Полный текст (1 359 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بعد الْوَصَايَا فَيَأْخُذ قدر مِيرَاثه مِنْهُ إِلَّا أَن يكون مَا صَالح بِهِ أقل فَيَأْخُذ الْأَقَل. انْظُر ابْن عَرَفَة وَأَبا الْحسن وَإِلَى خلع الْمَرِيضَة أَشَارَ (خَ) بقوله: وَلم يجز خلع الْمَرِيضَة وَهل يرد أَو المجاوز لإرثه يَوْم مَوتهَا ووقف إِلَيْهِ؟ تَأْوِيلَانِ. الرَّابِع: تقدم فِي الرَّجْعِيّ أَنه يَرِثهَا إِن مَاتَت قبل انْقِضَاء عدتهَا فَإِن اخْتلفُوا فِي انْقِضَاء الْعدة فَقَالَ أَبُو الْحسن على قَوْلهَا فِي الْمُوَاضَعَة وَإِن هَلَكت بعد مُدَّة فِيهَا اسْتِبْرَاء فَهِيَ من الْمُبْتَاع الخ. يقوم من هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الرجل إِذا طلق امْرَأَته ثمَّ مَاتَت فَقَالَ ورثتها: مَاتَت بعد انْقِضَاء الْعدة. وَقَالَ الزَّوْج: بل قبل انْقِضَائِهَا وَاتَّفَقُوا على وَقت الطَّلَاق، فَإِن كَانَ مضى من الْمدَّة مَا تَنْقَضِي فِي مثله الْعدة غَالِبا وَذَلِكَ ثَلَاثَة أشهر فَيحمل الْأَمر على أَنَّهَا قد انْقَضتْ وَلَا مِيرَاث لَهُ إِلَّا أَن يَأْتِي بِمَا يدل على أَن عدتهَا لم تنقض من قَوْلهَا قبل الْمَوْت، إِذْ هِيَ مصدقة فِي ذَلِك فَإِن لم يَأْتِ بذلك وَادّعى أَن الْوَرَثَة علمُوا بذلك لَزِمَهُم الْيَمين، وَإِن كَانَ لم يمض مَا تَنْقَضِي فِيهِ الْعدة غَالِبا حمل الْأَمر على أَنَّهَا لم تنقض إِلَّا أَن يَأْتِي الْوَرَثَة على قَوْلهَا بِبَيِّنَة أَن عدتهَا قد انْقَضتْ وَإِن لم يَأْتُوا بذلك فَادعوا على الزَّوْج أَنه علم بذلك لَزِمته الْيَمين، وَإِن اخْتلف الزَّوْج مَعَ الْوَرَثَة فِي وَقت الطَّلَاق فَادّعى الزَّوْج مُدَّة لَا تَنْقَضِي فِي مثلهَا الْعدة فَإِن القَوْل قَول الزَّوْج على معنى مَا فِي سَماع عِيسَى من طَلَاق السّنة، وَلَا خلاف فِي هَذَا قَالَه ابْن رشد. والخُلْفُ فِي مُطَلَّقٍ هَزْلاً وَضَحْ ثالِثُهَا إلاّ إنِ الهَزْلُ اتَّضَحْ (وَالْخلف) مُبْتَدأ (فِي مُطلق) يتَعَلَّق بوضح (هزلا) مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل حَال من ضمير مُطلق (وضح) بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وفاعله ضمير الْمُبْتَدَأ، وَالْجُمْلَة خبر (ثَالِثهَا) مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره يلْزم (إِلَّا) اسْتثِْنَاء (أَن الْهزْل) فَاعل بِفعل مَحْذُوف يفسره (اتَّضَح) قَالَ ابْن سَلمُون: وَإِن طلق هازلاً فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: أَنه لَا يلْزمه، وَالثَّانِي: أَنه يلْزمه، وَالثَّالِث: إِن قَامَ دَلِيل على أَنه كَانَ هازلاً لم يلْزمه وإلاَّ لزمَه اه. وَمثله فِي عدهَا ثَلَاثَة لِابْنِ شَاس وَابْن الْحَاجِب قَالَ ابْن عبد السَّلَام: وَالَّذِي حَكَاهُ غير وَاحِد إِنَّمَا هما قَولَانِ. وَالثَّالِث تَقْيِيد لِأَن الْهزْل لَا يثبت بِمُجَرَّد الدَّعْوَى، وَالْمَشْهُور