Полный текст (1 359 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تَنْبِيهَانِ. الأول: يفهم من هَذَا أَن عدم الْإِعْذَار إِنَّمَا هُوَ إِذا نَص الشُّهُود على أَن الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار وَقع بِالْمَجْلِسِ، وَنَصّ القَاضِي أَيْضا أَن الْأَدَاء وَقع بذلك الْمجْلس فَيَقُول مثلا: أديا بِمَجْلِس الْإِقْرَار أَعْلَاهُ الخ. وَإِلَّا فَمن أَيْن لنا أَن كلاًّ من الْإِقْرَار وَالْأَدَاء وَقع بِالْمَجْلِسِ حَتَّى يسْقط الْإِعْذَار فِي ذَلِك عِنْد هَذَا الْحَاكِم أَو عِنْد من بعده وَالله أعلم. الثَّانِي: مَا اقْتصر عَلَيْهِ النَّاظِم من عدم الْإِعْذَار فِي شَاهِدي الْمجْلس صرح المتيطي بمشهوريته كَمَا مرّ، وَبِه قَالَ ابْن الْعَطَّار وَغَيره. وَقَالَ ابْن الفخار: لَا بُد من الْإِعْذَار فيهمَا لِأَن القَاضِي لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ وَلَا بِمَا يقر بِهِ عِنْده دون بَيِّنَة وَلَا بِشَهَادَة غير العدلين وَهُوَ يعلم أَن مَا شَهدا بِهِ حق فَإِذا كَانَ هَكَذَا فَكيف يقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا من غير إعذار وَكَيف ينْكَشف عِنْد الْإِعْذَار أَنَّهُمَا غير عَدْلَيْنِ بِإِثْبَات عَدَاوَة أَو فسق؟ ابْن سهل: وَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْقيَاس الصَّحِيح المطرد لمن قَالَ: إِن القَاضِي لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ وَلَا بِمَا سمع فِي مجْلِس نظره، لَكِن الَّذِي قَالَه ابْن الْعَطَّار بِهِ جرى الْعَمَل وَهُوَ عِنْدِي الِاسْتِحْسَان ويعضده قَول مطرف وَابْن الْمَاجشون وَبِه أَخذ سَحْنُون أَنه يقْضِي بِمَا سمع فِي مجْلِس نظره اه. فقد علمت من هَذَا أَن سُقُوط الْإِعْذَار فِي مَسْأَلَة النَّاظِم لَا يتمشى إِلَّا على قَول سَحْنُون وَمن مَعَه دون الْمَشْهُور من قَول مَالك وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب: من أَن القَاضِي لَا يحكم بِمَا سَمعه كَمَا رَأَيْته فِي كَلَام ابْن سهل وَابْن الفخار. وَبَيَانه: أَنه إِذا أسقط الْإِعْذَار فيهمَا قَالَ الْخصم: إِنَّمَا أردْت أَن تحكم عَليّ بعلمك، وَزَعَمت أَنه شهد عَليّ شَاهِدَانِ ومنعتني من تسميتهما والإعذار فيهمَا فَمَا ذَاك إِلَّا لتتوصل إِلَى الحكم بعلمك بل بهواك، فَالْبَيِّنَة حِينَئِذٍ مُسْتَغْنى عَنْهَا لوجودها فِي الصُّورَة فَقَط وَلَو سَمَّاهَا وَأبْدى مطعناً لم يقبل مِنْهُ فَلم يبْق سَبَب لحكمه إِلَّا مُجَرّد علمه، وَقد تقدم قَوْله: وَعلمه بِصدق غير الْعدْل لَا الخ. فالجاري على مَذْهَب مَالك وَابْن الْقَاسِم أَنه لَا بُد من الْإِعْذَار كَمَا قَالَ ابْن الفخار. قَالَ ابْن مُحرز: وَهُوَ الظَّاهِر وَإِذا تَأَمَّلت مَا مرّ عِنْد قَوْله وَقَول سَحْنُون بِهِ الْيَوْم الْعَمَل الخ. علمت أَن الْوَاجِب فِي زَمَاننَا هَذَا هُوَ الْإِعْذَار وَأَن مَا قَالَه النَّاظِم وَغَيره يجب كتمه بِالنِّسْبَةِ لقضاة الزَّمَان إِذْ مَا شَاءَ حَاكم أَن يحكم بِرَأْيهِ إِلَّا زعم أَنه أقرّ عِنْده فِي مَجْلِسه، وَشهد على إِقْرَاره شَاهِدَانِ وَأَنه لَا يلْزمه الْإِعْذَار فيهمَا وَلَا تسميتهما لِأَنَّهُ لَو سَمَّاهَا وأتى بمطعن لَا يقبل، وَلَو صَحَّ مَا ذكر هُنَا لبطل قَوْله فِيمَا مر وَعلمه بِصدق الخ. ولصح قَوْله وَقَول سَحْنُون الخ لِأَن الْأَمر آل هُنَا إِلَى حكمه بِعِلْمِهِ كَمَا ترى وكما يَأْتِي عِنْد قَوْله: والفحص من تِلْقَاء قَاض قنعا فِيهِ بِوَاحِد فِي الْأَمريْنِ مَعًا وَلذَا كَانَ الْقُضَاة الْيَوْم يُعْطون النّسخ من أحكامهم وتأجيلاتهم وإعذاراتهم وَالله أعلم. (وَلَا) عاطفة كَالَّتِي قبلهَا أَي وَلَا يعْمل فِي (اللفيف فِي الْقسَامَة) يتَعَلَّق بقوله (اعْتمد) وَالْجُمْلَة
стр. 107
حَال من اللفيف أَي حَال كَونه اعْتمد عَلَيْهِ فِي الْقسَامَة وَجعل لوثاً فِيهَا وَهُوَ أحد قَوْلَيْنِ. مشهورهما أَنه لَيْسَ بلوث وعَلى مُقَابِله درج النَّاظِم فِي الدِّمَاء حَيْثُ قَالَ فِي أَمْثِلَة اللوث: أَو بِكَثِير من لفيف الشهدا. الخ. وَفهم من قَوْله فِي الْقسَامَة أَنه لَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي غَيرهَا وَالْعَمَل بفاس على جَوَاز شَهَادَته فِي الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَغَيرهمَا فَيثبت بهَا الدَّم وَغَيره ويقتص من الْقَاتِل بهَا مَعَ الْقسَامَة حَيْثُ بلغ اللفيف اثْنَي عشر فَأكْثر على مَا هُوَ مُبين فِي شرح اللامية وَغَيرهَا وَمعنى عدم الْإِعْذَار فِيهِ أَنه لَا يقبل التجريح فِيهِ بِكُل مَا يجرح بِهِ الْعدْل من مطل وَحلف بِعِتْق وَطَلَاق وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ مَدْخُول فِيهِ على عدم الْعَدَالَة. نعم لَا بُد فِيهِ من ستر الْحَال فَلَا يقبل تَارِك الصَّلَاة وَلَا المجاهر بالكبائر من كَثْرَة كذب وَإِظْهَار سكر وقمار وسفه ومجون وَلَا مُتَّهم كصديق وَقَرِيب للْمَشْهُود لَهُ أَو عَدو للْمَشْهُود عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَلَا مِمَّن فِيهِ عصبية فَفِي الْبُرْزُليّ قبيل النَّفَقَات أثْنَاء كَلَامه على شَهَادَة اللفيف مَا نَصه: شاع وذاع فِي الْعَامَّة أَن يشْهد بَعضهم لبَعض على وَجه الْإِعَانَة واستخلاص الْحُقُوق ويستند بَعضهم إِلَى خبر بعض من غير تَحْقِيق علم اه. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الدِّمَاء عِنْد قَوْله: أَو بِكَثِير من لفيف الشهدا. الخ … ثمَّ لَا بُد من استفساره لِأَنَّهُ قَائِم مقَام تزكيته، وَسَوَاء كَانَ فِي الرَّسْم إِجْمَال أَو احْتِمَال أم لَا لِأَن كل من لَا يكْتب شَهَادَته لَا بُد من استفساره لفيفاً أَو غَيره إِذْ لَعَلَّ الْكَاتِب كتب مَا لم يشْهد بِهِ وَهُوَ من حق الْخصم على عمل الفاسيين. وَصفته: أَن يقْرَأ الرَّسْم الْمُقَيد عَنْهُم أَولا على كل وَاحِد مِنْهُم إِن لم يحضروا جَمِيعًا أَو على جَمِيعهم إِن حَضَرُوا كلهم قِرَاءَة تفهم، فَإِذا كملت قِرَاءَته سَأَلَهُ عَن أَدَاء شَهَادَته كَيفَ يُؤَدِّيهَا وَعَن مُسْتَند علمه فِيهَا فَإِذا أجَاب بِشَيْء كتبه بِلَفْظِهِ حرفا حرفا وَلَو ملحوناً ويسأله عَن كل فصل يتَوَقَّف تَمام الشَّهَادَة عَلَيْهِ على حِدته فَيَقُول لَهُ: مَا علمك فِي هَذَا الْفَصْل وَفِي هَذَا وَلَا يكْتب عَلَيْهِ أَنه أسقط فصلا من فصولها بِمُجَرَّد سُكُوته عَنهُ كَمَا يَفْعَله كثير من جهلة الْعُدُول، بل حَتَّى يسْأَله عَنهُ بِخُصُوصِهِ وَلَا يُحَقّق فِيهِ شَيْئا وَإِن غلط فَلَا يؤاخذه بِهِ كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وخصم إِن يعجز الخ. وَهَكَذَا يفعل فِي الثَّانِي وَالثَّالِث حَتَّى يَأْتِي على الْأَخير وَإِن رَجَعَ بَعضهم كتب ذَلِك. وَإِن امْتنع من الْأَدَاء كتب يشْهد من يضع اسْمه أَثَره أَنه حضر بِموضع كَذَا وَسَأَلَ الشَّاهِد أَعْلَاهُ أَو حوله عَن شَهَادَته فَامْتنعَ من أَدَائِهَا امتناعاً كلياً فَمن عاين امْتِنَاعه الْمَذْكُور قَيده فِي كَذَا، فَإِذا ثَبت امْتِنَاعه سَقَطت شَهَادَته كامتناع الْعدْل من أَدَائِهَا. وَقيل: يهدد الْمُمْتَنع فَإِذا لج فِي الِامْتِنَاع جَازَت شَهَادَته، ثمَّ إِذا كمل الاستفسار وَوَافَقَ أَدَاؤُهُ مَا قيد عَنْهُم أَولا ثبتَتْ شَهَادَتهم وَيبقى المدفع فيهم بالعداوة وَترك الصَّلَاة وَنَحْوهَا مِمَّا مرّ لَا بِكُل قَادِح لِأَنَّهُ مَدْخُول فيهم على عدم تَمام الْعَدَالَة كَمَا مرّ، وَإِن خَالف أَدَاؤُهُ شَهَادَته أَولا سَقَطت الأولى وَالثَّانيَِة وَالْمُعْتَبر فِي الْمُخَالفَة اخْتِلَاف الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، وَإِن بَقِي إِجْمَال بعد الاستفصال بغفلة مِمَّن بحثهم عَنهُ سئلوا عَنهُ كَمَا يسْأَل الشَّاهِد عَنهُ بعد أَدَاء شَهَادَته كَمَا فِي المعيار قَالَ فِيهِ وَمَا يتحيل بِهِ الشُّهُود من سُؤال الشَّاهِد المستفسر عَن أَشْيَاء تغلطه من الْفساد، بل الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الرِّوَايَة أَن القَاضِي يسْأَله عَمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الحكم وَلَا يشْتَرط حُضُور الْمَشْهُود عَلَيْهِ للاستفسار كَمَا لَا يجب على الْمَشْهُود لَهُ جلبهم لَهُ وَإِن كَانُوا من الْبَادِيَة مثلا، وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ أَن يعينهم للمطلوب وشأنه باستفسارهم قَالَه العبدوسي وَغَيره، ثمَّ إِذا مَاتَ الشُّهُود أَو غَابُوا قبل الاستفسار فَإِنَّهُ يحكم بِشَهَادَتِهِم حَيْثُ كَانَت خَالِيَة من الْإِجْمَال وَالِاحْتِمَال لِأَن الأَصْل
стр. 108
استمرارها وَعدم وجود مَا يُبْطِلهَا فَإِذا كَانَ فِيهَا إِجْمَال فَفِي الْبُرْزُليّ عَن أبي عمرَان يستفسر الشُّهُود إِذا قَالُوا: هَذِه الدَّابَّة لفُلَان هَل يعلمُونَ أَنه بَاعهَا أم لَا؟ فَإِن غَابُوا حكم بِشَهَادَتِهِم، وَقيل: إِذا كَانُوا من أهل الْعلم وإلاَّ فَلَا اه. وَاخْتلف إِذا كَانُوا حضوراً وَلم يقم الْمَشْهُود لَهُ بهَا حَتَّى مَضَت سِتَّة أشهر فَأكْثر، وَالَّذِي بِهِ الْعَمَل أَن الرَّسْم إِذا جَاوز الْمدَّة الْمَذْكُورَة وَادّعى الْخصم فِيهِ مطعناً من غير الاستفسار مكن مِنْهُ، وَأما إِن طلب نُسْخَة للاستفسار فَإِنَّهُ لَا يُمكن وَيحكم بِهِ كَذَلِك من غير استفسار قَالَه أَبُو زيد التَّالِي. وَنَقله سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي، وَفِي المعيار جرى عمل بعض قُضَاة الْمغرب باستحسان ترك الاستفسار بعد مُضِيّ سِتَّة أشهر من أَدَاء الشَّهَادَة مُعْتَلًّا بِأَن هَذِه مَظَنَّة النسْيَان. زَاد فِي الْفَائِق مَا نَصه: وَبَعْضهمْ يَقُول بِاعْتِبَار سِتَّة أشهر إِن أَدَّاهَا إِثْر تحملهَا، وَأما إِن طَال زمن تحملهَا ثمَّ زعم نسيانها بعد سِتَّة أشهر من أَدَائِهَا فَإِنَّهُ لَا يقبل قَالَ: وَهَذِه كلهَا استحسانات خَارِجَة عَن الْأُصُول اه. وَمَفْهُوم قَوْله من أَدَائِهَا أَنهم إِذا مَاتُوا أَو غَابُوا قبل الْأَدَاء لَا يعْمل بهَا وَهُوَ الَّذِي نَقله بعض الثِّقَات عَن المجاصي وَأَنه رفعت إِلَيْهِ بَيِّنَة اللفيف على عين بلد لأَوْلَاد ابْن بكار وَهِي غير مُؤَدَّاة وَلها نَحْو الثَّمَانِينَ سنة فَلم يحكم بهَا اه. وَهَذَا ظَاهر إِن كَانَ الْأَدَاء غير الاستفسار كَمَا فِي (ت) فِي شرح اللامية: وإلاَّ فالمعمول بِهِ الْيَوْم أَن القَاضِي يَكْتَفِي بِمَا قَيده المتلقي عَنْهُم وَيكْتب عقب أَدّوا أَو شهدُوا لَدَى من قدم لذَلِك فَثَبت الخ. وَلَا يطالبهم بِالْأَدَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قدم المتلقي للتلقية وَالْأَدَاء، وَحِينَئِذٍ فَيعْمل بِهِ حَيْثُ كتب القَاضِي شهدُوا وأدوا وَلَو طَال الزَّمَان وَمَا قَالَه المجاصي لَعَلَّه مَبْنِيّ على أَن الْأَدَاء لَا يكون إِلَّا عِنْد القَاضِي أَي فيؤدون عَلَيْهِ بعد التلقية، ثمَّ إِن طلب الاستفسار استفسروا وَهُوَ الَّذِي لأبي الْحسن، وَمن الْمَعْلُوم أَن الِاسْتِحْسَان مقدم على الْقيَاس، وَلذَا عول عَلَيْهِ ناظم الْعَمَل الْمُطلق فَقَالَ: واستحسنوا إِن مر نصف عَام من الْأَدَاء ترك الِاسْتِفْهَام وَفِي جَوَاب لسيدي عَليّ بن هَارُون مَا نَصه: جرى الْعَمَل بالتحديد فِي نُسْخَة الاستفسار بِسِتَّة أشهر مَعَ الْعلم فَإِن زَادَت الْمدَّة فَلَا تُعْطى فِيهَا نُسْخَة وتعطى مُطلقًا مَعَ عدم الْعلم، وَالْقَوْل قَول من لَهُ الْحق فِي ذَلِك أَنه لَا علم عِنْده وَلَوْلَا ذَلِك لضاعت الْحُقُوق اه. قلت: وَلَعَلَّ هَذَا القَوْل الْمفصل هُوَ الَّذِي أصَاب الْمفصل. تَنْبِيهَات الأول: الشَّاهِد غير المبرز الَّذِي لَا يعرف مَا تصح بِهِ الشَّهَادَة حكمه حكم اللفيف فِي وجوب الاستفسار عَن كَيْفيَّة علمه بِمَا شهد بِهِ كَمَا فِي التَّبْصِرَة، وَظَاهره كَانَ فِي الْوَثِيقَة إِجْمَال أم لَا. وَأما الْعدْل المبرز الْعَارِف بِمَا تصح بِهِ الشَّهَادَة فَلَا يستفسر حَيْثُ لَا إِجْمَال مُطلقًا، وَأما المبرز غير الْعَالم بِمَا تصح بِهِ الشَّهَادَة فيستفسر إِذا أبهم أَو أجمل كَالَّذي قبله كشهادته بِأَن الْمَرْأَة اخْتلعت من زَوجهَا وسلمت لَهُ فِي جَمِيع صَدَاقهَا ومطالبها ثمَّ قَامَت بعد ذَلِك تطالبه بِحَق خَارج عَن مطَالب الزَّوْجِيَّة زاعمة أَن تَسْلِيمهَا إِنَّمَا وَقع فِيمَا يرجع للزوجية فَهُنَا يسْأَل الشَّاهِد عَمَّا شهد بِهِ وَعَما فهمه من حَال الْمَرْأَة عِنْد الشَّهَادَة هَل مَا ادَّعَتْهُ الْآن أَو مَا ادَّعَاهُ الزَّوْج عَلَيْهَا من التَّعْمِيم قَالَه سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي. قلت: وَيفهم مِنْهُ أَن الْخلاف بَين ابْن رشد وَابْن الْحَاج الْمشَار لَهُ بقول اللامية: وَإِن عمم الْإِبْرَاء وَالْخلْع سَابق الخ. إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يُحَقّق الشَّاهِد عِنْد الاستفسار شَيْئا أَو تعذر استفساره لمَوْته أَو غيبته وإلاَّ فَالْعِبْرَة بِمَا حَقَّقَهُ الشَّاهِد اتِّفَاقًا مِنْهُمَا فتحققه منصفاً.
