Полный текст (1 359 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
فالضرب الخ. وَكَذَا الْمُعسر الَّذِي لَهُ أصُول وَأجل لبيعها فَلم يفعل بعد السجْن فَإِنَّهُ يضْرب أَيْضا إِذْ كل من لم يفد فِيهِ السجْن يضيق عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ. تَنْبِيه: بِمَنْزِلَة مَعْلُوم الملاء من أقرّ بالملاء ثمَّ ادّعى الْعَدَم فَفِي ابْن فتوح كتب الموثقين أَن الْمَدِين مَلِيء بِالْحَقِّ الَّذِي ثَبت عَلَيْهِ حسن فَإِن ادّعى الْعَدَم لم يصدق وَإِن قَامَت لَهُ بِهِ بَيِّنَة لِأَنَّهُ قد كذبهَا إِلَّا أَن تشهد بَيِّنَة بعطب حل بِهِ بعد إِقْرَاره، وَفِي وثائق الفشتالي والمعيار: أَن عدم قبُول الْبَيِّنَة بِالْعدمِ مِمَّن اعْترف بالملاء هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ، ويسجن أبدا حَتَّى يُؤَدِّي دينه أَو تبيض عَيناهُ مَا لم تقم بَيِّنَة بطروء آفَة أذهبت مَاله بِنَهْب أَو سَرقَة أَو احتراق اه. وَانْظُر مَا قدمْنَاهُ فِي التَّنْبِيه السَّابِع عِنْد قَوْله: وَالْخلْع سَائِغ الخ. وخامس الْأَقْسَام قَوْله: وَحَيْثُما يُجْهَلُ حَالُ مَنْ طُلِبْ وَقصَدَ اخْتبارُهُ بِمَا يَجِبْ (وحيثما يجهل حَال من طلب) بدين هَل هُوَ مَلِيء أَو معدم فَإِنَّهُ يسجن إِلَى ثُبُوت فقره مَا لم يَأْتِ بحميل بِوَجْهِهِ فَإِن أَتَى بِهِ لم يسجن وَأخر لإِثْبَات عسره فَإِن أنقضى الْأَجَل وَلم يُثبتهُ أَو لم يَأْتِ بحميل أول الْأَمر فَلَا بُد من اختباره بالسجن والتضييق عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: (وَقصد اختباره بِمَا يجب) من السجْن الْمَذْكُور، وَلَعَلَّ لَهُ مَالا أخفاه وَلَكِن حَبسه يخْتَلف بقلة المَال وكثرته كَمَا قَالَ: فَحَبْسُهُ مِقْدَارَ نِصْفِ شَهْرِ إنْ يَكُنْ الدَّيْنُ يَسِير القَدْرِ (فحسبه مِقْدَار نصف شهر إِن يكن الدّين يسير الْقدر) كالدريهمات كَمَا فِي الْمُقدمَات. والحَبْسُ فِي تَوَسُّطِ شَهْرَان وضعفُ ذين فِي الخَطِير الشّانِ (والحَبْسُ فِي توَسط) أَي فِي المَال الْمُتَوَسّط بَين الْقلَّة وَالْكَثْرَة (شَهْرَان وَضعف دين) وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر فَيحْبس (فِي) المَال (الخطير الشان) وَوجه ذَلِك أَنه يحبس لاختبار حَاله، فَوَجَبَ أَن يكون على قدر الْحق الَّذِي عَلَيْهِ وَلم يذكرُوا للخطير حدا، وَلَعَلَّه يخْتَلف باخْتلَاف النَّاس قَالَه (ت) فَإِذا انْقَضى نصف الشَّهْر أَو الشهران فِي الْمُتَوَسّط أَو الْأَرْبَعَة فِي الْكثير سرح من السجْن وخلي سَبيله (خَ) : وَأخرج الْمَجْهُول إِن طَال حَبسه بِقدر الدّين والشخص. وَحَيْثُ جاءَ قبلُ بالْحميلِ بِالْوَجْهِ مَا لِلسِّجْنِ منْ سَبِيلِ (وَحَيْثُ جَاءَ) الْمَجْهُول وَمثله ظَاهر الملاء (قبل) أَي قبل حَبسه (بالحميل بِالْوَجْهِ) وَطلب التَّأْجِيل ليثبت عَدمه ف (مَا للسجن من سَبِيل) بل يُؤَجل، فَإِذا انْقَضى الْأَجَل وَلم يثبت مَا ادَّعَاهُ حبس حِينَئِذٍ للاختبار كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ أول التَّقْرِير (خَ) : وَحبس لثُبُوت عسره إِن جهل حَاله وَلم
стр. 1192
يسئل الصَّبْر لَهُ بحميل بِوَجْهِهِ الخ. وَإِنَّمَا يحبس فِي مُجَرّد الدَّعْوَى بعد حلف الْمُدَّعِي أَن مَا ادَّعَاهُ حق كَمَا مر. عِنْد قَوْله: وضامن الْوَجْه على من انكرا دَعْوَى امرىء خشيَة ان لَا يحضرا الخ وَسِلعةُ المِدْيان رهنا تُجْعَلُ وَبَيْعُهَا عَلَيْهِ لَا يُعَجَّلُ (وسلعة الْمديَان) يُرِيد رب الدّين تَعْجِيل بيعهَا عَلَيْهِ وَطلب رَبهَا أَن لَا تفوت عَلَيْهِ وتوضع رهنا ويؤجل أَيَّامًا فَينْظر فِي الدّين فَإِن رَبهَا يُجَاب إِلَى ذَلِك، و (رهنا تجْعَل وَبَيْعهَا عَلَيْهِ لَا يعجل) لما فِي التَّعْجِيل من الضَّرَر بِهِ. وَحَقُّهُ مَعْ ذَاكَ أنْ يُؤَخَّرَا بِحَسَب المالِ لِما القاضِي يَرَا (وَحقه مَعَ ذَاك) أَي مَعَ جعلهَا رهنا (أَن يؤخرا) أَََجَلًا (بِحَسب المَال) قلَّة أَو كَثْرَة (لما القَاضِي يرى) بِاجْتِهَادِهِ. هَذَا الَّذِي جرى بِهِ الحكم وَمضى بِهِ الْعَمَل، وتدل عَلَيْهِ الرِّوَايَات عَن مَالك وَأَصْحَابه قَالَه ابْن رشد. وَتقدم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة من تَتِمَّة الْقسم الثَّانِي، بل لَو اسْتغنى بِهِ عَنْهَا لكفاه لِأَنَّهُ إِذا كَانَ يُؤَجل من غير رِضَاهُ بجعلها رهنا فأحرى مَعَ رِضَاهُ بذلك. تَنْبِيه: فِي نَوَازِل الْبُرْزُليّ مَا نَصه: كتب إِلَى شُيُوخ قرطبة فِيمَن عَلَيْهِ دين وَله أصُول مَأْمُونَة فَسَأَلَ تَأْخِيره حَتَّى يَبِيع الْأُصُول هَل يعْطى حميلاً بِالْوَجْهِ على مَا يُفْتِي بِهِ أهل طليطلة؟ فَأجَاب ابْن عتاب: يلْزمه حميل بِالْمَالِ كَانَ لَهُ أصُول أَو لم يكن، وَبِه جرى الْعَمَل. قَالَ: وَيلْزم الْحميل وَلَو كَانَ بيد الطَّالِب رهن حَتَّى ينصفه وَهُوَ مَذْهَب الشُّيُوخ، وَأفْتى ابْن مَالك إِن كَانَ الْمَطْلُوب مَعْرُوف الْعين ظَاهر الملاء فَلَا أرى الْحميل بِالْأَمر اللَّازِم اه. وَإِلَى الأول أَشَارَ (خَ) بقوله: وَأجل لبيع عرضه إِن أعْطى حميلاً بِالْمَالِ كَمَا مر، وَإِنَّمَا نَقَلْنَاهُ لما فِيهِ من زِيَادَة الْفَائِدَة وَهِي أَنه يلْزمه الضَّامِن بِالْمَالِ وَلَو كَانَ بيد الطَّالِب رهن وتأمله مَعَ قَوْله بعد. سُئِلَ سَحْنُون عَمَّن وَجب عَلَيْهِ غرم مَال؟ فَقَالَ: هَذَا ربعي لم أجد من يَشْتَرِيهِ فَطلب مِنْهُ الطَّالِب حميلاً بِالْوَجْهِ فَقَالَ: لَا حميل عَلَيْهِ إِذا بذل من نَفسه ذَلِك وَلم يتهم، فَإِن زعم الطَّالِب أَنه يَقُول للْمُشْتَرِي: لَا تشتري
стр. 1193
فَإِن الْحَاكِم يشيده ثمَّ يَبِيعهُ بِالْخِيَارِ رَجَاء الزِّيَادَة اه. وَلَكِن مَا أفتى بِهِ ابْن مَالك وَقَالَهُ سَحْنُون هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عمل فاس قَالَ ناظمه: وَمن بدين قد أقرّ بسجن إِن لم يجىء برهن أَو من يضمن وَإِذا جعله رهنا وأشاده الْحَاكِم للْبيع بعد انْقِضَاء مَا أَجله إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يجْرِي على قَول (خَ) : وَعجل بيع الْحَيَوَان وَاسْتوْفى بعقاره كالشهرين الخ. وَقد تقدم أَنه إِذا انْقَضى الشهران يُبَاع وَلَو لم يبلغ الْقيمَة لِأَنَّهُ غَايَة الْمَقْدُور، وَكَذَا قَالَ ابْن رشد فِي بيع ربع الْيَتِيم للنَّفَقَة عَلَيْهِ اه. وَالحَبْسِ لِلْمُلِدِّ وَالمُتَّهَمْ إِلَى الأداءِ أَوْ ثُبُوتِ العَدَمْ (وَالْحَبْس للملد وَالْمُتَّهَم) يسْتَمر (إِلَى الْأَدَاء أَو ثُبُوت الْعَدَم. ولَيْسَ يُنْجِيه مِن اعتقالِ إلاَّ حميلٌ غارمٌ للمالِ و) إِن وعد بِقَضَاء ف (لَيْسَ ينجيه من اعتقال. إِلَّا حميل غَارِم لِلْمَالِ) هَذَا هُوَ ظَاهر الملاء الْمُتَقَدّم، وَظَاهره أَنه لَا بُد لَهُ من حميل بِالْمَالِ وعد بِالْقضَاءِ أَو سَأَلَ التَّأْجِيل لثُبُوت عسره، وَهَذَا قَول سَحْنُون. وَاقْتصر عَلَيْهِ فِي الْمُقدمَات وَابْن سَلمُون، وتبعهما النَّاظِم. وَلَكِن الْمَشْهُور التَّفْصِيل بَين أَن يعد بِالْقضَاءِ فيؤجل بالحميل بِالْمَالِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ (خَ) : وَإِن وعد بِالْقضَاءِ وَسَأَلَ تَأْخِيرا كَالْيَوْمِ أعْطى حميلاً بِالْمَالِ وَبَين أَن يسْأَل التَّأْجِيل لثُبُوت عسره فبحميل بِالْوَجْهِ عِنْد ابْن الْقَاسِم وَهُوَ الرَّاجِح. وَقَالَ سَحْنُون بِالْمَالِ أَيْضا. قَالَ ابْن سهل: وَأما من ظَاهره الملاء وَلم يعلم ملاؤه وَلَكِن يتهم على إخفاء المَال فَقَالَ سَحْنُون وَغَيره: يسجن حَتَّى يتَبَيَّن أمره. قَالَ سَحْنُون: وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ حميل بِالْوَجْهِ وَلَكِن بِالْمَالِ. قَالَ ابْن الْقَاسِم: يُؤْخَذ مِنْهُ الْحميل، وفهموه على أَنه يُرِيد حميل الْوَجْه، وَاخْتلف فِي قَول ابْن الْقَاسِم وَسَحْنُون فَقيل خلاف، وَقيل وفَاق. فَيحمل قَول سَحْنُون على إِنَّه كَانَ ملداً ظَاهر الملاء. وَقَول ابْن الْقَاسِم على غَيره اه. وَنَقله فِي التَّوْضِيح ودرج عَلَيْهِ فِي الشَّامِل فَقَالَ: وَمن تفالس وَظَاهره الملاء سجن أَيْضا وَلَو شهِدت بَيِّنَة بفقره إِن لم تزك وَحَيْثُ يقبل مِنْهُ الْحميل فَهَل بِمَال أَو وَجه؟ وَرجح قَولَانِ وَهل الْقَوْلَانِ على ظاهرهما أَو الأول للملد وَالثَّانِي لغيره؟ خلاف اه. ابْن رحال: الرَّاجِح فِيمَا يظْهر لنا أَنه وفَاق بِدَلِيل اقْتِصَار العبدوسي عَلَيْهِ اه. وَقد علمت من هَذَا أَن الرَّاجِح قَول ابْن الْقَاسِم وَإِن كَانَ فِي الْمُقدمَات اقْتصر على قَول سَحْنُون وَتَبعهُ ابْن سَلمُون والناظم وَقَررهُ (م) وَمن تبعه على ظَاهره، وَقد علمت أَيْضا أَن هَذَا لَيْسَ قسما زَائِدا على الْأَقْسَام الْمُتَقَدّمَة، وَأَن جعلهم الْمَجْهُول يَنْقَسِم إِلَى مُتَّهم وَغَيره غير سديد إِذْ لم يقلهُ أحد لِأَن الملد الْمُتَّهم غير الْمَجْهُول إِذْ لَا يحكم عَلَيْهِ باللدد والتهمة حَتَّى يكون ظَاهره يُخَالف دَعْوَاهُ وَهُوَ ظَاهر الملاء حِينَئِذٍ وَالله أعلم.
стр. 1194
وَبِالْجُمْلَةِ: فالأقسام ثَلَاثَة: مَجْهُول الْحَال، وَظَاهر الملاء وَعنهُ عبر ابْن رشد بالملد وَالْمُتَّهَم، وَمَعْلُوم الملاء وَيدخل فِيهِ الْمُعسر الَّذِي لَهُ عرُوض كَمَا مر التَّنْبِيه عَلَيْهِ، فَإِن كَانَ ثَابت الْعَدَم من أول الْأَمر كَانَت الْأَقْسَام أَرْبَعَة، وَلِهَذَا كَانَ الأولى للناظم حذف الأول من هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَيذكر ثَانِيهمَا عقب قَوْله: وَلَا يُؤَخر، ويحذف أَيْضا قَوْله: أَو مُعسر لِأَنَّهُ دَاخل فِي قَوْله: وَمن على الْأَمْوَال قد تقعدا الخ. كَمَا يحذف أَيْضا قَوْله: وَحَبْسُ مَنْ غَابَ عَلى المَالِ إِلَى أدَائِهِ أَوْ مَوْتِهِ مُعْتَقِلا (وَحبس من غَابَ على المَال) مُسْتَمر (إِلَى أَدَائِهِ أَو مَوته معتقلا) إِذْ هُوَ مَعْلُوم الملاء. وَقد تقدم لَهُ حكمه، وَبِالْجُمْلَةِ فقد وَقع للناظم ﵀ فِي هَذِه الأبيات الْخَمْسَة عشر مَعَ الأبيات الثَّلَاثَة بعْدهَا من التَّدَاخُل والإطناب وَعدم التَّرْتِيب والإخلال بِبَعْض الْقُيُود مَا لَا يخفى، وَقد كنت أصلحتها فِي هَذِه الأبيات وَنَصهَا: وَمن عَلَيْهِ الدّين إِمَّا ظَاهر أَو مُبْهَم فِي حَاله أَو مُوسر فَأول يسجن للْأَدَاء مَا لم يكن وعد بِالْقضَاءِ فبحميل الْوَجْه جَاءَ ينظر عَنْهُم بِغَيْر ذَاك لَا يُؤَخر وَإِن يكن سَأَلَ للعدم الاجل فبحميل الْوَجْه فِي القَوْل الْأَجَل وَحَيْثُ جَاءَ الثَّانِي بالحميل بِالْوَجْهِ مَا للسجن من سَبِيل وَإِن يكن عَن الْحميل عَجزه فَوَاجِب بِالسنةِ اختباره فالدين إِن كَانَ يسير الْقدر فسجنه مِقْدَار نصف شهر وَالْحَبْس فِي توسيطه شَهْرَان وَضعف ذين فِي الخطير الشان وثالث بِالضَّرْبِ والسجن حكم وعسره الثَّابِت بعد كَالْعدمِ إِلَّا إِذا أشهد بالذهاب لِلْمَالِ بالحرق والاغتصاب وَإِن أَتَى بضامن فبالأدا حَتَّى يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ قعدا وكل من سَأَلَ تأجيلا لما يَبِيع من عروضه مُلْتَزما فبحميل المَال قد يُؤَجل بِقدر دينه يكون الْأَجَل وَقَوْلنَا: وكل من سَأَلَ الخ. يَشْمَل مَعْلُوم الملاء وَظَاهره ومجهوله إِذْ بِطَلَبِهِ التَّأْجِيل للْبيع علم ملاؤه. وَغَيْرُ أهْلِ الوَفْرِ مَهْمَا قَصَدا تأْخِيرَهُ وَبالقَضَاءِ وَعَدا
стр. 1195
(وَغير أهل الوفر) وَهُوَ فِي اللُّغَة المَال الْكثير، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا مُطلق المَال وَغير أَهله هُوَ ظَاهر الملاء ومجهوله (مهما قصدا) أَي طلب (تَأْخِيره وبالقضاء وَعدا. مُكِّنَ مِنْ ذَاكَ بِضَامِنِ وإنْ لم يأتِ بالضَّامِنِ لِلْمَالِ سُجِنْ مكن من ذَاك بضامن) بِالْمَالِ (وَإِن لم يَأْتِ بالضامن بِالْمَالِ سجن) كَمَا مر فِي قَول (خَ) وَإِن وعد بِقَضَاء وَسَأَلَ تَأْخِيرا كاليومين أعْطى حميلاً بِالْمَالِ وَإِلَّا سجن الخ. وَإِنَّمَا أدخلنا فِي كَلَامه الْمَجْهُول لِأَنَّهُ بوعده بِالْقضَاءِ انْتَفَى جَهله. وَمَنْ لَهُ وَفْرٌ فَلَيْسَ يُضْمَنُ فَإنْ قَضَى الْحَقَّ وَإلاَّ يُسْجَنُ (وَمن لَهُ وفر) وَهُوَ مَعْلُوم الملاء الْمَعْرُوف بالناض (فَلَيْسَ يضمن) وَلَا يُؤَخر (فَإِن قضى الْحق) الَّذِي عَلَيْهِ بذلك الناض فَذَاك (وَإِلَّا) يقضه (يسجن) (خَ) : وَإِن عرف بالناض لم يُؤَخر وَضرب الْمرة بعد الْمرة. وَأَوْجَبَ ابْنُ زَرْبٍ أَنْ يُحَلّفَا مَنْ كَانَ باكْتِسَابِ عَيْنٍ عُرفا (وَأوجب) القَاضِي أَبُو بكر (ابْن زرب أَن يحلفا من كَانَ باكتساب عين عرفا) وهم التُّجَّار لِأَن الْغَالِب على أَحْوَالهم حُضُور الناض، وَتقدم عِنْد قَوْله: أَو مُعسر الخ. أَن هَذِه الْيَمين جَارِيَة على إِيمَان التهم وَالْمَعْرُوف توجهها من غير فرق بَين تجار وَغَيرهم، وَابْن زرب توَسط فِي ذَلِك فأوجبها على التُّجَّار دون غَيرهم. ومُحْمِلُ النَّاسِ عَلَى حَال المَلَا عَلَى الأَصَحِّ وَبِهِ الحُكْمُ خَلا (ومحمل النَّاس على حَال الملا) ء فَمن ادّعى الْعَدَم فَعَلَيهِ إثْبَاته (على الْأَصَح) قَالَه ابْن الْحَاج (وَبِه الحكم) وَالْعَمَل (خلا) وَمضى. وَهَذَا مِمَّا قدم فِيهِ الْغَالِب على الأَصْل لِأَن الْإِنْسَان يُولد وَلَا شَيْء لَهُ لَكِن الْغَالِب عَلَيْهِ التكسب وَصفَة الشَّهَادَة بِالْعدمِ أَن يَقُولُوا: نَعْرِف فلَانا الْمعرفَة التَّامَّة ونشهد بِأَنَّهُ فَقير عديم لَا نعلم لَهُ مَالا ظَاهرا وَلَا بَاطِنا، فَإِن قطع الشُّهُود وَقَالُوا: لَا مَال لَهُ ظَاهرا وَلَا بَاطِنا فَقيل: لَا تجوز لِأَنَّهَا تحمل على ظَاهرهَا من الْبَتّ، وَقيل تجوز وَتحمل على الْعلم، فَإِن صَرَّحُوا بالبت وَالْقطع لم تجز قولا وَاحِدًا قَالَه ابْن رشد. وَقد يغْتَفر للعوام التَّصْرِيح بِالْقطعِ فِيهَا قِيَاسا على مَا قيدوا بِهِ قَول (خَ) : أَو شهد وَحلف.
стр. 1196
وَيَشْهَدُ الناسُ بِضْعَفٍ أَوْ عَدَمْ وَلا غِنَى فِي الحَالَتيْنِ مِنْ قَسَمْ (و) يجوز أَن (يشْهد النَّاس) للْمَدِين (بِضعْف) لحاله وَقلة ذَات يَده لضعف صَنعته أَو تِجَارَته، وصفتها أَن يَقُولُوا: يعرف شُهُوده فلَانا ويعلمونه ضَعِيف الْحَال بَادِي الإقلال قَلِيل ذَات الْيَد مَقْدُورًا عَلَيْهِ فِي رزقه وحاله مُتَّصِلَة على ذَلِك إِلَى الْآن فِي علمهمْ، فَإِذا ثَبت هَذَا الرَّسْم أَخذ مِنْهُ الْقَلِيل الَّذِي فِي يَده وَدفع للْغُرَمَاء بعد أَن يحلف أَن لَا شَيْء لَهُ غَيره (أَو عدم) أَي كَمَا يجوز أَن يشْهد النَّاس للْمَدِين بِالْعدمِ الْمَحْض وَأَنه لَا شَيْء لَهُ فِي علمهمْ كَمَا مر قَرِيبا فَإِن شهِدت إِحْدَاهمَا بالضعف أَو الْعَدَم وَشهِدت أُخْرَى لرب الْحق بالملاء فَإِن بَيِّنَة الملاء تقدم على الْمَعْمُول بِهِ بيّنت أم لَا. كَمَا فِي الأَجْهُورِيّ خلافًا لما فِي (خَ) من أَنَّهَا لَا تقدم إِلَّا إِذا بيّنت أَنه أخْفى مَالا أَو عينت لَهُ دَارا مثلا كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَمن بِمَالِه أحَاط الدّين الخ. وَتَقَدَّمت هَذِه الْمَسْأَلَة آخر الشَّهَادَات عِنْد الْكَلَام على تعَارض الْبَينَات فانظرها هُنَاكَ مَعَ نظائرها. (وَلَا غنى فِي الْحَالَتَيْنِ) وهما شَهَادَتهم بالضعف وشهادتهم بِالْعدمِ (من) أَي عَن (قسم) من الْمَدِين لِأَنَّهُ إِنَّمَا شهدُوا لَهُ بِظَاهِر الْحَال، فَلَا بُد من حلفه على الْبَاطِن وَاخْتلف هَل يحلف. بمَا اقْتَضاه الرَّسْمُ لَا اليقينِ إذْ لَا يَصِحُّ بَتُّ ذِي اليَمِينِ (بِمَا) أَي على وفَاق مَا (اقْتَضَاهُ الرَّسْم) فَيقسم أَنه لَا يعلم لنَفسِهِ مَالا ظَاهرا وَلَا بَاطِنا على طبق مَا شهدُوا لَهُ بِهِ فِي الرَّسْم و (لَا) يُكَلف الْحلف على (الْيَقِين) والبت بِأَن يَقُول: لَا مَال لي وَهُوَ الَّذِي اعْتَمدهُ (خَ) والناظم وَعلله بقوله: (إِذْ لَا يَصح بت ذِي الْيَمين) لِإِمْكَان إِرْثه مَالا لم يعلم بِهِ أَو يحلف على الْبَتّ وَالْقطع فَيَقُول: لَا مَال لَهُ ظَاهرا وَلَا بَاطِنا وَإِن وجده ليقضينه وَهُوَ الْمَذْهَب، فَإِذا حلف أخر المعدم وَأخذ من الضَّعِيف مَا بِيَدِهِ وَدفع للْغُرَمَاء (خَ) : وَترك لَهُ قوته وَالنَّفقَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ لظن يسرته، ثمَّ إِذا ادّعى الطَّالِب عَلَيْهِ بعد هَذِه الْيَمين أَنه أَفَادَ مَالا لم يحلف الْمَدِين لرد هَذِه الدَّعْوَى لِأَنَّهُ قد حلف على ذَلِك حَيْثُ قَالَ: وَإِن وجده ليقضينه إِذْ لَا فَائِدَة لتِلْك الزِّيَادَة إِلَّا ذَاك. وَمَنْ نُكُولُهُ عَن الحَلْفِ بَدَا فَإنَّهُ يُسْجَنُ بَعْدُ أَبَدَا (وَمن نُكُوله عَن الْحلف بدا فَإِنَّهُ يسجن بعد أبدا) وَلَا يسرح حَتَّى يُؤَدِّي دينه لِأَن نُكُوله تُهْمَة.