اللُّزُوم. وَعَلِيهِ عول (خَ) فَقَالَ: وَلزِمَ وَلَو هزلا الخ. أَي: وَلَو تبين هزله وَثَبت وَأَحْرَى إِذا لم يثبت كَمَا فِي ابْن رحال، وَمَا ذكره ابْن عبد السَّلَام من أَن الثَّالِث تَقْيِيد تعقبه ابْن عَرَفَة بِأَن فِي كَلَامهم مَا يدل على أَن طَلَاق الْهزْل لَغْو مُطلقًا إِلَّا بِقَيْد قيام دَلِيله وَنَحْوه فِي ضيح، وَظَاهر النّظم أَن الْخلاف الْمَذْكُور جَار سَوَاء هزل بإيقاعه أَو بإيقاع لَفظه عَلَيْهِ، وَالَّذِي لِابْنِ عَرَفَة أَن هزل الْإِيقَاع لَازم اتِّفَاقًا، وهزل إِطْلَاق لَفظه عَلَيْهِ الْمَعْرُوف لُزُومه اه. تَنْبِيه: النِّكَاح وَالْعِتْق مثل الطَّلَاق فِي الْخلاف الْمَذْكُور كَمَا فِي ابْن الْحَاجِب، وَالْمَشْهُور اللُّزُوم الْبُرْزُليّ فِي الْمُدَوَّنَة عَن ابْن الْمسيب: ثَلَاث هزلهن جد: النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق. وَجعل فِي غير الْمُدَوَّنَة مَكَان الْعتْق الرّجْعَة، فَهَذِهِ أَربع هزلها جد كَمَا فِي ضيح. ابْن الْحَاج: فِي نِكَاح
стр. 562
الْهزْل خلاف وَعدم لُزُومه أظهر لقَوْله تَعَالَى: لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٥) فَكَمَا لَا كَفَّارَة فِيهِ كَذَلِك لَا نِكَاح اه. قلت: تَأمل هَذَا الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ لَا يجْرِي على مَا فسر بِهِ (خَ) : وَغَيره الْيَمين اللَّغْو حَيْثُ قَالَ: وَلَا لَغْو على مَا يَعْتَقِدهُ فَظهر نَفْيه، وَأَيْضًا فَإِن اللَّغْو خَاص بِالْيَمِينِ بِاللَّه تَعَالَى، وَمَا ذكره ابْن الْحَاج ذكر الْقَرَافِيّ مثله عَن الشَّافِعِي، وَذكر أَن اللَّغْو عندنَا خَاص بِاللَّه تَعَالَى، ثمَّ قَالَ ابْن الْحَاج: وَالْبيع مثل النِّكَاح. قَالَ الْبُرْزُليّ: إِنَّمَا هُوَ مثله فِي جَرَيَان الْقَوْلَيْنِ لَا فِي مَذْهَب الْمُدَوَّنَة لِأَن الْهزْل فِي البيع يحلف مَعَه وَلَا يلْزم على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة اه. وَانْظُر الْفرق بَينهمَا أَي بَين البيع وَالنِّكَاح فِيمَا كتبناه على قَول (خَ) فِي النِّكَاح، وَلزِمَ وَإِن لم يرض الخ. وَانْظُر مَا قَالَه الشُّرَّاح هُنَاكَ أَيْضا، وَانْظُر أَيْضا من بَاعَ زَوجته أَو زَوجهَا وَادّعى الْهزْل فِي ابْن عَرَفَة هُنَا، وَذكر (خَ) فِي الْخلْع أَن بيعهَا وتزويجها يكون طَلَاقا بَائِنا. تَنْبِيه: قَالَ فِي الذَّخِيرَة مَا نَصه: لمُطلق اللَّفْظ ثَلَاث حالات تَارَة يَسْتَعْمِلهُ فِي مَوْضُوعه الَّذِي وضع لَهُ فَيلْزمهُ مُقْتَضَاهُ فِي الْفتيا وَفِي الْقَضَاء وَتارَة فِي غير مَوْضُوعه فَلَا يلْزمه فِي الْفتيا وَيلْزمهُ فِي الْقَضَاء إِلَّا أَن تصدقه قرينَة. وَقد تقدم الْكَلَام على قَوْله: يَا طَالِق. وَقَالَ: أردْت من وثاق أَي فَيصدق فِي الْفتيا وَلَا يصدق فِي الْقَضَاء قَالَ: وَتارَة يُطلقهُ ويقتطعه عَن مُسَمَّاهُ وَلَا يصرفهُ إِلَى غير مُسَمَّاهُ، بل يُطلقهُ عَبَثا