стр. 109
الثَّانِي: لَا بُد فِي الاستفسار من شَاهِدين يسألان اللفيف عَمَّا شهدُوا بِهِ وَلَا يَكْفِي الْوَاحِد لأَنهم إِن ثبتوا على شَهَادَتهم على نَحْو مَا قيدها عَنْهُم الْأَوَّلَانِ فسماع هَذَا مِنْهُم زَائِد لَا عِبْرَة بِهِ، وَإِن رجعُوا عَنْهَا فَلَا يثبت رجوعهم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد قَالَه الزياتي فِي نوازله عَن سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي قَالَ: وَأما السماع من اللفيف فَعمل المراكشيين على أَنه لَا بُد من اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ كالنقل، وَعمل الفاسيين على الِاكْتِفَاء بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ من بَاب الْأَدَاء وَالسَّامِع مِنْهُ نَائِب عَن القَاضِي فِي ذَلِك، فَيشْهد اللفيف عِنْد عدل عينه القَاضِي نصا أَو بِعُمُوم الْإِذْن لَهُ فِي تحمل الشَّهَادَات، فَإِذا أدّى اللفيف لَدَيْهِ كتب مضمن شَهَادَتهم فِي رسم وأرخه ثمَّ كتب أَسْمَاءَهُم عقب التَّارِيخ ثمَّ يطالع القَاضِي بذلك فَيكْتب بِخَطِّهِ عقب أسمائهم شهدُوا لَدَى من قدم لذَلِك لموجبه فَثَبت فَقَوله: شهدُوا أَي اللفيف لَدَى أَي عِنْد من قدم أَي قدمه القَاضِي لسَمَاع الْبَينَات بِإِذن خَاص أَو عَام، فالفاعل الَّذِي حول عَنهُ الْإِسْنَاد هُوَ القَاضِي لذَلِك أَي لسَمَاع الْبَينَات اللفيفية لموجبه أَي لموجب تَقْدِيمه لذَلِك لكَونه عدلا صَالحا لذَلِك، ولضرورة استنابة القَاضِي إِيَّاه فِي ذَلِك لعسر مُبَاشرَة القَاضِي فَثَبت أَي أداؤهم أَي أَدَاء اللفيف عِنْد من ذكر، ثمَّ يكْتب بعد ذَلِك رسم التسجيل عقبه فِيهِ إِشْهَاد القَاضِي بِثُبُوت ذَلِك الرَّسْم عِنْده. الثَّالِث: مَا مر من أَن الرَّسْم يقْرَأ على اللفيف عِنْد إِرَادَة الاستفسار هُوَ مَا وقفت عَلَيْهِ لغير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين، وَأما غير اللفيف فَقَالَ فِي التَّبْصِرَة شَهَادَة الاسترعاء لَا بُد أَن يستحضرها الشُّهُود من غير أَن يرَوا الْوَثِيقَة إِذا كَانَت الْوَثِيقَة مَبْنِيَّة على معرفَة الشُّهُود كشهادتهم بمعاينة الْغَصْب والحيازة وَنَحْوهمَا، فَإِذا رأى الْحَاكِم رِيبَة من إِجْمَال أَو احْتِمَال توجب التثبت، فَيَنْبَغِي أَن يَقُول لَهُم مَا تَشْهَدُون بِهِ فَإِن ذكرُوا بألسنتهم مَا فِي الْوَثِيقَة وَإِلَّا ردهَا. قَالَ: وَأما إِن كَانَت الْوَثِيقَة منعقدة على إِشْهَاد الشَّاهِدين، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُؤَاخذ الشُّهُود بِحِفْظ مَا فِي الْوَثِيقَة وحسبهم أَن يَقُولُوا: إِن شَهَادَتهم فِيهَا حق وَلَا يمسك القَاضِي الْكتاب ويسألهم عَنْهَا اه بِبَعْض اخْتِصَار وَزِيَادَة إِيضَاح. وَظَاهره أَن المنعقدة على إِشْهَاد الشَّاهِدين لَا استفسار فِيهَا وَلَو مَعَ إِجْمَال أَو احْتِمَال لِأَن الشَّاهِد حِينَئِذٍ إِنَّمَا حكى قَول الْمُتَعَاقدين وَهُوَ مُخَالف لما مرّ فِي مَسْأَلَة الْخلْع من أَنهم يسْأَلُون عَمَّا فهموه من حَال الْمُتَعَاقدين ومخالف لما نَص عَلَيْهِ ابْن لب فِي جَوَاب لَهُ نَقله الشَّارِح وَغَيره عِنْد قَوْله: وَالزَّوْج حَيْثُ لم يجدهَا بكرا. الخ. قَائِلا مَا نَصه الْوَاجِب فِي شَأْن اتِّصَال تِلْكَ الْعِصْمَة أَن يستفسر شُهُود التفاصل والانفصال فَإِن كَانُوا قد فَهموا من الزَّوْج الطَّلَاق وأدوا على ذَلِك فَهُوَ كَذَلِك وَإِن فَهموا بَقَاء الْعِصْمَة وأدوا على ذَلِك قلدوا وَحلف الزَّوْج أَنه مَا أَرَادَ طَلَاقا اه. وَهَذَا من أدل دَلِيل على دُخُول الاستفسار فِي شَهَادَة الأَصْل خلافًا لمن وهم من بعض شُيُوخنَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة رَاجع إِلَى الشَّهَادَة بالفهم وَفِي إعمالها نزاع تقدم عِنْد قَوْله: وَلَيْسَ بالجائز للْقَاضِي إِذا. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله عِنْد قَوْله: وغالب الظَّن الخ … إِن الشَّهَادَة بِمَا يفهم من الْقَرَائِن وَالْأَحْوَال لَا تقبل إِلَّا من المبرز فِي علم الْحَقَائِق وَأَيْنَ هُوَ، وَلذَا لم يذكر فِي الْفَائِق وجوب الاستفسار إِلَّا فِي شُهُود الاسترعاء فَقَالَ: إِن عمل الْقُضَاة جرى باستفسار شُهُود الاسترعاء عَن شَهَادَتهم وَبعد أَدَائِهَا عَن فُصُول الْوَثِيقَة ومضمونها الخ. وَيفهم مِنْهُ وَمِمَّا مر أَنهم لَا يستفسرون عَمَّا لَيْسَ من فُصُول الْوَثِيقَة كسؤالهم عَن وَقت الْوَاقِعَة ومكانها وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يضر جَهله كَمَا يَفْعَله بعض الْقُضَاة الْيَوْم، بل ذَلِك من الْفساد كَمَا مرّ، وَإِنَّمَا استحسنوا
стр. 110
ذَلِك فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَة كَمَا قَالَ (خَ) وَندب سُؤَالهمْ كالسرقة مَا هِيَ وَكَيف أخذت الخ. . بل ذكر شراحه عِنْد قَوْله فِي الْقسَامَة، وَإِذا اخْتلف شاهداه بَطل أَن شُهُود اللوث لَا يلْزمهُم بَيَان الزَّمَان وَالْمَكَان وَنَحْوهمَا، وَإِذا كَانَ هَذَا فِيمَا يُوجب الْقَتْل فَكيف بِهِ فِي غَيره. الرَّابِع: مَا مرّ من أَن الْعبْرَة فِي الْمُخَالفَة اخْتِلَاف الْمَعْنى لَا اللَّفْظ هُوَ الَّذِي صرح بِهِ من لَا يُحْصى مِمَّن تكلم على شَهَادَة اللفيف فَلَا يرد مَا لِابْنِ الْهِنْدِيّ فِي وثائقه من أَن شَهَادَة الأبداد لَا تعْمل شَيْئا إِذا شهد كل وَاحِد مِنْهُم بِغَيْر نَص مَا شهد بِهِ صَاحبه وَإِن اتّفقت شَهَادَتهم فِي الْمَعْنى اه. لِأَن كَلَامه فِي الْعُدُول العارفين بمعاني الْأَلْفَاظ وصيغها واللفيف لَا يَتَأَتَّى مِنْهُم ذَلِك فِي الْغَالِب على أَنه قد ورد عَن مَالك مَا يدل على جَوَازهَا فَفِي أَحْكَام ابْن سهل عَن الإِمَام مَالك فِي شَاهِدين شهد أَحدهمَا فِي منزل أَنه مسكن هَذَا وَشهد آخر أَنَّهَا حيزه فَقَالَ: هِيَ شَهَادَة وَاحِدَة وَلَا تفرق، وَقد يكون الْكَلَام فِي الشَّهَادَة مُخْتَلفا، وَالْمعْنَى وَاحِد فأراهما قد اجْتمعَا على الشَّهَادَة، قَالَ سَحْنُون: معنى حيزه أَنه ملكه وَحقه وَفِي التَّقْرِيب على التَّهْذِيب: لَو شهد رجل أَن زيدا بَاعَ سلْعَته من عَمْرو وَشهد آخر بإقرارهما بِالْبيعِ فشهادتهما كَامِلَة لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنى قد اجْتمعَا على نقل الْملك اه. والأبداد: بدالين مهملتين التَّفَرُّق وَمِنْه قَوْلهم بدد الله شَمل الْعَدو. وَلَا الكَثِيرُ فِيهِمُ العُدُولُ والْخُلْفُ فِي جَمِيعها مَنْقُولُ (وَلَا الْكثير) مَعْطُوف على مَا مرّ (فيهم) خبر (الْعُدُول) مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة حَال، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره ابْن سهل فِي مَسْأَلَة أبي الْخَيْر الملقب لزندقته بِأبي الشَّرّ شهد عَلَيْهِ بأنواع كَثِيرَة من الزندقة الْوَاضِحَة عدد كثير ثبتَتْ عَدَالَة نَحْو الْعشْرين مِنْهُم وَأكْثر من ضعفهم استظهاراً، فَأفْتى قَاضِي الْجَمَاعَة مُنْذر بن سعيد وَإِسْحَاق بن إبراهم وَأحمد بن مطرف بقتْله دون إعذار وَحكم بِهِ وَلم يلْتَفت إِلَى من قَالَ بالإعذار لَهُ، وَظَاهر إِطْلَاق النَّاظِم أَن الْإِعْذَار مُنْتَفٍ مَعَ الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة فِي الْأَمْوَال وَغَيرهَا لِأَنَّهُ إِذا انْتَفَى فِي الدِّمَاء مَعَ خطرها فَكيف بِهِ فِي الْأَمْوَال وَهُوَ كَذَلِك؟ قَالَ ابْن سهل عقب نَقله لفتوى من أفتى بقتل الزنديق الْمَذْكُور مَا نَصه: وَالْحق أَن من تظاهرت الشَّهَادَة عَلَيْهِ فِي إلحاد أَو غَيره هَذَا التظاهر فالإعذار إِلَيْهِ مَعْدُوم الْفَائِدَة، وَفهم من قَوْله الْكثير أَنهم إِذا لم يكثروا يعْذر فيهم وَهُوَ كَذَلِك قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَأما الْآجَال فِي حق الزَّنَادِقَة فمذهب الْمُحَقِّقين أَن الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِن استفاضت عَلَيْهِ الْأُمُور الْمُوجبَة للْقِيَام عَلَيْهِ فَلَا يعْذر إِلَيْهِ وَلَا يضْرب لَهُ أجل، وَإِن كَانَ على اخْتِلَاف ذَلِك فَإِنَّهُ يُؤَجل شهرا لدفع الْبَيِّنَة، فَإِن طلب أَََجَلًا آخر ورجى ثُبُوت
стр. 111
حجَّته أجل أَََجَلًا آخر دون الأول أَو مثله بِالِاجْتِهَادِ وَإِن لم يرج لم يُوسع عَلَيْهِ (وَالْخلف) مُبْتَدأ (فِي جَمِيعهَا) أَي جَمِيع مَا مر أَنه لَا يعْذر فِيهِ يتَعَلَّق بقوله: (مَنْقُول) خبر الْمُبْتَدَأ، وَقد نبهنا على الْخلاف فِي كل مَسْأَلَة بخصوصها عِنْد الْكَلَام عَلَيْهَا. تَنْبِيهَانِ الأول: مَا تقدم من عدم الْإِعْذَار فِي الموجه للتطليق وَعَدَمه إِنَّمَا هُوَ من حَيْثُ الطعْن فِيهِ بالقوادح كَمَا يفهم من التَّعْلِيل بقوله مِنْهُ بَدَلا الخ. لَا من حَيْثُ معارضته بِبَيِّنَة أُخْرَى كَمَا إِذا شهد الموجه بِأَنَّهَا طلقت نَفسهَا فِي وَقت كَذَا من يَوْم كَذَا وَطلب الزَّوْج أَن يَأْتِي بِبَيِّنَة تشهد بِأَنَّهَا لم تتلفظ بِالطَّلَاق أصلا فِي ذَلِك الْوَقْت أَو لم يحلفهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَنَحْو ذَلِك من الْوُجُوه الْمُعَارضَة الْمُوجبَة للتهاتر أَو الصيرورة للترجيح، فَهَذَا يَنْبَغِي أَن يعْذر لَهُ فِيهِ ويؤجل لإثباته إِذْ لَا أقل أَن توجب الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة الْخلاف، وَيحْتَاج النَّاظر فِي الْقَضِيَّة حِينَئِذٍ إِلَى مزِيد تَحْرِير وإتقان، وَقد نقل (ح) أَن الْبَيِّنَتَيْنِ إِذا تَعَارَضَتَا فنفت كل مِنْهُمَا مَا أثبتته الْأُخْرَى فِي وَقت مَخْصُوص وَمَكَان مَخْصُوص يكون تهاتراً ويصار للترجيح فَانْظُرْهُ، وَلَا سِيمَا والموجه قد يكون وَاحِدًا وَكَذَا يُقَال فِي اللفيف على مَا بِهِ الْعَمَل من إِعْمَال شَهَادَته مُطلقًا. وَقُلْنَا لَا يعْذر فِيهِ بِكُل القوادح إِذا أَرَادَ الْخصم معارضته فَيمكن كَمَا نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد. الثَّانِي: بَقِي على النَّاظِم مِمَّا لَا إعذار فِيهِ شَهَادَة الْقَافِلَة بَعضهم لبَعض فِي حرابة إِذا شهد عَدْلَانِ مِنْهُم على من حاربهم بِأخذ مَال أَو قتل، فَإِن مَذْهَب مَالك فِي السلابة والمغيرين وَمَا أشبههم إِذا شهد المسلوبون والمنتهبون قبُول شَهَادَتهم عَلَيْهِم إِذا كَانُوا من أهل الْقبُول دون إعذار، وَإِن أدّى إِلَى سفك دِمَائِهِمْ كَمَا فِي ابْن سهل عَن أبي إِبْرَاهِيم إِسْحَاق الْمَذْكُور، وَكَذَا لَا إعذار فِي شَهَادَة أهل الْقَافِلَة بَعضهم لبَعض عِنْد حَاكم الْبَلَد أَو الْقرْيَة الَّتِي حلوا أَو مروا بهَا بِمَا وَقع بَينهم من الْمُعَامَلَات فِي ذَلِك السّفر وَإِن لم يعرف حَاكم الْبَلَد عدالتهم كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ المُصَنّف فِيمَا يَأْتِي بقوله: وَمن عَلَيْهِ وسم خير قد ظهر. الخ. لِأَنَّهُ فِي ضَرُورَة السّفر مَدْخُول فيهم على عدم الْعَدَالَة، وَكَذَا لَا إعذار فِي مزكي السِّرّ كَمَا مرّ وَلَكِن الَّذِي عَلَيْهِ الْقُضَاة الْيَوْم وجوب الْإِعْذَار فِيهِ لما نبهنا عَلَيْهِ قبل فِي شَاهِدي الْمجْلس، وَيَأْتِي قَول النَّاظِم: والفحص من تَلقاهُ قَاض قنعا. وَأما المبرز فِي الْعَدَالَة فَالْمُعْتَمَد وجوب الْإِعْذَار فِيهِ بِكُل قَادِح كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: وَفِي المبرز بعداوة وقرابة وَإِن بِدُونِهِ كغيرهما على الْمُخْتَار، وَكَذَا من يخْشَى مِنْهُ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة وجوب الْإِعْذَار فِيهِ، وَإِنَّمَا ذكره (خَ) مَعَ من لَا إعذار فِيهِ جمعا للنظائر قَالَه طفي أَي: لِأَن الْجمع للنظائر قد يرتكب فِيهِ غير الْمَشْهُور، وَكَذَا لَا إعذار فِي الشَّهَادَة بِالضَّرَرِ وَلَا فِي حكم الْحكمَيْنِ وَلَا فِي الشَّاهِد على القَاضِي بالجرحة، لِأَن طلبه للإعذار فِيهِ طلب لخطة الْقَضَاء وطلبها جرحة كَمَا تقدم، وَأما الْوكَالَة فَإِنَّمَا ترك الْإِعْذَار فِيهَا من تَركه لِأَن القَاضِي لَا بُد لَهُ من الْإِعْذَار عِنْد إِرَادَة الحكم بقوله: أبقيت لَك حجَّة فاستغني بذلك عَن الْإِعْذَار فِيهَا ابْتِدَاء فَلَا يسْقط فِيهَا الْإِعْذَار جملَة كَمَا فِي غَيرهَا مِمَّا مرّ، وَكَذَا الإراثة كَمَا فِي (ح) عَن ابْن بشير القَاضِي. وَالْحَاصِل أَن الطَّالِب للإعذار إِن كَانَ هُوَ الْمُوكل فَإِن طلبه قبل قبض الْوَكِيل وَلم يتَعَلَّق للْوَكِيل حق بِالْوكَالَةِ من بيع رهن بِيَدِهِ ليستوفي دينه وَنَحْو ذَلِك فَلَا وَجه للإعذار لِأَنَّهُ مُمكن من عَزله، وَإِن كَانَ بعد الْقَبْض وَتلف الْمَقْبُوض أَو تعلق للْوَكِيل حق بهَا فَلَا إِشْكَال فِي وجوب الْإِعْذَار لَهُ، وَإِن كَانَ
стр. 112
الطَّالِب لَهُ هُوَ الدَّافِع فَإِن قُلْنَا: إِن الدَّافِع لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَو ظَهرت سخطَة بشاهديها بعد قبض الْوَكِيل وهروبه أَو إفلاسه كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَامهم لِأَنَّهُ دفع بِحكم، والمصيبة من الْمُوكل فَلَا حق للدافع فِي الْإِعْذَار بِلَا إِشْكَال، وَإِن قُلْنَا بضمانه فَكيف لَا يعْذر لَهُ إِذا طلبه ابْتِدَاء وانتهاء. بل استظهر ابْن رحال فِي شَرحه وجوب الْإِعْذَار لَهُ مَعَ عدم الضَّمَان قَائِلا لِأَنَّهُ قَائِم مقَام الْمُوكل فِي ذَلِك وَأما إِن قَالَ: لَا أدفَع المَال حَتَّى يعْذر إِلَى الْمُوكل فَفِي ابْن سَلمُون: إِن قربت غيبَة الْمُوكل كالثلاثة فدون كتب إِلَيْهِ وَإِن بَعدت الْغَيْبَة حكم عَلَيْهِ بِالدفع، وَحِينَئِذٍ فَمن نفى الْإِعْذَار فِيهَا مُرَاده إِذا طلب الْغَرِيم الْإِعْذَار لنَفسِهِ مُطلقًا أَو لرب الْحق مَعَ بعد الْغَيْبَة كَمَا ترى، وَهَذَا كُله إِذا ثبتَتْ الْوكَالَة عِنْد القَاضِي، وَأما إِن لم تثبت واعترف الْغَرِيم بِصِحَّتِهَا فَحكم عَلَيْهِ الْحَاكِم بِالْأَدَاءِ ثمَّ تبين عدم صِحَّتهَا وَقد هرب الْوَكِيل أَو فلس فعلى الدَّافِع الْغرم والمصيبة مِنْهُ لِأَنَّهُ غَار لنَفسِهِ باعترافه كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن فَرِحُونَ فِي الْقَضَاء بالإمارات هَذَا تَحْرِير الْمَسْأَلَة فِيمَا يظْهر وَلم أَقف عَلَيْهِ محرراً هَكَذَا وَالله أعلم.
(فصل فِي خطاب الْقُضَاة)
وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخ (م) أَن يكْتب قَاضِي بلد إِلَى قَاضِي بلد آخر بِمَا ثَبت عِنْده من حق الْإِنْسَان فِي بلد القَاضِي الْكَاتِب على آخر فِي بلد الْمَكْتُوب إِلَيْهِ ليحكم عَلَيْهِ هُنَالك عملا بقوله: وَالْحكم فِي الْمَشْهُور حَيْثُ الْمُدعى عَلَيْهِ الخ … وَهَذَا التَّعْرِيف لَا يَشْمَل الإنهاء بالمشافهة مَعَ أَنه خطاب فَهُوَ غير منعكس، لَكِن لما لم يتَعَرَّض المُصَنّف لَهُ دَاخل الْفَصْل اقْتصر على تَعْرِيفه بِمَا ذكر، وَهُوَ يَشْمَل الإنهاء بِالْكِتَابَةِ وَالْخطاب على الرسوم الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ النَّاظِم هَهُنَا. (وَمَا يتَعَلَّق بِهِ) من التَّعْجِيز والبشر وَنَحْوهمَا. ثُمَّ الخِطابُ لِلرُّسُومِ إنْ طُلِبْ حَتْمٌ عَلَى القاضِي وإلاَّ لَمْ يَجِبْ (ثمَّ) هِيَ للتَّرْتِيب الإخباري (الْخطاب) من قَاض لآخر بِمَا ثَبت عِنْده من صِحَة الرَّسْم وعدالة شاهديه، وَهُوَ مُبْتَدأ (للرسوم) فِيهَا أَو عَلَيْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ويخرون للأذقان﴾ (الْإِسْرَاء: ١٠٩) أَي عَلَيْهَا وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٧) أَي فِيهِ يتَعَلَّق بِالْخِطَابِ (إِن طلب) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول شَرط أَي إِن طلبه الْخصم من القَاضِي (حتم) خبر وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف للْعلم بِهِ مِمَّا قبله كَقَوْلِه: أَنْت ظَالِم إِن فعلت لِأَن رُتْبَة قَوْله: حتم التَّقْدِيم (على القَاضِي وَإِلَّا) يَطْلُبهُ الْخصم من القَاضِي (لم يجب) عَلَيْهِ وَلَا مَفْهُوم للرسوم بل بالمشافهة، كَذَلِك حَيْثُ
стр. 113
طلبه الْخصم أَيْضا (خَ) وأنهى لغيره بمشافهة إِن كَانَ كل بولايته وبشاهدين مُطلقًا الخ. ابْن رشد: يجب على القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَن يصل نظره بِمَا ثَبت عِنْد القَاضِي الْكَاتِب، فَإِن كتب بِثُبُوت شَهَادَتهم فَقَط أَي لَا بقبولهم لم يؤمروا بِإِعَادَة شَهَادَتهم وَنظر فِي تعديلهم، وَإِن كتب بتعديلهم وقبوله إيَّاهُم أعذر للْمَشْهُود عَلَيْهِ فيهم، وَإِن كتب أَنه أعذر فعجز عَن الدّفع أمضى الحكم عَلَيْهِ. وَالْحَاصِل أَنه يبْنى على فعل الأول (خَ) فنفذه الثَّانِي وَبنى كَأَن نقل لخطة أُخْرَى وَإِن حدا إِن كَانَ أَهلا أَو قَاضِي مصر الخ … وَإِنَّمَا كَانَ يَبْنِي لِأَن إِشْهَاد القَاضِي الأول بِمَا ثَبت من شَهَادَتهم أَو تعديلهم أَو إعذار فيهم وَنَحْوه حكم بذلك، فَلَو لم يبن لَكَانَ متعقباً لحكم الأول. وَفِي (خَ) وَلَا يتعقب حكم الْعدْل الْعَالم، وَلِهَذَا اشْترط فِي الْبَانِي أَن يكون أَهلا أَو قَاضِي مصر لم يعرف جوره وَلَا جَهله لِأَن شَأْن قُضَاة الْأَمْصَار الْعلم، ثمَّ إِذا كَانَ الْخطاب على الحكم بِالْحَقِّ بِشَاهِدين فَإِن الْمُخَاطب بِالْفَتْح يعْذر فيهمَا للخصم فَإِن أَتَى بمدفع فيهمَا لم يحكم عَلَيْهِ، وَإِن ادّعى الدّفع فيهمَا بِحجَّة فِي بلد الْكَاتِب قيل لَهُ: أدِّ هُنَا مَا ثَبت عَلَيْك وامض فَإِن أثبت مَا تدعيه من الْحجَّة رجعت، وَإِنَّمَا وَجب الْإِعْذَار لِأَن الْمَكْتُوب إِلَيْهِ لم يوجههما بل هما موجهان إِلَيْهِ فَلَا يُعَارض مَا مرّ، وَيفهم من هَذَا أَن الْخطاب إِذا لم يكن بالشاهدين بل بِأَعْلَم بِصِحَّتِهِ وَنَحْوه على مَا بِهِ الْعَمَل الْيَوْم كَمَا يَأْتِي حكم بِمَا خَاطب بِهِ، وَإِن لم يكن إِشْهَاد فيبنى أَيْضا وَهُوَ وَاضح، وَأَن الْمَكْتُوب إِلَيْهِ إِذا لم يعرف خطّ الْكَاتِب وَعرف لَهُ بِهِ غَيره لَا بُد من الْإِعْذَار فِي الْعرف بِالْكَسْرِ وَهُوَ كَذَلِك، وَأَن إِشْهَاد الْحَاكِم بِصِحَّة الرَّسْم أَو ثُبُوته وَنَحْوهمَا أَو إِعْلَامه بذلك من غير إِشْهَاد على مَا بِهِ الْعَمَل لَيْسَ حكما بِالْحَقِّ وإلاَّ مَا احْتَاجَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ إِلَى الْبناء بل ينفذ ذَلِك الحكم فَقَط، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون اللَّفْظ الْمَذْكُور مُحْتملا للْحكم بِالْحَقِّ وللحكم بتعديل الْبَيِّنَة وَنَحْوه دون إِيقَاع حكم وَلَا يلْزم من الحكم بالتعديل مثلا الحكم بِالْحَقِّ لِأَن التَّعْدِيل رَاجع للْحكم بِعلم القَاضِي، وَقد يُعَارضهُ تجريح وَنَحْوه يمْنَع من الحكم بِالْحَقِّ على أَن كَونه حكما بالتعديل وَنَحْوه
стр. 114
هُوَ مَا لِابْنِ رشد كَمَا مرّ عَنهُ وَصرح بِهِ ابْن عَرَفَة، وَالَّذِي لغيره أَنه لَيْسَ بِحكم أصلا وَهُوَ مَا تقدم أول الْبَاب، وَبِه صرح النَّاظِم فِي قَوْله بعد: وَلَيْسَ يُغني كتب قَاض كاكتفى. الخ … وَلذَا قَالَ الْمَازرِيّ وَغَيره فِي قَاض خَاطب آخر بقوله: ثَبت عِنْدِي أَن فلَانا وَفُلَانًا اشتريا من فلَان فِي عقد وَاحِد كَذَا بِثمن سَمَّاهُ الخ أَن ذَلِك لَا يُوجب نقل الْملك فتترتب عَلَيْهِ آثاره من شُفْعَة وَنَحْوهَا إِذْ النَّقْل لَا يثبت إِلَّا باعتراف الْمُتَعَاقدين أَو حكم الْحَاكِم عَلَيْهِمَا بعد الْإِنْكَار، وَالْخطاب الْمَذْكُور لم يُصَرح فِيهِ بالاعتراف وَلَا بالحكم بِالْبيعِ، بل هُوَ مُحْتَمل للْحكم وَلما سواهُ من اسْتِمَاع لما أثْبته من بَيِّنَة زكيت دون إِيقَاع حكم وَلَا تلْزم القضايا بِلَفْظ فِيهِ إِشْكَال وإبهام اتِّفَاقًا. انْظُر أقضية المعيار وَأَن القَاضِي إِذا خَاطب بِحكم يجب أَن يكْتب حكمه وكل حجَّة لَهُ من تَعْدِيل أَو تجريح وَمُوجب حكمه لتَكون لَهُ حجَّة على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ إِن نازعه، إِذْ لَا يتم الْمَعْنى الَّذِي وَجب الْخطاب لأَجله إلاَّ بذلك وَأَن الْخطاب على رسم نَاقص لَا يجب إِذْ الْحجَّة لَا تقوم بِهِ لِأَنَّهُ سَاقِط الِاعْتِبَار كَمَا لَا تُعْطى مِنْهُ نُسْخَة كَمَا مرّ، فَإِذا أشهد الشَّاهِدين بوقتين مثلا وَلم يُقيد فِيهِ أَنه لَا يعلم أَن الدّين تأدى وَلَا سقط وَطلب الْخصم الْخطاب عَلَيْهِ فَلَا يُجَاب إِذْ لَا خطاب بِشَيْء نَاقص كَمَا فِي المعيار، وَفِي التَّبْصِرَة أَن الشَّهَادَة بِالدّينِ لمَيت أَو عَلَيْهِ لَا تتمّ إِلَّا إِذا قَالَ الشَّاهِد: إِنَّه لَا يعلم أَن الدّين تأدى أَو سقط اه بِالْمَعْنَى، وَهل يُسمى الْمُخَاطب بِالْكَسْرِ الشُّهُود الَّذِي بنى عَلَيْهِم حكمه فِي خطابه يجْرِي ذَلِك على مَا يَأْتِي فِي فصل الحكم على الْغَائِب من أَنه إِذا كَانَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ غَائِبا فَلَا بُد من التَّسْمِيَة لِأَنَّهُ على حجَّته. (خَ) وسمى الشُّهُود وإلاَّ نقض الخ. وَإِن كَانَ حَاضرا فالتسمية مُسْتَحبَّة، وَبِه الْعَمَل كَمَا فِي ضيح والتبصرة، وَلَكِن الْمُوَافق لما مرّ عِنْد قَول النَّاظِم وَقَول سَحْنُون الخ. وجوب التَّسْمِيَة حَتَّى فِي حق الْحَاضِر لَا استحبابها فَقَط لضعف عَدَالَة قُضَاة الْوَقْت، وَقد قَالَ فِي تَكْمِيل التَّقْيِيد مَا نَصه الْمَازرِيّ من الْمصلحَة وَالْحكمَة منع القَاضِي الحكم بِعِلْمِهِ خوف كَونه غير عدل فَيَقُول: علمت فِيمَا لم يُعلمهُ وَعَلِيهِ فَلَا يقبل قَوْله ثَبت عِنْدِي كَذَا إِلَّا أَن يُسَمِّي الْبَيِّنَة اه. وَأما إِن خَاطب بِمُجَرَّد شَهَادَتهم أَو بتعديله إيَّاهُم فَلَا بُد من التَّسْمِيَة لبَقَاء الْإِعْذَار وَلَا يُمكن إِلَّا بهَا، فَإِن قَالَ: ثَبت عِنْدِي بَيِّنَة عادلة أَن لفُلَان على فلَان كَذَا وَلم يسمهم رد خطابه، ثمَّ إِن الْأَحْوَط تَارِيخ الْخطاب لاحْتِمَال عزل القَاضِي الْكَاتِب لِأَن خطابه بعد عَزله وَقبل الْعلم بِهِ سَاقِط على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَكِيل يتَصَرَّف بعد الْعَزْل، وَقبل
