← Сияса и кади

Сияса и кади · id 1544

البهجة في شرح التحفة

التسولي

Полный текст (1 359 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ف (القَوْل للْغَاصِب) بِيَمِينِهِ (فِي دَعْوَى التّلف) للشَّيْء الْمَغْصُوب إِذا ادّعى ربه أَنه بَاقٍ عِنْده وَأَنه يُرِيد أَن يفوتهُ عَلَيْهِ بغرم قِيمَته. (و) فِي (قدر مَغْصُوب) من كيل أَو وزن أَو عدد لِأَنَّهُ غَارِم (و) فِي (مَا بِهِ اتّصف) من رداءة بِحَيْثُ تكون قِيمَته على وَصفه دِرْهَمَيْنِ وعَلى وصف ربه عشرَة فَيحلف الْغَاصِب أَنه يَوْم استيلائه عَلَيْهِ كَانَ على الصّفة الَّتِي ذكرهَا وَيغرم دِرْهَمَيْنِ، وَهَذَا إِذا أشبه فَإِن وَصفه بِمَا لَا يشبه فَالْقَوْل للْمَغْصُوب مِنْهُ بِيَمِينِهِ إِن أشبه فَإِن لم يشبها فَقَالَ ابْن نَاجِي: يقْضِي فِي ذَلِك بالوسط من الْقيم بعد أيمانهما بِنَفْي كل مِنْهُمَا دَعْوَى صَاحبه وَتَحْقِيق دَعْوَاهُ اه. وَالسَّارِق مثل الْغَاصِب فِي التَّفْصِيل الْمَذْكُور وَالتَّقْيِيد بالشبه هُوَ الْمَشْهُور، وَقَالَ أَشهب: يصدق الْغَاصِب مُطلقًا وَلَو أَتَى بِمَا لَا يشبه كَقَوْلِه: هِيَ بكماء صماء عمياء. قَالَ: وَمن قَالَ برعي الشّبَه فَقَط غلط، وَإِنَّمَا ذَلِك فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين فِي قلَّة الثّمن وكثرته والسلعة قَائِمَة اه. (خَ) : وَالْقَوْل لَهُ أَي للْغَاصِب فِي تلفه ونعته وَقدره الخ. وَظَاهر قَوْله: وَمَا بِهِ اتّصف الخ. أَنه يصدق فِي وَصفه وَلَو جحد الْغَصْب أَو لَا. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِذا أنكر الْغَاصِب الْغَصْب وَشهِدت الْبَيِّنَة باعترافه أَو بمعاينة غصبه فَالْقَوْل للْمَغْصُوب مِنْهُ بِيَمِينِهِ أَن صفته كَانَت كَذَا، وَيسْتَحق قيمَة وَصفه. وَقيل: لَيْسَ لَهُ بعد يَمِينه إِلَّا الْوسط وَالْأول أصوب اه. وَهُوَ الَّذِي يجب اعْتِمَاده لِأَن الْغَاصِب لَا يقبل وَصفه بعد تبين كذبه بجحده. تَنْبِيهَات. الأول: مَا ذكره النَّاظِم و (خَ) من أَن القَوْل للْغَاصِب فِي الْقدر وَالْوَصْف هُوَ الْمَشْهُور، وَلَكِن عمل فاس على خِلَافه قَالَ ناظمه: لولد الْقَتِيل مَعَ يَمِين القَوْل فِي الدَّعْوَى بِلَا تَبْيِين إِذا ادّعى دراهماً وأنكرا القاتلون مَا ادَّعَاهُ وطرا قَالَ النَّاظِم فِي شَرحه لنظمه هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا جرى بِهِ الْعَمَل، وَهُوَ أَن وَالِد الْقَتِيل إِذا ادّعى دَرَاهِم من جملَة المنهوب وأنكرها القاتلون فَالْقَوْل قَول وَالِد الْقَتِيل، ثمَّ قَالَ نَاقِلا عَن قَاضِي الْجَمَاعَة أبي الْقَاسِم بن النَّعيم مَا نَصه: الَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل عندنَا فِي هَذِه النَّازِلَة وَمثلهَا أَن القَوْل قَول وَالِد الْقَتِيل مَعَ يَمِينه، والظالم أَحَق أَن يحمل عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الْمَشْهُور خِلَافه، وَكم من مَسْأَلَة جرى الحكم فِيهَا بِخِلَاف الْمَشْهُور ورجحها الْعلمَاء للْمصَالح الْعَامَّة اه. وَقَالَ سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي مَا ذكره ابْن النَّعيم ﵀: شاهدنا الحكم بِهِ عَام قدوم الْخَلِيفَة أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور حَضْرَة فاس، وَقد انحشر النَّاس إِلَى الشكوى بالمظالم وَكَانَ يحضر مَجْلِسه أَي مجْلِس الْخَلِيفَة للْحكم فِيهَا عُلَمَاء فاس كشيخنا الْمَذْكُور، وَشَيخنَا الْمُفْتِي سَيِّدي مُحَمَّد الْقصار، وَشَيخنَا سَيِّدي عَليّ بن عمرَان، وعلماء مراكش، وقاضي مراكش، وقاضي شفشاون سَيِّدي مُحَمَّد بن عرضون ﵏، فَكَانَ الحكم يصدر على الْوَجْه الْمَذْكُور قَالَ: وَالْعَام الْمَذْكُور عَام أحد عشر

стр. 1227

وَألف اه. كَلَام النَّاظِم بِلَفْظِهِ فِي شَرحه للبيتين. وَقَالَ الرعيني فِي كتاب الْغَصْب مَا نَصه قَالَ مَالك فِيمَن دخل عَلَيْهِ السراق فسرقوا مَتَاعه وانتهبوا مَاله وَأَرَادُوا قَتله فنازعهم وحاربهم ثمَّ ادّعى أَنه عرفهم أَو لم يعرفهُمْ أهوَ مُصدق عَلَيْهِم إِذا كَانُوا معروفين بِالسَّرقَةِ مستحلين لَهَا؟ قَالَ: هُوَ مُصدق وَقد نزلت مثل هَذِه بِالْمَدِينَةِ فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي رجل دخل عَلَيْهِ السراق فانتهبوا مَاله وجرحوه، فَلَمَّا أصبح حمل إِلَى عمر فَقَالَ: إِنَّمَا فعل بِي هَذَا فلَان وَفُلَان وَقد انتهبوا مَالِي فأغرمهم عمر بقوله، ونكلهم وَلم يكلفه الْبَيِّنَة عَلَيْهِم اه. بِاللَّفْظِ. وَنَقله ابْن فَرِحُونَ، وَغَيره وَنَحْوه ورد عَن يحيى بن يحيى، وبمثله أفتى الحفار حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الْبيُوع من المعيار قَائِلا قَالَ الْفُقَهَاء: من عرف بِالتَّعَدِّي وَالظُّلم يغلب الحكم فِي حَقه فَمن ادّعى على من بِهَذِهِ الْحَالة فَيحلف الطَّالِب وَيسْتَحق مَا طلب اه. وَنَحْوه رَوَاهُ أَشهب عَن مَالك فِي الْمَرْأَة تَدعِي على المشتهر بِالْفِسْقِ أَنه اغتصبها وَتَأْتِي مُتَعَلقَة بِهِ، فَإِنَّهُ يجب لَهَا عَلَيْهِ صدَاق مثلهَا، وَبِه صدر فِي الْمُقدمَات والتصدير من عَلَامَات التشهير، وَلَا سِيمَا وَهُوَ قَول الإِمَام الْأَعْظَم، وَمَعْلُوم تَقْدِيمه على قَول ابْن الْقَاسِم وَسَيَأْتِي ذَلِك عِنْد قَوْله: وَفِي وجوب الْمهْر خلف مُعْتَبر وَلَا فرق بَين الْفروج وَالْأَمْوَال، وَلِأَن الْفرج هُنَا آيل لِلْمَالِ وَعَلِيهِ فناظم الْعَمَل إِنَّمَا عَنى بنظمه هَذَا الْفِقْه، وَأَن الْمَعْرُوف بالظلم والتعدي يقْضى عَلَيْهِ بِمُجَرَّد دَعْوَى الْمُدَّعِي أَنه غصبه أَو سَرقه، وَأَنه غصبه قدر كَذَا. وَقد اعْتمد المكناسي فِي مجالسه هَذَا الْفِقْه، وَكَذَا الْقَرَافِيّ كَمَا مر فِي التَّنْبِيه الثَّالِث عِنْد قَوْله: فالمدعي من قَوْله مُجَرّد الخ. فَقَوله: لوالد الْقَتِيل يَعْنِي ادّعى عَلَيْهِم أَنهم قَتَلُوهُ ونهبوه أمتعته، وَمن جملَة المنهوب دَرَاهِم قدرهَا كَذَا، وَلَا يُرِيد خُصُوص أَنهم أقرُّوا بِالْقَتْلِ أَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ كَمَا هِيَ مَسْأَلَة الصرة الْآتِيَة عَن الْعُتْبِيَّة، وَفهم من قَوْله: إِذا ادّعى دَرَاهِم الخ. أَنه إِذا ادّعى ذَلِك تَحْقِيقا وَأَنه يعْمل بِدَعْوَاهُ فِي المَال فَقَط لَا فِي الْقَتْل، فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يقتل بِمُجَرَّد الدَّعْوَى لخطر الدِّمَاء وَالدَّعْوَى بِمَا يؤول لِلْمَالِ كَالْمَالِ لَا يَأْتِي فِي فصل الاغتصاب وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، وَإِن كَانَ لَا يقتل لَكِن يضْرب ويطال سجنه حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ السنون الْكَثِيرَة كَمَا يَأْتِي فِي الدِّمَاء، وَفهم من قَوْله فِي هَذِه النَّازِلَة وَمثلهَا، وَمن وَقَوله: والظالم أَحَق أَن يحمل عَلَيْهِ، وَمن قَوْله: رجحها الْعلمَاء للْمصَالح، وَمن قَوْله: وَقد انحشر النَّاس للشكوى بالمظالم إِلَى غير ذَلِك أَنه لَا مَفْهُوم لقتيل وَلَا لدراهم، بل كَذَلِك لَو كَانَت الدَّعْوَى بِالدَّرَاهِمِ وَالْقَتْل أَو بِالدَّرَاهِمِ فَقَط أَو بِالْحَيَوَانِ أَو الْعرُوض أَو غير ذَلِك، وَإِنَّمَا الْمدَار على كَون الدَّعْوَى على مَعْرُوف بِالتَّعَدِّي وَالظُّلم كقبائل الزَّمَان، فَإِن جلهم وغالبهم مَعْرُوف بالتهمة وَالْفساد وَالْحمل على الْغَالِب وَاجِب. وَقد قَالَ الشَّيْخ (م) فِي بعض فَتَاوِيهِ: قد آل بِنَا الْحَال إِلَى أَن يتبع الْمُسَافِرين بعض مَرَدَة أهل الْبَلَد وَنَحْوهَا مِمَّا قرب من الْبَلَد فيسفكون دِمَاءَهُمْ وينهبون أَمْوَالهم ويرجعون إِلَى الْبَلَد بالأمتعة فَلَا ينْتَقم مِنْهُم، وَلَا يستفتي عَن حكمهم، بل وَإِلَى مَا هُوَ أعظم من هَذَا من الْقَتْل صبرا وَنهب الْأَمْوَال من الدّور والحوانيت ثمَّ يكْتَسب فَاعل ذَلِك التَّعْظِيم والاحترام فضلا عَن عدم النكير عَلَيْهِ وَالضَّرْب على يَده مَعَ كَلَامه، وَإِذا كَانَ مثل هَذَا يَقع فِي حَضْرَة فاس كَمَا حَكَاهُ وكما هُوَ مشَاهد الْآن فِي وقتنا هَذَا، فَكيف بالبوادي وقبائل الزَّمَان؟ حَتَّى صَار قَاتل النَّفس لَا يضْرب فضلا عَن الْقصاص، وَالسَّارِق لَا يسجن فضلا عَن قطعه، بل كل مِنْهُمَا يعظم ويحترم وَلَا يشْهد أحد عَلَيْهِ، وَلِهَذَا جرى الْعَمَل بإغرامهم بِمُجَرَّد الدَّعْوَى زجرا لَهُم ولأمثالهم، وَعَلِيهِ فَلَا يحْتَاج

стр. 1228

لإِثْبَات التلصص بِإِقْرَار وَلَا مُعَاينَة، بل بِمُجَرَّد كَونهم مِمَّن يشار إِلَيْهِم بِالتَّعَدِّي، وَالظُّلم يُوجب إغرامهم للْمصْلحَة الْمَذْكُورَة كَمَا مر عَن الرعيني وَغَيره. وَكَلَام ابْن رحال فِي شَرحه صَرِيح فِي أَن الْعَمَل بِهِ وَعَلِيهِ، فَمَا قَالَه سَيِّدي مُحَمَّد بن قَاسم فِي شرح الْعَمَل الْمَذْكُور من أَنه لَا بُد من ثُبُوت التلصص بِالْإِقْرَارِ أَو المعاينة كَمَا فِي مَسْأَلَة الصرة الْآتِيَة لَا يعول عَلَيْهِ وَلَا يلْتَفت إِلَى شَيْء مِنْهُ لمُخَالفَته لما نقل عَن الرعيني وَغَيره شَاهدا لنظم الْعَمَل الْمَذْكُور. وَمَا نَقله عَن أبي الْحسن الزرويلي وَابْن هِلَال من أَن مَا للرعيني خلاف الْأُصُول الخ. لَا يقْدَح فِي الْعَمَل الْمَذْكُور لِأَن مَا قَالَه من مُخَالفَته لِلْأُصُولِ إِنَّمَا هُوَ إِذا روعي الْمَشْهُور، وهم قد قَالُوا: إِن هَذَا الْعَمَل مُخَالف للمشهور فهم معترفون بمخالفته لِلْأُصُولِ، وَإِنَّمَا ارتكبوه للْمصْلحَة من عدم ضيَاع الْحُقُوق، وَذَلِكَ أَن الأَصْل عدم التَّعَدِّي وَالظُّلم، لَكِن لما كثر كل مِنْهُمَا فِي هَذَا الزَّمَان وَغلب أجروا الْأَحْكَام على مُقْتَضَاهُ، وحملوا النَّاس عَلَيْهِ لِئَلَّا تضيع الْحُقُوق لِأَن الأَصْل وَالْغَالِب إِذا تَعَارضا فَالْحكم للْغَالِب لقَوْله تَعَالَى: وَأمر بِالْعرْفِ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٩٩) أَي احكم بِهِ. وَلذَا قَالَ أَبُو الْحسن فِي أجوبته فِي مَسْأَلَة من رفع شخصا لحَاكم جَائِر فأغرمه مَا لَا يجب عَلَيْهِ بعد أَن حكى فِيهَا قَوْلَيْنِ مَا نَصه: وَهَذَا وَقد كَانَ الْحَاكِم يحكم بِحَق تَارَة وبباطل أُخْرَى، وَأما الْآن فالحاكم لَا يحكم إِلَّا بِالْبَاطِلِ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِي أَنه يغرم مَا خسره اه. وَسلمهُ ابْن هِلَال فِي الدّرّ النثير فَأَنت ترَاهُ حمل الْحُكَّام على الظُّلم والتعدي حَيْثُ غلب مِنْهُم ذَلِك، وَأوجب على الشاكي الغرامة بِمُجَرَّد قَول الْمُدَّعِي إِن الْحَاكِم قبض مني وَقدر الْمَقْبُوض كَذَا، وَإِن كَانَ الأَصْل عدم العداء وَنَحْوه يَأْتِي عَن سَيِّدي مِصْبَاح فِي التَّنْبِيه الرَّابِع حَيْثُ قَالَ: إِذا تقرر الْعرف فِي وُلَاة الظُّلم وأجنادهم بغرم المَال مِمَّن أَخَذُوهُ ظلما كَانَ القَوْل للمأخوذ مِنْهُ فِيمَا غرم من المَال لِأَن الْعرف شَاهد لمدعيه وَيقوم مقَام الشَّاهِد النَّاطِق الخ. وَيَأْتِي نَحوه فِي التَّنْبِيه الْخَامِس الخ. وقبائل الزَّمَان ومردة حواضرهم كَذَلِك لما كثر مِنْهُم العداء وَغلب كَانَ القَوْل للمنهوب وَالْمَغْصُوب أَنه غصبه، وَإِن قدر الْمَغْصُوب كَذَا كَمَا رَأَيْته فِيمَا يشبه أَن يملكهُ فَقَط كَمَا قَالُوهُ فِي منتهب الصرة الْآتِيَة. وَإِذا علمت هَذَا فَمَا جرى بِهِ الْعَمَل لَهُ مُسْتَند صَحِيح لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان، وَله أصل أصيل فِي الشَّرِيعَة، وَهَذَا الْعَمَل حدث بعد زمَان أبي الْحسن وَابْن هِلَال كَمَا تقدم. وَلَو كَانَت الْقَبَائِل وَالنَّاس فِي زمانهما على مَا هم عَلَيْهِ فِي وَقت جَرَيَان الْعَمَل الْمَذْكُور مَا وسعهما أَن يَقُولَا بمخالفته لِلْأُصُولِ لاعترافهما بِأَن الحكم للْغَالِب كَمَا رَأَيْته، وَإِنَّمَا أطلنا الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لأجل استبعاد كثير من الإخوان مَا جرى بِهِ الْعَمَل لضعف مُسْتَنده عِنْدهم، وَحَمَلُوهُ على خُصُوص مَسْأَلَة الصرة الْمَذْكُورَة فِي الْعُتْبِيَّة وَهِي أَن رجلا اخْتَطَف صرة بمعاينة الْبَيِّنَة وَغَابَ عَلَيْهَا وَلم يعرف قدر مَا فِيهَا، فَالْمَشْهُور أَن القَوْل للْغَاصِب فِي قدرهَا وَقَالَ مَالك ومطرف: إِن القَوْل للمنهوب فِي قدرهَا، وَلَكِن لَيست مَخْصُوصَة بِالْعَمَلِ الْمُتَقَدّم خلافًا للرهوني فِي حَاشِيَته، وَتَخْصِيص الْعَمَل بهَا بعيد من الأنقال الْمُتَقَدّمَة بِدَلِيل تَعْلِيلهم بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّة، وَلَكِن يجْرِي الْعَمَل الْمَذْكُور فِيهَا بالأحرى. الثَّانِي: إِذا ثَبت التلصص أَو علم من عَادَة الْقَبَائِل كَمَا هُوَ مَوْجُود فِي قبائل الزَّمَان الْآن، فَإِن اللص وَالسَّارِق إِذا ظفر الْحَاكِم بهما أغرمهما كَمَا مرّ، وَإِذا لم يظفر بهما وَإِنَّمَا ظفر بِبَعْض قرابتهما أَو بعض من يحميهما من قبيلتهما وَلَو بجاهه فَإِنَّهُ يغرمه مَا أَخذه اللص أَو السَّارِق أَو

стр. 1229

اتهما بِهِ (خَ) فِي الْحِرَابَة وبالقتل يجب قَتله وَلَو بإعانة. قَالَ الزّرْقَانِيّ: أَي على الْقَتْل وَلَو بالتقوى بجاهه وَإِن لم يَأْمر بقتل وَلَا تسبب فِيهِ لِأَن جاهه أَعَانَهُ عَلَيْهِ حكما كَكَوْنِهِ من فِئَة ينحاز إِلَيْهِم قطاع الطَّرِيق فَيقْتل الْجَمِيع لأَنهم متمالئون اه. بِاخْتِصَار، وَنَحْوه فِي ابْن الْحَاج والشامل، وَإِذا كَانَ الْمعِين بجاهه والانحياز إِلَيْهِ مؤاخذاً بِالْقَتْلِ فَهُوَ مؤاخذ بِمَا نهبوه من الْأَمْوَال بالأحرى، وقبائل الزَّمَان مَعْلُوم مَا هم عَلَيْهِ من حمايتهم لمتلصصيهم وغاصبهم بِالْفِعْلِ فضلا عَن حمايتهم لَهُم بالجاه والانحياز، فَلَا إِشْكَال أَن غير الْمُبَاشر مِنْهُم مؤاخذ بِمَا فعله الْمُبَاشر وَلَو لم يظْهر مِنْهُ تسبب لِأَنَّهُ لَا أقل من أَن يكون حامياً للمباشر بجاهه أَو إيوائه إِلَيْهِ بل لَو لم يكن هُنَاكَ حماية أصلا لَا بالجاه وَلَا بالإيواء والانحياز وَلَا بِغَيْر ذَلِك لَكَانَ إغرامهم لما اتهمَ بِهِ سراقهم وغصابهم أمرا شَرْعِيًّا كَمَا قَالَ ناظم الْعَمَل: وَلَا يُؤَاخذ بذنب الْغَيْر فِي كل شرع من قديم الدَّهْر إِلَّا إِذا سدت بِهِ الذريعة أَو خيف شرع شرعة أَو شيعَة وَالشَّاهِد فِي قَوْله: إِلَّا إِذا سدت بِهِ الذريعة، الخ. لأَنهم إِذا غرموا حملهمْ ذَلِك على حفظ طرقاتهم وَحفظ المارين بأرضهم وَعدم كتمان غصابهم وسراقهم، فضلا عَن التعصب عَلَيْهِم. وَقد بسطنا الْكَلَام على ذَلِك بِمَا يشفي الغليل إِن شَاءَ الله فِي الْفَصْل الثَّالِث وَالسَّادِس من أجوبتنا لأسئلة الإِمَام محيي الدّين. الثَّالِث: الحكم فِي الدَّعْوَى على المتهوم من وَظِيفَة الْوُلَاة كَمَا مر عَن الْخَلِيفَة أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور إِذْ هُوَ الَّذِي تولى الحكم فِي ذَلِك بِمحضر أُولَئِكَ الْعلمَاء، وَقد قَالَ الْقَرَافِيّ: يمتاز نظر القَاضِي وَنظر وَالِي الجرائم بِأُمُور. مِنْهَا: أَن وَالِي الجرائم يسمع الدَّعْوَى على المتهوم ويبالغ فِي كشفه بِخِلَاف القَاضِي، وَمِنْهَا أَن يعجل بِحَبْس المتهوم للاستبراء والكشف قَالَ: وَقد ورد أَن النَّبِي ﷺ وجد فِي بعض غَزَوَاته رجلا فاتهمه بِأَنَّهُ جاسوس فعاقبه حَتَّى أقرّ، وَمِنْهَا أَنه يضْرب المتهوم مَعَ قُوَّة التُّهْمَة، وَمِنْهَا أَنه يتوعد المجرم بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يجب فِيهِ قتل لِأَنَّهُ إرهاب لَا تَحْقِيق، وَيجوز لَهُ أَن يُحَقّق وعيده بالأدب دون الْقَتْل بِخِلَاف الْقُضَاة فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك اه. بِاخْتِصَار. وَنَقله ابْن فَرِحُونَ فِي تبصرته وَزَاد أَن لقضاة الْمَالِكِيَّة فعل ذَلِك وَسَيَأْتِي قَول النَّاظِم: وَإِن يكن مطالباً من يتهم فَمَا لَك بِالضَّرْبِ والسجن حكم وَقَالَ فِي التَّبْصِرَة أَيْضا: كَانَ مَالك يَقُول فِي هَؤُلَاءِ الَّذين عرفُوا بِالْفَسَادِ والجرم أَن الضَّرْب قل مَا ينكلهم، وَلَكِن أرى أَن يحبسهم السُّلْطَان فِي السجون ويثقلهم بالحديد وَلَا يخرجهم مِنْهُ أبدا فَذَلِك خير لَهُم ولأهليهم وللمسلمين حَتَّى تظهر تَوْبَة أحدهم، وَيثبت ذَلِك عِنْد السُّلْطَان فَإِذا صلح وَظَهَرت تَوْبَته أطلقهُ اه. من النَّوَادِر. فَهَذِهِ النُّصُوص متواترة بكشف المتهوم وَاحِدًا كَانَ أَو جمَاعَة من الْقَبَائِل أَو غَيرهم، وَمَعَ ذَلِك يضمنُون لما مر من الْمصلحَة الْعَامَّة أَو سداً للذريعة كَمَا مرّ، وَعَلِيهِ فإرسال المتهوم للْقَاضِي يحكم بَينهم من زِيَادَة الْفساد قطعا وإهمال سد الذرائع لَيْسَ بِالْأَمر الهين إِذْ فِيهِ إِعَانَة الظَّالِم على ظلمه لِأَن غَايَة مَا يَفْعَله القَاضِي أَن يُكَلف المنهوب بِالْبَيِّنَةِ، وَأَيْنَ هَذِه الْبَيِّنَة؟ إِذْ لَو حَضرته الْبَيِّنَة مَا غصب وَمَا سرق، وعَلى فرض وجودهَا فَلَا تكون إِلَّا من أهل الْبَلَد وهم على مَا هم عَلَيْهِ من الحمية والعصبية وَقُوَّة التُّهْمَة بِالتَّعَدِّي

