← Сияса и кади

Сияса и кади · id 1544

البهجة في شرح التحفة

التسولي

Полный текст (1 359 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

واستمرارها إِلَى حِين التَّارِيخ لِأَن قَوْله: سَمِعت إِنَّمَا يحمل على مُدَّة وَاحِدَة وَكَأن تَقْتَضِي التّكْرَار وَلَا تَقْتَضِي استغراق الْمَاضِي وَإِن كَانَ فِيهَا خلاف بَين الْأُصُولِيِّينَ اه وَنَحْوه للفشتالي فِي وَثِيقَة السماع بِالْحَبْسِ. وحَبْسِ مَنْ جَازَ مِنَ السِّنِينا عَلَيْهِ مَا يُناهِزُ العِشْرِينَا (و) أعملت أَيْضا فِي (حبس من) نَعته (جَازَ من السنينا عَلَيْهِ مَا يناهز) أَي يُقَارب (العشرينا) سنة فَمَا فَاعل جَازَ ويناهز صلتها وَعَلِيهِ يتَعَلَّق بجاز وَمن السنين بَيَان لما. وَكَيْفِيَّة وثيقته أَن يَقُولُوا لم يزَالُوا يسمعُونَ سَمَاعا فاشياً من أهل الْعدْل وَغَيرهم أَن الدَّار الْفُلَانِيَّة مثلا محبسة على مَسْجِد كَذَا أَو على بني فلَان وعقبهم ويعرفونها تحاز بِمَا تحاز بِهِ الأحباس وتحترم بحرمتها واتصل ذَلِك فِي علمهمْ إِلَى الْآن ويحوزونها بِالْوُقُوفِ إِلَيْهَا وَالتَّعْيِين لَهَا مَتى دعوا إِلَى ذَلِك الخ. فَإِن سقط من الْوَثِيقَة أَنَّهَا تحاز، أَو الْمعرفَة بِأَنَّهَا تحاز فالشهادة غير عاملة. وَفِي الْمُدَوَّنَة مَا ظَاهره أَنَّهَا تَامَّة إِذا سَقَطت الْمعرفَة فَقَط فَفِيهَا وَالشَّهَادَة على السماع فِي الأحباس جَائِزَة لطول زمانها يشْهدُونَ أَنا لم نزل نسْمع أَن هَذِه الدَّار حبس تحاز بِمَا تحاز بِهِ الأحباس الخ، لَكِن حملهَا ابْن نَاجِي على خلاف ظَاهرهَا فَقَالَ: قصد بقوله تحاز الْقطع بذلك فَيَقُولُونَ نعلم أَنَّهَا تحاز بحوز الأحباس على الْقطع لَا أَنه دَاخل تَحت السماع وعَلى ذَلِك حمله ابْن رشد وَنَقله ابْن فتوح وَغَيره على الْمَذْهَب، وَبِه الْعَمَل. وَقيل: لَا يشْتَرط ذَلِك بل إِدْخَاله تَحت السماع كَاف قَالَه ابْن سهل اه. فَعلم من هَذِه الْوَثِيقَة أَنهم إِذا قَالُوا لم نزل نسْمع أَنَّهَا حبس وَلم نسْمع تحبيس من هِيَ فالشهادة تَامَّة وَهُوَ كَذَلِك قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة وَهُوَ ظَاهر ابْن سهل وَغَيره خلافًا لما فِي التَّبْصِرَة من أَنه لَا بُد أَن يضمن فِي الْوَثِيقَة أَن الدَّار كَانَت ملكا للمحبس لِأَن معرفَة الْمحبس وَإِثْبَات ملكه إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى التَّنْصِيص عَلَيْهِمَا فِي الشَّهَادَة على أصل التحبيس بتاً لَا سَمَاعا كَمَا لِابْنِ عبد السَّلَام، وَفِي وَصَايَا المعيار أثْنَاء جَوَاب مَا نَصه: شاهدت عِنْد أبي بكر القَاضِي شُورَى فِي عقد حبس كتبه أَبُو عمر الشاطبي وَفِيه: يعْرفُونَ الْمَوَاضِع الَّتِي بِموضع كَذَا حبسا من حبس فلَان وَأَنَّهَا تحترم بِحرْمَة الأحباس فَقَالَ ابْن عتاب لِابْنِ ذكْوَان: لَا يجوز بِهَذَا الرَّسْم حكم إِلَّا بعد ثُبُوت ملك الْمحبس وَمَوته وعدة ورثته والإعذار فِي ذَلِك، وَكَانَ الشاطبي الْمَذْكُور بالحضرة فَقَالَ لِابْنِ عتاب: كَيفَ لَا يحكم بالرسم وَقد نَص فِيهِ على أَنَّهَا تحترم بِحرْمَة الأحباس؟ فَقَالَ لَهُ ابْن عتاب: اسْكُتْ إِنَّمَا عَلَيْك أَن تسمع وَلَا تعترض اه. وَلابْن رشد فِي أجوبته: لَا يجب الْقَضَاء بِالْحَبْسِ إِلَّا بعد أَن يثبت التحبيس وَملك الْمحبس لما حبس يَوْم التحبيس وَتَعْيِين الْأَمْلَاك المحبسة بالحيازة فَإِذا ثَبت ذَلِك وأعذر فِيهِ للمقوم عَلَيْهِ فالقضاء بِالْحَبْسِ وَاجِب اه. وَهُوَ مُوَافق لما مرّ عَن ابْن عتاب، وَذكر هَذَا ابْن فتوح فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة فِي عدَّة عُقُود لما ذكر فِي بَعْضهَا أَنه إِن عرف الشُّهُود الْملك كَانَ أتم، وَذكر فِي بَعْضهَا أَن الشُّهُود إِذا لم يعرفوا الْملك أسقط من الْوَثِيقَة فمقتضاه عدم اشْتِرَاط ثُبُوت الْملك فِي الشَّهَادَة ببت الْحَبْس إِلَّا أَنه إِن ذكر فَهُوَ أتم، وَنَحْوه للمتيطي

стр. 212

وبكلامهما اعْترض ابْن عَرَفَة على ابْن عبد السَّلَام قَالَ بعض الْفُضَلَاء: وَفِيه نظر، فَإِن مُقْتَضى مَا لِابْنِ عتاب وَابْن رشد وَغَيرهمَا أَن اشْتِرَاط ذَلِك هُوَ الْمَذْهَب، وَمَا فِي المتيطي وَابْن فتوح لَا نسلم أَنه يَقْتَضِي عدم الِاشْتِرَاط لاحْتِمَال أَن يكون مَعْنَاهُ إِن لم يعرف الشُّهُود ذَلِك أسقطوه ثمَّ لَا يتم الحكم بِالْحَبْسِ إِلَّا بِهِ بِأَن يشْهد بِالْملكِ من يعرفهُ من غَيرهَا وَقد صرح المتيطي بذلك فِي مَوضِع آخر فَتَأَمّله وَهَذَا كُله فِي شَهَادَة الْبَتّ، وَأما شَهَادَة السماع فَلَا يشْتَرط فِيهَا تَسْمِيَة الْمحبس وَلَا إِثْبَات ملكه اه. المُرَاد من كَلَام هَذَا الْفَاضِل وَمَا ذكره فِي الْبَتّ من اشْتِرَاط ثُبُوت الْملك نَحوه فِي (ح) وضيح مقتصرين عَلَيْهِ، وَصرح ابْن رحال برجحانيته، وَفِي الفشتالية فَإِن ذكر فِي الْوَثِيقَة أَي وَثِيقَة السماع اسْم الْمحبس فَلَا بدّ من إِثْبَات الْملك وَمَوته وعدة ورثته. قَالَ صَاحب الوثائق الْمَجْمُوعَة، وَقيل إِن بعد عهد موت الْمحبس وَتعذر إِثْبَات ورثته فَإِن ذَلِك سَاقِط وَلَا يلْزم إِثْبَات ذَلِك اه. فَأَنت ترى كَيفَ ضعفه بقيل، وَمَا ذكره عَن ابْن عَرَفَة من الِاعْتِرَاض تبعه عَلَيْهِ الْبُرْزُليّ فِي نوازله وَسلمهُ، وعَلى القَوْل بِاشْتِرَاط ثُبُوت الْملك فَمَعْنَاه أَن الْحَبْس لَا يكون حجَّة للقائم بِهِ بِحَيْثُ يُقَابل التحبيس الْملك الَّذِي أثْبته الْغَيْر فَإِن لم يقم فِيهِ أحد فَيثبت الْحَبْس وَإِن لم يثبت ملكه وبالوجه الَّذِي يرد للْوَرَثَة يكون حبسا قَالَه ابْن رحال. تَنْبِيه: إِنَّمَا يعْمل السماع بِالْحَبْسِ فِيمَا بيد الْمَشْهُود لَهُ أَو لَا بُد لأحد عَلَيْهِ إِذْ السماع لَا ينْزع بِهِ من يَد حائزه كَمَا مرّ، وَظَاهر ابْن عَرَفَة وَغَيره أَنه ينْزع بِهِ انْظُر (ز) وَحش وَإِنَّمَا يعْمل بِهِ أَيْضا فِي الْحَبْس إِذا نصوا على التَّعْصِيب، والمرجع فَإِن سقط التَّنْصِيص عَلَيْهِ فالشهادة نَاقِصَة لَا تعْمل شَيْئا قَالَه فِي الفشتالية والمتيطية وَغَيرهمَا. قَالَ أَبُو عبد الله المجاصي فِي جَوَاب لَهُ: وَالْمرَاد بالسقوط عِنْد الْأَدَاء لَا فِي الْوَثِيقَة، وَإِنَّمَا يضر الْإِجْمَال فِي الْعقب والمرجع إِذا ذكرا مَعًا أَو أَحدهمَا أما مَعَ عدم التَّعَرُّض لَهما وَلَا لأَحَدهمَا فِي الشَّهَادَة فَيثبت الْحَبْس وَيكون القَوْل لمُدعِي التعقيب إِذْ هُوَ غَالب أحباس زَمَاننَا لَا كَمَا يفهمهُ حكام الْبَوَادِي فَإِن الْعرف مُحكم. ذكر هَذَا القَاضِي أَبُو مهْدي سَيِّدي عِيسَى السجسْتانِي اه. وعَزْلِ حَاكِمٍ وَفِي تَقْدِيمهِ وضَرَرِ الزَّوْجَيْنِمِنْ تَتْمِيمِهِ (و) أعملت فِي (عزل حَاكم) أَيْضا كَقَوْلِهِم لم نزل نسْمع من أهل الْعدْل وَغَيرهم أَنه عزل فِي تَارِيخ كَذَا فَلَا يمْضِي مَا صدر مِنْهُ من الْأَحْكَام بعد ذَلِك (و) أعملت (فِي تَقْدِيمه) أَي الْحَاكِم أَي تَوليته فتمضي أَحْكَامه الَّتِي حكمهَا بعد تاريخها (و) فِي (ضَرَر الزَّوْجَيْنِ) كَقَوْلِهِم: سمعنَا من أهل الْعدْل وَغَيرهم أَن فلَانا يضر بِزَوْجَتِهِ من غير ذَنْب يُوجب ذَلِك أَو أَنَّهَا تسيء عشرتها لَهُ، فَيثبت لَهَا الْخِيَار فِي طَلَاق نَفسهَا فِي الأول، وَيرد الزَّوْج المَال إِن ثبتَتْ الشَّهَادَة بعد الْخلْع (خَ) ورد المَال بِشَهَادَة سَماع على الضَّرَر الخ، ويأتمنه الْحَاكِم عَلَيْهَا فِي الثَّانِي أَو يخالعها لَهُ بِالنّظرِ كَمَا يَأْتِي فِي فصل إِثْبَات الضَّرَر إِن شَاءَ الله. (من تتميمه) حَال أَي حَال كَون ضَرَر الزَّوْجَيْنِ متمماً لما

стр. 213

يجوز فِيهِ السماع، وَهَذَا فِيمَا حضر للناظم الْآن، وَجُمْلَة مَا ذكره تِسْعَة عشر، وَزَاد ابْن الْعَرَبِيّ السبتي وَولده: الصَّدَقَة، وَالْهِبَة وَالْقِسْمَة وَالْبيع وَالْوَصِيَّة وَالْخلْع والحرابة والإباق، لَكِن الْخمس الأول دَاخِلَة فِي قَول النَّاظِم: وَفِي تملك الْملك بيد الخ. كَمَا مرّ لما علمت أَن السماع لَا ينْزع بِهِ من يَد حائز، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد أَن يكون الْمَوْهُوب وَنَحْوه تَحت الْحَائِز وَلَا يُمكن تصور ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَت بيد الْوَاهِب وَنَحْوه فَتَأمل ذَلِك، وَزَاد بَعضهم الْحِوَالَة وَهِي بيع فِي الْحَقِيقَة والحيازة وَالْوكَالَة وَالْعِتْق والأسر والعدم وتنفيذ الْوَصَايَا وَدخُول الاهتداء وَالرَّفْع على خطّ الْعُدُول وتقية الظَّالِم وَدفع نقد الْمهْر وَالْمَوْت وَيشْتَرط فِي جَوَازهَا فِيهِ طول الزَّمَان أَو تنائي الْبلدَانِ، وَيُمكن دُخُوله فِي قَول المُصَنّف: وَالْمِيرَاث. قَالَ الجزيري: لَا بُد فِي شَهَادَة السماع بِالْمَوْتِ أَن يَقُولُوا سمعنَا فلَانا الَّذِي نعرفه بِعَيْنِه واسْمه وَنسبه مَاتَ يَوْم كَذَا فِي وَقت كَذَا، وَلَا يسْتَغْنى عَن التَّارِيخ الَّذِي مَاتَ فِيهِ من جِهَة من يوارثه ليعلم بِهِ من مَاتَ قبله أَو بعده اه. وَفِي الفشتالية: وَلَا تغفل أَن تَقول فِي السماع بِالْمَوْتِ ويعرفون أَن أهل الْإِحَاطَة بإرثه فلَان لِأَنَّك إِذا عطفت حصر الْوَرَثَة على السماع دخل فِي ذَلِك مَا دخل السماع بِالْحَبْسِ وَالنّسب. قَالَ ابْن الْهِنْدِيّ: مثل أَن يشْهدُوا بِالسَّمَاعِ الفاشي من أهل الْعدْل وَغَيرهم أَن فلَان بن فلَان قرشي من فَخذ كَذَا يعرفونه وآباءه من قبله قد حازوا هَذَا النّسَب، وَلَا يعلمُونَ أحدا يطعن عَلَيْهِم فِيهِ إِلَى الْآن فَمن نَفَاهُ عَن هَذَا النّسَب بعد حد لَهُ اه. فيستفاد مِنْهُ أَنه يعْمل بِهِ فِي الشّرف أَيْضا، وَزيد أَيْضا اللوث كَأَن يَقُولُوا سمعنَا سَمَاعا فاشياً أَن فلَانا قتل فلَانا عمدا أَو خطأ، وَقد نقل ابْن عرضون فِي عُقُود الطَّلَاق منظومة فِي ذَلِك أنهى فِيهَا مسائلها إِلَى خمسين فانظرها إِن شِئْت.

стр. 214

وَلما تكلم على مَا حَضَره من الْأَفْرَاد الَّتِي تجوز فِيهَا تكلم على شُرُوطهَا الْعَامَّة فِي كل فَرد مِنْهَا فَقَالَ: وشَرْطُها اسْتِفَاضَةٌ بَحَيْثُ لَا يُحْصَرُ مَنْ عَنْهُ السَّماعُ نُقِلَا (وَشَرطهَا) مُبْتَدأ خَبره (استفاضة بِحَيْثُ) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف صفة (لَا يحصر) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: (من) نَائِب (عَنهُ) يتَعَلَّق بنقلا (السماع) مُبْتَدأ (نقلا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر وَالْجُمْلَة صلَة من وَالْجُمْلَة من قَوْله لَا يحصر الخ فِي مَحل جر بِإِضَافَة حَيْثُ، وَيجوز أَن يكون بِحَيْثُ عطف بَيَان على استفاضة وَتَفْسِير لَهُ، فالاستفاضة هِيَ أَن يكون الْمَنْقُول عَنهُ غير معِين وَلَا مَحْصُور، وَهَذَا الشَّرْط لَا بُد من التَّصْرِيح بِهِ فِي الْوَثِيقَة أَو عِنْد الْأَدَاء، وَهُوَ الَّذِي يعبرون عَنهُ بكيفية شَهَادَة السماع وصفتها أَي: هَذِه الْكَيْفِيَّة وَالصّفة شَرط فِيهَا فَيَقُولُونَ سمعنَا أَو لم نزل نسْمع سَمَاعا فاشياً من أهل الْعدْل وَغَيرهم وَلَا يسمون المسموع مِنْهُ فَإِن سموهُ خرجت إِلَى شَهَادَة النَّقْل فَتعْتَبر حِينَئِذٍ شُرُوطه الْمشَار لَهَا بقول (خَ) كأشهد على شهادتي إِن غَابَ الأَصْل أَو مَاتَ أَو مرض وَلم يطْرَأ فسق أَو عَدَاوَة الخ. أما اشْتِرَاط الفشو فمتفق عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهر النّظم إِذْ هُوَ مُرَاده بالاستفاضة، وَأما كَونه عَن الْعُدُول وَغَيرهم فَفِيهِ خلاف فَالَّذِي للمتيطي وَابْن فتوح وَهُوَ ظَاهر قَول ابْن الْقَاسِم فِي الْمُوازِية؛ أَنه لَا بُد من الْجمع بَين الْكَلِمَتَيْنِ الْعُدُول وَغَيرهم فِي الْوَثِيقَة أَو عِنْد الْأَدَاء وَإِلَّا سَقَطت الشَّهَادَة قَالُوا: وَبِه الْعَمَل وَهَذَا ظَاهر قَول النّظم بِحَيْثُ لَا يحصر الخ. أَي: بِحَيْثُ لَا يحصر من نقل عَنهُ السماع فِي الْعُدُول أَو فِي غَيرهم وَظَاهر الْمُدَوَّنَة أَن السماع من أَحدهمَا كَاف وَهُوَ مَا شهره فِي ضيح وَابْن عَرَفَة فِي بَاب الْخلْع والمتيطي فِي ضَرَر الزَّوْجَيْنِ فَقَالُوا: إِن الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ صِحَة الشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ فِي الضَّرَر، وَإِن لم يكن من عدُول بل من لفيف النِّسَاء وَالْجِيرَان فَقَط، وَجعلُوا القَوْل بِاشْتِرَاط كَونه من الْعُدُول وَغَيرهم مُقَابلا، وَالظَّاهِر من حكايتهم الْأَقْوَال الْمُقَابلَة أَنه لَا خُصُوصِيَّة للضَّرَر بذلك لِأَن تِلْكَ الْأَقْوَال جَارِيَة فِي جَمِيع الْأَفْرَاد، وعَلى هَذَا عول العبدوسي فِي قصيدته حَيْثُ قَالَ على مَا أصلحه بِهِ ابْن غَازِي: وَلَيْسَ سَمعهَا من الْعُدُول شرطا بل اللفيف فِي الْمَنْقُول وَكَذَا ابْن عرضون فِي آخر قصيدته الْآتِيَة وَرجحه (ح) فِي الشَّهَادَات فَتبين أَن كلاًّ من الْقَوْلَيْنِ عمل بِهِ، وَزَاد الْأَخير على الأول بِكَوْنِهِ مَشْهُورا ظَاهر الْمُدَوَّنَة بِخِلَاف الأول، فَإِنَّمَا هُوَ ظَاهر الْمُوازِية كَمَا صرح بِهِ المتيطي فِي نهايته فِي ضَرَر الزَّوْجَيْنِ وَمَا تقدم عَنهُ من أَنه لَا بُد من الْجمع بَين الْكَلِمَتَيْنِ. ذكره فِي بَاب الْحَبْس وَلم يُصَرح أحد بتشهيره فِيمَا علمت. فَإِن قيل: التشهير الْمَذْكُور خَاص بِالضَّرَرِ. قُلْنَا: هُوَ خلاف ظَاهر كَلَامهم، وَيلْزم عَلَيْهِ أَن الْعَمَل الْمَذْكُور خَاص بِالْحَبْسِ لأَنهم فِيهِ ذَكرُوهُ، وَأَيْضًا (فَإِن الْعلَّة) الَّتِي علل بهَا عدم الِاشْتِرَاط كَمَا لِابْنِ عبد السَّلَام وَغَيره، وَهِي أَن الْمَقْصُود حُصُول الْعلم أَو الظَّن للشَّاهِد، وَذَلِكَ يحصل من خبر غير

стр. 215

الْعدْل كَمَا يحصل من الْعدْل جَارِيَة فِي الْجَمِيع، وَأَيْضًا إِذا كَانَ لَا يشْتَرط ذَلِك فِي الضَّرَر الْمُؤَدِّي للفراق فأحرى غَيره، وَبِهَذَا تعلم مَا فِي رد طفي لكَلَام (ح) فِي الشَّهَادَات وَظَاهر القَوْل بالاشتراط أَن الشَّهَادَة تسْقط، وَلَو كَانَ الشُّهُود من أهل الْعلم، وَيَنْبَغِي أَن يُقيد بِمَا إِذا لم يَكُونُوا من أهل الْعلم كَمَا نَص عَلَيْهِ (م) فِي شرح اللامية عِنْد قَوْلهَا شَهَادَة إِعْتَاق. مَعَ السَّلامَةِ مِنِ ارْتياب يُفْضِي إِلَى تَغْلِيظٍ وإكْذابِ (مَعَ السَّلامَة) فِي مَحل الْحَال من استفاضة لِأَنَّهَا قد خصصت بِالْوَصْفِ (من ارتياب) يتَعَلَّق بالسلامة (يُفْضِي) بِضَم أَوله أَي يُؤَدِّي (إِلَى تغليط) وَهُوَ الْكَذِب لَا عَن عمد (أَو إكذاب) وَهُوَ الْكَذِب عَن عمد، وَالْجُمْلَة صفة لارتياب، وَمَفْهُومه أَنه إِذا لم تسلم الشَّهَادَة بالاستفاضة من الارتياب كَأَن يشْهد اثْنَان بهَا. وَفِي الْقَبِيل أَي الْبَلَد مائَة من أسنانهما لَا يعْرفُونَ شَيْئا مِنْهَا لم تقبل إِلَّا أَن يَكُونَا شيخين كبيرين قد باد جيلهما فَتقبل حِينَئِذٍ لانْتِفَاء الرِّيبَة. وَحَاصِل شُرُوطهَا خَمْسَة أَرْبَعَة فِي النّظم طول الزَّمَان لِأَن قصر الزَّمَان مَظَنَّة لوُجُود شَهَادَة الْقطع كَمَا نبه عَلَيْهِ بقوله: يُقَام فِيهِ بعد طول المدد الخ. والاستفاضة وَانْتِفَاء الرِّيبَة وَعدم تَسْمِيَة المسموع مِنْهُ كَمَا نبه عَلَيْهِ بقوله: بِحَيْثُ لَا يحصر الخ. لِأَن عدم الْحصْر يَسْتَدْعِي عدم التَّسْمِيَة وَلم يبْق عَلَيْهِ إِلَّا تَحْلِيف الْمَشْهُود لَهُ لِأَن السماع ضَعِيف، فَلَا بُد مَعَه من الْيَمين. انْظُر الشَّارِح فِي الْبَيْت بعده، وَزيد سادس وَهُوَ كَون الْمَشْهُود بِهِ تَحت يَد الْمَشْهُود لَهُ يَدعِيهِ لنَفسِهِ وَلم تقم بَيِّنَة قَاطِعَة بِأَنَّهُ لغيره. قَالَ ابْن عرضون فِي آخر الْمَنْظُومَة الْمشَار إِلَيْهَا آنِفا: فَمن شَرطهَا طول الزَّمَان لديهم وتحليف من قد قَامَ بِالسَّمْعِ واعتلا وَأَن تَنْتفِي عَنْهَا قبائح رِيبَة وَأَن لَا يُسمى من فَشَا عَنهُ أَولا وَلَا تنتزع بِالسَّمْعِ مَا تَحت حائز على مَذْهَب الْجُمْهُور والصفوة الملا وَلَا تشْتَرط فِي السّمع وصف عَدَالَة خُصُوصا وَلَكِن باللفيف تسربلا اه. وَأما اشْتِرَاط الاشتهار، وَهُوَ أَن لَا يكون الْمَشْهُود فِيهِ من شَأْنه الاشتهار، وَأَن لَا يخْتَص بمعرفته بعض النَّاس كالأحباس الْعَامَّة والأنساب دون الْحَبْس الْخَاص بِمعين، فَإِنَّهُ قد لَا يشْتَهر كَمَا فِي الشَّارِح فَهُوَ رَاجع لانْتِفَاء الريب. وَاعْلَم أَن الْمَوْت لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون فِي الْبَلَد أَو فِي غَيره فَالْأول يثبت بِالسَّمَاعِ عِنْد من قَالَ بِهِ كَابْن هَارُون وَابْن رحال فِي حَاشِيَته إِلَّا بِشَرْط الطول الَّذِي تنقرض فِيهِ الْبَينَات وَيَنْقَطِع فِيهِ أهل الْعلم، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْمَجْمُوعَة الْمُتَقَدّم لِأَن ظَاهرهَا كَانَت الشَّهَادَة فِي الْمَوْت أَو فِي غَيره، وَهُوَ معنى قَول ابْن هَارُون الْمُشْتَرط فِي الْمَوْت أما طول الزَّمن أَو تنائي الْبلدَانِ يُرِيد طول الزَّمَان فِي الْبَلَد أَو تنائي الْبلدَانِ فِي غَيره، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا تقبل فِي الْبَلَد إِلَّا على الْقطع لِأَنَّهُ فِي الْبَلَد مَظَنَّة تَوَاتر الْخَبَر فَيحصل الْعلم وَهُوَ ظَاهر قَول