стр. 115
الْعلم الْمشَار لَهما بقول (خَ) وَفِي عَزله بعزله وَلم يعلم خلاف، وَلِأَن الْبَيِّنَة الَّتِي خَاطب بقبولها قد يَنْقَلِب حَالهَا إِلَى جرحة لم تكن فَإِذا تَأَخّر الْعَمَل بِالْخِطَابِ ثمَّ أعذر للخصم فِيهَا وَلم يكن تَارِيخ أمكنه إِبْطَالهَا بالجرحة الثَّابِتَة الْآن، وَلَا يُمكنهُ ذَلِك مَعَ التَّارِيخ لِسَلَامَةِ وَقت الْأَدَاء من الجرحة الْحَادِثَة قَالَه الشَّارِح. وَنَقله فِي المعيار مُسلما. قلت: وَالتَّعْلِيل الْأَخير يَقْتَضِي وجوب التَّارِيخ وَهُوَ يُؤَيّد مَا مرّ عِنْد قَوْله وَحقه إنهاء مَا فِي علمه الخ. من أَن الْفسق الطارىء بعد الْأَدَاء لَا يبطل الشَّهَادَة فَتَأَمّله، وَفِي نَوَازِل الزياتي أَن القَاضِي أَبَا عبد الله المكناسي سُئِلَ عَمَّن استظهر برسم عَلَيْهِ خطاب قَاض مَعْرُوف مَاتَ معزولاً، فَادّعى الْمَطْلُوب أَن القَاضِي خَاطب عَلَيْهِ بعد عَزله، وَخَالفهُ الطَّالِب فَقَالَ: إِن لم يكن للخطاب تَارِيخ يعلم بِهِ قدمه على عَزله لم يعْمل بِهِ اه. قلت: وَقد يؤرخ فِي حَال الْعَزْل بِالْيَوْمِ الَّذِي كَانَ مولى فِيهِ، وَقد شاهدنا من ذَلِك الْعجب العجاب فَلَا تَنْتفِي التُّهْمَة إِلَّا بالتسجيل عَلَيْهِ وَالله أعلم. وَلما أخبر أَن الْخطاب وَاجِب إِن طلبه الْخصم، وَكَانَ ذَلِك شَامِلًا للخطاب فِي الشَّاهِدين على كتاب القَاضِي الْكَاتِب يَشْهَدَانِ بِمَا فِيهِ عِنْد الْمَكْتُوب إِلَيْهِ كَمَا مرّ عَن (خَ) وللخطاب الْمُجَرّد عَنْهُمَا، وَسَوَاء كَانَت الْكِتَابَة فِي بطاقة على حدتها مَعَ الإحالة على رسم الْحق أَو فِي رسم الْحق نَفسه، وَقَوله: للرسوم لَا يُنَافِي ذَلِك لِأَن المُرَاد على مضمنها كَانَ فِيهَا أَو على حِدته كَانَ بِشَاهِدين أم لَا؟ بَين أَن الصُّور كلهَا جَائِزَة، وَأَن الْخطاب بِالْكِتَابَةِ حَيْثُ كَانَ بِلَفْظ أعلم مَقْبُول على أَي وَجه كَانَ فَقَالَ: وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى قَبُولِ مَا خاطَبَهُ قَاضٍ بِمثْلِ اعْلَما (وَالْعَمَل) مُبْتَدأ (الْيَوْم) ظرف يتَعَلَّق بِهِ (على قبُول مَا) خبر الْمُبْتَدَأ وَمَا مَوْصُولَة مُضَاف إِلَيْهِ وصلتها (خاطبه قَاض) و (بِمثل أعلما) يتَعَلَّق بِهِ وَهُوَ مقحم أَو بِمَعْنى نفس كَمَا قيل بِكُل مِنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى: فَإِن آمنُوا بِمثل مَا آمنتم﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٧) الْآيَة. وَلَو قَالَ بِلَفْظ أعلما لِأَن الْخطاب إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَانه بِهِ لَا بِمثلِهِ وَلَا بِهِ وبمثله كأخبر كَانَ أولى قَالَه (ت) قلت: وَسَيَأْتِي أَن الِاقْتِصَار على لفظ أعلما مُجَرّد اصْطِلَاح وَلَو تغير الِاصْطِلَاح إِلَى غَيره مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ لصَحَّ الْخطاب بِهِ فاعتراضه إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لتقييد النّظم بِالْيَوْمِ اه. وَظَاهر النّظم الْقبُول وَإِن لم يكن إِشْهَاد وَهُوَ مُوَافق لما حَكَاهُ ابْن المناصف عَن أهل عصره من اتِّفَاقهم على قبُول كتاب القَاضِي
стр. 116
بِمُجَرَّد معرفَة خطه دون إِشْهَاد عَلَيْهِ. قَالَ: وَلَا يَسْتَطِيع أحد صرفهم عَنهُ فِيمَا أَظن مَعَ أَنِّي لَا أعلم فِيهِ خلافًا إِلَّا مَا وَقع فِي الْمَذْهَب أَن كتاب القَاضِي لَا يجوز بِمَعْرِِفَة خطه اه. وَقَوله: لَا أعلم فِيهِ خلافًا الخ. يَعْنِي بِهِ إلاَّ مَا وَقع لسَحْنُون من قبُوله كتب أمنائه كَمَا يَأْتِي، وَظَاهره أَيْضا أَن الْخطاب بِأَعْلَم يقبل مُطلقًا كَانَ الْمُخَاطب بِالْفَتْح معينا أم لَا. وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي الْعُتْبِيَّة فَيعْمل بِهِ مَعَ عدم التَّعْيِين كل من يقف عَلَيْهِ من الْقُضَاة إِذا عرف خطه أَو ثَبت بِبَيِّنَة عادلة أَنه خطه وَلَو بِشَاهِد وَاحِد على مَا للمكناسي فِي مجالسه عَمَّن أدْركهُ من الْقُضَاة ابْن المناصف، وَإِذا ثَبت خطّ القَاضِي الْكَاتِب وَجب الْعَمَل بِهِ، وَإِن لم تقم بَيِّنَة بذلك، وَالْقَاضِي يعرف خطّ القَاضِي الْكَاتِب فَوَاجِب عِنْدِي قبُوله بِمَعْرِِفَة خطه، وَقبُول سَحْنُون كتب أمنائه بِلَا بَيِّنَة يدل على ذَلِك وَلَيْسَ ذَلِك من بَاب قَضَاء القَاضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي لَا يجوز الْقَضَاء بِهِ لِأَن وُرُود كتاب القَاضِي عَلَيْهِ بذلك الْحق كقيام بَيِّنَة عِنْده فقبوله الْكتاب بِمَا عرفه من خطه كقبوله بَيِّنَة بِمَا عرف من عدالتها اه. قلت: وَحَاصِل مَا قَالَه أَن قَضَاء القَاضِي يُعلمهُ الْمُجَرّد عَن الْوَاسِطَة كعلمه أَن لزيد على عَمْرو درهما مُمْتَنع، وَأما إِن علمه بِوَاسِطَة الْبَيِّنَة الَّتِي يعرف عدالتها أَو بِوَاسِطَة الْخط الَّذِي يعرف عَدَالَة كَاتبه، فَهَذَا جَائِز قَضَاؤُهُ بِهِ لبعد التُّهْمَة، وَقد يُقَال: إِن التُّهْمَة تقَوِّي فِي انْفِرَاده بِمَعْرِِفَة الْخط لمشاركة بعض النَّاس لَهُ فِي الْعلم بِالْعَدَالَةِ وللبحث عَن تحققها بالأعذار، وَلذَا نظر فِيهِ المكناسي فِي مجالسه قَائِلا يلْزم عَلَيْهِ أَن من قَامَ بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ ميتين أَو غائبين، وَلم يُوجد من يعرف خطهما، وَالْقَاضِي يعرف خطهما أَن يحكم بذلك الرَّسْم، وَهَذَا مِمَّا لَا يَقُوله أحد أَي لِأَنَّهُ من الحكم بِعِلْمِهِ إِذْ لَا فرق فِيمَا يظْهر بَين خطّ الشَّاهِد وَخط القَاضِي، بل صرح أَبُو الْحسن كَمَا فِي أقضية المعيار بِعَدَمِ قبُوله فِي خطّ القَاضِي قَائِلا لِأَنَّهُ حَاكم بِعِلْمِهِ وَهُوَ الْمُوَافق لما مرّ فِي الْبَيْت قبله عَن الْمَازرِيّ، وَلَا سِيمَا مَعَ ضعف عَدَالَة قُضَاة الْيَوْم، فَيَنْبَغِي أَن لَا يُبَاح أَلْبَتَّة فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَأما مَعَ التَّعْيِين فَيعْمل بِهِ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَو من ولي بعده كَمَا يَأْتِي فِي قَول النَّاظِم: ومعلم يخلفه وَالِي القضا الخ. وَظَاهره أَيْضا أَنه يقبل وَإِن مَاتَ الْمُخَاطب بِالْكَسْرِ أَو عزل أَو مَاتَ الْمُخَاطب بِالْفَتْح أَو عزل وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع على الْمُعْتَمد، وَبِه الْعَمَل كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَاعْتمد الْقبُول بعض من مضى الخ. وَمَا يَأْتِي للناظم مِمَّا يُعَارض إِطْلَاقه هُنَا. وَفِي قَوْله: وَإِن يمت مُخَاطب الخ. وَنَحْوه للشَّيْخ (م) عَن ابْن المناصف فِي الْفَرْع الثَّالِث لَا يعول عَلَيْهِ، وكيفيته مَعَ عدم التَّعْيِين على مَا بِهِ الْعَمَل الْيَوْم بفاس وَمَا والاها أَن يكْتب أَسْفَل الرَّسْم أَو عرضه أَو فِي ظَهره الْحَمد لله أديا فَقبلا، وَأعلم بِهِ فِي تَارِيخ كَذَا على مَا هُوَ الْأَحْوَط أَو الْوَاجِب كَمَا مرّ وَإِن كَانَ النَّاس الْيَوْم فِيمَا شَاهَدْنَاهُ على عدم التَّارِيخ أَو الْحَمد لله أديا فَثَبت وَأعلم بِهِ أَو الْحَمد لله أعلم بِصِحَّتِهِ أَو بِثُبُوتِهِ أَو باستقلاله وَإِن كَانَ فِي الصَّك رسوم نبه على جَمِيعهَا إِن أَرَادَ ذَلِك وَصحت عِنْده وإلاَّ قيد بالأخيرين مثلا أَو بِمَا ثَبت عِنْده مِنْهَا وَإِن كَانَ فِي الرَّسْم عدل وَاحِد أَو عدد كثير وَلم يقبل إِلَّا وَاحِد فَيكْتب على مَا شهدناه الْيَوْم أُدي فَقبل وَأعلم بِهِ فلَان، وَكَانَ الضَّمِير عِنْدهم فِي بِهِ فِي الْخطاب على الْوَاحِد يعود على الْأَدَاء الْمَفْهُوم من أدّى وَلَيْسَ لَهُ أَن يُخَاطب على الْوَاحِد بقوله أعلم بِصِحَّة الرَّسْم أَو بِثُبُوتِهِ أَو باستقلاله مَعَ قَصده بذلك ثُبُوت الْحق
стр. 117
على الْمَطْلُوب، وَأَنه لم يبْق لَهُ فِيهِ مقَال بطعن وَلَا غَيره لما علمت أَن الْحق لَا يثبت بِالْوَاحِدِ إِلَّا بعد الْيَمين مَعَه، وَهَذَا فِي الْأَمْوَال، وَأما فِي غَيرهَا مِمَّا لَا يثبت إِلَّا بعدلين فَلَا وَجه للخطاب فِيهَا على الْوَاحِد لما مرّ أَنه لَا خطاب على رسم نَاقص لَا ينْتَفع بِهِ ربه، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرْجَى أَن يُضَاف إِلَيْهِ شَاهد آخر فِي غير مَوضِع الْخطاب فيخاطب حِينَئِذٍ، وَإِن كَانَ الْخطاب بِوَرَقَة مفصولة عَن رسم الْحق غير ملصقة بِهِ فَلَا بُد أَن يَقُول أعلم بِصِحَّة الرَّسْم الَّذِي بيد حامله فلَان المتضمن للحق الَّذِي لَهُ على فلَان المؤرخ بِكَذَا الَّذِي شُهُوده فلَان وَفُلَان وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يعين الرَّسْم الْمُخَاطب عَلَيْهِ، وَإِن ألصق ورقة بالرسم وخاطب فِيهَا قَالَ أعلم بِصِحَّة العقد المرتسم بِالْوَرَقَةِ الملتصقة لهَذَا المتضمن لفُلَان قبل فلَان كَذَا، أَو المتضمن تَوْكِيل فلَان فلَانا على كَذَا وَنَحْوه مِمَّا يعين الْحق الْمُخَاطب بِهِ، فَلَا بُد من زِيَادَة المتضمن الخ. خشيَة أَن يلصق ورقة الْخطاب بِوَرَقَة حق غير الْحق الَّذِي بِهِ وَقع الْخطاب، وَلَا يعْمل بِهِ إِن سقط ذَلِك مِنْهُ كَمَا لَا يعْمل بِهِ إِن كَانَ الْخطاب مُلْصقًا وَلم يقل فِيهِ بالملتصق أَعْلَاهُ لِإِمْكَان إِزَالَته من ورقة أُخْرَى، وَلَا يَكْفِي عَن زِيَادَة المتضمن الخ. مَا صدر بِهِ من قَوْله بالملتصق أَعْلَاهُ كَمَا يقْتَصر عَلَيْهِ الْجُهَّال من الْقُضَاة لِأَن ذَلِك لَا يمْنَع إلصاقه بِوَرَقَة أُخْرَى، وَأما مَعَ التَّعْيِين فكيفيته الْحَمد لله أعلم بِصِحَّة الرَّسْم الْمُقَيد فَوق هَذَا على مَا يجب الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو فلَان فلَان ابْن فلَان أدام الله توفيقه وتسديده، وليه فِي الله تَعَالَى وموثقه فلَان ابْن فلَان، وَيكْتب اسْمه بتخليط وتعمية، وَيُسمى الْعَلامَة والشكل لِئَلَّا يُخَاطب على لِسَانه غَيره، وَإِنَّمَا قدمُوا مفعول أعلم وَهُوَ اسْم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ على الْفَاعِل الْكَاتِب تَعْظِيمًا لَهُ واهتماماً بِهِ، ثمَّ إِذا وصل الْخطاب للمكتوب إِلَيْهِ الْمعِين كتب تَحْتَهُ بِخَط يَده أعملته، وَكَذَا إِن كَانَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ غير معِين ووقف عَلَيْهِ بعض الْقُضَاة وَكَانَ الْخِصَام عِنْده فَإِن لم يكن الْخِصَام عِنْده بل بِبَلَد آخر لَا يعرف قاضيها خطّ القَاضِي الْكَاتِب، وَلَكِن يعرف خطّ الْوَاقِف عَلَيْهِ كتب الْوَاقِف الْمَذْكُور الْحَمد لله أعلم بِأَعْمَالِهِ فلَان ابْن فلَان، وَهَكَذَا حَتَّى يصل إِلَى بلد قَاضِي بلد النزاع. وَلما كَانَ الْخطاب الَّذِي لم يُصَرح فِيهِ بالإعلام لَغوا غير مَقْبُول وَلَا مَعْمُول بِهِ عِنْد الْقُضَاة نبه عَلَيْهِ بقوله: ولَيْسَ يُغْني كَتْبُ قَاضٍ كاكْتَف ﷺ
١٦٤٨ - ; ى عَنِ الخطابِ والمَزِيدُ قَدْ كَف ﷺ
١٦٤٨ - ; ى (وَلَيْسَ) فعل نَاقص (يُغني) خَبَرهَا (كتب قَاض) اسْمهَا (كاكتفى) مفعول بقوله كتب لِأَن
стр. 118
الْكَاف اسْم بِمَعْنى مثل (عَن الْخطاب) يتَعَلَّق بيغني أَي لَيْسَ كتب القَاضِي تَحت الرَّسْم اكْتفى، وَمثله من نَحْو اسْتَقل أَو صَحَّ أَو ثَبت مغنياً عَن الْخطاب بِأَعْلَم، بل حَتَّى يزِيد وَأعلم بِهِ أَو يَقُول أعلم باستقلاله وَنَحْوه مِمَّا مرّ وَهُوَ صَرِيح فِي أَن الثُّبُوت لَيْسَ بِحكم فَقَوله: (والمزيد) مَنْصُوب على نزع الْخَافِض بقوله: (قد كفى) أَي كَفاهُ عَن زِيَادَة الشُّهُود فَهُوَ يتَعَدَّى للْأولِ بِنَفسِهِ وَللثَّانِي بِحرف الْجَرّ كَقَوْلِه تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥١) وَيجوز أَن تكون لَيْسَ مُهْملَة بِمَنْزِلَة لَا وَأَن يكون اسْمهَا ضمير للشأن وَالْجُمْلَة خَبَرهَا. وَحَاصِله: أَن القَاضِي إِذا اقْتصر على كتب اكْتفى أَو اسْتَقل أَو نَحْوهمَا كَانَ ذَلِك قاصراً عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ تذكرة لنَفسِهِ بِأَنَّهُ وقف على مُوجب اكْتِفَاء الرَّسْم لعدالة شاهديه وَنَحْو ذَلِك، وإخبار للْمَشْهُود لَهُ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ ذَلِك عَن الزِّيَادَة فَلَا يلْزم قَاضِيا آخر إِذا وقف على ذَلِك أَن يمضيه اعْتِمَادًا على قَوْله اكْتفى وَنَحْوه، لِأَنَّهُ لم يخاطبه وَلَو أَمْضَاهُ لَكَانَ غير مُعْتَمد على شَهَادَة وَلَا خبر من القَاضِي الأول. قلت: وَذَلِكَ وَالله أعلم أَن الأول قد يَكْتُبهُ اعْتِمَادًا على مَا ظهر لَهُ فِيهِ ابْتِدَاء وَإِن كَانَ سيراجع فِيهِ نَفسه ويبحث عَن بَاطِنه فَلَا يدل ذَلِك على أَنه استقصى أمره فِيهِ، فَكَمَا أَن النَّاقِل لَا ينْقل إِلَّا بإشهاد فَكَذَلِك الْمُخَاطب بِالْفَتْح لَا يعْمل بِهِ إِلَّا بإعلام لاشْتِرَاط الْإِذْن فِي كل مِنْهُمَا، وَلذَا قَالَ (خَ) : وَلم يشْهد على حَاكم قَالَ: ثَبت عِنْدِي إِلَّا بإشهاد الخ. وَلذَا أَتَى النَّاظِم بالحصر فَقَالَ: وإنَّمَا الخِطابُ مِثْلُ أَعْلَمَا إذْ مُعْلَماً بِهِ اقْتَضَى ﷺ
١٦٤٨ - ; ومُعْلِما (وَإِنَّمَا) حرف تَأْكِيد وَحصر (الْخطاب) مُبْتَدأ خَبره (مثل أعلما) بِصِحَّتِهِ أَو استقلاله أَو اسْتَقل وَأعلم بِهِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِي أَن الْمُخَاطب بِالْكَسْرِ أذن لمن يقف عَلَيْهِ أَن يعْمل بِمُقْتَضَاهُ واقتصارهم على لفظ أعلم مُجَرّد اصْطِلَاح فَلَو تغير الِاصْطِلَاح إِلَى سواهَا مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا كأخبر وَنَحْوه لصَحَّ، وَلذَا قَالَ النَّاظِم بِمثل أعلم أَي بِأَعْلَم أَو مثله مِمَّا اصْطلحَ قُضَاة الْوَقْت عَلَيْهِ (إِذْ) تعليلة (معلما بِهِ) بِفَتْح اللَّام اسْم مفعول من أعلم وَضمير بِهِ يعود على الرَّسْم الْمُخَاطب عَلَيْهِ على حذف مُضَاف أَي بِثُبُوتِهِ وَنَحْوه وَهُوَ مفعول مقدم بقوله: (اقْتضى) أَي طلب وافهم (ومعلما) بِكَسْر اللَّام مَعْطُوف على الأول، وَيكون النَّاظِم ساكتاً عَن الشَّخْص الْمعلم بِالْفَتْح، وَيجوز الْعَكْس وَهُوَ كسر اللَّام فِي الأول وَفتحهَا فِي الثَّانِي، وَعَلِيهِ فقد تضمن كَلَامه الثَّلَاثَة الْمعلم بِالْكَسْرِ وَهُوَ فَاعل الْإِعْلَام، وَالشَّيْء الَّذِي وَقع بِهِ الْإِعْلَام وَعَلِيهِ يعود الضَّمِير فِي بِهِ والشخص الْمعلم بِالْفَتْح أَي لِأَنَّهُ اقْتضى معلما بالشَّيْء الَّذِي تضمنه الرَّسْم وشخصاً معلما وَهُوَ الْمُخَاطب بِالْفَتْح، وَيجوز فتح اللَّام فيهمَا وَيكون الْمعلم بِالْكَسْرِ مستفاداً من اللَّفْظ، إِذْ لفظ الْإِعْلَام لَا بُد لَهُ من فَاعل يوقعه، وَفِي كل وَجه من هَذِه الْأَوْجه يَصح التَّنَازُع فِي بِهِ على قَول من أجَازه فِي مُتَقَدم أَي لِأَنَّهُ
стр. 119
اقْتضى شَيْئا معلما بِهِ وشخصاً معلما بِالْفَتْح وَالْكَسْر بذلك الشَّيْء، وَهَكَذَا وَالضَّمِير فِي بِهِ على كل حَال يعود على الشَّيْء الَّذِي وَقع بِهِ الْإِعْلَام، ثمَّ إِن هَذَا الْبَيْت لَيْسَ فِيهِ كَبِير فَائِدَة مَعَ مَا قدمه فِي قَوْله: وَالْعَمَل الْيَوْم الخ إِلَّا مَا أَفَادَهُ من الْحصْر، وَمن بَيَان وَجه كَون اكْتفى وَنَحْوه لَا يَكْفِي فِي الْخطاب أَي لكَونه لَا يَقْتَضِي مَا ذكر وَحِينَئِذٍ، فَلَو قدم هَذَا الْبَيْت وَجعل بعده قَوْله: وَالْعَمَل الْيَوْم الخ. وَيَقُول بعده مَا نَصه: من أجل ذَا لَا يُغني كتب كاكتفى عَن الْخطاب والمزيد قد كفى أَي لَا يُغني قَاضِيا كتب كاكتفى الخ. ليسلم من التّكْرَار مَعَ إِفَادَة تَعْلِيل عدم الِاكْتِفَاء بذلك، وَإِنَّمَا كَانَ أعلم يَقْتَضِي مَا ذكر لِأَن قَوْلهم أعلم باستقلاله وَنَحْوه لَا بُد لَهُ من الْفَاعِل الَّذِي هُوَ الْمعلم بِالْكَسْرِ، وَهُوَ هُنَا فلَان القَاضِي الَّذِي جرت الْعَادة أَن يكْتب اسْمه شكلاً يُسمى الْعَلامَة وَهُوَ يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة حذف؛ أَولهَا: الَّذِي هُوَ الْمعلم بِالْفَتْح للتعميم أَي كل من يقف عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ (يُونُس: ٥٢) وَالثَّانِي وَالثَّالِث: الَّذِي هُوَ الْمعلم بِهِ سد مسدهما الْمصدر المنسبك من أَن، وَالْفِعْل إِذْ الأَصْل أعلم فلَان فلَانا رسماً مُسْتقِلّا كَقَوْلِك: أعلمت زيدا عمرا قَائِما، فَلَمَّا دخلت أَن على الثَّانِي وَالثَّالِث للتَّأْكِيد وَنَحْوه سبكا بمصدر، وَكَانَ الأَصْل أَن يتَعَدَّى إِلَيْهِمَا بِنَفسِهِ كَمَا تَقول: أعلمت زيدا قيام عَمْرو، وَلَكنهُمْ اصْطَلحُوا هُنَا على جَرّه بِالْبَاء الزَّائِدَة كَمَا ترى، وَقد سُئِلَ الشَّيْخ المكودي ﵀ عَن وَجه زيادتهم لَهَا فَقَالَ: إِنَّمَا سُئِلَ عَنهُ لَو كَانَ من كَلَام الْعَرَب. وَهَذَا مَا يَكْتُبهُ القَاضِي الْكَاتِب، وَأما الْمَكْتُوب إِلَيْهِ فقد تقدم أَنه يكْتب تَحْتَهُ أعملته من غير أَن يضع علامته، وَكَأَنَّهُ تذكرة لنَفسِهِ فَقَط وَسَوَاء كَانَ معينا أم لَا على مَا بِهِ الْعَمَل، وَقيل: إِن كَانَ معينا كتب قبلته وَذَلِكَ مُجَرّد اصْطِلَاح فَإِن احْتِيجَ لتسجيل الإعمال والاستقلال وَنَحْوهمَا كتب تَحْتَهُ: أشهد عَدْلَانِ أشهد قَاضِي كَذَا، وَهُوَ بإعمال واستقلال الرَّسْم أَعْلَاهُ الإعمال أَو الِاسْتِقْلَال التَّام لصِحَّته عِنْده وثبوته لَدَيْهِ بواجبه وَهُوَ بِحَيْثُ يجب لَهُ ذَلِك من حَيْثُ ذكر فَإِذا طولع بِهِ القَاضِي وَوضع علامته مَوضِع الْبيَاض وَوضع العدلان علامتيهما إِثْر تَارِيخه وَلَيْسَ لمن لم يسع من الْعُدُول إشهاده بالإعمال الْمَذْكُور أَن يشْهد عَلَيْهِ بالإعمال وَنَحْوه اتكالاً على رُؤْيَة مَا كتبه من قَوْله أعملته أَو اسْتَقل وَنَحْوهمَا، لِأَن هَذَا شَاهد على خطه لَا على إشهاده قَالَ (غ) : وَهَذَا وَإِن تسَامح فِيهِ أهل فاس وعملها، لَكِن لَا يعلم لَهُ أصل إِذْ كَيفَ تصح الشَّهَادَة على خطه، وَقد لَا يكون بَين مَقْعَده، ودكان الشَّاهِد الأقدر غلوة أَو أقل اه. وَنَحْوه للمكناسي فِي مجالسه، والغلوة: مُنْتَهى الرَّمية يَعْنِي أَن الشَّهَادَة على الْخط إِنَّمَا تجوز مَعَ بعد الْغَيْبَة أَو الْمَوْت وَالْقَاضِي هُنَا بِخِلَاف ذَلِك فَكَانَ الْوَاجِب أَن لَا يشْهد عَلَيْهِ حَتَّى يسمع إشهاده، وَلَا سِيمَا وَقد تقدم أَنه يكْتب ذَلِك غير جازم بِهِ بل ليراجع فِيهِ نَفسه، وَكَأَنَّهُم اعتمدوا فِي ذَلِك على مَا فِي وثائق الفشتالي حَيْثُ قَالَ مَا نَصه: فَإِذا ثَبت الرَّسْم عِنْد القَاضِي وَكتب تَحْتَهُ: أكتفي فتكتب فِي الرَّسْم أشهد قَاضِي كَذَا باكتفاء الرَّسْم فَوْقه الِاكْتِفَاء التَّام الخ. فَظَاهر أَنه بِمُجَرَّد رُؤْيَة خطه يشْهد عَلَيْهِ، وَإِن لم يشهده وَفِي ذَلِك من التسامح مَا لَا يخفى. قلت: وَتَأمل هَذَا هَل تصدق على هَذَا الشَّاهِد حَقِيقَة شَهَادَة الزُّور وَهِي كَمَا لِابْنِ عَرَفَة أَن يشْهد بِمَا لم يعلم عمدا وَلَو طابق الْوَاقِع وَهُوَ الظَّاهِر أم لَا.