стр. 1230

وَالْفساد، فَكيف يشْهدُونَ مَعَ كَونه نهب بأرضهم بل من شهد مِنْهُم عاقبوه وخشي على نَفسه لأَنهم مكتسبون بغصبهم التَّعْظِيم والاحترام كَمَا مرّ. وَمن أجل إهمال هَذَا الْبَاب غلب الظُّلم وَكثر الْفساد وسفكت دِمَاء وغصبت أَمْوَال يعلمهَا الْكَبِير المتعال، حَتَّى إِن الْمُسَافِر ينهب مَاله أَو يسفك دَمه فيرسله الْعَامِل للقضاة فيستبشر الْمُدعى عَلَيْهِ لعلمه أَن القَاضِي يردهُ للْيَمِين، وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن لَا يُرْسِلهُ للْقَاضِي بل يُبَالغ فِي كشفه بِالضَّرْبِ وَطول السجْن والإغرام على مَا مرّ، وقبائل الزَّمَان كلهم متهمون إِذْ غَالب أَحْوَالهم النهب وَالْغَصْب وَسَفك الدِّمَاء وَغَيرهم من مَرَدَة الحواضر تظهر تهمته بالقرائن وَدَلَائِل أَحْوَاله، وَلذَا جرى الْعَمَل بالإغرام لِأَن الْحمل على الْغَالِب وَاجِب، وَالْمرَاد إغرام لأربابه الطالبين لَهُ، وَأما مَا يَفْعَله جهال الْعمَّال من أَخذهم أَمْوَالًا من السراق والغصاب وَلَا يدْفَعُونَ للطَّالِب شَيْئا مِمَّا يَدعِيهِ فَذَلِك خرق للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع قَالَ تَعَالَى: لَا تَأْكُلُونَ أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ إِلَى قَوْله: وَمن يفعل ذَلِك عُدْوانًا وظلماً فَسَوف نصليه نَارا﴾ (النِّسَاء: ٣٠) الخ. الرَّابِع: إِذا كَانَ الْإِنْسَان مَعْرُوفا مَشْهُورا بِعَدَمِ التَّعَدِّي وَعدم أكل أَمْوَال النَّاس فرفعه شخص لجائر يتَجَاوَز الْحَد فِيهِ ويغرمه مَا لَا يجب عَلَيْهِ فَالَّذِي بِهِ الْعَمَل أَن الشاكي يغرم للمشكو بِهِ مَا غرم كَمَا فِي الْمواق عَن ابْن لب وَنَحْوه فِي المعيار عَن العبدوسي، وَعَلِيهِ فَإِذا ثَبت الرّفْع للظالم وَقدر مَا دَفعه بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار الشاكي فَلَا كَلَام، وَإِن لم يثبت ذَلِك وَادّعى المشكو بِهِ أَنه دفع كَذَا وَخَالفهُ الشاكي فَالْقَوْل للمشكو بِهِ كَمَا فِي معاوضات المعيار عَن سَيِّدي مِصْبَاح قَائِلا: إِذا تقرر الْعرف أَن المشكو بِهِ لَا يُطلق إِلَّا بِمَال كَانَ القَوْل قَول المشكو بِهِ فِي أَنه دفع مَالا للظالم وَفِي قدره بِيَمِينِهِ لِأَن الْعرف كشاهد لمدعيه وَيجب رُجُوعه على الظَّالِم إِن قدر عَلَيْهِ، وَإِن لم يقدر فَفِيهِ اخْتِلَاف، وَالَّذِي بِهِ الْفَتْوَى وَعَلِيهِ الْعَمَل رُجُوعه على الشاكي، وبمثله أفتى الْفَقِيه الجنوي وَغَيره، وَهَذِه الْمَسْأَلَة حكى (خَ) فِيهَا أقوالاً حَيْثُ قَالَ: وَهل يضمن شاكيه لمغرم زَائِد الخ. وَهَذَا إِذا كَانَ الشاكي ظَالِما كَمَا هُوَ الْمَوْضُوع، وَأما إِن كَانَ مَظْلُوما لَا يصل إِلَى حَقه إِلَّا بالشكوى للظالم الجائر فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، والحكام الْيَوْم محمولون على الْجور كَمَا مّر عَن أبي الْحسن. الْخَامِس: قيل لِابْنِ سَحْنُون فَبِمَ يعرف السَّارِق الْمَشْهُور وَغير الْمَشْهُور؟ فَقَالَ: اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء. فَقيل: إِذا كثر طلابه بِالسَّرقَةِ وقويت فِيهِ التُّهْمَة فَهُوَ مَشْهُور. قَالَ: فَكل من ادّعى بِالسَّرقَةِ على السَّارِق الْمَشْهُور بهَا يحلف على شَيْئَيْنِ أَنه ضَاعَ وَتلف لَهُ مَا ادَّعَاهُ على السَّارِق، وَيحلف أَيْضا لقد اتهمه وَيغرم السَّارِق بِغَيْر بَيِّنَة لِأَن إشهاره بِالسَّرقَةِ هُوَ شَاهد عرفي أقوى من الْبَيِّنَة الناطقة. قَالَ: ويقوّم عَلَيْهِ قيمَة مُغَلّظَة لِأَنَّهُ أَحَق بِالْحملِ عَلَيْهِ اه. من الدّرّ الْمكنون. يَعْنِي: وَالْغَاصِب الْمَشْهُور بِالْغَصْبِ مثل السَّارِق الْمَذْكُور، وَسَيَأْتِي فِي فصل السّرقَة أَن سراق الزَّمَان كلهم لصوص تجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْحِرَابَة، وَيثبت ذَلِك وَلَو بِالسَّمَاعِ الفاشي وَذكر فِي الدُّرَر المكنونة فِي نَوَازِل مازونة عَن سَحْنُون أَنه قَالَ: تجوز على السَّارِق شَهَادَة الصّبيان والرعاة إِذا عرفوه، وَقَالُوا: فلَان رَأَيْنَاهُ سرق دَابَّة فلَان وَتجوز عَلَيْهِم شَهَادَة السيارة عُدُولًا كَانُوا أَو غير عدُول وَلَيْسَ قَول من قَالَ: لَا يجوز عَلَيْهِم إِلَّا الْعُدُول بِشَيْء عندنَا، وَقد سُئِلَ مَالك عَن مثل

стр. 1231

هَذَا الْأَمر فِي لصوص أهل الْحجاز وبرابر برقة فَقَالَ: تجوز عَلَيْهِم شَهَادَة من لَقِيَهُمْ من النَّاس، فَقيل لَهُ: إِنَّهُم غير عدُول. قَالَ: وَأَيْنَ يُوجد الْعُدُول على مَوَاضِع السَّارِق واللص، وَإِنَّمَا يتبع اللص وَالسَّارِق الخلوات الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْعُدُول. وَقَالَهُ مُحَمَّد بن سَحْنُون اه. وَنَحْوه فِي تَنْبِيه الغافل قَائِلا: تقبل شَهَادَة غير الْعُدُول على السَّارِق سَوَاء كَانَ الشَّاهِد رجلا أَو امْرَأَة وَلَو لم يغرم السَّارِق واللص إِلَّا بِشَهَادَة الْعُدُول لم يغرم السَّارِق أبدا، ثمَّ قَالَ: لَو شهد عَلَيْهِ وَاحِد يحلف صَاحب الْمَتَاع مَعَه وَيسْتَحق قَالَ: إِن كَانَ مَعْرُوفا بِالسَّرقَةِ فَلَا يَمِين عَلَيْهِ وكل مَوضِع لَا يُمكن فِيهِ حُضُور الْعُدُول فالشهادة على التوسم بِظَاهِر الْإِسْلَام جَائِزَة احْتِيَاطًا لأموال النَّاس، وَسَيَأْتِي قَول النَّاظِم: وَمَالك فِيمَا رَوَاهُ أَشهب قسَامَة بِغَيْر عدل تجب الخ فَهُوَ شَاهد لذَلِك. وَهَذَا كُله شَاهد لما تقدم من الْعَمَل الْمَذْكُور إِذْ شَهَادَة غير الْعُدُول كَالْعدمِ فِي نظر الشَّرْع، وَلَكِن اعتبروها فِي هَذَا الْمحل احْتِيَاطًا للأموال، وَبِه تعلم أَن اعْتِرَاض الشَّيْخ مصطفى فِي أَوَائِل الشَّهَادَات من حَاشِيَته على مَا تقدم عَن المازونية، ونوازل ابْن سَحْنُون قَائِلا ذَلِك كُله خلاف الْمَشْهُور لَا يعول عَلَيْهِ لِأَن اعتراضه مَبْنِيّ على الْمَشْهُور، وكلامنا الْآن فِي الْمَعْمُول بِهِ وَأَيْضًا فَهُوَ بِنَفسِهِ نقل عَن الذَّخِيرَة وَغَيرهَا أَنا إِذا لم نجد فِي جِهَة إِلَّا غير الْعُدُول فَإنَّا نجوز شَهَادَة أقلهم فجوراً والأمثل فالأمثل لِئَلَّا تضيع الْمصَالح والحقوق. وَقَالَ: وَمَا أَظن أحدا يُخَالِفهُ فَإِن التَّكْلِيف شَرطه الْإِمْكَان الخ. وَلَا شكّ أَن مَوَاطِن الخلوات الَّتِي يقصدها الغصاب والسراق لَا يُوجد فِيهَا فِي الْغَالِب إِلَّا من ذكر من الرُّعَاة وَنَحْوهم فهم أمثل من وجد فِي تِلْكَ المواطن فَتجوز شَهَادَتهم للضَّرُورَة لِئَلَّا تضيع الْحُقُوق كَمَا جَازَت شَهَادَة الأمثل غير الْعُدُول لذَلِك وَعَلِيهِ فَمَا مر عَن المازونية وَغَيرهمَا جَار على الْمَشْهُور، وَإِنَّمَا يعْتَبر الأمثل إِذا وجد مَعَ غَيره وإلاَّ لم يعْتَبر إِذْ التَّكْلِيف شَرطه الْإِمْكَان، وَمن قَالَ ذَلِك إِنَّمَا قَالَه لعدم إِمْكَان الْعُدُول فِي تِلْكَ المواطن كَمَا رَأَيْته ومراعاة الِاحْتِيَاط لأموال النَّاس كَمَا تقدم عَن تَنْبِيه الغافل فَلَا يَصح الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم، والقائلون بِالْعَمَلِ الْمَذْكُور إِنَّمَا بنوه على مُرَاعَاة تِلْكَ الْمصَالح والضرورات ومراعاة الْعرف فِي زمنهم كَمَا مّر، وَرَأَوا أَن الشُّهْرَة بِالْفَسَادِ تنزل منزلَة التَّحْقِيق وَأَن ارْتِكَاب الْمَشْهُور فِي الزَّمَان الَّذِي غلب على أَهله الْفساد يُفْضِي إِلَى سفك الدِّمَاء وغصب الْأَمْوَال كَمَا هُوَ مشَاهد بالعيان، وَقَول الشَّيْخ عبد الْقَادِر الفاسي فِي بعض فَتَاوِيهِ: إِن نَوَازِل ابْن سَحْنُون مطعون فِيهَا إِن كَانَ يُرِيد فِي جَمِيعهَا فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ يُرِيد فِي بَعْضهَا فَصَحِيح، وكل كتاب لَا يَخْلُو من ارتكابه غير الْمَشْهُور فِي بعض مسَائِله. وَالْغُرْمُ والضَّمَانُ مَعْ عِلْمٍ يَجِبْ عَلَى الَّذِي انْجرَّ إلَيْهِ مَا غُصِبْ (وَالْغُرْم وَالضَّمان مَعَ علم يجب) أَي: وكما يجب الْغرم وَالضَّمان على الْغَاصِب كَذَلِك يجبان (على الَّذِي انجر إِلَيْهِ مَا غصب.

стр. 1232

بإرْثٍ أَوْ مِنْ وَاهِبٍ أَوْ بائِعِ كالمُتَعَدِّي غَاصِبِ المنافِعِ بِإِرْث أَو) أنجر إِلَيْهِ (من واهب) وهبه لَهُ (أَو) من (بَائِع) بَاعه لَهُ مَعَ علمه فِي ذَلِك كُله بِالْغَصْبِ (خَ) : ووارثه وموهوبه إِن علما كَهُوَ أَي كَالْغَاصِبِ فيضمنون التّلف وَلَو بسماوي، ويردون الْغلَّة حَيْثُ استعملوا وَلم يفت الْمَغْصُوب، فَإِن فَاتَ لم يجمع للْمَغْصُوب مِنْهُ بَين الْقيمَة وَالْغلَّة كَمَا مّر فِي الْغَاصِب، وَتعْتَبر الْقيمَة يَوْم قبضهم للْمَغْصُوب، لِأَنَّهُ يَوْم الِاسْتِيلَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَيُخَير الْمَالِك فِي اتِّبَاع أَيهمْ شَاءَ، وَإِذا رَجَعَ الْمَالِك على وَاحِد مِنْهُم فَلَا رُجُوع لَهُ على الْغَاصِب كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة إِلَّا فِي المُشْتَرِي إِذا وجد الْمَغْصُوب بِيَدِهِ وَأَخذه ربه فَإِنَّهُ يرجع بِثمنِهِ على الْغَاصِب وَلَا يكون بِعِلْمِهِ بِالْغَصْبِ واهباً للثّمن على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَو قصد الْهِبَة لم يرتبها على هَذَا العقد قَالَه أَبُو الْحسن. وَمَفْهُوم قَوْله مَعَ علم أَنهم إِذا لم يعلمُوا فَلَا يضمنُون السماوي حَيْثُ كَانَ مِمَّا لَا يُغَاب عَلَيْهِ أَو يُغَاب عَلَيْهِ وَقَامَت على تلفه بَيِّنَة، وَمعنى عدم ضَمَانه أَنهم لَا يكونُونَ غريماً ثَانِيًا للْمَالِك، بل إِنَّمَا يرجع بِقِيمَتِه على الْغَاصِب وَيَأْخُذ الْغَاصِب الثّمن من المُشْتَرِي إِن كَانَ لم يقبضهُ وَلَا يضمن المُشْتَرِي الْغلَّة الَّتِي استغلها غير عَالم وَلَا يضمنهَا الْغَاصِب أَيْضا على الْمَشْهُور لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل، واحترزت بالسماوي من الْعمد فَإِنَّهُم يضمنُون، وَكَذَا الْخَطَأ على الْمُعْتَمد فَيُخَير الْمَالِك حِينَئِذٍ فِي مَسْأَلَة الشِّرَاء بَين الرُّجُوع على الْغَاصِب فَيَأْخذهُ بِقِيمَتِه يَوْم الِاسْتِيلَاء وَبَين الرُّجُوع على المُشْتَرِي فَيَأْخذهُ بِقِيمَتِه يَوْم التّلف، فَإِن كَانَت أقل من الْقيمَة يَوْم الْغَصْب رَجَعَ على الْغَاصِب بِتَمَامِهَا، وَرجع المُشْتَرِي على الْغَاصِب بِالثّمن الَّذِي دفع لَهُ. وَفِي مَسْأَلَة الْهِبَة لَا يُخَيّر الْمَالِك بل يبتدىء بِالرُّجُوعِ على الْغَاصِب فَيَأْخذهُ بِقِيمَة الْمَوْهُوب يَوْم الِاسْتِيلَاء أَو بالغلة الَّتِي استغلها الْمَوْهُوب لَهُ حَيْثُ اخْتَار تَضْمِينه الْغلَّة دون قيمَة الْمَوْهُوب، وإلاَّ فَلَا يجمع لَهُ بَينهمَا كَمَا مّر فَإِن أعْسر الْغَاصِب أَو لم يُوجد أَو وجد وَلم يقدر عَلَيْهِ فَيرجع حِينَئِذٍ على الْمَوْهُوب لَهُ لِأَنَّهُ الْمُسْتَهْلك ثمَّ لَا يرجع الْمَوْهُوب لَهُ على الْغَاصِب بِشَيْء كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة خلافًا لما فِي التَّوْضِيح لِأَنَّهُ يَقُول لَهُ: وَهبتك شَيْئا لم يتم لَك، وَفِي مَسْأَلَة الْوَارِث يُخَيّر الْمَالِك كتخييره فِي مَسْأَلَة الشِّرَاء حَيْثُ كَانَت تَرِكَة الْغَاصِب مَوْجُودَة، وَقَوْلهمْ يرد الْوَارِث الْغلَّة يَعْنِي إِن كَانَ الْمَغْصُوب قَائِما علم بِالْغَصْبِ أم لَا. وَفَاتَ بسماوي وَلم يعلم، وَأما إِن فَاتَ بِجِنَايَتِهِ عمدا أَو خطأ فَالظَّاهِر أَنه لَا يجمع لَهُ بَين الْغلَّة وَالْقيمَة فَتَأَمّله. تَنْبِيه: إِذا تلف الْمَغْصُوب فغرم الْغَاصِب قِيمَته ثمَّ وجده فَإِنَّهُ يكون لَهُ لَا لرَبه وَكَذَا الرَّاعِي والصانع وَالْمُسْتَعِير وَغَيرهم كَمَا تقدم الْكَلَام على ذَلِك مُسْتَوفى فِي بَاب الصُّلْح. ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى تَعْرِيف الْمُتَعَدِّي مشبهاً لَهُ بالغاصب فِي الضَّمَان فَقَالَ: (كالمتعدي) وَهُوَ (غَاصِب الْمَنَافِع) دون قصد تملك الرَّقَبَة كَمَا مّر أول الْفَصْل فَإِنَّهُ يضمن مَا

стр. 1233

تعدى عَلَيْهِ إِن هلك بِغَيْر سماوي وَيضمن الْغلَّة سَوَاء اسْتعْمل أَو عطل بِخِلَاف الْغَاصِب فَلَا يضمن إِلَّا غلَّة مَا اسْتعْمل، ويفارقه أَيْضا فِي كَونه يضمن الْقيمَة يَوْم تعديه، وَلَا يضمن السماوي بِخِلَاف الْغَاصِب فَإِنَّهُ يضمن الْقيمَة يَوْم الِاسْتِيلَاء وَيضمن السماوي ويفارقه أَيْضا فِي أَنه إِذا تعدى على مَنَافِع الْإِبِل وَنَحْوهَا فحبسها عَن أسواقها فَإِنَّهُ يضمن قيمتهَا إِن شَاءَ رَبهَا وَلَو شَاءَ ردهَا سَالِمَة بِخِلَاف الْغَاصِب فَإِنَّهُ لَا خِيَار لِرَبِّهَا إِن جَاءَ بهَا سَالِمَة، ويفارقه أَيْضا فِي أَنه إِذا جنى على السّلْعَة فأتلف الْمَقْصُود مِنْهَا فَإِن رَبهَا يُخَيّر فِي أَخذهَا مَعَ مَا نَقصهَا أَو أَخذ قيمتهَا بِخِلَاف مَا إِذا لم يتْلف الْمَقْصُود مِنْهَا بل عيبها عَيْبا قَلِيلا فَلَا خِيَار لِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا لَهُ أَخذهَا مَعَ أرش الْعَيْب كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: ومتلف مَنْفَعَة مَقْصُوده الخ. بِخِلَاف الْغَاصِب فَإِن رَبهَا يُخَيّر بِالْعَيْبِ الْقَلِيل وَالْكثير كَمَا مّر عِنْد قَوْله: فَإِن تلف قوم والمثل بِذِي مثل ألف. ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن مَفْهُوم الْمُتَعَدِّي وَالْغَاصِب وَهُوَ من حَاز شَيْئا بِشُبْهَة من شِرَاء أَو غَيره ثمَّ اسْتحق من يَده بِوَجْه من الْوُجُوه الشَّرْعِيَّة لَا يرد الْغلَّة فَقَالَ: وَشُبْهَةٌ كالْمِلْكِ فِي ذَا الشَّأْنِ لِقَوْلِهِ الْخَرَاجُ بالضّمانِ (وشبهة) للْملك كمشتر ومكتر من غَاصِب لم يعلمَا بغصبه وكمجهول حَاله لَا يدْرِي هَل هُوَ غَاصِب أم لَا. وَهل واهبه غَاصِب أم لَا. وَكَذَا موهوب الْغَاصِب إِذا لم يعلم وَكَانَ الْغَاصِب مَلِيًّا إِذْ لَو كَانَ معدماً لم تكن لموهوبه غلَّة كَمَا مّر قَرِيبا لَا وَارِث الْغَاصِب فَلَا غلَّة لَهُ مُطلقًا كَمَا مر. (كالملك) التَّام الَّذِي لم يطْرَأ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاق (فِي ذَا الشَّأْن) أَي شَأْن الْغلَّة فَلَا يردهَا وَاحِد مِمَّن تقدم حَيْثُ طَرَأَ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاق (لقَوْله) ﷺ (الْخراج) أَي الْغلَّة (بِالضَّمَانِ) وَالْمُشْتَرِي الَّذِي لم يعلم لَو هلك مَا اشْتَرَاهُ لَكَانَ ضَمَانه مِنْهُ بِمَعْنى أَنه لَا يرجع بِثمنِهِ على الْغَاصِب، فَكَانَت الْغلَّة لَهُ وَهُوَ معنى قَول الْفُقَهَاء من عَلَيْهِ التوا فَلهُ النما والتوا بِالْمُثَنَّاةِ وَالْقصر أَي ضَمَان الشَّيْء إِذا هلك، والنما بالنُّون الزِّيَادَة وَالْمرَاد بِهِ الْغلَّة. وَلَا يَكُون الرَّدُّ فِي اسْتِحَقَاقِ وَفَاسِدِ الْبَيْعِ عَلى الإطْلَاقِ (و) لكَون الْخراج بِالضَّمَانِ (لَا يكون الرَّد) للغلة (فِي) طرُو (اسْتِحْقَاق) على من لَهُ شُبْهَة الْملك كَمَا مّر وَلَو فَرعه بِالْفَاءِ وَقدمه على قَوْله: الْخراج بِالضَّمَانِ لَكَانَ أحسن (خَ) : وَالْغلَّة لذِي الشُّبْهَة أَو الْمَجْهُول الحكم كوارث وموهوب ومشتر لم يعلمُوا الخ. وَمرَاده بالوارث وَارِث من جهلت حَاله أَو ظَهرت شبهته لَا وَارِث الْغَاصِب لما مر أَنه لَا غلَّة لَهُ علم أَو لم يعلم، وَكَذَا محيي أَرضًا يَظُنهَا مواتاً لَا غلَّة لَهُ كَمَا مر فِي ابْن يُونُس، لَكِن الْوَارِث ومحيي الأَرْض وَإِن كَانَا لَا غلَّة لَهما لَا يهدم بناؤهما وَلَا يقْلع زرعهما فذو الشُّبْهَة الَّذِي لَهُ الْغلَّة أخص من ذِي الشُّبْهَة الَّذِي لَا يقْلع غرسه وَلَا بِنَاؤُه بل يجْرِي على قَول (خَ) فِي الِاسْتِحْقَاق: وَإِن غرس أَو بنى قيل للْمَالِك

стр. 1234

أعْطه قِيمَته قَائِما الخ. وَدخل فِي النّظم من بَاعَ مَا يعرف لغيره زاعماً أَن مَالِكه وَكله على بَيْعه وَهُوَ من ناحيته وَسَببه فَلم يثبت التَّوْكِيل وَفسخ البيع فَلَا ترد الْغلَّة كَمَا للخمي، وَكَذَا إِذا بَاعَ الحاضن مَا لَيْسَ بِيَسِير ثمَّ فسخ بَيْعه فَلَا ترد الْغلَّة أَيْضا، وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ على الصَّغِير قَرِيبه كالأخ وَالْعم بِلَا إيصاء وَلَا حضَانَة فَكبر الصَّغِير وَأخذ شَيْئه، فَإِن المُشْتَرِي لَا يرد الْغلَّة وَلَو كَانَ عَالما يَوْم البيع بتعدي البَائِع، وَهَذَا على أَن الْقَرِيب لَا يتنزل منزلَة الْوَصِيّ، وَأما على أَنه يتنزل مَنْزِلَته وَهُوَ الْمَعْمُول بِهِ كَمَا مّر فَلَا إِشْكَال أَنه لَا يردهَا بل وَلَا يفْسخ البيع وَأما من اشْترى حبسا من الْمحبس عَلَيْهِ وَهُوَ عَالم بالتحبيس فيردها كَمَا مّر فِي قَوْله: وَمن يَبِيع مَا عَلَيْهِ حبسا الخ. تَنْبِيه: قَالَ ابْن زرب: من ادّعى أَنه ابْتَاعَ دَارا من رجل وَأنكر الرجل ذَلِك فَلم تقم للْمُدَّعِي بَيِّنَة أَنه يُؤْخَذ بخرجها فَقَالَ لَهُ ابْن دحون: أَلَيْسَ الْغلَّة بِالضَّمَانِ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا مقرا بِأَن الدَّار كَانَت للقائم وَيَزْعُم أَنه ابتاعها وَلم يثبت لَهُ ذَلِك فَرجع عَلَيْهِ بالغلة. وَلَو قَالَ الدَّار ملكي وَلم يدع ابتياعها من الْقَائِم ثمَّ ثبتَتْ للقائم لم يرجع عَلَيْهِ بالغلة اه. ونظمها فِي اللامية حَيْثُ قَالَ: وَغرم خراج من على غَيره ادّعى بِملك بِهِ سكناهُ بيعا تقبلا الخ وَهَذَا إِذا لم تمض الْحِيَازَة القاطعة كعشر سِنِين وإلاَّ فَيصدق وَإِن لم يُثبتهُ كَمَا مَّر فِي قَوْله: فِي الْحِيَازَة وَالْيَمِين لَهُ إِن ادّعى الشِّرَاء مِنْهُ معمله. وَانْظُر مَا يُعَارض مَا قَالَه ابْن زرب فِي فصل الِاسْتِحْقَاق من شرحنا للشامل، ثمَّ ذكر أَرْبَعَة أُمُور لَا ترد فِيهَا الْغلَّة لدخولها فِي الْخراج بِالضَّمَانِ فَقَالَ: (و) لَا ترد الْغلَّة أَيْضا فِي (فَاسد البيع على الْإِطْلَاق) كَانَ قَائِما وَفسخ البيع ورد الْمَبِيع أَو فَاتَ بِالثّمن أَو الْقيمَة (خَ) : وَإِنَّمَا ينْتَقل ضَمَان الْفَاسِد بِالْقَبْضِ وَلَا غلَّة تصحبه، فَإِن فَاتَ مضى الْمُخْتَلف فِيهِ بِثمنِهِ وإلاَّ ضمن قِيمَته الخ. وَالرَّدِّ بالْعَيْبِ وَلا فِي السِّلْعَهْ مَوجُودَةً فِي فَلَسٍ وَالشُّفْعَهْ (و) لَا ترد أَيْضا فِي (الرَّد بِالْعَيْبِ) يطلع عَلَيْهِ بعد أَن استغل لكَون الضَّمَان مِنْهُ أَو هلك الْمَبِيع (وَلَا) ترد أَيْضا (فِي السّلْعَة) كسفينة ودابة مثلا اشتراهما واستغلهما قبل أَن يدْفع الثّمن وَكَانَت كلتاهما (مَوْجُودَة) بِحَالِهَا (فِي فلس) المُشْتَرِي فَإِن ربهما يكون أَحَق بهما فِي ثمنه وَلَا يرجع على الْمُفلس بِمَا استغله لكَون الضَّمَان مِنْهُ لَو هلكتا بِيَدِهِ. (و) لَا ترد أَيْضا فِي (الشُّفْعَة) يقوم بهَا الشَّرِيك بعد أَن استغل المُشْتَرِي لكَون الضَّمَان مِنْهُ لَو هلك الشّقص، وَقد

