← Сияса и кади

Сияса и кади · id 1544

البهجة في شرح التحفة

التسولي

Полный текст (1 359 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَلَا يقدم من يُؤَدِّي عِنْده لِأَن مقدمه كَهُوَ على مَا لَا يخفى اه. وَهَذَا فِي غير السُّلْطَان الْأَعْلَى يشْهد عِنْد قاضيه وَإِلَّا فَيجوز على مَا بِهِ الْعَمَل كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة فَإِن كَانَ الْمَرْفُوع إِلَيْهِ بَعيدا بِحَيْثُ لَا يلْزم الرافع الْأَدَاء مِنْهُ فَلهُ أَن يشْهد على شَهَادَته عَدْلَيْنِ وينقلانها عَنهُ، وَأفهم قَوْله عدل أَن هَذَا فِي ظَاهر الْعَدَالَة الْمَشْهُور بهَا كَمَا فِي النَّقْل كَانَ منتصباً للشَّهَادَة أم لَا سَوَاء قدمه هَذَا القَاضِي لَهَا أَو غَيره مِمَّن قبله وَسَوَاء زكي عِنْده أم لَا. إِذْ قبُول من قبله لشهادته وَحكمه بهَا يُوجب عَلَيْهِ قبُولهَا دون تَزْكِيَة وَلَا مَعْرفَته بعدالته كَمَا لِابْنِ رشد فِي أجوبته فَإِن كَانَ مَجْهُول الْحَال فَهُوَ مَا مر فِي قَوْله: وَفِي الشُّهُود يحكم القَاضِي الخ. إِذْ لَا تُهْمَة تلْحقهُ فِي عدم قبُوله، وَظَاهره أَنه لَا يردهَا بِعِلْمِهِ الجرحة بالأحرى وَهُوَ كَذَلِك، وإلاَّ أدّى إِلَى إبِْطَال حق الْقَائِم فِي ردهَا بِعِلْمِهِ وَمَا مر من أَنه يسْتَند لعلمه فِي التجريح إِنَّمَا هُوَ فِي غير المنتصب للشَّهَادَة أَو فِي المنتصب لَهَا بِالنِّسْبَةِ لتأخيره عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبل لَا بِالنِّسْبَةِ لإبطال الْحُقُوق فِيمَا مضى لِأَنَّهُ تصير الْأَحْكَام حِينَئِذٍ دَائِرَة على علم القَاضِي فمهما أَرَادَ إِثْبَات حق أَو إِبْطَاله قَالَ: إِن شَاهده معدل أَو مجرح وَلذَا علل جَوَاز استناده لعلمه فيهمَا بِمَا إِذا اشْتهر عِنْد النَّاس كَمَا مرّ وَقد قَالَ ابْن عَرَفَة فِي قَاض آخر شَاهدا عَن الشَّهَادَة فَأتى من بعده ورده إِلَى الشَّهَادَة وتبطلت حُقُوق كَثِيرَة بِسَبَب التَّأَخُّر الْمَذْكُور مَعَ أَنه لم يجرحه أحد من الْقُضَاة عدا من ذكر فَإِنَّهُ يجب الْبَحْث الْآن عَن حَال الشَّاهِد الْمَذْكُور فَإِن تحصل عِنْد من لَهُ الْأَحْكَام جرحته أَو عَدَالَته عمل على ذَلِك، وَإِن لم يتَحَصَّل لَهُ شَيْء أمضى شَهَادَته. الْبُرْزُليّ: إِنَّمَا اخْتَار الْبَحْث الْمَذْكُور لغَلَبَة الْهوى على الْقُضَاة، وإلاَّ فَالرِّوَايَة إِذا تقادمت جرحة الشَّاهِد وَكَانَت ثَابِتَة عِنْد القَاضِي وَمضى لَهَا أشهر، ثمَّ أَتَى من زَكَّاهُ بعد ذَلِك أَنه يقبله وَيحمل على انْتِقَاله إِلَى خير اه، وَذكر فِي نَوَازِل الْأَيْمَان أَن التجريح لَا يصلح بِأَمْر مُحْتَمل، وَقد قَالُوا فِي استفسار اللفيف وَنَحْوه لَا بُد أَن يكون بِمحضر عَدْلَيْنِ فِرَارًا من أَن يكون حكم بِعِلْمِهِ لِأَن اللفيف غير عدُول، فَإِذا رتب الحكم على أَدَائِهِ الَّذِي غَابَ عَلَيْهِ وَلم يُعلمهُ غَيره فقد رتبه على علمه قَالَه ابْن لب والمكناسي وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: وَلَو سَأَلَهُ ذُو الْحق عَن المجرح فعلى الْحَاكِم إخْبَاره بِهِ المتيطي: من حق الشَّاهِد والمشهود لَهُ أَن يعلمَا بالمجرح، فقد تكون هُنَاكَ عَدَاوَة أَو قرَابَة يمنعان التجريح، وَاخْتلف إِذا كَانَ الشَّاهِد والمشهود لَهُ مِمَّن يتقى شَره فَقَالَ سَحْنُون: يعلم، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِذا قَالَ المجرح أكره عَدَاوَة النَّاس جَازَ التجريح سرا اللَّخْمِيّ: وَقَول سَحْنُون أحسن لفساد الْقُضَاة الْيَوْم ابْن رحال فِي شَرحه: وَمَا قَالَه اللَّخْمِيّ حسن غَايَة لِأَنَّهُ إِذا كَانَ ذَلِك فِي قُضَاة زَمَانه فَكيف بقضاتنا الْيَوْم؟ قلت: وَمَا لسَحْنُون مثله لِابْنِ حبيب قَالَ: التجريح لَا يكون إِلَّا عَلَانيَة إِذْ لَا بُد من الْإِعْذَار فِي شَهَادَة المجرحين، وَهَذَا التَّعْلِيل يُوجب أَن لَا يقبل التجريح سرا من قُضَاة الْوَقْت كَانَ الْمَشْهُود لَهُ مِمَّن يتقى شَره أم لَا وَمَا لِابْنِ عبد السَّلَام من قبُوله سرا على أظهر الْقَوْلَيْنِ وَنَحْوه لشراح الْمُخْتَصر مَبْنِيّ على نفي التهم عَن الْقُضَاة، وَمذهب الْمُدَوَّنَة يجوز لمن يخْشَى مِنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي فصل الْإِعْذَار وَقد تقدم عَن الْقَرَافِيّ وَابْن سهل وَغَيرهمَا ضعفه وَهَذَا كُله فِي غير الْمَشْهُور بِالْعَدَالَةِ المنتصب لَهَا، وَأما مَا عَمت بِهِ الْبلوى فِي هَذَا الزَّمَان من كَون القَاضِي ينصب شُهُودًا أَو يجدهم منتصبين ويقرهم على ذَلِك، ثمَّ بعد تحملهم للحقوق من دُيُون وَغَيرهَا يظْهر لَهُ تأخيرهم عَنْهَا، وَيبْطل رسوم تِلْكَ الْحُقُوق كلهَا ويعتل بِأَنَّهُ يسْتَند لعلمه فِي التجريح وَإِن الجرحة إِذا

стр. 72

طرأت بعد الْأَدَاء فَهِيَ مُؤثرَة فَكيف بهَا قبل الْأَدَاء لِأَن الْعبْرَة بِزَمن الْأَدَاء فَلَا أخالهم يَخْتَلِفُونَ فِي عدم قبُول قَوْله بِالنِّسْبَةِ لما مضى إِذْ لَيْسَ قبُول قَوْله بالتجريح الْآن بِأولى من قَوْله بالتعديل أَو لَا بِالنِّسْبَةِ لما شهدُوا بِهِ من الدُّيُون وَغَيرهَا، لِأَنَّهُ قد اسْتندَ إِلَى علمه فِي إبِْطَال تِلْكَ الْحُقُوق بعد وُجُوبهَا لأربابها بتعديله الأول وَهُوَ من التلاعب بِحُقُوق الْمُسلمين وَفِي ضيح مَا نَصه: فَإِن اسْتحق الشَّاهِد الْحر برق لم ترد شَهَادَته لِأَنَّهُ قد لَا يعرف غَيره الْحق الْمَشْهُود بِهِ اه. وَنَقله (ز) وَغَيره أول الشَّهَادَات وَهُوَ صَرِيح فِيمَا قُلْنَاهُ، وَفِي المعيار قد شاع وذاع عَن الْقُضَاة عزل بعض من لَا يسْتَحق الْعَزْل وتقديمهم لمن لَا يصلح تعديله لهواه أَو لكَونه قَرِيبه أَو صديقه أَو صهره أَو لمعروفه عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُله من الْهوى وَالْفساد أعاذنا الله من ذَلِك. وَتقدم عَن الْبُرْزُليّ الرِّوَايَة إِذا تقادمت جرحة الشَّاهِد الخ. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَول أصبغ: إِذا علم القَاضِي جرحته وَقت الشَّهَادَة أَو بِقرب ذَلِك عمل عَلَيْهَا وَأما إِن طَال الزَّمَان، فَهَذَا بِمَنْزِلَة من جهل حَاله إِذا عدل عِنْده قبله يَعْنِي وَبِالْعَكْسِ، وَلذَا قَالَ اللَّخْمِيّ فِي تعَارض بينتي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح فِي مجلسين متغايرين قضى بِشَهَادَة الْجرْح لِأَنَّهَا زَادَت علما فِي الْبَاطِن، وَإِن تبَاعد مَا بَين المجلسين قضى بأحدثهما تَارِيخا، وَيحمل على أَنه كَانَ عدلا ففسق أَو فَاسِقًا فَعدل الخ. وَالْمَقْصُود مِنْهُ قَوْله: وَإِن تبَاعد الخ. وَبِهَذَا كُله تعلم أَن قَول (خَ) عاطفاً على المبطلات لَا إِن حدث فسق بعد الْأَدَاء مُقَيّد بِمَا إِذا حدث وَقت الشَّهَادَة أَو قربهَا وإلاَّ فَهُوَ من الِاسْتِصْحَاب المعكوس وَهُوَ ضَعِيف عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَخلاف الرِّوَايَة كَمَا ترى، وَلذَا قَالُوا: إِذا قَامَ للصَّبِيّ شَاهد وَاحِد حلف الْمَطْلُوب وسجلت شَهَادَته لِئَلَّا يطْرَأ فسقه كَمَا يَأْتِي، وَلَا يُقَال تسجيل شَهَادَته بِمَنْزِلَة الحكم بهَا وطرو الْفسق بعد الحكم غير مُضر لَا يَقْتَضِيهِ كَلَام (ز) لأَنا نقُول هَذَا يَقْتَضِي أَن الشَّاهِد للصَّبِيّ إِذا رَجَعَ بعد تسجيلها وكتبها يغرم وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَا حكم أصلا إِذْ الحكم يتَوَقَّف على يَمِين الصَّبِي بعد الْبلُوغ، وَإِذا ثَبت هَذَا الحكم فِي الشَّاهِد للصَّبِيّ فَكَذَلِك الشَّاهِد لغيره لَا يضر طرُو الْفسق لَهُ بعد، وَبِمَا إِذا كَانَت الشَّهَادَة استرعائية لَا أَصْلِيَّة كَمَا يَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم: وزمن الْأَدَاء لَا التَّحَمُّل، وَبِمَا إِذا كَانَ الطارىء مِمَّا يخفى كَالزِّنَا وَنَحْوه لَا كَالْقَتْلِ والعداوة كَمَا للخمي والمازري قَالَ فِي ضيح عِنْد الْكَلَام على شَهَادَة النَّقْل وَهُوَ كَلَام صَحِيح، وَبِمَا إِذا ثَبت الْفسق لَا بالتهمة عَلَيْهِ كَمَا لشراحه وَالله أعلم. وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة من تعَارض التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَحَله إِن شَاءَ الله تَعَالَى. تَنْبِيه: إِذا تقرر مَا تقدم وَعلمت أَن التَّأْخِير عَن الشَّهَادَة لدعوى القَاضِي جرحته لَا يبطل الْحُقُوق الَّتِي كَانَ شهد بهَا قبل ذَلِك وَمَات هَذَا الْمُؤخر أَو غَابَ قبل أَدَائِهَا فَإِنَّهُ يرفع على خطه وَيَقُولُونَ مثلا كَانَ متصفاً وَقت تَارِيخ الرَّسْم أَعْلَاهُ بِقبُول الشَّهَادَة، وَلَا زَالَ على ذَلِك إِلَى أَن أخر عَنْهَا لغير مُوجب فِي علمهمْ. وعِلْمُه بِصِدْقِ فِي غَيْرِ العَدْلِ لَا يُبيحُ أنْ يَقْبَلَ مَا تَحمَلَا (وَعلمه) أَي القَاضِي (بِصدق غير الْعدْل) يشْهد عِنْده ظَاهره كَانَ ظَاهر الجرحة أَو مَجْهُول الْحَال. وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَيْهَا (لَا يُبِيح) لَهُ (أَن يقبل مَا تحملا) غير الْعدْل وَالْجُمْلَة خبر

стр. 73

عَن قَوْله علمه وبصدق يتَعَلَّق بِهِ، وَإِنَّمَا لم يَصح لَهُ قبُوله لِأَنَّهُ آيل إِلَى الحكم بِعِلْمِهِ وَسبب لتطرق التُّهْمَة إِلَيْهِ لِأَن غير الْعدْل كَالْعدمِ فَرد شَهَادَته حق لله وَلذَا قَالَ ابْن عَرَفَة: الحكم برد شَهَادَة الْفَاسِق حق لله وَلَو شهد بِحَق اه. وَأَيْضًا لَا بُد أَن يَقُول فِي حكمه بعد أَن صحت عِنْدِي عدالتهما وَهُوَ إِنَّمَا صَحَّ عِنْده جرحتهما أَو لم يَصح عِنْده شَيْء، فَإِن وَقع وَحكم فينقضه هُوَ وَغَيره (خَ) عاطفاً على مَا ينْقض بِهِ الحكم أَو أظهر أَنه قضى بعبدين أَو فاسقين وَمَفْهُوم صدق غير الْعدْل أَنه إِذا علم بكذب الْعدْل فَهُوَ مَا قبله. ومَنْ جَفا القاضِي فالتَّأدِيبُ أوْلى وَذَا لِشَاهِدٍ مَطْلُوبُ (وَمن جَفا القَاضِي) أَي لمزه بِمَا يكره فِي مجْلِس حكمه فَقَالَ: ظلمتني مثلا وَأَرَادَ أَذَاهُ (فالتأديب) لَهُ أَي التَّعْزِير إِذا كَانَ القَاضِي من أهل الْفضل (أولى) من الْعَفو عَنهُ، وَظَاهره أَنه يسْتَند لعلمه فِي ذَلِك وَهُوَ كَذَلِك، وَقَوْلِي بِمَجْلِس حكمه احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَ ذَلِك بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَلَو ثَبت بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ لَا يحكم لنَفسِهِ فِي مثل ذَلِك وَيَرْفَعهُ لغيره إِن شَاءَ، وَقَوْلِي لمزه احْتِرَازًا مِمَّا إِذا صرح لَهُ بالإساءة فَيجب التَّأْدِيب حِينَئِذٍ كَمَا لِابْنِ عبد السَّلَام. وَنَقله فِي التَّبْصِرَة. وَقَوْلِي: ظلمتني لَيْسَ من الصَّرِيح لِإِمْكَان أَن يُرِيد الْمجَاز. وَمن مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَالْجُمْلَة من قَوْله: فالتأديب أولى خَبره والرابط مَحْذُوف وَدخلت الْفَاء فِي الْخَبَر لِأَن الْمَوْصُول لعمومه كالشرط. (وَذَا) التَّأْدِيب (لشاهد) أَي لجفائه أَو جفَاء الْخصم أَو الْمُفْتِي (مَطْلُوب) أَي وَاجِب كَأَن يَقُول لَهُ شهِدت عليَّ بزور أَو مَا أَنْت من أهل الْعَدَالَة وَالدّين، وَلَا يجوز الْعَفو عَنهُ حَيْثُ كَانَ بِالْمَجْلِسِ قَامَت بِهِ بَيِّنَة أم لَا. لانتهاكه حُرْمَة الشَّرْع فَإِن كَانَ بِغَيْر الْمجْلس وَثَبت بِبَيِّنَة فَالْحق حِينَئِذٍ

стр. 74

للشَّاهِد وَنَحْوه لَا لله ويؤدب فِي ذَلِك كُله بِقدر الرجل المنتهك حرمته، وَقدر الشاتم فِي إذاية النَّاس إِلَّا أَن يكون الشاتم من أهل الْفضل وَذَلِكَ مِنْهُ فلتة فليتجاف عَنهُ كَمَا قَالَ: وفَلْتَةٌ مِنْ ذِي مُرُوءَةٍ عَثَرْ فِي جانِبِ الشَّاهِدِ مِمَّا يُغْتَفَرْ (وفلتة) مُبْتَدأ سوغ الِابْتِدَاء بِهِ وَصفه بقوله: (من ذِي مُرُوءَة) وَقَوله: (عثر) فِي مَوضِع الصّفة لذى أَو فِي مَوضِع الْحَال من فلتة لتخصيصه بِالصّفةِ والرابط مَحْذُوف أَي بهَا و (فِي جَانب الشَّاهِد) يتَعَلَّق بِهِ وَمثله من ذكر مَعَه و (مِمَّا يغْتَفر) خبر الْمُبْتَدَأ (خَ) وتأديب من أَسَاءَ عَلَيْهِ أَو على خَصمه أَو مفت أَو شَاهد لَا بشهدت عَليّ بباطل كخصمه كذبت الخ. ومَنْ ألَدَّ فِي الْخِصَامِ وانْتَهَجْ نهْجَ الفِرَارِ بَعْدَ إتْمَامِ الْحُجَجْ (وَمن أَلد فِي الْخِصَام) أَي أَكثر مِنْهُ وَهُوَ اسْم شَرط أَو مَوْصُول مُبْتَدأ (وانتهج) مَعْطُوف على الصِّلَة (نهج الْفِرَار) مصدر نَوْعي أَي سلك طَرِيقه خوفًا من الْقَضَاء عَلَيْهِ وَثَبت ذَلِك عَلَيْهِ بِبَيِّنَة لَا بقول الرَّسُول فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه فَإِن كَانَ ذَلِك (بعد) الْحُضُور بَين يَدَيْهِ و (إتْمَام الْحجَج) الَّتِي يُدْلِي بهَا وسؤاله عَنْهَا وعجزه عَن الطعْن فِي حجج خَصمه بعد الإجالات والتلومات كَمَا هُوَ ظَاهره فَهَذَا. يُنَفِّذُ الحُكْمَ عَليْه الْحَكَمُ قَطْعاً لِكُلِّ مَا بِهِ يَخْتَصِمُ (ينفذ الحكم) بِالنّصب مفعول مقدم (عَلَيْهِ الحكم) بِفَتْح الْكَاف لُغَة فِي الْحَاكِم فَاعل بقوله ينفذ (قطعا) حَال أَي قَاطعا (لكل مَا بِهِ يخْتَصم) وَالْجُمْلَة خبر من أَو جَوَابه وَسَوَاء كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ عقارا أَو غَيره كَمَا هُوَ ظَاهره وَإِن وَجَبت لَهُ يَمِين قَضَاء أَو اسْتِحْقَاق وكل الْحَاكِم من يقتضيها لَهُ وَيشْهد بذلك وَلَا تسمع لَهُ حجَّة يَأْتِي بهَا بعد ذَلِك لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْحَاضِر وَإِن كَانَ ذَلِك قبل نشب الْخُصُومَة أَو بعد نشبها بَين يَدَيْهِ وَقيل اسْتِيفَاء النّظر فِيهَا فَهُوَ قَوْله: وَغَيْرُ مُسْتَوْفٍ لَهَا إِن اسْتَترْ لَمْ تَنقَطِعْ حُجَّتُهُ إذَا ظَهَرْ (وَغير مستوف لَهَا) أَي للحجج فَيشْمَل من لم ينشبها بِالْكُلِّيَّةِ لِأَن السالبة لَا تَقْتَضِي وجود الْمَوْضُوع (إِن استتر) أَي دَامَ استتاره بعد أَن فعل القَاضِي بِهِ مَا مر فِي قَوْله: وَمن عصى الْأَمر وَلم يحضر طبع. الخ، فَهَذَا تسمع الْبَيِّنَة فِي غيبته إِن تغيب قبل سماعهَا على الْمَذْهَب وَإِذا

стр. 75

سَمِعت فَيحكم عَلَيْهِ بمقتضاها كَمَا يحكم عَلَيْهِ إِن تغيب بعد أَن سَمعهَا وَقبل اسْتِيفَاء حججه وَلَا يُقيم لَهُ وَكيلا على الْمُعْتَمد، وَمذهب ابْن الْقَاسِم لِأَن الْوَكِيل لَا يعرف حجج الْمُوكل، فالقضاء عَلَيْهِ وإرجاء الْحجَّة أَنْفَع لَهُ كَمَا قَالَ (لم تَنْقَطِع حجَّته) الَّتِي يَأْتِي بهَا من الطعْن فِي الْبَيِّنَة الَّتِي لخصمه أَو معارضتها بِبَيِّنَة الْبَرَاءَة وَنَحْو ذَلِك (إِذا ظهر) بعد أَن قضى عَلَيْهِ وَقيل يُقَام لَهُ الْوَكِيل وَلَا ترجى لَهُ حجَّة فَغير بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَيجوز نَصبه على الْحَال من ضمير استتر وَجُمْلَة لم تَنْقَطِع خبر وَجَوَاب. لَكِنَّما الحُكْمَ عَلَيْهِ يُمْضِي بَعْدَ تَلَوُّمٍ لَهُ مَنْ يَقْضِي (لكنما) اسْتِدْرَاك وَمَا كَافَّة (الحكم عَلَيْهِ) بِالنّصب مفعول (يمْضِي) بِضَم الْيَاء مضارع أمضى وَيجوز رَفعه بِالِابْتِدَاءِ وَالْجُمْلَة بعده خَبره، والرابط مَحْذُوف أَي يمضيه وَيجوز قِرَاءَته بِفَتْح الْيَاء وضميره يعود على الحكم هُوَ الرابط وَمن يقْضِي فَاعل الْمصدر فِي قَوْله: (بعد تلوم لَهُ) أَي لغير المستوفي (من يقْضِي) فَاعل يمْضِي على ضم يائه وَالضَّمِير فِي تلوم يعود عَلَيْهِ فَهُوَ عَائِد على مُتَأَخّر لفظا لَا رُتْبَة، وَظَاهره أَن الأول لَا يتلوم لَهُ وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْغَرَض أَنه فر بعده وَظَاهره أَيْضا أَن غير المستوفي لَا تَنْقَطِع حجَّته، وَلَو قَالَ لخصمه: إِن لم أحضر مَعَك عِنْد القَاضِي فِي أجل كَذَا فدعواك حق ودعواي بَاطِلَة وَنَحْوه، وَهُوَ كَذَلِك كَانَ طَالبا أَو مَطْلُوبا (خَ) كَقَوْلِه: أجلني الْيَوْم فَإِن لم أوافك غَدا فَالَّذِي تدعيه حق، وَمَفْهُوم قَوْله: إِذا ظهر أَنه لَا كَلَام لوَارِثه فِي نقض الحكم قبل ظُهُوره وَلَو طَالَتْ غيبته وَهُوَ كَذَلِك لِأَن كل أَمر يتَوَقَّف ثُبُوته وإبطاله على اخْتِيَار شخص فَالْحكم بِالصِّحَّةِ والإبطال قبل علم مَا عِنْده محَال إِذْ قد يقدم فَيقر بِوُقُوع الحكم على الصَّوَاب، وَظَاهره إِذا أَتَى بِالْحجَّةِ وَعجز خَصمه عَن معارضتها يبطل الحكم وينقض البيع وَيرد الْغُرَمَاء مَا أَخَذُوهُ وَهُوَ كَذَلِك قَالَه الْمَازرِيّ وَيَأْتِي فِي فصل الحكم على الْغَائِب مَا يُخَالِفهُ وَلَا مَفْهُوم لقَوْله بعد تلوم لِأَنَّهُ إِذا لم يتلوم ترجى لَهُ الْحجَّة بالأحرى وأشعر قَوْله ينفذ، وَقَوله: يمْضِي أَنه مستوطن فِي مَحل ولَايَته أَو لَهُ مَال ظَاهر أَو كَفِيل أَو وَكيل وَإِلَّا يكن شَيْء من هَذِه الْأُمُور، فَالْحكم عَلَيْهِ كَالْحكمِ على من لَيْسَ فِي إيالته، وَقد تقدم. ٥ وَالْحكم فِي الْمَشْهُور حَيْثُ الْمُدعى عَلَيْهِ وَشَمل قَوْله نهج الْفِرَار مَا إِذا فرّ حَقِيقَة أَو حكما كَمَا لَو مرض أَو سجن وَامْتنع من التَّوْكِيل فَيجْرِي على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم قَالَ فِي الشَّامِل: وَحكم من تعذر أَو تغيب كالغائب فيتلوم لَهُ إِن تغيب قبل اسْتِيفَاء حججه ثمَّ قضى عَلَيْهِ وترجى حجَّته وَبعد استيفائها يقْضى وَلَا حجَّة

