Полный текст (1 359 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
تحلف بعد لعان الزَّوْج فَتَقول: أشهد بِاللَّه مَا رَآنِي أزني أَو مَا زَنَيْت أَربع مَرَّات، وَأَن هَذَا الْحمل مِنْهُ كَذَلِك أَو تَقول: لقد كذب فيهمَا أَربع مَرَّات أَيْضا وَتصل خامستها بغضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين أَو إِن صدق فَتبين أَنه لَا بُد من لفظ أشهد فِي حق الزَّوْج وَالزَّوْجَة خلافًا لظَاهِر النّظم، وَمن لفظ اللّعان فِي حق الزَّوْج وَالْغَضَب فِي حق الزَّوْجَة (خَ) وَوَجَب أشهد واللعن وَالْغَضَب وبأشرف الْبَلَد وبحضور جمَاعَة أقلهَا أَرْبَعَة وَندب إِثْر صَلَاة وتخويفها وخصوصاً عِنْد الْخَامِسَة وَالْقَوْل بِأَنَّهَا مُوجبَة الْعَذَاب الخ. (ثمَّ) عاطفة (إِذا) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه (تمّ اللّعان) فعل وفاعل فِي مَحل جر بِإِضَافَة إِذا (افْتَرقَا) فعل وفاعل جَوَاب إِذا وألفه للتثنية أَي: إِذا تمّ التعانهما على الصّفة الْمُتَقَدّمَة وَقعت الْفرْقَة بَينهمَا بِلَا طَلَاق كَانَ قبل الْبناء أَو بعده وَلها نصف الصَدَاق إِن كَانَ قبل الْبناء كَمَا مر، وَظَاهره أَنه بِمُجَرَّد تَمام الالتعان تقع الْفرْقَة من غير حكم وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور. وَيَسْقُطُ الحَدُّ وَيَنْتَفِي الولَدْ ويحْرُمُ العَوْدُ إلَى طُوله الأَمَدْ (وَيسْقط الْحَد) فعل وفاعل (وينتفي الْوَلَد وَيحرم الْعود) جملتان معطوفتان على الأولى (إِلَى طول الأمد) يتَعَلَّق بيحرم أَي بِتمَام اللّعان يَقع الْفِرَاق وَيسْقط حد الزِّنَا عَنْهُمَا وَيَنْقَطِع نسب الْوَلَد من الزَّوْج وَيحرم عَلَيْهِمَا الْعود للنِّكَاح أبدا، لَكِن ظَاهره أَن نفي الْوَلَد يتَوَقَّف على لعان الزَّوْجَة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل بِمُجَرَّد لعان الزَّوْج يَنْقَطِع نسبه مِنْهُ وَإِن لم تلاعن هِيَ بل نكلت وَحِينَئِذٍ فلعان الزَّوْج تنبني عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَحْكَام: دَرْء الْحَد عَنهُ كَمَا مر فِي قَوْله: وَيبدأ الزَّوْج بالالتعان لدفع حد الخ. وَنفي الْوَلَد عَنهُ وَإِيجَاب الْحَد على الْمَرْأَة إِن لم تلاعن. وَهَذِه الثَّلَاث مفهومة من قَول النَّاظِم: لتدرأ الْحَد الخ. وَيَنْبَنِي على لعان الزَّوْجَة ثَلَاثَة أَيْضا وُقُوع الْفَسْخ بِلَا طَلَاق، وَسُقُوط الْحَد عَن الزَّوْجَة وتأبيد الجرمة (خَ) وبالتعانهما تأبيد جرمتها، وَإِن ملكت أَو أنفش حملهَا أَي لاحْتِمَال أَن تكون أسقطته فَقَوله: وَيسْقط الْحَد الخ. مُسْتَغْنى عَنهُ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ سُقُوط الْحَد عَنهُ فقد قدمه فِي قَوْله: لدفع حد وَإِن أَرَادَ سُقُوط الْحَد عَنْهَا فقد قدمه أَيْضا فِي قَوْله لتدرأ الْحَد وَالله أعلم. والفَسْخُ مِنْ بَعْدِ اللِّعَانِ مَاضِي دُونَ طَلَاقٍ وبِحُكْمِ القَاضي (وَالْفَسْخ) مُبْتَدأ (من بعد اللّعان) يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ قَوْله (مَاض دون طَلَاق) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال من الضَّمِير فِي مَاض. (وبحكم) مَعْطُوف على دون وَالْبَاء بِمَعْنى مَعَ (القَاضِي)
стр. 527
مُضَاف إِلَيْهِ وَالْمعْنَى أَن فرقة المتلاعنين هِيَ فسخ بِلَا طَلَاق كَمَا مرّ، لَكِن مَعَ حكم القَاضِي فَلَا تقع حَتَّى يحكم بهَا وَمَا ذكر من توقفها على حكم الْحَاكِم وَإِن قَالَه ابْن الْقَاسِم ضَعِيف، وَالْمذهب مَا تقدم من أَن النِّكَاح يفْسخ بَينهمَا بِغَيْر طَلَاق بِمُجَرَّد تَمام اللّعان كَمَا أَفَادَهُ أَولا. فَلَو اسْتغنى عَن هَذَا بِمَا مر لكفاه، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَن يُشِير إِلَى أَن فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ وَأَن القَوْل بتوقفها على الحكم وَإِن لم يكن مَشْهُورا لَا يَنْبَغِي إهمال ذكره كل الإهمال لكَونه قوي الْحجَّة لما ورد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ للمتلاعنين: (قوما فقد فرقت بَيْنكُمَا وَوَجَبَت النَّار لأحدكما) فلولا أَن الْفَسْخ يحْتَاج إِلَى حكم مَا قَالَ فقد فرقت بَيْنكُمَا، وَيحْتَمل وَهُوَ الظَّاهِر أَن قَوْله: وبحكم القَاضِي رَاجع لأصل اللّعان أَي لَا يُوجب التَّأْبِيد وَالْفَسْخ إِلَّا إِذا كَانَ بِحكم قَاض كَمَا مر فِي حد ابْن عَرَفَة. ومُكْذِبٌ لِنَفْسِهِ بَعْدُ التَحِقْ وَلَدُهُ وَحُدَّ والتَّحْرِيمُ حَقْ (ومكذب) من أكذب الرباعي مُبْتَدأ سوغه كَونه صفة وَتعلق (لنَفسِهِ بعد) بِهِ أَي وملاعن مكذب لنَفسِهِ بعد التعانهما (الْتحق وَلَده) فعل وفاعل خبر الْمُبْتَدَأ والعائد مَحْذُوف أَي بِهِ (وحد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه ضمير المكذب، وَالْجُمْلَة معطوفة على الْخَبَر والمعطوف على الْخَبَر خبر (وَالتَّحْرِيم) مُبْتَدأ (حق) فعل مَاض بِمَعْنى وَجب خَبره وَالْجُمْلَة معطوفة على الَّتِي قبلهَا أَيْضا. ورَاجِعٌ قَبْلَ التَّمامِ مِنْهُمَا يُحَدُّ والنِّكاحُ لَنْ يَنْفَصما (وراجع) مُبْتَدأ سوغه مَا تقدم (قبل التَّمام مِنْهُمَا) يتعلقان بِهِ وَجُمْلَة (يحد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر (وَالنِّكَاح) مُبْتَدأ (لن ينفصما) خَبره وألفه للإطلاق، وأصل الفصم الْقطع بِلَا إبانة، وَأما القصم بِالْقَافِ فَهُوَ الْقطع مَعَ الْإِبَانَة وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَن عدم فسخ النِّكَاح. وَحَاصِل الْبَيْتَيْنِ أَن الْملَاعن المكذب لنَفسِهِ بعد تَمام اللّعان بَينهمَا يلْحق بِهِ وَلَده الَّذِي نَفَاهُ بِاللّعانِ وَيحد لاعْتِرَافه بقذفها وَلها الْعَفو عَنهُ، وَأما تأبيد التَّحْرِيم الْحَاصِل بَينهمَا فَوَاجِب لَا يرْتَفع بتكذيبه لنَفسِهِ، وَمَفْهُوم بعد أَنه إِذا كذب أَحدهمَا نَفسه قبل التَّمام وَهُوَ معنى قَوْله: وراجع الخ. فَإِنَّهُ يحد حد الْقَذْف إِن رَجَعَ هُوَ أَو حد الزِّنَا إِن رجعت هِيَ وَالنِّكَاح لَا يَنْفَسِخ فَمن مَاتَ مِنْهُمَا وَلَو بِالْحَدِّ وَرثهُ الآخر. وسَاكِتٌ والحَمْلُ حَمْلٌ بَيِّنُ يُحَدُّ مُطْلَقاً وَلا يَلْتَعِنُ
стр. 528
(وَسَاكِت) مُبْتَدأ سوغه كَونه صفة لمَحْذُوف أَي وَزوج قَاذف سَاكِت (وَالْحمل) مُبْتَدأ (حمل) خَبره (بَين) صفة لَهُ وَالْجُمْلَة حَالية والرابط الْوَاو (يحد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول نَائِبه ضمير السَّاكِت وَالْجُمْلَة خبر عَن السَّاكِت (مُطلقًا) حَال (وَلَا يلتعن) جملَة معطوفة على جملَة الْخَبَر والمعطوف على الْخَبَر خبر إِذْ يَصح أَن يُقَال: والساكت لَا يلتعن الخ. وَالْمعْنَى أَن الْحمل إِذا كَانَ بَينا ظَاهرا بِالزَّوْجَةِ وَسكت عَنهُ الزَّوْج مُدَّة بعد علمه بِهِ، ثمَّ أَرَادَ أَن يَنْفِيه بِلعان فَإِنَّهُ لَا يُمكن من اللّعان وَيحد مُطلقًا طَال سُكُوته كالشهر أم لم يطلّ كَالْيَوْمِ واليومين كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة مَا لم يسكت لعذر، وَهَذَا إِذا ثَبت سُكُوته بعد الْعلم بِهِ بِإِقْرَار أَو بَيِّنَة على أَن علمه بِهِ لَا يعلم إِلَّا من قَوْله: وَسَاكِت الخ. وَأَحْرَى الْوَطْء لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مُجَرّد السُّكُوت بعد الْعلم بِالْحملِ يمْنَع من اللّعان فأحرى الْوَطْء، وَإِن لم يَصْحَبهُ سكُوت. وَقَوله: حمل بَين وَأَحْرَى السَّاكِت بعد الْوَضع. وَمِثْلُهُ الواطِىءُ بَعْدَ الرُّؤْيَهْ وَيُلْحَقُ الوَلَدُ حَدَّ الفِرَّيَهْ (وَمثله) خبر عَن قَوْله (الواطىء بعد الرؤيه) يتَعَلَّق بالواطىء (وَيلْحق) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (الْوَلَد) نَائِبه (حد) مفعول مُطلق بيحد فِي الْبَيْت قبله (الفريه) مُضَاف إِلَيْهِ أَي يحد حد الْقَذْف، وَالْحَد فِي الواطىء بعد الرُّؤْيَة مَفْهُوم من قَوْله وَمثله الخ. وَقَوله: الْوَلَد رَاجع لَهما أَي السَّاكِت مَعَ علمه بِالْحملِ يحد حد الْفِرْيَة أَي الكذبة مُطلقًا وَمثله فِي وجوب الْحَد وَعدم التَّمْكِين من اللّعان الواطىء بعد رُؤْيَة الزِّنَا وَيلْحق الْوَلَد بِالزَّوْجِ فيهمَا. وَالْحَاصِل أَن الْحمل يمْنَع من اللّعان فِيهِ أحد أَمريْن: السُّكُوت أَو الْوَطْء، وَأما الرُّؤْيَة فَلَا يمْنَع من اللّعان فِيهَا إِلَّا الْوَطْء وَإِلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ أَشَارَ (خَ) بقوله: وَإِن وطىء أَو أقرّ بعد علمه بِوَضْع أَو حمل بِلَا عذر امْتنع الخ. وَإنْ تَضَعْ بَعْدَ اللِّعان لأَقَلْ مِنْ سِتةِ الأَشْهُرِ فالمَهْرُ بَطَلْ (وَأَن تضع) شَرط (بعد اللّعان لأَقل) يتعلقان بِهِ (من سِتَّة الْأَشْهر) يتَعَلَّق بِأَقَلّ (فالمهر) مُبْتَدأ خَبره (بَطل) وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط. ولَيْسَ للتَّحْرِيم مِنْ تَأْبيدِ إذِ النِّكاحُ كَانَ كالمَفْقُودِ (وَلَيْسَ) فعل نَاقص (للتَّحْرِيم) خَبَرهَا مقدم (من تأبيد) اسْمهَا جر بِمن الزَّائِدَة وَالْجُمْلَة
стр. 529
معطوفة على جملَة الْجَواب والمعطوف على الْجَواب جَوَاب (إِذْ) تعليلية يتنازعه قَوْله: بَطل والاستقرار فِي خبر لَيْسَ (النِّكَاح) مُبْتَدأ (كَانَ) فعل نَاقص وَاسْمهَا ضمير النِّكَاح (كالمفقود) خَبَرهَا. وَالْكَاف بِمَعْنى مثل، وَالْمعْنَى أَن من عقد على امْرَأَة وَقبل الدُّخُول بهَا أَو بعده ظهر بهَا حمل وَزَعَمت أَنه مِنْهُ فَأنكرهُ وتلاعنا فِيهِ بعد ثُبُوته كَمَا تقدم فِي قَوْله: وَمَا بِحمْل بِثُبُوتِهِ يَقع الخ. ثمَّ بعد اللّعان وَضعته كَامِلا لأَقل من سِتَّة أشهر من يَوْم العقد قلَّة بَيِّنَة كستة أشهر إِلَّا سِتَّة أَيَّام لَا خَمْسَة فَإِنَّهَا من حيّز السِّتَّة فَإِنَّهَا لَا مهر لَهَا وَإِن كَانَ دفع لَهَا نصفه استرده، وَأما الْمَدْخُول بهَا فلهَا الْمُسَمّى إِن لم تكن عَالِمَة بِالْحملِ وَلَا يتأبد عَلَيْهِ التَّحْرِيم فيهمَا من حَيْثُ اللّعان بل يتأبد عَلَيْهِ التَّحْرِيم فِي الثَّانِيَة من حَيْثُ الْوَطْء فِي الْعدة حَيْثُ لم تكن عَالِمَة كَمَا هُوَ الْمَوْضُوع، وإلاَّ فَلَا يتأبد، وَله العقد عَلَيْهَا بعد وَضعهَا كَمَا فِي المعيار فَانْظُرْهُ. وَعلة بطلَان الْمهْر فِي غير الْمَدْخُول بهَا وَعدم التَّأْبِيد فيهمَا أَن النِّكَاح بَينهمَا كَانَ مثل النِّكَاح الْمَفْقُود الَّذِي لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حكم لِأَنَّهَا بوضعها لأَقل من سِتَّة أشهر تبين فَسَاد العقد لكَونهَا فِي عدَّة اسْتِبْرَاء فَهِيَ غير زَوْجَة شرعا فَلَا أثر للعانهما وَلَا صدَاق فِيمَا فسخ قبل الدُّخُول، وَبِهَذَا التَّقْرِير علم أَن قَوْله: وَإِن تضع الخ. شَامِل للمدخول بهَا وَغَيرهَا. وَقَوله: فالمهر بَطل خَاص بِغَيْر الْمَدْخُول بهَا إِذْ الْمَدْخُول بهَا لَا يتَوَهَّم فِيهَا سُقُوط الْمهْر مَا لم تكن عَالِمَة وَحدهَا بحملها وَقت العقد أَو الدُّخُول وإلاَّ فَهِيَ غَارة لَا شَيْء لَهَا إِلَّا ربع دِينَار وَحِينَئِذٍ فَيكون قَوْله فالمهر بَطل رَاجعا لَهما بِقَيْد الْغرُور فِي الْمَدْخُول بهَا. وَقَوله: وَلَيْسَ للتَّحْرِيم الخ رَاجع لَهما أَيْضا وَالله أعلم. وَمَا ذكره النَّاظِم نَقله ابْن سَلمُون عَن ابْن الْمَاجشون، وَوَجهه ظَاهر كَمَا تقدم فِي حد ابْن عَرَفَة أول الْبَاب، لَكِن تَعْلِيل عدم التَّأْبِيد يكون النِّكَاح كالمفقود غير بَين لِأَن النِّكَاح الْمجمع على فَسَاده كالخامسة يتأبد فِيهِ التَّحْرِيم بِاللّعانِ كَمَا يدل عَلَيْهِ إِطْلَاق (خَ) فِي قَوْله: إِنَّمَا يُلَاعن زوج وَإِن فسد نِكَاحه. وَفِي قَوْله: وبالتعانهما تأبيد حرمتهما، وَقد حكى ابْن سَلمُون قَوْلَيْنِ فِي تأبيد التَّحْرِيم وَعَدَمه فِيمَا إِذا تلاعنا فِي نفي الْحمل بعد الْبَيْنُونَة، وَظَاهر كَلَامهم أَن التَّأْبِيد هُوَ الْمُعْتَمد وَإِن لم تكن لَهُ زَوْجَة وَقت اللّعان فَالْأولى أَو الْوَاجِب حِينَئِذٍ تَعْلِيل عدم التَّأْبِيد بتحقق نفي سَبَب اللّعان من كَون الْغَيْب كشف على أَن الْحمل لَيْسَ مِنْهُ قطعا، وَأَنه يَنْتَفِي بِلَا لعان كَمَا أَنه إِذا لَاعن فِي حمل وَتحقّق انفشاشه بعد فَلَا تأبيد أَيْضا فَيكون مَحل التَّأْبِيد فِي كَلَامهم مَا لم يكْشف الْغَيْب بصدقها أَو صدقه. نعم تَعْلِيل بطلَان الصَدَاق بِكَوْن النِّكَاح كالمفقود ظَاهر فِي غير الْمَدْخُول بهَا، وَأما الْمَدْخُول بهَا فعلته الْغرُور كَمَا مر، وَيُمكن تمشية النَّاظِم عَلَيْهِ بِأَن يَجْعَل قَوْله: إِذْ النِّكَاح الخ. تعليلاً لبُطْلَان الصَدَاق فَقَط فِي غير الْمَدْخُول بهَا فَقَط وَيكون ساكتاً عَن تَعْلِيل عدم التَّأْبِيد وَعَن تَعْلِيل بطلَان الصَدَاق فِي الْمَدْخُول بهَا وَالله أعلم.
стр. 530
(بَاب الطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَمَا يتَعَلَّق بهما)
وَالطَّلَاق لُغَة حل الوثاق يُقَال: أطلق الْفرس والأسير، وَفِي الشَّرْع رفع الْقَيْد الثَّابِت شرعا بِالنِّكَاحِ فَخرج بقوله: شرعا الْقَيْد الْحسي وَهُوَ حل الوثاق، وَبِقَوْلِهِ بِالنِّكَاحِ الْعتْق فَإِنَّهُ رفع قيد ثَابت شرعا لكنه لم يثبت بِالنِّكَاحِ قَالَه الْقُسْطَلَانِيّ. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: الطَّلَاق صفة حكمِيَّة ترفع حلية مُتْعَة الزَّوْج بِزَوْجَتِهِ مُوجب تكررها مرَّتَيْنِ للْحرّ وَمرَّة لذِي الرّقّ حرمتهَا عَلَيْهِ قبل زوج اه. فَقَوله: صفة جنس، وَقَوله حكمِيَّة أخرج بِهِ الصِّفَات الحسية لِأَن الطَّلَاق معنى تقديري اعتباري يقدره الشَّرْح وَالْعقل ويعتبره لَا حسي كَذَا تلقينا من بعض الْأَشْيَاخ، وَخرج بقوله: ترفع حلية الخ، الطَّهَارَة وَالْقَضَاء وَنَحْوهمَا. وَقَوله حلية لَا بُد من ذكرهَا لِأَن الْمُتْعَة لَا ترفع، وَإِنَّمَا يرفع الْمُتَعَلّق بهَا وَهُوَ الْحِلْية. وَبِقَوْلِهِ بِزَوْجَتِهِ حلية الْمُتْعَة بغَيْرهَا كالأمة. وَبِقَوْلِهِ مُوجب تكررها الخ. رفع الْحِلْية بهَا بِالدُّخُولِ فِي الْإِحْرَام بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة أَو بِالدُّخُولِ فِي الِاعْتِكَاف أَو الصَّلَاة وَنَحْو ذَلِك. فَقَوله: مُوجب بِالرَّفْع صفة للصفة جرت على غير من هِيَ لَهُ. وَفِي بعض النّسخ بِالنّصب على الْحَال من صفة أَو من ضمير ترفع وَأما الرّجْعَة بِكَسْر الرَّاء فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاء، وَفِي اللُّغَة بِالْفَتْح وَالْكَسْر فَقَالَ ابْن عَرَفَة: هِيَ رفع الزَّوْج أَو الْحَاكِم حُرْمَة الْمُتْعَة بِالزَّوْجَةِ بِطَلَاقِهَا فَتخرج الْمُرَاجَعَة لِأَن الرّجْعَة من الطَّلَاق الرَّجْعِيّ، والمراجعة من الْبَائِن، وَلذَلِك يعبرون فِيهَا بالمفاعلة الَّتِي لَا تكون إِلَّا من اثْنَيْنِ فِي الْغَالِب وَأدْخل بقوله: أَو الْحَاكِم صُورَة مَا إِذا طلق فِي الْحيض وَامْتنع من الرّجْعَة فَإِن الْحَاكِم يرتجعها لَهُ جبرا عَلَيْهِ وَيجوز لَهُ بهَا الْوَطْء كَمَا يَأْتِي فِي قَول النَّاظِم: وموقع الطَّلَاق دون طهر الخ. وَخرج بقوله حُرْمَة الخ. رفع الْحِلْية فَإِنَّهُ نفس الطَّلَاق كَمَا مر. وَبِقَوْلِهِ: بِطَلَاقِهَا الْمُتَعَلّق بِحرْمَة رفع حُرْمَة الظِّهَار بالتكفير، ثمَّ إِن الطَّلَاق على قسمَيْنِ: سني وبدعي، فالسني مَا اجْتمعت فِيهِ شُرُوط أَرْبَعَة وَمهما اخْتَلَّ وَاحِد مِنْهَا أَو كلهَا فبدعي كَمَا أَشَارَ لذَلِك النَّاظِم بقوله: مِنَ الطَّلاقُ الطَّلْقةُ السُّنِّيَّهْ إنْ حَصَلَتْ شُرُوطُها المَرْعيَّهْ (من الطَّلَاق) خبر مقدم (الطَّلقَة) مُبْتَدأ (السّنيَّة) نعت لَهُ (إِن حصلت) شَرط حذف جَوَابه للدلالة عَلَيْهِ (شُرُوطهَا) فَاعل (المرعية) نعت. وَهْيَ الوُقُوعُ حَالَ طُهْرٍ وَاحِدَهْ مِنْ غَيْرِ مَسَ وَارْتِدَافٍ زَائِدَهْ
стр. 531
(وَهِي) مُبْتَدأ عَائِد على الشُّرُوط (الْوُقُوع) خبر (حَال طهر) ظرف يتَعَلَّق بالوقوع أَي فِي وَقت الطُّهْر (واحده) بِالنّصب حَال أَو بِالرَّفْع عطف على الْوُقُوع بِحَذْف العاطف (من غير مس) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال بعد حَال أَو مَعْطُوف بِحَذْف العاطف (وارتداف) مَعْطُوف على مس (زائده) نعت لمَحْذُوف أَي: وارتداف طَلْقَة زَائِدَة، وَالْمعْنَى أَن الطَّلَاق السّني لَهُ شُرُوط أَولهَا أَن يوقعه فِي وَقت الطُّهْر لَا فِي وَقت الْحيض وَالنّفاس، وَأَن يكون طَلْقَة وَاحِدَة لَا أَكثر وَأَن لَا يكون مَسهَا أَي وَطئهَا فِي ذَلِك الطُّهْر الَّذِي طَلقهَا فِيهِ، وَأَن لَا يردف فِي الْعدة طَلْقَة زَائِدَة على الطَّلقَة الأولى، وَزَاد فِي التَّلْقِين شرطين آخَرين: أَن لَا يكون فِي طهر تالٍ لحيض طلق فِيهِ وأجبر على الرّجْعَة، وَأَن تكون الْمَرْأَة مِمَّن تحيض لَا يائسة أَو صَغِيرَة اه. ويغني عَن الثَّانِي قَوْله حَال طهر لِأَن الطُّهْر مَا تقدمته حَيْضَة وتأخرت عَنهُ أُخْرَى، وَذَلِكَ مَفْقُود فِي اليائسة وَالصَّغِيرَة، فَلَو أَرَادَ النَّاظِم الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك لقَالَ: مِمَّن تحيض لَيْسَ فِي طهر تبع طَلَاق مجبور على أَن يرتجع قَالَه (ت) وَحِينَئِذٍ فَإِن توفرت هَذِه الشُّرُوط الْخَمْسَة أَو السِّتَّة كَانَ الطَّلَاق سنياً أَو مَنْسُوبا لما أَذِنت فِيهِ السّنة وأباحته وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنه يكون مَعَ الشُّرُوط سنة يُثَاب على فعله كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، بل الْمَعْنى أَن السّنة وَالشَّرْع أذنا فِي فعله وَتَركه فَهُوَ مُبَاح الْفِعْل لَا راجحه وَفِي الحَدِيث: (أبْغض الْحَلَال إِلَى الله الطَّلَاق) . قَالَ الْخطابِيّ تَنْصَرِف الْكَرَاهَة هُنَا إِلَى السَّبَب الجالب للطَّلَاق وَهُوَ سوء الْعشْرَة وَقلة الْمُوَافقَة لِأَن الطَّلَاق مُبَاح قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. وَعَن عَليّ ﵁: تزوجوا وَلَا تطلقوا فَإِن الطَّلَاق يَهْتَز مِنْهُ الْعَرْش. وَعنهُ أَيْضا أَنه كَانَ يضجر من كَثْرَة تطليق ابْنه الْحسن فَكَانَ يَقُول فِي خطبَته على الْمِنْبَر: إِن حسنا رجل مطلاق فَلَا تنكحوه حَتَّى قَامَ رجل من هَمدَان فَقَالَ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لننكحنه مَا شَاءَ فَإِن أحب أمسك وَإِن أحب ترك. فسر بذلك عَليّ ﵁. فَإِن قيل: كَيفَ يكون أبْغض الْحَلَال إِلَى الله الطَّلَاق مَعَ أَن الله أَبَاحَهُ، وَفعله ﵊ فقد طلق حَفْصَة بنت عمر ﵄ ثمَّ ارتجعها بِأَمْر من الله تَعَالَى نزل جِبْرِيل ﵇ عَلَيْهِ أَن رَاجع حَفْصَة فَإِنَّهَا صَوَّامَة قَوَّامَة وَهِي زَوجتك فِي الْجنَّة خرجه غير وَاحِد كَمَا فِي ابْن حجر، وطلق الْعَالِيَة بنت ضبيان وَهِي الَّتِي كَانَ يُقَال لَهَا أم الْمَسَاكِين ونكحت فِي حَيَاته قبل أَن ينزل تَحْرِيم نِسَائِهِ. وَأجِيب بجوابين. أَحدهمَا: أَن البغض مَصْرُوف للسبب الجالب للطَّلَاق كَمَا مرّ، وَثَانِيهمَا لِابْنِ عَرَفَة أَن الْمَعْنى أقرب الْحَلَال إِلَى الله بغض الله الطَّلَاق فنقيضه أبعد عَن بغض الله فَيكون أحل من الطَّلَاق أَي: فَيكون تَركه عِنْد الله أولى
стр. 532
