Полный текст (1 359 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
دَاخل فِي الْمِثَال الأول أَيْضا، وَأما قَوْله: إِن ثَبت الْمَوْت فَهُوَ شَرط فِي جَمِيع أَمْثِلَة اللوث كَمَا مر. وَهْيَ بخَمْسِينَ يَمِينا وُزِّعَتْ عَلَى الذّكُورِ وَلأُنْثَى مُنِعَتْ (وَهِي) أَي الْقسَامَة (بِخَمْسِينَ يَمِينا) الْبَاء زَائِدَة وَلَو حرك الْهَاء لاستغنى عَنْهَا (وزعت على الذُّكُور) الْمُكَلّفين من الْأَوْلِيَاء إِن كَانُوا أقل من خمسين كولدين فَيحلف كل مِنْهُمَا خمْسا وَعشْرين، فَإِن انْكَسَرت كثلاثة بَنِينَ حلف كل وَاحِد مِنْهُم سَبْعَة عشر، وَكَذَا لَو كَانُوا ثَلَاثِينَ أَخا فَإِنَّهُ يجب لكل وَاحِد يَمِين وَثُلُثَانِ فَيحلف كل وَاحِد يمينين فَإِن قَالُوا: يحلف عشرُون منا يمينين لكل وَاحِد وَعشرَة يَمِينا لكل وَاحِد لم يمكنوا من ذَلِك على الْأَصَح، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا جبرها على أَكثر كسرهَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى ذَلِك فِي الْخَطَأ لِأَنَّهُ يحلفها كل من يَرث وَإِن وَاحِدًا أَو امْرَأَة وَفهم من قَوْله: وزعت أَنهم إِذا كَانُوا أَكثر من خمسين لَا توزع بل يَكْتَفِي بِحلف الْخمسين وَهُوَ كَذَلِك، وَإِذا كَانَ الْعصبَة خمسين أَو أقل أَو أَكثر فطاع إثنان يحلف جَمِيع الْأَيْمَان فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بذلك (خَ) : واجتزى بِاثْنَيْنِ طاعا من أَكثر. (ولأنثى منعت) فَلَا تحلف شَيْئا من أيمانها لِأَن الْحلف شَهَادَة وَالْأُنْثَى لَا تشهد فِي الْعمد، وَظَاهر أَن الْعصبَة يحلفونها وَإِن لم يرثوا بِأَن حجبهم ذَوُو الْفُرُوض وَهُوَ كَذَلِك فَإِن لم يُوجد للمقتول عاصب وَلَو من الموَالِي الأعلين صَار الْمَقْتُول بِمَنْزِلَة من لَا وَارِث لَهُ فَترد الْإِيمَان على المدمى عَلَيْهِ فَإِن حَلفهَا ضرب مائَة وَحبس عَاما وَإِلَّا حبس حَتَّى يحلف وَلَو طَال سجنه، ثمَّ إِنَّهُم إِنَّمَا يمكنون من الْقسَامَة حَيْثُ كَانَت الشَّهَادَة بِأَنَّهُ ضربه أَو جرحه وَتَأَخر مَوته وَلم يُوجد جسده حَيا وَلَا مَيتا. بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ وَالْوُلَاةِ وَيَحْلِفُونَهَا عَلَى البَتَاتِ (بعد ثُبُوت الْمَوْت) كَمَا مّر لاحْتِمَال كَونه حَيا. وَقَوْلِي: ضربه الخ. احْتِرَازًا مِمَّا إِذا شهد شَاهد وَاحِد على مُعَاينَة قَتله أَو على إِقْرَاره بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج لثُبُوت الْمَوْت وَإِن رَجَعَ عَن إِقْرَاره لِأَنَّهُ ثَابت بِمَا ذكر (و) بعد ثُبُوت (الْوُلَاة) وَأَنَّهُمْ عصبته المستحقون لدمه فَحِينَئِذٍ يمكنون مِنْهَا (ويحلفونها) وَلَاء (على الْبَتَات) لَا على نفي الْعلم (خَ) وَهِي خَمْسُونَ يَمِينا مُتَوَالِيَة بتاً وَإِن أعمى أَو غَائِبا الخ. وَذَلِكَ لِأَن أَسبَاب الْعلم تحصل بِالسَّمَاعِ وَالْخَبَر كَمَا تحصل بالمعاينة فيعتمد كل وَاحِد مِنْهُم على ذَلِك ويبت الْيَمين (خَ) : وَاعْتمد البات على ظن قوي الخ. فَفِي الشَّاهِدين بمعاينة الضَّرْب أَو الْجرْح، ثمَّ يتَأَخَّر الْمَوْت يقسمون لمن ضربه أَو جرحه مَاتَ وَفِي الشَّاهِد لوَاحِد بذلك
стр. 1262
يقسمون لقد ضربه وَلمن ضربه مَاتَ فِي كل يَمِين من الْخمسين، فَإِن شهد الْوَاحِد بمعاينة الْقَتْل فيقسمون لقد قَتله كَمَا مّر فِي الْمِثَال الأول، ثمَّ إِذا كَانَ الْقَتْل خطأ فَيحلف كل وَارِث مِنْهُم جَمِيع حَظه وَلَو قبل حلف أَصْحَابه، وَمن نكل سقط حَظه من الدِّيَة، وأمّا فِي الْعمد فَيحلف هَذَا يَمِينا وَهَذَا يَمِينا فَإِذا كَانُوا عشرَة حلف كل وَاحِد مِنْهُم يَمِينا يَمِينا ثمَّ تُعَاد فَيحلف كل وَاحِد كَذَلِك، وَهَكَذَا لِأَنَّهُ فِي الْعمد إِذا نكل وَاحِد بَطل الدَّم فتذهب أَيْمَان من حلف بَاطِلا. تَنْبِيهَانِ. الأول: إِذا قتل الْأَوْلِيَاء الْقَاتِل قبل الْقسَامَة فَهَل يقتلُون وَهُوَ الَّذِي فِي ابْن عَرَفَة عَن ابْن الْمَوَّاز لأَنهم قتلوا قبل أَن يستحقوا، أَو يمكنون من الْقسَامَة فَإِن نكلوا قتلوا حِينَئِذٍ، وَبِه أفتى المجاصي وَمن وَافقه، وَهُوَ الظَّاهِر من كَلَام ابْن عَرَفَة آخرا وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَاده كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَام العلمي فِي نوازله. الثَّانِي: لَو صَالح الْعصبَة على مَال بعد الْقسَامَة وَالْحَال أَنهم محجوبون بذوي الْفُرُوض، فَإِن مَا وَقعت الْمُصَالحَة بِهِ يكون مِيرَاثا بعد أَن تقضى بِهِ دُيُونه وَلَا شَيْء للْعصبَةِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: مَا أَخذ فِي صلح الْعمد تقضى بِهِ دُيُون الْمَقْتُول وَبَاقِيه يُورث على فَرَائض الله وَنَحْوه فِي أَوَائِل الدِّمَاء من العلمي، وَهَذَا ظَاهر إِذا لم يكن الْعصبَة اشترطوا على الْوَرَثَة أَنهم إِنَّمَا يصالحون إِذا أسهموهم من مَال الصُّلْح قدرا مَعْلُوما وإلاَّ فَيعْمل على شرطهم لأَنهم إِنَّمَا تركُوا قَتله حِينَئِذٍ لمَال يأخذونه فيوصى لَهُم بذلك وَالله أعلم. وَتُقْلَبُ الأَيْمَانُ مهما نَكَلَا وَليُّ مَقْتُولٍ عَلَى مَنْ قَتَلَا (وتقلب الْأَيْمَان) أَي أَيْمَان الْقسَامَة (مهما نكلا ولي مقتول) أَي نكلوا كلهم وهم فِي دَرَجَة وأحدة أَو بَقِي وَاحِد مِنْهُم وَلم يجد معينا يَسْتَعِين بِهِ عَلَيْهَا (على من قتلا) أَي تقلب على الْمُدعى عَلَيْهِ، فَإِن كَانُوا جمَاعَة حلف كل وَاحِد مِنْهُم خمسين يَمِينا فَمن حَلفهَا برىء من الْقَتْل وَضرب مائَة وَحبس عَاما، وَمن نكل حبس حَتَّى يحلف وَلَو طَال سجنه على الْمَشْهُور (خَ) : ونكول الْمعِين غير مُعْتَبر بِخِلَاف غَيره وَلَو بعدوا، فَترد على الْمُدعى عَلَيْهِم وَيحلف كل خمسين يَمِينا وَمن نكل حبس حَتَّى يحلف وَلَا استعانة الخ. وَقيل لَهُ أَن يَسْتَعِين فَيحلف مَعَه عصبته كَمَا يَسْتَعِين ولي الْمَقْتُول بعصبته على مَا يَأْتِي، وَقَوْلِي: وَلم يجد معينا يَسْتَعِين بِهِ عَلَيْهَا الخ. إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يبطل الدَّم بنكول الْبَعْض لِأَن نُكُوله قد يكون على وَجه التورع عَن الْأَيْمَان فِي الْغَالِب فللباقي أَن يحلف إِن كَانَ مُتَعَددًا وَإِن كَانَ وَاحِدًا فيستعين بعصبته وَلَا يبطل حَقه كَمَا جزم بِهِ (ت) تبعا
стр. 1263
للشراح خلافًا لما فِي ابْن رحال من أَنه يبطل بنكول الْبَعْض، وَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال وَلَكِن الَّذِي يجب اعْتِمَاده هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم. وَيَحْلِفُ اثنانِ بهَا فَمَا عَلَا وَغَيْرُ وَاحِدٍ بهَا لَنْ يُقْتَلَا (وَيحلف اثْنَان بهَا) أَي فِي قسَامَة الْعمد (فَمَا علا) أَي فَمَا زَاد عَلَيْهِمَا (خَ) : وَلَا يحلف فِي الْعمد أقل من رجلَيْنِ عصبَة من نسب الْقَتِيل وَإِن لم يرثوا بِأَن حجبهم ذَوُو الْفُرُوض كَمَا مّر فَإِن لم يوجدوا فمواليه الذُّكُور الأعلون لأَنهم عصبَة، وَإِنَّمَا لم يحلف أقل من رجلَيْنِ لِأَن ذَلِك كَالشَّهَادَةِ وَهُوَ لَا يقتل بِأَقَلّ من شَاهِدين، وَلذَلِك لَا يحلفها النِّسَاء لِأَنَّهُنَّ لَا يشهدن فِي الْعمد فَإِن لم يُوجد عاصب أصلا فَترد الْأَيْمَان على الْمُدعى عَلَيْهِ كَمَا مر. فَتحصل أَن الْأَيْمَان تقلب فِيمَا إِذا لم يُوجد عاصب أصلا وَفِيمَا إِذا وجدوا، وَلَكِن نكلوا عَنْهَا أَو عَن بَعْضهَا فَإِن وجد عاصب وَاحِد فَلهُ أَن يَسْتَعِين عَلَيْهَا بعصبة نَفسه، وَإِن لم يَكُونُوا عصبَة للمقتول كامرأة مقتولة لَيْسَ لَهَا غير ابْنهَا وَله أخوة من أَبِيه فيستعين بهم أَو بِوَاحِد مِنْهُم أَو بِعَمِّهِ، ثمَّ إِذا نكل هَذَا الْمُسْتَعَان بِهِ فنكوله غير مُعْتَبر (خَ) : وللولي الِاسْتِعَانَة بعاصبه إِلَى قَوْله ونكول الْمعِين غير مُعْتَبر الخ. يَعْنِي وَينظر الْوَلِيّ من يَسْتَعِين بِهِ غير هَذَا الناكل فَإِن لم يجد ردَّتْ الْأَيْمَان كَمَا مر. (وَغير وَاحِد بهَا) أَي الْقسَامَة (لن يقتلا) فَإِذا قَامَ اللوث على جمَاعَة أَو قَالَ دمي عِنْدهم أَو قَامَت بَيِّنَة بِالسَّمَاعِ الفاشي أَنهم قَتَلُوهُ فَالْمَشْهُور أَنهم يقسمون على وَاحِد مِنْهُم يعينونه لَهَا وَيَقُولُونَ لقد قَتله أَو لمن ضربه أَو جرحه مَاتَ وَلَا يَقُولُونَ لقد قَتَلُوهُ أَو لمن ضَربهمْ أَو جرحهم مَاتَ (خَ) : وَوَجَب بهَا الدِّيَة فِي الْخَطَأ والقود فِي الْعمد من وَاحِد يعين لَهَا الخ. وَقَالَ أَشهب: يقسمون على جَمِيعهم ثمَّ يختارون وَاحِدًا للْقَتْل: قلت: وَهُوَ أظهر لِأَن الْأَوْلِيَاء تَارَة يتَرَجَّح لَهُم الْأَقْوَى فعلا فيقسمون عَلَيْهِ، وَتارَة لَا يتَرَجَّح لَهُم فيقسمون على الْجَمِيع لِئَلَّا يحلفوا غموساً، وَالْمَشْهُور يَقُول فِي هَذِه إِمَّا أَن يحلفوا غموساً أَو يبطل حَقهم فَلَزِمَ عَلَيْهِ أَنه تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح مَعَ لُزُوم الْغمُوس أَو إهدار دم الْمَقْتُول، وَأَشْهَب لَا يلْزمه إلاَّ التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَالله أعلم. وعَلى الْمَشْهُور لَو قدم وَاحِد مِنْهُم للْقَتْل بعد الْقسَامَة عَلَيْهِ بِعَيْنِه فَأقر غَيره بِأَنَّهُ الَّذِي قَتله خير الْأَوْلِيَاء فِي قتل وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا يمكنون من قَتلهمَا مَعًا قَالَه ابْن الْقَاسِم فِي الْمُوازِية والمجموعة. ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه لَا قسَامَة فِي غير الْحر الْمُسلم وَفِي غير مُحَقّق الْحَيَاة فَقَالَ:
стр. 1264
وَلَيْسَ فِي عبْدٍ وَلَا جَنينِ قَسَامَةٌ وَلَا عَدُوِّ الدِّينِ (وَلَيْسَ فِي) قتل (عبد وَلَا جَنِين قسَامَة وَلَا) فِي قتل (عَدو الدّين) من ذمِّي أَو معاهد وَلَا فِي جرح فَإِذا قَالَ العَبْد أَو الْكَافِر: دمي عِنْد فلَان أَو قَالَت الْمَرْأَة: جنيني عِنْد فلَان فَيحلف الْمُدعى عَلَيْهِ يَمِينا وَاحِدَة وَيبرأ وَكَذَا إِن قَالَ شخص: جرحني فلَان فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ يحلف لرد دَعْوَاهُ مَا لم تكن تقدّمت بَينهمَا عَدَاوَة على مَا يَأْتِي فِي فصل الْجراح، فَإِن قَامَ شَاهد وَاحِد على مُعَاينَة قتل العَبْد أَو ضرب الْمَرْأَة أَو على إِقْرَار الْقَاتِل أَو الضَّارِب بذلك أَو شَهَادَة سَماع على ذَلِك وَنَحْو ذَلِك من أَمْثِلَة اللوث حلف سيد العَبْد يَمِينا وَاحِدَة وَأخذ قِيمَته وَولي الْكَافِر وَأخذ دِيَته وَلَو من كَافِر مكافىء للمقتول ووارث الْجَنِين وَأخذ غرته، وَإِن نكلوا حلف الْقَاتِل وَاحِدَة أَيْضا وبرىء فَإِن ثَبت ضرب الْمَرْأَة حَتَّى أَلْقَت جَنِينهَا بِشَاهِد وَاحِد وَمَاتَتْ كَانَت الْقسَامَة فِي الْمَرْأَة وَيَمِين وَاحِدَة مَعَ الشَّاهِد فِي الْجَنِين، إِذْ لَا مدْخل للقسامة فِي الْجَنِين، وَكَذَلِكَ فِي الْجرْح يحلف مَعَ شَاهده وَاحِدَة ويقتص فِي الْعمد وَيَأْخُذ الدِّيَة فِي الْخَطَأ. (خَ) : وَمن أَقَامَ شَاهدا على جرح أَو قتل كَافِر أَو عبد أَو جَنِين حلف وَاحِدَة وَأخذ الدِّيَة يَعْنِي: واقتص فِي جرح الْعمد وَإِن نكل برىء الْجَارِح وَمن مَعَه إِن حلف وَإِلَّا يحلف غرم فِي الصُّور كلهَا مَا عدا جرح الْعمد فَإِنَّهُ يحبس حَتَّى يحلف. والقوَدُ الشَّرْطُ بهِ المُثْلِيَّه فِي الدَّمِ بالإسْلامِ وَالحُرِّيَّهْ (والقود) وَهُوَ الْقصاص سمي قوداً لِأَن الْعَرَب كَانَت تقود الْجَانِي بِحَبل وتسلمه لوَلِيّ الدَّم (الشَّرْط) مُبْتَدأ ثَان (بِهِ) أَي فِيهِ (المثلية) خبر عَن الثَّانِي وهما خبران عَن الأول (فِي الدَّم) يتَعَلَّق بِالشّرطِ (بِالْإِسْلَامِ) الْبَاء بِمَعْنى فِي يتَعَلَّق بالمثلية (وَالْحريَّة) مَعْطُوف على الْإِسْلَام وَالتَّقْدِير: والقود فِي الدَّم أَي الْقَتْل شَرط فِيهِ زِيَادَة على شَرْطِيَّة التَّكْلِيف الْمُتَقَدّمَة المثلية فِي الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام من حِين السَّبَب أَي الرَّمْي إِلَى حِين الْمُسَبّب أَي الْمَوْت. وَتقدم أَن من جملَة الشُّرُوط أَن يكون الْقَاتِل غير حَرْبِيّ فَلَا يقتل حَرْبِيّ بِمُسلم وَلَا مُسلم وَلَو عبدا بِكَافِر وَلَو حرا كذمي وَلَا حر مُسلم برقيق وَلَو مُسلما، وَكَذَا لَو رمى عبد رَقِيقا مثله فِي الدّين فَعتق الرَّامِي قبل موت المرمى لم يقتل بِهِ لزِيَادَة الرَّامِي بِالْحُرِّيَّةِ حِين الْمُسَبّب أَي الْمَوْت وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَته، وَلَو رمى حَرْبِيّ مُسلما ثمَّ صَار الرَّامِي من أهل الْإِسْلَام أَو أهل الذِّمَّة ثمَّ مَاتَ المرمى لم يقتل بِهِ لِأَنَّهُ حَرْبِيّ حِين السَّبَب وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَو رمى حر ذمِّي عبدا ذِمِّيا ثمَّ حَارب الرَّامِي فَأخذ واسترق ثمَّ مَاتَ المرمى لم يقتل بِهِ لزِيَادَة الرَّامِي حِين السَّبَب عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ وَإِن ساواه حِين الْمَوْت، وَكَذَا لَو رمى مُسلم كَافِرًا أَو مُرْتَدا فَأسلم قبل وُصُول الرَّمية إِلَيْهِ ثمَّ وصلته لم يقتل لزِيَادَة الرَّامِي عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ حِين السَّبَب
стр. 1265
وَإِن ساواه حِين الْقَتْل، وَعَلِيهِ دِيَة مُسلم عِنْد ابْن الْقَاسِم كمن رمى صيدا وَهُوَ حَلَال فَلم تصل الرَّمية إِلَيْهِ حَتَّى أحرم فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ. (خَ) : إِن أتلف مُكَلّف وَإِن رق غير حَرْبِيّ وَلَا زَائِدَة حريَّة أَو إِسْلَام حِين الْقَتْل فالقود الخ. وَاحْترز النَّاظِم بقوله فِي الدَّم أَي فِي الْقَتْل من الْجرْح فَإِنَّهُ لَا يقْتَصّ من الْأَدْنَى للأعلى كَمَا يَأْتِي فِي فَصله إِن شَاءَ الله. وَقَتْلُ مُنْحَطٍ مَضَى بالعالِي لَا العكْسُ والنساءُ كالرِّجَالِ (وَقتل منحط مضى بالعالي) فَيقْتل العَبْد الْمُسلم بِالْحرِّ الْمُسلم، وَكَذَا الْكَافِر بِالْمُسلمِ وَلَو عبدا لِأَنَّهُ أشرف مِنْهُ (لَا لعكس) أَي لَا يقتل العالي بالمنحط عَنهُ لعدم وجود المثلية فَهُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ لِأَنَّهُ اشْترط فِي الْقود أَن يماثله من حِين السَّبَب أَي الرَّمْي إِلَى حِين الْمُسَبّب أَي الْمَوْت، فَإِذا كَانَ أَعلَى مِنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ أَو الْإِسْلَام حِين السَّبَب أَو الْمُسَبّب لم يقتل بِهِ كَمَا مر فِي الْأَمْثِلَة، وَيفهم من هَذَا أَنه إِذا حدث الْعُلُوّ بِالْإِسْلَامِ وَالْحريَّة بعدهمَا أَي السَّبَب والمسبب لم يسْقط الْقصاص فَإِذا قتل عبد مثله أَو كَافِر مثله ثمَّ أسلم الْكَافِر أَو أعتق العَبْد فَلَا يسْقط الْقصاص لِأَن الْمَانِع إِذا حصل بعد ترَتّب الحكم لَا أثر لَهُ (خَ) : وَلَا يسْقط الْقَتْل عِنْد الْمُسَاوَاة بزوالها بِعِتْق أَو إِسْلَام الخ. وَمثل الْقَتْل الْجرْح فَإِذا قطع رِجل أَو يَد حر مُسلم ثمَّ ارْتَدَّ المقطوعة يَده فالقصاص، وَيفهم أَيْضا من حصره الْعُلُوّ فِي الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام أَنه لَا علو إِلَّا بهما، وَهُوَ كَذَلِك إِذْ لَا أثر لعلو بشرف وَفضل أَو عَدَالَة أَو سَلامَة أَعْضَاء أَو رجولية، بل يقتل الشريف بالمشروف وَالْعدْل بالفاسق وَالصَّحِيح بالمريض وبالأعمى والمقطوع وَالرجل بِالْمَرْأَةِ كَمَا قَالَ: (وَالنِّسَاء كالرجال) وَكَذَا لَا أثر للعدد أَيْضا فَتقْتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ (خَ) : وَقتل الْأَدْنَى بالأعلى كحر كتابي بِعَبْد مُسلم وَالْكفَّار بَعضهم بِبَعْض من كتابي ومجوسي وَمُؤمن كذوي الرّقّ وَذكر وصحيح وضديهما الخ. فَقَوله: وَالْكفَّار الخ. أَي لِأَن الْكفْر كُله مِلَّة وَاحِدَة فَيقْتل الْكِتَابِيّ بالمجوسي وَالْمُؤمن بِغَيْرِهِ، وَقَوله: كذوي الرّقّ أَي وَلَو كَانَ الْقَاتِل ذَا شَائِبَة فَإِنَّهُ يقتل بِمن لَا شَائِبَة فِيهِ، وَقَوله وضديهما أَي ضد الذّكر الْمَرْأَة وضد الصَّحِيح السقيم فَيقْتل الرجل بِالْمَرْأَةِ وَالصَّحِيح بالمريض، وَقَالَ أَيْضا: وَيقتل الْجمع بِوَاحِد والمتمالئون وَإِن بِسَوْط سَوط والمتسبب مَعَ الْمُبَاشر الخ. وَالشّرطُ فِي المقْتُولِ عِصمَةُ الدَّمِ زِيادةٌ لِشَرْطِهِ الْمُسْتَقْدَمِ
стр. 1266
(وَالشّرط فِي الْمَقْتُول) الَّذِي يقْتَصّ لَهُ من قَاتله (عصمَة الدَّم) من حِين السَّبَب الَّذِي هُوَ الرَّمْي إِلَى حِين الْمَوْت فَلَو قتل مُسلم زَانيا مُحصنا أَو قَاتل غيلَة فَلَا يقْتَصّ مِنْهُ لعدم عصمَة دمهما وَإِن كَانَا متساويين لَهُ فِي الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام، بل لَو قَتلهمَا ذمِّي لم يقتل بهما لعدم عصمَة دمهما وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَب للافتيات على الإِمَام، وَكَذَا لَو رمى مُسلم مثله فَارْتَد المرمى قبل وُصُول الرَّمية إِلَيْهِ فوصلت إِلَيْهِ وَمَات فَإِنَّهُ لَا يقتل بِهِ وَكَذَا لَو جرحه فَارْتَد الْمَجْرُوح أَو زنى فِي حَال إحْصَانه ثمَّ نزى وَمَات لِأَنَّهُ صَار إِلَى مَا أحل دَمه فِي الصُّورَتَيْنِ وَلم تستمر عصمته للْمَوْت، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ دِيَة الْمُرْتَد وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي الْمُحصن غير الْأَدَب لافتياته على الإِمَام. وَكَذَا لَو رمى كتابي مُرْتَدا فجرحه ثمَّ أسلم الْمُرْتَد ونزى وَمَات فَإِنَّهُ لَا يقتل بِهِ لِأَنَّهُ حِين السَّبَب كَانَ غير مَعْصُوم (زِيَادَة) مَنْصُوب على الْحَال أَي حَال كَون الْعِصْمَة زِيَادَة (لشرطه) أَي على الشَّرْط فِي الْقصاص (المستقدم) لِأَنَّهُ تقدم لَهُ أَنه يشْتَرط فِي الْقصاص ثُبُوت الْقَتْل عمدا، وَكَون الْقَاتِل مُكَلّفا مكافئاً للمقتول أَي غير زَائِد عَلَيْهِ بحريّة أَو إِسْلَام وَغير حَرْبِيّ، وَيُزَاد على ذَلِك كَون الْمَقْتُول مَعْصُوم الدَّم لِأَنَّهُ قد يكون مكافئاً فِي الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام، وَلَكِن دَمه غير مَعْصُوم كَمَا مر. وَلَو أبدل النَّاظِم هَذَا الشّطْر بقوله: من حَالَة الرَّمْي لوقت الْعَدَم، لوفى بالمراد. وَقد اشْتَمَل كَلَامه من أول الْفَصْل إِلَى هُنَا على أَرْكَان الْقصاص الثَّلَاثَة كَمَا تقدم التَّنْبِيه عَلَيْهَا، وَالْفُقَهَاء يطلقون على الرُّكْن شرطا وَبِالْعَكْسِ، وَأَشَارَ (خَ) لهَذَا الرُّكْن بقوله: مَعْصُوما للتلف والإصابة الخ. أَي مَعْصُوما للْمَوْت لَا حِين الْجرْح فَقَط وللإصابة لَا حِين الرَّمْي فَقَط. وإنْ وَلِيُّ الدَّمِ للمَالِ قَبِلْ والقوْدَ استحقَّهُ فِيمَن قُتِلْ (وَإِن ولي الدَّم) فَاعل بِفعل مَحْذُوف يفسره مَا بعده (لِلْمَالِ) اللَّام زَائِدَة لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله (قبل) الْمُفَسّر للمحذوف الْمَذْكُور (و) الْحَال أَن (الْقود اسْتَحَقَّه) الْوَلِيّ الْمَذْكُور (فِيمَن) أَي فِي قَرِيبه الَّذِي (قتل) وَمَعْنَاهُ أَن الْوَلِيّ إِذا قبل المَال كَانَ أقل من الدِّيَة أَو أَكثر، وَقد كَانَ اسْتحق الْقود فِي قَرِيبه الْمَقْتُول بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدّمَة فَفِي ذَلِك قَولَانِ لأَشْهَب وَابْن الْقَاسِم. فأشهبُ قَالَ لِلاستِحْيَاءِ يُجْبَرُ قاتلٌ على الإعْطَاءِ (فأشهب قَالَ للاستحياء يجْبر قَاتل على الْإِعْطَاء) لِلْمَالِ الَّذِي قبله الْوَلِيّ إِذا كَانَ مَلِيًّا بِهِ.