стр. 216

(خَ) وَمَوْت ببعد وَقَالَ فِي الشَّامِل: وَعمل بِالسَّمَاعِ على الْمَوْت فِيمَا بعد عَن بلد الْمَوْت لَا فِيمَا قرب أما فِي بَلَده فَإِنَّمَا هِيَ شَهَادَة (بت) وَلَو كَانَ أَصْلهَا السماع اه. ويُكْتف ﷺ ١٦٤٨ - ; ى فِيهَا بِعَدْلَيْنِ عَلَى مَا تابَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ العَمَلا (ويكتفى) مَبْنِيّ للْمَفْعُول (فِيهَا) يتَعَلَّق بِهِ (بعدلين) نَائِب (على مَا) أَي القَوْل الَّذِي (تَابع النَّاس عَلَيْهِ العملا) وَالْمَجْرُور بعلى الأولى يتَعَلَّق بيكتفى وبالثانية يتَعَلَّق بِالْمَصْدَرِ وَمَا ذكره من الِاكْتِفَاء بالعدلين هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة قَالَ فِي الْمُفِيد: وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَبِه الحكم. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: أقل مَا يجوز فِي ذَلِك أَرْبَعَة شُهَدَاء لِأَنَّهَا شَبيهَة بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة، وَمَفْهُوم عَدْلَيْنِ أَن الْوَاحِد لَا يَكْفِي وَهُوَ كَذَلِك، فَإِن شهد أَحدهمَا بِالْحَبْسِ مثلا وحيازته على الْقطع وَشهد آخر بِهِ على السماع لم يحكم بهَا حَتَّى يشْهدُوا على السماع أَو الْقطع قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة.

стр. 217

(فصل) فِي مسَائِل من الشَّهَادَات كنقصانها وَالْقِيَام بهَا بعد الْإِنْكَار وتعارضها. ومَنْ لِطَالِبٍ بِحَقَ شَهِدَا ولَم يُحَقِّقْ عِنْدَ ذَاكَ العَدَدَا (وَمن) مَوْصُولَة وَاقعَة على الْعدْل أَو شَرْطِيَّة (لطَالب بِحَق) يتعلقان ب (شَهدا وَلم يُحَقّق عِنْد ذَاك) أَي عِنْد أَدَاء الشَّهَادَة يتَعَلَّق بيحقق (العددا) مَفْعُوله الْجُمْلَة المقرونة بِالْوَاو حَالية كشهادتهم أَنه أسلفه دَرَاهِم بمحضرهم لَا يدرونها ثَلَاثَة أَو أقل أَو أَكثر أَو أَن لَهُ حَقًا فِي هَذِه الدَّار أَو الأَرْض لَا يَدْرُونَ قدره أَو لَا يجوزونها أَو أَن لَهُ عَلَيْهِ حَقًا أَو أسلفه بمحضرهم مائَة لَا يَدْرُونَ جِنْسهَا أَو غصبه بمحضرهم أَرضًا لَا يَدْرُونَ حُدُودهَا أَو أَنه قَضَاهُ بمحضرهم من دينه شَيْئا لَا يَدْرُونَ قدره وَنَحْو ذَلِك والمتبادر من قَوْله: وَلم يُحَقّق الخ. أَنهم علمُوا ذَلِك ونسوه، فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا يجْرِي فِيهَا قَوْله: فَمَالِكٌ عَنْهُ بِهِ قَوْلانِ لِلْحُكْم فِي ذَاكَ مُبَيِّنانِ (فمالك) مُبْتَدأ (عَنهُ بِهِ) يتعلقان بالاستقرار الَّذِي هُوَ خبر عَن الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَهُوَ (قَولَانِ) وَالضَّمِير فِي عَنهُ يرجع لمَالِك وَالْبَاء فِي بِهِ للظرفية وضميره يرجع لمن أَو للفرع الْمَذْكُور (للْحكم فِي ذَاك مبينان) بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا صفة لقولان وللحكم يتَعَلَّق بِهِ وَفِي ذَاك يتَعَلَّق بالحكم، وَالتَّقْدِير فمالك قَولَانِ كائنان عَنهُ فِي الْفَرْع الْمَذْكُور مبينان للْحكم فِي ذَلِك، واحترزت بِقَوْلِي بمحضرهم عَمَّا لَو شهدُوا أَعلَى إِقْرَاره بِأَن فِي ذمَّته لَهُ دَرَاهِم أَو مائَة فَإِنَّهُ يلْزمه التَّفْسِير كَمَا لَو أقرّ بِشَيْء كَمَا يَأْتِي. إلْغاؤها كأنَّها لَمْ تُذكَرْ وتَرْفَعُ الدَّعْوى ﷺ ١٦٤٨ - ; يمِينَ المُنْكِرْ (إلغاؤها) بدل من قَولَانِ أَي أَحدهمَا إلغاؤها حَتَّى (كَأَنَّهَا لم تذكر) بِضَم التَّاء مَبْنِيا للْمَفْعُول ونائبه يعود على الشَّهَادَة وَالْحكم فِيهَا إِذا لم تذكر أَن يحلف الْمَطْلُوب لإنكاره كَمَا قَالَ: (وترفع) بِفَتْح أَوله مَبْنِيا للْفَاعِل (الدَّعْوَى) مَفْعُوله (يَمِين الْمُنكر) فَاعله، وَأَشَارَ لِلْقَوْلِ الثَّانِي بقوله: أَو يُلْزَمُ المطلُوبُ أَن يُقِرَّا ثمَّ يُؤَدِّي مَا بهِ أَقْرَّا (أَو يلْزم) بِضَم أَوله وَنصب آخِره مَبْنِيا للْمَفْعُول مَعْطُوفًا على قَوْله إلغاؤها من بَاب قَوْله:

стр. 218

وَإِن على اسْم خَالص فعل عطف. الخ (الْمَطْلُوب) نَائِب (أَن يقرا) فِي مَحل نصب مفعول ثَان أَي أَو لَا تلْغي الشَّهَادَة بل يلْزم الْمَطْلُوب الْإِقْرَار بذلك وَيجْبر عَلَيْهِ بالسجن (ثمَّ) إِذا أقرّ بِشَيْء (يُؤَدِّي مَا بِهِ أقرا) من قَلِيل أَو كثير وَيبرأ. بَعْدَ يمينهِ وإنْ تَجَنّبا تَعْييناً أَو عُيِّنَ والحَلْفَ أَبى (بعد يَمِينه) أَنه لَيْسَ فِي ذمَّته سواهُ حَيْثُ نازعه الطَّالِب وَادّعى أَكثر مِمَّا أقرّ بِهِ وإلاَّ فَلَا يَمِين فَيُؤَدِّي مَعْطُوف على يقر وَرَفعه ضَرُورَة وَمَا مَفْعُوله والظرف يتَعَلَّق بِمَحْذُوف كَمَا قَررنَا. (وَإِن تجنبا) الْمَطْلُوب (تعييناً) لقدر الْمَشْهُود بِهِ ولجنسه بِأَن جزم بِأَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ، أَو قَالَ إِنَّه لَا يعرف حَقِيقَة مَا يَدعِيهِ وَلَا مَا شهدُوا بِهِ وَحلف على ذَلِك، (أَو) أقرّ بِقَدرِهِ و (عين) جنسه فِي مَجْهُول الْجِنْس، وَلَكِن ادّعى الطَّالِب أَكثر مِمَّا عين (وَالْحلف أَبى) أَي امْتنع مِنْهُ الْمَطْلُوب فِي الثَّانِيَة فالحلف بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام مفعول بأبى وَهُوَ مصدر حلف كضرب ولمصدره ثَلَاثَة أوزان: حلفا بِسُكُون اللَّام وحلفاً بِكَسْرِهَا ومحلوفاً، وَهُوَ أحد المصادر الَّتِي جَاءَت على مفعول كمجلود يُقَال: حلف محلوفاً وجلدته مجلوداً أَي حلفا وجلداً بِسُكُون اللَّام فيهمَا، وَالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْعَهْد يكون بَين الْقَوْم يُقَال: حالفه أَي عاهده وتحالفوا تَعَاهَدُوا، وَأما عَكسه وَهُوَ إتْيَان الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول أَو الْفَاعِل فكثير من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: طَرِيقا فِي الْبَحْر يبساً﴾ (طه: ٧٧) أَي يَابسا على أَن يبساً مصدر، وَقَوْلهمْ الحكم خطاب الله أَي كَلَامه الْمُخَاطب بِهِ بِكَسْر الطَّاء عباده. كُلِّفَ مَنْ يَطْلُبُهُ التَّعْيينا وَهُوَ لهُ إِن أَعْمَلَ اليَمينا (كلف) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول جَوَاب الشَّرْط (من) أَي الْمُدَّعِي الَّذِي (يَطْلُبهُ) أَي الْمَطْلُوب ففاعله الْمُسْتَتر يعود على من هُوَ الرابط بَين الْمَوْصُول وصلته وضميره البارز يعود على الْمَطْلُوب كَمَا ترى (التعيينا) للقدر وَالْجِنْس مفعول ثَان يُكَلف وَالْمَفْعُول الأول الْمَوْصُول النَّائِب فَإِن عينه وَحلف أَخذه كَمَا قَالَ (وَهُوَ لَهُ) مُبْتَدأ وَخبر (إِن أعمل اليمينا) وأتى بِمَا يشبه فَهُوَ شَرط حذف جَوَابه لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ كَقَوْلِك: أَنْت ظَالِم إِن فعلت. وَإِن أَبى أَو قَالَ لَسْتُ أَعْرِفُ بَطَلَ حَقُّهُ وَذَاكَ الأعْرَفٌ (وَإِن أَبى) الطَّالِب أَن يحلف بعد أَن عين الْقدر وَنَحْوه (أَو قَالَ لست أعرف) قدر حَقي أَو جنسه (بَطل حَقه) جَوَاب الشَّرْط أَي بَطل حق الْمُدَّعِي فِي الزَّائِد على مَا أقرّ بِهِ الْمَطْلُوب فِي الثَّانِيَة

стр. 219

لِأَن النّكُول بِالنّكُولِ تَصْدِيق للْأولِ وَفِي الْجَمِيع فِي الأولى سَوَاء جزم بالإنكار أَو قَالَ: لَا يعرف حَقِيقَة مَا يَدعِيهِ لما مرّ إِن الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ لَا تسمع فضلا عَن توجه الْيَمين بِسَبَبِهَا وَهُوَ إِذا قَالَ: لَا أعرف فقد ادّعى بِهِ، وَلما مرّ أَيْضا عِنْد قَوْله: وَمن أَبى إِقْرَارا أَو إنكاراً. الخ. من أَن الْمَطْلُوب إِذا قَالَ: لاأعرف حَقِيقَة مَا يَدعِيهِ وَحلف أَن الطَّالِب إِمَّا أَن يثبت دَعْوَاهُ أَو يبطل حَقه. هَذَا ظَاهر النّظم وَالْقَوَاعِد توافقه كَمَا علمت، وَالْفرق بَين القَوْل الأول وَالثَّانِي ظَاهر وَهُوَ أَن الشَّهَادَة فِي الأول كَالْعدمِ وَالْمَطْلُوب يُمكن من الْيَمين بِمُجَرَّد إِنْكَاره بِخِلَافِهِ على الثَّانِي، فَإِن للشَّهَادَة أثرا فِي أَن الْمَطْلُوب لَا يُمكن مِنْهَا بِمُجَرَّد الْإِنْكَار بل حَتَّى يعرف مَا عِنْد الطَّالِب، وَكَانَ النَّاظِم اعْتمد فِي هَذَا قَول مطرف الْمَنْقُول فِي الْبَاب الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ من التَّبْصِرَة: لَو أقرّ الْمَطْلُوب بِالْحَقِّ كُله وَادّعى أَنه قد قَضَاهُ مِنْهُ شَيْئا وأتى بِشَاهِدين شَهدا أَنه أشهدنا أَنه اقْتضى مِنْهُ شَيْئا لم يسمه فشهادتهم جَائِزَة، وَقيل للْمَشْهُود عَلَيْهِ سم هَذَا الَّذِي ثَبت عَلَيْك أَنَّك تقاضيته فَمَا سمي من ذَلِك حلف عَلَيْهِ، وَكَانَ القَوْل لَهُ وَإِن أَبى أَن يقر بِشَيْء قيل للْمَشْهُود لَهُ: أتعرف هَذَا الَّذِي شهد لَك بِهِ فَإِن عرفه وَسَماهُ حلف عَلَيْهِ وبرىء مِنْهُ وَإِن تجاهل بِهِ أَو نكل عَن الْيَمين لزمَه غرم الْجَمِيع لِأَنَّهُ قد مكنه من حَقه بجهله أَو نُكُوله، وَرَأى أصبغ وَابْن الْمَاجشون أَن الشَّهَادَة سَاقِطَة. قَالَ ابْن حبيب، وَقَول مطرف: أحب إِلَيّ، وَبِه أَقُول اه. وَقَوله: وَإِن أَبى أَن يقرّ بِشَيْء يُرِيد أَو أقرّ، وَلم يحلف بِدَلِيل السوابق واللواحق، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَة أَيْضا قبل هَذَا مَا نَصه: وَإِذا ادّعى رجل على آخر أَنه أودعهُ ثيابًا فَأنكرهُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَة أَنه أودعهُ أعكاماً لَا يَدْرُونَ مَا فِيهَا ويظنون ثيابًا فَيجب أَن يسجن الْمُدعى عَلَيْهِ ويهدد، فَإِن أقرّ بذلك حلف عَلَيْهِ وَكَانَ القَوْل قَوْله، وَإِن تَمَادى على إِنْكَاره حلف صَاحب الْوَدِيعَة على مَا يشبه أَنه يملك مثله وَيَأْخُذهُ بذلك والظالم أَحَق أَن يحمل عَلَيْهِ، وَقد قيل إِنَّه يحلف إِذا لم تعين الْبَيِّنَة شَيْئا بعد أَن يستبرأ أمره بالتضييق والتهديد إِذا تَمَادى على إِنْكَاره وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وبالأول الْقَضَاء من الِاسْتِغْنَاء اه. وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله: وَبِه الْقَضَاء. وَقَوله: حلف صَاحب الْوَدِيعَة الخ. إِذْ مَفْهُومه أَن صَاحب الْوَدِيعَة إِذا لم يحلف بل قَالَ: لَا أعرف أَو أعرف، وَقَالَ: لَا أَحْلف لم يكن لَهُ شَيْء لِأَنَّهُ أناط الحكم بحلفه فَيكون مُوَافقا لقَوْل مطرف وكل ذَلِك شَاهد للناظم إِلَّا مَا فِي هَذَا الْأَخير من زِيَادَة التهديد والسجن عِنْد التَّمَادِي على الْإِنْكَار فَقَوله: (وَذَاكَ الأعرف) إِشَارَة إِلَى القَوْل

стр. 220

الثَّانِي إِذْ بِهِ الْقَضَاء كَمَا ترى لَكِن يرد على قَوْله بَطل حَقه أَنه لَيْسَ قولا لمَالِك وَهُوَ قد قَالَ قبل ذَلِك فَعَن مَالك الخ فَأَما أَن يُقَال فِيهِ حذف الْوَاو مَعَ مَا عطفت أَي فَعَن مَالك وَبَعض أَصْحَابه، أَو يُقَال لما كَانَ أَصْحَابه لَا يَقُولُونَ إِلَّا مَا كَانَ جَارِيا على قَوَاعِده جَازَت نسبته لَهُ حِينَئِذٍ، وَلَو على ضرب من الْمجَاز. فَإِن قلت: وَمَا هُوَ الْمَنْقُول عَن مَالك فِي هَذَا الْفَرْع؟ قلت: الْمَنْقُول عَنهُ رِوَايَتَانِ. الْبطلَان وَهُوَ رِوَايَة ابْن نَافِع كَمَا صدر بِهِ النَّاظِم وَعَدَمه، وَهُوَ رِوَايَة مطرف إِلَّا أَنه فِي هَذِه الرِّوَايَة لَا يَقُول يبطل حق الْمَشْهُود لَهُ بِنُكُولِهِ أَو بقوله: لست أعرف، بل إِذا قَالَ ذَلِك يسجن الْمَطْلُوب حَتَّى يقر وَيحلف على مَا أقرّ بِهِ كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة والتبصرة وَغَيرهمَا وَلَعَلَّ النَّاظِم: إِنَّمَا عدل عَن سجن الْمَطْلُوب الْمَنْقُول فِي هَذِه الرِّوَايَة إِلَى قَول مطرف بِبُطْلَان الْحق لعدم جريانها على الْقَوَاعِد من أَن النّكُول بِالنّكُولِ تَصْدِيق للْأولِ، وَمن أَن الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ لَا تسمع فَهِيَ وَإِن سَمِعت هُنَا لقوتها بِالشَّهَادَةِ فَلَا توجب يَمِينا، وَلذَا قَالَ ولد النَّاظِم هَذِه الرِّوَايَة لَا تَخْلُو من إِشْكَال. فَإِن قلت: قَول مطرف هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الشَّهَادَة بِالْإِقْرَارِ بِشَيْء. قلت: وَكَذَا رِوَايَته عَن مَالك الْمُتَقَدّمَة لِأَن الشُّهُود شهدُوا فِيهَا أَنَّهُمَا تحاسبا وَبَقِي لأَحَدهمَا على الآخر حق لَا يعْرفُونَ قدره، وَمَعْلُوم أَن الْبَاقِي لَا يُعلمهُ الشُّهُود إِلَّا بِالْإِقْرَارِ. تَنْبِيه: لَيْسَ الْمَقْصُود من الرِّوَايَة، وَقَول مطرف الْمُتَقَدِّمين خُصُوص الْإِقْرَار، بل الشَّهَادَة بِمَجْهُول الْقدر وَلذَلِك جعل غير وَاحِد كالمتيطي وَغَيره مَوْضُوع الْخلاف فِيمَن أَقَامَ بَيِّنَة على رجل بِحَق لَا يَدْرُونَ كم هُوَ أَو لَا يَدْرُونَ عدده كَمَا قَررنَا بِهِ مَوْضُوع النّظم سَوَاء كَانَ الْحق فِي الْأُصُول أَو غَيرهَا كَانَت الشَّهَادَة بِإِقْرَار أَو غَيره لَكِن الْمُفْتى بِهِ فِي الْإِقْرَار صِحَة الشَّهَادَة وَلُزُوم التَّفْسِير لكَون إِبْهَام الْمَشْهُود بِهِ إِنَّمَا هُوَ من جِهَة المقرّ فِي الْحَقِيقَة لَا من جِهَة الشَّهَادَة. نعم لَو نسوه لَكَانَ الْإِبْهَام من جِهَة الشَّهَادَة حِينَئِذٍ، وَلذَا قَالَ (خَ) : وَمَال نِصَاب وَالْأَحْسَن تَفْسِيره كشيء وَكَذَا وسجن لَهُ الخ، فَإِن فسره بعد السجْن أَو قبله حلف إِن ادّعى الْمقر لَهُ أَكثر فَإِن نكل حلف الْمقر لَهُ على طبق دَعْوَاهُ، وَأخذ كَأَن حقق الْمقر لَهُ الدَّعْوَى وَجَهل الْمقر بِأَن قَالَ لَهُ على شَيْء أَو حق لَا أعرف قدره قَالَه فِي الشَّامِل: فَإِن أقرّ بِثَوْب أَو عبد من غصب أَو غَيره وَلم تعاينه الْبَيِّنَة فَذَلِك من الْإِبْهَام فِي الْقدر لِأَن الْقيمَة تخْتَلف باخْتلَاف الصّفة فَلَا تبطل الشَّهَادَة أَيْضا لِأَن الْإِبْهَام إِنَّمَا هُوَ من الْمقر لَا من الشَّهَادَة، وَهل يقْضِي عَلَيْهِ بالوسط من ذَلِك أَو بِمَا يَدعِيهِ الْمقر لَهُ مَعَ يَمِينه إِن أشبه؟ اللَّخْمِيّ: وَهُوَ أحسن وَلكَون الْإِبْهَام فِي الْإِقْرَار إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْمقر أخرجناه من مَوْضُوع النّظم كَمَا مرّ فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَقد ألم الزقاق فِي منهجه بِهَذَا حَيْثُ قَالَ: وَالْحق لَا يلْزم لَكِن إِن شهد غير بِهِ تمت وَإِلَّا فاعتمد على الْيَمين وَكَذَا جهل الْعدَد بَيِّنَة أَو نسيت وَقد ورد الرَّد فيهمَا ورد مثبتاً الخ. وَنقل شَارِحه هُنَاكَ كلَاما حسنا فَانْظُرْهُ وَلَا بُد. وَلما كَانَ الْخلاف الْمَذْكُور شَامِلًا لِلْأُصُولِ وَغَيرهَا كَمَا مرّ، وَكَانَ القَوْل الثَّانِي لَا يَقُول بإجبار الْمَطْلُوب بالسجن بل ينْزع الأَصْل من يَده حَتَّى يقر أَشَارَ لذَلِك فَقَالَ: وَمَا عَلَى المطلُوبه إجبارٌ إِذا مَا شَهِدُوا فِي أصْلِ مِلْكٍ هـ ﷺ ١٦٤٨ - ; كَذَا

