاذت بالفرار.
ثم بعد تبين هوية القاتل تبين أنه:
كان يتسمى بعدة أسماء، من أشهرها «عبد الله الرومي» واسمه الحقيقي
«أشرف بن أنور بن محمد النيلي» . وأنه كان من العاملين في أحد الأحزاب
الإسلامية الأفغانية العاملة على الساحة. وله مقالات في بعض مجلات الجهاد.
وكان موغر الصدر مشحون القلب على أصحاب دعوة التوحيد. شديد الحقد عليهم،
سليط اللسان.
وإن ما أشيع من أنه كان مضطرب النفس.. وأنه قتل نفسه وأننا برأنا إحدى
الجهات، وغير ذلك من الإشاعات الكاذبة إنما هي أخبار مفرطة عارية من الصحة
أريد بها تمييع القضية ومن وراءها.
وأن لدى جماعة الدعوة من الأدلة الشرعية ما يبطل دعاوى المتخرصين
وبعضها بخط يد القاتل، ولا يزال التحقيق جارياً إلى ساعة كتابة هذا البيان وسنبين
ذلك إن شاء الله عند اكتماله.
وجماعة الدعوة وإن لم توجه الاتهام الرسمي حتى الآن إلى أحد ... فإنها
تؤمن أن الجريمة لم تكن فردية.. وأنها دبرت بليل.. وأن هذه اليد الآثمة كان
وراءها من وراءها من الذين يكرهون الدعوة السلفية ويكيدون لها وقد ساهم في قتله
كل من تعرض للتوحيد.. أو للجماعة، أو للشيخ.. باتهام أو إنذار أو شتم سواء
كان ذلك بمقال أو خطبة أو كلام وسواء كانوا من العرب أو العجم حتى أوغروا
صدره ودفعوه إلى هذه الجريمة المنكرة، وأن على هؤلاء وزر هذا الحادث الأليم.
ولقد خاب ظن من ظن، أن بدفعهم عربياً لقتل الشيخ لإبعاد الشبهة عنهم.. وللإيقاع بيننا وبين أحبابنا العرب. كيف والعرب أحبابنا وأنصارنا بالمال والأنفس.
ولولا الله ثم إخواننا العرب لما قامت كثير من المنظمات الجهادية ولذا فنحن
نبرئ كل العرب الشرفاء الذين وقفوا معنا، وأيدوا دعوتنا ... ونعلنها صريحة..
أننا لا نستغني عنهم بعد الله، وأن هذه الحملة من أعداء الجهاد المبارك ضد إخواننا
العرب، فإنما نحمل مسئوليتها من دفع هذا العربي الجاهل إلى هذا الفعل الآثم
ويخطئ من يظن أن دعوة الرجوع إلى الكتاب والسنة على فهم سلفنا الصالح دعوة
تتعلق بالرجال أو الأرض أو الديار، إنهم يظنون دعوتنا - دعوة الأنبياء - مثل
أحزابهم المبتدعة المتعلقة بالأشخاص.. إذا ماتوا ماتت..
وما جميل الرحمن - عندنا - إلا رجل داعية، قد خلت الدعاة من قبله، فإن
مات أو قتل استبدلناه برجل آخر.. وحفظ دعوتنا من حقنا على ربنا ...
[إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]
ولذلك فإن أولياء الشيخ جميل الرحمن -رحمه الله تعالى- وجماعة الدعوة لا
يسمحون للناس جميعاً، بنشر صور الشيخ ولا بوصفه بالشهيد، فالله أعلم بمن يكلم
في سبيله، ولكننا ندعو الله له بالرحمة والشهادة وأن يتقبل عمله، ويجعله في جنان
فردوسه. وسوف يتحمل المخالفون لهذا مسئوليتهم القضائية.
واتباعاً لسنة سلفنا الصالح ... فقد تم اختيار الشيخ (سميع الله) أميراً
للجماعة قبل دفن الشيخ -رحمه الله تعالى-.
وجماعة الدعوة إذ تعلن هذا، تعلن أن هذا هو البيان الوحيد الرسمي الذي
صدر عنها بخصوص اغتيال الشيخ -رحمه الله تعالى-.
وختاماً فإننا نتوجه بالشكر والدعاء لكل من واسانا في مصيبتنا، وندعو الله
تعالى أن يتغمد فقيدنا برحمته، ويسكنه فسيح جنانه، وأن يعلي كلمته، ويرفع راية
التوحيد، راية سلفنا الصالح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أمير جماعة الدعوة
... ... ... ... ... ... ... ... سميع الله
стр. 966
محاولة اختطاف الكوماندوس الإسرائيلي
الصراع الحضاري في كشمير
أحمد موفق زيدان
بعد المحاولة الفاشلة التي قامت بها حركة حراس الثورة الإسلامية في
اختطاف سبعة كوماندوس إسرائيليين، من بينهم امرأة يهودية، قدموا لمساعدة
الجيش الهندي في ضرب الانتفاضة التي بدأت في أغسطس ١٩٨٨ بعد هذا كله
يكون الصراع الكشميري قد وضحت معالمه أكثر وأكثر لمن كان في قلبه شك من
أن الصراع حضاري وليس مرتبطاً بقطعة أرض ولا تحده حدود، وعلى الرغم من
إعلان الهند بأن المختطفين سوّاح وليسوا عسكريين؛ إلا أن التقارير والظروف
تُكذِّب هذا الادعاء، فمنذ أشهر طويلة أعلنت الهند عن منع وصول السوّاح الأجانب
إلى كشمير، وطلبت الدول الغربية من رعاياها مغادرة الأماكن المضطربة في
كشمير والبنجاب الهندية والتاميل ونحوها، إضافة إلى أن مصادر المحللين
العسكريين في لندن أكدت أن الكوماندوس تدربوا لخمسة أشهر في فلسطين المحتلة، ثم توجهوا إلى نيبال والهند، وتقول هذه المصادر أن الكوماندوس أرادوا وضع
ألغام ومتفجرات على بعد ٦٠ ميل عن المفاعل النووي الباكستاني في كاهوتا قرب
إسلام آباد لتفجيره عن طريق الرادار أو التفجير من بعد.
العامل اليهودي:
لم يكن وجود اليهود في كشمير شيئاً جديداً خاصة للمتابعين، فقد نشرت البيان في أحد أعدادها مقالاً بعنوان (تعاون هندي إسرائيلي لقمع الانتفاضة في كشمير) وكشفت وكالة الأنباء الباكستانية مؤخراً أن وجود العامل اليهودي قديم من حيث التعاون المعلوماتي أو الإرهاب والتدرب. وقد أكدت مصادر المجاهدين في كشمير وجود أكثر من ٣٥٠ كوماندوس يهودي يتعاونون مع الهند لضرب الانتفاضة الكشميرية، وتطمح إسرائيل من وجودها في هذه المنطقة الهامة إلى ضرب المفاعل النووي الباكستاني الذي تعد المحطة النووية الوحيدة في العالم
الإسلامي بعد ما حدث في العراق. والمفاعل الباكستاني هدف يهودي قديم وتقول
المصادر الباكستانية بأنه غدا هدفاً رسمياً يهودياً منذ عام ١٩٨٦ عندما صرح رئيس
هيئة أركان العدو اليهودي الجنرال (رافائيل يتان) بأن لابد من تدمير المفاعل وأن
أي مصدر يهدد أمن الدولة اليهودية لابد من تدميره، مما يؤكد أن الصراع ليس
عربياً - إسرائيلياً وإنما إسلامياً يهودياً. وفي كتابه (الخدعة) قال عميل موساد ...
سابق: (إن الإسرائيليين يملكون كل المعلومات المتعلقة بالمفاعل النووي الباكستاني
والتي قدمها لهم (جوناثان بولارد) الجاسوس الإسرائيلي الذي قبض عليه الأمريكان
وهو يتجسس لصالح اليهود في نوفمبر ١٩٨٥ وتحدثت فيها معظم الصحف
الأمريكية عن تسريب (بولارد) معلومات عن المفاعل النووي الباكستاني لإسرائيل.
وقد صرح مؤخراً (تشودري شجاعت حسين) وزير الداخلية الباكستاني
الفدرالي بأن عملاء الموساد تسربوا إلى باكستان لضرب المفاعل، إضافة إلى
البيان الرسمي الصادر مؤخراً عن المجلس الوزاري الباكستاني الذي أكد قيام عملاء
الموساد والهنود بإثارة الاضطرابات في البلاد لزعزعة استقرار البلاد.
وأيام الرئيس الباكستاني السابق (ضياء الحق) ذاعت شائعات بأن طائرات
يهودية تزودت بالوقود من دلهي لضرب المفاعل الباكستاني، وعقب (ضياء الحق)
على هذا بقوله: إنه لو حصل هذا فسيعتبر هذا اعتداء على باكستان ويؤدي إلى
حرب كبيرة وشاملة.
وفي تطور ذي علاقة بهذا الأمر وصل مبعوث رئيس الوزراء الإسرائيلي
(إسحاق شامير) إلى الهند، وهذه أول زيارة علنية لمسؤول يهودي للهند منذ قيام
الكيان اليهودي. ومما يذكر أن وجود اليهود في كشمير أو غيرها كما حصل في
مساعدتهم للحكومة السريلانكية عام ١٩٨٣ ضد المتمردين التاميل إنما يهدف إلى
الاقتراب من الحدود الباكستانية ودراسة إمكانية ضرب المفاعل.
أتواصوا به! ! اتبعت الهند استراتيجية قريبة من استراتيجية اليهود والروس
ومحاكم التفتيش في الأندلس في التعامل مع المسلمين، وأرسلت القيادة الهندية
خبراء كباراً لإسبانيا لدراسة السياسة التي اتبعها حكامها السابقون ضد المسلمين أيام
محاكم التفتيش، ووصل إلى هناك السياسي الهندي المتمرس (د. بي. دهر) وأعد
تقريراً مطولاً ومفصلاً بهذا الشأن، وتوجه بعدها إلى الاتحاد السوفياتي ليعين سفيراً
لبلاده هناك، ودرس أيضاً الأساليب الروسية (القياصرة والبلاشفة) في مقاومة
المسلمين، وبعد هذا خرجت الهند بضرورة محاربة التعليم الإسلامي، وطمس
هوية كشمير المسلمة ونشر التعليم العلماني وتشجيع الحركات العلمانية على حساب
الحركات الإسلامية خاصة بعد ظهور الحركات الجهادية التي يتردد بأن للجهاد
الأفغاني دوراً فيها، مما يؤكد على عمق التواصل التاريخي الحضاري.
ويقول الدكتور أليف الدين الترابي نائب أمير الجماعة الإسلامية لـ (البيان) :
«لقد أدركنا هذا منذ فترة طويلة فركزنا على التعليم وبناء مؤسسات تعليمية موازية
للمؤسسات الحكومية التي كانت تنتهج المنهج العلماني، ويطغى فيها تمجيد
معبودات الهندوس على حساب ديننا. ويضيف فيقول: لقد تخرجت من هذه
المدارس ولا أعرف الفرق بين معبودات الهندوس وبين الله ﵎، حتى
وصل عدد المدارس والكليات التعليمية الإسلامية إلى ١٢٠٠ مدرسة ابتدائية وثانوية
وكلية وقررت الهند فيما بعد إغراق البلاد بالفساد والفاحشة والإباحية وفصل الجيل
الحاضر عن ماضيه، وتشجيع الزواج من الهندوسيات، ولهذا كان لابد من التمايز
وإشعار الشعب الكشميري بهويته» .
والحركة الإسلامية بتعدد تنظيماتها أدركت خطورة هذا الوضع فهاجمت في
البداية محلات الخمور والفيديو والسينما ونحوها قطعاً للطريق على إفساد الشعب
الكشميري، ويقول الدكتور الترابي في تقريره عن الوضع: «لقد قامت الحركة
الجهادية بحرب حضارية على الحضارة الهندوسية عندما أغلقت وحطمت دور
السينما وبيوت الدعارة ومركز الخمور والملاهي حيث أغلقت جميعها في ديسمبر
١٩٨٩» .
وبخصوص تشجيع الحركات العلمانية خاصة حركة تحرير كشمير المحتلة
بقيادة (أمان الله خان) فهي يسارية علمانية والبعض يتهمها بالعمالة، فقد ذكرت
صحيفة هندوستان تايمز الهندية يوم ١/٩/١٩٩٠ بأن عدداً من أعضاء حركة تحرير
كشمير انضموا لأحزاب المجاهدين وذلك لفقدان المعنويات وعدم توفر الأسلحة في
صفوف الحركة مما يدل على تخلى الشبان عن الإيديولوجيات غير الإسلامية التي
أثبتت عقمها طوال هذا الصراع المرير منذ عام ١٩٤٧ والذي لم يكن عبثاً أن
يتزامن مع قرار تقسيم فلسطين، وكان أمان الله نفسه قد صرح في مقابلة صحفية
مع مجلة (الهيرالد) الباكستانية الصادرة في شهر فبراير (شباط) ١٩٩٠ بأن الحل
العسكري غير ممكن ولابد أن يسود الحل السياسي.
أما الاعتقالات فتتركز على الأحزاب الجهادية خاصة حزب المجاهدين
صاحب القوة العسكرية في المنطقة. أما مجلة (اندياتودي) الصادرة في ٣٠ سبتمبر
(أيلول) ١٩٩٠ فقالت بأن المخابرات الهندية (RAW) ستقيم علاقات مع
الانفصاليين من حركة تحرير كشمير الحرة بزعامة أمان الله خان خاصة مع نائبه
المعين حديثاً حامد شكيل.
النظرة الهندية:
الاستراتيجية التي تسلكها الهند حالياً في المنطقة بشكل عام، وكشمير بشكل خاص، ليست وليدة الآن، وإنما استراتيجية وسياسة أملتها النظرة الحضارية الهندوسية الحاقدة على العالم الإسلامي بشكل عام. وتود الهند لعب دور هام وخطير في هذه المنطقة التي تضم مئات الملايين من المسلمين.
يقول الدكتور (إيس آزباتيل) وهو خبير سياسي هندي كبير في الخارجية
الهندية في كتابه (السياسة الهندية الخارجية) «يسود فراغ سياسي هائل في المنطقة بعد مغادرة الإنكليز، ويجب ملء هذا الفراغ، ومن الضروري للهند كونها قوة بحرية عظمى أن يتحول المحيط الهندي من سنغافورة إلى السويس إلى بحيرة هندية» .
ويعلق أحد الاستراتيجيين الهنود على تنامي قوة بلاده فيقول: «إن البناء
العسكري الهندي سيقنع العالم بمنح الهند الحق في الدبلوماسية الدولية» ويبدو أن
الاستراتيجية الأمريكية تريد للهند لعب مثل هذا الدور، ولكن لمدى معين، حيث
صرح قسم الدفاع الأمريكي في ٨/٤/١٩٨٩ إنه يعمل على تطوير العلاقات
العسكرية بين بلاده والهند لأن الأخيرة تلعب دوراً مهماً في أمن واستقرار المنطقة،
وإنها دولة ديمقراطية عالمية وقائدة في منظمة دول عدم الانحياز ولذلك لم تظهر
الولايات المتحدة أي تبرم أو امتعاض حيال أربعة تدخلات هندية في دول المنطقة
وهي تدخلها عام ١٩٨٦ بعملية (براستاكس) وفي ١٩٨٧ بسيريلانكا، و ١٩٨٨ في
مالديف وفي ١٩٨٩ حاولت أن تتنَّمر على نيبال التي تعتبرها (مملكة هندية) وقد
علّق رئيس دول منظمة الكومنولث على تدخل الهند في سريلانكا بقوله: «تدخل
راجيف في سريلانكا سلام تاريخي» وأشادت مارغاريت تاتشر بالسرعة والأداء
الذي قدمته القوات الهندية في إفشال انقلاب مالديف عام ١٩٨٨.
وتأكيداً لمسألة الدور المحدود الذي تريده أمريكا للهند وذلك ضمن دائرة نفوذها فقد صرح قائد القوات الجوية في البحرية الأمريكية الأدميرال (وليوم بندلي) «نحن نفهم أن للهند دوراً في المنطقة ولكن حتى الآن لم تظهر سبباً معقولاً لتنامي قوتها البحرية» ولكن لعل تصريح الدكتور (باتيل) الهندوكي المتعصب يجيب على تساؤل (بندلي) عندما قال في كتابه المؤثرات الجغرافية «إن مصالح الهند تقوم في المناطق القريبة مثل نيبال وباكستان وبنغلاديش وأفغانستان وبورما وماليزيا وإندونيسيا وسيريلانكا، وهي بلاد ضرورية لسلامة الهند، ولذا فمن الضروري جداً أن تسيطر الهند على خط سنغافورة قناة السويس لأنها بمثابة الباب الرئيسي للهند» ثم يضيف فيقول: «إن حاجة الهند إلى البترول يلح عليها بالالتفات نحو الجزيرة العربية والعراق، وإن الهند قوة بحرية عظيمة ومن الواجب أن يتحول المحيط الهندي من سنغافورة إلى السويس ليصبح خليجاً تملكه الهند» .
ولمن يحسن الظن بالهند والهندوس حتى الآن ننقل له القول المأثور عندهم في
كتاب الأب الروحي للهندوس وهو (جو تليه) الذي كان (نهرو) لا ينام إلا ويضعه
تحت وسادته يقول المثل: «إذا أردت قتل عدوك فأظهر له العلاقة، وإذا عزمت
على قتله فعانقه ثم اقتله، وحينها اذرف عليه الدموع!» .
стр. 967
باكستان
أقلية ساهرة وأكثرية نائمة
منذ تأسيس باكستان وظهورها كدولة مستقلة في أغسطس (آب) من عام
١٩٤٧ والباطنيون من الإسماعيلية وغيرهم يتحكمون في قيادتها السياسية
والاقتصادية وغير ذلك، ورغم فرح العديد من المسلمين بظهور هذه الدولة إلا أن
القليل منهم من أدرك هذا الخطر، ومن أدركه خشي أن يجهر به، على الرغم من
أن النسبة السكانية الشيعية في باكستان لا تتجاوز ٥% إلا أن العبرة ليست في
التعداد السكاني وإنما بالنفوذ والقوة والسطوة. وبنظرة سريعة على بعض البلدان
الأخرى يتأكد لدينا هذا حيث أن النسبة السكانية الضئيلة هي التي تتحكم برقاب
الأغلبية.
لقد نفذ الشيعة إلى العديد من المركز الحساسة بدءاً بالوزارات الفاعلة
والحيوية، مروراً بمركز الدراسات والتخطيط والإعلام والجامعات والأحزاب
السياسية، وتزويج بناتهم لقيادات الأحزاب العلمانية التي لها أصول سنية وانتهاءً بالنفوذ الاقتصادي والتجاري.
وفي هذا التحقيق المطول شيئاً ما ستحاول (البيان) إيضاح الحقيقة ووضعها
أمام القارئ وإلقاء الضوء على هذه المشكلة.