стр. 1267
وليسَ ذَا فِي مَذْهبِ ابنِ القَاسِمِ دونَ اخْتيارِ قاتِلٍ بِلَازمِ (وَلَيْسَ ذَا فِي مَذْهَب ابْن الْقَاسِم دون اخْتِيَار قَاتل بِلَازِم) الْإِشَارَة بذا للجبر الْمُتَقَدّم أَي لَيْسَ الْجَبْر على دفع المَال الَّذِي قبله الْوَلِيّ لَازِما فِي مَذْهَب ابْن الْقَاسِم دون اخْتِيَار الْقَاتِل لَهُ وَرضَاهُ بِهِ، لِأَن الْوَاجِب عِنْده هُوَ الْقود أَو الْعَفو مجَّانا وَالدية لَا تكون إِلَّا برضاهما مَعًا، فَإِذا قَالَ الْقَاتِل: إِمَّا أَن تقتص أَو تَعْفُو مجَّانا. وَقَالَ الْوَلِيّ: إِنَّمَا أعفو على مَال قدره كَذَا وَأَنت ملي بِهِ، فَإِن الْقَاتِل لَا يجْبر على ذَلِك فِي مَذْهَب ابْن الْقَاسِم وَهُوَ الْمَشْهُور (خَ) فالقود عينا. وَقَالَ أَشهب: وَرَوَاهُ عَن مَالك يجْبر لِأَنَّهُ وجد سَبِيلا لحقن دَمه فَلَيْسَ لَهُ أَن يسفكه قَالَ: وَلَو فدَاه من أَرض الْعَدو لَكَانَ عَلَيْهِ مَا فدَاه بِهِ فالولي عِنْده مُخَيّر بَين أَن يقْتَصّ أَو يقبل الدِّيَة فَيجْبر الْقَاتِل على دَفعهَا حَيْثُ كَانَ مَلِيًّا بهَا. وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيّ وَهُوَ مُقْتَضى الحَدِيث كَمَا فِي (ح) . وعفوُ بعضٍ مُسقِطُ القَصاصِ مَا لم يكن من قُعْدُد انتِقاصِ (وعفو بعض) الْأَوْلِيَاء الْمُسْتَحقّين للدم المتساوين فِي الدرجَة كَابْن من الْأَبْنَاء أَو عَم من الْأَعْمَام (مسْقط الْقصاص) لِأَن عَفوه يتنزل منزلَة عَفْو الْجَمِيع (خَ) : وَسقط إِن عَفا رجل كالباقي أَي مساوٍ للْبَاقِي فِي الدرجَة، وَإِذا سقط بِعَفْو الْبَعْض فَلِمَنْ لم يعف نصِيبه من دِيَة عمد كَمَا قَالَ أَيْضا: وَمهما أسقط الْبَعْض فَلِمَنْ بَقِي نصِيبه من دِيَة عمد (مَا لم يكن) الْعَافِي (من قعدد انتقاص) أَي أبعد من دَرَجَة من بَقِي فَعبر بانتقاص عَن الْأَبْعَد فَكَأَنَّهُ يَقُول: يسْقط الْقصاص بِعَفْو الْبَعْض مَا لم يكن الْبَعْض الْعَافِي من قعدد أبعد من قعدد من بَقِي من وُلَاة الدَّم كعفو الْعم مَعَ وجود الْأَخ أَو عَفْو الْأَخ مَعَ وجود الابْن فَإِنَّهُ لَا يسْقط الْقصاص بذلك إِذْ لَا كَلَام للأبعد مَعَ الْأَقْرَب. وَاعْلَم أَن الْمُسْتَحقّين للدم تَارَة يكون جَمِيعهم رجَالًا وَتارَة يكون جَمِيعهم نسَاء، وَتارَة يكونُونَ رجَالًا وَنسَاء فالقسم الأول يسْقط الْقَتْل بِعَفْو وَاحِد مِنْهُم وترتيبهم كَالنِّكَاحِ فَيقدم الابْن فابنه فأخ فابنه إِلَّا الْجد والأخوة فهما فِي مرتبَة وَاحِدَة فَلَا يقدم أَحدهمَا على الآخر (خَ) : والاستيفاء للعاصب كالولاء إِلَّا الْجد وَالْأَخ فسيان، وَالْقسم الثَّانِي إِمَّا أَن يحزن الْمِيرَاث كُله أَو لَا فَإِذا لم يحزنهُ كالبنات أَو الْأَخَوَات فَلَهُنَّ الْقَتْل وَإِن عَفا بَعضهنَّ نظر السُّلْطَان (خَ) : وَإِن عفت بنت من بَنَات يَعْنِي أَو أُخْت من أَخَوَات أَو بَنَات ابْن نظر السُّلْطَان فيمضي مَا يرَاهُ سداداً
стр. 1268
وصواباً من عَفْو أَو قتل، وَإِنَّمَا كَانَ ينظر لِأَنَّهُ يَرث الْبَاقِي، وَإِذا اجْتمعت الْأُم مَعَ الْبَنَات فَلَا كَلَام للْأُم فِي عَفْو وَعَدَمه بل الْكَلَام للبنات فَقَط كَمَا فِي الشَّامِل وَغَيره، وَإِن حزن الْمِيرَاث كَبِنْت وَأُخْت فالبنت أولى بِالْقَتْلِ أَو بِالْعَفو (خَ) : وَالْبِنْت أولى من الْأُخْت فِي عَفْو وضده، وَالْقسم الثَّالِث: إِمَّا أَن يكون الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي دَرَجَة وَاحِدَة أم لَا. فَإِن كَانُوا فِي دَرَجَة وَاحِدَة كبنين وَبَنَات أَو إخْوَة وأخوات فَلَا كَلَام للنِّسَاء فِي عَفْو وَلَا ضِدّه، فَهُوَ كَمَا لَو انْفَرد الرِّجَال وحدهم كَمَا فِي الْقسم الأول، وَإِن لم يَكُونُوا فِي دَرَجَة وَاحِدَة، بل كَانَ الرِّجَال أبعد فإمَّا أَن يحوز النِّسَاء الْمِيرَاث كُله أم لَا. فَإِن لم يحزنهُ كالبنات والأخوة والأعمام فَلَا عَفْو إِلَّا باجتماع الْبَعْض من الْفَرِيقَيْنِ، وَالْقَوْل لمن طلب الْقَتْل حَيْثُ انْفَرد أحد الْفَرِيقَيْنِ بِالْعَفو وَثَبت الْقَتْل بقسامة أَو بَيِّنَة، وَإِن حزنه كالبنات وَالْأَخَوَات والأعمام فَإِن ثَبت الْقَتْل بقسامة فَلَا عَفْو إِلَّا باجتماعهم أَيْضا، وَإِن ثَبت بغَيْرهَا فَلَا كَلَام للْعصبَةِ مَعَهُنَّ، وَإِلَى هَذَا الْقسم أَشَارَ (خَ) عاطفاً على الِاسْتِيفَاء للعاصب بقوله: وللنساء أَي والاستيفاء للنِّسَاء إِن ورثن وَلم يساوهن عاصب وَلكُل الْقَتْل وَلَا عَفْو إِلَّا باجتماعهم كَأَن حزن الْمِيرَاث وَثَبت بقسامة الخ. فاحترز بقوله: إِن ورثن من نَحْو الْعمة وَالْخَالَة فَإِنَّهُ لَا كَلَام لَهما وَلَو انفردتا لعدم إرثهما، وَلَا بُد أَن يكون النِّسَاء الوارثات لَو قدرن ذكرا لعصبن لتخرج الْأُخْت للْأُم وَالزَّوْجَة وَالْجدّة للْأُم لِأَنَّهُنَّ لَا كَلَام لَهُنَّ، وَإِن ورثن ولتدخل الْأُم لِأَنَّهَا لَو قدرت ذكرا عصبت، وَاحْترز بقوله: وَلم يساوهن عاصب مِمَّا لَو ساواهن عاصب فَإِنَّهُ لَا كَلَام لَهُنَّ مَعَه كَمَا مر فِي الْحَالة الأولى من هَذَا الْقسم، وَقَوله: وَلكُل الْقَتْل لَو أَخّرهُ عَن قَوْله: وَلَا عَفْو إلاّ باجتماعهم لَكَانَ أولى يَعْنِي إِذا لم يحز النِّسَاء الْمِيرَاث وعصبهن عاصب أَسْفَل مِنْهُنَّ فَلَا عَفْو إِلَّا باجتماع الْبَعْض من الْفَرِيقَيْنِ وإلاَّ فَالْقَوْل لمن طلب الْقَتْل كَمَا مر فِي الْحَالة الثَّانِيَة من هَذَا الْقسم أَيْضا. وَقَوله: كَأَن حزن الْمِيرَاث الخ. هِيَ الْحَالة الثَّالِثَة مِنْهُ، والتشبيه فِي قَوْله: وَلكُل الْقَتْل وَلَا عَفْو إِلَّا باجتماعهم، وَمَفْهُومه إِذا ثَبت الْقَتْل بِغَيْر قسَامَة لَا كَلَام لعاصب مَعَهُنَّ، وَقد نظم هَذِه الْأَقْسَام سَيِّدي عبد الْوَاحِد الوانشريسي بقوله: إِذا انْفَرد الرِّجَال وهم سَوَاء فَمن يعْفُو يبلغ مَا يَشَاء
ودع قَول الْبعيد بِكُل وَجه كَأَن ساوت بقعددهم نسَاء فَإِن يكن النِّسَاء أدنى فتمم بوفق جَمِيعهم عفوا تشَاء وَإِن إِرْثا يحزن فدع رجَالًا إِذا ثبتَتْ فَلَا قسم دِمَاء فالبيت الأول وَشطر الثَّانِي هُوَ مَا احتوى عَلَيْهِ الْقسم الأول من هَذِه الْأَقْسَام، وَقَوله: كَأَن ساوت الخ. هُوَ الْحَالة الأولى من الْقسم الثَّالِث. وَقَوله: فَإِن يكن النسا أدنى الخ. شَامِل للحالة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مِنْهُ إِلَّا أَنه فِي الثَّالِثَة إِذا حزن الْمِيرَاث وَثَبت بقسامة وَمعنى أدنى أقرب أَي أقرب من الرِّجَال، وَيقْرَأ النسا بِالْقصرِ للوزن وَقَوله: وَإِن إِرْثا يحزن الخ. هُوَ مَفْهُوم ثَبت بقسامة من الْحَالة الثَّالِثَة، وَبَقِي عَلَيْهِ الْقسم الثَّانِي من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَهُوَ: مَا إِذا لم يكن مَعَهُنَّ عاصب أصلا، وَلذَا ذيله الشَّيْخ (م) بقوله: كَذَا إِذا انفردن وحزن مَالا فَحكم للقريبة مَا تشَاء وَإِن إِرْثا يشط لبيت مَال فحاكمنا يجنب مَا يَشَاء
стр. 1269
وَإِنَّمَا أطلنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وتعرضنا لشرح نظمها لتشعبه وتشعبها على كثير من الطّلبَة. تَنْبِيه: إِذا لم يكن للمقتول مُسْتَحقّ لدمه لَا من الرِّجَال وَلَا من النِّسَاء فَإِن الإِمَام يقْتَصّ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ الْعَفو إِلَّا أَن يكون الْقَاتِل والمقتول كَافِرين ثمَّ يسلم الْقَاتِل. وشُبْهَةٌ تدرَؤهُ وَمِلْكُ بعضِ دمِ الَّذِي اعتَرَاه الهلْكُ (وشبهة تدرؤه) أَي الْقصاص وتوجب الدِّيَة على الْعَاقِلَة كضرب الزَّوْج لزوجته وَالْأَب لوَلَده والمعلم للمتعلم بِآلَة يُؤَدب بِمِثْلِهَا، وَيحمل فعله على الْخَطَأ لَا بِمَا لَا يُؤَدب بِمثلِهِ كلوح فَهُوَ على الْعمد كَمَا مر أول الْبَاب قَالَ فِي الشَّامِل: وَمن جَازَ لَهُ فعل بِضَرْب وَشبهه حمل على الْخَطَأ حَتَّى يثبت الْعمد كأب وَزوج ومعلم وطبيب وخاتن الخ (و) كَذَا يدرؤه (ملك بعض دم الَّذِي اعتراه الهلك) وَهُوَ الْمَقْتُول كأربعة أَوْلَاد قتل أحدهم أَبَاهُ فالدم للثَّلَاثَة، فَإِذا مَاتَ أحدهم سقط الْقصاص عَن الْقَاتِل لإرثه من أَخِيه الْمَيِّت بعض دم الْأَب فَصَارَ كعفو الْبَعْض، وَأَحْرَى لَو ملك جَمِيع دَمه كابنين قتل أَحدهمَا أَبَاهُ ثمَّ مَاتَ غير الْقَاتِل فورثه الْقَاتِل (خَ) : تَشْبِيها فِي سُقُوط الْقصاص كإرثه وَلَو قسطاً من نَفسه وإرثه كَالْمَالِ الخ. وَمَا بعد الْمُبَالغَة هُوَ نَص النَّاظِم. وَهَذَا الحكم إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ الْبَاقِي يسْتَقلّ بِالْعَفو، وَأما إِن كَانَ لَا يسْتَقلّ كَمَا لَو كَانُوا رجَالًا وَنسَاء والتكلم للْجَمِيع كمن قتل أَخَاهُ وَترك الْمَقْتُول بنتين وَثَلَاثَة أخوة أشقاء غير الْقَاتِل فَمَاتَ أحدهم فقد ورث الْقَاتِل قسطاً من دم نَفسه فَلَا يسْقط الْقَتْل حَتَّى تَعْفُو البنتان أَو إِحْدَاهمَا. وحيثُ تَقْوَى تُهمةٌ فِي المدَّعَى عَلَيْهِ فالسِّجْنُ لَهُ قد شُرِعَا (وَحَيْثُ تقوى تُهْمَة فِي الْمُدعى عَلَيْهِ) وَلم تصل إِلَى حد اللوث الْمُوجب للقسامة وَأَحْرَى لَو وصل إِلَى حد الْقسَامَة وَلم يُوجد من يطْلبهَا أَو تورع الْأَوْلِيَاء عَنْهَا (فالسجن) الطَّوِيل (لَهُ قد شرعا) حَتَّى يكْشف أمره، وَظَاهره وَلَو كَانَ مَجْهُول الْحَال وَلَو بِمُجَرَّد الدَّعْوَى وَهُوَ كَذَلِك كَمَا مر فِي بَابي السّرقَة وَالْغَصْب، وَقد تقدم هُنَا مَا فِيهِ كِفَايَة. وَفِي ابْن سَلمُون: وَإِن قويت عَلَيْهِ تُهْمَة وَلم تتَحَقَّق تَحْقِيقا يُوجب الْقسَامَة حبس الْحَبْس الطَّوِيل. قَالَ ابْن حبيب: حَتَّى تتَحَقَّق بَرَاءَته أَو تَأتي عَلَيْهِ السنون الْكَثِيرَة. قَالَ مَالك: وَلَقَد كَانَ الرجل يسجن فِي الدَّم باللطخ والشبهة حَتَّى إِن أَهله يتمنون لَهُ الْمَوْت من طول سجنه اه. وَتقدم أَنه رُبمَا يسجن أبدا وَأَنه يضْرب وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف شهرته بذلك وَعدم شهرته، وَفِي أَحْكَام ابْن سهل الْكُبْرَى: وَمن جَاءَك وَعَلِيهِ جراح مخوفة فاحبس الْمُدعى عَلَيْهِ بِالدَّمِ حَتَّى يَصح الْمَجْرُوح أَو تتبين حَالَة توجب إِطْلَاقه، وَمن جَاءَك معافى فِي بدنه من الْجراح يَدعِي على رجل ضربا مؤلماً فَإِن ثَبت تعدِي الْمُدعى عَلَيْهِ فعزره وَإِن رَأَيْت حَبسه فَذَلِك إِلَيْك على مَا يظْهر لَك من شنعة مَا يثبت عَلَيْهِ، وَمن جَاءَ بِجرح خَفِيف وَهُوَ مِمَّن يظنّ بِهِ أَنه يرتكب مثل هَذَا من نَفسه فاسلك بِهِ سَبِيل الْمعَافى من الْجراح، فَإِذا فعلت
стр. 1270
هَذَا ارْتَفَعت الْيَد العادية وانتفعت بِهِ الْعَامَّة وحفظت بذلك دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ اه. بِاخْتِصَار. والعفوُ لَا يُغْنِي عَنِ القَرَابهْ فِي القَتْلِ والْغَيْلَةِ وَالحِرَابهْ (وَالْعَفو لَا يُغني من الْقَرَابَة) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف صفة للعفو وَالتَّقْدِير: وَالْعَفو الْكَائِن من الْقَرَابَة حَال كَونه كَائِنا (فِي الْقَتْل والغيلة والحرابة) لَا يُغني عَن قتل الْقَاتِل لِأَن الْقَتْل فيهمَا حد من حُدُود الله تَعَالَى لَا يجوز إِسْقَاطه لَا للْإِمَام وَلَا لغيره، فَهَذَا الْبَيْت كالتخصيص لعُمُوم قَوْله: وعفو بعض مسْقط الْقصاص الخ. فنبه هُنَا على أَن ذَلِك خَاص بِغَيْر الغيلة والحرابة، وَأما هما فَلَا عَفْو فيهمَا، وَظَاهره وَلَو كَانَ الْمَقْتُول غيلَة وحرابة كَافِرًا أَو عبدا، وَظَاهره أَيْضا وَلَو جَاءَ تَائِبًا وَلَو لم يُبَاشر الْقَتْل بل أعَان عَلَيْهِ وَلَو بجاهه وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع (خَ) : وبالقتل يجب قَتله وَلَو بِكَافِر أَو إِعَانَة وَلَو جَاءَ تَائِبًا وَلَيْسَ للْوَلِيّ الْعَفو الخ. لَكِن إِذا جَاءَ الْمُحَارب تَائِبًا قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ سقط حق الله وَبَقِي حق الْآدَمِيّ فَلهُ الْعَفو حِينَئِذٍ كَمَا لشراحه فَأَما الغيلة فَهِيَ من أَنْوَاع الْحِرَابَة وَهِي أَن يقْتله لأخذ مَاله أَو زَوجته أَو ابْنَته، وَكَذَا لَو خدع كَبِيرا أَو صَغِيرا فيدخله موضعا خَالِيا ليَقْتُلهُ وَيَأْخُذ مَاله (خَ) : ومخادع الصَّبِي أَو غَيره ليَأْخُذ مَا مَعَه. قَالَ فِي الرسَالَة: وَقتل الغيلة لَا عَفْو فِيهِ. الْجُزُولِيّ: يَعْنِي لَا للمقتول وَلَا للأولياء وَلَا للْإِمَام لِأَن الْحق فِيهِ لله تَعَالَى اه. وَظَاهره وَلَو جَاءَ تَائِبًا وَهُوَ كَذَلِك، وَقيل إِذا جَاءَ تَائِبًا للْوَلِيّ الْعَفو كالمحارب والغيلة لَا تثبت إِلَّا بعدلين لَا بِشَاهِد وقسامة كَمَا مر، وَأما الْحِرَابَة فَتثبت حَتَّى بالشهرة (خَ) : وَلَو شهد اثْنَان أَنه المشتهر بهَا ثبتَتْ وَإِن لم يعايناها. وَمِائَة يُجْلَدُ بالأحْكَامِ مَن عَنهُ يُعْفَى مَعْ حَبْسِ عامِ (وَمِائَة يجلد) أَي يضْرب (فِي الْأَحْكَام من عَنهُ يُعْفَى) بعد ثُبُوت الْقَتْل عَلَيْهِ عمدا بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار أَو لوث بعد الْقسَامَة أَو قبلهَا، وَلَو قَامَ اللوث على جمَاعَة وقسموا على وَاحِد عينوه لَهَا فَإِن على أَصْحَابه ضرب مائَة (مَعَ حبس عَام) بعد الْجلد الْمَذْكُور وَلَا يحْسب فِيهِ سجنه قبل ذَلِك، وَلَا
стр. 1271