стр. 221

(وَمَا) نَافِيَة (على الْمَطْلُوب) خبر عَن قَوْله (إِجْبَار إِذا) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه (مَا) زَائِدَة (شهدُوا فِي أصل مَالك) يتَعَلَّق بِمَا قبله (هَكَذَا) حَال من مَضْمُون قَوْله شهدُوا أَي حَال كَون الشَّهَادَة هَكَذَا وَيجوز أَن يكون الْمَجْرُور من اسْم الْإِشَارَة مُتَعَلقا بشهدوا أَي شهدُوا هَكَذَا أَي بِحَق من غير بَيَان قدره أَو حُدُوده فِي أصل مَالك. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: آخر بَاب الصُّلْح، وَلَو أَنهم شهدُوا بِأَن لهَذَا الْقَائِم حِصَّة فِي الدَّار لَا يعلمُونَ مبلغها فَفِي رِوَايَة مطرف عَن مَالك أَنه يُقَال لَهُ للمطلوب: أقرّ بِمَا شِئْت مِنْهَا واحلف عَلَيْهِ، فَإِن أَبى قيل للطَّالِب سم مَا شِئْت مِنْهَا واحلف عَلَيْهِ وخذه، فَإِن أَبى أخرجت الدَّار من يَد الْمَطْلُوب حَتَّى يقر بِشَيْء مِنْهَا. قَالَ مطرف: وَكُنَّا نقُول وَأكْثر أَصْحَابنَا إِذا لم يعرف الشُّهُود الْحصَّة فَلَا شَهَادَة لَهُم حَتَّى قَالَ لنا ذَلِك مَالك فرجعنا إِلَى قَوْله واستمرت الْأَحْكَام بِهِ اه. وَنَقله فِي التَّبْصِرَة بأبسط من هَذَا. فَتحصل مِمَّا مر أَن القَوْل بِالْبُطْلَانِ جَار فِي الْأُصُول وَغَيرهَا، وَكَذَا القَوْل بِالصِّحَّةِ إِلَّا أَنه يخْتَلف فِيمَا إِذا قَالَ الْمَشْهُود لَهُ: لَا أَحْلف أَو لست أعرف فَعِنْدَ مطرف يبطل حَقه، وَعَلِيهِ درج النَّاظِم وعَلى قِيَاسه فِي الْأُصُول لَا ينْزع الأَصْل من يَد الْمَطْلُوب بل يبطل حق الطَّالِب بقوله ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَلَا جبر على مَا مَشى عَلَيْهِ النَّاظِم لَا فِي الْأُصُول وَلَا فِي غَيرهَا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا يدل على أَن الأَصْل ينْزع من يَد الْمَطْلُوب، بل كَلَامه ظَاهر فِي عدم النزع لِأَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تعم فتشمل نفي الْإِجْبَار بالسجن وَنزع الشَّيْء من يَده لِأَنَّهُ نوع من الْإِجْبَار فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن مختاره فِي الْأُصُول هُوَ مختاره فِي غَيرهَا من بطلَان الْحق بقوله: لَا أَحْلف أَو لست أعرف كَمَا لَا يخفى وَعند مَالك يسجن فِي غير الْأُصُول وَينْزع الأَصْل من يَده فِي الْأُصُول، وَكَذَا فِي المعينات كَثوب وَنَحْوه حَتَّى يقر وَيحلف على مَا أقرّ بِهِ. وَالْحَاصِل أَن القَوْل بإعمال الشَّهَادَة أقوى من القَوْل ببطلانها كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي التَّنْبِيه بعده، وكما يدل عَلَيْهِ اقْتِصَار الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا عَلَيْهِ هُنَا، وَبِه أفتى ابْن زرب مُقْتَصرا عَلَيْهِ حَسْبَمَا فِي اسْتِحْقَاق المعيار، وَلذَا قَالَ النَّاظِم: وَذَاكَ الأعرف وَبعد كَونه أرجح وَأقوى هَل يبطل حق الطَّالِب بِنُكُولِهِ أَو تجاهله فِيهِ مَا ترى، وَظَاهر النّظم أَن الْقَوْلَيْنِ بِالْبُطْلَانِ وَعَدَمه جاريان أمكن الاستنزال أم لَا وَهُوَ كَذَلِك. إِذْ فِي الْمَسْأَلَة سِتَّة أَقْوَال كَمَا لِابْنِ رشد فِي الْبَيَان. ثَالِثهَا:

стр. 222

يسْتَنْزل الشُّهُود فَإِذا شهدُوا بِمَال فَيُقَال لَهُم أتعلمون أَنه مائَة؟ فَإِن قَالُوا: لَا. قيل لَهُم: أخمسون هُوَ وَهَكَذَا لَا زَالُوا ينزلون حَتَّى يقفوا على مَا لَا يَشكونَ فِيهِ، والمعمول عَلَيْهِ هُوَ أَن لَا يعدل عَنهُ مَعَ إِمْكَانه لقَوْله فِي المازونية ونوازل الْمديَان من المعيار أَن بِهَذَا القَوْل الْعَمَل عِنْد الموثقين، وَبِه أفتى ابْن رشد أَيْضا حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الْغَصْب وَالْإِكْرَاه من المعيار فِيمَن غصب ضَيْعَة واستغلها أَن الْبَيِّنَة تستنزل إِلَى مَا تقطع بِهِ فِي الاستغلال من غير شكّ، وَيلْزمهُ غرم ذَلِك وَنَحْوه فِي التَّبْصِرَة فِي الْبَاب التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ. وَقَالَ أَبُو الْحسن فِي كتاب الرَّجْم من الْمُدَوَّنَة: إِنَّه الَّذِي اعْتَمدهُ أهل السجلات. قَالَ: وَهَذَا فِي الشَّهَادَة على عدد متماثل كَقَوْلِهِم لَهُ عَلَيْهِ مائَة دِينَار أَو مائَة وَخَمْسَة بِأَو الَّتِي للشَّكّ والتردد فَإِن كَانَت الشَّهَادَة على فُصُول فَلَا تبطل إِلَّا فِي ذَلِك الْفَصْل الَّذِي نسباها فِيهِ إِلَّا أَن يكون مرتبطاً بِغَيْرِهِ فَتبْطل فِيهِ وَفِي غَيره كَمَا لَو كَانَت الشَّهَادَة على خطّ غَائِب أَو ميت، وَفِي الْوَثِيقَة محو فِي بعض الْفُصُول فَلَا تبطل إِلَّا فِيهِ إِلَّا أَن يرتبط بِغَيْرِهِ فَإِذا شهدُوا على كَذَا وَكَذَا ثمراً وامتحى مَوضِع عَجْوَة صحت فِيمَا أَيقَن بِهِ الشُّهُود وَيبقى الْخلاف بَين المتداعيين فِي الصّفة كَأَنَّهَا فصل على حياله اه. قلت: وَكَذَا لَو شهدُوا بِالْبيعِ وَقبض الثّمن لَا يقبض الْمَبِيع أَو بِالْعَكْسِ أَو شهدُوا بالسلف دون قَبضه أَو شهدُوا بِالْبيعِ دون التَّأْجِيل أَو الْحُلُول فَإِن الشَّهَادَة تَامَّة فِي ذَلِك وَيبقى الْخلاف بَينهمَا فِيمَا لم يشْهدُوا بِهِ، وَيجْرِي على مَا يَأْتِي فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين إِذْ لَا ارتباط للمنسي بِغَيْرِهِ وَمن المرتبط مَا إِذا شهدُوا بِالْبيعِ ونسوا الثّمن عِنْد من قَالَ بِالْبُطْلَانِ كَمَا يَأْتِي وَحِينَئِذٍ فَقَوْل ابْن رشد فِي أجوبته: إِن الشَّاهِد إِذا لم يَأْتِ بِشَهَادَتِهِ على وَجههَا وَسقط عَن حفظه بَعْضهَا فَإِنَّهَا تسْقط كلهَا بِإِجْمَاع الخ. يحمل على مَا إِذا ارْتبط الْفَصْل المنسي بِغَيْرِهِ وإلاَّ فَلَا كَمَا ترى لِأَن التَّوْفِيق بَين كَلَام الْأَئِمَّة مَطْلُوب مَا أمكن، وَأَيْضًا فَإِن هَذَا إِنَّمَا يظْهر إِذا اعْترف الشَّاهِد بِالنِّسْيَانِ كَمَا يشْعر بِهِ قَوْله وَسقط عَن حفظه بَعْضهَا الخ. وَأما إِذا لم يشْهدُوا بِالْفَصْلِ الْمَذْكُور لكَونه لم يَقع بمحضرهم فَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِي الْأَعْمَال حَيْثُ لم يرتبط بِغَيْرِهِ لِأَن النسْيَان يُوجب قُوَّة الشَّك فِي الشَّهَادَة بِخِلَافِهِ مَعَ فَقده فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَأَيْضًا فَإِن الْإِجْمَاع مَرْدُود بِمَا حصله هُوَ بِنَفسِهِ من الْأَقْوَال السِّتَّة. تَنْبِيه: شَمل قَول النَّاظِم: وَلم يُحَقّق عِنْد ذَاك العددا. الخ. مَا إِذا شهدُوا بِعقد نِكَاح أَو بيع وَلم يسموا الثّمن وَالصَّدَاق، وَأنكر البَائِع فالشهادة عِنْد مَالك تَامَّة، لَكِن لَا على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فِي القَوْل الثَّانِي بل يُقَال للْبَائِع: بكم بعتها فَإِن سمى ثمنا وَوَافَقَهُ الْمُبْتَاع أَدَّاهُ وَإِن اخْتلفَا فِيهِ تحَالفا وَردت السّلْعَة وَإِن تَمَادى البَائِع على الْإِنْكَار سُئِلَ الْمُبْتَاع على الثّمن فَإِن سمى مَا يشبه حلف وَأَدَّاهُ وَإِن سمى مَا لَا يشبه قيل لَهُ إِن أَعْطَيْت مَا يشبه أَخَذتهَا وإلاَّ فَلَا. رَوَاهُ مطرف عَن مَالك وَاسْتَحْسنهُ ابْن حبيب، وَإِن كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ ادّعى البَائِع البيع وَأنكر الْمُبْتَاع حلف البَائِع على مَا سمى من الثّمن إِن أشبه وَيَأْخُذهُ من المُشْتَرِي فَإِن لم يكن لَهُ غير السّلْعَة بِيعَتْ عَلَيْهِ وَتَبعهُ بِالنَّفسِ إِن لم يَفِ ثمنهَا الثَّانِي بِالْأولِ قَالَه فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين من الْمُتَيْطِيَّة مُقْتَصرا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَب. وَكَذَا اقْتصر عَلَيْهِ ابْن فتحون وَكَذَا ابْن فَرِحُونَ آخر الْبَاب الْمُتَقَدّم، وَذكر فِي أنكحة المعيار أَن ابْن المكوي وَابْن الْعَطَّار أجابا عَن ذَلِك بِصِحَّة الشَّهَادَة وَإِن الزَّوْج والمبتاع يسميان الثّمن وَالصَّدَاق وَإِلَّا حلف

стр. 223

الطَّالِب إِن أَتَى بِمَا يشبه، وَأجَاب أَبُو إِبْرَاهِيم التجِيبِي بِسُقُوط الشَّهَادَة وَذكر أَنَّهَا رِوَايَة أصبغ عَن ابْن الْقَاسِم، وَكَذَا ذكر ابْن سَلمُون الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ: إِن القَوْل بالسقوط أحسن وَنسبه لصَاحب الِاسْتِغْنَاء وَنَحْوه فِي طرر ابْن عَاتٍ عَن الِاسْتِغْنَاء أَيْضا، وَعلله بِأَن البيع إِنَّمَا يكون بِثمن يرضاه البَائِع والمبتاع وَالْقيمَة تَعْدِيل من غَيرهمَا، وَقد تخرج عَن رضاهما جَمِيعًا أَو عَن رضَا أَحدهمَا الخ. وَقَوله: وَالْقيمَة تَعْدِيل الخ. وَهُوَ مَا مر عَن الْمُتَيْطِيَّة فِي قَوْله: سمي مَا يشبه أَي مَا يشبه أَن يكون قيمَة وَثمنا لَهَا عِنْد أهل الْمعرفَة، وبالقول الأول أفتى أَبُو الْفضل العقباني حَسْبَمَا فِي أَوَائِل معاوضات المعيار والمازونية قَائِلا: إِن البيع لَازم وَالْجهل بِالثّمن لَا يضران ادِّعَاء أحد الْمُتَعَاقدين أَي لِأَن القَوْل لمُدعِي الصِّحَّة، وَإِنَّمَا يضر جهلهما مَعًا وَقد يكون الثّمن مَعْلُوما فِيمَا بَينهمَا وَلم يذكراه الْمَشْهُود. وَقَالَ أَبُو عبد الله الغوري حَسْبَمَا فِي نَوَازِل العلمي أَن الرَّاجِح صِحَة النِّكَاح الَّذِي لم يتَعَرَّض شُهُوده لمبلغ الصَدَاق وَيحكم فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ المشبهة إِن ادَّعَاهَا وَإِلَّا فَهُوَ نِكَاح تَفْوِيض اه. وعَلى قِيَاسه فِي البيع يُقَال يحكم بِالتَّسْمِيَةِ المشبهة إِن ادَّعَاهَا المُشْتَرِي وإلاَّ فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا أَن دفع ثمن الْمثل كَمَا تقدم. كَمَا أَنه فِي نِكَاح التَّفْوِيض لَا يصل للزَّوْجَة إِلَّا إِن فرض لَهَا الْمثل، فَتبين بِهَذَا رُجْحَان القَوْل بِصِحَّة الشَّهَادَة لاقتصار غير وَاحِد من الفحول عَلَيْهِ، وَلم يذكرُوا لَهُ مُقَابلا وبنوا وثائقهم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَول الإِمَام وَمُقَابِله انْفَرد صَاحب الِاسْتِغْنَاء باستحسانه والتجيبي بالفتوى بِهِ فِيمَا وقفت عَلَيْهِ فتعبير بَعضهم عَنهُ بالمشهور فِي عهدته وَالله أعلم. وَبِالْجُمْلَةِ فماهية البيع من عَاقد ومعقود عَلَيْهِ وَصِيغَة مَوْجُودَة ثَابِتَة وَانْتِفَاء الْجَهْل فِي قدر الثّمن شَرط خَارج عَن الْمَاهِيّة فَيجْرِي حكمه على اخْتِلَافهمَا فِيهِ على حياله. فَإِن قلت: كَانَ الْقيَاس إِذا لم يسموا الثّمن وَالصَّدَاق أَن يتحالفا ويتفاسخا مَعَ قيام السّلْعَة سَوَاء سمى البَائِع ثمنا وَخَالفهُ الْمُبْتَاع فِيهِ أَو اسْتمرّ البَائِع على إِنْكَار العقد وَمَعَ الْفَوات بِصدق مُشْتَر ادّعى الْأَشْبَه كَمَا فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين فِي قدر الثّمن. قلت: التَّحَالُف والتفاسخ لَا يَتَأَتَّى مَعَ اسْتِمْرَار البَائِع على الْإِنْكَار لِأَن الْخلاف حِينَئِذٍ لَيْسَ فِي الْقدر بل فِي أصل العقد، وَلم يسم البَائِع ثمنا مُخَالفا لما ادَّعَاهُ المُشْتَرِي حَتَّى يرجعا للِاخْتِلَاف فِي الْقدر، بل لما ثَبت البيع عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ حمل على ثمن الْمثل لِأَنَّهُ الْغَالِب فِي بياعات النَّاس وَالْحمل على الْغَالِب وَاجِب، فَإِذا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي أَو أَدَّاهُ اسْتحق الْمَبِيع وإلاَّ فَلَا. ومُنكِرٌ لِلِخِصْمِ مَا ادَّعاهُ أثْبَتَ بعْدُ أَنَّهُ قَضَاهُ (ومنكر) مُبْتَدأ سوغه تعلق (للخصم) بِهِ (مَا) أَي حَقًا مفعول بمنكر (ادَّعَاهُ) صفة أَو صلَة لما وضميره الْمُسْتَتر يعود على الْخصم والبارز على مَا كدعواه عَلَيْهِ بِعشْرَة من بيع أَو قرض مثلا فَأنْكر فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بهَا ف (أثبت) هُوَ أَي الْمُنكر (بعد) أَي بعد قِيَامهَا عَلَيْهِ أَو بعد إِقْرَاره بهَا (أَنه) أَي الْمُنكر (قَضَاهُ) إِيَّاهَا وَأَن وَمَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مصدر مفعول أثبت وَجُمْلَة أثبت صفة لمنكر.

стр. 224

لَيْسَ عَلى شُهُودِه مَنْ عَمَلِ لِكَوْنِهِ كَذَّبَهُمْ فِي الأوَّلِ (لَيْسَ على شُهُوده) خبر (من عمل) اسْم لَيْسَ جر بِمن الزَّائِدَة (لكَونه) أَي الْمُنكر (كذبهمْ فِي) القَوْل (الأول) حَيْثُ أنكر وَالْجُمْلَة من لَيْسَ وَمَا بعْدهَا خبر الْمُبْتَدَأ. وَمن كذب بَينته فقد أسقطها، وَقد علمت من هَذَا التَّقْرِير أَنه ادّعى عَلَيْهِ بِشَيْء خَاص كالسلف وَالْبيع فَأنْكر هُوَ ذَلِك الْخَاص. وَقَالَ: مَا أسلفتني وَلَا بعتني، فَلَمَّا أثبت عَلَيْهِ البيع وَالسَّلَف وَقبض الْمَبِيع وَالْقَرْض أثبت هُوَ الْقَضَاء. وَقَوْلنَا: وَقبض الْمَبِيع وَالْقَرْض احْتِرَازًا مِمَّا لَو أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَة بِمُجَرَّد عقد البيع وَالسَّلَف دون الْقَبْض فَإِن ذَلِك لَا يُوجب على الْمَطْلُوب غرماً. وَقَوْلِي فَأنْكر ذَلِك الْخَاص احْتِرَازًا مِمَّا إِذا أَتَى بِلَفْظ عَام كَقَوْلِه فِي الْمِثَال الْمَذْكُور: لَا حق لَك عليّ أَو لَيْسَ لَك عَليّ شَيْء أَو لَا وَدِيعَة لَك عِنْدِي أَو لَيست الدَّار لَك وَنَحْو ذَلِك فَإِن هَذَا لم يكذبهم كَمَا هُوَ مَفْهُوم من النّظم فَتقبل حِينَئِذٍ بَينته بِالْقضَاءِ لعدم استلزام إِنْكَاره حِينَئِذٍ لتكذيبها. (خَ) : وَإِن أنكر مَطْلُوب الْمُعَامَلَة فَالْبَيِّنَة ثمَّ لَا تقبل بَينته بِالْقضَاءِ بِخِلَاف لَا حق لَك عَليّ أَي لِأَن قَوْله لَا حق لَك عَليّ أعلم فَيصدق بِمَا إِذا لم يسلفه أصلا أَو أسلفه فقضاه فَمن حجَّته أَن يَقُول: صدقت مَا كَانَ لَك عَليّ شَيْء فِي هَذَا الْوَقْت لِأَنِّي كنت قضيتك أَو اشْتريت الدَّار مِنْك، وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَا لَو كَانَ البَائِع للدَّار مثلا مستمراً على الْإِقْرَار بِالْبيعِ بعد إِنْكَار المُشْتَرِي شراءها فَإِن للْمُشْتَرِي أَن يرجع عَن إِنْكَاره وَتَكون الدَّار لَهُ كَمَا لَو قَالَ لَهُ: كنت بِعْت لَك دَاري. فَقَالَ: مَا اشْتَرَيْتهَا مِنْك وَبَقِي البَائِع مستمراً فَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوع إِلَى قَوْله بِخِلَاف مَا إِذا أنكر الْهِبَة وَنَحْوهَا، فَلَمَّا ثبتَتْ عَلَيْهِ استظهر بالاسترعاء فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يقبل استرعاؤه، وَظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تقبل بَينته وَلَو كَانَ جَاهِلا لَا يفرق بَين قَوْله مَا أسلفتني وَلَا أودعتني وَبَين قَوْله مَا لَك عَليّ وَلَا عِنْدِي. وَذكر ابْن نَاجِي فِي شرح الْمُدَوَّنَة أَن الْجَاهِل يعْذر وَمثله للح عَن الرعيني. وَكَذَا نقل أَبُو الْحسن فِي كتاب اللّعان عِنْد قَوْلهَا وَإِن أَقَامَت الْمَرْأَة بَيِّنَة أَن الزَّوْج قَذفهَا وَهُوَ يُنكر حدا لَا أَن يَدعِي رُؤْيَة فيلتعن وَيقبل مِنْهُ بعد جحوده لِأَنَّهُ يَقُول كنت أُرِيد أَن أكتم اه مَا نَصه ابْن مُحرز. هَذِه الْمَسْأَلَة أصل لمن

стр. 225

ادّعى عَلَيْهِ حق فجحده فَقَامَتْ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ بِهِ فَادّعى الْقَضَاء فعلى مَذْهَب الْغَيْر لَا يُمكن، وعَلى قَول ابْن الْقَاسِم يعْتَبر جحوده على أَي وَجه كَانَ فَإِن كَانَ لَهُ عذر من جَهله أَو جهل من يحكم عَلَيْهِ أَو سطوته أَو غيبَة بَينته ويخشى أَن لَا يُمْهل لقدومها أَو كَانُوا مِمَّن لَا يوثق بِعَدَالَتِهِمْ وَلَا يُؤمن من جرحتهم، فَيمكن من إِقَامَة الْبَيِّنَة كَمَا يُمكن هَذَا من اللّعان بعد إِنْكَاره اه. وَنَقله فِي الْمُتَيْطِيَّة أَيْضا مُسلما فَتبين أَن الْجَاهِل إِذا كَانَ يعْذر فَكَذَلِك يعْذر غَيره إِذا ذكر أحد هَذِه الْوُجُوه وَأثبت سطوة الْحَاكِم أَو غيبَة الْبَيِّنَة وَنَحْو ذَلِك من كَونهم لَا يوثق بِعَدَالَتِهِمْ أَو يَحْتَاجُونَ للتزكية كَمَا أَن الْجَاهِل لَا بُد أَن يثبت أَن مثله مِمَّن يجهل ذَلِك. وَالْحَاصِل أَنهم قَالُوا الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ عدم الْقبُول كَمَا لأبي الْحسن وَغَيره قَالُوا: وَإِلَّا لم يكن لتقييد الْمقَال فَائِدَة كَمَا فِي قَول النَّاظِم: ولانحصار ناشىء الْخِصَام، وَظَاهر إطلاقاتهم كالناظم و (خَ) أَنه لَا فرق بَين من لَهُ عذر وَبَين من لَا عذر لَهُ، وَلَكِن قَالُوا: يَنْبَغِي تَقْيِيده بِمن لَا عذر لَهُ كَمَا يُقيد أَيْضا بِغَيْر الْعقار وَالْقَذْف على مَا لشراح (خَ) : وَلَكِن فِي الْمُتَيْطِيَّة وَأبي الْحسن وَابْن عَاتٍ أَن الْعَمَل على عدم قبُولهَا حَتَّى فِي الْعقار، وَحِينَئِذٍ فَمَا للشراح من قبُولهَا فِيهِ مُقَابل لهَذَا الْعَمَل فَلَا يعول عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ قَول ابْن الْقَاسِم كَمَا سَيَأْتِي فِي آخر بَاب الضَّمَان أَن هَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي خَالف فِيهَا أهل الأندلس ابْن الْقَاسِم وَإِن فَرضنَا مشهوريته لكَونه فِي الْمُدَوَّنَة فَإِن الْعَمَل مقدم على الْمَشْهُور وَمُخَالفَة الْعَمَل لَيست بِالْأَمر الهين كَمَا لِابْنِ سراج والشاطبي على أَن الْمَعْمُول بِهِ مَشْهُور أَيْضا وَمَا خَفِي قَول ابْن الْقَاسِم على هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخ كَمَا يَأْتِي فِي الْوَدِيعَة، وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك أَيْضا فِي حَاشِيَة اللامية وَبَاب الْوكَالَة من شرح الشَّامِل، ثمَّ إِن الْمَسْأَلَة من بَاب الْإِقْرَار الْحَاصِل بالتضمن لَا بالتصريح وَفِي أَعماله خلاف. قيل: يضر، وَقيل: لَا يضر، وَاسْتَحْسنهُ اللَّخْمِيّ قَائِلا لِأَنَّهُ يَقُول أردْت أَن أَحْلف وَلَا أتكلف الْبَيِّنَة، وَيُؤَيِّدهُ مَا مرّ من أَنه يَقُول: كنت أُرِيد أَن أكتم الخ. وأقامة السيوري من الْمُدَوَّنَة قَائِلا: الصَّوَاب أَن النَّاس أجمع معذورون وَأَن لَهُم الرُّجُوع إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة بعد التَّصْرِيح بالجحود. وَثَالِثهَا لِابْنِ الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة لَا يضر فِي الْحُدُود وَالْأُصُول ويضر فِي غَيرهَا. وَفِي (خَ) من هَذَا مسَائِل مِنْهَا مَا مرّ فِي قَوْله: وَإِن أنكر مَطْلُوب الخ. وَمِنْهَا قَوْله فِي الْعتْق: وَإِن شهد على شَرِيكه بِعِتْق نصِيبه فنصيب الشَّاهِد حر الخ. وَقَوله فِي الِاسْتِلْحَاق: وَإِن اشْترى مستلحقه وَالْملك لغيره عتق كشاهد ردَّتْ شَهَادَته. وَقَوله فِي الطَّلَاق: وَإِن قَالَ سائبة مني حلف على نَفْيه فَإِن نكل نوى فِي عدده، وَقَوله فِي التَّخْيِير: وَقبل إِرَادَة الْوَاحِدَة بعد قَوْله لم أرد طَلَاقا الخ، وَقَوله فِي الْوَدِيعَة: ويجحدها ثمَّ فِي قبُول الْبَيِّنَة الرَّد خلاف الخ، وَمعنى التضمن الْمَذْكُور أَن بَيِّنَة الْقَضَاء وَالشِّرَاء مثلا تضمنتا وجود الْمُعَامَلَة وَالْملك اللَّذين أنكرهما الْمَطْلُوب فإنكاره تَكْذِيب، لَكِن لَا بالصراحة إِذْ لم يقل إِنَّهَا كَاذِبَة وَلَيْسَ من التَّكْذِيب من ادّعى على أخوته أَن لَهُ حَقًا فِي دَار بِالْإِرْثِ من أَبِيهِم، فأنكروا أَن يكون صَار إِلَيْهِم من أَبِيهِم شَيْء مِنْهَا فَأثْبت أَنَّهَا موروثة عَن الْأَب لِأَن الطَّالِب أَتَى بِبَيِّنَة شهِدت