стр. 1197
وَحَيْثُ تَمَّ رَسْمُهُ وَعُدَّمَا كانَ عَدِيماً لأولاءِ الغُرَمَا (وَحَيْثُ تمّ رسمه) وَحلف مَعَه (وعدما) بتَشْديد الدَّال أَي حكم الْحَاكِم بِعَدَمِهِ أَو ضعفه (كَانَ عديماً لأولاء الغرما) فَلَا مُطَالبَة لَهُم عَلَيْهِ وَلَو طَال الزَّمَان. إلاَّ إذَا اسْتَفَادَ مِنْ بعدِ العَدَمْ مَالا فَيَطْلُبُونَهُ بالمُلْتَزَمْ (إِلَّا أَن) يعلم أَنه (اسْتَفَادَ من بعد الْعَدَم) الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ (مَالا) بِإِرْث أَو هبة أَو تِجَارَة (ف) إِنَّهُم حِينَئِذٍ (يطلبونه بالملتزم) من الدّين الْبَاقِي فِي ذمَّته وَلَو داين غَيرهم من بعد ثُبُوت عَدمه فَقَامَ عَلَيْهِ غير الْأَوَّلين فَلَا دُخُول للأولين مَعَهم إِلَّا فِيمَا يحصل لَهُ من الرِّبْح، وَإِذا مَضَت مُدَّة من الْعَدَم الأول فَإِنَّهُ يُكَلف تَجْدِيد عدم للآخرين، وَإِن عَدمه الأول مُتَّصِل إِلَى الْآن وَلَا يعلمُونَ أَنه اسْتَفَادَ مَالا إِلَى قيام هَؤُلَاءِ الآخرين عَلَيْهِ، لِأَن الآخرين لم يحكم عَلَيْهِم وَلَا عذر لَهُم فِي شُهُود الْعَدَم الأول فَيجب أَن يجدد الْبَيِّنَة باتصال عَدمه ويعذر إِلَيْهِم فِيهَا قَالَه فِي الطرر وَابْن سَلمُون. وَمَفْهُوم قَوْله: إِلَّا إِن اسْتَفَادَ مَالا أَنه إِذا لم يعلم أَنه اسْتَفَادَ شَيْئا فَهُوَ على عَدمه وَإِن طَال الزَّمَان كَمَا قَررنَا. قَالَ ابْن نَاجِي: وَبِه الْعَمَل، وَفِي المعيار وَابْن سَلمُون عَن ابْن الْحَاج: إِنَّمَا ينْتَفع بِبَيِّنَة عَدمه إِلَى سِتَّة أشهر فَإِن زَادَت الْمدَّة عَلَيْهَا فَلَا بُد من اسْتِئْنَاف عدم آخر. قَالَ ابْن عَاشر فِي طرره: وَبقول ابْن الْحَاج رَأَيْت الْعَمَل بفاس اه. ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق. وَيَنْبَغِي إعْلانُ حَالِ المُعْدَمِ فِي كلِّ مَشْهَدٍ بِأَمْرِ الحَاكِمِ (و) إِذا ثَبت الْعَدَم بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا مطْعن فِيهَا ف (يَنْبَغِي إعلان حَال المعدم) وإشهار عَدمه (فِي كل مشْهد) فيطاف بِهِ فِي الْمجَالِس والأسواق (بِأَمْر الْحَاكِم) ليعلم النَّاس عَدمه فَلَا يغتر بِهِ أحد وَلَا يعامله أحد إِلَّا على بَصِيرَة من أمره قَالَ الشَّارِح: مَا ذكره النَّاظِم من إعلان حَاله وَهُوَ الَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل من قُضَاة الْعدْل. وَالْأَصْل فِي ذَلِك فعل عمر ﵁ اه. وَهَذَا الإشهار نَظِير إشهار من حجر عَلَيْهِ القَاضِي وَقدم عَلَيْهِ (خَ) : ونادى بِمَنْع مُعَاملَة يَتِيم وسفيه، وَفِي المعيار عَن العبدوسي فِي امْرَأَة مُسِنَّة باعت حظها من دَار ثمَّ ثَبت حجرها قَالَ: وَأما النداء عَلَيْهَا فَلَيْسَ من حق المُشْتَرِي خَاصَّة بل من حُقُوق الْمُسلمين كَافَّة يُنَادى عَلَيْهَا فِي المحافل مكشوفة الْوَجْه لتعرف هَذِه فُلَانَة الساكنة
стр. 1198
بِموضع كَذَا ثَبت عِنْد القَاضِي حجرها فكونوا على حذر من معاملتها الخ. ويقام كل من الْمُفلس والمحجر عَلَيْهِ من السُّوق قَالَ فِي الشَّامِل: ويقام الْمُفلس من السُّوق على الْأَصَح كسفيه حجر عَلَيْهِ اه. وَذكر ابْن نَاجِي أَن الْعَمَل على عدم إشهار المعدم وَعدم إطاقته قَالَ: وَكَذَا الْعَمَل أَنه لَا يُقَام من السُّوق ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق أَيْضا، وَلَكِن تقدم فِي غير مَا مَوضِع أَن عمل فاس تَابع لعمل الأندلس لَا لعمل تونس فَلَا يعول على مَا لِابْنِ نَاجِي لما فِيهِ من غرر الْمُسلمين، وَلِأَن الرجل إِذا علم إشهاره عِنْد عَدمه لم يتجرأ على أَخذ الدّين وَإِذا أَخذه حمله ذَلِك على الْقَضَاء وَلِأَنَّهُ الْوَارِد عَن السّلف فَلَا يَنْبَغِي للْقَاضِي إهمال هَذَا الْفَصْل بِحَال، وإلاَّ فقد تعرض لتضييع حُقُوق الْمُسلمين وَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِ حفظهَا وَالله أعلم. وَمُثْبِتٌ لِلضَّعف حالُ دَفْعهِ لغُرَمَائِهِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ (ومثبت) مُبْتَدأ سوغه تعلق (للضعف) بِهِ (حَال دَفعه) مُبْتَدأ ثَان (لغرمائه) يتَعَلَّق بِدفع (بِقدر وَسعه) خبر الثَّانِي وَالثَّانِي وَخَبره خبر الأول، وَتقدم أَنه يدْفع لغرماء مَا بِيَدِهِ بعد حلفه وَهُوَ مُرَاده بِقدر وَسعه وطاقته، وَكَانَ الْأَنْسَب تَقْدِيم هَذَا الْبَيْت هُنَاكَ. وَطَالِبٌ تَفْتِيشَ دَارِ المُعْسِرِ ممتَنِعٌ إسْعَافُهُ فِي الأَكْثَرِ (وطالب تفتيش دَار) الْمَدِين (الْمُعسر) أَي مدعي الْعسر وَقبل ثُبُوته وحلفه نازعه رب الدّين وَادّعى أَن لَهُ أَمْوَالًا وأمتعة بداره وَسَأَلَ تفتيشها (مُمْتَنع إسعافه) أَي فَلَا يُجَاب إِلَى تفتيشها (فِي) قَول (الْأَكْثَر) ابْن عتاب وَابْن مَالك وَمن وافقهما. قَالَ ابْن نَاجِي: وَبِه الْعَمَل وَمُقَابِله لفقهاء طليطلة، وَقَالَهُ ابْن شعْبَان وَابْن الْقطَّان وَرجحه ابْن رشد. وَقَالَ ابْن سهل: أَنا أرَاهُ حسنا فِيمَن ظَاهره اللدد والمطل اه. قَالَ بعض: وَهُوَ اللَّائِق بِهَذَا الزَّمَان لِكَثْرَة اللدد والمطل. قلت: وَهُوَ الَّذِي يجب اعْتِمَاده وَعَلِيهِ فَمَا ألفى فِي دَاره من مَتَاع النِّسَاء فادعته زَوجته فَهُوَ لَهَا، وَمَا ألفى فِيهَا من مَتَاع الرِّجَال بيع وَقضى مِنْهُ دينه وَهُوَ مَحْمُول على أَنه لَهُ كَمَا يَأْتِي عِنْد قَول
стр. 1199
النَّاظِم: وَهُوَ مُصدق إِذا مَا عينا الخ. من أَنه لَا يصدق فِي دَعْوَاهُ أَنه عَارِية أَو وَدِيعَة حَتَّى يثبت ذَلِك بل يعين رَبهَا وَيشْهد لَهما النَّاس بذلك كَمَا قَالَ (خَ) : وَقبل تَعْيِينه الْقَرَاض والوديعة إِن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْلِهِ أَي: بِأَن عِنْده قراضا أَو وَدِيعَة وَإِن لم تشهد بِعَينهَا، وَمَفْهُوم دَار أَنه إِذا سَأَلَ تفتيش جيبه أَو كمه أَو كيسه فَإِنَّهُ يُجَاب إِلَى ذَلِك وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ أخف من الدَّار. قَالَ ابْن نَاجِي: وَبِه حكمت.
(فصل فِي الْفلس)
مُشْتَقّ من الْفُلُوس عِيَاض: لِأَن الْمُفلس صَار ذَا فلوس بعد أَن كَانَ ذَا ذهب وَفِضة الخ. وَالْمرَاد أَنه صَار وضيعاً بعد أَن كَانَ ذَا عز وَشرف، وَفِي الْخَبَر الصَّحِيح: (إِن نفس الْمُؤمن مَرْهُونَة بِدِينِهِ) أَي محبوسة عَن مقَامهَا الْكَرِيم فِي البرزخ فَلَا تكون منبسطة فِيهِ مَعَ الْأَرْوَاح المنبسطة فِيهِ، ومحبوسة أَيْضا بِمَعْنى معوقة عَن دُخُول الْجنَّة حَتَّى يرضيه الله من عِنْده، أَو يعوضه بِقدر دينه من حَسَنَاته إِن وجدت فَإِن لم تُوجد طرح عَلَيْهِ من سيئاته انْظُر (ز) . وَاعْلَم أَن لمن أحَاط الدّين بِمَالِه ثَلَاثَة أَحْوَال: الأولى: قبل قيام الْغُرَمَاء فَلَا يجوز لَهُ تصرف فِي شَيْء من مَاله بِغَيْر عوض كَالْهِبَةِ وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق وَالْإِقْرَار لمن يتهم عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذِه الْحَالة أَشَارَ النَّاظِم بقوله: وَمَنْ بِمَالِهِ أَحَاطَ الدَّيْنُ لَا يَمْضي لَهُ تَبَرُّعٌ إنْ فَعَلا (وَمن بِمَالِه أحَاط الدّين لَا يمْضِي لَهُ تبرع) من عتق وَمَا ذكر مَعَه وَلَهُم رده إِن لم يعلمُوا بِهِ إِلَّا حِين قيامهم (إِن) هُوَ (فعلا) وَمعنى أحَاط زَاد أَو سَاوَى لِأَن الْعلَّة وَهِي إِتْلَاف مَال الْغُرَمَاء دَاخِلَة فِي المساوى، وَهَذَا إِذا ثبتَتْ الْإِحَاطَة فَإِن لم تثبت فتبرعه مَاض حَتَّى تثبت فَيرد، وَمَفْهُوم تبرع أَن تصرفه بِالْبيعِ وَالشِّرَاء مَاض وَهُوَ كَذَلِك إِن لم يحاب، وَإِلَّا فالدين أَحَق بالمحاباة لِأَنَّهُ هبة وَكَذَا تمْضِي نَفَقَته على أَبِيه وَابْنه وَنَفَقَة عيدين وأضيحة لِأَنَّهَا لَيست من التَّبَرُّع وَلَو أسرف فِي ذَلِك وَفَاتَ بذهاب عينه تبعه بالسرف فَإِن كَانَت عينه قَائِمَة فَيرد السَّرف وَدخل فِي قَوْله: وَمن بِمَالِه أحَاط الدّين الخ: الْحميل إِذا تحمل بِمَا يُحِيط بِمَالِه فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ التَّبَرُّع قَالَه أَبُو الْحسن. وَمَفْهُوم
стр. 1200
أحَاط إِن من لم يحط الدّين بِمَالِه إِذا قَامَ عَلَيْهِ ربه، فَأَما ان يكون مَعْلُوم الملاء أَو ظَاهره أَو مَجْهُول الْحَال فَيجْرِي على مَا تقدم فِي الْفَصْل قبله، فَإِن ادّعى الْعَدَم وَأثبت ربه ملكا معينا لَهُ، فَإِن أقرّ بذلك أمره الْحَاكِم بِبيعِهِ فَإِن أَبى حكم عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ والسجن حَتَّى يَبِيعهُ وَلَا يَبِيعهُ الْحَاكِم عَلَيْهِ كَبَيْعِهِ على الْمُفلس كَمَا مر، لِأَن هَذَا لم يفلس وَإِن أنكر أَنه ملكه بَاعه الْحَاكِم حِينَئِذٍ نَقله (ح) . تَنْبِيه: وكما للْغَرِيم مَنعه من تبرعه كَذَلِك لَهُ أَن يمنعهُ من سَفَره إِن كَانَ الدّين يحل بغيبته وَلم يُوكل من يَقْضِيه وَلَا ضمنه مُوسر، وإلاَّ فَلَا يمنعهُ فَإِن خشِي سَفَره حلف أَنه مَا يُرِيد سفرا فَإِن نكل كلف حميلاً ثِقَة يغرم المَال وَمحل تَحْلِيفه إِذا علم وُقُوفه عِنْد الْيَمين، فَإِن علم أَو ظن عدم وُقُوفه عِنْدهَا كلف حميلاً ثِقَة يغرم المَال لِأَن الْيَمين إِنَّمَا شرعت لحفظ المَال، فَإِن علم أَو ظن عدم الْحِفْظ لم تشرع وَيكون الْمَشْرُوع مَا يحصل بِهِ الْحِفْظ اه. انْظُر شرحنا للشامل، وَانْظُر مَا تقدم عِنْد قَوْله فِي الضَّمَان: وَهُوَ بِوَجْه أَو بِمَال جَار الخ. من أَن الْإِنْسَان إِذْ بَاعَ سلْعَة إِلَى أجل فَظهر من المُشْتَرِي إخلال وَأَنه لَا يُوجد لَهُ عِنْد الْأَجَل شَيْء فَإِنَّهُ يُكَلف بحميل أَو رهن أَو يضْرب على يَده فِيمَا بِيَدِهِ. وَالْحَالة الثَّانِيَة بعد قيام الْغُرَمَاء وَقبل حكم الْحَاكِم بخلع مَاله فَلَا يجوز لَهُ تصرف بِبيع وَلَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ: وَإنْ يَكُنْ لِلْغُرَمَا فِي أمْرِهِ تَشَاوُراً فَلَا غِنًى عنْ حجْرِهِ (وَإِن يكن للغرما فِي أمره تشاوراً) بِأَن قَامُوا عَلَيْهِ وَأَرَادُوا تفليسه وَلَو لم يرفعوه للْحَاكِم (فَلَا غنى عَن حجره) لَهُم بِأَن لَا يمْضِي لَهُ بيع وَقع بعد قيامهم وَلَا شِرَاء وَلَا قَضَاء بعض غُرَمَائه دون بعض، وَلَا إِقْرَاره إِلَّا إِذا أقرّ لمن لَا يتهم عَلَيْهِ بِمَجْلِس الْقيام أَو قربه، وَالْحَال أَن جَمِيع دينه ثَابت بِإِقْرَار لَا إِن ثَبت جَمِيع دينه بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ أَدخل نقصا على من ثَبت دينه بِالْبَيِّنَةِ بِمُجَرَّد قَوْله بِأَن كَانَ بعضه بِإِقْرَار وَبَعضه بِبَيِّنَة، فَإِنَّهُ يدْخل مَعَ من ثَبت دينه بِإِقْرَار لَا بِبَيِّنَة، وَلَو تداين فِي هَذِه الْحَالة دخل الْأَولونَ مَعَ الآخرين فِيمَا بِيَدِهِ وَمَا ذكره النَّاظِم من أَن التشاور هُوَ حد التَّفْلِيس هُوَ قَول ابْن الْقَاسِم، وَقيل التَّفْلِيس هُوَ حكم الْحَاكِم، وَقيل هُوَ سجن الْمَدِين. وَالْحَالة الثَّالِثَة: أَن يقومُوا ويرفعوه للْحَاكِم وَيحكم بخلع مَاله لَهُم، وفائدتها أَنه إِذا تداين بعد الحكم الْمَذْكُور فَلَا دُخُول للأولين فِيمَا بِيَدِهِ إِلَّا أَن يكون فِيهِ فضل ربح كَمَا أَنه إِذا مكنهم قبل الرّفْع من مَاله فباعوا واقتسموا، ثمَّ داين غَيرهم فَلَا دُخُول للأولين مَعَ الآخرين إِلَّا إِذا بَقِي بِيَدِهِ فضل ربح أَيْضا وَأَشَارَ (خَ) إِلَى الْحَالة الأولى بقوله: للْغَرِيم منع من أحَاط الدّين بِمَالِه من تبرعه وسفره إِن حل بغيبته، وَإِلَى الْحَالة الثَّانِيَة بقوله: وفلس حضر أَو غَابَ إِن لم يعلم ملاؤه
стр. 1201
بِطَلَبِهِ دينا حل فَمنع من تصرف مَالِي الخ. فَقَوله: فلس أَي حجر، وَالضَّمِير الْمَجْرُور بِالْمَصْدَرِ فِي قَوْله: بِطَلَبِهِ يعود على رب الدّين لَا على التَّفْلِيس كَمَا لشراحه أَي: بِطَلَب رب الدّين دينه الْحَال زَاد على مَاله أَو بَقِي مَا لَا يَفِي بالمؤجل وَطَلَبه هُوَ قِيَامه عَلَيْهِ بِهِ فيستتر الْمَدِين عَنهُ أَو يواعده للمحاسبة وَنَحْو ذَلِك، فيبيع أَو يَشْتَرِي فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِن ذَلِك يرد لِأَنَّهُ بقيامه حكم الشَّرْع بحجره لَهُ، وَإِلَى الثَّالِثَة بقوله: وَلَو مكنهم الْغَرِيم فباعوا واقتسموا ثمَّ داين غَيرهم فَلَا دُخُول للأولين مَعَ الآخرين كتفليس الْحَاكِم الخ. وكل حَالَة من هَذِه الْأَحْوَال تمنع بِمَا تَمنعهُ الَّتِي قبلهَا وَلَا عكس. وَلما كَانَت الْحَالة الثَّانِيَة حجرا شَرْعِيًّا كالثالثة قسم ابْن عَرَفَة التَّفْلِيس إِلَى أَعم وأخص فَقَالَ فِي الْأَعَمّ: قيام ذِي دين على مدينه لَيْسَ لَهُ مَا يَفِي بِهِ مُوجبه أَي ثَمَرَته منع دُخُول إِقْرَار الْمَدِين على مُتَقَدم دينه، وَقَالَ فِي الْأَخَص: حكم الْحَاكِم بخلع كل مَال الْمَدِين لغرمائه لعَجزه عَن قَضَاء مَا لزمَه مُوجبه منع دُخُول دين سَابق عَلَيْهِ على لَاحق بمعاملة بعده اه. وَاعْترض بِأَن من شَأْن الْأَعَمّ صدقه على الْأَخَص، وَهُوَ هُنَا لَيْسَ كَذَلِك إِذْ الْأَعَمّ قيام الْغُرَمَاء. والأخص حكم الْحَاكِم وهما متباينان، وَتقدم مثل هَذَا الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي الشّركَة حَيْثُ قسمهَا إِلَى أَعم وأخص، وَمَا أُجِيب بِهِ عَنهُ هُنَا من الأعمية بِاعْتِبَار الْأَحْكَام لَا بِاعْتِبَار الصدْق، وَلَا شكّ أَن الْأَخَص إِذا ثَبت منع من كل مَا مَنعه الْأَعَمّ وَزِيَادَة دون الْعَكْس فَغير ظَاهر لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن يكون حكم الْحَاكِم هُوَ الْأَعَمّ، وَقيام الْغُرَمَاء هُوَ الْأَخَص، وَالْوَاقِع فِي كَلَام ابْن عَرَفَة خِلَافه، وَإِنَّمَا الْجَواب الْحق أَن يُقَال إِنَّه لَا مباينة بَين الرسمين لِأَنَّهُ اعْتبر فِي الْأَخَص قيدين. أَحدهمَا: حكم الْحَاكِم، وَثَانِيهمَا: قَوْله لغرمائه إِذْ اللَّام فِيهِ يتَعَيَّن أَن تكون بِمَعْنى (عِنْد) كَقَوْلِه تَعَالَى: أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٨) وَهُوَ على حذف مُضَاف دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى أَي: هُوَ حكم الْحَاكِم عِنْد قيام الْغُرَمَاء فَكَأَنَّهُ قَالَ هُوَ قيام الْغُرَمَاء مَعَ حكم الْحَاكِم وَلم يعْتَبر فِي الْأَعَمّ حكما وَالشَّيْء مهما ازْدَادَ قيدا ازْدَادَ خُصُوصا نَظِيره الْحَيَوَان مَعَ الْحَيَوَان النَّاطِق، فَالْأول أَعم من الثَّانِي قطعا لصدقه بالناطق وَبِغَيْرِهِ، وَكَذَا قيام الْغُرَمَاء فِي كَلَام ابْن عَرَفَة هُوَ مُقَيّد فِي الْأَخَص بالحكم، وَلم يُقيد بِهِ فِي الْأَعَمّ. فالأحكام المترتبة على الْأَعَمّ فِي كَلَام ابْن عَرَفَة تُوجد بِوُجُودِهِ وجد مَعَ ذَلِك الْأَعَمّ حكم حَاكم أم لَا. وَالْأَحْكَام المترتبة على الْأَخَص لَا تُوجد إِلَّا مَعَ حكم الْحَاكِم. لَا يُقَال: إِذا مكنهم الْغَرِيم فباعوا واقتسموا فقد وجد الحكم الْمُرَتّب على الْأَخَص وَهُوَ عدم دُخُول الْأَوَّلين مَعَ الآخرين مَعَ أَنه لَا حكم هُنَا لأَنا نقُول: تَمْكِينه من البيع وَالْقِسْمَة بِمَنْزِلَة حكم الْحَاكِم، إِذْ لَو رفع الْأَمر إِلَيْهِ لم يفعل غير ذَلِك، وَإِذا علمت صِحَة تَقْسِيم التَّفْلِيس بِمَعْنى التحجير إِلَى أَعم وأخص وَأَن كلا مِنْهُمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم لم يَتَرَتَّب على الآخر سقط بحث مصطفى ﵀ مَعَ ابْن عَرَفَة بِأَن ابْن رشد لم يعبر بالأعم والأخص، وَبِأَن حدّه للأخص غير مُطَابق لِابْنِ رشد لِأَن ابْن رشد لم يَجعله حكم الْحَاكِم بخلع كل مَاله بل جعله التَّمْكِين من البيع واقتسام المَال إِنَّمَا هُوَ الْمَانِع من دُخُول الْأَوَّلين الخ. وَوجه سُقُوط بَحثه أَن ابْن رشد جعل كلا من التَّمْكِين وَحكم الْحَاكِم مَانِعا من دُخُول الْأَوَّلين، لِأَنَّهُ قَالَ: إِذا مكنهم فباعوا واقتسموا فَذَلِك مَانع من دُخُول الْأَوَّلين كتفليس السُّلْطَان الخ. وتفليس السُّلْطَان هُوَ حكمه بخلع كل المَال الخ. وَإِذا صحت الأعمية والأخصية معنى صَحَّ التَّعْبِير بهما وَإِن لم يعبر بهما ابْن رشد وَلَا غَيره، وَالله أعلم.