стр. 76

لَهُ. وَمضى إِن كَانَ لَهُ مَال ظَاهر وإلاَّ ختم على بَابه، فَذكر مَا مرّ عِنْد قَوْله وَمن عصى الْأَمر الخ. وَقَوله: تعذر أَي بِسَبَب تعصبه بِذِي جاه أَو مرض أَو سجن كَمَا مرّ، وَلَا بُد من تَسْمِيَة الشُّهُود كَمَا يَأْتِي فِي فصل الحكم على الْغَائِب. (فصل فِي الْمقَال) أَي دَعْوَى الْمُدَّعِي (وَالْجَوَاب) مَا يُجيب بِهِ الْمَطْلُوب فَإِن قيدت الدَّعْوَى فِي كتاب فَهُوَ التَّوْقِيف الْآتِي ذكره، وَمن الدَّعْوَى مَا يجب كتبه وَمَا يحسن ترك كتبه وَمَا يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ والكتب أحسن كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله. وَاعْلَم أَن من ادّعى شَيْئا بيد غَيره فَأَما أَن يَدعِي أَنه لَهُ أَو وصل إِلَيْهِ من موروثه أَو يَدعِي فِيهِ بالنيابة عَن غَيره بإيصاء أَو وكَالَة، فَإِذا صحت الدَّعْوَى فِي الْجَمِيع بشروطها الْمُتَقَدّمَة وَأثبت مَعَ ذَلِك فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَخيرينِ موت الْمَوْرُوث وعدة ورثته وتناسخ الوراثات إِلَى أَن وصلت إِلَيْهِ، وَأثبت الْإِيصَاء وَالتَّوْكِيل كلف الْمَطْلُوب حِينَئِذٍ بِالْجَوَابِ، فَإِذا أجَاب بِإِقْرَار صَرِيح فَلهُ الْإِشْهَاد عَلَيْهِ، وللحاكم تنبيهه عَلَيْهِ وَلَيْسَ من الصَّرِيح قَوْله: وَأَنا لي عَلَيْك كَذَا جَوَابا لقَوْله: لي عَلَيْك كَذَا لِإِمْكَان أَن يكون مُرَاده مُقَابلَة الْبَاطِل بِالْبَاطِلِ قَالَه الْمَازرِيّ، وَنَقله فِي التَّبْصِرَة. وَكَذَا قَوْله: هَب أَنِّي فعلت كَذَا قَالَه (غ) فِي التَّكْمِيل وَنَقله ابْن رحال فِي الارتفاق مُسلما قَائِلا مهما لَاحَ الِاحْتِمَال فِي الْإِقْرَار عِنْدهم بَقِي الشَّيْء على أَصله اه. وَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يَقُوله إرخاء للعنان وتقديراً لصدور ذَلِك مِنْهُ، وَلَا شكّ أَن قَائِله على هَذَا الْوَجْه لَيْسَ بمقر وتأمله مَعَ مَا فِي أواسط أَجنَاس المعيار من أَنه إِذا قَالَ: هَب أَنِّي بِعْت مِنْك فَإِن أُمِّي لم تبع أَن ذَلِك إِقْرَار على الْأَرْجَح وَأطَال فِي ذَلِك فَانْظُرْهُ، فَإِن قَالَ لي عَلَيْك عشرَة فَقَالَ: لَا أَدْرِي أعشرة هِيَ أم خَمْسَة فإقرار وَتلْزَمهُ الْعشْرَة إِن حققها الطَّالِب قَالَه فِي معاوضات المعيار وَنَحْوه فِي بَاب الْعُيُوب من الْمُتَيْطِيَّة، وَإِن شكا مَعًا فَقيل يقسم الْمَشْكُوك، وَقيل يسْقط. وَكَذَا إِن قَالَ: أسلفتك أَو أودعتك عشرَة، وَقَالَ الآخر: بل قبضتها عَن مثلهَا لي عَلَيْك فَقيل لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا أقرّ إِلَّا بِقَبض شَرط فِيهِ أَنه يسْتَحقّهُ فَلَا يُؤَاخذ بِأَكْثَرَ مِمَّا أقرّ بِهِ، وَقيل القَوْل للدافع فِي صفة مَا دفع، وَهُوَ يَدعِي أَنه دفع سلفا لَا قَضَاء حَكَاهُمَا الْمَازرِيّ. ونقلها فِي ضيح فِي بَاب الْحِوَالَة، وَاقْتصر أَبُو الْحسن فِي بَاب الشَّهَادَات وَغَيره على الثَّانِي، فَيُفِيد أَنه الْمُعْتَمد وَفِي إقرارات المعيار إِذا قَالَ: ألم تسلفني مائَة دِينَار ورددتها إِلَيْك فَقَالَ: مَا رددت إِلَيّ شَيْئا فَقَالَ: مَا أسلفتني إِذا شَيْئا أَنه لَا يلْزمه شَيْء اه. وتأمله مَعَ قَول (خَ) عاطفاً على مَا يلْزمه فِيهِ الْإِقْرَار أَو أَلَيْسَ مَا أقرضتني أَو مَا أقرضتني أَو ألم تقرضني الخ. فَإِن قَالَ لَهُ عليَّ ألف من ثمن خمر وَنَحْوه فَقَالَ الْقَرَافِيّ، فِي فروقه مُقْتَصرا عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ بِإِقْرَار قَالَ: لِأَن الْكَلَام بآخر، وَالْقَاعِدَة أَن كل كَلَام لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ إِذا اتَّصل بِكَلَام مُسْتَقل بِنَفسِهِ يصير المستقل غير مُسْتَقل قَالَ: وَقَوله من

стр. 77

ثمن خمر لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَيصير الأول المستقل غير مُسْتَقل وَذكر لذَلِك أَمْثِلَة انظرها فِي الْفرق الثَّانِي عشر مِنْهُ، وَانْظُر أَيْضا الْفرق الثَّانِي وَالْعِشْرين والمائتين، وَاقْتصر (خَ) على إِنَّه إِقْرَار وَإِن أجَاب بالإنكار الصَّرِيح عمل بِمُقْتَضَاهُ، وَقيل للطَّالِب: أَلَك حجَّة فَإِن نفاها واستحلفه فَلَا تسمع لَهُ بعد بَيِّنَة إِلَّا لعذر كنسيان، وَقَالَ أَشهب: تسمع وَهُوَ دَلِيل قَول عمر ﵁: بَيِّنَة عادلة خير من يَمِين فاجرة وَإِن ادَّعَاهَا كلف بإثباتها وأعذر للمطلوب فِيمَا أَتَى بِهِ كَمَا يَأْتِي وَلَيْسَ من الصَّرِيح قَوْله: مَا أَظن لَهُ عِنْدِي شَيْئا وَلَا قَوْله لَا حق لَك عَليّ وَذَلِكَ لما مر من أَن الطَّالِب لَا بُد أَن يبين فِي دَعْوَاهُ الْوَجْه الَّذِي ترَتّب لَهُ بِهِ الْحق من بيع أَو قرض أَو قِرَاض أَو نَحْو ذَلِك، فَيلْزمهُ أَن يَنْفِي ذَلِك الْوَجْه أَو يقر بِهِ وتتوجه الْيَمين فِي الْإِنْكَار على طبق الدَّعْوَى (خَ) : وَيَمِين الْمَطْلُوب مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا وَلَا شَيْء مِنْهُ فَإِن قضى نوى سلفا يجب رده اه. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: يَكْفِيهِ فِي الْجَواب وَالْيَمِين لَا حق لَك على ابْن عبد السَّلَام، وَهُوَ التَّحْقِيق لِأَن نفي الْأَعَمّ يسْتَلْزم نفي الْأَخَص، فَإِن أجَاب بإنكار كَونه لَهُ بِأَن قَالَ: هُوَ وقف أَو لوَلَدي أَو لشخص سَمَّاهُ فَيُقَال للْمُدَّعِي: اثْبتْ مَا تدعيه فَإِن هَذَا لَا ينازعك وتنتقل خصومتك للْمقر لَهُ (خَ) وَإِن قَالَ وقف أَو لوَلَدي لم يمْنَع مُدع من إِقَامَة بَيِّنَة، وَإِن قَالَ لفُلَان فَإِن حضر ادّعى عَلَيْهِ فَإِن حلف فللمدعي تَحْلِيف الْمقر أَنه صَادِق فِي إِقْرَاره، وَانْظُر الْفَصْل الثَّالِث من أَقسَام الْجَواب من التَّبْصِرَة وَإِن امْتنع من الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار فَهُوَ قَوْله: ومنْ أَبى ﷺ ١٦٤٨ - ; إقْراراً أَو إنْكارا لِخَصْمِهِ كَلِّفَهُ إجْبَارا (وَمن أَبى) مَوْصُول مُبْتَدأ أَو شَرط وَاقع على الْمُكَلف الرشيد (إِقْرَارا أَو) بِمَعْنى الْوَاو (إنكاراً) لغير غَرَض شَرْعِي بل سكت أَو قَالَ: أقِم الْبَيِّنَة على مَا تَدعِي وَأَنا لَا أقرّ وَلَا أنكر أَو قَالَ: مَا لَهُ عِنْدِي شَيْء أَو لَا حق لَهُ عَليّ كَمَا مر. وَقَالَ الأخوان مطرف وَابْن الْمَاجشون: يقنع مِنْهُ بذلك فِي هذَيْن الْأَخيرينِ وَهُوَ ظَاهر لِأَن نفي الْأَعَمّ يسْتَلْزم نفي الْأَخَص، أَو قَالَ: لَا أجاوب حَتَّى أوكل من يُجيب على الْمَعْمُول بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي بَاب الْوكَالَة أَو قَالَ حَتَّى يتَبَيَّن هَل مَا تدعيه برسم أَو بِغَيْر رسم (يخصمه) يتنازعه الْمصدر إِن قبله (كلفه) بِضَم الْكَاف خبر أَو جَوَاب والرابط نَائِبه والبارز يعود على الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار وأفرده لكَون الْعَطف بِأَو أَو بِاعْتِبَار مَا ذكر (إجبارا) أَي جبر بِالضَّرْبِ والسجن، وَهَذَا إِن لم يكن وَصِيّا أَو مقدما يخاصمان عَن أيتامهما فِيمَا لم يتولياه من الْمُعَامَلَات، وإلاَّ فَلَا يكلفان بِإِقْرَار وَلَا بإنكار، وَيُقَال للطَّالِب: أقِم الْبَيِّنَة على مَا تَدعِي وَذَلِكَ لِأَن إقرارهما لَا يُفِيد فَلَا فَائِدَة لجبرهما، فَإِن أقرا باختيارهما فهما شَاهِدَانِ تعْتَبر فيهمَا شُرُوط الشَّهَادَة فَإِن أقرا عَلَيْهِ بِطَلَاق أَو عتق فَلَا تمْضِي حَتَّى يكمل النّصاب فَإِن خاصما فِيمَا تولياه أجبرا على ذَلِك، وَإِن تَوَجَّهت الْيَمين عَلَيْهِمَا حلفا وإلاَّ ضمنا وَفهم من وُقُوع من على الرشيد أَن السَّفِيه لَا يُؤمر بِالْجَوَابِ فضلا عَن الْإِجْبَار إِذْ لَا يلْزمه إِقْرَار كَمَا مرّ فِي شُرُوط

стр. 78

الدَّعْوَى ونكوله عَن الْيَمين كإقراره على الْمُعْتَمد كَمَا يَأْتِي فِي بَاب الْيَمين، وَيُقَال للطَّالِب حِينَئِذٍ: أثبت دعواك وإلاَّ فَلَا شَيْء لَك إِلَّا الْيَمين تُؤخر لوقت رشده، وَهَذَا فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ والاستهلاك والإتلاف لما لم يُؤمن عَلَيْهِ وَاسْتِحْقَاق شَيْء من مَاله وَنَحْو ذَلِك، وَأما الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالسَّلَف وَالْإِبْرَاء وَنَحْوهَا فَلَا تسمع عَلَيْهِ وَلَو ثبتَتْ بِالْبَيِّنَةِ بِخِلَاف الطَّلَاق والجراح الَّتِي فِيهَا الْقصاص وَعتق مستولدته وَنَحْوه فيكلف بِالْجَوَابِ للُزُوم إِقْرَاره فِيهَا كَمَا فِي (خَ) حَيْثُ قَالَ فِي الْحجر لاطلاقه الخ. والسكران كالسفيه لَا يلْزمه إِقْرَاره وَلَا الْعُقُود من بيع وَنَحْوه وَلَو بِالْبَيِّنَةِ وَيلْزمهُ الْإِقْرَار بالجنايات وَالطَّلَاق وَالْعِتْق وَلَو لغير مستولدته كَمَا قيل: لَا يلْزم السَّكْرَان إِقْرَار عُقُود بل مَا جنى عتق طَلَاق وحدود وَقَوْلِي لغير غَرَض شَرْعِي احْتِرَازًا مِمَّا إِذا قَالَ: لَا أجاوب حَتَّى يجمع دعاويه فَإِنَّهُ لَا يجْبر حَتَّى يجمعها، وَمِمَّا إِذا قَالَ: لَا أجاوب حَتَّى أوكل من يُجيب أَو قَالَ الْوَكِيل: حَتَّى أشاور موكلي على أحد قَوْلَيْنِ كَمَا يَأْتِي، وَمِمَّا إِذا قَالَ: لَا أجاوب لِأَنِّي لست على يَقِين من الْأَمر الَّذِي يَدعِيهِ وَحلف على ذَلِك فَإِن الطَّالِب يُكَلف بالإثبات من غير إِجْبَار للمطلوب كَذَا فِي التَّبْصِرَة وَنَحْوه لِابْنِ سَلمُون ولامية الزقاق وَعَلِيهِ فَمَا مرّ من أَنه لَا يَكْفِيهِ فِي قَوْله: مَا أَظن لَهُ عِنْدِي شَيْئا إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يحلف، وَقَول (ز) وَمثل عدم جَوَابه فِي الحكم عَلَيْهِ بِلَا يَمِين شكه فِي أَن لَهُ عِنْده مَا يَدعِيهِ الخ، يَعْنِي إِذا لم يحلف وإلاَّ فالذمم لَا تعمر إِلَّا بِيَقِين. فإنْ تمادَى فَلِطَالِبٍ قُضِي دُون يَمِينٍ أَوْ بِهَا وَذَا ارْتُضِي (فَإِن) نكل عَن الْيَمين فِي هَذِه سجن وَضرب أَيْضا فَإِن (تَمَادى) على الِامْتِنَاع فِيهَا وَفِي الأولى (فلطالب قضى) بِالْحَقِّ (دون يَمِين) تلْزمهُ بِنَاء على أَنه إِقْرَار وَهِي رِوَايَة أَشهب وصوبها ابْن الْمَوَّاز (أَو) لتنويع الْخلاف أَي وَقيل (بهَا) أَي قضى لَهُ بِالْحَقِّ مَعهَا أَي بِالْيَمِينِ ابْتِدَاء لَا بعد الضَّرْب والسجن كَمَا هُوَ ظَاهره فالباء بِمَعْنى مَعَ بِنَاء على أَن امْتِنَاعه نُكُول لِأَن الِامْتِنَاع من الْجَواب امْتنَاع من الْيَمين فِي الْمَعْنى، وَهُوَ قَول أصبغ، وَاخْتَارَهُ النَّاظِم. وَلذَا قَالَ: (وَذَا ارتضي)

стр. 79

وَالْمُعْتَمد الأول (خَ) وَإِن لم يجب حبس وأدب ثمَّ حكم عَلَيْهِ بِلَا يَمِين وَظَاهره كالناظم أَنه لَا تسمع لَهُ حجَّة لِأَنَّهُ إِقْرَار بِالْحَقِّ كَمَا مرّ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيده بِمَا إِذا أعلمهُ بِأَنَّهُ إِذا تَمَادى على الِامْتِنَاع حكم عَلَيْهِ كَمَا أَنه فِي القَوْل الثَّانِي لَا يحكم عَلَيْهِ حَتَّى يُعلمهُ بذلك، فَإِن كَانَت الدَّعْوَى لَا تثبت إِلَّا بِشَاهِدين قضى على الْمُمْتَنع فِيمَا يلْزمه الْإِقْرَار بِهِ كإنكاح مجبرته وَعتق عَبده وَطَلَاق زَوجته وَلَا يقْضى عَلَيْهِ على القَوْل الثَّانِي لِأَن امْتِنَاعه نُكُول. تَنْبِيهَات. الأول: تقدم أَن الْمَطْلُوب لَا يُؤمر بِالْجَوَابِ حَتَّى يثبت الْمُدَّعِي موت من يقوم عَنهُ ورثته وتناسخ الوراثات حَيْثُمَا بلغت، فَإِن لم يثبت ذَلِك فَلَا يَمِين لَهُ على الْمَطْلُوب، وَإِن قَالَ لَهُ: أَنْت عَالم بِمَوْتِهِ وعدة ورثته لِأَن من حجَّته أَن يَقُول: إِن أَبَاك أَو من تَدعِي عَنهُ حَيّ وسيقدم ويقر أَنه لَا حق لَهُ عِنْدِي قَالَه ابْن الفخار. قَالَ: فَإِن أقرّ بذلك لم يقبل لما فِيهِ من إِلْزَام الْحُقُوق وتوريث زَوجته وتزويجها وإنفاذ وَصَايَاهُ وَغير ذَلِك وَلَا يَمِين عَلَيْهِ فِي شَيْء من ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ شَاهد بذلك لَا مقرّ وَقد قَالَ أَحْمد بن ميسرَة: من أقرّ بقتل رجل لم يُؤْخَذ بِهِ لما فِي ذَلِك من التوريث وَالتَّزْوِيج اه. وَعَلِيهِ عول فِي اللامية حَيْثُ قَالَ: وَمن يَدعِي حَقًا لمَيت ليثبتن لَهُ الْمَوْت والوراث بعد لتفصلا إِلَى أَن قَالَ: وَإِن يكن أهمل ثُبُوت فَعَن مَطْلُوب أسقط يَمِينه. الخ. قَالَ: مُقَيّد هَذَا الشَّرْح على ابْن عبد السَّلَام أمديدش التسولي سامحه الله، وَمَا قَالَه ابْن الفخار وَتَبعهُ صَاحب اللامية مَبْنِيّ على أَن الدَّعْوَى لَا تتبعض وَأَن الشَّهَادَة إِذا رد بَعْضهَا للسّنة ردَّتْ كلهَا، وَالْإِقْرَار تَابع لَهَا إِذْ هُوَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَنَحْوهَا شَهَادَة على النَّفس والغير، وَهُوَ وَإِن كَانَ مُوَافقا لقولها فِي الْوَصَايَا إِذا مَاتَ رجل فَشهد على مَوته امْرَأَتَانِ وَرجل فَإِن لم تكن لَهُ زَوْجَة وَلَا أوصى بِعِتْق عبد وَلَا لَهُ مُدبر وَلَيْسَ إِلَّا قسْمَة التَّرِكَة فشهادتهن جَائِزَة اه. فمفهومها لَو كَانَ هُنَاكَ زَوْجَة أَو أم ولد أَو أوصى بِعِتْق وَنَحْوه لم تجز لَا فِي المَال وَلَا فِي غَيره أَي وَالْإِقْرَار كَذَلِك إِذْ مَا لَا يثبت بِالشَّاهِدِ والمرأتين أَو أَحدهمَا مَعَ الْيَمين لَا يَمِين فِيهِ لَكِن يبعد كل الْبعد أَن يَنْفِي الْمقر الشَّيْء عَن ملكه وَنحن نثبت ملكيته لَهُ وَمَا فِي وصاياها معَارض لقولها فِي الشَّهَادَات إِن شهد شَاهد بِوَصِيَّة فِيهَا عتق ووصايا لقوم ردَّتْ فِي الْعتْق وَجَازَت فِي الْوَصَايَا، ولقولها من شهد عَلَيْهِ رجل وَاحِد بِالسَّرقَةِ لم يقطع وَلَكِن يحلف الْمَسْرُوق مِنْهُ مَعَ شَاهده وَيسْتَحق مَتَاعه اه. الوانوغي: يُؤْخَذ من هَذِه الْمَسْأَلَة لَو شهد رجل وَامْرَأَتَانِ بِطَلَاق زَوجته، وَقد كَانَ عَلَيْهِ صَدَاقهَا مُؤَجّلا بِمَوْت أَو فِرَاق، وَقُلْنَا: لَا يحكم عَلَيْهِ إِلَّا بِالْمَوْتِ أَو الْفِرَاق أَن الشَّهَادَة تبطل فِي الطَّلَاق وَتَصِح فِي حُلُول الصَدَاق، وَكَذَا لَو شهد رجل وَامْرَأَتَانِ على رجل بِطَلْقَة وتصييره دَاره فِي صَدَاقهَا أَنَّهَا تصح فِي التصيير لَا فِي الطَّلَاق اه. ابْن رشد: الْمَشْهُور أَن الشَّهَادَة إِذْ رد بَعْضهَا للسّنة كَشَهَادَة رجل وَاحِد أَو امْرَأتَيْنِ بِوَصِيَّة فِيهَا عتق وَمَال أَن يجوز مِنْهَا مَا أجازته السنّة وَهُوَ الشَّهَادَة بِالْمَالِ فَيثبت بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين أَو الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الْيَمين، وَقيل يبطل الْجَمِيع لِأَنَّهُ لما رد بَعْضهَا وَجب رد كلهَا وَهُوَ قَائِم من الْمُدَوَّنَة اه. وَإِذا علمت أَن شَهَادَة الْوَاحِد والمرأتين أَو أَحدهمَا مَعَ الْيَمين عاملة فِي مثل هَذِه بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ على الْمَشْهُور، فأحرى فِي الْإِقْرَار لِأَنَّهُ شَهَادَة على النَّفس وَلَا تشْتَرط فِيهِ الْعَدَالَة. وَلذَا قَالَ ابْن عَرَفَة وَغَيره: الْإِقْرَار بالشَّيْء أقوى من قيام الْبَيِّنَة عَلَيْهِ اه. وَالْقَاعِدَة أَن من أقرّ

стр. 80

على نَفسه وَغَيره لزمَه الْإِقْرَار على نَفسه، وَلم يلْزم على غَيره وَلَكِن يكون فِيهِ شَاهدا وَإِن كل مَا يثبت بِالشَّاهِدِ والمرأتين أَو أَحدهمَا مَعَ الْيَمين يلْزم فِيهِ الْإِقْرَار وتتوجه فِيهِ الْيَمين كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: فِي عجز مُدع عَن التَّبْيِين. أَلا ترى أَنه لَو ادّعى عَلَيْهِ شخص أَن أَبَاهُ أوصى لَهُ بِمَال وَعتق عَبده فلَان للزمته الْيَمين بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ دون الْعتْق، وَكَذَا لَو ادّعى عَلَيْهِ بِالسَّرقَةِ فنكل للزمه الْغرم دون الْقطع، وَهَكَذَا فالموت وَإِن كَانَ لَيْسَ بِمَال لكنه يؤول لِلْمَالِ بِالنِّسْبَةِ للإرث فَيثبت بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد على الْمَذْهَب، وَمن عده مِمَّا لَا يثبت إِلَّا بعدلين كَابْن نَاجِي فمراده بِالنِّسْبَةِ لغير الْإِرْث، وَحِينَئِذٍ فَإِذا قَالَ لَهُ: قد انْتقل هَذَا المَال الَّذِي بِيَدِك كُله أَو بعضه الَّذِي هُوَ الرّبع مِنْهُ مثلا إليَّ بِسَبَب موت مَالِكه وَأَنت عَالم بذلك فَلَا إِشْكَال فِي توجه الْيَمين عَلَيْهِ وَلُزُوم إِقْرَاره بِالنِّسْبَةِ لنصيب الْمُدَّعِي وَيبقى نصيب الزَّوْجَة وَنَحْوهَا بيد الْمَطْلُوب حَتَّى يطلباه، وغايته أَن الْمَطْلُوب لما أقرّ أَو نكل سرى إِقْرَاره عَلَيْهِ فِيمَا لَهُ فِيهِ حق وَبَقِي مَا عداهُ على أَصله فَلَا تتَزَوَّج زَوجته وَلَا يعْتق مدبره وَنَحْوه حَتَّى يثبت مَوته كَمَا يُؤَاخذ بِإِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ أَيْضا وَلَا تتَزَوَّج زَوجته وَلَا يُورث حَتَّى يثبت مَوته فَالْمَسْأَلَة فِي الْحَقِيقَة من الدَّعْوَى بِغَيْر المَال لَكِنَّهَا تؤول لِلْمَالِ وَقد حرر غير وَاحِد أَن الْمَوْت يثبت بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ الْيَمين بِالنِّسْبَةِ للإرث فَهُوَ يَدعِي بأمرين الْمَوْت وَالْإِرْث كَمَا أَنه فِي الْوَصِيَّة وَالسَّرِقَة المذكورتين يَدعِي بأمرين أَحدهمَا مَال وَالْآخر غَيره، وَالْعجب من ابْن فَرِحُونَ والبرزلي وَابْن سَلمُون وَصَاحب اللامية وشروحها كَيفَ سلمُوا كَلَام ابْن الفخار مَعَ أَن كثيرا من مشاهير المؤلفين أعرض عَنهُ فِيمَا علمت بل ذكر فِي اخْتِصَار الْمُتَيْطِيَّة أَن ابْن كنَانَة سَأَلَ مَالِكًا عَمَّن بِيَدِهِ دَار فَقَامَ عَلَيْهِ فِيهَا رجل وَزعم أَنَّهَا لجده وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ الْحَائِز: لَا أقرّ وَلَا أنكر وَلَكِن ليقيم الْبَيِّنَة على مَا يَدعِي فَقَالَ مَالك: يجْبر على الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار وَلَا يتْرك. قَالَ بعض الشُّيُوخ: معنى الْمَسْأَلَة أَن الْقَائِم على أَنه وَارِث جده بِبَيِّنَة أَو بِإِقْرَار الْحَائِز وَلَو لم يعلم ذَلِك حلف الْحَائِز أَنَّهَا ملكه وَلَا حق للقائم مَعَه فِيهَا اه. وَلَئِن سلمناه لِابْنِ الفخار لم يثبت مَا ذكر بِالشَّاهِدِ والمرأتين أَو أَحدهمَا مَعَ الْيَمين إِذْ الْإِقْرَار بالشَّيْء أقوى من الْبَيِّنَة التَّامَّة كَمَا مرّ فَمَا لَا يلْزم بِالْإِقْرَارِ أَو النّكُول الَّذِي هُوَ كَالْإِقْرَارِ لَا يلْزم بِمَا ذكر بالأحرى، وَيحْتَاج على تَسْلِيمه إِلَى استثنائه من قَوْلهم: الْمقر مؤاخذ بِإِقْرَارِهِ على نَفسه، وَمن قَوْلهم: مَا لَيْسَ بِمَال ويؤول لِلْمَالِ يثبت بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين وَلَا يلْزم فِيهِ الْإِقْرَار وَالله أعلم. هَذَا وَقد ذكر ابْن رحال فِي أَنْوَاع الشَّهَادَات الْآتِي أَن الْمَذْهَب هُوَ ثُبُوت الْمَوْت بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين بِالنِّسْبَةِ للإرث. الثَّانِي: تقدم أَيْضا أَنه لَا بُد أَن يثبت تناسخ الوراثات حَيْثُمَا بلغت وَيبقى النّظر إِذا أثبت موت من يقوم بِسَبَبِهِ وعدة ورثته وَأثبت موت بعض وَرَثَة الْمَوْرُوث الأول وجر الْقَائِم ذَلِك إِلَى نَفسه، وَلَكِن لم يجد من يشْهد لَهُ بعدة سَائِر وَرَثَة الْوَارِثين غير من يُدْلِي بِهِ هَل هُوَ يقْضِي لَهُ بِخَطِّهِ لِأَنَّهُ لَا جهل فِيهِ لِأَنَّهُ استبان أَنه يَرث من الأول الرّبع مثلا وَلَا عَلَيْهِ فِيمَن يَرث الثَّلَاثَة الأرباع أَو لَا يسْتَحق شَيْئا حَتَّى يثبت تناسخ الوراثات حَيْثُمَا بلغت كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة: أفتى شيخ شُيُوخنَا سَيِّدي عمر الفاسي بِأَنَّهُ يحكم للقائم بِقدر مِيرَاثه لعلم نصِيبه وتحققه، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يثبت تناسخ الوراثات الَّذين لَا يُدْلِي بهم، وَانْظُر أقضية المعيار وَمَا يَأْتِي فِي الِاسْتِحْقَاق. وَقَوْلنَا: الرَّابِع مثلا احْتِرَازًا مِمَّا إِذا قَالَت: لَا نعلم كم الْوَرَثَة فَإِنَّهُ لَا يقْضى للقائم بِشَيْء وَلَا ينظر إِلَى تَسْمِيَته للْوَرَثَة كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة.