стр. 226

باشتراكهم قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة، وَقد تقدم أَن الطَّالِب إِذا كَانَ مستمراً على الْإِقْرَار فللمنكر الرُّجُوع إِلَى قَوْله وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضا مَا إِذا قَالَ: دفعت مَا عَليّ من السّلف مثلا لرَبه، فَلَمَّا كلف بِالْبَيَانِ أثبت أَنه دَفعه لزوجته لِأَن النَّاس يرَوْنَ أَن مَال الزَّوْجَة مَال لزَوجهَا قَالَه فِي المعيار. وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضا إِنْكَار الزَّوْج بعد موت زَوجته إِيرَاد الجهاز لبيتها فَقَامَتْ الْبَيِّنَة بإيراد أَشْيَاء كَمَا لَا يخفى وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْيَمين أَنه مَا غَابَ على شَيْء إِذْ لَو أقرّ بالإيراد الْمَذْكُور لم يلْزمه غير ذَلِك قَالَه فِي المعيار، وَظَاهر النّظم أَنه لَا فرق فِي ذَلِك بَين إِنْكَار الْوَكِيل وَغَيره. وَانْظُر عِنْد قَوْله فِي الْوكَالَة. والنقض للإقرار وَالْإِنْكَار الخ. وَمَفْهُوم قَوْله: للخصم أَنه إِذا أنكر لغير الْخصم كَمَا لَو سَأَلَهُ رجل بِمحضر شَاهِدين عَن شِرَائِهِ أَو سلفه من فلَان مثلا فَقَالَ: مَا اشْتريت وَلَا تسلفت مِنْهُ شَيْئا، فَلَمَّا سمع ذَلِك البَائِع أَو الْمقْرض قَامَ وَأثبت أَن الدَّار لَهُ وأصل السّلف، فَإِن بَيِّنَة الْمُنكر تقبل بِالشِّرَاءِ وَالْقَضَاء لِأَن الْإِنْكَار إِنَّمَا يعْتَبر وَقت الْخِصَام وَتَقْيِيد الْمقَال لِأَنَّهُ مَوضِع التَّحَرُّز فَلَا يَنْفَعهُ فِيهِ دَعْوَى الْغَلَط وَالنِّسْيَان بِخِلَاف غَيره. قَالَ فِي المعيار عَن سَيِّدي مِصْبَاح: وَيدل لَهُ مَا مر من قَوْلهم: وَإِلَّا لم يكن لتقييد الْمقَال فَائِدَة فَقَوْلهم ذَلِك يدل عَن أَن الْإِنْكَار الْمُعْتَبر هُوَ الْوَاقِع وَقت الْخِصَام وَهُوَ ظَاهر. تَنْبِيه: إِذا قُلْنَا هُوَ مكذب بإنكاره الْمَذْكُور فَلَا يبطل حَقه إِلَّا فِيمَا كذبهمْ فِيهِ فَقَط لَا فِي غَيره مِمَّا شهدُوا بِهِ لَهُ أَو عَلَيْهِ لِأَن تَكْذِيبه من بَاب الْإِسْقَاط لَا من بَاب التجريح إِذْ لَا يجرح الشَّاهِد بِالْكَذِبِ حَتَّى يكون مجرباً فِيهِ، وَأَيْضًا لَو قَالَ كذبتهم فِي ذَلِك الْيَوْم لجرحة لم تكن فيهم وَقت الشَّهَادَة السالفة لصَحَّ ذَلِك وَلم يكن تنَاقض فِي قَوْله قَالَه فِي المعيار عَن أبي الْحسن وسيدي مِصْبَاح. وَفِي ذَوِي عَدْلٍ يُعَارِضانِ مُبَرِّزاً أتَى لَهُمْ قَوْلانِ (وَفِي ذَوي عدل) صفة لمَحْذُوف يتَعَلَّق بقوله أَتَى (يعارضان) صفة بعد صفة (مبرزاً) مفعول بِمَا قبله (أَتَى لَهُم) يتَعَلَّق بالفاعل وَهُوَ (قَولَانِ) وَالضَّمِير الْمَجْرُور لأَصْحَاب مَالك أَي أَتَى قَولَانِ لَهُم فِي شَاهِدين ذَوي عدل يعارضان شَاهدا وَاحِدًا مبرزاً. وبالشَّهيدَيْنِ مُطَرِّفٌ قَضَى ﷺ ١٦٤٨ - ; والحَلْفَ والأعْدَلَ أصْبَغُ ارتَضى ﷺ ١٦٤٨ - ; (وبالشهيدين) لَو فَرعه بِالْفَاءِ لَكَانَ أظهر (مطرف) مُبْتَدأ (قضى) خَبره وبالشهيدين يتَعَلَّق بِهِ أَي قدم مطرف الشهيدين على المبرز. ابْن رشد: وَهُوَ أظهر إِذْ من أهل الْعلم من لَا يرى الشَّاهِد وَالْيَمِين وَكَذَا يقدم الشَّاهِدَانِ من جَانب على الشَّاهِد الْغَيْر المبرز مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ من الْجَانِب الآخر، فَإِن كَانَ مَعَهُمَا مبرز قدم عَلَيْهِمَا (خَ) وَرجح بِشَاهِدين على شَاهد وَيَمِين أَو امْرَأتَيْنِ. (وَالْحلف) بِسُكُون اللَّام مفعول مقدم بقوله: ارتضى (والأعدل) مَعْطُوف عَلَيْهِ (أصبغ) مُبْتَدأ

стр. 227

(ارتضى) خَبره أَي ارتضى تَقْدِيم الأعدل مَعَ الْيَمين على الشَّاهِدين. ابْن رشد: وَهُوَ إغراق فِي الْقيَاس وَرُبمَا يفهم مِمَّا فِي كتاب. ابْن الْمَوَّاز: تَرْجِيح مَا لأصبغ لِأَنَّهُ قَالَ: إِن أَقَامَ أَحدهمَا شَاهدا وَأقَام الآخر أَرْبَعَة فَإِن كَانَ الْوَاحِد أعدل قضيت بِهِ مَعَ الْيَمين قَالَه أَشهب، وَتَابعه عَلَيْهِ أَصْحَاب مَالك، وَقَالَهُ أصبغ أَيْضا نَقله ابْن رحال وَبِه قرر كَلَام (خَ) فِي شَرحه وَفهم من قَوْله مبرزاً أَنَّهُمَا يقدمان على غَيره اتِّفَاقًا وَأَن الأعدل من الْبَيِّنَتَيْنِ مقدم على غَيره وَلَو أَكثر عددا (خَ) وبمزيد عَدَالَة لَا عدد وَظَاهر هَذَا أَنه يقْضِي بالأعدلية وَإِن كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ تَحت يَد الآخر، وَأَن الأعدلية تراعى وَإِن لم تبلغ حد التبريز وَأَنَّهَا تعْتَبر وَلَو كَانَت فِي أحد الشَّاهِدين فَقَط وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع، وَإِذا قُلْنَا بالترجيح بِزِيَادَة الْعَدَالَة فَإِن ذَلِك مَعَ الْيَمين فِي المَال وَمَا يؤول إِلَيْهِ لَا فِي غَيره كَالنِّكَاحِ وَالْعِتْق لِأَن زِيَادَة الْعَدَالَة كشاهد وَاحِد على الْمَشْهُور وَمحل عدم التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْعدَد إِذا لم يكثروا بِحَيْثُ يقطع بصدقهم وإلاَّ وَجب التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْعدَد، وَلَو كن نسَاء كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَامْرَأَتَانِ قامتا مقَامه وَلَو كَانَت الْأُخْرَى أعدل لِأَن غَايَة مَا تفيده زِيَادَة الْعَدَالَة غَلَبَة الظَّن بِخِلَاف الْكَثْرَة فتفيد الْعلم. وَقَوله فِي الْمُدَوَّنَة: وَامْرَأَتَانِ وَمِائَة امْرَأَة سَوَاء مَحْمُول على الْمُبَالغَة كَمَا للخمي وَغَيره. انْظُر طفي أول الشَّهَادَات، ثمَّ إِنَّمَا يُصَار للترجيح بالأعدلية فِي شَهَادَة الاسترعاء كَمَا أَن التَّرْجِيح بالتاريخ مُعَلّق بِشَهَادَة الأَصْل قَالَه الشَّارِح أول الْبَاب وَتقدم ذَلِك عِنْد قَوْله: وَحل عقد شهر التَّأْجِيل الخ. وَتَأمل قَوْله: إِن التَّرْجِيح بالتاريخ مُعَلّق بِشَهَادَة الأَصْل فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنه إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا أَن هَذِه الأَرْض مثلا ملكه وَشهِدت الْأُخْرَى أَنَّهَا ملك لفُلَان وأرخت إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى أَو أرختا وَلَكِن إِحْدَاهمَا أقدم تَارِيخا أَنه لَا يرجح بالتاريخ هَهُنَا لكَونهَا شَهَادَة استرعاء وَلَيْسَ كَذَلِك بل يرجح بِهِ كَمَا قَالَ. وَقِدَمُ التّارِيخَ تَرْجِيحٌ قُبِلْ لَا مَعْ يدٍ والعَكْسُ عَنْ بَعْضٍ نُقِلْ (وَقدم التَّارِيخ) مُبْتَدأ (تَرْجِيح) خَبره (قبل) صفة لَهُ فَإِذا شهِدت بَيِّنَة أَنه يملك هَذِه الْأمة مُنْذُ عَام وَشهِدت الْأُخْرَى لآخر أَنه يملكهَا مُنْذُ عَاميْنِ قضى بِذَات العامين وَلَو كَانَت الْأُخْرَى أعدل. ابْن عبد السَّلَام: لِأَنَّهُمَا تساقطتا فِيمَا تَعَارَضَتَا فِيهِ وَهُوَ الْعَام وَبَقِي اسْتِصْحَاب الْحَال لذات الأقدم خَالِيا عَن الْمعَارض اه. وَسَوَاء كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ بيدهما أَو بيد أَحدهمَا أَو لَا يَد عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة قَالَ فِيهَا: إِلَّا أَن يحوزها الْأَقْرَب تَارِيخا بِالْوَطْءِ والخدمة والادعاء لَهَا بِحَضْرَة الآخر فَهَذَا يقطع دَعْوَاهُ اه. وَإِنَّمَا كَانَ قَاطعا لدعواه لِأَن ذَلِك من بَاب الْحِيَازَة القاطعة لحجة الْقَائِم كَمَا يَأْتِي فِي مَحَله إِن شَاءَ الله. (لَا مَعَ يَد) بالْعَطْف على مَحْذُوف أَي قبل حَال كَونه كَائِنا

стр. 228

مَعَ عدم الْيَد لَا مَعَ الْيَد أَي يرجح بقدم التَّارِيخ مَا لم يكن الْمُتَنَازع فِيهِ بيد الآخر خلاف النَّقْل وَلَا حجَّة لَهُ فِي قَول الْمُدَوَّنَة إِلَّا أَن يحوزها الْأَقْرَب الخ. لِأَنَّهُ من بَاب الْحِيَازَة كَمَا مرّ، وَلَا فِي قَوْلهم إِن الْيَد من المرجحات لِأَن التَّرْجِيح بهَا إِنَّمَا يعْتَبر إِن لم يُوجد مُرَجّح أصلا كَمَا قَالَ (خَ) : وبيد ان لم ترجح بَيِّنَة تقابله الخ على أَن عدهَا من المرجحات تجوز لِأَن الْبَيِّنَتَيْنِ لما تعادلتا سقطتا وَبَقِي الشَّيْء بيد حائزه، وَمحل التَّرْجِيح بقدم التَّارِيخ مَعَ أعدلية إِحْدَاهمَا مَا لم تكن الْأَخِيرَة شهِدت بِالْولادَةِ كَمَا لَو شهِدت إِحْدَاهمَا أَنه يملكهُ مُنْذُ ثَلَاث سِنِين وَشهِدت الْأُخْرَى أَنَّهَا ولدت عِنْده مُنْذُ سنتَيْن فَإِنَّهَا تهاتر وَيَقْضِي بالأعدلية هَهُنَا قَالَه ابْن يُونُس، ويقيد بِمَا إِذا لم يقطع بِكَوْن سنّ الْمُتَنَازع فِيهِ من ثَلَاث سِنِين فَقَط أَو من سنتَيْن فَقَط وإلاَّ قضى بِذَات السن للْقطع بكذب الْأُخْرَى وَلَا مَفْهُوم لقَوْله: وَقدم التَّارِيخ بل كَذَلِك إِذا لم يكن هُنَاكَ أقدم بِأَن أرخت إِحْدَاهمَا وَلم تؤرخ الْأُخْرَى أصلا أَو أرخت إِحْدَاهمَا بالشهر وَالْأُخْرَى بِالْيَوْمِ الثَّالِث مِنْهُ أَو الْعَاشِر مثلا، فَإِن ذَات التَّارِيخ فِي الأولى أَو ذَات الْأَخَص فِي الثَّانِيَة تقدم. (وَالْعَكْس) مُبْتَدأ وَهُوَ تَقْدِيم ذَات التَّارِيخ الْأَقْرَب وَلَو كَانَ الشَّيْء بيد الآخر (عَن بعض) يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ جملَة (نقل) قيل وَهَذَا نقل غَرِيب لم يُوقف عَلَيْهِ، وَلَيْسَ من المرجحات الْملك على الْحَوْز وَلَا النَّقْل على الِاسْتِصْحَاب لِأَن الْحَوْز أَعم من الْملك إِذْ يكون عَن ملك وَعَن غَيره، والأعم لَا يُعَارض الْأَخَص، وَلذَا لَو شهدُوا لرجل بِملك شَيْء وشهدوا لمن هُوَ بِيَدِهِ بالحوز لِأَن شَهَادَتهمَا عاملة لِأَنَّهُمَا شَهدا بعلمهما فِي الْأَمريْنِ وحيازة الْحَائِز يحْتَمل أَن تكون بإرفاق أَو تَوْكِيل وَلَا يلْزمهُم الْكَشْف عَن ذَلِك فَلَا تنَاقض فِي شَهَادَتهمَا قَالَه ابْن عتاب. وَكَذَا بَيِّنَة الِاسْتِصْحَاب لَا تعَارض الناقلة لِأَن المستصحبة شهِدت بِنَفْي الْعلم بِالْخرُوجِ عَن ملكه، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عدم الْخُرُوج فَلم يحصل تعَارض فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ حَتَّى يُصَار للترجيح فَيعْمل بِبَيِّنَة الْملك وَالنَّقْل لعدم مُعَارضَة الْأُخْرَى لَهَا. وَلذَا لم يذكرهَا النَّاظِم من المرجحات. نعم بَقِي عَلَيْهِ التَّرْجِيح بِسَبَب الْملك على عَدمه وبالإثبات على النَّفْي وبالإصالة على الفرعية فَالْأول كَشَهَادَة إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ ملك لزيد وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ ملك لعَمْرو ونسجه أَو نتج عِنْده أَو نسخ الْكتاب بِيَدِهِ أَو اصطاد مَا يصطاد سَوَاء قَالُوا لنَفسِهِ أم لَا. فَتقدم ذَات السَّبَب (خَ) : والأرجح بِسَبَب مَالك كنسج ونتاج لَا يملك من المقاسم، وَالثَّانيَِة المثبتة للْحكم كَشَهَادَة إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ خطه أَو كُفْء لَهَا أَو هِيَ بَالِغَة أَو بِأَنَّهُ بَاعَ أَو طلق فِي وَقت كَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى أَنه غير خطه أَو غير كُفْء أَو تزوجت قبل الْبلُوغ أَو لم يتَلَفَّظ بِالطَّلَاق أَو بِالْبيعِ فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِن المثبتة لِلْخَطِّ والكفاءة وَغَيرهمَا أولى لِأَنَّهَا أَثْبَتَت حكما وأوجبته

стр. 229

أَي أوجبت حَقًا لم يكن وأثبتته وَهُوَ مَا ذكر من الْخط الْمُوجب لثُبُوت الْحق وَغير ذَلِك. وَذَلِكَ رَاجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى تَقْدِيم الناقلة على المستصحبة كَمَا بَيناهُ فِي حَاشِيَة اللامية وكشهادة إِحْدَاهمَا أَنه قتل زيد عمرا يَوْم كَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى أَنه كَانَ ذَلِك الْيَوْم بِبَلَد بعيد لِأَن شَهَادَة الْقَتْل أوجبت حكما وأثبتته وَهُوَ الْقصاص. ابْن رشد: هَذَا مَشْهُور الْمَذْهَب، وَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي: يقْضِي بِبَيِّنَة الْبَرَاءَة إِن كَانَت أعدل وَإِن استويتا فِي الْعَدَالَة سقطتا. ابْن عبد الْبر، وَقَول إِسْمَاعِيل عِنْدِي صَحِيح إِذْ لَا يَنْبَغِي أَن يقدم على الدَّم إِلَّا بِيَقِين دون الشَّك اه. ابْن رحال: وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدِي وَغَيره لَا نطيق القَوْل بِهِ لِأَن هَذَا تعَارض حَقِيقِيّ بِالضَّرُورَةِ فَلَو شهِدت إِحْدَاهمَا بِالْقَتْلِ فِي وَقت كَذَا، وَالْأُخْرَى بِالزِّنَا أَو السّرقَة فِي ذَلِك الْوَقْت أَو إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ تلفظ بِالطَّلَاق وَقت كَذَا وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ تلفظ بِالْعِتْقِ فَقَط فِي ذَلِك الْوَقْت سقطتا لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا أوجبت حكما وَلَا ينظر للأعدلية لِأَنَّهَا إِنَّمَا ينظر إِلَيْهَا فِيمَا يثبت بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين، وَلذَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا أَنه أسلفه مائَة بِمَجْلِس كَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى أَنه مَا أسلفه إِلَّا عشرَة فِي ذَلِك الْمجْلس، فَإِن ذَات الزِّيَادَة أعمل قَالَه ابْن الْقَاسِم وَله أَيْضا أَنَّهُمَا يتساقطان إِن لم تكن إِحْدَاهمَا أعدل، ابْن رشد: وَهُوَ الَّذِي يُوجِبهُ الْقيَاس فَقَوله: وَهُوَ الَّذِي يُوجِبهُ الْقيَاس رُبمَا يشْهد لما قَالَه القَاضِي إِسْمَاعِيل. انْظُر شرح الشَّامِل والحطاب على أَنه قد قَالَ (ز) عِنْد قَول (خَ) فِي اللّعان أَو ادَّعَتْهُ مغربية على مشرقي مَا نَصه: مَحل تَقْدِيم بَيِّنَة الْقَتْل مَا لم يكثر الشاهدون أَنه كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت فِي مَكَان آخر بِحَيْثُ يُفِيد خبرهم الْعلم الضَّرُورِيّ فَيعْمل بِشَهَادَتِهِم اه. وكشهادة إِحْدَاهمَا بالتجريح وَالْأُخْرَى بالتعديل وَتقدم عِنْد قَول النَّاظِم: وثابت الْجرْح مقدم على الخ. أَن مَحل هَذَا إِذا لم تقطع كل مِنْهُمَا بكذب الْأُخْرَى وَكَذَا لَو شهِدت إِحْدَاهمَا بِالْإِكْرَاهِ وَالْأُخْرَى بالطواعية فَبَيِّنَة الْإِكْرَاه أعمل. وَهَذَا والمثال الَّذِي قبله يدلان على أَن الْقَاعِدَة أغلبية وَإِلَّا لقدمت بينتا التَّعْدِيل والطواعية لِأَنَّهُمَا أثبتا حَقًا لم يكن مَعَ أَنهم قَالُوا: يتساقطان فِي التَّعْدِيل حَيْثُ اتَّحد الْوَقْت وَتقدم بَيِّنَة الْإِكْرَاه فَتَأَمّله مَعَ إِطْلَاق الزقاق فِي منهجه حَيْثُ قَالَ: ومثبت أولى من الَّذِي نفى فِي الْجرْح وَالْقَتْل بُلُوغ عرفا وَلَكِن فِي (ز) أَن بَيِّنَة الْإِكْرَاه إِنَّمَا قدمت لِأَنَّهَا ناقلة عَن الأَصْل لِأَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّاس الطواعية فَمن شهد بِهِ فقد شهد بِالْأَصْلِ وَالشَّهَادَة بِالْإِكْرَاهِ ناقلة عَنهُ قَالَ؛ وَكَذَا، كل ضَرَر لِأَن من أثبت قد زَاد علما الخ. وَلَيْسَ من تعَارض النَّفْي وَالْإِثْبَات مَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا بِأَن فلَانا أقرّ لفُلَان بمحضرنا بِكَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى بِأَنَّهُ مَا أقرّ بِشَيْء حَتَّى مَاتَ لِأَنَّهُمَا لم يتواردا على وَقت وَاحِد فَإِن تواردا عَلَيْهِ كَيَوْم مَوته جرى على مَا مرّ وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضا مَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا بمعاينة حوز الصَّدَقَة وَنَحْوهَا قبل الْمَوْت، وَشهِدت الْأُخْرَى بِرُؤْيَة الْمُتَصَدّق يَخْدمه إِلَى مرض الْمَوْت فَإِن بَيِّنَة عدم الْحَوْز تقدم إِذا لم تتعرض الْأُخْرَى لاستمراره قَالَه الْقَرَافِيّ فِي الْفرق ٢٢٨. وَبِالْجُمْلَةِ، إِذا رَجَعَ الْمُتَصَدّق وَنَحْوه قبل السّنة لصدقته أَو شكّ فِي تَارِيخ رُجُوعه فَبَيِّنَة عدم الْحَوْز أعدل كَمَا للوانشريسي، وَنَقله أَبُو عبد الله عبد الْقَادِر الفاسي فِي جَوَاب لَهُ وَنَحْوه لأبي الضياء مِصْبَاح فِي معاوضات المعيار، وَإِن رَجَعَ إِلَيْهَا بعد أَن حيزت عَنهُ سنة فَلَا بطلَان وَإِن تعاوضا فِي السّنة فَبَيِّنَة الْحِيَازَة أعمل على مَا لِابْنِ مَالك وَهُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة كَمَا فِي ابْن سهل لِأَنَّهَا أوجبت حكما وَهُوَ صِحَة الْهِبَة. وَقيل: ينظر للأعدل وَهُوَ الْمُوَافق لما مرّ عَن ابْن