стр. 1202
فرع: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَإِذا كَانَ لشخصين دين منجم فَأذن أَحدهمَا للْآخر بِقَبض نجم من نجومه على أَن يقبض هُوَ النَّجْم الَّذِي بعده، فَلَمَّا قَبضه الأول فلس الْمَدِين فَليرْجع هَذَا على صَاحبه لِأَنَّهُ سلف مِنْهُ اه. وَحَلَّ مَا عليهِ مِنْ دُيُونِ إذْ ذَاك كالحُلُول بالمَنُونِ (و) إِذا قَامَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاء فمكنهم من مَاله فأرادوا البيع وَالْقِسْمَة أَو حكم الْحَاكِم بخلع كل مَاله (حل) بِوَاحِد من الْأَمريْنِ (مَا عَلَيْهِ من دُيُون إِذْ ذَاك) وَلَو دين كِرَاء وَلَو لم تستوف منفعَته كدار مثلا اكتراها وجيبة وفلس قبل مُضِيّ الْمدَّة، فَإِن الْمكْرِي يحاصص بكرائه (كالحلول) أَي كحلول الدّين وَلَو كِرَاء لم تستوف منفعَته أَيْضا (بالمنون) أَي بِالْمَوْتِ (خَ) : وَحل بِهِ وبالموت مَا أجل وَلَو دين كِرَاء، ثمَّ إِذا حل غير المستوفي منفعَته فَفِي الْمَوْت يبْقى الْكِرَاء لَازِما للمكري وَالْوَرَثَة ويحاصص المكرى بِهِ وَلَا خِيَار لَهُ، وَأما فِي الْفلس فَيُخَير الْمكْرِي بَين أَن يسلم الْمَنْفَعَة للْغُرَمَاء ويحاصص بالكراء، وَبَين أَن يرجع فِي عين شَيْئه كُله إِن لم يسْتَوْف شَيْئا من الْمَنْفَعَة فَإِن استوفى بَعْضهَا حاصص بِمَا يُقَابل مَا استوفى مِنْهَا وَيُخَير فِيمَا لم يسْتَوْف فِي الرُّجُوع فِيمَا بَقِي من الْمَنْفَعَة وَفِي إِسْلَامه والمحاصصة بِمَا ينوبه من الْكِرَاء. تَنْبِيهَانِ. الأول: يُبَاع مَاله بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا إِذْ بيع الْحَاكِم إِنَّمَا يكون بِمَا ذكر فَإِن بَاعَ بِغَيْر خِيَار فللغرماء أَو للْمُفلس رده كَمَا فِي (ز) . وَأما بيعهم حَيْثُ مكنهم مِنْهُ بِغَيْر حكم فَهُوَ بِغَيْر خِيَار وَيتْرك لَهُ قوته وَالنَّفقَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ لظن يسرته، وَيقسم مَا حصل من ثمن مَاله بِنِسْبَة الدُّيُون الخ كَمَا فِي (خَ) . الثَّانِي: مَا قَرَّرْنَاهُ بِهِ من إِدْخَال صُورَة تَمْكِين الْغَرِيم من البيع وَالْقِسْمَة فِي كَلَامه هُوَ الْمُتَعَيّن كَمَا هُوَ ظَاهر إِطْلَاقه واطلاق غَيره خلافًا لما فِي الزّرْقَانِيّ من أَنه لَا يحل الدّين فِي تِلْكَ الصُّورَة قَائِلا، وَإِنَّمَا يحل بالحكم فَقَط أَو الْمَوْت الخ. لما علمت من أَنه إِذا مكنهم من بيع كل مَاله لم يبْق شَيْء للمؤجل دينه فَيكون مُخَالفا لما مّر عَن (خَ) أَو بَقِي مَا لَا يَفِي الْمُؤَجل الخ. وَقد قَالَ اللَّخْمِيّ: الدُّيُون المؤجلة لَا حجر بِسَبَبِهَا إِلَّا أَن تَتَغَيَّر حَاله أَو يظْهر مِنْهُ إِتْلَاف يخْشَى مَعَه أَن لَا يُوجد عِنْده عِنْد الْأَجَل شَيْء فيحجر عَلَيْهِ، وَيحل دينه إِلَّا أَن يضمن لَهُ أَو يجد ثِقَة يتجر لَهُ بِهِ ويحال بَينه وَبَينه اه. ومخالف أَيْضا لما مر عَن ابْن رشد من أَن اقتسامهم لِلْمَالِ بِمَنْزِلَة تفليس السُّلْطَان سَوَاء، وَبعد كتبي هَذَا وجدت للشَّيْخ بناني اعتراضاً عَلَيْهِ بِمثل مَا ذكر. والاعِتصارُ لَيْسَ بالمُكَلِّف لَهُ وَلا قُبُولُ غَيْرِ السَّلَفِ (و) إِذا كَانَ الْمَدِين قد وهب لوَلَده شَيْئا قبل إحاطة الدّين بِمَالِه فالهبة صَحِيحَة فَإِذا فلس بعد ذَلِك ف (الاعتصار) للهبة الْمَذْكُورَة (لَيْسَ بالمكلف) أَي اللَّازِم (لَهُ) فَإِن اعتصر كَانَ للْغُرَمَاء
стр. 1203
أَخذهَا (وَلَا) يُكَلف عَلَيْهِ أَيْضا (قبُول غير السّلف) من هبة أَو صَدَقَة أَو مداينة وكل مَا تلْحقهُ فِيهِ منَّة، وَأما السّلف كَمَا لَو طاع شخص بأَدَاء الدّين عَن الْمَدِين وبقائه فَإِذا حصل لَهُ يسر مَا رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا كَلَام للْمَدِين حَاضرا كَانَ أَو غَائِبا أذن فِي الْأَدَاء عَنهُ أم لَا (خَ) : تَشْبِيها فِي اللُّزُوم كأدائه رفقا لَا عنتاً الخ. وَتقدم قَول النَّاظِم: إِذْ قد يُؤَدِّي الدّين من لَا أذنا الخ. فَإِن قَالَ المسلف: أَنا لَا أسلفه إِلَّا إِذا رَضِي الْمَدِين بقبوله أَو طلبه مني فَإِن الْمَدِين لَا يلْزمه الْقبُول حِينَئِذٍ وَلَا الطّلب، فمفهوم النّظم فِيهِ تَفْصِيل. وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمشَار لَهُ بقوله (خَ) : وَلَا يلْزم بتكسب وتسلف واستشفاع وعفو للدية وانتزاع مَال رَقِيقه وَمَا وهبه لوَلَده الخ. فَلَا مُعَارضَة بَين مَفْهُوم النّظم، وَمَا لخليل من عدم لُزُوم تسلفه، وَقَوله: وَلَا يلْزم بتكسب الخ. تقدم أَن مَحل هَذَا إِذا لم يداين ليقضيهم من صَنعته وإلاَّ أجبر عَلَيْهَا كَمَا مّر عِنْد قَوْله: أَو معدم وَقد أبان معذره الخ. وَهُوَ مُصَدَّقٌ إذَا مَا عَيَّنا مَالا لَهُ وَما عَلَيْهِ أُمِّنَا (وَهُوَ) أَي الْمُفلس (مُصدق إِذْ مَا قد عينا مَالا لَهُ وَمَا) أَي ومالاً (عَلَيْهِ أمنا) بِأَن قَالَ: هَذَا مَالِي وَهَذَا أَمَانَة عِنْدِي قِرَاض أَو وَدِيعَة أَو عَارِية أَو بضَاعَة فَلَا تقربوه وَيكون للْمقر لَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا فِي الطرر، وَقيل لَا يصدق، وَثَالِثهَا الْمَشْهُور يصدق إِن قَامَت بِأَصْلِهِ بَيِّنَة تشهد أَنهم يعلمُونَ أَن عِنْده سلْعَة وَدِيعَة أَو قراضا وَإِن لم يعينوها وَلَا سموا رَبهَا وَيكون رَبهَا الَّذِي أقرّ بِهِ الْمقر أَحَق بهَا وَلَو مِمَّن يتهم عَلَيْهِ كأخيه وَابْنه لِأَن قيام الْبَيِّنَة يَنْفِي تهمته فَإِن لم يُعينهُ الْمقر وَلَا الْبَيِّنَة وَلم يدع تِلْكَ السّلْعَة أحد فتوضع فِي بَيت المَال على قَاعِدَة المَال الَّذِي ضل صَاحبه (خَ) : وَقبل تَعْيِينه الْقَرَاض والوديعة إِن قَامَت بَيِّنَة بِأَصْلِهِ الخ. وَظَاهره أَنه يَأْخُذهُ ذُو الْبَيِّنَة بِغَيْر يَمِين وَهُوَ كَذَلِك، وَمثل الْبَيِّنَة بِأَصْلِهِ مَا إِذا شهِدت أَنه أقرّ قبل التَّفْلِيس أَن بِيَدِهِ للْمقر لَهُ قراضا أَو وَدِيعَة كَمَا فِي ابْن يُونُس: وَمن اكترى أَرضًا بِثمن إِلَى أجل فزرعها ثمَّ فلس أَو مَاتَ فَإِن الْمكْرِي يقدم فِي أَخذ كِرَاء أرضه من زَرعهَا على سَائِر الْغُرَمَاء، بل وعَلى ساقي الزَّرْع ومرتهنه فَلَا شَيْء لَهُم من زَرعهَا حَتَّى يَسْتَوْفِي الْمكْرِي كراءه كَمَا قَالَ:
стр. 1204
وَرَبُّ الأرْضِ المكْتَرَاةِ إنْ طَرَقْ تَفْلِيسٌ أَوْ مَوْتٌ بِزَرْعِها أَحَقْ (وَرب الأَرْض المكتراة إِن طرق تفليس أَو موت بزرعها حق) . لِأَن الزَّرْع كرهن بِيَدِهِ فِي كرائها فَيُبَاع وَيُؤْخَذ الْكِرَاء من ثمنه وحوز الأَرْض للزَّرْع كحوزه هُوَ لَهُ فَيقدم على حوز مرتهنه وساقيه لِأَن حوزها أَشد من حوزهما لِأَنَّهُ نَشأ عَنْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه يَأْخُذ الزَّرْع فِي الْكِرَاء لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج مِنْهَا، ثمَّ مَا ذكره من أَنه أَحَق فِي الْمَوْت والفلس خلاف الْمَشْهُور، وَمذهب الْمُدَوَّنَة من أَنه يكون أَحَق بِهِ فِي الْفلس لَا فِي الْمَوْت فَلَا يكون أَحَق بِهِ بل هُوَ إسوة الْغُرَمَاء فِيهِ (خَ) : وَقدم فِي زَرعهَا فِي الْفلس ثمَّ سَاقيه ثمَّ مرتهنه أَي مَا فضل عَن الْمكْرِي يقدم فِيهِ الساقي، وَمَا فضل عَنهُ يقدم فِيهِ الْمُرْتَهن، ثمَّ مَا فضل يكون للْغُرَمَاء. وَاحْكُمْ بِذَا لِبَائِعٍ أَوْ صَانِعٍ فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ فمَا من مانِعِ (واحكم بذا) أَي بِكَوْنِهِ أَحَق فِي الْمَوْت والفلس (لبائع) سلْعَة مثلا (أَو صانع) كنساج وخياط فلس المُشْتَرِي قبل قبض السّلْعَة وَالْمُسْتَأْجر قبل أَخذ الثَّوْب من الصَّانِع، فَإِن البَائِع أَو الصَّانِع أَحَق (فِيمَا) أَي فِي السّلْعَة وَالثَّوْب اللَّذين (بِأَيْدِيهِم) حَتَّى يُبَاع ويستوفي الأول ثمنه وَالثَّانِي أجرته. (فَمَا من مَانع) لَهُم من ذَلِك (خَ) : والصانع أَحَق وَلَو بِمَوْت مَا فِي يَده الخ. وَمَفْهُوم بِأَيْدِيهِم أما بِالنِّسْبَةِ للصانع فَإِنَّهُ إِذا سلم الْمَصْنُوع لرَبه فَهُوَ إسوة الْغُرَمَاء كَمَا لَو لم يحزه أصلا كالبناء فَإِن رد لرَبه الْبَعْض وَبَقِي الْبَعْض الآخر فَفِيهِ تَفْصِيل، فَإِن كَانَا بِعقد وَاحِد وَلم يسم لكل وَاحِد قدرا فَلهُ حبس الْبَاقِي فِي أجرته وَأُجْرَة الْمَرْدُود، وَإِن تعدد عقدهما أَو اتَّحد وَلَكِن سمى لكل وَاحِد قدرا فَلَيْسَ لَهُ أَن يحبس الْبَاقِي فِي أُجْرَة الْمَرْدُود قَالَه ابْن يُونُس. وَأما بِالنِّسْبَةِ للْبَائِع فَهُوَ قَوْله: ومَا حَوَاهُ مُشْترٍ ويحْضُرُ فَرَبُّهُ فِي فَلَسٍ مُخَيَّرُ (وَمَا) بيع من السّلع و (حواه) أَي حازه (مُشْتَر) من بَائِعه وَقبل أَن يدْفع ثمنه فلس (و)
стр. 1205
الْحَال أَن الْمَبِيع (محْضر) بِعَيْنِه قَائِم بِذَاتِهِ ثَابت أَنه لَهُ بِبَيِّنَة أَو اعْتِرَاف الْمُفلس قبل التَّفْلِيس (فربه) البَائِع لَهُ أَو الْقَائِم مقَامه بِإِرْث أَو هبة الثّمن أَو صدقته (فِي فلس مُخَيّر) إِن شَاءَ تَركه وحاص بِثمنِهِ وَإِن شَاءَ أَخذه وَلَا شَيْء لَهُ وَظَاهره أَن التَّخْيِير الْمَذْكُور ثَابت وَلَو زَادَت فِي سوقها أَو بدنهَا أَو نقصت فيهمَا وَهُوَ كَذَلِك. إِلَّا إذَا مَا الغُرَمَاءُ دفَعُوا ثمنَهُ فأَخْذهُ مُمْتنِعُ (إِلَّا إِذا مَا الْغُرَمَاء دفعُوا) لَهُ (ثمنه) وَلَو من مَالهم (فَأَخذه) لَهُ (مُمْتَنع) حِينَئِذٍ. فَهَذَا أحد شُرُوط التَّخْيِير، وَثَانِيهمَا: أَن يُمكن أَخذه لَا إِن لم يُمكن كبضع، وَثَالِثهَا: أَن لَا يتَغَيَّر عَن حَالَته لَا إِن تغير كَمَا لَو طحنت الْحِنْطَة أَو فصل الثَّوْب وَنَحْو ذَلِك. وَرَابِعهَا: أَن يكون الْمَبِيع مِمَّا يعرف بِعَيْنِه لَا إِن كَانَ مِمَّا لَا يعرف بِعَيْنِه بعد الْغَيْبَة عَلَيْهِ كالمكيل وَالْمَوْزُون والمعدود، وَمَفْهُوم فِي فلس أَنه فِي الْمَوْت إسوة الْغُرَمَاء (ح) : وللغريم أَخذ عين مَاله المحاز عَنهُ فِي الْفلس لَا الْمَوْت وَلَو مسكوكاً أَو آبقاً وَلَزِمَه أَي الْآبِق خلافًا لمن قَالَ: لَا يلْزمه لِأَن أَخذ الْآبِق ابْتِدَاء شِرَاء فَيكون فَاسِدا ثمَّ قَالَ: إِن لم يفده غرماؤه وَأمكن لَا بضع وعصمة وقصاص وَلم ينْتَقل لَا إِن طحنت الْحِنْطَة أَو خلط بِغَيْر مثلي الخ. ومحضر اسْم مفعول خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة حَالية كَمَا قَررنَا، وَفِي بعض النّسخ ويحضر بالمضارع الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول فإعرابه كَالْأولِ، وَمن اشْترى شَيْئا فَوجدَ عَيْبا بِهِ فَرده على بَائِعه ففلس البَائِع بعد رده عَلَيْهِ، وَقبل أَن يرد الثّمن للْمُشْتَرِي فَإِن الرَّاد لَا يكون أَحَق بِهِ بل إسوة الْغُرَمَاء كَمَا قَالَ: وَلَيْسَ مَنْ رَدَّ بِعَيْبٍ مَا اشْتَرَى أَوْلَى بِهِ فِي فَلَسٍ إنْ اعْتُرَى (وَلَيْسَ من رد بِعَيْب مَا اشْترى) بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل (أولى بِهِ) من الْغُرَمَاء (فِي فلس إِن اعترى) وَغشيَ بل هُوَ إسوتهم كَمَا مر بِنَاء على أَن الرَّد بِالْعَيْبِ نقض للْبيع، وَأما على أَنه ابْتِدَاء بيع فَيكون أَحَق بِهِ كَمَا فِي الْمُقدمَات، وَظَاهره أَنه لَا يكون أَحَق بِهِ وَلَو أَخذ عَن دين وَهُوَ كَذَلِك (خَ) عاطفاً على مَا لَا يكون أَحَق بِهِ مَا نَصه: ورد السّلْعَة بِعَيْب وَإِن أخذت بدين واحترزت بِقَوْلِي بفلس بعد ردهَا مِمَّا لَو ردهَا عَلَيْهِ بعد فلسه فَإِنَّهُ لَا يكون أَحَق بهَا مُطلقًا سَوَاء بنينَا على أَن الرَّد بِالْعَيْبِ نقض للْبيع أَو ابْتِدَاء بيع لِأَن ابْتِدَاء البيع بعد الْفلس يمْنَع من أَخذ البَائِع
стр. 1206
عين شَيْئه كَمَا قَالَ (خَ) كَبَيْعِهِ وَلم يعلم بفلسه، وَأما لَو أَرَادَ الرَّد وَأقر بذلك على نَفسه فَوجدَ البَائِع قد فلس فَفِي كَونه أَحَق بهَا وتباع فِي الثّمن، أَو لَا يكون أَحَق بهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَة من ردهَا قبل الْفلس، وَصَوَّبَهُ ابْن عَاشر ومصطفى قَولَانِ. وَالْخُلْفُ فِي سِلْعَةِ بَيْعٍ فاسِدِ ثَالِثُهَا اخْتِصَاصُهَا بالناقِدِ (وَالْخلف فِي سلْعَة بيع فَاسد) كَمَا لَو ابتاعها بِشَرْط الثنيا أَو بِشَرْط الْحمل أَو وَقت نِدَاء الْجُمُعَة بِثمن نَقده فِيهَا أَو صيرت لَهُ فِي دين فِي ذمَّة بَائِعهَا، واطلع على الْفساد بعد تفليس البَائِع أَو مَوته وَفسخ البيع والسلعة لم تفت بيد المُشْتَرِي وَفَاتَ ثمنهَا، أَو كَانَ لَا يعرف بِعَيْنِه فَقَالَ سَحْنُون: المُشْتَرِي أَحَق بهَا مُطلقًا وَهُوَ الْمُعْتَمد، وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز: لَا يكون أَحَق بهَا مُطلقًا (ثَالِثهَا) لِابْنِ الْمَاجشون (اختصاصها بالناقد) فَيكون أَحَق بهَا فِيهِ دون الْآخِذ لَهَا عَن دين فَلَا يكون أَحَق بهَا بل هُوَ إسوة الْغُرَمَاء (خَ) وَفِي كَون المُشْتَرِي أَحَق بالسلعة تفسخ لفساد البيع أَو لَا أَو فِي النَّقْد أَقْوَال الخ. وَقد علمت أَن مَحل الْخلاف إِذا اطلع على الْفساد بعد الْفلس وَأما لَو اطلع عَلَيْهِ قبله فَهُوَ أَحَق بهَا بِاتِّفَاق كَذَا فِي الرزقاني، وَالَّذِي فِي الرجراجي أَن من اشْترى شِرَاء فَاسِدا ففلس البَائِع بعد أَن رد المُشْتَرِي السّلْعَة فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا قولا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا حَقه فِي عين ثمنه إِن وجده فَإِن فلس بعد أَن فسخ البيع وَقبل أَن يرد المُشْتَرِي السّلْعَة فَهَل يكون أَحَق بالسلعة أم لَا؟ فَذكر الْأَقْوَال الْمُتَقَدّمَة. وَقَوْلِي: والسلعة لم تفت احْتِرَازًا مِمَّا إِذا فَاتَت فَإِنَّهُ يمْضِي بِالْقيمَةِ ويحاصص بباقي الثّمن إِن كَانَت أقل، وَقَوْلِي: وَفَاتَ ثمنهَا احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم يفت وَكَانَ يعرف بِهِ فَإِنَّهُ يكون أَحَق بِهِ اتِّفَاقًا. وَزَوْجَةٌ فِي مَهْرِها كالغُرَما فِي فَلَسٍ لَا فِي المَمَاتِ فاعْلَمَا (وَزَوْجَة) وَلَو لم يدْخل بهَا الزَّوْج حَيْثُ لم يكن دفع لَهَا الصَدَاق. (فِي مهرهَا كالغرما. فِي فلس لَا فِي الْمَمَات فاعلما) كَذَا فِي الْجلاب. قَالَ اللَّخْمِيّ: وَلَا وَجه لهَذِهِ التَّفْرِقَة وَقيل لَا تحاصص فيهمَا. وَثَالِثهَا الْمَشْهُور تحاصص فيهمَا (خَ) : وحاصت الزَّوْجَة بِمَا أنفقت وبصداقها كالموت الخ. وَظَاهره أَنَّهَا تحاصص بِجَمِيعِهِ وَلَو فلس قبل الْبناء وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ دين فِي ذمَّته حل بِمَوْتِهِ أَو تفليسه، وَإِذا حاصت بِجَمِيعِهِ ثمَّ طَلقهَا قبل الْبناء فَإِنَّهَا ترد مَا زَاد على تَقْدِير المحاصة بِنصفِهِ وَقَوله: بِمَا أنفقت أَي على نَفسهَا أَو على الزَّوْج حَال يسره فِي غيبته أَو حَضرته، لَكِن فِي الْغَيْبَة إِنَّمَا تحاصص بِمَا أنفقت على نَفسهَا من يَوْم الرّفْع للْحَاكِم، وَسَوَاء تقدم إنفاقها على دين الْغُرَمَاء أَو تَأَخّر وَلَو بعد تفليسه لكنه يتْرك لَهُ النَّفَقَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ وَمِنْه نَفَقَة الزَّوْجَة إِلَّا
стр. 1207
أَن أنفقت عَلَيْهِ حَال عسره، فَإِنَّهَا لَا تحاصص بهَا وَلَو غَابَ لسقوطها عَنهُ بالعسر. وَحَارِسُ المَتَاعِ والزَّرْعِ وَمَا أشْبَهَهُ مَعَهُمْ قد قَسَما (وحارس الْمَتَاع وَالزَّرْع وَمَا أشبهه) كأجير رعي أَو علف وَنَحْوه (مَعَهم) أَي الْغُرَمَاء (قد قسما) أَي حاصص بأجرته فِي الْمَوْت والفلس وَلَا يكون أَحَق بِمَا يَحْرُسهُ ويرعاه إِلَّا أَن يكون الرَّاعِي لَا يبيت بالماشية عِنْد رَبهَا بل يبيت بهَا بداره فَيكون أَحَق بهَا، وَمثل الحارس فِي عدم الِاخْتِصَاص صَاحب الْحَانُوت يحمل كراؤه على مكتريه حَتَّى فلس أَو مَاتَ فَإِنَّهُ لَا يكون أَحَق بِمَا فِي الْحَانُوت (خَ) : تَشْبِيها فِيمَا لَا اخْتِصَاص فِيهِ كأجير رعي وَنَحْوه وَذي حَانُوت فِيمَا بِهِ الخ. وَأما مكتري الدَّابَّة يفلس مكريه أَو يَمُوت فَإِنَّهُ أَحَق بالمعينة أَو بمنفعتها قبضت أم لَا حَيْثُ نقد كراءها حَتَّى يَسْتَوْفِي مَا نَقده، وَأما غير الْمعينَة وَهِي الْمَضْمُونَة فَإِنَّهُ أَحَق بهَا إِن قبضت (خَ) : والمكتري بالمعينة وبغيرها إِن قبضت وَلَو أديرت الخ. تَتِمَّة: قَالَ الْمَازرِيّ: لَا يخْتَلف أَن الْوَرَثَة منهيون عَن البيع قبل وَفَاء الدّين فَإِن فعلوا فللغرماء فَسخه هَذَا إِن لم يقدروا على أَدَاء الدّين إِلَّا بِالْفَسْخِ، وَأما إِن قَضَاهُ الْوَرَثَة من أَمْوَالهم أَو أسقط الْغُرَمَاء حُقُوقهم فالأشهر من الْمَذْهَب أَن البيع لَا يفْسخ لِأَن النَّهْي عَن البيع لحق المخلوقين، وَقد سقط اه. ابْن عبد السَّلَام: وَخرج بَعضهم على رِوَايَة أَشهب عَن مَالك أَن الْوَرَثَة إِذا عزلوا للدّين أضعافه وَبَاعُوا ليرثوا أَن البيع بَاطِل وَيفْسخ فَيكون لجَمِيع الْغُرَمَاء إِذا لم يحضروا البيع أَخذ السّلع من أَيدي المشترين إِلَّا أَن يَشَاء المشترون أَن يدفعوا قيمَة مَا فِي أَيْديهم أَو ثمنه أَو بعضه إِن كَانَ قَائِما اه. وَقد تقدم فِي الْقِسْمَة وَالصُّلْح أَن الْوَرَثَة إِذا باعوا التَّرِكَة قبل الْقسم أَو بعده فبيعهم مَاض لَا ينْقض للدّين كَانَ فِيهِ مُحَابَاة أم لَا وَإِنَّمَا كررناها فِي هَذِه الْأَبْوَاب لِكَثْرَة وُقُوعهَا وَكَثْرَة التَّنَازُع فِيهَا.