المؤسس والقيادة:
أكد عدد من الكتاب والمؤرخين بأن أصل (محمد علي جناح) والذي ركب موجة الاستقلال وأصبح زعيم ومؤسس باكستان رغم عدم اتقانه اللغة القومية (الأوردو) أكد هؤلاء المؤرخون أنه إسماعيلي باطني، ولكن بعد وصوله إلى باكستان قبل الاستقلال بسنوات قليلة تحول إلى المذهب الشيعي، ومنذ تلك الفترة
و (محمد علي جناح) أو من يسميه الباكستانيون السذج بـ (قائدي أعظم) يقوي ويعزز من وجود الإسماعيلية والشيعة في مركز الدولة، فمعظم الذين جاؤوا بعده من زعماء وقادة هم من الشيعة مثل (لياقت علي خان) الذي اغتيل في روالبندي قرب إسلام آباد، والذي يدعوه الباكستانيون بـ (قائد الأمة) ، كما تسلم زعامة باكستان أيضاً (يحيى خان) وهو شيعي أيضاً وهو الذي عين وزير خارجيته
(ذو الفقار علي بوتو) حيث حصل في زمنهم تقسيم باكستان ونشوء دولة بنغلاديش
وبتواطؤ مجيب الرحمن زعيم بنغلاديش الشيعي أيضاً، وذلك عندما رفض
(ذو الفقار علي بوتو) قبول نتيجة الانتخابات التي ظهرت بأنها في صالح مجيب الرحمن وقال قولته الشهيرة آنذاك (لن أقبل أن يقودني البنغال) وفي المفارقات أو الموافقات أن تقود ابنته بي نظير بوتو نفس الحملة في الانتخابات الباكستانية لعام ١٩٨٨ عندما قالت (لن أقبل أن يحكمني البنجابيون) لأن أصلها من السند في كراتشي.
وبنظرة متفحصة لتاريخ باكستان نرى أن القيادات السنية التي مرت عليها
ثلاثة فقط، على الرغم أنها تعد من أكبر الدول السنية في العالم الإسلامي، وهذه
القيادات هي: الجنرال أيوب خان، وضياء الحق، ونواز شريف، ولكن مع هذا
استمر النفوذ الشيعي في الوزارات والأماكن الحساسة حيث إن تغيير الرئيس أو
رئيس الوزراء أو حتى الوزير لا يعني تصفية الأنظمة البائدة لأن الوزير يأتي
ويذهب، ولكن القوة والفعالية للأشخاص الذين تحت الوزير والمسؤولين الكبار.
النفوذ الشيعي في الأحزاب السياسية:
للشيعة عدة أحزاب سياسية منها حزب تنظيم تطبيق الفقه الجعفري بزعامة
ساجد علي نقوي، وجناح آخر انشق عن الأول قبل سنوات بزعامة حسين
الموسوي، وتنظيم آخر هو حزب الله وسكرتيره العام اقتدار على مظهر،
وميليشيات عسكرية صغيرة يربو عددها حسب مصادر مطلعة على عشرات
الميليشيات العسكرية. وثمة تنظيم آخر أيضاً باسم الجهاد ويقوده (آغا مرتضي
بويا) وشغل منصب السكرتير الإعلامي للتحالف الجمهوري الإسلامي، ويشغل
منصب رئيس مجلس إدارة صحيفة (المسلم) الباكستانية الشيعية القوية وحزب آخر
يقوده (فخر إمام) وكان رئيس مجموعة المعارضة البرلمانية في أيام ضياء الحق،
وأما بالنسبة للأحزاب السياسية الأخرى فنفوذهم قوي فمثلاً أصغر خان رئيس حزب
الاستقلال متزوج من سيدة شيعية ولذلك انضم في تحالف ديمقراطي مع حزب
الشعب بزعامة بي نظير بوتو والحزب الشيعي جماعة (نقوي) ، أما زوجة محمد
خان جونيجو أحد أعمدة حزب الرابطة الإسلامية فشيعية أيضاً.
وبالنسبة لحزب الشعب الباكستاني والذي تتزعمه (نصرت) زوجة (ذو الفقار
علي بوتو) وابنتها بي نظير فالمعروف عنهم بأنهم شيعة، وكان ذو الفقار عاملاً
سابقاً بإيران ثم نزح إلى باكستان وتدرج في الحياة السياسية حتى غدا رئيساً
للوزراء، وقد أخذت بي نظير (السيف) شعارها الانتخابي في إشارة لسيف علي
حيث كتب تحت السيف (لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار) ولكن قرار
المحكمة برفض شعار السيف جعلها تتخذ شعار السهم، وعلق بعض السياسيين
آنذاك بأن والدها (ذو الفقار) عندما اتخذ شعار السيف انفصلت باكستان إلى قسمين،
وباتخاذ بي نظير شعار (السهم) سينطلق إلى المفاعل النووي في (كاهوتا) قرب
إسلام أباد وسيقضي عليه خاصة وأنه في تلك الفترة كانت بي نظير قد أبدت
استعدادها لفتح المنشآت للتفتيش. وصرحت بي نظير قبل انتخابات ١٩٨٨ والتي
أوصلتها للسلطة بأنها ستقتلع جذور اليزيدية في أفغانستان، والمقصود بهم أهل
السنة. كما أكدت في خطبها الانتخابية على أن مهمتها هي امتداد لخط الإمام زين
العابدين وذلك في إشارة لاستقطاب الشيعة إلى صفوفها خاصة وأنها ترشحت من
(جنرال) المنطقة الموبوءة بالإسماعيلية.
ووزعت الأحزاب الشيعية الدينية منشورات سرية لأتباعهم تحثهم فيها على
انتخاب بي نظير ونصرت، وأنهم اتفقوا معهم سرياً دون أن يكشفوا عن هذه
الاتفاقيات السرية، وقد نشرت المنشور في حينه مجلة (تكبير) الأوردية
الأسبوعية الصادرة في كراتشي.
النفوذ الشيعي في الحكومة الحالية:
على الرغم من وصول (نواز شريف) المنتمي لأصول سنية للسلطة إلا أن
الشيعة ما يزالون في المراكز الحساسة حتى وأنه أسند لهم مراكز حساسة جديدة،
فمثلاً وزير التربية والتعليم (فخر إمام) وهو شيعي وزعيم (مجموعة الأحرار)
الذي مرّ الحديث عنه قبل قليل، وفي مهرجان دسياه الصحابة (أي المدافعين عن
الصحابة) والذي عقد تكريماً لمقتل زعيم الحزب ويعتقد أن الشيعة قتلوه طلب
منظمو المؤتمر بطرد فخر إمام من وزارة التربية والتعليم، كما طلبوا بتحويل
باكستان إلى دولة سنية، وكان بعض أعضاء مجلس الشيوخ المنتمين للمدرسة
الديوبندية (الحنفية) قد طالبوا أيام ضياء الحق بتقديم أسماء الضباط وأصحاب النفوذ
من الشيعة إلى أعضاء مجلس الشيوخ كما حصل بالقاديانية حيث تم تقديم أسماء
أصحاب النفوذ لمجلس الشيوخ.
وقد عيّن نواز شريف مؤخراً (عابدة حسين) الشيعية وهي زوجة (فخر إمام)
ومعروفة بتعصبها الشيعي ويعدها الباكستانيون أنها سياسية أكثر من بي نظير كما
قادت الوفد الباكستاني أيام زعامة بوتو إلى روسيا.
أما (إجلال حيدر زيدي) الشيعي والذي كان مستشار رئيس الوزارة لشؤون
الدفاع فقد تم طرده من المنصب لاختلاسات ونحوها ولم يتم التحقيق معه.
وبالنسبة لحقيبة الخارجية فكأنها وقف على الشيعة في باكستان، أما في الدول
الأخرى فكأنها حكر لغير المسلمين، فمثلاً أغاشاهي والذي كان وزير خارجية
ضياء الحق في بداية حكمه شيعي ومعروف بولائه للخميني، والذي خلفه (صاحب
زاده يعقوب علي خان) شيعي وعادة لا يذكر (علي) في أسمه، و (زين نوراني)
والذي جاء لفترة محدودة أثناء توقيع اتفاقيات جنيف شيعي أيضاً.
ويقول بعض الباكستانيين المطلعين أن معظم سكرتيري الوزراء وكبار وزراء
الأقاليم المحلية من الشيعة.
الإعلام والنفوذ الشيعي:
للشيعة نفوذ قوي في الإعلام حيث حدثنا بعض الأصدقاء الإعلاميين
الباكستانيين بأنهم عندما زاروا خلية الإعلام في البنجاب تعجبوا لنفوذ الشيعة حيث
أن معظم الأساتذة من الشيعة وكذلك في التلفزيون حيث يحرصون على عدم تشغيل
غير أبناء مذهبهم.
وبالنسبة للصحافة فمثلاً صحيفة (المسلم) الإنكليزية اليومية يرأس تحريرها
(أغا مرتضي بويا) ويطالب وبصراحة بدولة إسلامية على نموذج الدولة الإيرانية
ويعمل بها الشيعة، حيث أن معظم العاملين والمحررين شيعة، والعجيب أنه رغم
كون مؤسسها وصاحبها من التحالف الجمهوري الإسلامي إلا أنها تؤيد بي نظير
بوتو.
وأما صحيفة (النيوز) اليومية الإنكليزية والتي تملكها عائلة (عبد الرحمن)
في باكستان وهي عائلة سنية إلا أن رئيسة تحريرها امرأة شيعية الدكتورة (حليمة
لودي) وكانت ترأس تحرير صحيفة (المسلم) سابقاً، وهناك صحيفة (فرايدي
تايمز) أسبوعية شيعية أيضاً. أما النفوذ الشيعي في الصحافة الأخرى فملحوظ فمثلاً
الصحفي الباكستاني المعروف (شاهد حسين) يكتب في عدة صحف يومية ويراسل
صحفاً عالمية، وكذلك الصحفية (نسيم زهرة) شيعية، وهناك صحفيون آخرون
ولكن الأسماء التي ذكرت تعتبر بحق أقوى الإعلاميين الباكستانيين.
بالنسبة لمركز الدراسات الاستراتيجية والذي يخطط السياسة الخارجية
الباكستانية تغير رئيس المعهد عقب وصول بي نظير للسلطة وأزاحت الجنرال عبد
السني المعروف بميوله لضياء الحق ووضعت (راه مسعود حسين) وهو شيعي
معروف.
التجارة:
للشيعة نفوذ ملحوظ في التجارة والاقتصاد فمثلاً الأسواق الرئيسية في إسلام أباد مثل سوبر ماركت وجناح ماركت للشيعة، وكذلك حصة كبيرة من بنك حبيب المشهور في باكستان إضافة لفندق كراتشي المعروف بـ (لكسري هوتل) وغيره من المؤسسات التجارية الأخرى. كما أن سوق الصرافة في بيشاور والتي ازدهرت خلال حقبة الجهاد الأفغاني المسيطر عليه تجار شيعة معروفون ومشهورون.
أسلوب الاغتيال والتصفية الجسدية:
تشير التقارير الموثقة أن للشيعة دورً قوياً في اغتيال الرئيس ضياء الحق
حيث قيل بأن طياره الذي انتحر كان شيعياً إضافة إلى أن الاستخبارات الباكستانية
قد ألقت القبض مؤخراً على شخص أمريكي ثبت تورطه بالمؤامرة ومعه أرقام
هواتف لمسؤولين إيرانيين يعيشون في إسلام أباد، كما قتل مؤخراً ثلاثة أشخاص
من أقرباء الجنرال (فضل الحق) حاكم إقليم (سرهد) سابقاً والمعروف بقربه من
ضياء الحق وكرهه للشيعة، وتشير الأدلة إلى تورط حزب تطبيق الفقه الجعفري
في ذلك.
كما تفيد أدلة عديدة على تورط الشيعة في اغتيال الشيخ د. عبد الله عزام -
﵀ ولكن تم إغلاق الملف عندما وصلت التحقيقات إلى نقاط حساسة، وقبله
وبعده تم اغتيال الشيخ (إحسان إلهي ظهير) و (حق جهانكوي) زعيم (مدافعي
الصحابة) المعادية للشيعة، ثم خليفة (إيثار القاسمي) ورد عليهم (مدافعوا الصحابة)
باغتيال مدير المركز الثقافي الإيراني في لاهور حيث كان وراء اغتيال (إيثار
القاسمي) والذي كان عضو البرلمان الباكستاني.
تورط إيراني في بلوجستان:
أوائل حكم ضياء الحق قبضت السلطات الباكستانية على عدداً من حراس
الثورة الإيرانية ومعهم الأسلحة في داخل الأراضي الباكستانية لزرع الفتنة في
الإقليم، ولكن بعد مفاوضات مطولة تم تسوية الأمر مع الحكومة الإيرانية، وأطلق
سراح أصحاب الفتنة، وكان يشغل في تلك الفترة حكم الإقليم (محمد موسى) وهو
شيعي وزوجته شيعية، وعندما توفيت زوجته نقلها إلى قم ودفنت هناك، وعندما
هلك هو أيضاً نقل إلى قم ودفن فيها.
ماذا تريد إيران من باكستان:
برزت إيران بعد حرب الخليج بدون شك قوة إقليمية كبرى، وأشارت إلى
هذا بي نظير بوتو في محاضرة لها ببيشاور عندما قالت: (إن إيران خرجت من
حرب الخليج دولة إقليمية كبرى ولها طموحات في أفغانستان) ولكن طموحاتها
تتعدى أفغانستان وتحلم بدولة باطنية في المنطقة. ويبدو أن العقبة الهامة في وجه
طموحاتها بعد القضاء على العراق هي باكستان، ولذلك تعمل حالياً على دفع
باكستان لتوتير علاقاتها مع الهند بسبب كشمير وتظهر لها بأنها حريصة على
باكستان وإعادة كشمير المسلوبة والحقيقة غير هذا، وتحدثت مصادر أفغانية موثوقة
لـ (البيان) أنه في الاجتماع الأخير الذي ضم نواز شريف رئيس وزراء باكستان
مع زعيم الحزب الإسلامي الأفغاني السيد قلب الدين حكمتيار قال الأخير لنواز
شريف بأن إيران تدفعكم للحرب مع الهند لإضعاف بلدكم وبهذا ينفسح المجال لها
لتكون قوة إقليمية كبرى، وتحاول إيران حالياً جاهدة أن تفصل باكستان عن
المجاهدين وتوتر علاقاتها معهم، وذلك حتى لا يبرز تحالف أفغاني باكستاني قوي،
وهذا ليس في مصلحة إيران مستقبلاً، وهذا ما يؤكد تخوف حكمتيار الأخير من
موافقة باكستان على مقترحات الأمم المتحدة لحل القضية الأفغانية والمجيء بحكومة
من غير المجاهدين وتتلخص السياسة الإيرانية في أفغانستان بقيام حكومة من
الشيوعيين في كابل والمعتدلين (جيلاني، مجددي، محمدي) ، وهذه نفس السياسة
الغربية وما صرحت به الإدارة الفرنسية مؤخراً، وبهذا تكون الحكومة الأفغانية
ضعيفة هزيلة تتحكم بها إيران.
إن أفغانستان تعد عمقاً استراتيجياً مهماً جداً لأهل السنة. وأي ضربة قادمة
بغيابها عن هذا التحالف - لا سمح الله - ستكون بالعمق والقلب.
والمعروف أن المعتدلين علاقاتهم غير طيبة مع باكستان وبهذا لن تكون
الحكومة القادمة في صالح باكستان، إضافة إلى هذا مسألة المسلمين في آسيا
الوسطى حيث ترغب إيران في التأثير عليهم من خلال أفغانستان التي تشترك معهم
بحدود طولها ١٥٠٠ كم تقريباً، وأما إن كانت الحكومة الأفغانية المقبلة مؤيدة
لباكستان فسيكون التأثير عليهم باكستانياً وأفغانياً وحينها ستنتعش التجارة الباكستانية
في الجمهوريات الإسلامية المحتلة خاصة وأن سكان هذه الجمهوريات لا تستطيع
شراء السلع الحديثة الغربية لارتفاع أسعارها أما البضائع الباكستانية فرخيصة نظراً
لرخصها بالأصل وقربها الجغرافي أيضاً.
حقيقة الهجوم على أمريكا:
يلاحظ المراقبون في باكستان هجوم قيادات الشيعة: كتابهم ومسوليهم على
أمريكا ولكن هل الحقيقة كذلك أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ والحقيقة أنه قد كتب
الكثير عن علاقات طهران مع المسؤولين الأمريكان وتوسط أمريكا في إنجاح الثورة
الشيعية.
الشيعة وتطبيق الشريعة:
منذ أيام ضياء الحق وإعلانه عن تطبيق الشريعة وحتى الآن والشيعة يعرقلون
ويضعون العقبات في طريق سن أي دستور لهذا الأمر، وإن كانت بعض المنظمات
الإسلامية الأخرى تتحدث عن تطبيق الشريعة الإسلامية من باب النقص وعدم
الجدية، فالشيعة يريدون تطبيق الفقه الجعفري على باكستان التي لا تضم سوى
٥% من الشيعة وحاولت الأحزاب الشيعية جاهدة عرقلة التطبيق.
وبعد: أخي المسلم هذه حقائق نضعها حول منطقة تلعب دوراً خطيراً في
العالم، خاصة وأن العامل السكاني المسلم مهم جداً في هذه المنطقة والمؤلف من
مجموع سكان باكستان وأفغانستان وبنغلاديش ومسلمي الهند. ونأمل أن يتم وضع
استراتيجية فعالة لمواجهة هذه التحركات الباطنية الخطيرة.
стр. 968
بيان من
حركة الجهاد الإسلامي الإرتري
قال الله تعالى: [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا
ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ
وأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]
إن من دأب الصليبين واليهود على مر التاريخ ومنذ بزوغ فجر الإسلام معاداة
ومحاربة الإسلام والغدر بالمسلمين ومقاتلتهم حتى لا يتمكنوا من إعادة مجدهم
الإسلامي التليد.
وتبعاً لهذا النهج العدائي للإسلام والمسلمين الذي تتبعه الصليبية واليهودية
المعاصرة فإن ما يحدث الآن من تطورات خطيرة في أثيوبيا وإرتريا بعد سقوط
نظام منغستو وتسلم الصليبية المحلية الناشئة والمتطورة السلطة في كل من أثيوبيا
(جبهة ملس زيناوي) وإرتريا (جبهة إسياس أفورقي) ، بدعم ورعاية الصليبية
الغربية، والكنائس العالمية، والمتمثلة في تجاهل التنظيمات السياسية الإرترية ذات
التوجه الإسلامي والعربي وفي مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي الإرتري، وحرمان
هذه التنظيمات من ممارسة حقها المشروع في تقرير مصير وطنها، عن طريق
فرض الإجراءات التعسفية عليها، إن هذه التطورات سوف تؤدي بلا شك إلى تفاقم
الأحداث وسوف تدخل المنطقة في حرب جديدة ذات أبعاد خطيرة.
إن ما يحدث الآن في أثيوبيا وإرتريا من ترتيبات سياسية، يدخل في إطار
إستراتيجية ما يسمى (بالأمن الإقليمي لحوض البحر الأحمر) لخدمة القوى
الاستعمارية الغربية ومنظمات الكنائس واليهودية العالمية في هذا الجزء من العالم.
والجدير بالذكر فإن الحركة أبرمت اتفاقيات التنسيق مع ثلاثة تنظيمات إرترية على
أساس صيغة (الجبهة الإرترية المتحدة) تتركز في المجالات السياسية والعسكرية،
والاقتصادية، والعلاقات الخارجية، وذلك للتصدي ومواجهة حجم المؤامرة
الصليبية الكبيرة التي تستهدف المسلمين في المنطقة، ومن المتوقع أن تقوي هذه
الخطوة جبهة المعارضة الإرترية وتصديها لمخططات إسياس أفورقي الانفرادية
المدعومة بالقوى الصليبية المحلية والعالمية، وتبرز دور (حركة الجهاد الإسلامي
الإرتري) الرائد في مواجهة أعداء الإسلام وحشد الطاقات الإسلامية لذلك.