стр. 81

الثَّالِث: كَمَا أَن الْمَطْلُوب لَا يُكَلف بِالْجَوَابِ إِذا مَاتَ رب الْحق حَتَّى يثبت الطَّالِب مَوته ووراثته، كَذَلِك إِذا مَاتَ الْمَطْلُوب وَقَامَ رب الْحق أَو ورثته على وَرَثَة الْمَطْلُوب فَلَا تكلّف ورثته بِالْجَوَابِ حَتَّى يثبت الْقَائِم مَوته وعدة ورثته من أجل مَا يحْتَاج من الْإِعْذَار إِلَيْهِم كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، وَهَذَا إِن كَانُوا كبارًا مالكين أَمرهم فَإِن كَانُوا صغَارًا تَحت إيصاء أثبت الْقَائِم الْإِيصَاء وَقبُول الْوَصِيّ لَهُ بِالشَّهَادَةِ على عينه ليتَمَكَّن من الْإِعْذَار إِلَيْهِ فَإِن عجز عَن الْإِثْبَات وَقَالَ: للمالكين أَمرهم أَنْتُم عالمون بِالْمَوْتِ وعدة الْوَرَثَة، وَقد اسْتَقر مَال الْهَالِك بيدكم فَلَا إِشْكَال فِي لُزُوم الْيَمين لَهُم كَمَا مر فِي التَّنْبِيه الأول، فَإِن أقرُّوا أَو نكلوا استوفى الْقَائِم دينه مِمَّا بِأَيْدِيهِم فَقَط، وَإِن بَقِي لَهُ شَيْء تبع بِهِ الصغار فَإِذا بلغُوا حلفوا أَو أَدّوا هَذَا هُوَ التَّحْرِير، وَمَا فِي اللامية من إِسْقَاط الْيَمين فِي هَذِه أَيْضا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، بل قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَلَا تسمع الدَّعْوَى على الْمَيِّت إِلَّا بعد ثُبُوت وَفَاته وعدة ورثته، فَإِن أقرّ الْوَارِث الرشيد بهَا وَلم يكن ثمَّ غَيره لم يفْتَقر إِلَى ثُبُوتهَا اه. فقولها فَإِن أقرّ الْوَارِث بهَا الخ. صَرِيح فِي لُزُوم الْيَمين لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي المَال وكل مَا يَصح فِيهِ الْإِقْرَار تتَوَجَّه فِيهِ الْيَمين. وَلَا مَفْهُوم لقَوْله: وَلم يكن ثمَّ غَيره إِذْ إِقْرَاره يسري عَلَيْهِ فِي نصِيبه الَّذِي بِيَدِهِ كَانَ هُنَاكَ غَيره أم لَا. بل إِن أَدَّاهُ على وَجه الشَّهَادَة وَكَانَ عدلا حلف رب الدّين مَعَه، وَأخذ جَمِيع الدّين وَلَو كَانَ بَاقِي الْوَرَثَة صغَارًا لِأَن الْمَوْت بِاعْتِبَار المَال يَكْفِي فِيهِ الْعدْل والمرأتان أَو أَحدهمَا مَعَ الْيَمين على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم خلافًا لأَشْهَب. قَالَ اللَّخْمِيّ: وَإِن شهد رجل وَامْرَأَتَانِ على نِكَاح بعد موت الزَّوْج أَو الزَّوْجَة أَو على ميت أَن فلَانا أعْتقهُ أَو على نسب أَن هَذَا ابْنه أَو أَخُوهُ وَلم يكن لَهُ وَارِث ثَابت النّسَب صحت هَذِه الشَّهَادَة على قَول ابْن الْقَاسِم، وَكَانَ لَهُ الْمِيرَاث وَلم تجز على قَول أَشهب لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يسْتَحق الْمِيرَاث إِلَّا بعد إِثْبَات الأَصْل بِشَهَادَة رجلَيْنِ فَإِن ثَبت ذَلِك ثمَّ شهد وَاحِد أَنه لَا يعلم لَهُ وَارِثا سوى هَذَا جَازَت وَاسْتحق المَال اه. وَبِه تعلم مَا فِي كَلَام ابْن فَرِحُونَ فِي الْبَاب الثَّالِث من الْقسم الثَّانِي فَإِن كَلَامه يُوهم أَنه لَا بُد من عَدْلَيْنِ فِي الْمَوْت وَالْمِيرَاث مَعًا وَقد علمت أَنه لَا يجْرِي إِلَّا على قَول أَشهب. نعم صرح هُوَ فِي الْمحل الْمَذْكُور أَن حصر الْوَرَثَة يَكْفِي فِيهِ الشَّاهِد وَالْيَمِين اتِّفَاقًا وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ اللَّخْمِيّ بقوله: فَإِن ثَبت ذَلِك ثمَّ شهد وَاحِد الخ. وَمثله لَهُ فِيمَا إِذا شكّ فِي تقدم موت الْأُم أَو ابْنهَا مثلا. قَالَ: إِن مِيرَاث الابْن لِأَبِيهِ وميراث الْأُم لزَوجهَا وأخيها بعد أيمانهما مَعَ أَن تَارِيخ تقدم الْمَوْت لَيْسَ بِمَال كَمَا صرح بِهِ هُوَ وَغَيره، وَلكنه آيل لِلْمَالِ وَنَحْوه لأبي الْعَبَّاس الْمقري فِي رجلَيْنِ وَأُخْت شقائق توفّي الْأَخ وَالْأُخْت فَادّعى الْأَخ الثَّانِي أَن الْأُخْت توفيت بعد الْأَخ وَادّعى ابْن الْأَخ أَن أَبَاهُ توفّي بعد موت الْأُخْت بعد إقرارهما بموتهما ودفنهما بمحضرهما قَالَ: تتَوَجَّه الْيَمين على كل مِنْهُمَا فَإِن حلف الْكل أَو نكل فَكل يَرِثهُ ورثته وَإِن نكل الْبَعْض قضى للْآخر قَالَ: وَالْمَسْأَلَة من بَاب الدَّعَاوَى فَكل مِنْهُمَا مُدع ومدعى عَلَيْهِ وَقَول: من قَالَ كل دَعْوَى لَا تثبت إِلَّا بعدلين فَلَا يَمِين بمجردها غلط اه. فَتبين أَن الْمَوْت وَحصر الْوَرَثَة كِلَاهُمَا يثبت بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد اتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، وعَلى الْمَشْهُور فِي الأول وَعَلِيهِ اقْتصر (خَ) فِي مَوَاضِع فَقَالَ فِي التَّنَازُع: حَلَفت مَعَه وورثت، وَقَالَ فِي آخر: الْعتْق وَحلف واستؤني بِالْمَالِ إِن شهد بالبت شَاهد أَو اثْنَان أَنَّهُمَا لم يَزَالَا يسمعان أَنه مَوْلَاهُ الخ. وَمحل ذَلِك إِن لم يكن للْمَيت وَارِث ثَابت النّسَب كَمَا رَأَيْته وإلاَّ فَلَا بُد من عَدْلَيْنِ على الْمَذْهَب كَمَا فِي ضيح و (ح) وَلَا يرد هَذَا علينا لِأَن

стр. 82

الْمَوْضُوع أَن الْمقر شَاهد أَن مُوَرِثه مَاتَ وَأَنه لَا يعلم لَهُ وَارِثا سوى هَؤُلَاءِ الْوَرَثَة المعروفين فلَان وَفُلَان مثلا فالمستفاد من شَهَادَته الْمَوْت وَحصر الْوَرَثَة فَقَط لَا نسبهم من الْهَالِك بل هُوَ مَعْرُوف مِنْهُ وَمن غَيره، وَأَحْرَى إِن كَانَ مصب شَهَادَته حصرهم فَقَط ولكونه لَا بُد من عَدْلَيْنِ إِذا كَانَ لَهُ وَارِث ثَابت النّسَب تواطأ شرَّاح (خَ) على اعْتِرَاض قَوْله فِي الِاسْتِحْقَاق وَعدل يحلف مَعَه وَيَرِث وَلَا نسب تبعا لاعتراض ابْن عَرَفَة وضيح قَول ابْن الْحَاجِب وَعدل يحلف مَعَه ويشاركهما فِي الْإِرْث وَلَا نسب بِأَنَّهُ خلاف الْمَذْهَب من أَنه لَا يَرث إِلَّا بعدلين. فَإِن قلت: هلا حملُوا كَلَامهمَا على مَا إِذا لم يكن للْمَيت وَارِث ثَابت النّسَب؟ فَالْجَوَاب: أَن ابْن الْحَاجِب لما فرض الْمَسْأَلَة فِي الْوَلَدَيْنِ وَقَرِيب مِنْهُ كَلَام (خَ) لزم قطعا حُصُول الْوَارِث الْمَعْرُوف، وَبِهَذَا يَزُول مَا يختلج فِي الصَّدْر من مُعَارضَة مَا اعْترض بِهِ الشُّرَّاح كَلَامه فِي الِاسْتِلْحَاق لما صَرَّحُوا بِهِ فِي الشَّهَادَات أَن مَا لَيْسَ بِمَال وَهُوَ آيل إِلَى المَال يَكْفِي فِيهِ الشَّاهِد وَالْيَمِين ومثلوه بِالْمَوْتِ أَو سبقيته وَالنِّكَاح بعد الْمَوْت. كَذَا قيل: وَالظَّاهِر أَنه معَارض وَإِن كَانَ هُنَاكَ وَارِث معِين لِأَن قَاعِدَة مَا لَيْسَ بِمَال، وَلَكِن يؤول إِلَى المَال فِيهَا خلاف هَل يَكْفِي فِيهَا الشَّاهِد وَالْيَمِين بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ أم لَا؟ وَالْمذهب أَنه يَكْفِي فِيهَا ذَلِك وَمَا يَكْفِي الشَّاهِد فِيهِ مَعَ الْيَمين يلْزم فِيهِ الْإِقْرَار وتتوجه فِيهِ الْيَمين حَسْبَمَا عقدوه، وَلذَلِك اقْتصر (خَ) وَابْن الْحَاجِب وَابْن شَاس فِي الِاسْتِلْحَاق على أَنه يحلف مَعَ الْعدْل وَيَرِث ليُوَافق مَا فِي الشَّهَادَات، وَلَا سِيمَا أَن مَا اقتصروا عَلَيْهِ هُوَ قَول لِابْنِ الْقَاسِم كَمَا فِي ابْن عَرَفَة قَالَ وَنَحْوه قَوْلهَا فِي الْوَلَاء: إِن أقرَّت الْبَيِّنَتَانِ لرجل بِأَنَّهُ أعتق أباهما وهما عدلتان حلف مَعَهُمَا وَورث الثُّلُث الْبَاقِي اه فَمَا تبع (خَ) ابْن الْحَاجِب مَعَ اعتراضه عَلَيْهِ فِي ضيح إِلَّا لرجحان هَذَا القَوْل عِنْده لموافقته لما فِي الشَّهَادَات ولجري الْمسَائِل على وتيرة وَاحِدَة فَتَأَمّله وَالله أعلم. ثمَّ إِنَّمَا يُكَلف رب الدّين بِإِثْبَات موت الْمَدِين وَحصر ورثته فِيهَا يظْهر لَو كَانَ دينه حل بِالْمَوْتِ وإلاَّ فيكفيه أَن يثبت فَقده أَو غيبته وملكيته لِلْمَالِ الَّذِي يُرِيد أعداءه فِيهِ على مَا هُوَ مُبين فِي مَحَله وَالله أعلم. الرَّابِع: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَإِن شهد لصَاحب الدّين وَاحِد من الْوَرَثَة بِدِينِهِ حلف مَعَه إِن كَانَ عدلا وَاسْتحق حَقه فَإِن نكل أَخذ من شَاهده قدر مَا ينوبه من الدّين وَإِن كَانَ سَفِيها لم تجز شَهَادَته وَلم يرجع عَلَيْهِ فِي حِصَّته بِشَيْء اه وَنَقله (ح) فِي الِاسْتِلْحَاق وأطلنا فِي الْمَسْأَلَة لاغترار النَّاس بِكَلَام ابْن الفخار فَضَاعَت بذلك أَمْوَال يعلمهَا الْكَبِير المتعال إِذْ كثير من النَّاس لَا يقوم إِلَّا بعد طول الزَّمَان أَو يَمُوت موروثه فِي بلد بعيد لَا يعْرفُونَ أَهله وَلَا ورثته اه. الْخَامِس: قَالَ الْبُرْزُليّ: أَوَائِل النِّكَاح أُجْرَة الْمَوْت وعدة الْوَرَثَة على جَمِيع الْوَرَثَة على عدد رؤوسهم إِن أقاموها كلهم وَمن طلب نُسْخَة مِنْهَا فَلهُ ذَلِك بِالْقضَاءِ بِخِلَاف مَا لَو أَقَامَهَا أحدهم، حَتَّى تمّ حَقه فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يعطيهم نُسْخَة مِنْهَا إِلَّا بِرِضَاهُ وَنزلت بتونس وَحكم بذلك وَوَقعت الْفتيا بِهِ اه. السَّادِس: إِن ادّعى على عبد بِمَا يُوجب قصاصا فَيلْزمهُ الْجَواب وَإِن ادّعى عَلَيْهِ بِمَا يُوجب الْأَرْش فيجيب السَّيِّد: وَإِن ادّعى عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَهُوَ مَأْذُون فَهُوَ كَالْحرِّ وَإِن كَانَ غير مَأْذُون وقف إِقْرَاره على سَيّده (خَ) :. ويجيب عَن الْقصاص العَبْد، وَعَن الْأَرْش السَّيِّد، وَانْظُر إِذا امْتنع العَبْد

стр. 83

من الْجَواب فِيمَا فِيهِ قصاص هَل يعد كإقراره فيقتص مِنْهُ أم لَا؟ وَهُوَ الظَّاهِر لخطر الدِّمَاء فَلَا تستباح بِالشَّكِّ. وَالْكَتْبُ يَقْتَضِي علَيهِ المُدَّعِي منْ خَصْمِهِ الجَوَابَ تَوْقِيفاً دُعِي (والكتب) بِفَتْح الْكَاف أَي الْمَكْتُوب من إِطْلَاق الْمصدر وَإِرَادَة الْمَفْعُول كالنسج بِمَعْنى المنسوج مُبْتَدأ (يَقْتَضِي) يطْلب (عَلَيْهِ الْمُدَّعِي) فَاعل (من خَصمه) يتَعَلَّق بقوله يَقْتَضِي (الْجَواب) مَفْعُوله وَالْجُمْلَة حَال من الْمُبْتَدَأ على قلَّة لَا صفة (توقيفاً) مفعول ثَان بقوله: (دعِي) أَي سمي ومفعوله الأول هُوَ النَّائِب الْعَائِد على الْمُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة خبر، وَالْمعْنَى أَن الْمَكْتُوب يطْلب الْمُدَّعِي من خَصمه الْجَواب عَلَيْهِ يُسمى فِي اصْطِلَاح الموثقين توقيفاً لكَون الطَّالِب يُوقف الْمَطْلُوب على الْجَواب عَنهُ كَمَا يُسمى أَيْضا مقَالا وَصفته قَالَ فلَان أَو ادّعى أَن لَهُ قبل فلَان كَذَا من سكَّة كَذَا إِن اخْتلفت السكَك من ثمن كَذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَقَبضه وَبَقِي الثّمن فِي ذمَّته حَتَّى الْآن، وَإِن كَانَ من سلف قلت قَبضه مِنْهُ مُنْذُ كَذَا وَإِن كَانَت الدَّعْوَى فِي دَار أَو أَرض قلت: إِن على ملكه دَارا بِمَدِينَة كَذَا حُدُودهَا كَذَا وَإِن فلَانا يتَعَدَّى عَلَيْهِ فِيهَا أَو وضع يَده عَلَيْهَا وَيُرِيد مِنْهُ أَن يُمكنهُ من جَمِيع ذَلِك ثمَّ تَقول: حضر فلَان الْمُدعى عَلَيْهِ وقرىء عَلَيْهِ الْمقَال وَبعد فهمه أجَاب بِالْإِقْرَارِ فِي جَمِيع الْمَذْكُور أَو بِبَعْضِه وَهُوَ كَذَا أَو بالإنكار للْجَمِيع أَو للْبَعْض وَهُوَ كَذَا، ثمَّ تقيد الْإِشْهَاد وتؤرخ وَإِن كَانَ الْإِقْرَار بِمَجْلِس الحكم قلت أقرّ فلَان لمنازعه فلَان بِمَجْلِس الحكم الشَّرْعِيّ بِأَن لَهُ قبله كَذَا من وَجه كَذَا حَالَة أَو مُؤَجّلَة ليسقط الْإِعْذَار بشاهدي الْمجْلس إِن أدياها فِيهِ كَمَا يَأْتِي. وَقَوْلنَا: إِن اخْتلفت احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم تخْتَلف فَإِنَّهُ يَقْضِيه من أَي السكَك شَاءَ لِأَن من بَاعَ سلْعَة وسكك الْبَلَد مُتعَدِّدَة متحدة الرواج وَلم يبين فَإِن البيع صَحِيح ويقضيه من أَيهَا شَاءَ، وَإِن اخْتلفت رواجاً فسد وَيرد مَعَ الْقيام وَيقْضى فِيهِ بِالْقيمَةِ من غَالب السكَك مَعَ الْفَوات كَمَا يَأْتِي. وَقَوْلنَا: قَبضه احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم يقل ذَلِك فَإِن الْمَطْلُوب لَا يجْبر على الْجَواب لِأَن الْجَبْر لَا يجب إِلَّا بِحَيْثُ لَو امْتنع من الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار قضى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ كَمَا مرّ وَهُوَ لَا يقْضى عَلَيْهِ فِي هَذِه الْحَالة إِذا امْتنع مِنْهُمَا لِإِمْكَان عدم الْقَبْض فَلَا يلْزمه الثّمن (خَ) : وَفِي قبض الثّمن أَو السّلْعَة فَالْأَصْل بقاؤهما إِلَّا لعرف الخ بل لَو أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة تشهد أَن لَهُ بِذِمَّة الْمَطْلُوب مائَة من ثمن سلْعَة اشْتَرَاهَا مِنْهُ فَإِن شَهَادَتهمَا سَاقِطَة حَتَّى يَقُولَا وَقبض السّلْعَة قَالَه ابْن عبد الْملك وَنَقله فِي التَّبْصِرَة وَغَيرهَا مُسلما قَالَ: وَكَذَا إِن شهد أَنه خاط لفُلَان ثوبا لم تجز حَتَّى يَقُولَا ورد الثَّوْب مخيطاً وَكَذَا سَائِر الصناع اه. وَكَذَا أَيْضا يُقَال فِي السّلف لِأَنَّهُ يلْزم بالْقَوْل فَإِذا لم يقل وَقَبضه فَلَا تصح دَعْوَاهُ لِإِمْكَان أَن لَا يكون قَبضه فَلَا يلْزمه رده وَلَو شهِدت الْبَيِّنَة بذلك وَلم

стр. 84

تنص على الْقَبْض، فَإِن الْمَطْلُوب لَا يجْبر لِإِمْكَان أَن لَا يكون قد قَبضه فَلَا يلْزمه رده وَلَو شهِدت الْبَيِّنَة بذلك وَلم تنص على الْقَبْض لم تقبل أَيْضا (خَ) : وَملك أَي بالْقَوْل وَلم يلْزم رده إِلَّا بِشَرْط أَو عَادَة الخ. وَقَوْلنَا: وَبَقِي الثّمن فِي ذمَّته الخ. احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم يقل ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجْبر لِإِمْكَان أَن يكون قد قَضَاهُ، وَلَو أَقَامَ شَاهدا بذلك لم تتمّ شَهَادَته حَتَّى يَقُول: لَا يعلم بَرَاءَته من الثّمن الْمَذْكُور إِلَى الْآن قَالَ فِي شَهَادَات المعيار مَا نَصه: شَهَادَة الشَّاهِد بِحَق غير عاملة حَتَّى يذكر فِي شَهَادَته انْتِفَاء علمه بالمبطل لَهَا. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي أول خطاب الْقُضَاة. وَقَوْلنَا فِي السّلف مُنْذُ كَذَا ليعلم هَل مضى من الْمدَّة مَا ينْتَفع مثله بالسلف فِيهَا عِنْد الشَّرْط فَيلْزمهُ الرَّد أم لَا كَمَا مر فِي قَول (خَ) : وَلم يلْزمه رده الخ وَقَوْلنَا: حُدُودهَا كَذَا الخ ليتعين الْمُدعى فِيهِ إِذْ الدَّعْوَى لَا بُد أَن تكون بِمعين أَو بِمَا فِي ذمَّة معِين كَمَا مرّ وَتَعْيِين الأَرْض وَنَحْوهَا بِذكر حُدُودهَا، وَلَو سقط ذَلِك من لَفظه لم يجْبر الْمَطْلُوب على جَوَابه وَلَو سقط ذَلِك من الشَّهَادَة لم يقْض بهَا إِلَّا إِن شهد بالحدود غَيرهم كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَجَاز أَن يثبت ملكا شَهدا. وبالحيازة سواهُم شَهدا الخ. ثمَّ الْمُدَّعِي تَارَة يستظهر بالرسم من أول الْأَمر لكَون مَا يَدعِيهِ ثَابتا عِنْده، وَتارَة لَا يكون ثَابتا عِنْده فِي الْحَال فيقيد حِينَئِذٍ الْمقَال لِأَن فَائِدَته كَمَا فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة أَن الْمُدعى عَلَيْهِ قد يقر فيستغني الْمُدَّعِي عَن إِثْبَات دَعْوَاهُ وكل من الرَّسْم والمقال إِمَّا أَن يكون بَينا فِي نَفسه فيكلف الْمَطْلُوب بِالْجَوَابِ عَلَيْهِ فِي الْحِين كَمَا قَالَ: وَمَا يَكونُ بَيِّناً إنْ لَمْ يُجِبْ علَيهِ فِي الحِينِ فالإجْبَارُ يَجِبْ (وَمَا) أَي الْمقَال أَو الرَّسْم الَّذِي (يكون بَينا) سهلاً لَا يحْتَاج إِلَى تَأمل وَسَوَاء كَانَ الرَّسْم استرعائياً وَهُوَ مَا يصدر بيشهد من يضع اسْمه الخ أم لَا (إِن لم يجب) الْمَطْلُوب بِضَم الْيَاء (عَلَيْهِ) أَي الرَّسْم أَو الْمقَال البينين (فِي الْحِين فالإجبار) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى اللَّام للوزن مُبْتَدأ وَقَوله: (يجب) خبر وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط وَالشّرط وَجَوَابه خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ الْمَوْصُول والرابط بَين الْجُمْلَة الْكُبْرَى والموصول مَحْذُوف أَي فالإجبار على الْجَواب عَلَيْهِ وَاجِب وَمحله مَا لم يطْلب المهلة فِي الرَّسْم الاسترعائي وإلاَّ فَلَا يجْبر فِي الْحِين وَيُمكن دُخُوله فِي قَول النَّاظِم فِي الْفَصْل بعده وَالْمُدَّعِي النسْيَان إِن طَال الزَّمن قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَيجْبر الْخصم على الْجَواب فِيمَا وَقفه خَصمه عَلَيْهِ فِي جَمِيع الوثائق القليلة الْمعَانِي والفصول حاشا وثائق الاسترعاء فَإِنَّهُ لَا يجْبر على الْجَواب عَنْهَا فِي ذَلِك الْمجْلس اه. وَنَحْوه فِي ابْن سَلمُون عَن ابْن سهل. نعم ذكرُوا أَنه لَا يجْبر على الْجَواب عَنْهَا إِلَّا بعد ثُبُوتهَا أَي بِالْأَدَاءِ وَالْقَبُول كَمَا فِي أواسط الشَّهَادَات من المعيار فَقَوْل (ت) وَيكون فِي غير وثائق الاسترعاء غير ظَاهر، وَمحله أَيْضا مَا لم يطْلب التَّأْخِير لمقصد وإلاَّ فَفِي الْإِجْبَار قَولَانِ كَمَا يَأْتِي فِي الْبَيْت بعده، وَأما أَن يكون كل من الرَّسْم والمقال يحتوي على فُصُول يحْتَاج الْمُجيب عَنْهَا إِلَى تفكر وتدبر فَلَا يُكَلف الْمَطْلُوب بِالْجَوَابِ عَنْهَا فِي الْحِين، بل يُقيد الْمقَال على الْمُدَّعِي وَحده، وَيَأْخُذ الْمَطْلُوب نُسْخَة مِنْهُ أَو من الرَّسْم استرعائياً أم لَا ليتأمل ذَلِك فيجيب عَنهُ كَمَا قَالَ:

стр. 85

وكلُّ مَا افْتَقَرَ لِلَّتأَمُّلِ فالْحُكْمُ نَسْخُهُ وَضَرْبُ الأجَلِ (وكل مَا افْتقر) من المقالات والرسوم (للتأمل) كحدود الْعقار وَنَحْو ذَلِك (فَالْحكم) مُبْتَدأ (نسخه) للمطلوب خَبره (وَضرب الْأَجَل) عَلَيْهِ وَالْجُمْلَة خبر كل وَمَا مَوْصُول مُضَاف إِلَيْهِ وافتقر صلته وَالْأَجَل فِي مثل هَذَا بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ ابْن الْهِنْدِيّ: إِن كَانَت الْوَثِيقَة مختصرة تفهم مَعَانِيهَا بِمُجَرَّد سماعهَا لم يُعْط الْمَطْلُوب نسختها، وَإِن كَانَت طَوِيلَة كَثِيرَة الْمعَانِي تحْتَاج إِلَى التثبت أعطي نسختها ابْن عَرَفَة، وَقيل: يعْطى نسختها مُطلقًا وعَلى الأول الْعَمَل ابْن رحال: الْعَمَل عندنَا على إعطائها مُطلقًا. وطَالِبُ التَّأْخِيرِ فِيما سَهُلَا لِمَقْصِدِ يُمْنِعُهُ وَقِيلَ لَا (وطالب التَّأْخِير) والمهلة فِي الْجَواب مُبْتَدأ (فِيمَا سهلا) فهمه من رسم أَو مقَال فَإِن كَانَ لغير غَرَض فَالْحكم أَنه يجْبر وَلَا يُؤَخر وَإِن كَانَ (لمقصد) وغرض كتوكيله من يُجيب عَنهُ فَقَوْلَانِ قيل: (يمنعهُ) بِضَم الْيَاء مَبْنِيا للْمَفْعُول وضميره الْمُسْتَتر النَّائِب يعود على الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ طَالب وَهُوَ الرابط بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره، وَالْجُمْلَة وَالضَّمِير البارز هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي يعود على التَّأْخِير ولمقصد يتَعَلَّق بطالب وَفِيمَا يتَعَلَّق بِالتَّأْخِيرِ وَجُمْلَة قَوْله (وَقيل لَا) يمنعهُ معطوفة على الْجُمْلَة قبلهَا والمنفي بِلَا مَحْذُوف كَمَا قَررنَا، وَصحح ابْن سهل وَابْن النَّاظِم الأول. ابْن سَلمُون والمتيطي: وَبِه الْعَمَل وَاقْتصر عَلَيْهِ صَاحب اللامية، وَصحح ابْن الْهِنْدِيّ الثَّانِي انْظُر (ح) . فرعان. الأول: فَإِن قَالَ الْوَكِيل: لَا أجاوب حَتَّى أشاور موكلي فَإِنَّهُ يجْبر وَلَا يُمْهل، وَمَا أقرّ بِهِ لَازم لمُوكلِه إِن كَانَ من معنى الْخُصُومَة الَّتِي وكل عَلَيْهَا.