стр. 120
تَنْبِيه: اسْتُفِيدَ من النَّاظِم أَن اكْتفى واستقل وَثَبت وَنَحْوهَا أَلْفَاظ مترادفة وَأَن بَعْضهَا يَقع مَوضِع بعض، وَأَن الْإِعْلَام بهَا هُوَ الْوَاجِب لإعمال الْمُخَاطب بمقتضاها لما مرّ، وَهُوَ ظَاهر ابْن المناصف، وَعَن العقباني أَن الْخطاب بالاستقلال فِيمَا ثَبت بِشَهَادَة المبرزين وبالثبوت فِيمَا ثَبت بدونهم، وبالاكتفاء فِي الْأَدْنَى وَهُوَ مُجَرّد اصْطِلَاح. وَإِن يَمُتْ مُخَاطِبٌ أَو عُزِلا رُدَّ خِطابُهُ سِو ﷺ
١٦٤٨ - ; ى مَا سُجِّلا (وَإِن يمت) شَرط (مُخَاطب) بِالْكَسْرِ فَاعله (أَو عزلا) عطف على فعل الشَّرْط (رد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (خطابه) نَائِبه، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط أَي يلغى خطابه وَلَا يعْمل بِهِ على هَذَا القَوْل الَّذِي صدر بِهِ النَّاظِم، لأَنهم نزلُوا خطابه بالرسم منزلَة خطابه بالمشافهة، وَهُوَ إِذا مَاتَ لَا يتَكَلَّم، وَإِذا عزل لَا يقبل كَلَامه (خَ) : وَلَا تقبل شَهَادَته بعده أَنه قضى بِكَذَا أَي إِلَّا بِبَيِّنَة على ذَلِك، وَهُوَ معنى قَول النَّاظِم: (سوى) اسْتثِْنَاء (مَا) مَوْصُول مجرور وَاقعَة على الْمُخَاطب بِهِ (سجلا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَو الْفَاعِل، والعائد على مَا فِي هَذَا الْوَجْه مَحْذُوف أَي سوى مَا سجله القَاضِي على نَفسه بِأَن يشْهد عَدْلَيْنِ باستقلال الرَّسْم، أَو اكتفائه على حسب مَا مرّ قبله، أَو يشهدهما بِأَنَّهُ قد أَجله أَو أعذر لَهُ، أَو حكم عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك كَمَا مرّ فِي فَصلي الْإِعْذَار والآجال لِأَن إشهاده بالتأجيل وَنَحْوه حكم أَمْضَاهُ بِدَلِيل أَن الْمُخَاطب بِالْفَتْح يَبْنِي عَلَيْهِ كَمَا مرّ فإطلاق النَّاظِم شَامِل للأمرين إِذْ التسجيل إِشْهَاد القَاضِي على نَفسه بِأَيّ شَيْء كَانَ، وَلَا يقصر إِطْلَاقه على الأول فَقَط لاقْتِضَائه أَنه إِذا أشهدهما على نَفسه بالتأجيل أَو الحكم مثلا وخاطب عَلَيْهِمَا بالإعلام من غير تسجيل للخطاب أَنه يرد على هَذَا القَوْل وَلَيْسَ كَذَلِك، وَبِه تعلم أَن اعْتِرَاض (ت) على (م) بِأَن التسجيل بالحكم لَا يُقرر بِهِ كَلَام النَّاظِم لبعده، وَلِأَنَّهُ إِذا حكم عَلَيْهِ وَمَاله غَائِب ألزمهُ الضَّامِن أَو الرَّهْن، وَلَا يحْتَاج إِلَى خطاب من ينفذ الحكم الخ. سَاقِط لِأَنَّهُ قد يحكم ويعجز عَن التَّنْفِيذ لسطوته أَو لفراره بِمَالِه بعد الحكم وَقبل إِلْزَامه بالضامن أَو الرَّهْن، وَقد قَالَ فِي الْمُفِيد: وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب بِالدّينِ فِي بلد القَاضِي الْكَاتِب فَقَالَ فِي خطابه: قد أنفذت حكمي بِالشَّهَادَةِ على خطّ الشُّهُود فَإِن حكمه ينفذ وَإِن تعذر قبض الْحق مِنْهُ حَتَّى خرج من بلد القَاضِي الْكَاتِب لزمَه الحكم وَلَا يوهنه خُرُوجه عَن بلد القَاضِي الْكَاتِب اه. وَهُوَ صَرِيح فِي أَنه مَعَ الْعَجز يُخَاطب من ينفذهُ مِمَّن يَأْتِي بعده أَو غَيره، كَيفَ وَقد تقدم وَمَا بالعهد من قدم، عَن الْمَازرِيّ: أَنه يُخَاطب بِمَا حكم بِهِ لحاضره على غائبه وأشعر فرض النَّاظِم الْكَلَام فِي القَاضِي أَن نَائِبه لَيْسَ لَهُ أَن يسجل بِمَا ثَبت عِنْده وَهُوَ كَذَلِك، فَإِن فعل فَلَا يمْضِي إِلَّا أَن يُجِيزهُ الْمُسْتَخْلف بِالْكَسْرِ مَا لم يكن اسْتَخْلَفَهُ بِإِذن الإِمَام وإلاَّ فَيقبل تسجيله من غير إجَازَة، وَإِذا قُلْنَا لَا يسجل
стр. 121
فَلهُ أَن يسمع الْبَيِّنَة وَيقبل من عرف عَدَالَته وتعقد عِنْده المقالات، وَيرْفَع ذَلِك إِلَى الْمُسْتَخْلف بِالْكَسْرِ لينْظر فِيهِ قَالَه فِي التَّبْصِرَة، وَيفهم من قَوْله: وَيدْفَع ذَلِك لمستخلفه أَنه لَيْسَ لَهُ الرّفْع وَلَا الْخطاب بِهِ إِلَى الْغَيْر، وَإِن فعل لَا يمضى مَاتَ الْمُسْتَخْلف بِالْكَسْرِ أَو عزل أَو كَانَ حَيا وَالله أعلم. واعْتَمَد القَبُولَ بَعْضُ مَنْ مَضى وَمُعْلمٌ يَخْلُفُه وَالِي القَضَا (وَاعْتمد الْقبُول) مفعول وَالْفَاعِل (بعض من مضى) قَالَ الفشتالي فِي وثائقه: وَإِن كَانَ القَاضِي لم يشْهد بالتسجيل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كتب فِي الرَّسْم بِخَطِّهِ أعلم باكتفائه فلَان أَو أعلم بِثُبُوتِهِ أَو استقلاله، ثمَّ وصل إِلَى غَيره، فَإِنَّهُ يعمله على مَا جرى بِهِ الْعَمَل سَوَاء عين فِيهِ الْمَكْتُوب لَهُ أَو لم يُعينهُ، وَسَوَاء مَاتَ الْكَاتِب أَو عزل وَوصل إِلَى الْمَكْتُوب لَهُ هَذَا قَوْله فِي الْمُدَوَّنَة اه. وَنَحْوه للعقباني فِي الدُّرَر المكنونة ولليزناسي فِي شَرحه للنظم، وَقد تبين أَن الْخطاب المسجل يعْمل بِهِ مُطلقًا اتِّفَاقًا وَغير المسجل يعْمل بِهِ كَذَلِك إِن كَانَ الْمُخَاطب بِالْكَسْرِ لم يعْزل وَلم يمت وإلاَّ فَقَوْلَانِ، بِالرَّدِّ وَهُوَ مَا صدر بِهِ النَّاظِم وَعَدَمه قَالُوا: وَبِه الْعَمَل الْيَوْم وَهُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة كَمَا رَأَيْته، وَحَكَاهُ ابْن المناصف أَيْضا عَن مُخْتَصر الْوَاضِحَة، وَلَكِن قَيده بِمَا إِذا أشهد القَاضِي الْكَاتِب لِأَن إشهاده على ذَلِك كإشهاده على حكم مضى قَالَ: وَأما مَا الْتَزمهُ الْحَاكِم وَعمِلُوا بِهِ فِي أقْصَى قطر الْمغرب من الاجتزاء بِمَعْرِِفَة خطّ القَاضِي الْكَاتِب وَالْعَمَل بِهِ دون إِشْهَاد فَلَا يَصح إِلَّا أَن يصل للمكتوب إِلَيْهِ وَالْكَاتِب على حَال ولَايَته اه. وَاعْتمد تَقْيِيده الْمَذْكُور غير وَاحِد، وَذكر ابْن عَرَفَة أَنَّهَا نزلت فِي وسط الْقرن الثَّامِن وَأَن شَيْخه أَبَا عبد الله السبطي رَجَعَ إِلَى تَقْيِيد ابْن المناصف، وَلذَا صدر بِهِ النَّاظِم وَهُوَ الْأَحْوَط فِي الْعَزْل لِأَنَّهُ قد يَفْعَله بعد عَزله ويوهم أَنه صدر مِنْهُ قبله، فَإِذا كَانَ قَول القَاضِي بعد عَزله قد كنت حكمت بِكَذَا قبله أَو أجلت وَنَحْوه لَا يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة لاحْتِمَال كذبه، فَكَذَلِك هَذَا إِذا خاطبه الْوَارِد بعد عَزله بِمَنْزِلَة قَوْله ذَلِك، وَأما فِي الْمَوْت فِي حَال الْولَايَة فَلَا يتَطَرَّق هَذَا الِاحْتِمَال مَعَ معرفَة خطه فَتَأَمّله، ثمَّ بعد كتبي مَا تقدم وقفت فِي شَهَادَات المعيار على جَوَاب لِابْنِ زِيَادَة الله وَابْن الْفراء الَّذِي يَقْتَضِيهِ النّظر هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ فَالْحَمْد لله على الْمُوَافقَة. (و) إِن مَاتَ أَو عزل (معلم) بِفَتْح اللَّام أَي مُخَاطب بِالْفَتْح فَهُوَ فَاعل بِفعل شَرط مُقَدّر يدل عَلَيْهِ فعل الشَّرْط الْمُتَقَدّم لَا مَعْطُوف على مُخَاطب لِأَن الْعَطف يَقْتَضِي التَّشْرِيك فِي الحكم، وَلَيْسَ الْأَمر هُنَا كَذَلِك خلافًا ل (ت) وَيجوز أَن يكون مُبْتَدأ وسوغ الِابْتِدَاء بِهِ كَونه صفة لمَحْذُوف (يخلفه) بِفَتْح الْيَاء وَضم اللَّام مضارع خَلفه إِذا قَامَ مقَامه خبر أَو جَوَاب، وعَلى كل حَال فَهُوَ مَرْفُوع لَكِن إِن قدر
стр. 122
الْفَاعِل مَاضِيا كَانَ رَفعه حسنا لقَوْل ابْن مَالك: وَبعد مَاض رفعك الجزا حسن. وَإِن قدر مضارعاً فالرفع ضَعِيف (وَالِي) فَاعل يخلف (القضا) مفعول فِي الْمَعْنى بوالي مجرور فِي اللَّفْظ بِالْإِضَافَة أَي إِن مَاتَ أَو عزل الْمُخَاطب بِالْفَتْح قبل وُصُول الْخطاب إِلَيْهِ فَإِن مُتَوَلِّي الْقَضَاء بعده يخلفه فِي الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله: وَإِن يمت الخ. فَقَالَ: والحَكَمُ العَدْلُ عَلَى قَضائِهِ خِطابُهُ لَا بُدَّ من إمْضائِهِ (وَالْحكم) بِفَتْح الْكَاف لُغَة فِي الْحَاكِم مُبْتَدأ (الْعدْل) صفة (على قَضَائِهِ) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال أَي مستمراً على قَضَائِهِ وَلم يحصل لَهُ موت وَلَا عزل (خطابه) مُبْتَدأ ثَان (لَا) نَافِيَة للْجِنْس (بُد) اسْمهَا (من إمضائه) خَبَرهَا. وَالْجُمْلَة خبر الثَّانِي وَالثَّانِي وَخَبره خبر الأول أَي: لَا مخلص من إمضائه. وَمَفْهُوم الْعدْل أَن غَيره لَا يعْمل بخطابه لِأَنَّهُ لَا تصح تَوليته كَمَا مرّ. ابْن عَرَفَة: وَشرط إِعْمَال خطاب القَاضِي صِحَة ولَايَته مِمَّن تصح تَوليته، وَقد تقدم قَول (خَ) : إِن كَانَ أَهلا أَو قَاضِي مصر، وَظَاهر النّظم أَن الْمُخَاطب بِالْفَتْح يمضيه وَيعْمل بِهِ سَوَاء وَافق مذْهبه أم لَا. وَهُوَ كَذَلِك على مَا بِهِ الْعَمَل إِن كَانَ الْمُخَاطب بِالْكَسْرِ قد حكم بِمَا خَاطب بِهِ، وَأما إِن لم يحكم بِهِ، وَإِنَّمَا خاطبه بِمَا ثَبت عِنْده فَلَا يحكم إِلَّا بِمَا يُوَافق مذْهبه قَالَه فِي الْمُفِيد. وَذكر ابْن فَرِحُونَ الْقَوْلَيْنِ عَن الْمَازرِيّ من غير تعرض للمعمول بِهِ مِنْهُمَا. قلت: وَهَذَا بَين إِن كَانَ الْحَاكِم حكم بِأحد حكمين متساويين، أَو كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد فِي الْمَذْهَب وَالنَّظَر فِي تَرْجِيح الْأَقْوَال، أَو كَانَ من مَذْهَب آخر كشافعي يخاطبه مالكي مثلا لِأَن حكمه حِينَئِذٍ يرفع الْخلاف، وإلاَّ بِأَن قصرت رتبته عَن الِاجْتِهَاد وَالنَّظَر فِي التَّرْجِيح وَلم يكن من مَذْهَب آخر، فَلَا يمْضِي حكمه وينقضه لِأَنَّهُ محجر عَلَيْهِ فِي الحكم بِغَيْر الْمَشْهُور أَو الرَّاجِح أَو مَا جرى بِهِ الْعَمَل كَمَا مرّ. وَفِي الأداءِ عِنْدَ قاضٍ حلَّ فِي غيرِ مَحلِّ حُكْمِهِ الخُلْفُ اقْتَفِي (وَفِي الْأَدَاء عِنْد قَاض) من صفته (حل) أَي نزل (فِي) بلد (غير مَحل) أَي بلد (حكمه الْخلف) مُبْتَدأ (اقتفي) أَي اتبع خَبره، وَفِي الْأَدَاء يتَعَلَّق بِهِ، وَعند قَاض يتَعَلَّق بِالْأَدَاءِ، وَمَعْنَاهُ أَنه اخْتلف إِذا نزل القَاضِي بِبَلَد لَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهَا، هَل لَهُ أَن يسمع بذلك الْبَلَد النَّازِل فِيهِ بَيِّنَة
стр. 123
شَاهده بِحَق لمن هُوَ لَهُ فِي ولَايَته على غَائِب نَازل بولايته وَيعْمل على مَا أخبرهُ بِهِ قَاضِي ذَلِك الْبَلَد من عدالتهم، وَهُوَ قَول أصبغ قَالَ: وَلَو اجْتمع الخصمان عِنْده بذلك الْمحل النَّازِل فِيهِ، والمتنازع فِيهِ فِي مَحل ولَايَته لم ينظر بَينهمَا إِلَّا أَن يتراضيا عَلَيْهِ أَو لَيْسَ لَهُ أَن يسمع ذَلِك على من غَابَ بولايته، وَلَا أَن يُخَاطب بذلك إِلَى أحد، وَله أَن يسْأَل عَن حَال بَيِّنَة شهِدت عِنْده، وَهُوَ قَول ابْن عبد الحكم، وَانْظُر قَوْله: وَله أَن يسْأَل عَن حَال بَيِّنَة شهِدت عِنْده أَي شهِدت عِنْده فِي ولَايَته وَيسْأل عَن عدالتها هَهُنَا، وَظَاهره لَهُ أَن يسْأَل قَاضِي الْبَلَد أَو غَيره مِمَّن يعرفهُ بِالْعَدَالَةِ فَتَأَمّله مَعَ مَا يَأْتِي، ثمَّ إِنَّه يُؤْخَذ من قَول أصبغ هَذَا أَن للْقَاضِي أَن يسمع الْبَيِّنَة بِغَيْر حَضْرَة الْمَطْلُوب وَلَو قربت غيبته، وَهُوَ كَذَلِك على مَا بِهِ الْعَمَل وَهُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة، وَبِه قَالَ ابْن الْمَاجشون إلاَّ أَنه إِذا حضر قُرِئت عَلَيْهِ الشَّهَادَة وَأَسْمَاء الشُّهُود فَإِن كَانَ لَهُ فيهم مدفع، وإلاَّ قضى عَلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُون: لَا يسمع الشَّهَادَة إِلَّا بِمحضر الْمَطْلُوب إِلَّا أَن يكون بعيد الْغَيْبَة. انْظُر تبصرة ابْن فَرِحُونَ. ومَنْعُهُ فِيهِ الخِطابَ المُرْتَض ﷺ
١٦٤٨ - ; ى وَسوَّغ التَّعْرِيفَ بعضُ مَنْ مَض ﷺ
١٦٤٨ - ; ى (وَمنعه) أَي القَاضِي مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول الأول (فِيهِ) يتَعَلَّق بقوله: (الْخطاب) مفعول ثَان، وَالصَّوَاب أَنه على نزع الْخَافِض كَقَوْلِه تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥١) وَالضَّمِير الْمَجْرُور يرجع لغير مَحل حكمه (المرتضى) خبر الْمُبْتَدَأ وَأَشَارَ بِهِ لقَوْل ابْن سهل بعد نَقله الْخلاف الْمُتَقَدّم، وَسَأَلت ابْن عتاب عَن قَاض حل بِغَيْر بَلَده وَقد ثَبت عِنْده بِبَلَدِهِ حق لرجل، فَطلب أَن يُخَاطب بِهِ قَاضِي مَوضِع الْمَطْلُوب قَالَ: لَا يجوز ذَلِك، فَإِن فعل بَطل ثمَّ قَالَ: وَلَا يبعد أَن ينفذ (وسوغ) أَي جوز (التَّعْرِيف) مفعول (بعض من) فَاعل (مضى) صلَة من وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَول ابْن سهل إِثْر مَا مر قلت لِابْنِ عتاب: فَإِن كَانَ الْحق الثَّابِت عِنْده بِبَلَدِهِ على من هُوَ بِموضع احتلاله أَي نُزُوله فَأعْلم قَاضِي الْموضع بذلك مشافهة بِمَا ثَبت عِنْده أَيكُون كمخاطبته بذلك؟ قَالَ: لَيْسَ مثله يَعْنِي لَيْسَ كمخاطبته إِيَّاه بذلك من مَحل ولَايَته، ثمَّ قَالَ ابْن سهل: وَرَأَيْت فُقَهَاء طليطلة يجيزون إِخْبَار القَاضِي المحتل بذلك الْبَلَد قَاضِي الْبَلَد، ويرونه كمخاطبته إِيَّاه اه. فَأَشَارَ النَّاظِم بقوله: وسوغ الخ. إِلَى مَا قَالَه فُقَهَاء طليطلة، وَيفهم مِنْهُ أَن الْبَعْض الآخر لم يسوغ ذَلِك وَهُوَ مَا قَالَه ابْن عتاب وَمُقَابل قَوْله: المرتضى هُوَ قَول ابْن عتاب، وَلَا يبعد أَن ينفذ الخ. فالخطاب بِالْكِتَابَةِ فِيهِ قَولَانِ لِابْنِ عتاب وَغَيره وَفِي المشافهة قَولَانِ لَهُ وللطليطليين، وَلَكِن قد علمت أَن الْكِتَابَة قَائِمَة مقَام المشافهة، فَمن قَالَ بِجَوَاز خطابه فِي غير مَحل ولَايَته بالمشافهة وهم الطليطليون يلْزمه أَن يَقُول بِجَوَازِهِ بِالْكِتَابَةِ إِذْ هِيَ قَائِمَة مقَامهَا،
стр. 124
وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ فَمَا قَالَه ابْن عتاب: من أَنه لَا يبعد أَن ينفذ مُوَافق لقَوْل الطليطليين فترجع المسألتان إِلَى مَسْأَلَة وَاحِدَة، وَحِينَئِذٍ فَيجب أَن يعمم فِي قَول النَّاظِم وَمنعه فِيهِ الْخطاب أَي: كَانَ بالمشافهة أَو بِالْكِتَابَةِ، وَكَذَا فِي قَوْله التَّعْرِيف أَي بِالْكِتَابَةِ أَو بالمشافهة، وَيكون هَذَا مُقَابلا لقَوْله المرتضى كَمَا هُوَ ظَاهر وَلَا معنى لجعلهما مَسْأَلَتَيْنِ بل الْمَسْأَلَة الأولى عِنْد التَّأَمُّل رَاجِعَة إِلَى هَذَا أَيْضا، وَبَيَانه: أَن قولي ابْن عبد الحكم وَابْن عتاب كِلَاهُمَا جَار على الْمَشْهُور: من أَن القَاضِي إِذا حل فِي غير بَلَده فَهُوَ مَعْزُول فَلَا يُخَاطب وَلَا يسمع بَيِّنَة هُنَاكَ لِأَن سماعهَا يَسْتَدْعِي تعديلها فَإِن شافهه قَاضِي ذَلِك الْبَلَد بعدالتها لم يحل لَهُ أَن يحكم بذلك إِذا رَجَعَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَاكم بِعلم سبق مَجْلِسه كَمَا فِي ابْن شَاس وَابْن الْحَاج وَهُوَ مَا أَفَادَهُ (خَ) بقوله: وأنهى لغيره بمشافهة إِن كَانَ كل بولايته الخ. وَقد جعل غير وَاحِد قَول أصبغ والطليطليين مُقَابلا فَلَو أَتَى المُصَنّف بفاء التَّفْرِيع بدل الْوَاو فَيَقُول فَمَنعه فِيهِ الْخطاب الخ. إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا بَيَان للْخلاف الْمَذْكُور لَكَانَ أظهر وَالله أعلم. تَنْبِيه: قَالَ الشَّارِح: وعَلى مَا ذهب إِلَيْهِ فُقَهَاء طليطلة الْعَمَل عِنْد قُضَاة الْجَمَاعَة بالحضرة. يُرِيد حَضْرَة غرناطة، وَانْظُر مَا الَّذِي بِهِ الْعَمَل الْآن فِي هَذِه الأقطار، وَظَاهر قَوْلهم: إِن عمل الْمغرب تَابع لعمل الأندلس أَنه على ذَلِك. ويُثْبِتُ القَاضِي عَلَى المَحْوِ وَمَا أشْبَهَهُ الرَّسْمَ على مَا سَلِما (وَيثبت) بِضَم الْيَاء مضارع أثبت (القَاضِي) فَاعله (على المحو) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال من الرَّسْم (وَمَا) عطف على المحو (أشبهه) صلته أَي من بشر وَقطع وقرض فار (الرَّسْم) مفعول يثبت (على مَا سلما) حَال من القَاضِي، أَو بدل من الرَّسْم، بدل بعض من كل أَي: وَيثبت القَاضِي الرَّسْم فِي حَال اشتماله على المحو وَنَحْوه إِذا طُولِبَ بِالْخِطَابِ عَلَيْهِ حَال كَونه منبهاً على مَا سلم مِنْهُ فَيَقُول مثلا: أعلم بِصِحَّة الرَّسْم أَعْلَاهُ مَا عدا المحو أَو الْبشر الَّذِي مبدؤه كَذَا ومنتهاه كَذَا، أَو أعلم بِثُبُوت مَا عدا المحو الَّذِي بَين لَفْظَة كَذَا وَكَذَا فِي الرَّسْم أَعْلَاهُ، فَلَا بُد من تنصيصه على الِابْتِدَاء والانتهاء، وَظَاهره أَنه يثبت السَّالِم سَوَاء كتب فِي مَحل المحو والبشر شَيْء من فُصُول الْوَثِيقَة أم لَا. أحتمل أَن يكون مَوضِع الْبشر وَنَحْوه مَا يبطل الرَّسْم أَو يضاد مَا لم يسترب فِيهِ أم لَا. وَهُوَ كَذَلِك إِذا لم يسترب فِي جَمِيع فُصُول الرَّسْم من أجل ذَلِك، وَفهم من قَوْله: على المحو
стр. 125