وأرجح، وَقد يعرض وُجُوبه كَمَا إِذا فسد مَا بَينهمَا وَلَا يسلم دينه مَعهَا وحرمته إِن خيف من ارتكابه وُقُوع كَبِيرَة، وكراهته إِن كَانَ كل مِنْهُمَا قَائِما بِحَق الآخر، واستحبابه إِن كَانَت غير صينة وَلم تتبعها نَفسه، وَأول من طلق إِسْمَاعِيل ﵇. ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى أَن الطَّلَاق السّني يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ فَقَالَ: مِنْ ذَاك بائِنٌ وَمِنْهُ رَجْعِي وَمَا عَدَا السُّنِّيّ فَهْوَ بِدْعي (من ذَاك بَائِن) مُبْتَدأ وَخبر ومثاله الطَّلقَة الْوَاحِدَة الَّتِي صادفت آخر الثَّلَاث فَهِيَ من حَيْثُ وجود تِلْكَ الشُّرُوط سنية، وَمن حَيْثُ إِنَّهَا صادفت آخر الثَّلَاث بَائِنَة فقد نقل اللَّخْمِيّ عَن أَشهب جَوَاز طَلَاق الْوَاحِدَة المصادفة لآخر الثَّلَاث فَتكون سنية بَائِنَة إِذْ لَا تحل لَهُ بهَا إِلَّا بعد زوج، وَكَذَا الطَّلَاق بعوض وَهُوَ طَلَاق الْخلْع مَعَ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة فَهُوَ سني بَائِن، وَأما فِي الْحيض فَهُوَ بدعي بَائِن كَكَوْنِهِ بِلَفْظ الْخلْع بِغَيْر عوض أَو بِلَفْظ التَّمْلِيك كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَام النَّاظِم الْآتِي فِي قَوْله: مِنْهُ مملك وَمِنْه الخلعي الخ. وَطَلَاق غير الْمَدْخُول بهَا وَلَو فِي الْحيض على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم سني بَائِن. وَقَالَ أَشهب: بل هُوَ فِي الْحيض بدعي بَائِن كَمَا نقل الشَّارِح. قلت: وَهُوَ ظَاهر النّظم لِأَنَّهُ أطلق فِي تِلْكَ الشُّرُوط فَلم يفرق فِيهَا بَين مَدْخُول بهَا وَغَيرهَا. (وَمِنْه الرَّجْعِيّ) كطلقة بعد الْبناء بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَة لم تصادف الثَّلَاث (وَمَا) مَوْصُولَة وَاقعَة على الطَّلَاق (عدا السّني) يتَعَلَّق بالاستقرار الْمُقدر (فَهُوَ بدعي) مُبْتَدأ وَخبر، وَالْجُمْلَة خبر الْمَوْصُول وَدخلت الْفَاء فِي خَبره لشبهه بِالشّرطِ أَي: وَالطَّلَاق الَّذِي اسْتَقر عدا الطَّلَاق السّني بدعي، وَهُوَ الْوَاقِع فِي حيض مَدْخُولا بهَا أم لَا، على قَول أَشهب أَو فِي طهر مَسهَا فِيهِ أَو أَكثر من وَاحِدَة أَو أردفه فِي الْعدة أَو فِي طهر تال لحيض طلق فِيهِ، وأجبر عَن الرّجْعَة والبدعي مَمْنُوع فِي الْحيض مَكْرُوه فِي غَيره (خَ) : طَلَاق السّنة وَاحِدَة بطهر لم يمس فِيهِ بِلَا عدَّة وإلاَّ فبدعي، وَكره فِي غير الْحيض إِلَى أَن قَالَ: وَمنع فِيهِ وَوَقع وأجبر على الرّجْعَة الخ. وَقَالَ فِي التَّلْقِين: الطَّلَاق على ضَرْبَيْنِ. طَلَاق سنة وَطَلَاق بِدعَة. ويتفرعان إِلَى قسم ثَالِث وَهُوَ أَن يعرى عَن وَصفه بِوَاحِد مِنْهُمَا، فالسني مَا وَقع على الْوَجْه الَّذِي أَبَاحَ الشَّرْع إِيقَاعه عَلَيْهِ، والبدعي نقيضه وَهُوَ الْوَاقِع على غير الْوَجْه الْمَشْرُوع، وَالسّنة والبدعة يرجعان إِلَى أَمريْن: إِلَى الْوَقْت وَالْعدَد، ثمَّ قَالَ: وَأما من تتساوى أَوْقَاتهَا فِي جَوَاز طَلاقهَا فَثَلَاث: الصَّغِيرَة واليائسة وَالْحَامِل الْبَين حملهَا، فطلاق هَؤُلَاءِ لَا يُوصف بِسنة وَلَا بِدعَة من حَيْثُ الْوَقْت ويوصف بذلك من حَيْثُ الْعدَد اه بِنَقْل بَعضهم وينقسم البدعي الَّذِي اخْتَلَّ فِيهِ بعض الشُّرُوط إِلَى رَجْعِيّ وبائن أَيْضا كَمَا قَالَ:
стр. 533
ومِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعي وَذُو الثَّلاث مُطَلِّقاً وَرَجْعِي (وَمِنْه مملك) كَانَت طَالِق طَلْقَة مملكة أَو تملكين بهَا نَفسك وَهُوَ طَلَاق الْخلْع بِغَيْر عوض كَمَا يَأْتِي: (وَمِنْه الخلعي) أَي الطَّلَاق بِلَفْظ الْخلْع من غير عوض لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ متحداً مَعَ المملك فِي الْمَعْنى، لكنهما اخْتلفَا فِي اللَّفْظ كَمَا يَأْتِي عَن الْمُتَيْطِيَّة، وَأما بعوض فَهُوَ جَائِز كَمَا مرّ (و) مِنْهُ (ذُو الثَّلَاث) فِي كلمة وَاحِدَة (مُطلقًا) كَانَ قبل الْبناء أَو بعده بِلَفْظ الثَّلَاث أَو الْبَتَّةَ وَلَا يدْخل فِيهِ الْوَاحِدَة المصادفة لآخر الثَّلَاث لِأَنَّهُ تقدم جَوَازهَا وَأَنَّهَا سنية حَيْثُ توفرت الشُّرُوط كَمَا لَا يدْخل فِيهِ الطَّلَاق بعوض مَعَ توفر الشُّرُوط أَيْضا كَمَا مر، وَبِهَذَا التَّقْرِير علم أَن البدعي أَعم من السّني لَا نقيضه لِأَن مِنْهُ مَا اختلت فِيهِ بعض الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة وَمَا لم تختل فِيهِ كَالطَّلَاقِ المملك أَو بِلَفْظ الْخلْع من غير عوض مَعَ وجود الشُّرُوط فيهمَا، وَقد نَص على كَون المملك والخلعي غير سنيين. ابْن سَلمُون والمتيطي: نعم لَو زادوا فِي شُرُوط السّني كَونه غير مملك أَو كَونه بِغَيْر لفظ الْخلْع لانحصر البدعي فِي خلاف السّني على مَا يظْهر، وَقَوله: وَذُو الثَّلَاث مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف كَمَا قَررنَا ومطلقاً حَال وَهُوَ مُحْتَرز قَوْله فِي شُرُوط السّني وَاحِدَة. (ورجعي) خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَيْضا أَي وَمن البدعي رَجْعِيّ كطلقة وَاحِدَة فِي حيض أَو فِي طهر مس فِيهِ أَو فِي الْعدة. تَنْبِيه: قَوْلهم: إِن الطَّلَاق بِلَفْظ الْخلْع بَائِن وَلَو بِلَا عوض الخ. قيل: إِنَّمَا كَانَ بَائِنا لِأَن من لَازم كَونه خلعياً جَرَيَان أَحْكَام الْخلْع فِيهِ، وَمن جُمْلَتهَا سُقُوط النَّفَقَة أَيَّام الْعدة، فالعوض حِينَئِذٍ مَوْجُود وَهُوَ سُقُوط النَّفَقَة، لَكِن ظَاهر كَلَامهم أَنه خلع وَلَو لم ترض بإسقاطها مَعَ أَنه حق لَهَا يتَوَقَّف على رِضَاهَا وَهُوَ مُشكل قَالَه ابْن عَاشر. قلت: رَأَيْت فِي اخْتِصَار مسَائِل القَاضِي عبد الْوَهَّاب لأبي الْحسن بن الْقصار مَا نَصه: وَيجوز الْخلْع عندنَا بِغَيْر عوض، وَيجب أَن يكون بِلَفْظ الْخلْع وَطلب الزَّوْجَة ذَلِك وَهُوَ أَن يَقُول: قد خالعتك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يكون خلعاً إِلَّا بعوض فَإِذا عري عَن الْعِوَض فَهُوَ طَلَاق اه. فَتَأمل قَوْله: وَطلب الزَّوْجَة ذَلِك الخ. فِيهِ يَنْتَفِي الْإِشْكَال الْمَذْكُور، وَتَأمل الطَّلَاق المملك الَّذِي نَص عَلَيْهِ ابْن سَلمُون والناظم فَإِنَّهُ مِمَّا نَحن فِيهِ وَيجْرِي مَا ذكر فِيهِ أَيْضا فَلَا يكون إِلَّا بِرِضَاهَا لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يسْقط حَقّهَا من النَّفَقَة فالمملك هُوَ الْخلْع بِلَا عوض فِي الْمَعْنى، وَإِنَّمَا اخْتلفَا فِي اللَّفْظ. وَتَأمل هَذَا المملك فَإِنَّهُ الْجَارِي عِنْد النَّاس الْيَوْم مَعَ أَن الْبَيْنُونَة بِغَيْر عوض يجب أَن تكون بِلَفْظ الْخلْع، وَأَن تكون الْمَرْأَة طالبة لذَلِك كَمَا مر عَن عبد الْوَهَّاب، فالمملك وَارِد على قَوْلهم يجب أَن تكون بِلَفْظ الْخلْع إِلَّا أَن يُقَال بِهِ أَو بِمَا فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَا لَو طَلقهَا بِلَفْظ الْبَيْنُونَة كَمَا يَأْتِي عَن الشَّامِل فَقَوله: طَلقهَا طَلْقَة وَاحِدَة بَائِنَة فَإِنَّهَا بينونة بِغَيْر عوض أَيْضا من غير
стр. 534
لفظ الْخلْع. وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْأَلْفَاظ تبين بهَا الزَّوْجَة وَإِن لم يكن هُنَاكَ عوض، والبينونة وَإِن كَانَت هِيَ الثَّلَاث عِنْد الأقدمين كَمَا فِي (خَ) لَكِن عرف النَّاس الْيَوْم أَنَّهَا وَاحِدَة بَائِنَة كَمَا يَأْتِي وَيبقى النّظر فِي النَّفَقَة، وَالظَّاهِر أَنه لَا شَيْء لَهَا وَإِن لم تكن طالبة كَمَا يدل على ذَلِك إطلاقاتهم، وَلَو كَانَت لَهَا لَوَجَبَتْ لَهَا فِي الطَّلَاق ثَلَاثًا وَلم يقل بذلك أحد. وَفِي المعيار أَن سكُوت الْأَئِمَّة عَن الشَّيْء يدل على أَنه لَا عِبْرَة بِهِ، وَيدل على أَن المملك والخلعي بِغَيْر عوض شَيْء وَاحِد فِي الْمَعْنى على مَا يَأْتِي نَقله عِنْد قَوْله: وَفِي الْملك خلاف الخ. وَعَلِيهِ فالبينونة وَجَبت فِي لفظ الْخلْع بِغَيْر عوض من أجل أَنه نوى بِهِ الْبَيْنُونَة، وَهَكَذَا المملك لَا من أجل كَونهَا فِي مُقَابلَة النَّفَقَة كَمَا قيل وَالله أعلم. وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الرَّجْعِيِّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الأمَدِ المَرْعِيِّ (وَيملك) فَاعله ضمير الزَّوْج (الرّجْعَة) مفعول بِهِ وَتقدم تَعْرِيفهَا (فِي الرَّجْعِيّ) يتَعَلَّق بقوله يملك والرجعي. كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة مَا وَقع بعد الدُّخُول غير مُقَارن لفداء قاصراً عَن الثَّلَاث للْحرّ واثنين للْعَبد فَإِن اخْتَلَّ أحد هَذِه الشُّرُوط الثَّلَاث لم يكن رَجْعِيًا بل بَائِنا كَمَا يَأْتِي، وَأطلق فِي الرَّجْعِيّ فَشَمَلَ السّني والبدعي فَالْكل يملك الرّجْعَة فِيهِ. (قبل انْقِضَاء الأمد المرعي) فِي بينونتها وَهُوَ انْقِضَاء الْعدة الْآتِي بَيَانهَا من الإقراء أَو الشُّهُور أَو الْوَضع فالظرف يتَعَلَّق بقوله: يملك والمرعي صفة للأمد فَإِن زعمت انْقِضَاء عدتهَا فَلَا يملك ارتجاعها إِن مضى من الْعدة مَا يشبه أَن تَنْقَضِي فِيهِ (خَ) وصدقت فِي انْقِضَاء عدَّة الإقراء والوضع بِلَا يَمِين مَا أمكن الخ. وَلَا يجْرِي هَهُنَا مَا بِهِ الْعَمَل من أَنَّهَا لَا تصدق فِي أقل من ثَلَاثَة أشهر كَمَا قد يتوهمه قصير الباع، إِذْ لَيْسَ ذَلِك فِي مثل هَذَا لِأَن الْفروج يحْتَاط لَهَا. وَالله أعلم فَإِن مَاتَت وَاخْتلف الزَّوْج وَالْوَرَثَة فِي انْقِضَاء عدتهَا وَعَدَمه فَانْظُر حكم ذَلِك فِي التَّنْبِيه الرَّابِع الْآتِي عِنْد قَول النَّاظِم: وَمن مَرِيض وَمَتى من الْمَرَض مَاتَ فللزوجة الْإِرْث المفترض وَلا افْتِقَارَ فيهِ لِلصَّدَاقِ وَالإذْنِ وَالوَليِّ باتِّفَاقِ (وَلَا) نَافِيَة للْجِنْس (افتقار) اسْمهَا (فِيهِ) خَبَرهَا وضميره للارتجاع الْمَفْهُوم من الرّجْعَة (للصداق) يتَعَلَّق بافتقار (وَالْإِذْن) مَعْطُوف على الصَدَاق (وَالْوَلِيّ) كَذَلِك (بِاتِّفَاق) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر، وَالْمعْنَى أَن الزَّوْج إِذا ارتجع زَوجته من الطَّلَاق الرَّجْعِيّ فَإِنَّهُ لَا يفْتَقر لصداق وَلَا لإذنها ورضاها وَلَا لعقد الْوَلِيّ عَلَيْهَا، بل يرتجعها دون شَيْء من ذَلِك، وَلَكِن يسْتَحبّ الْإِشْهَاد وَلَو ارتجعها على صدَاق جهلا لرجع عَلَيْهَا بِهِ كَمَا فِي (خَ) فِي فصل الرّجْعَة، وَفِي المعيار أَيْضا من طلق زَوجته رَجْعِيًا ثمَّ تزَوجهَا بِصَدَاق فِي الْعدة أَن تزَوجه رَجْعَة وَلَا صدَاق لَهَا إِلَّا الصَدَاق
стр. 535
الأول وَيرجع عَلَيْهَا بِالثَّانِي اه. ثمَّ الرّجْعَة تصح بِأحد أَمريْن بالْقَوْل كَلَفْظِ: رَاجَعتك أَو أمسكتك أَو نَحْوهمَا وَلَو بِدُونِ نِيَّة على الْمَشْهُور أَو بِالْفِعْلِ كَالْوَطْءِ والقبلة والمباشرة وَنَحْو ذَلِك بِشَرْط قصد الارتجاع بذلك (خَ) يرتجع من ينْكح بقول مَعَ نِيَّة كرجعت وَأَمْسَكت أَو نِيَّة على الْأَظْهر لَا بقول مُحْتَمل بِلَا نِيَّة وَلَا بِفعل دونهَا كَوَطْء وَلَا صدَاق، وَإِن اسْتمرّ وَانْقَضَت لحقها طَلَاقه على الْأَصَح اه. فَقَوله: وَإِن اسْتمرّ أَي اسْتمرّ على وَطئهَا بِدُونِ قصد الارتجاع بِهِ حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا وَطَلقهَا طَلَاقا آخر فَإِنَّهُ يلْحقهُ طَلاقهَا على الْأَصَح مُرَاعَاة لقَوْل ابْن وهب وَاللَّيْث وَأبي حنيفَة بِصِحَّة رجعته بِالْوَطْءِ بِدُونِ نِيَّة لِأَن الحكم للظَّاهِر فَلَا يصدق أَنه لم يرد بِهِ الرّجْعَة، وَإِذا قُلْنَا يلْحقهُ الطَّلَاق وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى كمل ثَلَاثًا فَلَا تحل لَهُ إِلَّا بعد زوج فَإِن اسْتمرّ على وَطئهَا بعد الثَّلَاث من غير عقد أَو بِعقد قبل زوج فيتعدد عَلَيْهِ الصَدَاق بِتَعَدُّد الْوَطْء حَيْثُ لم تعلم هِيَ بِالْحُرْمَةِ أَو علمت وأكرهها، وَإِلَّا فَهِيَ زَانِيَة كَمَا يفِيدهُ قَول (خَ) فِي الطَّلَاق كواطىء بعد حنثه وَلم يعلم. وَقَوله فِي الصَدَاق كَالزِّنَا بهَا أَي بِغَيْر العالمة أَو بالمكرهة، وَأما حَده ولحوق الْوَلَد بِهِ من الْوَطْء للْوَاقِع بعد الثَّلَاث فقد تقدم تَفْصِيله فِي أول فصل فَاسد النِّكَاح. تَنْبِيهَات. الأول: يتَفَرَّع على الصَّحِيح من عدم اعْتِبَار وَطئه بِدُونِ نِيَّة أَن لَهُ مراجعتها بالْقَوْل فِيمَا بَقِي من الْعدة، لَكِن لَا يَطَؤُهَا إِلَّا بعد الِاسْتِبْرَاء من المَاء الْفَاسِد بِثَلَاث حيض كَمَا أَنه لَا يُرَاجِعهَا بعد الْعدة إِلَّا بِعقد أَيْضا، وَكَذَلِكَ على مُقَابِله من أَنه لَا يلْحقهَا طَلَاقه لِأَنَّهَا بَانَتْ بِانْقِضَاء عدَّة الطَّلَاق الأول، وَهُوَ قَول ابْن أبي زيد فَلَا يُرَاجِعهَا إِلَّا بعد الِاسْتِبْرَاء الْمَذْكُور، فَإِن رَاجعهَا وَبنى بهَا قبل الِاسْتِبْرَاء على الْأَصَح وَمُقَابِله فَفِي حرمتهَا عَلَيْهِ لِلْأَبَد قَولَانِ. مشهورهما كَمَا فِي القلشاني وَغَيره عدم التَّأْبِيد بِنَاء على أَن الْعلَّة اخْتِلَاط الْأَنْسَاب وَهِي منتفية هَهُنَا، لِأَن المَاء مَاؤُهُ بِخِلَاف المستبرأة من زنا وَغَيره، فالأرجح التَّأْبِيد قَالَ فِي المعيار: وَمحل الْخلاف بَين الْأَصَح وَابْن أبي زيد إِذا جَاءَ مستفتياً فَابْن أبي زيد لَا يلْزمه إِلَّا الطَّلَاق الأول وَأَبُو عمرَان يلْزمه مَا بعده أَيْضا وَلَو الثَّلَاث قَالَ: وَإِمَّا إِن قَامَت الْبَيِّنَة بِالثلَاثِ فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا حَتَّى تنْكح زوجا غَيره فِي المَال وَمن حمل الْخلاف بَينهمَا على الْإِطْلَاق فقد أَخطَأ اه. قلت: تَأمل قَوْله: فقد أَخطَأ لِأَن الْبَيِّنَة إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهَا عِنْد الْإِنْكَار، وَهُوَ إِذا أنكر الثَّلَاث وأسرته الْبَيِّنَة دلّ ذَلِك على كذبه حَتَّى فِي قَوْله: وطئتها بِدُونِ نِيَّة الرّجْعَة. هَذَا مَعْنَاهُ فِيمَا يظْهر، وَأما إِن كَانَ مقرا بِمَا شهِدت بِهِ الْبَيِّنَة وَلم يبْق مسترسلاً عَلَيْهَا بعد الثَّلَاث فَلَا يظْهر فرق بَين المستفتي وَغَيره فِي كَون كل مِنْهُمَا من مَحل الْخلاف، وَفِي بعض فَتَاوَى ابْن مَرْزُوق مَا نَصه: وَمَسْأَلَة الشَّيْخَيْنِ فِي المسترسل قوي عِنْدِي إِشْكَال تصورها لِأَنَّهَا من التَّدَاخُل، فَمَتَى تَنْقَضِي الْعدة وَمَا رَأَيْت من كشف عَنْهَا الغطاء، وَإِن زَعمه ابْن الْحَاج لَكِن لم يتَبَيَّن لي وَقَالَ أَيْضا فِي بعض فَتَاوِيهِ: وَهَذِه الْمَسْأَلَة يَعْنِي مَسْأَلَة الاسترسال قد كثر السُّؤَال عَنْهَا وفاعل ذَلِك يحتال على تَحْلِيل الْمُطلقَة ثَلَاثًا، والمؤكد بِهِ عَلَيْكُم فِي مثل هَذَا أَن تسدوا بَابا يَقع بِهِ إِحْدَاث بِدعَة. نسْأَل الله السَّلامَة والعافية. الثَّانِي: من هَذَا الْمَعْنى من عَادَته كَثْرَة الْحلف بِالطَّلَاق وَلما قَامَت الْمَرْأَة بِالطَّلَاق قَالَ: لم أقصد بِهِ طَلَاق الزَّوْجَة، وَإِنَّمَا ذَلِك لفظ أجراه الله على لساني من غير قصد للطَّلَاق فَلَا يَنْوِي
стр. 536
فِي عدم إِرَادَته الطَّلَاق الْمَذْكُور لصراحة اللَّفْظ إِلَّا إِذا دلّ بِسَاط على عدم إِرَادَته كَأَن تكون موثوقة وَتقول لَهُ: أطلقني فَيَقُول لَهَا: أَنْت طَالِق وَحَيْثُ لزمَه الطَّلَاق فَيلْزمهُ الثَّلَاث للشَّكّ فِي عدده، فَلَا تحل لَهُ إِلَّا بعد زوج فَإِن ذكر فِي الْعدة أَنه إِنَّمَا طَلقهَا وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ صدق، وَإِن لم يذكر وَتَزَوجهَا بعد زوج ثمَّ طَلقهَا وَاحِدَة لم تحل لَهُ أَيْضا إِلَّا بعد زوج، وَهَكَذَا. وَلَو بعد مائَة زوج إِلَّا أَن يبت طَلاقهَا. وَهَذِه هِيَ الْمَسْأَلَة الْمُسَمَّاة بالدولابية قَالَه الْأَبَّار فِي جَوَاب لَهُ، وَبِهَذَا كُله تعلم بطلَان مَا يَقُوله الْعَامَّة وَبَعض الطّلبَة من أَن من كثر مِنْهُ الطَّلَاق أَو الْحلف بالحرام أَو جرى على لِسَانه لَا يلْزمه شَيْء إِذْ ذَاك لَا أصل لَهُ، وَلم يقلهُ أحد مِمَّن يعْتد بِهِ لِأَنَّهُ لَا يصدق فِي الصَّرِيح وَلَا فِي الْكِنَايَة الظَّاهِرَة كالحرام وَالْيَمِين وَنَحْوهمَا، بل صرح العقباني بِأَن من كَانَ دأبه الْأَيْمَان اللَّازِمَة ويستخفها فيتحتم عَلَيْهِ الحكم بالمشهور فِيهَا، وَمن كَانَ ذَلِك مِنْهُ فلتة فَحسن أَن يتْرك لتقليد قَول فِيهِ رَحْمَة اه. وَنقل نَحوه فِي المعيار، وَنَقله الرباطي فِي شرح الْعَمَل أول بَاب الْقَضَاء، وَكَذَا صرح ابْن عرضون بِأَن لُزُوم الْوَاحِدَة البائنة للْحَالِف بالحرام مَشْرُوط بِأَن لَا يكون مُعْتَادا للحلف بِهِ وإلاَّ لزمَه الثَّلَاث نَقله العلمي. وَهَكَذَا رَأَيْت ذَلِك عَن غير وَاحِد وَأَنه يشدد على من اعْتَادَ الْحلف بِالطَّلَاق. وَأما لُزُوم الصَدَاق لَهُ فَيجْرِي على مَا تقدم قبل التَّنْبِيه الأول وَالله أعلم. الثَّالِث: فِي الْبُرْزُليّ مَا حَاصله: حَقِيقَة من وطىء فِي الْعدة وَلم ينْو بِوَطْئِهِ رَجْعَة أَنه لَا يكون رَجْعَة وَيجب على الْمَرْأَة شَيْئَانِ عدَّة واستبراء، فالعدة من يَوْم الطَّلَاق، والاستبراء من يَوْم الْوَطْء الْفَاسِد بِثَلَاث حيض، فَإِن أَرَادَ الرّجْعَة فَلهُ ذَلِك بالْقَوْل وَالْإِشْهَاد دون الْوَطْء حَتَّى يَنْقَضِي الِاسْتِبْرَاء فَإِن فَاتَتْهُ الرّجْعَة حَتَّى كملت الْعدة وَبَقِي الِاسْتِبْرَاء فَلَا رَجْعَة، فَإِن فعل فسخ وَلَا يتأبد التَّحْرِيم لِأَنَّهُ مَاؤُهُ وتتداخل الْعدة مَعَ الِاسْتِبْرَاء فِيمَا اتفقَا عَلَيْهِ وَلَا يرتجع فِي مُدَّة الِاسْتِبْرَاء بعد مُضِيّ الْعدة لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّة وَبعد مُدَّة الِاسْتِبْرَاء كَانَ لَهُ وَلغيره تَزْوِيجهَا ثمَّ قَالَ: وَإِذا وطىء بعد الْحِنْث ثمَّ أعلم الزَّوْجَة فالعدة من يَوْم إِعْلَامه كالغائب يُطلق فِي غيبته وَلَا يعلمهَا بذلك حَتَّى يقدم، فعلمتها من يَوْم إِعْلَامه وَلَا يملك الرّجْعَة فِيهَا إِلَّا من يَوْم أقرّ إِنَّه أوقع الطَّلَاق فَإِن انْقَضتْ الْعدة من ذَلِك الْيَوْم فَلَا رَجْعَة اه. فَانْظُر هَذَا مَعَ قَول الإِمَام ابْن مَرْزُوق فِيمَا مر عَنهُ من قُوَّة الْإِشْكَال، وَذكر فِي المعيار عَن ابْن سهل فِي امْرَأَة حنث زَوجهَا فِيهَا بِالثلَاثِ وَبَقِي مسترسلاً حَتَّى قضى القَاضِي عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ أَن الْعدة من يَوْم الْقَضَاء إِن كَانَ الزَّوْجَانِ حاضرين وَإِن كَانَا غائبين فالعدة من وَقت أَمرهمَا بالفراق فَإِن كَانَت قد انْقَضتْ من يَوْم الحكم فَلَا بُد من اسْتِئْنَاف ثَلَاثَة قُرُوء للاستبراء اه بِاخْتِصَار فَتَأمل ذَلِك كُله مَعَ مَا مر. وَمُوقِعُ الطَّلَاقِ دُونَ طُهْرِ يُمْنَعُ مَعْ رُجُوعِهِ بِالقَهُرِ (وموقع) مُبْتَدأ (الطَّلَاق) مُضَاف إِلَيْهِ (دون طهر) يتَعَلَّق بموقع أَو بِمَحْذُوف حَال مِنْهُ
стр. 537
(يمْنَع) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي فعل مَمْنُوعًا ونائبه ضمير الْموقع وَالْجُمْلَة خبر (مَعَ) بِسُكُون الْعين يتَعَلَّق بِمَحْذُوف جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر فَكَأَن قَائِلا قَالَ لَهُ: وَإِذا كَانَ الْمُطلق فِي الْحيض أَو النّفاس فعل مَمْنُوعًا فَمَا حكمه؟ فَقَالَ: الحكم وُقُوع طَلَاقه مَعَ وجوب (رُجُوعه) أَي ارتجاعه لَهَا مَا دَامَت فِي الْعدة وَلَو (بالقهر) بالتهديد والسجن وَالضَّرْب بِمَجْلِس وَاحِد فَإِن قهر بذلك وَلم يفعل ارتجعها لَهُ الْحَاكِم بِأَن يَقُول: ارتجعتها لَك أَو يحكم عَلَيْهِ بهَا أَي يُخبرهُ بِوُجُوب الرّجْعَة على وَجه الِالْتِزَام، وَإِن لم يقل ارتجعتها لَك كَمَا فِي طفي وَيجوز الْوَطْء بِهَذَا الارتجاع وَإِن لم تقارنه نِيَّة لِأَن نِيَّة الْحَاكِم قَائِمَة مقَام نِيَّته ويتوارثان بِهِ إِن مَاتَ أَحدهمَا، وَإِذ ارتجعها بِنَفسِهِ أَو ارتجعها عَلَيْهِ فالأحب أَن يمْسِكهَا حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ يطلقهَا إِن شَاءَ، فَإِن طَلقهَا فِي الطُّهْر الموَالِي للْحيض الأول مضى مَعَ كَرَاهَته وَلَا يجْبر على الرّجْعَة، وَمحل قهره على الارتجاع إِذا كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا، وَأما إِن كَانَ على عوض أَو بِلَفْظ الْخلْع أَو التَّمْلِيك أَو بِالثلَاثِ فَلَا يُؤمر بالارتجاع وَلَا مَحل لجبره. وَفي المُمَلِّكِ خِلافُ وَالقَضَا بِطَلْقَةٍ بائِنةٍ فِي المُرْتَضَى (وَفِي المملك الْخلاف) مُبْتَدأ وَخَبره (والقضا) ء مُبْتَدأ (بِطَلْقَة) خَبره (بَائِنَة) صفة لطلقة (فِي المرتضى) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر، وَظَاهره أَن الْخلاف جَار وَلَو نوى بِهِ الثَّلَاث. وَفِي الرسَالَة إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق فَهِيَ وَاحِدَة إِلَّا أَن يَنْوِي أَكثر. القلشاني: من نوى الثَّلَاث بقوله: أَنْت طَالِق فقد لَزِمته الثَّلَاث وَهُوَ معنى قَول الشَّيْخ اه. وَمثله يَأْتِي عَن الْمُدَوَّنَة فِيمَن نوى بقوله: لَا رَجْعَة إِلَى الْبَتَات فَإِنَّهَا تلْزمهُ، وَانْظُر ابْن سَلمُون وَفِي المعونة: إِذا قصد إِيقَاع الْخلْع من غير عوض كَانَ خلعاً عِنْد مَالك لِأَنَّهُ طَلَاق قصد أَن يكون خلعاً فَكَانَ على مَا قَصده كَالَّذي مَعَه الْعِوَض، وَقَالَ أَشهب: يكون رَجْعِيًا اه. قلت: لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يخرج الرَّجْعِيّ عَن حَقِيقَته الشَّرْعِيَّة بِمُجَرَّد الْقَصْد فَهُوَ كاشتراط نفي الرّجْعَة والتزام عدم الرُّجُوع فِي الْوَصِيَّة فَلَا يسْقط قَصده رجعته عِنْد أَشهب، فَالْخِلَاف حِينَئِذٍ مَعَ
стр. 538