من غير إِرَادَة معنى الْبَتَّةَ بل مَقْرُونا بنية الْقطع عَن الْمُسَمّى، فَهَذَا هُوَ الهازل سَوَاء دلّت عَلَيْهِ الْقَرِينَة أم لَا. وَلَا يَكْفِي فِي الْهزْل أَنه أطلقهُ من غير نِيَّة لِأَن الصَّرِيح لَا يفْتَقر إِلَى النِّيَّة فَهَذَا تحريره فاضبطه اه. ومالِكٌ لَيْسَ لَهُ بِمُلْزِمِ لِمُكْرَهٍ فِي الفِعْلِ أَوْ فِي القَسَمِ (وَمَالك) مُبْتَدأ (لَيْسَ) اسْمهَا ضمير يعود على الْمُبْتَدَأ (لَهُ) يتَعَلَّق بِخَبَر لَيْسَ الْمَجْرُور بِالْبَاء الزَّائِدَة الَّذِي هُوَ (بملزم) بِكَسْر الزَّاي وَالضَّمِير الْمَجْرُور عَائِد على الطَّلَاق وَهُوَ فِي مَحل نصب على المفعولية بملزم ولضعف الْعَامِل تعدى إِلَيْهِ بِاللَّامِ، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ (لمكره) بِفَتْح الرَّاء يتَعَلَّق بملزم (فِي الْفِعْل) يتَعَلَّق بمكره و (فِي) بِمَعْنى (على) (أَو فِي الْقسم) مَعْطُوف عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى أَن الإِمَام مَالِكًا ﵀ لَيْسَ ملزماً الطَّلَاق للمكره على فعل الطَّلَاق أَو إِيقَاعه أَو على الْإِقْرَار بِهِ أَو على الْقسم بِهِ أَو على فعل مَا يَحْنَث بِهِ لقَوْله ﷺ كَمَا فِي مُسلم: (حمل عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) . وَقَالَ فِيهِ أَيْضا حَسْبَمَا فِي الْقَرَافِيّ: (لَا طَلَاق فِي إغلاق) . والإغلاق عِنْد مَالك الْإِكْرَاه لِأَن الإغلاق هُوَ الإطباق من أغلقت الْبَاب فَكَأَن الْمُكْره قهر على
стр. 563
الْفِعْل، وأغلق عَلَيْهِ حَتَّى فعله خلافًا لمن قَالَ: إِن الإغلاق هُوَ الْغَضَب فَإِنَّهُ لَا يَصح قَالَه ابْن رشد. قَالَ: وَطَلَاق الْغَضَب واللجاج لَازم اتِّفَاقًا، وَقد تقدم ذَلِك عِنْد قَوْله: وَينفذ الْوَاقِع من سَكرَان الخ. وَالْإِكْرَاه كَمَا قَالَ (خَ) يكون بخوف مؤلم من قتل أَو ضرب أَو سجن أَو قيد أَو صفع لذِي مُرُوءَة بملأ أَو قتل وَلَده أَو ذهَاب مَاله وَهل أَن كثر تردد الخ. وَمثل الطَّلَاق النِّكَاح وَالْبيع وَالْإِقْرَار فِي عدم اللُّزُوم بِالْإِكْرَاهِ، وَظَاهر النّظم أَنه لَا يلْزمه وَلَو ترك التورية مَعَ مَعْرفَته بهَا وَالِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ لم يدهش عَنْهَا. وَهَذَا ظَاهر الرِّوَايَات كَمَا فِي ابْن شَاس قَالَ (ز) : وَهُوَ الْمَذْهَب. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: للمكره ثَلَاث حالات فَإِن طلق بِاللَّفْظِ دون النِّيَّة لم يلْزمه قَالَ: لِأَن الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن الطَّلَاق بغَيْرهَا لَا يلْزم وَإِن لم يكن مكْرها فأحرى الْمُكْره وَإِن نوى الطَّلَاق وَهُوَ عَالم ذَاكر أَن لَهُ أَن يَجعله لفظا بِغَيْر نِيَّة لزمَه لِأَن النِّيَّة لَا تدخل تَحت الْإِكْرَاه، فَهُوَ طائع بِالنِّيَّةِ، وَالْحَالة الثَّالِثَة: أَن يدهش عَن النِّيَّة إِمَّا للْجَهْل بهَا وَإِمَّا لِأَن