مَفْهُوم لقَوْله: يُعْفَى بل كَذَلِك إِذا لم يكن عَفْو، وَلَكِن سقط الْقَتْل لعدم التكافىء (خَ) : وَعَلِيهِ أَي الْقَاتِل عمدا وَلَو عبدا أَو ذِمِّيا جلد مائَة ثمَّ حبس سنة وَإِن بقتل مَجُوسِيّ أَو عبد الخ. وَالْحَبْس قبل الْعَفو لَا بُد فِيهِ من الْحَدِيد بِخِلَافِهِ بعده فَيحْبس بِغَيْر حَدِيد، وَتقدم فِي بَاب السّرقَة أَن الْقَتْل إِذا ثَبت بِإِقْرَار رَجَعَ عَنهُ وَعَفا عَنهُ الْوَلِيّ لَا حبس فِيهِ وَلَا ضرب. والصّلحُ فِي ذَاك مَعَ العَفْوِ استوَى كَمَا هما فِي حُكْمِ الإسقاطِ سَوَا (وَالصُّلْح فِي ذَاك) الْقصاص الْمُتَقَدّم (مَعَ الْعَفو) مجَّانا (اسْتَوَى) فِي جلد مائَة وسجن عَام لِأَن الضَّرْب والسجن الْمَذْكُورين حقان لله لَا يسقطان بِالْعَفو مجَّانا وَلَا بِالصُّلْحِ على مَال (كَمَا هما) أَي الْعَفو وَالصُّلْح (فِي حكم الْإِسْقَاط) للْقَتْل (سوا) وَهَذَا الشّطْر تتميم للبيت. وَديَةُ العَمْدِ كذاتِ الخَطَإ أَو مَا تَرَاضَى فِيهِ بينَ المَلإ (و) حَيْثُ عَفا بعض الْمُسْتَحقّين للدم أَو صَالح أَو عفوا كلهم أَو بَعضهم على دِيَة مُبْهمَة، فَالْوَاجِب لمن لم يعف وَلم يُصَالح فِي ذَلِك كُله (دِيَة الْعمد) كَمَا تقدم فِي قَوْله (خَ) : وَمهما أسقط الْبَعْض فَلِمَنْ بَقِي نصِيبه من دِيَة عمد لَا ينقص لَهُ من نصِيبه مِنْهَا شَيْء إِلَّا بِرِضَاهُ لتقرر الدِّيَة فِي ذمَّة الْقَاتِل بِعَفْو الْبَعْض أَو صلحه وقدرها. (كذات الخطا) فِي كَونهَا مائَة من الْإِبِل إِلَّا أَنَّهَا تكون مربعة بِحَذْف ابْن اللَّبُون كَمَا يَأْتِي فَيَأْخُذ من لم يعف، وَلم يُصَالح نصِيبه مِنْهَا حَيْثُ كَانُوا من أهل الْإِبِل أَو من قيمتهَا حَيْثُ كَانُوا من أهل بقر أَو غنم، وَيَأْخُذ نصِيبه من ألف دِينَار إِن كَانُوا من أهل الذَّهَب، وَهَكَذَا. وَقَوْلِي: مُبْهمَة مِثَاله أَن يَقُول: عَفَوْت عَنْك على دِيَة ويرضى الْقَاتِل فَإِن قدرهَا حِينَئِذٍ كذات الْخَطَأ فَإِن بَين شَيْئا كَأَن يَقُول: عَفَوْت عَنْك على ألف عبد أَو بقرة أَو جمل، وَنَحْو ذَلِك من قَلِيل أَو كثير عمل عَلَيْهِ حَيْثُ رَضِي الْقَاتِل بذلك كَمَا قَالَ: (أَو) للتنويع أَي نوع مِنْهَا قدره كذات الْخَطَأ وَهُوَ مَا تقدم وَنَوع مِنْهَا قدره (مَا تراضى فِيهِ) الْقَاتِل (بَين) أَي مَعَ (الْمَلأ) أَي جمَاعَة الْأَوْلِيَاء كَانَ مَا تراضوا عَلَيْهِ مثل دِيَة الْخَطَأ أَو أقل أَو أَكثر (خَ) : وَجَاز صلحه فِي عمد بِأَقَلّ أَو بِأَكْثَرَ أَي لِأَن الْعمد لَا شَيْء فِيهِ مُقَدّر من الشَّارِع، فَإِن لم يرض الْقَاتِل بِدفع المَال
стр. 1272
وَقَالَ: إِنَّمَا لَك الْقَتْل أَو الْعَفو مجَّانا فَإِنَّهُ لَا يجْبر على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم وَيجْبر على قَول أَشهب كَمَا مر. تَنْبِيه: إِذا عَفا الْوَلِيّ عَن الْقَاتِل عفوا مُطلقًا لم يذكر فِيهِ دِيَة ثمَّ بعد ذَلِك قَالَ: إِنَّمَا عَفَوْت لأجل الدِّيَة فَإِنَّهُ لَا يصدق فِي ذَلِك إِلَّا أَن يظْهر من حَاله وقرائن الْأَحْوَال أَنه أَرَادَ ذَلِك كَقَوْلِه عِنْد الْعَفو: لَوْلَا الْحَاجة مَا عَفَوْت عَنهُ أَو يكون الْوَلِيّ فَقِيرا أَو الْقَاتِل مَلِيًّا كَمَا فِي ابْن رحال فَإِنَّهُ يحلف ويبقي على حَقه إِن امْتنع الْقَاتِل (خَ) : وَلَا دِيَة لعاف مُطلقًا إِلَّا أَن يظْهر إرادتها فَيحلف ويبقي على حَقه إِن امْتنع الخ. وَظَاهره كظاهر الْمُدَوَّنَة أَنه إِذا علمت الْقَرِينَة عِنْد الْعَفو يصدق سَوَاء قَامَ بِالْقربِ أَو بعد طول وَهُوَ كَذَلِك خلافًا لما فِي الزّرْقَانِيّ. وَهْيَ إِذا مَا قُبِلَتْ وسُلِّمَتْ بحَسَبِ المِيراثِ قَدْ تَقَسَّمَتْ (وَهِي) أَي دِيَة الْعمد (إِذا مَا) زَائِدَة (قبلت) من الْقَاتِل تكون حَالَة عَلَيْهِ لَا منجمة إِلَّا بِرِضا الْأَوْلِيَاء وَتَكون فِي مَاله لَا على الْعَاقِلَة فَإِن كَانَ عديماً اتبعت ذمَّته بهَا (و) إِذا (سلمت) للأولياء وَدفعت لَهُم فَإِنَّهَا (بِحَسب الْمِيرَاث قد تقسمت) على فَرَائض الله تَعَالَى بعد قَضَاء دُيُونه فتأخذ مِنْهَا الزَّوْجَة وَالْأَخ للْأُم وَلَا شَيْء لأهل الْوَصَايَا مِنْهَا لِأَنَّهُ مَال طَرَأَ لم يعلم بِهِ الْمُوصي والوصايا إِنَّمَا تدخل فِيمَا علم بِهِ كَمَا مر فِي بَابهَا، بل لَو قَالَ: إِن قبل أَوْلَادِي الدِّيَة، أَو قَالَ: وصيتي فِيمَا علمت وَفِيمَا لم أعلم لم تدخل الْوَصَايَا فِي شَيْء من الدِّيَة، ابْن رشد: لِأَنَّهُ مَال لم يكن، نعم إِن أنفذت مقاتله وَقبل وَارثه الدِّيَة وَعلم بقبوله إِيَّاهَا فَإِن الْوَصَايَا حِينَئِذٍ تدخل فِي الدِّيَة، سَوَاء كَانَت الْوَصَايَا قبل الْعلم أَو بعده (خَ) : بِخِلَاف الْعمد فَلَا تدخل الْوَصَايَا فِي دِيَته إِلَّا أَن ينفذ مَقْتَله وَيقبل وَارثه الدِّيَة وَعلم الخ. بِخِلَاف دِيَة الْخَطَأ فَإِن الْوَصَايَا تدخل فِيهَا إِن عَاشَ بعد الْجرْح مَا يُمكنهُ فِيهِ التَّغْيِير فَلم يُغير، وَظَاهر قَول النَّاظِم: بِحَسب الْمِيرَاث الخ. وَلَو ثَبت الْقَتْل بقسامة الْعصبَة المحجوبين بذوي الْفُرُوض مثلا وَهُوَ كَذَلِك كَمَا مر عِنْد قَوْله: ويحلفونها على الْبَتَات الخ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى قدر الدِّيَة وحبسها وَهِي كَمَا قَالَ ابْن عَرَفَة: مَال يجب بقتل آدَمِيّ حر عَن دَمه أَو بجرحه مُقَدرا شرعا لَا بِاجْتِهَاد الخ. فَقَوله مَال يَشْمَل الْإِبِل وَغَيرهَا، وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف النَّاس، وَخرج بِالْحرِّ العَبْد فَإِنَّمَا فِيهِ الْقيمَة أَو مَا نَقصه إِن برىء على شين، وَخرج بقوله مُقَدرا شرعا الْحُكُومَة فَإِنَّهَا بِالِاجْتِهَادِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَفِي جراح الْخَطَأ الْحُكُومَة الخ فَقَالَ: وَجُعِلتْ دِيةُ مُسلِمٍ قُتِلْ على البوادِي مائَة مِنَ الإبِلْ (وَجعلت دِيَة) حر (مُسلم قتل) خطأ أَو عمدا وعفي عَنهُ على دِيَة مُبْهمَة أَو عَفا الْبَعْض أَو
стр. 1273
صَالح فَلِمَنْ لم يعف وَلم يُصَالح نصِيبه من الدِّيَة كَمَا مر أَو قدرهَا فِي الْخَطَأ والعمد الْمَذْكُورين (على) أهل (الْبَوَادِي) القاتلين (مائَة من الْإِبِل) إِن كَانُوا أهل إبل إِلَّا أَنَّهَا فِي الْخَطَأ مخمسة كَمَا يَأْتِي منجمة على الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين تحل بأواخرها، والجاني كواحد مِنْهُم، وَأما فِي الْعمد فَهِيَ على الْقَاتِل وَحده حَالَة عَلَيْهِ مربعة كَمَا قَالَ: والحُكْمُ بالتَّرْبِيع فِي العَمْدِ وَجَبْ وألفُ دِينارٍ على أهْلِ الذّهَبْ (وَالْحكم بالتربيع فِي الْعمد وَجب) فَيُؤَدِّي خمْسا وَعشْرين من كل صنف من الْأَصْنَاف الْآتِيَة (خَ) : وربعت فِي عمد بِحَذْف ابْن اللَّبُون، وَفهم مِنْهُ أَنَّهَا لَا تربع فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة أَي لَا تغلظ فيهمَا، وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور بِخِلَاف الْمُثَلَّثَة الْآتِيَة فِي قَوْله: وغلظت وثلثت فِي الْإِبِل، فَإِنَّهَا تغلظ فِيهَا كَمَا يَأْتِي (و) قدرهَا (ألف دِينَار على أهل الذَّهَب) كالشامي والمصري والمغربي وَصرف الدِّينَار إثنا عشر درهما شَرْعِيًّا كَمَا تقدم فِي بَاب النِّكَاح. وَقَدْرُها على أُوْلي الوَرقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَا أَدْنَى (وقدرها لأهل ورق) بِسُكُون الرَّاء لُغَة كالعراق وَفَارِس وخراسان. (اثْنَا عشر ألف دِرْهَم لَا أدنى) من ذَلِك فَإِن لم يَكُونُوا من أهل الْإِبِل وَلَا الذَّهَب وَلَا الْوَرق بل كَانُوا أهل خيل أَو بقر أَو غنم فَهَل يكلفون بِمَا يجب على أقرب الحواضر إِلَيْهِم أَو يكلفون بِدفع قيمَة الْإِبِل لِأَنَّهَا الأَصْل وَاسْتظْهر الأول. وَفهم من النّظم أَن الْمُعْتَبر أهل الْقَاتِل فِي جَمِيع هَذِه الْأُمُور لَا أهل الْمَقْتُول، وَفهم مِنْهُ أَيْضا أَن أهل الْإِبِل إِذا أَرَادوا أَن يؤدوها من الذَّهَب أَو أهل الذَّهَب أَرَادوا أَن يؤدوها من الْإِبِل لَا تقبل مِنْهُم إِلَّا بِرِضا الْأَوْلِيَاء ويراعى فِي ذَلِك حِينَئِذٍ بيع الدّين فَلَا يجوز أَخذ ذهب عَن ورق لأجل لِأَنَّهُ صرف مُؤخر، وَيجوز مَعَ حلولهما وتعجيلهما لِأَنَّهُ صرف لما فِي الذِّمَّة وَصرف مَا فِي الذِّمَّة جَائِز بعد حلولهما لَا قبله، وَأما أَخذ الْعرض نَقْدا من أهل الذَّهَب أَو الْوَرق فَجَائِز وَلَو لم يحل كَبيع الدّين، وَيجوز أَخذ الثَّوْب أَو الذَّهَب أَو الْوَرق من أهل الْإِبِل إِن عجل بِالْفِعْلِ، وإلاَّ فَلَا. لما يلْزم عَلَيْهِ من فسخ الدّين فِي الدّين، وَلَا يجوز أَيْضا أَخذ إبل أَو ذهب أَو ورق أقل من الْوَاجِب قبل حُلُول أجلهَا لما يلْزم عَلَيْهِ من ضع وتعجل، وَلَا أَخذ أَكثر لأبعد من الْأَجَل لِأَنَّهُ سلف بِزِيَادَة. ونِصْفُ مَا ذُكِرَ فِي اليَهُودِ وَفِي النّصَارى ثَابتُ الوُجودِ (وَنصف مَا ذكر) وَهُوَ خَمْسُونَ من الْإِبِل مخمسة فِي الْخَطَأ ومربعة فِي الْعمد أَو خَمْسمِائَة
стр. 1274
دِينَار أَو سِتَّة آلَاف دِرْهَم (فِي) قتل (الْيَهُودِيّ) ذِمِّيا أَو معاهداً (و) الحكم كَذَلِك (فِي) قتل الْوَاحِد من (النَّصَارَى) وَقَوله (ثَابت الْوُجُود) خبر عَن نصف وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بِهِ قَالَ (ت) : وَكَانَ من حَقه أَن يزِيد هُنَا بَيْتا فَيَقُول مثلا: وَفِي الْمَجُوسِيّ وَفِي الْمُرْتَد ثلث خمس فادره بالعد وَيقْرَأ ثلث بِضَم اللَّام، وَخمْس بِسُكُون الْمِيم للوزن فديَة الْمَجُوسِيّ، وَالْمُرْتَدّ من الذَّهَب سِتَّة وَسِتُّونَ دِينَارا وَثلثا دِينَار، وَمن الْفضة ثَمَانمِائَة دِرْهَم، وَمن الْإِبِل سِتَّة أَبْعِرَة وَثُلُثَانِ. وَفِي النِّسَاءِ الحُكْمُ تَنْصِيفُ الدّيهْ وحالُهُ فِي كلِّ صِنْفٍ مُغْنِيَهْ (وَفِي النِّسَاء) من كل صنف تقدم مسلمات أَو كتابيات أَو مجوسيات أَو مرتدات. (الحكم تنصيف الدِّيَة) فديَة كل امْرَأَة على نصف دِيَة ذكر ملتها (وحاله) أَي التنصيف (فِي كل صنف مغنيه) عَن بَيَانهَا فَيجب فِي الْمسلمَة خَمْسُونَ من الْإِبِل، وَفِي الْيَهُودِيَّة والنصرانية خمس وَعِشْرُونَ، وَفِي الْمَجُوسِيَّة والمرتدة ثَلَاثَة أَبْعِرَة وَثلث، وَقس على ذَلِك فِي الذَّهَب وَالْوَرق (خَ) : وَفِي الْكِتَابِيّ والمعاهد نصفه، والمجوسي وَالْمُرْتَدّ ثلث وَخمْس وَأُنْثَى كل نصفه. وَتَجِبُ الديةُ فِي قَتلِ الخَطَا والإبِلُ التّخميسُ فِيهَا قُسِّطا (وَتجب الدِّيَة فِي قتل الخطا) وَمِنْه عمد الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَمَا لَا يقْتَصّ مِنْهُ من الْجراح لإتلافه كجائفة وآمة وَكسر فَخذ فَإِن ذَلِك كُله على الْعَاقِلَة، وَإِنَّمَا وَجَبت الدِّيَة فِي الْخَطَأ لقَوْله تَعَالَى: وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله﴾ (النِّسَاء: ٩٢) (وَالْإِبِل) الْمَأْخُوذَة فِيهَا (التخميس) مُبْتَدأ ثَان خَبره (فِيهَا قسطا) عشرُون بنت مَخَاض وَهِي الَّتِي دخلت فِي السّنة الثَّانِيَة وَعِشْرُونَ بنت لبون وَهِي مَا دخلت فِي الثَّالِثَة، وَعِشْرُونَ ابْن لبون كَذَلِك، وَعِشْرُونَ حقة وَهِي مَا دخلت فِي الرَّابِعَة وَعِشْرُونَ جَذَعَة وَهِي مَا دخلت فِي الْخَامِسَة، وَتقدم أَنَّهَا تربع فِي الْعمد بِحَذْف ابْن لبون. تَحمِلُهَا عاقِلَةٌ للقاتِلِ وَهْيَ القَرَابةُ مِنَ الْقَبَائِلِ (تحملهَا) أَي دِيَة الْخَطَأ (عَاقِلَة للْقَاتِل) وَهُوَ كواحد مِنْهُم وَتَكون منجمة عَلَيْهِم كَمَا يَأْتِي
стр. 1275
(وَهِي) أَي الْعَاقِلَة (الْقَرَابَة من الْقَبَائِل) أَرَادَ الطَّبَقَات الَّتِي ينتسب إِلَيْهَا الْقَاتِل بِدَلِيل قَوْله: بعد الْأَدْنَى فالأدنى فَيبْدَأ بالفصيلة ثمَّ الْفَخْذ ثمَّ الْبَطن ثمَّ الْعِمَارَة بِالْفَتْح ثمَّ الْقَبِيلَة ثمَّ الشّعب بِالْفَتْح، وَقد نظمها بَعضهم فَقَالَ: قَبيلَة قبلهَا شعب وبعدهما عمَارَة ثمَّ بطن يتلوه فَخذ وَلَيْسَ يأوى الْفَتى إِلَّا فصيلته وَلَا سداد لسهم مَاله قذذ جمع قُذَّة وَهِي ريش السهْم، فَهَذِهِ طَبَقَات قبائل الْعَرَب، فبنو الْعَبَّاس مثلا فصيلة، وَبَنُو هَاشم فَخذ، وَبَنُو قصي بطن، وقريش عمَارَة وكنانة قَبيلَة، وَخُزَيْمَة شعب. وَقَول ابْن الْحَاجِب: يبْدَأ بالفخذ يَعْنِي إِذا لم يكن فِي الفصيلة كِفَايَة، وَهَذَا التَّرْتِيب الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي فِي ابْن الْحَاجِب وَهُوَ الْمَذْهَب وَهُوَ رَاجع إِلَى اللُّغَة (خَ) : وَهل حد الْعَاقِلَة سَبْعمِائة أَو الزَّائِد على ألف؟ قَولَانِ. وعَلى الأول الْعَمَل كَمَا فِي نظم الْعَمَل الْمُطلق فَإِذا وجد هَذَا الْعدَد مثلا من الفصيلة لَا يضم إِلَيْهِم الْفَخْذ وإلاَّ ضم إِلَيْهِم وَهَكَذَا، وَعَلِيهِ فَيُقَال فِي قبائل الْمغرب: يبْدَأ بِمد شَرّ الْقَاتِل الَّذين هم إخوانه وقرابته، فَإِن لم تكن فيهم كِفَايَة وَلم يحصل مِنْهُم الْعدَد الْمَذْكُور فجماعته، فَإِن لم تكن فيهم كِفَايَة فربع قبيلته إِن كَانَ الْقَبِيلَة منقسمة أَربَاعًا مثلا، فَإِن لم تكن فيهم كِفَايَة فَجَمِيع قبيلته، فَإِن لم تكن فيهم كِفَايَة فأقرب الْقَبَائِل إِلَيْهِم وَهُوَ معنى قَول (خَ) : وَغَيره وَهِي أَي الْعَاقِلَة الْعصبَة وبدىء بالديوان إِن أعْطوا ثمَّ يبْدَأ بهَا أَي بالعصبة الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب، ثمَّ الموَالِي الأعلون ثمَّ الأسفلون، ثمَّ إِذا لم يكن للْقَاتِل عصبَة وَلَا قَبيلَة فبيت المَال يعقل عَنهُ إِن كَانَ الْجَانِي مُسلما، فَإِن لم يكن بَيت مَال أَو كَانَ وَلَكِن لَا يُمكن الْوُصُول إِلَيْهِ، فَالدِّيَة على الْجَانِي وَحده بِنَاء على الْمَشْهُور من أَنه كواحد من الْعَاقِلَة وعَلى مُقَابِله تسْقط. وَقَوله: وبدىء بالديوان الخ. يَعْنِي أَنه يقدم الدِّيوَان على عصبَة الْجَانِي الَّذين لَيْسُوا مَعَه فِي الدِّيوَان، والديوان عبارَة عَن الذمام الَّذِي يجمع فِيهِ الإِمَام أَفْرَاد الأجناد على عَطاء يخرج لَهُم من بَيت المَال فِي أَوْقَات مَعْلُومَة أَي: فيقدمون قبل عصبَة الْجَانِي، وَإِن كَانُوا من قبائل شَتَّى لأجل تناصرهم، فَإِن لم تكن فيهم كِفَايَة فيعينهم الْعصبَة الَّذين لَيْسُوا مَعَه فِي الدِّيوَان، وَهَكَذَا على التَّرْتِيب الْمُتَقَدّم.