قصد الْبَيْنُونَة بذلك أَو لَا قصد أصلا، وَالظَّاهِر أَن مُرَاد النَّاظِم بالمملك مَا يَشْمَل الْأَلْفَاظ الْآتِيَة فِي النَّقْل لَا خُصُوص لفظ التَّمْلِيك، بل ويشمل حَتَّى من طلق وَأعْطى على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة أَو خَالع وَأعْطى إِذْ الْكل فِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة الْآتِيَة كَمَا فِي أبي الْحسن. قَالَ ابْن سَلمُون: وَأما الطَّلَاق المملك على غير شَيْء بعد الْبناء فَيكْتب فِيهِ عقد طلق فلَان زوجه فُلَانَة بعد الْبناء بهَا طَلْقَة وَاحِدَة ملكهَا أمرهَا بهَا دونه وَأشْهد بذلك فِي كَذَا ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الطَّلَاق مَكْرُوه لِأَنَّهُ على خلاف السّنة. وَاخْتلف فِيهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال: فَقيل طَلْقَة رَجْعِيَّة كمن قَالَ: أَنْت طَالِق وَاحِدَة لَا رَجْعَة لي عَلَيْك فِيهَا وَهُوَ قَول مطرف وَأَشْهَب، وَقيل: إِنَّهَا تكون الْبَتَّةَ كن قَالَ: أَنْت طَالِق وَاحِدَة بَائِنَة فَإِنَّهَا الثَّلَاث وَهُوَ قَول ابْن الْمَاجشون وَابْن حبيب وَقيل: إِنَّهَا طَلْقَة وَاحِدَة بَائِنَة قَالَه ابْن الْقَاسِم، وَحَكَاهُ القَاضِي عَن مَالك وَبِه الْقَضَاء. وَكَانَ ابْن عتاب ﵀ يُفْتِي بِأَن من بارى زَوجته هَذِه المباراة ثمَّ طَلقهَا بعد ذَلِك فِي الْعدة أَن الطَّلَاق يرتدف عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا ومراعاة لمن يرَاهُ طلقه رَجْعِيَّة اه. وَقَالَ المتيطي فِي نهايته وَابْن هَارُون فِي اختصاره، وَاللَّفْظ للْأولِ مَا نَصه: وَيكرهُ للرجل أَن يُطلق امْرَأَته طَلْقَة مباراة أَو خلع أَو صلح دون أَخذ أَو إِسْقَاط لوقوعها خلاف السّنة فَإِن فعل فَفِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال. فَذكر الْأَقْوَال الَّتِي تقدّمت عَن ابْن سَلمُون بِعَينهَا وَكَذَا نقلهَا (ح) عِنْد قَول (خَ) فِي الْخلْع: وَبَانَتْ وَلَو بِلَا عوض نَص عَلَيْهِ الخ. وَكَذَا ذكرهَا القلشاني فِي شرح الرسَالَة فِي طَلَاق الْخلْع بِغَيْر عوض وَذكر عَقبهَا مَا نَصه: قَالَ ابْن عبد السَّلَام: وَالْأَقْرَب الْمَعْقُول الأول وإلزام الْبَيْنُونَة فِيهِ بعد لِأَنَّهُ لَا مُوجب للبينونة إِلَّا الْعِوَض أَو الثَّلَاث أَو كَونه قبل الْبناء وَالْفَرْض انْتِفَاء كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاث اه. وَقد اسْتُفِيدَ من هَذَا كُله أَنه إِذا قَالَ طَلقتهَا طَلَاق صلح أَو طَلَاق مباراة أَو طَلَاق تمْلِيك أَو طَلَاق خلع تجْرِي فِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة، وَإِن لم يكن عوض فِي الْجَمِيع لِأَن مَعْنَاهَا وَاحِد بل ذكر فِي نَوَازِل الطَّلَاق من المعيار عَن ابْن رشد وَغَيره أَنه إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق وَنوى بِهِ التَّمْلِيك فَهُوَ على مَا نوى، وَعَلِيهِ فَكل طَلَاق نوى بِهِ الْبَيْنُونَة فَهُوَ على مَا نَوَاه كَانَ بِلَفْظ التَّمْلِيك أَو غَيره وتجري فِيهِ الْأَقْوَال. وَلذَا قَالَ الشَّارِح المملك هُوَ طَلَاق الْخلْع بغيرعوض، وَقَالَ ناظم الْعَمَل: الْمُطلق أَيْضا وَزَاد وَأَنه لَا يشْتَرط كَونه بِلَفْظ الْخلْع يُرِيد بل بِهِ وَبِمَا فِي مَعْنَاهُ من التَّمْلِيك أَو الْبَيْنُونَة. قَالَ فِي الشَّامِل: وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق طَلْقَة بَائِنَة فَوَاحِدَة بَائِنَة على الْأَصَح وَثَالِثهَا ثَلَاث اه. وَلم يذكر ابْن سَلمُون طَلَاق خلع بِغَيْر عوض أصلا بل اقْتصر على المملك لِأَنَّهُ عينه عِنْده، وَتَبعهُ النَّاظِم وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَى هَذَا عِنْد قَوْله وَمِنْه الخلعي الخ. وَبِهَذَا تعلم مَا فِي (ز) عِنْد قَول (خَ) فِي الْخلْع لَا أَن اشْترط نفي الرّجْعَة بِلَا عوض من أَن طَلَاق الْخلْع بِغَيْر عوض غير طَلَاق التَّمْلِيك وَأَن طَلَاق التَّمْلِيك فِيهِ الرّجْعَة على مَا رَجحه الْقَرَافِيّ، وَبِه أفتى جد الأَجْهُورِيّ فَلَا يعول على شَيْء من ذَلِك لِأَن مَا رَجحه الْقَرَافِيّ، وَأفْتى بِهِ الأَجْهُورِيّ هُوَ القَوْل الأول الَّذِي اسْتغْفر بِهِ ابْن عبد السَّلَام أَيْضا من تِلْكَ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة الْجَارِيَة فِي الْخلْع بِغَيْر عوض، كَمَا للقلشاني، وَفِيه وَفِي الصُّلْح والمباراة كَمَا للمتيطي، وَفِي المملك كَمَا لِابْنِ سَلمُون والناظم وفيمن طلق وَأعْطى أَو خَالع وَأعْطى كَمَا فِي أبي الْحسن لِأَن الطَّلَاق فيهمَا بِغَيْر عوض والعطية الْمُقَارنَة لَهُ من الزَّوْج مَحْض هبة، وَلذَا قُلْنَا لَا يبعد أَن يكون النَّاظِم أطلق المملك على مَا فِيهِ الْخلاف الْمَذْكُور مِمَّا مر، وَمِمَّا يَأْتِي من نَحْو لَا رَجْعَة لي عَلَيْك فَمَا رَجحه الْقَرَافِيّ وَتَبعهُ الأَجْهُورِيّ مُقَابل لما بِهِ الْقَضَاء كَمَا ترى.
стр. 539
تَنْبِيهَانِ. الأول: تَشْبِيه الموثقين الطَّلَاق المملك بِالطَّلَاق الَّذِي لَا رَجْعَة فِيهِ يَقْتَضِي أَن الَّذِي لَا رَجْعَة فِيهِ مُتَّفق عَلَيْهِ إِذْ لَا يحْتَج بمختلف فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْخلاف جَار فِي الْجَمِيع، فَفِي كتاب التَّخْيِير وَالتَّمْلِيك من أبي الْحسن مَا نَصه اللَّخْمِيّ: اخْتلف فِيمَن قَالَ أَنْت طَالِق طَلَاق الصُّلْح أَو طَلْقَة بَائِنَة أَو طَلْقَة لَا رَجْعَة فِيهَا فَقيل: هِيَ ثَلَاث، وَقيل: هِيَ رَجْعِيَّة، وَقيل: هِيَ بَائِنَة لِأَن الرّجْعَة من حَقه فَإِذا أسقط حَقه فِيهَا لزمَه وَهُوَ أبين اه بِاخْتِصَار. وَقَالَ أَبُو الْحسن فِي كتاب الْخلْع مَا نَصه من اخْتِلَاف الروَاة هُنَا: يَعْنِي فِيمَن صَالح وَأعْطى أَو طلق وَأعْطى أَخذ أَبُو مُحَمَّد صَالح أَن مَا يَفْعَله أهل بلدنا فِي قَوْلهم أَنْت طَالِق طَلْقَة مملكة أَنَّهَا تكون بَائِنَة، وَقد كَانَ ابْن الْعَرَبِيّ يَقُول: لَا تكون بَائِنَة. وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ صَالح وَأعْطى خَالع وَأعْطى وَغير ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا أوجبت هَذِه الْأَلْفَاظ الْبَيْنُونَة لأجل اللَّفْظ وَقَوْلهمْ: أَنْت طَالِق طَلْقَة مملكة مثل قَوْله فِي كتاب التَّخْيِير أَنْت طَالِق طَلْقَة يَنْوِي لَا رَجْعَة لي عَلَيْك فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ لَهُ الرّجْعَة اه. وَعبارَة الْمُدَوَّنَة فِي كتاب التَّخْيِير هِيَ قَوْلهَا مَا نَصه: وَإِن قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق تَطْلِيقَة يَنْوِي لَا رَجْعَة عَلَيْك فَلهُ الرّجْعَة، وَقَوله: لَا رَجْعَة لي عَلَيْك وَنِيَّته بَاطِل إِلَّا أَن يَنْوِي بقوله: لَا رَجْعَة لي عَلَيْك الْبَتَات اه. اللَّخْمِيّ: يُرِيد هُوَ بَاطِل سَوَاء قَالَ ذَلِك قولا أَو نَوَاه فقد تبين بِهَذَا أَن طَلَاق الصُّلْح وَالْخلْع وَالتَّمْلِيك والبينونة وَالَّذِي لَا رَجْعَة فِيهِ، وَمن صَالح وَأعْطى فِيهِ الْخلاف الْمَذْكُور، وَالَّذِي بِهِ الْقَضَاء مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيّ فِي لَا رَجْعَة لي عَلَيْك وَإِن كَانَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة فِي الطَّلقَة البائنة الثَّلَاث ومذهبها فِي طَلَاق الخلعي وَنَحْوه الْبَيْنُونَة فَقَط. وَفِي لَا رَجْعَة لي عَلَيْك كَونهَا رَجْعِيَّة وتبعها (خَ) على ذَلِك كُله فَلَا يشكل عَلَيْك، فَإِن النَّاظِم حكى مَا بِهِ الْعَمَل فِي ذَلِك وَإِن خَالف الْمُدَوَّنَة و (خَ) يتبع الْمُدَوَّنَة فَقَالَ: وَبَانَتْ وَلَو بِلَا عوض وَقَالَ بعده: لَا أَن شَرط نفي الرّجْعَة فَهِيَ رَجْعَة. وَقَالَ أَيْضا: أَو وَاحِدَة بَائِنَة أَي فَهِيَ ثَلَاث عِنْده. قَالَ أَبُو الْحسن: الْفرق على مذهبها بَين طَلَاق الْخلْع بِغَيْر عوض هِيَ وَاحِدَة بَائِنَة وَبَين قَوْلهَا فِي الْوَاحِدَة البائنة أَنَّهَا الثَّلَاث أَنه فِي الأول شبهها بِطَلَاق الْخلْع وَفِي الثَّانِيَة قَالَ بَائِنَة فَلَيْسَتْ بخلعية وَلَا شبهها بِطَلَاق الْخلْع. الثَّانِي: قَالَ أَبُو الْحسن عِنْد قَوْلهَا الْمُتَقَدّم عَن كتاب التَّخْيِير مَا نَصه: قَالَ ابْن عبد الحكم: إِذا قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق وَلَا رَجْعَة لي عَلَيْك فَلهُ الرّجْعَة وَإِن قَالَ لَا رَجْعَة لي عَلَيْك كَانَت الْبَتَّةَ. قَالَ ابْن الْكَاتِب: مَسْأَلَة ابْن عبد الحكم لَيست كَمَسْأَلَة الْمُدَوَّنَة لِأَن مَسْأَلَة الْمُدَوَّنَة قد بَين أَنه طَلقهَا طَلْقَة وَاحِدَة وَمَسْأَلَة ابْن عبد الحكم لم يذكر طَلْقَة، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا رَجْعَة لي عَلَيْك فَهِيَ الْبَتَات. اللَّخْمِيّ: وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق طَلَاقا لَا رَجْعَة لي عَلَيْك فِيهِ لَكَانَ ثَلَاثًا قولا وَاحِدًا لِأَن طَالِق يعبر بِهِ عَن الْوَاحِد وَالثَّلَاث، فَإِذا قَالَ طَلَاقا لَا رَجْعَة فِيهِ كَانَ صفة للطَّلَاق أَنه ثَلَاث اه. قلت: وَهُوَ ظَاهر إِذا نَوَاه أَو لم ينْو شَيْئا وَانْظُر إِذا نوى الْوَاحِد الَّتِي لَا رَجْعَة فِيهَا أَعنِي البائنة، وَالظَّاهِر أَن لَهُ نِيَّته لِأَن اللَّفْظ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الثَّلَاث وَلَا كِنَايَة ظَاهره فِيهِ وَالله أعلم.
стр. 540
وَبَائِنٌ كلُّ طَلَاقٍ وَقَعَا قَبْلَ البِنَاءِ كَيْفَمَا قَدْ وَقَعَا (وبائن) خبر عَن قَوْله (كل طَلَاق) وَجُمْلَة قَوْله (وَقعا) صفة لطلاق، والرابط بَين الصّفة والموصوف مَحْذُوف أَي أوقعه وألفه للإطلاق وفاعله ضمير الزَّوْج (قبل الْبناء) يتَعَلَّق بأوقعا (كَيْفَمَا) مُجَرّدَة عَن معنى الِاسْتِفْهَام فَهِيَ للتعميم فِي الْأَحْوَال بِمَعْنى مُطلقًا حَال من الضَّمِير فِي بَائِن وَمَا زَائِدَة أَي كل طَلَاق أوقعه الزَّوْج قبل الْبناء فَهُوَ بَائِن فِي أَي حَال (قد وَقعا) أَي حَال كَونه مكيفاً بِأَيّ كَيْفيَّة كَانَت بِكَوْنِهِ فِي الْحيض أَو فِي غَيره بعوض أَو بِغَيْرِهِ وَاحِدَة أَو أَكثر فِي كلمة أَو فِي كَلِمَات فِي مرض أَو غَيره وَيجْرِي فِي الْإِرْث على حكم الطَّلَاق فِي الْمَرَض الْآتِي فِي قَوْله: وَمن مَرِيض الخ. وَيجب لَهَا نصف الصَدَاق إِن كَانَ نِكَاح تَسْمِيَة وَيبقى على أَجله إِن كَانَ مُؤَجّلا وَإِن كَانَ نِكَاح تَفْوِيض فَلَا شَيْء لَهَا فَإِن طلق قبل الْبناء بعد أَن اشترت الجهاز فلهَا نصف الجهاز فَإِن اشترت بِهِ مَا لَا يصلح للجهاز رَجَعَ عَلَيْهَا بِنصْف مَا دفع، وَإِن أصدقهَا عقارا أَو عرُوضا أَو حَيَوَانا فباعت ذَلِك أَو وهبته أَو أعتقت الرَّقِيق أَو تلف بِيَدِهَا أَو دخله نقص أَو زِيَادَة كَانَ لَهُ نصف الثّمن فِي الْجَمِيع إِن لم تحاب فِيهِ وَنصف الْقيمَة فِي الْهِبَة وَالْعِتْق يَوْم إحداثها لذاك كَمَا فِي (خَ) . وَبالثَّلَاثِ لَا تَحِلُّ إلاَّ مِنْ بَعْدِ زَوْجٍ لِلَّذِي تَخَلَّى (وبالثلاث) يتَعَلَّق بمقدر صفة لفاعل قَوْله (لَا تحل) وفاعله ضمير الزَّوْجَة (إِلَّا) اسْتثِْنَاء من عُمُوم مُقَدّر (من) زَائِدَة وَالزَّائِد لَا يتَعَلَّق بِشَيْء كَمَا مرّ (بعد) مَعْمُول لتحل (زوج) على حذف مُضَاف ومتعلقه (للَّذي) يتَعَلَّق بِهِ أَيْضا (تخلى) صلته والرابط ضَمِيره الْمُسْتَتر الْعَائِد على الْمَوْصُول، وَالتَّقْدِير الزَّوْجَة الْمُطلقَة بِالثلَاثِ يُرِيد: وَمَا فِي مَعْنَاهَا من الْبَتَّةَ وَنَحْوهَا حَيْثُ كَانَ عرف النَّاس فِيهَا الثَّلَاث على مَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَيلْزم الطَّلَاق بِالصَّرِيحِ الخ. لَا تحل للَّذي تخلى عَنْهَا إِلَّا بعد وَطْء زوج بِنِكَاح لَازم أَو إِلَّا فِي زمَان كَائِن بعد وَطْء زوج الخ. وقدرنا وطأ لقَوْله تَعَالَى: حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٠) فَإِنَّهُم قَالُوا كل نِكَاح وَقع فِي كتاب الله، فَالْمُرَاد بِهِ العقد إِلَّا فِي هَذِه الْآيَة. فَإِن المُرَاد بِهِ الْوَطْء مَعَ العقد الصَّحِيح اللَّازِم للْحَدِيث الصَّحِيح فِي امْرَأَة رِفَاعَة الْقرظِيّ الَّتِي قَالَت لَهُ ﵇: كنت عِنْد رِفَاعَة فَبت طَلَاقي فَتزوّجت بعده عبد الرَّحْمَن بن الزبير وَإِنَّمَا مَعَه مثل هدبة الثَّوْب، فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: (أَتُرِيدِينَ أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك) . فَهَذَا الحَدِيث نَص على أَن المُرَاد الْوَطْء، وَلَا بُد أَن تكون هِيَ مطيقة للْوَطْء، وَأَن يكون الْوَطْء لَا نكرَة فِيهِ (خَ) والمبتوتة حَتَّى يولج مُسلم بَالغ قدر الْحَشَفَة بِلَا منع وَلَا نكرَة فِيهِ بانتشار فِي نِكَاح لَازم وَعلم خلْوَة وَزَوْجَة
стр. 541
فَقَط الخ. وَخَالف الْحسن الْبَصْرِيّ فَقَالَ: لَا يحلهَا مغيب الْحَشَفَة بل حَتَّى يَقع الْإِنْزَال لقَوْله فِي الحَدِيث: (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته) . الخ. وَرَأى غَيره أَن المغيب هُوَ الْعسيلَة وَخَالف سعيد بن الْمسيب فَقَالَ: إِن العقد عَلَيْهَا يحلهَا للْأولِ وخطىء بمخالفته للْحَدِيث، وتؤول على أَن الحَدِيث لم يبلغهُ. وَخَالف ابْن الْمَاجشون فَقَالَ: تحل بِالْوَطْءِ الْحَرَام كوطئها وَهِي حَائِض أَو صَائِمَة، وَلَا بُد أَن لَا يقْصد الزَّوْج الثَّانِي بنكاحه تحليلها. قَالَ فِي الرسَالَة: وَلَا يجوز أَن يتَزَوَّج رجل امْرَأَة لِيحِلهَا لمن طَلقهَا ثَلَاثًا وَلَا يحلهَا ذَلِك. وَقَالَ (خَ) كمحلل وَإِن مَعَ نِيَّة إِِمْسَاكهَا مَعَ الْإِعْجَاب، وَظَاهر النّظم أَنَّهَا لَا تحل وَلَو ملكهَا بِالشِّرَاءِ وَهُوَ كَذَلِك قَالَ فِي الرسَالَة: وَمن طلق امْرَأَته ثَلَاثًا لم تحل لَهُ بِملك وَلَا نِكَاح حَتَّى تنْكح زوجا غَيره. تَنْبِيه: قَالَ ابْن رشد: جرت عَادَة قُضَاة الْعَصْر منع المبتوتة من رَجْعَة مُطلقهَا حَتَّى يثبت دُخُول الثَّانِي دُخُول اهتداء وَأَنه كَانَ يبيت عِنْدهَا ويتصرف عَلَيْهَا تصرف الْأزْوَاج على الزَّوْجَات وَمَا علمُوا فِي نِكَاحهَا رِيبَة وَلَا دُلْسَة اه. وَقَالَ احلولو الْعَمَل عِنْد قُضَاة تونس الْيَوْم تَكْلِيفه عِنْد العقد بِإِثْبَات أَنه لَا يتهم بتحليل المبتوتة فَحِينَئِذٍ يحل لَهُ تزَوجهَا، ثمَّ إِن طَلقهَا لم تحل لزَوجهَا إِلَّا بعد ثُبُوت الْبناء بهَا وَهُوَ حسن سِيمَا مَعَ فَسَاد الزَّمَان اه. نقل ذَلِك كُله ابْن رحال فِي حَاشِيَته هُنَا. وَهْوَ لِحُرَ مُنْتَهَى الطَّلَاقِ وَحُكْمُها يَنْفُذُ بالإطلاقِ (وَهِي) مُبْتَدأ عَائِد على الثَّلَاث (لحر) يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ (مُنْتَهى الطَّلَاق) أَي غَايَته (وَحكمهَا) مُبْتَدأ (ينفذ) بِضَم الْفَاء وَالْجُمْلَة خبر (بِالْإِطْلَاقِ) يتَعَلَّق بِهِ. هَبْ أَنْها بِكَلْمةٍ قَدْ جُمِعَتْ أَوْ طَلْقَةٍ مِنْ بَعْدِ أُخْرَى ﷺ
١٦٤٨ - ; وَقَعَتْ (هَب أَنَّهَا) أَي الثَّلَاث (فِي كلمة) يتَعَلَّق بقوله: (قد جمعت) وَالْجُمْلَة خبر إِن وَهِي وَمَا دخلت عَلَيْهِ سدت مسد مفعولي هَب (أَو طَلْقَة) حَال من فَاعل وَقعت (من بعد أُخْرَى) يتَعَلَّق بمقدر صفة لطلقة (وَقعت) فَاعله ضمير الثَّلَاث. وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة جمعت والجملتان مفسرتان للإطلاق أَي الثَّلَاث هِيَ غَايَة طَلَاق الْحر، فالطلاق الزَّائِد عَلَيْهِ غير لَازم، وَحكمهَا الَّذِي هُوَ عدم حليتها إِلَّا بعد زوج نَافِذ مُطلقًا سَوَاء جمعت فِي كلمة وَاحِدَة كَقَوْلِه: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا أَو وَقعت هِيَ أَي الثَّلَاث حَال كَونهَا طَلْقَة كائنة بعد طَلْقَة، وَمَا ذكره من لُزُوم الثَّلَاث وَلَو فِي كلمة هُوَ الَّذِي بِهِ الْقَضَاء والفتيا كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، بل حكى بَعضهم عَلَيْهِ الِاتِّفَاق وَبَعْضهمْ الْإِجْمَاع. انْظُر المعيار فقد أَجَاد فِيهِ، وَانْظُر ابْن سَلمُون والمتيطية وَغَيرهمَا وَمَا ذكرُوا فِيهِ من الْخلاف دَاخل الْمَذْهَب ضَعِيف جدا حَتَّى قَالُوا: إِن حكم الْحَاكِم بِهِ ينْقض وَلَا يكون رَافعا
стр. 542
للْخلاف (خَ) أَو جعل بتة وَاحِدَة الخ. وَذكر الْبُرْزُليّ فِي نَوَازِل الْإِيمَان عَن ابْن الْعَرَبِيّ والمازري أَنَّهُمَا قَالَا: لم ينْقل القَوْل الشاذ إِلَّا ابْن مغيث لَا أغاثه الله قَالَهَا ثَلَاثًا اه. وَهَذَا مُبَالغَة فِي الْإِنْكَار بل قَالَ بَعضهم: مَا ذبحت ديكاً قطّ وَلَو أدْركْت من يحلل الْمُطلقَة ثَلَاثًا فِي كلمة لذبحته بيَدي، وَظَاهر قَوْله: طَلْقَة بعد طَلْقَة أُخْرَى أَنه لَا فرق بَين أَن يكون ذَلِك نسقاً كَأَنْت طَالِق أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق أَو مفرقاً فِي مجَالِس وَهُوَ كَذَلِك فِي الثَّانِي حَيْثُ كَانَت مَدْخُولا بهَا، وَكَانَ الطَّلَاق الثَّانِي قبل انْقِضَاء عدَّة الأول، وَأما الأول فَتَارَة يكون بِدُونِ عطف كَمَا مر فِي الْمِثَال وَتارَة بالْعَطْف بواو أَو فَاء أَو ثمَّ وعَلى كل حَال يلْزمه الثَّلَاث كَمَا هُوَ ظَاهر النّظم، سَوَاء كَانَت مَدْخُولا بهَا أم لَا. وَلَا يَنْوِي فِي إِرَادَته التَّأْكِيد فيهمَا مَعَ الْعَطف، وَإِنَّمَا يَنْوِي فِي إِرَادَته فيهمَا مَعَ عَدمه كَمَا قَالَه (خَ) وشراحه عِنْد قَوْله: وَإِن كرر الطَّلَاق بعطف وَاو الخ. وَظَاهر قَوْله فِي كلمة الخ. أوقعهَا فِي حَال الْغَضَب والمنازعة أم لَا. وَلَا يَنْوِي فِي ذَلِك وَلَو مستفتياً وَهُوَ كَذَلِك. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي أَحْكَامه الصُّغْرَى عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَالَّذين يظاهرون مِنْكُم من نِسَائِهِم﴾ (المجادلة:) الْآيَة وَلَا يسْقط الْغَضَب ظِهَارًا وَلَا طَلَاقا بل يلزمان الغضبان إِذْ فِي حَدِيث خَوْلَة كَانَ بيني وَبَين زَوجي شَيْء، وَهَذَا يدل على نزاع أخرجه فَظَاهر اه. وَقَالَ ابْن عَرَفَة عَن ابْن رشد: يَمِين الْغَضَب لَازِمَة اتِّفَاقًا اه. وَمَا وَقع فِي شرح التَّلْقِين من أَنه إِذا طَلقهَا فِي كلمة أَو كَلِمَات فِي حَال الْغَضَب أَو اللجاج أَو الْمُنَازعَة لَا يلْزمه شَيْء ويدين إِذا جَاءَ مستفتياً لِأَن ذَلِك من بَاب الْحَرج والحرج مَرْفُوع عَن هَذِه الْأمة وَلقَوْله ﵊: (لَا تعينُوا الشَّيْطَان على أخيكم الْمُسلم) وَلقَوْل عَليّ بن أبي طَالب: من فرق بَين الْمَرْء وَزَوجته بِطَلَاق الْغَصْب أَو اللجاج فرق الله بَينه وَبَين أحبائه يَوْم الْقِيَامَة قَالَه الرَّسُول ﵇ اه. كل ذَلِك لَا يَصح وَلَا يعول عَلَيْهِ، وَقد أغْلظ المسناوي ﵀ على من نقل ذَلِك وَلبس بِهِ على الْمُسلمين. وَقَالَ: إِن ذَلِك من الافتراء على الْأَئِمَّة المعتبرين المعروفين بالتحقيق التَّام. قَالَ: فَالْوَاجِب تَعْزِير من عمل بذلك أَو ركن إِلَيْهِ أَو أفتى بِهِ إِن لم يعْذر بِجَهْل اه بِاخْتِصَار. وَقد كثر السُّؤَال عَن ذَلِك فِي هَذِه الْأَزْمِنَة وَقبلهَا وينسب السَّائِل ذَلِك لكتاب التَّقْرِيب والتبيين فِي شرح التَّلْقِين، وَبَعْضهمْ للذخيرة عَن الْبَيَان. أما الذَّخِيرَة وَالْبَيَان فَلَا شَيْء فيهمَا، وَأما التَّقْرِيب والتبيين فَلَا زَالَ عَقْلِي يستبعد وجود ذَلِك فِيهِ حَتَّى منّ الله عليَّ بِالْوُقُوفِ على ذَلِك فِيهِ الْآن ونقلت مِنْهُ مَا تقدم بِاللَّفْظِ وَذكر مُتَّصِلا بِمَا مر عَنهُ مَا نَصه: قَالَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم، قلت لمُحَمد بن سَحْنُون: أَيحلُّ لي أَن أرد الْمُطلقَة ثَلَاثًا لمن جَاءَنِي مستفتياً فِي ذَلِك قَالَ: إِن كَانَ من أخيار النَّاس وَمن أهل الْوَرع فَنعم ترد عَلَيْهِ زَوجته سرا، وَإِن كَانَ سَفِيها فألزمه الثَّلَاث لِئَلَّا يستن بذلك فَلَا يحرم حَرَامًا اه لَفظه. وَهَذَا لَا يَصح أَيْضا بِحَال، وَلَا أَظن ذَلِك يصدر من عَالم يعْتد بِعِلْمِهِ وَهَذَا الشَّرْح مَجْهُول النِّسْبَة عِنْدِي فَلم أدر صَاحبه من هُوَ فَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَمد على مَا فِيهِ مِمَّا يُخَالف الجادة وَالله أعلم. وَمَفْهُوم قَول النَّاظِم: لحر أَن العَبْد مُنْتَهى طَلَاقه اثْنَتَانِ فَلَا تحل لَهُ بعدهمَا حَتَّى تنْكح زوجا غَيره، وَسَوَاء كَانَت الزَّوْجَة حرَّة أَو أمة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا كَانَت زَوجته حرَّة فمنتهى طَلَاقه ثَلَاث. فرع: لَو قَالَ: أَنْت طَالِق أَو أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِن شَاءَ الله فَإِنَّهُ يَقع طَلَاقه وَيلْزمهُ حكمه عِنْد مَالك وَأَصْحَابه، وَكَذَلِكَ الْعتْق وَلَا يعْمل قَوْله: إِن شَاءَ الله إِلَّا فِي الْيَمين بِاللَّه وَحدهَا.