стр. 1235

أَشَارَ (خَ) لهَذِهِ الْأُمُور فِي الْعُيُوب حَيْثُ قَالَ: وَالْغلَّة لَهُ أَي للْمُشْتَرِي للْفَسْخ بِخِلَاف ولد وَثَمَرَة أبرت وصوف تمّ كشفعة وَاسْتِحْقَاق وتفليس وَفَسَاد الخ. وَقد اسْتُفِيدَ من قَوْله: بِخِلَاف ولد إِلَى قَوْله وصوف، تمّ أَن عدم رد الْغلَّة فِي هَذِه الْأُمُور الْخَمْسَة إِنَّمَا هُوَ فِيمَا حدث مِنْهَا بعد البيع، لَكِن إِن كَانَ ثَمَرَة غير مؤبرة يَوْم الشِّرَاء أَو حدثت بعده فَفِي الْعَيْب وَالْفساد يَسْتَحِقهَا المُشْتَرِي بِمُجَرَّد الزهو وَفِي الشُّفْعَة والاستحقاق باليبس وَفِي التَّفْلِيس بالجذاذ وَهُوَ الْقطع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن غَازِي بقوله: الجذ فِي الثِّمَار فِيمَا انتقيا يضبطه تَجِد عفزاً شسيا وَمعنى انتقيا اختير فالتاء فِي تَجِد للتفليس وَالْجِيم وَحدهَا أَو مَعَ الدَّال للجذاذ وَالْعين وَالْفَاء فِي عفزاً للعيب وَالْفساد وَالزَّاي للزهو والشين وَالسِّين فِي شسيا للشفعة والاستحقاق، وَالْيَاء لليبس فَإِن كَانَت صُوفًا غير تَامّ وَقت البيع أَو حدث بعده فَهُوَ لَهُ إِذا جزه قبل الِاطِّلَاع على الْعَيْب، فَإِن اطلع عَلَيْهِ قبل جزه فَهُوَ تبع للغنم وَلَو تمّ، وَإِن جزه بعد الِاطِّلَاع فَهُوَ رضَا. قَالَ فِي الْمُقدمَات: وَلَا يرجع الْمُبْتَاع بِشَيْء من نَفَقَته عَلَيْهَا بِخِلَاف النّخل، وَفِي الِاسْتِحْقَاق يَأْخُذهُ الْمُبْتَاع إِذا جذت وَكَذَا فِي الْفساد والتفليس وَلَا تتَصَوَّر الشُّفْعَة فِيهِ هَذَا حكم الْحَادِث من الْغلَّة فِي الْأُمُور الْمَذْكُورَة، وَأما مَا كَانَ مَوْجُودا قبل البيع فَفِيهِ تَفْصِيل أَيْضا فَالْوَلَد سَوَاء كَانَ مِمَّا لَا يعقل أم لَا لَيْسَ بغلة فِي الِاسْتِحْقَاق وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ والتفليس فَهُوَ للْبَائِع فِي الآخرين، وللمستحق فِي الأول سَوَاء اشْتَرَاهَا حَامِلا الْوَلَد أَو حدث الْوَلَد عِنْده، وَفِي الْفساد يفوتهُ وَيُوجب الرُّجُوع بِالْقيمَةِ وَفِي الشُّفْعَة لَا يتَصَوَّر فِيهَا، وَأما الثَّمَرَة المؤبرة حِين البيع فَهِيَ للْبَائِع أَلا أَن يشترطها المُشْتَرِي فَإِن اشترطها واطلع على عيب فيردها إِن كَانَت قَائِمَة وإلاَّ رد مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت أَو ثمنهَا إِن بِيعَتْ لِأَن لَهَا وَقت البيع حِصَّة من الثّمن وَيرجع بسفيه وعلاجه، وَحكمهَا فِي البيع الْفَاسِد كَحكم الرَّد بِالْعَيْبِ، وَأما فِي التَّفْلِيس فالبائع أَحَق بهَا مَا لم تجذ فَإِن جذت كَانَ أَحَق بالأصول بِمَا ينوبها من الثّمن ويحاصص بِمَا يَنُوب الثَّمَرَة، وَأما فِي الِاسْتِحْقَاق وَالشُّفْعَة فَإِن طَرَأَ أَحدهمَا قبل طيب الثَّمَرَة فَهُوَ أَحَق بهَا بعد أَن يُؤَدِّي أُجْرَة السَّقْي والعلاج وَإِن طَرَأَ بعد طيب الثَّمَرَة قبل يبسها أَو بعد يبسها وَلم تجذ أَو بعد جذها وَهِي قَائِمَة أَو فَائِتَة فَإِن الْمُسْتَحق يَأْخُذ الثَّمَرَة بعد أَن يرفع أُجْرَة السَّقْي والعلاج على نَحْو مَا تقدم فِي الْعَيْب، وَالشَّفِيع يَأْخُذهَا مَعَ الْأُصُول مَعَ أُجْرَة السَّقْي والعلاج مَا لم تيبس وَإِلَّا فَيَأْخُذ الأَصْل ويحط عَنهُ مَا يَنُوب الثَّمَرَة من الثّمن كَمَا قَالَ (خَ) فِي الشُّفْعَة: وَحط حصَّتهَا إِن أزهت أَو أبرت الخ. وَأما الصُّوف التَّام وَقت البيع فَفِي الْعَيْب يردهُ مَعَ الْغنم فَإِن جزه وَفَاتَ رد مثله فَإِن لم يعلم وَزنه رد

стр. 1236

الْغنم بحصتها من الثّمن. اللَّخْمِيّ: وَإِن وجد الْعَيْب بعد أَن جزها وَعَاد إِلَيْهَا الصُّوف ردهَا وَلَا شَيْء عَلَيْهِ للصوف الأول اه. وَلَا يرجع الْمُبْتَاع بِشَيْء من نَفَقَته عَلَيْهَا بِخِلَاف النّخل، وَالْفرق أَن للغنم غلَّة تبتغي مِنْهَا سوى الصُّوف وَفِي اسْتِحْقَاق الْغنم يَأْخُذهُ الْمُسْتَحق إِن كَانَ قَائِما أَو مثله إِن اسْتَهْلكهُ الْمُبْتَاع وَعلم وَزنه، وإلاَّ رد قِيمَته وَإِن كَانَ قد بَاعه رد ثمنه. وَفِي التَّفْلِيس يكون بَائِعه أَحَق بِهِ مُدَّة كَونه قَائِما وَإِن جزه الْمُفلس، وَإِن فَاتَ خير البَائِع بَين أَخذ الْغنم بِمَا ينوبها من الثّمن وحاص بِمَا يَنُوب الصُّوف مِنْهُ وَبَين تَسْلِيم الْغنم وحاص بِجَمِيعِ ثمنهَا وَفِي البيع الْفَاسِد قَالَ (ح) لم أَقف على نَص فِيهِ، وَالظَّاهِر أَن حكمه حكم الْعَيْب، وَأما فِي الشُّفْعَة فَلَا تتَصَوَّر فِي الصُّوف ثمَّ أَشَارَ إِلَى بَقِيَّة الْكَلَام على الْمُتَعَدِّي، وَتقدم أَنه إِذا أتلف الشَّيْء ضمنه، وَإِذا عَيبه فَيُخَير ربه بَين المفيت للمقصود دون غَيره فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أرش الْعَيْب فَقَالَ: وَمْتْلِفٌ مَنْفَعَةً مَقْصُودَهْ مِمَّا لَهُ كيْفيَّةٌ مَعْهُودَهْ (ومتلف مَنْفَعَة مَقْصُودَة) كقلع عَيْني عبد أَو قطع يَدَيْهِ أَو يَد وَاحِدَة وَهُوَ صانع أَو إذهاب لبن شَاة هُوَ مُعظم الْمَقْصُود مِنْهَا أَو قطع رجل وَاحِدَة من أَي حَيَوَان كَانَ أَو قطع ذَنْب دَابَّة ذِي هَيْئَة ومروءة كقاض وأمير وَكَاتب وشهيد أَو قطع طيلسان من ذكر أَو عمَامَته وَنَحْو ذَلِك. (مِمَّا لَهُ كَيْفيَّة معهودة) عِنْد ربه لَا يَسْتَعْمِلهُ إِلَّا على تِلْكَ الْكَيْفِيَّة، وَإِنَّمَا كَانَ قطع الذَّنب وَمَا بعده مفيتاً وَإِن كَانَ عَيْبا يَسِيرا مُرَاعَاة لمَالِكهَا لِأَن ذَا الهيبة لَا يلبسهَا وَلَا يركبهَا على تِلْكَ الْحَال فَصَارَ قطعهَا كإتلافها عَلَيْهِ، وَلذَا وَجب لَهُ الْخِيَار كَمَا قَالَ: صَاحِبُهُ خُيِّرَ فِي الأَخْذِ لَهُ مَعْ أَخْذِهِ لأَرْشِ عَيْبٍ حَلَّهُ (صَاحبه خير) أَي يُخَيّر (فِي الْأَخْذ لَهُ) أَي للشَّيْء الَّذِي فَاتَ الْمَقْصُود مِنْهُ (مَعَ أَخذه لأرش عيب حلّه) فَيقوم سالما بِعشْرَة ومعيباً بِخَمْسَة مثلا فَيَأْخذهُ مَعَ الْخَمْسَة. أَوْ أَخْذِهِ لِقيمَةِ الْمَعِيبِ يَوْمَ حُدُوثِ حَالَةِ التَّغْيِيب (أَو) بِمَعْنى الْوَاو أَي وَفِي (أَخذه لقيمة الْمَعِيب) سالما مُعْتَبرَة (يَوْم حُدُوث حَالَة التعييب) وَهِي الْعشْرَة فِي الْمِثَال الْمَذْكُور وَيسلم الْمَعِيب للمتعدي. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم مَقْصُوده فَقَالَ: وَلَيْسَ إِلَّا الأَرْشُ حَيْثُ المَنْفَعَهْ يَسِيرَةٌ والشَّيْءُ مَعْهَا فِي سِعَه

стр. 1237

(وَلَيْسَ) يجب لرَبه على الْمُتَعَدِّي (إِلَّا الْأَرْش حَيْثُ) كَانَت (الْمَنْفَعَة) الَّذِي أفسدها الْمُتَعَدِّي (يسيرَة) لَا تفيت الْمَقْصُود كإذهاب لبن بقرة أَو نَاقَة لِأَن فيهمَا مَنَافِع غير اللَّبن، وَمن ذَلِك من قتل عجلاً فَعَلَيهِ قِيمَته وَمَا نقصته أمه من حلابها، وَكَذَلِكَ قطع لبن حمارة أَو رمكة أَو قلع عين وَاحِدَة لعبد لِأَن الْعين الْبَاقِيَة يتَصَرَّف مَعهَا كَمَا يتَصَرَّف بالاثنين أَو قطع يَد وَاحِدَة وَهُوَ غير صانع أَو خرق ثوب أَو كسر قَصْعَة خرقاً وكسراً لَا يفيت الْمَقْصُود فَإِن الشَّيْء يقوم فِي ذَلِك كُله سالما بِعشْرَة مثلا ومعيباً بِثمَانِيَة وَيَأْخُذهُ مَعَ مَا نَقصه وَلَا خِيَار لرَبه. (و) إِنَّمَا لم يُخَيّر لِأَن (الشَّيْء) المجنى عَلَيْهِ لَا زَالَ (مَعهَا) أَي الْجِنَايَة (فِي سَعَة) لم يفت الْمَقْصُود مِنْهُ (خَ) والمتعدي جَان على بعض غَالِبا فَإِن أفات الْمَقْصُود مِنْهُ كَقطع ذَنْب دَابَّة ذِي هَيْئَة أَو أذنها أَو طيلسانه وَلبن شَاة هُوَ الْمَقْصُود، أَو قلع عَيْني عبد أَو يَدَيْهِ فَلهُ أَخذه ونقصه أَو قِيمَته، وَإِن لم يفته فنقصه الخ. لَكِن إِنَّمَا يَأْخُذهُ ربه مَعَ نَقصه فِي المفيت وَغَيره. مِنْ بَعْدِ رَفْوِ الثوْبِ أَوْ إِصْلاحِ مَا كانَ مِنْهُ قَابِلَ الصَّلاحِ (من بعد رفو الثَّوْب) الَّذِي خرقه عمدا أَو خطأ (أَو إصْلَاح مَا كَانَ مِنْهُ قَابل الصّلاح) كقصعة فيرقعها أَو عَصا فيجبرها أَو حلى فيصيغه، فَإِن رَجَعَ لحالته فَلَا شَيْء عَلَيْهِ والإغرام مَا نَقصه الثَّوْب وَنَحْوه بعد الرفو والترقيع لَا قبل ذَلِك، فَإِذا كَانَ أرش النَّقْص قبل الرفو دِرْهَمَيْنِ وَبعده درهما وَاحِدًا وَأجر الرفو نصف دِرْهَم فَإِنَّمَا يلْزمه دِرْهَم وَنصف وَإِنَّمَا يلْزمه رفوه فِي المفيت إِذا اخْتَار ربه أَخذه ونقصه إِذْ فِي حَالَة اخْتِيَار ربه الْقيمَة لَيْسَ على الْمُتَعَدِّي رفوه، وَمَا قَرَّرْنَاهُ بِهِ من أَنه يلْزمه رفوه فِي المفيت وَغَيره هُوَ الْمَشْهُور. (خَ) : ورفو الثَّوْب مُطلقًا الخ. وَقيل إِنَّمَا يلْزمه الرفو فِي غير المفيت، وَرجحه ابْن يُونُس، ودرج عَلَيْهِ ابْن سَلمُون وَابْن فَرِحُونَ وَغَيرهمَا، وَهُوَ ظَاهر الْمُدَوَّنَة والناظم، بل صرح ابْن سَلمُون بِأَن القَوْل بالرفو فِي المفيت ضَعِيف، وَذَلِكَ كُله يُفِيد أَن مَا رَجحه ابْن يُونُس هُوَ الْمُعْتَمد، وَمَفْهُوم رفو الثَّوْب أَن الدَّابَّة لَا يلْزمه أَن يداويها، وَكَذَا أُجْرَة الطَّبِيب لَا تلْزمهُ، وَقيل يلزمانه (خَ) : وَفِي أُجْرَة الطَّبِيب قَولَانِ. وَرجح كل مِنْهُمَا فرجح (تت) فِي كبيره عدم اللُّزُوم قَالَ وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه الْمَشْهُور وَرجح الأَجْهُورِيّ وَمن تبعه الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي استحسنه اللَّخْمِيّ وَابْن عَرَفَة كَمَا نَقله الزّرْقَانِيّ فِي الدِّمَاء قَائِلا: ثمَّ الَّذِي استحسنه ابْن عَرَفَة القَوْل بِأَن على الْجَانِي أُجْرَة الطَّبِيب وَثمن الدَّوَاء سَوَاء برىء على شين أم لَا. مَعَ الْحُكُومَة فِي الأول، وَأما مَا فِيهِ شين مُقَدّر فَلَيْسَ فِيهِ دَوَاء، وَلَو برىء على شين سوى مُوضحَة الْوَجْه وَالرَّأْس فِيهِ أُجْرَة الطَّبِيب وَثمن الدَّوَاء اه. وَنَحْوه فِي ابْن سَلمُون قَائِلا: وَالْحَيَوَان وَغَيره فِي ذَلِك سَوَاء يَعْنِي يلْزمه مداواة الدَّابَّة وَغَيرهَا كَمَا يلْزمه رفو الثَّوْب، وَبِهَذَا تعلم أَن مَا رَجحه الأَجْهُورِيّ وَمن تبعه أصح وَأقوى، وَعَلِيهِ فَإِن بَرِئت الدَّابَّة أَو غَيرهَا على غير شين فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِلَّا الْأَدَب فِي الْعمد، وَإِن برئا على شين غرم النَّقْص فِي الدَّابَّة

стр. 1238

وَالْعَبْد وَفِي الْحر حُكُومَة بِنِسْبَة نُقْصَان الْجِنَايَة إِذا برىء من قِيمَته عبدا فرضا من الدِّيَة الخ. كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله. وَمحل الْقَوْلَيْنِ فِي جرح خطأ لَيْسَ فِيهِ مَال مُقَدّر أَو عمدا لَا قصاص فِيهِ لإتلافه أَو لعدم الْمُسَاوَاة أَو لعدم الْمثل وَلَيْسَ فِيهِ مَال مُقَدّر أَيْضا، وَأما إِذا كَانَ فِيهِ مَال مُقَدّر فَإِنَّمَا عَلَيْهِ ذَلِك المَال وَلَا يلْزمه دَوَاء وَلَا ثمنه، وَلَو برىء على شين كَمَا لِابْنِ عَرَفَة، وَكَذَا الْعمد الَّذِي فِيهِ الْقصاص فَإِن الْوَاجِب فِيهِ الْقصاص إِلَّا أَن يتصالحا على شَيْء يتفقان عَلَيْهِ. تَنْبِيه: قَالَ ابْن رحال: تنزل عندنَا نازلة وَهِي أَن الخماس مثلا يخرج فِي وَقت الْحَصاد أَو الْحَرْث فَيمْنَع من الْعَمَل هَل يلْزم الْجَانِي أَن يُعْطِيهِ أَجِيرا يخْدم فِي مَحَله لِأَنَّهُ عطله وَلَا عِنْده مَا يعِيش بِهِ غير مَا ذكر قَالَ: وَيظْهر من كَلَام اللَّخْمِيّ أَنه يلْزم الْجَانِي ذَلِك لِأَنَّهُ ظَالِم أَحَق بِالْحملِ عَلَيْهِ اه. قلت: هَذَا الْجرْح إِن كَانَ عمدا فَالْوَاجِب فِيهِ الْقصاص فَإِن تصالحا على شَيْء فَلَا كَلَام، وَإِن طلب الْقصاص فَلَيْسَ لَهُ أَن يقْتَصّ وَيَأْخُذ أَجِيرا يخْدم فِي مَحَله لِأَن الشَّارِع إِنَّمَا حكم بِالْقصاصِ من غير زِيَادَة عَلَيْهِ وَلَا حجَّة فِي كَونه عطله لِأَن الْجَانِب كَذَلِك يعطل أَيْضا عَن حرفته وَقت قصاصه مِنْهُ، وَإِن كَانَ الْجرْح خطأ مِمَّا لَا قصاص أَو لكَونه من المتالف أَو لعدم المماثل فَهَذَا الَّذِي تقدم أَنه يجب فِيهِ أُجْرَة المداواة وَتجب فِيهِ الْحُكُومَة إِن برىء على شين، وَإِن كَانَ فِيهِ مَال مُقَدّر فَإِنَّمَا عَلَيْهِ ذَلِك الْمُقدر كَمَا مرّ. فَقَوله يظْهر من كَلَام اللَّخْمِيّ الخ. غير ظَاهر وَبِهَذَا كنت اعترضته فِي شرحنا للشامل ثمَّ بعد ذَلِك بسنين وقفت على الشَّيْخ الرهوني اعْتَرَضَهُ أَيْضا بقول (خَ) : وَضمن مَنْفَعَة الْبضْع وَالْحر بالتفويت وَغَيرهمَا بالفوات الخ قَائِلا: فالمجروح إِن كَانَ حرا فَلَا شَيْء على من عطله إِذا لم يَسْتَعْمِلهُ كَمَا لَو عطله بشد يَده أَو غير ذَلِك من مَوَانِع الْعَمَل، وَإِن كَانَ عبدا وَجب عَلَيْهِ غرم قيمَة منفعَته لَا أَنه يَأْتِي بشخص آخر يعْمل مَكَانَهُ. (فصل فِي الاغتصاب) وَهُوَ وَطْء حرَّة أَو أمة جبرا على غير وَجه شَرْعِي. وَوَاطِىءٌ لِحُرَّةٍ مُغْتَصِبا صَدَاقُ مِثْلِهَا عَلَيْهِ وَجَبَا (و) بَالغ (واطىء لحرة مغتصبا) بِكَسْر الصَّاد أَي مكْرها لَهَا (صدَاق مثلهَا) يَوْم الْوَطْء (خَ) : وَمهر الْمثل مَا يرغب بِهِ مثله فِيهَا بِاعْتِبَار دين وجمال وَحسب وَمَال وبلد الخ. أَي وَكَونهَا بكرا أَو ثَيِّبًا من جملَة مَا يرغب بِهِ فِيهَا. (عَلَيْهِ وجبا) ويتعدد الصَدَاق بِتَعَدُّد الوطآت بِخِلَاف وَطْء الشُّبْهَة (خَ) واتحد المهران اتّحدت الشُّبْهَة كالغالط بِغَيْر عَالِمَة وإلاَّ تعدد كَالزِّنَا بهَا أَو بالمكرهة الخ. وَالضَّمِير فِي قَوْله بهَا يعود على غير العالمة، وَمَفْهُوم قَوْله مغتصباً. وَقَول (خَ)