стр. 1276
وَمَا ذكره من أَنه يبْدَأ بالديوان هُوَ الَّذِي فِي الْمُوازِية والعتبية وَهُوَ خلاف ظَاهر الْمُدَوَّنَة من أَن الْعقل على الْقَبَائِل على التَّرْتِيب الْمُتَقَدّم كَانَ الْجَانِي دَاخِلا فِي ديوَان أم لَا. وَهُوَ الْمُعْتَمد وَالْقَوْل بتبدئة الدِّيوَان ضَعِيف كَمَا للخمي. تَنْبِيهَانِ. الأول: فِي نَوَازِل العلمي أَنه لَا عَاقِلَة فِي هَذَا الزَّمَان، وَلَا يُمكن الْوُصُول لبيت المَال، فَالدِّيَة فِي مَال الْجَانِي، وَسَيَأْتِي مثله لِابْنِ رحال عِنْد قَوْله: كَذَا على الْمَشْهُور من معترف الخ. الثَّانِي: عَاقِلَة الذِّمِّيّ أهل دينه الَّذين مَعَه فِي بَلَده فَلَا يعقل يَهُودِيّ مَعَ نَصْرَانِيّ وَلَا عَكسه، والمعاهد إِذا قتل أحدا فَإِن الدِّيَة فِي مَاله لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَة لَهُ، ثمَّ الْعَاقِلَة إِنَّمَا تحمل الدِّيَة. حيثُ ثبوتُ قَتْلِهِ بالبيِّنَه أَوْ بِقَسامَةٍ لَهُ مُعَيَّنَهْ (حَيْثُ ثُبُوت قَتله بِالْبَيِّنَةِ) التَّامَّة (أَو بقسامة) بشروطها الْمُتَقَدّمَة (لَهُ) أَي للْقَتْل خطأ (مُعينَة) . وَمَفْهُوم بِالْبَيِّنَةِ أَو الْقسَامَة أَن الْقَتْل إِذا ثَبت باعتراف الْقَاتِل لَا تحمل دِيَته الْعَاقِلَة، وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: كَذَا على الْمَشْهُور من معترف الخ. لِأَن الْعَاقِلَة لَا تحمل عمدا عداء وَلَا اعترافاً وَلَا قَاتل نَفسه عمدا أَو خطأ وَلَا مَا دون الثُّلُث كدية مُوضحَة، وَأما مَا بلغ الثُّلُث كدية الْجَائِفَة فتحمله كَمَا يَأْتِي فِي الْبَيْت الثَّالِث بعده، ثمَّ من الِاعْتِرَاف إِقْرَار الْمَرْأَة أَنَّهَا نَامَتْ على وَلَدهَا حَتَّى قتلته (خَ) : ونجمت دِيَة الْحر بِلَا اعْتِرَاف على الْعَاقِلَة الخ. فمفهومه أَن الِاعْتِرَاف لَا يكون على الْعَاقِلَة، بل هُوَ فِي مَال الْجَانِي فَلَو نَام الرجل مَعَ زَوجته فَأصْبح الْوَلَد مَيتا وَلَا يدْرِي من رقد عَلَيْهِ فَهُوَ هدر كَمَا أفتى بِهِ ابْن عبد السَّلَام، وَأما الْمَرْأَة الهاربة عَن رضيعها حَتَّى مَاتَ الْوَلَد من عدم اللَّبن فَقَالَ ابْن هَارُون: دِيَته على عاقلتها، وقاسها بالمسافرين الَّذين منعُوا المَاء حَتَّى مَاتُوا عطشاً. ابْن فَرِحُونَ: إِذا شربت الْحَامِل دَوَاء فَأَلْقَت جَنِينهَا فَلَا شَيْء عَلَيْهَا إِذا كَانَ الدَّوَاء مَأْمُونا يَعْنِي لَا غرَّة عَلَيْهَا، وَلَو سقت وَلَدهَا دَوَاء فَمَاتَ فَلَا شَيْء عَلَيْهَا. يَدفَعُها الأَدْنَى فالأَدْنى بِحَسَبْ أحوالِهِم وحكْمُ تَنجِيمٍ وَجَبْ (يَدْفَعهَا) إِلَى دِيَة الْخَطَأ (الْأَدْنَى) للْقَاتِل (فالأدنى) لَهُ فَإِن كَانَ فِي الفصيلة كِفَايَة لم يلْزم الْفَخْذ شَيْء كَمَا مر. وَتقدم هَل حَدهَا سَبْعمِائة الخ؟ وتقسط عَلَيْهِم (بِحَسب أَحْوَالهم) وَقدر طاقتهم (خَ) : وَضرب على كل مَا لَا يضر أَي: فالغني بِحَسبِهِ وَغَيره بِحَسبِهِ. قَالَ فِي المناهج:
стр. 1277
لَا حد لما يُؤْخَذ من كل وَاحِد مِنْهُم، وَإِنَّمَا ذَلِك على قدر الْيُسْر والعسر وَهُوَ الصَّحِيح اه. وَقَالَ الشَّافِعِيَّة: يُؤْخَذ من الْغَنِيّ نصف دِينَار وَهُوَ الَّذِي ملك عشْرين دِينَارا بعد الْمسكن وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَمن الْمُتَوَسّط ربع دِينَار وَهُوَ الَّذِي يملك أقل من ذَلِك اه. وَلَا تسْقط على فَقير وَلَا امْرَأَة، وَلَو وَقع الْقَتْل مِنْهُمَا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: من مُوسر الخ. (وَحكم تنجيم) للدية الْكَامِلَة على الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين (وَجب) فتؤدي فِي آخر كل سنة ثلثهَا وَابْتِدَاء التنجيم من يَوْم الحكم لَا من يَوْم الْقَتْل أَو الْخِصَام، واحترزت بالكاملة من غَيرهَا كَمَا لَو وَجب ثلث الدِّيَة كجائفة، فَإِنَّهَا تؤجل بِسنة وَالثُّلُثَانِ كآمة وجائفة بِسنتَيْنِ، فَإِن كَانَ الْوَاجِب نصفا كَقطع يَد فسنتان للثلث سنة وللسدس سنة أُخْرَى، وَكَذَا لَو كَانَ الْوَاجِب ثَلَاثَة أَربَاع الدِّيَة كَقطع يَد وأصبعين وَسن وَاحِدَة بِخمْس وَسبعين من الْإِبِل فثلثاها بِسنتَيْنِ، وللزائد سنة أُخْرَى (خَ) : وَنجم فِي الثَّلَاثَة الأرباع بالتثليث وللزائد سنة. من مُوسِرٍ مُكَلَّفٍ حُرَ ذكَرْ موافِقٍ فِي نِحْلَةٍ وَفِي مَقَرْ ثمَّ بَين من تقسط عَلَيْهِ بقوله: (من مُوسر مُكَلّف حر ذكر) فَلَا تقسط على فَقير وَلَا صبي وَلَا مَجْنُون وَلَا عبد وَلَا امْرَأَة، وَظَاهره وَلَو وَقع الْقَتْل مِنْهُم وَهُوَ كَذَلِك (خَ) : وعقل عَن صبي وَمَجْنُون وَامْرَأَة وفقير وغارم وَلَا يعْقلُونَ أَي: لَا يعْقلُونَ عَن أنفسهم وَلَا عَن غَيرهم، وَالْمرَاد بالغارم الْمديَان الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَا يَفِي بِالدّينِ أَو يبْقى بِيَدِهِ مَا يعد بِهِ فَقِيرا، وَشَمل قَوْله: مُكَلّف السَّفِيه فَإِنَّهُ كالرشيد فِي الْعقل عَن نَفسه وَعَن غَيره، وَفهم مِنْهُ أَن الْمُعْتَبر وَقت الضَّرْب والتقسيط، فَإِذا أسلم الْكَافِر أَو عتق العَبْد أَو بلغ الصَّبِي بعد الضَّرْب وَقبل أَدَائِهَا فَلَا شَيْء عَلَيْهِم وَلَا يقسط مَا ضرب على الْغَنِيّ بفقره بعد. (مُوَافق فِي نحلة) أَي دين فَلَا يعقل مُسلم عَن كَافِر مُطلقًا، وَلَو من عصبته على تَقْدِير إِسْلَامه وَلَا عَكسه وَلَا يَهُودِيّ عَن نَصْرَانِيّ وَلَا عَكسه. ابْن الْحَاجِب: وَلَا نضرب على فَقير وَلَا مُخَالف فِي دين الخ. وَلَيْسَ المُرَاد بالنحلة المَال المنحول أَي الْمُعْطى فِي الدِّيَة لِأَن هَذَا هُوَ قَوْله: (وَفِي مقرّ) أَي مَحل الْقَرار وَالسُّكْنَى (خَ) : وَلَا دُخُول لبدوي مَعَ حضري أَي: وَلَو من عصبَة الْقَاتِل، وَلَا شَامي مَعَ مصري وَلَو من عصبته أَيْضا مُطلقًا اتَّحد جنس الدِّيَة عِنْد كل أم لَا، وَذَلِكَ لِأَن الْعلَّة التناصر والبدوي لَا ينصر الحضري، وَكَذَلِكَ الشَّامي مَعَ الْمصْرِيّ، وَإِنَّمَا الدِّيَة على أهل قطره، فَإِن لم يكن فيهم الْعدَد الْمُعْتَبر فيضم
стр. 1278
أقرب الأقطار إِلَيْهِم كَمَا مر. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا لَا تحمله الْعَاقِلَة فَقَالَ: وكونُهَا مِن مَال جانٍ إنْ تَكُنْ أَقَلَّ مِن ثُلْثٍ بذَا الحُكْمُ حَسَنْ (وَكَونهَا) أَي الدِّيَة وَمَا فِي مَعْنَاهَا من الْغرَّة والحكومة (من مَال جَان) حَالَة عَلَيْهِ (إِن تكن) هِيَ أَي الدِّيَة وَمَا فِي مَعْنَاهَا (أقل من ثلث) دِيَة الْمَجْنِي عَلَيْهِ ودية الْجَانِي مَعًا فَمَتَى نقصت عَن دِيَتهمَا مَعًا فَهِيَ فِي مَال الْجَانِي حَالَة عَلَيْهِ كجناية حر مُسلم على مثله مُوضحَة أَو هاشمة أَو قطع أصْبع من مسلمة وَنَحْو ذَلِك، وَمَتى بلغت ثلث دِيَتهمَا مَعًا أَو ثلث دِيَة أَحدهمَا حملتها الْعَاقِلَة، فَإِذا قطع مُسلم من مَجُوسِيَّة أصبعين فَتحمل ذَلِك عَاقِلَته، وَإِن لم يبلغ ذَلِك ثلث دِيَته والإصبعان أَكثر من ثلث دِيَتهَا لِأَن لَهَا فيهمَا مثل مَا للرِّجَال من أهل دينهَا، وَذَلِكَ مائَة وَسِتُّونَ درهما وَثلث دِيَتهَا مائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ درهما وَثلث دِرْهَم، وَكَذَلِكَ كل امْرَأَة دِيَة إصبعها أَكثر من ثلث دِيَتهَا لِأَنَّهَا تَسَاوِي ذكرهَا لثلث دِيَته ثمَّ ترجع لديتها، فَإِذا قطع مُسلم أصبعين من ذِمِّيَّة فلهَا فيهمَا عشر من الْإِبِل لِأَنَّهَا كذكرها فيهمَا فَتحمل ذَلِك عَاقِلَته لِأَن عشرا من الْإِبِل أَكثر من ثلث خَمْسَة وَعشْرين الَّتِي هِيَ دِيَتهَا، وَإِن قطعت مَجُوسِيَّة أصبعاً وَاحِدًا من مُسلم حر فَذَلِك على عاقلتها لِأَن ذَلِك أَكثر من ثلث دِيَتهَا بل وَمن جَمِيع دِيَتهَا لِأَن عشرا من الْإِبِل الْوَاجِبَة فِي قطع أصْبع الْمُسلم أَكثر من ثَلَاثَة أَبْعِرَة وَثلث الَّتِي هِيَ دِيَة الْمَجُوسِيَّة وَهَكَذَا. (بذا الحكم حسن) بِضَم السِّين وَهُوَ الْمَشْهُور (خَ) : ونجمت دِيَة الْحر الْخَطَأ بالاعتراف على الْعَاقِلَة والجاني إِذا بلغ ثلث دِيَة الْمَجْنِي أَو الْجَانِي وَمَا لم يبلغ فحال عَلَيْهِ الخ. وَاحْترز بِالْحرِّ من العَبْد فَإِن قِيمَته على الْجَانِي كَمَا مر، وَإِن كَانَ هُوَ الْجَانِي فَذَلِك فِي رقبته وَظَاهر النّظم و (خَ) إِن مَا لم يبلغ الثُّلُث هُوَ فِي مَال الْجَانِي وَلَو كَانَ صَبيا أَو مَجْنُونا، وَهُوَ كَذَلِك كَمَا قرر بِهِ الزّرْقَانِيّ وَصرح بِهِ فِي الشَّامِل فَقَالَ: وَالدية على عاقلتهما إِن بلغت الثُّلُث وإلاَّ فَفِي مَالهمَا أَو ذمتهما إِن لم يكن لَهما مَال الخ. وَاعْتِرَاض الشَّيْخ بناني على (ز) سَاقِط. كَذَا على الْمَشْهُورِ مِنْ مُعْتَرِفِ تُؤْخَذُ أَوْ مِنْ عَامِدٍ مُكَلَّفِ (كَذَا على الْمَشْهُور من) مَال (معترف) بِالْقَتْلِ خطأ أَو بِالْجرْحِ خطأ (تُؤْخَذ) حَالَة من الْعَاقِلَة، وَبِه صدر فِي الشَّامِل، وَبِه قرر (خَ) شراحه. وَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال. أَحدهَا: مَا تقدم وَقيل على الْعَاقِلَة بقسامة من الْأَوْلِيَاء، وَقيل على الْعَاقِلَة أَيْضا مَا لم يتهم الْمقر بإغناء الْوَرَثَة لكَوْنهم أقرباء لَهُ أَو ملاطفين لَهُ، وَقيل إِن كَانَ الْمقر عدلا، وَالَّذِي تجب بِهِ الْفَتْوَى، وَعَلِيهِ اقْتصر ابْن الْحَاجِب وَعَزاهُ ابْن الْجلاب لمذهبها وَهُوَ فِي الدِّيات مِنْهَا، وَرجحه ابْن مَرْزُوق وَابْن رحال فِي شَرحه: أَن الْمقر إِذا أقرّ لمن لَا يتهم عَلَيْهِ وَكَانَ عدلا مَأْمُونا لَا يخْشَى عَلَيْهِ أَخذ الرِّشْوَة فَالدِّيَة على
стр. 1279
الْعَاقِلَة بقسامة، فَإِن أَبَوا أَن يقسموا فَلَا شَيْء لَهُم على الْعَاقِلَة وَلَا على الْمقر، وَمِنْه تعلم أَن الْمَرْأَة لَا يقبل اعترافها بنومها على وَلَدهَا لاتهامها بإغناء إخوانه أَو أَبِيه، هَذَا إِذا كَانَ الْمُعْتَرف لَهُ عَاقِلَة، وَأما إِذا كَانَ لَا عَاقِلَة لَهُ فَقيل فِي مَاله أَيْضا، وَقيل فِي بَيت المَال، وَقيل مَا ينوبه فِي مَاله وَيسْقط الْبَاقِي، وَقيل هدر. قَالَ أَبُو الْحسن: وَكَانَ الْفَقِيه رَاشد يُفْتِي بِأَنَّهَا فِي مَاله أَخذ ذَلِك من قَول ابْن الْقَاسِم فِي الْمعَاهد يقتل مُسلما خطأ إِن ذَلِك فِي مَاله إِذْ لَا يتَوَصَّل إِلَى عَاقِلَته وَبَيت المَال مُتَعَذر اه. قَالَ ابْن رحال: وَمَا أفتى بِهِ الْفَقِيه رَاشد يُقَوي القَوْل بِأَن دِيَة الِاعْتِرَاف على الْمقر لِأَن بَيت المَال الْيَوْم مُتَعَذر وَالْأَخْذ من الْقَبَائِل كَذَلِك بِلَا ريب، فَإِن الْأَخْذ من الْقَبَائِل إِنَّمَا يكون بسطوة السُّلْطَان والاعتناء بذلك من السُّلْطَان غير كَائِن وَمن شكّ فَإِن الْعَرَب بِالْبَابِ اه. وَهَذَا صَرِيح فِي أَن الْأَخْذ من الْعَاقِلَة مُتَعَذر الْيَوْم لعدم اعتناء السلاطين بذلك وَهُوَ مَا تقدم عَن نَوَازِل العلمي. (أَو من عَامِد مُكَلّف) أَي: وكما أَن الدِّيَة تُؤْخَذ من الْمُعْتَرف بالْخَطَأ وَلَا تحملهَا الْعَاقِلَة، كَذَلِك تُؤْخَذ من الْعَامِد إِذا كَانَ مُكَلّفا لَا إِن كَانَ صَبيا أَو مَجْنُونا فَإِن عمدهما كالخطأ تحمله الْعَاقِلَة إِن بلغت الثُّلُث، وإلاَّ فَفِي مَالهمَا كَمَا مر، وَكَذَلِكَ لَا تحمل الْعَاقِلَة دِيَة غلظت على الْأَب وَإِن علا فِي عمد لم يقتل بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وغلظت فثلثت فِي الْإِبِل، وَكَذَلِكَ لَا تحمل الْعمد الَّذِي سقط فِيهِ الْقصاص لعدم المماثل بِخِلَاف الْعمد الَّذِي لَا قصاص فِيهِ لإتلافه كجائفة ومأمومة وَكسر فَخذ، فَإِنَّهُ مُلْحق بالْخَطَأ فتحمله الْعَاقِلَة إِن بلغت الْحُكُومَة فِي كسر الْفَخْذ ثلث الدِّيَة كَمَا مر (خَ) : مشبهاً فِيمَا لَا تحمله الْعَاقِلَة مَا نَصه كعمد ودية غلظت وساقط لعدمه إِلَّا مَا لَا يقْتَصّ مِنْهُ من الْجراح لإتلافه فعلَيْهَا. وَفِي الجَنِينِ غَرَّةٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ قِيمَةٌ كالإرْثِ فِي اسْتِعمَالِهِ (و) يجب على المتسبب (فِي) إِلْقَاء (الْجَنِين) الْوَاحِد وَإِن علقَة وَهِي الدَّم الْمُجْتَمع الَّذِي إِذا صب عَلَيْهِ المَاء الْحَار لم يذب (غرَّة من مَاله) وَهِي عبد أَو وليدة أَي أمة صَغِيرَة كَبِنْت سبع سِنِين (أَو قيمَة) الْغرَّة وَهِي عشر دِيَة الْأُم إِن كَانَت أمة جرة أَو عشر قيمتهَا إِن كَانَت أمة فَفِي جَنِين الْحرَّة الْمسلمَة عشر دِيَة أمة وَهِي خَمْسُونَ دِينَارا على أهل الذَّهَب وسِتمِائَة دِرْهَم على أهل الْوَرق أَو عبد أَو وليدة تَسَاوِي ذَلِك وَهَكَذَا فِي جَنِين الْحرَّة الْكِتَابِيَّة والمجوسية، وَنَحْو ذَلِك إِذا كَانَ الْجَنِين مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، فَإِن كَانَ العَبْد أَو الوليدة لَا تَسَاوِي الْعشْر الْمَذْكُور بل نقصت عَنهُ، فَلَا يلْزم أهل الْغرَّة قبولهما، وَمهما بذل عشر دِيَة الْأُم أَو العَبْد أَو الوليدة الَّتِي تساويهم لَزِمَهُم
стр. 1280
الْقبُول، وَأما جَنِين الْأمة فَفِيهِ عشر قيمَة أمه مَا لم يكن من سَيِّدهَا الْحر الْمُسلم، فَإِنَّهُ كجنين الْحرَّة الْمسلمَة، وَكَذَلِكَ جَنِين الْيَهُودِيَّة والنصرانية من العَبْد الْمُسلم فَإِنَّهُ كَالْحرَّةِ الْمسلمَة أَيْضا، وَظَاهره أَن الْخِيَار للجاني فِي دفع الْعشْر أَو الْغرَّة وَهُوَ كَذَلِك فِي جَنِين الْحرَّة، وَأما جَنِين الْأمة فَيتَعَيَّن فِيهِ الْعين، وَظَاهره أَيْضا كَانَ الْجَنِين ذكرا أَو أُنْثَى كَانَت أمة مسلمة أَو كَافِرَة كَانَ أَبوهُ حرا أَو عبدا، لِأَن الْجَنِين تَابع لأمه، وَظَاهره أَيْضا كَانَ التَّسَبُّب فِي إلقائه عمدا أَو خطأ بِضَرْب أَو شتم أَو تخويف، وَهُوَ كَذَلِك لَا بِمُجَرَّد شتم فَإِنَّهُ لَا شَيْء فِيهِ، وَظَاهره كَانَ المتسبب أَبَاهُ أَو أمه أَو غَيرهمَا وَهُوَ كَذَلِك، فَلَو ضربت هِيَ بَطنهَا أَو شربت مَا تلقيه بِهِ أَو شمت رَائِحَة فألقته بذلك حَال تَقْصِيرهَا عِنْد الشم بتدارك أكل مَا شمته لوجدت الْغرَّة عَلَيْهَا، وَإِن شمت سمكًا أَو جبنا أَو نَحْو ذَلِك فعلَيْهَا طلب ذَلِك فَإِن لم تطلب وَإِن لم يعلمُوا بِحَالِهَا فعلَيْهَا الْغرَّة لتقصيرها وتسببها، فَإِن طلبت وَلم يعطوها فالغرة عَلَيْهِم علمُوا بحملها أم لَا، وَكَذَلِكَ إِن علمُوا بِهِ، وَأَن ريح الطَّعَام أَو السّمك يُسْقِطهَا، وَإِن لم تطلب كَمَا فِي (ز) وَقَوله: من مَاله أَي مَال الْجَانِي حَالَة عَلَيْهِ، وَهَذَا فِي الْعمد مُطلقًا وَفِي الْخَطَأ إِذا لم تبلغ ثلث دِيَة الْجَانِي، وَإِلَّا فتحملها الْعَاقِلَة. فَفِي الْمُدَوَّنَة وَإِن ضرب مَجُوسِيّ أَو مَجُوسِيَّة بطن مسلمة خطأ فَأَلْقَت جَنِينا مَيتا حَملته عَاقِلَة الضَّارِب، وَمحل هَذَا كُله إِذا ألقته مَيتا أَو حَيا وَلم يستهل وَهِي حَيَّة وَإِلَّا بِأَن اسْتهلّ سَوَاء خرج مِنْهَا فِي حَال حَيَاتهَا أَو بعد مَوتهَا، فَفِيهِ فِي التَّسَبُّب خطأ الدِّيَة بقسامة، وَلَو مَاتَ عَاجلا فَإِن لم يقسموا فَلهم الْغرَّة، وَأما فِي التَّسَبُّب الْعمد الَّذِي قصد بِهِ إِلْقَاء الْجَنِين فألقته واستهل فَفِي الْقصاص وَعَدَمه خلاف وَالْمُعْتَمد الْقصاص، وَأما إِن ألقته مَيتا بعد مَوتهَا فَلَا شَيْء فِيهِ، وَإِنَّمَا الدِّيَة فِي أمه أَو الْقصاص، وَإِذا تعدد فَإِن الْغرَّة تَتَعَدَّد بتعدده، وَمحله أَيْضا إِذا شهِدت الْبَيِّنَة بِالسَّبَبِ الَّذِي أَلْقَت جَنِينهَا من أَجله من ضرب أَو تخويف وَأَنه أَمر يخَاف مِنْهُ وَأَنَّهَا لَزِمت الْفراش من وَقت السَّبَب الْمَذْكُور وَشهِدت النِّسَاء أَو غَيْرهنَّ على مُعَاينَة السقط، وَأَنه علقَة ففوق وإلاَّ فَلَا شَيْء فِيهِ إِلَّا الْأَدَب فِي الْعمد وَقَوله: (كَالْإِرْثِ) حَال من الْغرَّة وَمَا عطف عَلَيْهَا أَي حَال كَون الْغرَّة أَو قيمتهَا الَّتِي هِيَ عشر دِيَة الْأُم مقسومة على فَرَائض الله كَالْإِرْثِ (فِي اسْتِعْمَاله) فَيكون للْأَب مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَللْأُمّ الثُّلُث مَا لم يكن لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس، وَإِن لم يكن لَهُ أَب فَهِيَ بَين الْأُم وَالإِخْوَة أَو غَيرهم من الْعصبَة إِلَّا أَن الضَّارِب أَي المتسبب لَا يَرث مِنْهَا وَلَو أَبَا أَو أما، وَلَا يحجب وَارِثا، وَسَوَاء كَانَ التَّسَبُّب عمدا أَو خطأ قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة، وَإِلَى مَسْأَلَة الْغرَّة أَشَارَ (خَ) بقوله فِي الْجَنِين: وَإِن علقَة عشر أمه نَقْدا أَو غرَّة عبد أَو وليدة تساويه وَالْأمة من سَيِّدهَا والنصرانية من العَبْد الْمُسلم كَالْحرَّةِ إِن زايلها
стр. 1281
كُله حَيَّة إِلَّا أَن يحيى فَالدِّيَة إِن قسموا، وَلَو مَاتَ عَاجلا وَإِن تَعَمّده بِضَرْب ظهر أَو بطن أَو رَأس، فَفِي الْقصاص خلاف وتعدد المواجب بتعدده وَورث على الْفَرَائِض الخ. فَقَوله: نَقْدا أَي حَالَة من الذَّهَب أَو الْفضة لَا من الْإِبِل، وَقَوله: أَو غرَّة بِالرَّفْع عطف على عشر أمه، وَقَوله: عبد الخ. بدل من غرَّة، وَقَوله: من العَبْد الْمُسلم وَأَحْرَى من الْحر الْمُسلم وَفهم مِنْهُ أَنه إِذا كَانَ من الْكِتَابِيّ لَا غرَّة فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ عشر دِيَة أمه الْكِتَابِيَّة وَلَو أسلمت بعد الْحمل لِأَن الْجَنِين حِينَئِذٍ غير مَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ تَابع لِأَبِيهِ، فالغرة يشْتَرط فِيهَا حريَّة الْجَنِين وَكَونه مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ وَأما إِن كَانَ رَقِيقا فعشر قيمَة أمه، وَإِن كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ فعشر دِيَة أمه وَبَاقِي كَلَامه يفهم مِمَّا مر بِأَدْنَى تَأمل. تَنْبِيه: تُؤْخَذ مَسْأَلَة تخويف الْحَامِل من قَول (خَ) فِي فصل حرم بِالْإِحْرَامِ وبسبب، وَلَو اتّفق كفزعه فَمَاتَ أَي فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ، فَكَذَلِك الْحَامِل عَلَيْهِ غرتها وَإِن لم يقْصد فزعها وَنزلت بسيدنا عمر ﵁ أرسل أعواناً فرأتهم امْرَأَة فخافت وَأَلْقَتْ جَنِينهَا فَسَأَلَ عمر الصَّحَابَة ﵃ فَقَالُوا: لَا يلزمك شَيْء لِأَنَّك مَا فعلت إِلَّا جَائِزا لَك. وَقَالَ لعَلي ﵁: يَا أَبَا الْحسن مَا تَقوله؟ فَقَالَ: أرى أَن عَلَيْك الْغرَّة فأداها عمر ﵁. وغُلِّظتْ فَثُلِّثَثْ فِي الإبِلِ وقُوِّمَتْ بالْعَيْنِ فِي القَوْلِ الجَلِي (وغلظت) الدِّيَة على الْأَبَوَيْنِ وَإِن علوا وَلَو مجوسيين كَمَا يَأْتِي فِي عمد لم يقتلُوا بِهِ أَو جرح كَذَلِك كرميهم ولدهم بحديدة أَو سيف قصدُوا أدبه أَو لم يقصدوا شَيْئا، فضابطه أَن لَا يقصدوا إزهاق روحه. (فثلثت فِي الْإِبِل) بِثَلَاثِينَ حقة وَهِي الَّتِي دخلت فِي الرَّابِعَة، وَثَلَاثِينَ جَذَعَة وَهِي الَّتِي دخلت فِي الْخَامِسَة، وَأَرْبَعين خلفة وَهِي الَّتِي أَوْلَادهَا فِي بطونها بِلَا حدس فِيهَا (خَ) : وغلظت فِي الْأَب فِي عمد لم يقتلُوا بِهِ كجرحة بِثَلَاثِينَ حقة وَثَلَاثِينَ جَذَعَة وَأَرْبَعين خلفة الخ. وغلظت أَيْضا بحلولها عَلَيْهِم فَهِيَ فِي مَالهم حَالَة لَا منجمة، فَإِن أعدموا فيتبعون بهَا كَمَا مرّ، وَكَذَا تغلظ عَلَيْهِم فِي الْجراح أَيْضا كموضحة أَو مأمومة، وَالْأَصْل فِي تثليثها مَا فِي الْمُوَطَّأ أَن رجلا من بني مُدْلِج حذف ابْنه بِالسَّيْفِ فَأصَاب سَاقه فَمَاتَ، فَحكى ذَلِك لعمر فَقَالَ لسراقة. اعدد لي على مَاء قديد مائَة وَعشْرين من الْإِبِل حَتَّى أقدم عَلَيْك، فَلَمَّا قدم عمر ﵁ أَخذ مِنْهَا الْعدَد الْمَذْكُور وَدفعه لأخ الْمَقْتُول وَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَيْسَ للْقَاتِل شَيْء) اه. وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيل على أَنَّهَا أخذت من إبل الْجَانِي وَحده، وَإِنَّمَا أَخذ كَونهَا من مَال الْجَانِي وَحده من دَلِيل آخر، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ دَلِيل مُقَابل الْمَشْهُور الَّذِي قَالَ: إِن الْمُغَلَّظَة تكون على الْعَاقِلَة، وَمَفْهُوم أَن لَا يقصدوا إزهاق روحه أَنهم إِذا قصدُوا إزهاقها أَو فعلوا فعلا لَا يُمكن مَعَه قصد الْأَدَب كَمَا لَو شَقوا بَطْنه أَو ذبحوه أَو جذوا يَده أَو وضعُوا أصبعهم فِي عينه فأخرجوها، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِم الْقصاص وَلَا يقبل مِنْهُم إِرَادَة الْأَدَب.