стр. 543
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يَقع الطَّلَاق وَلَا الْعتْق وَلَا النّذر وَلَا مَا دخل فِيهِ قَوْله: إِن شَاءَ الله كاليمين بِاللَّه تَعَالَى. وَقَالَ أَحْمد: لَا يَقع الطَّلَاق وَيَقَع الْعتْق قَالَه القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي مسَائِله. وَمُوقِعٌ مَا دُونَها مَعْدُودُ بَيْنَهُمَا إنْ قُضِيَ التَّجْدِيدُ (وموقع) بِفَتْح الْقَاف صفة لمَحْذُوف أَي طَلَاق موقع، وَيجوز كسرهَا أَي شخص موقع (مَا) زَائِدَة على الأول وموصوفة على الثَّانِي وَاقعَة على طَلَاق (دونهَا) يتَعَلَّق بموقع على الْفَتْح وَصفَة لما على الْكسر وَالضَّمِير للثلاث (مَعْدُود) خبر على الإعرابين حذف مُتَعَلّقه أَي عَلَيْهِ (بَينهمَا) يتَعَلَّق بتجديد آخر الْبَيْت وَلَا يضر تقدمه على الشَّرْط لِأَن الظروف يتوسع فِيهَا وضميره للزوجين (إِن قضى) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالْجُمْلَة شَرْطِيَّة حذف جوابها للدلالة عَلَيْهِ (التَّجْدِيد) بالجسم نَائِب وَمَعْنَاهُ أَن الشَّخْص الْموقع لطلاق دون الثَّلَاث مَعْدُود عَلَيْهِ مَا أوقعه إِن قضى الله تَعَالَى بتجديد النِّكَاح بَينهمَا وَلَو تزَوجهَا أَجْنَبِي قبل تَجْدِيد النِّكَاح لِأَن نِكَاح الْأَجْنَبِيّ إِنَّمَا يهدم الثَّلَاث. قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي مسَائِله: سَوَاء دخل بهَا الثَّانِي أم لَا وَلَا يهدم الثَّانِي بِوَطْئِهِ طَلَاق الأول فَإِن كَانَ طَلقهَا وَاحِدَة عَادَتْ فِي النِّكَاح الثَّانِي على طَلْقَتَيْنِ وَإِن كَانَ طَلقهَا اثْنَتَيْنِ عَادَتْ إِلَيْهِ على طَلْقَة حَتَّى أَنه إِن طَلقهَا وَاحِدَة لم تحل لَهُ إِلَّا بعد زوج وَهُوَ مَذْهَب عمر وَعلي وَأبي هُرَيْرَة وَأبي بن كَعْب وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن أبي ليلى وَابْن أبي ذِئْب وَالثَّوْري وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن الْحسن صَاحب أبي حنيفَة بعد إِن كَانَ مُخَالفا. وَذهب أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف صَاحبه إِلَى أَن الزَّوْج الثَّانِي إِن أَصَابَهَا فِي نِكَاحه هدم طَلَاق الزَّوْج الأول فترجع إِلَيْهِ بعصمة جَدِيدَة، وَبِه قَالَ من الصَّحَابَة ابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
(فصل فِي ذكر أَحْكَام الْخلْع)
وَهُوَ الطَّلَاق بعوض وَلَو من غير الزَّوْجَة أَو بِلَفْظ الْخلْع على مَا مر بَيَانه، وَهَذَا الْعِوَض لَا يحْتَاج إِلَى حِيَازَة. والخَلْعُ سَائِغٌ والافْتِدَاءُ فَالافْتِدَاءُ بالَّذِي تَشَاءُ
стр. 544
(وَالْخلْع) مُبْتَدأ (سَائِغ) خَبره (والافتداء) مُبْتَدأ حذف خَبره لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ فالافتداء مُبْتَدأ وَالْفَاء جَوَاب سُؤال مُقَدّر أَي إِن أردْت مَعْرفَته (فالافتداء بِالَّذِي تشَاء) خَبره أَي بِالَّذِي تشاؤه من مَالهَا. والْخَلْعُ بِاللاَّزِمِ فِي الصَّدَاقِ أَوْ حَمْلٍ أَوْ عِدَّةٍ أَوْ إنْفَاقِ (وَالْخلْع) مُبْتَدأ (باللازم) خَبره (فِي الصَدَاق) يتَعَلَّق بِهِ أَي باللازم لَهُ فِي صَدَاقهَا من كالىء أَو حَال أَو هما فتسقطه عَنهُ ويطلقها (أَو حمل) مَعْطُوف على الصَدَاق أَي اللَّازِم لَهُ فِي حمل إِن كَانَ وَهُوَ نَفَقَتهَا الْوَاجِبَة لَهَا عَلَيْهِ (أَو عدَّة) مَعْطُوف أَيْضا على اللَّازِم فِي عدَّة وَهُوَ كِرَاء الْمسكن وَعنهُ يعبر الموثق بقوله: وبخراج عدتهَا مِنْهُ (أَو إِنْفَاق) على وَلَدهَا مِنْهُ بِأَن يخالعها على أَن عَلَيْهَا أُجْرَة رضاعه قبل الْحَوْلَيْنِ أَو على أَن عَلَيْهَا نَفَقَة مُدَّة زَائِدَة على مُدَّة الرَّضَاع أَو على إِسْقَاط حضانتها على الْوَلَد أَو على إنفاقها على بَنِينَ لَهُ من غَيرهَا أَو على زيد مثلا كَمَا يَأْتِي ابْن عَرَفَة، وفيهَا مَا الْخلْع وَمَا المباراة وَمَا الْفِدْيَة قَالَ مَالك: المباراة الَّتِي تباري زَوجهَا قبل الْبناء وَتقول: خُذ الَّذِي لَك وتاركني والمختلعة الَّتِي تختلع من كل الَّذِي لَهَا والمفتدية الَّتِي تُعْطِي بعض الَّذِي لَهَا وَكلهَا سَوَاء، ثمَّ قَالَ أَبُو عمرَان: الْخلْع وَالصُّلْح والفدية سَوَاء وَهِي أَسمَاء مُخْتَلفَة لمعان متفقة اه. وَحذف النَّاظِم المباراة مَعَ أَنَّهَا فِي الْمُدَوَّنَة مَعَ الْخلْع والفدية فِي نسق وَاحِد كَمَا ترى. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا خَالعهَا على رضَاع الْوَلَد فِي الْحَوْلَيْنِ فَفِي منعهَا من التَّزَوُّج أَقْوَال. ثَالِثهَا إِن كَانَ بِشَرْط، وَرَابِعهَا إِن كَانَ يضر بِالصَّبِيِّ لِابْنِ رشد من قَوْلهَا ذَلِك فِي الظِّئْر الْمُسْتَأْجر وَسَمَاع القرينين وَابْن نَافِع مَعَ رِوَايَة مُحَمَّد وَسَمَاع عِيسَى قَالَه ابْن عَرَفَة. وتصديره بِالْمَنْعِ يَقْتَضِي أَنه الرَّاجِح وَهُوَ ظَاهر الْبِسَاطِيّ فِي بَاب الْإِجَارَة فِي اسْتِئْجَار الظِّئْر قَالَ: وَإِذا خالعت الْمَرْأَة زَوجهَا على أَن ترْضع لَهُ الْوَلَد حَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهَا أَن تتَزَوَّج فيهمَا. قلت: الْمَنْع إِنَّمَا هُوَ لأجل الْوَطْء فَإِذا أَمن من الزَّوْج الْوَطْء فَلَا أَدْرِي يمْنَع لماذا اه. بِنَقْل بَعضهم. وَاقْتصر عَلَيْهِ فِي الطرر أَيْضا فَقَالَ مَا نَصه: إِذا صالحت الْأُم على رضَاع وَلَدهَا الصَّغِير
стр. 545
فَفِي الْجعل وَالْإِجَارَة مِنْهَا أَنَّهَا مَمْنُوعَة من التَّزْوِيج حَتَّى تتمّ مُدَّة الرَّضَاع قَالَه ابْن رشد فِي كتاب التَّمْلِيك من شرح الْعُتْبِيَّة اه وَنَحْوه للتتائي فِي كبيره، والبرزلي فِي نوازله قَائِلا هُوَ جَار على مَا فِي الرَّضَاع يُرِيد من الْمُدَوَّنَة، وَذكر ابْن نَاجِي أَن شَيْخه أفتى بِهِ وَعمل على فتواه قَالَ: وَكَانَت النَّازِلَة فِي كَون القَاضِي لم يطلع على ذَلِك إِلَّا بعد التَّزَوُّج فَمَنعه من الْوَطْء حَتَّى مَاتَ الصَّبِي عَن قرب ودرج علين ناظم الْعَمَل الْمُطلق حَيْثُ قَالَ: وَمن بإرضاع الصَّبِي اخْتلعت من النِّكَاح بِالْقضَاءِ منعت وَاقْتصر فِي معِين الْحُكَّام على ذَلِك أَيْضا وَكَذَا فِي الْمُتَيْطِيَّة واختصارها قَالَا: وتمنع الْمَرْأَة الْمُشْتَرط عَلَيْهَا رضَاع وَلَدهَا عَاميْنِ من النِّكَاح فيهمَا لما يخَاف من فَسَاد اللَّبن اه. لَكِن قَالَ ابْن سَلمُون بعد أَن عزا مَا مر لدَلِيل الْمُدَوَّنَة مَا نَصه: وَالْمَعْرُوف من قَول مَالك فِي المستخرجة أَنَّهَا تتَزَوَّج وَأَن شَرط عَلَيْهَا فِي عقد الْخلْع أَن لَا تتَزَوَّج مُدَّة الرَّضَاع قَالَ فِي التزاماته عقبه مَا نَصه: وَفِي كَلَام ابْن سَلمُون تَرْجِيح القَوْل بِأَنَّهُ لَا يلْزم وَلَو فِي مُدَّة الرَّضَاع وَهُوَ الظَّاهِر خلاف مَا يظْهر من كَلَام ابْن رشد فَتَأَمّله اه. فَتبين بِهَذَا رُجْحَان كل من الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين فِي كَلَام ابْن عَرَفَة، لَكِن الأول أقوى، وَلذَا اسْتَظْهرهُ ابْن رحال فِي شَرحه أَيْضا. وَلَا يُقَال القَوْل الأول إِنَّمَا هُوَ مخرج فَكيف جزم بِهِ من تقدم مَعَ أَن (ح) قَالَ فِي فصل إِزَالَة النَّجَاسَة: الْمُعْتَمد فِي كل نازلة على مَا هُوَ الْمَنْصُوص فِيهَا لَا على الْمخْرج لأَنا نقُول: الحكم الْقَائِم من الْمُدَوَّنَة ينزله الشُّيُوخ منزلَة نَصهَا كَمَا ينزلون إطلاقاتها وظواهرها منزلَة نَصهَا أَيْضا، فيعارضون بِهِ كَلَام غَيرهَا حَسْبَمَا ذَلِك مَنْصُوص عَلَيْهِ حَتَّى فِي (ز) عِنْد قَوْله فِي النِّكَاح: وظاهرها شَرط الدناءة. وَذكر فِي نَوَازِل الْخلْع من المعيار عَن ابْن عَطِيَّة الونشريسي مَا يُفِيد ضعف ذَلِك التَّرْجِيح، وَرجح جَوَاز تَزْوِيجهَا فِي مُدَّة الرَّضَاع كَمَا ضعف أَيْضا مَا يَأْتِي عَن الِاسْتِغْنَاء فَانْظُرْهُ إِن شِئْت، وَقد يرد بِأَن الضَّرَر مترقب قطعا كَمَا رَأَيْته فِي كَلَام الْمُتَيْطِيَّة لِأَنَّهُ تَعْلِيل بالمظنة وكما هُوَ مشَاهد بِالْعَادَةِ، وَكَون الغيلة لَا تضر على مَا ورد عَنهُ ﵊ لَا يدل على جَوَاز النِّكَاح فِي مَسْأَلَتنَا كَمَا قيل: لِأَن مَسْأَلَتنَا فِيهَا مُعَارضَة، وَمَعْلُوم مَا فِيهَا من التشاح، وَأَيْضًا فَإِن تزَوجهَا يمْنَعهَا من الِاشْتِغَال بِأَمْر الرَّضِيع كَمَا يَأْتِي، وَمَا ورد عَنهُ ﵊ إِنَّمَا هُوَ فِي أَمر عَام وَهُوَ وَطْء الْمُرْضع والأعم لَا دَلِيل فِيهِ على أخص معِين، وَلذَا قَالُوا فِي الظِّئْر الْمُسْتَأْجر يمْنَع زَوجهَا من وَطئهَا حَيْثُمَا رَضِي بإجارتها نَفسهَا كَمَا قَالَ (خَ) وَمنع زوج رَضِي من وَطْء، وَبِهَذَا تعلم أَن قَوْلهم تمنع من النِّكَاح أَي من وَطئه وإلاَّ فَلَا يفْسخ العقد إِن وَقع على مَا مر عَن ابْن نَاجِي، وَسَيَأْتِي فِي التَّنْبِيه بعده مَا يَقْتَضِي ذَلِك. الثَّانِي: ظَاهر كَلَام ابْن عَرَفَة بل صَرِيحه أَن مَحل الْأَقْوَال الْمُتَقَدّمَة مَعَ اشْتِرَاط عدم التَّزَوُّج وَجعلهَا فِي الشَّامِل و (ح) فِي التزاماته مَعَ عدم الِاشْتِرَاط، ثمَّ قَالَ ابْن عَرَفَة، إِثْر مَا مر عَنهُ مَا نَصه: وَشرط عدم نِكَاحهَا بعد الْحَوْلَيْنِ لَغْو. ابْن رشد اتِّفَاقًا قَالَ (ح) فِي التزاماته. وَمَا ذكره ابْن رشد من الِاتِّفَاق على أَنه لَا يلْزمهَا ترك النِّكَاح فِيمَا بعد الْحَوْلَيْنِ مُخَالف لما ذكره ابْن سَلمُون عَن كتاب الِاسْتِغْنَاء من أَن الْأُم إِذا التزمت حضَانَة بنيها وَتَزَوَّجت فسخ النِّكَاح حَتَّى يتم أمد الْحَضَانَة قَالَ بَعضهم: يُرِيد قبل الْبناء ثمَّ قَالَ (ح) : وَلَا شكّ أَن مَا قَالَه ابْن رشد لم يكن مُتَّفقا
стр. 546
عَلَيْهِ فَهُوَ الظَّاهِر اه. وَتَأمل ذَلِك مَعَ أَن (ح) نَفسه اقْتصر فِي بَاب الْحَضَانَة من الْمُخْتَصر على مَا فِي كتاب الِاسْتِغْنَاء من فسخ النِّكَاح، وَكَذَا (ز) هُنَاكَ. قلت: وَهُوَ مَا يفِيدهُ قَوْلهم فِي بَاب الْحَضَانَة أَن الْمَرْأَة إِذا تزوجت اشتغلت بِأَمْر الزَّوْج فَتسقط حضانتها بذلك، وَهنا قد تعلق حق الْوَلَد بل وَالزَّوْج بحضانتها بِنَفسِهَا، وعَلى ذَلِك أرسل الْعِصْمَة من يَده فَهُوَ حق تعلق بِعَين الْمَرْأَة، فَلَيْسَ لَهَا أَن تشغل نَفسهَا بِغَيْر مَا وَقع عقد الْخلْع عَلَيْهِ فَيكون هَذَا أرجح من جِهَة النّظر. وَقَالَ الْبُرْزُليّ إِثْر تِلْكَ الْأَقْوَال مَا نَصه: وَانْظُر مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْم أَنَّهَا تتحمل بِهِ أَي الْوَلَد عازبة كَانَت أَو متزوجة وَإِن بدلت الْأزْوَاج أَو سَافَرت فَلَا ينتزع مِنْهَا هَل يُوفي بِهَذَا أم لَا؟ وَهِي عِنْدِي تجْرِي على هَذَا لِأَن من حق الْوَلَد أَن لَا يجتمعا على ضَرَره فِي القَوْل الأول، وعَلى الثَّانِي يكون أَحْرَى فِي جَوَاز تَزْوِيجهَا لشرطها اه بِلَفْظ الِاخْتِصَار. وَهَذَا يُؤَيّد مَا فِي كتاب الِاسْتِغْنَاء من الْفَسْخ لِأَن الْحق فِي ذَلِك للْوَلَد كَمَا يُؤَيّد القَوْل الأول من تِلْكَ الْأَقْوَال وَلَا إِشْكَال إِلَّا أَنه يُقَال مَحل الْفَسْخ قبل الْبناء على القَوْل بِهِ إِذا لم يتراضيا على تَأْخِير الدُّخُول إِلَى انْقِضَاء مُدَّة الْحَضَانَة. وَقَالَ الفشتالي فِي وثائقه مَا نَصه: وَبَعْضهمْ يشْتَرط عَلَيْهَا وتشترط عَلَيْهِ أَن لَا ينتزع الْوَلَد مِنْهَا تزوجت أَو تأيمت أَو سَافَرت أَو سَافر هُوَ أَو أَقَامَ، ثمَّ قَالَ: فَإِن سقط ذَلِك الشَّرْط من عقد الْخلْع وَتَزَوَّجت سَقَطت حضانتها، وَكَذَا إِن سَافَرت أَو سَافر هُوَ لمَكَان بعيد أَقَله على خلاف مَا تقصر فِيهِ الصَّلَاة اه. فَفِيهِ دَلِيل لرجحان إِعْمَال الشَّرْط الْمَذْكُور، بل وَصرح بلزومه فِي الالتزامات فِي النَّوْع الْخَامِس من الْبَاب الثاث فَانْظُرْهُ. الثَّالِث: إِذا خالعته على أَن عَلَيْهَا نَفَقَة الْبَنَات وَأَن الْأَمر لَهَا فِي تزويجهن وَيكون الْعَاقِد عَلَيْهِنَّ غَيرهَا جَازَ ذَلِك وَهل لَهُ عزلها لِأَنَّهُ وكَالَة مِنْهَا لَهَا؟ قَالَ (ح) فِي التزاماته: لَا سَبِيل لَهُ لعزلها. نَقله ابْن رحال هَهُنَا. الرَّابِع: إِذا خَالعهَا بِنَفَقَة الْوَلَد عازبة كَانَت أَو متزوجة وَقُلْنَا لَا ينْزع مِنْهَا إِن تزوجت على مَا مر قَرِيبا فَتحمل الزَّوْج الثَّانِي لَهَا بِنَفَقَة الْوَلَد طَوْعًا فَلَا سَبِيل لرجوع الزَّوْجَة على وَلَدهَا إِن كَانَ لَهُ مَال بِمَا أنفقهُ عَلَيْهِ المتحمل الْمَذْكُور كَمَا هُوَ وَاضح، وَإِنَّمَا يبْقى الْكَلَام إِذا لم تتحمل هِيَ بِنَفَقَة الْوَلَد وَكَانَت تَأْخُذ نَفَقَته من أَبِيه فَفِي الْبُرْزُليّ وَقعت مَسْأَلَة وَهِي امْرَأَة لَهَا أَوْلَاد تَأْخُذ نَفَقَتهم من أَبِيهِم وَتَزَوَّجت رجلا وشرطت عَلَيْهِ نَفَقَة الْأَوْلَاد أَََجَلًا مَعْلُوما أَو تطوع بِهِ بعد العقد مُدَّة الزَّوْجِيَّة، وأرادت الرُّجُوع بذلك على أَبِيهِم فَوَقَعت الْفتيا إِن كَانَ ذَلِك مَكْتُوبًا فِي حُقُوقهَا يجب لَهَا الرُّجُوع مَتى شَاءَت وإسقاطه لزَوجهَا، فلهَا أَن ترجع بنفقتهم على أَبِيهِم فَإِن كَانَ ذَلِك للْوَلَد فَلَا رُجُوع على أَبِيهِم بِشَيْء وَهُوَ جَار على الْأُصُول كَأَنَّهُ شَيْء وهب للْوَلَد فنفقته على نَفسه لَا على أَبِيه وَالْأول مَال وهب لأمه فَإِذا أنفقته على الْوَلَد رجعت بِهِ على أَبِيه اه. بِنَقْل (ح) أول الالتزامات فاستفيد مِنْهُ أَنه حَيْثُ فعل الزَّوْج الثَّانِي ذَلِك حُرْمَة للْأُم فلهَا الرُّجُوع على أَبِيه أَو عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَال وَقت تحمل الثَّانِي وَاسْتمرّ لوقت قِيَامهَا كَمَا اسْتُفِيدَ مِنْهُ أَيْضا أَنه إِذا تحمل الزَّوْج بِنَفَقَة الْوَلَد فِي العقد لمُدَّة مَعْلُومَة فَإِن النِّكَاح صَحِيح وَهُوَ الَّذِي رَجحه ابْن رشد حَسْبَمَا فِي الالتزامات فِي الْمحل الْمَذْكُور. الْخَامِس: إِذا قُلْنَا لَهَا التَّزَوُّج فِي مُدَّة الرَّضَاع أَو مُدَّة الْحَضَانَة فَلَا إِشْكَال أَن حضانتها
стр. 547
تسْقط بِالتَّزْوِيجِ ويلزمها أَن تدفع أُجْرَة الْحَضَانَة لمن انْتَقَلت إِلَيْهِ على مَا بِهِ الْعَمَل من وجوب الْأُجْرَة للحاضنة إِذْ على ذَلِك وَقع إرْسَال الْعِصْمَة كَمَا يفِيدهُ جَوَاب الوانغيلي فِي نَوَازِل الْخلْع من المعيار. السَّادِس: ذكر فِي المعيار أَيْضا فِي الْمحل الْمَذْكُور عَن ابْن لب أَن نَفَقَة الْوَلَد الَّتِي وَقع الْخلْع عَلَيْهَا تسْقط بطرو المَال للْوَلَد من إِرْث أَو هبة أَو نَحْوهمَا، وَذكر أَيْضا مُتَّصِلا بِهِ عَن ابْن عتاب أَن ولد المختلعة الَّتِي تحملت بِنَفَقَتِهِ إِذا تعلم صَنْعَة فَإِن أجرته تستعين بهَا الْأُم على نَفَقَته وَلَا توقف للِابْن، إِذْ لَيْسَ للصَّبِيّ كسب مَا دَامَ فِي الْحَضَانَة قَالُوا: وَهُوَ الرَّاجِح. وَهَذَا بِخِلَاف الطوع فَإِن من طاع بِالْتِزَام نَفَقَة صَغِيرَة مثلا كالزوج يلْتَزم نَفَقَة ربيبه مُدَّة الزَّوْجِيَّة فَإِنَّمَا يلْزمه الْإِنْفَاق مَا دَامَ صَغِيرا لَا يقدر على الْكسْب كَمَا فِي ابْن سَلمُون والتزامات (ح) لَكِن استشكله الْبِسَاطِيّ فِي وثائقه بِأَنَّهُ الْتزم النَّفَقَة مُدَّة الزَّوْجِيَّة، فَكيف تسْقط عَنهُ بقدرة الْوَلَد على الْكسْب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم لاحظوا أَن سَبَب الْتِزَامه إِسْقَاط كلفتهم عَن الْأُم وبقدرتهم على الْكسْب انْتَفَت الْعلَّة كَمَا قَالُوا ذَلِك فِي المختلعة بِنَفَقَة الْوَلَد قَالَه أَبُو الْعَبَّاس الملوي ﵀. السَّابِع: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: إِذا خَالعهَا عَن أَن لَا تطلبه بِشَيْء فَظهر بهَا حمل فَقَالَ مَالك تلْزمهُ النقة اه. الثَّامِن: فَإِن خالعته على إِسْقَاط نَفَقَة حملهَا أَو وَلَدهَا فعجزت فَإِن الزَّوْج يُؤمر بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ويتبعها إِن أَيسَرت كَمَا فِي الالتزامات وَهُوَ الْمَشْهُور وَبِه الْعَمَل، فَإِن كَانَت أشهدت أَنَّهَا لَا تَدعِي فِي النَّفَقَة عَجزا وَلَا عدماً فَلَا تسمع دَعْوَاهَا الْعَجز وَلَا بينتها إِلَّا أَن يشْهدُوا بذهاب مَالهَا كَمَا فِي المعيار والالتزامات أَيْضا، لَكِن قَيده فِي الالتزامات بِمَا إِذا كَانَ حَال الْمَرْأَة مَجْهُولا، وَلم يشْهد بعدمها إِلَّا شَاهِدَانِ أَو نَحْو ذَلِك، وَأما إِن كَانَت مَعْلُومَة بالإعسار والعدم بِحَيْثُ يشْهد بذلك غَالب من يعرفهَا، ويغلب على الظَّن أَن مَا أشهدت بِهِ من الوفر كذب فَلَا يلْتَفت إِلَى مَا أشهدت بِهِ من الوفر اه. قلت: وَهَذَا التَّقْيِيد ظَاهر فِي كل مَدين أشهد بالوفر الْمشَار لَهُ بقول ناظم الْعَمَل الْمُطلق: وَمن أقرّ بالملاثم ادّعى بِأَنَّهُ ذُو عدم مَا انتفعا بِمن لَهُ يشْهد حَتَّى يعلمَا تلف مَاله بِأَمْر هجما ثمَّ ذكر فِي الشَّرْح عَن ابْن نَاجِي أَنه لَا تَنْفَعهُ بَينته بِالْعدمِ وَإِن كَانَ مَجْهُول الْحَال أَو مَعْلُوما بالفقر لِأَن إشهاده بالوفر ينزله منزلَة مَعْلُوم الملاء. قَالَ: وَبِه الْعَمَل اه. فَهُوَ يُعَكر على تَقْيِيد (ح) وَإِن كَانَ تَقْيِيده أظهر معنى. التَّاسِع: ذكر فِي الالتزامات والمعيار عَن ابْن رشد وَابْن الْحَاج أَن الْمَرْأَة إِذا خالعت زَوجهَا على تَسْلِيم صَدَاقهَا وعَلى أَنَّهَا إِن تزوجت قبل انْقِضَاء عَام من تَارِيخ الْخلْع فعلَيْهَا مائَة مِثْقَال فَإِنَّهَا إِذا تزوجت قبل الْعَام لَا شَيْء عَلَيْهَا، إِذْ شَرطه بَاطِل وَالْخلْع جَائِز، ثمَّ نقل عَن ابْن الضَّابِط أَنَّهَا إِذا خالعته على أَنَّهَا إِن ردَّتْ زَوجهَا الأول قبل عشْرين سنة فعلَيْهَا لَهُ مائَة دِينَار أَن ذَلِك لَازم إِذا ردَّتْ زَوجهَا الأول فَقَالَ (ح) مَا لِابْنِ رشد وَابْن الْحَاج جَار على الْمَشْهُور، وَمَا لِابْنِ الضَّابِط مُقَابل لَهُ.