وإنه لمما يدعو إلى الأسى والحزن أن ينفذ أعداء الإسلام والمسلمين من
الصليبين واليهود مخططاتهم تلك على مرأى ومسمع الدول العربية والإسلامية.
وإن مسايرة بعض من دول الجوار من الدول العربية لهذه المخططات وتلك
الإستراتيجية المعادية والتعامل معها من منطلق المصالح المتبادلة ودون المراعاة
لحقوق ومصالح المسلمين في المنطقة يمثل تطوراً خطيراً لا يمكن قبوله ولا يجوز
السكوت عليه، لأنه يتعارض أولاً مع عقيدة الإسلام في الولاء والبراء، كما
يتعارض مع مبدأ احترام حقوق الإنسان في حرية التفكير والتعبير واتخاذ القرارات.
وبهذه المناسبة تتوجه (حركة الجهاد الإسلامي الإرتري) إلى المسلمين كافة
وإلى الهيئات والمنظمات الإسلامية والدعات إلى الله في كل مكان بالنداء لدعم
الجهاد الإسلامي في إرتريا مادياً ومعنوياً وإزالة المعوقات التي تقف أمامه والدفاع
عن حقوق المسلمين الإرتريين في حق المشاركة لتقرير مصير وطنهم عبر
التنظيمات التي تعبر عنهم من خلال الجهد المبارك والمتواصل والسعي الحميد لدى
إخوة الإسلام من الدول العربية لتنهض بواجبها الإسلامي.
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً
ودُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ]
стр. 969
تفكك الاتحاد السوفييتي
وماذا بعد الانهيار
انتهت الحرب العالمية الثانية بانقسام العالم إلى معسكرين متعارضين سياسياً
واقتصادياً، المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي؛ والمعسكر الرأسمالي
الغربي بقيادة الولايات المتحدة. ولكن طبيعة الصراع بين هذين المعسكرين
الجديدين، كانت مختلفة تماماً عن طبيعة الصراع بين المعسكرات المتناحرة في ما
قبل الحرب العالمية الثانية أو الأولى، ذلك أن ظهور نوع مختلف من الأسلحة هو
السلاح النووي؛ وتخوف المعسكرين ورعبهما من خطر نشوب حرب نووية، كان
عاملاً نفسياً قوياً أجبر الفريقين على فتتح أبواب الحوار لتسوية المشاكل المستعصية. وبذلك انتقلت أشكال الصراع الرئيسي من ميادين القتال إلى معامل التجارب
العلمية، ومحطات أبحاث وصناعة سفن فضاء، فكان صراعاً من نوع آخر.
التكنولوجيا الحديثة سلاحه وأجهزة المخابرات جنده ومنفذه، فكانت الحرب الباردة.
في نهاية القرن التاسع عشر، ظهر على الساحة الأيديولوجية كتابا «رأس
المال» «والبيان الشيوعي» اللذان كتبا من قبل كارل ماركس وإنجلز في لندن،
فكانا بمثابة أنظمة وشرائع ارتكزت على أساسها النظرية الشيوعية. قام الحزب
الشيوعي ليستولي على سلطة أكبر دول العالم من حيث المساحة وثالثها من حيث
السكان وذلك عقب ثورة ١٧ أكتوبر ١٩١٧ الروسية. لقد سيطر هذا الحزب على
روسيا ومن ثم الاتحاد السوفييتي وحكمها فترة ٧٤ سنة، تعاقب على رأس الحكم
فيها، وعلى مدى تلك الفترة، كل من لينين وستالين ومالينكوف وخروتشوف
وبريجينيف وأندروبوف وتشرنينكو وآخرهم غورباتشوف ... وخلال حكم هؤلاء
كلهم، جرى ذبح ألوف من أهل الحكم الطامعين والطامحين، كما جرى ذبح خمسة
ملايين في حرب أهلية، ثم ذبح حوالي عشرة ملايين في عملية تصفيات ستالينية
داخلية في الثلاثينات، ثم ذبح ضعف هذا العدد في الحرب العالمية الثانية، ثم ذبح
الآلاف في حرب أفغانستان، فكانت حصيلة حكم هذا الحزب لتلك البلاد، انسحاق
حوالي الأربعين مليون سوفيتي في موت غير طبيعي وفي تدابير استبدادية تعسفية
تحولت معها الكنائس والمساجد زرائب للخنازير، والأملاك الخاصة إلى مشاعات
يتصرف بها أفراد الحزب الحاكم، ناهيك عن الحالة الاجتماعية والاقتصادية
المخزية التي وصلت إليها البلاد.
ونظرا لضعف النظرية إلى اتبعها وقصر نظرها، ونتيجة لهشاشة السياسة
العملية إلى انتهجها، بالإضافة إلى الكفر والاستعلاء والاستكبار والقتل والظلم
والقهر بحق شعبه وغيره، اعترف الاتحاد السوفييتي، ومع بداية الثمانينات،
بعجزه، وذلك بعد أن ظهرت، وبشكل واضح، علامات ضعفه وفشله في الحرب
الباردة مع المعسكر الرأسمالي الغربي.
لقد بدأ العد العكسي عند المعسكر الشرقي وخاصة في الاتحاد السوفيتي حيث
بدأت الأمور تتفاقم والحالة الاجتماعية والاقتصادية من سيئ إلى أسوأ، حتى جاء
غورباتشوف وفي منتصف العقد الماضي ليقدم عرضه «البيريسترويكا» أو
«إعادة البناء» ، والذي شكل ثورة في المواقف والأفكار والممارسات، ودعا إلى تغيير جذري في السياسة الداخلية والخارجية على السواء؛ يقول غورباتشوف في مقدمة كتابه «البيريسترويكا» :
«نحن نعرف ونأخذ في الاعتبار الدور الكبير الذي تلعبه الولايات المتحدة
في العالم الحديث، ونقدر إسهام الأمريكيين في الحضارة العالمية، ونحسب حساباً
للمصالح المشروعة للولايات المتحدة، وندرك أنه بدون هذا البلد يستحيل إزالة
خطر الكارثة النووية، وضمان سلم وطيد. وليست لدينا أية نوايا سيئة تجاه الشعب
الأمريكي. ونحن راغبون ومستعدون للتعاون في كافة المجالات. لكننا نريد أن
نتعاون على أساس المساواة، والتفاهم المتبادل والمعاملة بالمثل» .
لقد جاءت «البيريسترويكا» في الاتحاد السوفييتي لتنهي مرحلة حرب باردة
خارجية دامت ٤٠ سنة وتفتح، في الوقت نفسه، مرحلة حرب باردة داخلية،
دارت لمدة ستة أعوام بين تيارين متناحرين أفرزتهما تلك «البيريسترويكا» : تيار
المحافظين الماركسيين اللينينيين، وتيار الليبراليين الديموقراطيين. كان المعسكر
الغربي ما يزال مستمراً في تركيز مواقعه وتشديد الخناق على المعسكر الشرقي.
فلقد عملت أوروبا والولايات المتحدة واليابان بكل قوتها من أجل تجهيز المسرح
العالمي لانتهاء الحرب الباردة، ليس من خلال تنازلات، وإنما من خلال زيادة
الضغوط لتصفية المعسكر الشرقي بمقوماته المختلفة، وحصار الاتحاد السوفييتي
ودفعه إلى داخل حدوده، وتقليص نفوذه الدولي ليصل إلى أدنى حد ممكن.
ففي سنة ١٩٨٤، كانت اللجنة الثلاثية - وهي لجنة غير رسمية تضم ممثلين
عن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان - قد طالبت الدول الأعضاء -
وخاصة دول أوروبا الغربية - ببذل جهود من أجل تكثيف روابطها الاقتصادية
والعلمية والثقافية مع دول شرقي أوروبا في محاولة لإنهاء تقسيم القارة الذي طرأ
منذ عام ١٩٤٥، وذلك تحت عنوان «الديموقراطية لا بد أن تنتصر» ،
وشعارات حقوق الإنسان، والحرية الديموقراطية، وإصلاح النظام الاقتصادي،
إضافة إلى موضوع مواجهة الإرهاب ...
لقد نجحت دول التحالف الثلاثي على مدار السنوات الست، في اتخاذ
خطوات أدت فعلياً إلى تقليص النفوذ السوفيتي في العالم الثالث وقلب النظام
السياسي البولندي سلمياً، ثم تداعي نظم أوروبا الشرقية بسرعة لا تصدق وسقوط
رؤوسها، وفاق غورباتشوف والاتحاد السوفييتي، الواحد تلو الآخر. وشهدت
برلين قمة الأحداث المثيرة في شهر نوفمبر ١٩٨٩، عندما سقط جدار برلين وتدفق
المواطنون الألمان الشرقيين إلى الغرب، مما أدى فعلياً إلى إنهاء ارتباط الاتحاد
السوفييتي بدول شرق ووسط أوروبا، وأصبح السوفيات في حاجة للغرب أكثر من
أي وقت مضى؛ فلقد صرح الرئيس البولندي ليخ فاليسا، وخلال زيارته إلى
بريطانيا في ٢٥/٤/١٩٩١، أنه ينبغي على الاتحاد السوفييتي السماح لشعوبه
بتشكيل اتحاد جديد قائم على أساس الديموقراطية، وحذر في خطاب ألقاه أمام
مؤتمر للسياسيين الأوروبيين الشباب من أن الغرب قد يواجه هجرة جماعية من
أوروبا الشرقية إلا إذا ساعد البلدان الشيوعية على إنعاش اقتصادياتها ...
لقد سقطت إذن أوروبا الشرقية في أيدي المعسكر الغربي الذي تمكن معها
بدفع المعسكر الشرقي إلى داخل حدوده وتقليص نفوذه، فوقعت تائهة تنتظر العون
والمدد من جاراتها الغربيات، فما كان من تلك الأخيرة، ولكي تضمن انسلاخ تلك
الدول عن معسكرها السابق، إلا أن ربطت تلك المساعدات بالانتقال السريع
المباشر من اقتصاد «رأسمالية الدولة» حيث يتحكم القطاع العام بكل شيء إلى دولة الرأسمالية « ...
وفي مطلع الأسبوع الثالث من شهر نيسان ١٩٩١، افتتح في لندن البنك
الأوروبي للتعمير والتنمية. ولقد أعلن هذا البنك صراحة أن قروضه مشروطة
سياسياً، أي ربط التمويل بأهداف سياسية صرفة، وهذا أمر غير متاح من خلال
قوانين المؤسسات الدولية الأخرى مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي على
الرغم من الخضوع المتزايد لهذه المؤسسات لاعتبارات سياسية. فلقد حدد هذه البنك
هدفه الأساسي بمساعدة دول أوروبا الشرقية على الانتقال من الاشتراكية إلى
الرأسمالية، وسيتضمن ذلك بصورة ملموسة مساعدة الدول الخارجة من النظام
الشيوعي على تصفية القطاع العام وتكوين البنى التحتية لنظام الاقتصاد الحر.
في ٢٤/٤/١٩٩١، وخلال اجتماع عقد في براغ وضم عشرين وزير عمل
أوروبي، نقلت وكالة الأنباء التشيكوسلوفاكية عن وزير العمال السوفيتي فاليري
بولمان توقعه أن يُجبر الوضع الاقتصادي حوالي ثمانية ملايين عامل على البحث
عن عمل في الخارج خلال السنوات الثلاث المقبلة. ولكن الرد الغربي كان صارماً
وصريحاً: مزيداً من التنازلات، الانتقال السريع، وإليكم الدعم ...
وهكذا، وتنفيذاً لشروط الغرب للحصول على مساعداته، وتحت شعار
تكريس الديموقراطية في الاتحاد السوفييتي وتحسين أحواله الاقتصادية، قام
الكرملين بقيادة غورباتشوف بالانسحاب من كل مواقعه الاستراتيجية في العالم
وأهمها الشرق الأوسط، وبانسحابه، تفرد الغرب بالقرار هناك، فتم تدمير قوة
الأمة والهيمنة على مقدراتها وثرواتها، وتنفذ حالياً التسوية السلمية للصراع العربي
الإسرائيلي بالشروط الإسرائيلية الكاملة، وتتم تصفية القضية الفلسطينية، ولكي
يبيض سجله لدى السلطات الأمريكية في مجال حقوق الإنسان، فقد سمح بهجرة
يهود الاتحاد السوفياتي إلى إسرائيل وعددهم بالملايين.
هذا على الصعيد الخارجي. أما على الصعيد الداخلي للاتحاد السوفياتي،
فالحرب الباردة كانت مستمرة، تهدأ تارة وتشتد تارة، مرت فيها البلاد في ظروف
صعبة جداً وصلت بها أحيانا إلى حافة الهاوية، ثم تخطَّتها حتى كان الانقلاب فجر
١٩/٨/١٩٩١. فكيف دارت أحداث تلك الحرب الداخلية الباردة؟ ما هي الأحداث
التي سبقت الانقلاب؟ لماذا وقع الانقلاب وما هي أهدافه ونتائجه؟ ..
» يتبع «
стр. 970
كتب
البعد الديني في السياسةالأمريكية
تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي
تأليف: د. يوسف الحسن
عرض: أحمد عبد العزيز أبو عامر
حدد القرآن الكريم والسنة المطهرة العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب في
السلم والحرب، وحذر من أعداء الإسلام وخاصة من اليهود لما جبلوا عليه من غدر
ولوم وعداء صريح للإسلام والمسلمين يقول تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا] ويشتركون مع النصارى في عدم الرضا عن
المسلمين لقوله تعالى: [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]
وهذا ما يؤكد أن العداء مع هؤلاء عداء عقيدة، لكن كثيراً من العلمانيين في عالمنا
العربي اليوم يحاولون بكل جهودهم تحجيم هذا العداء وأن المسألة خلاف قومي
بمزاعم موهومة يكذبها الواقع، ولذا كثيراً ما نجدهم يطنطنون بالأخوة القومية بعيداً
عن الأخوة العقدية، ويفرقون بين (الصهيونية واليهودية) بدعوى أن عداءنا مع
الصهاينة وليس مع اليهود وقد ألفت في هذه الدعوى كتب ورسائل ولعله يتسنى لي
في فرصة قريبة بيان خطأ هذا التوجه وبيان زيف مدعيه.
والمتابع للأحداث الجارية في المنطقة ولا سيما أهمها وهي ما تسمى بأزمة
الشرق الأوسط التي هي (مشكلة العدوان الصهيوني واحتلال الأرض المباركة في
فلسطين ظلماً وعدواناً) يلمس التعاطف الكبير بين اليهود والنصارى الذين لولا
دعمهم لليهود لم تقم لدولتهم قائمة مع العداء الديني بين هاتين الملتين. ولقد استطاع
الصهاينة بخبثهم أن يوظفوا (الكتاب المقدس) لصالحهم بشكل نتجت عنه اتجاهات
صهيونية في المسيحية كما سترى في هذا الكتاب.
والكتاب الذي سنقدم عرضاً له في هذا المقال هو أحد مطبوعات (مركز
دراسات الوحدة العربية) وهو مؤسسة قومية علمانية تصدر عدة سلاسل ثقافية،
والكتاب يحمل رقم ١٥ في سلسلة (أطروحات الدكتوراه) ويبلغ الكتاب ٢٢٢ صفحة
مع الفهارس وقد قام المؤلف بجهد في رصد وتحليل الاتجاهات الصهيونية في
الحركة الأصولية المسيحية الأمريكية المعاصرة وكشف عن قوة تأثيرها في صنع
وتشكيل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني ودورها في
توفير المناخ الملائم لنزعة أمريكية عامة متحيزة لإسرائيل، كما سعى إلى كشف
الغطاء عن المدى الواسع في استعمال الرموز الخطابية التوراتية في العمل السياسي
الأمريكي نتيجة تأثير الكنيسة في المجتمع المدني وبخاصة في ثقافته العامة بحيث
صور الصراع العربي الصهيوني في الخيال العام الأمريكي على أنه امتداد للصراع
التوراتي بين اليهود وغيرهم، وعلى أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية هي علاقة
خاصة قائمة على فهم توراتي تراثي مشترك. ولذا وجد في الخطاب السياسي
الأمريكي اصطلاح (الالتزام الأخلاقي بدعم إسرائيل) وهو ما لم يستعمل مع دولة
أخرى غير ربيبتهم تلك.
وقد قسم المؤلف الكتاب إلى خمسة فصول وخاتمة على النحو التالي:
الفصل الأول: تناول فيه جذور الصهيونية في المسيحية الأصولية الأوربية
منذ القرن (١٦م) محللاً كيف اختلفت المعتقدات الدينية وتزاوجت بالأهداف
السياسية والاستراتيجية، ومهدت المناخ الملائم لولادة الحركة الصهيونية السياسية
للجماعات اليهودية.
الفصل الثاني: البحث عن التأصيل التاريخي للاتجاهات الصهيونية في
المسيحية الأصولية الأمريكية موضحاً أهم المنظمات الصهيونية المسيحية الأمريكية
في النصف الأول من القرن العشرين ومحللاً مواقفها تجاه الصراع العربي
الصهيوني واشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث هي:
١- جذور الصهيونية في التاريخ الأمريكي.
٢- جذورها في الكنائس البروتستانتية.
٣- الاتجاهات الصهيونية والكنيسة الكاثوليكية.
الفصل الثالث: ناقش الكاتب الحركة المسيحية الأصولية في الفترة بين عامي
١٩٦٧ - ١٩٦٨ وحلل أهمية دور الكنيسة في المجتمع الأمريكي وعلاقاتها بالدولة
دستورياً، كما تناول العوامل التي تقف وراء نهوض الحركة المسيحية الأصولية
الأمريكية وبخاصة تأثير نكبة ١٩٦٧ في إحياء فكر الحركة وتنشيط صهيونيتها
وازدياد تأثيرها في السياسة الخارجية.
الفصل الرابع: البحث في مؤسسات الحركة المسيحية الأصولية ومنظماتها
وتحالفاتها وجماعات الضغط فيها، كما ناقش الظاهرة الجديدة المسماة بالكنيسة
المرئية، وبين أهم منظماتها وأبرز قادتها وأكثر برامجها انتشاراً وتأثيراً إضافة إلى
علاقاتها السياسية والإعلامية والمالية وامتدادها إلى خارج أمريكا.
الفصل الخامس: ناقش المؤلف في بحثين هامين الخلافات بين الحركة
المسيحية الأصولية والحركة الصهيونية اليهودية وإسرائيل، كما تناول الآفاق
المستقبلية لحركة المسيحية الأصولية في المجتمع الأمريكي.
وفي الخاتمة: تناول أهم نتائج دراسته إلى لخصها فيما يلي:
١- بيان الأصول والاتجاهات الصهيونية في الحركة المسيحية الأصولية في
أمريكا وهي التي تزعم بأن عودة اليهود إلى فلسطين مفتاح النبوءات المقدسة
والمبشرة بعودة المسيح الثانية.
٢- أن مقولة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) هي مشروع مسيحي
صهيوني قدم لمؤتمر لندن عام ١٨٤٠ وأن أول جماعة ضغط صهيونية بأمريكا
أسسها رجل دين بروتستانتي هو (بلاكستون) عام ١٨٨٧
٣- إن قناعات (بلفور) الدينية والمعتقدات التوراتية (للوبد جورج) رئيس
الوزراء البريطاني آنذاك وتأثرها بالفلسفة اليهودية وخلفياتها الفكرية الدينية وراء
بلورة موقفهما السياسي تجاه المشروع الصهيوني.