стр. 86

الثَّانِي: من ادّعى على رجل أَن بِيَدِهِ رسماً لَهُ فِيهِ حق وطالبه بِإِخْرَاجِهِ لينْظر فِيهِ مَا يَنْفَعهُ فَإِنَّهُ يلْزمه إِخْرَاجه قَالَه فِي أقضية المعيار عَن الْمَازرِيّ، وكرره فِي نَوَازِل الدَّعَاوَى عَن ابْن أبي زيد، وَنَحْوه لِابْنِ فَرِحُونَ عَن ابْن سهل فِي الْفَصْل الثَّالِث فِي تَقْسِيم الْمُدعى عَلَيْهِم، وَبِه يبطل مَا أفتى بِهِ ابْن سَوْدَة وَأَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر الفاسي من أَنه لَا يلْزمه ذَلِك محتجين بِأَنَّهُ لَو مكن النَّاس من هَذَا لفتح عَلَيْهِم بَاب يعسر سَده الخ. لِأَنَّهُ مصادم للمعقول وَالْمَنْقُول لِأَنَّهُمَا احتاطا للمطلوب وأخلاَّ بِحَق الطَّالِب من غير مُوجب وَلَا دَلِيل، وَقد تكون بَينهمَا مُعَاملَة أَو شركَة أَو وراثة وَنَحْو ذَلِك، وَلذَا ضعف ابْن رحال فتواهما. وَلما كَانَ تَقْيِيد الْمقَال موكولاً إِلَى اخْتِيَار الطَّالِب، لَكِن رُبمَا يجب فِي بعض الأحيان نبه على الْمحل الَّذِي يجب عَلَيْهِ التَّقْيِيد فِيهِ فَقَالَ: ويُوجِبُ التّقْيِيدَ لِلْمَقَالِ تَشَعُّبُ الدَّعْوى ﷺ ١٦٤٨ - ; وعُظْمُ المالِ (وَيُوجب) مضارع أوجب مَبْنِيّ للْفَاعِل (التَّقْيِيد) مَفْعُوله (للمقال) يتَعَلَّق بِهِ (تشعب الدَّعْوَى) فَاعل يُوجب أَي تفرقها وَكَثْرَة فروعها (و) مَعَ (عظم المَال) بِضَم الْعين أَي كثرته فَهُوَ مِمَّا يُؤَكد الْوُجُوب الْمَذْكُور، فَالْكَلَام الأول من حَيْثُ الْإِجْبَار والنسخ مَعَ الْإِمْهَال وَالْكَلَام هُنَا من حَيْثُ وجوب التَّقْيِيد وَعَدَمه فَلَا تكْرَار ثمَّ علل الْوُجُوب بقوله: لأنَّهُ أضْبَطُ لِلأَحْكَامِ وَلانحِصارِ ناشِىءِ الخِصامِ (لِأَنَّهُ) أَي التَّقْيِيد (أضبط للْأَحْكَام) فينحصر ذهن القَاضِي وَالْمَطْلُوب للنَّظَر (ولانحصار) مَعْطُوف على الْمصدر المنسبك من أَن ومدخولها لَا على قَوْله للْأَحْكَام خلافًا لمن وهم أَي لضبطه للْأَحْكَام ولانحصار الدَّعْوَى (ناشىء الْخِصَام) وَهُوَ الْمُدَّعِي فَلَا يقدر على زِيَادَة شَيْء فِيهَا وَلَا على الِانْتِقَال عَنْهَا إِلَى غَيرهَا فيفهم مِنْهُ أَن فَائِدَته هُوَ انحصاره وَأَنه إِن زَاد أَو انْتقل بطلت دَعْوَاهُ وَهُوَ كَذَلِك وتدل لَهُ مسَائِل وَقعت فِي الْمَذْهَب مُتَفَرِّقَة مِنْهَا مَا هُوَ على الْعُمُوم وَمِنْهَا مَا هُوَ على الْخُصُوص فَمن الأول مَا يَأْتِي فِي الْفَصْل بعد هَذَا أَن من اخْتلف قَوْله واضطرب مقاله سَقَطت دَعْوَاهُ وبينته، وَمِنْهَا مَا فِي المعيار عَن العبدوسي من تنَاقض كَلَامه فَلَا حجَّة لَهُ، وَمِنْهَا مَا نَقله بَعضهم عَن ابْن يُونُس عَن أَشهب أَن من اخْتلفت دَعْوَاهُ بِأَمْر بَين فَلَا شَيْء لَهُ هَذَا قَول مَالك اه. وَمِنْهَا: مَا نقل الْمَازرِيّ عَن ضيح أَن الدَّعْوَى على شخص إِبْرَاء لغيره، وَمِنْهَا مَا نقل عَن ابْن عرضون أَن من أعْطى نُسْخَة من الرَّسْم فأبطلت فاستظهر بآخر أَن الرَّسْم الثَّانِي مستراب لِأَنَّهُ انْتِقَال من دَعْوَى لأخرى. قَالَ: وَلَو أُبِيح الِانْتِقَال مَا انْقَطَعت حجَّة الْمَدِين اه. وَمثله لسيدي أَحْمد البعل حَسْبَمَا فِي أَوَائِل نَوَازِل العلمي وأواسط الشَّهَادَات مِنْهُ. قلت: وَفِي عد مُجَرّد الِاسْتِظْهَار بالرسم الثَّانِي انتقالاً مَعَ عدم اشتماله على زِيَادَة على الأول نظر لَا يخفى إِذْ لَا يلْزمه أَن يقوم بِجَمِيعِ شُهُود الْحق، لَكِن إِذا قَامَ بعدلين مِنْهُم فبطلت

стр. 87

شَهَادَتهمَا لاختلال فصولهما أَو لتجريحهما كَانَ لَهُ الْقيام بِغَيْرِهِمَا وَأَحْرَى لَو كَانَ لم يعلم بِشَهَادَة من قَامَ بِهِ ثَانِيًا أَو نَسيَه (خَ) فَإِن نفاها واستحلفه فَلَا بَيِّنَة إِلَّا لعذر كنسيان لَكِن يُمكن الْجَواب عَنْهُمَا بِأَنَّهُ لَا يكون انتقالاً إِلَّا إِذا كَانَت الثَّانِيَة مُشْتَمِلَة على زِيَادَة أَو نُقْصَان، وإلاَّ فَلَيْسَ ذَلِك انتقالاً لأخرى. نعم ذكرُوا أَن من خَاصم فِي حق وَادّعى أَن بَينته بعيدَة الْغَيْبَة وَأَرَادَ تَحْلِيف الْمَطْلُوب مَعَ بَقَائِهِ على حجَّته لَا يُمكن من تَحْلِيفه إِلَّا إِذا سمى بَينته الغائبة وَحلف على صِحَة مَا يَدعِيهِ من غيبتها، فَهَذَا إِذا حلف الْمَطْلُوب بعد حلفه هُوَ على مَا ذكر لَا قيام لَهُ بِغَيْر الَّذِي سمى وَإِن لم يعلم بِهِ، وَمن الثَّانِي مَا فِي المعيار عَن عِيَاض أَن من ادّعى الْإِرْث ثمَّ الشِّرَاء سَقَطت دَعْوَاهُ. وَمِنْهَا مَا فِي بَاب الْقَضَاء من الْمعِين فِيمَن ادّعى فِي دَار أَنَّهَا وراثة من آبَائِهِ، فَلَمَّا أثبت غَيره الملكية أَقَامَ هُوَ بَيِّنَة بِالشِّرَاءِ مِنْهُ. وَمِنْهَا مسَائِل مضمن الْإِقْرَار الْمَذْكُورَة فِي الْقَضَاء والوكالات والوديعة وَسَتَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم: ومنكر للخصم مَا ادَّعَاهُ. وَمِنْهَا: مَا نَقله القلشاني وَغَيره فِيمَا إِذا أقسم الْأَوْلِيَاء على وَاحِد من جمَاعَة، ثمَّ بدا لَهُم وَأَرَادُوا أَن يقسموا على غَيره من تِلْكَ الْجَمَاعَة فَلَا يمكنون كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَغير وَاحِد بهَا لن يقبلا. وَمِنْهَا: إِن قَالَ: قتلني فلَان بل فلَان، وَمِنْهَا: إِذا سُئِلَ عَن قَاتله، فَقَالَ: لَا أعرفهُ، ثمَّ قَالَ: فلَان. وَمِنْهَا: مَا فِي نَوَازِل الدَّعَاوَى من المعيار فِي مَرِيض تصدق على أَخِيه فَقبض الْأَخ الصَّدَقَة وحازها ثمَّ مَاتَ الْمَرِيض فَرد على ورثته مَا زَاد على الثُّلُث، ثمَّ تبين أَن الصَّدَقَة فِي الصِّحَّة وَأَنَّهَا جَائِزَة كلهَا. وَمِنْهَا: من ادّعى فِي ملك أَنه من أوقاف فلَان ثمَّ ادّعى أَنه ملك لموروثه. أفتى (ح) بِأَنَّهُ لَا حق لَهُ. وَمِنْهَا: من ادّعى فِي ملك أَنه من متخلف أَبِيه فَأثْبت غَيره أَنه ملك لموروثه فَادّعى أَنه أوصى لَهُ بِهِ. وَمِنْهَا: من ادّعى فِي دَار أَنَّهَا وراثة بَينه وَبَين إخْوَته ثمَّ ادّعى أَنه انْفَرد بهَا بِوَصِيَّة أَو صَدَقَة من الْمَوْرُوث. قَالَ سَحْنُون: لَا تقبل دَعْوَاهُ وَلَا بَينته. ذكر الثَّلَاث الْأَخِيرَة (ح) فِي بَاب الْإِقْرَار، وَذكر عَن الْقَرَافِيّ أَنه اعْتمد فِي الْمَسْأَلَة الْأَخِيرَة خلاف قَول سَحْنُون فَقَالَ فِي الْفرق الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ بَين مَا يقبل فِيهِ الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار وَمَا لَا يقبل مَا نَصه: ضَابِط مَا لَا يقبل الرُّجُوع فِيهِ أَن يكون الرُّجُوع لغير عذر عادي، وَضَابِط مَا يقبل الرُّجُوع فِيهِ أَن يكون هُنَاكَ عذر عادي كَأَن يقر الْوَارِث للْوَرَثَة أَن مَا تَركه أَبوهُ مِيرَاث بَينهم، ثمَّ جَاءَهُ شُهُود أَخْبرُوهُ أَو وجد رسماً بِأَن أَبَاهُ كَانَ تصدق عَلَيْهِ بِهَذِهِ الدَّار فِي صغره وحازها فَإِنَّهُ إِذا رَجَعَ وَادّعى أَنه لم يكن عَالما بذلك فَإِنَّهُ تسمع دَعْوَاهُ وعذره وَلَا يكون إِقْرَاره السَّابِق مُكَذبا لبينته اه. قلت: وَنزلت فأفتيت فِيهَا بِمَا للقرافي وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الْبُرْزُليّ عَن الْمَازرِيّ فِيمَن اقتسم تَرِكَة موروثه مَعَ الْوَرَثَة، ثمَّ وجد بَيِّنَة تشهد لَهُ بِبَعْضِهَا أَنه يحلف مَا علم بِبَيِّنَة إِلَى الْآن وَيسْتَحق وَنَحْوه فِي نَوَازِل الزياتي فِيمَن سلم فِي شَيْء ظنا مِنْهُ أَنه لَا يسْتَحقّهُ ثمَّ تبين أَنه يسْتَحقّهُ فَإِن التَّسْلِيم لَا يلْزمه وأمثال هَذَا مَا اتَّضَح فِيهِ الْعذر كَثِيرَة انْظُر شرحنا للشامل فِي الرَّهْن وَالْإِقْرَار والشهادات، ثمَّ ظَاهر النّظم وَمَا تقدم أَن الِانْتِقَال يبطل الدَّعْوَى حَيْثُ لم يَتَّضِح الْعذر سَوَاء حصرها وَأشْهد أَنه لَا دَعْوَى لَهُ غَيرهَا أم لَا، وَهُوَ كَذَلِك. وَفِي التَّبْصِرَة وَآخر الْفَصْل السَّادِس فِي سيرته مَعَ الْخُصُوم أَن مَحل ذَلِك فِيمَا إِذا شهد أَنه لَا دَعْوَى لَهُ سواهَا وَنَحْوه فِي أقضية الْبُرْزُليّ عَن ابْن حَارِث قَائِلا: لَيْسَ من ادّعى دَعْوَى يحْجر عَلَيْهِ فِيمَا سواهَا إِن ادّعى نِسْيَانا إِلَّا أَن يكون فِي الْكَشْف أَي التَّقْيِيد إِقْرَار الْمُدَّعِي أَن الَّذِي كشف عَنهُ هُوَ آخر دَعْوَاهُ اه. (بخ) وَنَحْوه

стр. 88

فِي أقضية المعيار عَن فُقَهَاء قرطبة فِيمَن وقف خَصمه عِنْد قَاض على ذهب زعم أَنه أنفقهُ بأَمْره على أهل دَاره ودوابه فِي مُدَّة عينهَا على وَجه السّلف، فَأنكرهُ الْمَطْلُوب ثمَّ قَالَ بعد أَن أنكر مرّة ثَانِيَة: إِنَّمَا أنْفق على الدَّوَابّ من ربح أحد وَثَلَاثِينَ مِثْقَالا كَانَت عِنْده قراضا، فَلم يبطلوا دَعْوَاهُ. فَانْظُر ذَلِك إِن شِئْت وَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَحل عقد شهر التَّأْجِيل الخ. . وَحَيْثُما الأَمْرُ خَفِيفٌ بَيِّنُ فالتَّرْكُ لِلتَّقَيِيدِ مِمَّا يحْسُنُ (وحيثما) ظرف مضمن معنى الشَّرْط (الْأَمر) مُبْتَدأ أَي أَمر الدَّعْوَى خَبره (خَفِيف) سهل كلي عَلَيْهِ عشرَة من سلف (بَين) عطف بَيَان أَو بدل أَو خبر بعد خبر وَالْأول أقرب (فالترك) مُبْتَدأ (للتَّقْيِيد) مُتَعَلق بِهِ (مِمَّا يحسن) خَبره وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط والرابط الْفَاء ثمَّ علل حسن ترك التَّقْيِيد بقوله: فَرُبَّ قَوْلٍ كَانَ بالخِطابِ أَقْرَبَ لِلْفَهْمِ مِنْ الكِتابِ (فَرب قَول) وَالْفَاء تعليلية، وَرب: حرف جر لَا تتَعَلَّق بِشَيْء قَالَ ناظم الْمُغنِي: وَقَوْلنَا لَا بُد من تعلق يخرج مِنْهُ سِتَّة فحقق أَحدهَا الزَّائِد من خَالق وَالثَّانِي لَوْلَا فِي مقَال صَادِق وَهَكَذَا لَعَلَّ فِيمَن جرّبه وكاف تَشْبِيه وَرب فانتبه (كَانَ) نَاقِصَة وَاسْمهَا ضمير القَوْل (بِالْخِطَابِ) يتَعَلَّق بِهِ (أقرب) خبر كَانَ (للفهم من الْكتاب) يتعلقان بأقرب وَجُمْلَة كَانَ صفة لقَوْل. وَفهم من قَوْله مِمَّا يحسن أَنه يجوز التَّقْيِيد وَأَن مَا كَانَ بَين الخفة والتشعب يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ أَيْضا لَكِن التَّقْيِيد فِيهِ أولى لِأَنَّهُ أقطع للنزاع. (فصل فِي بَيَان مِقْدَار الْآجَال) جمع أجل بِفَتْح الْألف وَالْجِيم وَهُوَ لُغَة مُدَّة الشَّيْء فَيشْمَل وَقت الْمَوْت وحلول الدّين والمدة الَّتِي يضْربهَا الْحَاكِم مهلة لأحد المتداعيين، أَولهمَا: لما عَسى أَن يَأْتِي بِهِ من حجَّة وَهُوَ المُرَاد هُنَا. ولاِجْتِهادِ الحاكِمِ الآجالُ مَوْكُولَةٌ حَيْثُ لهَا اسْتِعْمَالُ (ولاجتهاد الْحَاكِم) يتَعَلَّق بموكولة (الْآجَال) مُبْتَدأ أَي الَّتِي لَا نَص فِي قدرهَا من الشَّارِع

стр. 89

احْتِرَازًا مِمَّا فِيهَا نَص كأجل الْمُعْتَرض سنة. وَكَذَا الْمَجْنُون والمجذوم وَأجل الْمَفْقُود أَربع سِنِين وَنِصْفهَا للْعَبد وَأجل الْحر الْمُسلم فِي الْإِيلَاء لَا الْكفَّار، وَإِن تحاكموا إِلَيْنَا فَلَا مَانع من دُخُول الِاجْتِهَاد فِيهِ قَالَه (ت) وتأمله فَإِنَّهُم إِذا تحاكموا إِلَيْنَا فَإِنَّمَا يحكم بَينهم بِحكم الْإِسْلَام وَأي اجْتِهَاد يدْخلهُ حِينَئِذٍ، وَإِن لم يتحاكموا إِلَيْنَا فَلَا نتعرض لَهُم على مَذْهَبنَا وَمِمَّا لَا يدْخلهُ أجل التَّعْمِير وَنَحْو ذَلِك (موكولة) خبر (خَ) : وَمن استمهل لدفع بَيِّنَة أمْهل بِالِاجْتِهَادِ (حَيْثُ) يتَعَلَّق بموكولة (لَهَا اسْتِعْمَال) مُبْتَدأ وَخبر وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة حَيْثُ أَي الْآجَال الَّتِي لَا نَص فِيهَا حَيْثُ تسْتَعْمل موكولة فِي قدرهَا وَجَمعهَا وتفريقها إِلَى نظر الْحَاكِم فَفِي كَلَامه حذف الصّفة كَمَا ترى بِدَلِيل مَا يَأْتِي فِي الْإِيلَاء والمفقود وعيوب الزَّوْجَيْنِ وحذفها قَلِيل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: إِنَّه لَيْسَ من أهلك﴾ (هود: ٤٦) أَي الناجين الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧١) أَي الْبَين وَالْأَصْل فِيمَا ذكره النَّاظِم قَول الْفَارُوق ﵁ فِي رسَالَته الْمُتَقَدّمَة وَاجعَل لمن ادّعى حَقًا غَائِبا أمداً يَنْتَهِي الخ. وَصفته فِي الْإِثْبَات أجل قَاضِي حَضْرَة كَذَا وَهُوَ أعزه الله فلَان بن فلَان فِي إِثْبَات مَا ادَّعَاهُ فِي الْمقَال أَعْلَاهُ أَو حوله أَََجَلًا مبلغه كَذَا من غَد تَارِيخه بعد أَن أَخذ من خَصمه فلَان حميلاً بِوَجْهِهِ شهد على إِشْهَاد من ذكر دَامَت كرامته بِمَا فِيهِ عَنهُ، وعَلى الْمُؤَجل بالتزامه حكم الْأَجَل واعترافه بِأَن بَينته فِي الْبَلَد أَو على قرب مِنْهُ، وعَلى الْحميل بالحمالة على عين المتحمل عَنهُ وَرضَاهُ من أشهدوه بِهِ وعرفهم بِحَال صِحَة وطوع وَجَوَاز، وَفِي كَذَا فَإِن أثبت الْمُدَّعِي ذَلِك وأعذر للمطلوب قلت أجل قَاضِي كَذَا وَهُوَ أعزه الله فلَان بن فلَان فِي حل الرَّسْم أَعْلَاهُ أَو حوله بعد أَخذه نسخته ومعرفته بِمن ثَبت بِهِ الْحق وقبوله أَََجَلًا مبلغه كَذَا من غَد تَارِيخه، ثمَّ تكمل العقد وتقيد اعترافه بِأخذ النُّسْخَة ومعرفته بِمن ثَبت والتزامه الْأَجَل كَمَا مرّ، فقولنا بعد أَن أَخذ حميلاً الخ. هَذَا على مَا بِهِ الْعَمَل من أَن الْحميل بِالْوَجْهِ يجب بِمُجَرَّد الدَّعْوَى فَإِن لم يجده فيسجن الْمَطْلُوب بعد أَن يحلف الطَّالِب على صِحَة مَا يَدعِي وَوُجُود بَينته كَمَا يَأْتِي فِي قَول النَّاظِم: وضامن الْوَجْه على من أنكرا دَعْوَى امرىء خشيَة أَن لَا يحضرا وَقَوْلنَا: شهد على إِشْهَاد من ذكر الخ، احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم ينصوا على إشهاده بذلك فَإِن هَذَا التَّأْجِيل لَا يبْنى عَلَيْهِ من بعده إِذا عزل هُوَ أَو مَاتَ، لِأَن التَّأْجِيل حكم من أَحْكَامه فَلَا يثبت إِلَّا

стр. 90

بإشهاده كَغَيْرِهِ من الْأَحْكَام قَالَه فِي النِّهَايَة أَوَائِل النِّكَاح (خَ) وَلم يشْهد على حَاكم قَالَ: ثَبت عِنْدِي إِلَّا بإشهاده أَي وَلَيْسَ للعدل أَن يشْهد عَلَيْهِ بِمَا سَمعه مِنْهُ من غير أَن يشهده لِأَن ذَلِك قد يصدر مِنْهُ من غير عزم على الْإِشْهَاد بِهِ، وَترك الْبيَاض ليضع علامته فِيهِ هُوَ الصَّوَاب لِأَن كل مَا أشهد بِهِ القَاضِي من إبرام حكم أَو اسْتِقْلَال رسم أَو صِحَّته أَو تَأْجِيل وَنَحْوه لَا بُد فِيهِ من ذَلِك، وَلذَا يَفْعَلُونَهُ فِي التسجيل على رسم اللفيف وَنَحْوه لِئَلَّا يُنكر القَاضِي الْإِشْهَاد عَلَيْهِ بذلك، وَقد شهد شُهُود فِي وقتنا هَذَا على القَاضِي فِي قَضِيَّة وَلم يتْركُوا لَهُ بَيَاضًا يضع علامته فِيهِ بل كتب الْكَاتِب أشهد القَاضِي فلَان ابْن فلَان أَنه حكم بِكَذَا أَو أجل فلَانا الخ. وَبعد حِين قيم بِالشَّهَادَةِ فأنكرها وزجرهم وأدبهم، وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك مفض للتزوير عَلَيْهِ إِذْ قد يشْهد الشَّاهِد عَلَيْهِ بإبرام حكم ويؤديها عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يشْعر إِذْ كثير من الْقُضَاة الْيَوْم لَا يتصفحون الرسوم عِنْد الْأَدَاء بل بِمُجَرَّد قَبضه للرسم يَقُول للعدل: هَذِه شهادتك؟ فَيَقُول لَهُ: نعم فيخاطب عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ وَالْقَبُول من غير قِرَاءَة للرسم وَلَا معرفَة مَا فِيهِ، وَأَحْرَى إِن لم يؤدها عِنْده بل عِنْد غَيره بعد عَزله أَو مَوته وَالله أعلم. وَقَوْلنَا: وعَلى المتأجل الخ. زِيَادَة تحصين وإلاَّ فالأجل لَازم لَهُ وَإِن لم يلتزمه. وَقَوْلنَا: واعترافه بِأَن بَينته حَاضِرَة الخ. احْتِرَازًا مِمَّا إِذا سقط اعترافه بذلك من الرَّسْم فَإِنَّهُ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حكم لِأَن الْمُدَّعِي قد يَدعِي بعد بَينته وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْيَمين على الْمَطْلُوب كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَإِن تكن بعيدَة فالمدعي الخ. وكقول اللامية: كبينة غَابَتْ بِقرب لمدع إِلَى قَوْله: وَإِن بَعدت يحلف لَهُ الخ … وَقَوْلنَا بعد اعترافه بِأخذ النُّسْخَة الخ. . لِئَلَّا يجْحَد أَخذهَا. وَقَوْلنَا: ومعرفته بِمن ثَبت الخ. لِئَلَّا يَدعِي بعد انْقِضَاء الْأَجَل أَنه لم يعرف الشَّاهِد عَلَيْهِ، فَلم يتَمَكَّن من الطعْن فِيهِ فَيسْقط عَنهُ الْأَجَل فيهمَا. وَقَوْلنَا: وقبوله لِئَلَّا يَدعِي أَنه أعذر لَهُ فِي غير مَقْبُول عِنْده إِذْ الْإِعْذَار لَا يكون إِلَّا بعد اسْتِيفَاء الشُّرُوط وَتَمام النّظر كَمَا فِي ابْن سهل وَمن جُمْلَتهَا الْأَدَاء وَالْقَبُول، وَقَوْلنَا: من غَد تَارِيخه لِأَن الْيَوْم الْمَكْتُوب فِيهِ يلغى كَمَا يَأْتِي مَعَ نَظَائِره، ثمَّ مَحل كَون الْآجَال موكولة للِاجْتِهَاد إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لأهل الِاجْتِهَاد من قُضَاة الْعدْل، أما بِالنِّسْبَةِ لمن ضعفت عَدَالَته كقضاة الْوَقْت فَلَا يخرج عَمَّا حدّ لَهُ كَمَا يَأْتِي آخر الْفَصْل، وَلذَا قَالَ: وَبِثَلاثَةِ مِنَ الأيَّامِ أُجِّلَ فِي بَعْضٍ منَ الأَحْكامِ (وبثلاثة) يتَعَلَّق بقوله أجل (من الْأَيَّام) صفة لَهُ (أجل فِي بعض) يتَعَلَّق بِهِ أَيْضا (من الْأَحْكَام) صفة لبَعض، وَذكر مِنْهَا خَمْسَة فَقَالَ وَذَلِكَ. كَمِثْلِ إحْضَارِ الشَّفِيعِ لِلثَّمَنْ والمُدِّعِي النِّسْيَانَ إنْ طالَ الزَّمَنْ (كَمثل إِحْضَار الشَّفِيع) من إِضَافَة الْمصدر لفَاعِله (للثّمن) يتَعَلَّق بإحضار على أَنه مَفْعُوله، وَالْكَاف فِي قَوْله: كَمثل زَائِدَة وَهُوَ خبر لمبتدأ مَحْذُوف كَمَا ترى، وَمَعْنَاهُ أَن الشَّفِيع إِذا قَالَ: أَنا