الخ. أَن التقطيع الَّذِي لم تذْهب مَعَه الْكِتَابَة بِأَن بَقِي الْمَقْطُوع ملزقاً بخيط أَو بِطرف مِنْهُ، وَنَحْو ذَلِك يُثبتهُ كُله، وَهُوَ كَذَلِك لَكِن لَا يحكم بِهِ إِلَّا بعد الإيقاف زَمنا رَجَاء أَن يظْهر لَهُ أَمر فَإِن طَال حكم بِهِ بعد الِاسْتِظْهَار بِالْيَمِينِ كَمَا فِي وَصَايَا المعيار، وَفهم من قَوْله: على مَا سلما أَن السَّالِم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَإِلَّا سقط الرَّسْم كُله وَهُوَ كَذَلِك، فَإِذا كَانَ رسم الصَدَاق فِيهِ سطر ممحو مثلا كتب فِيهِ أَي فِي مَحل هَذَا المحو اشْتِرَاط عدم الرحيل مثلا، وَلم يحفظ الشُّهُود ذَلِك أَو غَابُوا أَو مَاتُوا حلف الزَّوْج أَنه مَا اشْترط لَهَا ذَلِك وسافر حَيْثُ شَاءَ، وَكَذَلِكَ إِن قَالَ فِي الْوَثِيقَة لفُلَان على فلَان مائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا فَوَقع المحو وَنَحْوه على الْخمسين، فَإِن الْمِائَة تثبت وَلَا إِشْكَال. وَانْظُر هَل تسْقط الْخَمْسُونَ الزَّائِدَة أَو ينظر للتمييز، فَإِن كَانَ مَنْصُوبًا فَيحمل على أقل الْعُقُود وَهُوَ أحد عشر، وَهُوَ الظَّاهِر هَذَا معنى قَوْله: على مَا سلما، فَإِن حصلت الرِّيبَة فِي جَمِيع فُصُول العقد بِسَبَب الْبشر وَنَحْوه لم يُحَقّق شُهُود مَا يُوجب حكما أَو غَابُوا أَو مَاتُوا قبل أَن يسْأَلُوا بَطل الرَّسْم كُله قَالَه فِي المعيار. قَالَ: والبشر أَشد وأكبر رِيبَة عِنْد بَعضهم، وَفِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا: إِذا وجد فِي ذكر حق محو أَو بشر غير معتذر عَنهُ إِن كَانَ ذَلِك لَا يخل بِشَرْط وَلَا قيد فِي الرَّسْم لم يضر، وَإِن أبطل قيدا من قيود الرَّسْم بَطل بِذَاتِهِ مثل أَن يخل بتاريخ أَو عدد وَنَحْوه، وَإِن كَانَ مِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الرَّسْم مثل اسْم الْمَحْكُوم عَلَيْهِ أَو لَهُ بَطل جَمِيعه. وَقَالَ فِي الطرر: إِذا وَقع فِي الْوَثِيقَة بشر أَو محو أَو ضرب فِي مَوَاضِع العقد مثل عدد الدَّنَانِير أَو آجالها أَو التَّارِيخ وَلم يعْتَذر عَنهُ سُئِلت الْبَيِّنَة فَإِن حفظت الشَّيْء بِعَيْنِه من غير أَن يرَوا الْوَثِيقَة مَضَت وَإِن لم يحفظوه سئلوا عَن الْبشر فَإِن حفظوه مَضَت أَيْضا، وَإِلَّا سَقَطت، وَإِن كَانَ ذَلِك فِي غير مَوَاضِع العقد لم يضر الْوَثِيقَة وَإِن لم يعْتَذر عَنهُ اه بِنَقْل المعيار، وَمثل عدم حفظهم لمحل الْبشر وَنَحْوه مَوْتهمْ أَو غيبتهم كَمَا مر وَظَاهر قَوْله: وَإِلَّا سَقَطت الخ. سُقُوط الْوَثِيقَة كلهَا سَوَاء كَانَ الْبَاقِي يسْتَقلّ بِنَفسِهِ أم لَا. وَلَيْسَ كَذَلِك بِدَلِيل مَا مرّ لِأَنَّهَا إِذا كَانَت تسْقط كلهَا لم يبْق للنظم محمل يحمل عَلَيْهِ. وَفِي كَلَام (ت) نظر، ثمَّ بعد كتبي هَذَا وقفت على أَن مافي الطرر وَإِن نَقله غير وَاحِد مُسلما، فقد بحث فِيهِ سَيِّدي يعِيش فَقَالَ: يظْهر لي أَن فِيهِ أموراً. الأول: إِنَّه إِذا سُئِلت الْبَيِّنَة من غير أَن يرَوا الْوَثِيقَة وحفظت الشَّيْء بِعَيْنِه فالاعتماد إِذن على حفظهم لَا على الْوَثِيقَة حَتَّى يُقَال مَضَت. الثَّانِي: إِن قَوْله على الْبشر فِيهِ إِجْمَال لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يُرِيد بذلك عَن الْكِتَابَة الْوَاقِعَة فِي مَوضِع الْبشر، أَو عَن الْبشر الَّذِي يبْقى الْكَلَام فِيهِ لَهُ معنى، وَأما الْبشر الَّذِي لَيْسَ كَذَلِك كبشر سطر وَنَحْوه من غير كِتَابَة، فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ قَوْله بعد فَإِن حفظوه مَضَت. الثَّالِث: أَن قَوْله: وَإِن لم يحفظوه سَقَطت الْوَثِيقَة فِيهِ جور على رب الرَّسْم بل إِذا سلم فِيهِ مثلا وَتقَابَضَا الثّمن والمثمن مُعَاينَة خَاطب القَاضِي عَلَيْهِ لينْتَفع بِهِ. الرَّابِع: قَوْله: وَإِن كَانَ ذَلِك فِي غير مَوضِع العقد لم يضر الْوَثِيقَة فِيهِ نظر، إِذْ قد يكون مثلا فِي وَثِيقَة التصيير فِي قَول الموثق وحازه مُعَاينَة وَيَقَع النزاع فِي الْحَوْز، بل هَذَانِ الْأَمْرَانِ مخالفان لقَوْل النَّاظِم: وَيثبت القَاضِي على المحو الخ، فَإِن ظَاهره كَانَ الَّذِي سلم فِي العقد أَو فِي غَيره من الرَّسْم اه. قلت: وَيُمكن أَن يُجَاب عَن الأول بِأَن الضَّمِير فِي مَضَت يعود على الشَّهَادَة وَعَن الثَّانِي بِأَنَّهُ يُمكن أَن يبشر السطر كُله ويحفظوا كل مَا كَانَ فِيهِ من غير كِتَابَة كَمَا هُوَ ظَاهر، وَعَن الرَّابِع بِأَن المُرَاد بِالْعقدِ مَا لَا يتم العقد إِلَّا بِهِ فَيشْمَل مَا هُوَ شَرط فِيهِ، وَإِن كَانَ خَارِجا عَنهُ كالحيازة
стр. 126
وَنَحْوهَا، نعم يرد على الْإِطْلَاق فِي قَوْله: وَإِلَّا سَقَطت كَمَا مرّ التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَحْث الثَّالِث عِنْده وَالله أعلم. فرع: إِذا كَانَت النُّسْخَة مسجلة على القَاضِي بِالصِّحَّةِ بعد الْمُقَابلَة والمماثلة من شاهديها المعروفين بِالْعَدَالَةِ وَمَا تَقْتَضِيه أَلْفَاظ التسجيل، فَشهد غَيرهمَا بِأَن الأَصْل المنتسخ مِنْهُ كَانَ فِيهِ تقطيع أَو محو وَنَحْوه، فَإِن شَهَادَة الْغَيْر لَا تعَارض شَهَادَة شَاهِدي النُّسْخَة لجَوَاز أَن يكون الْبشر وَنَحْوه طَرَأَ بعد الانتساخ، أَو يكون هَذَا الَّذِي رَآهُ الْغَيْر نَظِير المنتسخ مِنْهُ لكَون شاهديه عدلا عَنهُ، لما فِيهِ من الْبشر وَنَحْوه، وَكتب غَيره سليما وَمن هَذَا السَّلِيم أخذت النُّسْخَة قَالَه فِي المعيار إِثْر مَا مرّ. وعِنْدَ مَا يَنْفُذُ حُكْمٌ وطُلِبْ تَسْجِيلُهُ فإنَّهُ أمْرٌ يَجِبْ (وعندما) ظرف زمَان مضمن معنى الشَّرْط فَهُوَ كحيث الْوَاقِعَة على الزَّمَان (ينفذ) بِضَم الْفَاء (حكم) فَاعله وَيجوز نَصبه على أَنه مفعول ينفذ بِكَسْر الْفَاء الْمُشَدّدَة وفاعله ضمير يعود على القَاضِي (وَطلب) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول نَائِبه ضَمِيره الْعَائِد على القَاضِي. (تسجيله) مفعول ثَان، وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة ينفذ مدخولة للشّرط الْمَذْكُور (فَإِنَّهُ أَمر) الْفَاء رابطة بَين الشَّرْط وَجَوَابه (يجب) صفة لأمر أَي: أَي وحيثما نفذ القَاضِي حكما وَطلب مِنْهُ أحد الْخَصْمَيْنِ تسجيله أَي كتبه وإشهاد شَاهِدين عَلَيْهِ ليتمسك بِهِ تحصيناً لنَفسِهِ من مفْسدَة تَجْدِيد الْخُصُومَة فَإِنَّهُ أَمر وَاجِب عَلَيْهِ فعله وَتَقَدَّمت كَيْفيَّة تسجيله فِي الْآجَال، وَفهم مِنْهُ أَنه لَا بُد من تَسْمِيَة شَاهِدي التسجيل والإعذار والآجال وشاهدي الْحق، إِذْ لَا تتمّ الْحجَّة إِلَّا بذلك. وَهُوَ كَذَلِك. وَسَوَاء كَانَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ غَائِبا أَو حَاضرا لِأَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ إِذا أنكر حكم القَاضِي وَالْخُصُومَة عِنْده فَلَا يقبل قَول القَاضِي عَلَيْهِ كَمَا مرّ عِنْد قَوْله وَقَول سَحْنُون الخ. وَشَمل قَوْله: وَطلب مَا إِذا طلبه كل مِنْهُمَا وَهُوَ نَص فِي وجوب إِعْطَاء الْحَاكِم النُّسْخَة للمحكوم عَلَيْهِ من حكمه، وَلَا سِيمَا إِذا قَالَ حكم عَلَيْهِ بِمَا لَا نَص فِيهِ. وَقد صرح بِهِ الْفَقِيه سَيِّدي أَبُو الْقَاسِم بن حجُّوا حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الزياتي قَائِلا: من الْبدع الْمُحرمَة منع قُضَاة الكور تسجيل الحكم وَمَا بني عَلَيْهِ من الْمَحْكُوم عَلَيْهِ. فَمن منع ذَلِك فَهُوَ ذُو حيف مُبْتَدع اه. قلت: وَلَا سِيمَا مَعَ ضعف عَدَالَة قُضَاة الْوَقْت وَعدم معرفتهم بكيفية إِجْرَاء الْأَحْكَام على قوانينها، وَانْظُر أَوَاخِر الرُّكْن الثَّانِي من الْقسم الأول من التَّبْصِرَة فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ: أَن القَاضِي إِذا قَالَ: شهدُوا عِنْدِي بِكَذَا وحكمت وَأنْكرت الْبَيِّنَة الشَّهَادَة عِنْده بذلك هَل ينْقض حكمه أَو لَا؟ قَولَانِ: الرَّاجِح مِنْهُمَا لمناسبة تُهْمَة قُضَاة الْوَقْت النَّقْض. وَمَا عَلَى القَاضِي جُناحٌ لَا وَلا مِنْ حَرَجٍ إِن ابْتداءً فَعَلا (وَمَا) نَافِيَة (على القَاضِي) خبر (جنَاح) أَي إِثْم مُبْتَدأ (لَا) تَأْكِيد لما (وَلَا) نَافِيَة (من) زَائِدَة
стр. 127
(حرج) مجرور لفظا وَهُوَ مَرْفُوع معنى مَعْطُوف على جنَاح وَمَعْنَاهُ الْإِثْم أَيْضا فهما بِمَعْنى (إِن) شَرط (ابْتِدَاء) مصدر مَنْصُوب على نزع الْخَافِض وَفعل الشَّرْط مَحْذُوف يفسره (فعلا) وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبله أَي لَيْسَ على القَاضِي جنَاح، وَلَا حرج إِن فعل كتب الحكم وتسجيله ابْتِدَاء قبل أَن يطْلب مِنْهُ. وَسَاغَ مَعَ سُؤَالِهِ تَسْجِيلُ مَا لَمْ يُواقِعِ النِّزاعُ فِيهِ كَلِما (وساغ مَعَ سُؤَاله) يتَعَلَّق بساغ وَهُوَ مصدر مُضَاف للْمَفْعُول وضميره للْقَاضِي (تسجيل) فَاعل سَاغَ (مَا) نكرَة أَو مَوْصُولَة (لم يُوقع) بِضَم الْيَاء مَعَ كسر الْقَاف أَو فتحهَا. (النزاع) فَاعله أَو نَائِبه (فِيهِ) يتَعَلَّق بالنزاع (كلما) بِكَسْر اللَّام وَفتح الْكَاف جمع بِمَعْنى كَلَام مفعول بقوله يُوقع بِكَسْر الْقَاف على أَنه مَبْنِيّ للْفَاعِل أَو بِضَم الْكَاف وَتَشْديد اللَّام مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة الزمانية بساغ لِأَن مَا الَّتِي أضيفت إِلَيْهِ كل بِمَعْنى الزَّمَان وَهِي نكرَة حذفت صفتهَا تقديرها يسْأَل مِنْهُ ذَلِك على أَن يُوقع بِفَتْح الْقَاف مَبْنِيا للْمَفْعُول، وعَلى كل فالجملة صفة لما الأولى أَو صلتها والرابط الضَّمِير فِي فِيهِ، وَالْمعْنَى على الأول وساغ للْقَاضِي مَعَ سُؤَاله تسجيل شَيْء لم يُوقع النزاع فِيهِ كلَاما، وَالْمعْنَى على الثَّانِي وساغ لَهُ تسجيل الشَّيْء الَّذِي لم يُوقع النزاع فِيهِ كل زمَان يسْأَل مِنْهُ ذَلِك. قَالَ الشَّارِح: وَذَلِكَ مثل رسوم الأحباس الَّتِي يهْلك شهودها وَيشْهد على خطوطهم وَغير ذَلِك مِمَّا ثَبت عِنْده وَلم يَقع فِيهِ خصام اه. فَمَعْنَى التسجيل هُنَا إشهاده بِصِحَّة تِلْكَ الرسوم وَكتب ذَلِك الْإِشْهَاد فَلَيْسَ فِيهِ حكم، إِذْ الحكم يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ للتحصين والاستعداد بِخِلَاف الأول فَإِنَّهُ إِشْهَاد بالحكم وَكتبه كَمَا مرّ. وسائلُ التَّعْجِيزِ ممنْ قَدْ قض ﷺ
١٦٤٨ - ; ى يُمْضى ﷺ
١٦٤٨ - ; لَهُ فِي كلِّ شيءٍ بالقَضَا (وَسَائِل التَّعْجِيز) أَي: الحكم بِعَدَمِ قبُول مَا يَأْتِي بِهِ من حجَّة زِيَادَة على الحكم بِالْحَقِّ قَالَه اللَّقَّانِيّ، وَقيل: إِن التَّعْجِيز هُوَ نفس الحكم بِالْحَقِّ أَو بِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ شَيْئا زَائِدا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يكْتب تَأْكِيدًا للْحكم وَهُوَ مفَاد التَّوْضِيح وعياض وارتضاه طفي وَهُوَ ظَاهر مَا للموثقين، وَلَا سِيمَا المتيطي فِي عدَّة مَوَاضِع من وَثِيقَة النِّكَاح مِنْهَا قَوْله: فَإِذا انْقَضتْ الْآجَال والتلوم وَلم يَأْتِ الْمُؤَجل بِشَيْء يُوجب لَهُ نظر أعجزه القَاضِي وأنفذ الْقَضَاء عَلَيْهِ وسجل بذلك وَقطع شغبه عَن خَصمه فِي ذَلِك، ثمَّ قَالَ: لَا تسمع لَهُ بعد ذَلِك حجَّة وَلَا بَيِّنَة كَانَ طَالبا أَو مَطْلُوبا إِلَّا فِي الْعتْق وَالطَّلَاق وَالدَّم وَالنّسب. قَالَه مطرف وَابْن الْقَاسِم وَابْن وهب وَأَشْهَب، وَاخْتَارَهُ ابْن حبيب اه. وَمثله لِابْنِ سهل وَقد قَالَ ابْن رشد: اخْتلف فِيمَن أَتَى بِبَيِّنَة بعد الحكم عَلَيْهِ بالتعجيز على ثَلَاثَة أَقْوَال الخ. فَلَو كَانَ التَّعْجِيز هُوَ الحكم بِعَدَمِ قبُول الْحجَّة مَا تأتى لَهُ حِكَايَة
стр. 128
الْخلاف، لِأَن حكم الْحَاكِم يرفع الْخلاف على أَن الَّذِي فِي الزّرْقَانِيّ أَنه لَا تقبل حجَّته بعده على الْمَذْهَب، وَلَو لم يحكم بِعَدَمِ قبُول حجَّته وحينئذٍ فتنفيذ الْقَضَاء فِي النَّص الْمُتَقَدّم لَيْسَ أمرا زَائِدا على الحكم بِالْحَقِّ كَمَا مرّ أول الْكتاب، فَلم يبْق معنى لقَولهم عَجزه إِلَّا الحكم بِثُبُوت الْحق أَو نَفْيه، فالتعجيز فِي النّظم على حذف مُضَاف أَي سَائل كتبه تَأْكِيدًا للْحكم أَو سَائل إِيقَاعه أَي التَّعْجِيز بِمَعْنى الحكم أَي سَائل إِيقَاع الحكم، وَلَا يتَكَرَّر مَعَ قَوْله قبل وعندما ينفذ حكم الخ لِأَن ذَلِك فِي سُؤَاله كِتَابَة الحكم بعد إِيقَاعه، وَهَذَا فِي سُؤَاله كِتَابَة التَّعْجِيز تَأْكِيدًا للْحكم الْمَذْكُور، أَو فِي سُؤَاله إِيقَاعه أَي التَّعْجِيز الَّذِي هُوَ الحكم حَيْثُ لم يَأْتِ الْمُؤَجل بِشَيْء. وَالْحَاصِل أَن الْمَحْكُوم لَهُ طَالبا أَو مَطْلُوبا إِذا سَأَلَ (مِمَّن قد قضى) لَهُ بِالْحَقِّ أَو نَفْيه أَن يكْتب تعجيز الْمَطْلُوب تَأْكِيدًا للْحكم الْمَذْكُور أَو سَأَلَ مِنْهُ إِيقَاع الحكم حَيْثُ لم يَأْتِ الْمُؤَجل بِشَيْء فَإِنَّهُ يُجَاب إِلَى ذَلِك فِي الأول اسْتِحْبَابا وَفِي الثَّانِي وجوبا، فَقضى بِمَعْنى الْمُضَارع على الْوَجْه الأول أَو على حذف الْإِرَادَة على الْوَجْه الثَّانِي، وَقد: للتحقيق على كل حَال، وَالْمَجْرُور من الْمَوْصُول وصلته يتَعَلَّق بالمبتدأ الَّذِي هُوَ سَائل وَخَبره قَوْله: (يُمضي) بِضَم الْيَاء مَبْنِيا للْمَفْعُول ونائبه ضمير يعود على التَّعْجِيز (لَهُ) يتَعَلَّق بِهِ (فِي كل شَيْء) وَيجوز قِرَاءَته بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وفاعله ضمير يعود على التَّعْجِيز بِمَعْنى الحكم أَي سَائل الحكم مِمَّن يقْضِي بَين النَّاس يُوجب إِلَيْهِ ويمضي حكمه على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِي كل شَيْء مَال أَو غَيره (بالقضا) ء فِيهِ، وَهَذَا على الْوَجْه الثَّانِي من أَن المُرَاد بالتعجيز إِيقَاع الحكم لَا كِتَابَته تَأْكِيدًا لَهُ، وإلاَّ فيؤول يمْضِي بيكتب أَي يُجَاب إِلَيْهِ وَيكْتب لَهُ فِي كل شَيْء قضى بِهِ، وَلَكِن هَذَا الْحمل مَعَ قلَّة فَائِدَته بعيد من لفظ يمْضِي وَمن الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله: إلاّ ادِّعاءُ حُبْسٍ أَو طَلَاقِ أوْ نَسَبٍ أوْ دَمٍ أوْ عَتَاقِ (إِلَّا ادِّعَاء حبس) مَنْصُوب على الِاسْتِثْنَاء أَي سَائل الحكم يُوجب إِلَيْهِ، ويمضي ذَلِك الحكم فِي كل شَيْء وَلَا تسمع للمحكوم عَلَيْهِ حجَّة بعد ذَلِك إِلَّا ادِّعَاء حبس أَو طَلَاق الخ، فَإِنَّهُ لَا يُجَاب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شرع لقطع النزاع والشغب وَهُوَ إِن حكم فِي هَذِه الْأُمُور، فَإِن الطَّالِب على حجَّته فَلم يكن لحكمه فَائِدَة، وَبِهَذَا تعلم افْتِرَاق هَذِه المستثنيات من غَيرهَا، فَإِن الطَّالِب يحكم عَلَيْهِ فِي غَيرهَا بعد عَجزه وَلَا تسمع حجَّته بعد بِخِلَافِهَا فَلَا يحكم عَلَيْهِ إِذْ لَا ثَمَرَة لَهُ وَإِنَّمَا يعرض عَنْهُمَا كَمَا قَالُوهُ عِنْد قَوْله: أَو وجد ثَانِيًا أَو مَعَ يَمِين لم يره الأول وَغَايَة مَا يَقُول للزَّوْجَة وَنَحْوهَا بعد الْعَجز عَن الْإِثْبَات لَا تسمع هَذِه الدَّعْوَى مُجَرّدَة ويخلى بَينهَا وَبَين زَوجهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِحكم كَمَا إِذا قَالَ: لَا أحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين أَو لَا أسمع هَذِه الْبَيِّنَة وَنَحْو ذَلِك كَمَا فِي التَّبْصِرَة وَهُوَ قَول خَلِيل: لَا أجيزه أَو أُفْتِي كَمَا مر أول الْكتاب، وَبِه أَيْضا تعلم ضعف مَا مرّ عَن اللَّقَّانِيّ من أَن التَّعْجِيز هُوَ الحكم بِعَدَمِ قبُول الْحجَّة لِأَنَّهُ حينئذٍ يصير الْمدَار فِي قطع النزاع والشغب على صُدُور التَّعْجِيز بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور، وَالْحكم بِدُونِهِ لَا يقطع ذَلِك. وَهَذَا بعيد لَا دَلِيل عَلَيْهِ عقلا وَلَا نقلا، وَقَول ابْن فَرِحُونَ تبعا للجزيري: إِن قضى القَاضِي على الْقَائِم بِإِسْقَاط
стр. 129
دَعْوَاهُ من غير صُدُور تعجيز ثمَّ وجد بَيِّنَة فَلهُ الْقيام بهَا الخ. مَرْدُود كَمَا فِي طفي، وَأَيْضًا هُوَ مَبْنِيّ على الْمُقَابل من أَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ تسمع حجَّته الْمشَار لَهُ بقول (خَ) فَإِن نفاها واستحلفه فَلَا بَيِّنَة إِلَّا لعذر كنسيان الخ. أَعنِي: إِذا حكم عَلَيْهِ بِإِسْقَاط دَعْوَاهُ، وَلم يقل فِي حكمه أَنه لَا تقبل لَهُ حجَّة يَأْتِي بهَا ثمَّ أَتَى بِبَيِّنَة نَسَبهَا أَو لم يعلم بهَا فَإِنَّهَا لَا تقبل وَهَذَا وان كَانَ مُوَافقا لنَصّ خَلِيل الْمَذْكُور لكنه خلاف الْمَشْهُور كَمَا ستراه فَإِن قَالَ فِي حكمه: لَا تقبل لَهُ بَيِّنَة يَأْتِي بهَا فَلَا تقبل حينئذٍ اتِّفَاقًا لِأَن حكمه بِعَدَمِ قبُول الْحجَّة يرفع الْخلاف، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُعْتَمَد من قَول ابْن الْقَاسِم يُوَافق ابْن الْمَاجشون فِي عدم الحكم على الطَّالِب فِي هَذِه المستثنيات ويختلفان فِي غَيرهَا، فَرَأى ابْن الْمَاجشون أَن كل شَيْء عجز الطَّالِب عَن إثْبَاته ابْتِدَاء فَلَا يحكم فِيهِ وَيتْرك وَتحقّق دَعْوَاهُ مَتى أمكنه، وكل شَيْء أثْبته وَأوجب فِيهِ عملا على الْمَطْلُوب فَأثْبت الْمَطْلُوب مَا يسْقطهُ وينقضه فَادّعى الطَّالِب حجَّة عجز عَن إِثْبَاتهَا بعد ضرب الْأَجَل لَهُ فَإِنَّهُ يحكم عَلَيْهِ وتقطع حجَّته. وَرَأى ابْن الْقَاسِم أَنه يحكم عَلَيْهِ فِي غير المستثنيات مُطلقًا إِذا سَأَلَ الْمَطْلُوب ذَلِك وَالْحجّة لَهُ مَا تقدم فِي رِسَالَة الْقَضَاء لعمر ﵁ من قَوْله: اجْعَل للْمُدَّعِي أَََجَلًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَإِن أحضر بَيِّنَة أخذت لَهُ بِحقِّهِ وإلاَّ وجهت الْقَضَاء عَلَيْهِ الخ. وَظَاهر قَوْله: حبس سَوَاء ادّعى أَن هَذِه الدَّار مثلا حبس على الْفُقَرَاء أَو على معِين وَهُوَ فِي الأول ظَاهر لحق الْغَائِب مِنْهُ، وَكَذَا فِي الثَّانِي لِأَن الْحَبْس حق لله لَا يجوز بَيْعه وَيدخل فِي الْحَبْس الطَّرِيق الْعَامَّة. (أَو طَلَاق) ادَّعَتْهُ الْمَرْأَة وعجزت عَن إثْبَاته، فَلَا يُجَاب الزَّوْج إِلَى الحكم بِقطع دَعْوَاهَا، وَأما إِذا أثبتته وَعجز الزَّوْج عَن الطعْن فِيمَا أَتَت بِهِ فَإِنَّهُ يحكم بِهِ عَلَيْهِ وَلَا تسمع حجَّته بعد، وَكَذَا يُقَال فِي بَاقِي المستثنيات فَلَا يعجز مدعي إِثْبَاتهَا ويعجز مدعي نَفيهَا مَا عدا الدَّم لخطره كَمَا ستراه. (أَو نسب) ادّعى شخص أَنه من ذُرِّيَّة فلَان وَعجز عَن إثْبَاته فَلَا يُجَاب من هُوَ من ذُريَّته إِلَى الحكم بِقطع دَعْوَاهُ (أَو دم) ادَّعَاهُ شخص على آخر غيلَة أَو حرابة فعجز الْوَلِيّ عَن إِثْبَات ذَلِك فَلَا يُجَاب الْقَاتِل إِلَى الحكم بِقطع دَعْوَى الْوَلِيّ هَذَا هُوَ المُرَاد بِالدَّمِ لِأَن ضَابِط الْمسَائِل الْخمس كل حق لَيْسَ لمدعيه إِسْقَاطه بعد ثُبُوته، وَلَيْسَ المُرَاد ادعاءه أَنه قتل وليه عمدا فِي غير الغيلة والحرابة وَعجز عَن إثْبَاته، فَإِن هَذَا يحكم عَلَيْهِ وَلَا تقبل حجَّته بعد لعدم دُخُوله فِي الضَّابِط الْمَذْكُور وَلَا ادِّعَاء الْعَفو أَو التجريح فعجز عَن إثباتهما فَحكم بقتْله فَوجدَ الْبَيِّنَة بهما قبل أَن يُقتل، فَإِن هَذَا يقبل مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ من الْعَفو وَالتَّجْرِيح لخطر الدِّمَاء فَقَط، وَلَو كَانَ مَالا لم يقبل مِنْهُ وَلَكِن لَا يُقرر بِهِ كَلَام النَّاظِم لِأَن الْكَلَام فِي الحكم على الطَّالِب كَمَا مرّ، وَهَذَا مَطْلُوب. وَأَيْضًا فَإِن هَذَا من دَعْوَى الْعَفو فِي الْحُدُود فَلَا يخْتَص بِالْقَتْلِ بل الْقَذْف كَذَلِك وَالتَّجْرِيح فِي السّرقَة بِالنِّسْبَةِ للْقطع كَذَلِك، وَلَو أرادوه لقالوا أَو عفوا الخ. وَأَيْضًا لَو كَانَ المُرَاد بِالْكُلِّيَّةِ مَا يَشْمَل الطَّالِب وَالْمَطْلُوب لورد عَلَيْهِ
стр. 130