стр. 548
قلت: وَفرق كثير من الفاسيين وأفتوا بِهِ على مَا حَكَاهُ عَنْهُم أَبُو الْعَبَّاس الملوي بَينهمَا بِأَن الأول بِمَنْزِلَة مَا إِذا بَاعه على أَن لَا يَبِيع من أحد بِخِلَاف الثَّانِيَة فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة مَا إِذا بَاعه على أَن لَا يَبِيع من زيد مثلا فَالْبيع صَحِيح. قَالَ الشَّيْخ (ت) : إِنَّمَا يتم الْقيَاس لَو جَازَ البيع على شَرط أَن لَا يَبِيع من فلَان وَإِن بَاعه مِنْهُ زَاده فِي الثّمن كَذَا اه. قلت: بل الْقيَاس تَامّ لِأَن الْمُعَلق على شَرط جَائِز شرعا يَصح بِصِحَّة شَرطه بِخِلَاف الْمُعَلق على فَاسد فَيبْطل بِبُطْلَان الْمُعَلق عَلَيْهِ، فَالظَّاهِر مَا فرقوا بِهِ دون مالح فَتَأَمّله. الْعَاشِر: لَو خَالعهَا على إِسْقَاط حضانتها فَقَامَتْ الْجدّة وأرادت أَخذ الْوَلَد فَقَالَ مَالك: إِن كَانَ الْأَب مُعسرا فَلَيْسَ للجدة أَن تَأْخُذهُ وَإِن كَانَ مُوسِرًا كَانَ للجدة أَخذه وَتَأْخُذ من الْأَب أُجْرَة رضاعه على معنى مَا فِي الْمُدَوَّنَة اه من ابْن رشد. وَهَذَا قَول فِي الْمَسْأَلَة وَالثَّانِي أَنه لَا كَلَام لغير المسقطة وَهُوَ الْمَنْصُوص فِي الْمُدَوَّنَة قَالَ طفي: وَهُوَ الْمُعْتَمد وَنقل كَلَامهَا فَانْظُرْهُ فِيهِ، لَكِن اعْترض ذَلِك بَعضهم عَلَيْهِ وَألف فِي ذَلِك وَقَالَ: إِن هُنَا مَسْأَلَتَيْنِ. الأولى: إِذا خالعت الْأُم بِإِسْقَاط حضانتها هَل يمْضِي عَلَيْهَا ذَلِك ويلزمها مَا أسقطته من الْحَضَانَة أَو يلْزم الطَّلَاق وَلَا تسْقط الْحَضَانَة وَيكون الْوَلَد لَهَا؟ قَولَانِ. لَهَا ولعَبْد الْملك بِنَاء على أَن الْحَضَانَة حق للمحضون وَهَذِه فِيهَا هُوَ الْمَشْهُور وَهُوَ الأول الَّذِي هُوَ مذهبها. وَالْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: إِذا بنيتا على الْمَشْهُور من سُقُوط حق الْأُم وَكَانَت هُنَاكَ جدة مثلا فَقَامَتْ بِحَقِّهَا هَل لَهَا ذَلِك أم لَا؟ قَولَانِ. للموثقين وَلَيْسَ فِيهَا مَشْهُور وَلَا مُقَابلَة. نعم ذكر المتيطي أَن الْعَمَل على الأول، وَقَالَ غير وَاحِد من الموثقين، وَقَالَ أَبُو عمرَان: إِنَّه هُوَ الْقيَاس، قَالَ: بل ذكر ابْن غَازِي وَغَيره عَن غير وَاحِد أَن الْفَتْوَى فِيمَا إِذا أسقطت الْجدّة وَنَحْوهَا حضانتها مَعَ الْأُم حَال الْخلْع أَنَّهَا لَا تسْقط، فَكيف إِذا لم تسقطها كَمَا فِي نازلتنا، ثمَّ ذكر نقولاً تفِيد أَن الْمُعْتَمد أَن للجدة الْقيام قَالَ خلافًا لما أفتى بِهِ جمَاعَة من أَصْحَابنَا من أَنه لَا قيام للجدة، وَأَن الْحَضَانَة تنْتَقل للزَّوْج على الْمَشْهُور مغترين بِمَا وَقع من السَّهْو للعلامة طفي اه. الْغَرَض مِنْهُ بِاخْتِصَار مَعَ تَقْدِيم وَتَأْخِير. قلت: ظَاهر هَذَا القَوْل الَّذِي بِهِ الْعَمَل الْمَذْكُور أَن الْحَضَانَة تنْتَقل للجدة مُطلقًا كَانَ الْأَب مُوسِرًا أَو مُعسرا وَذَلِكَ ظَاهر على القَوْل بِأَنَّهُ لَا أُجْرَة للحاضنة وإلاَّ فللنظر فِيهِ مجَال. الْحَادِي عشر: مَحل جَوَاز الْخلْع بِإِسْقَاط الْحَضَانَة مَا لم يتَعَلَّق الْوَلَد بِأُمِّهِ أَو يكون عَلَيْهَا فِي ذَلِك ضَرَر وَإِلَّا فَلَا يجوز قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. الثَّانِي عشر: مَحل مَا مر من أَن الْحق ينْتَقل للجدة وَالْخَالَة وَنَحْوهمَا مَا لم تسْقط الْجدّة وَنَحْوهَا حضانتها بعد إِسْقَاط الْأُم وإلاَّ بِأَن أسقطت بعْدهَا كَمَا لَو قَالَ الموثق، ثمَّ بعد إِسْقَاط الْأُم أسقطت الْجدّة حضانتها فَلَا كَلَام لَهَا، وَأما إِن كتب أَنه خَالعهَا على أَن أسقطت حضانتها وأسقطت جدته أَو خَالَته مثلا حجتها فِيمَا يرجع إِلَيْهَا من الْحَضَانَة فَإِن حضَانَة الْجدّة وَنَحْوهَا لَا تسْقط لِأَنَّهُ من إِسْقَاط الْحق قبل وُجُوبه إِذْ الْوَاو لَا تَقْتَضِي ترتيباً قَالَه ابْن الفخار وَبِه الْفَتْوَى كَمَا مر. الثَّالِث عشر: لَا يجوز الْخلْع على تَأْخِير الصَدَاق الْحَال أَو بعضه فَإِن وَقع فَإِن الطَّلَاق نَافِذ وَالصَّدَاق على حُلُوله قَالَه فِي الكراس السَّابِع من أنكحة المعيار.
стр. 549
وَلَيْسَ للأَبِ إذَا مَاتَ الْوَلَدْ شَيْءٌ وَذَا بِهِ القَضاءُ فِي المُدَدْ (وَلَيْسَ) فعل نَاقص (للْأَب) خَبَرهَا (إِذا) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه مُتَعَلق بالاستقرار فِي الْخَبَر (مَاتَ الْوَلَد) جملَة فعلية فِي مَحل جر بِإِضَافَة إِذا (شَيْء) اسْم لَيْسَ (وَذَا) مُبْتَدأ (بِهِ) خبر عَن قَوْله (الْقَضَاء) وَالْجُمْلَة خبر ذَا (فِي المدد) جمع مُدَّة كغرفة يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر، وَالْمعْنَى أَن الْمَرْأَة إِذا اخْتلعت بإرضاع وَلَدهَا إِلَى فطامه أَو بِنَفَقَتِهِ إِلَى وَقت قدرته على الْكسْب فَمَاتَ الْوَلَد قبل انْقِضَاء الْمدَّة المشترطة فَإِنَّهُ لَا شَيْء للْأَب على الْمَرْأَة لِأَن الْمَقْصُود أَن تكفيه مُؤنَة الرَّضَاع وَالنَّفقَة وَقد كفيت. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَبِه الْقَضَاء كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة وَابْن سَلمُون وَغَيرهمَا. وَرُوِيَ عَن مَالك أَنه يرجع عَلَيْهَا بِمَا يَنُوب بَاقِي الْمدَّة، وَظَاهره أَنه لَا شَيْء للْأَب سَوَاء شَرط عَلَيْهَا عَاشَ الْوَلَد أَو مَاتَ أم لَا. وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ مَعَ الشَّرْط الْمَذْكُور يرجع عَلَيْهَا بباقي الْمدَّة كَمَا يَأْتِي، وَمَفْهُوم مَاتَ الْوَلَد أَنَّهَا إِذا مَاتَت هِيَ والموضوع بِحَالهِ فَإِنَّهُ يُوقف من تركتهَا مَا يَفِي بِنَفَقَة بَاقِي الْمدَّة ويحاصص بِهِ غرماءها كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَإِن تمت اختلاع وَقفا الخ. وَانْظُر لَو التزمت بِنَفَقَتِهِ وأطلقت فأنفقت عَلَيْهِ سِتَّة أَو شهرا وَقَالَت: هَذَا الَّذِي أردْت وخالفها الزَّوْج فِي ذَلِك هَل القَوْل كَمَا قَالُوهُ فِي المتطوع بِنَفَقَة شخص بِغَيْر خلع حَسْبَمَا فِي أَوَائِل مسَائِل الِالْتِزَام أَو يكون القَوْل للزَّوْج لِأَن هَذَا من بَاب الْمُعَاوضَة، فيلزمها أَن تنْفق عَلَيْهِ إِلَى سُقُوط نَفَقَته شرعا، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَن الأَصْل عدم خُرُوج عصمته من يَده إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي يَقْصِدهُ فَهُوَ مُصدق بِيَمِينِهِ، وَلَا سِيمَا إِن كَانَ عرفهم ذَلِك وَالله أعلم. والخُلْعُ بالإنْفَاق مَحْدُود الأَجَلْ بَعْدَ الرّضَاعِ بِجَوَازِهِ العَمَلْ (وَالْخلْع) مُبْتَدأ (بِالْإِنْفَاقِ) يتَعَلَّق بِهِ (مَحْدُود الْأَجَل) بِالنّصب حَال مِنْهُ (بعد الرَّضَاع) يتَعَلَّق بِالْإِنْفَاقِ أَو بمحدود (بِجَوَازِهِ) خبر عَن قَوْله (الْعَمَل) . وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالْمعْنَى أَن الْعَمَل جرى بِجَوَاز الْخلْع بِالْإِنْفَاقِ الْمَحْدُود الْأَجَل كأربع سِنِين أَو خمس بعد مُدَّة الرَّضَاع، أَو إِلَى حد سُقُوط الْفَرْض عَنهُ شرعا وَنَحْو ذَلِك، وَظَاهره كَانَ الْإِنْفَاق مِنْهَا أَو من غَيرهَا وَهُوَ كَذَلِك (خَ) وبعوض من غَيرهَا إِن تأهل وَمُقَابل الْعَمَل هُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة. وَرِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك وَأَنه لَا يجوز وَيسْقط الزَّائِد على الْحَوْلَيْنِ، وَقَوله بعد الرَّضَاع: يَقْتَضِي أَن هَذَا فِي خُصُوص الْوَلَد الَّذِي ترْضِعه وَلَيْسَ كَذَلِك، بل لَو شَرط عَلَيْهَا نَفَقَة نَفسه أَو نَفَقَة بَنِينَ لَهُ مِنْهَا أَو من غَيرهَا أعواماً مَعْلُومَة كخمس عشرَة سنة وَنَحْوهَا لجَاز ذَلِك أَيْضا على مَا بِهِ الْعَمَل كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، وَلَا يجوز مَا زَاد على الْحَوْلَيْنِ فِي ذَلِك أَيْضا على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة كالرضيع سَوَاء بِسَوَاء، وعَلى مَذْهَب ابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة درج (خَ) حَيْثُ قَالَ: وَجَاز شَرط نَفَقَة وَلَدهَا مِنْهُ مُدَّة رضاعه فَلَا
стр. 550
نَفَقَة للْحَمْل وَسَقَطت نَفَقَة الزَّوْج أَو غَيره وزائد شَرط كموته الخ. وَفهم من قَوْله بعد الرَّضَاع أَنه فِي مُدَّة الرَّضَاع يجوز شَرطه عَلَيْهَا إِنْفَاق نَفسه أَو رضيعه أَو غَيرهمَا وَهُوَ كَذَلِك قَالَ بَعضهم اتِّفَاقًا: وَمَفْهُوم قَوْله مَحْدُود الْأَجَل أَنه إِذا لم يكن لذَلِك أجل مَحْدُود لم يجز كتأجيله بقدوم زيد أَو يسر الْأَب مثلا وتأمله مَعَ قَول (خَ) وَعجل أَي الْخلْع الْمُؤَجل بِمَجْهُول وتؤولت أَيْضا بِقِيمَتِه فَإِن ابْن مُحرز قَالَ: تَعْجِيله مُخَالف لجَوَاز الْخلْع بالغرر، وَقَالَ اللَّخْمِيّ: لَا وَجه لتعجيله وتعجيله ظلم اه. وَظَاهره تَعْجِيله وَلَو حداه بِمدَّة الْحَيَاة، لَكِن الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلهم يجوز الْغرَر فِي الْخلْع هُوَ أَنَّهُمَا إِن حداه بِمدَّة الْحَيَاة وَمَات الْوَلَد سَقَطت كَمَا مر، وَإِن مَاتَت هِيَ فَيُوقف من مَالهَا مَا يَفِي بِنَفَقَتِهِ إِلَى تَمام سبعين سنة كمن أوصى بِنَفَقَة رجل حَيَاته فَإِنَّهُ يُوقف من ثلثه مَا يقوم بِهِ مُنْتَهى سبعين سنة كَمَا فِي (ح) أول الِالْتِزَام فَتَأمل ذَلِك وَالله أعلم. وَجَازَ قَوْلاً وَاحِداً حَيْثُ التُزِمْ ذَاكَ وَإنْ مُخَالِعٌ بِهِ عُدِمْ (وَجَاز) فَاعله ضمير الْخلْع (قولا) مَنْصُوب على إِسْقَاط الْخَافِض (وَاحِدًا) نعت لَهُ أَي جَازَ الْخلْع حَال كَون جَوَازه ثَابتا على كل قَول (حَيْثُ) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه (الْتزم) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (ذَاك) نَائِب وَالْإِشَارَة للاتفاق، وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة حَيْثُ (وَإِن مخالع) نَائِب عَن فعل مُقَدّر يفسره مَا بعده (بِهِ) يتَعَلَّق بمخالع وَالْبَاء للتعدية لَا للسَّبَبِيَّة وَهُوَ من بَاب الْحَذف والإيصال أَي: وَإِن عدم مخالع بالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ (عدم) أَي مَاتَ. وَمثل هَذِه الْوَاو الدَّاخِلَة على أَن يسميها ابْن غَازِي وَاو النكاية ويسميها شرَّاح (خَ) عاطفة على مَعْطُوف مُقَدّر أَي عَاشَ الْوَلَد أَو مَاتَ فَهِيَ بِمَعْنى (أَو) وَجَوَاب حَيْثُ مَحْذُوف للدلالة عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَن الْمَرْأَة إِذا اخْتلعت بِالْإِنْفَاقِ على وَلَدهَا أَو غَيره مُدَّة مَعْلُومَة زَائِدَة على الْحَوْلَيْنِ عَاشَ المخالع بِنَفَقَتِهِ أَو مَاتَ فَإِن ذَلِك جَائِز اتِّفَاقًا من ابْن الْقَاسِم وَغَيره، ويرتفع الْخلاف فِي الْقَضِيَّة حِينَئِذٍ قَالَه فِي النِّهَايَة. قَالَ: وَهُوَ مثل من بَاعَ دَارا على أَن ينْفق المُشْتَرِي عَلَيْهِ مُدَّة مَعْلُومَة فَهُوَ جَائِز، وَإِذا جَازَ فِي البيع فَهُوَ فِي الْخلْع أجوز اه. ثمَّ إِذا مَاتَ الْوَلَد وَنَحْوه فِي هَذِه أَخذ وَارثه مِنْهَا بَاقِي الْمدَّة مشاهرة حَتَّى يتم الْأَجَل، وَإِن مَاتَت هِيَ أَخذ من مَالهَا نَفَقَته فِي الْمدَّة المشترطة
стр. 551
من غير إيقاف لِأَنَّهُ دين حل بموتها، وَلَا فَائِدَة فِي الإيقاف لِأَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهَا على كل حَال وَلَو مَاتَ الْوَلَد وَنَحْوه بعْدهَا لورث ذَلِك ورثته. ثمَّ اعْلَم أَن الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيب الطبيعي تَقْدِيم هذَيْن الْبَيْتَيْنِ على قَوْله: وَلَيْسَ للْأَب الخ. ثمَّ يَقُول: وَإِن تمت ذَات اختلاع الْبَيْتَيْنِ ثمَّ يَقُول: وَمن يُطلق زَوْجَة الْبَيْتَيْنِ أَيْضا إِذْ الْكل مُفَرع على قَوْله هُنَا وَالْخلْع بِالْإِنْفَاقِ الخ. وَلَعَلَّ نَاسخ المبيضة قدم وَأخر وَالله أعلم. تَنْبِيهَانِ. الأول: إِذا خَالع امْرَأَته على أَن سلمت لَهُ وَلَدهَا مِنْهُ وَأَنَّهَا إِن أَرَادَت أَخذه فَلَيْسَ لَهَا ذَلِك إِلَّا أَن تلتزم عَن الْأَب مُؤْنَته فَإِن ذَلِك خلع جَائِز نَافِذ حَتَّى على قَول ابْن الْقَاسِم قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. الثَّانِي: ذكر (ح) فِي التزاماته أَن مَا يَأْتِي فِي قَول النَّاظِم: وَمن يُطلق زَوْجَة ويرتجع الْبَيْتَيْنِ يجْرِي حَتَّى فِي هَذِه الصُّورَة الْمَذْكُورَة فِي التَّنْبِيه عَن الْمُتَيْطِيَّة دون الَّتِي فِي النّظم الَّتِي هِيَ قَوْله: وَجَاز قولا وَاحِدًا الخ. فَإِن النَّفَقَة لَا تسْقط عَنهُ بارتجاعها. ولِلأَبِ التَّرْكُ مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ وَضْعُهُ لِلْبِكْرِ فِي الطَّلَاقِ (وَللْأَب) خبر عَن قَوْله (التّرْك) وَقَوله: (من الصَدَاق) يتَعَلَّق بِالتّرْكِ (أَو وَضعه) بِالرَّفْع مَعْطُوف على التّرْك (للبكر) يتنازع فِيهِ ترك وَوضع (فِي الطَّلَاق) يتَعَلَّق بالمعطوف الْمَذْكُور، وَمعنى الشَّرْط الأول أَنه يجوز فِي نِكَاح التَّسْمِيَة للْأَب دون غَيره من الْأَوْلِيَاء أَن يتْرك بعد العقد وَقبل الْبناء عَن الزَّوْج شَيْئا من صدَاق ابْنَته الْبكر الَّتِي لم يرشدها إِذا كَانَ ذَلِك سداداً ونظراً قَالَه ابْن الْقَاسِم. وَقَالَ مَالك: للْأَب أَن يُزَوّج الْبكر بِأَقَلّ من صدَاق الْمثل على النّظر، وَلَا يحط من الصَدَاق بعد العقد إِلَّا على الطَّلَاق، وَهُوَ معنى الشَّرْط الثَّانِي أَي يجوز للْأَب أَيْضا دون غَيره أَن يضع عَن الزَّوْج بعد العقد جَمِيع النّصْف على الطَّلَاق أَو بعد وُقُوع الطَّلَاق قبل الْبناء كَانَ ذَلِك نظرا أم لَا. لقَوْله تَعَالَى: إِلَّا أَن يعفون﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٧) أَي المالكات لأمر أَنْفسهنَّ: أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٧) وَهُوَ الْأَب عِنْد مَالك وَأما السَّيِّد فَلهُ إِسْقَاط مهر أمته كُله قبل الدُّخُول وَبعده، وَقبل الطَّلَاق وَبعده قَالَه فِي الْجلاب. قَوْله: فِي الطَّلَاق أَي فِي شَأْن
стр. 552