стр. 1239

بالمكرهة أَن الزِّنَا بالطائعة لَا صدَاق فِيهِ وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهَا أَذِنت فِي فَسَاد بضعهَا، وَهَذَا ظَاهر إِذا كَانَت بَالِغَة يعْتَبر إِذْنهَا، وَانْظُر لَو كَانَت صَغِيرَة يُوطأ مثلهَا وطاوعته على الزِّنَا بهَا هَل عَلَيْهِ صَدَاقهَا وَهُوَ الظَّاهِر لِأَن إِذْنهَا غير مُعْتَبر، وَأما من لَا يُوطأ مثلهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا شانها ونقصها عَن صدَاق مثلهَا لِأَن وَطأهَا جرح لَا وَطْء، واحترزت بِقَوْلِي بَالغ من الصَّغِير يطَأ السفيهة أَو الصَّغِيرَة البكرين فَعَلَيهِ مَا شانهما بِدَلِيل قَوْله: وَضمن مَا أفسد إِن لم يُؤمن عَلَيْهِ وَلَا عِبْرَة بِرِضا الصَّغِيرَة وموافقتها لَهُ على الْوَطْء، وَكَذَا السفيهة بِخِلَاف الرشيدة وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي الثّيّب، انْظُر الشَّارِح عِنْد قَوْله فِي النِّكَاح: ولولي صَغِير فسخ عقده الخ. إنْ ثَبَتَ الوطءُ وَلَو بِبَيِّنَهْ بأَنَّهُ غَابَ عَلَيْهَا مُعْلِنَه (إِن ثَبت الْوَطْء) بالمعاينة أَو بِالْإِقْرَارِ من غير الْمَحْجُور بل (وَلَو بِبَيِّنَة بِأَنَّهُ غَابَ عَلَيْهَا معلنة) صفة لقَوْله: بَيِّنَة أَي وَلَو بِبَيِّنَة معلنة أَي شاهدة بِأَنَّهُ احتملها بمحضرهم وَغَابَ عَلَيْهَا غيبَة يُمكن فِيهَا الْوَطْء وادعته الْمَرْأَة وَلَو صَغِيرَة يُمكن وَطْؤُهَا أَو سَفِيهَة، فَإِنَّهُ يجب لَهَا جَمِيع الصَدَاق فَإِن صدقت الْغَاصِب فِي عدم الْوَطْء فَلَا شَيْء لَهَا وَلَو صَغِيرَة كَمَا يفهم من قَول (خَ) : وصدقت فِي خلْوَة الاهتداء فِي الْوَطْء وَفِي نَفْيه وَإِن سَفِيهَة وَأمة الخ. وَظَاهره أَن الْبكر لَا ينظرها النِّسَاء وَالْعَمَل على خِلَافه. وَقيمَةُ النَّقص عَلَيْهِ فِي الأَمَهْ هَبْهَا سِوَى بِكْرٍ وَغَيْرِ مُسْلِمَه (وَقِيمَة النَّقْص عَلَيْهِ فِي الْأمة) أَي وَعَلِيهِ فِي الْأمة مَا نَقصهَا وَطْؤُهُ عليا كَانَت أَو وخشاً طَائِعَة أَو مُكْرَهَة (هبها سوى) أَي غير (بكر) بِأَن تكون ثَيِّبًا (وَغير مسلمة) بِأَن تكون يَهُودِيَّة أَو نَصْرَانِيَّة، وَهَذَا حَيْثُ أقرّ بِوَطْئِهَا أَو قَامَت عَلَيْهِ بَيِّنَة بمعاينة الْوَطْء، وَأما إِن شهِدت بَيِّنَة بغيبته عَلَيْهَا غيبَة يُمكن فِيهَا الْوَطْء فَالْمَشْهُور لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقيل يضمن قيمَة النَّقْص، وَيجب أَن يكون الْعَمَل عَلَيْهِ لموافقته لما مرّ فِي الْغَاصِب للصرة وَغَيرهَا. وَثَالِثهَا إِن كَانَت رائعة وَاخْتَارَهُ ابْن رشد، وَإِنَّمَا وَجب عَلَيْهِ مَا نَقصهَا فِي الثّيّب لِأَنَّهُ بِوَطْئِهِ أحدث فِيهَا عَيْبا وَهُوَ مؤالفتها للزِّنَا لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت مُكْرَهَة فقد ترْضى بِهِ فِي ثَانِي حَال فتقوم على أَنَّهَا لم يَطَأهَا الْغَاصِب بِعشْرَة مثلا وبوطئة بِثمَانِيَة وَيغرم مَا بَينهمَا. وَالوَلَدُ اسْتُرِقَّ حَيْثُ عَلِمَا وَالحَدُّ مَعْ ذَاكَ عَلَيْهِ فِيهما (وَالْولد) من الْأمة الْمَذْكُورَة (اسْترق) أَي يحكم باسترقاقه (حَيْثُ علما) أَنه من الزِّنَا وَذَلِكَ بِأَن لم يكن لَهَا زوج وَلَا سيد أَو كَانَ لَهَا سيد ونفاه بِشَرْط اعْتِمَاده فِي نَفْيه على الِاسْتِبْرَاء بِحَيْضَة

стр. 1240

وَولدت لسِتَّة أشهر فَأكْثر من يَوْم الزِّنَا (خَ) : وَلَا يَمِين إِن أنكرهُ ونفاه وَولدت لسِتَّة أشهر الخ. فَإِن لم ينفه وَادعت هِيَ أَنه من الْغَصْب فَلَا كَلَام لَهَا، وَكَذَا إِن قَالَت: هُوَ من الزَّوْج الأول وَقد أَتَت بِهِ لسِتَّة أشهر فَأكْثر من تزوج الثَّانِي فَلَا يقبل قَوْلهَا، بل هُوَ للثَّانِي حرَّة كَانَت أَو أمة، وَلَو صدقهَا الثَّانِي فِي ذَلِك فَلَا يَنْتَفِي عَنهُ إِلَّا بِلعان (خَ) : وَلَو تَصَادقا على نَفْيه (وَالْحَد مَعَ ذَاك) الْغرم للصداق أَو قيمَة النَّقْص (عَلَيْهِ فيهمَا) أَي الْحرَّة وَالْأمة، وَهَذَا إِذا شهد أَرْبَعَة بمعاينة الْوَطْء أَو أقرّ بذلك على نَفسه وَلم يرجع عَنهُ، وَأما إِن شهدُوا بِأَنَّهُ احتملها وَغَابَ عَلَيْهَا وَادعت الْمَرْأَة الْوَطْء وَأنكر هُوَ فَلَا حد عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الصَدَاق للْحرَّة وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي الْأمة كَمَا مر. وَقَوله فِي المقرب: وَمن اغتصب امْرَأَة وَوَطئهَا فِي دبرهَا يَعْنِي ادَّعَت هِيَ ذَلِك بعد غيبته عَلَيْهَا فلهَا الصَدَاق دون الْحَد عَلَيْهِ، إِذْ لَا يجب الْحَد إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ أَو الْإِقْرَار كَمَا مر، وَأما الِاسْتِبْرَاء فَوَاجِب عَلَيْهَا (خَ) عاطفاً على مَا يُوجب قدر الْعدة أَو غَابَ غَاصِب أَو سَاب أَو مُشْتَر الخ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله: إِن ثَبت الْوَطْء الخ. فَقَالَ: وإنْ يَكُنْ ذَا الْغَصْبُ بالدَّعْوَى فَفِي تَفْصِيلِهِ بَيَانُ حُكْمِهِ يَفي (وَإِن يكن ذَا الْغَصْب بِالدَّعْوَى) فَقَط من غير ثُبُوته بِبَيِّنَة وَلَا إِقْرَار (فَفِي تَفْصِيله) يتَعَلَّق بيفي آخر الْبَيْت (بَيَان حكمه) مُبْتَدأ خَبره (يَفِي) وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَالتَّقْدِير فبيان حكمه يَأْتِي مَذْكُورا فِي تَفْصِيله وَحَاصِل التَّفْصِيل أَن الْمُدعى عَلَيْهِ إِمَّا أَن يكون مَعْرُوفا بِالدّينِ وَالْخَيْر، وَإِمَّا أَن يكون مَجْهُول الْحَال لَا يعرف بِخَير وَلَا فسق، وَإِمَّا أَن يكون مَعْرُوفا بِالْفَسَادِ وَالْفِسْق، وَفِي كل إِمَّا أَن تَأتي مستغيثة مُتَعَلقَة بِهِ عِنْد النَّازِلَة أَو تَدعِي عَلَيْهِ ذَلِك بعد حِين فالأقسام سِتَّة فَأَشَارَ إِلَى أَولهَا بقوله: فَحَيْثُمَا الدَّعْوَى عَلَى مَنْ قَدْ شُهِرْ بالدِّيْنِ وَالصَّلَاحِ وَالفَضْلِ نُظِرْ (فَحَيْثُمَا الدَّعْوَى على من قد شهر بِالدّينِ وَالصَّلَاح وَالْفضل نظر) . فِي ذَلِك.

стр. 1241

فإنْ تَكُنْ بَعْدَ التَّرَاخِي زَمَنَا حُدَّتْ لِقَذْفٍ وَبِحَمْلٍ للزِّنَا (فَإِن تكن) الدَّعْوَى (بعد التَّرَاخِي) عَن النَّازِلَة (زَمنا) قَرِيبا أَو بَعيدا (حدت لقذف) فتجلد ثَمَانِينَ (و) حدت أَيْضا (ب) سَبَب (حمل) ظهر بهَا (للزِّنَا) إِن كَانَت مُحصنَة وَلم ترجع عَن قَوْلهَا. وتجلد مائَة إِن كَانَت بكرا وَإِنَّمَا تعدد الْحَد لاخْتِلَاف موجبهما. وَحَيْثُما رَحِمُهَا مِنْهُ بَرِي فالحدُّ تَسْتَوْجِبُهُ فِي الأَظْهَرِ (وحيثما رَحمهَا مِنْهُ) أَي من الْحمل (بَرى فالحد) للزِّنَا (تستوجبه) أَيْضا (فِي) القَوْل (الْأَظْهر) هَذَا كُله بِالنِّسْبَةِ للْمَرْأَة، وَأما الرجل فَلَا يَمِين عَلَيْهِ وَلَا صدَاق كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَمَا على الْمَشْهُور بالعفاف مهر وَلَا حلف الخ. وَأَحْرَى لَا حد عَلَيْهِ، وَظَاهره أَنه لَا يفصل فِيهَا التَّفْصِيل الْآتِي فِي مَجْهُول الْحَال بَين كَونهَا مَعْرُوفَة بالصيانة أَو لَا بل الحكم مَا ذكر فِي هَذَا الْقسم كَيفَ مَا كَانَت هِيَ، وَهُوَ ظَاهر ابْن رشد أَيْضا حَيْثُ قَالَ: فَإِن ادَّعَت على من لَا يَلِيق بِهِ ذَلِك وَهِي غير مُتَعَلقَة بِهِ فَلَا خلاف أَنه لَا شَيْء على الرجل وَأَنَّهَا تحد لَهُ حد الْقَذْف وحد الزِّنَا إِن ظهر بهَا حمل، وَإِن لم يظْهر بهَا فيتخرج وجوب حد الزِّنَا عَلَيْهَا على الِاخْتِلَاف فِيمَن أقرّ بِوَطْء أمة رجل وَادّعى أَنه اشْتَرَاهَا مِنْهُ أَو وَطْء امْرَأَة وَادّعى أَنه تزَوجهَا، فتحد على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم إِلَّا أَن ترجع عَن قَوْلهَا وَلَا تحد على مَذْهَب أَشهب اه. وَمَفْهُوم بعد التَّرَاخِي أَنَّهَا إِذا جَاءَت مُتَعَلقَة بِهِ فحد الْقَذْف لَازم لَهَا، وحد الزِّنَا يسْقط عَنْهَا مُطلقًا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَحَيْثُ دَعْوَى صاحبت تعلقا حد الزِّنَا يسْقط عَنْهَا مُطلقًا الخ. وَكَانَ حَقه التَّقَدُّم هَهُنَا. وَأَشَارَ إِلَى الثَّانِي بقوله: وَذَاكَ فِي الْمَجْهُولِ حَالاً إنْ جُهِلْ حالٌ لَهَا أَوْ لَمْ تَحُزْ صَوْناً نُقِل (وَذَاكَ) مُبْتَدأ خَبره نقل آخر الْبَيْت و (فِي الْمَجْهُول) يتَعَلَّق بِهِ (حَالا) تَمْيِيز محول عَن النَّائِب وَقَوله: (إِن جهل حَال لَهَا) شَرط حذف جَوَابه للدلالة عَلَيْهِ (أَو لم تحز صونا) مَعْطُوف على الشَّرْط (نقل) وَالتَّقْدِير: وَذَاكَ الحكم الْمَذْكُور فِي الْمَعْرُوف بِالْخَيرِ هُوَ الحكم الْمَنْقُول فِي الْمَجْهُول حَاله وَإِن كَانَت هِيَ المجهولة الْحَال أَيْضا أَو مَعْرُوفَة بِعَدَمِ الصيانة والعفاف، وَعَلِيهِ فَإِن كَانَت

стр. 1242

الدَّعْوَى بعد التَّرَاخِي زَمنا حدت للقذف وللزنا إِن ظهر بهَا حمل وَكَذَا إِن لم يظْهر فِي القَوْل الْأَظْهر. وَإنْ تَكُنْ مِمَّنْ لَهَا صَوْنٌ فَفِي وجُوبِهِ تَخْرِيجاً الخُلْفُ قُفي (وَإِن تكن مِمَّن لَهَا صون) والموضوع بِحَالهِ من دَعْوَاهَا على مَجْهُول الْحَال (فَفِي وُجُوبه) أَي حد الْقَذْف عَلَيْهَا (تخريجاً الْخلف) مُبْتَدأ خَبره (قفي) وَفِي وُجُوبه مُتَعَلق بِهِ، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط وتخريجاً مصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول حَال من الضَّمِير فِي قفي، وَالتَّقْدِير: وَإِن تكن مِمَّن لَهَا صون فالخلف قفي فِي وجوب الْحَد عَلَيْهَا حَال كَونه مخرجا لَا نصا، وَظَاهره أَن الْخلاف فِي حد الزِّنَا وَالْقَذْف وَالَّذِي فِي ابْن رشد تَخْصِيصه بِحَدّ الْقَذْف وَيظْهر مِنْهُ أَنَّهَا تحد للزِّنَا إِن ظهر بهَا حمل أَو لم يظْهر على مَا مر، وعَلى القَوْل بحدها لَهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ وعَلى مُقَابِله إِنَّمَا عَلَيْهِ الْيَمين كَمَا قَالَ: وَحَيْثُ قيل لَا تُحَدُّ إنْ نَكَلْ فالمَهْرُ مَعْ يَمِينِهَا لَهَا حَصَلْ (وَحَيْثُ قيل لَا تحد) فاليمين عَلَيْهِ (و) إِن (نكل) عَنْهَا (فالمهر) يلْزمه بِنُكُولِهِ (مَعَ يَمِينهَا لَهَا حصل) وَلَا حد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يقر والظرف وَالْمَجْرُور يتعلقان بحصل. هَذَا حكم الْمَجْهُول إِذا لم تتَعَلَّق بِهِ، وَأما إِن جَاءَت مُتَعَلقَة بِهِ فَلَا حدّ عَلَيْهَا لَا للزِّنَا وَلَا للقذف حَيْثُ كَانَت من أهل العفاف وإلاَّ فَقَوْلَانِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَعدم الْحَد كَذَا للمنبهم حَالا الخ. وَما عَلَى المَشْهُورِ بالعَفَافِ مَهْرٌ وَلا حَلْفٌ بِلا خِلَافِ (وَمَا على الْمَشْهُور بالعفاف) وَهُوَ الْقسم الأول (مهر وَلَا حلف بِلَا خلاف) وَكَانَ حَقه التَّقْدِيم إِثْر قَوْله: تستوجبه فِي الْأَظْهر ويصل بذلك قَوْله: وَحَيْثُ دَعْوَى صَاحَبَتْ تَعلُّقا حَدَّ الزَّنَا يَسْقُطُ عَنْهَا مُطْلَقَا (وَحَيْثُ دَعْوَى) على الْمَشْهُور بِالْخَيرِ والعفاف (صاحبت تعلقاً) بِهِ وَقت النَّازِلَة جَاءَت مستغيثة تدمى إِن كَانَت بكرا ف (حد الزِّنَا يسْقط عَنْهَا مُطلقًا) ظهر بهَا حمل أم لَا. لما بالغت من فضيحة نَفسهَا، وَمعنى التَّعَلُّق أَن تذكر ذَلِك فِي الْحِين وتشتكي بذلك لأَهْلهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن تَأتي ماسكة بِيَدِهِ أَو بِثَوْبِهِ، فَهَذَا لَا يَتَأَتَّى لَهَا فِيمَن لَا قدرَة لَهَا عَلَيْهِ. قَالَ فِي أَوَائِل نَوَازِل

стр. 1243

الدَّعَاوَى من المعيار: معنى قَوْلهم تدمى أَن تَأتي صارخة مستغيثة، وَلَو كَانَت ثَيِّبًا وَلَيْسَت كل معصوبة تقدر على التَّعَلُّق. وَالْقَذْفُ فيهِ الحَدُّ لابْنِ القَاسِمِ وَخَلْفُهُ لَدَيْهِ غَيْرُ لازِمِ (و) أما (الْقَذْف) فَكَذَلِك لَا حد عَلَيْهَا عِنْد غير ابْن الْقَاسِم، و (فِيهِ الْحَد لِابْنِ الْقَاسِم وحلفه لَدَيْهِ) أَي ابْن الْقَاسِم (غير لَازم) . لِأَنَّهُ قد برأه ونزهه. وَمَن نَفَى الحَدَّ فَعِنْدَهُ يَجِبْ تَحْليفُهُ بأَنَّ دَعْوَاهَا كَذِبْ (وَمن نفى الْحَد) عَنْهَا بقذفه وَهُوَ غير ابْن الْقَاسِم (فَعنده يجب تَحْلِيفه) لَهَا (بِأَن دَعْوَاهَا) عَلَيْهِ (كذب) فَإِن حلف برىء. ومَعْ نُكُولِهِ لَهَا اليمينُ وتأْخُذُ الصَّداقَ مَا يكُونُ (وَمَعَ نُكُوله) عَن الْيَمين (لَهَا) هِيَ (الْيَمين) أَن مَا ادَّعَتْهُ عَلَيْهِ لحق (ونأخذ الصَدَاق) أَي صدَاق مثلهَا (مَا) أَي شَيْء (يكون) قل أَو جلّ، وَمحل الْخلاف الْمُتَقَدّم فِي حَدهَا للقذف إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَت مَعْرُوفَة بالصيانة والعفاف. وَحَدُّهَا لهُ اتَفَاقاً إنْ تَكُنْ لَيْسَ لَهَا صَونٌ وَلا حالٌ حَسَنْ (و) الأوجب (حَدهَا لَهُ اتِّفَاقًا إِن تكن لَيْسَ لَهَا صون وَلَا حَال حسن) . وَهَذِه الأبيات من قَوْله: وَمَا على الْمَشْهُور بالعفاف إِلَى هُنَا كلهَا حَقّهَا التَّقْدِيم إِثْر قَوْله: يستوجبه فِي الْأَظْهر كَمَا مرت إِلَيْهِ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الدَّعْوَى على مَجْهُول الْحَال المصحوبة بتعلقها بِهِ فَقَالَ: وَعَدَمُ الحَدِّ كَذَا لِلْمُنْبَهِم حَالا إذَا كَانَت تَوَقَّى مَا يَصِم (وَعدم الْحَد) للقذف وَالزِّنَا (كَذَا) أَي وَاجِب اتِّفَاقًا فِي دَعْوَاهَا (للمنبهم) أَي عَلَيْهِ فَاللَّام بِمَعْنى (على) (وَحَالا) تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل وَهَذَا (إِذا) جَاءَت مُتَعَلقَة بِهِ تدمى إِن كَانَت بكرا و (كَانَت) مَعْرُوفَة بالعفاف والصيانة (توقى) أَصله تتوقى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ لقَوْل صَاحب الْخُلَاصَة وَمَا بتاءين قد يقْتَصر فِيهِ على تا الخ. (يصم) أَي يعيب ويقبح. وَإنْ تَكُنْ لَا تَتَوَقَّى ذَلِكْ فالخُلْفُ تَخْرِيجاً بَدَا هُنَالِكْ (وَإِن تكن لَا تتوقى ذَلِك) الَّذِي يصم ويعيب (فالخلف) فِي حَدهَا لَهُ للقذف (تخريجاً) حَال

стр. 1244

من فَاعل (بدا هُنَالك) وَكَانَ حَقه أَي يصل قَوْله: وَعدم الْحَد الخ. بقوله مَعَ يَمِينهَا لَهَا حصل كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ، ثمَّ إِذا قُلْنَا: لَا تحد هُنَا اتِّفَاقًا فِي الصينة وعَلى أحد الْقَوْلَيْنِ فِي غَيرهَا، فَلَا بُد أَن يحلف فَإِن نكل حَلَفت واستحقت عَلَيْهِ صدَاق مثلهَا كَمَا قَالَ بعد: وَإِن يكن مَجْهُول حَال فَيجب تَحْلِيفه وَمَعَ نُكُول يَنْقَلِب الخ. فَكَانَ حَقه أَن يقدمهُ هَهُنَا ثمَّ أَشَارَ إِلَى الثَّالِث بقسميه أَي مَعَ تعلق بِهِ أَو بعد حِين فَقَالَ: وَفي ادِّعائِهَا عَلَى المَشْتَهَرِ بالْفِسْقِ حَالتَانِ للمُعْتَبِرِ (وَفِي ادعائها على المشتهر بِالْفِسْقِ حالتان للمعتبر) أحداهما. حالُ تَشبُّثٍ وَبِكْرٌ تُدْمَى فذِي سُقُوطُ الحدِّ عَنْهَا عَمَّى (حَال تشبث) أَن تعلق بِهِ أَي تذكر ذَلِك فِي الْحِين كَمَا مر (وَبكر تدمى فذي سُقُوط الْحَد عَنْهَا عمى. فِي القَذْفِ وَالزِّنَا وإنْ حَمْلٌ ظَهَرْ وَفِي وُجُوب المَهْرِ خَلْفٌ مُعْتَبَرْ فِي الْقَذْف وَالزِّنَا) إِن لم يظْهر بهَا حمل بل (وَإِن حمل ظهر) لما بالغت من فضيحة نَفسهَا ولشبهة دَعْوَاهَا عَلَيْهِ (وَفِي وجوب الْمهْر) لَهَا عَلَيْهِ (خلف مُعْتَبر) فروى عِيسَى عَن ابْن الْقَاسِم: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَو كَانَ أشر من عبد الله بن الْأَزْرَق فِي زَمَانه، وَلَكِن بعد يَمِينه لِأَنَّهُ إِذا كَانَ يحلف مَجْهُول الْحَال لرد دَعْوَاهَا فأحرى هَذَا. وروى أَشهب عَن مَالك: لَهَا مهر مثلهَا إِن كَانَت حرَّة أَو مَا نَقصهَا إِن كَانَت أمة، وَبِه صدر فِي الْمُقدمَات وَنَحْوه فِي الْوَاضِحَة عَن مطرف وَغَيره، وَهُوَ الَّذِي يجب الْعَمَل بِهِ لموافقته لما مر فِي الْغَصْب عِنْد قَول النَّاظِم: وَالْقَوْل للْغَاصِب فِي دَعْوَى التّلف الخ. لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمَعْمُول بِهِ فِي الْأَمْوَال أَن الْمَغْصُوب مِنْهُ مُصدق فأحرى فِي الْفروج وَلِأَنَّهُ رَاجع لِلْمَالِ، وَمن حمل النَّاس على خلاف الْمَعْمُول بِهِ الَّذِي قدمْنَاهُ فَإِنَّهُ يُرِيد زِيَادَة الْفساد وتضييع حُقُوق الْعباد. وَثَالِثهَا لِابْنِ الْمَاجشون لَهَا الصَدَاق إِن كَانَت حرَّة وَلَا شَيْء لَهَا إِن كَانَت أمة. وَحَيْثُ قِيلَ إنّهَا تَسْتَوْجِبُهْ فَبَعْدَ حَلْفٍ فِي الأَصَحِّ تَطْلُبُهْ (وَحَيْثُ قيل إِنَّهَا تستوجبه) أَي الصَدَاق (فَبعد حلف فِي الْأَصَح) عِنْد ابْن رشد وَهُوَ قَول

стр. 1245

ابْن الْقَاسِم (تطلبه) وَمُقَابِله لأَشْهَب عَن مَالك أَنَّهَا تَأْخُذهُ بِغَيْر يَمِين، وَرُبمَا يفهم من هَذَا أَن لِابْنِ الْقَاسِم قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا لَا شَيْء عَلَيْهِ وَهِي رِوَايَة عِيسَى عَنهُ، وَالثَّانِي يُوَافق عَلَيْهِ مَالِكًا وَلَكِن يَقُول تَأْخُذهُ بِيَمِين. وَإنْ يَكُن مَجْهُولُ حالٍ فَيجِبْ تَحْلِيفُهُ وَمَعْ نُكُولٍ يَنْقَلِبْ (وَإِن يكن مَجْهُول حَال فَيجب تَحْلِيفه وَمَعَ نُكُول يَنْقَلِب) . وَتقدم أَن حَقه أَن يذكر هَذَا الْبَيْت عقب قَوْله: فالخلف تخريجاً بدا هُنَالك. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله: حَال تشبث الخ. وَهِي الْحَالة الثَّانِيَة بِالنِّسْبَةِ للمشتهر بِالْفِسْقِ فَقَالَ: وحالةٌ بَعْدَ زَمَانِ الفِعْلِ فالحَدُّ سَاقِطٌ سِوَى مَعْ حَمْلِ (وَحَالَة) تَدعِي فِيهَا على المشتهر بِالْفِسْقِ (بعد زمَان الْفِعْل فالحد سَاقِط) عَنْهَا للقذف وَكَذَا للزِّنَا (سوى مَعَ حمل) يظْهر بهَا فتحد حِينَئِذٍ. وَلَا صَدَاقَ ثمَّ إنْ لَمْ يَنْكَشِفْ مِنْ أَمْرِهِ بالسِّجْنِ شَيْءٌ فالحَلِفْ (وَلَا صدَاق) لَهَا فِي هَذِه الْحَالة، وَإِنَّمَا ينظر الإِمَام فِي أمره فيسجنه ويتجسس على حَاله وَيفْعل فِيهِ مَا ينْكَشف بِهِ أمره (ثمَّ إِن) فعل بِهِ مَا ذكر و (لم ينْكَشف من أمره ب) طول (السجْن شَيْء فالحلف) أَنه مَا اغتصبها وَاجِب عَليّ. وَإنْ أَبَى مِنَ اليَمينِ حَلَفَتْ وَلِصَدَاقِ الْمِثْلِ مِنْهُ اسْتَوْجَبَتْ (وَإِن أَبى من الْيَمين) أَي امْتنع مِنْهَا (حَلَفت) هِيَ (ولصداق الْمثل مِنْهُ اسْتَوْجَبت) قَالَه ابْن رشد وَحَاصِله أَنه لَا صدَاق لَهَا فِي مُجَرّد الدَّعْوَى على الصَّالح ومجهول الْحَال مُطلقًا وَكَذَا فِي الْفَاسِد إِن حلف مَعَ عدم تعلقهَا بِهِ فَإِن تعلّقت فالمعمول بِهِ أَن لَهَا الصَدَاق، وَأما الْحَد فَهُوَ مُنْتَفٍ على الرجل مُطلقًا، وَأما هِيَ فتحد مَعَ عدم التَّعَلُّق فِي الصَّالح ومجهول الْحَال للقذف وَالزِّنَا إِن ظهر بهَا حمل أَو لم يظْهر فِي القَوْل الْأَظْهر (خَ) : وَإِن ادَّعَت استكراها على غير لَائِق بِلَا تعلق حدث الخ. وَإِن تعلّقت فَلَا حد للزِّنَا وَإِن ظهر بهَا حمل وحدت للقذف فِي الصَّالح على قَول ابْن الْقَاسِم لَا على قَول غَيره، وَمحل الْخلاف إِن كَانَت صينة وَإِلَّا حدت اتِّفَاقًا وَلَا تحد للقذف اتِّفَاقًا مَعَ الصون فِي الْمَجْهُول الْحَال وَمَعَ عَدمه قَولَانِ. وَلَا تحد فِي الدَّعْوَى على الْفَاسِق مُطلقًا مَعَ التَّعَلُّق؛ وَكَذَا مَعَ عَدمه إِن لم يظْهر بهَا حمل وَالله أعلم. وَانْظُر أَوَاخِر فصل الصَدَاق من ابْن عَرَفَة فَإِنَّهُ أَطَالَ فِي الْمَسْأَلَة وَفِيه زِيَادَة على مَا فِي النّظم.