(بَاب فِي الضَّرَر وَسَائِر الْجِنَايَات)
وَمُحْدِثٌ مَا فِيهِ لِلْجَارِ ضَرَرْ محَقَّقٌ يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِ نَظَرْ (ومحدث) بِكَسْر الدَّال (مَا) أَي شَيْئا (فِيهِ للْجَار ضَرَر مُحَقّق) بِالْبَيِّنَةِ كَونه ضَرَرا كالأمثلة الْآتِيَة لَا مُحْتَمل كَونه ضَرَرا أَو كَانَ غير ضَرَر كصوت الصّبيان فِي الْمكتب وَصَوت الرَّحَى وَنَحْوهمَا مِمَّا يَأْتِي فِي الثَّانِي عِنْد قَوْله: فَإِن يكن يضر بالمنافع (يمْنَع) من إحداثه ويزال مَا أحدثه
стр. 1208
(من غير نظر) وَلَا توقف لقَوْله ﵊: (لَا ضَرَر وَلَا ضرار) أَبُو الْحسن: اخْتلف فِي مَعْنَاهُ فَقيل مَعْنَاهُ لَا تدخل على أحد ضَرَرا فالضرار تَأْكِيد للْأولِ، وَقيل الضَّرَر الَّذِي لَك فِيهِ مَنْفَعَة، والضرار مَا لَيْسَ لَك فِيهِ مَنْفَعَة وعَلى جَارك فِيهِ مضرَّة، وَهَذَا وَجه حسن فِي الحَدِيث قَالَه ابْن عبد الْبر اه. فاحترز النَّاظِم بالمحقق من الْمُحْتَمل كَمَا قَررنَا، والمحقق شَامِل لمحقق الْوُقُوع فِي الْحَال أَو فِي الْمُسْتَقْبل وَعبارَة (م) : وَاحْترز بِوَصْف الضَّرَر بالمحقق من الضَّرَر الَّذِي يكون متوقعاً غير وَاقع وَلَا مُحَقّق يَعْنِي الْوُقُوع فِي الْمُسْتَقْبل، وَذكر النَّاظِم للمحقق أَمْثِلَة فَقَالَ: كالفُرْنِ والبَابِ وَمِثْلِ الأَنْدَرِ أوْ مَا لهُ مَضَرَّةٌ بالجُدُرِ (كالفرن) يحدث قرب من يتَضَرَّر بدخانه أَو ناره وَمثله الْحمام (خَ) : وَقضى بِمَنْع دُخان ورائحة كدباغ الخ. وَأما دُخان المطابخ وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يسْتَغْنى عَنهُ فِي المعاش وَيكون فِي بعض الْأَوْقَات فَقَط وَلَا يستدام أمره فَلَا يمْنَع مِنْهُ، وَلَو أَرَادَ صَاحب الدُّخان الْقَدِيم إِحْدَاث آخر ويضيفه للقديم يمْنَع من ذَلِك لزِيَادَة الضَّرَر، وفيهَا لَو اتخذ مكتري الدَّار تنوراً يجوز لَهُ عمله فِيهَا فاحترقت مِنْهُ الدَّار وبيوت الْجِيرَان لم يضمن وَلَو شَرط رَبهَا عَلَيْهِ أَن لَا يُوقد فِيهَا نَارا فَفعل ضمن (وَالْبَاب) يَعْنِي فِي السِّكَّة الْغَيْر النافذة أَي: فَلَا يجوز لوَاحِد من سكانها إِحْدَاث بَاب يُقَابل بَاب جَاره ويشرف عَلَيْهِ مِنْهُ، وَظَاهره وَلَو نكب أَي حرف الْبَاب الْمُحدث عَن بَاب جَاره بِحَيْثُ لَا يشرف مِنْهُ على مَا فِي دَار جَاره وَلَا يقطع عَنهُ مرفقاً من إِنْزَال أَصْحَابه ومربط دَابَّته، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن زرب وَابْن رشد، وَبِه الْعَمَل بقرطبة. ابْن نَاجِي: وَبِه الْعَمَل عندنَا اه. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَة: إِنَّه الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب اه. وَمُقَابِله أَنه إِن نكب عَن بَاب جَاره بِحَيْثُ لَا يشرف عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَا يقطع عَنهُ مرفقاً لم يمْنَع من إحداثه، وَبِه أفتى (خَ) إِذْ قَالَ: إِلَّا بَابا إِن نكب الخ. وَمَفْهُوم الْبَاب أَن الروشن أَو الساباط لمن لَهُ الجانبان يجوز لَهُ إحداثه بِغَيْر النافذة وَلَو بِغَيْر إِذن مِمَّن يمر تحتهما وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور كَمَا فِي الزّرْقَانِيّ، وَقيل يمْنَع إِلَّا بِإِذن من يمر تَحْتَهُ، ابْن نَاجِي: وَبِه الْعَمَل. وَفِي نَوَازِل الدَّعَاوَى من المعيار: أَن من أَرَادَ أَن يحدث ساقية أَو قادوساً من المَاء الحلو أَو غَيره فِي غير النافذة ويغطي ذَلِك بِالْحجرِ بِحَيْثُ لَا يضر أحدا فَإِنَّهُ لَا يمْنَع من ذَلِك وَلَو بِغَيْر إذْنهمْ، وبنحوه أفتى السراج حَسْبَمَا نَقَلْنَاهُ فِي نوازلنا، وَأما السِّكَّة النافذة فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: لَك أَن تفتح فِيهَا مَا شِئْت وتحول بابك حَيْثُ شِئْت مِنْهَا. ابْن نَاجِي: ظَاهرهَا وَإِن كَانَ مُقَابلا لباب غَيره وَبِه الْعَمَل اه. وَنَحْوه للمعلم مُحَمَّد بن الرَّامِي قَائِلا: الَّذِي بِهِ الْعَمَل أَن لَا يمْنَع من فتح بَاب وَإِن قَابل بَاب رجل آخر إِذا كَانَت الطَّرِيق بَينهمَا نَافِذَة اه. وَمَفْهُومه أَن إنْشَاء الْحَانُوت قبالة بَاب آخر يمْنَع مِنْهُ وَلَو فِي النافذة، وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ أَشد ضَرَرا لتكرر الْوَارِد عَلَيْهِ قَالَه
стр. 1209
الْبُرْزُليّ: ابْن نَاجِي: وَبِه الْعَمَل، وَقيل لَا يمْنَع مِنْهُ كالباب. قَالَ ابْن رشد: وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة. قَالَ ابْن رحال فِي شَرحه الْمَذْهَب فِي الْحَانُوت قبالة الْبَاب الْمَنْع مُطلقًا بسكة نَافِذَة أم لَا. ولفق ذَلِك فِي بَيْتَيْنِ نصهما: إِحْدَاث حَانُوت لباب غَيره يمْنَع مُطلقًا لَدَى المنتبه فِي نَافِذ وَغَيره لما يرى من عِلّة قد فهمت بِلَا مرا وَمَفْهُوم قبالة الْبَاب أَنه إِذا نكبه عَن الْبَاب جَازَ. قَالَ المتيطي: إِن الْحَانُوت لَا تتَّخذ للتِّجَارَة قبالة بَاب دَار جَاره إِلَّا مَعَ التنكيب وإلاَّ منع. (وَمثل الأندر) فَإِنَّهُ يمْنَع من إحداثه قبالة دَار وبستان لِأَن ربهما يتَضَرَّر بتبنه عِنْد الذرو قَالَه ابْن رشد (خَ) عاطفاً على مَا يمْنَع مِنْهُ وأندر قبل بَيت الخ. وَمثله نفض الْحَصِير على بَاب دَاره لتضرر الْمَارَّة أَو الْجَار بغباره (أَو) إِحْدَاث (مَا لَهُ مضرَّة بالجدر) جمع جِدَار كحفر مرحاض بِقرب جِدَار جَاره أَو بِنَاء رحى تضر بِهِ أَو حفر بِئْر كَذَلِك، فَإِنَّهُ يمْنَع من ذَلِك اتِّفَاقًا (خَ) : عاطفاً على الْمَنْع وَمُضر بجدار كاصطبل الخ. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَمن بنى مَا يضر بجاره من حمام أَو فرن أَو لتشبيب ذهب أَو فضَّة أَو كير لعمل حَدِيد أَو رحى مِمَّا يضر بجاره فَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَة: يمْنَع من ذَلِك، وَقَالَهُ مَالك. قَالَ ابْن حبيب: وُجُوه الضَّرَر كَثِيرَة، وَإِنَّمَا تتبين عِنْد نزُول الحكم فِيهَا فَمن ذَلِك دُخان الحمامات والأفران وغبار الأندر ونتن الدّباغ. الخ. وَمِنْه إِحْدَاث إصطبل فَإِنَّهُ يمْنَع من إحداثه ملاصقاً لدار جَاره مُطلقًا كَانَ قبالة بَاب جَاره أم لَا لما فِيهِ من الضَّرَر ببول الدَّوَابّ وزبلها وحركتها كَمَا فِي شرح ابْن حَال لِأَنَّهَا لَا تسكن أصلا بِخِلَاف الْبَقر اه. فَفِي الْبُرْزُليّ سُئِلَ اللَّخْمِيّ عَمَّن يدق النَّوَى فِي بَيته لبقره ويبيتها فِي بَيته فَقَالَ: يمْنَع من ذَلِك لِأَنَّهُ يضر بِالْبِنَاءِ، وَأما تبييت الْبَقر فَلَا ضَرَر على الْجَار فِيهِ اه. الْبُرْزُليّ: ظَاهره وَلَو كَانَ يَقع مِنْهُ الندا، وَيحْتَمل أَن لَا يكون فِيهِ إِلَّا حَرَكَة الْبَقر خَاصَّة، وَأما لَو كَانَ مَعَه ندا وضرر للحائط لوَجَبَ مَنعه كَمَا تمنع الأروية الْمعدة للبهائم اه. تَنْبِيهَانِ. الأول: تقدم أَن حفر الْبِئْر إِذا كَانَ يضر بجدار جَاره فَإِنَّهُ يمْنَع مِنْهُ، وَأما إِذا كَانَ لَا يضر بالجدار وَإِنَّمَا يضر ببئر جَاره فِي تقليل مَائِهَا أَو إعدائه بِالْكُلِّيَّةِ فَفِيهِ أَقْوَال. صدر فِي الشَّامِل فِي بَاب الْموَات بِعَدَمِ مَنعه وَهُوَ قَول أَشهب، وَرِوَايَته عَن مَالك قَالَ: لِأَنَّهُ قد أضرّ بِهِ تَركه كَمَا أضرّ بجاره حفره فَهُوَ أَحَق أَن يمْنَع جَاره من أَن يضر بِهِ فِي مَنعه الْحفر، وَعَلِيهِ اقْتصر ابْن شَاس وَابْن الْحَاجِب وَهُوَ ظَاهر النّظم هُنَا حَيْثُ خصص الْمَنْع بِضَرَر الْجِدَار لَا بِمَاء بِئْر جَاره، واستظهره ابْن بعد السَّلَام أَيْضا قَائِلا: لِأَن ضررهما متقابل ويترجح جَانب من أَرَادَ الإحداث بِأَنَّهُ تصرف فِي ملكه، وَأما إِن وجد عَنهُ مندوحة وَلم يتَضَرَّر بترك حفره فَلَا يُمكن من حفره لتمحص إضراره بجاره حِينَئِذٍ، وَمُقَابِله لِابْنِ الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة إِنَّه يمْنَع من حفره وَإِن اضْطر إِلَى ذَلِك. اللَّخْمِيّ: وَوَجهه أَن المَاء فِي يَد الَّذِي حفر أَولا مَعَ احْتِمَال أَن يكون هُوَ الَّذِي
стр. 1210
اختط تِلْكَ الأَرْض أَولا أَو آباؤه أَو الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ فَلَا ينتزع المَاء من يَده بِالشَّكِّ، وَثَالِثهَا يُمكن من حفره مَا لم يضر ببئر جَاره ضَرَرا بَينا، وَقد علمت أَن الأول هُوَ أقواها نقلا وَعلة، وَإِن قَالَ فِي التَّبْصِرَة: لَيْسَ عَلَيْهِ عمل لِأَنَّهُ أَي الأول مَرْوِيّ عَن مَالك، وَرجحه ابْن عبد السَّلَام وَاقْتصر عَلَيْهِ الفحول فَلَا يعدل عَنهُ بِحَال. الثَّانِي: ذكر فِي المعيار عَن ابْن الرَّامِي أَن ضَرَر الرَّحَى والإصطبل يرْتَفع عَن الْجِدَار ببعدهما عَنهُ بِثمَانِيَة أشبار أَو يشغل ذَلِك بالبنيان بَين دوران الْبَهِيمَة وحائط الْجَار انْظُر كَلَامه فِي (م) . فإنْ يكن يَضُرُّ بالمنافِعِ كالفُرْنِ بالْفُرْنِ فمَا مِنْ مَانِعِ (فَإِن يكن) الشَّيْء الْمُحدث (يضر بالمنافع) فَقَط (كالفرن) يحدثه (ب) قرب (الفرن) أَو الرَّحَى يحدثها بِقرب أُخْرَى أَو حمام كَذَلِك فتقل غلَّة الأول أَو تَنْقَطِع بِالْكُلِّيَّةِ (فَمَا من مَانع) من ذَلِك اتِّفَاقًا حَيْثُ كَانَ الْمُحدث لَا يضر بالقديم بِشَيْء من وُجُوه الضَّرَر، بل فِي نُقْصَان الْغلَّة أَو انقطاعها فَقَط قَالَه ابْن سهل. وَلَا مَفْهُوم للمنافع بل كَذَلِك إِذا كَانَ ينقص الثّمن لَا غير كَمَا أفتى بِهِ ابْن عتاب وَصَوَّبَهُ ابْن سهل خلافًا لأبي الْمطرف، وَنَقله المتيطي وَابْن عَرَفَة وَنَصه: فِي كَون إِحْدَاث حمام أَو فرن قرب دَار تجاوره لَا يَضرهَا بِدُخَان وَلَا غَيره إِلَّا أَنه يحط من ثمنهَا ضَرَرا يمْنَع أم لَا. نقل المتيطي مَعَ ابْن سهل عَن أبي الْمطرف مَعَ بعض شُيُوخ ابْن عتاب وَله مَعَ بعض شُيُوخه اه. فَلَو قَالَ النَّاظِم: فَإِن يكن يضر بالمنافع أَو ثمن فَمَا لَهُ من مَانع لشملهما. وَاسْتدلَّ ابْن عتاب لفتواه بِعَدَمِ اعْتِبَار نقص الْأَثْمَان باتفاقهم على عدم اعتبارهم نقص الْمَنَافِع إِذْ من لازمها نقص الْأَثْمَان، لَكِن قَالَ (ت) : أفتى ابْن مَنْظُور بمقابل مَا فِي النّظم وَإِن ضَرَر الْمَنَافِع يمْنَع مِنْهُ وَفِي الْبَيَان أَنه الْمَشْهُور ذكره فِي كتاب السداد والأنهار فِي رجل أحدث رحى قرب أُخْرَى اه. قلت: فَانْظُرْهُ مَعَ مَا نَقله الشَّارِح و (ح) عَن ابْن رشد أَوَائِل فصل مسْقط الْقيام بِالضَّرَرِ من أَنه قسم الضَّرَر إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: مِنْهُ مَا يمْنَع عَنهُ بِاتِّفَاق كالحمام والفرن وَمِنْه مَا لَا يمْنَع مِنْهُ بِاتِّفَاق كإحداث فرن قرب فرن آخر يضر بِهِ فِي غَلَّته فَقَط، وَمِنْه مَا يخْتَلف فِيهِ كَأَن يحدث فِي أرضه بِنَاء قرب أندر جَاره يمنعهُ بِهِ الرّيح فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يمْنَع، وَاخْتلف فِيهِ قَول سَحْنُون. قَالَ ابْن رشد: وَالْأَظْهَر أَنه لَا يمْنَع اه. فَأَنت ترى ابْن رشد بِنَفسِهِ حكى فِي مَسْأَلَة النّظم الِاتِّفَاق على عدم الْمَنْع كَمَا ذكره ابْن سهل أَيْضا محتجاً بِهِ على عدم اعْتِبَار نقص الْأَثْمَان، وراجع مَا أَشَارَ لَهُ (ت) عَن الْبَيَان فَلم يسعني الْآن مُرَاجعَته، وَالَّذِي فِي المعيار عَن العبدوسي مثل مَا للناظم وَلم يحك فِيهِ خلافًا، وَكَذَا الْبُرْزُليّ وَنَحْوه فِي مُفِيد الْحُكَّام والتبصرة، فَمَا للناظم هُوَ
стр. 1211
الْمُعْتَمد الَّذِي عَلَيْهِ الجادة وَلَا يعدل عَنهُ إِلَى سواهُ وَإِن صَحَّ تشهيره وَالله أعلم. ثمَّ بعد كتبي هَذَا وقفت على رُجُوع (ت) عَمَّا حَكَاهُ عَن الْبَيَان من التشهير انْظُر نَصه فِي نَوَازِل الضَّرَر من نوازلنا. تَنْبِيهَانِ. الأول: هَل يمْنَع أَرْبَاب النَّحْل أَو الْحمام أَو الدَّجَاج من اتِّخَاذه حَيْثُ أضرت بِالنَّاسِ فِي زروعها وبساتينها، وَهُوَ رِوَايَة مطرف عَن مَالك وَعدم مَنعهم وعَلى أَرْبَاب الزَّرْع وَالشَّجر حفظهَا وَهُوَ قَول لِابْنِ الْقَاسِم وَابْن كنَانَة. قَالَ ابْن حبيب: وَلَا يُعجبنِي قَول ابْن الْقَاسِم، بل قَول مطرف أحب إِلَيّ، وَبِه أَقُول وَهُوَ الْحق إِن شَاءَ الله ابْن عَرَفَة: هَذِه النَّازِلَة تقع كثيرا وَالصَّوَاب أَن يحكم فِيهَا بقول مطرف وَابْن حبيب، وَإِن كَانَ خلاف قَول ابْن الْقَاسِم لِأَن منع أَرْبَاب الْحَيَوَان أخف ضَرَرا من ضَرَر أَرْبَاب الزَّرْع وَالثِّمَار لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُم حفظهَا وَلَا يُمكنهُم نقل زرعهم وَلَا أَشْجَارهم، وَإِذ التقى ضرران ارْتكب أخفهما قَالَ: وَبَعْضهمْ يذكر ارْتِكَاب أخف الضررين حَدِيثا، وَبَعْضهمْ يذكرهُ أثرا، وَبَعْضهمْ يذكرهُ حكما مجمعا عَلَيْهِ اه. وَمَا ذكره ابْن عَرَفَة من تصويبه لقَوْل مطرف نَحوه لعيسى حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الضَّرَر من المعيار قَائِلا: هَذِه الْأَشْيَاء لَا يُسْتَطَاع الِاحْتِرَاز مِنْهَا، وَقد قيل فِيمَن لَهُ كوى فِي حَائِطه تَجْتَمِع فِيهَا البراطيل فتؤذي النَّاس فِي زُرُوعهمْ أَنه يُؤمر بسدها. وَقَالَ مَالك أَيْضا فِي الدَّابَّة الضارية بإفساد الزَّرْع تغرب أَو تبَاع على صَاحبهَا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاع الِاحْتِرَاز مِنْهَا. وَانْظُر مَا مر آخر فصل الْإِجَارَة فِي الدَّوَابّ تتْلف الزَّرْع وَنَحْوه. الثَّانِي: ظَاهر النّظم أَن ضَرَر الْأَصْوَات غير مُعْتَبر، وَحكى ابْن نَاجِي فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال. قيل بلغوه مُطلقًا قَالَ: وَبِه الْعَمَل عندنَا، وَقيل يمْنَع مُطلقًا قَالَه ابْن عتاب، وَبِه أفتى شُيُوخ طليطلة، وَقيل إِن عمل بِالنَّهَارِ فَالْأول وبالليل فَالثَّانِي، وَقيل: يجوز إِن خف وَلم يكن فِيهِ كَبِير مضرَّة اه. وَمَا حكى بِهِ الْعَمَل هُوَ الْمَشْهُور قَالَ فِي المعيار عَن ابْن رشد: وَالْمَشْهُور عدم منع الْأَصْوَات مثل الْحداد والكماد والنداف اه. وَظَاهره وَلَو اشْتَدَّ ودام وَهُوَ ظَاهر (خَ) أَيْضا حَيْثُ قَالَ عاطفاً على مَا لَا يمْنَع مِنْهُ وَصَوت ككمد الخ. وَقَالَ ابْن رحال فِي شَرحه بعد: نقُول قد تبين من هَذَا أَن الصَّوْت إِذا كَانَ قَوِيا مستداماً فِي اللَّيْل فَإِنَّهُ يمْنَع على مَا يظْهر رجحانه من النقول اه. فَانْظُرْهُ. وَهُوَ عَلَى الحُدُوثِ حَتَّى يَثْبُتَا خِلافُهُ بِذَا القَضَاءُ ثَبَتَا (وَهُوَ) أَي الضَّرَر إِذا تنَازعا فِي قدمه وحدوثه مَحْمُول (على الْحُدُوث حَتَّى يثبتا خِلَافه بذا) أَي بِهَذَا القَوْل (الْقَضَاء) وَالْعَمَل (ثبتا) عِنْد الموثقين كَابْن سَلمُون وَابْن فَرِحُونَ وَصَاحب الْمُفِيد والمتيطي وَغَيرهم وَهَذَا على أَن الضَّرَر يحاز بِمَا تحاز بِهِ الْأَمْلَاك كَمَا يَأْتِي فِي فصل مسْقط الْقيام بِالضَّرَرِ. وَأما على القَوْل بِأَنَّهُ لَا يحاز بِمَا تحاز بِهِ الْأَمْلَاك فَلَا يحْتَاج إِلَى النّظر فِي كَونه قَدِيما أَو حَادِثا بل يجب رَفعه وإزالته وَلَو طَالَتْ حيازته. وَإنْ يكن تَكَشّفاً فَلَا يُقَرْ بِحَيْثُ الأشْخاصُ تَبِينُ والصُّوَرْ
стр. 1212