стр. 91

آخذ بشفعتي بالمضارع أَو اسْم الْفَاعِل سَوَاء قَالَ المُشْتَرِي سلمت لَك أَو سكت أَو امْتنع كَمَا هُوَ ظَاهر إِطْلَاق ابْن رشد، فَإِن الشَّفِيع يُؤَجل لإحضار الثّمن ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن أحضرهُ وإلاَّ سَقَطت شفعته لِأَن كلاًّ من الْمُضَارع وَاسم الْفَاعِل مُحْتَمل للوعد وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْأَخْذ، فَلَا فرق حِينَئِذٍ بَين سكُوت وَامْتِنَاع وَتَسْلِيم، ويترجح الِاحْتِمَال الْمَذْكُور فِي الْجَمِيع بعد إِتْيَانه بِالثّمن فَقَوله: وَإِذا سكت أَو امْتنع لَا يُؤَجل ثَلَاثًا يُرِيد بِالِاجْتِهَادِ الخ. مُخَالف للإطلاق الْمَذْكُور ومناف للتَّعْلِيل ف الله أعلم بِصِحَّتِهِ قَالَه بعض قَالَ: وَهَذَا وَالله أعلم إِذا لم يقل لَهُ المُشْتَرِي لَا أكتفي مِنْك بِهَذَا، بل لَا بُد أَن تَقول أخذت أَو تركت وَإِن كَانَ لَهُ استعجاله بالتلفظ بِأحد اللَّفْظَيْنِ اه فَتَأَمّله. قلت: قَوْله: وَهَذَا إِذا لم يقل الخ. يُؤَيّدهُ ظَاهر قَول ابْن الْمَوَّاز وَغَيره: إِذا أوقفهُ الإِمَام فَقَالَ: أخروني الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة أَنه لَا يُؤَخر، وَيُقَال لَهُ: إِمَّا خُذ شفعتك الْآن وَإِلَّا فَلَا شُفْعَة لَك اه. وَأما إِن قَالَ: أخذت بالماضي، فإمَّا أَن يسلم لَهُ المُشْتَرِي أَو يسكت أَو يمْتَنع، فَفِي الأول إِن عرف الثّمن لزمَه ذَلِك وَيُبَاع عَلَيْهِ الشّقص وَغَيره إِن عجز عَن أَدَائِهِ، وَلَا يبطل فِيهِ البيع إِلَّا برضاهما مَا لم يشْتَرط عَلَيْهِ إِن أَتَاهُ بِالثّمن، وَإِلَّا فَلَا شُفْعَة فَيعْمل بِشَرْطِهِ كَمَا فِي أبي الْحسن، وَفِي الثَّانِي يؤجله الْحَاكِم للثّمن بِاجْتِهَادِهِ فَإِن لم يَأْتِ بِهِ فَيُخَير المُشْتَرِي فِي بيع الشّقص وَفِي إِسْقَاط شفعته، وَفِي الثَّالِث يُؤَجل فَإِن أَتَى بِهِ وإلاَّ سَقَطت، وَظَاهر النّظم أَن التَّأْجِيل بِالثلَاثِ للثّمن جَار فِي الصُّور كلهَا إِلَّا أَنه تَارَة يُبَاع عَلَيْهِ وَتارَة تسْقط شفعته كَمَا رَأَيْت، وَإِن كَانَ فِي الْمُدَوَّنَة خصص التَّأْجِيل بِالثلَاثِ بِمَا إِذا زَاد الْأَخْذ وتبعها (خَ) فَقَالَ: وَإِن قَالَ أَنا آخذ أجل ثَلَاثًا للنقد وَلَكِن ظَاهر التَّبْصِرَة وَغَيرهَا كظاهر النّظم، بل فِي ابْن سَلمُون مَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِك لِأَنَّهُ ذكر بعد وَثِيقَة الاستشفاع مَا نَصه: وَإِذا طلب أَن يضْرب لَهُ أجل بِالثّمن بعد أَخذه بِالشُّفْعَة أجّل ثَلَاثَة أَيَّام على مَا بِهِ الْعَمَل اه بِاخْتِصَار. وَنَحْوه فِي ضيح وَهُوَ ظَاهر إِذْ الشُّفْعَة بيع وَالثمن قد تخلد فِي ذمَّته فِيمَا إِذا قَالَ: أخذت وَسلم المُشْتَرِي أَو سكت كَمَا مرّ. وَقد قَالَ ابْن رشد: إِذا سَأَلَ الْغَرِيم الْحَاكِم التَّأْخِير بِالدّينِ الْيَوْم وَنَحْوه فَإِن الْقُضَاة الْيَوْم يؤخرونه الثَّلَاثَة الْأَيَّام وَفِي (خَ) وَإِن وعد بِالْقضَاءِ وَسَأَلَ تَأْخِيرا كَالْيَوْمِ أعْطى حميلاً بِالْمَالِ، وَعَن العبدوسي فِيمَن اشْترى سلْعَة أَو دَابَّة بِالنَّقْدِ فَلَمَّا طلب بِهِ سَأَلَ التَّأْخِير قَالَ: لَا يُؤَخر بِهِ إِلَّا الأمد الْيَسِير الَّذِي لَا ضَرَر فِيهِ على البَائِع كالثلاثة الْأَيَّام وَنَحْوهَا إِلَّا أَن يثبت أَنه لَا ناض لَهُ فَيحلف على ذَلِك ويؤجل حيئنذ فِي بيع مَا هُوَ أسْرع بيعا عَلَيْهِ بعد أَن يُعْطي فِي جَمِيع الْوُجُوه حميلاً بِالْمَالِ اه بِاخْتِصَار. وافهم قَوْله لإحضار الثّمن أَنه إِذا طلب المهلة ليتروى ويستشير ولينظر للْمُشْتَرِي لَا يُؤَخر وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور وَمذهب الْمُدَوَّنَة (خَ) : واستعجل إِن قصد ارتياء أَو نظرا للْمُشْتَرِي إِلَّا كساعة الخ. وَظَاهر قَوْله: كساعة الخ، وَلَو كَانَ الْمَشْفُوع خَارج الْبَلَد وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي ابْن عَرَفَة، وَمُقَابل الْمَشْهُور أَنه يُؤَجل ثَلَاثَة أَيَّام ليستشير وَينظر وَهُوَ قَول مَالك فِي مُخْتَصر ابْن عبد الحكم، وَبِه صدر ابْن فَرِحُونَ وَابْن سَلمُون وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيّ إِن وَقفه بفور الشِّرَاء أَو بعد أَيَّام وَلم يعلم بِهِ، وَعَلِيهِ درج الفاسي فِي عملياته كَمَا درج على أَنه يُؤَجل ثَلَاثَة أَيَّام ليستشير وَينظر لإحضار الثّمن إِلَى شَهْرَيْن فَقَالَ: وأجلوا ثَلَاثَة الْأَيَّام للآخذ بِالشُّفْعَة للإتمام وَزيد فِي أجل إِحْضَار الثّمن أَكثر للشهرين إِن ضَاقَ الزَّمن

стр. 92

وَقَالَ أصبغ: يُؤَجل للإحضار بِحَسب قلَّة المَال وكثرته وأقصاه شهر، وَاخْتَارَهُ ابْن زرب وَابْن نَاجِي: وَبِه كنت أَقْْضِي وَرُبمَا أَزِيد على الشَّهْر. (وَالْمُدَّعِي) مَعْطُوف على إِحْضَار النسْيَان (النسْيَان) مَفْعُوله وكمثل من ادعِي عَلَيْهِ بِمَال أَو غَيره فَادّعى النسْيَان فيؤجل ثَلَاثَة أَيَّام ليتذكر فَيقْرَأ وينكر (إِن طَال الزَّمن) الَّذِي بَين الْوَاقِعَة وَالْأَدَاء فَهُوَ شَرط فِي يُؤَجل الْمُقدر (تَنْبِيه) : قَالَ ابْن عَرَفَة: إِن قَالَ من وَجَبت عَلَيْهِ يَمِين اضْرِب لي أَََجَلًا أنظر فِي حسابي وأمري أنظر بِقدر مَا يرَاهُ، وَعَلِيهِ عول (ح) فَقَالَ: وَمن استمهل لدفع بَيِّنَة أمْهل بِالِاجْتِهَادِ إِلَى قَوْله كحساب بكفيل بِالْمَالِ الخ. وَفِي الطرر عَن الشَّعْبَانِي أَن من تَوَجَّهت عَلَيْهِ يَمِين وَطلب التَّأْجِيل لينْظر فِي محاسبة أجل الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَلَا يُزَاد. ابْن عَرَفَة: وَأما عكس هَذَا وَهُوَ أَن يطْلب الْمُدَّعِي تَأْخِير حلف الْمُدعى عَلَيْهِ فَفِي نَوَازِل ابْن الْحَاج لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بِرِضا الْمَطْلُوب. ابْن عَرَفَة: وَهُوَ مُقْتَضى قَول ابْن عَاتٍ من وَجَبت لَهُ يَمِين على رجل فتغيب عَن قبضهَا كلف القَاضِي من يقتضيها إِذا ثَبت عِنْده مغيبه وَيشْهد على ذَلِك اه. ابْن رحال وَفِي الْكَافِي: وَمن سَأَلَ الْحَاكِم النظرة فِي يَمِينه فَلهُ ذَلِك مَا لم يتَبَيَّن ضَرَره اه. قَالَ: فالسائل للتأخير فِي كَلَامه هُوَ الطَّالِب للْيَمِين لَا الْمَطْلُوب بهَا اه. والمُدَّعِي أنَّ لَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ يَمِيناً أمْرُها مُسْتَبْشَعُ (وَالْمُدَّعِي) مَعْطُوف على إِحْضَار أَيْضا (أَن لَهُ) خبر مقدم (مَا) مَوْصُولَة أَو نكرَة مَوْصُوفَة اسْم أَن وَالْجُمْلَة من قَوْله (يدْفع) صلَة أَو صفة والرابط الضَّمِير فِي (بِهِ يَمِينا) مفعول بقوله يدْفع (أمرهَا مستبشع) جملَة من مُبْتَدأ وَخبر صفة ليمين، وَالْجُمْلَة من أَن وَمَا دخلت عَلَيْهِ مقدرَة بمصدر مفعول بقوله الْمُدَّعِي أَي وكالذي ادّعى عِنْد توجه الْيَمين عَلَيْهِ وجود مدفع يدْفع بِهِ الخ، فيؤجل للإتيان بِمَا ذكر، والبشع الطَّعَام الكريه فِيهِ جفوف ومرارة وَوصف الْيَمين بذلك لِأَنَّهَا مستكرهة للنفوس سَوَاء قُلْنَا بِجَوَاز الصُّلْح عَنْهَا فِي دَعْوَى تحقق بُطْلَانهَا كَمَا يَأْتِي أم لَا. وَمُثْبِتٌ ديْناً لمدْيانٍ وَفِي إخْلاءِ مَا كالرّبعِ ذ ﷺ ١٦٤٨ - ; لِكَ اقْتَفِي (ومثبت) بِفَتْح الْبَاء مَعْطُوف على أَن وَمَا دخلت عَلَيْهِ فَهُوَ من إِطْلَاق الْمَفْعُول وَإِرَادَة الْمصدر كمسند بِمَعْنى إِسْنَاد وكمحلوف بِمَعْنى حلف أَي: وكالذي ادّعى أَن يثبت دينا أَي إثْبَاته لديان أَو عَلَيْهِ وَيجوز قِرَاءَته بِكَسْرِهَا عطفا على إِحْضَار أَي وكمدّع مُثبت أَي يثبت أَي يُرِيد أَن يثبت فَهُوَ اسْم فَاعل بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال (دينا) مفعول بِهِ على كلا الإعرابين (لمديان) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف صفة أَي كَائِنا لمديان زعم أَنه لَا شَيْء لَهُ فيريد الْمُدَّعِي أَن يثبت أَن لَهُ دينا على آخر، فَاللَّام على بَابهَا أَو بِمَعْنى على فَتكون لإِثْبَات الدّين على الْمُنكر (وَفِي إخلاء) يتَعَلَّق باقتفى (مَا) مُضَاف إِلَيْهِ

стр. 93

(كالربع) صلته (ذَلِك) التَّأْجِيل الْمَفْهُوم من أجل بِثَلَاثَة أَيَّام مُبْتَدأ (اقتفي) اتبع خَبره أَي من اسْتحق من يَده ربع بعدلين وَلم يبْق لَهُ إِلَّا الْإِعْذَار وَطلب الْمُسْتَحق توقيفه بإخلائه كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: ووقف مَا كالدور غلق الخ. فَإِن الْحَائِز يُؤَجل لإخلائه بِمَا ذكر. وشَرْطُه ثبوتُ الاسْتِحقاقِ برسمٍ الإعذارُ فِيهِ باقِي (وَشَرطه) أَي التَّأْجِيل للإخلاء مُبْتَدأ (ثُبُوت الِاسْتِحْقَاق) خَبره (برسم) يتَعَلَّق بِثُبُوت (الْإِعْذَار فِيهِ بَاقِي) جملَة من مُبْتَدأ وَخبر صفة لرسم أَي لم يبْق فِيهِ إِلَّا الْإِعْذَار لثُبُوته بعدلين كَمَا قَررنَا، فَهَذِهِ خَمْسَة فروع التَّأْجِيل فِيهَا بِثَلَاثَة وَيُزَاد عَلَيْهَا غَيرهَا مِمَّا يشبهها كَمَا مرّ فِيمَن اشْترى سلْعَة بِالنَّقْدِ أَو وعد بِالْقضَاءِ وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم. وَفِي سِوَى أصْلٍ لهُ ثمانيَهْ ونصْفُها لستةٍ مُوَالِيَهْ (وَفِي سوى أصل) يتَعَلَّق بالاستقرار الَّذِي تعلق بِهِ الْخَبَر فِي (لَهُ ثَمَانِيَة) مُبْتَدأ أَي ثَمَانِيَة أَيَّام ثَابِتَة فِي إِثْبَات سوى الْأُصُول مِمَّا عدا مَا مر (وَنِصْفهَا) وَهُوَ أَرْبَعَة مُبْتَدأ (لسِتَّة) يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ (موَالِيه) أَي تَابِعَة للستة الَّتِي تلِي الثَّمَانِية فيؤجل أَولا ثَمَانِيَة ثمَّ سِتَّة ثمَّ أَرْبَعَة. ثمَّ ثَلَاثَةٌ لِذاك تَتْبَعُ تلوُّماً وأصْلُهُ تَمَتَّعْوا (ثمَّ ثَلَاثَة) مُبْتَدأ (لذاك) التَّأْجِيل بالأربع (تتبع) بِفَتْح التَّاء مضارع تبع خبر ولذاك يتَعَلَّق بِهِ (تلوماً) حَال من الضَّمِير فِي تتبع أَو مفعول لأَجله والتلوم الْأَجَل الْأَخير (وَأَصله) أَي التَّلَوُّم بِالثلَاثِ مُبْتَدأ (تمَتَّعُوا) خبر قصد لَفظه أَي قَوْله تَعَالَى: فَقَالَ تمَتَّعُوا فِي داركم ثَلَاثَة أَيَّام﴾ (هود: ٥٦) فمجموع الْأَجَل فِي سوى الأَصْل أحد وَعِشْرُونَ يَوْمًا كَمَا ترى. وَاعْلَم أَنه يجب على القَاضِي أَن يوقفه عِنْد انْقِضَاء كل أجل فَإِن أَتَى بِشَيْء وإلاَّ كتب تَحْتَهُ وأجله قَاضِي كَذَا وَهُوَ وَفقه الله أَََجَلًا ثَانِيًا بعد أَن حضر عِنْده المتأجل الْمَذْكُور وأعلمه بانصرام أَجله فَادّعى أَنه لم يَأْتِ بِشَيْء بِمحضر من يُوقع اسْمه أَثَره مِمَّن حضر لذَلِك وأشهده القَاضِي الْمَذْكُور إِلَى آخر الْإِشْهَاد كَمَا مرّ. قَالَ فِي النِّهَايَة: وَكَانَ بعض الْقُضَاة يَكْتَفِي بإحضاره فِي ابْتِدَاء التَّأْجِيل وَلَا يحضرهُ فِي الثَّانِي وَالثَّالِث، بل إِذا انْقَضى الأول كتب تَحْتَهُ أَََجَلًا ثَانِيًا من غير حُضُور المتأجل وَلَا سُؤَاله فَإِذا انصرفت الْآجَال والتلوم أحضرهُ حِينَئِذٍ، فَإِن أحضر إِلَيْهِ شَيْئا وَإِلَّا عَجزه. وَقَالَ: إِنَّمَا يلْزَمنِي إِحْضَاره فِي التَّأْجِيل الأول، فَإِذا عرف أَنِّي أجلته لم يلْزَمنِي إِحْضَاره بعد ذَلِك فِي سَائِر

стр. 94

التأجيلات كَمَا لَو جمعتها عَلَيْهِ قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِتمَام لِأَنَّهُ إِذا لم يحضرهُ رُبمَا ادّعى أَنه لم يُؤَجل غير الْأَجَل الأول اه. بِاخْتِصَار وَبَعضه بِالْمَعْنَى. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا تمّ الْأَجَل الأول فَلَا تكْتب الثَّانِي فِي الْيَوْم الَّذِي يتم فِيهِ الأول لِأَنَّهُ لَا يتم إِلَّا بانقضائه، بل اكتبه فِي الْيَوْم الَّذِي بعده ثمَّ لَا تحسب بذلك الْيَوْم الَّذِي كتبت فِيهِ كَمَا مرّ قَالَه ابْن مَالك الْقُرْطُبِيّ. الثَّانِي: لَا يُؤَجل فِي قَوْله: سوى أصل تَأْجِيل العبيد للإتيان بِشَاهِد ثَان على حُرِّيَّته بل يُؤَجل الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَة، وَلَا سِيمَا إِن ادّعى غيبته كَمَا فِي التَّبْصِرَة، وَكَذَا من شهد عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِي الْقَتْل من زندقة وَنَحْوهَا فَادّعى أَن بَينه وَبَين القَاضِي عَدَاوَة تمنع حكمه فَإِنَّهُ يُؤَجل لإثباتها شَهْرَيْن اتّفق عَلَيْهِ أهل قرطبة. الثَّالِث: إِذا انْقَضتْ الْآجَال وَلم يَأْتِ بِشَيْء وَأَرَادَ التسجيل عَلَيْهِ فأظهر وَثِيقَة أَو بَيِّنَة وَأَرَادَ إثباتهما فَقيل يضْرب لَهُ بعد ذَلِك أَََجَلًا قَاطعا فَإِن أثبت وإلاَّ سجل عَلَيْهِ وَقيل يسجل عَلَيْهِ وَلَا يُؤَجل. وَقَالَ ابْن حَارِث: الصَّوَاب عدم التسجيل عَلَيْهِ وَبعده بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ليَوْم بِعَيْنِه، فَإِن أثبت وَإِلَّا سجل عَلَيْهِ وَقيل: ذَلِك مَصْرُوف لاجتهاد القَاضِي فَإِن رأى لَهُ فِي ذَلِك مَنْفَعَة أَجله بِالِاجْتِهَادِ وإلاَّ سجل عَلَيْهِ. ذكر ذَلِك فِي اخْتِصَار الْبُرْزُليّ. وَنقل ذَلِك أَيْضا فِي أقضية المعيار. قلت: وَلَعَلَّه خلاف فِي حَال وَأَن من قَالَ لَا يُؤَجل رَآهُ ملداً كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَمثله حائز ملك سكنه. ثمَّ قَالَ الْبُرْزُليّ بعد ذَلِك: وَمن ثَبت عَلَيْهِ أَنه غَاصِب لدار مثلا فَضربت لَهُ الْآجَال وانصرمت فَقَالَ بعد ذَلِك: لَا حق لي فِيهَا وَهِي لأخي فَقيل: يسجل عَلَيْهِ وَلَا يعْذر للْأَخ، وَعَن ابْن زرب: إِن ألفيت الْأَمْلَاك بيد أحد من سَبَب الْأَخ فيعذر فِيهِ للْأَخ وإلاَّ سجل عَلَيْهِ بِمَا ثَبت. الرَّابِع: إِذا أَجله الْحَاكِم الْأَجَل الأول مثلا ثمَّ تغيب حَتَّى مضى مِقْدَار الْأَجَل الثَّانِي وَالثَّالِث فقد ذكرُوا فِي أَوَائِل الْأَنْكِحَة من الْمُتَيْطِيَّة فِي ذَلِك خلافًا. وَقَالَ أَبُو الْحسن على قَوْلهَا: من اشْترى شَيْئا بِالْخِيَارِ وَلم يضْرب لَهُ أَََجَلًا جَازَ وَجعل لَهُ من الأمد مَا يَنْبَغِي فِي مثل تِلْكَ السّنة مَا نَصه قَالَ الشُّيُوخ: مَعْنَاهُ إِذا عثر عَلَيْهِ قبل مُضِيّ أمد الْخِيَار، وَأما إِن لم يعثر عَلَيْهِ حَتَّى مضى الْقدر الَّذِي يضْرب لتِلْك السّلْعَة فَإِن الإِمَام يوقفه فإمَّا أَن يخْتَار أَو يرد. انْظُر هَل يقوم من هُنَا أَن الْخصم إِذا تغيب مِقْدَار مَا يؤجله الْحَاكِم ثمَّ ظهر فَإِنَّهُ يوقفه وَلَا يؤجله وَأَخذه من هُنَا بَين. قَالَ الْفَقِيه: وَأما أَنا فأحتاط وأستأنف لَهُ ضرب الْأَجَل، وَلَكِن يخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْخُصُوم فَرب خصم يظْهر مِنْهُ أَن ذَلِك لدد فَلَا يُؤَجل لَهُ اه. وَفِي الأُصُول وَفِي الإرْث الْمُعْتَبَرْ مِنْ عَددِ الأيَّامِ خَمْسَةَ عَشَرْ (وَفِي) إِثْبَات (الْأُصُول وَفِي) إِثْبَات (الْإِرْث) والمجروران يتعلقان بالمبتدأ الَّذِي هُوَ (الْمُعْتَبر) وَكَذَا (من عدد الْأَيَّام) أَي الْمُعْتَبر فِي التَّأْجِيل وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِعَدَد الْأَيَّام فِي إِثْبَات الْأُصُول من

стр. 95

إِرْث أَو غَيره، وَفِي إِثْبَات الْإِرْث من غير الْأُصُول (خَمْسَة عشر) أَولا خبر الْمُبْتَدَأ. ثمَّ تَلِي أربعةٌ تُسْتَقْدَمُ بضِعْفِها ثُم يَلي التَّلوُّمُ (ثمَّ تلِي) الْخَمْسَة عشر (أَرْبَعَة) فَاعل تلِي وَالْجُمْلَة معطوفة (تستقدم بضعفها) وَهُوَ ثَمَانِيَة. وَالْجُمْلَة صفة لأربعة أَي يُؤَجل خَمْسَة عشر أَولا ثمَّ ثَمَانِيَة ثمَّ أَرْبَعَة (ثمَّ يَلِي) الْأَرْبَعَة الَّتِي بعد الثَّمَانِية (التَّلَوُّم) بِثَلَاثَة فَاعل يَلِي وَالْجُمْلَة معطوفة أَيْضا فالمجموع شهر كَامِل، وَهَذَا مَعَ حُضُور الْبَيِّنَة فِي الْبَلَد أَو بِقُرْبِهِ فَإِن بَعدت غيبتها فَهُوَ قَوْله. وَفِي أصولِ إرْثٍ أَو سِوَاهُ ثَلَاثَةُ الأشْهُرِ مُنْتَهَاهُ (وَفِي) إِثْبَات (أصُول إِرْث أَو سواهُ) أَي الْإِرْث (ثَلَاثَة الْأَشْهر) خبر مقدم (منتهاه) مُبْتَدأ وضميره للتأجيل وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِهِ أَي مُنْتَهى الْأَجَل فِي أصُول الْإِرْث أَو غَيره ثَلَاثَة أشهر. لَكِنْ مَعَ ادِّعاءِ بُعْدِ البَيِّنَهْ وَمثْلُهُ حائزُ مِلكٍ سَكَنهْ (لَكِن) مَحل التَّأْجِيل بذلك (مَعَ ادِّعَاء بعد الْبَيِّنَة) فالظرف خبر للمبتدأ الْمُقدر بعد لَكِن الاستدراكية ثمَّ لَا يُوقف الأَصْل الْمَذْكُور وَلَا يُحَال بَينه وَبَين صَاحبه بِمُجَرَّد هَذِه الدَّعْوَى كَمَا يَأْتِي فِي الإيقاف والبعد كالعراق من الْمَدِينَة. وَكَلَام النَّاظِم إِنَّمَا هُوَ إِذا سَأَلَ الْمَطْلُوب من الْحَاكِم أَن يقطع عَنهُ شغب الطَّالِب، وإلاَّ فَلَا حَاجَة للتأجيل الْمَذْكُور، بل يَقُول للطَّالِب اثْبتْ دعواك فَإِن أَرَادَ الطَّالِب تَحْلِيف الْمَطْلُوب مَعَ بَقَائِهِ على حجَّته فَلَا بُد من تَسْمِيَة الشُّهُود كَمَا مرّ، وَيَأْتِي أَيْضا عِنْد قَول النَّاظِم وَإِن تكن بعيدَة الخ (وَمثله) خبر عَن قَوْله (حائز ملك) وَقَوله (سكنه) جملَة فعلية صفة لملك. معْ حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ لَهُ مَتَى أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مَنْ أثْبَتَا (مَعَ) ادِّعَاء (حجَّة قَوِيَّة لَهُ) أَي للحائز والظرف فِي مَحل نصب على الْحَال أَي الْحَائِز للْملك

стр. 96

بِالسُّكْنَى مثلا يطْلب المهلة مَعَ ادِّعَاء حجَّة قَوِيَّة مماثل لما قبله فِي التَّأْجِيل الْمَذْكُور (مَتى أثْبته) أَي الْملك الَّذِي بِيَدِهِ (لنَفسِهِ من) مَوْصُولَة فَاعل أثْبته (أثبتا) صلته والعائد مَحْذُوف وَالْجُمْلَة شَرط فِي الحكم الَّذِي هُوَ الْمُمَاثلَة وَالْجَوَاب مَحْذُوف لتقدم مَا يدل عَلَيْهِ كَقَوْلِه: أَنْت ظَالِم إِن فعلت، وَالتَّقْدِير والحائز الطَّالِب للمهلة مَعَ ادِّعَاء الْحجَّة مماثل لما قبله فِي التَّأْجِيل إِن أثبت الْملك الَّذِي بِيَدِهِ لنَفسِهِ الْقَائِم الَّذِي أثْبته أَي الَّذِي كَانَ يُرِيد إثْبَاته فَهُوَ على حذف الْكَوْن والإرادة. وَحَاصِل مَعْنَاهُ أَن الْحَائِز لشَيْء إِذا نوزع فِيهِ وَادّعى أَن لَهُ حجَّة تقطع حجَّة الْقَائِم فَإِنَّهُ يُؤَجل لإثباتها بِثَلَاثَة أشهر، وأسهل من هَذَا الْبَيْت لَو قَالَ إِثْر قَوْله سكنه مَا نَصه: يدع حجَّة تعَارض الَّتِي أثبت قَائِم بِغَيْر عِلّة وَبِغير عِلّة حَال أَي أثبتها حَال كَونهَا بغيرعلة توهنها. قَالَ فِي الْعُتْبِيَّة: فَإِذا انْقَضتْ الثَّلَاثَة وَلم يثبتها وَادّعى غيبَة شُهُوده وتفرقهم وَسَأَلَ الزِّيَادَة فِي الْأَجَل فَإِن كَانَ مَأْمُونا لَا يتهم بباطل زيد لَهُ فِيهِ وَإِن كَانَ ملداً يُرِيد الْإِضْرَار بخصمه لم يزدْ لَهُ إِلَّا أَن يذكر أمداً يُقَارب شَأْنه وَلم يعلم كذبه فِي مثله اه. فَقَوله: وَمثله حائز الخ أَي يُؤَجل بذلك وَلَو لم يدع بعد بَينته فَهُوَ مشبه فِيهِ بِدُونِ قَيده كَمَا هُوَ ظَاهر الْمُتَيْطِيَّة والتبصرة، وَفِي الْأَقْضِيَة من أجوبة ابْن رشد فِيمَن أجل أَََجَلًا بعد أجل ثمَّ تلوم لَهُ فاستظهر برسم فِيهِ ابتياع أَبِيه من الْقَائِم عقد ببياسة وَهِي لَا حَاكم بهَا تثبت عِنْده الْحُقُوق ويخاطب بهَا قَالَ: الْوَاجِب أَن يُوسع عَلَيْهِ فِي الْأَجَل فَإِن طَال الْأَمر وَلم يقدم ببياسة حَاكم كتب القَاضِي الَّذِي يتخاصمون عِنْده إِلَى رجل ثِقَة عدل مرضِي من أهل بياسة فَيشْهد عِنْده الشُّهُود ويخاطبه بذلك، فَإِذا ورد عَلَيْهِ جَوَابه بِشَهَادَة الشُّهُود عِنْده وقبوله لَهُم ثَبت العقد بذلك وَقضى بِهِ اه. وَهُوَ يُؤَيّد مَا مر فِي التَّنْبِيه الثَّالِث. وَبيْعُ مِلْكٍ لِقَضَاءِ دَيْنِ قَدْ أَجَّلُوا فِيهِ إِلَى شهْرَيْنِ (وَبيع ملك) دَار أَو غَيرهَا مُبْتَدأ (لقَضَاء دين) على رَبهَا الْغَائِب أَو الْحَاضِر وَهُوَ يتَعَلَّق بِبيع (قد أجلوا فِيهِ) أَي فِي تسويفه للْبيع من شهر (إِلَى شَهْرَيْن) يتَعَلَّق بأجلوا. وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ (خَ) وَعجل بيع الْحَيَوَان واستؤني بعقاره كالشهرين، ثمَّ إِذا انْقَضى الشهران فَإِنَّهُ يُبَاع عَلَيْهِ وَلَو لم يبلغ الْقيمَة لِأَنَّهُ غَايَة الْمَقْدُور كَمَا لِابْنِ مُحرز، وَكَذَا بيع ربع الْيَتِيم للنَّفَقَة عَلَيْهِ، وَإِذا بيع عَلَيْهِ وَأثبت أَن فِي البيع غبناً فَلَا يسمع لِأَن مثل هَذَا البيع لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْغبن كَمَا يَأْتِي فِي فَصلي الْغبن وَالْبيع على الْغَائِب إِن شَاءَ الله. وحلُّ عَقْدٍ شَهْرٌ التَّأجِيلُ فِيهِ وَذَا عِنْدَهُمُ المقْبُولُ