стр. 1246

(فصل فِي دَعْوَى السّرقَة) وَهِي كَمَا فِي الشَّامِل أَخذ مَال أَو غَيره من حرز خُفْيَة لم يؤتمن فَقَوله أَو غَيره يُرِيد بِهِ الطِّفْل الصَّغِير الْحر الَّذِي لَا يعقل فَإِن آخذه يعد سَارِقا وَيقطع بِهِ وَلَيْسَ بِمَال، وَاحْترز بقوله: من حرز مِمَّا لَو أَخذه من غير حرز فَلَا يعد سَارِقا، والحرز هُوَ مَا لَا يعد الْوَاضِع فِيهِ مضيعاً فَلَا قطع فِي الْمَتْرُوك فِي السُّوق وَنَحْوه من الْأَمَاكِن الَّتِي لَا تعد صونا لِلْمَالِ عرفا لِأَنَّهُ فِي غير حرز وَبِقَوْلِهِ خُفْيَة، مِمَّا لَو أَخذه جهاراً فَإِنَّهُ لَا يُسمى سَارِقا بل مختطفاً أَو مُحَاربًا أَو غَاصبا وَبِقَوْلِهِ: لم يؤتمن عَلَيْهِ مِمَّا لَو أَخذ مَا فِي أَمَانَته فَإِن هَذَا خائن لَا سَارِق، وَلَا بُد أَن يكون المَال الْمَأْخُوذ نِصَابا لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ، وَيكون أَخذه بِقصد وَاحِد فَلَا قطع على من أَخذ أقل من نِصَاب، وَلَا على من لَهُ شُبْهَة فِيهِ كَالْأَبِ يَأْخُذ مَال وَلَده وَالْعَبْد يَأْخُذ مَال سَيّده والمضطر فِي المجاعة يَأْخُذ مَا يسد جوعته، وَلَا على من أَخذ نِصَابا فِي مَرَّات مَعَ تعدد قَصده، وَلَا بُد أَن يكون الْآخِذ مُكَلّفا، وَلذَا حَدهَا ابْن عَرَفَة بقوله: أَخذ مُكَلّف حرا لَا يعقل لصغره أَو مَالا مُحْتَرما لغيره نِصَابا أخرجه من حرزه بِقصد وَاحِد خُفْيَة لَا شُبْهَة فِيهِ قَالَ: فَيخرج أَخذ غير الْأَسير مَال حَرْبِيّ وَمَا اجْتمع بِتَعَدُّد إِخْرَاج وَقصد وَالْأَب مَال وَلَده والمضطر فِي المجاعة اه. فاحترز بالمكلف من الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ فَإِن مَا عَلَيْهِمَا ضَمَان المَال إِن تلف لَا الْقطع، وَبِقَوْلِهِ مُحْتَرما من أَخذ الْأَسير مَال حَرْبِيّ أَو سَرقَة خمر لمُسلم، لَكِن يرد عَلَيْهِ أَخذ غير الْأَسير مَال حَرْبِيّ فَإِنَّهُ لَا قطع فِيهِ، وَإِن أَمن عَلَيْهِ فَلَو حذف غير لَكَانَ أحسن، وَكَذَا يرد عَلَيْهِ خمر الذِّمِّيّ فَإِنَّهُ لَا قطع فِيهِ مَعَ أَنه مُحْتَرم بِالنِّسْبَةِ للذِّمِّيّ، وَلذَا كَانَ يجب عَلَيْهِ غرم قيمتهَا إِن تلف، وَكَذَا يرد عَلَيْهِ أَخذ مَا فِي أَمَانَته لِأَنَّهُ مُحْتَرم أَيْضا، لَكِن هَذَا رُبمَا يُقَال أخرجه بقوله من حرزه إِذْ الْأمين لَيْسَ الْمَكَان حرْزا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مَأْذُون لَهُ فِي الدُّخُول إِلَيْهِ، وَبِقَوْلِهِ نِصَابا مِمَّا لَو سرق أقل من ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو من ربع دِينَار أَو من مقوم بهما، لَكِن يرد عَلَيْهِ من سرق ثوبا خلقا فَوجدَ فِيهِ ثَلَاثَة دَرَاهِم فَإِنَّهُ يقطع مَعَ كَونه إِنَّمَا قصد الثَّوْب الَّذِي لَا يُسَاوِي ثَلَاثَة دَرَاهِم، فَإِن أَرَادَ مَا وجد فِيهِ النّصاب فَيرد عَلَيْهِ مَا إِذا سرق خَشَبَة فَوجدَ فِيهَا ثَلَاثَة دَرَاهِم فَإِنَّهُ لَا يقطع وَيُمكن الْجَواب بِأَن المُرَاد نِصَاب مَوْجُود مَقْصُود فَيخرج بموجود الثَّوْب الْمَذْكُور وبمقصود الْخَشَبَة الْمَذْكُورَة، وَبِقَوْلِهِ بِقصد وَاحِد مِمَّا لَو أخرج النّصاب فِي مَرَّات لَا بِقصد وَاحِد، بل كَانَت نِيَّته الِاقْتِصَار على مَا أخرجه أَولا ثمَّ بدا لَهُ فَرجع وَأخرج مَا كمل بِهِ النّصاب فَإِنَّهُ لَا قطع عَلَيْهِ وَهُوَ مُصدق فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يعلم إِلَّا من قَوْله: فَإِن أخرج أَولا بعضه بنية أَن يرجع لما فِيهِ تَمام النّصاب فَأكْثر فَإِنَّهُ يقطع لِأَنَّهُ صدق عَلَيْهِ أَنه أخرجه بِقصد وَاحِد وَيدخل فِي كَلَامه من سرق نِصَابا، ثمَّ سَرقه آخر من السَّارِق فَإِنَّهُمَا يقْطَعَانِ مَعًا لِأَن المَال مُحْتَرم بِالنِّسْبَةِ للثَّانِي لِأَنَّهُ فِي ضَمَان الأول.

стр. 1247

فَائِدَة: قَالَ عِيَاض: أَخذ المَال بِغَيْر حق على ضروب عشرَة: حرابة وغيلة وغصب وقهر وخيانة وسرقة واختلاس وخديعة وتعد وَجحد، وَاسم الْغَصْب يُطلق على الْجَمِيع فِي اللُّغَة كالحرابة كل مَا أَخذ مُكَابَرَة ومدافعة، والغيلة مَا أَخذ بعد قتل صَاحبه بحيلة ليَأْخُذ مَاله، وَحكمه حكم الْحِرَابَة. وَالْغَصْب مَا أَخذه ذُو الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان والقهر نَحْو مِنْهُ إِلَّا أَن يكون من ذِي الْقُوَّة فِي جِسْمه للضعيف وَمن الْجَمَاعَة للْوَاحِد، والخيانة كل مَا كَانَ لآخذه قبله أَمَانَة أَو يَد، وَالسَّرِقَة مَا أَخذ على وَجه الاختفاء، والاختلاس كل مَا أَخذ بِحَضْرَة صَاحبه على غَفلَة وفر آخذه بِسُرْعَة، والخديعة مَا أَخذه بحيلة كالتشبه بِصَاحِب الْحق، وَصَاحب الْوَدِيعَة أَو المتزيي بزِي الصّلاح ليَأْخُذ المَال بذلك، والجحد إِنْكَار مَا تقرر بِذِمَّة الجاحد وأمانته وَهُوَ نوع من الْخِيَانَة، والتعدي مَا أَخذ بِغَيْر إِذن بِحَضْرَتِهِ أَو مغيبه اه. وَمُدَّعٍ على امْرِىءٍ أَنْ سَرَقَهْ وَلَمْ تَكُنْ دَعْوَاهُ بالمُحَقَّقَهْ (ومدع على امرىء إِن سَرقه وَلم تكن دَعْوَاهُ بالمحققة) . أَي الْبَيِّنَة الَّتِي تحقق دَعْوَاهُ فَيشْمَل مَا إِذا قَالَ: اتهمته لِأَن دَعْوَى الاتهام لَا بَيِّنَة فِيهَا، وَمَا إِذا حقق عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَلم تقم لَهُ بَيِّنَة فَالْحكم فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِد كَمَا قَالَ: فإنْ يَكُن مُدَّعِياً ذَاكَ عَلَى مَنْ حَالُهُ فِي النَّاسِ حالُ الفُضَلَا (فَإِن يكن مُدعيًا ذَاك على من حَاله فِي النَّاس حَال الفضلا فَلَيْس مِنْ كَشْفٍ لِحَالِهِ وَلا يَبْلُغُ بالدَّعْوَى عَلَيْهِ أمَلَا فَلَيْسَ) على الْمُدعى عَلَيْهِ يَمِين وَلَا (من) زَائِدَة (كشف لحاله) بالسجن وَنَحْوه (وَلَا يبلغ بِالدَّعْوَى عَلَيْهِ أملا) بل يلْزم الْمُدَّعِي الْأَدَب كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْغَصْب: وأدب مُمَيّز كمدعيه على صَالح الخ. وَانْظُر مَا تقدم فِي بَاب الْيَمين عِنْد قَوْله: وتهمة إِن قويت الخ. وَإنْ يَكن مُطَالِباً مَنْ يُتَّهَمْ فمالِكٌ بالضَّرْبِ وَالسِّجْن حَكَمْ

стр. 1248

(وَإِن يكن مطالباً) بِفَتْح اللَّام خبر يكن وَاسْمهَا (من يتهم) وَيجوز كسرهَا على أَنه خبر يكن أَيْضا وَاسْمهَا ضمير يعود على رب الْمَتَاع وَمن يتهم مفعول بالْخبر الْمَذْكُور (فَمَا لَك بِالضَّرْبِ والسجن حكم) كَمَا مرّ عَن الْقَرَافِيّ وَغَيره عِنْد قَوْله: وَالْقَوْل للْغَاصِب فِي دَعْوَى التّلف وَظَاهره أَنه أطلق الْمُتَّهم على مَا يَشْمَل مَجْهُول الْحَال لِأَنَّهُ جعله قسما للمعروف بِالْفَضْلِ وَنَحْوه فِي التَّبْصِرَة قَائِلا مَجْهُول الْحَال عِنْد الْحَاكِم الَّذِي لَا يعرف ببر وَلَا فجور إِذا ادعِي عَلَيْهِ بتهمة فَإِنَّهُ يحبس حَتَّى يكْشف حَاله. هَذَا حكمه عِنْد عَامَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام وَالْمَنْصُوص عِنْد أَكثر الْأَئِمَّة أَنه يحْبسهُ القَاضِي أَو الْوَالِي وَهُوَ مَنْصُوص لمَالِك وَأَصْحَابه اه. وَقَالَ قبل ذَلِك: إِن الْمُتَّهم بِالْفُجُورِ كالسرقة وَقطع الطَّرِيق وَالْقَتْل وَالزِّنَا لَا بُد أَن يكْشف ويستقصي بِقدر تهمته بذلك وشهرته بِهِ، وَرُبمَا كَانَ بِالضَّرْبِ قَالَ: وَلَيْسَ تَحْلِيفه وإرساله مذهبا لأحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَلَا غَيرهم، وَلَو حلفنا كل وَاحِد مِنْهُم وأطلقناه مَعَ الْعلم باشتهاره بِالْفَسَادِ فِي الأَرْض وَكَثْرَة سرقاته وَقُلْنَا: لَا نَأْخُذهُ إِلَّا بشاهدي عدل كَانَ ذَلِك مُخَالفا للسياسة الشَّرْعِيَّة، وَمن ظن أَن الشَّرْع تَحْلِيفه وإرساله فقد غلط غَلطا فَاحِشا مُخَالفا لنصوص رَسُول الله صلوَات الله عَلَيْهِ ولإجماع الْأَئِمَّة قَالَ: وَقد تقدم أول الْبَاب من أَفعَال رَسُول الله ﷺ مَا يدل على عُقُوبَة الْمُتَّهم وحبسه. وَاعْلَم أَن هَذَا النَّوْع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه لما قَامَ على ذَلِك من الدَّلِيل الشَّرْعِيّ قَالَ: وَفِي أَحْكَام ابْن سهل إِذا وجد عِنْد الْمُتَّهم بعض الْمَتَاع الْمَسْرُوق وَادّعى أَنه اشْتَرَاهُ وَلَا بَيِّنَة لَهُ لم يُؤْخَذ مِنْهُ غير مَا بِيَدِهِ، فَإِن كَانَ مَجْهُول الْحَال فعلى السُّلْطَان حَبسه والكشف عَنهُ، وَإِن كَانَ مَعْرُوفا بِالسَّرقَةِ حبس حَتَّى يَمُوت فِي السجْن اه. وَنَحْوه لِابْنِ يُونُس عَن مطرف وَابْن الْمَاجشون وَأصبغ، وَتقدم مثله عَن مَالك عِنْد قَوْله: وَالْقَوْل للْغَاصِب، وَقَوله: لم يُؤْخَذ مِنْهُ غير مَا بِيَدِهِ الخ. هَذَا إِنَّمَا يتمشى على الْمَشْهُور لَا على مَا مر فِي الْغَصْب من أَن الْعَمَل مُؤَاخذَة الْمُتَّهم بالغرامة بِمُجَرَّد الدَّعْوَى فضلا عَن كَون بعض الْمَسْرُوق قد وجد بِيَدِهِ، وَأَن القَوْل للمسروق مِنْهُ فِي قدره، وَقَوله: حَتَّى يَمُوت الخ. بِمثلِهِ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز قَائِلا: يسجن حَتَّى يَمُوت. قَالَ فِي التَّبْصِرَة: يَعْنِي إِذا لم يقرَّ بِهِ. وَحَكَمُوا بِصِحَّةِ الإقْرَارِ مِن ذَاعِرٍ يُحْبَسُ لاخْتِبَارِ (وحكموا بِصِحَّة الْإِقْرَار) بِالنِّسْبَةِ لغرم المَال لَا للْقطع فَلَا يقطع (من ذاعر) بالذل الْمُعْجَمَة يَعْنِي مفزع ومخيف أَو بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الزَّانِي الْفَاسِق السَّارِق (يحبس) أَو يضْرب (لاختبار) فالمجهول إِذا أقرّ فِي السجْن عمل بِإِقْرَارِهِ وَغرم المَال، وَالْمُتَّهَم الْمَعْرُوف بالعداء إِذا أقرّ وَلَو تَحت الْعَصَا

стр. 1249

كَذَلِك لِأَنَّهُ لما جَازَ ضربه وسجنه شرعا كَمَا مر جَازَ إِقْرَاره إِذْ لَا فَائِدَة لَهُ إِلَّا ذَاك وَالْإِكْرَاه الشَّرْعِيّ طوع وَلذَا قَالَ سَحْنُون: وَذَلِكَ خَارج عَن الْإِكْرَاه وَلَا يعرف هَذَا الْأَمر إِلَّا من ابْتُلِيَ بِهِ يَعْنِي من الْقُضَاة وَمن شابههم. قَالَ فِي التَّبْصِرَة: كَأَنَّهُ يَقُول إِن ذَلِك الْإِكْرَاه كَانَ بِوَجْه جَائِز شرعا، وَإِذا كَانَ من الْحق عُقُوبَته وسجنه لما عرف من حَاله كَانَ من الْحق أَن يؤاخذه باعترافه اه. وَقَالَ ابْن رحال: إِن حبس القَاضِي الْمُتَّهم الَّذِي يجب حَبسه أَو تخويفه أَو ضربه فَأقر فَإِنَّهُ يُؤَاخذ بِإِقْرَارِهِ على قَول سَحْنُون، فَيَنْبَغِي أَن يعْمل بِهَذَا بِالنِّسْبَةِ لغرم المَال اه. وَفِي الْمُتَيْطِيَّة: وَيضْرب السَّارِق حَتَّى يخرج الْأَعْيَان الَّتِي سَرَقهَا يَعْنِي إِن كَانَت قَائِمَة بَاقِيَة فَإِن كَانَت مِمَّا لَا يعرف بِعَيْنِه أَو مِمَّا يعرف بِعَيْنِه، وَلَكِن فَوتهَا فيكفيه إِقْرَاره بهَا ويؤاخذ بِهِ كَمَا مرّ، وَالْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كثير وَلَكِن الْمعول عَلَيْهِ مَا قدمْنَاهُ فِي الْغَصْب، وَمَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم هَهُنَا. وَقد تقدم من كَلَام التَّبْصِرَة وَغَيرهَا مَا يشْهد لَهُ وَيشْهد لَهُ أَيْضا قَول الْقَرَافِيّ مَا نَصه: اعْلَم أَن التَّوسعَة على الْحُكَّام فِي أَحْكَام السياسة لَيْسَ مُخَالفا للشَّرْع بل تشهد لَهُ الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة وَتشهد لَهُ أَيْضا الْقَوَاعِد من وُجُوه. أَحدهَا: أَن الْفساد قد كثر وانتشر بِخِلَاف الْعَصْر الأول، وَمُقْتَضى ذَلِك اخْتِلَاف الْأَحْكَام اه. وَقَالَ أَيْضا: مَوْضُوع ولَايَة الْوَالِي الْمَنْع من الْفساد فِي الأَرْض وقمع أهل الشَّرّ، وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالجرائم بِخِلَاف ولَايَة الْقُضَاة، وَقد تقدم عَنهُ أَن هَذَا مِمَّا لَا يتَمَيَّز بِهِ نظر القَاضِي والوالي، وَإِذا كَانَ الْفساد قد كثر فِي زمن الْقَرَافِيّ فَكيف بذلك فِي زَمَاننَا؟ فَلَا يعْتَرض على النَّاظِم بِأَنَّهُ ارْتكب فِي هَذَا خلاف الْمَشْهُور الَّذِي درج عَلَيْهِ (خَ) حَيْثُ قَالَ وَثَبت إِقْرَار إِن طاع وإلاَّ فَلَا. وَلَو عين السّرقَة أَو أخرج الْقَتِيل الخ. لِأَن مُقَابل الْمَشْهُور قد يجْرِي بِهِ الحكم وَالْعَمَل لِكَثْرَة الْفساد، وَقد قَالَ ابْن رحال فِي حَاشِيَته هُنَا: وَلِأَن (خَ) يتبع مَذْهَب الْمُدَوَّنَة وَهِي إِنَّمَا قَالَت ذَلِك فِي وَقت عدم كَثْرَة الْفساد كَمَا قد رَأَيْته عَن الْقَرَافِيّ، وَلما زَاد هَذَا الْفساد وانتشر انتشار أبلغ الْغَايَة قَامَ مقَام التَّحْقِيق، وَلذَلِك جرى الْعَمَل بإغرام الْمُتَّهم بِمُجَرَّد الدَّعْوَى على مَا تقدم فِي فصل الْغَصْب، وَمَا يرْوى عَن مَالك وَغَيره من اخْتِلَاف الْأَقْوَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لَعَلَّه إِنَّمَا هُوَ باخْتلَاف النَّوَازِل والبلدان، فَرب بلد غلب على أَهلهَا الْفساد، وَرب بلد لم يغلب، وَرب شخص علم مِنْهُ الْفساد، وَرب شخص وَقع ذَلِك مِنْهُ فلتة فَلم يقل بخلوده فِي السجْن وَالله أعلم. وَيُقْطَعُ السَّارِقُ باعْتِرَافِ أَوْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ بِلَا خِلَافِ (وَيقطع السَّارِق باعتراف) بِالسَّرقَةِ طَائِعا لَا إِن اعْترف فِي السجْن أَو تَحت الْعَصَا فَلَا قطع، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْغرم حَيْثُ كَانَ مُتَّهمًا أَو مَجْهُول الْحَال كَمَا مر قَرِيبا، وَلَا بُد فِي الْقطع من كَونه مُكَلّفا وَكَون الْمَسْرُوق مَالا مُحْتَرما نِصَابا لم يُؤمن عَلَيْهِ لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ مأخوذاً من حرز وَهُوَ

стр. 1250

مِمَّا يَصح بَيْعه كَمَا مر. لَا إِن كَانَ كخمر أَو كلب وَلَو كلب الحراسة لوُجُود الْخلاف فِي بَيْعه أَو أضْحِية بعد ذَبحهَا وَجَبت بِالذبْحِ وَلَا تبَاع على الْمُفلس، بِخِلَاف مَا إِذا سرق لَحمهَا من متصدق عَلَيْهِ أَو طنبور لِأَنَّهُ لَا يُبَاع لِأَن منفعَته غير شَرْعِيَّة إِلَّا أَن يُسَاوِي بعد كَسره نِصَابا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي (خَ) (أَو) بِشَهَادَة (شَاهِدي عدل) من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته كَصَلَاة الأولى وَمَسْجِد الْجَامِع وَعدل فِي الأَصْل مصدر يُوصف بِهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع (بِلَا خلاف) . وَظَاهره أَنه لَا يشْتَرط فِي قبُول شَهَادَتهمَا بَيَان نوعها وصفتها وَلَا كَونهَا أخذت فِي ليل أَو نَهَار، وَهُوَ كَذَلِك إِلَّا أَنه يسْتَحبّ للْحَاكِم أَن يسألهم عَن ذَلِك فَإِن قَالُوا: لَا نذْكر الْيَوْم وَلَا الْمَكَان قبلت عِنْد ابْن الْقَاسِم، وَإِن ذكرُوا الْموضع وَالْيَوْم أَو النَّوْع وَاخْتلفُوا فِي شَيْء من ذَلِك فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ الآخر: يَوْم الْخَمِيس. أَو قَالَ: هَذَا سَرَقهَا من مَحل كَذَا وَقَالَ الآخر من غَيره، أَو قَالَ نوعها كَذَا وَقَالَ الآخر خِلَافه بطلت فالبطلان إِنَّمَا هُوَ إِذا قَالُوا تذكر الْيَوْم وَنَحْوه وَاخْتلفُوا، وَأما إِن قَالُوا لَا نذْكر ذَلِك فَلَا تبطل كَمَا لِابْنِ رشد، وَهَذَا على أَن سُؤَالهمْ مُسْتَحبّ كَمَا هُوَ ظَاهر قَوْلهَا: يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يكْشف الشُّهُود بِالزِّنَا وَالسَّرِقَة فحملها (خَ) وَغَيره على الِاسْتِحْبَاب فَقَالَ: وَندب سُؤَالهمْ أَي شُهُود الزِّنَا كالسرقة مَا هِيَ وَكَيف أخذت الخ. وَقَالَ أَبُو الْحسن: إِلَّا أَن يَنْبَغِي فِي كَلَامهَا للْوُجُوب واستظهره (ح) وَابْن رحال. وَهَذَا فِي حد الزِّنَا وَالسَّرِقَة لِأَن الْحُدُود يطْلب درؤها بِالشُّبُهَاتِ لَا فِي غَيرهَا من الْحُقُوق فَإِذا شهد شَاهد بِأَن لفُلَان فِي ذمَّة فلَان مائَة دِينَار مثلا فَلَا يكْشف عَن سكتها هَل هِيَ يزيدية أَو محمدية، وَلَكِن يقْضِي بالأغلب رواجاً فِي الْبَلَد كَمَا مر فِي صدر الْبيُوع، وَأَحْرَى أَن لَا يكْشف عَن الْيَوْم الَّذِي ترتبت فِيهِ فِي ذمَّته لِأَنَّهُ لَو أرخ بالشهر أَو ترك التَّارِيخ أصلا لم تبطل. تَنْبِيه: نقل الْبُرْزُليّ فِي نوازله: أَن سراق الْمغرب الْيَوْم كلهم لصوص تجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْحِرَابَة من الْقَتْل أَو الْقطع من خلاف أَو النَّفْي لَا أَحْكَام السّرقَة لأَنهم يجْعَلُونَ أحد السراق عِنْد رَأس صَاحب الْمنزل فِي الْحَاضِرَة أَو الْبَادِيَة مَتى رَآهُ تحرّك ضربه أَو هدده ويجعلون وَاحِدًا يخرج الْحَيَوَان وَالْمَتَاع وَالْبَاقُونَ واقفون بِالسِّلَاحِ يمنعونه مِمَّن يقوم عَلَيْهِ قَالَ: وَالْحكم فيهم أَنهم إِذا أخذُوا بعد أَن قتل أحدهم رب الْمنزل قتلوا جَمِيعًا، وَإِن لم يقتل أحد أجريت عَلَيْهِم أَحْكَام الْمُحَارب، وَإِذا أَخذ أحدهم كَانَ ضَامِنا لجَمِيع مَا أَخَذُوهُ اه. قلت: وَمَا قَالَه صَحِيح وَمَا ذكره من الحكم عَلَيْهِم بِمَا ذكر إِنَّمَا هُوَ إِذا ثَبت عَلَيْهِم ذَلِك وَلَو بِالسَّمَاعِ الفاشي لقَوْل (خَ) فِي الْحِرَابَة: وَلَو شهد اثْنَان أَنه المشتهر بهَا ثبتَتْ وَإِن لم يعايناها، وَأما إِن لم يثبت ذَلِك لَا بِالسَّمَاعِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْغَالِب فِي هَذَا الْوَقْت لعدم وجود من يشْهد على من اكْتسب التَّعْظِيم والاحترام بتلصصه كَمَا مر فِي الْغَصْب، فَإِنَّهُ ينكل ويخلد فِي السجْن