٤- وبتحليل الجذور التاريخية للاتجاهات الصهيونية غير اليهودية في التاريخ
الأمريكي وفي الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية في أمريكا. توصلت الدراسة إلى
أن هذه الاتجاهات قد شكلت عنصراً بارزاً في الحياة الثقافية والسياسة الأمريكية منذ
بداية تأسيس أمريكا عن طريق (البيوريتان) الذين حملوا معهم التقاليد والقناعات
التوراتية التي انتشرت في إنجلترا بعد القرن ١٦م.
٥- تبين أن المؤسسات والمنظمات المسيحية الصهيونية تلقت الدعم العلني
والسري من الحركة الصهيونية وبقيام دولة إسرائيل تدعمت المعتقدات المسيحية
الأصولية بدعوى أن الحدث إشارة إلى النبوءات المقدسة عندهم.
٦- إن الكنيسة الأمريكية نظام شمولي في أغراضه وأنشطته وعلاقاته حيث
تمزج الدين بالتعليم وبالخدمات الاجتماعية وبالطب والسياسة والفن والحرب والسلام
ولا يفلت من شبكها شيء يتعلق بالإنسان.
٧- إن الصحوة المسيحية الأصولية تجسدت في تيار جماهيري له مؤسسات
متعددة الأغراض والإمكانات المالية ليس من السهل مقاومته وتستطيع تعبئة عدة
ملايين للانخراط في العملية السياسية الانتخابية.
٨- إن المسيحية الأصولية جسدت حركتها في مؤسسات إعلامية ومنظمات
وجماعات وتحالفات متعددة خارج أمريكا، وتعاونت مع إسرائيل في تأسيس منظمة
أصولية في القدس وقد أسست الكنيسة المرئية التي تستخدم برامجها الاستعراضية
لجمع أموال التبرعات، ولا تكتفي بالدروس الدينية بل تهتم بكل المسائل
الاجتماعية والسياسية والعسكرية والترفيهية وتهتم باكتساب القوة والنفوذ السياسيين
أكثر من اهتمامها بالدين وتقدم رؤيتها السياسية لقضية الصراع العربي الصهيوني
من خلال رؤيتها التوراتية.
ويختم المؤلف كتابه بما سماه (خطة عمل عربية لمواجهة صهيونية الحركة
المسيحية الأصولية) ومن أهم بنود هذه الخطة:
١- إعداد دراسة جادة ومفصلة حول مواد التعليم في مدارس الأحد والمدارس
الدينية المسيحية لاستكشاف العناصر الخفية والظاهرة للاتجاهات الصهيونية المؤيدة
لإسرائيل. وتقديمها لقادة المسيحيين المتعاطفين مع وجهة النظر العربية وتشجيعهم
بالمطالبة بإصلاح برامج تعليم تلك المدارس! !
٢- دعم وتشجيع عقد مؤتمرات دينية مسيحية في أمريكا وبشكل دوري تناقش
فيها مسائل العلاقات بين الدين وحقوق الإنسان بهدف استكشاف استخدام الصهيونية
السياسية التوراة لمصالحها ومؤتمرات أخرى في بعض البلاد العربية حيث يوجد
فيها المسيحيين.
٣- تنظيم حملة إعلامية مستمرة في أمريكا مستخدمة اللغة الكنسية نفسها
لتنفيذ مزاعم الصهيونية المسيحية كأطروحة شعب الله المختار ووضع مدينة القدس
على أن تبدأ في الأرياف قبل المدن.
٤- دعم وتشجيع ونشر معلومات معدة بشكل علمي وميسر حول الإسلام
ومعالجة للقضايا الاجتماعية والسياسية ونظرية الأديان ودور الحضارة الإسلامية في
حفظ الحضارة الإنسانية.
٥- وضع أسس حوار دائم بين المسيحية واليهودية والإسلام واستحداث
أقسام داخل المنظمات والمعاهد والمراكز والمؤسسات الإسلامية في الوطن العربي
مختصة بهذا الشأن وتنظيمه.
٦- دعم وتشجيع نشر مقالات وأخبار حول مسائل تتعلق بحقوق الإنسان
الفلسطيني في الأرض المحتلة وإثارة أسئلة حول معتقدات المسيحيين في العهد
القديم.
٧- استعملت الأصولية المسيحية المتصهينة تقنية الأقمار الصناعية للاتصال
بغيرها عبر العالم لنشر دينهم عبر الكرة الأرضية وأي خطة لمواجهتهم لا بد أن
تشمل استخدام هذه التقنية المعاصرة.
ملاحظات عاجلة على الأطروحة
أولاً: أشار المؤلف بأن أطروحته هذه هي أول الأبحاث التي تناولت هذا
الجانب من السياسة الأمريكية. وهذا بنظري ليس صحيحاً إذ سبق الكاتب في بحث
هذا الموضوع بالعديد من الدراسات والكتب المنشورة ومنها:
١- الخلفية التوراتية للموقف الأمريكي (حيال القضية الفلسطينية)
٢- النبوءة والسياسة تأليف (غريس هالسل) ترجمة الأستاذ محمد السمّاك.
حيث تطرقت المؤلفة لعمل المؤسسات والشخصيات داخل أمريكا لصالح إسرائيل.
٣- قبل أن يهدم الأقصى كتاب للأستاذ عبد العزيز مصطفى وبيان دور
الصهاينة النصارى في دعم إسرائيل.
٤- دراسة الأصولية الدينية والثقافية للقرار الغربي في الصراع على فلسطين
للأستاذ طارق متر نشرته مجلة الفكر الإسلامي البيروتية العدد ١/السنة٩١ الصادر
في جمادي الأول ١٤٠٩
ثانياً: المؤلف كتب أطروحته من منظور قومي ولم يذكر وجهة نظر الإسلام
في هذا الموضوع وبالمنطلق القومي أراد استخدام النصرانية - فيما يزعم - لصالح
وجهة النظر العربية.
ثالثاً: من أعجب العجب أن يستغل اليهود والنصارى الدين لمصالحهم العليا
لكننا نرى (القوميين العرب) يستغلون الدين لمصالحهم القومية الضيقة ولا يهم إن
كان ذلك يصح شرعاً أو لا. المهم أن يخدم مصالحهم.
رابعاً: أغفل المؤلف الحلول الإسلامية الجذرية لمعالجة قضية الصراع
العربي الصهيوني وأنه لا ينفع معهم إلا القوة الإيمانية المنبثقة من الجهاد الإسلامي
الذي يعرفون حقيقته حق المعرفة يوم حاربهم المجاهدون الأوائل في بدايات قيام
دولتهم وأبلوا بلاء حسناً ولولا القرارات المحبوكة ضدهم لتغير التاريخ ولكن قدر
الله لا بد أن يتم وعسى أن نعرف الحل الجذري لمشكلتنا معهم فالحرب معهم لا بد
أن تكون عقائدية ولا يمكن أن نهزمهم بالعلمانية الحاكمة في البلدان العربية، والله
غالب على أمره.
стр. 971
حديث وعبرة
عبد العزيز بن أحمد باطرفي
الحديث:
عن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: قال
رسول الله ﷺ : «تصدقن يا معشر النساء ولو من حُليكن» .
قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات
اليد [١] ، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة؛ فأته فاسأله؛ فإن كان ذلك يُجزئُ عني [٢] وإلا صرفتها إلى غيركم.
فقال عبد الله: لا، ائتيه أنت.
فانطلقتُ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ
حاجتي حاجتها. وكان رسول الله ﷺ عليه المهابة، فخرج
علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ ، فأخبره أن امرأتين
في الباب تسألانك:
أتجزئُ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما [٣] ؟ ولا
تخبره من نحن.
فدخل بلال على رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال الرسول -
ﷺ : «من هما» ؟
فقال: امرأة من الأنصار وزينب،
فقال رسول الله ﷺ : «أي الزيانب هي؟»
قال: امرأة عبد الله.
فقال الرسول ﷺ : «لهما أجران: أجر القرابة وأجر
الصدقة» متفق عليه واللفظ لمسلم.
دروس من الحادثة:
من هذه الحادثة التي وقع فيها بلال ﵁ في موقف حرج
وطريف بين الرسول ﷺ وبين وصية الصحابيتين له بعدم ذكر
اسميهما نخلص بفوائد ودروس منها:
* كثيراً ما تمر علينا مواقف حرجة، وعندما يحاول البعض الخروج من هذا
الموقف بالتورية نراهم يقعون في الكذب سواءً علمه الناس أو كان بين الواحد منا
وبين ربه. وإن كان في التورية مندوحة عن الكذب إذا احتيج إلى ذلك.
وبلال ﵁ حاول التورية لكي ينفذ ما طلبته الصحابيتان منه
بقوله «امرأة من الأنصار وزينب» والزيانب كثيرات، ولكن فطنة الرسول -
صلوات الله وسلامه عليه- أوقعت بلال في موقف؛ فلم يجد مخرجاً منه غير
الصدق لأنه يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولأن ليس أمامه إلا التصريح ولا
مضرة في ذلك.
* أن مجال الخير ليس مقصوراً على الرجال دون النساء والباب مفتوح
للجميع فهذا رسول الله ﷺ يخص فيها النساء بموعظة وتذكير
ويحث النساء على التصدق، والأصل في الأوامر أنها للرجال والنساء معاً. وهذا
يشجع الأخوات على حضور المحاضرات والدروس التي يوجد فيها مكان لهنّ. إذا
كان ذلك لا يخل بواجب ولا يعرضها لفتنة.
* تنبيه المرأة المسلمة وحثها على الإنفاق:
إن ما ينفق على الكماليات والزينة والأزياء فيها من الإسراف ما الله به عليم
فلو خصصت كل أخت مبلغاً معيناً للإنفاق في سبيل الله ووجوه الخير لكان خيراً لها
وأعظم أجراً.
* كم.. وكم يسمع الواحد منا من مواعظ.. أو كلمات.. أو خطب عن
طريق الدروس والمحاضرات.. أو الأشرطة.. أو المذياع أو غيرها مما تأمرنا
بمعروف وتنهانا عن منكر.. ولكن هل أحس كل واحدٍ منا أنه هو المعني بالخطاب؟ فامتثل الأمر واجتنب النهي واتقى الله.
والصحابة -رضوان الله عليهم- كل واحد منهم عندما يسمع الخطاب يعتقد أنه
هو المخاطب به، دون سواه.
وبهذا الأدب في الاستماع يبادر الجميع إلى العمل كما ترى في هاتين
الصحابيتين ﵄، وهذا ما تعلمه الصحابة -رضوان الله عليهم-
من النبي ﷺ : العلم والعمل.
* إخفاء أعمال الخير عن الناس قدر الاستطاعة وهذا خلق من لا يريد الرياء
والسمعة والشهرة بين الناس وإنما نقلت لنا الصحابية الخبر لكي لا تكتم علماً..
«لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة» .
* كان رجال الصحابة ﵃ يعلمون ويشعرون بقوامة الرجل
على المرأة، وكأن عبد الله بن مسعود ﵁ تحرج من سؤال النبي -
ﷺ عن صحة إنفاق زوجته عليه وعلى أبنائه مع حاجته الماسة
والشديدة إلى ذلك لأنه كان خفيف ذات اليد أي قليل المال فاستحيا أن تنفق عليه
المرأة.
وما أكثر الرجال في وقتنا المعاصر الذين يتربصون بما في أيدي النساء
ويرضون أن يكونوا عالة عليهن، بل ربما عضل بعضهم ابنته عن الزواج ليكسب
من ورائها شيئاً من حطام الدنيا الزائل.
حب الزوج وستر حاله:
ونرى ذلك في مساعدة الزوجة زوجها وأبنائها بالصدقة وستر أمر الزوج
وفقره عن الناس عندما طلب الصحابيتان ﵄ من بلال عدم ذكر
اسمهما لرسول الله ﷺ .
التحلي بالصبر:
ومن أنواعه الصبر على ضيق العيش فهاتان الصحابيتان صابرتان محتسبتان
على شظف العيش مع أزواجهما من غير تذمر ولا سخط ولا غضب. بل إنهما
تكتسبان وتنفقان وإنما تحرجتا من إنفاق الزكاة الواجبة على الزوج ومن في
حجورهما من الأيتام فسألتا عن ذلك.
* حازت الصحابيتان الخير الكثير فلهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة،
وهو عمل واحد فيا له من خير عظيم.
* على المرأة المسلمة أن تسأل أهل العلم فيما يعرض لها من مسائل في الدين
والدنيا فإنه لا حياء في الدين وإذا أمكن أن يكون ذلك بواسطة زوجها أو قريب لها
كان أفضل وأبعد لها عن الفتنة وذلك ما بدأت به زينب زوج عبد الله.
ومن أسهل هذه الطرق - وبحمد الله - الهاتف فأرقام أهل العلم من المشايخ
متوفرة؛ ولا يبقى إلا كسر حاجز الشيطان الذي يضعه أمام كل مؤمن ومؤمنة
ليمنعه من معرفة الحكم الشرعي الصحيح.
وأخيراً فإن الإمام النووي وضع هذا الحديث في باب «بر الوالدين وصلة
الأرحام» .
стр. 972
صحة
حوادث التسمم
د. محمد صايل هليل
يقع التسمم العارض Accidental poisoning بين واحد إلى اثنين من كل
مئة طفل دون الخامسة. وهو يشكل أحد الأسباب الرئيسية لوفاة الأطفال في هذه
الفترة من العمر. إن حوادث تسمم الأطفال تسجل أعلى معدل لها عند الأطفال في
السنة الثانية من العمر، إلا أن نسبتها في الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة
واحدة عالية أيضاً. إن ثلث حوادث تسمم الأطفال تقع في مطبخ البيت كما بينت
بعض الدراسات. وأن أهم عنصر في حوادث التسمم هو تخزين المواد بشكل
خاطئ.
تبدأ حوادث التسمم عند الأطفال حالما يبدأ الطفل الحبو والتحرك داخل البيت. فالأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين يتناولون المواد الضارة المخزونة في
أماكن قريبة من الأرض، كخزائن المطبخ السفلية مثلاً، وأن الأطفال بين ٣-٤
سنوات من العمر، يتناولون المواد المحفوظة في أماكن مرتفعة بعد تسلقهم
والوصول إليها.
إن حركة الطفل المفرطة، وفضوله الشديد لمعرفة كل ما في البيت، إضافة
إلى أن الطفل يمر بمرحلة نمو نفسي - المرحلة السلبية - يحاول فيها بناء ذاته
واستقلال شخصيته، بحيث لا ينصاع للأوامر والنواهي، كل هذه الأمور تعرضه
إلى التسمم أكثر من غيره. لذا فإن حوادث التسمم لا تعني تقصير وإهمال الأهل
بالضرورة. إن المواد السامة كثيرة وعديدة وهي أكثر من أن تحصى، وفي بعض
الدول أنشئت مراكز ضبط التسمم Control Centres Poisoning ويمكننا
تقسيمها في المجموعات التالية:
١- الأدوية: وتشمل كل الأدوية مهما كانت دون استثناء مطلقاً.
٢- المواد البترولية: كالبنزين، الكيروسين (الجاز) وسوائل القداحات
وغيرها وهي خطرة جداً لما تحدثه من تلف يصيب الرئتين وأحياناً القلب والدماغ.
٣- المبيدات: وهي مبيدات الحشرات وهي مواد شديدة السمومية، تؤثر
على الجهاز العصبي.
٤- مواد التنظيف: وهي المستخدمة لتنظيف الحمامات والمراحيض
والمصارف.. وهي مواد كاوية حارقة تتلف القناة الهضمية تلفاً شديداً إذا أخذت عن
طريق الفم وتسبب مضاعفات خطيرة تلازم الطفل طيلة عمره.
٥- التبغ: وأعواد الثقاب لما تسببه إثر تناولها عن طريق الفم.
٦- النباتات: سواء نباتات الزينة أو ما ينبت قريباً من البيت من النباتات
البرية، أو ما يضاف للنباتات من مواد كيماوية - وهي عديدة جداً.
٧- مواد التجميل والعطور وطلاء الأظافر والآسيتون.
٨- الغازات السامة المنبعثة من المدافئ والمواقد: كمواقد الفحم والكيروسين،
وغيرهما..
٩- التسمم باللدغ: كلدغ العقرب والأفعى والحشرات الأخرى.
١٠- المواد الكيماوية الأخرى: مثل كرات العث (كرات النافثالين) التي
توضع مع الملابس.
ويقع حادث التسمم إما بوضع المادة الضارة قريباً من متناول الطفل، وهذا
هو الأغلب، أو وضعها في أوعية يختلط على الطفل بأنها مواد غذائية. فوضع
الكاز في زجاجات المياه المعدنية عادة خاطئة، غالباً ما تكون السبب - وكما
نراه - في تسمم الطفل العطشان الذي لا يستطيع إن يفرق بين الماء والكاز إلا بعد شربه فقط.
تصل هذه المواد إلى داخل الجسم بطرق عديدة كالفم - والتنفس - والجلد أو
داخل الجلد كاللدغ مثلاً أو غيرها. إن تأثيرها يتفاوت بحسب نوع المواد المتناولة
وعددها وكمياتها. والفترة المنقضية ما بين تناولها وزيارة الطبيب وعوامل أخرى
لا مجال لبحثها.
إذن ما العمل لتفادي تسمم الأطفال؟
هذا سؤال حتمي أمام الحقائق، والجواب يتلخص في هذه الإرشادات كخطوط
عامة:
١- بالرغم من أن البعض قد يظن أنه ليس عملياً أن نرفع كل المواد الضارة
بعيداً عن متناول الأطفال: إلا أن هذا هو أهم إجراء وقائي. نعم وضع المواد
السامة في مكان مرتفع ومحكم الإغلاق.
٢- لتسهيل ما سبق، ينصح بعدم تخزين كميات كبيرة جداً من المواد الضارة
كالمنظفات والدهانات والمبيدات ومواد تلميع الأثاث وغيرها في البيت.
٣- عند الانتهاء من استعمال مادة معينة أو نفاذها يرجى عدم الاحتفاظ
بعبوتها الفارغة أو تركها للأطفال يلعبون بها، بل إلقاؤها في القمامة.
٤- عند وضع مادة سامة أو ربما تكون ضارة في أوعية مواد نافعة،
كالكاز - أو سائل التنظيف الأبيض - في زجاجات المياه الفارغة، يرجى وضع ملصق صغير يبين ما بداخل الزجاجة مثلا (كاز) أو (سائل تنظيف) حتى يتجنب الكبار تناولها، ورفعها في أمكن عالية بعيداً عن الأطفال، لا سيما وأن الأطفال لا يقرأون ما بداخلها.
٥- عدم وضع المواد السامة قريباً من المواد الغذائية.
٦- تربية الطفل - عملياً - مبدأ مهم وهو أنه ليس كل ما تقع عليه اليد
يصلح للأكل، وتبيان مخاطر المواد السامة للطفل إذا كان في عمر يدرك معنى
الكلام.
٧- فيما يتعلق بالأدوية بالذات، نؤكد على ما يلي:
- الاحتفاظ بالأدوية بعيداً عن متناول الأطفال مهما كان الدواء.
- استعمال الأوعية التي يصعب على الطفل فتحها وعدم ترك الأدوية متناثرة. وعادة ما تصرف الأدوية في مثل هذه العبوات التي يصعب فتحها.