الطَّلَاق أَعم من أَن يكون عِنْد الطَّلَاق أَو بعده، وَهَذَا أولى من جعل (فِي) بِمَعْنى (على) أَو (بعد) وَإِلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ أَشَارَ (خَ) لقَوْله: وَجَاز عَفْو أبي الْبكر عَن نصف الصَدَاق قبل الدُّخُول وَبعد الطَّلَاق. ابْن الْقَاسِم: وَقَبله لمصْلحَة وَهل وفَاق؟ تَأْوِيلَانِ. وَقَوْلِي فِي نِكَاح التَّسْمِيَة احْتِرَاز من نِكَاح التَّفْوِيض فَإِنَّهُ يجوز ذَاك للْأَب قبله وَبعده وللوصي قبله كَمَا أَفَادَهُ (خَ) بقوله: وَالرِّضَا بِدُونِهِ للمرشدة وَللْأَب وَلَو بعد الدُّخُول وللوصي قبله لَا الْمُهْملَة الخ. وَظَاهر قَوْله: التّرْك من الصَدَاق كَانَ نظرا أم لَا. وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا رَأَيْته. وَقَوْلِي: الَّتِي لم ترشد احْتِرَازًا من المرشدة فَإِنَّهَا الَّتِي تنظر لنَفسهَا، وَمَفْهُوم الْبكر أَن الثّيّب لَيْسَ لَهُ ذَلِك فِيهَا وَهُوَ كَذَلِك حَيْثُ لم يكن لَهُ جبرها على النِّكَاح، وأشعر قَوْله الْبكر أَيْضا أَنه إِن دخل بهَا لم يكن لَهُ ترك شَيْء من صَدَاقهَا وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي الْجلاب والقرافي نَقله طفي وأشعر قَوْله التّرْك أَن ذَلِك بعد العقد كَمَا قَررنَا، فيفهم مِنْهُ أَنه يجوز لَهُ أَن يُزَوّجهَا ابْتِدَاء بِأَقَلّ من صدَاق مثلهَا على وَجه النّظر بالأحرى وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة عَن مَالك، وَانْظُر مَا تقدم فِي بَاب الصُّلْح عِنْد قَوْله: وَالْبكْر وَحدهَا تخص هَهُنَا الخ. وَبِالْجُمْلَةِ فالتأويلان فِي كَلَام (خَ) مَحلهمَا كَمَا هُوَ ظَاهره إِذا تحققت الْمصلحَة، وَهُوَ ظَاهر الْمُدَوَّنَة وَظَاهر ابْن الْحَاجِب أَيْضا. قَالَ ابْن عبد السَّلَام: وَهُوَ الصَّحِيح لَا مَا قَالَ ابْن بشير: من أَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ إِذا جهلت الْمصلحَة أما إِذا تحققت فيتفق مَالك وَابْن الْقَاسِم على الْجَوَاز، وَإِن تحقق عدم وجودهَا فيتفقان أَيْضا على عدم الْجَوَاز، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ عِنْد الْجَهْل فَظَاهر قَول مَالك بِعَدَمِ الْجَوَاز لِأَن الأَصْل فِي إِسْقَاط الْأَب عدم الْمصلحَة. وَظَاهر ابْن الْقَاسِم جَوَازه لِأَن أَفعَال الْأَب مَحْمُولَة على الْمصلحَة فَإِن ذَلِك لَا يعول عَلَيْهِ، بل مَعَ الْجَهْل يتفقان على منع الْإِسْقَاط كَمَا يفِيدهُ قَوْلهم بعد الطَّلَاق لِأَنَّهُ يُفِيد بمفهومه أَنه لَا يجوز قبله كَانَ لمصْلحَة أم لَا. استثنوا مِنْهُ صُورَة الْمصلحَة. فَإِن ابْن الْقَاسِم أجازها والمصلحة إِذا أطلقت إِنَّمَا تَنْصَرِف للمحققة وَغير المحققة لَا تسمى مصلحَة لعدم وجودهَا، وَحِينَئِذٍ فالناظم اعْتمد فِي الشّطْر الأول التَّأْوِيل بالوفاق فيستفاد مِنْهُ أَنه الرَّاجِح، وَأما الشّطْر الثَّانِي فَلَا خلاف فِيهِ. تَنْبِيهَات. الأول: بِأَدْنَى تَأمل يعلم منع مَا يَفْعَله كثير من النَّاس الْيَوْم من تَزْوِيج أبكار بناتهم أَو الثيبات من محاجرهم بِأَقَلّ من صدَاق الْمثل لِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَة إِنَّمَا أجَاز تَزْوِيج الْأَب بِأَقَلّ من صدَاق الْمثل إِن كَانَ نظرا، فَإِن لم يكن نظرا فَيمْنَع، وَالنَّاس الْيَوْم يهْدُونَ للْأَب الْهَدَايَا ويعطونه العطايا ليزوجهم بنته بِأَقَلّ من صدَاق الْمثل من غير نظر لَهَا وَلَا مصلحَة، وَذَلِكَ مُنكر. فَيجب على القَاضِي التفطن إِلَيْهِ وحسم مادته فَإِن لم يطلع عَلَيْهِ فللزوجة أَن ترجع على زَوجهَا بِتمَام صدَاق مثلهَا بعد الدُّخُول وَيُخَير الزَّوْج فِي إِتْمَامه قبله أَو يُفَارق، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَهَذَا إِن لم تشْتَرط تِلْكَ الْهَدَايَا وَإِلَّا فَهِيَ من الصَدَاق فترجع بهَا الزَّوْجَة على الْأَب كَمَا مر، وَتسَمى تِلْكَ الْهَدَايَا المشترطة عِنْد الْعَامَّة بالمأكلة والحبا. الثَّانِي: قَالَ الْبُرْزُليّ فِي الكراس الثَّانِي من النِّكَاح: إِذا قَالَ الزَّوْج للْأَب أَقلنِي فِي ابْنَتك فأقاله فَهِيَ مُطلقَة وَلَا يتبع الزَّوْج بِصَدَاق إِن لم يكن دَفعه ورده الْأَب إِن قَبضه، وَهَذَا قبل الْبناء. ابْن الْحَاج: وَلَو كَانَ بعد الْبناء فَهِيَ إِقَالَة فِي الْعِصْمَة وَيلْزمهُ الثَّلَاث. الْبُرْزُليّ: تقدم أَن ظَاهر الْمُدَوَّنَة لُزُوم الثَّلَاث مُطلقًا قبل الْبناء وَبعده من قَوْلهَا: وَهبتك ورددتك لأهْلك، وَتقدم
стр. 553
لِابْنِ عَاتٍ فِيهَا قَول إِنَّه يفْسخ بِغَيْر طَلَاق اه. الثَّالِث: مَفْهُوم قَوْله فِي الطَّلَاق أَنه لَا يجوز لَهُ ذَلِك فِي موت زَوجهَا قبل الْبناء وَهُوَ كَذَلِك نَص عَلَيْهِ الْمَازرِيّ فِي درره قَائِلا: وَإِن تحمل الْأَب بالدرك فتخير الزَّوْجَة فِي الرُّجُوع على الزَّوْج أَو عَلَيْهِ لِأَن الْأَب فَوت عَلَيْهَا حظها وَهُوَ غَرِيم غريمها. نعم إِن صَالح الْأَب عَن بعض الصَدَاق لعدم ثُبُوته واحتياجه لطول خصام مضى اه. بِنَقْل طفي، وَقَوله: وَإِن تحمل الخ. لَعَلَّه فِي مَسْأَلَة الْعَفو بعد الدُّخُول على الطَّلَاق إِذْ فِيهَا يَتَأَتَّى التَّحَمُّل بالدرك كَمَا تقدم فِي فصل الضَّرَر وَفِي بَاب الصُّلْح: وإلاَّ فَفِي مَسْأَلَة الْمَوْت لَا يَتَأَتَّى فِيهَا التَّحَمُّل الْمَذْكُور، نعم يَتَأَتَّى فِيهَا الرُّجُوع الْمَذْكُور حَيْثُ أعدم أَحدهمَا لِأَن الْأَب بإسقاطه عَن الزَّوْج وَقت قدرته على أَدَائِهِ حَتَّى أعدم كَانَ مضيعاً فَيجب عَلَيْهِ ضَمَانه، وَالله أعلم.
(فصل ذكر فِيهِ صَرِيح الطَّلَاق وكنايته وَمَا يتَعَلَّق بذلك)
وَيَلْزَمُ الطَّلاقُ بالتَّصْرِيحِ وبالْكِنَايَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ (وَينفذ الطَّلَاق) فعل وفاعل (بِالصَّرِيحِ) يتَعَلَّق بِهِ (وبالكنايات على الصَّحِيح) يتعلقان بِمَحْذُوف عطف على الْجُمْلَة قبله أَي: وَينفذ بالكنايات الخ. وَلذَلِك أعَاد الْعَامِل فَهُوَ من عطف الْجمل، وَقَوله على الصَّحِيح رَاجع للكنايات فَقَط. والصريح مَا كَانَت فِيهِ الطَّاء وَاللَّام وَالْقَاف أَو كَانَ بِلَفْظ الْفِرَاق أَو التسريح لِأَن كل مَا نطق بِهِ الْقُرْآن صَرِيح فَقَالَ تَعَالَى: فطلقوهن﴾ (الطَّلَاق: ١) وَقَالَ أَيْضا: أَو سرحوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣١) وَقَالَ أَيْضا أَو فارقوهن﴾ (الطَّلَاق: ٢) وقصره (خَ) على الأول فَقَالَ وَلَفظه: طلقت أَو أَنا طَالِق أَو أَنْت أَو مُطلقَة أَو الطَّلَاق لي لَازم لَا منطلقة وَتلْزم وَاحِدَة إِلَّا لنِيَّة أَكثر، وَأما الْكِنَايَة فقسمان: ظَاهِرَة وخفية، فالظاهرة هِيَ اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ عرفا وَلَيْسَ فِيهِ صِيغَة الطَّلَاق وَمَا تصرف مِنْهُ كَمَا أَشَارَ لذَلِك (خَ) أَيْضا بقوله:
стр. 554
وَالثَّلَاث فِي بتة وحبلك على غاربك أَو وَاحِدَة بَائِنَة أَو نَوَاهَا بخليت سَبِيلك أَو ادخلي، وَالثَّلَاث إِلَّا أَن يَنْوِي أقل إِن لم يدْخل بهَا فِي كالميتة وَالدَّم ووهبتك ورددتك لأهْلك الخ. ثمَّ أَشَارَ للكناية الْخفية أَيْضا بقوله: وَنوى فِيهِ وَفِي عدده فِي اذهبي وانصرفي أَو لم أتزوجك الخ. وَكَذَا يلْزم أَيْضا بِمَا لَيْسَ بِصَرِيح وَلَا كِنَايَة إِن نوى بِهِ الطَّلَاق كَقَوْلِه: أسقني مَاء كَمَا قَالَ أَيْضا وَحرم بِأَيّ كَلَام نَوَاه الخ. وَجعل ابْن زرقون نَحْو أسقني مَاء من الْكِنَايَة أَيْضا حَيْثُ نوى بِهِ الطَّلَاق قَالَ الشَّارِح: قَول النَّاظِم وبالكنايات بِلَفْظ الْجمع يُرِيد أقسامها الثَّلَاثَة على مَا مر لِابْنِ زرقون. قَالَ الشَّيْخ (م) : وَهُوَ ظَاهر إِلَّا أَنه يبْقى النّظر فِي مُقَابل الصَّحِيح مَا هُوَ ف الله أعلم بمراده. ثمَّ اعْلَم أَنه فِي الصَّرِيح لَا يقبل مِنْهُ أَنه لم يرد بِهِ الطَّلَاق وَلَو مستفتياً، وَكَذَا فِي الْكِنَايَة الظَّاهِرَة، وَإِنَّمَا يشْتَرط فيهمَا قصد النُّطْق بذلك اللَّفْظ، وَإِن لم يقْصد بِهِ حل الْعِصْمَة، فَإِن لم يقْصد النُّطْق بذلك بِأَن هذي لمَرض أَو لقنه بِلَا فهم مَعْنَاهُ لم يلْزم. انْظُر الْقَرَافِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: الْقَصْد لإنشاء الصِّيغَة والنطق بهَا لَا أعلم فِي اشْتِرَاطه خلافًا قَالَ: وَأما الْقَصْد لإِزَالَة الْعِصْمَة بِاللَّفْظِ فَلَيْسَ شرطا فِي الصَّرِيح اتِّفَاقًا، وَكَذَا مَا اشْتهر من الْكِنَايَات فَرَاجعه إِن شِئْت فِي شرح ابْن رحال وَابْن غَازِي فَإِن فِيهِ طولا. وَقَالَ المتيطي: وَالطَّلَاق يلْزم بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّة فَإِن انْفَرَدت النِّيَّة فَالصَّحِيح اللُّزُوم لِأَن اللَّفْظ عبارَة عَمَّا فِي النَّفس، فَإِذا أجمع بِقَلْبِه على أَنه قد طلق لزمَه وَهُوَ قَول مَالك فِي سَماع أَشهب، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه لَا يلْزم وَإِن انْفَرد اللَّفْظ، فَالصَّحِيح أَن الطَّلَاق لَا يلْزم بذلك إِلَّا فِي الحكم الظَّاهِر لقَوْله ﵇: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) . وَفِي كتاب التَّخْيِير من الْمُدَوَّنَة مَا ظَاهره اللُّزُوم وَهُوَ خلاف الْمَنْصُوص اه. لَكِن مَا ذكره من اللُّزُوم بِمُجَرَّد النِّيَّة حمله الْقَرَافِيّ على الْكَلَام النَّفْسِيّ وَهُوَ إنْشَاء الطَّلَاق بِقَلْبِه فَقَط أَي: من غير حَرَكَة لِسَانه بِهِ وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقول (خَ) وَفِي لُزُومه بِكَلَامِهِ النَّفْسِيّ خلاف الخ. فَالصَّحِيح فِي كَلَام المتيطي هُوَ أحد الْمَشْهُورين فِي النَّفْسِيّ كَمَا أَشَارَ لذَلِك الْقَرَافِيّ قَائِلا: هُوَ مَحل الْخلاف، وَأما مُجَرّد الْقَصْد إِلَيْهِ من غير إنْشَاء بِالْقَلْبِ بل وَقع الْقَصْد إِلَيْهِ كَمَا تقصد الْعِبَادَات فَلَا يلْزم وَلَو صمم عَلَيْهِ إِجْمَاعًا قَالَ: فالنية لفظ مُشْتَرك بَين النَّفْسِيّ الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاء بِالْقَلْبِ وَبَين مُجَرّد الْقَصْد اه. فَقَوْل النَّاظِم بِالصَّرِيحِ أَي: اللَّفْظ الصَّرِيح أَو مَا يقوم مقَامه من الْإِشَارَة وَالْكِتَابَة كَمَا قَالَ (خَ) وَلزِمَ بِالْإِشَارَةِ المفهمة وبالكتابة عَازِمًا الخ. وَكَذَا يلْزم بِالْفِعْلِ أَيْضا كنقل القماش كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) أَيْضا فِي التَّخْيِير وَالتَّمْلِيك فاحترز بِاللَّفْظِ هُنَا عَن مُجَرّد الْقَصْد الَّذِي لَيْسَ مَعَه لفظ، وَلَا كَلَام نَفسِي لَا عَن الْإِشَارَة وَالْكِنَايَة وَالْفِعْل. هَذَا مَا يتَعَلَّق بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة الظَّاهِرَة. وَأما الْخفية فَتقبل دَعْوَاهُ أَنه لم يرد بِهِ طَلَاقا وَإِذا نوى بِهِ الطَّلَاق فينوي فِي عدده كَمَا مر عَن (خَ) بِخِلَاف الْكِنَايَة الظَّاهِرَة، فَإِنَّهُ لَا يَنْوِي فِيهِ وَلَا فِي عدده كَمَا مر عَنهُ أَيْضا على تَفْصِيل
стр. 555
بَين الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا. وَانْظُر لَو نوى بالخفية الطَّلَاق وَلم ينْو عددا فَهَل يلْزمه الثَّلَاث؟ وَبِه جزم ابْن رحال فِي حَاشِيَته هَهُنَا أَو يجْرِي على مَا يَأْتِي فِي قَوْله: وموقع الطَّلَاق دون نِيَّة. وَهُوَ الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: وَإِن قَالَ أَنْت طَالِق فَهُوَ مَا نوى فَإِن لم ينْو شَيْئا فَوَاحِدَة اه. وَقَالَ فِي النِّهَايَة: فَهَذِهِ الْأَلْفَاظ يَعْنِي أَنْت طَالِق وَنَحْوه يحكم فِيهَا بِوَاحِدَة نَوَاهَا أَو لم ينْو شَيْئا اه. وَهُوَ قَول (خَ) وَتلْزم وَاحِدَة إلاّ لنِيَّة أَكثر، وَحِينَئِذٍ فَإِذا نوى بالخفية الطَّلَاق فَإِنَّهُ تلْزمهُ وَاحِدَة إِلَّا أَن يَنْوِي أَكثر كَمَا لَو قَصده بقوله: أَنْت طَالِق فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا وَاحِدَة أَيْضا إلاَّ لنِيَّة أَكثر، وَيصدق فِي صفة هَذِه الْوَاحِدَة من كَونهَا بَائِنَة أَو رَجْعِيَّة كَمَا ذكر الْمواق عَن ابْن رشد، وَأَنه إِذا أَرَادَ بقوله: أَنْت طَالِق طَلْقَة المباراة أَي الطَّلقَة البائنة فَتلْزمهُ الْبَيْنُونَة وَيصدق فِي ذَلِك وَلَا يرتدف طَلَاقه عَلَيْهَا إِن جَاءَ مستفتياً. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا قُلْنَا تلْزمهُ وَاحِدَة إلاَّ لنِيَّة أَكثر فَاخْتلف هَل يصدق فِي إِرَادَة الْوَاحِدَة بِغَيْر يَمِين كَمَا هُوَ ظَاهر (خَ) وَصَححهُ فِي الشَّامِل أَو بِيَمِين وشهره ابْن بشير؟ وهما قَولَانِ على يَمِين التُّهْمَة، وَالْمَشْهُور توجهها كَمَا مر، وَاقْتصر فِي الْمعِين فِي قَوْله: فارقتك على وجوب الْيَمين أَنه مَا أَرَادَ إِلَّا وَاحِدَة قَالَ احلولو: وَمُقْتَضى ابْن بشير وَغَيره: أَن الْيَمين تتَوَجَّه على القَوْل بِهِ سَوَاء قَالَ: نَوَيْت وَاحِدَة أَو لم أنو شَيْئا. قَالَ ابْن رحال فِي الشَّرْح: وَهَذَا الْخلاف إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يكن مستفتياً بِدَلِيل أَن الْحلف لأجل التُّهْمَة أَي: لِأَن التُّهْمَة إِنَّمَا تتطرق إِلَيْهِ عِنْد المرافعة. وَكَذَا تجب الْيَمين فِي الْكِنَايَة الظَّاهِرَة لِأَنَّهُ يَنْوِي فِيهَا كلهَا أَنه أَرَادَ بهَا الْوَاحِدَة فِي غير الْمَدْخُول بهَا، لَكِن بِيَمِينِهِ من غير فرق بَين حبلك على غاربك وَالْميتَة وَغَيرهمَا من الْكِنَايَة الظَّاهِرَة قَالَ: مَا عدا لفظ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَنْوِي فِيهَا أَنه أَرَادَ الْوَاحِدَة قبل الْبناء على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة، وَقيل: يَنْوِي أَيْضا وكلا الْقَوْلَيْنِ قوي اه. وَأما الْمَدْخُول بهَا فَإِنَّهُ لَا يَنْوِي فِي إِرَادَته أقل كَمَا فِي الْمَتْن. وَالْفرق أَن غير الْمَدْخُول بهَا تبين بالواحدة والمدخول بهَا لَا تبين إِلَّا بِالْخلْعِ أَو بِالطَّلَاق الَّذِي حكم بِهِ الْحَاكِم فِي غير الْإِيلَاء والعسر بِالنَّفَقَةِ أَو بِالثلَاثِ، وَإِذا فقد الْأَوَّلَانِ هُنَا تعين الثَّلَاث قَالَ: لَكِن إِنَّمَا يظْهر لُزُوم الثَّلَاث فِيهَا وَعدم تَصْدِيقه فِي إِرَادَته أقل حَيْثُ لم يجر الْعَمَل بِالطَّلَاق المملك، أما حَيْثُ جرى بِهِ وَأَنَّهَا تبين بِغَيْر عوض على مَا عَلَيْهِ النَّاس الْآن، فَإِذا قَالَ: نَوَيْت بخليت سَبِيلك أَو بميتة أَو ببائنة طَلَاق المباراة أَو الطَّلقَة المملكة فَيقبل قَوْله اه. أَي: لِأَن النَّاس الْيَوْم يقصدون الْبَيْنُونَة بِدُونِ الثَّلَاث كَمَا قدمْنَاهُ عِنْد قَول النَّاظِم، وَفِي المملك خلاف الخ. وَتقدم أَنه إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق طَلْقَة بَائِنَة فَتلْزمهُ وَاحِدَة على الْأَصَح وَعَن الْمواق مَا نَصه: قد نصوا أَن من طلق طَلَاق الْخلْع فَهُوَ بَائِن وَهُوَ طَلَاق زمننا فَعَلَيهِ صَار حكم الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا سَوَاء، وَبِهَذَا كَانَ أشياخنا وأشياخهم يفتون. وَقد نصب ابْن بشير على هَذَا الْمَعْنى فَانْظُرْهُ اه. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّمَا قَالَ الإِمَام مَالك بِلُزُوم الثَّلَاث فِي الْمَدْخُول بهَا لِأَنَّهُ لم يكن فِي زَمَنه الطَّلَاق المملك أَي الْبَائِن بِدُونِ خلع وَلَا حكم وَلَا ثَلَاث، وَأما حَيْثُ كَانَت النَّاس الْيَوْم تسْتَعْمل الْبَيْنُونَة بِغَيْر ذَلِك وَهُوَ الطَّلَاق المملك فَتَصِير الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا فِي التنويه، سَوَاء قَالَ مَعْنَاهُ فِي المعيار عَن أبي عبد الله الفخار وَحِينَئِذٍ فينوي مُطلقًا مستفتياً أم لَا. دخل أم لَا. وَلَا يخْتَص ذَلِك بالاستفتاء كَمَا مر عَن ابْن رشد. أَلا ترى أَن الْحَرَام ثَلَاث عِنْد الأقدمين وَالْعَمَل الْيَوْم على لُزُوم الْوَاحِدَة البائنة مُطلقًا وَمَا ذَلِك إِلَّا لما قَالُوهُ من الْعرف وَأَن عرف النَّاس الْيَوْم على قصد المملك.