стр. 1282
قَالَ الأَجْهُورِيّ: فهم مِمَّا ذكرنَا أَن الْأَب إِذا فعل بِابْنِهِ مَا يُمكن فعله إِلَّا لقصد الْقَتْل أَو الْجرْح فَإِنَّهُ يقْتَصّ مِنْهُ فيهمَا، وَإِن فعل مَا يحْتَمل قصد الْقَتْل أَو الْجرْح وَمَا يحْتَمل غَيرهمَا فَإِن اعْترف بِأَنَّهُ قصد بِهِ الْقَتْل أَو الْجرْح اقْتصّ مِنْهُ أَيْضا، وَإِن لم يعْتَرف بِهِ لم يتقص مِنْهُ سَوَاء ادّعى أَنه أَرَادَ الْأَدَب أَو لم يرد شَيْئا اه. يَعْنِي وتغلظ عَلَيْهِ الدِّيَة حَيْثُ كَانَ مَا رَمَاه بِهِ مَا لَا يُؤَدب بِمثلِهِ كالحديدة وَنَحْوهَا، وَأما إِن كَانَ مِمَّا يُؤَدب بِمثلِهِ فَإِن الدِّيَة على عَاقِلَته كَمَا مر أول الْبَاب وَعند قَوْله: وشبهة تدرؤه الخ. وَقد تقدم أول الْبَاب أَن الْقَتْل إِمَّا عمدا أَو خطأ لَا وَاسِطَة بَينهمَا عِنْد مَالك إِلَّا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي تغلظ فِيهَا الدِّيَة على الْأَب وَنَحْوه، فَإِنَّهَا من شبه الْعمد قَالَ الْبَاجِيّ: لَا خلاف فِي ثُبُوت شبه الْعمد فِي حق الْأَب اه. ابْن الْحَاجِب: وَلذَلِك لَا يَرث الْقَاتِل فِيهَا من مَال الْمَقْتُول شَيْئا وَيقتل غَيرهم بذلك، وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَاسِطَة بَين الْعمد وَالْخَطَأ وَلَا وَاسِطَة بَينهمَا غير هَذَا عِنْد مَالك خلافًا للخمي حَيْثُ أثبت شبه الْعمد فِي ثَلَاث مسَائِل غير هَذِه أَحدهَا: الْقَتْل بِغَيْر آلَة الْقَتْل كالسوط والعصا واللطمة. وَالثَّانيَِة: أَن يكون الْقَتْل صدر مِمَّن أذن لَهُ فِي الْأَدَب كالزوج والمعلم. وَالثَّالِثَة: أَن يصدر من المتلاعبين والمتصارعين الخ. وَتقدم أَن الْقَتْل بِالسَّوْطِ والعصا من الْعمد الَّذِي فِيهِ الْقصاص وَأَن الزَّوْج وَنَحْوه إِذا ضرب بِآلَة يُؤَدب بِمِثْلِهَا فَهُوَ من الْخَطَأ، وإلاَّ فَهُوَ من الْعمد وَإِن الْقَتْل من المتلاعبين خطأ كَمَا مر ذَلِك كُله فِي أول الْبَاب وَلما كَانَ التَّغْلِيظ لَيْسَ خَاصّا بِأَهْل الْإِبِل كَذَلِك تغلظ الدِّيَة على أهل الذَّهَب وَالْوَرق وَكَيْفِيَّة تغليظها عَلَيْهِمَا هُوَ مَا أَشَارَ لَهُ بقوله: (وقومت) دِيَة الْإِبِل مُثَلّثَة ومخمسة لأجل تغليظها (فِي) أَي على أهل (الْعين) أَي فتقوم الديتان مَعًا ليعلم مَا بَين القيميتن فيزاد بنسبته على الْألف دِينَار أَو الاثْنَي عشر ألف دِرْهَم، فَإِذا كَانَت قيمَة المخمسة على أسنانها وتأجيلها مائَة وَقِيمَة الْمُثَلَّثَة على أسنانها وحلولها مائَة وَعشْرين، فَإِن الْعشْرين الزَّائِدَة تنْسب إِلَى الْمِائَة، ونسبتها مِنْهَا خمس فَيدْفَع الْأَب وَنَحْوه ألف دِينَار وَخَمْسَة أَو اثْنَي عشر ألف دِرْهَم وخمسها، وَهَكَذَا إِذا زَادَت أقل من ذَلِك أَو أَكثر، وَيلْزم فِي المأمومة والجائفة ثلث الدِّيَة الْمُغَلَّظَة، وَكَذَا غَيرهمَا من مُوضحَة وَنَحْوهمَا مِمَّا فِيهِ شَيْء مُقَدّر فَفِي الْمُوَضّحَة عشر دِيَة مُغَلّظَة وَهَكَذَا (فِي القَوْل الْجَلِيّ) أَي الْمَشْهُور ومقابلة أَنَّهَا لَا تغلظ إِلَّا على أهل الْإِبِل دون أهل الذَّهَب وَالْوَرق، وعَلى الْمَشْهُور فَإِن الْمُغَلَّظَة تقوم حَالَة دون المخمسة فَإِنَّهَا تقوم على تنجيمها على الْمُعْتَمد كَمَا مر فِي الْمِثَال، وَفهم مِنْهُ أَن المربعة الْمُتَقَدّمَة فِي قَوْله: ودية الْعمد كذات
стр. 1283
الْخَطَأ لَا تغلظ على أهل الذَّهَب وَالْوَرق، وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور. وَقَالَ أَشهب: بل تغلظ عَلَيْهِمَا أَيْضا وَعَلِيهِ فيسلك بهَا مَسْلَك الْمُثَلَّثَة. وهْيَ بالآباءِ والأُمَّهَاتِ تَخْتَصُّ والأَجْدادِ والجدّاتِ (وَهِي) أَي الْمُغَلَّظَة بالتثليث (بِالْآبَاءِ والأمهات) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة للام فيهمَا للوزن وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بقوله: (تخْتَص) وَقَوله (والأجداد والجدات) عطف على الْآبَاء، وَظَاهره وَإِن علوا كَانُوا من جِهَة الْأَب أَو الْأُم، وَهُوَ كَذَلِك على الرَّاجِح، وَفهم مِنْهُ أَن الْأَعْمَام والأخوة والزوجين لَا تغلظ بالتثليث فِي حَقهم وَهُوَ كَذَلِك، بل تربع حَيْثُ وَقع الْعَفو على دِيَة مُبْهمَة أَو عَفا الْبَعْض أَو صَالح فَلِمَنْ بَقِي نصِيبه من دِيَة عمد مربعة لما مر. وَلما قدم أَن الْقسَامَة خَمْسُونَ يَمِينا وَأَنَّهَا فِي الْعمد يحلفها الذُّكُور فَقَط دون الْأُنْثَى، وَأَنه لَا يحلفها أقل من رجلَيْنِ عصبَة كَمَا مر ذَلِك كُله فِي قَوْله: ولأنثى منعت إِلَى قَوْله وَيحلف اثْنَان بهَا فَمَا علا الخ. نبه هُنَا على أَنَّهَا فِي الْخَطَأ يحلفها كل من يَرث من الذُّكُور وَالْإِنَاث وَإِن وَاحِدًا أَو امْرَأَة فَقَالَ: وَيحلِفُ الذكورُ كالإنَاثِ بِنِسْبِة الْحُظُوظِ فِي المِيرَاثِ (وَيحلف الذُّكُور كالإناث) خمسين يَمِينا ويقتسمونها (بِنِسْبَة الحظوظ فِي الْمِيرَاث) فتحلف الزَّوْجَة ثمن الْإِيمَان مَعَ الْوَلَد وَالأُم سدسها وَهَكَذَا، وَفهم مِنْهُ أَن الْغُرَمَاء يحلفونها لأَنهم مقدمون على الْوَرَثَة وَإِن من لَا وَارِث لَهُ إِلَّا بَيت المَال فَلَا قسَامَة وَلَا دِيَة.
стр. 1284
وإنْ يمينٌ عِنْدَ ذَا تَنْكَسرُ يَحْلِفُها مَنْ حَظُّهْ مُوَفِّرُ (وَإِن يَمِين عِنْد ذَا) أَي عِنْد قسمهَا بِنِسْبَة الحظوظ (تنكسر يحلفها من حَظه موفر) أَي أَكثر كسراً كَبِنْت وَابْن ينوبها ثلث الْإِيمَان سِتَّة عشر وَثُلُثَانِ فتحلف سَبْعَة عشر وَيحلف الابْن ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ، فَإِن تَسَاوَت الكسور كثلاثة بَنِينَ أَو أَرْبَعَة كمل كل وَاحِد كَسره. وواحِدٌ يَجُوزُ أنْ يُحلَّفَا حيْثُ انْفَرادُهُ بِمَا تَخَلَّفَا (وَوَاحِد يجوز أَن يحلفا) بِضَم الْيَاء وَتَشْديد اللَّام مَبْنِيا للْمَفْعُول أَي يحلف يَمِينا كلهَا (حَيْثُ انْفِرَاده بِمَا) أَي بِالْمِيرَاثِ الَّذِي (تخلفا) عَن الْهَالِك بِأَن كَانَ لَا وَارِث لَهُ غَيره كَابْن أَو عَم بِخِلَاف الْعمد، فَإِنَّهُ لَا يحلف فِيهِ أقل من رجلَيْنِ كَمَا مر، وَإِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة من أَولهَا أَشَارَ (خَ) بقول يحلفها فِي الْخَطَأ من يَرث وَأَن وَاحِدًا أَو امْرَأَة وجبرت الْيَمين على أَكثر كسرهَا، وإلاَّ فعلى الْجَمِيع الخ. وَفهم من قَوْله: حَيْثُ انْفِرَاده إِنَّه إِذا لم ينْفَرد بِالْمِيرَاثِ بل كَانَ مَعَه غَيره فِيهِ، فَأَما أَن يكون هَذَا الْغَيْر بَيت مَال أَو أُخْت فَإِنَّهَا تحلف جَمِيع الْإِيمَان وَتَأْخُذ حظها من الدِّيَة وَيسْقط الْبَاقِي مِنْهَا لتعذر الْقسَامَة من بَيت المَال وَأما أَن يكون الْغَيْر عاصباً مُسَاوِيا فِي الدرجَة للحاضر كابنين أَحدهمَا غَائِب أَو صبي أَو ناكل فَإِن الْحَاضِر يحلف جَمِيعهَا أَيْضا وَيَأْخُذ حَظه فَقَط وَيسْقط حَظّ الناكل عَن الْعَاقِلَة، وَيُوقف حَظّ الْغَائِب وَالصَّبِيّ، فَإِذا بلغ الصَّبِي أَو قدم الْغَائِب حلف كل مِنْهُمَا حَظه من الْأَيْمَان وَأخذ حَظه من الدِّيَة، فَإِن مَاتَ الصَّبِي أَو الْغَائِب فوارثه يقوم مقَامه فَإِن كَانَ وَارثه هُوَ الْحَالِف لجميعها فَهَل لَا بُد من حلفه مَا كَانَ يحلفهُ موروثه أَو يَكْتَفِي بأيمانه السَّابِقَة؟ قَولَانِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْحَاضِر لَا يَأْخُذ حَظه إِلَّا إِذا حلف جَمِيع الْأَيْمَان لِأَن الْعَاقِلَة تَقول: لَا ندفع شَيْئا حَتَّى يثبت الدَّم وَهُوَ لَا يثبت إِلَّا بِحلف الْجَمِيع، وَهَذَا معنى قَول (خَ) : وَلَا يَأْخُذ أحد شَيْئا من الدِّيَة إِلَّا بعْدهَا أَي بعد جَمِيع أيمانها. وَهَذِه الأحْكامُ طُرًّا تُعْتَمَدْ بحيثُما يَسْقُطُ بالشَّرْعِ الْقَوَدْ (وَهَذِه الْأَحْكَام) الْمَذْكُورَة من حلف الْإِنَاث وَكَون الْأَيْمَان تقسم على حظوظ الْمِيرَاث وَأَنَّهَا تجبر على أَكثر الكسور وَأَن الْوَاحِد يحلفها إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهَا (طراً) أَي جَمِيعًا و (تعتمد) فِي قتل الْخَطَأ فَقَط، وَعنهُ عبر النَّاظِم بقوله (بحيثما يسْقط بِالشَّرْعِ الْقود) الْبَاء وَمَا زائدتان وَحَيْثُ ظرف مضمن معنى الشَّرْط حذف جَوَابه للدلالة عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: هَذِه الْأَحْكَام إِنَّمَا تعتمد جَمِيعًا إِذا يسْقط الْقود بِالشّرطِ والقود إِنَّمَا يسْقط فِي الْخَطَأ لَا فِي الْعمد، وَحِينَئِذٍ فالعمد يُخَالف الْخَطَأ فِي
стр. 1285
هَذِه الْأَحْكَام فَلَا يحلف فِيهِ الْإِنَاث وَلَا تقسم الْأَيْمَان بِنِسْبَة الحظوظ فِي الْمِيرَاث بل يحلفها الْعصبَة، وَإِن لم يَكُونُوا وَرَثَة ويجتزىء فِيهَا بِاثْنَيْنِ طاعا من أَكثر وَلَا تجبر فِيهِ الْيَمين على أَكثر كسرهَا إِذْ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا ذَلِك وَلَا يحلفها أقل من رجلَيْنِ كَمَا مر ذَلِك كُله. وَسُوِّغَتْ قَسَامَةُ الوُلاةِ فِي غَيْبَةِ الجَانِي على الصِّفَاتِ (وسوغت قسَامَة الْوُلَاة) أَي وُلَاة دم الْعمد (فِي غيبَة الْجَانِي على الصِّفَات) أَي على صِفَاته الَّتِي تعينه وتميزه من كَونه طَويلا أَو قَصِيرا أَو أَعور الْيُمْنَى وَنَحْو ذَلِك. وَيَنْفُذُ القِصَاصُ إنْ بهِ ظُفِرْ إقْراراً وَوِفَاقَ مَا مِنها ذُكِرْ (و) إِذا أَقْسمُوا على صِفَاته الْمَذْكُورَة ف (ينفذ) بِضَم الْيَاء وَكسر الْفَاء المخففة من أنفذ الرباعي، وَيحْتَمل أَن يكون بِفَتْح الْيَاء وَضم الْفَاء وعَلى الأول ف (الْقصاص) مَفْعُوله وَإِقْرَار فَاعله، وعَلى الثَّانِي فالقصاص فَاعله وَإِقْرَار حَال الخ. (إِن بِهِ ظفر) شَرط حذف جَوَابه للدلالة عَلَيْهِ (إِقْرَار) فَاعل أَو حَال من الضَّمِير فِي بِهِ (أَو وفَاق) مَعْطُوف على إِقْرَار (مَا) أَي الصِّفَات (مِنْهَا) يتَعَلَّق بقوله (ذكر) وَالتَّقْدِير، على الِاحْتِمَال الثَّانِي وَينفذ الْقصاص إِن ظفر بِهِ حَال كَونه مقرا بِأَن تِلْكَ الصِّفَات الْمَذْكُورَة فِي رسم الْقسَامَة هِيَ صِفَاته أَو لم يقر بذلك، وَلَكِن صِفَاته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآن مُوَافقَة لما ذكر مِنْهَا فِي رسم الْقسَامَة وَتَقْدِيره على الِاحْتِمَال الأول ظَاهر. وَأَشَارَ النَّاظِم بِهَذَا إِلَى قَول ابْن سَلمُون: فَإِن غَابَ الْجَانِي وعرفه الشُّهُود ووصفوه بصفاته الَّتِي ينْحَصر بهَا وَتقوم مقَام التَّعْيِين وَذهب الْأَوْلِيَاء إِلَى أَن يحلفوا فَلهم ذَلِك فَإِن استكملوا أَيْمَان الْقسَامَة استوجبوا الْقود مِنْهُ مَتى وجدوه، وَذَلِكَ بعد أَن توَافق صِفَاته الصِّفَات الَّتِي فِي عقد التدمية أَو يقر أَنه هُوَ الَّذِي دمى عَلَيْهِ بعد الْإِعْذَار إِلَيْهِ انْتهى. وَبِه تعلم أَن قَول ابْن رحال لم أَقف على خُصُوص مَسْأَلَة النَّاظِم بِعَينهَا قُصُور، وَقَول ابْن سَلمُون ووصفوه يَعْنِي: وَكَذَلِكَ إِن وَصفه المدمى حَيْثُ لَا شَاهد أصلا، وَمرَاده بالشهود مَا يَشْمَل الْعدْل الْوَاحِد بمعاينة الْقَتْل أَو الضَّرْب كَمَا مر.