(وَإِن يكن) الضَّرَر الْحَادِث (تكشفاً) كَمَا لَو فتح كوَّة أَو بَابا فِي غرفَة يشرف مِنْهَا على مَا فِي دَار جَاره أَو اسطوانه أَو بستانه الَّذِي جرت الْعَادة بالترداد إِلَيْهِ بالأهل وَلَو فِي بعض الْأَوْقَات كزمن الصَّيف كَمَا فِي (ح) وَابْن سَلمُون عَن ابْن الْحَاج (فَلَا يقر) ذَلِك التكشف بل يزَال وتغلق الكوة وَالْبَاب بِالْبِنَاءِ وتقلع عتبتهما لِئَلَّا يحْتَج بهَا إِذا طَال الزَّمَان، وَيَقُول: إِنَّمَا أغلقتها لأعيدها (خَ) وَقضى بسد كوَّة فتحت أُرِيد سد خلفهمَا الخ. وَمحل إِزَالَته إِذا كَانَ قَرِيبا (بِحَيْثُ الْأَشْخَاص تبين و) تتَمَيَّز (الصُّور) فَيعرف زيد من عَمْرو وَالذكر من الْأُنْثَى وَالْحسن من الْقَبِيح، وَإِلَّا فَلَا يقْضِي بإزالته وَظَاهره وَلَو كَانَت الكوة عالية بِحَيْثُ لَا يُمكن الِاطِّلَاع مِنْهَا إِلَّا بسرير وَنَحْوه وَهُوَ كَذَلِك على الْمَعْمُول بِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة عَن مَالك. قَالَ ابْن فتوح وَغَيره: وَبِه الْعَمَل خلافًا لما رُوِيَ عَن عمر ﵁ من أَنه يوضع السرير من جِهَة الْمُحدث للكوة وَأَن يقف عَلَيْهِ وَاقِف، فَإِن أطلعه على دَار جَاره منع من ذَلِك وإلاَّ فَلَا. وَجعله (ح) تقييداً لقَوْل (خَ) وَقضى بسد كوَّة الخ. وَقد علمت أَن الْمَعْمُول بِهِ هُوَ قَول مَالك أَنه يمْنَع مهما يشْهد بِهِ أَنه ضَرَر من غير تَقْيِيد بسرير وَلَا غَيره كَمَا لأرباب الوثائق ابْن فتوح وَابْن فَرِحُونَ وَابْن سَلمُون وَغَيرهم فَلَا يعول على تَقْيِيد (ح) وَمَا فِي المعيار والتبصرة من أَن الكوة الَّتِي لَا يُمكن الِاطِّلَاع مِنْهَا إِلَّا بسلم وَشبهه لَا يقْضِي بسدها كُله خلاف الْمَعْمُول بِهِ من قَول مَالك فِيمَا يظْهر كَمَا مر. وَقَوْلِي فِي الْحَادِث احْتِرَازًا من الْقَدِيم فَإِنَّهُ لَا يقْضِي بإزالته على الْمَشْهُور وَلَو لم تكن فِيهِ مَنْفَعَة. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: فَأَما كوَّة قديمَة أَو بَاب قديم لَا مَنْفَعَة لَهُ فِيهِ وَلَا مضرَّة على جَاره فَلَا يمْنَع مِنْهُ اه. وَيسْتَثْنى من الْقَدِيم الْمنَار فَإِنَّهُ يمْنَع الْمُؤَذّن من الصعُود إِلَيْهِ وَلَو قَدِيما حَتَّى يَجْعَل بِهِ سائراً يمْنَع من الِاطِّلَاع على الْجِيرَان من كل جِهَة حَتَّى لَا تتبين أشخاص وَلَا هيئات وَلَا أثاث قربت الدَّار أَو بَعدت كَمَا فِي (ح) فِي فصل الآذان. تَنْبِيهَات. الأول: من أحدث كوَّة يطلع مِنْهَا على مَا يطلع عَلَيْهِ غَيره فَإِنَّهُ يمْنَع من ذَلِك وَلَا حجَّة لَهُ فِي اطلَاع غَيره لِأَن هَذَا زِيَادَة ضَرَر بِمَنْزِلَة مَا تقدم فِي زِيَادَة الدُّخان وَسَوَاء كَانَ الزقاق نَافِذا أَو غير نَافِذ. الثَّانِي: من أحدث كوَّة تقَابل أُخْرَى فَطلب سد المحدثة فَقَالَ لَهُ الآخر: سد أَنْت الْقَدِيمَة فَإِنِّي إِنَّمَا سكت عَنْهَا نَحْو خمس سِنِين أَو أَربع على حسن الْجوَار، فَفِي كتاب ابْن سَحْنُون يحلف صَاحب الكوة المحدثة أَنه مَا ترك الْقَدِيمَة إِلَى هَذِه الْمدَّة إِلَّا على حسن الْجوَار غير تَارِك لحقه ثمَّ تسدان مَعًا. قَالَه ابْن الرَّامِي قَالَ: وَنزلت نازلة فِي رجل فتح كوَّة فِي دَاره لَا يتكشف مِنْهَا على جَاره غير أَنه يسمع كَلَامه فَرَأى بَعضهم أَنه ضَرَر وَلم يعتبره آخَرُونَ وَحكم بقول من لم يعتبره قَالَ: وَنزلت أَيْضا نازلة وَهِي أَن رجلا كَانَ لَهُ مطلع إِلَى سطح دَاره بسترة فَسَقَطت الستْرَة وَصَارَ
стр. 1213
كل من يطلع إِلَى السَّطْح ينظر لما فِي دَار الْجَار فَطلب مِنْهُ إِعَادَة الستْرَة فَحكم بِعَدَمِ إِعَادَتهَا وَلَكِن ينذرهم إِذْ صعد إِلَى سطحه قَالَ: وَسَأَلت القَاضِي ابْن عبد الرفيع عَمَّن أحدث كوَّة يرى مِنْهَا سطوح جِيرَانه وَبَعض الْجِيرَان يتَصَرَّف فِي سطحه بالنشر وَنَحْوه. فَقَالَ: لَا يمْنَع اه. قلت: تَأمل قَوْله: لَا يمْنَع فَإِنَّهُ مُخَالف مَا قَالُوهُ من أَن الْبُسْتَان الَّذِي يتَرَدَّد ربه إِلَيْهِ بالأهل وَلَو فِي بعض الْأَوْقَات على الْمَعْمُول بِهِ كَانَ بِهِ بِنَاء أم لَا. كَمَا قَالَه ابْن زيتون فَإِنَّهُ يمْنَع من إِحْدَاث المتكشف عَلَيْهِ والسطوح أَكثر تردداً وَأقوى فَمَا قَالُوهُ من عدم الْمَنْع مُقَابل وَالله أعلم. الثَّالِث: من بنى عَرصَة وَفتح فِيهَا أبواباً أَو كوَّة يطلع مِنْهَا على قاعة غَيره فَأَرَادَ صَاحب القاعة مَنعه وَقَالَ: هَذَا يضرني إِذا بنيت أَنا قاعتي دَارا، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَهُوَ الْأَصَح كَمَا فِي الشَّامِل إِنَّمَا يمنعهُ إِذا بنى فَيَقْضِي عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بسدها وَلَا يمنعهُ قبل الْبناء، وَقَالَ مطرف: يمنعهُ مُطلقًا. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: لَا يمنعهُ مُطلقًا. وَمَا بِنَتْنِ الرِّيح يُؤْذِي يُمْنَعُ فَاعِلُهُ كَالدَّبْغِ مَهْمَا يَقَعُ (وَمَا بنتن الرّيح يُؤْذِي) جَاره (يمْنَع) مِنْهُ (فَاعله) ومحدثه وَذَلِكَ (كالدبغ) والمجزرة والمرحاض الَّذِي لَا يغطيه (مهما يَقع) لِأَن الرَّائِحَة المنتنة تخرق الخياشيم وَتصل إِلَى الأمعاء فتؤذي الْإِنْسَان وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله ﵊ حَسْبَمَا فِي الْمُوَطَّأ: (من أكل من هَذِه الشَّجَرَة يَعْنِي الثوم فَلَا يقرب مَسْجِدنَا يؤذينا) . وَتقدم قَول (خَ) ورائحة كدباغ. وَقَول مَنْ يُثْبِتْهُ مُقَدَّمُ عَلَى مَقالِ مَنْ بِنَفْيٍ يَحْكُمُ (وَقَول من) أَي شَاهد (يُثبتهُ) أَي الضَّرَر (مقدم) عِنْد التَّعَارُض (على مقَال من) أَي شَاهد (بِنَفْي) لَهُ (يحكم) أَي يشْهد قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. قَالَ فِي التَّبْصِرَة: وَبِه الْقَضَاء وَعَلِيهِ الْعَمَل أَي لِأَن الْمُثبت مقدم على من نفى كَمَا مر آخر الشَّهَادَات خلافًا لما فِي المعيار من أَنه ينظر إِلَى أعدل الْبَيِّنَتَيْنِ، وَإِذا شهد بِنَفْي الضَّرَر وَحكم بِمُقْتَضَاهُ ثمَّ تبين خِلَافه نقض الحكم قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة يَعْنِي: وَكَذَلِكَ إِذا شهد بِالضَّرَرِ ثمَّ تبين خِلَافه. وَإن جِدَارٌ ساتِرٌ تَهَدَّمَا أَوْ كَانَ خَشْيَةَ السُّقُوطِ هُدِّمَا (وَإِن جِدَار سَاتِر) بَين دارين مَمْلُوك لأَحَدهمَا فَقَط وَلَيْسَ بمشترك (تهدما) وَحده بِأَمْر سماوي (أَو كَانَ) لم يتهدم وَحده بل (خشيَة السُّقُوط هدما) أَي هَدمه مَالِكه لميلانه وتلاشيه وخشية سُقُوطه وَلَو بِقَضَاء الْحَاكِم عَلَيْهِ بذلك لخشية سُقُوطه على الْمَارَّة أَو على الْجَار.
стр. 1214
فَمَنْ أَبَى بِنَاءَهُ لَنْ يُجْبَرَا وَقيلَ لِلطَّالِبِ إنْ شِئْتَ اسْتُرَا (فَمن أَبى بناءه) أَي السَّاتِر الْمُتَهَدِّم وَحده أَو خشيَة السُّقُوط (لن يجبرا) عَلَيْهِ إِذا طلبه صَاحبه على الْأَصَح وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم (وَقيل) أَي وَالْحكم إِذا لم يجْبر أَن يُقَال (للطَّالِب إِن شِئْت استرا) على نَفسك أَو اترك وَظَاهره أَنه لَا يجْبر، وَإِن كَانَ قَادِرًا على بنائِهِ وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور فَلَو قَالَ الْمَالِك: إِنِّي مُحْتَاج إِلَى هَدمه فَقَالَ مطرف وَابْن الْمَاجشون: ينظر الْحَاكِم فِي ذَلِك فَإِن ظهر صدقه ترك يصلح على نَفسه وَأمر بإعادته للسترة الَّتِي قد لَزِمته. وَقَالَ أصبغ: لَا تلْزمهُ إِعَادَته. ابْن حبيب: وَبقول مطرف أَقُول نَقله فِي ضيح، فَلَو قَالَ الْجَار للْمَالِك: أَعْطِنِي أَرض حائطك بترابه وَعلي الطوب وَالنَّفقَة فَإِذا تمّ حملنَا عَلَيْهِ مَعًا فَقَالَ سَحْنُون: لَا يجوز لِأَنَّهُ عقد لغير أجل مَعْلُوم وَلَا سمى كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يحمل عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فعلى رب القاعة وَالتُّرَاب أَن يُعْطي لرب الطوب وَالْعَمَل قيمَة طوبه وَعَمله وَيكون الْجِدَار لَهُ وَلَو سَأَلَ من ذِي الْجِدَار المائل أَن يَأْذَن لَهُ فِي هَدمه وبنائه لَهُ على أَن يحمل عَلَيْهِ فَفعل فَقَالَ ابْن دِينَار: سَبِيل هَذَا سَبِيل الشِّرَاء فَلَيْسَ لرب الْحَائِط أَن يرفع خشب الْبَانِي عَنهُ وَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم مَا مرّ وَهُوَ مَا إِذا تعمد الْهدم فَقَالَ: وعامِدٌ لِلْهَدْمِ دون مُقْتَضِ عليْهِ بالبِنَاء وحدَهُ قُضِي (وعامد للهدم) للجدار السَّاتِر بَينه وَبَين جَاره (دون) مَنْفَعَة لَهُ فِي الْهدم وَلَا (مُقْتَض) لذَلِك بل إِنَّمَا قصد بِهِ الضَّرَر لجاره أَو الْعَنَت (عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ وَحده) حَال والمجروران متعلقان بقوله: (قضي) وَالْجُمْلَة خبر عَامِد أَي قضى عَلَيْهِ بإعادته كَمَا كَانَ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مضار بجاره (خَ) : وَقضى بِإِعَادَة السَّاتِر لغيره أَن هَدمه ضَرَرا لَا لإِصْلَاح أَو انْهَدم الخ. وَظَاهر كَلَام (خَ) هَذَا كَغَيْرِهِ أَنه يجْبر على إِعَادَته وَلَو لم يكن لَهُ مَال يَعْنِي وَيُبَاع مِمَّن يبنيه وَهُوَ الَّذِي لِابْنِ رشد عَن سَماع يحيى وَعِيسَى وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا يدل عَلَيْهِ ابْن عَرَفَة، وَقيل إِنَّمَا يجْبر على إِعَادَته إِذا كَانَ لَهُ مَال وَإِلَّا أدب وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَعَلِيهِ عول النَّاظِم فَقَالَ: إنْ كانَ ذَا وَجْهٍ وَكانَ مَالَهُ وَالْعَجْزُ عَنْهُ أدباً أنَالهُ (إِن كَانَ ذَا وَجه) أَي مَحل الْقَضَاء عَلَيْهِ بإعادته كَمَا كَانَ إِذا كَانَ الهادم ذَا مَال (وَكَانَ) الْجِدَار (مَاله) أَي ملكه وَحده، وَهَذَا قيد فِي أصل الْمَسْأَلَة أَي وَإِن جِدَار سَاتِر تهدما وَكَانَ مَاله أَي غير مُشْتَرك (وَالْعجز عَنهُ) أَي عَن بنائِهِ حَيْثُ هَدمه ضَرَرا (أدبا) مفعول بقوله (أناله) وَالْجُمْلَة خبر الْعَجز، وَمَفْهُوم قَوْله: مَاله أَنه إِذا كَانَ لغيره فَعَلَيهِ قِيمَته إِلَّا أَن يكون وَقفا فَعَلَيهِ إِعَادَته على خلاف فِيهِ كَمَا مر فِي بَاب الْحَبْس، وَأما إِن كَانَ مُشْتَركا فَهُوَ قَوْله: وإنْ يكن مُشْتَركاً فَمَنْ هَدَمْ دُونَ ضَرُورَةٍ بنَاءَهُ التَزَمْ
стр. 1215
(وَإِن يكن) الْجِدَار السَّاتِر (مُشْتَركا فَمن هدم. دون ضَرُورَة) توجب هَدمه من تلاشيه وخشية سُقُوطه (بناءه) مفعول بقوله (الْتزم) أَي لزمَه أَن يبنيه كَمَا كَانَ لِأَنَّهُ أتلف مَال غَيره بِغَيْر مُوجب. وإنْ يكن لمقْتَضٍ فَالحُكْمُ أَنْ يَبْنِيَ مَعْ شَرِيكِهِ وَهُوَ السِّنَنْ (وَإِن يكن) هَدمه (لمقتض) كخشية سُقُوطه، وَأثبت ذَلِك بأرباب الْبَصَر وَبعد الْإِثْبَات هَدمه أَو انْهَدم الْحَائِط وَحده. (فَالْحكم أَن يَبْنِي) . ذَلِك الْحَائِط السَّاتِر (مَعَ شَرِيكه وَهُوَ السّنَن) أَي الطَّرِيق الْمَشْرُوع. مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ فإنْ أَبى قُسِمْ مَوْضِعُهُ بَيْنَهُمَا إذَا حُكِمْ (من غير إِجْبَار) لَهُ على الْبناء مَعَه يَعْنِي بل يُؤمر أَن يَبْنِي مَعَ شَرِيكه من غير قَضَاء عَلَيْهِ ابْتِدَاء على السّنَن الْمَشْرُوع (فَإِن) أَمر بِالْبِنَاءِ مَعَه ف (أَبى) وَامْتنع (قسم مَوْضِعه بَينهمَا) عرضا وَيَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا نصفه مِمَّا يَلِيهِ وَبنى فِي نصِيبه (إِذا حكم) أَي أمكن قسمه فَعبر بالحكم عَن الْإِمْكَان لِأَنَّهُ لَازمه إِذْ من لَازم الحكم بالقسم إِمْكَانه فَإِن لم يُمكن قسمه لكَونه لَا يصير لكل مِنْهُمَا مَا ينْتَفع بِهِ بِبِنَاء مُعْتَاد فِيهِ فَأَما بنى مَعَه أَو بَاعَ لمن يبنيه. فَالْحَاصِل أَنه يُؤمر أَولا بِالْبِنَاءِ مَعَه من غير إِجْبَار فَإِن أَبى قسم بَينهمَا إِن أمكن فَإِن لم يُمكن أجبر على الْبناء أَو البيع على الْمُعْتَمد كَمَا فِي (ح) قَائِلا: هَذَا هُوَ الَّذِي رَجحه صَاحب الْكَافِي وَابْن عبد السَّلَام وَغَيرهمَا، وَيكون حِين لم يُمكن قسمه من إِفْرَاد قَول (خَ) : وَقضى على شريك فِيمَا لَا يَنْقَسِم أَن يعمر أَو يَبِيع الخ. وَقَوْلِي: وَبعد الْإِثْبَات هَدمه الخ. احْتِرَازًا مِمَّا لَو هَدمه قبل الْإِثْبَات ونازعه شَرِيكه فِي خشيَة سُقُوطه وافتقاره للهدم فَإِن الهادم حِينَئِذٍ لَا يصدق وَيلْزمهُ بِنَاؤُه وَحده. تَنْبِيهَانِ. الأول: لَو كَانَت دَابَّة أَو معصرة أَو سفينة بَين رجلَيْنِ ولأحدهما مَا يطحن أَو يحمل عَلَيْهَا وَلَيْسَ للْآخر شَيْء يطحنه أَو يحملهُ وضع صَاحبه من الْحمل والطحن إِلَّا بكرَاء وَقَالَ الآخر: إِنَّمَا أطحن وأحمل فِي نَصِيبي، فَالْحكم أَنه يمْنَع من الْحمل والطحن حَتَّى يتراضيا على كِرَاء أَو غَيره وَإِلَّا بيع الْمُشْتَرك عَلَيْهَا كَمَا فِي (ح) . الثَّانِي: سُئِلَ اللَّخْمِيّ عَن حَائِط فاصل بَين جنتين يعْمل عَلَيْهِ السِّدْرَة والشوك لدفع الضَّرَر فَدَعَا أحد الرجلَيْن للْبِنَاء وأبى الآخر وَقَالَ: من شكا الضَّرَر فليبن. فَأجَاب: إِن كَانَ بَقَاؤُهُ مهدوماً يضرهما فَمن دَعَا إِلَى الْبناء فَالْقَوْل قَوْله، وَإِن كَانَ الضَّرَر ينَال أَحدهمَا فبناؤه على من يَنَالهُ الضَّرَر دون صَاحبه، وَإِن لم يكن هُنَاكَ حَائِط فَلَيْسَ على من أَبى أَن يحدث حَائِطا جبرا إِلَّا أَن يدْخل ضَرَر على أَصْحَاب الجنات بَعضهم من بعض، فَالْقَوْل لمن دَعَا إِلَى التصوين وَالْبناء.
стр. 1216
وإنْ تَدَاعَيَاه فالقَضَاءُ لمن لهُ العُقُودُ والبِنَاءُ (وَإِن تداعياه) أَي الْجِدَار فَادَّعَاهُ كل لنَفسِهِ وَلَا بَيِّنَة لوَاحِد مِنْهُمَا (فالقضاء) يكون (لمن) شهد (لَهُ) بِهِ الْعرف وَهُوَ سِتَّة (الْعُقُود وَالْبناء) عَلَيْهِ وَالْبَاب والغرز والكوة وَوجه الْبناء فالعقود والقمط مُتَرَادِفَانِ وهما عبارَة عَن معاقد الْأَركان وَهِي إِدْخَال الْحَائِط فِي الآخر كاشتباك الْأَصَابِع، وَمِنْه تقميط الصَّبِي وَهُوَ إِدْخَاله وستره فِي الْخرق، وَإِنَّمَا قضى بِهِ لذِي القمط والعقود لِأَن الْحِيطَان الْمَعْقُود بَعْضهَا بِبَعْض كحائط وَاحِد بني فِي وَقت وَاحِد لمَالِك وَاحِد، وَقيل: الْعُقُود عبارَة عَن تدَاخل الْأَركان، والقمط عبارَة عَمَّا يشد بِهِ وَجه الْحَائِط ويمنعه من الانتثار من جير وجص وَنَحْوهمَا، وَقيل: القمط الْفرج غير النافذة، وَقيل: تَوْجِيه الْآجر، وَقيل: السَّوَارِي تبنى فِي الْحَائِط، فهما على هَذِه التفاسير متباينان وكل من هَذِه الْوُجُوه يشْهد لمن هِيَ إِلَى جِهَته بِلَا إِشْكَال، وَأما الْبناء فَمَعْنَاه أَن الْحَائِط إِذا كَانَ عَلَيْهِ بِنَاء لأَحَدهمَا دون الآخر فَهُوَ لمن لَهُ عَلَيْهِ الْبناء كسترة وَنَحْوهَا، وَكَذَا إِذا كَانَت بَابه لجِهَة أَحدهمَا دون الآخر، أَو كَانَت جُذُوع أَحدهمَا مَحْمُولَة عَلَيْهِ دون الآخر، أَو كَانَت الكوة الْغَيْر النافذة لجِهَة أَحدهمَا وَهِي الَّتِي تتَّخذ لرفع الْحَوَائِج، وَلَا بُد أَن تكون مَبْنِيَّة مَعَ بِنَاء الْحَائِط، وَأما المنقوبة فَلَا دَلِيل فِيهَا كَمَا أَن النافذة كَذَلِك، أَو كَانَ وَجه الْبناء إِلَى جِهَة أَحدهمَا دون صَاحبه، فَمن وجدت هَذِه الْأَشْيَاء أَو بَعْضهَا إِلَى ناحيته قضى لَهُ بِهِ إِذا لم تقم بَيِّنَة للْآخر، وإلاَّ فالاعتماد على الْبَيِّنَة. وَلَو وجدت هَذِه الْأَشْيَاء جَمِيعهَا فَلَو اشْتَركَا فِي هَذِه العلامات حلفا واشتركا فِيهِ كَمَا لَو كَانَت جُذُوع كل مِنْهُمَا مَحْمُولَة عَلَيْهِ أَو وَجه آجر الْبناء
стр. 1217
لجِهَة كل مِنْهُمَا أَو عقوده لكل مِنْهُمَا، فَإِن كَانَ أَحدهمَا انْفَرد بالقمط وَالْآخر بالخشب فَهُوَ لذِي القمط لِأَنَّهَا أقوى دلَالَة والخشب لم يرهَا. ابْن الماشجون حجَّة قَالَ: لِأَنَّهَا تغرز بِالْهبةِ وَالسَّرِقَة. قَالَ الْمعلم مُحَمَّد: مَا كَانَ مِنْهُمَا موصلاً وضع بِغَيْر حفر أوجب الْملك لِرَبِّهَا وَمَا وضع بالنقب فَلَا يُوجب ملكا وَلَو كَانَ لأَحَدهمَا بَاب وَللْآخر حمل الْخشب، فَقَالَ سَحْنُون: هُوَ لرب الْبَاب وَللْآخر حمل الْخشب، وَتقدم عِنْد قَوْله: وَوَاحِد يجزىء فِي بَاب الْخَبَر الخ. أَن القَاضِي يجب عَلَيْهِ أَن يشْتَرط على أَرْبَاب الْبَصَر أَن لَا يحكموا فِي شَيْء ويضعونه بِمَا يزِيل الْإِشْكَال وَينظر هُوَ فِيهِ.