стр. 556
الثَّانِي: ذكر الشار (ح) وَمن تبعه عِنْد قَوْله: وموقع الطَّلَاق دون نِيَّة. الخ أَن الْعَامَّة الْيَوْم لَا يعْرفُونَ الطَّلَاق الرَّجْعِيّ، وَعَلِيهِ فَإِذا قَالَ الْعَاميّ لزوجته: أَنْت طَالِق فَتبين مِنْهُ بذلك لِأَنَّهُ لَا يقْصد غير الْبَيْنُونَة، وَلَو سُئِلَ عَن ذَلِك لقَالَ: مَا قصدت إِلَّا أَن لَا تطالبني وَأَن لَا حكم لي عَلَيْهَا وَلذَلِك لَا تطالبه بِنَفَقَة الْعدة، وَإِذا طلبتها لَا يجيبها إِلَى ذَلِك لما فِي صميم عقله من أَنه لَا نَفَقَة لَهَا عَلَيْهِ، وَإِذا سَأَلته عَن حَقِيقَة الرَّجْعِيّ الْمُتَقَدّمَة فِي تَقْسِيم الطَّلَاق مَا عرفهَا والنفوس لَا تقصد مَا لم يتَقَدَّم لَهَا بِهِ أنس، وَعَلِيهِ فَلَا يصدق الْعَاميّ فِي إِرَادَته الرَّجْعِيّ مَعَ وجود الْعرف بقصدهم بِمُطلق الطَّلَاق الْبَيْنُونَة إِذْ الْحمل على الْعرف وَالْعَادَة وَاجِب كَمَا فِي أَلْفَاظ الْكِنَايَات لِأَنَّهُ إِنَّمَا لزم فِيهَا مَا ذكر لأجل الْعرف كَمَا يَأْتِي، وَتَأمل قَول الْمواق: طَلَاق الْخلْع هُوَ طَلَاق زمننا الخ. وَقد قَالُوا إِن الْأَحْكَام إِنَّمَا تترتب على عرف التخاطب أَعم من أَن يكون لغوياً أَو غَيره، وَهَذَا أَمر مَعْهُود فِي هَذَا الْبَاب وَمَا فِي حَاشِيَة ابْن رحال عِنْد قَوْله: وَفِي المملك خلاف الخ. وَقَالَهُ فِي الشَّرْح أَيْضا عِنْد قَول الْمَتْن فِي الْخلْع وَبَانَتْ وَلَو بِلَا عوض الخ. مِمَّا يَقْتَضِي خلاف مَا قَالَه الشَّارِح، وَمن تبعه لَا يعول عَلَيْهِ لِأَن الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ جلّ الْعَامَّة لَا يعْرفُونَ إِلَّا الْبَائِن، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فعرفهم حِينَئِذٍ هُوَ قصد الْبَيْنُونَة بِمُطلق الطَّلَاق أَي: فَتلْزمهُ وَإِن لم ينوها وَلَا تكون لَهُ رَجْعَة عَلَيْهَا وَلَا يصدق فِي إِرَادَته الرَّجْعِيّ وَهُوَ لَا يعرفهُ كَمَا لَو ظن أَن الْبَتَّةَ وَاحِدَة. وَقَالَ: أردتها فَإِنَّهُ لَا يصدق مَعَ كَون الْعرف عِنْدهم أَن الْبَتَّةَ ثَلَاث، وَقَول ابْن رشد: هَل الْحمل على اللَّفْظ أَو على مَا يعلم من قصد الْحَالِف وَهُوَ الْأَشْهر الْأَظْهر الخ. لَا شَاهد لَهُ فِيهِ لِأَن اللَّفْظ هُنَا لَا دلَالَة فِيهِ على الصّفة من كَونهَا بَائِنَة أَو رَجْعِيَّة، وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك من قصد الْحَالِف وَإِن لم يقْصد شَيْئا فَيحمل على الْعرف، وَأَيْضًا فَإِن ابْن رشد لم يقل ذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ بل مَوْضُوعه فِي شَيْء آخر كَمَا يعلم بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ فِي كتاب الصَدَاق من ابْن عَرَفَة، وَاللَّفْظ هَهُنَا لَا يَقْتَضِيهِ بفحواه الْبَيْنُونَة وَلَا عدمهَا وعَلى تَسْلِيم اقتضائه الرّجْعَة، فَإِنَّمَا يقْصد النَّاس إِلَى أعرافهم فَقَوْل ابْن رشد وَهُوَ الْأَشْهر الخ. شَاهد لما ذَكرْنَاهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا قَالَ: أَنْت طَالِق للمدخول بهَا وَنوى بِهِ الْبَيْنُونَة لَزِمته لقَوْل الْمَتْن إِلَّا لنيّة أَكثر، وَلقَوْل ابْن عَرَفَة فَهُوَ مَا نوى الخ. وَإِن لم تكن لَهُ نِيَّة فَيحمل على الْعرف فَإِذا كَانَ عرفهم فِي مُطلق الطَّلَاق أَو شَيْء من تِلْكَ الْكِنَايَات الْبَيْنُونَة فَقَط عمل على ذَلِك، وَلَا فرق فِي ذَلِك كُله بَين قَوْله عَلَيْهِ الْيَمين أَو الْحَرَام أَو الْأَيْمَان اللَّازِمَة أَو هِيَ بتة أَو حبلها على غاربها وَغير ذَلِك من الْكِنَايَات وصفات الطَّلَاق من كَونه بَائِنا أَو رَجْعِيًا، فالحمل فِي ذَلِك كُله على الْعرف عِنْد فقد النِّيَّة لِأَن الْعرف من المخصصات بعد النِّيَّة كَمَا فِي الْمَتْن، وَلذَا قَالَ الْقَرَافِيّ فِي هَذِه الْأَلْفَاظ: من خلية وبرية وحبلك على غاربك أَو حرَام إِنَّمَا لزم فِيهَا مَا ذكر لعرف سَابق، وَأما الْآن فَلَا يحل للمفتي أَن يُفْتِي فِيهَا بِمَا ذكر إِلَّا لمن هِيَ عرفه الخ. وَنَقله الْمواق وَغَيره وَعَلِيهِ فَمن قَالَ عَلَيْهِ الْيَمين وَهُوَ لَا يعرف إِلَّا الطَّلَاق الْبَائِن وَعرف بَلَده ذَلِك لَزِمته طَلْقَة بَائِنَة وَلَا يُفْتِي بالرجعي لِأَنَّهُ لَا يعرفهُ، وَمن قَالَ بِلُزُوم الرَّجْعِيّ فِيهِ إِنَّمَا ذَلِك على عرف وقتهم، وَبِهَذَا كنت أُفْتِي النَّاس بلساني فِي هَذِه الْأَزْمِنَة وَلَو طلب مني الْكِتَابَة لكتبت لَهُ ذَلِك، وَكَانَ غَيْرِي لَا يساعدني. الثَّالِث: انْظُر هَل لَا عِبْرَة بِالظَّنِّ الْمُخَالف للْعُرْف فَإِذا ظن الْمُطلق أَن قَوْله: أَنْت طَالِق تقع بِهِ الْبَيْنُونَة وَالْعرْف بِخِلَاف ذَلِك فَإِنَّهَا لَا تقع عَلَيْهِ حَيْثُ لم ينوها عِنْد التَّلَفُّظ إِذْ الْعبْرَة بِالْعرْفِ،
стр. 557
وَيدل لذَلِك أَنهم أناطوا الْأَحْكَام بِالنِّيَّةِ وَالْعرْف لَا بِالظَّنِّ والاعتقاد، وَقد يظنّ الْإِنْسَان أَو يعْتَقد حكما وَلَا ينويه عِنْد التَّلَفُّظ وَهُوَ إِذا لم يُنَوّه يرجع فِيهِ للْعُرْف أَو يُقَال تقع عَلَيْهِ الْبَيْنُونَة إِذْ هُوَ لَا يقْصد غير ظَنّه فَتَأمل. وَأما الْعَكْس كَمَا لَو ظن أَنَّهَا لَا تبين بِلَفْظ الْبَتَّةَ مثلا، وَأَنَّهَا رَجْعِيَّة أَو أَنَّهَا وَاحِدَة بَائِنَة وَالْعرْف أَنَّهَا ثَلَاث فَلَا إِشْكَال أَنه يلْزمه مَا بِهِ الْعرف وَلَا يَنْفَعهُ ظَنّه كَمَا مر. وَقد قَالَ ابْن رحال فِي بَاب الْقَضَاء عِنْد قَوْله: أَو جعل بتة وَاحِدَة الخ. الرَّاجِح لُزُوم الْوَاحِدَة البائنة فِي لفظ الْبَتَّةَ وَمَا ذَاك إِلَّا للْعُرْف. الرَّابِع: قَالَ الْبُرْزُليّ، قَالَ ابْن يُونُس فِي كتاب الطَّلَاق: وَلَو مَسهَا بِيَدِهِ أَو ضربهَا وَقَالَ: أردْت الطَّلَاق لم تطلق إِجْمَاعًا. الْقَرَافِيّ: وَهُوَ مُشكل على الطَّلَاق بِمُجَرَّد النِّيَّة فَإِنَّهُ نِيَّة وَفعل اه. وتأمله أَيْضا مَعَ مَا مر من أَنه يلْزم بِالْفِعْلِ ثمَّ إِن النَّاظِم لم يذكر من أَرْكَان الطَّلَاق إِلَّا اللَّفْظ، فيفهم مِنْهُ أَن الطَّلَاق لَا يلْزم بِمُجَرَّد النِّيَّة من غير لفظ أصلا وَلَا مَا يقوم مقَامه من كِتَابَة أَو فعل على مَا مر، وَهُوَ كَذَلِك عِنْد الْأَكْثَر. ابْن عَرَفَة: وَفِي لَغْو الطَّلَاق بِمُجَرَّد النِّيَّة الجازمة روايتا الْأَكْثَر وَأَشْهَب اه. وَانْظُر الْفرق بَين الْكَلَام النفساني وَمُجَرَّد الْقَصْد عِنْد قَوْله فِيمَا يَأْتِي: وَمَالك لَيْسَ لَهُ بملزم الخ. وَمن أَرْكَانه أَيْضا الْقَصْد أَي قصد التَّلَفُّظ بِالطَّلَاق أَو الْكِنَايَة مَعَ معرفَة معنى ذَلِك لَا أَن لم يقْصد بل هذي كَمَرَض أَو لقن بِلَا فهم كَمَا مرّ. وَيبقى النّظر فِيمَا إِذا لم يكن اللَّفْظ من الْكِنَايَة وَلَا من الصَّرِيح وَقصد التَّلَفُّظ بِهِ، وَهُوَ يظنّ أَنه يلْزم فِيهِ الطَّلَاق، وَلَكِن لم ينْو بِهِ وَقت التَّلَفُّظ طَلَاقا فَفِي الْبُرْزُليّ عَن تعلقة. ابْن الْعَطَّار: إِن الشَّخْص إِذا قَالَ: كل مَا أعيش فِيهِ حرَام وَهُوَ يظنّ أَن ذَلِك طَلَاق فَلَيْسَ يضرّهُ جَهله بِأَن ذَلِك لَيْسَ بِطَلَاق وَلَا يكون طَلَاقا إِلَّا أَن يقْصد أَنَّهَا طَالِق بِهَذَا اللَّفْظ فَيكون طَلَاقا كَمَا لَو قَالَ: ادخلي الدَّار يُرِيد بِهِ الطَّلَاق اه. وَهَذَا إِذا لم يجر الْعرف بِاسْتِعْمَال ذَلِك اللَّفْظ فِي الطَّلَاق وإلاَّ لزمَه الطَّلَاق، وَلَو لم ينْو بِهِ كَمَا مرّ، وكما ذكره الْبُرْزُليّ فِي هَذَا اللَّفْظ بِعَيْنِه أَيْضا. وَذكر (خَ) قَوْلَيْنِ فِيمَا إِذا قَالَ: كل مَا أعيش فِيهِ حرَام الخ. وَظَاهره جريانهما كَأَن يَظُنّهُ طَلَاقا أم لَا. وَثَالِثهَا الْمحل الَّذِي هُوَ الْعِصْمَة الْمَمْلُوكَة تَحْقِيقا أَو تَقْديرا كَقَوْلِه لأجنبية: إِن تَزَوَّجتك فَأَنت طَالِق أَو إِن دخلت الدَّار وَنوى بعد نِكَاحهَا فَيلْزمهُ لَا إِن لم ينْو ذَلِك فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَرَابِعهَا: الْأَهْل أَي الزَّوْج، وَشَرطه أَن يكون مُسلما بَالغا عَاقِلا فَلَا يَصح وَلَا يلْزم طَلَاق الْكَافِر وَلَا الصَّبِي وَلَا فَاقِد الْعقل بجنون أَو إِغْمَاء إِلَّا أَن يكون بسكر حرَام أدخلهُ على نَفسه، فَيلْزمهُ على مَا أَشَارَ لَهُ بقوله: وَيَنْفُذ الْوَاقِعُ مِنْ سَكْرَانِ مُخْتَلِطٍ كالْعِتْقِ والأيمَانِ (وَينفذ الْوَاقِع) فعل وفاعل (من سَكرَان) يتَعَلَّق بالواقع (مختلط) صفة لسكران (كَالْعِتْقِ) الْكَاف للتشبيه لَا تتَعَلَّق بِشَيْء كَمَا مر (والأيمان) مَعْطُوف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير وَينفذ الطَّلَاق الْوَاقِع من سَكرَان مختلط عقله فَيُصِيب مرّة ويخطىء أُخْرَى لكَونه مَعَه ضرب من التَّمْيِيز كَمَا ينفذ الْعتْق الْوَاقِع مِنْهُ، والأيمان الصادرة مِنْهُ بِطَلَاق أَو غَيره كَمَا هُوَ ظَاهره، وَظَاهره أَيْضا أَنه ينفذ مِنْهُ مَا
стр. 558
ذكر وَلَو سكر بحلال كشربه لَبَنًا حامضاً يعْتَقد أَنه لَا يسكره أَو دَوَاء وَلَو علم بإسكاره وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لَا يلْزمه طَلَاق كَمَا فِي الشَّامِل، وَلَو كَانَ مَعَه ضرب من التَّمْيِيز فيقيد كَلَامه بِغَيْر الْحَلَال. وَمَفْهُوم مختلط أَنه لَو كَانَ مطبقاً لَا يُمَيّز الأَرْض من السَّمَاء وَلَا الرجل من الْمَرْأَة لَا يلْزمه وَهُوَ كَذَلِك اتِّفَاقًا قَالَه ابْن رشد. قَالَ: وَتَحْصِيل القَوْل فِي السَّكْرَان أَنه يلْزمه الْجِنَايَات وَالْعِتْق وَالطَّلَاق وَالْحُدُود، وَلَا تلْزمهُ الإقرارات والعقود اه. وَعَلِيهِ قَول ابْن عَاشر: لَا يلْزم السَّكْرَان إِقْرَار عُقُود بل مَا جنى عتق طَلَاق وحدود اه. فَلَو تنَازعا فِي كَون السكر بحلال أَو بِحرَام فَقَوله بِيَمِينِهِ إِن لم تقم قرينَة على صدقه لِأَن الأَصْل عدم تعمد الْحُرْمَة وَإِن قَامَت قرينَة على الصدْق فَلَا يَمِين فَإِن قَامَت قرينَة بكذبه فَالْقَوْل للمجنى عَلَيْهِ وَالْعَبْد وَالزَّوْجَة، ثمَّ إِن الْمَجْنُون يلْزمه طَلَاقه فِي حَال إِفَاقَته كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة لَا فِي حَال إطباقه، وَإِذا هذى لسكر بحلال فَطلق وَادّعى أَنه كَانَ لَا يضْبط مَا يَقُول وَشَكتْ الْبَيِّنَة فِي ضَبطه وَعَدَمه، فَالظَّاهِر أَنه يجْرِي فِيهِ مَا ذَكرُوهُ فِيمَن هذى لمَرض لِأَن السَّكْرَان مَرِيض فراجع الشُّرَّاح عِنْد قَول (ح) أَو هذى لمَرض وَالله أعلم. تَنْبِيه: فهم من قَوْله: سَكرَان أَن الغضبان يلْزمه طَلَاقه بالأحرى لِأَنَّهُ مُكَلّف بِالصَّلَاةِ وَنَحْوهَا إِجْمَاعًا، ومخاطب بأَدَاء ذَلِك حَال غَضَبه بِخِلَاف السَّكْرَان، وَقد تقدم الْكَلَام على ذَلِك عِنْد قَول النَّاظِم: هَب أَنَّهَا فِي كلمة قد جمعت. وَمِنْ مَرِيضٍ ومَتَى مِنَ المَرَضْ مَاتَ فَلِلزَّوْجَةِ الإرْثُ مُفْتَرَضْ (وَمن مَرِيض) مَعْطُوف على سَكرَان (وَمَتى) شَرط (من الْمَرَض) يتَعَلَّق بقوله (مَاتَ) وَقَوله (فللزوجة) خبر عَن قَوْله (الْإِرْث المفترض) صفة. وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط وَدخلت الْفَاء فِي الْجَواب لكَونه لَا يصلح أَن يكون شرطا. مَا لَمْ يَكُنْ بِخُلْعٍ أَوْ تَخْيِيرِ أَوْ مَرَضٍ لَيْسَ مِنَ المَحْذُورِ (مَا) ظرفية مَصْدَرِيَّة (لم يكن) صلتها وَاسْمهَا ضمير الطَّلَاق الْوَاقِع من الْمَرِيض (بخلع) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف خبر يكن (أَو تَخْيِير) مَعْطُوف عَلَيْهِ (أَو مرض) مَعْطُوف على خلع أَيْضا مَدْخُول
стр. 559
للباء (لَيْسَ) فعل مَاض نَاقص واسْمه ضمير الْمَرَض (من الْمَحْذُور) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف خبر، وَيحْتَمل أَن تكون من زَائِدَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء وَهُوَ أولى، وَالْمعْنَى أَن طَلَاق الْمَرِيض مَرضا مخوفا وتمليكه وتخييره وخلعه لَازم لَهُ كَالصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا يفترقان فِي الْإِرْث فَفِي الْخلْع والتخيير لَا تَرثه لِأَن الْفِرَاق جَاءَ من قبلهَا وَفِي الطَّلَاق تَرثه إِن مَاتَ من مَرضه قبل ظُهُور صِحَّته كَانَ الطَّلَاق بَائِنا أَو رَجْعِيًا قبل الدُّخُول أَو بعده، وَلَو صَادف آخر الثَّلَاث كَمَا هُوَ ظَاهر النّظم، وَظَاهره أَيْضا وَلَو كَانَت يَمِينه فِي الصِّحَّة وَحنث بهَا فِي الْمَرَض كَانَ الْحِنْث بِسَبَبِهَا كحلفه وَهُوَ صَحِيح بِطَلَاقِهَا إِن دخلت الدَّار، فَدخلت وَهُوَ مَرِيض أَو بِسَبَبِهِ كحلفه ليقضين فلَانا حَقه فِي يَوْم كَذَا فَحنث وَهُوَ مَرِيض، وَظَاهره أَيْضا وَلَو طَال مَرضه حَتَّى خرجت من عدتهَا وَتَزَوَّجت أَزْوَاجًا وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع، ثمَّ إِن مَا ذكره النَّاظِم من عدم إرثها فِي الْخلْع والتخيير هُوَ تَخْرِيج اللَّخْمِيّ فِي الْخلْع. وَرِوَايَة زِيَاد فِي التَّمْلِيك والتخيير وَذَلِكَ ضَعِيف لِأَن القَوْل الْمخْرج لَا يعْمل بِهِ فِي قَضَاء وَلَا فَتْوَى، وَإِنَّمَا يذكر تفقهاً وتفنناً فَقَط قَالَه (ح) . وَلِأَن رِوَايَة زِيَاد مُخَالفَة لمَذْهَب الْمُدَوَّنَة، وَلذَا درج (خَ) وَغَيره على وجوب الْإِرْث لَهَا فَقَالَ: وَنفذ خلع الْمَرِيض وورثته أَي: وَلَو من المَال الَّذِي خالعته بِهِ كمملكة ومخيرة فِيهِ وَمولى مِنْهَا وملاعنة أَو أحنثته فِيهِ أَو أسلمت أَو عتقت أَو تزوجت غَيره وورثت أَزْوَاجًا وَإِن فِي عصمَة، وَإِنَّمَا يَنْقَطِع بِصِحَّة بَيِّنَة الخ. وَفهم من قَوْله: وَمَتى من الْمَرَض مَاتَ الخ. أَنَّهَا إِذا مَاتَت هِيَ لَا يَرِثهَا وَهُوَ كَذَلِك إِن كَانَ طَلاقهَا بَائِنا، وَأما الرَّجْعِيّ فيرثها إِن مَاتَت قبل انْقِضَاء عدتهَا واحترزت بِقَوْلِي مخوفا من غير الْمخوف كسعال وإقعاد ورمد ووجع ضرس وجذام وفلج يقبل مَعَ ذَلِك وَيُدبر ويتصرف لنَفسِهِ فَإِنَّهَا لَا تَرثه لِأَنَّهُ فِي حكم الصَّحِيح كَمَا أَشَارَ لَهُ بقوله: أَو مرض لَيْسَ من الْمَحْذُور الخ. فَقَوله: وَمن مَرِيض أَي مَرضا مخوفا وَهُوَ مَا حكم الْأَطِبَّاء بِكَثْرَة الْمَوْت بِهِ كالسل والقولنج والحمى القوية، وَمن فِي حكم ذَلِك كحاضر صف الْقِتَال والمحبوس لقتل أَو قطع يخَاف مِنْهُ الْمَوْت، وَكَذَا حَامِل سِتَّة فَهِيَ كَالْمَرِيضِ على الْمَشْهُور قَالَه ابْن بشير وَقيل: كَالصَّحِيحِ لِأَن الْغَالِب السَّلامَة ومحلها مَا لم تكن فِي حَالَة الطلق وإلاَّ فيحجر عَلَيْهَا قَالَه فِي الذَّخِيرَة. وَاخْتلف فِي الطَّاعُون قبل نُزُوله بالمطلق وَنَحْوه فَقَالَ ابْن لب: الْأَظْهر أَنه مَا دَامَ على حَال الصِّحَّة قبل نزُول الْمَرَض بِهِ فَهُوَ على حكم الأصحاء قَالَ: وَلَا يبعد أَن يخرج فِيهِ الْخلاف من الْخلاف الَّذِي فِي رَاكب الْبَحْر على حَال هوله إِذا حصل فِي اللجة اه. وَقَالَ ابْن رحال فِي بَاب الْحجر: إِن الملجج فِي الْبَحْر يحْجر عَلَيْهِ كَالْمَرِيضِ قَائِلا وَهُوَ
стр. 560
الَّذِي تجب بِهِ الْفَتْوَى عِنْدِي وَلَا أقدر على الْعُدُول عَنهُ إِذْ دَفعه محَال وَلَا يُفِيد مَعَه احتيال اه. وَفِي مسَائِل الْعدة والاستبراء من الْبُرْزُليّ أَنه إِذا كَانَ ذريعاً فِي النَّاس أذهب نصفهم أَو ثلثهم فهم كالمرضى وإلاَّ فَلَا. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا ارْتَدَّ الْمَرِيض بَانَتْ مِنْهُ زَوجته وَلَا تَرثه إِن مَاتَ من مَرضه قَالَ التّونسِيّ: وَالطَّلَاق عَلَيْهِ فِي مَرضه لعيب بِهِ كجنون أَو جذام لَا تَرثه امْرَأَته كالردة. ابْن عَرَفَة: مَا قَالَه التّونسِيّ وَاضح إِلَّا أَن فِي الحكم عَلَيْهِ بِهِ فِي مَرضه نظرا وَالصَّوَاب تَأْخِيره. قَالَ ابْن رحال: مَا قَالَه ابْن عَرَفَة من وجوب التَّأْخِير هُوَ الْمَذْهَب اه. الثَّانِي: ظَاهر قَول النَّاظِم لَيْسَ من الْمَحْذُور أَن الْمَرَض إِذا كَانَ حِين الطَّلَاق غير مخوف ثمَّ صَار مخوفا إِنَّه يعْتَبر وَقت الطَّلَاق فَلَا تَرثه، وَهُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ كَلَام ضيح وَاللَّخْمِيّ والمدونة وَغير وَاحِد، وَهُوَ ظَاهر لِأَن غير الْمخوف فِي حكم الصَّحِيح، وَالصَّحِيح لَو طلق ثمَّ مرض لَا تَرثه. وَقَالَ ابْن رحال فِي الْخلْع: إِذا مَاتَ مِنْهُ وَأسْندَ إِلَيْهِ الْمَوْت مِنْهُ فقد تبين أَنه مخوف اه. وَكَأَنَّهُ أَخذه من قَول ابْن عَرَفَة أَن غير الْمخوف إِذا كَانَ عقبه الْمَوْت يصير مخوفا كَمَا ذكره (ز) عَنهُ فِي بَاب الْحجر. قلت: مَا نَقله (ز) عَن ابْن عَرَفَة من أَن غير الْمخوف إِذا كَانَ عقبه الْمَوْت يصير مخوفا الخ. يَقْتَضِي أَن الْمدَار على الْمَوْت من ذَلِك الْمَرَض كَانَ حِين الطَّلَاق أَو التَّبَرُّع مخوفا أم لَا. فَهُوَ صَرِيح فِي إِلْغَاء تَقْيِيده بالمخوف وَذَلِكَ مُخَالف لتقييد الْأَئِمَّة لَهُ بذلك. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: أما الفالج وَصَاحب حمى الرّبع والأجذم والأبرص وَذُو القروح والجراح فَمَا أقعده من ذَلِك وأضناه وَبلغ بِهِ حدّ الْخَوْف عَلَيْهِ، فَلهُ حكم الْمَرِيض، وَمَا لم يبلغ بِهِ ذَلِك فَلهُ حكم الصَّحِيح اه. وَلَا معنى لكَونه لَهُ حكم الصَّحِيح إِلَّا جَرَيَان أَحْكَام الصَّحِيح عَلَيْهِ، وَإِن زَاد على ذَلِك وَصَارَ مخوفا وَلَو كَانَ الْمدَار على الْمَوْت لقيدوه بِهِ لَا بالمخوف، وَمَا ذَكرُوهُ عَن ابْن عَرَفَة لم يذكرهُ فِي بَاب الْحجر وَلَا فِي بَاب الْخلْع وَلَعَلَّه ذكره فِي بَاب الطَّلَاق، وَلم تسعني مُرَاجعَة ذَلِك الْمحل الْآن. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الْهِبَة. وَانْظُر أَيْضا شرح الشَّامِل عِنْد قَوْله فِي الْحَبْس، وَبَطل لوَارث بِمَرَض مَوته الخ. الثَّالِث: لم يتَكَلَّم النَّاظِم على خلع الْمَرِيضَة وَفِي الْمُدَوَّنَة قَالَ مَالك: وَإِن اخْتلعت مِنْهُ فِي مَرضهَا أَي الْمخوف بِجَمِيعِ مَالهَا لم يجز وَلَا يَرِثهَا. قَالَ ابْن الْقَاسِم: وَلَو اخْتلعت مِنْهُ على أَكثر من مِيرَاثهَا مِنْهُ لم يجز فَأَما على مثل مِيرَاثه مِنْهَا أَو أقل فَجَائِز وَلَا يتوارثان. ابْن نَافِع: يلْزمه الطَّلَاق وَلَا يجوز لَهُ من ذَلِك إِلَّا قدر مِيرَاثه مثل مَا فسر بِهِ ابْن الْقَاسِم اه. عِيَاض: وَأَكْثَرهم أَن قَول ابْن الْقَاسِم تَفْسِير لقَوْل مَالك اه. وَمِمَّنْ حمله على الْخلاف ابْن رشد وَوجه قَول مَالك بِأَن مَا خالعت بِهِ أَرَادَت أَن يَأْخُذهُ الزَّوْج من رَأس مَالهَا عاشت أَو مَاتَت وَهُوَ غير وَارِث فَوَجَبَ أَن يبطل، وَإِن كَانَ أقل من مِيرَاثه مِنْهَا اه. وعَلى قَول ابْن الْقَاسِم الَّذِي هُوَ تَفْسِير فَفِي ابْن يُونُس يُوقف ذَلِك فَإِن صحت أَخذه وَإِن مَاتَت أَخذ مِنْهُ قدر مِيرَاثه من التَّرِكَة يَوْم مَاتَت لَا يَوْم الصُّلْح، وَإِن كَانَ أقل من مِيرَاثه فَلهُ الْأَقَل وَلَا يحْسب عَلَيْهَا مَا أنفقت على نَفسهَا فِي مصالحها إِلَّا مَا تلف ويحسب مَا صالحته بِهِ من التَّرِكَة وَلَيْسَ لَهَا تعمد تلف مَالهَا من غير مصلحَة فَإِن أوصت بِشَيْء فَذَلِك فِي ثلث بَقِيَّة التَّرِكَة بعد عزل مَا صالحت بِهِ ثمَّ يُضَاف إِلَى ذَلِك مَا بَقِي
стр. 561