стр. 230

رشد. وَقيل: إِن كَانَت الصَّدَقَة بيد الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ وَقت الدَّعْوَى قدمت بَيِّنَة الْحِيَازَة وإلاَّ فَلَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق القَوْل بِتَقْدِيم الْإِثْبَات على النَّفْي فِي جَمِيع الصُّور بل يخْتَلف فِي ذَلِك باخْتلَاف الجزئيات كَمَا مرّ، وَمهما أطلقت إِحْدَاهمَا وقيدت الْأُخْرَى بِوَقْت معِين فَلَا تعَارض، وَمهما قيدتا بِوَقْت وَاحِد جَاءَ الْخلاف وَوَجهه فِي الْحِيَازَة إِن كلاًّ مِنْهُمَا شهِدت بانفراد شخص معِين بِالتَّصَرُّفِ فِي وَقت معِين، وَكَذَا فِي الْقَتْل لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا أَثْبَتَت أَنه كَانَ بِبَلَد كَذَا وَقت كَذَا مشتغلاً فِيهِ بِالصَّلَاةِ مثلا وَالْأُخْرَى بالشرب أَو بِالْقَتْلِ أَو بِالزِّنَا أَو بِالسَّرقَةِ. وَكَذَا فِي التجريح لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا شهِدت بِأَنَّهُ بَات لَيْلَة كَذَا معتكفاً على شرب الْخمر، وَالْأُخْرَى على الطّواف أَو الصَّلَاة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة. وَفِي الْوَصِيَّة شهِدت إِحْدَاهمَا باختلاط عقله وَالْأُخْرَى بِصِحَّتِهِ، وَلَيْسَ المُرَاد بالنافية الَّتِي لفظت بِحرف النَّفْي فِي شهادتها لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي أَنَّهَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا باختلاط الْعقل وَالْأُخْرَى أَنه لم يكن مختلط الْعقل قدمت بَيِّنَة الِاخْتِلَاط وَذَلِكَ خلاف الْوَاقِع، وَأما الثَّالِث وَهُوَ التَّرْجِيح بالإصالة فَمِنْهَا بينتا الصِّحَّة وَالْفساد فَبَيِّنَة الصِّحَّة أعمل لِأَنَّهَا الأَصْل مَا لم يغلب الْفساد وإلاَّ فَتقدم بَينته، وَقد يُقَال: إنَّهُمَا فِي مثل هَذَا لما تَعَارَضَتَا سقطتا وَبَقِي القَوْل لمُدعِي الصِّحَّة، وَهَهُنَا بينتا التسفيه والترشيد فَبَيِّنَة السَّفه أعمل خلافًا لما فِي ابْن سَلمُون، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لإطلاقه من الْحجر، وَأما بِالنِّسْبَةِ للْمَبِيع وَنَحْوه من الْمُعَامَلَات فَتقدم بَيِّنَة الترشيد لِأَنَّهَا أوجبت صِحَة العقد كَمَا يَأْتِي فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين وَمِنْهَا بينتا التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح فَبَيِّنَة التجريح أعمل مَا لم يتعارضا فِي وَقت خَاص كَمَا مر وَمِنْهَا بينتا الرّقية وَالْحريَّة فالحرية أعمل لِأَنَّهَا الأَصْل، وَمِنْهَا بينتا الْبلُوغ والكفاءة فبينتهما أعمل لِأَنَّهُمَا يوجبان صِحَة العقد الَّذِي هُوَ الأَصْل، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار صَحَّ عدهما من هَذَا الْقسم وَإِلَّا فهما من الْقسم الَّذِي قبله كَمَا مرّ وَإِنَّمَا أدخلناهما فِي هَذَا تبعا للْغَيْر وَمِنْهَا بينتا الصِّحَّة وَالْمَرَض فَبَيِّنَة الصِّحَّة أعمل كَمَا فِي أنكحة المعيار عَن اليزناسي لِأَنَّهَا الأَصْل وَمحل ذَلِك إِن قَالَت بَيِّنَة الْمَرَض لم يزل مَرِيضا فِي علمنَا فِي هَذَا الشَّهْر أَو فِي هَذَا الْيَوْم وَقَالَت: بَيِّنَة الصِّحَّة لم يزل صَحِيحا كَذَلِك وَلم يعلم تقدم إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، وَأما إِن علم تقدم الصِّحَّة كَمَا لَو قَالَت: بَيِّنَة نعلمهُ صَحِيحا فِي أول رَمَضَان وَلم يزل كَذَلِك فِي علمنَا وَشهِدت الْأُخْرَى بِأَنَّهُ مرض فِي الْعَاشِر مِنْهُ فَتقدم بَيِّنَة الْمَرَض لِأَنَّهَا ناقلة، وَلَا سِيمَا إِن عينت سَبَب الْمَرَض مَا هُوَ لِأَن الْمَرَض وجود دَاء فِي الْإِنْسَان وَالصِّحَّة انتفاؤه وَإِن تقدم الْمَرَض على الصِّحَّة قدمت بَيِّنَة الصِّحَّة إِذا شهِدت بِصِحَّة تنَافِي ذَلِك الْمَرَض بِحَيْثُ لَا يجْتَمع مَعهَا كشهادتهم بتصرفه تصرف الأصحاء بِحمْل الأثقال وَنَحْوهَا لِأَن بَيِّنَة الصِّحَّة ناقلة حِينَئِذٍ قَالَه ابْن رحال فِي شَرحه. وَمِنْهَا بينتا الْعَدَم والملاء فَتقدم بَيِّنَة الملاء بيّنت أم لَا. على مَا بِهِ الْعَمَل، وَمِنْهَا بَيِّنَة الْمعرفَة والتعريف فَتقدم بَيِّنَة الْمعرفَة، وَمِنْهَا بينتا صِحَة الْعقل واختلاطه فِي الْوَصِيَّة فَتقدم بَيِّنَة الصِّحَّة لِأَنَّهَا أوجبت صِحَة العقد الَّتِي هِيَ الأَصْل وَإِنَّمَا أدخلنا مَسْأَلَة الْوَصِيَّة فِي الْقسم الَّذِي قبله نظرا للنَّفْي وَالْإِثْبَات وتبعاً للْغَيْر. وَفِي أقضية الْبُرْزُليّ أَنه ينظر فِي شَهَادَة الَّذين شهدُوا بذهوله فَإِن قَالُوا هم أَو غَيرهم مِمَّن يقبل أَنه كَانَ بِهِ الذهول فِي الْوَقْت الَّذِي شهد عَلَيْهِ الْأَولونَ فِي صِحَة عقله فَهِيَ أعمل لِأَن الذهول يخفى على قوم وَيظْهر لآخرين فَمن قطع بِعِلْمِهِ فَهُوَ أَحَق بِالْقبُولِ، وَإِذا لم يشْهدُوا على ذُهُوله فِي ذَلِك الْوَقْت فشهادة الصِّحَّة أعمل لأَنهم قطعُوا بعقله اه. فَانْظُرْهُ. وَمِنْهَا بينتا الطوع وَالْإِكْرَاه فَبَيِّنَة الْإِكْرَاه أعمل وَكَذَا كل ضَرَر وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة

стр. 231

من الْقسم الَّذِي قبله إِذْ لَو روعيت الْأَصَالَة هُنَا لقدمت الطواعية. وَظَاهر كَلَامهم تَقْدِيم بَيِّنَة الْإِكْرَاه، وَلَو أدّى ذَلِك لفسخ الْعُقُود والمعاملات إِذْ لَا ثَمَرَة لَهَا إِلَّا ذَاك وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي اسْتِحْقَاق المعيار، وَانْظُر الورقة السَّابِعَة وَالْعِشْرين من بُيُوع الْبُرْزُليّ فَفِيهَا مسَائِل تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ. وإنَّما يكونُ ذَاك عِنْدَما لَا يُمكنُ الجَمْعُ لنا بَيْنَهُمَا (وَإِنَّمَا يكون ذَاك) اسْم يكون وَالْإِشَارَة للتعارض الْمُوجب للترجيح (عِنْد) يتَعَلَّق بيكون إِن كَانَت تَامَّة أَو بخبرها إِن كَانَت نَاقِصَة (مَا) مَصْدَرِيَّة (لَا يُمكن الْجمع) صلتها وَهِي مَعَ صلتها فِي تَأْوِيل مصدر أَي عِنْد عدم إِمْكَان الْجمع (لنا) يتَعَلَّق بيمكن (بَينهمَا) يتَعَلَّق بِالْجمعِ (خَ) : وَإِن أمكن جمع بَين الْبَيِّنَتَيْنِ جمع، ومثاله أَن يَدعِي أَنه أسلم هَذَا الثَّوْب فِي مائَة إِرْدَب حِنْطَة. وَقَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ: بل هذَيْن الثَّوْبَيْنِ لثوب سواهُ فِي مائَة إِرْدَب حِنْطَة وَأقَام كل الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ كَانَت الثَّلَاثَة أَثوَاب فِي الْمِائَتَيْنِ ويحملان على أَنَّهُمَا سلمَان لِأَن كل بَيِّنَة شهِدت بِغَيْر مَا شهِدت بِهِ بَيِّنَة الآخر، وَهَذَا إِذا كَانَ ذَلِك فِي مجلسين وإلاَّ فَهُوَ تهاتر فيصار فِيهِ للترجيح على رِوَايَة المصريين كَمَا مرّ فِيمَا إِذا تَعَارَضَتَا بِالطَّلَاق وَالْعِتْق فِي مجْلِس وَاحِد، وَكَذَا إِن شهِدت إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ طلق الصُّغْرَى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ طلق الْكُبْرَى أَو شهِدت إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ زنى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ سرق فَإِنَّهُ يلْزمه الطَّلَاق فيهمَا، وَيقطع وَيحد حَيْثُ كَانَتَا فِي زمنين وَإِلَّا فَهُوَ تهاتر لَا يُمكن فِيهِ الْجمع. وَمن إِمْكَانه مَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا بمعاينة حوز الْهِبَة دون استمراره وَشهِدت الْأُخْرَى باستمرارها بيد الْوَاهِب كَمَا مرّ، وَذَلِكَ لِأَن المعاينة تحصل بِالْوُقُوفِ على الْأَمْلَاك والتطوف عَلَيْهَا وَذَلِكَ بِجَامِع استمرارها بيد الْوَاهِب. والشَّيْءُ يَدَّعِيهِ شَخْصانِ مَعا وَلَا يدٌ وَلَا شَهيدٌ يُدَّعى ﷺ ١٦٤٨ - ; (وَالشَّيْء) أصلا كَانَ أَو حَيَوَانا أَو غَيرهمَا (ويدعيه شخصان) مثلا (مَعًا) أَي ادّعى كل مِنْهُمَا جَمِيعه أَو ادّعى أَحدهمَا الْكل وَالْآخر النّصْف أَو الثُّلُث مثلا، أَو كَانُوا أَكثر من شَخْصَيْنِ فَادّعى أحدهم الْكل وَالْآخر النّصْف وَالْآخر الثُّلُث (وَلَا يَد) لوَاحِد مِنْهُمَا أَو مِنْهُم (وَلَا شَهِيد) لوَاحِد (يدعى) فِيهِ. يُقْسَمُ مَا بَيْنَهُمَا بعد القَسَم وَذَاكَ حُكْم فِي التَّساوي مُلْتَزَم (يقسم) خبر عَن قَوْله وَالشَّيْء ويدعيه ومعاً وَلَا يَد وَلَا شَهِيد أَحْوَال مِنْهُ (مَا) زَائِدَة

стр. 232

(بَينهمَا) يتَعَلَّق بالْخبر وَكَذَا (بعد الْقسم) أَي يقسم بَينهمَا بعد حلفهما وَيَقْضِي للْحَالِف على الناكل، وَمَفْهُوم قَوْله: وَلَا يَد أَنه إِذا كَانَ بيد أَحدهمَا فَقَط أَنه لَا يقسم بل القَوْل الَّذِي الْيَد كَمَا يدل لَهُ قَوْله: وَالْقَوْل قَول ذِي يَد مُنْفَرد الخ. وَأفهم قَوْله يَدعِيهِ أَن كلاًّ مِنْهُمَا يَدعِيهِ أَو جُزْءا مَعْلُوما مِنْهُ فَإِن ادّعى كل مِنْهُمَا حظاً مِنْهُ لَا يدْرِي قدره قسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا مقرّ بِالشّركَةِ وَالْأَصْل فِيهَا المناصفة، وَسَوَاء فِي هَذِه كَانَ بيد أَحدهمَا أَو أَيْدِيهِمَا أَو لَا يَد عَلَيْهِ، وَأطلق النَّاظِم فِي الْقسم فِي هَذِه وَبَينه (خَ) بقوله وَقسم على الدَّعْوَى إِن لم يكن بيد أَحدهمَا كالعول فِي فَرِيضَة زَادَت سهامها على أَصْلهَا فَفِي الصُّورَة الأولى يقسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ، وَفِي الثَّانِيَة على الثُّلُث والثلثين وَكَيْفِيَّة الْعَمَل فِيهِ أَن يُزَاد على الْكل النّصْف ونسبته إِلَى الْكل حِين الزِّيَادَة الثُّلُث فلمدعي الْكل الثُّلُثَانِ، ولمدعي النّصْف الثُّلُث، وَفِي الثَّالِثَة الْمَسْأَلَة من سِتَّة لِأَنَّهَا أقل عدد يَشْمَل تِلْكَ المخارج وتعول بِنِصْفِهَا، وثلثها، فالمجموع أحد عشر فلمدعي الْكل سِتَّة وَلِذِي النّصْف ثَلَاثَة وَلِذِي الثُّلُث اثْنَان وَهَكَذَا. وَمن هَذَا الأَصْل رجل أخرج مطمراً من فدان آخر زعم أَن أَبَاهُ طمر فِيهِ خَمْسَة عشر قَفِيزا وَأقَام وَرَثَة أخر بَيِّنَة شهِدت أَن وليهم طمر فِي هَذَا الفدان لَا يَدْرُونَ أَهِي هَذِه المطمر أم غَيرهَا، وَوجد فِي المطمر أَكثر من خَمْسَة عشر قَفِيزا فَالْحكم أَن رب الأَرْض: إِن لم يدع ذَلِك لنَفسِهِ واعترف أَن الطَّعَام لأَحَدهمَا وَلَا يدريه لكَون كل مِنْهُمَا طمر فِي الْمَكَان الْمَذْكُور أَن تقسم الْخَمْسَة عشر قَفِيزا بَينهمَا بعد يَمِين كل مِنْهُمَا أَنه لَا يعلم للْآخر حَقًا فِي ذَلِك وَمَا زَاد على الْخَمْسَة عشر فَهُوَ لذِي الْبَيِّنَة، وَإِن قَالَ رب الأَرْض لَا أَدْرِي هَل طمر أَحدهمَا أَو طمرا مَعًا كَانَ الطَّعَام لذِي الْبَيِّنَة بعد يَمِينه قَالَه فِي أقضية المعيار، وَإِذا تَعَارَضَت بينتان وَلم يكن مُرَجّح وتساقطتا فَالْحكم كَذَلِك إِذْ لم يبْق إِلَّا مُجَرّد الدَّعْوَى كَمَا قَالَ: (وَذَاكَ) أَي قسمه بَينهمَا بعد الْقسم (حكم فِي التَّسَاوِي مُلْتَزم) صفة حكم الَّذِي هُوَ خبر عَن ذَاك وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِتِلْكَ الصّفة الخ. وَذَلِكَ حكم مُلْتَزم فِي التَّسَاوِي. فِي بَيِّناتٍ أَوْ نُكولٍ أَوْ يَدِ والقولُ قَوْلُ ذِي يَدٍ مُنْفَرِدِ (فِي بَيِّنَات) يتَعَلَّق بالتساوي كَمَا ترى وَمَعْلُوم أَنَّهُمَا لَا يتساويان إِلَّا مَعَ انْتِفَاء الْمُرَجح (أَو) التَّسَاوِي فِي (نُكُول) بِأَن ينكلا مَعًا (أَو) التَّسَاوِي فِي (يَد) بِأَن يكون تَحت يدهما مَعًا أَو لَا يَد عَلَيْهِ. وأو فِي المحلين بِمَعْنى الْوَاو فَإِن انْفَرد أَحدهمَا بِوَضْع الْيَد عَلَيْهِ كَانَ لَهُ وَحده مَعَ يَمِينه كَمَا قَالَ: (وَالْقَوْل) مُبْتَدأ (قَول ذِي يَد) خبر (مُنْفَرد) صفة ليد وَإِنَّمَا يكون القَوْل لذِي الْيَد الْمُنْفَرد بهَا

стр. 233

إِن لم تكن للْآخر بَيِّنَة الْملك وَإِلَّا قدمت على مُجَرّد الْيَد كَمَا قَالَ: وَهُوَ لِمَنْ أقامَ فيهِ البَيْنَهْ وحالَهُ الأعْدَلِ مِنْها بَيِّنَهْ (وَهُوَ) مُبْتَدأ وَخَبره (لمن أَقَامَ فِيهِ الْبَيِّنَة) مفعول بأقام وَالْجُمْلَة صلَة (من) والرابط الضَّمِير الْفَاعِل بأقام فَإِن أَقَامَ ذُو الْيَد بَيِّنَة بِالْملكِ أَيْضا وتساوت الْبَينَات فِي المرجحات أَو عدمهَا قضى بِهِ لذِي الْيَد وَإِلَّا فَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا أرجح بِشَيْء من المرجحات الْمُتَقَدّمَة قضى بهَا كَمَا قَالَ: (وَحَالَة الأعدل) مُبْتَدأ (مِنْهَا) أَي الْبَينَات يتَعَلَّق بالأعدل (بَيِّنَة) ظَاهِرَة فِي اعْتِبَار التَّرْجِيح بهَا وَلَا مَفْهُوم للأعدلية بل غَيرهَا من المرجحات كَذَلِك كَمَا مرّ، فَلَو أبدل الأعدل بالأرجح لشمل ذَلِك، وَانْظُر بسط هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الشَّامِل اه. وَالله أعلم. (بَاب الْيَمين) المتوجهة بِحكم حَاكم أَو مُحكم على طَالب أَو مَطْلُوب أَو عَلَيْهِمَا مَعَ الشَّاهِد أَو الشَّاهِدين أَو دونهمَا لَا بِمُجَرَّد طلب الْخصم تَحْلِيفه، فَلَا يلْزمه الْحلف لَهُ كَمَا أَفَادَهُ قَول النَّاظِم بِالْقضَاءِ، فيفهم مِنْهُ أَن المُرَاد الْيَمين الَّتِي تقطع الْحُقُوق لِأَنَّهَا الَّتِي يقْضِي بهَا وَهِي بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَبِاللَّهِ يكون الْحلف لَا الْيَمين الَّتِي تكفر كَقَوْل (خَ) الْيَمين تَحْقِيق مَا لم يجب. (وَمَا يتَعَلَّق بهَا) من مَكَانهَا وزمانها وَبَيَان صفتهَا وأقسامها.

стр. 234

فِي رُبْعِ دِينارٍ فأعْلَى تُقْتَضَى فِي مسْجِد الْجمع الْيَمينُ بالقَضَا (فِي ربع دِينَار) أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو عرض يُسَاوِي أَحدهمَا لشخص وَاحِد وَلَو على اثْنَيْنِ متفاوضين فِيهِ لِأَن كلاًّ وَكيل عَن الآخر، وَانْظُر أقضية المعيار فِي كَيْفيَّة حلف ورثته الْمُتَفَاوضين، وَانْظُر فِيهَا أَيْضا فِيمَن حلف بِالطَّلَاق لَا يحلف بِالْمَسْجِدِ هَل يَحْنَث أم لَا. لَا لشخصين وَلَو متفاوضين (فأعلى) أَي فَأكْثر مِنْهُ مَعْطُوف على مَا قبله وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بقوله: (تقتضى) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (فِي مَسْجِد الْجمع) أَي الَّذِي تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة يتَعَلَّق بِهِ أَيْضا (الْيَمين) نَائِب فَاعله (بالقضا) أَي الحكم فِي مَحل نصب على الْحَال أَي حَال كَون الْيَمين وَاجِبَة بِالْقضَاءِ، وَفهم مِنْهُ أَنه فِي أقل من ربع دِينَار يحلف حَيْثُ تيَسّر لَهُ كَمَا يَأْتِي، وَأَنه إِن أَبى أَن يحلف فِي الْمَسْجِد الْمَذْكُور عد ناكلاً وَأَنَّهَا لَا تغلظ بِالزَّمَانِ ككونها بعد الْعَصْر أَو يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَهُوَ كَذَلِك، وَقيل تغلظ بِالزَّمَانِ أَيْضا. قلت: وَقَوْلهمْ إِن طلب رب الْحق أَن يحلفهُ بِمَسْجِد غير الْجَامِع لكَوْنهم يعظمونه، أَو أَن يحلفهُ على الْمُصحف أَو سُورَة بَرَاءَة أَو قد سمع أَو أضرحة الْمَشَايِخ. أُجِيب: وَكَذَا بِالطَّلَاق حَيْثُ كَانَ لَا يرجع عَن الْبَاطِل إِلَّا بذلك كَمَا فِي (ز) وَغَيره. وَيَقْتَضِي أَن تغلظ بالزمن أَيْضا بالأحرى من الطَّلَاق حَيْثُ رجى الإرهاب ارتكاباً لأخف الضررين، وَظَاهر كَلَامهم أَنه إِذا امْتنع من الْحلف بِالطَّلَاق والمصحف وَنَحْوهمَا عد ناكلاً إِذْ لَا فَائِدَة لجبره على ذَلِك إلاّ ذَاك، وَظَاهر النّظم أَنه فِي أَي مَوضِع من الْجَامِع حلف كفى وَهُوَ ظَاهر (خَ) أَيْضا. وَبِه قرر شراحه وَصرح بِهِ فِي الشَّامِل فَقَالَ: وَلَا تغلظ بمنبر على الْأَصَح إِلَّا بمنبره ﵇، وَلَكِن الْعَمَل على اقْتِضَاء الْأَيْمَان بَين الْمِنْبَر والمحراب كَانَ مِنْبَر النَّبِي ﷺ أَو غَيره كَمَا أَفَادَهُ قَول الْمُدَوَّنَة يحلف فِي جَامع بَلَده فِي أعظم موَاضعه الخ. فَإِن أَبى أَن يحلف فِيهِ غرم بعد أَن يحلف الطَّالِب فِي الْمحل الْمَذْكُور حَيْثُ كَانَت دَعْوَى تَحْقِيق وإلاَّ فبمجرد النّكُول، فَإِن لم يكن لَهُم جَامع جلبوا إِلَى الْجَامِع الَّذِي على قدر مَسَافَة الْجُمُعَة من مَنَازِلهمْ لأَنهم مِمَّن لَهُم جَامع