الزَّمَان لم يمهله لشدَّة الْإِكْرَاه، فَظَاهر الْمَذْهَب عدم اللُّزُوم قَالَ: وَلَعَلَّ الْخلاف بَين الْعلمَاء يرجع إِلَى هَذِه الْحَالَات اه. وَجعله صَاحب الْمُخْتَصر تقييداً فَقَالَ: أَو أكره وَلَو فِي فعل إِلَّا أَن يتْرك التورية مَعَ مَعْرفَتهَا الخ. وَمرَاده بالتورية أَن يَأْتِي بِاللَّفْظِ عَارِيا عَن نِيَّة الطَّلَاق كَمَا تقدم عَن اللَّخْمِيّ وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يَنْوِي معنى بَعيدا كَطَلَاق من وثاق مثلا وَنَحْوه. كَمَا هُوَ مُقْتَضى التورية البيانية والتورية خَاصَّة بالأقوال، وَلَا تورية فِي الْأَفْعَال. وَلذَا قَالَ (تت) : لَو قدم المُصَنّف الِاسْتِثْنَاء على الْمُبَالغَة لوفى بالمراد. تَنْبِيه: قَالَ فِي الذَّخِيرَة: النِّيَّة لفظ مُشْتَرك بَين الْكَلَام النفساني، وَمَعْنَاهُ أَن يَقُول فِي نَفسه: أَنْت طَالِق كَمَا يَقُول بِلِسَانِهِ وَهُوَ مُرَادهم بِالنِّيَّةِ هَهُنَا وَبَين الْقَصْد، وَهُوَ المُرَاد فِي الْعِبَادَات. وَلَيْسَ مرَادا هَهُنَا للْإِجْمَاع على أَن من عزم على طَلَاق امْرَأَته وَنوى ذَلِك أَنَّهَا لَا تطلق عَلَيْهِ. قَالَ: وَالَّذِي عفى عَنهُ من حَدِيث النَّفس الْوَارِد فِي قَوْله ﵊: (إِن الله تَعَالَى تجَاوز عَن أمتِي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تعْمل بِهِ أَو تَتَكَلَّم) إِنَّمَا هُوَ مَا هجس عَلَيْهَا من غير عزم، وَأما العازم على الْخَيْر وَالشَّر والاعتقادات فِي الْكفْر وَغَيره وَمَا يلْزمه من الإخبارات فمعتبرة إِجْمَاعًا لقَوْله تَعَالَى: وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٤) وَهَذَا هُوَ طَرِيق الْجمع بَين الْآيَة والْحَدِيث اه. وَمرَاده أَن الْآيَة فِي الْكَلَام النفساني الَّذِي يُؤَاخذ بِهِ الْمُكَلف وَهُوَ أَن يجْرِي ذَلِك على قلبه، كَمَا يجْرِي على لِسَانه من غير تلفظ بِهِ. والْحَدِيث فِي مُجَرّد الْقَصْد من غير أَن يجْرِي ذَلِك على قلبه. وَحَاصِل الْفرق على مَا ذكره أَن فِي النفساني أوقع الطَّلَاق وَنَحْوه بِقَلْبِه من غير تلفظ بِهِ، وَفِي مُجَرّد الْقَصْد نوى أَن يفعل من غير إِيقَاع بِقَلْبِه فضلا عَن لِسَانه وإلاَّ فَالْكل قصد وَنِيَّة إِلَّا أَنه فِي الأول صَاحبهَا إِيقَاع فِي الْقلب دون الثَّانِي، وَمَا ذكره من لُزُومه فِي النفساني هُوَ أحد قَوْلَيْنِ مشهورين. وَالْقَوْل الآخر يَقُول بِعَدَمِ اللُّزُوم وشهره غير وَاحِد، واستظهره ابْن عبد السَّلَام قَائِلا: إِنَّمَا يَكْتَفِي بِالنِّيَّةِ فِي التكاليف الْمُتَعَلّقَة بِالْقَلْبِ لَا فِيمَا كَانَ بَين الْآدَمِيّين كَالطَّلَاقِ وَنَحْوه اه. فَتَأمل هَذَا الْخلاف مَعَ الْإِجْمَاع الَّذِي ذكره الْقَرَافِيّ، ثمَّ قَالَ الْقَرَافِيّ بعد مَا مر: النِّيَّة فِي الْمَذْهَب لَهَا مَعْنيانِ. أَحدهمَا: الْكَلَام النَّفْسِيّ وَهُوَ المُرَاد بقَوْلهمْ فِي الطَّلَاق بِالنِّيَّةِ قَولَانِ.