стр. 1251

وَلَا أقل من أَن ينفى من الأَرْض مُؤَاخذَة لَهُ بالأيسر ردعاً لَهُ ولأمثاله. وَمَنْ أَقَرَّ وَلشُبْهةٍ رَجَعْ دُرِىءَ عَنْهُ الحَدُّ فِي الَّذي وَقَعْ (وَمن أقرّ) بِسَرِقَة (ولشبهة رَجَعَ) عَن إِقْرَاره كَقَوْلِه: أخذت مَالِي الْمُودع أَو الْمَغْصُوب مني أَو المعار، وظننت أَن ذَلِك سَرقَة أَو قَالَ: أضافني فلَان وأنزلني فِي بَيته فَأخذت مِنْهُ كَذَا فَظَنَنْت أَنه سَرقَة (درىء عَنهُ الْحَد فِي الَّذِي وَقع) مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي الثَّلَاثَة الأول إِنَّمَا أَخذ مَتَاعه على زَعمه وَإِن كَانَ لَا يقْضِي لَهُ بذلك بِدُونِ بَيِّنَة، وَأَنه مَاله وَفِي الرَّابِعَة هُوَ خائن على زَعمه لَا سَارِق فَلَا قطع عَلَيْهِ كَمَا مر أول الْفَصْل. وَنَقَلُوا فِي فَقْدِهَا قَوْلَينِ وَالْغُرْمُ وَاجِبٌ عَلَى الحَالَيْنِ (ونقلوا فِي) رُجُوعه عَن إِقْرَاره مَعَ (فقدها) أَي الشُّبْهَة كَأَن يَقُول: كذبت فِي إقراري أَو أنكر الْإِقْرَار من أَصله (قَوْلَيْنِ) فِي قبُول رُجُوعه وَعَدَمه وَالْمَشْهُور الأول (خَ) : وَقبل رُجُوعه بِلَا شُبْهَة وَمحل الْقَوْلَيْنِ إِذا لم يكن عين السّرقَة، وَأما إِن عينهَا ثمَّ أنكر الْإِقْرَار من أَصله فَإِنَّهُ لَا يقبل إِنْكَاره وَيقطع اتِّفَاقًا كَمَا لِابْنِ رشد، وَمثل السَّارِق فِي قبُول رُجُوعه لشُبْهَة ولغيرها الزَّانِي والشارب والمحارب وَقد جمعت فِي قَوْله: وسارق وَالزَّانِي ثمَّ الشَّارِب رجوعهم يقبل كالمحارب وَمثلهمْ من يشْهد عَلَيْهِ بمعاينة زِنَاهُ بالإحصان ثمَّ رَجَعَ عَنهُ، فَإِنَّهُ يقبل رُجُوعه ويجلد مائَة وَلَا يرْجم، وَكَذَا من أقرّ بقتل الغيلة ثمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ يقبل رُجُوعه، وَفَائِدَته أَنه إِذا عَفا عَنهُ الْوَلِيّ لم يقتل لِأَنَّهُ لم يبْق بعد عَفوه إِلَّا قَتله لحق الله وَهُوَ يدْرَأ بِالرُّجُوعِ لشُبْهَة وَغَيرهَا، وَمثله من أقرّ بِالْقَتْلِ عمدا لغير غيلَة فَرجع عَن إِقْرَاره مُنْكرا لَهُ، أَو قَالَ كذبت فِيهِ فَإِنَّهُ يسْقط عَنهُ ضرب مائَة وسجنه سنة، إِذا عَفا عَنهُ الْوَلِيّ وَالضَّابِط كل حد كَانَ حَقًا لله تَعَالَى فَإِنَّهُ يسْقط بِالرُّجُوعِ عَن إِقْرَاره بِمُوجبِه فَإِن لم يرجع قَاتل الْعمد وَعَفا عَنهُ الْوَلِيّ فَلَا بُد لَهُ من ذَلِك كَمَا قَالَ (خَ) وَعَلِيهِ أَي قَاتل الْعمد مُطلقًا كَانَ مُسلما أَو كَافِرًا أَو عبدا جلد مائَة ثمَّ حبس سنة وَإِن بقتل مَجُوسِيّ أَو عَبده الخ. (و) إِذا سقط الْقطع عَن السَّارِق بِرُجُوعِهِ ف (الْغرم) لِلْمَالِ (وَاجِب) عَلَيْهِ (على) كلا (الْحَالين) الشُّبْهَة وَعدمهَا على القَوْل بِأَن رُجُوعه لغير شُبْهَة مُعْتَبر، وَهَذَا إِذا كَانَ حرا. وَأما العَبْد إِذا أقرّ بِالسَّرقَةِ وَرجع وَقد فَاتَ الْمَسْرُوق بذهاب عينه فَإِنَّهُ لَا غرم عَلَيْهِ لِأَن مَا بِيَدِهِ لسَيِّده فَلَا يمْضِي إِقْرَاره عَلَيْهِ كَمَا أَفَادَهُ (خَ) فِي الْإِقْرَار بقوله: كَالْعَبْدِ فِي غير المَال الخ. لَكِن يتبع بِهِ إِذا أعتق يَوْمًا مَا فَإِن لم يرجع عَنْهَا فالقطع وَلَا غرم عَلَيْهِ إِذا أعتق كَمَا يَأْتِي.

стр. 1252

وَكلُّ مَا سُرِقَ وَهُوَ بَاقِي فإنَّهُ يُرَدُّ باتِّفَاقِ (وكل مَا سرق وَهُوَ بَاقٍ) بِعَيْنِه بيد السَّارِق أَو غَيره (فَإِنَّهُ يرد) لرَبه (بِاتِّفَاق) أَي إِجْمَاعًا وَيرجع الْغَيْر على السَّارِق إِن كَانَ أَخذه مِنْهُ بعوض، وَلَو كَانَ السَّارِق عبدا فَإِنَّهُ يتبعهُ بِهِ إِذا عتق يَوْمًا مَا، وَظَاهره أَنه يرد وَلَو قطع وَهُوَ كَذَلِك، وَمَفْهُوم قَوْله: وَهُوَ بَاقٍ الخ. أَنه إِذا فَاتَ بذهاب عينه فَفِيهِ تَفْصِيل فَإِن كَانَ مُتَّصِل الْيُسْر بالمسروق كُله أَو بعضه من يَوْم سرق إِلَى الْيَوْم إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقطع وَيغرم كَمَا قَالَ: وَحيْثُما السَّارِقُ بالحُكْمِ قُطِعْ فبالّذي سَرَقَ فِي اليُسْرِ اتُّبِعْ (وحيثما السَّارِق بالحكم قطع) لعدم رُجُوعه عَن إِقْرَاره بهَا أَو لقِيَام الْبَيِّنَة عَلَيْهِ (فبالذي سرق فِي) حَال (الْيُسْر) المستمر إِلَى وَقت الْقطع (اتبع) وَإِن كَانَ وَقت السّرقَة مُعسرا أَو أعْسر فِي بعض الْمدَّة الَّتِي بَين السّرقَة وَالْقطع لم يلْزمه غرم وَلَو أيسر بعد الْقطع لخَبر إِذا أقيم الْحَد على السَّارِق فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ أَي: لَا يتبع بِهِ فِي عسره وَقت السّرقَة أَو فِيمَا بَين السّرقَة وَالْقطع لِئَلَّا يجْتَمع عَلَيْهِ عقوبتان قطع يَده وَاتِّبَاع ذمَّته، وَمَفْهُوم قطع أَنه إِذا لم يقطع لكَونه سَرقه من غير حرزة أَو لقِيَام شَاهد وَاحِد عَلَيْهِ بهَا أَو لكَون الْمَسْرُوق أقل من نِصَاب أَو لسُقُوط الْعُضْو الَّذِي يجب قطعه بسماوي أَو بِجِنَايَة عَلَيْهِ أَو لرجوعه عَن الْإِقْرَار بهَا، وَنَحْو ذَلِك اتبع بِهِ مُطلقًا مُوسِرًا أَو مُعسرا أَو يحاصص بِهِ ربه غُرَمَاء السَّارِق إِن كَانَ عَلَيْهِ دين وَهُوَ كَذَلِك (خَ) : وَوَجَب رد المَال إِن لم يقطع مُطلقًا. وَالحَدُّ لَا الْغُرْمُ عَلَى الْعَبْدِ مَتى أَقَرَّ بالسَّرِقَةِ شَرْعاً ثَبَتَا (وَالْحَد) أَي الْقطع (لَازم على العَبْد) لَا الْغرم فَلَا يلْزمه وَلَو كَانَ ذَا شَائِبَة (مَتى أقرّ بِالسَّرقَةِ) بِسُكُون الرَّاء للوزن أَي وَلم يرجع عَنهُ (شرعا ثبتاً) خبر ثَان أَي: وَالْحَد لَازم ثَابت شرعا

стр. 1253

على العَبْد الخ. وَمَفْهُوم أقرّ أَنه إِذا لم يقر بل شهد عَلَيْهِ شَاهد وَاحِد أَو أقرّ بهَا سَيّده دونه فَإِن العَبْد حِينَئِذٍ فِي جِنَايَته فَيُخَير سَيّده فِي إِسْلَامه أَو فدائه، لَكِن بعد يَمِين الْمَسْرُوق فِي الأولى، وَأما إِن ثَبت عَلَيْهِ بِشَاهِدين فالقطع وَلَا غرم، واحترزت بِقَوْلِي وَلم يرجع مِمَّا إِذا رَجَعَ فَإِنَّهُ لَا قطع وَيتبع بهَا إِذا عتق كَمَا مر قَرِيبا، وَإِنَّمَا كَانَ العَبْد فِي جِنَايَته إِذا أقرّ بهَا سَيّده دونه لِأَن العَبْد إِذا ادعِي عَلَيْهِ بِمَا يُوجب الْقصاص أَو الْقطع أَو الْأَدَب فَإِنَّهُ الَّذِي يُجيب عَن ذَلِك لِأَنَّهُ الَّذِي يُؤَاخذ بِهِ فِي بدنه لَو أقرّ بِهِ، وَأما إِذا ادعِي عَلَيْهِ بِإِتْلَاف زرع أَو دَابَّة عمدا أَو خطأ أَو قتل شخص أَو قطعه خطأ أَو سَرقَة شَيْء فَأنْكر، فَإِن الَّذِي يُجيب عَن ذَلِك هُوَ السَّيِّد، فَإِذا أقرّ لزمَه أَن يُسلمهُ أَو يفْدِيه (خَ) فِي آخر الشَّهَادَات وليجب عَن الْقصاص العَبْد وَعَن الْأَرْش السَّيِّد الخ. (فصل فِي أَحْكَام الدِّمَاء) وَهُوَ بَاب مُهِمّ بِلَا شكّ لِأَن حفظ النُّفُوس إِحْدَى الْخمس الَّتِي اجْتمعت الْملَل على وجوب حفظهَا فقد نقل الأصوليون إِجْمَاع الْملَل على حفظ الْأَدْيَان والنفوس والعقول والأعراض وَالْأَمْوَال، وَقد ذكر بَعضهم الْأَنْسَاب بدل الْأَمْوَال. وَفِي الحَدِيث الْكَرِيم: (لقتل الْمُؤمن أعظم عِنْد الله من زَوَال الدُّنْيَا كلهَا) وَفِيه أَيْضا: (من أعَان على قتل أمرىء مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب آيس من رَحْمَة الله تَعَالَى) اه. وَنَقله ابْن الْحَاج وَغَيره قَالَ: وَورد عَنهُ ﵊ أَنه قَالَ: (كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره إِلَّا من مَاتَ مُشْركًا أَو من قتل مُؤمنا مُتَعَمدا) وَقد أخبر تَعَالَى أَن قتل النَّفس بِغَيْر حق كَقَتل جَمِيع النَّاس فِي عظم الْإِثْم فَقَالَ: من قتل نفسا بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا﴾ (الْمَائِدَة: ٣٢) قَالَ مُجَاهِد: جعل الله جَزَاء من قتل نفسا بِغَيْر حق جَهَنَّم وَغَضب عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما، فَلَو قتل جَمِيع الْخلق لم يزدْ من الْعَذَاب على ذَلِك، وَمَا سَمَّاهُ الله عَظِيما لَا يعلم قدره إِلَّا هُوَ اه. وَاخْتلف فِي قبُول تَوْبَته على قَوْلَيْنِ مأخوذين من قَول مَالك لِأَنَّهُ مرّة قَالَ: لَا تجوز إِمَامَته وَإِن تَابَ، وَيُؤَيِّدهُ أَن من شَرط قبُول التَّوْبَة رد التباعات ورد الْحَيَاة على الْمَقْتُول مُتَعَذر إِلَّا أَن يحلله الْمَقْتُول قبل مَوته، وَمرَّة قَالَ: هُوَ فِي الْمَشِيئَة يكثر من الْعَمَل الصَّالح وَالصَّدَََقَة وَالْجهَاد وَالْحج فَيُؤْخَذ مِنْهُ قبُول تَوْبَته. ابْن رشد: من قَالَ إِن الْقَاتِل مخلد فِي النَّار أبدا فَقَط أَخطَأ، وَخَالف أهل السّنة لِأَن الْقَتْل لَا يحبط مَا تقدم من إيمَانه وَلَا مَا اكْتسب من صَالح أَعماله اه. وَحكى ابْن عَطِيَّة الْإِجْمَاع منا وَمن الْمُعْتَزلَة على أَن الْقصاص كَفَّارَة للْقَتْل لحَدِيث (من عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ) قَالَ: وَالْجُمْهُور على قبُول تَوْبَته اه. وَمَا حَكَاهُ من الْإِجْمَاع طَريقَة لَهُ، بل حكى ابْن رشد فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ متساويين قيل كَفَّارَة، وَقيل لَيْسَ بكفارة لِأَن الْمَقْتُول لَا مَنْفَعَة لَهُ

стр. 1254

فِي الْقصاص، وَإِنَّمَا منفعَته عَائِدَة على الْأَحْيَاء ليتناهى النَّاس عَن الْقَتْل. قَالَ تَعَالَى: وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٩) أَي لكم فِي مَشْرُوعِيَّة الْقصاص حَيَاة لِأَن الشَّخْص إِذا علم أَنه يقْتَصّ مِنْهُ انكف عَن الْقَتْل وَهُوَ ضَرْبَان قتل خطأ وَسَيَأْتِي، وَقتل عمد وَلَا وَاسِطَة بَينهمَا على الْمَشْهُور إِلَّا مَا ثَبت من شبه الْعمد عِنْد مَالك فِي رمي الْأَب وَلَده بحديدة على مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وغلظت فثلثت فِي الْإِبِل الخ خلافًا لمن أثبت شبه الْعمد فِي غير الْأَب وَإِلَى الْعمد الْمَحْض أَشَارَ النَّاظِم بقوله: وَالْقَتْلُ عَمْداً للقصَاصِ مُوجِبُ بعد ثُبُوتِهِ بِمَا يَسْتَوْجِبُ (وَالْقَتْل) بِفعل حَال كَونه (عمدا) عُدْوانًا (للْقصَاص مُوجب بعد ثُبُوته) أَي الْعمد (بِمَا يسْتَوْجب) بِكَسْر الْجِيم وَفتح الْيَاء مَبْنِيا للْفَاعِل وَالسِّين وَالتَّاء زائدتان أَي الْقَتْل عمدا مُوجب للْقصَاص بعد ثُبُوته بِمَا يجب ثُبُوته بِهِ، وَالَّذِي يثبت بِهِ أحد أَشْيَاء ثَلَاثَة بَينهَا بقوله: مِن اعْتِرَافِ ذِي بُلُوغٍ عَاقِلِ أَوْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ بِقَتْلِ القَاتِلِ (من اعْتِرَاف) شخص (ذِي بُلُوغ عَاقل) طائع أَنه قتل فلَانا عمدا عُدْوانًا لَا باعتراف صبي أَو مَجْنُون أَو مكره، فَإِن أقرّ أَنه قَتله خطأ وَقَالَ الْأَوْلِيَاء: بل عمدا عُدْوانًا فَالظَّاهِر أَن القَوْل للأولياء كَمَا يَأْتِي فِيمَن قَامَت بَيِّنَة بضربه فَقَالَ: لم أقصد ضربه، وَقَالَ الْأَوْلِيَاء: بل قصدته فَإِن القَوْل لَهُم. (أَو شَاهِدي عدل) شَهدا (ب) معاينتهما ل (قتل) هَذَا (الْقَاتِل) الْعَاقِل الْبَالِغ لهَذَا الْمَقْتُول أَو شَهدا بمعاينتهما لضربه وَإِن بقضيب أَو لطمة أَو وكزة أَو حجر أَو عَصا فَمَاتَ عَاجلا أَو مغموراً لم يتَكَلَّم، فَإِن تكلم يَوْمًا أَو أَيَّامًا فالقصاص بقسامة أكل أَو لم يَأْكُل مَا لم ينفذ مَقْتَله فَلَا قسَامَة وَلَو أكل أَو شرب وعاش أَيَّامًا كَمَا فِي ابْن الْحَاجِب وَلَا يصدق أَنه لم يقْصد ضربه وَلَا أَنه ضربه على وَجه اللّعب قَالَ فِي الشَّامِل: وَلَا يصدق فِي إِرَادَة اللّعب وَلَا أَنه لم يرد قَتله. وَاعْلَم أَن أَرْكَان الْقصاص ثَلَاثَة. أَولهَا: الْقَتْل أَي الْفِعْل عمدا وَهُوَ معنى مَا فِي الْبَيْت الأول، وَقَوْلِي بِفعل شَامِل للضرب والتخنيق والتثقيل وَمنع الطَّعَام وَطرح غير محسن العوم فِي

стр. 1255

نهر وَوضع مزلق بطرِيق، واتخاذ كلب عقور وَنَحْو ذَلِك. وَإِلَى هَذَا الرُّكْن أَشَارَ (خَ) بقوله: إِن قصد أَي تعمد ضرب الْغَضَب أَو عَدَاوَة وَإِن بقضيب لخنق وَمنع طَعَام أَو مثقل وَلَا قسَامَة إِن أنفذ مَقْتَله أَو مَاتَ مغموراً، ثمَّ قَالَ: وَإِن تصادما أَو تجاذبا مُطلقًا قصدا فماتا أَو أَحدهمَا فالقود وحملا عَلَيْهِ الخ. أَي: على الْقَصْد وَهُوَ يُوضح لَك أَن من وجد مِنْهُ الضَّرْب وَإِن بقضيب مَحْمُول على قَصده فَلَا يقبل مِنْهُ أَنه لم يَقْصِدهُ أَو أَنه قَصده على وَجه اللّعب. قَالَ ابْن فَرِحُونَ: وَيجوز للشُّهُود أَن يشْهدُوا بِأَنَّهُ قَتله عمدا عُدْوانًا، والعمدية صفة قَائِمَة بِالْقَلْبِ فَجَاز للشَّاهِد أَن يشْهد بهَا اكتفاه بِالْقَرِينَةِ الظَّاهِرَة الخ. يَعْنِي لما رَأَوْهُ من ضربه على وَجه الْغَضَب، وَظَاهر قَوْله عمدا أَنه يقتل بِهِ وَلَو تبين خلاف الذَّات الَّتِي قصد قَتلهَا كَمَا لَو ضربه على أَنه عَمْرو فَتبين أَنه زيدا وعَلى أَنه عَمْرو بن فلَان فَتبين أَنه عَمْرو بن فلَان آخر، وَهُوَ كَذَلِك إِذْ كِلَاهُمَا مَعْصُوم وَلَا علينا فِي اعْتِقَاده، وَكَذَا لَو قصد ضرب رَأسه أَو رجله فَأصَاب عينه ففقأها فَإِنَّهُ يقْتَصّ مِنْهُ خلافًا لما فِي الرجراجي، وَأما لَو قصد ضرب هَذِه الذَّات عُدْوانًا فَأصَاب ذاتاً أُخْرَى فَلَا قَود وَهُوَ خطأ خلافًا لما فِي (ح) وَالْفرق أَنه فِي الأول قصد هَذِه الذَّات فَقَتلهَا فَتبين أَن الْمَقْصُود غَيرهَا وَهَذِه قصد ضرب هَذِه الذَّات فعدلت الرَّمية عَنْهَا إِلَى غَيرهَا. واحترزت بِقَوْلِي عُدْوانًا عَمَّا إِذا قصد ضرب شَيْء مُعْتَقدًا أَنه غير آدَمِيّ أَو أَنه آدَمِيّ غير مُحْتَرم لكَونه حَرْبِيّا أَو زَانيا مُحصنا، فَتبين أَنه آدَمِيّ مُحْتَرم فَلَا قصاص أَيْضا وَلَو تكافئا، وَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَة وَيصدق بِيَمِينِهِ أَنه ظَنّه حَرْبِيّا لِأَن هَذَا وَإِن كَانَ عمدا لكَونه لَيْسَ بعدوان فَإِنَّهُ مُلْحق بالْخَطَأ، وَمِمَّا إِذا كَانَ الضَّرْب على وَجه اللّعب وَقَامَت قرينَة عَلَيْهِ وإلاَّ فَلَا يصدق فِي إِرَادَته كَمَا مر، وَمِمَّا إِذا كَانَ الضَّرْب على وَجه الْأَدَب مِمَّن يجوز لَهُ كَالْأَبِ وَنَحْوه فَمَاتَ أَو كسر رجله أَو فَقَأَ عينه فَالدِّيَة على الْعَاقِلَة إِن بلغت الثُّلُث وإلاَّ فَعَلَيهِ فَقَط. وَيصدق الْأَب والمعلم وَالزَّوْج فِي إِرَادَة الْأَدَب دون الْقَتْل إِن كَانَ بِآلَة يُؤَدب بِمِثْلِهَا لَا إِن ضربه الْمعلم باللوح وَنَحْوه فَإِنَّهُ يقْتَصّ مِنْهُ، وَكَذَا إِن ذبح الْأَب وَلَده أَو شقّ بَطْنه لَا إِن رَمَاه بِالسَّيْفِ وَادّعى أَنه أدبه فَلَا يقْتَصّ مِنْهُ، وَثَانِيها الْقَاتِل وَشَرطه أَن يكون عَاقِلا بَالغا فَحَذفهُ من الْبَيْت الثَّانِي لدلَالَة الأول عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي أَنه يُزَاد على ذَلِك كَونه غير حَرْبِيّ مماثلاً للمقتول فِي الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام حَيْثُ قَالَ: والقود الشَّرْط بِهِ المثليه فِي الدَّم وَالْإِسْلَام والحريه الخ. فَلَا يقتل حَرْبِيّ بِمُسلم قَتله فِي حَال حربيته ثمَّ أسلم، وَلَا مُسلم بِكَافِر وَلَو حرا، وَلَا حر مُسلم بِعَبْد كَمَا يَأْتِي. وَثَالِثهَا: الْقَتِيل وَشَرطه أَن يكون مَعْصُوم الدَّم كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَالشّرط فِي الْمَقْتُول عصمَة الدَّم الخ. فَلَا يقْتَصّ من مُسلم قتل مُرْتَدا أَو زَانيا مُحصنا. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْأَمر الثَّالِث الَّذِي يثبت بِهِ الْقَتْل فَقَالَ: أَوْ بِالْقِسَامَةِ وَباللَّوْثِ تَجِبْ وَهْوَ بِعَدِلٍ شَاهِدٍ بِمَا طُلِبْ (أَو بالقسامة) وَهِي خَمْسُونَ يَمِينا على قتل حر مُسلم مُحَقّق الْحَيَاة فَلَا قسَامَة على قتل