стр. 97

(وَحل عقد) مُبْتَدأ (شهر) خبر عَن قَوْله (التَّأْجِيل فِيهِ) وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ (وَذَا) مُبْتَدأ (عِنْدهم) يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ (المقبول) وَمُقَابِله يُؤَجل بشهرين وَحل الْعُقُود كَمَا قَالَ ولد النَّاظِم أول الشَّهَادَات من شَرحه وَنَقله فِي شَهَادَات المعيار أَيْضا: يكون بأَشْيَاء إِمَّا بِظُهُور تنَاقض على السوَاء فِي الاسترعاء أَو بِظُهُور تنَاقض من المشهد أَو من فِي حكمه فِي الأَصْل كاختلاف قَول أَو اضْطِرَاب مقَال أَو بمضادة قَوْله لنَصّ مَا شهدُوا لَهُ بِهِ، وَإِمَّا بتجريح شُهُوده وَإِمَّا بِثُبُوت استرعاء أَو إِقْرَار على صفة بعداوة بَين الشُّهُود وَبَين الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِي غير ذَات الله يثبت اتصالها من قبل تَارِيخ أَدَاء الشَّهَادَة الْمَدْفُوع فِيهَا بالعداوة إِلَى تَارِيخ شَهَادَة العارفين بالعداوة الْمَذْكُورَة، وَإِمَّا بِثُبُوت استرعاء مَعْرُوف السَّبَب فِيمَا انْعَقَد بعوض أَو غير مَعْرُوف السَّبَب فِيمَا انْعَقَد بِغَيْر عوض، وَإِمَّا بِظُهُور اسْتِحَالَة فِي متون الرسوم اه. قلت: تقدّمت أُمُور من الِاضْطِرَاب عِنْد قَوْله: ولانحصار ناشىء الْخِصَام الخ. فمثال تنَاقض الاسترعاء أَن يشْهدُوا بملكية فرس مثلا لشخص وَأَنه من مَاله، وَأَنه من نتاج كَسبه لَا يعلمُونَ بَاعه وَلَا وهبه وَلَا خرج عَن ملكه مُنْذُ تملكه بِالشِّرَاءِ الصَّحِيح من فلَان الخ. فعجز الْوَثِيقَة يُنَاقض صدرها والاسترعاء هِيَ الشَّهَادَة الَّتِي يُمْلِيهَا الشَّاهِد من حفظه ويسندها إِلَى علمه كتعديل أَو تجريح أَو تصرف فِي ملك أَو معاوينة غصب أَو سَرقَة وَنَحْو ذَلِك وتصدر بفي علم شهيديه أَو بِفعل وَمَا فِي مَعْنَاهُ مُصَرحًا بِهِ أَو محذوفاً للاختصار فالمصرح بِهِ كَقَوْلِه يشْهد أَو يعلم من يضع اسْمه أَو من يتسمى أَثَره، وَنَحْو ذَلِك والمحذوف كَقَوْلِه: حضر من يُوقع اسْمه اغتصاب فلَان لفلانة وَنَحْوه، فَإِن تَقْدِيره يشْهد من يتسمى بعد هَذَا أَنهم حَضَرُوا كَذَا ووسطه أَوْصَاف مَا تحمل مَعْلُوما عِنْد الشَّاهِد وعجزه فعل لَا غير كَقَوْلِه: شهد بِمَا فِي الرَّسْم من حضر لذَلِك أَو عاينه وَنَحْو ذَلِك. وَقَوله: أَو بِظُهُور تنَاقض من المشهد وَمن فِي حكمه أَي المشهد بِضَم الْمِيم وَكسر الْهَاء وَهُوَ من يشْهد الشُّهُود على عقد عقده أَو دين الْتَزمهُ أَو اعْترف بِهِ وَنَحْو ذَلِك، وَالَّذِي فِي حكمه هُوَ وَكيله أَو وَارثه أَو غَرِيمه وَالْأَصْل هُوَ مَا يمليه الْعَاقِد إِن على الشُّهُود من بيع أَو هبة أَو صدَاق أَو كِرَاء، وَنَحْو ذَلِك وصدره فعل وَافْعل وافتعل كوهب وشفع أَو أصدق أَو أنكح أَو اشْترى أَو اكترى وَنَحْو ذَلِك ووسطه أَوْصَاف مَا أشهد بِهِ المشهد من الْوُجُوه الَّتِي التزمها وعجزه شهد على إِشْهَاد الْوَاهِب أَو الْمُتَبَايعين وَنَحْو ذَلِك. وَبِالْجُمْلَةِ، فَكل فعل فِي الصَّدْر والإعجاز كَانَ مُضَافا إِلَى الشَّاهِد فَهُوَ استرعاء وكل فعل فِي الصَّدْر والإعجاز كَانَ مُضَافا إِلَى

стр. 98

المشهد، وَمن فِي حكمه، فَهُوَ أصل. وَمِثَال تناقضه أَن يشهدهم أَن الدَّار الْفُلَانِيَّة مثلا ورثهَا عَن أَبِيه وَلَا زَالَ يتَصَرَّف فِيهَا مُنْذُ تَملكهَا بِالْهبةِ أَو الشِّرَاء من فلَان الخ. أَو يشهدهم أَنه حَبسهَا على أَوْلَاده وَأَعْقَابهمْ حبسا مُؤَبَّدًا تكون مَالهم وملكهم وَنَحْو ذَلِك، وَكَأن يكون صدر الرَّسْم استرعائياً وعجزه أَصْلِيًّا مثل أَن يَقُول: يشْهد من يضع اسْمه بِأَن فلَانا غصب جَمِيع كَذَا من فلَان فِي وَقت كَذَا شهد على إِشْهَاد الْغَاصِب بِالْغَصْبِ الْمَذْكُور، وَكَذَا الْعَكْس. وَلذَا قَالَ الشَّارِح: يجب الاهتمام بصيغ الْأَلْفَاظ لتَكون متفقة فِي الصَّدْر والإعجاز لِئَلَّا يلتبس حكم كل مِنْهُمَا أَي من الأَصْل والاسترعاء بِحكم الآخر فيفضي إِلَى اخْتِلَاف الْمَعْنى اه. وَقَوله: كاختلاف قَول الخ. مِثَال على اللف والنشر الْمُرَتّب أَي كاختلاف قَول الشَّاهِد فِي الاسترعاء واضطراب مقَال المشهد فِي الأَصْل كَمَا قَررنَا وَالضَّمِير الْمَجْرُور بالْقَوْل فِي قَوْله أَو بمضادة قَوْله الخ. يعود على الْمَشْهُود لَهُ الَّذِي هُوَ صَاحب الْحق الْمَفْهُوم من السِّيَاق لَا على المشهد السَّابِق لفساد الْمَعْنى لِأَن المشهد هُوَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فَهُوَ مشهود عَلَيْهِ لَا لَهُ، ومثاله أَن يشهدَا لَهُ بالملكية للْفرس مثلا وَأَنه من نتاج كَسبه فيعترف هُوَ أَنه تملكه بِالشِّرَاءِ، وَمن هَذَا مَا فِي معاوضات المعيار عَن سَيِّدي مِصْبَاح فِيمَن اشْترى أَرضًا فَسئلَ عَن ثمنهَا فَقَالَ كَذَا، فَلَمَّا أَقَامَ الْبَيِّنَة بابتياعه شهِدت بِأَقَلّ من الثّمن الَّذِي ذكره أَو بِأَكْثَرَ قَالَ: إِنَّه مكذب لبينته فِي الابتياع خَاصَّة على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ وَلَيْسَ مُكَذبا لَهُم فِيمَا يُصدقهُمْ فِيهِ من غير تِلْكَ الْقَضِيَّة إِذْ لَا يجرح الشَّاهِد بِالْكَذِبِ حَتَّى يكون مجرباً عَلَيْهِ اه. ثمَّ ذكر عَنهُ فِي مثلهَا بعد ذَلِك بِنَحْوِ الورقتين أَنه لَا يكون مُكَذبا إِن ادّعى النسْيَان أَو الْغَلَط إِلَّا أَن يكون فِي خصام فَيكون مُكَذبا لِأَنَّهُ مَوضِع التَّحَرُّز اه. وَمِنْه مَا فِي تبصرة اللَّخْمِيّ فِيمَن شهد أَن فلَانا ذبح فلَانا وَشهد الآخر أَنه أحرقه، والمشهود عَلَيْهِ مُنكر الشَّهَادَتَيْنِ فَإِن قَامَ الْأَوْلِيَاء بِالشَّهَادَتَيْنِ بَطل الدَّم، وَإِن قَامُوا بِإِحْدَاهُمَا أَقْسمُوا مَعَه اه. وَإِنَّمَا بطلتا مَعًا إِذا قَامُوا بهما لِأَن من أدلى برسم فَهُوَ قَائِل بِهِ فهم يَقُولُونَ بِلِسَان الْحَال ذبحه أحرقه فقد كذبا كلا مِنْهُمَا وَقد تقدم كثير من هَذَا عِنْد قَوْله. ولانحصار ناشىء الْخِصَام. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الِاسْتِحْقَاق إِن شَاءَ الله عِنْد ابْن رشد فِيمَن أقرّ أَبوهُ أَن الْملك بَينه وَبَين قوم آخَرين وَمَات فَادّعى وَلَده بعد نَحْو السِّتين سنة وَهُوَ يحوزه أَن الْملك خَاص بِأَبِيهِ أَن والمقوم عَلَيْهِ إِن كذب بَيِّنَة الْإِقْرَار وَعجز عَن إِبْطَالهَا أَو صدقهَا وَادّعى أَن أَبَاهُ كَانَ اشْترى حِصَّة غَيره وَعجز عَن إِثْبَات الشِّرَاء وَلَو بِالسَّمَاعِ، فَإِنَّهُ يحكم بِالْملكِ للقائم إِن كَانَ غَائِبا فِي مُدَّة الْحِيَازَة. وَقَوله: وَإِمَّا بِثُبُوت استرعاء وَإِقْرَار إِلَى قَوْله: بالعداوة الْجَار وَالْمَجْرُور من قَوْله على صفة يتنازع فِيهِ استرعاء وَإِقْرَار بالاسترعاء كَأَن يشْهد شَاهِدَانِ بعداوة بَين شُهُود الْحق الْمُقَوّم بِهِ وَبَين الْمَشْهُود عَلَيْهِ فَتسقط شَهَادَة شُهُود الْحق بِشَرْط كَون الْعَدَاوَة دنيوية لَا دينية وبشرط كَونهَا سَابِقَة على تَارِيخ أَدَاء الشَّهَادَة بِالْحَقِّ واتصلت إِلَى حِين أَدَاء الشَّهَادَة بِهَذِهِ الْعَدَاوَة وَالْإِقْرَار أَن يشْهد عَدْلَانِ بِإِقْرَار الْقَائِم صَاحب الْحق بالعداوة بَين شُهُود الْحق وَبَين الْمَشْهُود عَلَيْهِ على الْوَجْه الْمَذْكُور. وَقَوله: وَإِمَّا بِثُبُوت استرعاء مَعْرُوف السَّبَب الخ. المُرَاد بالاسترعاء هُنَا مَعْنَاهُ الْخَاص وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بالاستحفاظ كَمَا يَأْتِي فِي بَاب الصُّلْح إِن شَاءَ الله، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الاسترعاء بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدّم. وَقَوله: مَعْرُوف السَّبَب هُوَ مَا وَقع لأَجله الاستحفاظ من تقية خوف أَو إِنْكَار غَرِيم، فَإِذا كَانَ الاسترعاء فِي الْمُعَاوَضَات من بيع أَو إِجَارَة أَو خلع وَنَحْوه، فَلَا يَكْفِي شَهَادَة الشُّهُود عَلَيْهِ بِأَن مَا يعقده على نَفسه فِي الْمُسْتَقْبل من بيع

стр. 99

وَنَحْوه غير مُلْتَزم لَهُ، وَإِنَّمَا يَفْعَله خوفًا من كَذَا، بل حَتَّى يشْهد الشُّهُود المذكورون أَو غَيرهم بِصِحَّة مَا ذكره من الْخَوْف وَقت البيع أَو الْخلْع أَو الْإِنْكَار وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف التَّبَرُّعَات من عتق وَهبة وَنَحْوهمَا، فَإِنَّهُ يَكْفِي إشهاده بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَله خوفًا من كَذَا، وَلَا يحْتَاج لإِثْبَات التقية، وَالْفرق أَنه فِي الْمُعَاوَضَات أَخذ الْعِوَض فَلَا يصدق فِيمَا يَدعِيهِ من الْخَوْف وَنَحْوه حَتَّى يُثبتهُ بِخِلَاف التَّبَرُّعَات. وَقَوله: أَو بِظُهُور اسْتِحَالَة الخ. أَي بِظُهُور مَا يَسْتَحِيل عَادَة كَأَن يستظهر الْقَائِم برسم يظْهر من تَارِيخه أَن الْمُقَوّم عَلَيْهِ كَانَ وقتئذ لم يُوجد أَو لم يبلغ الْحلم، وَمِنْه مَا فِي المعيار عَن ابْن رشد فِي سبخَة بَين أَرض قوم لم يَدعهَا أحد إِلَى أَن قَامَ رجل وأثبتها لنَفسِهِ بِبَيِّنَة غَرِيبَة من أهل الْموضع فَأنكرهُ أَهله زاعمين أَنَّهَا لَهُم لكَونهَا بَين أراضيهم مجاورة لَهَا فَهِيَ من أفنيتها. وَفِي الْبَلَد نَاس مَضَت عَلَيْهِم أعصار لم يشْهد أحد قطّ بِمثل مَا شهد بِهِ أُولَئِكَ الغرباء قَالَ: إِذا كَانَ فِي الْبَلَد عدُول لَا يدعونَ فِي السبخة حَقًا وَلَا يعْرفُونَ للقائم فِيهَا ملكا بِشَهَادَة الغرباء غير جَائِزَة وَالْوَاجِب أَن تبقى مسرحاً لجميعهم. تَنْبِيه: الاسترعاء بِمَعْنى الاستحفاظ لَا يكون إِلَّا فِي شَهَادَة الأَصْل لَا فِي شَهَادَة الاسترعاء بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدّم فَهُوَ مِمَّا تفترق فِيهِ شَهَادَة الاسترعاء من شَهَادَة الأَصْل زِيَادَة على مَا مرّ وَمِمَّا تفترق فِيهِ أَيْضا أَن الأَصْل يُوقف الْخصم عَلَيْهِ وَيسْأل عَنهُ قبل ثُبُوته لِيُقِر أَو يُنكر، وَلَا يسئل الْمُقدم عَلَيْهِ بالاسترعاء وَلَا يُوقف عَلَيْهِ حَتَّى يثبت كَمَا مرّ، وَإِن الاسترعاء قد يُوجب أحكاماً عَامَّة كثبوت هِلَال رَمَضَان للصيام بِخِلَاف الأَصْل فَلَا يُوجب إِلَّا أحكاماً خَاصَّة، وَأَن الحكم فِي تعَارض الأَصْل مُعَلّق بالتاريخ وَفِي الاسترعاء مُعَلّق بالأعدل من شُهُود الرسمين المتعارضين، وَأَن كل وَثِيقَة قَامَ بهَا الْخصم على خَصمه ولخصمه فِيهَا مَنْفَعَة يرجوها فَإِن لَهُ أَخذ نُسْخَة مِنْهَا بِخِلَاف الاسترعاءات كرسم الإراثة وَنَحْوه فَلَا يلْزمه إِعْطَاء نسختها لِأَن الَّذين شهدُوا بهَا وَبِمَا تضمنته حُضُور فَلهُ أَن يَقُول اذْهَبْ إِلَى من شهد لي يُقيد لَك شَهَادَته كَمَا قيدها لي إِذا كَانُوا حضوراً وَأَنه يستكثر من شُهُوده فِي الترشيد والتسفيه كَمَا يَأْتِي، وَكَذَلِكَ فِي الرَّضَاع عِنْد ابْن الجهم قَالُوا: وَكَذَا يَنْبَغِي فِي كل مَوضِع تكون فِيهِ الشَّهَادَة على الظَّن الْغَالِب الَّذِي لَا سَبِيل فِيهِ إِلَى الْقطع كالتفليس وَحصر الْوَرَثَة والاستحقاق وَالشَّهَادَة لامْرَأَة بغيبة زَوجهَا وَتركهَا بِغَيْر نَفَقَة وَالشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ وَنَحْو ذَلِك، فَإِن لم يُمكنهُ الاستكثار الْمَذْكُور فيكفيه العدلان حَتَّى فِي التسفيه والترشيد كَمَا فِي أقضية الْبُرْزُليّ بِخِلَاف الأَصْل فَإِنَّهُ لَا يطْلب فِيهِ الاستكثار من شُهُوده وَلَو مَعَ الْإِمْكَان، وَلذَا قَالَ ابْن رشد: إِذا طلب البَائِع بِالدّينِ الْإِشْهَاد على مُشْتَرِيه بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ وَامْتنع الآخر فَإِن البَائِع لَا يُجَاب وَأَن شُهُود الاسترعاء يستفسرون عَن شَهَادَتهم بعد أَدَائِهَا دون شُهُود الأَصْل لِأَنَّهُ فِي الأَصْل إِنَّمَا هُوَ حاك عَن غَيره وَأَنه لَا يقبل فِي الاسترعاء إِلَّا الْعدْل المبرز المتيقظ الضَّابِط الْعَارِف بطرق الشَّهَادَة وتحملها وأدائها ومعاني الْأَلْفَاظ وَمَا تدل عَلَيْهِ نصا وظاهراً ومفهوماً قَالَه ابْن أبي الدُّنْيَا. قَالَ: وَهَذَا بِحَسب مَا يدل عَلَيْهِ عقد الاسترعاء فِي فصوله وَمن طول الأمد وقربه لما يعرض فِي طول الأمد من النسْيَان، لَا سِيمَا إِذا كَانَ العقد يتَضَمَّن فصولاً اه. نَقله فِي المعيار وَنَحْوه فِي الْفَائِق قَالَ: وَعَن بعض المفتيين لَا تقبل شَهَادَة الاسترعاء إِذا تَأَخَّرت عَن زمن تحملهَا إلاَّ حفظا من صَدره اه.

стр. 100

قلت: وَهَذَا لَا يجْرِي فِي اللفيف الَّذِي بِهِ الْعَمَل عندنَا إِذْ لَا تُوجد فيهم الْعَدَالَة فضلا عَن التبريز. تُجْمَعُ الآجالُ والتَّفْصِيلُ فِي وَقْتِنَا هـ ﷺ ١٦٤٨ - ; ذَا هُوَ المَعْمُولُ (وَتجمع) بِضَم التَّاء مَبْنِيا للْمَفْعُول (الْآجَال) نَائِبه قَالَ المتيطي: وَله أَن يضْرب لَهُ أَََجَلًا قَاطعا من ثَلَاثِينَ يَوْمًا ويخبره أَنه جمع لَهُ فِي ذَلِك الْآجَال والتلوم حَتَّى يعرف مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ اه. وَانْظُر هَل إخْبَاره بذلك وَاجِب بِحَيْثُ يبطل الحكم إِذا لم يُخبرهُ أم لَا؟ وَهُوَ الظَّاهِر من وَثِيقَة لَهُ فِي أَوَائِل النِّكَاح ذكر فِيهَا مَا نَصه: وأجله وَفقه الله لإِثْبَات عَدمه بِالصَّدَاقِ آجالاً جمعهَا لَهُ مَعَ التَّلَوُّم فِي أحد وَعشْرين يَوْمًا أَولهَا كَذَا شهد على إِشْهَاد القَاضِي الخ. فَلم يذكر فِيهَا أَنه أخبرهُ بِالْجمعِ الْمَذْكُور، فَلَو كَانَ وَاجِبا مَا أمكنه تَركه وَلَا يلْزم من التَّنْصِيص عَلَيْهِ فِي رسم الْآجَال أَن يكون علم بِهِ لِأَن رسم الْآجَال لَا يكون بِيَدِهِ بل بيد الطَّالِب (وَالتَّفْصِيل) للآجال مُبْتَدأ و (فِي وقتنا) يتَعَلَّق بِهِ (هَذَا) نعت لوقت (هُوَ) مُبْتَدأ ثَان (الْمَعْمُول) بِهِ خَبره. وَالْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخَبره خبر الأول، وَيجوز أَن يكون فِي وقتنا يتَعَلَّق بالمعمول أَي وَالتَّفْصِيل للآجال على حسب مَا مرّ فِي وقتنا. هَذَا هُوَ الْمَعْمُول بِهِ عِنْد قُضَاة الْعدْل دون جمعهَا، وَمن ثَمَرَته مَا مرّ من أَنه يوقفه عِنْد تَمام كل أجل. تَنْبِيه: تقدم أَن الْآجَال موكولة لاجتهاد الْحُكَّام وَأَن التَّفْصِيل الْمَذْكُور لَا يجب الْوُقُوف عِنْده، لَكِن الْمُنَاسب لما مر عِنْد قَوْله وَقَول سَحْنُون بِهِ الْيَوْم الْعَمَل الخ. من ضعف عَدَالَة قُضَاة الْوَقْت أَن لَا يقبل مِنْهُم أقل من هَذِه التحديدات الْمَذْكُورَة، وَأَنه إِن حكم عَلَيْهِ بعد أَن أَجله بِأَقَلّ وعاجله بالحكم والمحكوم عَلَيْهِ يطْلب مَا وَجب لَهُ على التَّفْصِيل الْمَار ينْقض حكمه وتعجيزه إِن أَتَى بِحجَّة لأَنهم إِنَّمَا استحسنوا التحديدات الْمَذْكُورَة وَعمِلُوا بهَا رفعا للتهم فَكَمَا لَا يقبل قَول قَاضِي الْوَقْت: حكمت بعد أَن أجلت وَنَحْوه كَمَا مرّ كَذَلِك لَا يقبل قَوْله اجتهدت فِي قدر أَجله إِذْ لَيْسَ هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد، وَلذَا صرح غير وَاحِد بِأَن الْعَمَل على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم. وَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم فِي التَّوَقُّف فَلَا غنى عَن أجل مَضْرُوب. (فصل فِي الْإِعْذَار) مصدر أعذر إِذا بَالغ فِي طلب الْعذر. وَقَالَ الْمبرد فِي مَعَاني الْقُرْآن: يُقَال أعذر الرجل إِذا أَتَى بِعُذْر صَحِيح، وَمِنْه الْمثل: من أنذر فقد أعذر أَي قد بَالغ فِي الْعذر من تقدم إِلَيْك فأنذرك، وَمِنْه أعذر القَاضِي إِلَى من ثَبت عَلَيْهِ حق فِي الْمَشْهُود بِهِ. وَفِي الْعرف قَالَ ابْن عَرَفَة: سُؤال الْحَاكِم من توجه عَلَيْهِ مُوجب حكم هَل لَهُ مَا يسْقطهُ اه. وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة

стр. 101

الهدهد: لأعذبنه عذَابا شَدِيدا﴾ (النَّمْل: ٢١) الْآيَة. فَجعل لَهُ عذرا إِذا أَتَاهُ بسُلْطَان مُبين وَقَوله تَعَالَى: وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى﴾ (الْإِسْرَاء: ٥١) إِلَى غير ذَلِك. ويعذر فِي الْمُزَكي والمزكى وَكَذَا فِي شُهُود الْخط وَيُسمى ذَلِك للْمَشْهُود عَلَيْهِ. وَاخْتلف هَل يَقُول لَهُ دُونك فجرح وَإِلَّا حكمت أَو لَا يَقُول لَهُ ذَلِك؟ ثَالِثا: إِن كَانَ قبولهم بالتزكية، وَرَابِعهَا لِابْنِ الْقَاسِم يَقُول ذَلِك لمن لَا يدريه كَالْمَرْأَةِ والضعيف. وَقَبْلَ حُكْمٍ يَثْبُتُ الإعْذَارُ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَذَا المُخْتَارُ (وَقبل حكم) يتَعَلَّق بقوله (يثبت) بِفَتْح أَوله وَضم ثالثه بِمَعْنى يجب أَي يُثَاب على فعله ويعاقب على تَركه (الْإِعْذَار) فَاعله أَي يجب الْإِعْذَار للخصم عِنْد إِرَادَة الحكم عَلَيْهِ فَهُوَ قريب من كَلَام ابْن عَرَفَة (بشاهدي عدل) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف لَا بيثبت الْمَذْكُور كَمَا يَأْتِي إِلَّا أَن يُرِيد بِهِ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أَي أطلقهُ على الْوُجُوب قبل الحكم وعَلى الثُّبُوت الْحَقِيقِيّ بعده أَي يجب على الْحَاكِم قبل حكمه الْإِعْذَار بقوله لمن توجه عَلَيْهِ الحكم أبقيت لَك حجَّة أَو هَل لَك مَا يُحَقّق دعواك وَيثبت الْإِعْذَار بذلك عِنْد التَّنَازُع فِيهِ بشاهدي عدل فمعمول الْإِعْذَار مَحْذُوف وَالْعَامِل فِي الْجَار على الْوَجْه الأول كَذَلِك كَمَا ترى، وَيدل لحذف الْعَامِل فِي الْجَار قَوْله بعده وَشَاهد الْإِعْذَار الخ، تَأمل، فيستفاد مِنْهُ حِينَئِذٍ أَن الحكم من غير تقدم إعذار بِمَا ذكر بَاطِل وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ شَرط صِحَة فِيهِ على الْمَذْهَب لحق الله وَمَا للبناني من أَنه إِنَّمَا يبطل إِذا خلا من الْإِعْذَار رَأْسا لَا قبل الحكم وَلَا بعده فِيهِ نظر يعلم بِالْوُقُوفِ على مَسْأَلَة الترجالي فِي أنكحة المعيار، وعَلى مَا فِي نَوَازِل الضَّرَر مِنْهُ وَأَن الْإِعْذَار لَا يثبت بِمُجَرَّد قَول القَاضِي أعذرت فحكمت بل حَتَّى تشهد بذلك بَيِّنَة كَمَا مرّ عِنْد قَوْله وَقَول سَحْنُون بِهِ الْيَوْم الْعَمَل الخ. وَتعلق الْجَار بيثبت الْمَذْكُور مَعَ إِطْلَاقه على حَقِيقَته لَا يُفِيد مَا ذَكرْنَاهُ كَمَا يعلم بِالتَّأَمُّلِ إِذْ لَا دَاعِي لإثباته قبل الحكم إِذْ لَا نزاع فِيهِ حَتَّى يطْلب إثْبَاته. نعم إِذا قُلْنَا التَّأْجِيل إعذار وَاخْتلف فِيهِ قبل الحكم فَيمكن ذَلِك وَسَيَأْتِي أَنه يعْذر لَهُ ابْتِدَاء وانتهاء. وَالْحَاصِل أَنه تَارَة يتفقان على أَن الحكم وَقع قبل الْإِعْذَار وَتارَة يَخْتَلِفَانِ فَيَقُول القَاضِي: مَا حكمت حَتَّى أعذرت لَك، فَلم تأت بِحجَّة، وَأنكر الْمَحْكُوم عَلَيْهِ الْإِعْذَار لَهُ وَفِي كل مِنْهُمَا خلاف وَالْمُعْتَمد بطلَان الحكم فيهمَا حَتَّى يثبت الْإِعْذَار وَلذَا قَالَ: (وَذَا) أَي مَا ذكر من كَون الْإِعْذَار وَاجِبا قبل الحكم وَكَونه يثبت بِشَاهِدين هُوَ (الْمُخْتَار) الْمَعْمُول بِهِ خلافًا لمن قَالَ أَنه يحكم أَولا وَبعد ذَلِك يعْذر للمحكوم عَلَيْهِ فَإِن أبدى مطعناً وَإِلَّا اسْتمرّ الحكم عَلَيْهِ، وَلمن قَالَ يثبت الْإِعْذَار بِمُجَرَّد قَول القَاضِي وَإِن لم يعلم إِلَّا من قَوْله كَمَا فِي التَّبْصِرَة وَغَيرهَا فَإِن ذَلِك كُله ضَعِيف لم يَصْحَبهُ عمل، وَلذَا احْتَاجَ النَّاظِم إِلَى نفي الْإِعْذَار فِي شَاهده فَقَالَ: وَشَاهد الْإِعْذَار الخ. وَعلله بالتسلسل إِذْ لَو كَانَ قَول القَاضِي فِيهِ مَقْبُولًا لم يعلله بذلك فَقَوله الْمُخْتَار رَاجع

стр. 102

لثُبُوت الْإِعْذَار ولوجوبه قبل الحكم كَمَا قَررنَا لَا لتثنية شَاهِدي عدل لِأَنَّهُ كَمَا يثبت بالشاهدين يثبت بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد على الْمُعْتَمد، ثمَّ إِذا أعذر لَهُ بِمَا مرّ فَإِن ذكر حجَّة أَجله للإتيان بهَا على حسب مَا مرّ، وَإِن ذكر أَن لَهُ بَيِّنَة بعيدَة كالعراق وَالْمغْرب من الْمَدِينَة أَو مصر حكم عَلَيْهِ وَكتب فِي كِتَابه وَمَتى أحضرها فَهُوَ على حجَّته. قَالَ فِي الشَّامِل: وَلَو أَحْلف خَصمه بِدُونِ حَاكم وَله بَيِّنَة بعيدَة فَلهُ الْقيام أَي بهَا إِذا قدمت وَلَا مَفْهُوم لقَوْله بِدُونِ حَاكم بل بالأحرى إِذا أحلفه بحاكم كَمَا فِي النكت، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ الْقيام إِذا أحلفه بِدُونِ حَاكم لِأَنَّهُ لَو رفع الْأَمر للْحَاكِم لم يفعل غير ذَلِك. تَنْبِيهَات. الأول: فهم من كَلَام ابْن عَرَفَة والناظم أَن الْإِعْذَار بقوله: أَلَك حجَّة وَنَحْوه قد يَتَعَدَّد لِأَنَّهُ مُعَلّق على توجه الحكم وَهُوَ قد يتَوَجَّه مرَارًا فَيتَوَجَّه من أول الْأَمر كَمَا لَو ادّعى عَلَيْهِ بدين مثلا، فَأنكرهُ، فَالْحكم قد توجه على الطَّالِب فيعذر لَهُ بِمَا ذكر، فَإِذا ادّعى حجَّة وَأجل للإتيان بهَا وانقضى أَجله الأول وَأَوْقفهُ أعذر لَهُ بذلك أَيْضا، وَهَكَذَا إِلَى انْقِضَاء الْآجَال والتلومات فيعذر لَهُ بذلك أَيْضا، وَكَذَا يُقَال فِي الْمَطْلُوب إِن ادّعى مطعناً فِيمَا أثْبته الطَّالِب ففائدته أَولا ليعلم مَا عِنْده من أدعائها أَو نَفيهَا، وَفَائِدَته أخيراً ليظهرها إِن أَتَى بهَا أَو يُبْدِي عذرا يُوجب تَأْخِيره كَمَا مرّ، وليظهر عَجزه إِن لم يَأْتِ بِشَيْء فَيشْهد عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْإِتْيَان أَو ادِّعَاء نَفيهَا فَيَقَع الحكم مَعَ تبين اللدد أَو مَعَ عَدمه وَنَحْو ذَلِك كَمَا مرّ فِي الْآجَال، وَيدل لما ذَكرْنَاهُ قَول ابْن سهل وَغَيره لَا بدّ للْقَاضِي أَن يَقُول للمتخاصمين أخيراً أبقيت لَكمَا حجَّة اه. وَحِينَئِذٍ فَلَا بدّ أَن يَقُول فِي رسم التسجيل لما تحاكم الخصمان أَعْلَاهُ وانصرمت الْآجَال والتلومات الثَّابِتَة أَعْلَاهُ أَو حوله وَلم يَأْتِ المتأجل بِشَيْء اقْتضى نظر قَاضِي كَذَا وَهُوَ الخ إِن حكم على فلَان المتأجل الْمَذْكُور بِكَذَا بعد أَن أعذر لَهُ بأبقيت لَك حجَّة فادعاها أَو نفاها حكما لَازِما قطع بِهِ شغبه وَأوجب الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ أشهد على إشهاده بِمَا ذكر وَهُوَ بِحَيْثُ يجب لَهُ ذَلِك وعَلى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ عَنهُ الخ. فَالْحكم بَاطِل إِن خلا من الْإِعْذَار بِمَا ذكر وَلم يشْهد بِهِ الْغَيْر كَمَا مرّ. وَقَوْلنَا فادعاها أَو نفاها الخ. يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَول (خَ) ثمَّ لَا تسمع بَيِّنَة أَن عَجزه قَاض مدعي حجَّة وظاهرها الْقبُول إِن أقرّ على نَفسه بِالْعَجزِ اه. وَسَيَأْتِي تَمام هَذَا فِي الْفَصْل بعده إِن شَاءَ الله وَلَا يُعَارض مَا مرّ عَن ابْن سهل وَغَيره قَول النَّاظِم: وَمن أَلد فِي الْخِصَام الخ. لِأَن هَذَا لما علم لدده وَأَنه يدعيها وَإِلَّا لما فر، وَأَيْضًا الفار متسبب بفراره فِي إِسْقَاط حَقه. الثَّانِي: فهم من قَوْله الْإِعْذَار الَّذِي هُوَ طلب الْعذر كَمَا مرّ أَنه لَا يكون فِي شَهَادَة ورسم

стр. 103

ناقصين كَمَا لَا يُكَلف بِجَوَاب الدَّعْوَى النَّاقِصَة كَمَا مرّ لِأَن الْعذر مَوْجُود حِينَئِذٍ فَطَلَبه من طلب تَحْصِيل مَا هُوَ حَاصِل، وَلذَا قَالَ ابْن سهل وَغَيره: والإعذار لَا يكون إِلَّا بعد اسْتِيفَاء الشُّرُوط وَتَمام النّظر والإعذار فِي شَيْء نَاقص لَا يفِيدهُ، وَكَذَا الْخطاب بِالْقبُولِ وَالْأَدَاء لَا يكون فِي شَيْء نَاقص كَمَا يَأْتِي فِي أول الْفَصْل بعده. الثَّالِث: إِذا قَامَ الْمُسْتَحق وَأثبت أَن فلَانا غصبه أملاكاً وباعها ثمَّ بَاعهَا المُشْتَرِي مِنْهُ لآخر فالإعذار يكون للْمُشْتَرِي الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمْلَاك وَتَكون الْخُصُومَة مَعَه خَاصَّة فَإِن أَتَى بمدفع فَذَاك وإلاَّ رَجَعَ على بَيْعه وينتقل الْإِعْذَار لَهُ فَيُطَالب بالمدفع الَّذِي كَانَ يُطَالب بِهِ المُشْتَرِي مِنْهُ وَهَكَذَا حَتَّى يصل إِلَى الأول قَالَه فِي أقضية الْبُرْزُليّ، وَيَأْتِي مثله فِي الِاسْتِحْقَاق إِن شَاءَ الله، ثمَّ إِذا أنكر الْمَحْكُوم عَلَيْهِ والمتأجل الْإِعْذَار والتأجيل فاستظهر الْمَحْكُوم لَهُ بعدلين عَلَيْهِمَا فَسَأَلَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ الْإِعْذَار لَهُ فِي شاهديهما، فَإِن الْمُنكر لذَلِك لَا يُجَاب كَمَا قَالَ: وشاهِدُ الإعْذَارِ غَيْرُ مَعْمَلِ فِي شَأْنِهِ الإعْذَارُ لِلتَّسَلْسُلِ (وَشَاهد الْإِعْذَار) مُبْتَدأ (غير معمل) خَبره (فِي شَأْنه) يتَعَلَّق بِهِ (الْإِعْذَار) نَائِب فَاعل معمل لِأَنَّهُ اسْم مفعول بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة (للتسلسل) يتَعَلَّق باسم الْمَفْعُول الْمَذْكُور. وَبَيَانه: أَنه لَو مكن من ذَلِك لم يكن بُد من إِشْهَاد شَاهِدين على ذَلِك ثمَّ يجْحَد الْإِعْذَار ثَانِيًا وَيسْأل الْإِعْذَار فِي شاهديه، وَهَكَذَا كلما أعذر لَهُ بِشَاهِدين جحد. وَقَالَ: اعذر لي فِيمَن شهد بِهِ، وَنَظِيره مَا تقدم فِي كَون القَاضِي إِن لم يسْتَند لعلمه فِي الشُّهُود لزم التسلسل، وَإِن كَانَ القَاضِي يُمكنهُ قطع التسلسل اللَّازِم فِي عدم استناده إِلَى علمه بتزكية شَاهِدين مشهورين عِنْد النَّاس بِالْعَدَالَةِ كَمَا مرّ، فَهُنَا لَا يُمكن ذَلِك وَتَقْرِير (م) لَهُ بِأَنَّهُ لَو مكن من ذَلِك لجرحهما فَيبْطل الْإِعْذَار وَيبْطل الحكم بِبُطْلَانِهِ لِأَنَّهُ مُتَوَقف على الْإِعْذَار وَالْفَرْض أَن لَهُ تجريح شَاهده فيتعذر الحكم أبدا الخ. فِيهِ نظر فَإِن تَقْرِير التسلسل بِهَذَا الْمَعْنى يُؤَدِّي إِلَى نفي الْإِعْذَار من أَصله فِي كل شَيْء لَا فِي خُصُوص شَاهِدي الْإِعْذَار لِأَن كل مَعْذُور فِيهِ يُمكن تجريحه. وَقَول (ت) إِن التسلسل الْمَذْكُور يَنْقَطِع بالإعذار بالمبرزين وَإنَّهُ إِنَّمَا يمْنَع فِي العقليات الخ. يُرِيد بِأَن المبرز يغلب تعذره كَمَا يَأْتِي وَبِأَنَّهُ يقْدَح فِيهِ بالعداوة والقرابة كَمَا يقْدَح فِيهِ بِغَيْرِهِمَا على الْمُخْتَار عِنْد اللَّخْمِيّ وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا فِي (خَ) وشراحه، وَبِأَن التسلسل الْمَذْكُور بِالْمَعْنَى الَّذِي قدمْنَاهُ عَقْلِي كَمَا لِابْنِ

стр. 104

عَرَفَة راداً بِهِ على ابْن عبد السَّلَام فِي التسلسل اللَّازِم على عدم استناد القَاضِي لعلمه، ثمَّ إِن كَلَام النَّاظِم هُنَا شَامِل لكل مَا أشهد بِهِ القَاضِي على نَفسه من إعذار أَو تَأْجِيل أَو ثُبُوت أَو إبرام حكم وَنَحْو ذَلِك، فَإِن الْإِعْذَار فِي ذَلِك كُله يُؤَدِّي للتسلسل الْمَذْكُور. أَلا ترى أَنه إِذا أعذر لَهُ فِي شَاهِدي الحكم مثلا وَعجز عَن الطعْن فيهمَا فَحكم بعجزه أنكر الْعَجز وَقَالَ لَهُ: اعذر لي فِي شاهديه وَهَكَذَا وَلَا يدْخل مَا هُنَا فِي قَوْله: وَلَا الَّذِي بَين يَدَيْهِ قد شهد. الخ. . لِأَنَّهُ فِيمَا أقرّ بِهِ أحد الْخَصْمَيْنِ بَين يَدَيْهِ وَلَا يلْزم من عدم الْإِعْذَار فِيمَا أقرّ بِهِ بَين يَدَيْهِ عَدمه فِيمَا أشهد بِهِ على نَفسه، لِأَن التُّهْمَة فِي الشَّهَادَة وعَلى النَّفس أقوى، أَلا ترى أَنه فِي الْإِقْرَار يكون شَاهدا بِهِ عِنْد الْغَيْر بِخِلَاف الآخر، فَإِنَّهُ شَهَادَة على فعل النَّفس لَا تقبل فالمسألتان متباينتان، وَقد تقدم أَن قَول (خَ) وَلَا تقبل شَهَادَته بعده أَي بعد الْعَزْل أَنه قضى بِكَذَا أَنه لَا مَفْهُوم للظرف، بل كَذَلِك قبل الْعَزْل على الْمُعْتَمد، وَلَا فرق بَين أَن يكون قَوْله ذَلِك على وَجه الْخطاب أَو الشَّهَادَة، وَلَو كَانَ قَوْله مَقْبُولًا مَا احْتَاجَ النَّاظِم إِلَى تَعْلِيل نفي الْإِعْذَار بالتسلسل، فالتعليل بِهِ جَار فِي القَاضِي المشهد بالإعذار وَنَحْوه، وَفِي الَّذِي أَتَى بعده كَمَا هُوَ ظَاهر وَالله أعلم. وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا يَأْتِي من وجوب إِعْطَاء النُّسْخَة من الحكم لِأَنَّهُ لم يَأْخُذهَا من جِهَة الْإِعْذَار فِي شاهديه، بل ليراجع فصوله عِنْد أهل الْعلم وليعلم هَل صَادف فِيهِ الصَّوَاب أم لَا وإلاَّ فَهُوَ مقرّ بِوُقُوع الحكم عَلَيْهِ. وَلَا الذِي وَجَّهَهُ الْقَاضِي إِلَى مَا كَانَ كالتحْلِيفِ مِنهُ بَدلا (وَلَا) الْوَاو عاطفة على معنى الْبَيْت الْمُتَقَدّم وَلَا لتأكيد النَّفْي أَي لَا يعْمل الْإِعْذَار فِي شَأْن شَاهد الْإِعْذَار وَلَا (الَّذِي وَجهه القَاضِي إِلَى) يتَعَلَّق بِوَجْهِهِ (مَا) مَوْصُولَة (كَانَ) صلتها وَاسْمهَا عَائِد على مَا (كالتحليف) خَبَرهَا، وأدخلت الْكَاف الموجه للحيازة والموجه لآخذ الْمَرْأَة بشرطها وتطليق نَفسهَا والموجه للنَّظَر فِي الْعُيُوب وتقويم الْمَسْرُوق هَل فِيهِ نِصَاب فَيقطع أَو لَا؟ وتقويم الْمُتْلفَات لتغرم وَنَحْو ذَلِك، وَلَكِن عدم الْإِعْذَار فِي الموجه للعيب والتقويم إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الطعْن فِيهِ لَا من جِهَة معارضته بِشَهَادَة أُخْرَى أقوى مِنْهُ أَو سُؤال أهل الْعلم عَن فُصُول شَهَادَته فيعذر لَهُ من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وأدخلت أَيْضا الموجه للأعذار لمريض أَو مسجون أَو امْرَأَة لَا تخرج، وَإِنَّمَا لم يعْذر فِيمَن وَجه إِلَى من ذكر لِأَن القَاضِي أَقَامَهُ مقَام نَفسه وَجعله (مِنْهُ بَدَلا) مفعول لأَجله فَيُفِيد أَن عدم الْإِعْذَار إِنَّمَا هُوَ لأجل مَا ذكر أَو حَال من الَّذِي، وَمِنْه يتَعَلَّق بِهِ وَلَا يلْزمه تَسْمِيَته إِذْ مَا لَا إعذار فِيهِ وَلَا فَائِدَة فِي تَسْمِيَته قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة، قَالَ: وَقد قيل لَا يسْقط الْإِعْذَار فِي الموجهين للتحليف وبالأول الحكم وَالْعَمَل قَالَ: وَكَذَا الْإِعْذَار فِي الموجهين للأعذار إِلَى مَرِيض وَنَحْوه وَلَا فِي الموجهين للحيازة. ابْن سهل: وَسَأَلت ابْن عتاب عَن ذَلِك فَقَالَ: لَا إعذار فِيمَن وَجه للأعذار ويعذر فِي الموجهين للحيازة. قَالَ ابْن الْهِنْدِيّ: وَبِه جرى الْعَمَل وَقد اخْتلف أَيْضا فِي ذَلِك اه. وَفهم مِنْهُ أَنه إِذا لم يُوَجه من قبل القَاضِي إِلَى ذَلِك فِيهِ الْإِعْذَار وَهُوَ كَذَلِك وَفهم من قَوْله مِنْهُ بَدَلا أَن عدم الْإِعْذَار إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ الَّذِي وجههما هُوَ الْحَاكِم

стр. 105

فِي الْقَضِيَّة، فَإِن عزل أَو مَاتَ بعد التَّوْجِيه أَو قبل الحكم وَتَوَلَّى غَيره وَقُلْنَا يبْنى على مَا فعل الأول كَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْل بعده فالإعذار وَاجِب لانْتِفَاء الْعلَّة. وَلَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ شَهِدْ وَلَا اللَّفِيفُ فِي الْقَسَامَةِ اعتُمِدْ (وَلَا) عاطفة كَالَّتِي قبلهَا أَي وَلَا يعْمل أَيْضا فِي شَأْن الشَّاهِد (الَّذِي بَين يَدَيْهِ) يتَعَلَّق بقوله (قد شهد) بِفَتْح الشين وَكسر الْهَاء صلَة الَّذِي وَالضَّمِير فِي يَدَيْهِ يعود على القَاضِي أَي شهد بِإِقْرَار الْخَصْمَيْنِ أَو أَحدهمَا بَين يَدي القَاضِي، والظرف يتَعَلَّق بِإِقْرَار الْمَعْمُول لشهد لَا لنَفس شهد، فالظروف يتوسع فِيهَا وَإِن تقدّمت على الْمصدر الْمَحْذُوف أَي: فَإِن الْخصم إِذا أنكر وَطلب الْإِعْذَار فِي شَاهِدي الْإِقْرَار لَا يُجَاب بل يحكم عَلَيْهِ بِمُقْتَضى الْإِقْرَار من غير إعذار فِي شاهديه لمشاركته فهما فِي سَماع الْإِقْرَار. ابْن سهل: وَيُؤَيِّدهُ قَول مَالك فِي سَماع أَشهب فِي الْقَوْم يشْهدُونَ عِنْد القَاضِي ويعدلون عِنْده هَل يَقُول للْمَشْهُود عَلَيْهِ دُونك فجرح؟ فَقَالَ: إِن فِي ذَلِك لتوهيناً للشَّهَادَة وَلَا أرَاهُ إِذا كَانَ عدلا أَو عدل عِنْده أَن يفعل قَالَ: فقد أسقط مَالك الْإِعْذَار هَهُنَا فِيمَن عدل عِنْده، فَكيف فِيمَن هُوَ عِنْده عدل وَشهد عِنْده بِمَا اسْتَوَى فِيهِ علم الشُّهُود وَعلمه مِمَّا سَمعه فِي مَجْلِسه، وَإِن كَانَ لم يصحب هَذِه القولة يَعْنِي قولة مَالك بِعَدَمِ الْإِعْذَار فِي الْمعدل بِالْفَتْح عمل قَالَ: بل الْعَمَل فِي الْمعدل بِالْفَتْح على الْإِعْذَار فِيهِ بالتجريح وَغَيره هُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة وَابْن نَافِع وَسَحْنُون وشاهدت بِهِ الْقَضَاء بِإِجْمَاع من أدركنا من الْعلمَاء اه بِنَقْل المتيطي أَوَائِل النِّكَاح، وَبِه تعلم أَن الَّذِي أسقط فِيهِ مَالك الْإِعْذَار هُوَ الْمعدل بِفَتْح الدَّال، لَكِن لم يصحب قَوْله عمل لَا الْمعدل بِالْكَسْرِ أَي مزكي السِّرّ كَمَا فهمه (ت) وبناني فِي حَاشِيَته مؤولاً بِهِ كَلَام ابْن سهل الَّذِي اختصر زَرُّوق فَهُوَ غلط نَشأ لَهما من ظنهما أَن الَّذِي يَصح بِهِ الاستشهاد هُوَ الْمعدل بِالْكَسْرِ، لِأَنَّهُ الَّذِي لَا إعذار فِيهِ مَعَ أَن ابْن سهل لم يتَكَلَّم عَلَيْهِ أصلا، وَإِنَّمَا اسْتشْهد بقول مَالك بِعَدَمِ الْإِعْذَار فِي الْمعدل بِالْفَتْح، وَإِن كَانَ قَوْله بذلك ضَعِيفا لَكِن فِيهِ تَقْوِيَة لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِعْذَار فِيمَا وَقع بَين يَدَيْهِ كَمَا ترى، وَرُبمَا أشعر قَوْله قد شهد الخ أَنه أَدَّاهَا بذلك الْمجْلس بِعَيْنِه لِأَنَّهَا لَا تسمى شَهَادَة إِلَّا بِالْأَدَاءِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا إعذار فِيهِ على الْمَشْهُور كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة. قَالَ: وَأما إِن كتبُوا مقَالَته وَوَضَعُوا أَسْمَاءَهُم عَلَيْهَا ثمَّ شهدُوا بهَا بعد أَيَّام من تَارِيخ تِلْكَ الْمقَالة أَو حفظوا مقَالَته فِي الْمجْلس دون أَن يكتبوا شَهَادَتهم عَلَيْهَا، ثمَّ يؤدونها عِنْده بعد ذَلِك الْمجْلس فَإِنَّهُ يعْذر إِلَى الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِذا أنكر مقَالَته تِلْكَ من غير خلاف أعلمهُ فِي هذَيْن الْوَجْهَيْنِ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْوَجْه الأول اه. وَنَقله صَاحب التَّبْصِرَة عَن الْمُفِيد.