стр. 564
وبقولهم إِن الصَّرِيح لَا بُد فِيهِ من نِيَّة على الْأَصَح مَعَ أَن الصَّرِيح مستغن عَن النِّيَّة الَّتِي هِيَ الْقَصْد بِإِجْمَاع، وَثَانِيهمَا الْقَصْد الَّذِي هُوَ الْإِرَادَة وَهُوَ قِسْمَانِ. أَحدهمَا: الْقَصْد لإنشاء الصِّيغَة والنطق بهَا وَلَا أعلم فِي اشْتِرَاطه خلافًا، وَثَانِيهمَا: الْقَصْد لإِزَالَة الْعِصْمَة فِي اللَّفْظ وَلَيْسَ شرطا فِي الصَّرِيح اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ مَا اشْتهر من الْكِنَايَات فَإِذا تحرر هَذَا فالمكره لم يخْتل مِنْهُ الْقَصْد للصيغة، بل قَصدهَا وَقصد اقتطاعها عَن مَعْنَاهَا على قَول اللَّخْمِيّ. وَأما على ظَاهر الرِّوَايَات كَمَا فِي الْجَوَاهِر فَلَا حَاجَة لذَلِك، ثمَّ قَالَ: سُؤال انْعَقَد الْإِجْمَاع على عدم اشْتِرَاط الْقَصْد فِي الصَّرِيح، وَاللَّخْمِيّ وَصَاحب الْمُقدمَات يَقُولَانِ: الصَّحِيح من الْمَذْهَب اشْتِرَاط النِّيَّة، فَكيف الْجمع بَينهمَا؟ وَجَوَابه: أَن الْمُشْتَرط النِّيَّة الَّتِي هِيَ الْكَلَام النفساني فَلَا بُد أَن يُطلق بِقَلْبِه كَمَا يُطلق بِلِسَانِهِ وَهُوَ يُسمى نِيَّة كَمَا تقدم اه كَلَامه فِي ذخيرته. قلت: وَقد يجمع بَينهمَا بِأَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الظَّاهِر أَي فَلَا يصدق فِي الظَّاهِر أَنه لم ينْو بِالصَّرِيحِ طَلَاقا بل يُؤَاخذ بِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاء إِجْمَاعًا، وَكَلَام صَاحب الْمُقدمَات وَاللَّخْمِيّ إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا فِي نفس الْأَمر أَي: فَلَا طَلَاق عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الله، فَلم يتواردا على مَحل وَاحِد، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ كَلَام غير وَاحِد، وَلَا سِيمَا كَلَام المتيطي الْمُتَقَدّم عِنْد قَوْله: وَينفذ الطَّلَاق بِالصَّرِيحِ الخ. وَأما جَوَابه الْمُتَقَدّم فَهُوَ غير واف بالمراد كَمَا يعلم بِالتَّأَمُّلِ. تَنْبِيه ثَان: أطلق النَّاظِم و (خَ) فِي الْفِعْل فظاهرهما سَوَاء حلف لَا أَدخل الدَّار مثلا فأكره على دُخُولهَا، أَو حلف ليدخلنها وَقت كَذَا فحيل بَينه وَبَينهَا حَتَّى ذهب الْوَقْت فَلَا حنث عَلَيْهِ فيهمَا على أحد طرق أَرْبَعَة. ذكرهَا ابْن غَازِي، وَالْمَشْهُور عِنْد ابْن رشد أَنه يَحْنَث فِي صِيغَة الْحِنْث لَا فِي صِيغَة الْبر وَعَلِيهِ عول (خَ) فِي بَاب الْيَمين حَيْثُ قَالَ: وَوَجَبَت بِهِ إِن لم يكن ببر. وَأجَاب بعض بِأَن الْإِكْرَاه فِي صِيغَة الْحِنْث إِنَّمَا هُوَ على التّرْك لَا على الْفِعْل. فَلَا يَشْمَل كَلَام النَّاظِم و (خَ) الْإِكْرَاه على التّرْك، فَلَا يكونَانِ درجا على غير الْمَشْهُور. وَهَذَا فِي الْحَالِف على فعل نَفسه، وَأما الْحَالِف على فعل غَيره، فَعَن مَالك الْحِنْث، وَعَن سَحْنُون عَدمه، وبالحنث أفتى أَبُو الْحسن حَسْبَمَا فِي الدّرّ النثير: امْرَأَة هربت من زَوجهَا فَحلف زَوجهَا لَا باتت فِي الْمحل الَّذِي هربت إِلَيْهِ فأحنثته وباتت بِهِ قهرا عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا ينفع فِيهِ الْإِكْرَاه لِأَنَّهُ حَالف على فعل الْغَيْر، وَالْإِكْرَاه فِيهِ لَا يرفع حكم الْيَمين اه. قلت: ظَاهره وَلَو فعلت ذَلِك قاصدة تحنيثه، وَفِي الْبُرْزُليّ أَنه الْمَشْهُور وَهُوَ مَا اعْتَمدهُ شرَّاح (خَ) عِنْد قَوْله فِي النِّكَاح: أَو قصدا بِالْبيعِ الْفَسْخ الخ. وَفِي الذَّخِيرَة فِي بَاب الطَّلَاق مَا نَصه: قَالَ بعض أَصْحَابنَا: إِذا قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق أَو لعَبْدِهِ: أَنْت حر إِن فعلتِ أَو فعلت كَذَا أَو إِن لم تفعلي أَو إِن لم تفعل فَفعل أَو فعلت لقصد تحنيثه لَا يلْزمه طَلَاق وَلَا عتق، وَقيل: يلْزمه الطَّلَاق دون الْعتْق اه. فَانْظُر كَيفَ صدر بِعَدَمِ الْحِنْث، وَحكى مُقَابِله بقبل وَشَمل قَوْله فِي فعل أَيْضا الْإِكْرَاه على الْمعْصِيَة: كَأَن يحلفهُ الظَّالِم بِالطَّلَاق مثلا على أَن لَا يُصَلِّي أَو على أَن يشرب الْخمر فَيصَلي وَلَا يشرب فَلَا حنث عَلَيْهِ على الْمَشْهُور. وَهُوَ مَذْهَب سَحْنُون. وَقيل: يَحْنَث وَيحرم عَلَيْهِ أَن يفعل، وَالْفرق على هَذَا الضَّعِيف بَين الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال حَتَّى كَانَ الْحِنْث سَاقِطا فِي الأول دون الثَّانِي هُوَ أَن الْمَفَاسِد لَا تتَحَقَّق فِي الْأَقْوَال لِأَن الْمُكْره على قَول مَا يكفر
стр. 565
بِهِ مُعظم لرَبه بِقَلْبِه بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ (النَّحْل: ١٠٦) بِخِلَاف شرب الْخمر وَنَحْوه، فَإِن الْمَفَاسِد فِي ذَلِك مُحَققَة قَالَ الْقَرَافِيّ: وَفرق ابْن عبد السَّلَام بِأَن القَوْل لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْمعَانِي وَلَا فِي الذوات بِخِلَاف الْفِعْل فَإِنَّهُ مُؤثر اه. وَكَذَا إِن حلفه على مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة وَلَا طَاعَة كَأَن لَا يدْخل السُّوق مثلا فَدخل فَلَا حنث أَيْضا، وَأما إِن حلفه على طَاعَة كَأَن يحلفهُ أَن لَا يشرب الْخمر فَشربهَا فَفِي الْحِنْث قَولَانِ. وَتارَة يكون الْإِكْرَاه على أَن يحلف أَنه مَا فعل فِي الْمَاضِي أَو أَنه فعل، وَيكون على مَعْصِيّة أَيْضا وَغَيرهَا. انْظُر تَفْصِيل ذَلِك