- عدم استعمال أي دواء فقدت أو تلفت الكتابة التي تحدد اسمه.
- عدم وضع أدوية في زجاجات أدوية فارغة أخرى.
- عدم إعطاء الدواء إلا للمريض، وعدم إعطاء أي طفل آخر دواء أخيه
دون استشارة الطبيب.
- عدم إعطاء الأدوية للأطفال في الظلام، إلا بعد التأكد من اسم وكمية الدواء
واسم الطفل على الزجاجة.
- عدم خداع الطفل أن الدواء هو حلوى أو شراب بل يجب خلق الثقة بين
الأبوين والطفل ويجب أن نبين للطفل بكلام بسيط أن هذا دواء يشربه ليزول
مرضه، نشرح له هذا بلغة بسيطة يفهمها ما أمكن.
- الانتباه إلى أن الأطفال يقلدون الكبار في تناول الأدوية: فالطفل يرى جده
يتناول بعض حبوب القلب قد يتناول بعض الحبات التي ربما تقتله.
- عدم ترك الزجاجات الفارغة أو الأدوية التي انتهت صلاحيتها بين يدي
الأطفال يلعبون بها، بل يجب التخلص منها بشكل جيد.
стр. 973
منتدى القراء
تعقيب على مقال:
هل هناك صحافة إسلامية ؟
عبد الله بن حمد السكاكر
فقد قرأت ما كتبه الأخ عبد القادر حامد في مجلة البيان العدد ٣٧ تحت عنوان
(هل هناك صحافة إسلامية؟) .
وقد أثار الأستاذ عبد القادر في هذا المقال مشكلة خطيرة يجب ألا تغيب -
عن بال أي مسلم فضلاً عن الدعاة والمفكرين، وهي مشكلة محدودية الطرح
والمعالجة لكثير من قضايا الإسلام المصيرية والبالغة الأهمية في الصحافة
الإسلامية.
ولا شك أن هذا القصور في الطرح والمعالجة في الصحافة الإسلامية ليس
ناتجاً عن عجز في الطرح أو جهل فيما يجب أن يطرح من قضايا وإنما هو قصور
ناتج عن ترجيح مصلحة الاستمرارية في الكتابة والوصول إلى كل مسلم في كل بلد
إسلامي. ولا شك أن الله لا يكلف أحداً ما لا يطيق، وما يطلبه الأخ عبد القادر
ومعه كل مسلم غيور ليس في طاقة مثل هذه المجلات ولكن هل نعذر أمام الله
بهذا أم أننا مطالبون بالعمل على إيجاد وسائل أخرى يمكن أن نطرح
مثل هذه القضايا فيها بحيث تصل إلى كل مسلم.
لا شك أننا مطالبون بذلك كما لا أشك أن المسلمين هم أولوا الألباب والعقول
التي لن يعجزها - بحول الله وقوته - أن تجد مثل هذه الوسائل وإن مما يدور في
خلد كثير ممن يحملون هم الدعوة إلى الله أن توجد إذاعة إسلامية تقوم بهذا الدور
بحيث لا تمر مثل تلك القضايا على مقص الرقيب أو منفذ الحدود في طريقها إلى
كل مسلم ولا شك أن هذه الفكرة وأمثالها صعبة التحقيق لوجود كثير من العوائق
التي من أهمها القاعدة الصالحة للانطلاق منها والتمويل.. الخ. ولكنها على آية
حال ليست مستحيلة إذا ما وجدت رجالاً صادقين يقدرون الدور الذي يمكن أن تقوم
به ويبيعون أنفسهم لله، وإني في هذه المناسبة أدعو الإخوة الفضلاء في المنتدى
الإسلامي إلى تبني مناقشة هذه الفكرة ومدى تطبيقها خاصة وأن من أهم ما يجب أن
يراعى في ذلك أن تكون في أيد تحمل عقائد صحيحة حتى لا تكون طامّة على
المسلمين.
البيان: لقد وضع الأخ الكريم إصبعه على لب المشكلة ونحن نشاركه ذلك،
ولكن كيف يتجاوزها المنتدى أو غيره؟ وهل يستطيعون؟ !
стр. 974
تعقيبات على بعض
ما جاء في العدد ٣٨
ورد في ص ٨٣ في نهاية المقال لفظ (تقنين شرع الله) والصواب القول:
تطبيق شرع الله، أما التقنين فلا، ولعلها زلة قلم.
وفي ص ٨٥ حديث عائشة في خيل سليمان وهو حديث صحيح كما في آداب
الزفاف للألباني ص ١٧٠ (الطبعة السابعة المكتب الإسلامي) والمشكاة (٢/ ٩٧٤)
وصحيح أبو داود (٣/٩٣٢) .
وأما حديث «نعم الجمل جملكما..» فضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد
(٩/ ١٨٢) لكن ذكر رواية للطبراني في الأوسط وحسن إسنادها وهي:
عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ يصلي
فجاء الحسن والحسين أو أحدهما فركب على ظهره فكان إذا رفع رأسه قال بيده
فأمسكه أو أمسكهما قال: نعم المطية مطيتكما وانظر روايات غير هذه في المجمع.
وعند الترمذي وضعفه وهو كما قال عن ابن عباس ﵁ قال كان
رسول الله ﷺ حامل الحسن بن علي على عاتقه فقال رجل نعم
المركب ركبت يا غلام فقال النبي ﷺ : ونعم الراكب هو
جامع الأصول (٩/٣٧) والمشكاة (٣/١٧٣٩) . ورواه الطبراني بقصة لكنها ... ضعيفة (مجمع الزوائد ٩/١٨٢) .
وقصة النبي ﷺ عندما أطال السجود لوجود الحسن أو
الحسين على ظهره مشهورة صحيحة كما رواها النسائي (١/١٤٦ صحيح النسائي)
وانظر صفة الصلاة للألباني (ص ١٤٨ ط مكتبة المعارف) .
وحديث «كفوا صبيانكم..» أصله في الصحيحين بلفظ «إذا كان جنح الليل
أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشيطان ينتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من الليل
فخلوهم، واغلقوا..» وفي رواية البخاري: «.. واكفتوا صبيانكم عند المساه فإن
للجن انتشار أو خطفة..»
وفي ص ٥٨ حديث «لأن يمشي أحدكم مع أخيه..» أورده الألباني في
الصحيحة (٩٠٦) لكن الصواب أنه ضعيف انظر النافلة في الأحاديث الضعيفة
والباطلة تأليف الجويني (٢/١٨٠) والرواية التي عندهم بلفظ (شهر) وفي المجلة
بلفظ شهرين.
وفي ص ٥٩ حديث «الخلق كلهم عيال الله..» ضعيف انظر السلسلة
الضعيفة (٤/٣٧٤) والنافلة للجويني (٥٣/٢) لكن ثبت لفظ «خير الناس أنفعهم
للناس» كما في السلسة الصحيحة (٤٢٦) (١/٧١٢) .
стр. 975
الدولة العثمانية
في محكمة التاريخ
عابد حميان
من المفارقات العجيبة حقاً في عالمنا العربي الإسلامي اليوم من يوجه إصبع
الاتهام إلى الدولة العثمانية وسلاطينها، لما لحق بالعالم العربي والإسلامي من رزايا
وتسلط وانحطاط، ولعل من أخطر هذه الاتهامات وأشنعها على التاريخ فضلاً عن
الإسلام أن هذه الدولة لم تكن في يوم من الأيام تمثل الخلافة الإسلامية بشكل أو
بآخر، إضافة إلى ذلك أنها جهاز استعماري استبدادي، وأن سلاطين آل عثمان
ظلمة مستبدون كانوا يلقون خصومهم بالعشرات وإن شئت بالآلاف في البوسفور،
كما كانت لها قوة ضخمة تشتغل بالتجسس وتصادر الحريات العامة في جميع الأقاليم
التي كانت خاضعة لصولجانه.
والحقيقة أن هذه الافتراءات فات أوانها وأصبح بطلانها من نافلة القول، وإن
كانت من النظريات الدخيلة التي يحاول الغزو الفكري والتبشير إذاعتها في الأوساط
العلمية، ولكن لا بأس أن نوضح ثم نصحح تلك المفاهيم متوخين في ذلك القدر
الكافي في استنطاق أحداث التاريخ.
ومن الآراء التي تفند هذه المزاعم مقال طويل كتبه عبد الله النديم في مجلة
«الأستاذ» عام ١٨٩٣ هـ جاء فيه: «لو كانت الدولة العثمانية مسيحية الدين لبقيت بقاء الدهر بين تلك الدول الكبرى، ولكن مغايرة الدين وسعي أوربا الحثيث في تلاشي الدين الإسلامي أوجب هذا التحامل» . أما محمد عبده الذي قال أثناء إقامته في بيروت عام ١٨٨٩: «إن الدولة العثمانية وحدها المحافظة على سلطان الدين الكافلة لبقاء حوزته وليس للدين سلطان في سواها» .
أما مسألة ما يقال عن الدولة بأنها كانت تمارس الاستعمار فإنها فكرة مردودة
بحكم التاريخ ذلك أنّ الدولة العثمانية عملت على توحيد الشعوب الإسلامية تحت
سلطة واحدة محاولة الالتقاء والتكامل بين عناصر الأمة الواحدة من عرب وترك
على إثر ضعف المماليك وتعرض بلاد الشام للغزو الصليبي في القرن السادس
عشر ويؤكد العديد من المؤرخين والباحثين المنصفين أن هذه الدولة قد حمت أكثر
من خمسة قرون ظهر العالم الإسلامي من الغزو الصليبي الاستعماري فما إن سقط
أسطولها البحري عام ١٨٣٧ حتى دخلت فرنسا الجزائر بحملة عسكرية بعد ثلاثة
سنوات (١٨٣٠) ثم تونس (١٨٨١) ثم انعقاد مؤتمر برلين الاستعماري عام ١٨٧٨
الذي يرمي إلى تقسيم ممتلكات الدولة التي كانت تعرف «برجل أوربا المريض»
حسب زعم تلك الدول.
ويعتبر تاريخ القرن السادس عشر والسابع عشر بداية التآكل على المستويين
الداخلي والخارجي بعد مدٍ وجزر ... وتقدمٍ وتأخر ... وإشراق ونكوص ... انتصار
وخيبة ... فتح واسترداد.. وقد حكمها خلال القرون المتعاقبة العديد من السلاطين،
منهم من امتاز بعظمته كالسلطان مراد الرابع الذي حكم للفترة ١٦٣٣ - ١٦٤٠ م
والذي استطاع أن يخلص بغداد قبل موته بسنة واحدة من سيطرة الفرس الصفويين
الثانية على العراق وذلك سنة ١٦٣٨ م. فاقترن اسه بعد ذلك بـ (فاتح بغداد) .
ومن السلاطين الآخرين - من امتاز - بقله تجربته، وضعف شكيمته كالسلطان
مصطفى الأول الذي حكم للفترة (١٦٢٢ - ١٦٢٣) فقد تدخل الجيش في شؤون
الدولة. كما يحتفظ التاريخ للشعب التركي المسلم بمزايا عديدة منها أنه شعب
مناهض متحمس طموح فيه روح الجهاد وكان سليماً بحكم نشأته وقرب عهده
بالفطرة والبساطة في الحياة.
لقد لعبت الطائفة اليهودية المعروفة بـ (يهود الدونمة) دوراً خطيراً في تأليب
الوضع السياسي داخل الدولة بحيث كانت صاحبة اليد الطولى في إنشاء حزب
الاتحاد والترقي المتشبع بالعصبية الطورانية المعادية للعروبة والإسلام حتى يومنا
هذا.
стр. 976
شجاعة ....
عبد الله العنزي
طلب مقابلتي على وجه السرعة على أن يكون اللقاء انفرادياً،
قلت: عسى أن يكون الأمر خيراً، قال أمر هام وسأخبرك عند لقائنا.
حضر قبل الموعد المضروب وبعد مجاملات الاستقبال قال بصراحة أريد
منك أن تخبرني بعيوبي فإني أثق فيك وفي تقويمك، تملكتني الدهشة لعلمي بمدى
الحواجز بيني وبينه ولعلمي بطبيعته الشخصية التي تأبى النقد وكشف عيوبها،
ولهذا كانت نبرة صوته المنقطعة توحي بمدى المعاناة في قهر كبرياء النفس، وبعد
أن أفقت من لحظة المفاجأة خطر في بالي أن أجامله وأقول له بأني لا أرى فيه عيباً
واحداً يستحق الذكر، ولكن الله عصمني من هذه الزلة - وهي كتمان النصح
للمسلم - فبدأت أذكر له عيوبه عيباً عيباً مستدلاً لكل عيب بموقف يبرهن على وجوده فيه، شكرني بحرارة ثم انصرف واعداً بتلافي تلك العيوب.
كم نحن بحاجة إلى مثل هذا الأخ الذي يطلب النصح ممن يراه قادراً عليه،
كم نحن بحاجة إلى قهر كبر النفس وعجرفتها في هذا الأمر،
كم نحن بحاجة إلى أن نكون مثل هذا الشخص.
إن مما يحز في النفس أن يمضي الإخوة في الله سنين دون أن يبدي واحدٌ
منهم لأخيه عيوبه مع كونه عالماً بها، إن هذا الموقف حتم علي الكتابة لكم حتى
يُقتدى بهذا الأخ والله من وراء القصد.
стр. 977
زوجة الداعية
عبد الله الشرايده
إن محاسبة النفس مراراً وتكراراً تساعد على الرقي بمستوى الداعية وبالتالي
دعوته، ومن محاسبة النفس أن يسأل الداعية نفسه:
ما هو دوري تجاه زوجتي؟
هل قمت بنصحها وإرشادها؟
قد يظن ظان أن دور الداعية ينتهي منذ أن يعثر على تلك الشابة الملتزمة
بدين الإسلام والتي ارتضاها شريكة حياته دون سائر الفتيات. ولكن هذا هو جزء
من الدور، والدور الحقيقي هو متابعة النصح والإرشاد بعد الزواج، بالأسلوب
المناسب وبالقدوة الصالحة.
ومتابعة النصح والإرشاد لا تعني المطالبة بأن تكون الزوجة كاملة ولكننا
بحاجة، في هذه الفترة بالذات (فترة بداية الدعوة) ، إلى أن تكون زوجة الداعية
قدوة بمعنى الكلمة وإلا فإن أول أثر سيئ لها سيكون على زوجها حيث ستعيقه عن
الاستمرار في حمل دعوته.
ثم إنّ الداعية الذي يخل بتربية زوجته، أو يتساهل في تعليمها المبادئ
الأساسية في حياة الدعاة إلى الله ستخذله هذه الزوجة في وسط الطريق وهو في
أمس الحاجة إليها، وسيضطر إلى أن يلتفت إليها ويعاود نصحها وإرشادها بعد أن
خسر الكثير. كما أن نقص المفاهيم الأساسية عندها قد يتسرب إلى زوجات الدعاة
الآخرين، وبذلك يكون الداعية قد أضر بدعوته من حيث لا يدري، كما أنه من
الواضح أنّ الداعية الذي يصلح نفسه وزوجته، سيشجع الآخرين ولا شك علي
إصلاح زوجاتهم، لذا فإن مسؤولية تربية الزوجة مسؤولية عظيمة.
إنّ بعض الدعاة يظن أن الرحمة والرأفة يتعارضان مع النصح والإرشاد وهذا
بلا شك فهم خاطئ، لأن الرأفة والرحمة هما من أساليب التربية وليستا مانعين لها
أو متعارضين معها. بل أنّ بعض الدعاة يظن أنّ تربية الزوجة على الأخلاق
الاجتماعية الفاضلة مثل صلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الناس والقيام
بحقهم وإيثارهم وتحمّل أذاهم و ... ، قد يعدّ ذلك تدخلاً في شؤون النساء الداخلية،
وهذا أيضاً فهم خاطئ لأن ذلك من تمام القوامة التي أمر الله بها والله أعلم، ولأن
الزوجة التي تخل بالأخلاق الفاضلة ستكون عائقاً في وجه اقتداء الناس بها وبزوجها.
إن المفاهيم التي يجب أن تعيها زوجة الداعية كثيرة، نذكر منها ما يلي
باختصار:
أولاً: اقتضاء العلم العمل. وهذا مطلب للجميع وإن تطبيقه في الواقع مما
يشجج الداعية وزوجته ويشيع روح التفاؤل في الأسرة.
ثانياً: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وهو حديث شريف إن
عمل به الداعية وزوجته عصمهما الله من كثير من الذنوب والمعاصي كالغيبة
والنميمة والحسد وما سوى ذلك.
ثالثاً: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وهذا أيضاً حديث
شريف يعين على مكارم الأخلاق كالإيثار ومحبة الخير للناس والفرح لفرحهم
والحزن لخزنهم ... إلى غير ذلك من الخصال الاجتماعية الطيبة.
стр. 978
بريد القراء
وردتنا رسالة من مدير مكتبة التراث الإسلامي في مصر يعترض فيها على ما
ورد في البيان عدد (٤٠) في نقد الأستاذ محمد عبد الله آل شاكر لصنيعهم ببعض
الكتب، فعرضنا الرسالة على الكاتب وتفضل بالرد التالي:
... اطلعت على ما في الرسالة التي جاءت إقراراً آخر على ما قلناه، فهو قد
دافع عن عمله في كتاب «السحر والكهانة» وقال: إنه مجمع من كذا ... والمأخذ
كان على عملية التجميع هذه. وإن كان قد كتب في مقدمة الكتاب ما يوضح من أين
أخذه، فإنه في كتب أخرى - لم يشر إطلاقاً إلى ذلك. ومثاله الكتاب الذي يلي هذا
مما أشرت إليه في المقال، وهو ما أصدره عن «أشراط الساعة» وقد أخذه من:
«لوامع الأنوار البهية» للسفاريني، دون أية إشارة، وينبغي التصريح بذلك على
الغلاف، ولا تكفي إشارة عابرة على استحياء داخل الكتاب. وقد أشرت في مقالي
إلى النوعين من العمل، ولكن الأخ الناشر لم يقرأ ما كتبته جيداً. أما مقدمة الدكتور
محمد جميل غازي ﵀ فهي رأي تشجيعي للأستاذ حجاج، ولا تعني بحال
تسويغاً لهذا العمل على هذا النطاق الواسع في تفتيت الكتب حتى يصبح الكتاب
الواحد كتباً عدة، دعك من إضافة فصول من كتاب لمؤلف إلى كتاب لمؤلف آخر -
مما ذكره الأستاذ حجاج نفسه - فأصبح الكاتب مهجّناً.. أليس هذا هو العبث بعينه، وقد أقر الأستاذ بنفسه؟ ! وعلى كل حال؛ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت.
стр. 979
غربة
شعر: عبد الله الخميس
يستوي الليل عنده والصباح ... ومن العيش بالممات يراح
يعتريه الأسى ويكسوه حزن ... ويُرى منه صبره والكفاح
ملء عينيه سؤله كيف صارت ... من هدي الله أمة تستباح؟
غارة لوعة وظلم كبير ... ولهيبٌ وخسَّة اجتياح
صرخة دمعة وذل عظيم ... ودماء وحسرة وجراح
داعي الخير ناله الظلم ممَّن ... قلبه للفساد والظلم ساح
صوتهم في الخفا وإن جُنَّ ليلٌ ... يملأ الكون في الظلام النِّباح
أيها الطامعون -لا- لن تنالوا ... مطمعاً فارجعوا إلى من أباحوا
ارجعوا أيها الطغاة وإلا ... سينال الرقاب منكم سلاح
سوف يبقى الدعاة كي يطردوكم ... مثلما يطرد الظلامَ الصباحُ
ويعود الربيع من بعد غيثٍ ... وتولي أدبارهنَّ الرياح
стр. 980
الورقة الأخيرة
كذب وكذب !