стр. 235

حكما وإلاَّ حلفوا حَيْثُ هم ثمَّ إِن التَّغْلِيظ بالجامع من حق الْخصم فَإِذا رَضِي أَن يحلفهُ بِغَيْر مَسْجِد فَلهُ ذَلِك. وَانْظُر لَو حلفه فِي غير الْجَامِع جهلا أَو فِي غير الْمِنْبَر، والجاري على مَا يَأْتِي فِي الْقيام أَنَّهَا لَا تُجزئه حَيْثُ كَانَ الطَّالِب مِمَّن يجهل تغليظها بذلك وَالله أعلم. كَمَا أَنه إِذا حَلفهَا فِي الْجَامِع بِغَيْر حَضْرَة الْخصم بل بِحَضْرَة عَدْلَيْنِ فَقَط لَا تُجزئه وَيُعِيدهَا بِحَضْرَتِهِ وَمحل عدم الْإِجْزَاء إِذا لم يتغيب عَنْهَا بعد الحكم لَهُ بهَا، وإلاَّ أَقَامَ لَهُ القَاضِي وَكيلا يقتضيها وَلَا حجَّة لَهُ حِينَئِذٍ، وَيفهم هَذَا من قَوْله فِيمَا مرّ. وَمن أَلد فِي الْخِصَام وانتهج الخ. إِذْ لَا يحكم لَهُ بِالْيَمِينِ حَتَّى تَنْقَطِع حجَّته فَينفذ الْحَاكِم حكمه باقتضاء تِلْكَ الْيَمين لتسقط دَعْوَاهُ عَن الْخصم، وَانْظُر (ح) فِي الْقَضَاء، وَإِذا طلب أحد الْخَصْمَيْنِ تَعْجِيل الْيَمين وَطلب الآخر تَأْخِيرهَا، فَالْقَوْل لطَالب التَّعْجِيل مَا لم يطْلب تَأْخِيرهَا لوقت تغلظ فِيهِ على مَا مرّ. وَمَا لَهُ بالٌ ففيهِ يَخْرُجُ إليْهِ لَيحلا غيرُ مَنْ تَبرَّجُ (وَمَا لَهُ بَال) مُبْتَدأ وَخبر وَالْجُمْلَة صلَة مَا، وَالْمرَاد بِهِ ربع دِينَار فَأكْثر وَلذَا لَو قَالَ وَإِن تكن أُنْثَى (فَفِيهِ) أَي فِي ربع دِينَار (تخرج إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْجَامِع (لَيْلًا غير) فَاعل تخرج والمجروران قبله وَبعده يتعلقان بِهِ وَكَذَلِكَ الظّرْف وَالْجُمْلَة خبر الْمَوْصُول ولعمومه وإبهامه دخلت الْفَاء فِي خَبره (من) أَي الْأُنْثَى فِي مَحل جر بِالْإِضَافَة (تبرج) بِفَتْح التَّاء وَشد الرَّاء صلَة (من) وَأَصله تتبرج فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ عملا بقول الْخُلَاصَة: وَمَا بتاءين ابتدى قد يقْتَصر فِيهِ على الخ. وَمَعْنَاهُ أَن غير المتبرجة وَهِي الَّتِي عَادَتهَا أَن لَا تخرج لمصالحها من حمام وَغَيره إلاَّ لَيْلًا أَو تخرج لَهَا نَهَارا غير مشتهرة فَإِنَّهَا تخرج للحلف طالبة أَو مَطْلُوبَة لَيْلًا وتحلف بِحَضْرَة الْخصم، فَإِن أَبَت هِيَ وَزوجهَا من حُضُوره خشيَة الِاطِّلَاع عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يبعد عَنْهَا أقْصَى الْمَسْجِد بِقدر مَا يسمع لفظ يَمِينهَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام. فَإِذا ادّعى الْخصم عدم مَعْرفَتهَا فعلَيْهَا أَن تثبت أَنَّهَا الْمَطْلُوبَة، وَقيل حسبها أَن تَقول أَنا هِيَ وَعَلِيهِ الْإِثْبَات، وَالْأول أصوب قَالَه فِي التَّبْصِرَة عَن ابْن الْهِنْدِيّ،

стр. 236

وَمَفْهُومه: أَن المتبرجة تخرج لَهَا نَهَارا وَأما الَّتِي لَا تخرج لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارا فتحلف فِي بَيتهَا بِحَضْرَة عَدْلَيْنِ يوجههما القَاضِي لَهَا وَلَا يقْضِي للخصم بِحُضُورِهِ مَعهَا قَالَه (ز) . قَالَ: فتستثنى هَذِه الصُّورَة من قَوْلهم لَا بُد من حُضُور الطَّالِب للْيَمِين وَإِلَّا أُعِيدَت، وَفِي الشَّهَادَات من الْبُرْزُليّ أَنه يبعد عَنْهَا أقْصَى مَا يسمع صَوتهَا وَلَا يرى شخصها كَالَّتِي قبلهَا. وَنَقله (ح) فِي الْقَضَاء فَتَأمل هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة من لَا تخرج إِلَّا لَيْلًا أَو تخرج نَهَارا غير مشتهرة وَمن تخرج بِهِ

стр. 237

مشتهرة وَمن لَا تخرج أصلا. وَمَا مر من أَنَّهَا فِي هَذَا الْقسم الثَّالِث تحلف فِي بَيتهَا هُوَ الْأَظْهر عِنْد عِيَاض، وَاقْتصر عَلَيْهِ عبد الْوَهَّاب وَهُوَ الْمُعْتَمد، وَذهب الأندلسيون إِلَى أَنَّهَا تخرج لَيْلًا أَيْضا، والمدونة مُحْتَملَة للقولين، وَالْأول هُوَ ظَاهر قَول (خَ) وَخرجت المخدرة فِيمَا ادَّعَت أَو ادّعى عَلَيْهَا إِلَّا الَّتِي لَا تخرج نَهَارا وَإِن مُسْتَوْلدَة قَلِيلا الخ. وَمحل الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذا كَانَت مَطْلُوبَة وَإِلَّا فَإِن كَانَت طالبة كَمَا لَو أَرَادَت الْحلف مَعَ شَاهدهَا خرجت لَيْلًا قَالَه (ت) وَقَول ابْن الْعَطَّار حَسْبَمَا فِي القلشاني على الرسَالَة معنى قَوْلهم: لَا يخْرجن أَي لَا يخْرجن مشتهرات. وإلاَّ فالتي تخرج غير مشتهرة حكمهَا حكم من لَا تخرج أَلْبَتَّة الخ. مَعْنَاهُ حكمهَا حكم من لَا تخرج بِالنَّهَارِ أَلْبَتَّة كَمَا فهمه الأَجْهُورِيّ أَي فيلزمها الْخُرُوج لَيْلًا كَمَا مر، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ حكمهَا حكم من لَا تخرج أصلا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارا كَمَا قيل: لِأَنَّهُ يكون الرَّاجِح فِيهَا حِينَئِذٍ أَن تحلف فِي بَيتهَا كَمَا مرّ، وَيلْزم عَلَيْهِ أَن لَا تخرج إِلَّا لَيْلًا تحلف فِي بَيتهَا من بَاب أولى لِأَنَّهَا أبلغ فِي السّتْر فَتَأَمّله وَالله أعلم. وعَلى هَذَا يحمل قَول ابْن رشد وَعِنْدِي فِي خُرُوج الْمَرْأَة إِلَى الْجَامِع بِالنَّهَارِ كشف لَهَا ولحالها وَإِن كَانَت تخرج بِالنَّهَارِ لِأَنَّهَا إِذا خرجت للحلف عرف أَنَّهَا فُلَانَة بِخِلَاف مَا إِذا خرجت لغير ذَلِك، وَقد أَخْبرنِي بعض الْفُقَهَاء أَنَّهَا وَقعت بتونس وَأَنه وجد فِيهَا نصا اه. لَكِن كَلَامه ظَاهر فِي أَنه فِي الَّتِي تخرج بِالنَّهَارِ غير مشتهرة كَمَا مرّ عَن الأَجْهُورِيّ، وَأما الَّتِي تخرج بِهِ مشتهرة فَلَا تَأتي فِيهَا علته الْمَذْكُورَة وَالله أعلم. فَإِن تنَازعا فِي الْخُرُوج فعلَيْهَا الْإِثْبَات أَنَّهَا من أهل الْحجاب، وَأَنَّهَا مِمَّن يحلف لَيْلًا كَمَا فِي التَّبْصِرَة عَن الْمُتَيْطِيَّة. وقَائِماً مُسْتَقْبِلاً يكُونُ مَنِ اسْتُحِقَّتْ عِنْدهُ اليَمينُ (وَقَائِمًا مُسْتَقْبلا يكون من اسْتحقَّت) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صلَة الْمَوْصُول الَّذِي هُوَ اسْم يكون وَمَا قبلهَا خَبَرهَا (عِنْده) يتَعَلَّق بِمَا قبله (الْيَمين) نَائِب الْفَاعِل وأل للْعهد والمعهود الْيَمين الْمُتَقَدّمَة، أما الْقيام فَلَا بُد مِنْهُ فَإِن حلف جَالِسا أَو مُضْطَجعا أَو منحنياً لغير عذر لم تجزه على الْمَشْهُور خلافًا لِابْنِ كنَانَة فِي عدم اشْتِرَاطه الْقيام، وَالظَّاهِر أَن مَحل الْإِجْزَاء إِذا كَانَ جَاهِلا بِأَنَّهَا تغلظ بِمَا ذكرُوا لَا أَجْزَأت لِأَنَّهُ قد رَضِي حِينَئِذٍ بِإِسْقَاط حَقه من التَّغْلِيظ بذلك وَانْظُر إِذا قُلْنَا بِعَدَمِ الْإِجْزَاء هَل يُعِيدهَا مُطلقًا أَو بِالْقربِ فَقَط كَمَسْأَلَة من حلف لخصمه بِالطَّلَاق تَغْلِيظًا عَلَيْهِ الْمشَار لَهَا بقول اللامية. وَمن يحلف بِلَا من لَهُ الْعلَا أعَاد بِقرب الخ. وَأما الِاسْتِقْبَال فَصرحَ فِي الْمُدَوَّنَة بِأَنَّهُ لَا يجب، وَعَلِيهِ عول (خَ) فَقَالَ: وبالقيام لَا بالاستقبال، وروى الأخوان وُجُوبه لِأَنَّهُ يحصل الإرهاب، وَعَلِيهِ عول النَّاظِم لكَونه الْمَعْمُول بِهِ كَمَا فِي الْمُفِيد وَابْن سَلمُون وَغَيرهمَا. وَهَذَا حَيْثُ وَجَبت الْيَمين فِي الْجَامِع، فَإِن لم تجب فِيهِ لكَون الْحق أقل من ربع دِينَار لم يجب قيام وَلَا اسْتِقْبَال بل يحلف فِي أَي مَوضِع حكم عَلَيْهِ فِيهِ كَمَا يَأْتِي. تَنْبِيه: إِذا لم تجزه الْيَمين لعدم قِيَامه أَو استقباله وَقطع رب الْحق عَن رِضَاهُ بِالْيَمِينِ وَأَرَادَ إِقَامَة الْبَيِّنَة فَلهُ ذَلِك على مَا لِابْنِ عتاب لَا على مَا لِابْنِ رشد كَمَا مرّ فِي أَنْوَاع الشَّهَادَات، وَأَحْرَى أَن يكون لَهُ ذَلِك لَو بَادر خَصمه قبل أَن يطْلب مِنْهُ. وَهِي وإنْ تَعَدَّدَتْ فِي الأَعْرَافِ على وِفَاقِ نيَّةِ المُسْتَحْلِفِ (وَهِي) أَي الْيَمين الَّتِي تقطع بهَا الْحُقُوق وَيحكم بهَا الْحُكَّام (وَإِن تعدّدت) أَي تنوعت إِلَى يَمِين تُهْمَة وَقَضَاء ومنكر وَشَاهد (فِي) القَوْل (الأعرف) وَهُوَ قَول الْأَكْثَر (على وفَاق نِيَّة المستحلف) خبر عَن قَوْله هِيَ وَالْمَجْرُور قبله يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر الْمَذْكُور وَالْوَاو فِي قَوْله:

стр. 238

وَإِن للْحَال وَهُوَ مقدم من تَأْخِير وَالتَّقْدِير وَهِي كائنة على وفْق نِيَّة الطَّالِب فِي القَوْل الأعرف، وَإِن تعدّدت فَإِذا أنكرهُ فِي دين أَو وَدِيعَة مثلا وَحلف لَا شَيْء لَهُ عِنْدِي وَنوى حَاضرا أَو فِي الدَّار مثلا لم يَنْفَعهُ ذَلِك بِإِجْمَاع كَمَا فِي ابْن سَلمُون عَن ابْن رشد قَالَ: وَهُوَ آثم عَاص لقَوْله ﵇: (من اقتطع حق امرىء بِيَمِينِهِ حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار) . قَالُوا: وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: (وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك) قَالَهَا ثَلَاثًا. وَهَذِه هِيَ الْغمُوس الْمشَار لَهَا بقول (خَ) وغموس: بِأَن ظن أَو شكّ وَأَحْرَى مَعَ التحقق وَمَا تقدم من الْإِجْمَاع حَكَاهُ فِي ضيح عَن ابْن زرقون أَيْضا. وَحكى الْعَلامَة بهْرَام فِي الْوَسِيط عَن ابْن زرقون قولا بِأَنَّهَا تَنْفَعهُ نِيَّته فإليك النّظر فِي أَي النقلين أَحَق، وَأما إِن لم يقطع بهَا لغيره حَقًا. فَأَقُول فَقيل على نِيَّة الْحَالِف، وَقيل إِن طلب بِالْيَمِينِ فعلى نِيَّة الْمَحْلُوف لَهُ، وَإِن كَانَ مُتَطَوعا فعلى نِيَّة الْحَالِف وَقيل بِالْعَكْسِ انْظُر (ح) والشامل فِي بَاب الْيَمين. وَمَا يَقِلُّ حَيْثُ كَانَ يَحْلِفُ فيهِ وَبالله يَكُونُ الْحَلِفُ (وَمَا) مُبْتَدأ (يقل) عَن ربع دِينَار صلته (حَيْثُ كَانَ) الْحَالِف (يحلف فِيهِ) خبر الْمُبْتَدَأ والظرف يتَعَلَّق بِهِ أَي يحلف الرجل فِي مَكَانَهُ المقضى عَلَيْهِ فِيهِ وَالْمَرْأَة فِي بَيتهَا، وَظَاهره أَنه لَا يلْزمه قيام وَلَا اسْتِقْبَال وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي التَّبْصِرَة وَأَشَارَ لبَقيَّة صفة الْيَمين بقوله: (وَبِاللَّهِ يكون الْحلف) أَي صفة الْيَمين الْمُغَلَّظَة أَن يَقُول فِي الْجَامِع قَائِما مُسْتَقْبلا: بِاللَّه الَّذِي لَا إل ﷺ ١٦٤٨ - ; هـ إِلَّا هُوَ وَيكون مضارع كَانَ التَّامَّة وَتَقْدِيم معمولها يُؤذن بالحصر أَي يُوجد الْحلف بِاللَّه لَا بِغَيْرِهِ من أَسْمَائِهِ تَعَالَى كَقَوْلِه: بالرحمن الَّذِي لَا إل ﷺ ١٦٤٨ - ; هـ إِلَّا هُوَ وَلَا بِغَيْر أَسْمَائِهِ تَعَالَى كالنبي والكعبة وَالْعرش والكرسي وكل مَخْلُوق مُعظم شرعا وَأَحْرَى غير الْمُعظم كاللات والعزى فَلَا تُوجد وَلَا تَنْعَقِد، بل يحرم الْحلف بهَا فضلا عَن كَونهَا تقطع الْحُقُوق لقَوْله ﵊: (من كَانَ حَالفا

стр. 239

ً فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت) ، بل إِن قصد بِالْحلف بالعزى وَنَحْوهَا التَّعْظِيم فَكفر وَمَا مرّ من جَوَاز التَّحْلِيف بِالطَّلَاق هُوَ من بَاب قَوْلهم تحدث للنَّاس أقضية، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُنَافِي هَذَا مَا أَشَارَ لَهُ فِي اللامية بقوله: وَمن يحلف بِلَا من لَهُ الْعلَا أعَاد بِقرب لكَون مَا هُنَا فِيمَا إِذا كَانَ بِحكم لكَون الْحَالِف لَا ينزجر إِلَّا بِهِ فَكَانَت يَمِينا جازية فِي الْقرب والبعد بِخِلَاف مَا فِي اللامية فَإِنَّهُ لَيْسَ من الْبَاب الْمَذْكُور لكَون الْحَالِف مِمَّن ينزجر بِالْيَمِينِ بِاللَّه وَلم تكن بِحكم. هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَالله أعلم على أَن مَا ذكره فِي اللامية أَصله لِابْنِ سهل. قَالَ ابْن رحال فِي حَاشِيَته: هُنَا مَا لِابْنِ سهل. إِنَّمَا هُوَ من بَاب إِسْقَاط الْإِنْسَان حَقه إِن كَانَ عَالما فَلَا إِشْكَال وَإِلَّا فَهُوَ مفرط فِي السُّؤَال اه. وَتَأمل قَوْله: وَإِلَّا فَهُوَ مفرط الخ. مَعَ أَن من ادّعى الْجَهْل فِيمَا يجهله أَبنَاء جنسه صدق، وَقَول النَّاظِم: بِاللَّه يَعْنِي مَعَ صفته فَهُوَ من بَاب الِاقْتِصَار على صدر القَوْل لشهرته كَقَوْلِه ﵊: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إل ﷺ ١٦٤٨ - ; هـ إِلَّا الله) يَعْنِي بآخرها وَهُوَ مُحَمَّد رَسُول الله، وَقَوله: من قَرَأَ الْحَمد لله رب الْعَالمين يُرِيد إِلَى آخرهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن الْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب الْمَنْصُوص كَمَا للمازري وَغَيره أَنه لَا يَكْفِي بِاللَّه فَقَط وَلَا بِالَّذِي لَا إل ﷺ ١٦٤٨ - ; هـ إِلَّا هُوَ فَقَط حَتَّى يجمع بَينهمَا خلافًا للخمي فِي قَوْله: إِنَّهَا كَافِيَة فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا. قَالَ: لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنَّهَا يَمِين تكفر إِن حنث فِيهَا. ابْن عَرَفَة: لَا يلْزم من كَونهَا تكفر أَن تجزي فِي قطع الْحُقُوق لاخْتِصَاص يَمِين الْخُصُومَة بالتغليظ، وَلَا مَفْهُوم للباء فِي قَوْله بِاللَّه بل غَيرهَا من حُرُوف الْقسم كالواو وَالتَّاء وَنَحْوهمَا كَذَلِك انْظُر (ح) ثمَّ إِن الِاقْتِصَار على بِاللَّه مَعَ صفته وَلَو كَانَ الْحَالِف كتابياً هُوَ الْمَشْهُور، وَقيل لَا يقْتَصر الكتاني على ذَلِك كَمَا قَالَ:

стр. 240

وَبَعْضُهُمْ يزيدُ لِلْيَهُودِي مُنَزِّلُ التَّوْرَاةِ لِلَّتشْدِيدِ (وَبَعْضهمْ) مُبْتَدأ (يزِيد لِلْيَهُودِيِّ) فِي يَمِينه على بِاللَّه الَّذِي لَا إل ﷺ ١٦٤٨ - ; هـ إِلَّا هُوَ (منزل التَّوْرَاة) على مُوسَى (للتشديد) عَلَيْهِ ومنزل مفعول يزِيد وَالْجُمْلَة خبر. كَمَا يَزِيدُ فيهِ للتَّثْقِيلِ عَلَى النَّصَارَى مُنْزِلَ الإنْجِيلِ (كَمَا يزِيد) الْبَعْض الْمَذْكُور (فِيهِ) أَي فِي الْيَمين (للتثقيل على النَّصَارَى منزل الْإِنْجِيل) على عِيسَى وَالْقَوْل بِزِيَادَة مَا ذكر رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن مَالك. وَكَانَ القَاضِي أَبُو عبد الله الأبدي يغلظ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي تسميها الْيَهُود المجلجلة فينكلون عَن الْيَمين بهَا ويستخرج الْحق بِسَبَب ذَلِك لكَوْنهم يعظمونها أَكثر من غَيرهَا، وَكَذَا يُقَال فِي النَّصَارَى إِذا كَانُوا يعظمون بعض أَنَاجِيلهمْ أَكثر من غَيره، وَهَذَا هُوَ الْحق لِأَن الْمدَار فِي الْأَيْمَان على مَا يعظمه الْحَالِف فَيحمل الْخلاف على مَا إِذا كَانَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يرتهبون بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَة وإلاَّ وَجَبت، كَمَا أَن أهل الْبَلَد من الْمُسلمين إِذا كَانُوا يعظمون مَسْجِد من مَسَاجِدهمْ أَكثر مِمَّا يعظمون جامعهم فَإِنَّهُم يجبرون على الْحلف بِهِ كَمَا لِابْنِ نَاجِي وَغَيره، وَمن أَبى ذَلِك عد ناكلاً كَمَا مر، بل تقدم أَنه إِذا كَانَ لَا يرتهب إِلَّا بِالطَّلَاق أَو بالمصحف كلفه الْحَاكِم بذلك وَالله أعلم وَمَا مر من أَنَّهُمَا لَا يزيدان على الْمَوْصُوف وَالصّفة شَيْئا وإنهما لَا بُد أَن يجمعا بَينهمَا كَالْمُسلمِ هُوَ ظَاهر الْمُدَوَّنَة (خَ) وتؤولت على أَن النَّصْرَانِي يَقُول بِاللَّه فَقَط أَي لأَنهم لَا يوحدون كاليهود وعَلى أَنَّهُمَا مَعًا يَقُولَانِ بِاللَّه لَا غير وَالْكَاف للتشبيه وَمَا مَصْدَرِيَّة والمجرورات الثَّلَاث تتَعَلَّق بِيَزِيد وَهل يجمع الْمَجُوسِيّ بَين الصّفة والموصوف كَالْمُسلمِ والكتابي أَو يقْتَصر على بِاللَّه؟ قَولَانِ. أرجحهما الثَّانِي وَلَا يكون وَاحِد مِنْهُم مُؤمنا بِسَبَب الْيَمين الْمَذْكُورَة، وَمَا يُقَال من أَن الْمَجُوسِيّ يَنْفِي الصَّانِع فَلَا يُكَلف أَن يحلف بِاللَّه غير سديد لِأَن الصَّانِع مِمَّا اتّفقت فِيهِ الْملَل كلهَا على وجوده كَمَا للتفتازاني وَغَيره.