(فصل فِي الْجِرَاحَات)
الْجَوْهَرِي: الْمُفْرد لفظان أَحدهمَا: جِرَاحَة بِكَسْر الْجِيم وَالْهَاء فِي آخِره وَجمعه جراحات وجراح بِوَزْن كتاب، وَثَانِيهمَا جرح بِضَم فَسُكُون وَجمعه جروح قَالَ تَعَالَى: والجروح قصاص﴾ (الْمَائِدَة: ٤٥) وَالْمرَاد بِهِ فِي التَّرْجَمَة مَا يَشْمَل الْقطع وَالْكَسْر والفقء وَإِتْلَاف الْمعَانِي من السّمع
стр. 1286
وَنَحْوه، وَإِن خالفته اللُّغَة والاصطلاح. ابْن عَرَفَة مُتَعَلق الْجِنَايَة غير النَّفس إِن أبانت بعض الْجِسْم فَقطع، وإلاَّ فَإِن أزالت اتِّصَال عظم لم يبن فَكسر وإلاَّ فَإِن أثرت فِي الْجِسْم فجرح، وإلاَّ فإتلاف مَنْفَعَة وَالْقصاص فِيهَا كالنفس إِلَّا فِي جِنَايَة أدنى على أَعلَى اه. (خَ) : وَالْجرْح كالنفس فِي الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، فَقَوله فِي الْفِعْل يَعْنِي أَنه يشْتَرط فِي الْقصاص فِي الْجرْح مَا اشْترط فِي الْقَتْل من كَونه عمدا عُدْوانًا وَهُوَ قصد الضَّارِب إِلَى الْمَضْرُوب كَمَا مر أول الْبَاب، وَقَوله: وَالْفَاعِل يَعْنِي أَنه يشْتَرط فِي الْجَارِح مَا اشْترط فِي الْقَاتِل من كَونه مُكَلّفا مكافئاً للمجروح غير زَائِد عَلَيْهِ بحريّة أَو إِسْلَام وَغير حَرْبِيّ أسلم كَمَا مر فِي قَول النَّاظِم: والقود الشَّرْط بِهِ المثلية الخ. فَكَمَا تعْتَبر تِلْكَ الْقُيُود فِي الْقصاص من الْقَاتِل كَذَلِك تعْتَبر فِي الْقصاص من الْجَارِح، وَقَوله: وَالْمَفْعُول يَعْنِي أَنه يشْتَرط فِي الْمَجْرُوح مَا اشْترط فِي الْمَقْتُول من كَونه مَعْصُوم الْعُضْو وَالدَّم إِلَى حِين الْإِصَابَة كَمَا مر فِي قَوْله: وَالشّرط فِي الْمَقْتُول عصمَة الدَّم الخ. فينتج من هَذَا أَن كل شَخْصَيْنِ يقْتَصّ من أَحدهمَا للْآخر فِي الْقَتْل يقْتَصّ من أَحدهمَا للْآخر فِي الْجرْح إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وَهِي أَن الْأَدْنَى إِذا جرح من هُوَ أَعلَى مِنْهُ كَمَا لَو قطع عبد يدحر مُسلم أَو جرحه أَو قطع كَافِر يَد مُسلم أَو جرحه، فَإِنَّهُ لَا يقْتَصّ للأعلى مِنْهُمَا على الْمَشْهُور، وَإِن كَانَ يقْتَصّ لَهُ مِنْهُمَا فِي النَّفس كَمَا مر فِي قَوْله: وَقتل منحط مضى بالعالي الخ. وَإِنَّمَا لم يقْتَصّ لَهُ مِنْهُمَا هُنَا لِأَن ذَلِك كجناية الْيَد الشلاء على الصَّحِيحَة وَهِي لَا قصاص فِيهَا، وَإِذا لم يقْتَصّ من الْأَدْنَى للأعلى فديَة الْجرْح فِي رَقَبَة العَبْد وَفِي ذمَّة الْكَافِر إِن كَانَ فِيهِ شَيْء مُقَدّر من الشَّارِع كموضحة بَرِئت على شين أم لَا. وَإِن لم يكن فِيهِ شَيْء مُقَدّر ككسر الْفَخْذ مثلا فَحُكُومَة إِن برىء على شين وَإِلَّا فَلَيْسَ على العَبْد وَالْكَافِر إِلَّا الْأَدَب. جُلُّ الجَرَاحِ عَمْدَها فِيهِ القَوَدْ وديةُ معْ خَطَرٍ فِيهَا فَقَدْ (جلّ الْجراح عمدها) الثَّابِت وَلَو بِشَاهِد وَاحِد أَو قرينَة تقوم مقَامه كَمَا مر عِنْد قَوْله: وَلَيْسَ فِي عبد وَلَا جَنِين قسَامَة الخ. (فِيهِ الْقود) بعد الْبُرْء إِذْ لَا قصاص فِي جرح إِلَّا بعد برئه أَو مَعَ التكافىء، إِذْ لَا قصاص فِي جرح من غير مكافىء كَمَا مر قَرِيبا. وَهَذَا إِذا لم يكن فِي الْقود خطر ككسر الْفَخْذ وَعظم
стр. 1287
الصَّدْر والعنق والصلب ورض الْأُنْثَيَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا قَود فِي مثل ذَلِك وَإِن ثَبت عمده لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى أَخذ النَّفس فِيمَا دونهَا، (و) عَلَيْهِ فَالْوَاجِب فِي ذَلِك (دِيَة) مُغَلّظَة بالتثليث فِي الْأَب وَفِي التربيع فِي غَيره، وَهَذَا فِيمَا فِيهِ شَيْء مُقَدّر من الشَّارِع كرض الْأُنْثَيَيْنِ إِذْ فيهمَا دِيَة كَامِلَة وكدامغة فِيهَا ثلث الدِّيَة أَو حُكُومَة فِيمَا لَيْسَ فِيهِ شَيْء مُقَدّر ككسر الْفَخْذ وَعظم الصَّدْر إِن برىء على شين وإلاَّ فَلَا شَيْء فِيهِ إِلَّا الْأَدَب، وَهَذِه الدِّيَة أَو الْحُكُومَة إِنَّمَا هما (مَعَ) وجود (خطر فِيهَا) أَي فِي الْقصاص من تِلْكَ الْجِرَاحَات الْمَذْكُورَة (فقد) أَي فَحسب والخطر الإشراف على الْهَلَاك وَيرجع فِي كَونه خطراً أَو عَدمه لأهل الْمعرفَة، وَمثل الْخطر فِي وجوب الدِّيَة مَا إِذا تعذر الْقصاص لعدم وجود المماثل من الْجَارِح. وَقَوْلِي. أَو قرينَة الخ. ليدْخل مَا إِذا لم يثبت الْجرْح بِشَاهِد، وَإِنَّمَا ادّعى الْمَجْرُوح أَن فلَانا جرحه وَأثبت أَنه كَانَت بَينهمَا ثائرة وعداوة، فَإِنَّهُ يحلف الْمَجْرُوح ويقتص مِنْهُ كَمَا أفتى بِهِ القوري وَابْن عرضون والتالي وَغَيرهم حَسْبَمَا فِي نَوَازِل العلمي خلافًا لفتوى أبي الْقَاسِم العبدوسي من أَن الْيَمين على الْجَارِح. وَقَوله: جلّ الْجراح هُوَ مَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: واقتص من مُوضحَة أوضحت عظم الرَّأْس والجبهة والخدين وَإِن كابرة واقتص أَيْضا من سابقها وَهِي سِتَّة. دامية: وَيُقَال لَهَا أَيْضا دامعة بِالْعينِ الْمُهْملَة وَهِي الَّتِي تضعف الْجلد فيسيل مِنْهُ دم كالدمع. وحارصة: بالصَّاد الْمُهْملَة وَهِي الَّتِي شقَّتْ الْجلد كُله وأفضت للحم وسمحاق: وَهِي الَّتِي كشطت الْجلد أَي أزالته عَن مَحَله فَيُقَال لذَلِك الْجلد سمحاق. وباضعة: وَهِي الَّتِي شقَّتْ اللَّحْم. ومتلاحمة: وَهِي الَّتِي غاصت فِيهِ أَي فِي اللَّحْم فَأخذت يَمِينا وَشمَالًا وَلم تقرب من الْعظم. وملطاة: بِكَسْر الْمِيم وَهِي الَّتِي شقَّتْ اللَّحْم وَقربت من الْعظم، فَهَذِهِ الْجِرَاحَات كلهَا يقْتَصّ مِنْهَا كَانَت فِي الرَّأْس أَو فِي غَيره من الْجَسَد، وَكَذَا يقْتَصّ من هاشمة ومنقلة فِي غير الرَّأْس، والهاشمة هِيَ الَّتِي هشمت الْعظم أَي كَسرته والمنقلة هِيَ الَّتِي أطارت فرَاش الْعظم بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا من أجل الدَّوَاء وَمحل الْقصاص فيهمَا فِي غير الرَّأْس إِذا لم يعظم الْخطر، وإلاَّ فَلَا قصاص، وَإِنَّمَا فيهمَا الْحُكُومَة إِذا برئا على شين وَإِلَّا فالأدب فَقَط، وَفهم من قَوْله: جلّ الْجراح أَن الْأَقَل لَا قَود فِيهِ وَذَلِكَ كالمنقلة والهاشمة فِي الرَّأْس، فَإِنَّهُ لَا قصاص فيهمَا. وَكَذَا لَا قصاص فِي أمة وَهِي الَّتِي أفضت لأم الدِّمَاغ أَي المخ الَّذِي فِي الرَّأْس، وَلَا فِي دامغة وَهِي الَّتِي خرقت خريطته أَي شقتها، وَإِنَّمَا لم يقْتَصّ من هَذِه الْجِرَاحَات فِي الرَّأْس لعظم خطرها، وَإِنَّمَا فِيهَا الدِّيَة. فَفِي الهاشمة والمنقلة عشر الدِّيَة وَنصفه وَفِي الْأمة والدامغة ثلث الدِّيَة، وَكَذَا لَا يقْتَصّ من الْجَائِفَة وَهِي الَّتِي أفضت للجوف من بطن أَو ظهر، وَإِنَّمَا فِيهَا ثلث الدِّيَة بِخِلَاف عظم ترقوة بِفَتْح التَّاء وَضم الْقَاف وَهُوَ الْعظم الَّذِي بِأَعْلَى الصَّدْر الْمُتَّصِل بالعنق، فالقصاص فِيهِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا يقْتَصّ فِي الْعين وَالرجل وَالْأنف وَالْأُذن وَالسّن وَالذكر والأجفان والشفتين، وَكَذَا اللِّسَان إِن أمكن وَلم يكن متلفاً وإلاَّ فَلَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة.
стр. 1288
وَقد علمت من هَذَا أَن الْمُوَضّحَة وَمَا قبلهَا فِيهِ الْقصاص مُطلقًا، والهاشمة والمنقلة فيهمَا الْقصاص إِذا لم يعظم الْخطر وكانتا فِي غير الرَّأْس، وَأما إِذا كَانَتَا فِي الرَّأْس فَلَا قصاص فيهمَا بل الدِّيَة فَقَط كَمَا تجب الدِّيَة فِي الْأمة والدامغة وَلَا يكونَانِ، إِلَّا فِي الرَّأْس، وَفِي الْجَائِفَة وَلَا تكون إِلَّا فِي غَيره، فَهَذِهِ الْجِرَاحَات عمدها كخطئها فِي الدِّيَة إِلَّا أَنَّهَا يجب فِيهَا الْأَدَب فِي الْعمد زِيَادَة على الدِّيَة، وَبِهَذَا صَحَّ قَول النَّاظِم: جلّ الْجراح عمدها فِيهِ الْقود، فمفهومه أَن الْأَقَل لَا قَود فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَة إِن كَانَ فِيهِ شَيْء مُقَدّر أَو حُكُومَة إِن لم يكن فِيهِ شَيْء مُقَدّر ككسر عظم الْعُنُق والصلب وَغير ذَلِك مِمَّا مر. تَنْبِيهَات. الأول: لَا قصاص فِي لطمة أَو ضَرْبَة على الْخَدين بباطن الرَّاحَة إِذا لم ينشأ عَنْهَا جرح أَو ذهَاب معنى كبصر، وإلاَّ فيقتص مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ لَا قصاص فِيهَا حَيْثُ لم ينشأ عَنْهَا مَا ذكر لعدم انضباطها وَمثلهَا الضَّرْب بالعصا حَيْثُ لم ينشأ عَنْهَا مَا ذكر بِخِلَاف ضَرْبَة السَّوْط فَفِيهَا الْقصاص كَمَا فِي (ح) لانضباطه، وَإِذا لم يقْتَصّ من اللَّطْمَة وَالضَّرْب بالعصا فَلَا إِشْكَال أَن الْفَاعِل يُؤَدب كَمَا يُؤَدب من سل سَيْفه على أحد وَلَو على وَجه المزاح، وَكَذَلِكَ يُؤَدب من كسر الدعْوَة للْحَاكِم أَو قبل امْرَأَة كرها، وَلأبي الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد بن القَاضِي مَا نَصه: وَمن نضى سَيْفه يَوْمًا على أحد فالأربعون لَهُ إِن لِلْقِتَالِ نضى وَالسيف يرْوى لبيت المَال مصرفه وَقيل يقتل وَالْحكم بِذَاكَ مضى وَمن نضاه على وَجه المزاح فقد جَفا وَيضْرب عشرا حكمه فرضا وَالْأَرْبَعُونَ اذا مَا دَعَوْت كسرت لقاض أَو حَاكم للْمُسلمين قضى من قبل امْرَأَة يَوْمًا وأكرهها يُزَاد عشرا كَمَا إِن كَانَ مِنْهَا رضَا الثَّانِي: قد علمت مِمَّا مر أَنه لَا قصاص وَلَا حُكُومَة وَلَا دِيَة فِي جرح إِلَّا بعد برئه، وَأَن الدِّيَة والحكومة مغلظتان حالتان فِي مَال الْجَانِي وَحده وَأَن الْجَانِي يجْبر على دفع الدِّيَة، والحكومة فِيمَا وَجب فِيهِ ذَلِك بِخِلَاف مَا وَجب فِيهِ الْقصاص فَلَا يجْبر، بل إِذا قَالَ: إِمَّا أَن تقتص وَإِمَّا أَن تَعْفُو مجَّانا فَلهُ ذَلِك فَإِن تَرَاضيا على شَيْء من المَال قَلِيلا أَو كثيرا عمل عَلَيْهِ كَمَا مر عِنْد قَوْله: وَإِن ولي الدَّم لِلْمَالِ قبل الخ. وَيجب تَأْخِير الْقصاص لزوَال حر أَو برد مفرطين لِئَلَّا يَمُوت إِذا اقْتصّ مِنْهُ فيهمَا فتؤخذ نفس فِيمَا دونهَا كَمَا تُؤخر الْحَامِل الجانية لوضع حملهَا، سَوَاء جنت على طرف أَو نفس (خَ) : وَآخر لبرد أَو حر كالبرء كدية خطأ أَو دِيَة عمد أَي. فَلَا تُؤدِّي دِيَتهمَا إِلَّا بعد الْبُرْء وَلَو كجائفة وحامل إِلَى أَن قَالَ: لَا بِدُخُول الْحرم أَي لَا يُؤَخر الْقصاص عَن الْجَانِي بِدُخُولِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام، بل يخرج من الْمَسْجِد الْحَرَام ليقام عَلَيْهِ الْحَد وَالْقصاص وَلَو كَانَ محرما بِحَجّ أَو عمْرَة، فَإِنَّهُ لَا يُؤَخر إِلَى فرَاغ نُسكه بل يقْتَصّ مِنْهُ قبل فَرَاغه، وَسَوَاء فعل مَا يُوجب الْحَد أَو الْقصاص فِي الْحرم أَو خَارجه ولجأ إِلَيْهِ. الثَّالِث: إِذا كَانَ لَا يُؤَخر بِدُخُول الْحرم الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة كَمَا مر فأحرى أَن لَا يُؤَخر بِدُخُولِهِ الزوايا مِمَّا لَيْسَ بحرم شَرْعِي، وَلذَا قَالَ أَبُو عبد الله الأبي: كَانَ ابْن عَرَفَة لَا يحل إيواء الظلمَة والجناة الهاربين إِلَى الزوايا قَائِلا: إِلَّا أَن يعلم أَنه يتَجَاوَز فيهم فَوق مَا يسْتَحقُّونَ اه. قَالَ الْعَارِف بِاللَّه سَيِّدي عبد الرَّحْمَن الفاسي عقب كَلَام الأبي مَا نَصه: هَذَا وَمَا
стр. 1289
يظْهر من أُمُور خَارِجَة عَمَّا ذكر من ظُهُور برهَان لمن تعدى على زَاوِيَة أَو رَوْضَة فَذَلِك أَمر خَارج عَن الْفَتْوَى بِهِ، وغيرلا من الله على أوليائه لَا تحد بِقِيَاس وَلَا تنضبط بميزان شَرْعِي وَلَا قانون عادي، فَإِن الموازين الشَّرْعِيَّة كليات وعمومات، وَقد يكون مُرَاد الْحق سُبْحَانَهُ فِي خُصُوص نازلة خلاف مَا تَقْتَضِيه العمومات، وَلذَلِك الْخَواص يفتقرون إِلَى إِذن خَاص فِي كل نازلة وَاعْتبر بتكرار قَوْله تَعَالَى: بإذني﴾ (الْمَائِدَة: ١١٠) فِيمَا أخبر بِهِ عَن عِيسَى ﵇ من إبرائه الأكمه والأبرص وإحياء الْمَوْتَى وَغير ذَلِك انْتهى. قلت: قَوْله: فَذَلِك أَمر خَارج عَن الْفَتْوَى الخ رُبمَا يتَوَهَّم قَاصِر الْفَهم أَنه يُرَاعِي حرم الزاوية وَالرَّوْضَة لما يخْشَى من الْبُرْهَان كَمَا عَلَيْهِ الْعَامَّة الْآن قولا وفعلاً، وَهَذَا لَا يَقُوله أحد من الْأَئِمَّة وَلَا من أَصْحَابهم وَلَا من أهل السّنة، إِذْ لَا حرم لغير مَكَّة وَالْمَدينَة شرعا، وَغَايَة مَا ذكره الفاسي أَن الله تَعَالَى قد أَمر بِإِقَامَة الْحُدُود على كل من فعل موجباتها، وَكَون الله سُبْحَانَهُ ينْتَقم مِمَّن أخرجه من زَاوِيَة أَو رَوْضَة لإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ أَمر خَارج عَن الْفَتْوَى بِهِ، لِأَن ذَلِك الْحَد والإخراج مِمَّا أَمر الله تَعَالَى بِهِ، وَقد يُرِيد خِلَافه فِي خُصُوص زيد الْجَانِي وَنَحْو ذَلِك، وَالله قد يَأْمر بالشَّيْء وَيُرِيد خِلَافه كَمَا أَمر بِإِيمَان الْكَفَرَة وَأَرَادَ مِنْهُم خِلَافه، وَهَذَا مِنْهُ رُبمَا يدل على أَن المصائب الَّتِي تنزل بمخرجهم من الزوايا انتقام من الله لَهُم على إخراجهم مِنْهَا وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْجَانِي الْمُحْتَرَم بالزاوية أَو الرَّوْضَة يجب إِخْرَاجه لإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ إِجْمَاعًا امتثالاً لأمر الله تَعَالَى، والمصيبة الَّتِي تنزل بمخرجه إِن وَقعت إِنَّمَا هِيَ اتفاقية مَكْتُوبَة عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى: مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ (الْحَدِيد: ٢٢) أَي نخلفها وَلَيْسَت انتقاماً على الْإِخْرَاج لكَون الله أَرَادَ خِلَافه. أَلا ترى أَن الله سُبْحَانَهُ أوجب قتال الْكفَّار وَأمر بِهِ، والمصائب الَّتِي تنزل بهم عِنْد قِتَالهمْ من هزيمَة وَنَحْوهَا مَكْتُوبَة عَلَيْهِم لِأَن الله انتقم مِنْهُم لإرادته خلاف قِتَالهمْ أَو غيرَة عَلَيْهِم، بل ذَلِك مَكْتُوب عَلَيْهِم فِي أزله سُبْحَانَهُ ليعظم بذلك أُجُورهم وَيكثر بِهِ ثوابهم، فَكَذَلِك الْجَانِي فالمصيبة وَإِن وَقعت بأثر إِخْرَاجه إِنَّمَا هِيَ أَمر اتفاقي مَكْتُوب عَلَيْهِ نُزُولهَا بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت لَا بُد من وُقُوعهَا بِهِ أخرجه أَو لم يُخرجهُ ليعظم بهَا أجره وَيكثر بهَا ثَوَابه إِن صَبر واحتسب. وَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون كَمَا فِي الْآيَة. قَالَ تَعَالَى: قل لَو كُنْتُم فِي بُيُوتكُمْ لبرز الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مضاجعهم﴾ (آل عمرَان: ١٥٤) وَذَلِكَ كُله امتحان واختبار للْعَبد هَل يصبر على المصائب حَتَّى يُؤَدِّي مَا أَمر بِهِ سُبْحَانَهُ أَو يرجع عَن ذَلِك وَلَا يصبر. قَالَ تَعَالَى: ليميز الله الْخَبيث من الطّيب﴾ (الْأَنْفَال: ٣٧) وَقَالَ: أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون﴾ (العنكبوت: ٢) وَقَوله: وغيرة من الله على أوليائه الخ. يُقَال لَهُ من لنا بِأَنَّهَا غيرَة من الله بل الْغيرَة من الله إِنَّمَا وَردت بارتكاب مَمْنُوع لَا بارتكاب وَاجِب، فَوَجَبَ أَن يكون أمرا اتفاقياً إِذْ الْمُؤمن لَا يَخْلُو من مصائب، وَقد تكون تِلْكَ المصائب من التواني فِي الِامْتِثَال أَو من اكْتِسَاب مَمْنُوع تقدم، وَلَو كَانَ ذَلِك غيرَة لَكَانَ نزُول المصائب بالكفار أولى حَيْثُ يمتهنونهم فِي الْأَرَاضِي الَّتِي دخلوها، وبمن يفعل الْفَوَاحِش ويسفك الدِّمَاء فِي أضرحتهم وزواياهم كَذَلِك، وَكم من فَاعل ذَلِك فِي أضرحتهم لم يصبهُ شَيْء، وَأَيْضًا لَو أقيم حد على شخص فَنزلت مُصِيبَة فِي الْحِين بمقيمه لوَجَبَ أَن يُقَال على هَذَا أَن ذَلِك غيرَة من الله على الْمَحْدُود، وَذَلِكَ مِمَّا لَا معنى لَهُ بل الْوَلِيّ لَو كَانَ حَيا لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُبَادرَة
стр. 1290
إِلَى إِقَامَته على من اجترم بِهِ، وَإِن حماه وَلم يفعل فَلَيْسَ بولِي لِأَن الَّذِي يحمي الظَّالِم ظَالِم. وَقَوله: وَلذَلِك الْخَواص يفتقرون إِلَى إِذن خَاص فِي كل نازلة الخ. مَعْنَاهُ على مَا قَالَ من مَذْهَب الْخَواص أَن الله إِذا أَمر برجم كل فَاسق مثلا فِي كل مَكَان، فزنى زيد الْمُحصن فيحتاجون فِي رجمه إِلَى إِذن خَاص من الله سُبْحَانَهُ وَإِن زنى عَمْرو فيحتاجون فِي رجمه إِلَى إِذن خَاص، وَهَكَذَا وَلَا يتمسكون بِالْعُمُومِ الْمَذْكُور لِئَلَّا يكون مُرَاد الْحق سُبْحَانَهُ خلاف رجم ذَلِك الْمعِين بِخُصُوصِهِ، وَهَذَا أَمر خَارج عَن الشَّرْع لم يَأْمر الله سُبْحَانَهُ باتباعه لَا الْخَواص وَلَا غَيرهم لِأَن امْتِثَال الْأَوَامِر وَاجِب، وَإِن فَرضنَا أَن مُرَاد الْحق سُبْحَانَهُ خلاف مَا أَمر بِهِ، وَحِينَئِذٍ فمعاذ الله أَن لَا يُبَادر الْخَواص إِلَى تَنْفِيذ أوَامِر الله ويتربصون إِلَى أَن يرد عَلَيْهِم الْإِذْن الْخَاص خشيَة أَن يكون مُرَاده خلاف مَا أَمر بِهِ، إِذْ ذَلِك يَقْتَضِي أَنه لَا يُصَلِّي ظهر هَذَا الْيَوْم حَتَّى يرد عَلَيْهِ الْإِذْن الْخَاص فِي صلَاتهَا، وَهَكَذَا مَعَ أَنه مَأْمُور بالامتثال. وَلَو فَرضنَا أَنه علم أَن مُرَاده سُبْحَانَهُ خلاف ذَلِك لِأَنَّهُ مُكَلّف بِاتِّبَاع الْأَوَامِر وَلَا عَلَيْهِ فِي الْإِرَادَة، وَبِهَذَا احْتج إِبْلِيس اللعين فَقَالَ: كَيفَ أَسجد لآدَم وَالله لم يردهُ مني، وَهَذَا إِن زَعمه بعض النَّاس وَادّعى أَنه من الْخَواص وَأَنه يتربص فِي تَنْفِيذ أوَامِر الله إِلَى إِذن خَاص وَجب ضرب عُنُقه بِلَا ريب، وَلَو كَانَ يغوص فِي المَاء ويطير فِي الْهَوَاء. وَقَوله: وَاعْتبر بتكرار قَوْله تَعَالَى: بإذني﴾ الخ إِنَّمَا يتم الِاحْتِجَاج بِهِ للخواص لَو كَانَ تكْرَار الْإِذْن فِي كل فَرد من أَفْرَاد الأكمة وَفِي كل فَرد من أَفْرَاد الْمَوْتَى الخ. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فالحرم الشَّرْعِيّ لَا يجير عَاصِيا كَمَا فِي الحَدِيث فضلا عَن الزوايا وأضرحة الصَّالِحين، فَالْوَاجِب على من بسط الله يَده على عباده أَن لَا يلْتَفت إِلَى شَيْء مِمَّا يتخيله الْعَامَّة من كَون الله سُبْحَانَهُ ينْتَقم مِمَّن أخرجهم لإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِم، بل لَو تحققنا الانتقام الْمَذْكُور وَأَنه من أجل الْإِخْرَاج وَأَن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ عَدمه، لوَجَبَ علينا اخراجهم للامتثال كَمَا مّر، فَكيف والانتقام إِنَّمَا هُوَ متخيل متوهم، وعَلى فرض وُقُوعه فَلَيْسَ هُوَ من أجل الْإِخْرَاج بل هُوَ أَمر اتفاقي كَمَا مر، لَا لكَون الله أَرَادَ عدم إخراجهم. وَمن الْعَجَائِب أَنهم يعتبرون المصائب الَّتِي تنزل بعد الْإِخْرَاج ويعدونها انتقامات وَلَا يعتبرون المصائب الَّتِي تنزل مَعَ عدم إخراجهم مَعَ كثرتها وَلَا يعدونها انتقامات على عدم إلاخراج، وَعدم تَنْفِيذ أوَامِر الله مَعَ أَن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا رتب المصائب على عدم الِامْتِثَال فَقَالَ: وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ (الشورى: ٣٠) إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ (الرَّعْد: ١١) إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات. وَمَا انتقم الله من الْأُمَم السَّابِقَة إِلَّا لعدم امتثالهم أوامره بِاتِّبَاع رسله، وَقد نجا كل من امتثل أوامره باتبَاعهمْ، وَقد كثر الْفساد من عدم إِخْرَاج الجناة من الزوايا والأضرحة ويتخيلون أَن المصائب الَّتِي تنزل وَلَو بعد مائَة عَام إِنَّمَا هِيَ من ذَلِك، وَمَا أَظن ذَلِك إِلَّا من استخفاف الْحُكَّام بامتثال الْأَوَامِر وَإِقَامَة الْحُدُود مَعَ ضميمة التخيل الْمَذْكُور، وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم. وَلما تكلم النَّاظِم على مَا يجب فِي جراح الْعمد شرع فِي أَحْكَام جراح الْخَطَأ فَقَالَ: وَفِي جِرَاحِ الخَطَإِ الْحُكْومهْ وَخمسةٌ ديتُهَا مَعْلُومَهْ
стр. 1291
(وَفِي جراح الْخَطَإِ) الَّتِي لَا شَيْء فِيهَا مُقَدّر من قبل الشَّارِع ككسر الْفَخْذ والترقوة وَعظم الصَّدْر والعنق والصلب وَنَحْو ذَلِك (الْحُكُومَة) إِذا بَرِئت على شين، وإلاَّ فَلَا شَيْء فِيهَا لَا أدب وَلَا غَيره وَسَيَأْتِي تَفْسِير الْحُكُومَة (وَخَمْسَة) من جراح الخطا (دِيَتهَا مَعْلُومَة) وَكلهَا فِي الرَّأْس مَا عدا الْجَائِفَة. فَنِصْفُ عُشْرِ دِيَةٌ فِي الْمُوضِحَهْ وَهْيَ الَّتِي تُلْفَى لعَظْمٍ مُوضِحَهْ (فَنصف عشر دِيَة فِي الْمُوَضّحَة) وَعرفهَا بقوله: (وَهِي الَّتِي تلفى لعظم مُوضحَة) أَي كاشفة أياً كَانَ الْعظم فِي الرَّأْس وَفِي غَيره، لَكِن الدِّيَة الَّتِي هِيَ نصف الْعشْر خَاصَّة بِمَا إِذا كَانَت. فِي رَأسٍ أَو وجهٍ كذَا المُنَقِّلهْ عُشْرٌ بهَا ونِصفٌ مَعْدِلَهْ (فِي رَأس أَو وَجه) يَعْنِي بِهِ الْجَبْهَة والخدين لَا إِن كَانَت فِي اللحى الْأَسْفَل أَو فِي غَيره من الْجَسَد، فَحُكُومَة إِن بَرِئت على شين، وَكَذَا بَقِيَّة جراح الْجَسَد من ملطاة وحارصة وَغَيرهمَا فَفِيهَا الْحُكُومَة إِن بَرِئت على شين، وإلاَّ فَلَا شَيْء فِيهَا. وَظَاهره أَن الْمُوَضّحَة فِيهَا مَا ذكر فَقَط بَرِئت على شين أم لَا. وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِذا بَرِئت على شين فيزاد على دِيَتهَا حُكُومَة على الْمَشْهُور فَيقوم عبدا صَحِيحا ومعيباً على مَا يَأْتِي وَيُزَاد على دِيَتهَا مَا بَين الْقِيمَتَيْنِ، وَظَاهره أَيْضا أَن مَا قبل الْمُوَضّحَة من ملطاة وَنَحْوهَا فِي الرَّأْس وَالْوَجْه لَا شَيْء إِلَّا الْحُكُومَة وَلَيْسَ كَذَلِك بل الملطاة فِي الرَّأْس فِيهَا قَولَانِ. مَذْهَب ابْن كنَانَة أَن فِيهَا نصف دِيَة الْمُوَضّحَة، وَرُوِيَ أَن عُثْمَان وَعمر ﵄ قضيا بذلك، وَقيل فِيهَا دِيَة الْمُوَضّحَة ذكر الْقَوْلَيْنِ فِي الشَّامِل مصدرا بِالْأولِ. (كَذَا المنقلة) دِيَتهَا مَعْلُومَة وَهِي (عشر) بِضَم الْعين وَسُكُون الشين (بهَا وَنصف عشر) بِسُكُون الشين أَيْضا وَلَو قَالَ: عشرهَا وَنصفه (معدلة) لَا تزن الْبَيْت بِلَا كلفة أَي عشر الدِّيَة وَنصف عشرهَا يعدل جرحها حَال كَونهَا. فِي المَوْضِعين مُطْلقاً وهْيَ الَّتِي كسرَ فِرَاشِ العظمِ قد تَوَلَّتِ (فِي الْمَوْضِعَيْنِ) الرَّأْس وَالْوَجْه لَا فِي اللحى الْأَسْفَل أَو غَيره من الْجَسَد، فَفِيهَا الْحُكُومَة إِن بَرِئت على شين (مُطلقًا) عمدا أَو خطأ إِذْ لَا يقْتَصّ مِنْهَا فِي الْعمد كَمَا مر (وَهِي) أَي المنقلة (الَّتِي كسر فرَاش الْعظم) فَكسر مفعول بقوله. (قد تولت) أَي هِيَ الَّتِي تولت كسر صغَار عظم الرَّأْس أَي الَّتِي ينْقل الطَّبِيب مِنْهَا الْعِظَام الصغار كقشر البصل ليلتئم الْجرْح، وَتلك الْعِظَام هِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا الْفراش بِالْفَتْح وَالْكَسْر فإضافته إِلَى الْعظم بَيَانِيَّة.