(فصل فِي ضَرَر الْأَشْجَار)
وَمَا يُثمر مِنْهُ وَمَا لَا. وَكلُّ مَا كَانَ مِنَ الأَشْجَارِ جَنْبَ جِدَارٍ مُبْدِيَ انتِشَارِ (وكل مَا كَانَ من الْأَشْجَار جنب جِدَار) أَي حذوه حَال كَونه أَي الْأَشْجَار (مبدي انتشار) أَي آخِذا فِيهِ فَهُوَ على قسمَيْنِ: إِمَّا أَن يكون الْجِدَار سَابِقًا على الْأَشْجَار أَو الْعَكْس. فإنْ يَكن بَعْدَ الْجِدَارِ وُجِدا قُطِعَ مَا يُؤْذِي الجِدَارَ أَبَدَا (فَإِن يكن) الشّجر (بعد) بِنَاء (الْجِدَار وجدا) أَي غرس (قطع مَا يُؤْذِي الْجِدَار) مِنْهُ (أبدا) من غير خلاف. وَحَيْثُ كَانَ قَبْلَهُ يُشَمَّرُ وَتَرْكُه وَإنْ أضَرَّ الأشْهَرُ (وَحَيْثُ كَانَ) الشّجر مَوْجُودا (قبله) أَي قبل الْجِدَار (يشمر) يقطع أغصانه الَّتِي انتشرت على الْجِدَار وأضرت بِهِ وَهُوَ قَول مطرف وَعِيسَى وَأصبغ وَابْن حبيب، واستظهره فِي الْبَيَان وَهُوَ الْمُعْتَمد وَالْمذهب، وَوَجهه أَن الْجِدَار بناه ربه فِي ملكه فأغصان الشّجر الممتدة عَلَيْهِ قد خرجت عَن ملك رَبهَا فَيجب قطعهَا لِأَنَّهَا ضَرَر على من خرجت إِلَيْهِ، وَمُقَابِله لِابْنِ الْمَاجشون أَنَّهَا لَا تشمر لِأَن الْبَانِي قرب شَجَرَة قد أَخذ من حريمها وَهُوَ يعلم أَن شَأْن الشّجر الانتشار وَلم يرجح (خَ) وَاحِدًا مِنْهُمَا بل قَالَ: وَيقطع مَا أضرّ من شَجَره بجدران تَجَدَّدَتْ وإلاَّ فَقَوْلَانِ. وَأما النَّاظِم فشهر الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: (وَتَركه) أَي التشمير (وَإِن أضرّ) الشّجر بالجدار هُوَ (الْأَشْهر) وَفِيه نظر فَإِن الْأَشْهر هُوَ الأول كَمَا مر لظُهُور علته وَكَثْرَة قَائِله، وَلذَا كَانَ لَا خُصُوصِيَّة للجدار بِمَا
стр. 1218
ذكر بل كَذَلِك إِذا امتدت أَغْصَانهَا على أَرض جَاره فَإِنَّهُ يقطع مِنْهَا مَا أضرّ بأرضه كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وكل مَا خرج عَن هَوَاء صَاحبه الخ. ومَنْ تكُنُ لَهُ بِمِلْكٍ شَجَرَهْ أَغْصَانُهَا عاليَةٌ مُنْتَشِرَهْ (وَمن تكن لَهُ بِملك) أَي فِي ملكه وأرضه (شَجَرَة) من نعتها (أَغْصَانهَا عالية منتشرة) فِي هَوَاء ملك رَبهَا لم تخرج عَن هوائه محَال. فلَا كلَامَ عِنْدَ ذَا لِجَارِها لَا فِي ارْتِفَاعِهَا وَلا انْتِشَارِهَا (فَلَا كَلَام عِنْد ذَا لجارها لَا فِي ارتفاعها وَلَا) فِي (انتشارها) وَإِن منعته الشَّمْس وَالرِّيح فَلَا حجَّة لَهُ كالبنيان يرفعهُ الرجل فِي ملكه فَيمْنَع جَاره الشَّمْس وَالرِّيح كَمَا يَأْتِي آخر الْفَصْل بعده. وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَن هَوَاءِ صَاحِبهَا يُقْطَعُ باسْتِوَاءِ (وكل مَا خرج) من أَغْصَانهَا (عَن هَوَاء) أَرض (صَاحبهَا) وامتد على أَرض جَاره فَإِنَّهُ (يقطع) ذَلِك الْخَارِج فَقَط (باستواء) وَظَاهره أَنه لَا حجَّة لَهُ فِي قَوْله: أَخَاف أَن يطرقني أَو يتكشف عَليّ مِنْهَا وَهُوَ كَذَلِك، وَلَكِن إِذا صعد عَلَيْهَا أنذره بطلوعه ليستتر مِنْهُ حريمه (خَ) عاطفاً على مَا لم يمْنَع فِيهِ وصعود نَخْلَة وأنذر بطلوعه، وَهَذَا إِذا كَانَت نابتة فِي أرضه فامتدت أَغْصَانهَا لأرض جَاره، وَأما لَو كَانَت لَك شَجَرَة نابتة فِي أرضه بَاعهَا لَك أَو خرجت لَك بقسمة وَنَحْوهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يقطع مَا طَال وانبسط مِنْهَا كَمَا قَالَ: وَإنْ تكن بِمِلْكِ مَنْ لَيْسَتَ لَه وَانْتَشَرَتْ حَتَّى أَظَلَّتْ جُلَّهُ (وَإِن تكن) شَجَرَة (بِملك من لَيست لَهُ) أَي فِي أَرض غَيره ملكهَا بشرَاء أَو هبة (وانتشرت) وعظمت (حَتَّى أظلت جله) أَي جلّ ملك الْغَيْر. فَمَا لربِّ الْمِلْكِ قَطْعُ مَا انْتَشَرْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ ذَا شَأَنُ الشَّجرْ (فَمَا لرب الأَرْض قطع مَا انْتَشَر) مِنْهَا وَإِن أضرّ بأرضه (لعلمه بِأَن ذَا شَأْن الشّجر) قَالَه ابْن
стр. 1219
الْقَاسِم وَغَيره. وَهَذَا كُله فِي الأغصان، وَأما لَو كَانَت لَهُ فِي أرضه شَجَرَة فَخرجت عروقها لأرض جَاره فَنَبَتَتْ وَصَارَت شَجرا مثمراً فَإِن من نَبتَت فِي أرضه مُخَيّر بَين أَن يقلعها أَو يُعْطِيهِ قيمتهَا مقلوعة إِلَّا أَن يكون لصَاحب الشَّجَرَة مَنْفَعَة لَو قلعهَا وغرسها بِموضع آخر لنبتت فَلهُ قلعهَا وَأَخذهَا وَإِن كَانَت لَا مَنْفَعَة لَهُ فِيهَا وَلَا مضرَّة عَلَيْهِ فِيهَا فَهِيَ لرب الأَرْض انْظُر الْمواق. وَالحُكْمُ فِي الطّريقِ حُكْمُ الجَارِ فِي قَطْعِ مَا يُؤْذِي مِنَ الأَشْجَارِ (وَالْحكم فِي الطَّرِيق) تمتد أَغْصَان الْأَشْجَار عَلَيْهَا (حكم الْجَار فِي قطع مَا يُؤْذِي) المارين فِي الطَّرِيق (من الْأَشْجَار) لِأَن الطَّرِيق حبس على سَائِر الْمُسلمين وَذَلِكَ يُوجب اسْتِوَاء الحكم بَينهم وَبَين الْجَار، وَمَفْهُوم الْأَشْجَار أَن الْبناء بِالطَّرِيقِ يهدم وَإِن لم يؤذ المارين وَلَا ضيقها عَلَيْهِم (خَ) : ويهدم بِنَاء بطرِيق وَلَو لم يضر الخ. نعم لَا بَأْس بالروشن والساباط فَوق الطَّرِيق النافذة لمن لَهُ الجانبان حَيْثُ رفع على رُؤُوس الراكبين وَلم يظلماها كَمَا قَالَ (خَ) أَيْضا: وروشن وساباط لمن لَهُ الجانبان بسكة نفذت، وَتقدم مَا فِي ذَلِك عِنْد قَول النَّاظِم: كالفرن وَالْبَاب وَكَذَا من ملك جَانِبي النَّهر فَلهُ أَن يَبْنِي ساباطاً فَوْقه وَلَيْسَ للسطان مَنعه وَلَا حجَّة لَهُ فِي أَن الْوَادي لَهُ نَقله (م) .
(فصل فِي مُسْقط الْقيام بِالضَّرَرِ)
على الْمَشْهُور بِأَنَّهُ يحاز بِمَا تحاز بِهِ الْأَمْلَاك. وَعَشْرَةُ الأَعْوَامِ لامْرِىءٍ حَضَرْ تَمْنَعُ إنْ قَامَ بِمُحْدِثِ الضَّرَرْ (وَعشرَة الأعوام) مَضَت (لامرىء) رشيد (حضر) إِحْدَاث ضَرَر عَلَيْهِ عَالما بِهِ سَاكِنا بِلَا عذر (تمنع) الْحَاضِر الْمَذْكُور (إِن قَامَ) بعْدهَا (بمحدث) بِفَتْح الدَّال (الضَّرَر) من إِضَافَة الصّفة للموصوف أَي الضَّرَر الْمُحدث، وَفهم مِنْهُ أَنه إِذا كَانَ غَائِبا أَو مَضَت عَلَيْهِ أقل من عشرَة أَو كَانَ مَحْجُورا مولى عَلَيْهِ أَو صَغِيرا أَي غير عَالم أَو غير سَاكِت أَو كَانَ لَهُ عذر لَهُ فِي سُكُوته من سطوة وَنَحْوهَا فَهُوَ على حَقه، وَلَو طَالَتْ الْمدَّة حَتَّى تمْضِي عشر سِنِين من قدومه من الْغَيْبَة وَزَوَال الْحجر وَحُصُول الْعلم وَنَحْو ذَلِك.
стр. 1220
وَذَا بهِ الْحُكْمُ وبالْقِيَامِ قدْ قِيل بالزائِدِ فِي الأَيَّامِ (وَذَا) القَوْل الَّذِي قَالَ يسْقط حَقه بِمُضِيِّ الْعشْرَة وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب وَابْن نَافِع و (بِهِ الحكم) وَعَلِيهِ الْعَمَل كَمَا فِي المعيار عَن ابْن رشد، وَمثله فِي التَّبْصِرَة وَغَيرهَا، وَمُقَابِله لأصبغ أَنه لَا يسْقط حَقه إِلَّا بالعشرين سنة وَنَحْوهَا وَهُوَ معنى قَوْله: (وبالقيام قد قيل بِالزَّائِدِ) على الْعشْرَة (فِي الْأَيَّام) الْكَثِيرَة إِلَى عشْرين سنة وَنَحْوهَا، فَيسْقط حَقه حِينَئِذٍ وغايته أَنه أطلق جمع الْقلَّة على جمع الْكَثْرَة وَهُوَ كثير فِي الْعَرَبيَّة كَمَا فِي الْخُلَاصَة هَذَا هُوَ الظَّاهِر، فَيكون قد أَشَارَ إِلَى قَول أصبغ، وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بِالْأَيَّامِ الْيَسِيرَة كالعشرة أَيَّام بِدَلِيل جمع الْقلَّة، وَيكون أَشَارَ إِلَى قَول من قَالَ: إِن الْعشْر سِنِين لَا تَكْفِي بل لَا بُد من مُطلق الزِّيَادَة عَلَيْهَا حَسْبَمَا حَكَاهُ ابْن عَرَفَة فِي جملَة الْأَقْوَال الثَّمَانِية الَّتِي نقلهَا فِيمَا يسْقط بِهِ الضَّرَر، وَظَاهر النّظم أَن الْعشْرَة أَعْوَام قَاطِعَة لحقه، سَوَاء كَانَ الْحَائِز قَرِيبا للمحوز عَنهُ أَو أَجْنَبِيّا وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي الطرر وَغَيرهَا فَلَيْسَتْ حِيَازَة الضَّرَر كحيازة الْأَمْلَاك الَّتِي يفرق فِيهَا بَين الْأَقَارِب والأجانب، وَظَاهره أَيْضا أَنَّهَا قَاطِعَة لحقه كَانَ الضَّرَر مِمَّا لَا يتزايد كالكوة وَالْبَاب أَو مِمَّا يتزايد ضَرَره كالكنيف والمدبغ والحفر الَّتِي يستنقع المَاء فِيهَا وَهُوَ كَذَلِك، وَقيل: الضَّرَر المتزايد لَا يحاز بِالْعشرَةِ وَلَا بغَيْرهَا لِأَن الدّباغ والكنيف يحدثان بطول الزَّمَان وَهنا على وَهن وضعفاً فِي جِدَار الْجِدَار فَلهُ الْقيام بِمَا زَاد عَلَيْهِ من الضَّرَر وَلَو طَال، وَقيل: لَا يحاز الضَّرَر أصلا كَانَ مِمَّا يتزايد أم لَا. وَهُوَ قَول ابْن حبيب، وَعَلِيهِ فَفِي حوز الضَّرَر وَعَدَمه. ثَالِثهَا إِن كَانَ مِمَّا لَا يتزايد وعَلى الْحَوْز فَفِي كَونه بالعشر أَو بالعشرين ثَالِثهَا بالعشر وَزِيَادَة الْأَيَّام الْيَسِيرَة. وَمن رأى بُنْيَانَ مَا فِيهِ ضَرَرْ وَلَمْ يقُمْ مِنْ حِينِهِ بِمَا ظَهَرْ (وَمن رأى بُنيان مَا فِيهِ ضَرَر) عَلَيْهِ وَسكت (وَلم يقم من حِينه بِمَا ظهر. حَتَى رَأى الْفَرَاغَ مِنْ إتْمَامِهِ مُكِّنَ بالْيَمِينِ مِن قِيامِهِ حَتَّى رأى الْفَرَاغ من إِتْمَامه) أَي الْبُنيان وَفتح الْبَاب وَنَحْوهمَا فَقَامَ بِحقِّهِ بعد الْفَرَاغ بِالْقربِ
стр. 1221
وَأَحْرَى بعد طول وَقبل مُضِيّ مُدَّة الْحِيَازَة (مكن بِالْيَمِينِ من قِيَامه) أَي: فَيحلف أَن سُكُوته حَتَّى كمل الْبُنيان وَفتح الْبَاب مثلا مَا كَانَ عَن رضَا بِإِسْقَاط حَقه ويهدم الْبناء ويسد الْبَاب حِينَئِذٍ قَالَه فِي التَّبْصِرَة والوثائق الْمَجْمُوعَة وَابْن سَلمُون وَغَيرهم، وَفهم من قَوْله: وَلم يقم أَنه إِذا قَامَ حِين رَآهُ يَبْنِي وَأَرَادَ مَنعه من الْبناء فَإِنَّهُ لَا يمْنَع من بنائِهِ وإتمام عمله حَتَّى يثبت الضَّرَر ويعذر للباني فِيهِ وَلم يجد فِيهِ مطعناً فيهدم الْبناء عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَلَو كمل كَمَا فِي التَّبْصِرَة، وَالْفرق بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَسْأَلَة النَّاظِم أَنه فِي هَذِه أَرَادَ أَن يمنعهُ بِمُجَرَّد الدَّعْوَى حِين شُرُوعه فِي الْبناء أَو بعد أَن أثبت الْبَيِّنَة المحتاجة للتزكية والاعذار فَإِن الْبَانِي لَا يمْنَع من إتْمَام عمله حَتَّى يعجز عَن الدّفع كَمَا مر إِذْ لَا يحكم على أحد بِالْمَنْعِ من التَّصَرُّف فِي ملكه مَعَ قيام احْتِمَال صِحَة الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة وَعدم صِحَّتهَا وَبِه تعلم أَن مَا للشَّيْخ الرهوني من استشكال هَذِه الْمَسْأَلَة غير سديد كَمَا أَن مَا قَالَه من عدم وجوب الْيَمين فِي مَسْأَلَة النَّاظِم إِن قَامَ بِالْقربِ غير سديد أَيْضا إِذْ هَذِه الْيَمين يَمِين تُهْمَة والمعمول بِهِ توجهها فِي الْقرب والبعد كَمَا مر فِي بَاب الْيَمين. فإنْ يَبِعْ بَعْدُ بِلَا نِزَاعِ فَلَا قيامَ فِيهِ لِلْمُبْتَاعِ (فَإِن يبع) الْمُحدث عَلَيْهِ الضَّرَر (بعد) أَي بعد حُدُوثه عَلَيْهِ وَعلمه بِهِ حَال كَونه (بِلَا نزاع) فِيهِ أَي بَاعَ بعد الإحداث وَالْعلم بِهِ وَقبل النزاع فِيهِ (فَلَا قيام) وَلَا خصام (فِيهِ للْمُبْتَاع) اتِّفَاقًا كَمَا فِي (خَ) عَن ابْن عَرَفَة لِأَنَّهُ اشْترى على تِلْكَ الْحَالة، وَظَاهره وَلَو لم يعلم بِهِ، وَقيل: إِذا لم يعلم بِهِ المُشْتَرِي فَلهُ رده على البَائِع لِأَن الضَّرَر عيب لم يطلع عَلَيْهِ، فَإِذا رده فَللْبَائِع حِينَئِذٍ الْقيام بِهِ قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة عَن حبيب بن نصر، وَيَنْبَغِي حمله على التَّفْسِير لما درج عَلَيْهِ النَّاظِم: وإنْ يكُنْ حينَ الخِصَام بَاعَا فالْمُشْترِي يَخْصِمُ مَا اسْتَطَاعَا (وَإِن يكن) البَائِع لم يعلم بالإحداث أَو علم وَتكلم فِيهِ وَخَاصم و (حِين الْخِصَام) أَو عدم الْعلم (باعا فَالْمُشْتَرِي يخصم) فِي ذَلِك الضَّرَر (مَا استطاعا) لقِيَامه مقَام البَائِع حِينَئِذٍ وحلوله مَحَله إِذْ البَائِع حِينَئِذٍ بَاعَ مَا يملكهُ من الدَّار وَرفع الضَّرَر، وَالْمُشْتَرِي اشْترى ذَلِك فَقَامَ فِيهِ مقَام البَائِع، وَظَاهره أَن هَذَا البيع جَائِز وَلَيْسَ هُوَ من بيع مَا فِيهِ خُصُومَة. وَقَالَ ابْن بطال مَعْنَاهُ: إِن الْحَاكِم قضى بِإِزَالَة الضَّرَر وأعذر وَبَقِي التسجيل وَالْإِشْهَاد يَعْنِي على الحكم، وَأما لَو بَاعَ وَقد بَقِي شَيْء من المدافع والحجج لم يجز البيع لِأَنَّهُ بيع مَا فِيهِ خُصُومَة يَعْنِي: وَالْمَشْهُور مَنعه، وَقد أَطَالَ (خَ) من ذكر الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة والمعول عَلَيْهِ مَا للناظم وَالله أعلم.
стр. 1222
وَمَانِعُ الشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ مَعا لِجَارِهِ بِمَا بَنَى لَنْ يُمْنَعَا (ومانع الرّيح أَو الشَّمْس) أَو هما (مَعًا لجاره) مفعول بمانع وَاللَّام زَائِدَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء (بِمَا بنى لن يمنعا) من ذَلِك على الْمَشْهُور ابْن نَاجِي وَبِه الْعَمَل، وَهُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة قَالَ فِيهَا: وَمن رفع بُنْيَانه فَتَجَاوز بِهِ بُنيان جَاره وأفسد عَلَيْهِ كواه فأظلمت. أَبْوَاب غرفه وكواها وَمنعه الشَّمْس لم يمْنَع من هَذَا الْبُنيان اه. وَهَذَا إِذا كَانَ للباني فِي رفع بنائِهِ مَنْفَعَة قَصدهَا، وَأما إِذا لم يكن لَهُ فِي الْبناء مَنْفَعَة وَثَبت ذَلِك فَإِنَّهُ يمْنَع كَمَا قَالَه ابْن عتاب، إِذْ لَا ضَرَر أَكثر من أَن يمْنَع الْإِنْسَان جَاره الضَّوْء وَالرِّيح من غير نفع يعود عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَظَاهره أَنه لَا يمْنَع من رفع بُنْيَانه وَلَو منع الشَّمْس وَالرِّيح عَن الأندر السَّابِقَة على بنائِهِ وَهُوَ مَا اسْتَظْهرهُ ابْن رشد كَمَا مّر عِنْد قَوْله: فَإِن يكن يضر بالمنافع الخ. وَلَكِن الْمَشْهُور خِلَافه (خَ) : لَا مَانع شمس وريح إِلَّا الأندر أَي فَإِنَّهُ يمْنَع من بِنَاء مَا يمْنَع الشَّمْس وَالرِّيح، وَظَاهره وَلَو احْتَاجَ للبنيان وَكَانَت لَهُ فِيهِ مَنْفَعَة وَمثل الأندر مرج الْقصار ومنشر المعاصر وجرين التَّمْر وَالْفرق بَين الأندر وَغَيرهَا عِنْد ابْن الْقَاسِم فِيمَا يظْهر أَن الدَّار لَا يُمكن منع الضَّوْء مِنْهَا جملَة إِذْ مَا يقابلها من السَّمَاء يضيئها قطعا، وَكَذَا الشَّمْس، وَأما الرّيح فالمقصود مِنْهَا اتقاؤه بهَا والكوة يُمكنهُ فتحهَا لوسط دَاره بِخِلَاف الأندر وَمَا مَعَه فَإِن منفعَته تبطل كلهَا بِمَنْع الشَّمْس وَالرِّيح، وَأما الْبِئْر إِذا أَرَادَ حفرهَا فِي أرضه وَهِي تنقص مَاء بِئْر جَاره أَو تقطعه فقد يتَقَدَّم الْكَلَام عَلَيْهَا عِنْد قَوْله: أَو مَا لَهُ مضرَّة بالجدر.