стр. 241

وَجُمْلَةُ الكُفَّارِ يَحْلِفُونَا أَيْمَانَهُمْ حَيْثُ يُعَظِّمُونَا (وَجُمْلَة الْكفَّار) من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَغَيرهم (يحلفونا أَيْمَانهم) الْوَاجِبَة عَلَيْهِم لمُسلم أَو كَافِر (حَيْثُ يعظمونا) من الْأَمْكِنَة كالكنيسة لِلْيَهُودِيِّ والبيعة لِلنَّصْرَانِيِّ وَبَيت النَّار للمجوسي، وَمن ذَلِك يَوْم السبت كَمَا فِي الدَّعَاوَى والأيمان من المعيار وَنَحْوه لِابْنِ هِلَال فِي نوازله، وَهُوَ ظَاهر النّظم، وَظَاهره أَنهم يجبرون على الْقيام والاستقبال لقبلتهم وَمن كَانَ مِنْهُم بالبادية لَا يجد موضعا يعظمه يجلب لأَقْرَب مَوضِع يعظمه وإلاَّ حلف حَيْثُ هُوَ وَأَنَّهَا لَا تغلظ عَلَيْهِ بذلك إِلَّا فِي ربع دِينَار فَأكْثر وَجُمْلَة يحلفُونَ خبر عَن قَوْله جملَة والظرف يتَعَلَّق بِهِ وَجُمْلَة يعظمون فِي مَحل جر بِحَيْثُ. وَلما أفهم كَلَامه فِيمَا مر أَن التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ غير مُعْتَبر أَفَادَ أَنه قد يغلظ بِهِ فِي بعض الْحُقُوق فَقَالَ: وَمَا كَمِثْلِ الدَّمِ وَاللِّعَانِ فِيهِ تَحَرِّي الْوَقْتِ والْمَكَانِ (وَمَا) كَانَ من الْأَيْمَان فِي الْحُقُوق الْعِظَام (كَمثل الدَّم) أَي الْقسَامَة أَو تَحْلِيف الْقَاتِل الْوَلِيّ على الْعَفو (وَاللّعان فِيهِ) خبر عَن قَوْله (تحري الْوَقْت) وَالْجُمْلَة خبر مَا، وَظَاهره أَن التَّغْلِيظ بِالْوَقْتِ فِي هذَيْن وَاجِب بِالْقضَاءِ لمن طلبه، وَحكي عَلَيْهِ فِي الشَّامِل الِاتِّفَاق فَقَالَ: وغلظت على مُسلم فِي دم ولعان بِجَامِع وَوقت صَلَاة اتِّفَاقًا وَنَحْوه فِي ضيح، وَنقل ابْن عَرَفَة ذَلِك عَن ابْن حبيب، وَابْن الْقَاسِم وَأصبغ وَابْن كنَانَة إِلَّا أَنه ألحق فِي رِوَايَة ابْن كنَانَة المَال الْعَظِيم بهما وَنَحْوه فِي الْجَوَاهِر، وَظَاهر الْمُدَوَّنَة عدم التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ فيهمَا كَمَا لِابْنِ نَاجِي، وَالَّذِي فِي المعونة أَن التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ فيهمَا مُسْتَحبّ وَنَحْوه لِابْنِ فَرِحُونَ فِي تبصرته عَن مَالك فِي غير الْمُدَوَّنَة وَهُوَ الْمُوَافق لقَوْل (خَ) فِي اللّعان، وَندب أثر صَلَاة، وَذكر ابْن نَاجِي فِي شرح الْمُدَوَّنَة عَن ابْن رشد، أَن كَون الْقسَامَة بعد صَلَاة الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة كَمَا قيل: هُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَل قَالَ ابْن رحال: وَاللّعان مثلهَا كَمَا لَا يخفى وَظَاهر مَا بِهِ الْعَمَل أَنه على وَجه الْوُجُوب كَمَا هُوَ ظَاهر النَّقْل يَعْنِي الْمُتَقَدّم عَن ابْن كنَانَة وَغَيره فيتحصل ثَلَاثَة أَقْوَال: وجوب التَّغْلِيظ كَمَا هُوَ ظَاهر المُصَنّف وَبِه الْعَمَل وَعَدَمه لظَاهِر الْمُدَوَّنَة وَهُوَ ظَاهر (خَ) فِي مُخْتَصره فِي الشَّهَادَات واستحبابه كَمَا فِي المعونة وَعَلِيهِ عول (خَ) فِي اللّعان، وَإِنَّمَا خصوا الْعَصْر بِمَا ذكر لما رُوِيَ أَن الْأَيْمَان بعد الْعَصْر لَيست لَهَا تَوْبَة. وَرُوِيَ الْأَيْمَان تكون بعد الظّهْر وَالْعصر فِي الْقسَامَة وَاللّعان وَالْعصر أشدهما قَالَه فِي

стр. 242

الوثائق الْمَجْمُوعَة. (وَالْمَكَان) عطف على الْوَقْت، وَالْمرَاد بِهِ الْجَامِع أَي أعظم موَاضعه كَمَا مرّ. وَفِي الرجراجي مَا نَصه: فَأَما أَيْمَان الْقسَامَة وَاللّعان فتغلظ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان فَمن كَانَ من أهل مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس فَإِنَّهُم يجلبون إِلَيْهَا حَيْثُمَا كَانُوا، وَأما أهل الْآفَاق فَإِن كَانَت مواضعهم قريبَة كالعشرة أَمْيَال جلبوا إِلَيْهَا وَاخْتلف فِيمَا فَوق الْعشْرَة الخ. فَالْمُرَاد بِالْمَكَانِ الْجَامِع أَي أعظم موَاضعه كَمَا مر، وَمَفْهُومه أَنَّهَا لَا تغلظ فِي غير مَا ذكر بِالزَّمَانِ وَقد تقدم مَا فِي ذَلِك فَانْظُرْهُ. وَهْيَ يَمِينُ تُهْمَةٍ أَوِ الْقَضَا أَوْ مُنْكِرٍ أَوْ مَعَ شَاهِدٍ رِضَا (وَهِي) أَي الْيَمين المتوجهة بالحكم فَهِيَ مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي أَرْبَعَة أَقسَام (يَمِين تُهْمَة) بدل مفصل من الْخَبَر الْمَذْكُور وَهِي المتوجهة فِي الدَّعْوَى غير المحققة على الْمَشْهُور من أَقْوَال تَأتي وإيجابها اسْتِحْسَان كَمَا لِابْنِ رشد قَالَ: وَالْقِيَاس عدم وُجُوبهَا لقَوْله ﵇: (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر) . (أَو) يَمِين (القضا) ء وَهِي المتوجهة على من ادّعى على ميت أَو غَائِب أَو صَغِير أَو مِسْكين أَو مَسْجِد اسْتِحْسَانًا أَيْضا، وَمِنْهَا المتوجهة فِي اسْتِحْقَاق غير الْعقار أَو فِيهِ على مَا لناظم الْعَمَل حَيْثُ قَالَ: كَذَا فِي الِاسْتِحْقَاق لِلْأُصُولِ القَوْل بِالْيَمِينِ من مَعْمُول وَإِنَّمَا كَانَت مِنْهَا كَمَا لِابْنِ رشد وَغَيره لِأَن كلَا مِنْهُمَا لرفع احْتِمَال الْقَضَاء أَو الْخُرُوج عَن الْيَد فهما لرد دَعْوَى مقدرَة كَمَا مرّ فِي أول أَنْوَاع الشَّهَادَة (أَو) يَمِين (مُنكر) وَهِي المتوجهة لرد دَعْوَى مُحَققَة لقَوْله ﵇: (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر) . كَمَا تقدم عِنْد قَوْله: وَالْمُدَّعِي مطَالب بِالْبَيِّنَةِ إِلَى قَوْله وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ الخ (أَو) يَمِين (مَعَ شَاهد رضَا) قَامَ للْمُدَّعِي فِي المَال أَو مَا يؤول إِلَيْهِ الْخَبَر: أَمرنِي جِبْرِيل أَن أَقْْضِي بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين. وَقد تقدم الْخلاف فِيهِ عِنْد قَوْله: ثَانِيَة توجب حَقًا مَعَ قسم. الخ. وَفَائِدَة تعداد هَذِه الْأَيْمَان كَمَا للشَّارِح تَمْيِيز بَعْضهَا من بعض لما يعرض لَهَا من قلب وَنَحْوه حَسْبَمَا ترَاهُ إِن شَاءَ الله. وَمحل وجوب الْيَمين مَعَ الشَّاهِد إِذا لم يقر الْخصم بعدالته وإلاَّ فَلَا يَمِين لِأَن إِقْرَاره بِالْعَدَالَةِ كَالْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَفِي الشُّهُود يحكم القَاضِي بِمَا الخ. وَفِي ابْن سهل لَو قَالَ: رضيت بِشَهَادَة فلَان فَشهد عَلَيْهِ فَإِن أنكر شَهَادَته فِي الْحِين وَقَالَ: ظَنَنْت أَنه لَا يشْهد إِلَّا بِالْحَقِّ فَلَا تمضى شَهَادَته عَلَيْهِ وَإِن لم يُنكر بل سكت سكُوتًا يدل على رِضَاهُ بِشَهَادَتِهِ مَضَت عَلَيْهِ اه.

стр. 243

وَلما فرغ من أقسامها شرع فِي بَيَان مَحل وجوب كل قسم مِنْهَا على اللف والنشر الْمُرَتّب فَقَالَ: وَتُهْمَةٌ إنْ قَويتْ بِهَا تَجِبْ يَمِينُ مَتْهُومٍ وَلَيْسَتْ تَنقَلِبْ (وتهمة) لَو فَرعه بِالْفَاءِ لَكَانَ أولى وَهُوَ مُبْتَدأ سوغه قَوْله (إِن قويت) لِأَن الشَّرْط فِي معنى الصّفة أَي وتهمة قَوِيَّة (بهَا) يتَعَلَّق بقوله: (تجب يَمِين متهوم) فَاعل. وَالْجُمْلَة خبر وَمَفْهُوم الشَّرْط أَنَّهَا تسْقط إِذا ضعفت فَفِي نَوَازِل الدَّعَاوَى والأيمان من المعيار عَن العبدوسي أَن التُّهْمَة على قسمَيْنِ تُهْمَة فِي دَعْوَاهَا معرة كالاتهام بِالسَّرقَةِ فَهَذِهِ لَا تلْحق من لَا تلِيق بِهِ مِمَّن شهد فِيهِ بِالْخَيرِ ومخالطة أَهله ومجانبة أهل الشَّرّ وتهمة فِي غير ذَلِك، فَهَذِهِ تلْحق الْيَمين فِيهَا جَمِيع النَّاس برهم وفاجرهم على القَوْل بِالْيَمِينِ فِي التُّهْمَة وَهُوَ الْمَشْهُور، وَبِه الْقَضَاء وَعَلِيهِ الْعَمَل. وَاسْتحْسن ابْن رشد أَنَّهَا إِن قويت لحقت وإلاَّ فَلَا وَهُوَ قَول ثَالِث. وَهَذَا يعرف عِنْد نُزُوله فَلَا بُد من بَيَان التُّهْمَة الَّتِي اتهمَ الْمَطْلُوب بهَا وَبَيَان حَاله من التبريز فِي الْعَدَالَة أَو مُطلق الْعَدَالَة ومعرفته بِالْخَيرِ ومخالطته أَهله دون ثُبُوت تَزْكِيَة بِحَيْثُ لَا يكون مَا شهد بِهِ تَزْكِيَة لَهُ أَو جهل حَاله أَو مَعْرفَته بِالشَّرِّ وَسُوء الظنة اه. وَقَوله: فَلَا بُد الخ. بِهِ تتضح قُوَّة التُّهْمَة وَعدمهَا وَيفهم مِنْهُ أَن المبرز فِي الْعَدَالَة لَا يَمِين عَلَيْهِ كَانَت الدَّعْوَى مِمَّا فِيهِ معرة أم لَا. وتتوجه على غَيره بِمَا لَا معرة فِيهِ مُطلقًا. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوص لمَالِك فِي الْمَبْسُوط وَهُوَ اخْتِيَار اللَّخْمِيّ، وَبِه أفتى الغوري حَسْبَمَا فِي المعيار، وَعَلِيهِ يحمل قَول ابْن مَرْزُوق فِي جَوَاب لَهُ. الرَّاجِح عِنْدِي فِي هَذَا الْوَقْت وجوب الْيَمين أَي يَمِين التُّهْمَة مُطلقًا إِذا تقرر هَذَا فقوة التُّهْمَة مُخْتَلف فقوتها فِيمَا فِيهِ معرة بِكَوْنِهَا على من تلِيق بِهِ فَلَا تلْزم إِلَّا من كَانَ مَعْرُوفا بِالشَّرِّ وَسُوء الظنة وقوتها فِيمَا لَا معرة فِيهِ بِكَوْنِهَا على غير المبرز فِي الْعَدَالَة الْمُنْقَطع فِي الْخَيْر وَالصَّلَاح. وَقَول النَّاظِم: إِن قويت يَشْمَل الصُّورَتَيْنِ، وَكَذَا قَول ناظم الْعَمَل: وَدون تَحْقِيق الدَّعَاوَى أَيْمَان تهمته تقوى لغير مختان وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاض خلافًا لما فِي الشُّرَّاح من أَنه درج على مَا لِابْنِ رشد وَإِن كَانَ مَا لِابْنِ رشد هُوَ قَول (خَ) فِي الْإِيدَاع وَحلف الْمُتَّهم وَهُوَ دَلِيل شفعتها فِي الشَّفِيع يَقُول: أَخَاف أَن يكون قد بَاعه فِي السِّرّ وَأشْهد لَهُ بالصداقة ليقطع شفعتي قَالَ مَالك: إِن كَانَ المُشْتَرِي مِمَّن لَا يتهم بِمثل هَذَا فَلَا يَمِين وَإِلَّا حلف اه. وَعَلِيهِ حمل ابْن فَرِحُونَ قَول أبي الْحسن الصَّغِير الْمَشْهُور وجوب الْيَمين بِمُجَرَّد التُّهْمَة لِأَنَّهُ قَالَ عقبه: الظَّاهِر أَنه يُرِيد بعد إِثْبَات كَون الْمُدعى عَلَيْهِ مِمَّن تلْحقهُ التُّهْمَة بذلك ثمَّ نقل عَن ابْن الْهِنْدِيّ أَن الْمَطْلُوب لَا يحلف فِي التُّهْمَة حَتَّى يثبت الطَّالِب أَنه مِمَّن يتهم بذلك، فَهَذَا القَوْل وَإِن كَانَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة وَاخْتِيَار ابْن رشد وشهره أَبُو الْحسن على مَا اسْتَظْهرهُ ابْن فَرِحُونَ لَا يَنْبَغِي حمل النَّاظِم عَلَيْهِ، وَالْفرق بَينه وَبَين الَّذِي قبله أَن مَا لَا معرة فِيهِ تتَوَجَّه فِيهِ الْيَمين على الأول مُطلقًا وَلَا يسْتَثْنى من ذَلِك إِلَّا المبرز بِخِلَافِهِ على هَذَا، فَلَا تتَوَجَّه إِلَّا على من ثبتَتْ تهمته، وَالْقَوْل الثَّالِث عدم توجه يَمِين التُّهْمَة مُطلقًا. وَفِي الطرر

стр. 244

لأبي إِبْرَاهِيم فِي بَاب الْوكَالَة أَنه الْمَشْهُور نَقله فِي التَّبْصِرَة وَهُوَ الْمُوَافق لقَوْل النَّاظِم فِيمَا مرّ تحقق الدَّعْوَى مَعَ الْبَيَان الخ. وعَلى توجهها مُطلقًا أَو فِي الْمُتَّهم فَإِن نكل غرم بِمُجَرَّد نُكُوله على الْمَشْهُور. (وَلَيْسَت تنْقَلب) على الطَّالِب بِالنّكُولِ وَلَا بِصَرِيح الْقلب على الْمَشْهُور، وَقيل تنْقَلب وَيحلف على غَلَبَة ظَنّه وَقيل لَا غرم عَلَيْهِ بِالنّكُولِ بل يسجن أبدا حَتَّى يحلف ثمَّ الْمُسلمُونَ فِي دَعْوَى الْغَصْب والتعدي محمولون على الْعَدَالَة حَتَّى يثبت خلَافهَا أَي: وهم فِي الشَّهَادَة على الجرحة حَتَّى تثبت الْعَدَالَة قَالَه ابْن لبَابَة وَغَيره، وتأمله مَعَ قَول العبدوسي: فَمن شهد فِيهِ بِالْخَيرِ الخ. فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي أَنهم فِيمَا فِيهِ معرة محمولون على غير الْعَدَالَة، وَشَمل قَول النَّاظِم: وتهمة الخ. مَا قَالَه ابْن زرب وَكَانَ يحكم بِهِ، وَيَقُول: إِنَّه من الدقائق كَمَا فِي التَّبْصِرَة والمعيار وَهُوَ أَن الرجل إِذا ادّعى على آخر بِدَعْوَى تُهْمَة فَإِن للمطلوب أَن لَا يحلف حَتَّى يحلف الْمُدَّعِي أَنه قد ضَاعَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ، لِأَن من حجَّته أَن يَقُول: اتهمتك بِأَنَّهُ لم يضع لَك شَيْء وَإِنَّمَا تُرِيدُ أَن تخرجني بِالْيَمِينِ انْتهى بِاخْتِصَار. وَبِالْجُمْلَةِ فَكل مِنْهُمَا اتهمَ الآخر وَيفهم من تَعْلِيله أَنه لَا خُصُوصِيَّة للاتهام بِعَدَمِ الضّيَاع بل كَذَلِك لَو سلم لَهُ الضّيَاع واتهمه بِعَدَمِ الاتهام، وَقد يُقَال: إِن هَذَا يُؤَدِّي للتسلسل فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَشَمل قَوْله: وَلَيْسَت تنْقَلب يَمِين الْقَضَاء وَيَمِين الِاسْتِحْقَاق لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا يَمِين بتهمة، وَشَمل أَيْضا مَا لَو مَاتُوا فِي سجن أَو بَيت فَسرق أحدهم فَلَيْسَ على من عداهُ إِلَّا الْيَمين فَإِن حلفوا برئوا وَمن نكل فَعَلَيهِ الْغرم بِمُجَرَّد نُكُوله، وَقَوله: وَلَيْسَت تنْقَلب يُرِيد على الْوَجْه الَّذِي تَوَجَّهت، وَأما على غَيره فتنقلب، فَإِذا خلا الرجل بِزَوْجَتِهِ وَمَات وَطلبت بَاقِي صَدَاقهَا واتهمت الْوَرَثَة بِأَنَّهُم يعلمُونَ بَاقِيه فَإِن حلفوا وإلاَّ ردَّتْ عَلَيْهَا من غير خلاف، وَلَكِن لَا تحلف أَنهم عالمون بِهِ بل تحلف أَنَّهَا مَا قَبضته وَلَا أسقطته، فَهَذِهِ ترجع على غير مَا نكل عَنهُ الْوَرَثَة، وَكَذَا إِذا اتهمَ رجل آخر بِالسَّرقَةِ مثلا فَإِن للمطلوب أَن يَقُول لَهُ احْلِف أَنْت أَنه لقد ضَاعَ لَك مَا تدعيه وَأَنَّك تتهمني بِهِ وَأَنا أغرمها لَك فَلهُ ردهَا بِهَذَا الْمَعْنى، كَمَا أفتى بِهِ ابْن المكوي وَغَيره، وَحكم بِهِ عِيَاض كَمَا فِي دعاوى المعيار وَلَيْسَ لَهُ ردهَا على حسب مَا تَوَجَّهت فَيَقُول احْلِف أَنِّي قد سرقتها وأغرمها لَك وَيُمكن أَن يكون هُوَ معنى قَول الْعَمَل: وَقل لَهُ احْلِف لي قد اتهمتني وَأَنه ضَاعَ الَّذِي ألزمتني

стр. 245

وَأَن يَمِين التُّهْمَة ترد بِهَذَا الْمَعْنى دون غَيره، وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَن للمتهم أَن يَقُول للطَّالِب لَا أَحْلف حَتَّى تحلف على مَا ذكر كَمَا مرّ عَن ابْن زرب إِلَّا أَنه لَيْسَ فِي كَلَام ابْن زرب زِيَادَة الْحلف على التُّهْمَة فيترجح الْحمل الأول، وَعَلِيهِ فَإِنَّمَا احْتِيجَ لتِلْك الزِّيَادَة لِإِمْكَان كَون الطَّالِب عرف آخذ مَتَاعه أَو لم يعرفهُ واتهم بِهِ غير هَذَا الْمَطْلُوب، وَلَكِن أَرَادَ تَعْيِينه بِالْيَمِينِ مَعَ علمه ببراءته. قلت: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه إِذا سلم لَهُ الضّيَاع ونازعه فِي الاتهام فَقَط لَهُ أَن يحلفهُ عَلَيْهِ وَيغرم، وَهُوَ كَذَلِك إِذْ ذَاك حق من حُقُوقه وَعَلِيهِ فغالب دعاوى الاتهام أَو كلهَا ترد فِيهَا الْيَمين بِهَذَا الْمَعْنى، فَلِلْمُشْتَرِي فِي مَسْأَلَة الشُّفْعَة الْمُتَقَدّمَة أَن يَقُول: احْلِف أَنَّك اتهمتني بِالشِّرَاءِ وَخذ بِالشُّفْعَة وَله أَن يَقُول فِي الرَّد بِالْعَيْبِ: احْلِف أَنَّك اتهمتني باستخدام الدَّابَّة أَو الرَّقِيق بعد علمي بعيبهما وَأسْقط عَنْك الرَّد، وَهَكَذَا فَترد الْيَمين فِي ذَلِك كُله على غير مَا تَوَجَّهت. ثمَّ أَشَارَ إِلَى بَيَان مَحل يَمِين الْقَضَاء فَقَالَ: وَلِلَّتِي بِهَا الْقَضَا وُجُوبُ فِي حَقِّ مَنْ يُعْدَمْ أَوْ يَغِيبُ (وللتي بهَا القضا) ء مُبْتَدأ خَبره فِي الْمَجْرُور وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول وَفِي الْكَلَام حذف أَي ولليمين الَّتِي بهَا نفي الْقَضَاء، وَالْمرَاد بِالْقضَاءِ قَضَاء الدّين وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَنَفَقَة الزَّوْجَة لَا الحكم (وجوب) مُبْتَدأ خَبره الْمَوْصُول الْمَجْرُور (فِي حق من يعْدم) بِفَتْح الدَّال صلَة من وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر (أَو يغيب) مَعْطُوف أَي غيبَة بعيدَة وَلَو حكما وَقد تسْقط وَذَلِكَ فِيمَا إِذا أوصى أَن يقْضِي دينه من ثلثه قَالَه ابْن الْهِنْدِيّ وَنَحْوه لِابْنِ سَلمُون وَكَذَا إِن أقرّ بديون لقوم وَأوصى أَن يصدقُوا بِدُونِ يَمِين على قَول ابْن الْقَاسِم كَمَا فِي اللامية، وَأفهم قَوْله: وجوب أَن من دفع دينا على ميت أَو غَائِب دون يَمِين ضمنه وَهُوَ كَذَلِك إِن تَعَذَّرَتْ يَمِين الْقَابِض وَظَاهره كَغَيْرِهِ وُجُوبهَا وَلَو غَابَ قبل حُلُول الْأَجَل وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهَا للتُّهمَةِ، وَقيل لَا يَمِين عَلَيْهِ. وَانْظُر