عبد القادر حامد
هل كان الغرب ينتظر هذه النتيجة: انهيار وانهزام الشيوعية كنظام؛
ومصير الاتحاد السوفييتي إلى بوابة المجهول؟ هذا ما هو مشكوك فيه ولم يكن
أكثر المحللين والمؤرخين دقةً يصل إلى توقع ما وصلت إليه الأمور هناك، ولعل
في هذه النهاية عبرة لمن يريد أن يبني نظاماً على فلسفة الكذب.
إن العقيدة الشيوعية اتخذت من الكذب أساساً تقيم عليه تصورات، ووسيلة
تثبت بها أركانها في حياة الناس ولا شك أن ما بني على باطل فهو باطل، وهو -
وإن غرّ كثيراً من الناس بمظهره وتزويقاته وألاعيبه - سيصل إلى نقطة يتعذر
عندها الاستمرار، وسيقف ثم يسقط. وهذا بالضبط ما حصل في دول أوروبا
الشرقية وفي الاتحاد السوفييتي. فآلة الدعاية استنفدت أغراضها، فماذا ينفع الشعب
القول له: إنه عظيم، وإنه جبار، وإنه دولة قوة عظمى، وإن جيشه يعد كذا وكذا
ومسلح بكيت وكيت من أسلحة الدمار النووية ومن الصواريخ العابرة للقارات وهو
شعب جائع، عارٍ، مقهور محروم من أشياء يراها عند غيره من الشعوب، قربتها
إليه وسائل الاتصال، يراها كالأحلام، وتصل حقائقها إليه عبر الحقائب السوداء،
والأسواق السوداء، فلا يستطيع عنها صبراً، وكيف يصبر؛ وقد استمرت
(الاشتراكية) تلح عليه ليتخلى عن عقيدة الصبر التي غرسها في وجدانه
«الإقطاعيون والبورجوازيون ورجال الدين!» ثم بعد ذلك تكتشف هذه الجماهير
المضللة أن الذين يتقلبون في ثمار البورجوازية والإقطاع هم «مبشرو الشيوعية»
أنفسهم: فهم تجار السوق السوداء، وتجار الحقائب: دبلوماسية وغيرها، وهم
اللذين يتشدقون بألفاظ واصطلاحات مثل: «الطهر الثوري» و «المناقببية»
بينما هم يعيشون أضدادها، ويتضمخون بنجاساتها.
قد يمكن لأنظمة صغيرة العيش في ظل سياسة الكذب، ولكن القوى الكبرى لا
تستطيع ذلك، وذلك لأن الأنظمة الصغيرة - عادة - ما تنبري قوى أكبر منها
تسندها، لأن في إسنادها ضمانة لمصالح هذه القوى أو بعضها، ولهذا فإن كيانها لا
على الكذب الخالص؛ بل على مصالح حقيقية، سواء كانت هذه المصالح مكشوفة،
أو مستترة. ولكن من ذا الذي يستطيع أن يسند نظرية كذبها العقل قبل أن توجد،
وكذبها الواقع بعد أن أوجدت؟ ! من ذا الذي ينفخ الحياة في جسم ميت؟ !
وكذلك فإن الكذب على بضعة ملايين أسهل منه على عشرات الملايين،
والكذب المنوّع أرجى للقبول من الكذب ذي اللون الواحد. فلو نظرنا إلى الأهداف
التي من أجلها يكذب ويتكاذب [١] الناس خلال سبعين سنة (وهي عمر الشيوعية
العقيم) في مجالين: العالم العربي، والبلاد التي شاعت فيها هذه العقيدة؛ لهالنا
تنوع الأهداف في المجال الأول؛ وتفردها وجمودها في المجال الثاني. فمثلاً في
المجال الأول نجد غنى وتنوعاً في هذه الأهداف: التحرر وطرد الاستعمار،
الدخول في العصر الحديث، رفع راية الإسلام، رفع راية القومية العربية، الوحدة
العربية، تحرير فلسطين، بناء المستقبل، تحرير الأرض، إزالة آثار العدوان،
الصمود والتصدي، التوازن الاستراتيجي، السلام القائم على العدل، السلام،
الوفاق، ... الخ ... أما في المجال الثاني: فهو هدف واحد يبدأ من البروليتاريا
وإليها يعود، ويدور حول البيان الشيوعي وأسطورة وحدة عمال العالم ووحدة
العمال والفلاحين.
ما أغنانا بالأهداف والأساليب!
وما أفقر الشيوعية والشيوعيين.
ولا عجب! فأرضنا مهد الحضارات، ونحن أساتذة العالم! أليس كذلك؟ !
стр. 981
ربيع الأول - ١٤١٢هـ
أكتوبر - ١٩٩١م
(السنة: ٦)
стр. 982
جمادى الأولى - ١٤١٢هـ
نوفمبر - ١٩٩١م
(السنة: ٦)
стр. 983
الافتتاحية
في اللهب ولا نحترق !
إن الأمم والشعوب كالأفراد، يقلد بعضها بعضاً، ويتأثر ويؤثر بعضها في
بعض، وهذا أمر طبيعي وسر من أسرار الصراع الذي تقوم عليه الحضارات.
وهذا التأثر والتأثير: بعضه ما تسعى إليه الجهة الغالبة، على غير رغبة من
المغلوبة، وبعضه ما تسعى إليه الجهة المغلوبة على غير رغبة من الغالبة..
ونحن - المسلمين - لا نشذ عن هذه القاعدة فقد أثَّرنا وتأثرنا، واقترضنا وأقرضنا، سواء عن رضا ووعي، أم عن كره وإذعان. غير أن كفة الاقتراض والاستدانة قد بدأت ترجح يوماً بعد يوم، حتى وصلنا إلى مرحلة الإفلاس والاعتماد على الاستدانة في جميع المجالات تقريباً.
ومنذ أن دَهَمنا الغرب دَهْمَتُه الثانية بحضارته الوثنية المسيحية، قبل حوالي
قرنين تقريباً، ونحن نتخبط كالعميان في ظلمة مطبقة، نحاول المخرج من هذا
المصير الذي صرنا إليه، وكلما ظننا - أو ظن بعضنا - أننا كدنا ننجو، جَبَهَنا
جدار جهم قاسٍ، فأصابنا دوار يشل الحركة زمناً، ثم ننهض نتلمّس المخارج من
جديد. ولا ننفك - ونحن في هذه الحالة البائسة - عن التلاوم وتبادل التهم التي
تؤدي كثيراً إلى أن يأخذ بعضنا برقاب بعض، وتشحن القلوب، وتنتفخ الأوداج،
فمن ملقٍ سبب ارتطام رأسه بالجدار على زيد الذي لم يحذره، وآخر على عبيد
الذي قاده إلى ذلك، وثالث على الجدار نفسه أنْ كان صلباً قاسياً، ولم يكن لينا
كالعجين يجد الناطح في نطحه متعة! وننسى أننا عميان، أو كالعميان، وغفلنا عن
السبب الأساسي لما نعانيه، وهو فقدان الحاسة التي بها نرى ونبصر.
نقف اليوم على عتبة مرحلة يبدو أنها جديدة و (منعطف تاريخي حاسم) بلغة
مفكرينا الذين يكتبون ويخطبون [١] . وكاتب هذه السطور ما زال - منذ نعومة
أظفاره - يسمع ويقرأ عن (المنعطفات التاريخية الحاسمة) في تاريخنا الحديث،
وبينما كانت هذه المصطلحات تعجبه بطنينها ورنينها وهو صغير؛ دون أن يفهم
مدلولاتها ومراميها، إذا به يكتشف بعد برهة - وقد زالت الأغشية عن بصيرته -
أن هذه الكلمات استنفدت أغراضها، وجفت عصارتها، وأن مكانها المناسب هو
(سلة المهجور من الكلام) الذي تتجوزه الفِطَرُ البشرية لأنه لم يعد يعبر عما في نفوسها، ولم يعد مرآة صقيلة ناصعة تنعكس عليها نفس متحدثيها واضحة محددة صحيحة.
وإذا استعملت هذه الكلمات، مع هذا الموقف منها؛ فلأنني متأثر بما حولي،
ومنفق من (عملة) زمني، وهدفي أن أصل بالقارئ إلى هذه المرحلة التي نحن
وأجيالنا الآتية مقبلون عليها.
لقد وصلنا إلى هنا، حيث فقد الناس الثقة بكل ما نصب من الأصنام خلال
تاريخ العرب الحديث. أخرجوا المستعمرين من الأبواب فجاؤوهم من النوافذ، آمن
بعضهم بالشيوعية والاشتراكية فماتت وبالت عليها الثعالب، وضعوا ثقتهم في ما
سمي بالثورات فاحرقت هذه الثورات الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل
واستأصلت الزرع، وجففت الضرع.
وقد تميزت هذه الفترة بأمرين متزامنين تقريباً، يحسن الوقوف عندهما
لاستشراف نتائجهما وهما:
١- سقوط الشيوعية وتمرد الشعوب التي كانت محكومة بها عليها، قبل
حرب الخليج وبعدها.
٢- حرب الخليج نفسها، وما تمخض عنها من نتائج مأساوية على العرب
بشكل خاص، وعلى الأمة الإسلامية بشكل عام.
وقد استبشرت شعوب كثيرة بسقوط الشيوعية، ورأت في ذلك مؤشراً
وإرهاصاً لما تتمناه من تغيير هي بحاجة ماسة إليه، ولم يقتصر هذا الاستبشار
على الشعوب التي اكتوت بنار هذا المبدأ الخبيث بشكل مباشر، بل إن شعوباً كثيرة
اهتزت فرحة لهذا السقوط - وإن لم تطبق عليها الشيوعية بحذافيرها - بل لأن
الأنظمة التي جُرّبت عليها كان فيها شبه ما بالأسلوب الذي طبق في روسيا وأوربا
الشرقية والصين وغيرها ... نعني به أسلوب الكبت والقهر والعسف وتكميم الأفواه
ومصادرة الحريات والاستهانة بالإنسان من حيث هو إنسان، وجعل السلطة والتنعم
بخيراتها حكراً - في دائرة مغلقة من المقربين والمحاسيب، دائرة لا يدخلها إلا من
رضي بالدون واستهان بالقيم، ورضي أن يقاد من أسوأ جانب يقاد منه الإنسان
وهو جانب الشهوات والجري وراء حظوظ النفس الرخيصة.
لكن على الرغم من هذه التغييرات العميقة هنا وهناك؛ فقد ظلت شعوب
ترسف في واقعها المر الذي فرض عليها فرضاً، وينتقل بها من سيء إلى أسوأ،
وإن العاقل الذي يحاول استخلاص جامع يجمع هذه الشعوب يكتشف بأدنى نظرة أن
صفة مشتركة تجمعها وهي الإسلام الذي ما زال عبر القرون - ولن يزال - العدو
الأول للغرب (الوثني المسيحي) . إن كثيراً من أبناء جلدتنا المخدوعين يظنون أن
الحضارة الغربية اليوم لا صلة لها بوثنية ولا بمسيحية، بل هي قائمة على مصالح، وأن المجال مفتوح للعرب للتأثير في هذه المصالح. وهذا ظن مضلل لأنه في
حقيقته دعوة للعرب وللمسلمين أن يتخلوا عن عقيدتهم وتاريخهم، وأن يبنوا
خططهم على المصالح الآنية كالغرب. وسبب الضلال والتضليل كامن في هذه
الدعوى، وهو الاعتقاد بأن الغرب الذي يعبد المادة قد تخلى عن عقائده وتجاهل
عن تاريخه. إن التاريخ الذي يصوغ عقلية الغربيين والذائبين في حضارتهم هو
مزيج من الوثنية ومن المسيحية المحرفة والخاضعة للمفاهيم الوثنية، فهو تاريخ
وثني في منطلقاته وأهدافه مموه ببعض التمويه المسيحي، واليوم - ونحن نرى هذا
الرجل الغربي وقد تمرد على الأديان كلها - ومنها النصرانية نفسها- فلأن المسيحية
التي عهدها لم تعد قادرة على تمويه هيكل الحضارة الوثنية الذي كبر وتشعب
وأصبح له كثير من الرؤوس المخيفة التي يعجز طلاء المسيحية الهش عن سترها
وتجميلها وتغطية القبح البادي منها.
ولكن مع كل هذا فلا زال هذا الغرب على الرغم مما صار إليه، يزعم ويظن
أنه على شيء من المسيحية التي دان بها أجداده، وعملوا باسمها أعمالاً يرى هو
أنها أعمال عظيمة، ويتصور أنه حامل هذه المفاهيم وأن هناك دوراً ينتظره، ومن
يستعرض خطب (بوش) وأحاديثه أثناء وبعد أزمة الخليج يكتشف بسهولة أنه
الناطق الرسمي المعاصر للتاريخ الغربي الوثني المسيحي، وأن لا شيء جديد في
النظام العالمي الجديد الذي يبشر به هو وفريقه، بل هو (خمر عتيق في دنان
جديدة) .
ونريد أن نخلص من هذا الاستطراد الذي لا جديد فيه إلى التساؤل:
* ألا يحق لنا نحن - المسلمين - أن تكون لنا مطامح كسائر البشر وأهداف
عليا نعمل من أجلها ونتنافس مع غيرنا من البشر لتحقيقها؟
* هل عقيدتنا الإسلامية بمثل هذا السواد؛ وتاريخنا الإسلامي بمثل هذا العار
حتى نتهرب من تبعاتهما ونتخلى عنهما - كما نفعل الآن - ونلهث وراء السراب
فنضع ثقتنا كلها في الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة؟
* هل صحيح أن منطقتنا قد وقعت وقوعاً لا رجعة فيه تحت الهيمنة المطلقة
لواضعي (النظام العالمي الجديد!) وأن ذلك أصبح قدراً مقدوراً وكتاباً مسطوراً؟
هذه الأسئلة وغيرها نابعة من الواقع الذي نعيشه، كل الأمم تحاول أن تجدد
في حياتها باستقلالية ودون وصاية إلا نحن، لا يسمح لنا أن ننظر إلى المستقبل
بأعيننا بل بأعين غيرنا، ولا يؤذن لنا أن نقرأ تاريخنا بعقولنا بل بعقول من
صنعهم التبشير وعبيد الغرب، ولا يراد لنا أن نعيش بشراً كالبشر بل بشراً
منزوعةً عنهم مميزات البشر،
أبناء المسلمين (لحم على وضم) [٢] ودم مستباح مطلول لا يستقاد له،
وأموالهم نُهبى لكل طامع، وغيرهم يمشي مرفوع الرأس على أرضهم، مضمون
الحقوق، سالماً من المحاسبة على كثرة المخالفة، بينما هم المتهمون في أرضهم
حتى تثبت براءتهم، وحالهم اليوم ليست بعيدة من الحال التي وصف فيه الشيخ
محمد عبده أهل مصر في عهد حكم محمد علي وأسرته حيث قال:
(أخذ (أي محمد علي) يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى، كأنه كان ...
يحن لشَبَهٍ فيه ورثه عن أصله الكريم، حتى انحط الكرام وساد اللئام، ولم يبق في
البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة، وعلى أية
وجهة.. فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي
لتصير البلاد المصرية جميعها إقطاعاً واحداً له ولأولاده على أثر إقطاعات كثيرة
كانت لأمراء عدة.
ماذا صنع بعد ذلك؟ .. اشرأبت نفسه لأن يكون ملكاً غير تابع للسلطان
العثماني.. فجعل من العدة لذلك أن يستعين بالأجانب من الأوروبيين فأوسع لهم في
المجاملة وزاد لهم في الامتياز خارجاً عن حدود المعاهدات المنعقدة بينهم وبين
الدولة العثمانية، حتى صار كل صعلوك منهم - لم يكن يملك قوت يومه -ملكاً من
الملوك في بلادنا، يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل. وصغرت نفوس الأهالي
بين أيدي الأجانب بقوة الحكم، وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حرم منها،
وانقلب الوطني غريباً في داره، غير مطمئن في قراره، فاجتمع على سكان البلاد
المصرية ذلان:
١- ذل ضربته الحكومة الاستبدادية المطلقة.
٢- وذل سامهم الأجنبي إياه ليصل إلى ما يريده منهم غير واقف عند حد أو
مردود إلى شريعة) [٣]
عجباً لهذه الأمة - الأمة الإسلامية! لقد مَرَنَتْ على الظلم حتى كدنا نقول:
إنها تستحلي طعمه، وتجد في ممارسته عليها لذة وأي لذة! وقد شاء الله لها هذا
الموقع لتستفيد العبر ممن يعبرها مُشرَقَّاً ومُغَرَّباً، وتقطف ثمار التجارب دون كبير
عناء، ولكننا نكاد نقول: تحجرت وفقدت الحس، الأمم تمشي وهي واقفة،
والأحداث تتوالى وهي تقابلها بهز الكتفين. وفي هذا الليل المدلهم، يبزغ نور حق
هنا ويرتفع صوت مخلص هناك، سرعان ما يكبته الكابتون ليعود بعد ذلك صوت
ونور آخر من حيث لا يحتسبون صارخاً في الأمة أن أفيقي فقد طال السبات ويكون
مصداقاً واقعياً لقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على ...
الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) [٤] .
إن المسلمين ليتطلعون - في هذه الفترة العصيبة - إلى تغيير يمسُّ الأسس
التي تقوم عليها حياتهم المعاصرة، ولن تجديهم بعض التعديلات السطحية التي
تجري للدعاية والخداع، ولا يحل عُقَدَهم؛ ولا يطلق طاقاتهم إلا تجديد قائم على
العقيدة الإسلامية، وليس تقليداً لأفكار الغرب وصنائع الغرب وعبيد الغرب
المفروضين عليهم بشتى الوسائل غير الأخلاقية الظاهرة والمستترة. لقد آن الأوان
للمسلمين - في كل بلد - أن ينظروا إلى أنفسهم ويوحدوا جهودهم ويكثفوها
للخروج مما هو مضروب عليهم، وأن تكون لهم أهداف كبيرة، وأن لا تشغلهم
الصغائر والمثبطات التي ينفذ منها الشياطين ويستغلونها لضربهم وتفريق جمعهم.
... (حتَّامَ نحن نساري النجمَ في الُّظلمِ) [٥] ؟ !
стр. 984
مقابلة
حول الفقه والتفقه
حوار مع الشيخ علي بن سعيد الغامدي
زار المنتدى الإسلامي هذا الصيف الشيخ الدكتور علي بن سعيد بن علي
الغامدي فكانت فرصة للحوار حول الفقه والتفقه.
* البيان: نرحب بكم في المنتدى وشكراً لزيارتكم، وفي البداية نود إعطاء
القارئ لمحة عن حياتكم العلمية:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
درست المرحلة الجامعية في كلية الشريعة بالرياض، أما الدراسات العليا الماجستير
والدكتوراه ففي كلية الشريعة بالأزهر، والعمل الآن في جامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية، بين كلية أصول الدين وكلية الشريعة ثم المعهد العالي للدعوة في
المدينة المنورة، وإلى جانب ذلك فإني أدرس في المسجد النبوي الشريف.