стр. 1256

أضدادهم كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَلَيْسَ فِي عبد وَلَا جَنِين قسَامَة الخ (خَ) : والقسامة سَببهَا قتل الْحر الْمُسلم يَعْنِي الْمُحَقق الْحَيَاة، وَلَكِن لَا يُمكن مِنْهَا الْوَلِيّ مُطلقًا بل (وباللوث تجب) وَتثبت لَهُ بِدُونِهِ (وَهُوَ) أَي اللوث أَمر يحصل مِنْهُ غَلَبَة الظَّن بِصدق الْمُدَّعِي وينشأ عَن أُمُور خَمْسَة. أَحدهَا: أَنه ينشأ (بِعدْل) وَاحِد (شَاهد بِمَا طلب) من مُعَاينَة الْقَتْل أَو الضَّرْب أَو الْجرْح تَأَخّر الْمَوْت بِأَكْل أَو شرب أم لَا. كَانَ الْمَقْتُول بَالغا أم لَا. مُسلما أَو كَافِر، والمرأتان العدلتان كالشاهد الْوَاحِد فِيمَا ذكر فَيحلف الْأَوْلِيَاء يَمِينا وَاحِدَة تَكْمِلَة للنصاب أَنه لقد قَتله أَو ضربه ثمَّ خمسين يَمِينا أَنه لقد قَتله أَو لقد ضربه أَو جرحه وَلمن ضربه أَو جرحه مَاتَ ويستحقون الْقود فِي الْعمد وَالدية فِي الْخَطَأ أَو فِي عدم المماثل، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يشْهد بِأَنَّهُ قَتله غيلَة فَلَا يقسمون مَعَه لِأَنَّهُ لَا يقبل فِيهَا إِلَّا العدلان على الْمُعْتَمد كَمَا فِي الزّرْقَانِيّ، وَظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَن شَهَادَة الْعدْل لوث وَلَو لم يُوجد أثر الضَّرْب الَّذِي شهد بِهِ، وَهُوَ كَذَلِك إِذْ الضَّرْب قد لَا يظْهر أَثَره فِي خَارج الْجَسَد. وَثَانِيها: أَنه ينشأ عَن شَهَادَة اللفيف كَمَا قَالَ: أَوْ بِكَثِيرٍ مِنْ لَفِيفِ الشُّهَدَا وَيسْقُطُ الإعْذَارُ فيهم أبَدَا (أَو بِكَثِير من لفيف الشهدا) اثْنَي عشر فَأكْثر على مَا بِهِ الْعَمَل شهدُوا بمعاينة قَتله أَو ضربه أَو جرحه على نَحْو مَا تقدم فِي الْعدْل الْوَاحِد، وَهَذَا على مَا عِنْد النَّاظِم، وَلَكِن الْعَمَل الْجَارِي بفاس قبُول شَهَادَة اللفيف فِي جَمِيع الْأُمُور فَإِن السِّتَّة مِنْهُم يقومُونَ مقَام الْعدْل الْوَاحِد، وَقد نَص ناظمه على أَن الْعَمَل جرى بِنَفْي الْيَمين مَعَ الاثْنَي عشر، وَظَاهر كَلَامه وَكَلَام شراحه وَلَو فِي الدِّمَاء لِأَن الاثْنَي عشر فِي مرتبَة العدلين وَنِصْفهَا فِي مرتبَة الْوَاحِد وَعَلِيهِ فشهادته لَيست لوثاً فَقَط بل قَائِمَة مقَام العدلين وَلَا سِيمَا على مَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَمَالك فِيمَا رَوَاهُ أَشهب الخ. لِأَنَّهُ يفهم مِنْهُ حَيْثُ أوجب الْقسَامَة مَعَ غير الْعدْل المتحد أَنَّهَا لَا تجب مَعَ المتعدد الْكثير كَمَا فِي اللفيف الْمَذْكُور. (وَيسْقط الْإِعْذَار) للخصم (فيهم أبدا) لِأَنَّهُ مَدْخُول فيهم على عدم الْعَدَالَة فَلَا يقْدَح فيهم بِكُل مَا يقْدَح بِهِ فِي الْعُدُول من مطل وَلعب نيروز وَحلف بِعِتْق أَو طَلَاق وَعدم أَحْكَام الصَّلَاة وَالْوُضُوء وَالْغسْل وَنَحْو ذَلِك: نعم لَا بُد فيهم من ستر الْحَال فَلَا يقبل تَارِك الصَّلَاة وَلَا مجاهر بالكبائر من كَثْرَة كذب وَإِظْهَار سكر وَلعب بقمار وسفه ومجون، وَلَا مُتَّهم كصديق وَقَرِيب للْمَشْهُود لَهُ أَو عَدو للْمَشْهُود عَلَيْهِ، وَهَذَا إِذا وجد فِي الْبَلَد أمثل مِنْهُم، وَأما إِذا عَم الْفساد بالسكر وَكَثْرَة الْكَذِب والمجاهرة بالكبائر. فَلَا يقْدَح فِي شَهَادَتهم بِشَيْء من ذَلِك كَمَا لشارح الْعَمَل عِنْد قَوْله: لَا بُد فِي شَهَادَة اللفيف من ستر حَالهم على الْمَعْرُوف

стр. 1257

الخ. وَإِذا سقط الْإِعْذَار فيهم بِمَا ذكر فَلَا بُد أَن يعْذر إِلَى الْقَاتِل فَيُقَال لَهُ: إِن كَانَت لَك مَنْفَعَة من غير بَاب شُهُود اللفيف فَأثْبت بهَا، أَو لَك تجريح بِالْقَرَابَةِ أَو الْعَدَاوَة أَو المجاهرة بالكبائر ويوسع لَهُ فِي الْأَجَل كَمَا فِي ابْن سَلمُون وَغَيره. وَثَالِثهَا: أَن ينشأ عَن الْوَاحِد غير الْعدْل كَمَا قَالَ: وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ قَسَامَةٌ بِغَيْرِ عَدْلٍ يُوجِبُ (وَمَالك) مُبْتَدأ (فِيمَا رَوَاهُ أَشهب قسَامَة بِغَيْر عدل يُوجب) خبر وقسامة مَفْعُوله والمجروران يتعلقان بِهِ أَي: وَمَالك يُوجب الْقسَامَة بِشَهَادَة الْوَاحِد غير الْعدْل فِيمَا رَوَاهُ أَشهب وَلَا إعذار فِيهِ أَيْضا إِلَّا بِمَا يعْذر بِهِ فِي اللفيف الْمُتَقَدّم، وَهَذَا وَإِن كَانَ الْمَشْهُور خِلَافه، وَلَكِن لَا يَنْبَغِي أَن يهدر هَذَا القَوْل ويلغى بِالنِّسْبَةِ للمتهم الْمَعْرُوف بالعداء لموافقته لما بِهِ الْعَمَل كَمَا مر فِي بَابي السّرقَة وَالْغَصْب وَلَعَلَّ مَالِكًا إِنَّمَا قَالَ فِي هَذِه الرِّوَايَة بِأَن شَهَادَة غير الْعدْل لوث نظرا إِلَى كَون الْمُدعى عَلَيْهِ مُتَّهمًا مَعْرُوفا بالعداء وَسَفك الدِّمَاء، وَيُؤَيِّدهُ مَا يَأْتِي عَن ابْن رحال فِي التدمية الْبَيْضَاء، وَأَيْضًا فَإِن التَّكْلِيف شَرطه الْإِمْكَان، وَقد لَا يحضر قَتله إِلَّا غير الْعدْل فشهادته، وَإِن لم توجب قصاصا فَلَا أقل من أَن توجب مَعَ الْقسَامَة الدِّيَة وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ مَسْتُور الْحَال، فشهادته حِينَئِذٍ أقوى فِي اللوث من مُجَرّد قَول الْمُدَّعِي دمي عِنْد فلَان الَّذِي أَشَارَ لَهُ بقوله: أَو بمقَالةِ الْجَرِيحِ المُسْلِمِ البَالِغِ الحُرِّ فُلَانٌ بِدمِ (أَو بمقالة الجريح) أَي الَّذِي بِهِ جرح لَا يَفْعَله الْمَرْء بِنَفسِهِ أَو أثر ضرب أَو أثر سم (الْمُسلم الْبَالِغ الْحر) الْعَاقِل وَلَو سَفِيها أَو مسخوطاً ادّعى بذلك على ورع أَو زَوْجَة على زَوجهَا أَو ولد على أَبِيه أَنه ذبحه أَو شقّ بَطْنه (فلَان بدمي) أَي قتلني كَانَ فلَان كَافِرًا ذكرا أَو أُنْثَى حرا أَو عبدا مُسلما أَو ذِمِّيا صَبيا أَو بَالغا عَاقِلا أم لَا. هَذَا إِذا قَالَ: قتلني عمدا بل وَلَو قَالَ: قتلني خطأ فَيقسم الْأَوْلِيَاء ويستحقون الْقود أَو الدِّيَة، وَمَفْهُوم قتلني أَنه إِذا قَالَ: جرحني أَو قطع يَدي فَإِنَّهُ لَا قسَامَة وَهُوَ كَذَلِك مَا لم تكن بَينه وَبَين الْمُدعى عَلَيْهِ عَدَاوَة فَإِنَّهُ يحلف ويقتص كَمَا يَأْتِي فِي الْجراح. يَشْهَدُ عَدْلَانِ عَلَى اعْتِرَافِهِ وَصِفةُ التمييزِ مِنْ أَوْصَافِهِ (يشْهد عَدْلَانِ على اعترافه) أَي على قَوْله فلَان بدمي أَو قتلني وَيسْتَمر على إِقْرَاره، فَلَا

стр. 1258

قَالَ: قتلني فلَان بل فلَان بَطل الدَّم، وَكَذَا لَو قيل لَهُ من جرحك؟ فَقَالَ: لَا أعرفهُ، ثمَّ قَالَ: فلَان أَو قَالَ دمي عِنْد فلَان أَو فلَان على جِهَة الشَّك أَو دمي على جمَاعَة، ثمَّ أَبْرَأ بَعضهم أَو دمي على رجل ثمَّ دمي عَلَيْهِ وعَلى غَيره فَإِن تدميته سَاقِطَة كَمَا فِي الْبَيَان (و) الْحَال أَن (صفة التَّمْيِيز) وَقت اعترافه (من أَوْصَافه) فَلَا يقبل قَوْله مَعَ وجود اختلال فِي عقله وَلَو كَانَ بَالغا وَفهم من قَوْله الجريح إِن مقَالَة الَّذِي لَا أثر جرح فِيهِ وَلَا أثر ضرب وَلَا أَنه يتقيأ سما أَو يتنخم دَمًا لَا تقبل، وَهُوَ كَذَلِك على الْمَعْمُول بِهِ كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا لِأَنَّهَا تدمية بَيْضَاء، وَاعْتَمدهُ (خَ) حَيْثُ قَالَ: إِن كَانَ بِجرح. قَالُوا: وَعَلِيهِ فَلَا يسجن المدمي عَلَيْهِ قبل موت المدمى لِأَنَّهُ قد يتهم أَن يكون أَرَادَ سجنه بِدَعْوَاهُ، فَإِن مَاتَ سجن. وَقَالَ ابْن رحال: الْمَذْهَب قبُول التدمية الْبَيْضَاء لِأَنَّهُ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَبَعْضهمْ يَقُول: هُوَ ظَاهر الْمُدَوَّنَة. قَالَ ابْن مَرْزُوق: وَهُوَ الرَّاجِح نقلا ونظراً قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي للمقلد أَن يُفْتِي بِهِ ثمَّ قَالَ: ومداره على غَلَبَة الظَّن بِصدق المدمى كَمَا قَالَه الشاطبي. أَلا ترى إِذا غضب شرير شَأْنه الفتك على صَالح لأجل شَهَادَة عَلَيْهِ مثلا فَقَالَ الصَّالح: دمي عِنْد فلَان فَإِنَّهُ يقتل بِهِ لِأَن الْغَالِب على الصَّالح أَنه لَا يكذب عَلَيْهِ انْتهى. وَكله مَأْخُوذ من كَلَام اللَّخْمِيّ، وَنَصّ الْمَقْصُود مِنْهُ على نقل الأبي الْقَائِل بأعمال التدمية، وَإِن لم يظْهر لَهَا أثر. أصبغ: وَهُوَ ظَاهر إِطْلَاق الرِّوَايَات وَالْقَائِل بإلغائها حَتَّى يظْهر الْأَثر. ابْن كنَانَة وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيّ وَابْن رشد وَبِه الْعَمَل. قَالَ اللَّخْمِيّ: إِلَّا أَن يعلم أَنه قد كَانَ بَينهمَا قتال وَيلْزم الْفراش عقب ذَلِك، أَو كَانَ يتَصَرَّف تصرف مشتك عَلَيْهِ دَلِيل المرضى وَتَمَادَى بِهِ ذَلِك حَتَّى مَاتَ قَالَ: يَعْنِي الأبي وباختيار اللَّخْمِيّ هَذَا أَفْتيت اه. وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا يَأْتِي فِي الْجراح من أَن من ادّعى على شخص أَنه قطع يَده مثلا وَكَانَت بَينهمَا عَدَاوَة أَنه يحلف ويقتص مِنْهُ، وَهَذَا كُله مِمَّا يُقَوي قَول النَّاظِم: وَمَالك فِيمَا رَوَاهُ أَشهب. من أَنه يعْمل بِشَهَادَة غير الْعدْل على الْمَعْرُوف بالعداء، وَيُقَوِّي أَيْضا مُسْتَند الْعَمَل الْمُتَقَدّم فِي الْغَضَب وَالله أعلم. وَاحْترز بِالْمُسلمِ من الْكَافِر، وبالبالغ من الصَّبِي، وبالحر من العَبْد، وبالمميز من المختل الْعقل فَلَا عِبْرَة بتدميتهم وَكَيْفِيَّة وثيقتها عاين شهيداه يَوْم تَارِيخه فلَانا وبرأسه أَو يَده أَو جسده جرح مخوف مِمَّا لَا يَفْعَله الْمَرْء بِنَفسِهِ أَو أثر ضرب أَو يتقيأ سما أَو يتنخم دَمًا أَو بجسده نفخ، وأشهدهم أَن فلَانا أَصَابَهُ بذلك عمدا أَو خطأ، أَو أشهدهم أَن مَمْلُوك فلَان أَصَابَهُ بذلك بِأَمْر سَيّده فلَان وتحريضه عَلَيْهِ، وَقَوله لَهُ: اضْرِب اضْرِب اقْتُل اقْتُل وَأَنه يجد من ذَلِك ألم الْمَوْت فَمَتَى قضى الله بوفاته ففلان المؤاخذ بدمه أَو فلَان ومملوكه المؤاخذان بِهِ إشهاداً صَحِيحا عَارِفًا قدره وَهُوَ فِي صِحَة عقله وثبات ميزه وَمرض من ألم الْجرْح وطوع وَجَوَاز وعرفه وَعرف المدمى عَلَيْهِ وَفِي كَذَا بِأَن سقط مِنْهَا مُعَاينَة الْجرْح الْمَذْكُور وَمَا مَعَه أَو لم يقل مخوف مِمَّا لَا يَفْعَله الْمَرْء بِنَفسِهِ الخ. فَإِنَّهَا تدمية بَيْضَاء لِأَن الْجرْح الْخَفِيف لَا يعْتَبر، وَقد علمت مَا فِي الْبَيْضَاء من الْخلاف، وَالرَّاجِح أَعمالهَا فِي هَذِه الْأَزْمِنَة لغَلَبَة الْفساد كَمَا مر، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت بَينهمَا عَدَاوَة. وَقَوْلِي: وأشهدهم الخ.

стр. 1259

لَا مَفْهُوم لَهُ بل وَكَذَلِكَ إِذا لم يشهدهم وَإِنَّمَا قَالُوا سمعنَا مِنْهُ ذَلِك يحكيه للْغَيْر كَمَا هُوَ ظَاهر قَوْله: يشْهد عَدْلَانِ على اعترافه، وَقَوله: أَو بمقالة الجريح، وَقَول (خَ) : كَأَن يَقُول بَالغ حر الخ. وَقَوله: عمد أَو خطأ لَا مَفْهُوم لَهُ أَيْضا، بل كَذَلِك إِذا لم يبين عمدا وَلَا خطأ فَإِن أولياءه يبينون ويقسمون على مَا بينوا فيستحقون كَمَا قَالَ (خَ) أَو أطلق وبينوا لَا خالفوا أَي لَا إِن قَالَ عمدا وَقَالُوا هم خطأ أَو بِالْعَكْسِ، فَتبْطل التدمية. وَقَوْلِي: بِأَمْر سَيّده احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم يقل ذَلِك فَإِن السَّيِّد لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقَوله: اضْرِب اضْرِب الخ. زِيَادَة تَأْكِيد وإلاَّ فَقَوله بِأَمْر سَيّده كَاف فِي مُؤَاخذَة سَيّده (خَ) وكأب أَو معلم أَمر ولدا صَغِيرا أَو سيد أَمر عبدا مُطلقًا الخ. وَهَذَا وَإِن كَانَ فِي الثَّالِث أمره لَهُ بِالْبَيِّنَةِ فالتدمية كَذَلِك لِأَنَّهَا هَهُنَا قَائِمَة مقَام الْبَيِّنَة. وَقَوله: وَأَنه يجد من ذَلِك ألم الْمَوْت إِلَى قَوْله إشهاداً صَحِيحا الخ. كُله إِن سقط من الرَّسْم لم يضر، وَكَذَا قَوْله عَارِفًا قدره لِأَنَّهُ مَحْمُول على مَعْرفَته، وَكَذَا قَوْله وَهُوَ فِي صِحَة عقله إِلَى قَوْله وَجَوَاز الخ. لِأَنَّهُ مَحْمُول على ثبات الْعقل والطوع وَالْجَوَاز حَتَّى يثبت اختلال عقله وإكراهه، وَأما السَّفِيه فَإِنَّهُ يعْمل بتدميتة، وَقَوله: وعرفه احْتِرَازًا مِمَّا إِذا سَقَطت الْمعرفَة والتعريف وَالْوَصْف فَإِن كَانَ الشَّاهِد مَعْرُوفا بالضبط والتحفظ صحت وَإِلَّا سَقَطت، والا أَن تكون على مَشْهُور مَعْرُوف كَمَا مّر. قَوْله: وَعرف المدمى عَلَيْهِ لَا يضر سُقُوطه إِذا وَصفه بصفاته الَّتِي يتَمَيَّز بهَا كَمَا يَأْتِي آخر الْبَاب فِي قَوْله: وسوغت قسَامَة الْوُلَاة الخ. فَإِن لم يصفه فَلَا يضر أَيْضا لِأَن الأَصْل أَنه هُوَ حَتَّى يثبت من يُشَارِكهُ فِي الْبَلَد فِي اسْمه وَنسبه (خَ) آخر الْقَضَاء: وَإِن لم يُمَيّز فَفِي أعدائه أَو لَا حَتَّى تثبت أحديته قَولَانِ. أرجحهما أعداؤه وَعَلِيهِ إِثْبَات أَن هُنَاكَ من يُشَارِكهُ وَسُقُوط التَّارِيخ لَا يضر أَيْضا كَمَا مر أول الْكتاب، ثمَّ إِن الْأَوْلِيَاء لَا يمكنون من الْقسَامَة فِي هَذَا الْمِثَال، وَفِي غَيره حَيْثُ لم يحضر جسده حَتَّى يثبت موت المدمى كَمَا قَالَ (خَ) إِن ثَبت الْمَوْت، وَيَأْتِي قَول النَّاظِم أَيْضا بعد ثُبُوت الْمَوْت الخ. وَيكْتب فِيهِ عاين شهيداه يَوْم كَذَا فلَانا المدمى بمحوله أَو أَعْلَاهُ مَيتا أَو تَقول يعرف شُهُوده فلَانا معرفَة تَامَّة لعَينه واسْمه وَنسبه، وَمَعَهَا يشْهدُونَ بِأَنَّهُ توفّي من الْجرْح الَّذِي دمي بِهِ على فلَان قبل أَن يظْهر بُرْؤُهُ وتتبين إِفَاقَته، وَفِي كَذَا فَإِن سقط من الرَّسْم قبل أَن يظْهر بُرْؤُهُ الخ. لم يضر لِأَن الأَصْل الِاسْتِصْحَاب حَتَّى يثبت بُرْؤُهُ وهم إِنَّمَا عَلقُوا الحكم بالقسامة على ثُبُوت الْمَوْت لَا على كَونه قبل الْبُرْء، وَقَول صَاحب الْمُفِيد من تَمام الشَّهَادَة أَن يَقُولُوا إِن الجريح لم يفق من جرحه فِي علمهمْ الخ. إِنَّمَا يَعْنِي من تَمامهَا على وَجه الْكَمَال لَا على وَجه الشّرطِيَّة بِدَلِيل قَول ابْن مغيث وَغَيره: إِذا ثبتَتْ صِحَة المدمى سَقَطت التدمية وَبِه الْفتيا فَقَوله: إِذا ثبتَتْ الخ. صَرِيح فِي أَنه إِذا لم تثبت فَيبقى الْأَمر على حَاله. ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى خَامِس الْأُمُور الَّتِي ينشأ عَنْهَا اللوث فَقَالَ عاطفاً على: بمقالة الجريح أَو على بِعدْل شَاهد بِمَا طلب. أَو بقتيلٍ مَعَهُ قد وُجِدَا مَنْ أَثَرُ الْقَتْلِ عليهِ قَدْ بَدَا (أَو بقتيل) من نَعته وَصفته (مَعَه قد وجدا من) بِفَتْح الْمِيم مَوْصُول نَائِب فَاعل وجد (أثر

стр. 1260

الْقَتْل) مُبْتَدأ وَجُمْلَة (عَلَيْهِ قد بدا) خَبره، وَالْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر صلَة من وَمَعَهُ يتَعَلَّق بوجد، وَالتَّقْدِير أَو بمقتول قد وجد مَعَه الشَّخْص الَّذِي أثر الْقَتْل قد بدا عَلَيْهِ، وَهَذَا نَحْو قَول الْجلاب إِن وجد قَتِيل وبقربه رجل مَعَه سيف أَو عَلَيْهِ شَيْء من دم أَو عَلَيْهِ أثر الْقَتْل فَهُوَ لوث (خَ) عاطفاً على مَا يُوجب اللوث أَو رَآهُ أَي الْعدْل الْوَاحِد أَو العدلان يَتَشَحَّط فِي دَمه وَالْمُتَّهَم قربه وَعَلِيهِ أَثَره الخ. أَي: أَو خَارِجا من مَكَان الْمَقْتُول وَلم يُوجد فِيهِ غَيره وَلَا مَفْهُوم لقَوْله يَتَشَحَّط كَمَا يفِيدهُ مرَّ عَن الْجلاب، وَقيل لَيْسَ ذَلِك بلوث، وَبِه قَالَ ابْن زرب، وَأفْتى بِهِ ابْن عتاب قَالَ ابْن سهل: وَبِه جرى الْعَمَل، وَبِه أفتى سَيِّدي إِبْرَاهِيم الجلالي حَسْبَمَا فِي أول الدِّمَاء من العلمي لَكِن اقْتِصَار (خَ) وَابْن الْحَاجِب على الأول يشْعر بِأَن ذَلِك الْعَمَل قد نسخ وَصَارَ الْعَمَل على خِلَافه إِذْ لَو كَانَ ذَلِك الْعَمَل مستمراً مَا صَحَّ لَهما إهماله وَعدم ذكره فَلَا تغتر بِالْعَمَلِ الْمَذْكُور، وَلَا بِمَا أفتى بِهِ الجلالي تبعا لِابْنِ عتاب وَالله أعلم. وَفِي ابْن سهل عَن مَالك وَابْن الْقَاسِم فِي رجلَيْنِ شَهدا أَنه مر بهما ثَلَاثَة رجال يحملون خَشَبَة وَمَعَهُمْ صبي هُوَ ابْن لأَحَدهم، فَلَمَّا غَابُوا عَنْهُمَا سمعا وَقع الْخَشَبَة فِي الأَرْض وبكاء الصَّبِي فاتبعاهم فوجدا الْخَشَبَة فِي الأَرْض وَالصَّبِيّ يَمُوت فِي حجر أَبِيه وَمَات من سَاعَته قَالَ: هِيَ شَهَادَة قَاطِعَة تجب فِيهَا الدِّيَة على عواقلهم وَإِن لم يشْهدُوا بالمعاينة. قَالَ ابْن الْقَاسِم: وَمثله لَو شَهدا أَنَّهُمَا رَأيا رجلا خرج من دَار فِي حَال رِيبَة فاستنكراه فدخلا الدَّار من ساعتهما فواجدا قَتِيلا يسيل دَمه وَلَا أحد فِي الدَّار غير الْخَارِج فَهِيَ شَهَادَة قَاطِعَة، وَإِن لم تكن على المعاينة يَعْنِي يثبت الدَّم فِيهَا بِدُونِ قسَامَة. وَبَقِي على النَّاظِم مِثَال سادس، وَهُوَ أَن يشْهد شَاهِدَانِ بمعاينة جرح أَو ضرب لحر مُسلم أَو غَيرهمَا، سَوَاء وجدا أثر الْجرْح وَالضَّرْب أم لَا. ثمَّ يتَأَخَّر الْمَوْت عَن كَلَامه أَو أكله أَو شربه فَيقسم الْأَوْلِيَاء لمن ضربه أَو جرحه مَاتَ ويستحقون الدَّم أَو الدِّيَة فِي الْخَطَأ، وَفِي غير المكافىء وَلَهُم أَن يتْركُوا الْقسَامَة ويقتصون من الْجَارِح فِي الْعمد وَيَأْخُذُونَ دِيَته فِي الْخَطَأ. وَمِثَال سَابِع، وَهُوَ أَن يشْهد شَاهد وَاحِد على إِقْرَار الْقَاتِل بِالْقَتْلِ عمدا إِلَّا أَن شهد على إِقْرَاره خطأ فَلَيْسَ بلوث لِأَن الْعَاقِلَة لَا تحمل الِاعْتِرَاف على الْمُعْتَمد وَتَكون الدِّيَة فِي مَاله، نعم إِن شهد شَاهد بِإِقْرَارِهِ فِي الْخَطَأ وَشهد آخر بمعاينة الْقَتْل خطأ فلوث فيقسمون ويستحقون الدِّيَة على الْعَاقِلَة، وَهَذِه الْأَمْثِلَة كلهَا فِي (خَ) مَا عدا اللفيف وَغير الْعدْل. وَيُزَاد أَيْضا مِثَال ثامن، وَهُوَ السماع الفاشي بِأَنَّهُم قَتَلُوهُ كَمَا مّر فِي الشَّهَادَات وَأما مَا فِي (م) من زِيَادَة مِثَال شَاهد على الإجهاز أَي الْقَتْل أَو على مُعَاينَة الضَّرْب، ثمَّ يَمُوت بعد أَيَّام فَهُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ بالمثال الأول فِي النّظم، وَكَذَا مَا زَاده (ت) من قَوْله: وكشاهد بذلك أَي بالمعاينة إِن ثَبت الْمَوْت الخ. فَإِنَّهُ مُسْتَغْنى عَنهُ إِذْ هُوَ