стр. 246

(ح) فِي بَاب الصُّلْح وَأَن الْوَكِيل لَيْسَ لَهُ أَن يُصَالح عَنْهَا إِذا لم يُفَوض لَهُ فِيهِ بِخِلَاف الْوَصِيّ، فَلهُ ذَلِك إِن رأى عَزِيمَة عَلَيْهَا. وَنقل ذَلِك الْبُرْزُليّ فِي الوكالات مَبْسُوطا وَفِي نَوَازِل الدَّعَاوَى من المعيار هَل القَاضِي كَالْوَكِيلِ فِي ذَلِك أَو كالمديان؟ وَفهم من قَوْله: فِي حق من يعْدم الخ. أَنَّهَا لَا تجب فِي حق الْحَيّ الْحَاضِر إِلَّا إِن ادّعى الْقَضَاء وَهُوَ كَذَلِك، وَقَوله: يعْدم أَي يَمُوت وَلَا يقْرَأ بِكَسْر الدَّال لِأَن الْمُفلس وَإِن كَانَ يحلف مَعَ بَينته، لَكِن لَيْسَ حلفه لنفي الْقَضَاء، وَهَذِه الْيَمين لرد دَعْوَى مقدرَة كَمَا مرّ فَيحلف مَا قبضت من هَذَا الدّين شَيْئا وَلَا استحلت بِهِ وَلَا أحلّت بِهِ أحدا وَلَا وهبته وَلَا شَيْئا مِنْهُ وَلَا قدمت أحدا يقبضهُ مِنْهُ وَأَنه لباق عَلَيْهِ إِلَى الْآن، فَإِن مَاتَ رب الدّين فيحلفها من يظنّ بِهِ الْعلم من الْوَرَثَة الْكِبَار فَقَط لَكِن يحلف على نفي الْعلم فَقَط كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَإِن نفى فالنفي للْعلم كفى. وَظَاهر النّظم وُجُوبهَا وَلَو للْوَلَد على وَالِده كَالْمَرْأَةِ تطلب دينهَا على زَوجهَا الْمَيِّت وَالْمُحِيط بإرثه هِيَ وَأَوْلَادهَا فَقَط، وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي الْبُرْزُليّ قَائِلا لِأَنَّهَا مدعية فحكمت السّنة بحلفها، وَظَاهره أَنَّهَا تجب وَلَو ثَبت الدّين بِإِقْرَار مَاتَ بإثره وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيل الْمُتَقَدّم من أَنَّهَا فِي مُقَابلَة دَعْوَى الْإِبْرَاء والإخالة وَنَحْوهمَا، وَهَذَا وَاضح إِذا أقرّ بِشَيْء فِي ذمَّته وَأما إِن أقرّ بِشَيْء معِين فَلَا إِشْكَال فِي عدم يَمِينه وَعَلِيهِ يحمل مَا فِي (ح) . وَقد صرح بذلك فِي الْبَاب الْخَامِس من الْقسم الثَّانِي من التَّبْصِرَة فَانْظُرْهُ فِيهِ، وَظَاهره أَيْضا وُجُوبهَا. وَلَو أقرّ الْوَرَثَة الْكِبَار بِبَقَاء الدّين وَهُوَ كَذَلِك إِن كَانَ الْإِقْرَار بعد الرّفْع للْحَاكِم فَإِن أقرُّوا قبله فَكَذَلِك وَيضمن الدَّافِع حِصَّة الصغار إِن دفع بِدُونِهَا. تَنْبِيه: فَإِذا اشْترط رب الدّين سُقُوط هَذِه الْيَمين فَذَلِك جَائِز فِي صلب عقد البيع وَمَا جانسه لَا فِي الْقَرْض مُطلقًا لِأَنَّهُ فِي العقد سلف جر نفعا وَبعده هَدِيَّة مديان كبعد العقد فِي البيع وَنَحْوه. انْظُر التَّبْصِرَة فِي الْبَاب التَّاسِع وَالْعِشْرين وَانْظُر التزامات (ح) فَإِنَّهُ ذكر فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال يفرق فِي الثَّالِث بَين أَن يكون الْمُشْتَرط مَأْمُونا فيوفى لَهُ بِالشّرطِ وإلاَّ فَلَا. وَذكر عَن ابْن نَاجِي أَن الْعَمَل على القَوْل بأعمال الشَّرْط مُطلقًا، وَذكر هُوَ أَن القَوْل بِعَدَمِ أَعماله أرجح، وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الصُّلْح وَالضَّمان. وَلَا تُعَادُ هـ ﷺ ١٦٤٨ - ; ذِهِ الْيَمِينُ بَعْدُ وَإنْ مَرَّ عَلَيْهَا حينُ (وَلَا تُعَاد هَذِه) نَائِب الْفَاعِل (الْيَمين) نعت أَو عطف بَيَان أَو بدل (بعد) بِالضَّمِّ مَقْطُوع عَن

стр. 247

الْإِضَافَة يتَعَلَّق بتعاد (وَإِن مر عَلَيْهَا حِين) فَاعل بقوله: مر، وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِهِ، وَالْوَاو للْمُبَالَغَة أَي لَا تُعَاد يَمِين الْقَضَاء على الطَّالِب بعد حَلفهَا وَلَو مضى زمَان طَوِيل بَين حَلفهَا وَدفع الدّين لعدم طروء الشَّك الْمُوجب لَهَا، إِذْ الْفَرْض أَنه لَا زَالَ غَائِبا، وَفهم مِنْهُ أَنه إِذا قدم بعد الْحلف ثمَّ غَابَ قبل الدّفع أَو بعد مَا بَين نُجُوم الدّين بِحَيْثُ يُمكن أَن يكون اقْتضى النَّجْم الثَّانِي أَو وكل عَلَيْهِ فتعاد وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الشَّك حِينَئِذٍ حَاصِل كَمَا كَانَ أول مرّة. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا حلف الطَّالِب يَمِين الْقَضَاء وَبَاعَ الْحَاكِم عقار الْغَائِب وَنَحْوه للدّين فَقدم الْغَائِب وَأثبت الْبَرَاءَة، فَإِن البيع لَا ينْقض وَيرجع بِالثّمن على الْغَرِيم إِلَّا أَن يكون الْمَبِيع لم يتَغَيَّر عَن حَاله فَيكون أَحَق بِهِ بِالثّمن على الرَّاجِح كَمَا يَأْتِي فِي فصل البيع على الْغَائِب إِن شَاءَ الله. الثَّانِي: إِذا وقف القَاضِي مَتَاع الْغَائِب لقَضَاء دينه فَغَاب رب الدّين وَقدم الْغَائِب فِي حَال غيبته وَادّعى الملاء فَدفع القَاضِي لَهُ المَال الْمَوْقُوف فهرب بِهِ ثمَّ قدم رب الدّين فَإِن لرب الدّين الرُّجُوع على القَاضِي لِأَنَّهُ دفع مَا لَا تعلق بِهِ حق الْغَيْر تعلق اسْتِيفَاء كالأمين فِي الرَّهْن قَالَه فِي المعيار. الثَّالِث: لَو ادّعى رب الدّين أَن للْغَائِب مَالا بيد رجل وَدِيعَة أَو بوكالة وَأثبت ذَلِك فَإِن أقرّ من هُوَ بِيَدِهِ أَنه للْغَائِب قضى مِنْهُ دينه بعد الْيَمين قَالَه سَحْنُون، وَعَلِيهِ الْعَمَل. وَنقل عَنهُ ابْن اللباد أَنه لَا يقْضِي مِنْهُ دينه وَهُوَ قَول ابْن الْمَوَّاز وَابْن عبد الحكم قَالَ أَبُو عمرَان: وَهُوَ الْقيَاس لِأَنَّهُ لَو حضر الْغَائِب وَقَالَ: الْوَدِيعَة لغيري لم يكن لرب الدّين فِيهَا شَيْء قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. قلت: وَهَذَا الْخلاف لَو ادّعى رب الدّين على شخص أَنه وهب مَالا للْغَائِب فِي حَال غيبته وَأثبت ذَلِك أَو سَأَلَ يَمِين الْوَاهِب فَإِنَّهُ لَا يقْضى لَهُ بِشَيْء من ذَلِك إِذْ لَا يدْرِي هَل يقبل الْغَائِب الْهِبَة فَتكون من مَاله أم لَا؟ وَهُوَ لَا يجْبر على قبُولهَا لقَضَاء الدّين قَالَه فِي المعيار وَهُوَ معنى قَول (خَ) : وَلَا يلْزم أَي الْمُفلس بتكسب أَو تسلف الخ. وَهَذِه الْفُرُوع وَإِن كَانَ لَهَا تعلق بفصل الْغَائِب الْآتِي فلهَا تعلق بِمَا هُنَا أَيْضا لِأَن نفس الْيَمين لَهَا تعلق بِهِ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى يَمِين الْمُنكر فَقَالَ: وِلْيَمِين أيُّمَا إعْمَالِ فِيمَا يَكُونُ مِنْ دَعَاوى المالِ (ولليمين) خبر (أَيّمَا أَعمال) صفة لمبتدأ مَحْذُوف وَمَا صلَة أَي ولليمين أَعمال أَي أَعمال (فِيمَا) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر (يكون) مضارع كَانَ التَّامَّة (من دعاوى المَال) يتَعَلَّق بِهِ وَشَمل قَوْله دعاوى دَعْوَى تعمير الذِّمَّة أَو إخلائها كَقَوْلِه: قضيتك أَو دَعْوَى البيع أَو الشِّرَاء أَو الْإِجَارَة أَو الْعَارِية وَنَحْو ذَلِك فَإِن القَوْل لمنكر العقد إِجْمَاعًا مَعَ يَمِينه بِدَلِيل الِاسْتِثْنَاء الْآتِي، وَمَا فِي التَّبْصِرَة من أَنه لَا يَمِين على مُنكر عقد البيع وَالْمُسَاقَاة وَالشَّرِكَة لَا معول عَلَيْهِ وَلَعَلَّه مَبْنِيّ

стр. 248

على القَوْل بِاشْتِرَاط الْخلطَة. وَقَوله: المَال أَي مَا يؤول إِلَيْهِ كالأجل وَالْخيَار وَنَحْوهمَا كَمَا مرّ. وَظَاهر قَوْله فِي المَال: وَلَو أدّى لغير المَال كدعوى الْمكَاتب على سَيّده أَدَاء نجم وَنَحْوه وَهُوَ كَذَلِك كَمَا مرّ عِنْد قَوْله ثَانِيَة توجب حَقًا مَعَ قسم. وَاحْترز بقوله: المَال من دعاوى غير المَال كدعوى الشتم أَو ادَّعَت الزَّوْجَة أَن زَوجهَا يضْربهَا كَمَا فِي ابْن سَلمُون فِي شَرط الضَّرَر، وَانْظُر الْفَائِق. وَقد تقدم أَن مَا لَيْسَ بِمَال وَلَا آيل إِلَيْهِ لَا يَمِين فِيهِ وَيسْتَثْنى من ذَلِك جراح الْعمد فَتجب فِيهَا الْيَمين وَإِن لم تكن مَالا وَلَا آيلة إِلَيْهِ وَيدخل فِيهِ مَا إِذا طلب مِنْهُ الْيَمين على مَال أنكرهُ فِيهِ، فَزعم الْمَطْلُوب أَنه قد كَانَ حلف. (خَ) وَله يَمِينه أَنه لم يحلفهُ أَولا. الخ. الْمَازرِيّ وَبِه الْفَتْوَى وَالْقَضَاء عندنَا وَله رد الْيَمين عَلَيْهِ أَنه قد استحلفه ثمَّ لَا يحلف مرّة أُخْرَى اه. وَأفْتى اللَّخْمِيّ بِأَن لَا يَمِين على الطَّالِب. وَاخْتَارَهُ ابْن رحال وَعَلِيهِ درج ناظم الْعَمَل حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَمِين حَيْثُ قَالَ احْلِف لي إِنَّك مَا حلفتني من قبلي قلت: وَفِيه مُرَاعَاة دَعْوَى أحد الْخَصْمَيْنِ دون الآخر بِلَا دَلِيل وَلَا مُرَجّح، فَالْوَاجِب التَّمَسُّك بِمَا للمازري ثمَّ اسْتثْنى من عُمُوم قَوْله: فِيمَا يكون من دعاوى المَال. قَوْله: إلاَّ بِمَا عُدَّ مِنَ التَّبَرُّعِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الحَالِ عِنْدَ المُدَّعِي (إِلَّا) اسْتثِْنَاء وَالْبَاء فِي قَوْله (بِمَا) بِمَعْنى فِي وَجُمْلَة (عد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صلَة وَالتَّقْدِير إِلَّا فِي الدَّعَاوَى الَّتِي تعد (من التَّبَرُّع) كدعوى الْهِبَة وَالصَّدَََقَة فَلَا يَمِين فِيهَا على الْمَشْهُور خلافًا للجلاب فِي أَنَّهَا تتَوَجَّه فِي التَّبَرُّع فَإِن نكل الْمَطْلُوب حلف الطَّالِب وَأَخذه وَشَمل قَوْله: التَّبَرُّع دَعْوَى هبة الْيَمين وإبرائه مِنْهَا، وَلَا سِيمَا إِن علم تقدم الْخِصَام بَينهمَا كَمَا فِي نَوَازِل الدَّعَاوَى والأيمان من المعيار والتبرع مَا كَانَ من غير سُؤال، والتطوع مَا كَانَ عَن سُؤال وَكِلَاهُمَا مَعْرُوف قَالَه أَبُو الْحسن فِي بَاب الْحمالَة، والناظم أطلق التَّبَرُّع على مَا يعم التَّطَوُّع (مَا) ظرفية مَصْدَرِيَّة (لم يكن) صلتها أَي مُدَّة عدم وجوده (فِي الْحَال) أَي حَال الدَّعْوَى (عِنْد الْمُدَّعِي) وَفِي حوزه وإلاَّ وَجَبت الْيَمين حِينَئِذٍ كَانَت الدَّعْوَى فِي معِين أَو فِي الذِّمَّة. ابْن عَرَفَة عَن الْبَاجِيّ دَعْوَى الْمَدِين هبة رب الدّين دينه توجب يَمِينه اتِّفَاقًا. قلت: وَكَذَا من ادّعى هبة مَا بِيَدِهِ من معِين اه. الْبَاجِيّ: ويصحح هَذَا أَن من اسْتحق عرضا بيد رجل لَا يحكم لَهُ بِهِ حَتَّى يحلف أَنه مَا بَاعَ وَلَا وهب الخ. وَشَمل كَلَام النَّاظِم النحلة وَالْعَارِية والإسكان والعمرى والإخدام وَالْحَبْس وَالْوَصِيَّة فَلَا يَمِين فِي ذَلِك كُله إِلَّا أَن يكون بيد الْمُدَّعِي حَال التداعي قَالَه الرعيني، قَالَ: وَقد قَالَ مَالك فِيمَن تصدق بِنَخْل مثمر فَقَالَ الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ الثَّمَرَة لي، وَقَالَ الآخر: إِنَّمَا تَصَدَّقت بِالْأَصْلِ دون الثَّمَرَة إِن القَوْل للمتصدق بِيَمِينِهِ

стр. 249

وَإِلَّا حلف الآخر وَأخذ الثَّمَرَة اه بِاخْتِصَار. وَلَا يدْخل فِي كَلَامه الْقَرْض وَالْحوالَة وَالْكَفَالَة بعد العقد وَالْإِقَالَة على الثّمن الأول وَإِن كَانَ الْكل مَعْرُوفا إِذْ التَّبَرُّع هُوَ مَا لَا مُعَاوضَة فِيهِ، وَهَذِه فِيهَا مُعَاوضَة إِذْ أدنى مراتبها الْكفَالَة وَهِي يرجع فِيهَا بِمَا أدّى. وَلما لم تدخل هَذِه فِي كَلَامه نبه على لُحُوق بَعْضهَا بالتبرع على مَا أفتى بِهِ ابْن عتاب وَابْن الْقطَّان فَقَالَ: وَفي الإقَالَةِ ابْنُ عَتَّابِ يرى ﷺ ١٦٤٨ - ; وُجُوبِهَا بشُبْهة مُعْتَبَرا (وَفِي الْإِقَالَة ابْن عتاب) مُبْتَدأ وَجُمْلَة (يرى) خَبره (وُجُوبهَا) مفعول أول وَفِي الْإِقَالَة يتَعَلَّق بِهِ أَو بيرى (بِشُبْهَة) يتَعَلَّق بقوله: (مُعْتَبرا) بِفَتْح الْبَاء مفعول ثَان وَمن بعض النّسخ لشُبْهَة بِاللَّامِ بدل الْبَاء فمعتبراً بِكَسْرِهَا حَال وَهُوَ أظهر من نُسْخَة الْبَاء، قَالَ ابْن رشد فِي نوازله: أما دَعْوَى الْإِقَالَة فَمن دَعْوَى الْمَعْرُوف، وَقد اخْتلف فِيهَا شُيُوخنَا فَمنهمْ من ذهب إِلَى أَن مَا وَقع من ذَلِك فِي الْأُمَّهَات اخْتِلَاف قَول وَأَنَّهَا مَسْأَلَة ذَات قَوْلَيْنِ من غير تَفْصِيل، وَمِنْهُم من قَالَ لَيْسَ ذَلِك باخْتلَاف بل الْمُدعى فِيهِ إِن كَانَ بيد الْمُدَّعِي أَو كَانَ لَهُ بِهِ تشبث وَجَبت لَهُ الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَإِلَّا لم تجب وَهُوَ تَفْصِيل حسن لَهُ وَجه من النّظر وَهُوَ مُرَاعَاة الْخلاف فِي

стр. 250

وجوب الحكم بِمَا لم يقبض من الهبات، فَالْأَظْهر فِي دَعْوَى الْإِقَالَة وجوب الْيَمين إِذْ لَا اخْتِلَاف فِي وجوب الحكم بهَا إِلَّا أَن يَدعِي أَنه أقاله فِيهَا قبل التَّفَرُّق بالأبدان فتضعف الْيَمين مُرَاعَاة لمن يَقُول: إِن البيع لَا يلْزم إِلَّا بالتفرق بالأبدان انْتهى من نُسْخَة أندلسية فِي غَايَة الْجَوْدَة، وَسقط من نُسْخَة الشَّارِح الَّتِي بيدنا قَوْله: بِمَا لم يقبض إِلَى قَوْله بهَا. وَزَاد بعد قَوْله بالأبدان مَا نَصه: وَكَانَ ابْن عتاب يَقُول: لَا تجب الْيَمين لمُدعِي الْإِقَالَة إِلَّا أَن يَأْتِي بِشُبْهَة يُقَوي بهَا دَعْوَاهُ، وشاهدته يُفْتِي بذلك وَقَالَ فِي ذَلِك اخْتِلَاف، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن الْقطَّان يُفْتِي أَن لَا يَمِين إِلَّا بِشُبْهَة اه. إِذا تقرر هَذَا علمت أَن مَا أفتى بِهِ ابْن عتاب هُوَ عين التَّفْصِيل الَّذِي حَكَاهُ ابْن رشد عَن بعض شُيُوخه، وَعلمت أَن ابْن رشد استظهر وُجُوبهَا مُطلقًا، وَعَلِيهِ اقْتصر الرعيني فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار، وَصدر بِهِ ابْن فَرِحُونَ فِي تبصرته وَهُوَ مَا رَجحه الشَّارِح تبعا لِابْنِ سهل فَلَو قَالَ النَّاظِم: وَفِي الْإِقَالَة وُجُوبهَا ثَبت فِي رَاجِح الْأَقْوَال كَيْفَمَا أَتَت وَانْظُر مَا معنى التشبث وَلَعَلَّه يُرِيد كَونه بيد وَكيله أَو غُلَامه أَو بعض قرَابَته الَّذِي يسْعَى فِي مَصَالِحه، وَقَول ابْن رحال يُرِيد بِهِ الدّين غير ظَاهر، وَمعنى قَول ابْن رشد مُرَاعَاة الْخلاف فِي وجوب الحكم الخ أَن الْهِبَة الَّتِي لم تقبض فِيهَا قَولَانِ لُزُومهَا بالْقَوْل وَهُوَ الْمَشْهُور وَعدم لُزُومهَا بِهِ حَتَّى تقبض وَهُوَ مُقَابِله، وَهَذَا الْخلاف لَا يجْرِي فِي الْإِقَالَة للزومها بالْقَوْل قبضت أم لَا اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا بيع. قلت: وَهَكَذَا يُقَال فِي الْقَرْض لِأَنَّهُ بيع فِي الْحَقِيقَة، وَأما الْحِوَالَة فَهِيَ وَإِن كَانَت بيعا لَكِن صرح الرعيني بِعَدَمِ وجوب الْيَمين فِيهَا، وَلَعَلَّ وَجهه كَمَا لأبي الْعَبَّاس الملوي فِي بعض طرره إِن من حجَّة الْمَطْلُوب وَهُوَ الْمحَال عَلَيْهِ أَن يَقُول: هَب أَن الْيَمين تَوَجَّهت لَك عَليّ وَاعْتَرَفت لَك بالحوالة فَإِن دفع المَال إِلَيْك لَا يُوجب بَرَاءَة ذِمَّتِي من طلب رب الدّين وَهُوَ الْمُحِيل، وَلَا أتكلف الدّفع إِلَيْك مَعَ عدم بَرَاءَة ذِمَّتِي وَفِي الْوكَالَة من الْبُرْزُليّ: لَو قَالَ لفُلَان عَليّ دين أَمر هَذَا بِقَبْضِهِ لم يحكم على الْمقر بِدَفْعِهِ لِأَنَّهُ مقرّ على رب الدّين وَذَلِكَ غير لَازم لَهُ، وَأما الْكفَالَة فَصرحَ فِي معاوضات المعيار بِأَن الْمَشْهُور عدم توجه الْيَمين عَلَيْهِ فِيهَا قَائِلا لِأَنَّهَا من دَعْوَى الْمَعْرُوف كالتبرع وَالصَّدَََقَة اه. وَفِي الْمُدَوَّنَة وجوب الْيَمين فِيهَا بِشَرْط ثُبُوت الْخلطَة، وَصدر ابْن سَلمُون بِأَنَّهُ إِن ادّعى عَلَيْهِ أَنه تكفل لَهُ فِي صلب العقد وَجَبت الْيَمين، وَإِن ادّعى عَلَيْهِ التَّبَرُّع بعد العقد فَلَا يَمِين. قلت: وَهَذَا الَّذِي صدر بِهِ لَا يُخَالف الْمُدَوَّنَة لِأَنَّهُ يلْزم من الدَّعْوَى بهَا فِي صلب العقد الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِمَعْرِِفَة أصل الدّين فَهُوَ يَدعِي عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بهَا وبمعرفته لأصلها، وَوجه ابْن يُونُس ظَاهر الْمُدَوَّنَة بِأَن الطَّالِب يَقُول إِنَّمَا وثقت بمبايعة من لَا أعرف لكفالتك إِيَّاه، فَلذَلِك وَجَبت الْيَمين اه. وَهَذَا التَّوْجِيه يدل على أَن كَلَامهَا فِي الدَّعْوَى فِي أصل العقد فَتبين بِهَذَا كُله رُجْحَان مَا صدر بِهِ ابْن سَلمُون من التَّفْصِيل، وَلَا سِيمَا على مَا بِهِ الْعَمَل من عدم اشْتِرَاط الْخلطَة وَهُوَ ظَاهر إِذا ثَبت أصل الْحق وَلَو بالاعتراف من الْكَفِيل، وَإِلَّا فَمن حجَّته أَن يَقُول لَا شَيْء لَك عَلَيْهِ مِمَّا تدعيه إِذْ فَائِدَة الْيَمين تظهر فِي النّكُول عَنْهَا، وَهُوَ لَو نكل عَنْهَا وَالدّين لم يثبت لم يلْزمه غرم، وَقد قَالَ الجزيري: لَا مُطَالبَة لرب الدّين على الْحميل إِلَّا بعد ثُبُوت الدّين، فَإِن عجز وَزعم أَن الْحميل يعرف الدّين حلف الْحميل على علمه وبرىء فَإِن نكل حلف الطَّالِب أَن الْحميل يعرف حَقه قبل الْغَرِيم وَغرم، فَإِذا وجد الْحميل الْغَرِيم فَإِن أقرّ لَهُ غرم وَإِلَّا حلف وبرىء وَلَا رُجُوع حِينَئِذٍ للحميل على الطَّالِب اه. تَنْبِيه: فَإِن اتفقَا على الْإِقَالَة وَزعم البَائِع أَنه أقاله على أَنه يرد لَهُ أقل من الثّمن فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ أَنه أقاله بِمثل الثّمن قَالَه فِي التَّبْصِرَة. وتستثنى هَذِه مِمَّا يَأْتِي فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين فِي قدر الثّمن وَالله أعلم. وَه ﷺ ١٦٤٨ - ; ذِهِ الْيَمِينُ حَيْثُ تَجِبُ يَسُوغُ قَلْبُها ومَا إنْ تُقْلَبُ (وَهَذِه) مُبْتَدأ (الْيَمين) نعت أَو عطف بَيَان (حَيْثُ) ظرف مضمن معنى الشَّرْط (توجب) بِضَم التَّاء وَفتح الْجِيم فِي مَحل جر بِحَيْثُ أَي: هَذِه الْيَمين إِن أوجبهَا الْحَاكِم على الْمُنكر فِي المَال أَو مَا يؤول إِلَيْهِ (يسوغ) لَهُ (قَلبهَا) فَاعل وَالْجُمْلَة خبر فَإِن حلف من قلبت عَلَيْهِ وَإِلَّا سقط حَقه
следующие страницы →