الْغَائِب واليتيم إِذْ لكل مِنْهُمَا الْإِسْقَاط بعد الْقدوم والرشد مَعَ أَنه يحكم عَلَيْهِمَا وَينْزع الشَّيْء من يدهما وهما على حجتهما وَالله أعلم. (أَو عتاق) ادَّعَاهُ العَبْد على سَيّده وَعجز عَن إثْبَاته فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِدَعْوَاهُ ويخلى بَينه وَبَين سَيّده وَتسمع حجَّته إِن وجدهَا وعتاق بِفَتْح الْعين مصدر عتق كَمَا فِي الْقَامُوس. ثُمَّ عَلَى ذَا القولِ ليسَ يُلْتَفَتْ لِمَا يُقَالُ بَعْدَ تَعْجِيزٍ ثَبَتْ (ثمَّ) عاطفة جملَة على جملَة (على ذَا القَوْل) يتَعَلَّق بقوله: (لَيْسَ) وَاسْمهَا ضمير الشَّأْن وَجُمْلَة (يلْتَفت) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خَبَرهَا (لما يُقَال) يتَعَلَّق بِهِ وَكَذَا (بعد تعجيز) وَجُمْلَة (ثَبت) صفة تعجيز أَي ثمَّ إِذا أُجِيب سَائل التَّعْجِيز أَي الحكم لما سَأَلَهُ على هَذَا القَوْل الْمَذْكُور من إِيجَابه إِلَيْهِ وإمضائه عَلَيْهِ فِي كل شَيْء إِلَّا مَا اسْتثْنِي لَا يلْتَفت لما يَأْتِي بِهِ بعد من حجَّة طَالبا أَو مَطْلُوبا وإلاَّ لم تكن فَائِدَة لضرب الْآجَال وَلَا تَنْقَطِع حجَّة أحد أبدا وَظَاهره أقرّ بِالْعَجزِ أم لَا كَانَ هُنَاكَ عذر من نِسْيَان وَنَحْوه أم لَا. كَانَت الْحجَّة الَّتِي أَتَى بهَا فِي غير المستثنيات تجريحاً أَو غَيره، وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع على الرَّاجِح الْمَعْمُول بِهِ قَالَ فِي الشَّامِل: ثمَّ لَا حجَّة للمحكوم عَلَيْهِ بعده، وَكَذَا إِن أقرّ بِالْعَجزِ على الْمَشْهُور. وَثَالِثهَا: إلاَّ لوجه. وَرَابِعهَا: تقبل عِنْد من حكم عَلَيْهِ فَقَط وَقيل تقبل من الطَّالِب وَحده، وَقيل إِن لم يدْخل خَصمه فِي عمل اه فَعلم مِنْهُ بِحَسب ظَاهره أَنه إِذا حكم عَلَيْهِ وَهُوَ يَدعِي الْحجَّة لَا تقبل حجَّته بعد اتِّفَاقًا وَإِن مَحل الْخلاف إِذا أقرّ بِالْعَجزِ وَهُوَ كَذَلِك وبالمشهور قَالَ أَشهب ومطرف: وَفِي كتاب ابْن دبوس: إِذا فصل الْحَاكِم بَين الْخَصْمَيْنِ لم ينظر لَهُ فِي بَيِّنَة بعد ذَلِك وَلم يعْذر فِي غيبتها أَو جهلها أَو جهل من يجرح من شهد عَلَيْهِ، وَنفذ الحكم عَلَيْهِ على مَا عَلَيْهِ حكام أهل الْمَدِينَة. قَالَ أصبغ: وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم وأصحابنا اه. وَفِي ابْن سهل: إِنَّه الَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل، وَكَذَا فِي الجزيري وَابْن رحال فِي حَاشِيَته هُنَا، وَفِي التَّبْصِرَة إِذا قَالَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بعد الحكم كنت أغفلت حجَّة كَذَا لم يقبل مِنْهُ ذَلِك اه بخ. قلت: وَبِهَذَا تعلم أَن قَول (خَ) فَإِن نفاها واستحلفه فَلَا بَيِّنَة إِلَّا لعذر كنسيان الخ. وَكَذَا قَوْله: أَو ظهر أَنه قضى بفاسقين الخ كِلَاهُمَا مُقَابل، وَيدخل فِي الْفسق الْعَدَاوَة والقرابة وَسَائِر
стр. 131
القواد (ح) كَمَا لِابْنِ رحال فِي شَرحه. وَفِي التَّبْصِرَة أَن الْمَازرِيّ صوب عدم النَّقْض، وَمِمَّنْ صرح بالمقابلة بَين المحلين ابْن سهل فِي أَحْكَامه وَنَقله المتيطي فِي أول نهايته قَالَ بعد أَن ذكر عَن سَحْنُون أَنه مَا ضربت لَهُ الْآجَال ووسع عَلَيْهِ إِلَّا لتقطع حجَّته وَأَنه لَا يَقُول فِي ذَلِك بقول ابْن الْقَاسِم بن سهل يُرِيد: الَّذِي روى عَنهُ فِي موضِعين قَوْله فِي أقضية الْمُدَوَّنَة إِن أَتَى بِمَالِه وَجه قبل مِنْهُ مثل أَن يَأْتِي بِشَاهِد عِنْد من لَا يرى الشَّاهِد وَالْيَمِين، فَوجدَ بعد الحكم عَلَيْهِ شَاهدا آخر، وَفِي السّرقَة مِنْهَا مثل أَن يظفر بِبَيِّنَة لم يعلمهَا، وَفِي كتاب التَّبْصِرَة: إِن وجد من يجرح من حكم عَلَيْهِ بهم فَإِنَّهُ يسمع مِنْهُ ذَلِك عِنْد ذَلِك الْحَاكِم وَعند غَيره ثمَّ قَالَ: وَفِي سَماع أصبغ عَنهُ فِيمَن ادّعى نِكَاح امْرَأَة وَادّعى بَيِّنَة بعيدَة وأنكرته لم تُؤمر بانتظاره إِلَّا أَن تكون الْبَيِّنَة قريبَة لَا يضر ذَلِك بِالْمَرْأَةِ فَإِن عَجزه الْحَاكِم ثمَّ جَاءَ بِبَيِّنَة فقد مضى الحكم أنكحت أم لَا؟ قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَة نَحْو رِوَايَته عَنهُ فِي كتاب ابْن حبيب خلاف الْمُدَوَّنَة وَفِي سَماع يحيى لِأَنَّهُ لم يسمع مِنْهُ بعد التَّعْجِيز اه. وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ قَول خَلِيل فِي التَّنَازُع، وَأمرت بانتظاره لبينة قريبَة ثمَّ لم تسمع بَينته إِن عَجزه قَاض مدعي حجَّة الخ لَكِن مَا فِي الْمُدَوَّنَة من قبُول حجَّته بعد الحكم إِن أَتَى بِمَالِه وَجه الخ. طَالبا كَانَ أَو مَطْلُوبا صرح فِي معاوضات المعيار فِي جَوَاب لمؤلفه بِأَنَّهُ الْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب قَالَ: وَسَوَاء كَانَ الحكم بعد الْعَجز أَو التَّعْجِيز على طَرِيق أَكثر الْمَشَايِخ خلافًا لِابْنِ رشد وَصَاحب الْمعِين اه. وَفِي الوثائق الْمَجْمُوعَة أَنه الَّذِي بِهِ الْعَمَل فَقَوله: خلافًا لِابْنِ رشد يُرِيد لِأَنَّهُ جعل الحكم مَعَ التَّعْجِيز أَن بَين اللدد قَاطعا لكل حجَّة يَأْتِي بهَا علمهَا أم لَا، وَقصر الْخلاف على مَا إِذا أقرّ بِالْعَجزِ، وَقد علمت مِنْهُ أَن أَكثر الْمَشَايِخ على خلاف قَوْله فَتَأَمّله مَعَ مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم، وَفِي الْحطاب عِنْد قَوْله: وتؤولت على الْكَمَال فِي الْأَخير الخ، من النقول مَا يشْهد لما شهره فِي المعيار فَانْظُرْهُ، لَكِن الأول أقوى لِأَنَّهُ الَّذِي بِهِ الْعَمَل. تَنْبِيهَانِ الأول: إِذا قَالَ الْمُدَّعِي فِي غير المستثنيات بينتي غَائِبَة فَإِن كَانَت قريبَة الْغَيْبَة أنظر بِقدر ذَلِك، وَإِن كَانَت بعيدَة قضى عَلَيْهِ وَهُوَ على حجَّته إِذا قدمت فَإِن سَأَلَ من القَاضِي أَن يحلفهُ لَهُ ويبقي على حجَّته أُجِيب إِن حلف أَنَّهَا بِموضع بعيد وسماها وإلاَّ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيف الْمَطْلُوب مَعَ بَقَائِهِ على حجَّته كَمَا فِي اللامية. ابْن عَرَفَة: وَلَا بُد أَن يعين الْموضع خوف أَن يعْتَقد بعد مَا لَيْسَ بِبَعِيد وَالْخَوْف مَعَ الْقرب كالبعد. الثَّانِي: لم تجر الْعَادة عِنْد الموثقين بإفراد عقد التَّعْجِيز أَي الحكم، وَإِنَّمَا يضمنونه عقد التسجيلات أَي الْآجَال ورسوم الْحق الَّتِي أشهد على نَفسه بقبولها وعدالة شهودها وَكَيْفِيَّة ذَلِك أَن تَقول: لما انصرمت الْآجَال والتلومات الثَّابِتَة أَعْلَاهُ أَو حوله، وَلم يَأْتِ المتأجل بِشَيْء يُوجب لَهُ نظرا سَأَلَ الْقَائِم بِالْحَقِّ أَو الْمَطْلُوب بِهِ أَعْلَاهُ أَو حوله مِمَّن يجب سدده الله وَهُوَ إِعْمَال الْوَاجِب فِي ذَلِك وَأَن يحكم لَهُ بِمَا ثَبت لَهُ على المتأجل الْمَذْكُور أَو يقطع دَعْوَاهُ عَنهُ، فَاقْتضى نظره السديد أَن حكم على المتأجل الْمَذْكُور بِكَذَا بعد أَن أعذر لَهُ بأبقيت لَك حجَّة فادعاها أَو نفاها حكما لَازِما أنفذه وأمضاه وَأوجب الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ شهد على إِشْهَاد من ذكر إِلَى آخر مَا تقدم فِي فصل الْإِعْذَار فَإِن سَأَلَ كِتَابَة التَّعْجِيز تَأْكِيدًا للْحكم الْمَذْكُور على حسب مَا مر زَاد بعد قَوْله أنفذه وعجزه، وَأوجب الْعَمَل الخ. وَقَوْلنَا: بعد أَن أعذر الخ. لَا بُد مِنْهُ كَمَا مر فِي أول
стр. 132
فصل الْإِعْذَار وَصفَة الْوَثِيقَة ظَاهر مِمَّا مر آنِفا وَالله أعلم فَإِن ذهبت إِلَى كتبه مُفردا فَانْظُر كَيْفيَّة ذَلِك فِي التَّبْصِرَة.
(بَاب الشُّهُود)
جمع شَاهد (وأنواع الشَّهَادَات) الْخمس (وَمَا يتَعَلَّق بذلك) من التَّوْقِيف وتعارض الْبَينَات. وَالْفرق بَين الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا خبر هُوَ أَن الْخَبَر إِن تعلق بجزئي وَقصد بِهِ تَرْتِيب فصل الْقَضَاء عَلَيْهِ كَقَوْلِك: لفُلَان على فلَان كَذَا فَهُوَ الشَّهَادَة، وَإِن تعلق بِأَمْر عَام لَا يخْتَص بِمعين كالأعمال بِالنِّيَّاتِ وَالشُّفْعَة فِيمَا لَا يَنْقَسِم أَو تعلق بجزئي، لَكِن من غير قصد تَرْتِيب فصل الْقَضَاء عَلَيْهِ كَحَدِيث: يخرب الْكَعْبَة ذُو السويقتين من الْحَبَشَة وَنَحْوهمَا مِمَّا يقْصد بِهِ تَعْرِيف دَلِيل الحكم الشَّرْعِيّ لَا تَرْتِيب فصل الْقَضَاء، فَهُوَ الرِّوَايَة، وَلذَا قَالَ فِي جمع الْجَوَامِع الْإِخْبَار عَن عَام لَا ترفع فِيهِ الرِّوَايَة وخلافه الشَّهَادَة اه. وَشَاهِدٌ صِفَتُهُ المَرْعِيَّهْ عَدَالَةٌ تَيَقُّظٌ حُرِّيَّهْ (وَشَاهد) مُبْتَدأ سوغ الِابْتِدَاء بِهِ قصد الْجِنْس أَو كَونه صفة لمَحْذُوف (صفته) مُبْتَدأ ثَان (المرعية) نعت لَهُ أَي الْمُعْتَبرَة فِيهِ (عَدَالَة) وَمَا عطف عَلَيْهِ بِحَذْف العاطف خبر عَن الثَّانِي، وَالْجُمْلَة خبر الأول وَلَا يخفى أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْإِسْلَام وَالْعقل وَالْبُلُوغ إِذْ كل عدل مُطلقًا كَانَ عدل رِوَايَة أَو شَهَادَة لَا بُد فِيهِ مِنْهَا وَقت الْأَدَاء والإخبار. (تيقظ) أَي فطنة بِحَيْثُ لَا تتمشى عَلَيْهِ الْحِيَل فَهُوَ أخص من الْعقل، إِذْ لَا يلْزم من وجود الْعقل وجود التيقظ كَمَا أَنه لَا يلْزم من وجود التيقظ وجود الْبلُوغ فَلَا يتَكَرَّر مَعَ مَا قبله وَخرج بِهِ الْمُغَفَّل إِذا شهد فِيمَا يلتبس لَا إِن شهد فِي غَيره كَقَوْلِه: رَأَيْت هَذَا يقطع يَد هَذَا فَتقبل فمفهوم هَذَا الْقَيْد فِيهِ تَفْصِيل، فَلَا يعْتَرض بِهِ. والمغفل من لَا يسْتَعْمل قُوَّة التنبه مَعَ وجودهَا فِيهِ، وَأما البليد فَهُوَ خَال مِنْهَا فَلَا تجوز شَهَادَته مُطلقًا وَخرج بِهِ أَيْضا السَّفِيه كَانَ مولى عَلَيْهِ أم لَا على مَا بِهِ الْعَمَل من أَنه يحْجر عَلَيْهِ لِأَن من اسْتحق التحجير لعدم حفظه مَاله وَعدم حسنه النّظر فِيهِ لخداعه فِي البيع وَنَحْوه لَا تيقظ لَهُ كَمَا خرج بِمَا قبله الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالْكَافِر، فَلَا تجوز شَهَادَتهم وَلَو على مثلهم إِلَّا الصَّبِي على
стр. 133
مثله فِي الْجراح كَمَا يَأْتِي (حريَّة) وَلَو عتيقاً بعضه لِأَن المناصب الدِّينِيَّة من الْقَضَاء وَالشَّهَادَة فِيهَا إِلْزَام والنفوس تأبى أَن يلْزمهَا من دونهَا مِمَّن فِيهِ شَائِبَة رق لِأَنَّهُ أثر كفر، وَلِهَذَا جَازَت رِوَايَته لِأَنَّهُ لَا إِلْزَام فِيهَا لمُعين كَمَا مرّ وَأسْقط قيد الذكورية لتدخل الْأُنْثَى فَقَوله: وَشَاهد أَي وشخص شَاهد، فالناظم قصد بَيَان شُرُوط الشَّاهِد من حَيْثُ هُوَ، وَإِن كَانَت شَهَادَة النِّسَاء إِنَّمَا تجوز فِي الْبَعْض دون الْبَعْض فَغير المبرز، كَذَلِك تجوز شَهَادَته فِي الْبَعْض دون الْبَعْض فَلَو كَانَ مَقْصُوده من تجوز شَهَادَته فِي كل شَيْء لخرجا مَعًا. وَلَا يُقَال كَانَ الْقيَاس إِدْخَال شَهَادَة الصّبيان لِأَنَّهَا تجوز فِي الْبَعْض أَيْضا. لأَنا نقُول جَوَازهَا على خلاف الأَصْل كَمَا يَأْتِي. وَلما كَانَت الْقُيُود الْمَذْكُورَة لَا تَكْفِي فِي جَوَاز شَهَادَة الشَّاهِد، بل لَا بُد من قيدين آخَرين نبه على أَولهمَا بقوله: والعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الكَبَائرا وَيتّقِي فِي الغَالبِ الصّغَائِرا (و) الشَّاهِد (الْعدْل) الَّذِي يسْتَحق أَن يُسمى عدلا وَأَن تجوز شَهَادَته شرعا هُوَ (من) وجدت فِيهِ الْقُيُود الْمُتَقَدّمَة و (يجْتَنب) مَعهَا الذُّنُوب (الكبائرا) دَائِما وَهِي مَا توعد عَلَيْهِ من حقد وحسد ورياء وَسُمْعَة وسرقة وفاسقي الإعتقاد كالقدري والخارجي وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَا صغائر الخسة كسرقة لقْمَة وتطفيف حَبَّة، وَإِن لم تكن كَبِيرَة، وَالْمرَاد بالاجتناب أَن لَا تصدر مِنْهُ رَأْسا أَو عرفت تَوْبَته مِنْهَا، فالعدل مُبْتَدأ حذفت صفته كَمَا قَررنَا خَبره مَا بعده من الْمَوْصُول وصلته (وَيَتَّقِي) مَعْطُوف على الصِّلَة (فِي الْغَالِب) يتَعَلَّق بِهِ (الصغائرا) الْغَيْر الخسة كالنظرة للأجنبية والكذبة الْوَاحِدَة فِي السّنة لَا الصَّغَائِر من حَيْثُ هِيَ لما مرّ من أَن صَغِيرَة الخسة لحقت بالكبائر فِي دوَام الاجتناب لَا فِي الْغَالِب فَقَط، فَكَلَامه مساوٍ لقَوْل الشَّيْخ خَلِيل: الْعدْل حر مُسلم عَاقل بَالغ بِلَا فسق وَحجر لم يُبَاشر كَبِيرَة أَو صَغِيرَة خسة الخ. لِأَن مَفْهُوم قَوْله: أَو صَغِيرَة خسة أَن غير الخسة فِيهِ تَفْصِيل بَين الإدمان عَلَيْهِ فيقدح وَعَدَمه فَلَا يقْدَح كَمَا فِي النّظم لِأَن النَّادِر لَا يسلم مِنْهُ إِلَّا من عصمه الله، وَقد قَالَ مَالك: من الرِّجَال رجال لَا تذكر عيوبهم. ابْن يُونُس: إِذا كَانَ عَيبه خَفِيفا وَالْأَمر كُله حسن فَلَا يذكر الْيَسِير الَّذِي لَا عصمَة مِنْهُ لأحد من أهل الصّلاح وعَلى ثَانِيهمَا بقوله:
стр. 134
وَمَا أبيحَ وَهُوَ فِي العِيان يَقْدَحُ فِي مُروءَةِ الْإِنْسَان (وَمَا) مَوْصُول مَعْطُوف على الصَّغَائِر بِقَيْد الْغَلَبَة كَمَا هُوَ ظَاهر. أَي: وَيَتَّقِي فِي الْغَالِب مَا (أُبِيح) شرعا من قَول أَو فعل (وَهُوَ) مُبْتَدأ وَالْوَاو للْحَال (فِي العيان) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال أَي: وَهُوَ حَال وجوده فِي العيان بِنَاء على مَجِيء الْحَال من الْمُبْتَدَأ أَو يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ قَوْله: (يقْدَح فِي مُرُوءَة الْإِنْسَان) كالإدمان على لعب الْحمام وَلَو بِغَيْر قمار، وَالشطْرَنْج وكحرف المهنة من دباغة وحجامة وحياكة اخْتِيَارا فِي بلد يزري بِهِ التحرف بذلك وَلَيْسَ هُوَ من أَهله، أما إِن كَانَ لَا يزري بِهِ فِي ذَلِك الْبَلَد أَو كَانَ من أَهله أَو اضْطر لَهُ فَلَا. وكالتصريح بأقوال لم ينْطق الشَّرْع بهَا إِلَّا بِالْكِنَايَةِ وَنَحْو ذَلِك (خَ) ومروءة بترك غير لَائِق من حمام وَسَمَاع غناء ودباغة وحياكة اخْتِيَارا الخ. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فالمروءة هِيَ الْمُحَافظَة على فعل مُبَاح يُوجب تَركه الذَّم عرفا كَتَرْكِ الانتعال للمليء فِي بلد يزري بِمثلِهِ ذَلِك وعَلى ترك مُبَاح يُوجب فعله الذَّم عرفا كَالْأَكْلِ فِي السُّوق لغير السوقي وَفِي حَانُوت الطباخ لغير الْغَرِيب، وَقَوْلنَا بِقَيْد الْغَلَبَة إِشَارَة إِلَى أَن النَّادِر من الْمُبَاح القادح لَا يضر لِأَنَّهُ إِذا كَانَت صَغِيرَة غير الخسة إِنَّمَا يطْلب اتقاؤها فِي الْغَالِب فأحرى الْمُبَاح القادح فِي الْمُرُوءَة، وَبِمَا قَررنَا بِهِ هَذِه الأبيات ينْدَفع مَا أوردوه وَلَا يفوتهُ شَيْء مِمَّا شرطوه. وَلما كَانَ الاجتناب والاتقاء الْمَذْكُورَان فِي طوق الشَّاهِد واختياره دون غَيرهمَا وآفات الْعَدَالَة إِنَّمَا تَأتي فِي الْغَالِب من ناحيتهما عبر بَعضهم كَابْن رشد عَن حَدهَا بِأَنَّهَا اجْتِنَاب الْكَبَائِر واتقاء الصَّغَائِر وَحفظ الْمُرُوءَة إِشَارَة إِلَى أَن على ذَلِك مدَار الْعَدَالَة وروحها، فَتَبِعَهُ النَّاظِم فَأَعَادَ لفظ الْعدْل فِي الْبَيْت قبله إِشَارَة إِلَى ذَلِك، وَإِلَّا فَهُوَ فِي غنى عَنهُ بِأَن يَقُول مثلا مَعَ كَونه يجْتَنب الخ. وَلَا يَصح جعل الْبَيْتَيْنِ وَحدهمَا تَفْسِيرا للعدالة الْمُتَقَدّمَة كَمَا قيل: لما علمت من عدم شمولهما لكل قيودها. ثمَّ اعْلَم أَن هَذِه الشُّرُوط إِنَّمَا تشْتَرط فِي حَال الْأَدَاء فَقَط لَا التَّحَمُّل إِلَّا الْعقل، فَإِنَّهُ يشْتَرط فيهمَا وَسَيَأْتِي قَول النَّاظِم: وزمن الْأَدَاء لَا التَّحَمُّل. الخ. قيل: وَهَذَا التَّفْصِيل إِنَّمَا هُوَ فِيمَا عدا شُهُود الْخط وَالنِّكَاح، وَأما هما فَلَا بُد من الشُّرُوط كلهَا فِي التَّحَمُّل وَالْأَدَاء اه. قلت: إِن كَانَ مُرَاده بِالنِّكَاحِ أَن الزَّوْج لَا يعْتَمد فِي دُخُوله بِزَوْجَتِهِ على شَهَادَة الصَّبِي وَمن فِي مَعْنَاهُ مِمَّن لم تتوفر فِيهِ الشُّرُوط وَإِن فعل فَيصدق عَلَيْهِ أَنه دخل بِلَا إِشْهَاد فَيحد وَيفْسخ
стр. 135
وَلَو أَدَّاهَا حينئذٍ بعد زَوَال الْمَانِع فَوَاضِح، وَإِن كَانَ المُرَاد أَن العقد لَا يثبت بِشَهَادَة من تحمله حَال الْمَانِع وَلَو أَدَّاهَا بعد زَوَاله وَقبل الدُّخُول أَو بعده أَو بعد الْمَوْت فَهُوَ يحْتَاج إِلَى نَص يساعده، وَأما الْخط فَإِن كَانَ المُرَاد أَن من عرف خطّ شخص حَال الْمَانِع بالممارسة والتكرر لَا يرفع على عينه بعد زَوَال الْمَانِع وَلَو مبرزاً فَفِيهِ نظر، وَإِن كَانَ المُرَاد لَا يرفع عَلَيْهِ فِي غيبته اعْتِمَادًا على مَا عرفه مِنْهُ حَال الْمَانِع، فَهَذَا لَا يخْتَص بِهِ من تلبس بالمانع حَال التَّحَمُّل بل غَيره كَذَلِك إِذْ مُعَاينَة الرسوم لَا تفِيد خلافًا لأبي الْحسن كَمَا يَأْتِي، وَالله أعلم. تَنْبِيه: ظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَن الفاقد لوَاحِد من الشُّرُوط الْمَذْكُورَة لَا تقبل شَهَادَته وَلَو فِي بلد لَا عدُول فِيهِ، وَسَوَاء شهد على مَعْرُوف بِالسَّرقَةِ والعداء أم لَا، وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور وَمذهب الْجُمْهُور قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي أَحْكَامه: إِذا كَانَت قَرْيَة لَيْسَ فِيهَا عدُول وبعدوا عَن الْعُدُول فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن لَا تجوز شَهَادَتهم لبَعْضهِم بَعْضًا، لَكِن نقل فِي الذَّخِيرَة عَن النَّوَادِر أَنا إِذا لم نجد فِي جِهَة إِلَّا غير الْعُدُول أَقَمْنَا أَصْلحهم وَأَقلهمْ فجوراً للشَّهَادَة وَيلْزم ذَلِك فِي الْقَضَاء وَغَيره لِئَلَّا تضيع الْمصَالح، وَمَا أَظن أحدا يُخَالف فِي هَذَا لِأَن التَّكْلِيف شَرطه الْإِمْكَان اه. وَبِه عمل الْمُتَأَخّرُونَ حَسْبَمَا فِي ابْن سَلمُون والمعيار وَنَحْوهمَا، وَفِي المازونية أَنه تجوز على السَّارِق شَهَادَة من لقِيه من النِّسَاء وَالصبيان والرعاة إِذا عرفوه وَقَالُوا فلَان رَأَيْنَاهُ سرق كَذَا أَو غصبه وَنَحْو ذَلِك قَالَ: وَقد سُئِلَ مَالك عَن مثل هَذَا الْأَمر فِي لصوص الْحجاز والبرابر فَقَالَ: تجوز عَلَيْهِم شَهَادَة من لَقِيَهُمْ من النِّسَاء. قيل لَهُ: إِنَّهُم غير عدُول. قَالَ: وَأَيْنَ يُوجد الْعُدُول فِي مَوَاضِع السَّارِق واللص وَإِنَّمَا يتبعان الخلوات اه. وَهَذَا من بَاب قَوْلهم إِن الْمَعْرُوف بالظلم والتعدي يغلب الحكم فِي حَقه لِأَن شَهَادَة غير الْعدْل كَالْعدمِ، وَإِلَى مثل هَذَا أَشَارَ فِي العمليات بقوله: لوالد الْقَتِيل مَعَ يَمِين القَوْل فِي الدَّعْوَى بِلَا تَبْيِين وَهُوَ وَإِن كَانَ خلاف الْأُصُول لقَوْله ﵇: (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي) وَلقَوْل عمر ﵁: وَالله لَا يوسر أحد فِي الْإِسْلَام بِغَيْر الْعُدُول الخ. لَكِن عَمَلهم عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي فِي بَاب الْغَصْب اه. فَإِن أقرّ الْخصم بِالْعَدَالَةِ فَلَا تشْتَرط حِينَئِذٍ كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَفِي الشُّهُود يحكم القَاضِي بِمَا الخ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا يجرح بِهِ الشَّاهِد الْعدْل وَأَنه قِسْمَانِ مبرز وَغَيره فَقَالَ: فالْعَدْلُ ذُو التَّبرِيزِ لَيْسَ يَقْدَحُ فِيهِ سِوى عَدَاوَةٍ تُسْتَوْضَحُ (فالعدل) مُبْتَدأ (ذُو التبريز) نعت لَهُ أَي المبرز بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة من برز بِالتَّشْدِيدِ وَالْفَتْح