стр. 1261

دَاخل فِي الْمِثَال الأول أَيْضا، وَأما قَوْله: إِن ثَبت الْمَوْت فَهُوَ شَرط فِي جَمِيع أَمْثِلَة اللوث كَمَا مر. وَهْيَ بخَمْسِينَ يَمِينا وُزِّعَتْ عَلَى الذّكُورِ وَلأُنْثَى مُنِعَتْ (وَهِي) أَي الْقسَامَة (بِخَمْسِينَ يَمِينا) الْبَاء زَائِدَة وَلَو حرك الْهَاء لاستغنى عَنْهَا (وزعت على الذُّكُور) الْمُكَلّفين من الْأَوْلِيَاء إِن كَانُوا أقل من خمسين كولدين فَيحلف كل مِنْهُمَا خمْسا وَعشْرين، فَإِن انْكَسَرت كثلاثة بَنِينَ حلف كل وَاحِد مِنْهُم سَبْعَة عشر، وَكَذَا لَو كَانُوا ثَلَاثِينَ أَخا فَإِنَّهُ يجب لكل وَاحِد يَمِين وَثُلُثَانِ فَيحلف كل وَاحِد يمينين فَإِن قَالُوا: يحلف عشرُون منا يمينين لكل وَاحِد وَعشرَة يَمِينا لكل وَاحِد لم يمكنوا من ذَلِك على الْأَصَح، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا جبرها على أَكثر كسرهَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى ذَلِك فِي الْخَطَأ لِأَنَّهُ يحلفها كل من يَرث وَإِن وَاحِدًا أَو امْرَأَة وَفهم من قَوْله: وزعت أَنهم إِذا كَانُوا أَكثر من خمسين لَا توزع بل يَكْتَفِي بِحلف الْخمسين وَهُوَ كَذَلِك، وَإِذا كَانَ الْعصبَة خمسين أَو أقل أَو أَكثر فطاع إثنان يحلف جَمِيع الْأَيْمَان فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بذلك (خَ) : واجتزى بِاثْنَيْنِ طاعا من أَكثر. (ولأنثى منعت) فَلَا تحلف شَيْئا من أيمانها لِأَن الْحلف شَهَادَة وَالْأُنْثَى لَا تشهد فِي الْعمد، وَظَاهر أَن الْعصبَة يحلفونها وَإِن لم يرثوا بِأَن حجبهم ذَوُو الْفُرُوض وَهُوَ كَذَلِك فَإِن لم يُوجد للمقتول عاصب وَلَو من الموَالِي الأعلين صَار الْمَقْتُول بِمَنْزِلَة من لَا وَارِث لَهُ فَترد الْإِيمَان على المدمى عَلَيْهِ فَإِن حَلفهَا ضرب مائَة وَحبس عَاما وَإِلَّا حبس حَتَّى يحلف وَلَو طَال سجنه، ثمَّ إِنَّهُم إِنَّمَا يمكنون من الْقسَامَة حَيْثُ كَانَت الشَّهَادَة بِأَنَّهُ ضربه أَو جرحه وَتَأَخر مَوته وَلم يُوجد جسده حَيا وَلَا مَيتا. بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ وَالْوُلَاةِ وَيَحْلِفُونَهَا عَلَى البَتَاتِ (بعد ثُبُوت الْمَوْت) كَمَا مّر لاحْتِمَال كَونه حَيا. وَقَوْلِي: ضربه الخ. احْتِرَازًا مِمَّا إِذا شهد شَاهد وَاحِد على مُعَاينَة قَتله أَو على إِقْرَاره بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج لثُبُوت الْمَوْت وَإِن رَجَعَ عَن إِقْرَاره لِأَنَّهُ ثَابت بِمَا ذكر (و) بعد ثُبُوت (الْوُلَاة) وَأَنَّهُمْ عصبته المستحقون لدمه فَحِينَئِذٍ يمكنون مِنْهَا (ويحلفونها) وَلَاء (على الْبَتَات) لَا على نفي الْعلم (خَ) وَهِي خَمْسُونَ يَمِينا مُتَوَالِيَة بتاً وَإِن أعمى أَو غَائِبا الخ. وَذَلِكَ لِأَن أَسبَاب الْعلم تحصل بِالسَّمَاعِ وَالْخَبَر كَمَا تحصل بالمعاينة فيعتمد كل وَاحِد مِنْهُم على ذَلِك ويبت الْيَمين (خَ) : وَاعْتمد البات على ظن قوي الخ. فَفِي الشَّاهِدين بمعاينة الضَّرْب أَو الْجرْح، ثمَّ يتَأَخَّر الْمَوْت يقسمون لمن ضربه أَو جرحه مَاتَ وَفِي الشَّاهِد لوَاحِد بذلك

стр. 1262

يقسمون لقد ضربه وَلمن ضربه مَاتَ فِي كل يَمِين من الْخمسين، فَإِن شهد الْوَاحِد بمعاينة الْقَتْل فيقسمون لقد قَتله كَمَا مّر فِي الْمِثَال الأول، ثمَّ إِذا كَانَ الْقَتْل خطأ فَيحلف كل وَارِث مِنْهُم جَمِيع حَظه وَلَو قبل حلف أَصْحَابه، وَمن نكل سقط حَظه من الدِّيَة، وأمّا فِي الْعمد فَيحلف هَذَا يَمِينا وَهَذَا يَمِينا فَإِذا كَانُوا عشرَة حلف كل وَاحِد مِنْهُم يَمِينا يَمِينا ثمَّ تُعَاد فَيحلف كل وَاحِد كَذَلِك، وَهَكَذَا لِأَنَّهُ فِي الْعمد إِذا نكل وَاحِد بَطل الدَّم فتذهب أَيْمَان من حلف بَاطِلا. تَنْبِيهَانِ. الأول: إِذا قتل الْأَوْلِيَاء الْقَاتِل قبل الْقسَامَة فَهَل يقتلُون وَهُوَ الَّذِي فِي ابْن عَرَفَة عَن ابْن الْمَوَّاز لأَنهم قتلوا قبل أَن يستحقوا، أَو يمكنون من الْقسَامَة فَإِن نكلوا قتلوا حِينَئِذٍ، وَبِه أفتى المجاصي وَمن وَافقه، وَهُوَ الظَّاهِر من كَلَام ابْن عَرَفَة آخرا وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَاده كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَام العلمي فِي نوازله. الثَّانِي: لَو صَالح الْعصبَة على مَال بعد الْقسَامَة وَالْحَال أَنهم محجوبون بذوي الْفُرُوض، فَإِن مَا وَقعت الْمُصَالحَة بِهِ يكون مِيرَاثا بعد أَن تقضى بِهِ دُيُونه وَلَا شَيْء للْعصبَةِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: مَا أَخذ فِي صلح الْعمد تقضى بِهِ دُيُون الْمَقْتُول وَبَاقِيه يُورث على فَرَائض الله وَنَحْوه فِي أَوَائِل الدِّمَاء من العلمي، وَهَذَا ظَاهر إِذا لم يكن الْعصبَة اشترطوا على الْوَرَثَة أَنهم إِنَّمَا يصالحون إِذا أسهموهم من مَال الصُّلْح قدرا مَعْلُوما وإلاَّ فَيعْمل على شرطهم لأَنهم إِنَّمَا تركُوا قَتله حِينَئِذٍ لمَال يأخذونه فيوصى لَهُم بذلك وَالله أعلم. وَتُقْلَبُ الأَيْمَانُ مهما نَكَلَا وَليُّ مَقْتُولٍ عَلَى مَنْ قَتَلَا (وتقلب الْأَيْمَان) أَي أَيْمَان الْقسَامَة (مهما نكلا ولي مقتول) أَي نكلوا كلهم وهم فِي دَرَجَة وأحدة أَو بَقِي وَاحِد مِنْهُم وَلم يجد معينا يَسْتَعِين بِهِ عَلَيْهَا (على من قتلا) أَي تقلب على الْمُدعى عَلَيْهِ، فَإِن كَانُوا جمَاعَة حلف كل وَاحِد مِنْهُم خمسين يَمِينا فَمن حَلفهَا برىء من الْقَتْل وَضرب مائَة وَحبس عَاما، وَمن نكل حبس حَتَّى يحلف وَلَو طَال سجنه على الْمَشْهُور (خَ) : ونكول الْمعِين غير مُعْتَبر بِخِلَاف غَيره وَلَو بعدوا، فَترد على الْمُدعى عَلَيْهِم وَيحلف كل خمسين يَمِينا وَمن نكل حبس حَتَّى يحلف وَلَا استعانة الخ. وَقيل لَهُ أَن يَسْتَعِين فَيحلف مَعَه عصبته كَمَا يَسْتَعِين ولي الْمَقْتُول بعصبته على مَا يَأْتِي، وَقَوْلِي: وَلم يجد معينا يَسْتَعِين بِهِ عَلَيْهَا الخ. إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يبطل الدَّم بنكول الْبَعْض لِأَن نُكُوله قد يكون على وَجه التورع عَن الْأَيْمَان فِي الْغَالِب فللباقي أَن يحلف إِن كَانَ مُتَعَددًا وَإِن كَانَ وَاحِدًا فيستعين بعصبته وَلَا يبطل حَقه كَمَا جزم بِهِ (ت) تبعا

стр. 1263

للشراح خلافًا لما فِي ابْن رحال من أَنه يبطل بنكول الْبَعْض، وَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال وَلَكِن الَّذِي يجب اعْتِمَاده هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم. وَيَحْلِفُ اثنانِ بهَا فَمَا عَلَا وَغَيْرُ وَاحِدٍ بهَا لَنْ يُقْتَلَا (وَيحلف اثْنَان بهَا) أَي فِي قسَامَة الْعمد (فَمَا علا) أَي فَمَا زَاد عَلَيْهِمَا (خَ) : وَلَا يحلف فِي الْعمد أقل من رجلَيْنِ عصبَة من نسب الْقَتِيل وَإِن لم يرثوا بِأَن حجبهم ذَوُو الْفُرُوض كَمَا مّر فَإِن لم يوجدوا فمواليه الذُّكُور الأعلون لأَنهم عصبَة، وَإِنَّمَا لم يحلف أقل من رجلَيْنِ لِأَن ذَلِك كَالشَّهَادَةِ وَهُوَ لَا يقتل بِأَقَلّ من شَاهِدين، وَلذَلِك لَا يحلفها النِّسَاء لِأَنَّهُنَّ لَا يشهدن فِي الْعمد فَإِن لم يُوجد عاصب أصلا فَترد الْأَيْمَان على الْمُدعى عَلَيْهِ كَمَا مر. فَتحصل أَن الْأَيْمَان تقلب فِيمَا إِذا لم يُوجد عاصب أصلا وَفِيمَا إِذا وجدوا، وَلَكِن نكلوا عَنْهَا أَو عَن بَعْضهَا فَإِن وجد عاصب وَاحِد فَلهُ أَن يَسْتَعِين عَلَيْهَا بعصبة نَفسه، وَإِن لم يَكُونُوا عصبَة للمقتول كامرأة مقتولة لَيْسَ لَهَا غير ابْنهَا وَله أخوة من أَبِيه فيستعين بهم أَو بِوَاحِد مِنْهُم أَو بِعَمِّهِ، ثمَّ إِذا نكل هَذَا الْمُسْتَعَان بِهِ فنكوله غير مُعْتَبر (خَ) : وللولي الِاسْتِعَانَة بعاصبه إِلَى قَوْله ونكول الْمعِين غير مُعْتَبر الخ. يَعْنِي وَينظر الْوَلِيّ من يَسْتَعِين بِهِ غير هَذَا الناكل فَإِن لم يجد ردَّتْ الْأَيْمَان كَمَا مر. (وَغير وَاحِد بهَا) أَي الْقسَامَة (لن يقتلا) فَإِذا قَامَ اللوث على جمَاعَة أَو قَالَ دمي عِنْدهم أَو قَامَت بَيِّنَة بِالسَّمَاعِ الفاشي أَنهم قَتَلُوهُ فَالْمَشْهُور أَنهم يقسمون على وَاحِد مِنْهُم يعينونه لَهَا وَيَقُولُونَ لقد قَتله أَو لمن ضربه أَو جرحه مَاتَ وَلَا يَقُولُونَ لقد قَتَلُوهُ أَو لمن ضَربهمْ أَو جرحهم مَاتَ (خَ) : وَوَجَب بهَا الدِّيَة فِي الْخَطَأ والقود فِي الْعمد من وَاحِد يعين لَهَا الخ. وَقَالَ أَشهب: يقسمون على جَمِيعهم ثمَّ يختارون وَاحِدًا للْقَتْل: قلت: وَهُوَ أظهر لِأَن الْأَوْلِيَاء تَارَة يتَرَجَّح لَهُم الْأَقْوَى فعلا فيقسمون عَلَيْهِ، وَتارَة لَا يتَرَجَّح لَهُم فيقسمون على الْجَمِيع لِئَلَّا يحلفوا غموساً، وَالْمَشْهُور يَقُول فِي هَذِه إِمَّا أَن يحلفوا غموساً أَو يبطل حَقهم فَلَزِمَ عَلَيْهِ أَنه تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح مَعَ لُزُوم الْغمُوس أَو إهدار دم الْمَقْتُول، وَأَشْهَب لَا يلْزمه إلاَّ التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَالله أعلم. وعَلى الْمَشْهُور لَو قدم وَاحِد مِنْهُم للْقَتْل بعد الْقسَامَة عَلَيْهِ بِعَيْنِه فَأقر غَيره بِأَنَّهُ الَّذِي قَتله خير الْأَوْلِيَاء فِي قتل وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا يمكنون من قَتلهمَا مَعًا قَالَه ابْن الْقَاسِم فِي الْمُوازِية والمجموعة. ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه لَا قسَامَة فِي غير الْحر الْمُسلم وَفِي غير مُحَقّق الْحَيَاة فَقَالَ:

стр. 1264

وَلَيْسَ فِي عبْدٍ وَلَا جَنينِ قَسَامَةٌ وَلَا عَدُوِّ الدِّينِ (وَلَيْسَ فِي) قتل (عبد وَلَا جَنِين قسَامَة وَلَا) فِي قتل (عَدو الدّين) من ذمِّي أَو معاهد وَلَا فِي جرح فَإِذا قَالَ العَبْد أَو الْكَافِر: دمي عِنْد فلَان أَو قَالَت الْمَرْأَة: جنيني عِنْد فلَان فَيحلف الْمُدعى عَلَيْهِ يَمِينا وَاحِدَة وَيبرأ وَكَذَا إِن قَالَ شخص: جرحني فلَان فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ يحلف لرد دَعْوَاهُ مَا لم تكن تقدّمت بَينهمَا عَدَاوَة على مَا يَأْتِي فِي فصل الْجراح، فَإِن قَامَ شَاهد وَاحِد على مُعَاينَة قتل العَبْد أَو ضرب الْمَرْأَة أَو على إِقْرَار الْقَاتِل أَو الضَّارِب بذلك أَو شَهَادَة سَماع على ذَلِك وَنَحْو ذَلِك من أَمْثِلَة اللوث حلف سيد العَبْد يَمِينا وَاحِدَة وَأخذ قِيمَته وَولي الْكَافِر وَأخذ دِيَته وَلَو من كَافِر مكافىء للمقتول ووارث الْجَنِين وَأخذ غرته، وَإِن نكلوا حلف الْقَاتِل وَاحِدَة أَيْضا وبرىء فَإِن ثَبت ضرب الْمَرْأَة حَتَّى أَلْقَت جَنِينهَا بِشَاهِد وَاحِد وَمَاتَتْ كَانَت الْقسَامَة فِي الْمَرْأَة وَيَمِين وَاحِدَة مَعَ الشَّاهِد فِي الْجَنِين، إِذْ لَا مدْخل للقسامة فِي الْجَنِين، وَكَذَلِكَ فِي الْجرْح يحلف مَعَ شَاهده وَاحِدَة ويقتص فِي الْعمد وَيَأْخُذ الدِّيَة فِي الْخَطَأ. (خَ) : وَمن أَقَامَ شَاهدا على جرح أَو قتل كَافِر أَو عبد أَو جَنِين حلف وَاحِدَة وَأخذ الدِّيَة يَعْنِي: واقتص فِي جرح الْعمد وَإِن نكل برىء الْجَارِح وَمن مَعَه إِن حلف وَإِلَّا يحلف غرم فِي الصُّور كلهَا مَا عدا جرح الْعمد فَإِنَّهُ يحبس حَتَّى يحلف. والقوَدُ الشَّرْطُ بهِ المُثْلِيَّه فِي الدَّمِ بالإسْلامِ وَالحُرِّيَّهْ (والقود) وَهُوَ الْقصاص سمي قوداً لِأَن الْعَرَب كَانَت تقود الْجَانِي بِحَبل وتسلمه لوَلِيّ الدَّم (الشَّرْط) مُبْتَدأ ثَان (بِهِ) أَي فِيهِ (المثلية) خبر عَن الثَّانِي وهما خبران عَن الأول (فِي الدَّم) يتَعَلَّق بِالشّرطِ (بِالْإِسْلَامِ) الْبَاء بِمَعْنى فِي يتَعَلَّق بالمثلية (وَالْحريَّة) مَعْطُوف على الْإِسْلَام وَالتَّقْدِير: والقود فِي الدَّم أَي الْقَتْل شَرط فِيهِ زِيَادَة على شَرْطِيَّة التَّكْلِيف الْمُتَقَدّمَة المثلية فِي الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام من حِين السَّبَب أَي الرَّمْي إِلَى حِين الْمُسَبّب أَي الْمَوْت. وَتقدم أَن من جملَة الشُّرُوط أَن يكون الْقَاتِل غير حَرْبِيّ فَلَا يقتل حَرْبِيّ بِمُسلم وَلَا مُسلم وَلَو عبدا بِكَافِر وَلَو حرا كذمي وَلَا حر مُسلم برقيق وَلَو مُسلما، وَكَذَا لَو رمى عبد رَقِيقا مثله فِي الدّين فَعتق الرَّامِي قبل موت المرمى لم يقتل بِهِ لزِيَادَة الرَّامِي بِالْحُرِّيَّةِ حِين الْمُسَبّب أَي الْمَوْت وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَته، وَلَو رمى حَرْبِيّ مُسلما ثمَّ صَار الرَّامِي من أهل الْإِسْلَام أَو أهل الذِّمَّة ثمَّ مَاتَ المرمى لم يقتل بِهِ لِأَنَّهُ حَرْبِيّ حِين السَّبَب وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَو رمى حر ذمِّي عبدا ذِمِّيا ثمَّ حَارب الرَّامِي فَأخذ واسترق ثمَّ مَاتَ المرمى لم يقتل بِهِ لزِيَادَة الرَّامِي حِين السَّبَب عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ وَإِن ساواه حِين الْمَوْت، وَكَذَا لَو رمى مُسلم كَافِرًا أَو مُرْتَدا فَأسلم قبل وُصُول الرَّمية إِلَيْهِ ثمَّ وصلته لم يقتل لزِيَادَة الرَّامِي عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ حِين السَّبَب

стр. 1265

وَإِن ساواه حِين الْقَتْل، وَعَلِيهِ دِيَة مُسلم عِنْد ابْن الْقَاسِم كمن رمى صيدا وَهُوَ حَلَال فَلم تصل الرَّمية إِلَيْهِ حَتَّى أحرم فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ. (خَ) : إِن أتلف مُكَلّف وَإِن رق غير حَرْبِيّ وَلَا زَائِدَة حريَّة أَو إِسْلَام حِين الْقَتْل فالقود الخ. وَاحْترز النَّاظِم بقوله فِي الدَّم أَي فِي الْقَتْل من الْجرْح فَإِنَّهُ لَا يقْتَصّ من الْأَدْنَى للأعلى كَمَا يَأْتِي فِي فَصله إِن شَاءَ الله. وَقَتْلُ مُنْحَطٍ مَضَى بالعالِي لَا العكْسُ والنساءُ كالرِّجَالِ (وَقتل منحط مضى بالعالي) فَيقْتل العَبْد الْمُسلم بِالْحرِّ الْمُسلم، وَكَذَا الْكَافِر بِالْمُسلمِ وَلَو عبدا لِأَنَّهُ أشرف مِنْهُ (لَا لعكس) أَي لَا يقتل العالي بالمنحط عَنهُ لعدم وجود المثلية فَهُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ لِأَنَّهُ اشْترط فِي الْقود أَن يماثله من حِين السَّبَب أَي الرَّمْي إِلَى حِين الْمُسَبّب أَي الْمَوْت، فَإِذا كَانَ أَعلَى مِنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ أَو الْإِسْلَام حِين السَّبَب أَو الْمُسَبّب لم يقتل بِهِ كَمَا مر فِي الْأَمْثِلَة، وَيفهم من هَذَا أَنه إِذا حدث الْعُلُوّ بِالْإِسْلَامِ وَالْحريَّة بعدهمَا أَي السَّبَب والمسبب لم يسْقط الْقصاص فَإِذا قتل عبد مثله أَو كَافِر مثله ثمَّ أسلم الْكَافِر أَو أعتق العَبْد فَلَا يسْقط الْقصاص لِأَن الْمَانِع إِذا حصل بعد ترَتّب الحكم لَا أثر لَهُ (خَ) : وَلَا يسْقط الْقَتْل عِنْد الْمُسَاوَاة بزوالها بِعِتْق أَو إِسْلَام الخ. وَمثل الْقَتْل الْجرْح فَإِذا قطع رِجل أَو يَد حر مُسلم ثمَّ ارْتَدَّ المقطوعة يَده فالقصاص، وَيفهم أَيْضا من حصره الْعُلُوّ فِي الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام أَنه لَا علو إِلَّا بهما، وَهُوَ كَذَلِك إِذْ لَا أثر لعلو بشرف وَفضل أَو عَدَالَة أَو سَلامَة أَعْضَاء أَو رجولية، بل يقتل الشريف بالمشروف وَالْعدْل بالفاسق وَالصَّحِيح بالمريض وبالأعمى والمقطوع وَالرجل بِالْمَرْأَةِ كَمَا قَالَ: (وَالنِّسَاء كالرجال) وَكَذَا لَا أثر للعدد أَيْضا فَتقْتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ (خَ) : وَقتل الْأَدْنَى بالأعلى كحر كتابي بِعَبْد مُسلم وَالْكفَّار بَعضهم بِبَعْض من كتابي ومجوسي وَمُؤمن كذوي الرّقّ وَذكر وصحيح وضديهما الخ. فَقَوله: وَالْكفَّار الخ. أَي لِأَن الْكفْر كُله مِلَّة وَاحِدَة فَيقْتل الْكِتَابِيّ بالمجوسي وَالْمُؤمن بِغَيْرِهِ، وَقَوله: كذوي الرّقّ أَي وَلَو كَانَ الْقَاتِل ذَا شَائِبَة فَإِنَّهُ يقتل بِمن لَا شَائِبَة فِيهِ، وَقَوله وضديهما أَي ضد الذّكر الْمَرْأَة وضد الصَّحِيح السقيم فَيقْتل الرجل بِالْمَرْأَةِ وَالصَّحِيح بالمريض، وَقَالَ أَيْضا: وَيقتل الْجمع بِوَاحِد والمتمالئون وَإِن بِسَوْط سَوط والمتسبب مَعَ الْمُبَاشر الخ. وَالشّرطُ فِي المقْتُولِ عِصمَةُ الدَّمِ زِيادةٌ لِشَرْطِهِ الْمُسْتَقْدَمِ
следующие страницы →