стр. 1292
وَعُشْرٌ ونِصْفُه فِي الهاشِمَهْ وهَي لِعْظمِ الرَّأْسِ تُلفَى هاشِمَهْ (وَعشر وَنصفه فِي الهاشمة وَهِي) الَّتِي (لعظم الرَّأْس) أَو الْوَجْه أَو الْخَدين (تلفى هاشمة) أَي كاسرة عمدا أَو خطأ أَيْضا، إِذْ لَا قصاص فِي عمدها. وَعند ابْن الْقَاسِم لَا بُد أَن تصير منقلة إِذْ مَا من هاشمة إِلَّا عَادَتْ منقلة، فَالصَّوَاب إِسْقَاطهَا على مذْهبه وَهُوَ الْمُعْتَمد. وَقيل نِصْفُ العُشْرِ أَوْ حُكُومَهْ وَثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الْمَأْمُومَهُ (وَقيل) الْوَاجِب فِي الهاشمة (نصف الْعشْر) كالموضحة، وَعَزاهُ ابْن عبد الْبر وَابْن رشد لِلْجُمْهُورِ. (أَو) أَي وَقيل الْوَاجِب فِيهَا (حُكُومَة) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال مشهورها أَولهَا: (وَثلث الدِّيَة فِي المأمومة) وَيُقَال لَهَا أَيْضا الْأمة بِالْمدِّ وَالتَّشْدِيد وَسَوَاء كَانَت عمدا أَو خطأ أَيْضا. وَمَا انتهتْ للجَوفِ وَهِي الجائِفَهْ كذاكَ وَالْأولَى الدِّماغُ كاشِفَهْ (وَمَا انْتَهَت للجوف) وَإِن بِمِقْدَار إبرة (فَهِيَ الْجَائِفَة كَذَاك) فِيهَا ثلث الدِّيَة عمدا أَو خطأ أَيْضا، إِذْ لَا قصاص فِي عمدها، وَسَوَاء وصلت للجوف من الْبَطن أَو الظّهْر فَإِن نفذت مِنْهُمَا فجائفتان فيهمَا ثلث الدِّيَة. (وَالْأولَى) يَعْنِي المأمومة وَهِي الَّتِي ألفيت (الدِّمَاغ كاشفة) أَي أفضت لأم الدِّمَاغ وَبَقِي عَلَيْهِ الدامغة وَهِي الَّتِي خرقت خريطته كَمَا مر، وفيهَا ثلث الدِّيَة كَمَا مر. وَقد أَشَارَ (خَ) إِلَى مَا تقدم بقوله: إِلَّا الْجَائِفَة وَالْأمة فثلث، والموضحة فَنصف عشر، والمنقلة الهاشمة فعشر وَنصفه وَإِن بشين فِيهِنَّ وَإِن كن بِرَأْس أَو لحى أَعلَى الخ. وَاعْترض عَلَيْهِ ذكر الهاشمة لِأَنَّهَا المنقلة عِنْد ابْن الْقَاسِم، وَبقيت عَلَيْهِ الدامغة أَيْضا وفيهَا ثلث الدِّيَة. وَقد تحصل مِمَّا مر أَن مَا فِيهِ ثلث الدِّيَة هُوَ على الْعَاقِلَة فِي الْخَطَأ منجماً كَمَا مر، وَمَا لم يبلغ الثُّلُث كالمنقلة والموضحة هُوَ فِي مَال الْجَانِي حَال عَلَيْهِ كالعمد فَإِنَّهُ مغلظ حَال فِي مَال الْجَانِي وَأَن مَا فِيهِ الدِّيَة لَا حُكُومَة فِيهِ بعْدهَا برىء على شين أم لَا. إِلَّا الْمُوَضّحَة فَفِيهَا الْحُكُومَة زِيَادَة على الدِّيَة إِن بَرِئت على شين، وَإِن مَا عدا هَذِه الْجِرَاحَات الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْحُكُومَة إِن برىء على شين فِي الْخَطَأ كَمَا قدمه فِي قَوْله: فِي جراح الْخَطَأ الْحُكُومَة الخ. وَأما جراح الْعمد فَفِيهِ الْقصاص أَو مَا تَرَاضيا عَلَيْهِ من قَلِيل أَو كثير إِلَّا مَا فِيهِ خطر فَلَا قصاص فِيهِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ على وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون فِيهِ شَيْء مُقَدّر كالجائفة وَنَحْوهَا فَفِيهِ مَا قدره الشَّارِع مغلظاً، وَإِمَّا أَن لَا يكون فِيهِ شَيْء مُقَدّر ككسر الْفَخْذ وَنَحْوه، فَفِيهِ الْحُكُومَة مُغَلّظَة مَعَ الْأَدَب فِي الْعمد من حَيْثُ هُوَ كَمَا قَالَ: وَلاجْتِهَادِ حاكِمٍ مَوْكُولُ فِي غيرِها التأدِيب والتَّنْكِيلُ
стр. 1293
(ولاجتهاد حَاكم موكول فِي غَيرهَا) أَي غير جراح الْخَطَأ وَهِي جراح الْعمد (التَّأْدِيب والتنكيل) أَي الْعقُوبَة أَي لَا بُد من الْأَدَب للجارح عمدا اقْتصّ مِنْهُ أَو لم يقْتَصّ لخطر الْجرْح أَو للعفو عَن قصاصه وَقدر الْأَدَب بِاجْتِهَاد الْحَاكِم فِي عظم الْجِنَايَة وخفتها واعتياد الْجَانِي لَهَا ووقوعها مِنْهُ فلتة كَمَا فِي ضيح. وَجَعَلُوا الْحُكُومَةَ التقويما فِي كونِهِ مَعيباً أَوْ سَليما (وَجعلُوا الْحُكُومَة) الْوَاجِبَة فِيمَا لَيْسَ فِيهِ شَيْء مُقَدّر من جراح الْخَطَأ كالمنقلة والموضحة فِي غير الرَّأْس، وَنَحْو باضعة وسمحاق مُطلقًا وَعظم ترقوه وَفِيمَا فِيهِ خطر من جراح الْعمد الَّذِي لَا قصاص فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء مُقَدّر أَيْضا ككسر الْفَخْذ والعنق والصدر وَنَحْو ذَلِك مِمَّا مرّ (التقويما) للمجروح بعد برئه بِتَقْدِير كَونه عبدا فرضا أَي مَفْرُوضًا عبوديته إِن ابيض فأبيض وَإِن اسود فأسود، وَينظر (فِي) قيمَة (كَونه معيبا) بتسعين مثلا (أَو) بِمَعْنى الْوَاو فِي قيمَة كَونه (سليما) من عيب الْجِنَايَة بِمِائَة مثلا فقد نَقصه عيب الْجِنَايَة الْعشْر فَيَأْخُذ من الْجَانِي عشر دِيَته كَمَا قَالَ: وَمَا تَزيدُ حالةُ السَّلَامَهْ يأْخُذُهُ أَرْشاً وَلَا مَلَامَهْ (وَمَا تزيد حَالَة السَّلامَة) وَهُوَ الْعشْر فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (يَأْخُذهُ) المجنى عَلَيْهِ (أرشاً) أَي يَأْخُذ بنسبته من دِيَته ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى أَو ذِمِّيا أَو غير ذَلِك، فَأخذ الذِّمِّيّ فِي الْمِثَال الْمَذْكُور عشر دِيَته وَالْمَرْأَة عشر دِيَتهَا وَهَكَذَا، وَإِن نَقصه الْعَيْب سدس قِيمَته أَو ثلثهَا كَمَا لَو قوم معيبا بستين وسالماً بتسعين فيأخد سدس دِيَته أَو ثلثهَا، وَيكون على عَاقِلَة الْجَانِي فِي الْخَطَأ لِأَن الْحُكُومَة بلغت سدس دِيَة المجنى عَلَيْهِ، وَقد تقدم أَن مَا بلغ الثُّلُث هُوَ على الْعَاقِلَة فِي الْخَطَأ وَمَا دون الثُّلُث فَهُوَ حَال فِي مَال الْجَانِي والحكومة فِي عمد الْقصاص فِيهِ تكون مُغَلّظَة بالتربيع والتثليث حَال فِي مَال الْجَانِي أَيْضا كَمَا مر، وأشعر قَوْله: معيبا أَن الْحُكُومَة إِنَّمَا تجب إِذا برىء على شين فَحِينَئِذٍ يَأْخُذ من دِيَته بِقدر نِسْبَة نقص قِيمَته معيبا عَن قِيمَته سالما، وَأما إِن برىء على غير شين فَلَا شَيْء فِيهِ إِلَّا الْأَدَب فِي الْعمد. (وَلَا ملامة) عَلَيْهِ فِي تقويمه عبدا تَقْديرا. وَيَثْبُتُ الجِرَاحُ للمَالِ بِمَا يَثْبُتُ ماليُّ الْحُقُوقِ فاعْلَمَا (وَيثبت الْجراح لِلْمَالِ) أَي لأجل المَال يَعْنِي الْجراح الَّتِي لَا قَود فِيهَا عمدا كَانَت أَو خطأ، وَإِنَّمَا فِيهَا المَال الْمُقدر من الشَّارِع أَو الْحُكُومَة (بِمَا يثبت) بِهِ (مَالِي الْحُقُوق) أَي الْحُقُوق الْمَالِيَّة وَهُوَ
стр. 1294
عدل وَامْرَأَتَانِ أَو أَحدهمَا مَعَ الْيَمين (فاعلما) (خَ) : وَفِي الْجراح حُكُومَة بِنِسْبَة نُقْصَان الْجِنَايَة إِذا برىء من قِيمَته عبدا فرضا من الدِّيَة الخ. وَمَفْهُوم قَوْله: لِلْمَالِ أَن جراح غير المَال وَهِي جراح الْعمد الَّتِي فِيهَا الْقصاص لَا تثبت بِمَا يثبت بِهِ مَالِي الْحُقُوق وَلَا بُد فِيهَا من عَدْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَفِي الْمُدَوَّنَة: وَمن أَقَامَ شَاهدا عدلا على جرح عمدا وَخطأ فَيحلف مَعَه يَمِينا وَاحِدَة ويقتص فِي الْعمد وَيَأْخُذ الْفِعْل فِي الْخَطَأ اه. وَتقدم قَول (خَ) : وَمن أَقَامَا شَاهدا على جرح حلف وَاحِدَة إِلَى آخر مَا تقدم عِنْد قَوْله: وَلَيْسَ فِي عبد وَلَا جَنِين الخ. فَلَو قَالَ النَّاظِم: وَيثبت الْجراح مُطلقًا بِمَا الخ. لوفي بالمراد وَثُبُوت جراح الْعمد بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين إِحْدَى المستحسنات الْأَرْبَع الَّتِي استحسنها الإِمَام وَلم يسمع فِيهَا شَيْئا من غَيره، ثَانِيهَا: شُفْعَة الثِّمَار الْمشَار لَهَا بقول (خَ) فِي الشُّفْعَة وكثمرة ومقائي الخ. وَتَقَدَّمت للناظم فِي الشُّفْعَة أَيْضا. وَثَالِثهَا: شُفْعَة الْأَشْجَار الْمشَار لَهَا بقول (خَ) فِي الشُّفْعَة أَيْضا وكشجر وَبِنَاء بِأَرْض حبس أَو معير الخ. وَمَعْنَاهُ أَنه إِذا انقصت مُدَّة الْعَارِية وَبَاعَ أَحدهمَا واجبه فِي النَّقْص، فلصاحبه الشُّفْعَة إِن امْتنع الْمُعير من أَخذه. وَرَابِعهَا: أُنْمُلَة الْإِبْهَام فَفِيهَا نصف دِيَة الْأصْبع اسْتِحْسَانًا الْمشَار لَهَا بقول (خَ) فِي الدِّمَاء والأنملة ثلثه إِلَّا فِي الْإِبْهَام فنصفه فالمستحسنات اثْنَان مِنْهَا فِي الشُّفْعَة وَاثْنَانِ مِنْهَا فِي الدِّمَاء. وَفِي ادّعاءِ العَفْوِ مِنْ وَلِيِّ دَمْ أَوْ مِنْ جَريحٍ الْيَمِينُ تُلْتَزَمْ (وَفِي ادِّعَاء الْعَفو من ولي دم أَو من جريح الْيَمين) مُبْتَدأ خَبره (تلتزم) وَفِي مُتَعَلق بِهِ وَمَعْنَاهُ أَن الْيَمين تلْزم ولي الدَّم فِي ادِّعَاء الْقَاتِل عَلَيْهِ الْعَفو أَو ادِّعَاء الْجَارِح ذَلِك على الْمَجْرُوح (خَ) : وللقاتل الِاسْتِحْلَاف على الْعَفو فَإِن نكل الْوَلِيّ حلف أَي الْقَاتِل وَاحِدَة وبرىء وتلوم لَهُ فِي بَينته الغائبة يَعْنِي الْقَرِيبَة وَإِن نكل الْقَاتِل قتل، وَهَذَا صَحِيح على قَاعِدَة قَوْلهم: كل دَعْوَى لَو أنكرها الْمُدعى عَلَيْهِ انْتفع الْمُدَّعِي بِنُكُولِهِ سَمِعت وتوجهت فِيهَا الْيَمين، ووارد على قَوْلهم كل دَعْوَى لَا تثبت إِلَّا بعدلين فَلَا يَمِين بمجردها لِأَن الْعَفو لَيْسَ بِمَال وَلَا آيل إِلَيْهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا تتَوَجَّه فِيهِ الْيَمين بِمُجَرَّد الدَّعْوَى، وَهَذَا تَوَجَّهت فِيهِ. فالقاعدة الثَّانِيَة حِينَئِذٍ أغلبية وَإِنَّمَا خرج الْعَفو مِنْهَا للِاحْتِيَاط للدم وَعَلِيهِ، فَإِذا قَامَ للْقَاتِل شَاهد وَاحِد بِالْعَفو فَإِنَّهُ يحلف مَعَ شَاهد وَيبرأ كَمَا كَانَ يحلف مَعَ نُكُول الْوَلِيّ وَيبرأ، قَالَه بعض الْقرَوِيين لِأَن النّكُول بِمَنْزِلَة الشَّاهِد، وَقيل لَا تجوز شَهَادَة الشَّاهِد بِالْعَفو وَهِي كَالْعدمِ، وَحَكَاهُ ابْن أبي زيد فِي مُخْتَصره وَنَحْوه لأبي عمرَان. تَنْبِيه: إِذا عَفا الْمَجْرُوح عَن جرحه أَو صَالح ثمَّ مَاتَ فلورثته أَن يقسموا لمن ذَلِك الْجرْح مَاتَ ويقتصوا فِي الْعمد ويأخذوا الدِّيَة فِي الْخَطَأ، وَسَوَاء صَالح عَنهُ وَعَما يؤول إِلَيْهِ وَعنهُ فَقَط
стр. 1295
على الْمُعْتَمد خلافًا لما اقْتصر عَلَيْهِ ابْن سَلمُون من أَنه إِذا صَالح عَنهُ وَعَما يؤول إِلَيْهِ فَلَا قيام لَهُم إِذا مَاتَ انْظُر (خَ) وشراحه فِي الصُّلْح. وقَوَدٌ فِي القَطْعِ للأَعْضاءِ فِي العَمْدِ مَا لَمْ يُفْضِ لِلْفَنَاءِ (وقود) يجب (فِي الْقطع للأعضاء) كيد أَو رجل أَو ذكر أَو شفتين أَو لِسَان أَو مارن أنف وَكَذَا لَو قطع بضعَة من لحم فَفِيهَا الْقصاص (فِي الْعمد مَا لم) يخف أَن (يفض) الْقود الْمَذْكُور (للفناء) أَي الْمَوْت كَقطع الْفَخْذ أَو اللِّسَان أَو الذّكر أَو الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا قَود لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى أَخذ النَّفس فِيمَا دونهَا. وَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَة إِن كَانَ فِيهَا شَيْء مُقَدّر كاللسان وَالذكر والأنثيين كَمَا يَأْتِي، وَإِن لم يكن فِيهِ شَيْء مُقَدّر ككسر الْفَخْذ والعنق فَفِيهِ الْحُكُومَة وَإِن برىء على شين وإلاَّ فَلَا شَيْء فِيهِ إِلَّا الْأَدَب كَمَا مر، وَرُبمَا يسْتَغْنى عَن هَذَا الْبَيْت بقوله فِيمَا مر: ودية مَعَ خطر فِيهَا فقد. وَالْخَطَأ الدِّيَةُ فيهِ تُقْتَفَى بحَسَبِ الْعُضْوِ الَّذِي قدْ أُتْلِفَا (وَالْخَطَأ) مُبْتَدأ (الدِّيَة) مُبْتَدأ ثَان (فِيهِ تقتفى) خبر الثَّانِي وَهُوَ وَخَبره خبر الأول أَي: وَالْقطع خطأ تتبع الدِّيَة فِيهِ (بِحَسب الْعُضْو الَّذِي قد أتلفا) فَمِنْهُ مَا تجب فِيهِ الدِّيَة كَامِلَة، وَمِنْه مَا يجب فِيهِ نصفهَا كَمَا قَالَ: وَديةٌ كاملةٌ فِي المُزْدَوِجْ ونِصفُها فِي واحِدٍ مِنْه انْتُهِجْ (ودية) لَو فَرعه بِالْفَاءِ لَكَانَ أولى (كَامِلَة فِي) قطع (المزدوج) من الْأَعْضَاء خطا كاليدين وَالرّجلَيْنِ والعينين والأذنين والشفتين والأنثيين والشفرين إِن بدا الْعظم وثديي الْمَرْأَة وحلمتيها إِن بَطل اللَّبن، فَإِن لم يبد الْعظم أَو لم يبطل اللَّبن بِقطع الحلمتين فَحُكُومَة، وَأما قطع ثديي الرجل ففيهما حُكُومَة فَقَط (وَنِصْفهَا) أَي الدِّيَة (فِي) قطع (وَاحِد مِنْهُ) أَي المزدوج (انتهج) أَي سلك. فَفِي الْيَد الْوَاحِدَة نصف الدِّيَة وَفِي الرجل الْوَاحِدَة كَذَلِك، وَفِي الْعين كَذَلِك وَهَكَذَا إِلَّا عين الْأَعْوَر فَفِيهَا الدِّيَة كَامِلَة كَمَا يَأْتِي. وَفي اللسَانِ كُمِلَتْ وَالذَّكَرِ والأَنْفِ وَالْعَقْلِ وَعينِ الأَعْوَرِ (وَفِي) قطع (اللِّسَان) كُله (كملت) الدِّيَة على عَاقِلَة قَاطِعَة، وَكَذَا تكمل إِن قطع مِنْهُ مَا مَنعه من الْكَلَام، فَإِن لم يمنعهُ من الْكَلَام فَحُكُومَة (خَ) عاطفاً على مَا فِيهِ الدِّيَة كَامِلَة مَا نَصه:
стр. 1296