* البيان: ما هي المادة التي تدرسها في المسجد النبوي؟
مادة الفقه، أدّرس كتاب (منار السبيل) وقد أنهينا منه جزءاً طيباً ولله الحمد..
* البيان: ما دمنا بدأنا الحديث عن دروس الفقه، فما رأيكم بطلاب العلم
الذين يحضرون دروسكم في المسجد؟
لا شك أن الناس في حاجة ماسة إلى الفقه لأن الفقه يمس حياتهم، فهم
محتاجون إليه في كل شيء، والناس في وقتنا الحاضر والحمد لله يقبلون على
الخير وعلى العلم، ولكن هم أنواع وأقسام، فمنهم من يود التفقه بأسرع وقت ممكن، وهذا صعب المنال، ومنهم الملتزم الذي يستطيع الإقبال بجد وعلى النفس الطويل، ويتواضع لله ثم لأهل العلم، ويلازم حلقة التدريس ويسأل عنها، عدد هؤلاء قليل
ولكنه مبارك إن شاء الله، ويتميز هؤلاء بالحضور المبكر وحسن التواضع
والاستماع والمناقشة سواء في أثناء الدرس أو بعد الانتهاء. وهناك آخرون من
عامة الناس يحضرون في المناسبات وتشدهم بعض الدروس فيستمعون ويستفيدون.
* البيان: بالنسبة لهؤلاء الطلبة الذين يداومون هل ترون أنهم إذا أنهوا كتاباً
معيناً فإنهم يصبحون أهلاً لتمكن المعرفة والتعليم؟
ليس كل الطلاب، فالقليل الذي يدرك المسائل التي درسها واستفاد منها،
وهذا نادر لأن مراجعاته مثلاً تكون جيدة ومستمر مع الكتاب وهؤلاء ظروفهم صعبة
لانشغالهم بالدروس الأخرى.
* البيان: بدأنا الحديث عن حلقات العلم ودروس المساجد، هل ترون تعميم
هذا الأمر، أعني الرجوع إلى حلقات الدرس المعروفة في تاريخ المسلمين، لعلها
تعطي فائدة أكثر من المدارس العادية؟
بدون شك إن الرجوع للحلقات العلمية في المساجد هو طريق صحيح، لأن
الدراسة بالمسجد يحيط بها جو روحاني، والشيء الثاني أنه لا يأتي إلى الحلقة إلا
طالب علم محب للعلم، أما الدراسة النظامية في الوقت الحاضر فقد أصبحت
مفروضة على الناس، ومَنْ لا يتجاوز هذه المراحل فإنه لا يستطيع شق طريقه في
الحياة، ويمكن الجمع بين الأمرين وهو إخلاص النية في الدراسة في الكليات ثم
يضم إليها حلق العلم في المساجد.
* البيان: ما هي الخطة التي اختطها لنفسك في درسك بالمسجد النبوي،
فلعله يستفيد منها من يود إعادة هذه الحلقات إلى المساجد؟
الخطة كانت حسب الوقت المتاح. قراءة كتاب (منار السبيل) ، يقرأ الطالب
جملة صغيرة وشرحها بما يسر الله من ذكر الحكم والأدلة، وأحياناً نشير إلى
الخلاف. وعندما ينتهي الطالب من القراءة أبدأ في عرض المسألة وأبين الحكم
الذي عرض وإذا كان هناك تعريف أشرحه، وإذا كان هناك تأصيل بذكر الأدلة من
الكتاب والسنة والإجماع أذكره.
وكذلك أذكر أحياناً حكمة الشارع في مسألة من المسائل من غير تكلف،
وأتعرض لما يثار حول هذه النقطة أحياناً من خلاف له ثمرة وخلاف له دليل، أما
الخلاف البسيط أو الذي دليله ضعيف فأتركه لأن إثارة الخلاف في هذه المسائل
ليس فيه مصلحة. ومع معرفة الحكم والدليل فإنه إذا عرض خلاف قوي ودليله
أقوى مما ندرس وهو على مذهب الإمام نختار الأقوى وما هو أقرب إلى الدليل بعد
بحث مستفيض قبل المجيء إلى الدرس، ثم هناك جانب آخر وهو التوجيه والدعوة
من خلال النصوص التي تعرض المسألة، فإن جو المسجد النبوي أو أي مسجد هو
جو تربوي.
* البيان: إذا كان هناك مسألة في مذهب الإمام أحمد وهناك ما هو أرجح
منها في المذاهب الأخرى أو عند العلماء المعتبرين هل تبينون للحضور أنها مسألة
مرجوحة؟
لا شك في هذا لأن طبيعة دراستي كانت في الفقه المقارن، ولقد اطلعت بحمد
الله على الأقل على أصول كل مذهب من المذاهب، وكما هو معلوم فإن هذه
المذاهب أخذت من الكتاب والسنة، وكان لكل إمام أصوله التي أصل عليها وله
رأيه المعتبر، فأحياناً نميل إلى قول غير قول المذهب الحنبلي، وإذا كان هناك
مسألة من المسائل في فقه الخلاف نعرض لما اختاره الأئمة المحققون الذين جمعوا
الأقوال وجمعوا الأدلة واختاروا، فنحن نستأنس بذلك أيضاً، ثم ننظر في حال
المستفتي وحال الواقعة وحال الزمن الذي يعيش فيه، فلا شك أن هذه الأشياء
مرجحات لمأخذ القول، والمهم أن يكون هذا القول مبنياً على الدليل الصحيح.
* بعض الناس يرون أن هذه الكتب (كتب المذاهب) تعود الطالب على
التعصب ويجب الرجوع إلى كتب فقه الحديث مباشرة مثل: نيل الأوطار، أو سبل
السلام ... فما رأيكم؟
هذا في نظري غير صحيح، والسبب هو أن هؤلاء العلماء ما وصلوا إلى
هذه الشروح إلا بعد أن درسوا كتب المذاهب ومروا بحلقات العلم، ولهذا نجد أنهم
في كتبهم وشروحهم يذكرون الأقوال ويناقشون الأدلة، وهذا دليل على أنهم مروا
بهذه المرحلة، وهذا في نظري هو الأفضل، فلا بد أن يصعد الطالب درجة درجة، طبعاً مع تزوده من الكتاب والسنة وشروحها، كأن يأخذ الطالب مختصراً من
المختصرات ثم يقرؤه على شيخ ويطالب بالدليل، والمطالبة بالدليل ظاهرة
صحيحة، ولا يبأ بالمقارنات وهو ما زال في أول الطلب، فإنه ليس أهلاً لهذه
المقارنات، وفي هذه الحالة يستطيع أن يؤسس نفسه على الأقل.
* البيان: ولكن كيف نستطيع التخلص من موضوع التعصب المذهبي وفي
الوقت نفسه نستفيد من الفقه الإسلامي الذي هو ثروة عظيمة للأمة الإسلامية؟
لا شك أن هذا الكلام كلام صحيح، ولعلّ الشوكاني ﵀ ممن دعا
إلى هذا في كتابه (طلب العلم) وغيره، لكن يجب أن ندرس الظروف التي ظهرت
فيها مثل هذه الفتاوي، ولقد وقع التعصب المذهبي فعلاً إلى درجة أنه يتوقف عن
أخذ الدليل الذي يعتبر مخالفاً لقول إمامه ولا يتراجع عن رأيه الخطأ، ويقول: لقد
فرغ الإمام من دراسة الأحكام واستنباطها، فلم يبق لنا في الكتاب والسنة إلا القراءة
للبركة! وهذا عين التعصب. ولكن كما ذكرت، الاستفادة من الفقه الإسلامي
الموجود أمر ضروري جداً كمرحلة أولى، والأصل مع الدليل، ولكن يؤسس نفسه
أولاً، وكل العلماء السابقين كانوا يقولون: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ويقولون: خذوا مما أخذنا منه، لكن بشرط أن نصل إلى المرتبة التي تؤهلنا لذلك، والكتاب
والسنة والحمد لله ميسران، ولكن النصوص فيها عام وخاص، ومطلق ومقيد،
وفيها أيضاً محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، فليس لنا الحق في أن نأخذ مثلاً
بالمنسوخ ونجلس وننتظر فترة من الزمن حتى نعرف الناسخ مع أننا نستطيع أن
نصل إليه في وقت يسير بالعلم والتعلم.
* البيان: سمعنا أن لكم جهوداً في دراسة كتاب (المغني) لابن قدامة، هل
لكم أن تحدثونا عنها؟
الجهود هي دراستة اختيارات ابن قدامة ﵀، وهي موضوع رسالة
الدكتوراه، كانت حول فقه الخلاف، وهذه المسألة أرجو أن أكون قد استفدت منها
أولاً لنفسي وأنني أخرجت شيئاً من الفقه المحرر المجموع، وذلك بأنني أستعرض
المسألة، وليس كل مسائل الخلاف، ولكن أهم مسائل الخلاف، مثلاً آخذ رأس
المسألة ثم أذكر أقوال أهل العلم من كتبهم الخاصة المعتمدة عندهم وأشير في
الهامش إلى المراجع، وأحاول أن أحرر المذهب نفسه لأنه أحياناً يكون في المذهب
نفسه أقوال وروايات، وإذا قلت: قال الشافعي أو مذهب الشافعي فإنني أرجع إلى
أصوله كالأم مثلاً، ثم بعد ذلك أستعرض الأدلة من كتب المذاهب الموجودة وأجمع
أدلة هذا القول. ثم بعد ذلك أستعرض القول الثاني وأذكر أدلته، ثم أذكر اختيار
ابن قدامة وما مال إليه من الأقوال، وقد يكون لي أحياناً موقف معين، لأنني لا
أكتفي بهذا بل أدرس رأي المحققين: كالخطابي، وابن عبد البر، وابن تيمية،
وابن دقيق العيد، وكذلك مثل ابن القيم، وابن حجر، ﵏ جميعاً، هؤلاء
جمعوا الأقوال وأدلتها وناقشوها، فقد يكون لي أحياناً موقف يتناسب مع ظروف
الوقت الحاضر، كما في إحياء الموات بالنسبة للكافر، والشفعة وما أشبه ذلك،
فيكون لي رأي يخالف الشيخ أميل فيه لبعض آراء الآخرين لمصلحة تتحقق.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (يتبع)
стр. 985
بيان من بعض علماء الأزهر
عن حرمة معاملات البنوك
د. محمد المختار المهدي
هذا بيان أصدره بعض علماء الأزهر ممن يدّرسون في جامعة أم القرى في
مكة المكرمة رداً على مفتي مصر في موقفه من بعض المعاملات الربوية.
- البيان -
الحمد لله الحكيم في شرعه، الحفيظ على دنياه، والصلاة والسلام على سيدنا
محمد المبلغ عن ربه، المبين لحكمه، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه.
أما بعد:
فإن هناك حقيقة غائبة عن المجتمعات الإسلامية الآن، ولها خطورتها- في
تعمية السبل أمام نهضتها من كبوتها، وكنا نظنها واضحة لدى النخبة المثقفة فيها،
وخاصة من أبناء الأزهر، حتى فوجئنا وفوجئ الفكر الإسلامي الحديث كله بما
صدر عن الشيخ محمد الطنطاوي مفتي مصر بشأن شهادات الاستثمار مرة، وفوائد
البنوك ومعاملاتها مرة أخرى، ثم اختلاط الفتيات بالشبان في الجامعات
والمعسكرات أخيراً.. هذه الحقيقة الغائبة تتلخص في أن الإسلام لا يمكن تطويعه
لأوضاع نبتت في غير أرضه؛ إذ هو القيم المهين على ما سواه من أديان وأنظمة
وقوانين.
إنه قد جاء ليغير ما عليه المجتمعات من أنظمة وضعية فاسدة اعتماداً على
بديهة إيمانية هي أن الله يعلم المصلح من المفسد، وأن كل ما يخالف تشريعه فهو
هوى يفسد السموات والأرض، قال تعالى:
[ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم
بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ] .
وأن الإيمان منفي عمن لا يكون هواه تبعاً لما جاء به الشرع الحنيف.
وقد نتج عن غياب هذه الحقيقة ظاهرة غريبة تحاول أن تفرض الواقع
المستجلب من بيئة لا تؤمن بضوابط الوحي الخاتم على ما جاء به الإسلام من
تشريعات، هادفة لإخضاع الإسلام للواقع مهما كان هذا الواقع، مستخدمة أسلوب
الادعاء بأن باب الاجتهاد مفتوح لمن هب ودب.
وقد تعلمنا من وقائع التاريخ الحديث - منذ قدر للاستعمار أن يتحكم في بلاد
المسلمين، وينحي عنهم تشريعهم - أن أعداء الدعوة الإسلامية يحاولون بشتى
الطرق - وبإصرار غريب متواصل - أن يغيبوا عن المجتمع الإسلامي نموذج
الحياة الفاضل العادل الذي تكفل سابقاً بتقدمه ومجده، وأن يعملوا على إبراز نموذج
الحياة الغربية على أنه المثل الذي لا بد من السير خلفه مهما كان فيه من عورات،
ولذا نراهم يثيرون بين الحين والآخر قضايا انتهى الفكر الإسلامي المستنير من
قتلها بحثاً، ولكنهم يستغلون في ذلك بعض المثقفين على غير وعي منهم، وإننا
لنشهد لهم بالمهارة في اختيار الضحايا. وهذه القضايا هي التي بثها الاستعمار
الفكري في أوائل هذا القرن، إننا مازلنا على ذكر من إثارة الشكوك حول صلاحية
التطبيق الإسلامي في العصر الحاضر، وما كتب فيها من المخدوعين المغرر بهم.
وما أثير في الستينات من تطويع بعض تشريعات الإسلام للفكر الاشتراكي، حتى
ظهر من يقول: إن الإسلام هو الاشتراكية، وما أثير من التشكيك في موضوع
انطباق وصف الربا على فوائد البنوك وصناديق توفير البريد حتى يقال حينئذ: إن
الإسلام هو الرأسمالية! والإسلام إسلام قبل ظهور هذه المذاهب الوضعية الفاسدة.
والآن تطرح معظم هذه القضايا بنفس الحجج التي أثيرت بها من قبل ولكن بأسلوب
آخر ... والذي يهمنا منها الآن ما خرج علينا به الشيخ المفتي بما لم يكن في
الحسبان، وبما كنا ننأى به عن الوقوع في هذه الخطيئة.. إن الجديد في كلام
الشيخ أن خياله قد سرح وجنح وتصور - أو صور له - إن البنوك قبل أن تنشأ في
المجتمع الإسلامي جمع ولي الأمر علماء الأمة وخبراءها واستشارهم في أنظمتها
ولما وجد أن ضمائر الناس قد فسدت قرر إلغاء شرط المضاربة، وفرض على
البنوك أن تحدد الفائدة مقدماً لأن ذلك هو الذي يصلح للمجتمع! !
ونسأل الشيخ: هل نظام البنوك في مصر يختلف عن بقية بنوك العالم؟ !
وهل جرى لكل بنوك العالم مثل هذه المراجعة والتقويم من ولاة الأمر وهم كفار؟ !
ثم متى كان هذا اللقاء بين ولي الأمر وعلماء الإسلام حين استشارهم في ذلك كما
تدعي؟ ومن كان ولي الأمر حين أنشئ بنك باركليز مثلاً في مصر؟ ! وهل كان
المجتمع الإسلامي وقت إنشاء البنوك فيه يملك قراره؟ ! ألم يكن مذلاً مقهوراً
منبهراً بالحضارة الغربية، والقوة الغازية الغالبة؟
ومع ذلك ففي كلام المفتي مغالطات لا تخفى على ذي بصيرة، فبالرغم من
أن الشيخ يعيب على من يتوقع الخسارة في عملية المضاربة بأنه متشائم نجده هنا
يفترض في المجتمع فساد الضمائر ويحسب نفسه بذلك متفائلاً! ثم إنه يحكم
المصلحة في النصوص بما يؤدي إلى تعطيل جميع النصوص من وجهة نظر
المصالح المعتمدة على الأهواء إن في الخمر مثلاً مصلحة ومنفعة، بل فيها منافع
للناس كما صرح بذلك القرآن الكريم: فيها مصلحة للصانع وللبائع، بل وللمتعاطي
من وجهة نظره، فهل نلغي نص تحريم الخمر من أجل هذه المنافع؟ ! ! ! وهكذا
في الزنا وفي غيره مما فصل الشرع فيه بحكم يتعارض مع بعض الأهواء
والمصالح! !
ولقد توقعنا أن تنشر جريدة الأهرام التي أعلن فيها المفتي في عدد ٢٩/٥/
١٩٩١ حل المعاملات البنكية ما جاءها من ردود الغيورين على الدين من العلماء
الأثبات؛ إذ هي التي أعلنت فتح المجال للمناقشة، ولكنها سكتت وأغلقت الباب
الذي فتحته على مصراعيه للمفتي فقط ولم تسمح أجهزة الأعلام الرسمية الأخرى
بنشر ما يخالف وجهة نظر المفتي لأنها ملتزمة برأيه فقط، ولو كان الرأي المخالف
صادراً من الإمام الأكبر ومن مجمع البحوث الإسلامية ومن جامعة الأزهر لدرجة
أن نائب رئيس تحرير الأهرام الأستاذ رجب البنا يعلن بعد كلام المفتي تأييده لرأيه
ملقياً تهمة العمل لحساب البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال الإسلامية على
كل من يعارض المفتي! ! وهذا لون من ألوان الإرهاب الفكري الذي تمارسه
أجهزة الإعلام ضد علماء الإسلام ودعاته.
على كلٌ فالذي يهمنا هو المسلم الذي يريد أن يرضي ربه، ويريح ضميره،
ويعرف الشرع على حقيقته، كما يهمنا أن نبلغ عن الله، ونحذر من التمادي في
معاصيه، ومن التعرض لحربه المعلنة حتى ننجو من مساءلة الله وعذابه, فالساكت
عن الحق شيطان أخرس والنصيحة واجبة على كل مسلم لله ولرسوله ولأئمة
المسلمين وعامتهم. من هنا نقدم هذا البيان للأمة من أقدس بقعة من الأرض من
جوار بيت الله العتيق، ومن علماء الأزهر الذين استنفرهم الله ليتفقهوا
في دينه ولينذروا قومهم لعلهم يحذرون.
إن شريعة الإسلام محكمة خالدة، لا يعتريها تحريف ولا تبديل؛ إذ أحاطها
الله بحفظه وقدرته، ورد عنها كيد المحرفين الذين يريدون أن يخضعوها لأهوائهم،
وسخر لها من العلماء في كل جيل من ينفي عنها مغالاة الغالين وانحراف المضلين،
وكم من شبهة أثارها أعداء الله على مر الأجيال فوجدت من حراس الشريعة سهاماً
نافذة قضت عليها، وكم من رأي شاذ خارج عن إجماع الأمة قد فنده الراسخون في
العلم، وكم من تهمة ألقيت على تشريعات الإسلام فردها الله في نحور الكائدين.
ومن البديهيات التي لا تقبل المناقشة أن فكرة البنوك مبنية أساساً على
المعاملات الربوية وأن وظيفة البنك -كما يحددها أهل الاختصاص الأمناء - ما هي
إلا التعامل في الديون أو القروض أو الائتمان، ويشمل هذا التعامل شقين: الأول:
الاتجار في الديون والقروض والائتمان. والثاني: خلق الديون والقروض ...
والائتمان.