стр. 106

تَنْبِيهَانِ. الأول: يفهم من هَذَا أَن عدم الْإِعْذَار إِنَّمَا هُوَ إِذا نَص الشُّهُود على أَن الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار وَقع بِالْمَجْلِسِ، وَنَصّ القَاضِي أَيْضا أَن الْأَدَاء وَقع بذلك الْمجْلس فَيَقُول مثلا: أديا بِمَجْلِس الْإِقْرَار أَعْلَاهُ الخ. وَإِلَّا فَمن أَيْن لنا أَن كلاًّ من الْإِقْرَار وَالْأَدَاء وَقع بِالْمَجْلِسِ حَتَّى يسْقط الْإِعْذَار فِي ذَلِك عِنْد هَذَا الْحَاكِم أَو عِنْد من بعده وَالله أعلم. الثَّانِي: مَا اقْتصر عَلَيْهِ النَّاظِم من عدم الْإِعْذَار فِي شَاهِدي الْمجْلس صرح المتيطي بمشهوريته كَمَا مرّ، وَبِه قَالَ ابْن الْعَطَّار وَغَيره. وَقَالَ ابْن الفخار: لَا بُد من الْإِعْذَار فيهمَا لِأَن القَاضِي لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ وَلَا بِمَا يقر بِهِ عِنْده دون بَيِّنَة وَلَا بِشَهَادَة غير العدلين وَهُوَ يعلم أَن مَا شَهدا بِهِ حق فَإِذا كَانَ هَكَذَا فَكيف يقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا من غير إعذار وَكَيف ينْكَشف عِنْد الْإِعْذَار أَنَّهُمَا غير عَدْلَيْنِ بِإِثْبَات عَدَاوَة أَو فسق؟ ابْن سهل: وَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْقيَاس الصَّحِيح المطرد لمن قَالَ: إِن القَاضِي لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ وَلَا بِمَا سمع فِي مجْلِس نظره، لَكِن الَّذِي قَالَه ابْن الْعَطَّار بِهِ جرى الْعَمَل وَهُوَ عِنْدِي الِاسْتِحْسَان ويعضده قَول مطرف وَابْن الْمَاجشون وَبِه أَخذ سَحْنُون أَنه يقْضِي بِمَا سمع فِي مجْلِس نظره اه. فقد علمت من هَذَا أَن سُقُوط الْإِعْذَار فِي مَسْأَلَة النَّاظِم لَا يتمشى إِلَّا على قَول سَحْنُون وَمن مَعَه دون الْمَشْهُور من قَول مَالك وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب: من أَن القَاضِي لَا يحكم بِمَا سَمعه كَمَا رَأَيْته فِي كَلَام ابْن سهل وَابْن الفخار. وَبَيَانه: أَنه إِذا أسقط الْإِعْذَار فيهمَا قَالَ الْخصم: إِنَّمَا أردْت أَن تحكم عَليّ بعلمك، وَزَعَمت أَنه شهد عَليّ شَاهِدَانِ ومنعتني من تسميتهما والإعذار فيهمَا فَمَا ذَاك إِلَّا لتتوصل إِلَى الحكم بعلمك بل بهواك، فَالْبَيِّنَة حِينَئِذٍ مُسْتَغْنى عَنْهَا لوجودها فِي الصُّورَة فَقَط وَلَو سَمَّاهَا وَأبْدى مطعناً لم يقبل مِنْهُ فَلم يبْق سَبَب لحكمه إِلَّا مُجَرّد علمه، وَقد تقدم قَوْله: وَعلمه بِصدق غير الْعدْل لَا الخ. فالجاري على مَذْهَب مَالك وَابْن الْقَاسِم أَنه لَا بُد من الْإِعْذَار كَمَا قَالَ ابْن الفخار. قَالَ ابْن مُحرز: وَهُوَ الظَّاهِر وَإِذا تَأَمَّلت مَا مرّ عِنْد قَوْله وَقَول سَحْنُون بِهِ الْيَوْم الْعَمَل الخ. علمت أَن الْوَاجِب فِي زَمَاننَا هَذَا هُوَ الْإِعْذَار وَأَن مَا قَالَه النَّاظِم وَغَيره يجب كتمه بِالنِّسْبَةِ لقضاة الزَّمَان إِذْ مَا شَاءَ حَاكم أَن يحكم بِرَأْيهِ إِلَّا زعم أَنه أقرّ عِنْده فِي مَجْلِسه، وَشهد على إِقْرَاره شَاهِدَانِ وَأَنه لَا يلْزمه الْإِعْذَار فيهمَا وَلَا تسميتهما لِأَنَّهُ لَو سَمَّاهَا وأتى بمطعن لَا يقبل، وَلَو صَحَّ مَا ذكر هُنَا لبطل قَوْله فِيمَا مر وَعلمه بِصدق الخ. ولصح قَوْله وَقَول سَحْنُون الخ لِأَن الْأَمر آل هُنَا إِلَى حكمه بِعِلْمِهِ كَمَا ترى وكما يَأْتِي عِنْد قَوْله: والفحص من تِلْقَاء قَاض قنعا فِيهِ بِوَاحِد فِي الْأَمريْنِ مَعًا وَلذَا كَانَ الْقُضَاة الْيَوْم يُعْطون النّسخ من أحكامهم وتأجيلاتهم وإعذاراتهم وَالله أعلم. (وَلَا) عاطفة كَالَّتِي قبلهَا أَي وَلَا يعْمل فِي (اللفيف فِي الْقسَامَة) يتَعَلَّق بقوله (اعْتمد) وَالْجُمْلَة

стр. 107

حَال من اللفيف أَي حَال كَونه اعْتمد عَلَيْهِ فِي الْقسَامَة وَجعل لوثاً فِيهَا وَهُوَ أحد قَوْلَيْنِ. مشهورهما أَنه لَيْسَ بلوث وعَلى مُقَابِله درج النَّاظِم فِي الدِّمَاء حَيْثُ قَالَ فِي أَمْثِلَة اللوث: أَو بِكَثِير من لفيف الشهدا. الخ. وَفهم من قَوْله فِي الْقسَامَة أَنه لَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي غَيرهَا وَالْعَمَل بفاس على جَوَاز شَهَادَته فِي الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَغَيرهمَا فَيثبت بهَا الدَّم وَغَيره ويقتص من الْقَاتِل بهَا مَعَ الْقسَامَة حَيْثُ بلغ اللفيف اثْنَي عشر فَأكْثر على مَا هُوَ مُبين فِي شرح اللامية وَغَيرهَا وَمعنى عدم الْإِعْذَار فِيهِ أَنه لَا يقبل التجريح فِيهِ بِكُل مَا يجرح بِهِ الْعدْل من مطل وَحلف بِعِتْق وَطَلَاق وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ مَدْخُول فِيهِ على عدم الْعَدَالَة. نعم لَا بُد فِيهِ من ستر الْحَال فَلَا يقبل تَارِك الصَّلَاة وَلَا المجاهر بالكبائر من كَثْرَة كذب وَإِظْهَار سكر وقمار وسفه ومجون وَلَا مُتَّهم كصديق وَقَرِيب للْمَشْهُود لَهُ أَو عَدو للْمَشْهُود عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَلَا مِمَّن فِيهِ عصبية فَفِي الْبُرْزُليّ قبيل النَّفَقَات أثْنَاء كَلَامه على شَهَادَة اللفيف مَا نَصه: شاع وذاع فِي الْعَامَّة أَن يشْهد بَعضهم لبَعض على وَجه الْإِعَانَة واستخلاص الْحُقُوق ويستند بَعضهم إِلَى خبر بعض من غير تَحْقِيق علم اه. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الدِّمَاء عِنْد قَوْله: أَو بِكَثِير من لفيف الشهدا. الخ … ثمَّ لَا بُد من استفساره لِأَنَّهُ قَائِم مقَام تزكيته، وَسَوَاء كَانَ فِي الرَّسْم إِجْمَال أَو احْتِمَال أم لَا لِأَن كل من لَا يكْتب شَهَادَته لَا بُد من استفساره لفيفاً أَو غَيره إِذْ لَعَلَّ الْكَاتِب كتب مَا لم يشْهد بِهِ وَهُوَ من حق الْخصم على عمل الفاسيين. وَصفته: أَن يقْرَأ الرَّسْم الْمُقَيد عَنْهُم أَولا على كل وَاحِد مِنْهُم إِن لم يحضروا جَمِيعًا أَو على جَمِيعهم إِن حَضَرُوا كلهم قِرَاءَة تفهم، فَإِذا كملت قِرَاءَته سَأَلَهُ عَن أَدَاء شَهَادَته كَيفَ يُؤَدِّيهَا وَعَن مُسْتَند علمه فِيهَا فَإِذا أجَاب بِشَيْء كتبه بِلَفْظِهِ حرفا حرفا وَلَو ملحوناً ويسأله عَن كل فصل يتَوَقَّف تَمام الشَّهَادَة عَلَيْهِ على حِدته فَيَقُول لَهُ: مَا علمك فِي هَذَا الْفَصْل وَفِي هَذَا وَلَا يكْتب عَلَيْهِ أَنه أسقط فصلا من فصولها بِمُجَرَّد سُكُوته عَنهُ كَمَا يَفْعَله كثير من جهلة الْعُدُول، بل حَتَّى يسْأَله عَنهُ بِخُصُوصِهِ وَلَا يُحَقّق فِيهِ شَيْئا وَإِن غلط فَلَا يؤاخذه بِهِ كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وخصم إِن يعجز الخ. وَهَكَذَا يفعل فِي الثَّانِي وَالثَّالِث حَتَّى يَأْتِي على الْأَخير وَإِن رَجَعَ بَعضهم كتب ذَلِك. وَإِن امْتنع من الْأَدَاء كتب يشْهد من يضع اسْمه أَثَره أَنه حضر بِموضع كَذَا وَسَأَلَ الشَّاهِد أَعْلَاهُ أَو حوله عَن شَهَادَته فَامْتنعَ من أَدَائِهَا امتناعاً كلياً فَمن عاين امْتِنَاعه الْمَذْكُور قَيده فِي كَذَا، فَإِذا ثَبت امْتِنَاعه سَقَطت شَهَادَته كامتناع الْعدْل من أَدَائِهَا. وَقيل: يهدد الْمُمْتَنع فَإِذا لج فِي الِامْتِنَاع جَازَت شَهَادَته، ثمَّ إِذا كمل الاستفسار وَوَافَقَ أَدَاؤُهُ مَا قيد عَنْهُم أَولا ثبتَتْ شَهَادَتهم وَيبقى المدفع فيهم بالعداوة وَترك الصَّلَاة وَنَحْوهَا مِمَّا مرّ لَا بِكُل قَادِح لِأَنَّهُ مَدْخُول فيهم على عدم تَمام الْعَدَالَة كَمَا مرّ، وَإِن خَالف أَدَاؤُهُ شَهَادَته أَولا سَقَطت الأولى وَالثَّانيَِة وَالْمُعْتَبر فِي الْمُخَالفَة اخْتِلَاف الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، وَإِن بَقِي إِجْمَال بعد الاستفصال بغفلة مِمَّن بحثهم عَنهُ سئلوا عَنهُ كَمَا يسْأَل الشَّاهِد عَنهُ بعد أَدَاء شَهَادَته كَمَا فِي المعيار قَالَ فِيهِ وَمَا يتحيل بِهِ الشُّهُود من سُؤال الشَّاهِد المستفسر عَن أَشْيَاء تغلطه من الْفساد، بل الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الرِّوَايَة أَن القَاضِي يسْأَله عَمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الحكم وَلَا يشْتَرط حُضُور الْمَشْهُود عَلَيْهِ للاستفسار كَمَا لَا يجب على الْمَشْهُود لَهُ جلبهم لَهُ وَإِن كَانُوا من الْبَادِيَة مثلا، وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ أَن يعينهم للمطلوب وشأنه باستفسارهم قَالَه العبدوسي وَغَيره، ثمَّ إِذا مَاتَ الشُّهُود أَو غَابُوا قبل الاستفسار فَإِنَّهُ يحكم بِشَهَادَتِهِم حَيْثُ كَانَت خَالِيَة من الْإِجْمَال وَالِاحْتِمَال لِأَن الأَصْل

стр. 108

استمرارها وَعدم وجود مَا يُبْطِلهَا فَإِذا كَانَ فِيهَا إِجْمَال فَفِي الْبُرْزُليّ عَن أبي عمرَان يستفسر الشُّهُود إِذا قَالُوا: هَذِه الدَّابَّة لفُلَان هَل يعلمُونَ أَنه بَاعهَا أم لَا؟ فَإِن غَابُوا حكم بِشَهَادَتِهِم، وَقيل: إِذا كَانُوا من أهل الْعلم وإلاَّ فَلَا اه. وَاخْتلف إِذا كَانُوا حضوراً وَلم يقم الْمَشْهُود لَهُ بهَا حَتَّى مَضَت سِتَّة أشهر فَأكْثر، وَالَّذِي بِهِ الْعَمَل أَن الرَّسْم إِذا جَاوز الْمدَّة الْمَذْكُورَة وَادّعى الْخصم فِيهِ مطعناً من غير الاستفسار مكن مِنْهُ، وَأما إِن طلب نُسْخَة للاستفسار فَإِنَّهُ لَا يُمكن وَيحكم بِهِ كَذَلِك من غير استفسار قَالَه أَبُو زيد التَّالِي. وَنَقله سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي، وَفِي المعيار جرى عمل بعض قُضَاة الْمغرب باستحسان ترك الاستفسار بعد مُضِيّ سِتَّة أشهر من أَدَاء الشَّهَادَة مُعْتَلًّا بِأَن هَذِه مَظَنَّة النسْيَان. زَاد فِي الْفَائِق مَا نَصه: وَبَعْضهمْ يَقُول بِاعْتِبَار سِتَّة أشهر إِن أَدَّاهَا إِثْر تحملهَا، وَأما إِن طَال زمن تحملهَا ثمَّ زعم نسيانها بعد سِتَّة أشهر من أَدَائِهَا فَإِنَّهُ لَا يقبل قَالَ: وَهَذِه كلهَا استحسانات خَارِجَة عَن الْأُصُول اه. وَمَفْهُوم قَوْله من أَدَائِهَا أَنهم إِذا مَاتُوا أَو غَابُوا قبل الْأَدَاء لَا يعْمل بهَا وَهُوَ الَّذِي نَقله بعض الثِّقَات عَن المجاصي وَأَنه رفعت إِلَيْهِ بَيِّنَة اللفيف على عين بلد لأَوْلَاد ابْن بكار وَهِي غير مُؤَدَّاة وَلها نَحْو الثَّمَانِينَ سنة فَلم يحكم بهَا اه. وَهَذَا ظَاهر إِن كَانَ الْأَدَاء غير الاستفسار كَمَا فِي (ت) فِي شرح اللامية: وإلاَّ فالمعمول بِهِ الْيَوْم أَن القَاضِي يَكْتَفِي بِمَا قَيده المتلقي عَنْهُم وَيكْتب عقب أَدّوا أَو شهدُوا لَدَى من قدم لذَلِك فَثَبت الخ. وَلَا يطالبهم بِالْأَدَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قدم المتلقي للتلقية وَالْأَدَاء، وَحِينَئِذٍ فَيعْمل بِهِ حَيْثُ كتب القَاضِي شهدُوا وأدوا وَلَو طَال الزَّمَان وَمَا قَالَه المجاصي لَعَلَّه مَبْنِيّ على أَن الْأَدَاء لَا يكون إِلَّا عِنْد القَاضِي أَي فيؤدون عَلَيْهِ بعد التلقية، ثمَّ إِن طلب الاستفسار استفسروا وَهُوَ الَّذِي لأبي الْحسن، وَمن الْمَعْلُوم أَن الِاسْتِحْسَان مقدم على الْقيَاس، وَلذَا عول عَلَيْهِ ناظم الْعَمَل الْمُطلق فَقَالَ: واستحسنوا إِن مر نصف عَام من الْأَدَاء ترك الِاسْتِفْهَام وَفِي جَوَاب لسيدي عَليّ بن هَارُون مَا نَصه: جرى الْعَمَل بالتحديد فِي نُسْخَة الاستفسار بِسِتَّة أشهر مَعَ الْعلم فَإِن زَادَت الْمدَّة فَلَا تُعْطى فِيهَا نُسْخَة وتعطى مُطلقًا مَعَ عدم الْعلم، وَالْقَوْل قَول من لَهُ الْحق فِي ذَلِك أَنه لَا علم عِنْده وَلَوْلَا ذَلِك لضاعت الْحُقُوق اه. قلت: وَلَعَلَّ هَذَا القَوْل الْمفصل هُوَ الَّذِي أصَاب الْمفصل. تَنْبِيهَات الأول: الشَّاهِد غير المبرز الَّذِي لَا يعرف مَا تصح بِهِ الشَّهَادَة حكمه حكم اللفيف فِي وجوب الاستفسار عَن كَيْفيَّة علمه بِمَا شهد بِهِ كَمَا فِي التَّبْصِرَة، وَظَاهره كَانَ فِي الْوَثِيقَة إِجْمَال أم لَا. وَأما الْعدْل المبرز الْعَارِف بِمَا تصح بِهِ الشَّهَادَة فَلَا يستفسر حَيْثُ لَا إِجْمَال مُطلقًا، وَأما المبرز غير الْعَالم بِمَا تصح بِهِ الشَّهَادَة فيستفسر إِذا أبهم أَو أجمل كَالَّذي قبله كشهادته بِأَن الْمَرْأَة اخْتلعت من زَوجهَا وسلمت لَهُ فِي جَمِيع صَدَاقهَا ومطالبها ثمَّ قَامَت بعد ذَلِك تطالبه بِحَق خَارج عَن مطَالب الزَّوْجِيَّة زاعمة أَن تَسْلِيمهَا إِنَّمَا وَقع فِيمَا يرجع للزوجية فَهُنَا يسْأَل الشَّاهِد عَمَّا شهد بِهِ وَعَما فهمه من حَال الْمَرْأَة عِنْد الشَّهَادَة هَل مَا ادَّعَتْهُ الْآن أَو مَا ادَّعَاهُ الزَّوْج عَلَيْهَا من التَّعْمِيم قَالَه سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي. قلت: وَيفهم مِنْهُ أَن الْخلاف بَين ابْن رشد وَابْن الْحَاج الْمشَار لَهُ بقول اللامية: وَإِن عمم الْإِبْرَاء وَالْخلْع سَابق الخ. إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يُحَقّق الشَّاهِد عِنْد الاستفسار شَيْئا أَو تعذر استفساره لمَوْته أَو غيبته وإلاَّ فَالْعِبْرَة بِمَا حَقَّقَهُ الشَّاهِد اتِّفَاقًا مِنْهُمَا فتحققه منصفاً.

стр. 109

الثَّانِي: لَا بُد فِي الاستفسار من شَاهِدين يسألان اللفيف عَمَّا شهدُوا بِهِ وَلَا يَكْفِي الْوَاحِد لأَنهم إِن ثبتوا على شَهَادَتهم على نَحْو مَا قيدها عَنْهُم الْأَوَّلَانِ فسماع هَذَا مِنْهُم زَائِد لَا عِبْرَة بِهِ، وَإِن رجعُوا عَنْهَا فَلَا يثبت رجوعهم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد قَالَه الزياتي فِي نوازله عَن سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي قَالَ: وَأما السماع من اللفيف فَعمل المراكشيين على أَنه لَا بُد من اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ كالنقل، وَعمل الفاسيين على الِاكْتِفَاء بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ من بَاب الْأَدَاء وَالسَّامِع مِنْهُ نَائِب عَن القَاضِي فِي ذَلِك، فَيشْهد اللفيف عِنْد عدل عينه القَاضِي نصا أَو بِعُمُوم الْإِذْن لَهُ فِي تحمل الشَّهَادَات، فَإِذا أدّى اللفيف لَدَيْهِ كتب مضمن شَهَادَتهم فِي رسم وأرخه ثمَّ كتب أَسْمَاءَهُم عقب التَّارِيخ ثمَّ يطالع القَاضِي بذلك فَيكْتب بِخَطِّهِ عقب أسمائهم شهدُوا لَدَى من قدم لذَلِك لموجبه فَثَبت فَقَوله: شهدُوا أَي اللفيف لَدَى أَي عِنْد من قدم أَي قدمه القَاضِي لسَمَاع الْبَينَات بِإِذن خَاص أَو عَام، فالفاعل الَّذِي حول عَنهُ الْإِسْنَاد هُوَ القَاضِي لذَلِك أَي لسَمَاع الْبَينَات اللفيفية لموجبه أَي لموجب تَقْدِيمه لذَلِك لكَونه عدلا صَالحا لذَلِك، ولضرورة استنابة القَاضِي إِيَّاه فِي ذَلِك لعسر مُبَاشرَة القَاضِي فَثَبت أَي أداؤهم أَي أَدَاء اللفيف عِنْد من ذكر، ثمَّ يكْتب بعد ذَلِك رسم التسجيل عقبه فِيهِ إِشْهَاد القَاضِي بِثُبُوت ذَلِك الرَّسْم عِنْده. الثَّالِث: مَا مر من أَن الرَّسْم يقْرَأ على اللفيف عِنْد إِرَادَة الاستفسار هُوَ مَا وقفت عَلَيْهِ لغير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين، وَأما غير اللفيف فَقَالَ فِي التَّبْصِرَة شَهَادَة الاسترعاء لَا بُد أَن يستحضرها الشُّهُود من غير أَن يرَوا الْوَثِيقَة إِذا كَانَت الْوَثِيقَة مَبْنِيَّة على معرفَة الشُّهُود كشهادتهم بمعاينة الْغَصْب والحيازة وَنَحْوهمَا، فَإِذا رأى الْحَاكِم رِيبَة من إِجْمَال أَو احْتِمَال توجب التثبت، فَيَنْبَغِي أَن يَقُول لَهُم مَا تَشْهَدُون بِهِ فَإِن ذكرُوا بألسنتهم مَا فِي الْوَثِيقَة وَإِلَّا ردهَا. قَالَ: وَأما إِن كَانَت الْوَثِيقَة منعقدة على إِشْهَاد الشَّاهِدين، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُؤَاخذ الشُّهُود بِحِفْظ مَا فِي الْوَثِيقَة وحسبهم أَن يَقُولُوا: إِن شَهَادَتهم فِيهَا حق وَلَا يمسك القَاضِي الْكتاب ويسألهم عَنْهَا اه بِبَعْض اخْتِصَار وَزِيَادَة إِيضَاح. وَظَاهره أَن المنعقدة على إِشْهَاد الشَّاهِدين لَا استفسار فِيهَا وَلَو مَعَ إِجْمَال أَو احْتِمَال لِأَن الشَّاهِد حِينَئِذٍ إِنَّمَا حكى قَول الْمُتَعَاقدين وَهُوَ مُخَالف لما مرّ فِي مَسْأَلَة الْخلْع من أَنهم يسْأَلُون عَمَّا فهموه من حَال الْمُتَعَاقدين ومخالف لما نَص عَلَيْهِ ابْن لب فِي جَوَاب لَهُ نَقله الشَّارِح وَغَيره عِنْد قَوْله: وَالزَّوْج حَيْثُ لم يجدهَا بكرا. الخ. قَائِلا مَا نَصه الْوَاجِب فِي شَأْن اتِّصَال تِلْكَ الْعِصْمَة أَن يستفسر شُهُود التفاصل والانفصال فَإِن كَانُوا قد فَهموا من الزَّوْج الطَّلَاق وأدوا على ذَلِك فَهُوَ كَذَلِك وَإِن فَهموا بَقَاء الْعِصْمَة وأدوا على ذَلِك قلدوا وَحلف الزَّوْج أَنه مَا أَرَادَ طَلَاقا اه. وَهَذَا من أدل دَلِيل على دُخُول الاستفسار فِي شَهَادَة الأَصْل خلافًا لمن وهم من بعض شُيُوخنَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة رَاجع إِلَى الشَّهَادَة بالفهم وَفِي إعمالها نزاع تقدم عِنْد قَوْله: وَلَيْسَ بالجائز للْقَاضِي إِذا. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله عِنْد قَوْله: وغالب الظَّن الخ … إِن الشَّهَادَة بِمَا يفهم من الْقَرَائِن وَالْأَحْوَال لَا تقبل إِلَّا من المبرز فِي علم الْحَقَائِق وَأَيْنَ هُوَ، وَلذَا لم يذكر فِي الْفَائِق وجوب الاستفسار إِلَّا فِي شُهُود الاسترعاء فَقَالَ: إِن عمل الْقُضَاة جرى باستفسار شُهُود الاسترعاء عَن شَهَادَتهم وَبعد أَدَائِهَا عَن فُصُول الْوَثِيقَة ومضمونها الخ. وَيفهم مِنْهُ وَمِمَّا مر أَنهم لَا يستفسرون عَمَّا لَيْسَ من فُصُول الْوَثِيقَة كسؤالهم عَن وَقت الْوَاقِعَة ومكانها وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يضر جَهله كَمَا يَفْعَله بعض الْقُضَاة الْيَوْم، بل ذَلِك من الْفساد كَمَا مرّ، وَإِنَّمَا استحسنوا

стр. 110

ذَلِك فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَة كَمَا قَالَ (خَ) وَندب سُؤَالهمْ كالسرقة مَا هِيَ وَكَيف أخذت الخ. . بل ذكر شراحه عِنْد قَوْله فِي الْقسَامَة، وَإِذا اخْتلف شاهداه بَطل أَن شُهُود اللوث لَا يلْزمهُم بَيَان الزَّمَان وَالْمَكَان وَنَحْوهمَا، وَإِذا كَانَ هَذَا فِيمَا يُوجب الْقَتْل فَكيف بِهِ فِي غَيره. الرَّابِع: مَا مرّ من أَن الْعبْرَة فِي الْمُخَالفَة اخْتِلَاف الْمَعْنى لَا اللَّفْظ هُوَ الَّذِي صرح بِهِ من لَا يُحْصى مِمَّن تكلم على شَهَادَة اللفيف فَلَا يرد مَا لِابْنِ الْهِنْدِيّ فِي وثائقه من أَن شَهَادَة الأبداد لَا تعْمل شَيْئا إِذا شهد كل وَاحِد مِنْهُم بِغَيْر نَص مَا شهد بِهِ صَاحبه وَإِن اتّفقت شَهَادَتهم فِي الْمَعْنى اه. لِأَن كَلَامه فِي الْعُدُول العارفين بمعاني الْأَلْفَاظ وصيغها واللفيف لَا يَتَأَتَّى مِنْهُم ذَلِك فِي الْغَالِب على أَنه قد ورد عَن مَالك مَا يدل على جَوَازهَا فَفِي أَحْكَام ابْن سهل عَن الإِمَام مَالك فِي شَاهِدين شهد أَحدهمَا فِي منزل أَنه مسكن هَذَا وَشهد آخر أَنَّهَا حيزه فَقَالَ: هِيَ شَهَادَة وَاحِدَة وَلَا تفرق، وَقد يكون الْكَلَام فِي الشَّهَادَة مُخْتَلفا، وَالْمعْنَى وَاحِد فأراهما قد اجْتمعَا على الشَّهَادَة، قَالَ سَحْنُون: معنى حيزه أَنه ملكه وَحقه وَفِي التَّقْرِيب على التَّهْذِيب: لَو شهد رجل أَن زيدا بَاعَ سلْعَته من عَمْرو وَشهد آخر بإقرارهما بِالْبيعِ فشهادتهما كَامِلَة لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنى قد اجْتمعَا على نقل الْملك اه. والأبداد: بدالين مهملتين التَّفَرُّق وَمِنْه قَوْلهم بدد الله شَمل الْعَدو. وَلَا الكَثِيرُ فِيهِمُ العُدُولُ والْخُلْفُ فِي جَمِيعها مَنْقُولُ (وَلَا الْكثير) مَعْطُوف على مَا مرّ (فيهم) خبر (الْعُدُول) مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة حَال، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره ابْن سهل فِي مَسْأَلَة أبي الْخَيْر الملقب لزندقته بِأبي الشَّرّ شهد عَلَيْهِ بأنواع كَثِيرَة من الزندقة الْوَاضِحَة عدد كثير ثبتَتْ عَدَالَة نَحْو الْعشْرين مِنْهُم وَأكْثر من ضعفهم استظهاراً، فَأفْتى قَاضِي الْجَمَاعَة مُنْذر بن سعيد وَإِسْحَاق بن إبراهم وَأحمد بن مطرف بقتْله دون إعذار وَحكم بِهِ وَلم يلْتَفت إِلَى من قَالَ بالإعذار لَهُ، وَظَاهر إِطْلَاق النَّاظِم أَن الْإِعْذَار مُنْتَفٍ مَعَ الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة فِي الْأَمْوَال وَغَيرهَا لِأَنَّهُ إِذا انْتَفَى فِي الدِّمَاء مَعَ خطرها فَكيف بِهِ فِي الْأَمْوَال وَهُوَ كَذَلِك؟ قَالَ ابْن سهل عقب نَقله لفتوى من أفتى بقتل الزنديق الْمَذْكُور مَا نَصه: وَالْحق أَن من تظاهرت الشَّهَادَة عَلَيْهِ فِي إلحاد أَو غَيره هَذَا التظاهر فالإعذار إِلَيْهِ مَعْدُوم الْفَائِدَة، وَفهم من قَوْله الْكثير أَنهم إِذا لم يكثروا يعْذر فيهم وَهُوَ كَذَلِك قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَأما الْآجَال فِي حق الزَّنَادِقَة فمذهب الْمُحَقِّقين أَن الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِن استفاضت عَلَيْهِ الْأُمُور الْمُوجبَة للْقِيَام عَلَيْهِ فَلَا يعْذر إِلَيْهِ وَلَا يضْرب لَهُ أجل، وَإِن كَانَ على اخْتِلَاف ذَلِك فَإِنَّهُ يُؤَجل شهرا لدفع الْبَيِّنَة، فَإِن طلب أَََجَلًا آخر ورجى ثُبُوت
следующие страницы →