стр. 136
أَي فاق أَصْحَابه فضلا وعدالة مُتَقَدما فِي ذَلِك عَلَيْهِم، وَأَصله من تبريز الْخَيل فِي السَّبق وَتقدم سابقها، وَلَيْسَ هُوَ من تصدى لتحمل الشَّهَادَة وَبَيْعهَا فِي الْأَسْوَاق بِإِذن قَاض أَو أَمِير كَمَا يَعْتَقِدهُ الْعَامَّة بل هُوَ الْفَائِق فِي الْفضل كَمَا مرّ، وَأَيْنَ هُوَ الْيَوْم؟ وَكَانَ بعض الشُّيُوخ يمثله بِأبي مُحَمَّد صَالح ونظائره، وَقيل هُوَ مَعْدُوم فِي زَمَاننَا كبيض الأنوق أَي الرخمة قَالَ فِي المعيار: أما عدم هَذَا الْوَصْف الَّذِي هُوَ التبريز فِي الْعَدَالَة وعزته فِي المنتصبين للشَّهَادَة مِمَّن أدركنا من عدُول الْمغرب الْأَوْسَط والأقصى فَغير بعيد، وَأما عَدمه وعزته مُطلقًا فِي المنتصبين وَغَيرهم فَغير مُسلم، وَقد شاهدنا مِنْهُم وَالْحَمْد لله الْعدَد الْكثير اه. (لَيْسَ يقْدَح) خبر لَيْسَ وَاسْمهَا ضمير الشَّأْن (فِيهِ) يتَعَلَّق بيقدح (سوى عَدَاوَة) فَاعل يقْدَح أَو اسْم لَيْسَ على أَنه من بَاب التَّنَازُع بَين مُشْتَقّ وجامد عِنْد من أجَازه (تستوضح) مَبْنِيّ للْمَفْعُول صفة لعداوة، وَالْجُمْلَة من لَيْسَ وَمَا بعْدهَا خبر الْمُبْتَدَأ. وَقَوله: عَدَاوَة أَي دنيوية بَينه وَبَين الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَو ابْنه أَو أَبِيه وَنَحْوهمَا من الْأُصُول وَالْفُرُوع وَإِن علوا أَو سفلوا، لِأَن الْعَدَاوَة تورث، وَأما على الْحَوَاشِي فَقَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْع لَا إِن تمحضت الدِّينِيَّة فَقَط فَلَا أثر لَهَا لجَوَاز شَهَادَة الْمُسلم على الْكَافِر، وَفِي معنى الْعَدَاوَة الْقَرَابَة بِدَلِيل قَوْله فِيمَا يَأْتِي: وَالْأَب لِابْنِهِ وَعَكسه منع الخ. فَحذف الْقَرَابَة هُنَا اتكالاً على مَا يَأْتِي، وَمَفْهُوم عَدَاوَة أَنه لَا يقْدَح فِيهِ بغَيْرهَا وَعَلِيهِ اقْتصر ابْن سَلمُون و (خَ) فِي بَاب الْقَضَاء حَيْثُ قَالَ: والمبرز بِغَيْر عَدَاوَة وقرابة الخ. وَالْمَشْهُور وَهُوَ اخْتِيَار اللَّخْمِيّ أَنه يقْدَح فِيهِ بِغَيْرِهِمَا مِمَّا يقْدَح بِهِ فِي الْمُتَوَسّط (خَ) فِي الشَّهَادَات، وقدح فِي الْمُتَوَسّط بِكُل وَفِي المبرز بعداوة وقرابة وَإِن بِدُونِهِ كغيرهما على الْمُخْتَار، وَهَذَا فِي غير الملاطفة، وَأما هِيَ فَلَا يقْدَح بهَا فِي المبرز، وَاحْترز بقوله: تستوضح من الْعَدَاوَة الْخفية الَّتِي لَا تورث شَحْنَاء كالمخاصمة فِي ثمن الثَّوْب وَنَحْوه فَإِنَّهَا لَا تقدح كَمَا فِي ابْن سَلمُون وَابْن عَرَفَة وَكَيْفِيَّة وَثِيقَة الْعَدَاوَة يعرف الْوَاضِع شكله وأثره فلَانا وَفُلَانًا معرفَة تَامَّة بعينهما واسمهما وَمَعَهَا يشْهد بِأَن بَينهمَا عَدَاوَة قديمَة وشحناء ومقاطعة على أَسبَاب الدُّنْيَا وحطامها مُنْذُ كَذَا قبل تَارِيخ الشَّهَادَة بِالْحَقِّ أَعْلَاهُ أَو حوله وَلَا يعلمهما اصطلحا ورجعا عَن ذَلِك حَتَّى الْآن أَو حَتَّى مَاتَا أَو أَحدهمَا، وَقيد بذلك شَهَادَته فِي كَذَا فقولنا: وشحناء ومقاطعة تَأْكِيد وَتَفْسِير للعداوة، وَلَو اقْتصر على أحد هَذِه الْأَلْفَاظ لكفاه لِأَن مُجَرّد الهجران وَقطع الْكَلَام يرد الشَّهَادَة إِذا زَاد على ثَلَاثَة أَيَّام. انْظُر شرحنا على الشَّامِل، وَقَوْلنَا على أَسبَاب الدُّنْيَا أَي كالمنازعة فِي مَال أَو جاه وَفِي مَعْنَاهُمَا فَفِي المعيار إِن كَانَ بَين الشَّاهِد والمشهود عَلَيْهِ مقاسمة المغارم والكلف الَّتِي تلْزم الرّعية من السلاطين والمدافعة عَلَيْهِ وَبَينهمَا التشكي للعمال والقضاة على ذَلِك لم تجز شَهَادَته عَلَيْهِ، وَفِي الطرر عَن الِاسْتِغْنَاء فِي أهل مَسْجِد قَامُوا فِي حَبسه أَو فِي حَقه على رجل شهدُوا فِيهِ فأنكرهم لم تجز شَهَادَتهم لأَنهم خصماؤه، فَإِن قَامَ عَلَيْهِ مِنْهُم طَائِفَة وَشهد غَيرهم جَازَت لأَنهم غير خصماء اه. وَمِنْه شَهَادَة الْمَشْهُود عَلَيْهِ على الشَّاهِد وَلَو بعد شَهْرَيْن من شَهَادَة الشَّاهِد كَمَا فِي الشَّامِل، فَإِن كَانَت الْعَدَاوَة غَضبا لله تَعَالَى لكَون المغضوب عَلَيْهِ كَافِرًا أَو فَاسِقًا فَلَا تمنع الْقبُول لِأَن ذَلِك يدل على قُوَّة الْإِيمَان قَالَه ابْن شَاس، وَقَوْلنَا: مُنْذُ
стр. 137
كَذَا الخ بَيَان لعدم الْعَدَاوَة وَإِنَّهَا قبل الْأَدَاء احْتِرَازًا من الْعَدَاوَة الْحَادِثَة بعده فَلَا تضر، وَقَول (خَ) وَلَا إِن حدث فسق بعد الْأَدَاء مُقَيّد بِغَيْر الْعَدَاوَة كَمَا تقدم عِنْد قَول النَّاظِم: وَحقه إنهاء مَا فِي علمه. الخ، فَإِن حدثت الْعَدَاوَة بعد التَّحَمُّل وَقبل الْأَدَاء بطلت الشَّهَادَة، وَلذَا كَانَ يجب تَارِيخ الْخطاب بِالْأَدَاءِ كَمَا مرّ فِي فَصله وَفِي التَّبْصِرَة وَابْن شَاس اخْتلف فِيمَن كَانَت عِنْده شَهَادَة، وَكَانَ يذكرهَا ثمَّ عَادَاهُ الْمَشْهُود عَلَيْهِ فَاحْتَاجَ إِلَى الْقيام بهَا قَالَ اللَّخْمِيّ: قبُولهَا هُنَا أَحَق إِن كَانَت قد قيدت اه. وَفِي المعيار من حكم عَلَيْهِ القَاضِي فبادر لمخاصمته لَا يرفع الحكم عَنهُ، وَكَذَا من شكا بِالْقَاضِي للسُّلْطَان فَعدل بَيِّنَة تشهد عَلَيْهِ لَا يرد تعديله اه. وَإِذا شهد عَدوك لَك وَعَلَيْك فَإِن شهد بذلك فِي مجْلِس وَاحِد سَقَطت لِأَنَّهُ يتهم فِي جَوَاز شَهَادَته عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ لَهُ، وَإِن شهد عَلَيْك فِي وَقت ثمَّ شهد لَك فِي وَقت آخر جَازَت فِيمَا لَك لَا فِيمَا عَلَيْك. وَقَوْلنَا: وَلَا يعلمهما اصطلحا احْتِرَازًا مِمَّا إِذا زَالَت الْعَدَاوَة بِالصُّلْحِ وَالرُّجُوع لما كَانَا عَلَيْهِ قبل الْعَدَاوَة وَطَالَ ذَلِك طولا يدل على براءتهما مِنْهَا لِأَنَّهُ يتهم إِذا شهد بِقرب صلحه أَنه إِنَّمَا صَالحه ليشهد عَلَيْهِ، وَفِي الْمسَائِل الملقوطة فِي قوم بَينهم فتْنَة أَو بَين آبَائِهِم وأجدادهم ثمَّ اصْطَلحُوا فَلَا يشْهد بَعضهم على بعض حَتَّى يَنْقَضِي قرن الَّذين شهدُوا الْفِتْنَة اه. نَقله الْحطاب، وَلَعَلَّ مَا فِي الْمسَائِل الملقوطة لَا يُخَالف مَا قبله لِأَن الْعَدَاوَة بَين الْجَمَاعَة وَالْقَوْم أَشد إِذْ الْفِتْنَة رُبمَا أفضت للْقَتْل فَإِن سقط هَذَا الْفَصْل من أَصله فَالْأَصْل الِاسْتِصْحَاب لِأَن الْمَانِع قد ثَبت وَاحْتِمَال ارتفاعه لَا يُؤثر لِأَنَّهُ شكّ فِي ارْتِفَاع الْمَانِع لَا فِي نفس الْمَانِع قَالَه بعض. تَنْبِيه: فَإِن اعْترف الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَنه لَا معرفَة لَهُ بِالشَّاهِدِ، ثمَّ قَامَ يجرحه بالعداوة لم يقبل مِنْهُ وَله أَن يجرحه بغَيْرهَا قَالَه فِي اخْتِصَار الْمُتَيْطِيَّة وَنَقله ابْن سَلمُون. وَغيْرُ ذِي التَّبْريز قدْ يُجَرَّحُ بِغَيْرِها مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَقْبَحُ (وَغير ذِي التبريز) مُبْتَدأ خَبره (قد يجرج) و (بغَيْرهَا) يتَعَلَّق بِهِ وَكَذَا قَوْله (من كل مَا) مَصْدَرِيَّة أَو نكرَة مَوْصُوفَة (يستقبح) وَهُوَ تَفْسِير لغير وَالضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ غير الْعَدَاوَة أَي يجرح بِكُل مستقبح شرعا غير الْعَدَاوَة وَأَحْرَى بهَا، وَظَاهره سَوَاء بَين المجرح السَّبَب أم لَا وكيفيته يعرف الْوَاضِع شكله فلَانا بِعَيْنِه واسْمه وَمَعَهَا يشْهد بِأَنَّهُ مِمَّن لَا تقبل شَهَادَته لقبح مذْهبه وَسُوء صنعه وَلَا يعلمونه رَجَعَ عَن ذَلِك إِلَى الْآن وَبِذَلِك قيد شَهَادَته الخ. وَهَذَا على أَن شَهَادَة التجريح تقبل مجملة من أهل الْعلم وَعَلِيهِ غير وَاحِد من الشُّيُوخ وَالصَّوَاب كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة أَن لَا تقبل مجملة كَانَ الشَّاهِد من أهل الْعلم أم لَا، قَالَ لوَجْهَيْنِ، أَحدهمَا: إِن كثيرا من الْجرْح يخْتَلف الْعلمَاء فِيهِ فبعضهم يرَاهُ جرحا وَبَعْضهمْ لَا يرَاهُ. الثَّانِي: إِنَّه يتَعَلَّق بِهِ حقان حق الشَّاهِد لانتهاك حرمته وَحقّ الْمَشْهُود لَهُ فِي إِسْقَاط حَقه فَكَانَ من حَقّهمَا بَيَان مَا يَقع بِهِ التجريح إِذْ قد
стр. 138
يكون شَاهد التجريح سمع مِنْهُ كلمة أَو رأى مِنْهُ فعلا لَهُ فِيهِ تَأْوِيل لَا تسْقط الشَّهَادَة مَعَه اه. وَهُوَ ظَاهر قَول خَلِيل، وَإِن لم يعرف الِاسْم وَلَا اللقب بِخِلَاف الْجرْح أَي التجريح فَلَا بدّ فِيهِ من بَيَان السَّبَب لغلط كثير مِنْهُم فِيهِ كَالَّذي فسره بالبول قَائِما وبعدم تَرْجِيح الْمِيزَان وَعَلِيهِ فَتَقول بعد قَوْلك: مِمَّن لَا تقبل شَهَادَته الخ، بِأَنَّهُ يعْمل بالربا أَو يخرج الصَّلَاة عَن وَقتهَا أَو أقرّ بِوَطْء جَارِيَة اشْتَرَاهَا قبل استبرائها أَو مِمَّن يجهل أَحْكَام قصر الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَهُوَ من أهل السّفر وَالْمَال، أَو مِمَّن يشرب الْخمر أَو يَبِيع الْعِنَب لمن يعصرها خمرًا أَو يكثر سَماع الْغناء أَو يكذب أَو يضْرب الْخط أَو يشْتَغل بِالسحرِ وَالْكهَانَة أَو يتْرك زَوجته تخرج بادية الْأَطْرَاف من غير عذر لَهُ أَو يحضر محافل الْفُسَّاق أَو يختلي بِالنسَاء والأطفال أَو يتَوَلَّى أَخذ الْمَظَالِم والمغارم والمكوس من الرّعية ويقسطها عَلَيْهِم أَو يُعَامل أهل الغصوب أَو يشْهد بالزور أَو يتَعَرَّض لأخذ الزكوات كَمَا فِي المعيار أَو يشْتَغل بالغيبة والنميمة أَو يلقن الْفُجُور للخصوم أَو يحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق، أَو يدوام الْأكل عِنْد الْعمَّال، أَو يقبل جوائزهم، أَو يدْخل الْحمام بِغَيْر مئزر، أَو يلْتَفت فِي الصَّلَاة أَو ينتسب إِلَى غير أَبِيه أَو من أهل العصبية وَهِي أَن يبغض الرجل الرجل لكَونه من بني كَذَا وَنَحْو ذَلِك، وَلَيْسَ مِنْهَا من ترك تعاهد الْقُرْآن مشتغلاً بِغَيْرِهِ من الْوَاجِب حَتَّى نَسيَه فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بِخِلَاف إِن تَركه اسْتِخْفَافًا بِهِ كَمَا فِي الْبُرْزُليّ وَلَيْسَ للعمال أَيْضا أَن يقدحوا فِي شَهَادَة الرّعية عَلَيْهِم بِأَنَّهُم يغرمونهم كَمَا فِي الْبُرْزُليّ أَيْضا فقولنا بِعَيْنِه واسْمه احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَ لَا يعرفهُ بهما أَو يعرفهُ بالإسم فَقَط، فَإِن كَانَ يعرفهُ بِالْعينِ دون الِاسْم واللقب كَفاهُ أَن يُؤَدِّي الشَّهَادَة على عينه كَمَا مرَّ عَن خَلِيل وكما يَأْتِي فِي قَول النَّاظِم: ومطلقاً مَعْرُوف عين عدلا. الخ. إِذْ لَا فرق بَين التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح وَغَيرهمَا من الْمُعَامَلَات فِي هَذَا الْبَاب، وَإِذا حكم بتعديله أَو تجريحه أَو لُزُوم بَيْعه وَنَحْوه فَإِنَّهُ يسجل على صفته وحليته حَيْثُ لم يعرفهُ شُهُود الحكم بِالْعينِ وَالِاسْم وَإِلَّا سجلوا على مَعْرفَته، وَبِهَذَا يُقيد إِطْلَاق اللامية فِي قَوْلهَا شَهَادَة مَعْرُوف الخ، وَقَوْلنَا: وَلَا يعلمونه رَجَعَ الخ تقدم فِي الْوَثِيقَة قبله أَن سُقُوطه لَا يضر اه. وَهَذَا مَعَ تعذر الاستفسار وَإِلَّا فَيسْأَل عَن انْتِفَاء علمه وَظَاهر النّظم قبُول التجريح فِيهِ وَلَو أثْبته بعد مَوته وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي ابْن عَرَفَة فِي أثْنَاء الْكَلَام على الشَّهَادَة على الْخط وَفهم من النّظم أَن تَأْخِير القَاضِي للعدل عَن الشَّهَادَة لَا يبطل شَهَادَته فِيمَا شهد فِيهِ كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَعدل إِن أدّى على مَا عِنْده. الخ. لِأَنَّهُ قد اسْتندَ إِلَى علمه فِي إبِْطَال حق ثَبت وَهُوَ لَا يسْتَند لعلمه، وَمن ذَلِك إِذا رأى القَاضِي النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَقَالَ لَهُ: لَا تحكم بِشَهَادَة فلَان فَإِن ذَلِك لَا يصده عَن الحكم بهَا إِذا كَانَ الشَّاهِد عدلا قَالَه ابْن رشد. ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن غير الْمَعْرُوف بِالْعَدَالَةِ على أَرْبَعَة أَحْوَال بِاعْتِبَار افتقاره للتزكية وَعدم افتقاره لَهَا فَقَالَ: وَمَنْ عَلْيهِ وَسْمُ خيْرٍ قَدْ ظَهَرْ زُكِّيَ إلاَّ فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ (وَمن) مُبْتَدأ مَوْصُول (عَلَيْهِ) يتَعَلَّق بقوله ظهر (وسم) أَي عَلامَة (خير) مُبْتَدأ خَبره (قد ظهر) وَالْجُمْلَة صلَة من (زكي) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر الْمَوْصُول أَو جَوَاب الشَّرْط إِن جَعلتهَا شَرْطِيَّة
стр. 139
وَلَا تقبل شَهَادَته دون تَزْكِيَة فِي زمَان وَمَكَان (إِلَّا فِي) زمَان (ضَرُورَة السّفر) أَي السّفر الضَّرُورِيّ فَتقبل شَهَادَة الْقَافِلَة بَعضهم لبَعض فِيمَا يَقع بَينهم من الْمُعَامَلَات والكراآت عِنْد حَاكم الْقرْيَة الَّتِي مروا بهَا وَإِن لم يعدلُوا وَلَا إعذار فيهم كَمَا مرّ فِي فَصله ثمَّ مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم من جَوَازهَا فِي ضَرُورَة السّفر هُوَ مَا لِابْنِ حبيب ودرج عَلَيْهِ فِي الْمُتَيْطِيَّة وَهُوَ خلاف الْمَذْهَب. ابْن رشد: لَا خلاف أعلمهُ فِي الْمَذْهَب أَن الْمَجْهُول الْحَال لَا تجوز شَهَادَته حَتَّى يعدل لقَوْله تَعَالَى: مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) وَلَا يرضى إِلَّا من عرفت عَدَالَته، غير أَن ابْن حبيب أجَاز شَهَادَته على التوسم فِيمَا يَقع بَين الْمُسَافِرين فِي السّفر للضَّرُورَة قِيَاسا على جَوَاز شَهَادَة الصّبيان فِيمَا بَينهم فِي الْجراح اه. وَلذَا لم يعرج خَلِيل على مَا لِابْنِ حبيب، وَإِنَّمَا تعرض لجوازها على الْمُحَارب فَقَالَ: والقافلة بَعضهم لبَعض فِي حرابة يَعْنِي وَالشُّهُود من الْقَافِلَة عدُول كَمَا لشراحه. وَمَنْ بِعَكْسِ حَالِهِ فَلَا غِنَى عَنْ أنْ يُزكِّي والَّذِي قَدْ أَعْلَنَا (وَمن) مَوْصُول مُبْتَدأ (بعكس) خبر قَوْله (حَاله) وَالْجُمْلَة صلَة من أَي وَمن ظهر عَلَيْهِ وسم الشَّرّ وَلم يتَحَقَّق عَلَيْهِ (فَلَا) نَافِيَة للْجِنْس (غنى) اسْمهَا مركب مَعهَا (من أَن يُزكي) يتَعَلَّق بغنى وخبرها مَحْذُوف أَي فَلَا غنى عَن تزكيته مَوْجُود وَسَوَاء كَانَ فِي سفر أَو حضر وَظَاهره، وَلَو كَانَ القَاضِي يعرف عَدَالَته وتأمله مَعَ مَا مر عِنْد قَوْله وَفِي الشُّهُود يحكم القَاضِي بِمَا الخ (وَالَّذِي) مُبْتَدأ (قد أعلنا) صلته. بِحَالَة الْجَرْحِ فَلَيْس تُقْبَلُ لهُ شَهادةٌ وَلَا يُعَدلُ (بِحَالَة الْجرْح) من الْقَذْف وَشرب الْخمر وَنَحْوهمَا مِمَّا مرّ (فَلَيْسَ تقبل. لَهُ شَهَادَة) مَرْفُوع على أَنه اسْم لَيْسَ أَو نَائِب عَن الْفَاعِل يتَقَبَّل إِن جعلت اسْم لَيْسَ ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ (وَلَا يعدل) مَعْطُوف على مَا قبله أَي لَا يقبل تعديله لظُهُور فسقه. وإنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حالٍ زُكِّيا وشُبْهَةً تُوجِبُ فِيمَا ادُّعِيا (وَإِن يكن) شَرط (مَجْهُول حَال) خبر يكن أَي لم يظْهر عَلَيْهِ وسم خير وَلَا شَرّ (زكيا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول جَوَاب الشَّرْط أَي وَلَا يقبل دون تَزْكِيَة لَا فِي حضر وَلَا فِي سفر (و) لَكِن لَا تلغى شَهَادَته قبلهَا مُطلقًا بل (شُبْهَة) مفعول بقوله (توجب) بِكَسْر الْجِيم، وفاعله ضمير يعود على الْمُحْتَاج للتزكية بِدَلِيل تَأْخِيره فَيشْمَل من ظهر عَلَيْهِ وسم الْخَيْر والمجهول لِأَن الْكل تقبل تزكيته (فِيمَا) يتَعَلَّق بِمَا قبله (ادّعَيَا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صلتها والعائد مَحْذُوف أَي فِيهِ فتوجب الْكَفِيل وتوقيف الْمُدعى فِيهِ وَلَو عقارا وتقوي تُهْمَة وجوب الْيَمين على القَوْل بِعَدَمِ وجوب شَيْء
стр. 140
من ذَلِك بِمُجَرَّد الدَّعْوَى على مَا يَأْتِي وَأَحْرَى على القَوْل بِوُجُوبِهَا فِي الْجَمِيع مَعَ التجرد وَبِه الْعَمَل وَتَكون لوثاً فِي الدِّمَاء على أحد قولي مَالك الْآتِي فِي قَول النَّاظِم: وَمَالك فِيمَا رَوَاهُ أَشهب. الْبَيْت. وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْمَجْهُول فَمن ظهر عَلَيْهِ وسم الْخَيْر أَحْرَى، وَكَذَا من ظهر عَلَيْهِ وسم الشَّرّ إِذْ الْمدَار على كَونه مِمَّن ترجى تزكيته فيعمم فِي النّظر كَمَا قَررنَا وَالله أعلم. وَقد علم أَن كل مَا عدا الْمُعْلن بِالْفِسْقِ من هَذِه الْأَقْسَام تقبل تزكيته وَأَن شَهَادَته قبلهَا شُبْهَة لِأَن كل من يُرْجَى ثُبُوت الْحق بِهِ إِذا زكى فَهُوَ شُبْهَة كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَامهم فِي فصل التَّوْقِيف خلافًا لما فِي الْمُتَيْطِيَّة من أَن شَهَادَة من ظهر عَلَيْهِ وسم الشَّرّ لَا تكون شُبْهَة إِذْ لَا يخفى أَنَّهَا أقوى مِمَّن شهِدت بالنشدان وَنَحْوه، وَعلم مِنْهُ أَيْضا أَن الأَصْل فِي النَّاس الجرحة وَلَو كَانَ مِمَّن تتوهم فِيهِ الْعَدَالَة كرواة الْعلم فَلَا بُد من تزكيته وَهُوَ كَذَلِك كَمَا لِابْنِ نَاجِي فِي شرح الْمُدَوَّنَة قَالَ: وَاخْتَارَ ابْن عبد الْبر وَهُوَ قَول جمَاعَة من الْعلمَاء قبُول رُوَاة الْعلم حَتَّى تظهر جرحتهم لقَوْله ﵊: (يحمل هَذَا الدّين من كل خلف عَدو لَهُ) اه. فَالْمُرَاد برواته من تضلعوا فِيهِ واطلعوا على سرائره بِدَلِيل الحَدِيث الْمَذْكُور لَا كل من يتعلمه. ومُطْلَقاً مَعْرُوفُ عَيْنٍ عدِّلا والعَكْسُ حاضِراً وإنْ غَابَ فَلا (ومطلقاً مَعْرُوف عين) مُبْتَدأ خَبره (عدلا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ومطلقاً حَال من نَائِبه أَي الشَّاهِد الْمَعْرُوف بِالْعينِ وَالِاسْم وَالنّسب عِنْد القَاضِي أَو عِنْد النَّاس وَإِن لم يعرفهُ القَاضِي تقبل تزكيته مُطلقًا سَوَاء حضر مجْلِس القَاضِي وَأديت التَّزْكِيَة على عينه أم لَا. لِأَن من كَانَ مَعْرُوفا عِنْد النَّاس مَشْهُورا تمكن القَاضِي بمعرفته من مُطلق النَّاس (وَالْعَكْس) مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف لدلَالَة مَا تقدم عَلَيْهِ أَي وَالْعَكْس وَهُوَ مَا إِذا كَانَ الشَّاهِد غير مَعْرُوف عِنْد القَاضِي وَلَا مَشْهُورا عِنْد النَّاس يعدل حَال كَونه (حَاضرا) مجْلِس القَاضِي، وَظَاهره وَإِن لم يعرف الْمُزَكي بِالْكَسْرِ اسْمه وَلَا نسبه وَلَا كنيته لِأَنَّهُ إِنَّمَا يشْهد على عينه وتسجل وَثِيقَة التَّعْدِيل على حليته وَصفته وَهُوَ كَذَلِك كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَغير ذِي التبريز الخ. وَلَا يلْزم من المخالطة فِي الْحَضَر وَالسّفر مَعَ طول الْعشْرَة الخ. اللَّتَيْنِ يعْتَمد عَلَيْهِمَا المزكى أَن يكون عَارِفًا باسمه، وَنسبه إِذْ قد يخالطه وتطول الْعشْرَة وينسى اسْمه وَلَا يعرف اسْمه بِالْكُلِّيَّةِ، وَمن اشْتهر بكنيته حَتَّى صَارَت علما عَلَيْهِ هُوَ كمعروف الِاسْم فَلَيْسَ هُوَ من مَحل الْخلاف، (وَإِن غَابَ) غير مَعْرُوف الْعين (فَلَا) يعدل وَظَاهره وَلَو بَعدت غيبته، وَالَّذِي لِابْنِ عَرَفَة عَن عبد الْحق أَن مَحل هَذَا إِن غَابَ عَن الْمجْلس وَهُوَ فِي الْبَلَد أَو قريب مِنْهُ وإلاَّ جَازَت تزكيته كَمَا يقْضى عَلَيْهِ وَنَحْوه فِي التَّبْصِرَة عَن الْمَازرِيّ، فيقيد كَلَام النَّاظِم بالقريب أَو الْحَاضِر فِي الْبَلَد:
стр. 141
وشاهِدٌ تَعْدِيلُهُ بِاثْنَيْنِ كذَاكَ تَجْرِيُ مُبَرِّزَيْن (وَشَاهد) مُبْتَدأ سوغ الِابْتِدَاء بِهِ قصد الْجِنْس أَو الْعُمُوم كَقَوْلِهِم: كل يَمُوت أَي كل شَاهد (تعديله) مُبْتَدأ ثَان (بِاثْنَيْنِ) خَبره وَالْجُمْلَة خبر الأول (كَذَاك) خبر عَن قَوْله (تجريح) بِالتَّنْوِينِ (مبرزين) صفة لمَحْذُوف أَي تجريح كَائِن كَذَلِك بِاثْنَيْنِ مبرزين، فَالْأول على حذف الصّفة كَقَوْلِه تَعَالَى: الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧١) أَي الْبَين وإلاَّ فموسى ﵇ لم يَأْتِ إِلَّا بِالْحَقِّ فَحذف النَّاظِم مبرزين من الأول لدلَالَة الثَّانِي عَلَيْهِ أَو هُوَ من بَاب الاحتباك فَحذف من كل مَا أثبت نَظِيره فِي الآخر، وَهَذَا أولى من جعله صفة لاثْنَيْنِ الْمَذْكُور لما فِيهِ من الْفَصْل بأجنبي، وَفهم مِنْهُ أَن كلا من التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح لَا يثبت إِلَّا بِاثْنَيْنِ مبرزين وَهُوَ فِي التَّعْدِيل مُسلم إِذْ لَا يقبل فِيهِ إِلَّا المبرز الفطن الَّذِي لَا يخدع فِي عقله وَلَا يتزلزل فِي رَأْيه مُعْتَمدًا على طول عشرته من أهل سوق المزكى بِالْفَتْح، ومحلته على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ والقضاة الْيَوْم يتساهلون ويقبلون التَّزْكِيَة من مُطلق الْعُدُول، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُم ذَلِك وَإِن كَانَ رُوِيَ عَن مَالك أَن شُهُود التَّزْكِيَة كشهود سَائِر الْحُقُوق، لكنه غير الْمَشْهُور، وَأما فِي التجريح فَإِن لم يبينوا سَببه بل أجملوا وَقَالُوا: هُوَ غير عدل وَلَا جَائِز الشَّهَادَة، فَكَذَلِك لَا يقبل إِلَّا من المبرزين أَيْضا العارفين بِوُجُوه التجريح كَمَا لِابْنِ رشد، وَنَقله ابْن عَرَفَة وَهُوَ معنى مَا لِابْنِ عتاب حَسْبَمَا فِي ابْن سهل وَنَقله فِي التَّبْصِرَة من أَن الَّذِي أحَاط بِهِ الْعلم وَجرى بِهِ الحكم أَن التبريز لَا يشْتَرط فِي التجريح بالعداوة، وَإِنَّمَا يطْلب التبريز فِي غَيرهَا من وُجُوه التجريح اه. وَنَحْوه لِابْنِ مغيث فِي مقنعه قَالَ: لَا يكون التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح بِأَقَلّ من اثْنَيْنِ مبرزين قَالَه أَكثر الْأَصْحَاب، وَبِه مَضَت الْفَتْوَى عِنْد الشُّيُوخ وتبعهم الشَّارِح وَهُوَ ظَاهر النّظم، وَلَكِن مُرَادهم وَالله أعلم إِذا أجملوا كَمَا مرّ عَن ابْن رشد لِأَن التَّوْفِيق بَين كَلَام الْأَئِمَّة مَطْلُوب مَا أمكن، وَأما إِن لم يبينوا السَّبَب فَهُوَ وَإِن كَانَ فِيهِ خلاف فِي اشْتِرَاط التبريز أَيْضا، لَكِن الرَّاجِح عدم اشْتِرَاطه كَانَ المقدوح فِيهِ مبرزاً أم لَا، وَهُوَ قَول مطرف. وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيّ قَالَ: لِأَن الْجرْح مِمَّا يكتم وَلَا يطلع عَلَيْهِ كل النَّاس وَعَلِيهِ عول (خَ) فِي قَوْله وَإِن بِدُونِهِ، وَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله وثابت الْجرْح الخ. أَنه يبطل بتجريح عَدْلَيْنِ شَهَادَة من يعدله الْعدَد الْكثير من المبرزين، فيقيد إِطْلَاق النَّاظِم بِعَدَمِ بَيَان السَّبَب ليَكُون مَاشِيا على الْمُعْتَمد. وَقَوله:
стр. 142
بِاثْنَيْنِ يَعْنِي وَلَيْسَ المزكى بِالْفَتْح شَاهدا مَعَ الْمُزَكي بِالْكَسْرِ على ذَلِك الْحق أَو نَاقِلا مَعَه فِيهِ، وإلاَّ فَلَا يجوز لِأَن الْحق حِينَئِذٍ ثَبت بِعدْل وَاحِد، وَظَاهر قَوْله بِاثْنَيْنِ وَلَو كَانَ المزكى بِالْفَتْح قد جرح فِي الْقَدِيم وَالَّذِي فِي الْمُقدمَات أَن التَّزْكِيَة فِي هَذَا لَا تقبل إِلَّا مِمَّن علم بجرحته وَشهد بتوبته مِنْهَا ونزوعه عَنْهَا، وَمَفْهُوم قَوْله بِاثْنَيْنِ أَن تَزْكِيَة الْوَاحِد لَا تَكْفِي وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور. وَقَالَ مطرف: يجوز تَعْدِيل الْوَاحِد وَهَذَا كُله فِي تَزْكِيَة الْعَلَانِيَة. وَأما تَزْكِيَة السِّرّ فَأَشَارَ لَهَا بقوله: والفَحْصُ مِنْ تِلْقاءِ قَاضٍ قُنِعا فِيهِ بِواحِدٍ فِي الأمْرَيْنِ مَعا (والفحص) مُبْتَدأ أَي الْبَحْث (من تِلْقَاء قَاض) أَي جِهَته يتَعَلَّق بِمَحْذُوف صفة أَي الفحص الْوَاقِع من جِهَة القَاضِي (قنعا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (فِيهِ) يتَعَلَّق بِهِ (بِوَاحِد) نَائِب فَاعل قنعا (فِي الْأَمريْنِ) أَي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح يتَعَلَّق بِهِ أَيْضا (مَعًا) حَال وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ والرابط الضَّمِير الْمَجْرُور بفي وَوجه ذَلِك خُرُوجه من بَاب الشَّهَادَة الَّتِي يشْتَرط فِيهَا التَّعَدُّد إِلَى بَاب الْخَبَر الَّذِي لَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك، وَصفته أَن يتَّخذ الْحَاكِم رجلا من أهل الْعدْل وَالرِّضَا مجمعا عَلَيْهِ بذلك فيوليه السُّؤَال عَن الشُّهُود سرا أَو يبْدَأ الْحَاكِم بالسؤال عَن الشَّاهِد مِمَّن يظنّ أَنه خَبِير بِحَالهِ من جِيرَانه وَأهل سوقه ومحلته. وَالْحَاصِل إِمَّا أَن يتَوَلَّى السُّؤَال بِنَفسِهِ أَو يولي من يسْأَل وعَلى كل حَال لَا يكْتَفى فِي السَّائِل مِنْهُمَا بسؤال وَاحِد خشيَة أَن تكون بَينه وَبَين الشَّاهِد عَدَاوَة، وَإِنَّمَا يسألان عَنهُ الثِّقَات وَأهل الْخِبْرَة بِهِ وَفهم من قَوْله: قنعا بِوَاحِد الخ، أَن الِاثْنَيْنِ أولى وَهُوَ كَذَلِك بل الَّذِي فِي الْمُتَيْطِيَّة والوثائق الْمَجْمُوعَة أَن الْعَمَل وَالْقَضَاء على عدم الاجتزاء بِالْوَاحِدِ فِي تَعْدِيل السِّرّ وتجريحه وَقَالَ اللَّخْمِيّ: لَا أرى الْيَوْم أَن يجتزأ بِأَقَلّ من اثْنَيْنِ قولا وَاحِدًا اه وَلَكِن مَا اقْتصر عَلَيْهِ النَّاظِم هُوَ الَّذِي فِي ابْن الْحَاجِب ومختصر خَلِيل، ثمَّ من حق الشَّاهِد والمشهود عَلَيْهِ أَن يعلمَا بالمجرح، فقد تكون بَينه وَبَين أَحدهمَا عَدَاوَة أَو بَينه وَبَين الْمَشْهُود لَهُ قرَابَة أَو غير ذَلِك مِمَّا يمْنَع التجريح قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا، قَالَ: وَاخْتلف إِذا كَانَ الشَّاهِد والمشهود لَهُ مِمَّن يتقى شَره هَل يعلم بالمجرح أم لَا؟ فَقَالَ سَحْنُون: يعلم. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِذا قَالَ الشُّهُود نكره عَدَاوَة النَّاس جَازَ التجريح سرا. اللَّخْمِيّ: وَقَول سَحْنُون أحسن لفساد الْقُضَاة الْيَوْم اه. وَقَالَ ابْن رحال: إِذا كَانَ هَذَا فِي زمن اللَّخْمِيّ فَكيف بزمننا؟ قَالَ: وَبِه تعلم أَن الِاكْتِفَاء بِالْوَاحِدِ فِي السِّرّ تَزْكِيَة وتجريحاً وَعدم الْقدح فِيهِ لَا يُنَاسب زمننا لِأَن القَاضِي رُبمَا يَقُول: عدل عِنْدِي الشُّهُود أَو جرحوا، وَلم يكن شَيْء من ذَلِك، فَلذَلِك اعْتمد النَّاس تَزْكِيَة الظَّاهِر وتجريحه، وأهملوا ذَلِك فِي السِّرّ بِحَسب مَا
стр. 143
أدركنا عَلَيْهِ الْقُضَاة من شُيُوخنَا اه. قلت: وعَلى مَا قَالَ من إهمال تَزْكِيَة السِّرّ وتجريحه وَأَنه لَا بُد من الْإِعْذَار فِيهِ أدركنا الْأَشْيَاخ الْيَوْم حَسْبَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي آخر فصل الْإِعْذَار وَالله أعلم. وَمَنْ يُزَكِّي فَلْيَقُلْ عَدْلٌ رِضَا وبَعْضُهُمْ يُجِيزَانِ أَوْ يُبَعِّضا (وَمن) شَرط (يُزكي) فعل الشَّرْط (فَلْيقل) جَوَابه (عدل) خبر لمَحْذُوف (رضَا) خبر ثَان وَالْجُمْلَة محكية بالْقَوْل وَمَا ذكره من الْجمع بَين اللَّفْظَيْنِ هُوَ الْمَشْهُور، وَمذهب الْمُدَوَّنَة (خَ) بِأَن شهد أَنه عدل رضَا. قَالَ فِي ضيح: لِأَن الْعَدَالَة تشعر بسلامة الدّين وَالرِّضَا يشْعر بالسلامة من البله والغفلة، وَكثير من الْعُدُول لَا يفهم معنى اللَّفْظَيْنِ فَيجب سُؤَاله عَن مَعْنَاهُمَا إِذا ظن بِهِ عدم معرفتهما على أَنه قد تقدم أَن التَّعْدِيل لَا يَصح إِلَّا من المبرز الْعَارِف بِمَا يَصح بِهِ التَّعْدِيل وَفهم من قَوْله عدل رضَا أَنه لَو قَالَ: هُوَ مِمَّن تقبل شَهَادَته أَو يقْضى بهَا أَو قَالَ نعم العَبْد أَنه لَا يكون تَزْكِيَة، وَقيل إِنَّه تَزْكِيَة إِن كَانَ من أهل الْعلم، وَظَاهر النّظم أَنه يَكْتَفِي بِمَا ذكر سَوَاء أَدَّاهُ بِلَفْظ أشهد أَو أعرف أَو أعلم أَو أرَاهُ أَو غير ذَلِك، وَهُوَ كَذَلِك على الْمَذْهَب وَظَاهر نَص (خَ) الْمُتَقَدّم أَنه لَا بُد من لفظ أشهد وَفِي الْمَسْأَلَة اضْطِرَاب هَل لفظ أشهد فِي أَدَاء الشَّهَادَة من حَيْثُ هِيَ متعبد بِهِ فَإِذا أدّيت بِغَيْرِهِ ألغيت وَعَلِيهِ اقْتصر ناظم الْعَمَل حَيْثُ قَالَ: لَا بُد فِي تأدية من يشْهد الخ أَولا فتؤدى بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا مر. (وَبَعْضهمْ) مُبْتَدأ خَبره قَوْله (يُجِيز أَن يبعضا) بِكَسْر الْعين الْمُشَدّدَة وضميره الشَّاهِد أَي أَن يبعض الشَّاهِد اللَّفْظَيْنِ الْمُتَقَدِّمين فيكفيه الِاقْتِصَار على أَحدهمَا، وَيحْتَمل قِرَاءَته بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وضميره يعود على اللَّفْظ الَّذِي تقع بِهِ التَّزْكِيَة، لَكِن الأول أولى لسلامته من سناد التَّوْجِيه وَالْقَوْل بالتبعيض هُوَ الْمَذْهَب عِنْد ابْن زرقون وَابْن فتوح لِأَن كلاًّ من اللَّفْظَيْنِ يسْتَلْزم معنى الآخر وَعَلِيهِ درج ناظم الْعَمَل حَيْثُ قَالَ: وَإِن يقل رضَا مزَك قِبلا. وَلابْن رشد الِاخْتِيَار أَن يجمع بَين اللَّفْظَيْنِ لقَوْله تَعَالَى: مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) مَعَ قَوْله تَعَالَى: وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ (الطَّلَاق: ٢) فَإِن اقْتصر على أَحدهمَا أَجْزَأَ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذكر كل لَفْظَة على حدتها وَفصل اللَّخْمِيّ فَقَالَ: إِن اقْتصر على إِحْدَى
стр. 144
الْكَلِمَتَيْنِ وَلم يسْأَل عَن الْأُخْرَى فَهُوَ تَعْدِيل وَإِن سُئِلَ عَنْهَا فَوقف فَهُوَ رِيبَة يسئل عَن سَبَب وَقفه فقد يذكر مَا لَا يقْدَح أَو يذكر مَا يريب فَيُوقف عَنهُ اه. وَقد تقدم أَن الْعَدَالَة مُعْتَبرَة فِي كل زمَان بأَهْله وَأَن التَّزْكِيَة لَا تقبل إِلَّا من المبرز الفطن الْعَارِف الْكَائِن من أهل سوق المزكى ومحلته لَا من غَيرهم لِأَن توقفهم عَن تزكيته رِيبَة الْمَعْرُوف عِنْد القَاضِي لَا غير مَعْرُوف إِلَّا لعذر بِأَن لَا يكون فِي أهل سوقه عدُول معروفون عِنْد القَاضِي أَو كَانَ المزكى بِالْفَتْح غَرِيبا أَو امْرَأَة، فَيصح أَن يكون الْمُزَكي حِينَئِذٍ بِالْكَسْرِ مَجْهُولا عِنْد القَاضِي ثمَّ يُزَكِّيه آخَرُونَ معروفون عِنْده وَهُوَ معنى قَول من قَالَ: تَعْدِيل احْتَاجَ لتعديل هبا إِلَّا مزكي امْرَأَة أَو غربا وَيكْتب فِي ذَلِك شُهُوده يعْرفُونَ فلَانا معرفَة تَامَّة ويعلمونه عدلا فِي أَحْوَاله رضَا فِي شَهَادَته وَلَا يعلمونه رَجَعَ عَن ذَلِك إِلَى الْآن، وقيدوا بذلك شَهَادَتهم على عينه فِي كَذَا، فَإِن سقط قَوْلهم وَلَا يعلمونه الخ لم يكن تعديلاً إِلَّا إِذا كَانُوا من أهل الْعلم، وَإِن سقط لفظ التَّعْدِيل أَو الرِّضَا، فَهُوَ مَحل الْخلاف الْمُتَقَدّم. وَقَوْلنَا: على عينه هَذَا إِذا كَانَ غير مَعْرُوف عِنْد القَاضِي وَهُوَ حَاضر الْبَلَد أَو قريب الْغَيْبَة، وإلاَّ فالمعروف عِنْده أَو بعيد الْغَيْبَة لَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى ذَلِك وأشعر اشْتِرَاط التبريز أَن تَزْكِيَة النِّسَاء لَا تقبل لِأَن التبريز صفة تخْتَص بِالرِّجَالِ لنُقْصَان مرتبَة النِّسَاء فِي الشَّهَادَة، وَلذَلِك لم تجز فِي نِكَاح وَلَا طَلَاق وَجعلت شَهَادَة امْرَأتَيْنِ كَرجل فَلَا يزكين الرِّجَال وَلَا النِّسَاء فِيمَا تجوز شَهَادَتهنَّ فِيهِ وَلَا فِيمَا لَا يجوز قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة، وَلابْن نَافِع وَابْن الْمَاجشون جَوَاز تزكيتهن الرِّجَال فِيمَا تجوز فِيهِ شَهَادَتهنَّ، وَأَجَازَ بعض الشُّيُوخ تزكيتهن النِّسَاء أَيْضا قَالَ: لِأَن مَالِكًا أجَاز شَهَادَتهنَّ فِي الْأَمْوَال والتزكية فِي الْأَمْوَال تجر إِلَيْهِ. قلت: وَهَذَا يتلمح مِمَّا تقدم عَن مَالك من عدم اشْتِرَاط التبريز فِي التَّعْدِيل وَأَن شُهُوده كشهود سَائِر الْحُقُوق. تَنْبِيه: ابْن رشد: لَا يلْزم الشَّاهِد فِي التَّعْدِيل أَن يَقُول هُوَ من أهل الْعَدَالَة لِأَن الْقطع بِهِ لَا يَصح وَلَو قَالَه لم يضرّهُ، وَلَا يكون غموساً لِأَن مَعْنَاهُ فِي ظَنِّي وَهَذَا يجْرِي أَيْضا فِيمَا إِذا قطعُوا فِي الْملك فَيَقُولُونَ وَلم يخرج عَن ملكه يُرِيد: إِذا كَانَ من أهل الْعلم وإلاَّ فَلَا تقبل مِنْهُ مجملة وَالله أعلم. وثابِتُ الْجَرحِ مُقَدَّمٌ عَلَى ثابِت تَعْدِيلٍ إذَا مَا اعْتَدَلا (وثابت الْجرْح) بِفَتْح الْجِيم مُبْتَدأ خَبره (مقدم على. ثَابت تَعْدِيل) يتَعَلَّق بالْخبر الْمَذْكُور (إِذا) ظرف يتَعَلَّق بالْخبر أَيْضا (مَا) زَائِدَة (اعتدلا) جملَة فِي مَحل خفض بِإِضَافَة إِذا. وَألف التَّثْنِيَة فِيهِ
стр. 145
يعود على التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح أَي إِذا تَعَارَضَت بينتاهما وتكافأتا فِي الْعَدَالَة فَتقدم بَيِّنَة الْجرْح وَالتَّعْبِير بالتقديم هُنَا مجَاز فِيمَا يظْهر لِأَنَّهُمَا لَو تكافأتا سقطتا، وَالْأَصْل فِي النَّاس الجرحة، وَمَفْهُوم قَوْله: إِذا مَا اعتدلا أَنه إِذا كَانَت إِحْدَاهمَا أعدل يعْمل عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِك إِذا قطعت كل مِنْهُمَا بكذب الْأُخْرَى كَقَوْل المعدلة: بَات معتكفاً على الصَّلَاة لَيْلَة كَذَا، وَقَالَت المجرحة: بَات معتكفاً على شرب الْخمر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَأما إِن لم تقطع كل مِنْهُمَا بكذب الْأُخْرَى بل أرْسلت كل مِنْهُمَا الشَّهَادَة بِالنِّسْبَةِ للزمان وَالْمَكَان فَلَيْسَ من التَّعَارُض فِي شَيْء فَتقدم بَيِّنَة الْجرْح حِينَئِذٍ وَلَو كَانَت أقل عَدَالَة كَمَا مر عَن (خَ) فِي قَوْله بِخِلَاف الْجرْح وَهُوَ الْمُقدم الخ. وَعَن سَحْنُون لَو عدله أَرْبَعَة وجرحه اثْنَان وَالْأَرْبَعَة أعدل لأخذت بِشَهَادَة المجرحين لعلمهما من بَاطِن الْأَمر مَا لم يُعلمهُ الْآخرُونَ اه. فَكَلَام النَّاظِم إِنَّمَا هُوَ فِي التَّعَارُض كَمَا قَررنَا بِدَلِيل قَوْله: إِذا مَا اعتدلا إِذْ الِاعْتِدَال وَعَدَمه إِنَّمَا ينظر إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك لَا مَعَ عَدمه لِأَنَّهُمَا إِذا أرسلا الشَّهَادَة لم يتواردا على زمَان وَاحِد فالمعدلة شاهدة بِعَدَمِ علم الجرحة والمجرحة شاهدة بوجودها مِنْهُ فَكل مِنْهُمَا صَادِق بِحَسب الظَّاهِر بِمَنْزِلَة مَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا بِعَدَمِ علم البيع وَالْأُخْرَى بِوُقُوعِهِ وَالشَّهَادَة بالبت لَا تعارضها الشَّهَادَة على نفي الْعلم فِي كل شَيْء من غير نظر للأعدل من غَيره فَلَا ترد هَذِه على مَفْهُوم النّظم، وَمحل مَا ذكرنَا من أَنه لَا تعَارض مَعَ إرسالهما للشَّهَادَة إِذا قرب تَارِيخ التجريح من تَارِيخ التَّعْدِيل وإلاَّ قضي بأحدثهما تَارِيخا وَيحمل على أَنه كَانَ عدلا ففسق أَو فَاسِقًا فَعدل. وَالْحَاصِل؛ أَنَّهُمَا إِذا تواردتا على زمن وَاحِد وتكافأتا سقطتا وَبَقِي الشَّيْء على أَصله وَهُوَ الجرحة وَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا أعدل فَيَقْضِي بِهِ وَهَذَا معنى كَلَام النَّاظِم منطوقاً ومفهوماً وَإِذا قضينا بالمجرحة إِن كَانَت أعدل وَقد جرحته بِمَا فِيهِ أدب أَو حد فَلَا أدب عَلَيْهِ وَلَا حد وَإِن لم تتواردا على زمن وَاحِد فَلَا تعَارض وَلَكِن إِن قرب تَارِيخ إِحْدَاهمَا من الْأُخْرَى قضى بالمجرحة وَإِن تبَاعد مَا بَين التاريخين قضى بالأحدث تَارِيخا إِلَّا أَن يكون فِي وَقت تقييداً لمجرح ظَاهر الْعَدَالَة فالمجرحة أولى قَالَه اللَّخْمِيّ وَغَيره وَهُوَ الْمُوَافق لما مرّ عِنْد قَوْله: وَعدل إِن أدّى على مَا عِنْده. الخ. وَقَوله: وثابت الْجرْح الخ يَعْنِي بعدلين وَأما بِعلم القَاضِي فَتقدم فِي قَوْله: وَفِي الشُّهُود يحكم القَاضِي الخ. وَإِذا ثَبت بعدلين فَظَاهره اتفقَا على سَببه أم لَا. كَقَوْل أَحدهمَا يعْمل بالربا، وَقَول الآخر يشرب الْخمر لِأَنَّهُمَا متفقان فِي الْمَعْنى على أَنه رجل سوء وَقيل لَا تجوز حَتَّى يتَّفقَا على الشّرْب أَو الرِّبَا، فَإِن قَالَ أَحدهمَا خائن وَالْآخر يَأْكُل أَمْوَال الْيَتَامَى جَازَت اتِّفَاقًا. وطالِبُ التجْدِيدِ لِلتَّعْدِيلِ مَعْ مُضِيِّ مُدَّةٍ فَالأُوْلى يُتَّبَعْ (وطالب التَّجْدِيد) مُبْتَدأ (للتعديل) الْوَاقِع على مَجْهُول الْحَال ظهر عَلَيْهِ وسم خير أَو شَرّ أَو
следующие страницы →