стр. 1223
(فصل فِي الْغَصْب والتعدي)
قَالَ (خَ) : الْغَصْب: هُوَ أَخذ مَال قهرا تَعَديا بِلَا حرابة الخ. فَقَوله: أَخذ مَال كالجنس يَشْمَل أَخذ الْإِنْسَان مَال نَفسه من تَحت يَد الْمُودع وَغَيره، وَخرج بقوله مَال أَخذ امْرَأَة اغتصاباً كَمَا يَأْتِي، وَخرج بِهِ أَيْضا أَخذ رَقَبَة الْحر وَالْخِنْزِير وَنَحْوهمَا مِمَّا لَا يملكهُ الْمُسلم، وَقَوله قهرا مخرج للسرقة لِأَنَّهَا أَخذ مَال خُفْيَة وللغيلة لِأَنَّهُ لَا قهر فِيهَا لِأَنَّهَا بِمَوْت الْمَالِك، ومخرج أَيْضا لما أَخذه اخْتِيَارا كالسلف وَالْعَارِية والقراض وَالصَّدَََقَة وَنَحْوهَا. وَقَوله: تَعَديا مخرج لما أَخذه من محَارب وَنَحْوه، وَلما إِذا أَخذ الشَّيْء الْمَغْصُوب من يَد غاصبه ولآخذ الزَّكَاة كرها من مُمْتَنع من دَفعهَا ولأخذ الْجِزْيَة ولأخذ السَّيِّد مَال عَبده ولأخذ الْأَب وَالْجد الغنيين مَال ولدهما لِأَن لَهما فِيهِ شُبْهَة، وَلذَا لم يقطعا فِيهِ فَإِن ذَلِك كُله مَأْخُوذ بالقهر، وَلَكِن لَا عداء فِيهِ. وَقَوله: بِلَا حرابة مخرج لما أَخذه الْمُحَارب فَإِن الْأَوْصَاف السَّابِقَة تصدق عَلَيْهِ والحرابة غير الْغَصْب لاخْتِلَاف أحكامهما. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَلَيْسَ كل غَاصِب مُحَاربًا لِأَن السُّلْطَان يغصب وَلَا يعد مُحَاربًا اه. وَاعْترض قَوْله: بِلَا حرابة بِأَنَّهُ يُوجب فِي الْحَد التَّرْكِيب الَّذِي هُوَ توقف الْمَحْدُود على معرفَة حَقِيقَة أُخْرَى لَيست أَعم مِنْهُ وَلَا أخص من أعمه، وَبِأَنَّهُ غير مَانع لدُخُول الْمَنَافِع فِيهِ كأخذه سُكْنى دَار وحرث عقار وَنَحْوهمَا. وَلَيْسَ غصبا بل تَعَديا فَلَو زَاد بعد قَوْله: مَال غير مَنْفَعَة، وأبدل قَوْله بِلَا حرابة بقوله بِلَا خوف فَقَالَ كَمَا فعل ابْن عَرَفَة لسلم من الِاعْتِرَاض، وَالْمرَاد بِالْأَخْذِ الِاسْتِيلَاء على المَال وَإِن لم يحزه لنَفسِهِ بِالْفِعْلِ، فَإِذا استولى الظَّالِم على مَال شخص وَحَال بَينه وَبَين مَاله وَقد أبقاه بموضعه الَّذِي وَضعه ربه كَانَ غَاصبا ضَامِنا لَهُ إِن تلف. وَأما التَّعَدِّي: فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْن عَرَفَة التَّصَرُّف فِي الشَّيْء بِغَيْر إِذن ربه دون قصد تملكه فَقَوله: التَّصَرُّف كالجنس يَشْمَل التَّصَرُّف بِالِانْتِفَاعِ وَالتَّصَرُّف بالاستهلاك والإتلاف كلا أَو بَعْضًا، فَالْأول كَقَتل الدَّابَّة وَحرق الثَّوْب، وَالثَّانِي كخرق بخاء مُعْجمَة لثوب وَكسر بعصى صَحْفَة أَو عصى، وَقَوله بِغَيْر إِذن ربه مخرج للإجارة وَالْعَارِية وَنَحْوهمَا. وَقَوله: دون قصد تملكه مخرج للغصب لِأَن الْغَاصِب يقْصد تملك الْمَغْصُوب، وَقد فهم مِنْهُ أَن الْفرق بَين الْغَصْب والتعدي هُوَ قصد التَّمَلُّك وَعَدَمه، وَأَنه إِذا أقرّ بِقصد التَّمَلُّك أَو دلّت عَلَيْهِ قرينَة وَاضِحَة فَهُوَ غَاصِب تجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامه، وَإِن أقرّ بِقصد الْمَنْفَعَة أَو قَامَت قرينَة عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ فتجري عَلَيْهِ أَيْضا أَحْكَامه، فَإِن لم يكن إِقْرَار وَلَا قرينَة فَالْقَوْل قَوْله فِيمَا يَدعِيهِ من غصب الْمَنْفَعَة أَو الذَّات إِذْ لَا يعلم ذَلِك إِلَّا من قَوْله. وَالْقَاعِدَة أَن كل مَا لَا يعلم من الْأُمُور القلبية إِلَّا بقول مدعيه يصدق فِيهِ وَيتَصَوَّر التَّعَدِّي أَيْضا بِأَن يكون بعد تقدم إِذن من مَالِكه كتعديه فِي الْعَارِية أَو فِي الْكِرَاء أَو زِيَادَة الْمسَافَة أَو الْحمل فَمن أَحْكَام الْغَصْب قَوْله:
стр. 1224
وَغَاصِبٌ يَغْرَمُ مَا اسْتَغَلَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَرُدُّ أصْلَهُ (وغاصب) سوغ الِابْتِدَاء بِهِ قصد الْجِنْس (يغرم مَا استغله من كل شَيْء) غصبه كَانَ الْمَغْصُوب حَيَوَانا أَو عقارا وَسَوَاء استغل بِنَفسِهِ فَركب الدَّابَّة أَو سكن الدَّار مثلا أَو أكراها لغيره (خَ) : وَضمن غلَّة مُسْتَعْمل الخ. أَي فَيرد قيمَة الْمَنْفَعَة وَالصُّوف وَالثَّمَرَة وَاللَّبن (وَيرد) أَيْضا (أَصله) وَهُوَ الْمَغْصُوب أَي فَيرد مَا ذكر مَعَ الْغلَّة من رد عين الشَّيْء الْمَغْصُوب. حَيْثُ يُرَى بِحَالِهِ فإنْ تَلِفْ قُوِّمَ والمِثْلُ بِذِي مِثْلِ أُلِفْ (حَيْثُ يرى) كل مِنْهُمَا بَاقِيا (بِحَالهِ) لم يتَغَيَّر وَلم يتْلف (فَإِن) تلف الصُّوف أَو الثَّمَرَة وَلم تقم على التّلف بَيِّنَة فَيغرم مكيلة الثَّمَرَة وَوزن الصُّوف إِن علما أَو قيمتهمَا إِن جهلا مَعَ رد عين الْمَغْصُوب لرَبه، وَإِن قَامَت بَيِّنَة على تلفهما بِغَيْر سَببه فَيرد الْمَغْصُوب فَقَط وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فيهمَا اتِّفَاقًا قَالَه ابْن رشد. وَأما إِن (تلف) الشَّيْء الْمَغْصُوب بسماوي أَو بِسَبَب عداء الْغَاصِب عَلَيْهِ (قوّم) على الْغَاصِب وَغرم قِيمَته يَوْم غصبه لَا يَوْم عدائه عَلَيْهِ وَلَا يَوْم التّلف بسماوي، وَأما إِن تلف بعداء أَجْنَبِي عَلَيْهِ عِنْد الْغَاصِب فَإِن ربه مُخَيّر بَين أَن يتبع الْغَاصِب بِقِيمَتِه يَوْم غصبه فَيتبع الْغَاصِب حِينَئِذٍ الْأَجْنَبِيّ بِقِيمَتِه يَوْم الْجِنَايَة وَلَو زَادَت على قِيمَته يَوْم الْغَصْب وَتَكون لَهُ الزِّيَادَة، وَبَين أَن يتبع الْجَانِي بِقِيمَتِه يَوْم الْجِنَايَة وَلَو زَادَت على قِيمَته يَوْم الْغَصْب، فَإِن كَانَت أقل من قِيمَته يَوْم الْغَصْب أَخذهَا وَرجع على الْغَاصِب بِمَا بَقِي لَهُ لتَمام قِيمَته يَوْم الْغَصْب (خَ) : فَيغرم قِيمَته يَوْم غصبه، وَلَو قَتله الْغَاصِب تَعَديا وَخير فِي قتل الْأَجْنَبِيّ فَإِن تبعه تبع هُوَ الْجَانِي فَإِن أَخذ ربه أقل فَلهُ الزَّائِد من الْغَاصِب فَقَط الخ (والمثل) أَي: وَأما إِن كَانَ الْمَغْصُوب التَّالِف مثلِيا فَإِنَّهُ يضمن (بِذِي الْمثل ألف) سَوَاء تلف بسماوي أَو بِسَبَب الْغَاصِب فَيرجع الْمَغْصُوب مِنْهُ عَلَيْهِ بِمثلِهِ، أَو تلف بِسَبَب أَجْنَبِي فَيُخَير ربه بَين أَن يرجع عَلَيْهِ أَو على الْغَاصِب بِمثلِهِ. وَقَوله: استغله يَعْنِي مَعَ بَقَاء عينه أما الدَّنَانِير يتجر بهَا وَالزَّرْع يحرثه فَالرِّبْح لَهُ اتِّفَاقًا فِي طَريقَة. ابْن رشد: وَمَفْهُوم قَوْله استغله وَقَول (خَ) مُسْتَعْمل أَنه إِذا عطل كَمَا إِذا لَو ربط الدَّابَّة فَلم يستعملها وَلَا أكراها، أَو بور الأَرْض فَلم يحرثها، أَو أغلق الدَّار فَلم يسكنهَا بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يغرم
стр. 1225
شَيْئا، وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور أَيْضا بِخِلَاف غَاصِب الْمَنْفَعَة فَإِنَّهُ يضمن الْغلَّة مُطلقًا سَوَاء اسْتعْمل أَو عطل كَمَا يَأْتِي مَعَ بَقِيَّة الفروق بَينهمَا عِنْد قَوْله: كالمتعدي غَاصِب الْمَنَافِع الخ. وَظَاهر قَوْله: يغرم مَا استغله الخ. أَنه يضمن الْغلَّة، وَلَو فَاتَ الْمَغْصُوب بذهاب عينه ولزمت قِيمَته فَيرد الْغلَّة وَيغرم الْقيمَة، وَهُوَ قَول مَالك وَلكنه خلاف الْمَشْهُور، وَمذهب الْمُدَوَّنَة من أَنه مُخَيّر فِي أَخذ قِيمَته يَوْم الْغَصْب وَلَا شَيْء لَهُ من الْغلَّة وَالْولد أَو أَخذ الثَّمَرَة وَالْولد وَالْغلَّة وَلَا شَيْء لَهُ من الْقيمَة وَنَصهَا وَمَا أثمر عِنْد الْغَاصِب من نخل أَو شجر أَو نسل من الْحَيَوَان أَو جز من الصُّوف أَو حلب من اللَّبن فَإِنَّهُ يرد ذَلِك كُله مَعَ الْمَغْصُوب لرَبه، وَمَا أكل رد الْمثل فِيمَا لَهُ مثل وَالْقيمَة فِيمَا لَهُ قيمَة وَإِن مَاتَت الْأُمَّهَات وَبَقِي الْأَوْلَاد وَمَا جزّ مِنْهَا أَو حلب خير رَبهَا فَأَما أَخذ قيمَة الْأُمَّهَات يَوْم الْغَصْب وَلَا شَيْء لَهُ فِيمَا بَقِي من ولد أَو صوف أَو لبن وَلَا فِي ثمنه إِن بيع وَإِن شَاءَ أَخذ الْولدَان كَانَ ولد وَثمن مَا بيع من صوف أَو لبن وَنَحْوه، وَمَا أكل الْغَاصِب أَو انْتفع بِهِ من ذَلِك فَعَلَيهِ الْمثل فِي المثلى وَالْقيمَة فِي الْمُقَوّم وَلَا شَيْء عَلَيْهِ من قبل الْأُمَّهَات. أَلا ترى أَن من غصب أمة ثمَّ بَاعهَا فَولدت عِنْد الْمُبْتَاع ثمَّ مَاتَت فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إِلَّا أَخذ الثّمن من الْغَاصِب أَو قيمتهَا يَوْم الْغَصْب، أَو يَأْخُذ الْوَلَد من الْمُبْتَاع وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَلَا على الْغَاصِب فِي قيمَة الْأُم، ثمَّ يرجع الْمُبْتَاع على الْغَاصِب بِالثّمن وَلَا يجْتَمع على الْغَاصِب غرم ثمنهَا وَقيمتهَا اه. فَقَوله: فَأَما أَخذ قيمَة الْأُمَّهَات الخ. قَالَ ابْن رشد: لِأَنَّهُ إِذا ضمنه قيمَة الْأُم يَوْم الْغَصْب كَانَت الْغلَّة إِنَّمَا حدثت فِيمَا قد ضمن بِالْقيمَةِ. ابْن نَاجِي: مَا ذكره فِي الْكتاب هُوَ الْمَشْهُور، وَقَالَ أَشهب: يَأْخُذ قيمتهَا مَعَ عين الْوَلَد اه. وَقَول أَشهب هَذَا هُوَ ظَاهر النّظم، وَلَكِن الْمَشْهُور خِلَافه كَمَا رَأَيْت وعَلى الْمَشْهُور، فَإِن مَاتَت الْأُم وَالْولد مَعًا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إِلَّا قيمَة الْأَلَم خلافًا لأَشْهَب وَإِن وجدهما حيين أخذهما مَعًا اتِّفَاقًا وَإِن مَاتَت الْأُم وَحدهَا فَلهُ أَن يَأْخُذ الْوَلَد وَلَا شَيْء لَهُ من قيمَة الْأُم أَو يَأْخُذ قيمَة الْأُم وَلَا شَيْء لَهُ فِي الْوَلَد وَيحد الْغَاصِب الواطىء، وَكَذَا المُشْتَرِي مِنْهُ والموهوب لَهُ العالمان بِالْغَصْبِ. وَقَوْلِي: لم يتَغَيَّر احْتِرَازًا مِمَّا تعيب وَلم تفت عينه فَأَما أَن يتعيب بسماوي وَلَو قلّ عَيبه فَيُخَير ربه بَين أَخذه قِيمَته معيبا وَلَا شَيْء لَهُ فِي النَّقْص، أَو يَأْخُذ قِيمَته يَوْم الْغَصْب وَلَا شَيْء لَهُ غَيرهَا، وَأما أَن يتعيب بِجِنَايَة من الْغَاصِب فَيُخَير بَين أَخذه قِيمَته يَوْم الْغَصْب أَو أَخذ الْمَغْصُوب مَعَ أرش الْعَيْب وَأما أَن يتعيب بِجِنَايَة من أَجْنَبِي فَيُخَير فِي أَخذ قِيمَته من الْغَاصِب يَوْم الْغَصْب وَيتبع الْغَاصِب الْجَانِي بِأَرْش الْجِنَايَة، وَفِي أَخذ الشَّيْء الْمَغْصُوب مَعَ أَخذ الْأَرْش من الْجَانِي لَا من الْغَاصِب (خَ) : وان تعيب وَإِن قل ككسر نهديها أَو جنى هُوَ أَو أَجْنَبِي خير فِيهِ الخ. وَكَيْفِيَّة التَّخْيِير هُوَ مَا تقدم. تَنْبِيه: وعَلى مَا مر أَن الْغَاصِب يغرم الْغلَّة فَإِنَّهُ يرجع على الْمَغْصُوب مِنْهُ بِمَا أنْفق على العَبْد وَالدَّابَّة وَسقي شجر ورعي مَاشِيَة وَنَحْو ذَلِك. وَيسْقط من الْغلَّة على قَول ابْن الْقَاسِم وَهُوَ الْمَشْهُور (خَ) : وللغاصب مَا أنْفق الخ. وَهُوَ مَحْصُور فِي الْغلَّة لَا يتعداها إِلَى ذمَّة الْمَغْصُوب مِنْهُ حَيْثُ لم تف بِهِ الْغلَّة. وَالقَوْلُ لِلْغَاصِبِ فِي دَعْوَى التَّلَفْ وَقَدْرِ مَغْصُوبٍ وَمَا بِهِ اتَّصَفْ (و) إِذا تنَازع الْغَاصِب وَالْمَغْصُوب مِنْهُ فِي تلف الْمَغْصُوب وَعَدَمه أَو فِي قدره أَو صفته
стр. 1226
ف (القَوْل للْغَاصِب) بِيَمِينِهِ (فِي دَعْوَى التّلف) للشَّيْء الْمَغْصُوب إِذا ادّعى ربه أَنه بَاقٍ عِنْده وَأَنه يُرِيد أَن يفوتهُ عَلَيْهِ بغرم قِيمَته. (و) فِي (قدر مَغْصُوب) من كيل أَو وزن أَو عدد لِأَنَّهُ غَارِم (و) فِي (مَا بِهِ اتّصف) من رداءة بِحَيْثُ تكون قِيمَته على وَصفه دِرْهَمَيْنِ وعَلى وصف ربه عشرَة فَيحلف الْغَاصِب أَنه يَوْم استيلائه عَلَيْهِ كَانَ على الصّفة الَّتِي ذكرهَا وَيغرم دِرْهَمَيْنِ، وَهَذَا إِذا أشبه فَإِن وَصفه بِمَا لَا يشبه فَالْقَوْل للْمَغْصُوب مِنْهُ بِيَمِينِهِ إِن أشبه فَإِن لم يشبها فَقَالَ ابْن نَاجِي: يقْضِي فِي ذَلِك بالوسط من الْقيم بعد أيمانهما بِنَفْي كل مِنْهُمَا دَعْوَى صَاحبه وَتَحْقِيق دَعْوَاهُ اه. وَالسَّارِق مثل الْغَاصِب فِي التَّفْصِيل الْمَذْكُور وَالتَّقْيِيد بالشبه هُوَ الْمَشْهُور، وَقَالَ أَشهب: يصدق الْغَاصِب مُطلقًا وَلَو أَتَى بِمَا لَا يشبه كَقَوْلِه: هِيَ بكماء صماء عمياء. قَالَ: وَمن قَالَ برعي الشّبَه فَقَط غلط، وَإِنَّمَا ذَلِك فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين فِي قلَّة الثّمن وكثرته والسلعة قَائِمَة اه. (خَ) : وَالْقَوْل لَهُ أَي للْغَاصِب فِي تلفه ونعته وَقدره الخ. وَظَاهر قَوْله: وَمَا بِهِ اتّصف الخ. أَنه يصدق فِي وَصفه وَلَو جحد الْغَصْب أَو لَا. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِذا أنكر الْغَاصِب الْغَصْب وَشهِدت الْبَيِّنَة باعترافه أَو بمعاينة غصبه فَالْقَوْل للْمَغْصُوب مِنْهُ بِيَمِينِهِ أَن صفته كَانَت كَذَا، وَيسْتَحق قيمَة وَصفه. وَقيل: لَيْسَ لَهُ بعد يَمِينه إِلَّا الْوسط وَالْأول أصوب اه. وَهُوَ الَّذِي يجب اعْتِمَاده لِأَن الْغَاصِب لَا يقبل وَصفه بعد تبين كذبه بجحده. تَنْبِيهَات. الأول: مَا ذكره النَّاظِم و (خَ) من أَن القَوْل للْغَاصِب فِي الْقدر وَالْوَصْف هُوَ الْمَشْهُور، وَلَكِن عمل فاس على خِلَافه قَالَ ناظمه: لولد الْقَتِيل مَعَ يَمِين القَوْل فِي الدَّعْوَى بِلَا تَبْيِين إِذا ادّعى دراهماً وأنكرا القاتلون مَا ادَّعَاهُ وطرا قَالَ النَّاظِم فِي شَرحه لنظمه هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا جرى بِهِ الْعَمَل، وَهُوَ أَن وَالِد الْقَتِيل إِذا ادّعى دَرَاهِم من جملَة المنهوب وأنكرها القاتلون فَالْقَوْل قَول وَالِد الْقَتِيل، ثمَّ قَالَ نَاقِلا عَن قَاضِي الْجَمَاعَة أبي الْقَاسِم بن النَّعيم مَا نَصه: الَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل عندنَا فِي هَذِه النَّازِلَة وَمثلهَا أَن القَوْل قَول وَالِد الْقَتِيل مَعَ يَمِينه، والظالم أَحَق أَن يحمل عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الْمَشْهُور خِلَافه، وَكم من مَسْأَلَة جرى الحكم فِيهَا بِخِلَاف الْمَشْهُور ورجحها الْعلمَاء للْمصَالح الْعَامَّة اه. وَقَالَ سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي مَا ذكره ابْن النَّعيم ﵀: شاهدنا الحكم بِهِ عَام قدوم الْخَلِيفَة أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور حَضْرَة فاس، وَقد انحشر النَّاس إِلَى الشكوى بالمظالم وَكَانَ يحضر مَجْلِسه أَي مجْلِس الْخَلِيفَة للْحكم فِيهَا عُلَمَاء فاس كشيخنا الْمَذْكُور، وَشَيخنَا الْمُفْتِي سَيِّدي مُحَمَّد الْقصار، وَشَيخنَا سَيِّدي عَليّ بن عمرَان، وعلماء مراكش، وقاضي مراكش، وقاضي شفشاون سَيِّدي مُحَمَّد بن عرضون ﵏، فَكَانَ الحكم يصدر على الْوَجْه الْمَذْكُور قَالَ: وَالْعَام الْمَذْكُور عَام أحد عشر
стр. 1227