والدين والائتمان هما وجها القرض، فمن وجهة نظر المدين يسمى ديناً،
ومن وجهة نظر الدائن يسمى ائتماناً، ولذا يمكننا القول أن البنوك تتاجر في النقود، ولا تتاجر في النقود، وأنها امتداد السلوك اليهودي الذي كان مشهوراً لدى العرب
وغيرهم، حيث كان يضع اليهودي نقوده على المنضدة ليقرض المحتاج بفائدة
تزداد بمضي المدة التي تبقى فيها النقود عند من يقترضها، وقد بقي اسم البنك دالاً
على هذه الصورة المقيتة، ومن البدهيات كذلك أن البنوك التجارية وهي أكثر
البنوك العاملة في مصر وغيرها ما هي إلا واسطة بين المودع والمقترض: فهي
تأخذ الوديعة من صاحبها وتحدد له نسبة مئوية سنوية معلومة من قيمة هذه الوديعة، ثم تعطي هذه الوديعة لمن يريد استثمارها أو لمن هو محتاج إليها في ضروراته
بنسبة مئوية سنوية أعلى والفرق بين النسبتين هو الذي يعيش عليه العاملون في
البنوك، وإذا شارك البنك في تأسيس شركة أو مصنع فإنه يشتري أسهماً محددة
بنسبة ضئيلة يحددها القانون ويفرض على البنك أن يكون الجزء الأكبر من أمواله
قابلاً للسيولة السريعة.
وعلى هذا يكون من الظلم والتعسف والافتراء افتراض أو تخيل أن البنك
يعمل بنظام المضاربة الشرعي، فنظام البنوك في العالم متحد، والمضاربة
الشرعية كما وضحتها كل أجيال الأمة المسلمة من العلماء والأئمة الأربعة، وكما
اعترف بها فضيلة المفتي في مقالاته الأربع، وكما يعبر عنها ابن رشد في كتابه
بداية المجتهد [١] : (أجمعوا على صفتها أن يعطي الرجل الرجل المال على أن
يتجر فيه على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال أيّ جزء كان مما يتفقان عليه: ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً) وهذا الصورة المجمع عليها تشير إلى شرطين أساسيين في هذا العقد:
أولهما: أن الذي يأخذ المال يأخذه للاستثمار في التجارة أو الصناعة أو أي
عمل مشروع.
ثانيهما: أن الجزء المعلوم المتفق عليه من الربح لا من رأس المال، وأن
هذا الجزء شائع كالثلث والربع.
وهذان الشرطان لم يخترعهما الفقهاء برأيهم أو اجتهادهم كما يدعي الشيخ
المفتي، بل إن المعتمد الأساسي لهما هو النص، وهو نص عملي لا يحتاج إلى
تأويل، والنص ممن أرسله الله ليبين للناس ما نزل إليهم. وليس
صحيحاً ما قرره فضيلة المفتي بأن هذا الشرط - وهو شيوع نصيب كل من
المتعاقدين في الربح - ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، وكان أولى
بالشيخ وهو أستاذ سابق للكتاب والسنة في أعرق جامعة إسلامية أن يتريث ويحتاط
ويبحث ولا يظهر عدم معرفته بالسنة، إذ هل يستطيع أحد أن ينكر أن رسول
الله ﷺ قد تعاقد مع أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من تمر وزرع؟ .
بل هل ينكر أحد ما رواه البخاري ومسلم بأكثر من رواية من النهي النبوي
عن استئجار الأرض بتحديد ناحية معينة منها يكون نتاجها لصاحب الأرض؟
لقد أخرجا في صحيحيهما عن رافع بن خديج قال: (كنا أكثر الأنصار حقلاً، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه
فنهانا عن ذلك) [٢] وروى مثل ذلك أيضاً أبو داود والنسائي والإمام أحمد بألفاظ
متقاربة.. وخضع الأئمة الأربعة والظاهرية لهذه النصوص النبوية المحكمة التي
بينت الحكم والحكمة معاً حيث نهى الرسول ﷺ عن ذلك لما
يترتب عليه من الظلم وعدم العدل بين الشريكين، وأكدوا هذا الشرط في المزارعة
والمساقاة والمضاربة وسائر الشركات، واعتبروه شرطاً شرعياً لا تجوز مخالفته،
وليس شرطاً جعلياً للمتعاقدين حرية فيه، وأجمعوا عليه، وما كان لهم أن يفعلوا
سوى ذلك وهم القائلون: لا اجتهاد مع النص.
يقول الدكتور الشيخ عبد الرحمن تاج ﵀ رداً على مثل هذه
الفتوى وكأنه يرد الآن على المفتي الحالي: [٣]
(وإذا كان اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة قد
حظرته الشريعة، ونهى عنه الرسول ﷺ لما فيه من الظلم
والغبن بأحد الشريكين المتعاقدين على الاشتراك في الربح والخسارة، فلماذا يرد في
وجه الأئمة الفقهاء قولهم بلزوم خلو العقد من ذلك الاشتراط الجائر الظالم، وهم لم
يقولوه إلا تطبيقاً للسنة الصحيحة مدعماً بما تدل عليه نصوصها الصريحة؟ !
وكيف يسوغ لمطلع على نصوص الشريعة ومواردها أن يقول في اشتراط
ربح محدد لرب المال في المضاربة أنه جائز وغير مخالف للكتاب والسنة وإن كان
فيه مخالفة لأقوال الفقهاء؟ (يلاحظ أن هذا هو ما قاله المفتي حرفياً) أو لا يكفي
النص على حظر ذلك الاشتراط ومنعه في المزارعة ونعلم أنه محظور وممنوع في
المضاربة والمساقاة وغيرهما من فروع الشركات؟ وهل من حسن الظن بالشريعة
العادلة أن يقال: إنها تمنع من الظلم والجور في شركة المزارعة وتبيح ذلك في
شركة القراض؟ !)
وقد ساق الشيخ عبد الرحمن تاج ﵀ مع هذه النصوص القاطعة
إجماع علماء الأمة الذين لا يجتمعون على باطل فيما قاله ابن المنذر: (أجمع كل
من نحفظ من أهل العلم على إبطال القراض (المضاربة) إذا اشترط أحدهما
أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة) [٤] .
وعلل هذا الإجماع الإمام ابن رشد بأنه إذا اشترطت دراهم معلومة فمن
المحتمل ألا يربح غيرها فيستضر العامل، ومن المحتمل كذلك ألا يربح مطلقاً
فيأخذ من رأس المال ومن المحتمل كذلك أن يربح كثيراً فيستضر من شرطت له
الدراهم. ثم إن حصة العامل لما تعذر كونها معلومة المقدار كان لا بد أن تكون
معلومة الأجزاء، فإذا جهلت الأجزاء، فسدت.
وإذا كان المفتي يعترض على البنوك الإسلامية الحالية في أنها لا تحدد للمودع
نصيبه من الربح بنسبة النصف أو الربع ... فإننا نقول إن هذه البنوك ليست حجة
على الشرع وإذا كانت تفعل ذلك فنحن أيضاً معه، فلسنا بحمد الله ممن يحابي في
دين الله أحداً، وليست لنا مصالح خاصة تمنعنا من قول الحق والجهر به كما يدعي
علينا الأهرام ...
وهذا الإجماع من علماء الأمة كما يستند إلى السنة في نصوصها الصريحة
السابقة فإنه يعتمد أيضاً على القواعد الفقهية الثابتة بالتواتر، ذلك أن جعل الربح في
المضاربة محدداً كعشرة من مائة يتعارض مع القاعدة الفقهية: (الضرر يزال) تلك ...
القاعدة المأخوذة من قول النبي ﷺ في حديثه الصحيح عن أبي
سعيد الخدري: (لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه) وبذلك يتبين بما لا مجال للشك فيه أن شرط كون الربح في المضاربة جزءاً مشاعاً معلوماً من واحد صحيح لكل من المتعاقدين قد ثبتت بالسنة والإجماع والقياس والقواعد الفقهية، وإن القول بغير هذا افتيات على الشرع ومخالفة للسنة الصحيحة وإجماع الأمة ...
أما الشبهة التي أثارها الشيخ المفتي في أنه لو سلم جدلاً بهذا الشرط فإن
الفقهاء قرروا في المضاربة الفاسدة أن للعامل أجر مثله؛ وعلى هذا يكون ما أخذه
البنك من الأرباح بعد خصم النسب المئوية التي يأخذها المودع هو أجرة المثل مهما
بلغت.. فإننا هنا لا بد أن نتوقف لنقول للشيخ: إن فقدان هذا الشرط لا يجعل
المضاربة فاسدة، ولكنها باطلة كما نص عليه العلماء الفاقهون فيما سبق. ثم لو
سلمنا جدلاً - كما هو أسلوبك - بأنها فاسدة فهل يحل للمسلم أن يقدم على عقد
فاسد؟ ! إن الإجماع أيها الشيخ منعقد على أن الإقدام على العقود الفاسدة حرام، وإذا وقع وجب فسخه وإلا كان هذا العقد بعد الوقوع باطلاً، يقول ابن رشد:
(واتفقوا على أن القراض الفاسد يجب فسخه ورد المال لصاحبه) . هكذا هم يتفقون على ألا يستمر الفساد لأن استمراره إصرار على مخالفة النهي النبوي، ولكن فضيلة المفتي يريد أن يستمر الفساد في هذه المعاملة البنكية التي يدعي أنها مضاربة فاسدة! !
ثم أليس في هذا الادعاء ليّ لأعناق الواقع الملموس؟ ! فمن الذي يأخذ من
الصورة التي عليها تعامل البنوك أجر المثل هل هو البنك أم المودع؟ إن الذي حدد
له مبلغه هو المودع فهل نجعل صاحب المال أجيراً عند البنك وهذا أجر مثله أم
العكس هو الصحيح على رأي فضيلته؟ .
إنها معاملة ربوية واضحة مهما حاول الشيخ بخيالاته وأوهامه التي ساعده
عليها المغرضون، وهي معاملة متحدة في كل بنوك الدنيا لم يؤخذ فيها رأي الإسلام.
الشبهة الثانية التي أثارها المفتي مبنية على فساد الذمم والضمائر لدى العاملين
في البنوك فلهم أن يدعوا أن المضاربة خسرت أو ربحت قليلاً فيضيع على
المستثمر ربحه بل قد يضيع ماله كله، وبناء على ذلك كان لولي الأمر أن يعرض
على البنوك تحديد الربح مقدماً وكان له أيضاً أن يحمل البنك ضمان ما عنده من
مال إذا تلف.
وقد أشرنا سابقاً إلى هذه التهمة التي لسنا معه في وصم جميع الناس بفساد
الذمم والضمائر فما زال الخير في المسلمين بحمد الله وسيظل ولا أدل على ذلك من
إقبالهم واندفاعهم نحو الحلال ونفرتهم من التعامل بالربا، والإسلام يفترض دائماً في
أبنائه الصلاح إلى أن يثبت عكس ذلك، وبناءً على هذه الثقة يقول الفقهاء:
(والعامل أمين فيما تحت يده، وإن تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن؛
لأنه ناب عن رب المال في التصرف فلم يضمن من غير تفريط كالمودع) [٥] .
والأئمة الأربعة والظاهرية قد اتفقوا على ذلك، بل صرح صاحب المغني بأنه:
(متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهماً من الوضيعة فالشرط باطل ولا
نعلم فيه خلافاً) [٦] ...
واستدلال المفتي بمسألة تضمين الإمام علّي للصناع للمحافظة على أموال
الناس قياس أقل ما يقال فيه أنه فاسد، لأنه:
أولاً: لا قياس مع النص والإجماع الذي يقول عنه ابن قدامة إنه لا يعلم فيه
خلافاً، ثانياً: لأن مسألة تضمين الصناع - وهي الأصل المقيس عليه - مختلف
فيها عند الفقهاء، بل إن إسنادها إلى علّي فيه مقال، ومعلوم أنه لا يجوز القياس
على حكم مختلف فيه.
أما أنه حكم مختلف فيه فيقول الصنعاني في سبل السلام [٧] : (اختلف أهل
العلم في تضمين الصناع فقالت طائفة هم ضامنون إلا أن يجيء شيء غالب وهذا
قول مالك. ثم قال: وروى عن علي أنه ضمن الأجير وفي إسناده مقال، ثم قال:
وقالت طائفة أخرى: لا ضمان على الصناع، وروي هذا القول عن ابن سيرين
وطاووس، ثم قال: والصحيح من مذهب الشافعي أنه لا ضمان على الأجير إلا ما
تجنيه يده) وما قيل في مسألة تضمين الصناع يقال في استدلاله بمسألة التسعير،
ذلك أن فضيلته يقول: (إن الأصل في التسعير ألا يجوز لرفض رسول الله إياه،
ومع ذلك أجاز كثير من الفقهاء لولي الأمر تسعير السلع إذا غالى التجار أو
احتكروا) . ذلك أن الخلاف واضح من هذه المسألة بين الفقهاء، وقد وضحه
الشوكاني والصنعاني، وما دام هنالك خلاف في مسألة فلا يجوز القياس عليها، كما هو مقرر في علم الأصول.
ومما يستلفت النظر في مقال الشيخ المفتي أن في أسلوبه وأفكاره جنوحاً
وتعمية:
١- يقول: ليست مسألة تحديد الربح وعدمه من العقائد والعبادات التي لا
يجوز التغيير فيها، وإنما هي من المعاملات الاقتصادية التي تتوقف على تراضي
الطرفين. ونحن نقول: إن التفرقة في تعاليم الإسلام بين العقيدة والعبادة والمعاملة
مرفوضة من الأساس، فكل نص ورد في الكتاب والسنة وجب على كل مسلم أن
يلتزم به مهما كان مجاله، وفي هذا الالتزام معنى العبودية لله تعالى، فإقامة الحد
على السارق والزاني عبادة، واعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث عبادة،
والتزام العدل في المعاملات عبادة، وما قسم الفقهاء أحكام الدين إلى عقائد وأخلاق
وعبادات ومعاملات إلا ليسهل عل الدارس استيعابها، والا فهل لأي مسلم أن يغير
في غير العقائد والعبادات؟ أليست هذه العبارة تحمل في طياتها تفريغ الشريعة من
مضمونها في حكم حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية بحجة أنها ليست من العقائد
ولا العبادات؟ ! ! ثم إن مسألة التراضي بين الطرفين ليست هي الأساس في أحكام
الشرع، فهل إذا تراضى رجل وامرأة على الزنا يحول الزنا إلى مباح؟ ! إن
رسول الله ﷺ نهى في الصحيح عن تلقي الركبان، ومعنى هذا أن
أهل الحضر كانوا يتلقون أصحاب السلع قبل أن يصلوا إلى السوق؛ فيشترون منهم
بالتراضي وبسعر يجهله صاحب السلعة، فهل كان التراضي هنا مبيحاً للمعاملة أم
نهى رسول الله ﷺ عنه بالرغم من التراضي؟ !
٢- يقول الشيخ: إن شريعة الإسلام تقوم على رعاية المصالح في كل زمان
ومكان، وإن بدا أنها تصطدم ببعض النصوص.
ونقول: نحن لا نشك في أن الشريعة تكفلت بمصالح الناس، ولكننا لا نشك
أيضاً أن في شرع الله نفسه ما يفي بكل مصالح البشر دون تغيير أو تحريف أو
تبديل، وما لم يرد في شرع الله فهو هوى ومصلحة فاسدة وهذا ما قرره الإمام
الشافعي ﵁.
٣- يقول: معلوم أن البنك لم يحدد الربح إلا بعد دراسة مستفيضة لأحوال
الأسواق العالمية والأوضاع الاقتصادية وهو يتم بتوجيهات من البنك المركزي.
ونقول: هل يمكن للبشر أن يحيطوا بالغيب فيتوقعون الكوارث والنكبات
بحجمها المقدر في علم الله؟ هل كان الاقتصاديون يتوقعون حرب الخليج وآثارها؟ . هل كانت الصين واليابان والفلبين وبنغلادش تتوقع البراكين والأعاصير التي
اجتاحتها مؤخراً؟ ثم كيف تفلس البنوك العالمية مع دراستها لجدوى مشاريعها، إن
قصة بنك الاعتماد والتجارة الدولي ما زالت قيد البحث حتى الآن. وقصة بنك
جمال ترست ماثلة للأذهان ... ! !
٤- يقول: بمقتضى معرفة صاحب المال لحقه معرفة خالية من الجهالة ينظم
أمور حياته.
ونقول: وهل يعتمد المسلم على ما سيأتيه من البنك ليعيش به ويترك العمل؟
وهل يستطيع المسلم عن طريق البنك أو غيره أن يحدد رزقه وينظم أمور حياته؟
هل هذا يتفق مع العقيدة؟
٥- يقول: إن حدثت الخسارة لأسباب خارجة عن إرادة صاحب العمل
سيتحمل صاحب المال عند الاقتضاء ما يجب عليه منها، والذي يقرر ذلك هم
رجال القضاء.
ونقول: إن العقود في الفقه الإسلامي بنيت على أسس متينة تحول دون
حدوث شقاق بين المتعاقدين، لأن مهمة التشريعات أن لا تترك ثغرة للتقاضي.
إن أسلوب الشيخ في مقالاته غير دقيق، وغير علمي، وموهم، ويمكن أن
يستند على بعض منه ذوو الأغراض السيئة، والنوايا الخبيثة.
وإننا لنعجب كثيراً ونشفق على فضيلة المفتي وعلى المسلمين، إذ هو يشككهم
في أمور مجمع عليها، بل تعتبر مما علم من الدين بالضرورة، وإذا تطرق الشك
إلى هذه الأمور وصل الأمر حتما إلى هدم الشريعة من الأساس، فهل يسمح لنا
المفتي أن نسأله: إذا كانت معاملة البنوك ليست ربوية فما هو الربا المحرم شرعاً؟
فإذا قال: هو ما كان مبنياً على الاستغلال، قلنا له: إن الاستغلال حكمة وليست
علة، والحكم لا يدور إلا مع العلة وجوداً وعدماً ...
كما لنا أن نسأله: لقد سبق له أن أفتى بحرمة هذه المعاملات في الفتوى رقم
٥١٥/ ٩٩٨٩ فما الذي جعله يرجع عن تلك الفتوى وهي التي تساير المجمع عليه؟
إن أغلب الظن أن الشيخ مضلل من قبل جماعة درست الاقتصاد على الأسس
الربوية، ولا ترى اقتصاداً يمكن أن يقوم على غيرها، وليس لها تصور للمعاملات
الإسلامية الصحيحة.. وإنا لننصح الشيخ مخلصين أن يرجع إلى الله الذي لا تجدي
عنده التبريرات ولا الاعتذارات من الأتباع بأنهم كانوا مخدوعين أو مضللين من
قبل المتبوعين، فقد سمى القرآن الكريم التابع ظالماً فقال:
[ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا
ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وكَانَ
الشَّيْطَانُ لِلإنسَانِ خَذُولاً]
ننصحه أن يعلن رجوعه عن فتواه الأخيرة فليس عيباً يذكر ولا سيئة تنكر أن
يرجع الإنسان عن خطئه، فالكمال لله وحده والعصمة للأنبياء، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولنا في الصحابة قدوة وفي سلفنا الصالح أسوة، وقد
رجع عمر بن الخطاب عن توريثه في المسألة المشتركة، ورجع ابن عباس في
إباحة ربا الفضل حين تبين له الصواب، فالرجوع إلى الحق فضيلة والحق أحق أن
يتبع.
اللهم قد نصحنا لك ولدينك، وأبرأنا ذمتنا، اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين.
عنهم د. محمد المختار المهدي