بعد الْوَصَايَا فَيَأْخُذ قدر مِيرَاثه مِنْهُ إِلَّا أَن يكون مَا صَالح بِهِ أقل فَيَأْخُذ الْأَقَل. انْظُر ابْن عَرَفَة وَأَبا الْحسن وَإِلَى خلع الْمَرِيضَة أَشَارَ (خَ) بقوله: وَلم يجز خلع الْمَرِيضَة وَهل يرد أَو المجاوز لإرثه يَوْم مَوتهَا ووقف إِلَيْهِ؟ تَأْوِيلَانِ. الرَّابِع: تقدم فِي الرَّجْعِيّ أَنه يَرِثهَا إِن مَاتَت قبل انْقِضَاء عدتهَا فَإِن اخْتلفُوا فِي انْقِضَاء الْعدة فَقَالَ أَبُو الْحسن على قَوْلهَا فِي الْمُوَاضَعَة وَإِن هَلَكت بعد مُدَّة فِيهَا اسْتِبْرَاء فَهِيَ من الْمُبْتَاع الخ. يقوم من هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الرجل إِذا طلق امْرَأَته ثمَّ مَاتَت فَقَالَ ورثتها: مَاتَت بعد انْقِضَاء الْعدة. وَقَالَ الزَّوْج: بل قبل انْقِضَائِهَا وَاتَّفَقُوا على وَقت الطَّلَاق، فَإِن كَانَ مضى من الْمدَّة مَا تَنْقَضِي فِي مثله الْعدة غَالِبا وَذَلِكَ ثَلَاثَة أشهر فَيحمل الْأَمر على أَنَّهَا قد انْقَضتْ وَلَا مِيرَاث لَهُ إِلَّا أَن يَأْتِي بِمَا يدل على أَن عدتهَا لم تنقض من قَوْلهَا قبل الْمَوْت، إِذْ هِيَ مصدقة فِي ذَلِك فَإِن لم يَأْتِ بذلك وَادّعى أَن الْوَرَثَة علمُوا بذلك لَزِمَهُم الْيَمين، وَإِن كَانَ لم يمض مَا تَنْقَضِي فِيهِ الْعدة غَالِبا حمل الْأَمر على أَنَّهَا لم تنقض إِلَّا أَن يَأْتِي الْوَرَثَة على قَوْلهَا بِبَيِّنَة أَن عدتهَا قد انْقَضتْ وَإِن لم يَأْتُوا بذلك فَادعوا على الزَّوْج أَنه علم بذلك لَزِمته الْيَمين، وَإِن اخْتلف الزَّوْج مَعَ الْوَرَثَة فِي وَقت الطَّلَاق فَادّعى الزَّوْج مُدَّة لَا تَنْقَضِي فِي مثلهَا الْعدة فَإِن القَوْل قَول الزَّوْج على معنى مَا فِي سَماع عِيسَى من طَلَاق السّنة، وَلَا خلاف فِي هَذَا قَالَه ابْن رشد. والخُلْفُ فِي مُطَلَّقٍ هَزْلاً وَضَحْ ثالِثُهَا إلاّ إنِ الهَزْلُ اتَّضَحْ (وَالْخلف) مُبْتَدأ (فِي مُطلق) يتَعَلَّق بوضح (هزلا) مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل حَال من ضمير مُطلق (وضح) بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وفاعله ضمير الْمُبْتَدَأ، وَالْجُمْلَة خبر (ثَالِثهَا) مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره يلْزم (إِلَّا) اسْتثِْنَاء (أَن الْهزْل) فَاعل بِفعل مَحْذُوف يفسره (اتَّضَح) قَالَ ابْن سَلمُون: وَإِن طلق هازلاً فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: أَنه لَا يلْزمه، وَالثَّانِي: أَنه يلْزمه، وَالثَّالِث: إِن قَامَ دَلِيل على أَنه كَانَ هازلاً لم يلْزمه وإلاَّ لزمَه اه. وَمثله فِي عدهَا ثَلَاثَة لِابْنِ شَاس وَابْن الْحَاجِب قَالَ ابْن عبد السَّلَام: وَالَّذِي حَكَاهُ غير وَاحِد إِنَّمَا هما قَولَانِ. وَالثَّالِث تَقْيِيد لِأَن الْهزْل لَا يثبت بِمُجَرَّد الدَّعْوَى، وَالْمَشْهُور اللُّزُوم. وَعَلِيهِ عول (خَ) فَقَالَ: وَلزِمَ وَلَو هزلا الخ. أَي: وَلَو تبين هزله وَثَبت وَأَحْرَى إِذا لم يثبت كَمَا فِي ابْن رحال، وَمَا ذكره ابْن عبد السَّلَام من أَن الثَّالِث تَقْيِيد تعقبه ابْن عَرَفَة بِأَن فِي كَلَامهم مَا يدل على أَن طَلَاق الْهزْل لَغْو مُطلقًا إِلَّا بِقَيْد قيام دَلِيله وَنَحْوه فِي ضيح، وَظَاهر النّظم أَن الْخلاف الْمَذْكُور جَار سَوَاء هزل بإيقاعه أَو بإيقاع لَفظه عَلَيْهِ، وَالَّذِي لِابْنِ عَرَفَة أَن هزل الْإِيقَاع لَازم اتِّفَاقًا، وهزل إِطْلَاق لَفظه عَلَيْهِ الْمَعْرُوف لُزُومه اه. تَنْبِيه: النِّكَاح وَالْعِتْق مثل الطَّلَاق فِي الْخلاف الْمَذْكُور كَمَا فِي ابْن الْحَاجِب، وَالْمَشْهُور اللُّزُوم الْبُرْزُليّ فِي الْمُدَوَّنَة عَن ابْن الْمسيب: ثَلَاث هزلهن جد: النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق. وَجعل فِي غير الْمُدَوَّنَة مَكَان الْعتْق الرّجْعَة، فَهَذِهِ أَربع هزلها جد كَمَا فِي ضيح. ابْن الْحَاج: فِي نِكَاح
стр. 562
الْهزْل خلاف وَعدم لُزُومه أظهر لقَوْله تَعَالَى: لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٥) فَكَمَا لَا كَفَّارَة فِيهِ كَذَلِك لَا نِكَاح اه. قلت: تَأمل هَذَا الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ لَا يجْرِي على مَا فسر بِهِ (خَ) : وَغَيره الْيَمين اللَّغْو حَيْثُ قَالَ: وَلَا لَغْو على مَا يَعْتَقِدهُ فَظهر نَفْيه، وَأَيْضًا فَإِن اللَّغْو خَاص بِالْيَمِينِ بِاللَّه تَعَالَى، وَمَا ذكره ابْن الْحَاج ذكر الْقَرَافِيّ مثله عَن الشَّافِعِي، وَذكر أَن اللَّغْو عندنَا خَاص بِاللَّه تَعَالَى، ثمَّ قَالَ ابْن الْحَاج: وَالْبيع مثل النِّكَاح. قَالَ الْبُرْزُليّ: إِنَّمَا هُوَ مثله فِي جَرَيَان الْقَوْلَيْنِ لَا فِي مَذْهَب الْمُدَوَّنَة لِأَن الْهزْل فِي البيع يحلف مَعَه وَلَا يلْزم على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة اه. وَانْظُر الْفرق بَينهمَا أَي بَين البيع وَالنِّكَاح فِيمَا كتبناه على قَول (خَ) فِي النِّكَاح، وَلزِمَ وَإِن لم يرض الخ. وَانْظُر مَا قَالَه الشُّرَّاح هُنَاكَ أَيْضا، وَانْظُر أَيْضا من بَاعَ زَوجته أَو زَوجهَا وَادّعى الْهزْل فِي ابْن عَرَفَة هُنَا، وَذكر (خَ) فِي الْخلْع أَن بيعهَا وتزويجها يكون طَلَاقا بَائِنا. تَنْبِيه: قَالَ فِي الذَّخِيرَة مَا نَصه: لمُطلق اللَّفْظ ثَلَاث حالات تَارَة يَسْتَعْمِلهُ فِي مَوْضُوعه الَّذِي وضع لَهُ فَيلْزمهُ مُقْتَضَاهُ فِي الْفتيا وَفِي الْقَضَاء وَتارَة فِي غير مَوْضُوعه فَلَا يلْزمه فِي الْفتيا وَيلْزمهُ فِي الْقَضَاء إِلَّا أَن تصدقه قرينَة. وَقد تقدم الْكَلَام على قَوْله: يَا طَالِق. وَقَالَ: أردْت من وثاق أَي فَيصدق فِي الْفتيا وَلَا يصدق فِي الْقَضَاء قَالَ: وَتارَة يُطلقهُ ويقتطعه عَن مُسَمَّاهُ وَلَا يصرفهُ إِلَى غير مُسَمَّاهُ، بل يُطلقهُ عَبَثا من غير إِرَادَة معنى الْبَتَّةَ بل مَقْرُونا بنية الْقطع عَن الْمُسَمّى، فَهَذَا هُوَ الهازل سَوَاء دلّت عَلَيْهِ الْقَرِينَة أم لَا. وَلَا يَكْفِي فِي الْهزْل أَنه أطلقهُ من غير نِيَّة لِأَن الصَّرِيح لَا يفْتَقر إِلَى النِّيَّة فَهَذَا تحريره فاضبطه اه. ومالِكٌ لَيْسَ لَهُ بِمُلْزِمِ لِمُكْرَهٍ فِي الفِعْلِ أَوْ فِي القَسَمِ (وَمَالك) مُبْتَدأ (لَيْسَ) اسْمهَا ضمير يعود على الْمُبْتَدَأ (لَهُ) يتَعَلَّق بِخَبَر لَيْسَ الْمَجْرُور بِالْبَاء الزَّائِدَة الَّذِي هُوَ (بملزم) بِكَسْر الزَّاي وَالضَّمِير الْمَجْرُور عَائِد على الطَّلَاق وَهُوَ فِي مَحل نصب على المفعولية بملزم ولضعف الْعَامِل تعدى إِلَيْهِ بِاللَّامِ، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ (لمكره) بِفَتْح الرَّاء يتَعَلَّق بملزم (فِي الْفِعْل) يتَعَلَّق بمكره و (فِي) بِمَعْنى (على) (أَو فِي الْقسم) مَعْطُوف عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى أَن الإِمَام مَالِكًا ﵀ لَيْسَ ملزماً الطَّلَاق للمكره على فعل الطَّلَاق أَو إِيقَاعه أَو على الْإِقْرَار بِهِ أَو على الْقسم بِهِ أَو على فعل مَا يَحْنَث بِهِ لقَوْله ﷺ كَمَا فِي مُسلم: (حمل عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) . وَقَالَ فِيهِ أَيْضا حَسْبَمَا فِي الْقَرَافِيّ: (لَا طَلَاق فِي إغلاق) . والإغلاق عِنْد مَالك الْإِكْرَاه لِأَن الإغلاق هُوَ الإطباق من أغلقت الْبَاب فَكَأَن الْمُكْره قهر على
стр. 563
الْفِعْل، وأغلق عَلَيْهِ حَتَّى فعله خلافًا لمن قَالَ: إِن الإغلاق هُوَ الْغَضَب فَإِنَّهُ لَا يَصح قَالَه ابْن رشد. قَالَ: وَطَلَاق الْغَضَب واللجاج لَازم اتِّفَاقًا، وَقد تقدم ذَلِك عِنْد قَوْله: وَينفذ الْوَاقِع من سَكرَان الخ. وَالْإِكْرَاه كَمَا قَالَ (خَ) يكون بخوف مؤلم من قتل أَو ضرب أَو سجن أَو قيد أَو صفع لذِي مُرُوءَة بملأ أَو قتل وَلَده أَو ذهَاب مَاله وَهل أَن كثر تردد الخ. وَمثل الطَّلَاق النِّكَاح وَالْبيع وَالْإِقْرَار فِي عدم اللُّزُوم بِالْإِكْرَاهِ، وَظَاهر النّظم أَنه لَا يلْزمه وَلَو ترك التورية مَعَ مَعْرفَته بهَا وَالِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ لم يدهش عَنْهَا. وَهَذَا ظَاهر الرِّوَايَات كَمَا فِي ابْن شَاس قَالَ (ز) : وَهُوَ الْمَذْهَب. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: للمكره ثَلَاث حالات فَإِن طلق بِاللَّفْظِ دون النِّيَّة لم يلْزمه قَالَ: لِأَن الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن الطَّلَاق بغَيْرهَا لَا يلْزم وَإِن لم يكن مكْرها فأحرى الْمُكْره وَإِن نوى الطَّلَاق وَهُوَ عَالم ذَاكر أَن لَهُ أَن يَجعله لفظا بِغَيْر نِيَّة لزمَه لِأَن النِّيَّة لَا تدخل تَحت الْإِكْرَاه، فَهُوَ طائع بِالنِّيَّةِ، وَالْحَالة الثَّالِثَة: أَن يدهش عَن النِّيَّة إِمَّا للْجَهْل بهَا وَإِمَّا لِأَن الزَّمَان لم يمهله لشدَّة الْإِكْرَاه، فَظَاهر الْمَذْهَب عدم اللُّزُوم قَالَ: وَلَعَلَّ الْخلاف بَين الْعلمَاء يرجع إِلَى هَذِه الْحَالَات اه. وَجعله صَاحب الْمُخْتَصر تقييداً فَقَالَ: أَو أكره وَلَو فِي فعل إِلَّا أَن يتْرك التورية مَعَ مَعْرفَتهَا الخ. وَمرَاده بالتورية أَن يَأْتِي بِاللَّفْظِ عَارِيا عَن نِيَّة الطَّلَاق كَمَا تقدم عَن اللَّخْمِيّ وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يَنْوِي معنى بَعيدا كَطَلَاق من وثاق مثلا وَنَحْوه. كَمَا هُوَ مُقْتَضى التورية البيانية والتورية خَاصَّة بالأقوال، وَلَا تورية فِي الْأَفْعَال. وَلذَا قَالَ (تت) : لَو قدم المُصَنّف الِاسْتِثْنَاء على الْمُبَالغَة لوفى بالمراد. تَنْبِيه: قَالَ فِي الذَّخِيرَة: النِّيَّة لفظ مُشْتَرك بَين الْكَلَام النفساني، وَمَعْنَاهُ أَن يَقُول فِي نَفسه: أَنْت طَالِق كَمَا يَقُول بِلِسَانِهِ وَهُوَ مُرَادهم بِالنِّيَّةِ هَهُنَا وَبَين الْقَصْد، وَهُوَ المُرَاد فِي الْعِبَادَات. وَلَيْسَ مرَادا هَهُنَا للْإِجْمَاع على أَن من عزم على طَلَاق امْرَأَته وَنوى ذَلِك أَنَّهَا لَا تطلق عَلَيْهِ. قَالَ: وَالَّذِي عفى عَنهُ من حَدِيث النَّفس الْوَارِد فِي قَوْله ﵊: (إِن الله تَعَالَى تجَاوز عَن أمتِي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تعْمل بِهِ أَو تَتَكَلَّم) إِنَّمَا هُوَ مَا هجس عَلَيْهَا من غير عزم، وَأما العازم على الْخَيْر وَالشَّر والاعتقادات فِي الْكفْر وَغَيره وَمَا يلْزمه من الإخبارات فمعتبرة إِجْمَاعًا لقَوْله تَعَالَى: وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٤) وَهَذَا هُوَ طَرِيق الْجمع بَين الْآيَة والْحَدِيث اه. وَمرَاده أَن الْآيَة فِي الْكَلَام النفساني الَّذِي يُؤَاخذ بِهِ الْمُكَلف وَهُوَ أَن يجْرِي ذَلِك على قلبه، كَمَا يجْرِي على لِسَانه من غير تلفظ بِهِ. والْحَدِيث فِي مُجَرّد الْقَصْد من غير أَن يجْرِي ذَلِك على قلبه. وَحَاصِل الْفرق على مَا ذكره أَن فِي النفساني أوقع الطَّلَاق وَنَحْوه بِقَلْبِه من غير تلفظ بِهِ، وَفِي مُجَرّد الْقَصْد نوى أَن يفعل من غير إِيقَاع بِقَلْبِه فضلا عَن لِسَانه وإلاَّ فَالْكل قصد وَنِيَّة إِلَّا أَنه فِي الأول صَاحبهَا إِيقَاع فِي الْقلب دون الثَّانِي، وَمَا ذكره من لُزُومه فِي النفساني هُوَ أحد قَوْلَيْنِ مشهورين. وَالْقَوْل الآخر يَقُول بِعَدَمِ اللُّزُوم وشهره غير وَاحِد، واستظهره ابْن عبد السَّلَام قَائِلا: إِنَّمَا يَكْتَفِي بِالنِّيَّةِ فِي التكاليف الْمُتَعَلّقَة بِالْقَلْبِ لَا فِيمَا كَانَ بَين الْآدَمِيّين كَالطَّلَاقِ وَنَحْوه اه. فَتَأمل هَذَا الْخلاف مَعَ الْإِجْمَاع الَّذِي ذكره الْقَرَافِيّ، ثمَّ قَالَ الْقَرَافِيّ بعد مَا مر: النِّيَّة فِي الْمَذْهَب لَهَا مَعْنيانِ. أَحدهمَا: الْكَلَام النَّفْسِيّ وَهُوَ المُرَاد بقَوْلهمْ فِي الطَّلَاق بِالنِّيَّةِ قَولَانِ.
стр. 564
وبقولهم إِن الصَّرِيح لَا بُد فِيهِ من نِيَّة على الْأَصَح مَعَ أَن الصَّرِيح مستغن عَن النِّيَّة الَّتِي هِيَ الْقَصْد بِإِجْمَاع، وَثَانِيهمَا الْقَصْد الَّذِي هُوَ الْإِرَادَة وَهُوَ قِسْمَانِ. أَحدهمَا: الْقَصْد لإنشاء الصِّيغَة والنطق بهَا وَلَا أعلم فِي اشْتِرَاطه خلافًا، وَثَانِيهمَا: الْقَصْد لإِزَالَة الْعِصْمَة فِي اللَّفْظ وَلَيْسَ شرطا فِي الصَّرِيح اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ مَا اشْتهر من الْكِنَايَات فَإِذا تحرر هَذَا فالمكره لم يخْتل مِنْهُ الْقَصْد للصيغة، بل قَصدهَا وَقصد اقتطاعها عَن مَعْنَاهَا على قَول اللَّخْمِيّ. وَأما على ظَاهر الرِّوَايَات كَمَا فِي الْجَوَاهِر فَلَا حَاجَة لذَلِك، ثمَّ قَالَ: سُؤال انْعَقَد الْإِجْمَاع على عدم اشْتِرَاط الْقَصْد فِي الصَّرِيح، وَاللَّخْمِيّ وَصَاحب الْمُقدمَات يَقُولَانِ: الصَّحِيح من الْمَذْهَب اشْتِرَاط النِّيَّة، فَكيف الْجمع بَينهمَا؟ وَجَوَابه: أَن الْمُشْتَرط النِّيَّة الَّتِي هِيَ الْكَلَام النفساني فَلَا بُد أَن يُطلق بِقَلْبِه كَمَا يُطلق بِلِسَانِهِ وَهُوَ يُسمى نِيَّة كَمَا تقدم اه كَلَامه فِي ذخيرته. قلت: وَقد يجمع بَينهمَا بِأَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الظَّاهِر أَي فَلَا يصدق فِي الظَّاهِر أَنه لم ينْو بِالصَّرِيحِ طَلَاقا بل يُؤَاخذ بِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاء إِجْمَاعًا، وَكَلَام صَاحب الْمُقدمَات وَاللَّخْمِيّ إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا فِي نفس الْأَمر أَي: فَلَا طَلَاق عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الله، فَلم يتواردا على مَحل وَاحِد، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ كَلَام غير وَاحِد، وَلَا سِيمَا كَلَام المتيطي الْمُتَقَدّم عِنْد قَوْله: وَينفذ الطَّلَاق بِالصَّرِيحِ الخ. وَأما جَوَابه الْمُتَقَدّم فَهُوَ غير واف بالمراد كَمَا يعلم بِالتَّأَمُّلِ. تَنْبِيه ثَان: أطلق النَّاظِم و (خَ) فِي الْفِعْل فظاهرهما سَوَاء حلف لَا أَدخل الدَّار مثلا فأكره على دُخُولهَا، أَو حلف ليدخلنها وَقت كَذَا فحيل بَينه وَبَينهَا حَتَّى ذهب الْوَقْت فَلَا حنث عَلَيْهِ فيهمَا على أحد طرق أَرْبَعَة. ذكرهَا ابْن غَازِي، وَالْمَشْهُور عِنْد ابْن رشد أَنه يَحْنَث فِي صِيغَة الْحِنْث لَا فِي صِيغَة الْبر وَعَلِيهِ عول (خَ) فِي بَاب الْيَمين حَيْثُ قَالَ: وَوَجَبَت بِهِ إِن لم يكن ببر. وَأجَاب بعض بِأَن الْإِكْرَاه فِي صِيغَة الْحِنْث إِنَّمَا هُوَ على التّرْك لَا على الْفِعْل. فَلَا يَشْمَل كَلَام النَّاظِم و (خَ) الْإِكْرَاه على التّرْك، فَلَا يكونَانِ درجا على غير الْمَشْهُور. وَهَذَا فِي الْحَالِف على فعل نَفسه، وَأما الْحَالِف على فعل غَيره، فَعَن مَالك الْحِنْث، وَعَن سَحْنُون عَدمه، وبالحنث أفتى أَبُو الْحسن حَسْبَمَا فِي الدّرّ النثير: امْرَأَة هربت من زَوجهَا فَحلف زَوجهَا لَا باتت فِي الْمحل الَّذِي هربت إِلَيْهِ فأحنثته وباتت بِهِ قهرا عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا ينفع فِيهِ الْإِكْرَاه لِأَنَّهُ حَالف على فعل الْغَيْر، وَالْإِكْرَاه فِيهِ لَا يرفع حكم الْيَمين اه. قلت: ظَاهره وَلَو فعلت ذَلِك قاصدة تحنيثه، وَفِي الْبُرْزُليّ أَنه الْمَشْهُور وَهُوَ مَا اعْتَمدهُ شرَّاح (خَ) عِنْد قَوْله فِي النِّكَاح: أَو قصدا بِالْبيعِ الْفَسْخ الخ. وَفِي الذَّخِيرَة فِي بَاب الطَّلَاق مَا نَصه: قَالَ بعض أَصْحَابنَا: إِذا قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق أَو لعَبْدِهِ: أَنْت حر إِن فعلتِ أَو فعلت كَذَا أَو إِن لم تفعلي أَو إِن لم تفعل فَفعل أَو فعلت لقصد تحنيثه لَا يلْزمه طَلَاق وَلَا عتق، وَقيل: يلْزمه الطَّلَاق دون الْعتْق اه. فَانْظُر كَيفَ صدر بِعَدَمِ الْحِنْث، وَحكى مُقَابِله بقبل وَشَمل قَوْله فِي فعل أَيْضا الْإِكْرَاه على الْمعْصِيَة: كَأَن يحلفهُ الظَّالِم بِالطَّلَاق مثلا على أَن لَا يُصَلِّي أَو على أَن يشرب الْخمر فَيصَلي وَلَا يشرب فَلَا حنث عَلَيْهِ على الْمَشْهُور. وَهُوَ مَذْهَب سَحْنُون. وَقيل: يَحْنَث وَيحرم عَلَيْهِ أَن يفعل، وَالْفرق على هَذَا الضَّعِيف بَين الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال حَتَّى كَانَ الْحِنْث سَاقِطا فِي الأول دون الثَّانِي هُوَ أَن الْمَفَاسِد لَا تتَحَقَّق فِي الْأَقْوَال لِأَن الْمُكْره على قَول مَا يكفر
стр. 565
بِهِ مُعظم لرَبه بِقَلْبِه بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ (النَّحْل: ١٠٦) بِخِلَاف شرب الْخمر وَنَحْوه، فَإِن الْمَفَاسِد فِي ذَلِك مُحَققَة قَالَ الْقَرَافِيّ: وَفرق ابْن عبد السَّلَام بِأَن القَوْل لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْمعَانِي وَلَا فِي الذوات بِخِلَاف الْفِعْل فَإِنَّهُ مُؤثر اه. وَكَذَا إِن حلفه على مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة وَلَا طَاعَة كَأَن لَا يدْخل السُّوق مثلا فَدخل فَلَا حنث أَيْضا، وَأما إِن حلفه على طَاعَة كَأَن يحلفهُ أَن لَا يشرب الْخمر فَشربهَا فَفِي الْحِنْث قَولَانِ. وَتارَة يكون الْإِكْرَاه على أَن يحلف أَنه مَا فعل فِي الْمَاضِي أَو أَنه فعل، وَيكون على مَعْصِيّة أَيْضا وَغَيرهَا. انْظُر تَفْصِيل ذَلِك فِي (ح) وَهَذَا فِي الْمعْصِيَة الَّتِي لَا حق لآدَمِيّ فِيهَا كَمَا مرّ فِي الْأَمْثِلَة، وَأما مَا فِيهَا حق للمخلوق كَالْقَتْلِ وَالْغَصْب فَلَا يَسعهُ أَن يفعل اتِّفَاقًا وَإِن فعل فَلَا يسْقط الْإِكْرَاه الْقصاص فِي الْقَتْل وَهُوَ معنى قَول (خَ) : لَا قتل الْمُسلم وقطعه وَإِن بزنا الخ. تَنْبِيه ثَالِث: ظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَن الْإِكْرَاه الْمَذْكُور لَا فرق بَين أَن يكون مُقَارنًا لوقت إِيقَاع الطَّلَاق أَو مُتَقَدما عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يفِيدهُ كَلَام الشَّارِح فِي بيع المضغوط قَائِلا: حكم الضغط منسحب على البَائِع وَإِن ترَاخى البيع عَن وقته بالشهرين وَنَحْوهمَا، وَنَحْوه فِي ابْن سَلمُون عَن ابْن الْحَاج وَابْن رشد وَغَيرهمَا خلاف مَا أفتى بِهِ أَبُو سعيد بن لب فِيمَن سلم فِي مِيرَاثه من أمه لِأَخِيهِ ثمَّ بعد موت الْأَخ قَامَ برسم يتَضَمَّن أَن التَّسْلِيم كَانَ خوفًا لما كَانَ هدده بِهِ أَخُوهُ الْمَيِّت من الْقَتْل، وَأَنه كَانَ من أهل الشَّرّ والحرابة. قَالَ ابْن لب: لم أر هَذَا الرَّسْم كَافِيا فِي رد التَّسْلِيم الْمَذْكُور لِأَن الْمَطْلُوب أَن يُؤَدِّي الشُّهُود على حضورهم فِي تَارِيخه وَأَنَّهُمْ سمعُوا التخويف إِذْ ذَاك حَتَّى وَقع التَّسْلِيم فِي موطنه، وَلَا يَكْفِي قدم التخويف على التَّسْلِيم فِي غير مَجْلِسه، وَلَا يعلمُونَ مَا اتّفق فِي وقته وتاريخه اه. وَاعْتمد فتواه هَذِه أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر الفاسي فِي جَوَاب لَهُ نَقله العلمي. وكُلُّ مَنْ يَمينُهُ باللازِمَهْ لَهُ الثَّلاث فِي الأَصَحِّ لَازِمَهْ (وكل) مُبْتَدأ (من) مُضَاف إِلَيْهِ (يَمِينه) مُبْتَدأ خَبره (باللازمة) وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول والرابط الضَّمِير الْمَجْرُور بالمبتدأ (لَهُ) يتَعَلَّق بقوله لَازِمَة آخر الْبَيْت (الثَّلَاث) مُبْتَدأ (فِي الْأَصَح) يتَعَلَّق أَيْضا بالْخبر الَّذِي هُوَ (لَازمه) وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول والرابط الضَّمِير الْمَجْرُور بِاللَّامِ. وقِيلَ بَلْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّهْ مَعْ جَهْلِهِ وَفَقْدِهِ لِلنِّيَّهْ (وَقيل) مَبْنِيّ للْمَفْعُول، ونائبه الْجُمْلَة المحكية بِهِ لِأَنَّهَا فِي مَحل الْمَفْعُول، فَلَمَّا بنى الْفِعْل للْمَفْعُول نَاب مَفْعُوله الَّذِي هُوَ الْجُمْلَة المحكية عَن فَاعله (بل) حرف إضراب (وَاحِدَة) فَاعل بِفعل مَحْذُوف أَي تلْزمهُ وَاحِدَة (رَجْعِيَّة) صفة (مَعَ) يحْتَمل أَن تكون خبر الْمَحْذُوف، وَالْجُمْلَة حَال
следующие страницы →