وَألف اه. كَلَام النَّاظِم بِلَفْظِهِ فِي شَرحه للبيتين. وَقَالَ الرعيني فِي كتاب الْغَصْب مَا نَصه قَالَ مَالك فِيمَن دخل عَلَيْهِ السراق فسرقوا مَتَاعه وانتهبوا مَاله وَأَرَادُوا قَتله فنازعهم وحاربهم ثمَّ ادّعى أَنه عرفهم أَو لم يعرفهُمْ أهوَ مُصدق عَلَيْهِم إِذا كَانُوا معروفين بِالسَّرقَةِ مستحلين لَهَا؟ قَالَ: هُوَ مُصدق وَقد نزلت مثل هَذِه بِالْمَدِينَةِ فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي رجل دخل عَلَيْهِ السراق فانتهبوا مَاله وجرحوه، فَلَمَّا أصبح حمل إِلَى عمر فَقَالَ: إِنَّمَا فعل بِي هَذَا فلَان وَفُلَان وَقد انتهبوا مَالِي فأغرمهم عمر بقوله، ونكلهم وَلم يكلفه الْبَيِّنَة عَلَيْهِم اه. بِاللَّفْظِ. وَنَقله ابْن فَرِحُونَ، وَغَيره وَنَحْوه ورد عَن يحيى بن يحيى، وبمثله أفتى الحفار حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الْبيُوع من المعيار قَائِلا قَالَ الْفُقَهَاء: من عرف بِالتَّعَدِّي وَالظُّلم يغلب الحكم فِي حَقه فَمن ادّعى على من بِهَذِهِ الْحَالة فَيحلف الطَّالِب وَيسْتَحق مَا طلب اه. وَنَحْوه رَوَاهُ أَشهب عَن مَالك فِي الْمَرْأَة تَدعِي على المشتهر بِالْفِسْقِ أَنه اغتصبها وَتَأْتِي مُتَعَلقَة بِهِ، فَإِنَّهُ يجب لَهَا عَلَيْهِ صدَاق مثلهَا، وَبِه صدر فِي الْمُقدمَات والتصدير من عَلَامَات التشهير، وَلَا سِيمَا وَهُوَ قَول الإِمَام الْأَعْظَم، وَمَعْلُوم تَقْدِيمه على قَول ابْن الْقَاسِم وَسَيَأْتِي ذَلِك عِنْد قَوْله: وَفِي وجوب الْمهْر خلف مُعْتَبر وَلَا فرق بَين الْفروج وَالْأَمْوَال، وَلِأَن الْفرج هُنَا آيل لِلْمَالِ وَعَلِيهِ فناظم الْعَمَل إِنَّمَا عَنى بنظمه هَذَا الْفِقْه، وَأَن الْمَعْرُوف بالظلم والتعدي يقْضى عَلَيْهِ بِمُجَرَّد دَعْوَى الْمُدَّعِي أَنه غصبه أَو سَرقه، وَأَنه غصبه قدر كَذَا. وَقد اعْتمد المكناسي فِي مجالسه هَذَا الْفِقْه، وَكَذَا الْقَرَافِيّ كَمَا مر فِي التَّنْبِيه الثَّالِث عِنْد قَوْله: فالمدعي من قَوْله مُجَرّد الخ. فَقَوله: لوالد الْقَتِيل يَعْنِي ادّعى عَلَيْهِم أَنهم قَتَلُوهُ ونهبوه أمتعته، وَمن جملَة المنهوب دَرَاهِم قدرهَا كَذَا، وَلَا يُرِيد خُصُوص أَنهم أقرُّوا بِالْقَتْلِ أَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ كَمَا هِيَ مَسْأَلَة الصرة الْآتِيَة عَن الْعُتْبِيَّة، وَفهم من قَوْله: إِذا ادّعى دَرَاهِم الخ. أَنه إِذا ادّعى ذَلِك تَحْقِيقا وَأَنه يعْمل بِدَعْوَاهُ فِي المَال فَقَط لَا فِي الْقَتْل، فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يقتل بِمُجَرَّد الدَّعْوَى لخطر الدِّمَاء وَالدَّعْوَى بِمَا يؤول لِلْمَالِ كَالْمَالِ لَا يَأْتِي فِي فصل الاغتصاب وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، وَإِن كَانَ لَا يقتل لَكِن يضْرب ويطال سجنه حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ السنون الْكَثِيرَة كَمَا يَأْتِي فِي الدِّمَاء، وَفهم من قَوْله فِي هَذِه النَّازِلَة وَمثلهَا، وَمن وَقَوله: والظالم أَحَق أَن يحمل عَلَيْهِ، وَمن قَوْله: رجحها الْعلمَاء للْمصَالح، وَمن قَوْله: وَقد انحشر النَّاس للشكوى بالمظالم إِلَى غير ذَلِك أَنه لَا مَفْهُوم لقتيل وَلَا لدراهم، بل كَذَلِك لَو كَانَت الدَّعْوَى بِالدَّرَاهِمِ وَالْقَتْل أَو بِالدَّرَاهِمِ فَقَط أَو بِالْحَيَوَانِ أَو الْعرُوض أَو غير ذَلِك، وَإِنَّمَا الْمدَار على كَون الدَّعْوَى على مَعْرُوف بِالتَّعَدِّي وَالظُّلم كقبائل الزَّمَان، فَإِن جلهم وغالبهم مَعْرُوف بالتهمة وَالْفساد وَالْحمل على الْغَالِب وَاجِب. وَقد قَالَ الشَّيْخ (م) فِي بعض فَتَاوِيهِ: قد آل بِنَا الْحَال إِلَى أَن يتبع الْمُسَافِرين بعض مَرَدَة أهل الْبَلَد وَنَحْوهَا مِمَّا قرب من الْبَلَد فيسفكون دِمَاءَهُمْ وينهبون أَمْوَالهم ويرجعون إِلَى الْبَلَد بالأمتعة فَلَا ينْتَقم مِنْهُم، وَلَا يستفتي عَن حكمهم، بل وَإِلَى مَا هُوَ أعظم من هَذَا من الْقَتْل صبرا وَنهب الْأَمْوَال من الدّور والحوانيت ثمَّ يكْتَسب فَاعل ذَلِك التَّعْظِيم والاحترام فضلا عَن عدم النكير عَلَيْهِ وَالضَّرْب على يَده مَعَ كَلَامه، وَإِذا كَانَ مثل هَذَا يَقع فِي حَضْرَة فاس كَمَا حَكَاهُ وكما هُوَ مشَاهد الْآن فِي وقتنا هَذَا، فَكيف بالبوادي وقبائل الزَّمَان؟ حَتَّى صَار قَاتل النَّفس لَا يضْرب فضلا عَن الْقصاص، وَالسَّارِق لَا يسجن فضلا عَن قطعه، بل كل مِنْهُمَا يعظم ويحترم وَلَا يشْهد أحد عَلَيْهِ، وَلِهَذَا جرى الْعَمَل بإغرامهم بِمُجَرَّد الدَّعْوَى زجرا لَهُم ولأمثالهم، وَعَلِيهِ فَلَا يحْتَاج
стр. 1228
لإِثْبَات التلصص بِإِقْرَار وَلَا مُعَاينَة، بل بِمُجَرَّد كَونهم مِمَّن يشار إِلَيْهِم بِالتَّعَدِّي، وَالظُّلم يُوجب إغرامهم للْمصْلحَة الْمَذْكُورَة كَمَا مر عَن الرعيني وَغَيره. وَكَلَام ابْن رحال فِي شَرحه صَرِيح فِي أَن الْعَمَل بِهِ وَعَلِيهِ، فَمَا قَالَه سَيِّدي مُحَمَّد بن قَاسم فِي شرح الْعَمَل الْمَذْكُور من أَنه لَا بُد من ثُبُوت التلصص بِالْإِقْرَارِ أَو المعاينة كَمَا فِي مَسْأَلَة الصرة الْآتِيَة لَا يعول عَلَيْهِ وَلَا يلْتَفت إِلَى شَيْء مِنْهُ لمُخَالفَته لما نقل عَن الرعيني وَغَيره شَاهدا لنظم الْعَمَل الْمَذْكُور. وَمَا نَقله عَن أبي الْحسن الزرويلي وَابْن هِلَال من أَن مَا للرعيني خلاف الْأُصُول الخ. لَا يقْدَح فِي الْعَمَل الْمَذْكُور لِأَن مَا قَالَه من مُخَالفَته لِلْأُصُولِ إِنَّمَا هُوَ إِذا روعي الْمَشْهُور، وهم قد قَالُوا: إِن هَذَا الْعَمَل مُخَالف للمشهور فهم معترفون بمخالفته لِلْأُصُولِ، وَإِنَّمَا ارتكبوه للْمصْلحَة من عدم ضيَاع الْحُقُوق، وَذَلِكَ أَن الأَصْل عدم التَّعَدِّي وَالظُّلم، لَكِن لما كثر كل مِنْهُمَا فِي هَذَا الزَّمَان وَغلب أجروا الْأَحْكَام على مُقْتَضَاهُ، وحملوا النَّاس عَلَيْهِ لِئَلَّا تضيع الْحُقُوق لِأَن الأَصْل وَالْغَالِب إِذا تَعَارضا فَالْحكم للْغَالِب لقَوْله تَعَالَى: وَأمر بِالْعرْفِ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٩٩) أَي احكم بِهِ. وَلذَا قَالَ أَبُو الْحسن فِي أجوبته فِي مَسْأَلَة من رفع شخصا لحَاكم جَائِر فأغرمه مَا لَا يجب عَلَيْهِ بعد أَن حكى فِيهَا قَوْلَيْنِ مَا نَصه: وَهَذَا وَقد كَانَ الْحَاكِم يحكم بِحَق تَارَة وبباطل أُخْرَى، وَأما الْآن فالحاكم لَا يحكم إِلَّا بِالْبَاطِلِ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِي أَنه يغرم مَا خسره اه. وَسلمهُ ابْن هِلَال فِي الدّرّ النثير فَأَنت ترَاهُ حمل الْحُكَّام على الظُّلم والتعدي حَيْثُ غلب مِنْهُم ذَلِك، وَأوجب على الشاكي الغرامة بِمُجَرَّد قَول الْمُدَّعِي إِن الْحَاكِم قبض مني وَقدر الْمَقْبُوض كَذَا، وَإِن كَانَ الأَصْل عدم العداء وَنَحْوه يَأْتِي عَن سَيِّدي مِصْبَاح فِي التَّنْبِيه الرَّابِع حَيْثُ قَالَ: إِذا تقرر الْعرف فِي وُلَاة الظُّلم وأجنادهم بغرم المَال مِمَّن أَخَذُوهُ ظلما كَانَ القَوْل للمأخوذ مِنْهُ فِيمَا غرم من المَال لِأَن الْعرف شَاهد لمدعيه وَيقوم مقَام الشَّاهِد النَّاطِق الخ. وَيَأْتِي نَحوه فِي التَّنْبِيه الْخَامِس الخ. وقبائل الزَّمَان ومردة حواضرهم كَذَلِك لما كثر مِنْهُم العداء وَغلب كَانَ القَوْل للمنهوب وَالْمَغْصُوب أَنه غصبه، وَإِن قدر الْمَغْصُوب كَذَا كَمَا رَأَيْته فِيمَا يشبه أَن يملكهُ فَقَط كَمَا قَالُوهُ فِي منتهب الصرة الْآتِيَة. وَإِذا علمت هَذَا فَمَا جرى بِهِ الْعَمَل لَهُ مُسْتَند صَحِيح لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان، وَله أصل أصيل فِي الشَّرِيعَة، وَهَذَا الْعَمَل حدث بعد زمَان أبي الْحسن وَابْن هِلَال كَمَا تقدم. وَلَو كَانَت الْقَبَائِل وَالنَّاس فِي زمانهما على مَا هم عَلَيْهِ فِي وَقت جَرَيَان الْعَمَل الْمَذْكُور مَا وسعهما أَن يَقُولَا بمخالفته لِلْأُصُولِ لاعترافهما بِأَن الحكم للْغَالِب كَمَا رَأَيْته، وَإِنَّمَا أطلنا الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لأجل استبعاد كثير من الإخوان مَا جرى بِهِ الْعَمَل لضعف مُسْتَنده عِنْدهم، وَحَمَلُوهُ على خُصُوص مَسْأَلَة الصرة الْمَذْكُورَة فِي الْعُتْبِيَّة وَهِي أَن رجلا اخْتَطَف صرة بمعاينة الْبَيِّنَة وَغَابَ عَلَيْهَا وَلم يعرف قدر مَا فِيهَا، فَالْمَشْهُور أَن القَوْل للْغَاصِب فِي قدرهَا وَقَالَ مَالك ومطرف: إِن القَوْل للمنهوب فِي قدرهَا، وَلَكِن لَيست مَخْصُوصَة بِالْعَمَلِ الْمُتَقَدّم خلافًا للرهوني فِي حَاشِيَته، وَتَخْصِيص الْعَمَل بهَا بعيد من الأنقال الْمُتَقَدّمَة بِدَلِيل تَعْلِيلهم بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّة، وَلَكِن يجْرِي الْعَمَل الْمَذْكُور فِيهَا بالأحرى. الثَّانِي: إِذا ثَبت التلصص أَو علم من عَادَة الْقَبَائِل كَمَا هُوَ مَوْجُود فِي قبائل الزَّمَان الْآن، فَإِن اللص وَالسَّارِق إِذا ظفر الْحَاكِم بهما أغرمهما كَمَا مرّ، وَإِذا لم يظفر بهما وَإِنَّمَا ظفر بِبَعْض قرابتهما أَو بعض من يحميهما من قبيلتهما وَلَو بجاهه فَإِنَّهُ يغرمه مَا أَخذه اللص أَو السَّارِق أَو
стр. 1229
اتهما بِهِ (خَ) فِي الْحِرَابَة وبالقتل يجب قَتله وَلَو بإعانة. قَالَ الزّرْقَانِيّ: أَي على الْقَتْل وَلَو بالتقوى بجاهه وَإِن لم يَأْمر بقتل وَلَا تسبب فِيهِ لِأَن جاهه أَعَانَهُ عَلَيْهِ حكما كَكَوْنِهِ من فِئَة ينحاز إِلَيْهِم قطاع الطَّرِيق فَيقْتل الْجَمِيع لأَنهم متمالئون اه. بِاخْتِصَار، وَنَحْوه فِي ابْن الْحَاج والشامل، وَإِذا كَانَ الْمعِين بجاهه والانحياز إِلَيْهِ مؤاخذاً بِالْقَتْلِ فَهُوَ مؤاخذ بِمَا نهبوه من الْأَمْوَال بالأحرى، وقبائل الزَّمَان مَعْلُوم مَا هم عَلَيْهِ من حمايتهم لمتلصصيهم وغاصبهم بِالْفِعْلِ فضلا عَن حمايتهم لَهُم بالجاه والانحياز، فَلَا إِشْكَال أَن غير الْمُبَاشر مِنْهُم مؤاخذ بِمَا فعله الْمُبَاشر وَلَو لم يظْهر مِنْهُ تسبب لِأَنَّهُ لَا أقل من أَن يكون حامياً للمباشر بجاهه أَو إيوائه إِلَيْهِ بل لَو لم يكن هُنَاكَ حماية أصلا لَا بالجاه وَلَا بالإيواء والانحياز وَلَا بِغَيْر ذَلِك لَكَانَ إغرامهم لما اتهمَ بِهِ سراقهم وغصابهم أمرا شَرْعِيًّا كَمَا قَالَ ناظم الْعَمَل: وَلَا يُؤَاخذ بذنب الْغَيْر فِي كل شرع من قديم الدَّهْر إِلَّا إِذا سدت بِهِ الذريعة أَو خيف شرع شرعة أَو شيعَة وَالشَّاهِد فِي قَوْله: إِلَّا إِذا سدت بِهِ الذريعة، الخ. لأَنهم إِذا غرموا حملهمْ ذَلِك على حفظ طرقاتهم وَحفظ المارين بأرضهم وَعدم كتمان غصابهم وسراقهم، فضلا عَن التعصب عَلَيْهِم. وَقد بسطنا الْكَلَام على ذَلِك بِمَا يشفي الغليل إِن شَاءَ الله فِي الْفَصْل الثَّالِث وَالسَّادِس من أجوبتنا لأسئلة الإِمَام محيي الدّين. الثَّالِث: الحكم فِي الدَّعْوَى على المتهوم من وَظِيفَة الْوُلَاة كَمَا مر عَن الْخَلِيفَة أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور إِذْ هُوَ الَّذِي تولى الحكم فِي ذَلِك بِمحضر أُولَئِكَ الْعلمَاء، وَقد قَالَ الْقَرَافِيّ: يمتاز نظر القَاضِي وَنظر وَالِي الجرائم بِأُمُور. مِنْهَا: أَن وَالِي الجرائم يسمع الدَّعْوَى على المتهوم ويبالغ فِي كشفه بِخِلَاف القَاضِي، وَمِنْهَا أَن يعجل بِحَبْس المتهوم للاستبراء والكشف قَالَ: وَقد ورد أَن النَّبِي ﷺ وجد فِي بعض غَزَوَاته رجلا فاتهمه بِأَنَّهُ جاسوس فعاقبه حَتَّى أقرّ، وَمِنْهَا أَنه يضْرب المتهوم مَعَ قُوَّة التُّهْمَة، وَمِنْهَا أَنه يتوعد المجرم بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يجب فِيهِ قتل لِأَنَّهُ إرهاب لَا تَحْقِيق، وَيجوز لَهُ أَن يُحَقّق وعيده بالأدب دون الْقَتْل بِخِلَاف الْقُضَاة فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك اه. بِاخْتِصَار. وَنَقله ابْن فَرِحُونَ فِي تبصرته وَزَاد أَن لقضاة الْمَالِكِيَّة فعل ذَلِك وَسَيَأْتِي قَول النَّاظِم: وَإِن يكن مطالباً من يتهم فَمَا لَك بِالضَّرْبِ والسجن حكم وَقَالَ فِي التَّبْصِرَة أَيْضا: كَانَ مَالك يَقُول فِي هَؤُلَاءِ الَّذين عرفُوا بِالْفَسَادِ والجرم أَن الضَّرْب قل مَا ينكلهم، وَلَكِن أرى أَن يحبسهم السُّلْطَان فِي السجون ويثقلهم بالحديد وَلَا يخرجهم مِنْهُ أبدا فَذَلِك خير لَهُم ولأهليهم وللمسلمين حَتَّى تظهر تَوْبَة أحدهم، وَيثبت ذَلِك عِنْد السُّلْطَان فَإِذا صلح وَظَهَرت تَوْبَته أطلقهُ اه. من النَّوَادِر. فَهَذِهِ النُّصُوص متواترة بكشف المتهوم وَاحِدًا كَانَ أَو جمَاعَة من الْقَبَائِل أَو غَيرهم، وَمَعَ ذَلِك يضمنُون لما مر من الْمصلحَة الْعَامَّة أَو سداً للذريعة كَمَا مرّ، وَعَلِيهِ فإرسال المتهوم للْقَاضِي يحكم بَينهم من زِيَادَة الْفساد قطعا وإهمال سد الذرائع لَيْسَ بِالْأَمر الهين إِذْ فِيهِ إِعَانَة الظَّالِم على ظلمه لِأَن غَايَة مَا يَفْعَله القَاضِي أَن يُكَلف المنهوب بِالْبَيِّنَةِ، وَأَيْنَ هَذِه الْبَيِّنَة؟ إِذْ لَو حَضرته الْبَيِّنَة مَا غصب وَمَا سرق، وعَلى فرض وجودهَا فَلَا تكون إِلَّا من أهل الْبَلَد وهم على مَا هم عَلَيْهِ من الحمية والعصبية وَقُوَّة التُّهْمَة بِالتَّعَدِّي
стр. 1230
وَالْفساد، فَكيف يشْهدُونَ مَعَ كَونه نهب بأرضهم بل من شهد مِنْهُم عاقبوه وخشي على نَفسه لأَنهم مكتسبون بغصبهم التَّعْظِيم والاحترام كَمَا مرّ. وَمن أجل إهمال هَذَا الْبَاب غلب الظُّلم وَكثر الْفساد وسفكت دِمَاء وغصبت أَمْوَال يعلمهَا الْكَبِير المتعال، حَتَّى إِن الْمُسَافِر ينهب مَاله أَو يسفك دَمه فيرسله الْعَامِل للقضاة فيستبشر الْمُدعى عَلَيْهِ لعلمه أَن القَاضِي يردهُ للْيَمِين، وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن لَا يُرْسِلهُ للْقَاضِي بل يُبَالغ فِي كشفه بِالضَّرْبِ وَطول السجْن والإغرام على مَا مرّ، وقبائل الزَّمَان كلهم متهمون إِذْ غَالب أَحْوَالهم النهب وَالْغَصْب وَسَفك الدِّمَاء وَغَيرهم من مَرَدَة الحواضر تظهر تهمته بالقرائن وَدَلَائِل أَحْوَاله، وَلذَا جرى الْعَمَل بالإغرام لِأَن الْحمل على الْغَالِب وَاجِب، وَالْمرَاد إغرام لأربابه الطالبين لَهُ، وَأما مَا يَفْعَله جهال الْعمَّال من أَخذهم أَمْوَالًا من السراق والغصاب وَلَا يدْفَعُونَ للطَّالِب شَيْئا مِمَّا يَدعِيهِ فَذَلِك خرق للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع قَالَ تَعَالَى: لَا تَأْكُلُونَ أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ إِلَى قَوْله: وَمن يفعل ذَلِك عُدْوانًا وظلماً فَسَوف نصليه نَارا﴾ (النِّسَاء: ٣٠) الخ. الرَّابِع: إِذا كَانَ الْإِنْسَان مَعْرُوفا مَشْهُورا بِعَدَمِ التَّعَدِّي وَعدم أكل أَمْوَال النَّاس فرفعه شخص لجائر يتَجَاوَز الْحَد فِيهِ ويغرمه مَا لَا يجب عَلَيْهِ فَالَّذِي بِهِ الْعَمَل أَن الشاكي يغرم للمشكو بِهِ مَا غرم كَمَا فِي الْمواق عَن ابْن لب وَنَحْوه فِي المعيار عَن العبدوسي، وَعَلِيهِ فَإِذا ثَبت الرّفْع للظالم وَقدر مَا دَفعه بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار الشاكي فَلَا كَلَام، وَإِن لم يثبت ذَلِك وَادّعى المشكو بِهِ أَنه دفع كَذَا وَخَالفهُ الشاكي فَالْقَوْل للمشكو بِهِ كَمَا فِي معاوضات المعيار عَن سَيِّدي مِصْبَاح قَائِلا: إِذا تقرر الْعرف أَن المشكو بِهِ لَا يُطلق إِلَّا بِمَال كَانَ القَوْل قَول المشكو بِهِ فِي أَنه دفع مَالا للظالم وَفِي قدره بِيَمِينِهِ لِأَن الْعرف كشاهد لمدعيه وَيجب رُجُوعه على الظَّالِم إِن قدر عَلَيْهِ، وَإِن لم يقدر فَفِيهِ اخْتِلَاف، وَالَّذِي بِهِ الْفَتْوَى وَعَلِيهِ الْعَمَل رُجُوعه على الشاكي، وبمثله أفتى الْفَقِيه الجنوي وَغَيره، وَهَذِه الْمَسْأَلَة حكى (خَ) فِيهَا أقوالاً حَيْثُ قَالَ: وَهل يضمن شاكيه لمغرم زَائِد الخ. وَهَذَا إِذا كَانَ الشاكي ظَالِما كَمَا هُوَ الْمَوْضُوع، وَأما إِن كَانَ مَظْلُوما لَا يصل إِلَى حَقه إِلَّا بالشكوى للظالم الجائر فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، والحكام الْيَوْم محمولون على الْجور كَمَا مّر عَن أبي الْحسن. الْخَامِس: قيل لِابْنِ سَحْنُون فَبِمَ يعرف السَّارِق الْمَشْهُور وَغير الْمَشْهُور؟ فَقَالَ: اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء. فَقيل: إِذا كثر طلابه بِالسَّرقَةِ وقويت فِيهِ التُّهْمَة فَهُوَ مَشْهُور. قَالَ: فَكل من ادّعى بِالسَّرقَةِ على السَّارِق الْمَشْهُور بهَا يحلف على شَيْئَيْنِ أَنه ضَاعَ وَتلف لَهُ مَا ادَّعَاهُ على السَّارِق، وَيحلف أَيْضا لقد اتهمه وَيغرم السَّارِق بِغَيْر بَيِّنَة لِأَن إشهاره بِالسَّرقَةِ هُوَ شَاهد عرفي أقوى من الْبَيِّنَة الناطقة. قَالَ: ويقوّم عَلَيْهِ قيمَة مُغَلّظَة لِأَنَّهُ أَحَق بِالْحملِ عَلَيْهِ اه. من الدّرّ الْمكنون. يَعْنِي: وَالْغَاصِب الْمَشْهُور بِالْغَصْبِ مثل السَّارِق الْمَذْكُور، وَسَيَأْتِي فِي فصل السّرقَة أَن سراق الزَّمَان كلهم لصوص تجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْحِرَابَة، وَيثبت ذَلِك وَلَو بِالسَّمَاعِ الفاشي وَذكر فِي الدُّرَر المكنونة فِي نَوَازِل مازونة عَن سَحْنُون أَنه قَالَ: تجوز على السَّارِق شَهَادَة الصّبيان والرعاة إِذا عرفوه، وَقَالُوا: فلَان رَأَيْنَاهُ سرق دَابَّة فلَان وَتجوز عَلَيْهِم شَهَادَة السيارة عُدُولًا كَانُوا أَو غير عدُول وَلَيْسَ قَول من قَالَ: لَا يجوز عَلَيْهِم إِلَّا الْعُدُول بِشَيْء عندنَا، وَقد سُئِلَ مَالك عَن مثل
следующие страницы →