وَفِي لِسَان النَّاطِق وَإِن لم يمْنَع النُّطْق مَا قطعه فَحُكُومَة كلسان الْأَخْرَس وَالْيَد الشلاء والساعد وأليتي الْمَرْأَة وَسن مضطربة جدا وعسيب ذكر بعد الْحَشَفَة الخ. أَي هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي بعد الْكَاف إِنَّمَا فِيهَا حُكُومَة فَقَط. (و) كملت أَيْضا فِي قطع (الذّكر) كُله أَو فِي قطع حشفته فَقَط، فَإِن قطع بَعْضهَا كثلثها فَيَأْخُذ المجنى عَلَيْهِ من الدِّيَة بِحِسَاب ذَلِك، فَإِن قطع الذّكر والأنثيين فديتان كاملتان وَلَو بضربة وَاحِدَة على الْمَشْهُور، فَإِن كَانَ مَقْطُوع الْحَشَفَة وَقطع هَذَا عسيبه فَقَط فَحُكُومَة كَمَا مرّ. (و) كملت أَيْضا فِي قطع (الْأنف) كُله أَو فِي قطع مارنه وَهُوَ مَا لَان من الْأنف، فَإِن قطع بعض المارن فبحسابه أَيْضا، فَإِن كَانَ مَقْطُوع المارن وَقطع هَذَا بَاقِي الْأنف فَحُكُومَة فِيمَا يظْهر. (و) كملت أَيْضا فِي إذهاب (الْعقل) بضربة وَنَحْوهَا (و) فِي (عين الْأَعْوَر) للسّنة بِخِلَاف مَا عَداهَا من آحَاد المزدوجين كأذن أَو رجل فَإِنَّمَا فِيهِ نصف الدِّيَة وَإِن لم يكن لَهُ غَيره. وَفِي إزَالَةٍ لِسَمْعٍ أَوْ بَصَرْ والنصْفُ فِي النصفِ وَشَمَ كالنَّظَرْ (و) كملت أَيْضا (فِي إِزَالَة لسمع) كُله (أَو بصر) كُله بضربة أَو أكل أَو شرب أَو فعل من الْأَفْعَال (وَالنّصف) من الدِّيَة (فِي) إِزَالَة (النّصْف) من سمع أَو بصر أَو غَيرهمَا (و) إِزَالَة (شم ك) إِزَالَة (النّظر) فَإِن أزاله كُله فَالدِّيَة كَامِلَة. وَإِن أَزَال نصفه وَجب فِيهِ نصفهَا أَو ثلثه فثلثها وَهَكَذَا. وَالنطْقِ والصوتِ كَذَا الذوقِ وَفِي إذْهاب قوةِ الجماعِ ذَا اقتُفي (والنطق وَالصَّوْت) بِالْجَرِّ فيهمَا أَي فِي إِزَالَة كل وَاحِد مِنْهُمَا دِيَة كَامِلَة وَلَا ينْدَرج أَحدهمَا فِي الآخر إِلَّا أَن يذهبا مَعًا بضربة أَو أكل، وَنَحْو ذَلِك فديَة وَاحِدَة. والنطق صَوت بحروف وَالصَّوْت هَوَاء منضغط يخرج من دَاخل الرئة كَانَ بحروف أم لَا، فعطفه على النُّطْق من عطف الْعَام على الْخَاص، إِذْ لَا يلْزم من ذهَاب الْخَاص ذهَاب الْعَام وَالْكَلَام هُوَ اللَّفْظ الْمُفِيد فَهُوَ أخص من النُّطْق، فَإِذا جنى عَلَيْهِ فَأذْهب كَلَامه ونطقه وصوته فديَة وَاحِدَة، وَإِذا أذهب الْكَلَام فَقَط بِحَيْثُ لَا يقدر على تركيب الْمُفْردَات حَتَّى تحصل الْفَائِدَة فديَة وَاحِدَة أَيْضا، فَإِن لم يكن لَهُ إِلَّا النُّطْق بالمفردات فأذهبه أَو الصَّوْت فأذهبه فديَة كَامِلَة أَيْضا، وَإِذا أذهب بعض نطقه أَو صَوته فبحسابه من الدِّيَة. (كَذَا الذَّوْق) أَي فِي إذهابه كُله فَفِيهِ الدِّيَة كَامِلَة وَبَعضه بِحِسَابِهِ (وَفِي إذهاب قُوَّة الْجِمَاع) بضربة أَو أكل وَنَحْوهمَا (ذَا) مُبْتَدأ أَي وجوب الدِّيَة الْكَامِلَة (اقتفي) فِي إذهاب قُوَّة
стр. 1297
الْجِمَاع بِأَن أبطل إنعاظه أَو قطع مَاءَهُ أَو أفْسدهُ حَتَّى صَار مَاؤُهُ لَا يتكون مِنْهُ نسل، وَكَذَا إبِْطَال قِيَامه أَو جُلُوسه أَو تجذيمه أَو تبريصه (خَ) : وَالدية فِي الْعقل أَو السّمع أَو الْبَصَر أَو الشم أَو النُّطْق أَو الصَّوْت أَو الذَّوْق أَو قُوَّة الْجِمَاع أَو نَسْله أَو تجذيمه أَو تبريصه أَو قِيَامه أَو جُلُوسه أَو تسويده إِلَى أَن قَالَ: وجرب الْعقل بالخلوات والسمع بِأَن يصاح من أَمَاكِن مُخْتَلفَة مَعَ سد الصَّحِيحَة وَنسب لسمعه الآخر، وإلاَّ فَسمع وسط وَله نسبته إِن حلف وَلم يخْتَلف قَوْله: وإلاَّ فَهدر وَالْبَصَر بإغلاق الصَّحِيحَة كَذَلِك، والشم برائحة حادة والنطق بالْكلَام اجْتِهَادًا بِأَن يَقُول أهل الْمعرفَة: ذهب من كَلَامه نصفه أَو ثلثه فَيعْطى بِقدر من دِيَته، والذوق بالمر كصبر بِفَتْح الصَّاد وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد تسكن فِي ضَرُورَة الشّعْر كَقَوْلِه: الصَّبْر كالصبر مر فِي مذاقته لَكِن عواقبه أحلى من الْعَسَل وَإِن لم يُمكن اختباره بِمَا تقدم أَو أخبر وأشكل أمره صدق مدعي ذهَاب الْجَمِيع بِيَمِين مَا عدا الْعقل فَإِنَّهُ لَا تمكن الدَّعْوَى فِيهِ من المجنى عَلَيْهِ، بل من وليه وَهُوَ لَا يحلف ليستحق غَيره فَيصدق بِغَيْر يَمِين. وكلُّ سِنَ فيهِ مِنْ جِنْسِ الإبِلْ خَمْسٌ وَفي الأصْبَعِ ضِعْفُهَا جُعِلْ (وكل سنّ) مُبْتَدأ خَبره (فِيهِ من جنس الْإِبِل خمس) أَي يجب فِي كل سنّ نصف عشر الدِّيَة مخمسة فِي الْخَطَأ ومثلثة فِي الْأَب وَنَحْوه، وَلَو عبر بِهِ لَكَانَ أولى ليشْمل الْمُسلم وَغَيره، فَفِيهَا فِي الْحر الْمُسلم على أهل الْإِبِل خمس من الْإِبِل، وعَلى أهل الذَّهَب خَمْسُونَ دِينَارا وَهَكَذَا، وَظَاهره ثنية كَانَت السن أَو ربَاعِية أَو ضرساً قلعت من أَصْلهَا أَو من اللَّحْم قلعهَا أَو سودها أَو اصْفَرَّتْ أَو احْمَرَّتْ أَو اضْطَرَبَتْ جدا، فَإِن كسرهَا فبحساب ذَلِك وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع (خَ) : وَفِي كل سنّ خمس وَإِن سَوْدَاء بقلع أَو اسوداد أَو بهما أَو بحمرة أَو صفرَة إِن كَانَ عرفا كالسواد أَو باضطرابها جدا. (وَفِي الْأصْبع ضعفها) وَهُوَ عشرَة من الْإِبِل وَمِائَة دِينَار (جعل) وَفِي الْأُنْمُلَة ثلث إِلَّا فِي الْإِبْهَام فنصفه، وَسَوَاء كَانَت الْأصْبع من يَد أَو رجل وَلَو زَائِدَة حَيْثُ كَانَت لَا قُوَّة لَهَا كالأصلية، وَسَوَاء كَانَت الْجِنَايَة على الزَّائِدَة عمدا أَو خطأ إِذْ لَا قَود فِيهَا لعدم المماثل. تَنْبِيه: تقدم أَنه إِذا قطع ذكره وأنثياه وَلَو بضربة وَاحِدَة فديتان، وَكَذَا تَتَعَدَّد الدِّيَة لَو أذهب
стр. 1298
سَمعه وبصره أَو أذهب الذَّوْق وَقُوَّة الْجِمَاع أَو قطع يَده فَذهب عقله، وَهَكَذَا إِلَّا الْمَنْفَعَة بمحلها كَمَا لَو قطع أُذُنَيْهِ فَزَالَ سَمعه، أَو قطع مارنه فَذهب شمه، أَو قلع عَيْنَيْهِ فَذهب بَصَره فديّة وَاحِدَة لِأَن الْمَنْفَعَة بِمحل الْجِنَايَة، وَكَذَا لَو جنى على لِسَانه فَأذْهب ذوقه ونطقه أَو فعل بِهِ مَا أذهب النُّطْق والذوق بَقَاء اللِّسَان فديَة وَاحِدَة، وَأما إِن أوضحه فَذهب عقله، فَإِن قُلْنَا إِن مَحَله الرَّأْس كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَابْن الْمَاجشون، فَكَذَلِك وَإِن قُلْنَا إِن مَحَله الْقلب وَهُوَ قَول مَالك وَأكْثر أهل الشَّرْع فديّة لِلْعَقْلِ وَنصف عشرهَا للموضحة، وَهَذَا كُله إِن أذهب ذَلِك بضربة أَو ضربات فِي فَور، وَأما بضربات فِي غير فَور فتتعدد وَلَو بمحلها (خَ) : وتعددت الدِّيَة بتعددها إِلَّا الْمَنْفَعَة بمحلها الخ. ودِيةُ الْجُرُوحِ فِي النساءِ كدِية الرّجال بالسَّوَاءِ (ودية الجروح فِي النِّسَاء كدية الرِّجَال بالسواء) فديّة جرح الْمَرْأَة كديّة الرجل من أهل دينهَا فلهَا فِي الْمُوَضّحَة إِن كَانَت حرَّة مسلمة نصف عشر دِيَة الْحر الْمُسلم وَهُوَ خمس من الْإِبِل على أهل الْإِبِل وَخَمْسُونَ دِينَارا على أهل الذَّهَب وَلها فِي المنقلة والهاشمة عشر الدِّيَة وَنصف عشرهَا وَهُوَ خمس عشرَة من الْإِبِل وَمِائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا فَهِيَ وَالرجل فِي ذَلِك سَوَاء لِأَن ذَلِك لم يبلغ ثلث دِيَة الرجل من أهل دينهَا، وَلها فِي ثَلَاثَة أَصَابِع ثَلَاثُونَ من الْإِبِل وثلاثمائة دِينَار، وَهَكَذَا فِي كل جرح لم تبلغ دِيَته ثلث دِيَة الرجل من أهل دينهَا فَإِن بلغت ثلث دِيَته كجائفة ومأمومة فترجع لديتها كَمَا قَالَ: إلاّ إذَا زَادَتْ عَلَى ثُلْثِ الدِّيَهْ فَمَا لَهَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ تَسْوِيَهْ (إِلَّا إِذا زَادَت) صَوَابه ساوت بهَا (على ثلث الدِّيَة فَمَا لَهَا من بعد ذَاك تَسْوِيَة) وَإِنَّمَا قُلْنَا صَوَابه ساوت لِأَن كَلَامه يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا ترجع لديتها إِلَّا إِذا زَادَت دِيَة جرحها على ثلث دِيَته كيد أَو رجل مثلا وَلَيْسَ كَذَلِك بل ترجع لديتها إِذا ساوت دِيَة جرحها ثلث دِيَته كَمَا فِي الْجَائِفَة أَو المأمومة، فلهَا فيهمَا حِينَئِذٍ سِتَّة عشر بَعِيرًا وَثلثا بعير فأحرى إِذا زَادَت كيد أَو رجل فلهَا فيهمَا خمس وَعِشْرُونَ من الْإِبِل ومائتان وَخَمْسُونَ دِينَارا، وَلها فِي أَرْبَعَة أَصَابِع عشرُون من الْإِبِل (خَ) : وساوت الْمَرْأَة الرجل لثلث دِيَته فترجع لديتها الخ. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَالْمَرْأَة تعاقل الرجل إِلَى ثلث دِيَته لَا تستكمله، فَإِذا بلغت ذَلِك رجعت إِلَى عقل نَفسهَا فلهَا فِي ثَلَاثَة أَصَابِع وَنصف أُنْمُلَة إِحْدَى وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَثلثا بعير، وَالرجل فِي هَذَا وَهِي سَوَاء، وَإِذا أُصِيب مِنْهَا ثَلَاثَة أَصَابِع وأنملة رجعت إِلَى عقلهَا فَكَانَ لَهَا فِي ذَلِك سِتَّة عشر بَعِيرًا وَثلثا بعير اه. وَفِي الْمُوَطَّأ عَن ربيعَة قلت لِابْنِ الْمسيب: كم فِي ثَلَاثَة أَصَابِع من الْمَرْأَة؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ. قلت: فكم فِي أَربع؟
стр. 1299
قَالَ: عشرُون. فَقلت حِين عظم جرحها نقص عقلهَا. فَقَالَ: أعراقي أَنْت؟ فَقلت: بل عَالم متثبت أَو جَاهِل متعلم. فَقَالَ: تِلْكَ السّنة يَا ابْن أخي. تَنْبِيه: ظَاهر النّظم أَنَّهَا إِذا ساوت ثلث الدِّيَة أَو زَادَت ترجع لديتها وَلَو تعدد الْفِعْل وَهُوَ كَذَلِك فِي الْأَصَابِع فَقَط حَيْثُ اتَّحد الْمحل، فَلَو قطع لَهَا أَرْبعا من الْأَصَابِع من كل يَد أصبعين بضربة وَاحِدَة أَو ضربات فِي فَور وَاحِد أَو جمَاعَة أَو قطع لَهَا ثَلَاثًا من يَد أَو رجل وأصبعاً من الْيَد أَو الرجل الْأُخْرَى بضربة أَو ضربات فِي فَور أَيْضا أخذت عشْرين من الْإِبِل فَقَط، لِأَن الْفِعْل الْوَاحِد وَمَا فِي حكمه يضم مَا نَشأ عَنهُ بعضه إِلَى بعض، وَلَو تعدد الْمحل كَافِي الْمِثَال، وَأَحْرَى لَو اتَّحد الْمحل وَلَو قطع لَهَا ثَلَاثًا من يَد وَاحِدَة أَو رجل بضربة أَو ضربات أخدت ثَلَاثِينَ من الْإِبِل لكل أصْبع عشر من الْإِبِل ثمَّ إِن قطع لَهَا بعد ذَلِك من تِلْكَ بِالْيَدِ أَو الرجل أصبعاً رَابِعا أَو أَكثر فلهَا فِي كل أصْبع خمس من الْإِبِل، وَإِنَّمَا كَانَ لَهَا خمس فَقَط لِأَن مُتحد الْمحل يضم بعضه إِلَى بعض وَلَو تعدد الْفِعْل لكَونه فِي غير فَور، وَأما إِن تعدد الْفِعْل وَالْمحل مَعًا كَمَا لَو قطع لَهَا ثَلَاثًا من يَد فَأخذت ثَلَاثِينَ ثمَّ قطع لَهَا بعد ذَلِك ثَلَاثًا من الْيَد الْأُخْرَى فتأخذ ثَلَاثِينَ أَيْضا، وَلَا يضم من يَد أَحدهمَا للْآخر لتَعَدد كل من الْفِعْل وَالْمحل، وَهَذَا كُله فِي الْأَصَابِع لَا فِي الْأَسْنَان فَإِنَّهُ لَا يضم بَعْضهَا إِلَى بعض إِذا تعدد الْفِعْل، وَسَوَاء كَانَت من حنك أَو حنكين لِأَن الحنكين مَحل وَاحِد، فَإِذا قلع لَهَا عشر أَسْنَان فِي عشر ضربات متفرقات لَيست فِي فَور وَاحِد، فلهَا فِي كل سنّ خمس من الْإِبِل، وَإِن قلعهَا فِي ضَرْبَة وَاحِدَة أَو مَا فِي حكمهَا كضربات فِي فَور فَإِنَّهَا تضم وَترجع إِلَى دِيَتهَا فِي سبع أَسْنَان فَأكْثر وَضم مُتحد الْفِعْل وَمَا فِي حكمه أَو الْمحل فِي الْأَصَابِع لَا فِي الْأَسْنَان.
(بَاب التَّوَارُث)
مصدر على وزن تفَاعل من توارث الْقَوْم إِذا ورث بَعضهم بَعْضًا، وَالْمِيرَاث اسْم لِلْمَالِ الْمَتْرُوك وَهُوَ مفعال من ورث يَرث ورثاً ووراثة وَالْإِرْث اسْم للشَّيْء الْمَوْرُوث وهمزته منقلبة عَن
стр. 1300
وَاو كأشاح وَسمي المَال الْمَتْرُوك مِيرَاثا لِأَنَّهُ يبْقى بعد موت صَاحبه، وَكَذَلِكَ الْوَرَثَة لبقائهم بعد الْمَيِّت لأخذهم الْإِرْث. (والفرائض) جمع فَرِيضَة من الْفَرْض بِمَعْنى التَّقْدِير من قَوْله تَعَالَى فَنصف مَا فرضتم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٧) أَي قدرتم أَي أوجبتم يُقَال: فرضت الشَّيْء أفرضه أَي أوجبته وَقدرته. وَتَسْمِيَة هَذَا الْعلم بِعلم الْفَرَائِض اصطلاحية، وإلاَّ فَعلم الْفَرَائِض فِي اللُّغَة يَشْمَل الْوَاجِبَات كلهَا من فَرَائض الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغير ذَلِك، وَسمي بذلك لِكَثْرَة دوران الْفَرْض على أَلْسِنَة أَهله وَهُوَ علم قرآني جليل، قَالَ ﵊: (إِن الله لم يكل قسْمَة مواريثكم إِلَى أحد بل تولاها بِنَفسِهِ وَبَينهَا أتم بَيَان) وَقَالَ: (تعلمُوا الْقُرْآن وعلموه النَّاس وتعلموا الْفَرَائِض وعلموها النَّاس فَإِنِّي امْرُؤ مَقْبُوض وَأَن الْعلم سيقبض وَتظهر الْفِتَن حَتَّى يخْتَلف اثْنَان فِي الْفَرِيضَة فَلَا يجدان من يفصل بَينهمَا) . وَفِي الْجَوَاهِر عَنهُ ﵊ أَنه قَالَ: (تعلمُوا الْفَرَائِض وعلموها النَّاس فَإِنَّهَا نصف الْعلم) . وَاعْلَم أَن علم الْفَرَائِض لَهُ حد، وموضوع وَغَايَة، فغايته أَي ثَمَرَته حُصُول ملكة للْإنْسَان توجب سرعَة الْجَواب على وَجه الصِّحَّة وَالصَّوَاب، وَأما حَده وموضوعه فَقَالَ ابْن عَرَفَة: وَعلم الْفَرَائِض لقباً الْفِقْه الْمُتَعَلّق بِالْإِرْثِ وَعلم مَا يُوصل لمعْرِفَة قدر مَا يجب لكل ذِي حق فِي التَّرِكَة. وموضوعه التركات لَا الْعدَد خلافًا للصودي فَقَوله: لقباً مَعْنَاهُ أَن علم الْفَرَائِض نقل من مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ الَّذِي هُوَ علم الْوَاجِبَات وَصَارَ لقباً لهَذَا الْفَنّ فاحترز بقوله: لقباً من علم الْفَرَائِض مُضَافا بَاقِيا على إِضَافَته، فَإِنَّهُ أَعم لشُمُوله جَمِيع الْوَاجِبَات على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا كَمَا مر، فَهُوَ كَقَوْلِهِم بُيُوع الْآجَال لقباً وَإِضَافَة فَهُوَ إِضَافَة يَشْمَل كل بيع لأجل، ولقباً مَقْصُور على بُيُوع الْآجَال المتحيل فِيهَا على دفع قَلِيل من كثير، وَقَوله: الْمُتَعَلّق بِالْإِرْثِ أَي إِثْبَاتًا أَو نفيا من إِرْث وحجب وَتَعْيِين الْقدر الْمَوْرُوث، وَخرج بِالْإِرْثِ مَا تعلق بالعبادات وَالنِّكَاح والمعاملات. وَقَوله: وَعلم الخ. . هُوَ بِالرَّفْع مَعْطُوف على قَوْله الْفِقْه، وَمَا فِي قَوْله مَا يُوصل وَاقعَة على الْحساب الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ لمعْرِفَة قدر مَا يجب لكل وَارِث، فحقيقة هَذَا الْعلم مركبة من أَمريْن معرفَة من يَرث وَمن لَا يَرث، وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة الْقِسْمَة وَالْعَمَل فِي مسَائِل المناسخات وَغَيرهَا، وَهَذَا الثَّانِي لم يتَكَلَّم عَلَيْهِ النَّاظِم بل هُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَقَوله: وموضوعه التركات الخ يَعْنِي لِأَنَّهَا يبْحَث فِيهَا عَن عوارضها الذاتية أَي عَن أحوالها اللاحقة لَهَا من كَون تجهيز الْمَيِّت يقدم ثمَّ تقضى دُيُونه ثمَّ وَصَايَاهُ، وَكَون هَذَا الْوَارِث لَهُ ربعهَا أَو نصفهَا وَهَذَا يَرث مِنْهَا وَهَذَا لَا يَرث وَنَحْو ذَلِك.
следующие страницы →