فِي (ح) وَهَذَا فِي الْمعْصِيَة الَّتِي لَا حق لآدَمِيّ فِيهَا كَمَا مرّ فِي الْأَمْثِلَة، وَأما مَا فِيهَا حق للمخلوق كَالْقَتْلِ وَالْغَصْب فَلَا يَسعهُ أَن يفعل اتِّفَاقًا وَإِن فعل فَلَا يسْقط الْإِكْرَاه الْقصاص فِي الْقَتْل وَهُوَ معنى قَول (خَ) : لَا قتل الْمُسلم وقطعه وَإِن بزنا الخ. تَنْبِيه ثَالِث: ظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَن الْإِكْرَاه الْمَذْكُور لَا فرق بَين أَن يكون مُقَارنًا لوقت إِيقَاع الطَّلَاق أَو مُتَقَدما عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يفِيدهُ كَلَام الشَّارِح فِي بيع المضغوط قَائِلا: حكم الضغط منسحب على البَائِع وَإِن ترَاخى البيع عَن وقته بالشهرين وَنَحْوهمَا، وَنَحْوه فِي ابْن سَلمُون عَن ابْن الْحَاج وَابْن رشد وَغَيرهمَا خلاف مَا أفتى بِهِ أَبُو سعيد بن لب فِيمَن سلم فِي مِيرَاثه من أمه لِأَخِيهِ ثمَّ بعد موت الْأَخ قَامَ برسم يتَضَمَّن أَن التَّسْلِيم كَانَ خوفًا لما كَانَ هدده بِهِ أَخُوهُ الْمَيِّت من الْقَتْل، وَأَنه كَانَ من أهل الشَّرّ والحرابة. قَالَ ابْن لب: لم أر هَذَا الرَّسْم كَافِيا فِي رد التَّسْلِيم الْمَذْكُور لِأَن الْمَطْلُوب أَن يُؤَدِّي الشُّهُود على حضورهم فِي تَارِيخه وَأَنَّهُمْ سمعُوا التخويف إِذْ ذَاك حَتَّى وَقع التَّسْلِيم فِي موطنه، وَلَا يَكْفِي قدم التخويف على التَّسْلِيم فِي غير مَجْلِسه، وَلَا يعلمُونَ مَا اتّفق فِي وقته وتاريخه اه. وَاعْتمد فتواه هَذِه أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر الفاسي فِي جَوَاب لَهُ نَقله العلمي. وكُلُّ مَنْ يَمينُهُ باللازِمَهْ لَهُ الثَّلاث فِي الأَصَحِّ لَازِمَهْ (وكل) مُبْتَدأ (من) مُضَاف إِلَيْهِ (يَمِينه) مُبْتَدأ خَبره (باللازمة) وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول والرابط الضَّمِير الْمَجْرُور بالمبتدأ (لَهُ) يتَعَلَّق بقوله لَازِمَة آخر الْبَيْت (الثَّلَاث) مُبْتَدأ (فِي الْأَصَح) يتَعَلَّق أَيْضا بالْخبر الَّذِي هُوَ (لَازمه) وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول والرابط الضَّمِير الْمَجْرُور بِاللَّامِ. وقِيلَ بَلْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّهْ مَعْ جَهْلِهِ وَفَقْدِهِ لِلنِّيَّهْ (وَقيل) مَبْنِيّ للْمَفْعُول، ونائبه الْجُمْلَة المحكية بِهِ لِأَنَّهَا فِي مَحل الْمَفْعُول، فَلَمَّا بنى الْفِعْل للْمَفْعُول نَاب مَفْعُوله الَّذِي هُوَ الْجُمْلَة المحكية عَن فَاعله (بل) حرف إضراب (وَاحِدَة) فَاعل بِفعل مَحْذُوف أَي تلْزمهُ وَاحِدَة (رَجْعِيَّة) صفة (مَعَ) يحْتَمل أَن تكون خبر الْمَحْذُوف، وَالْجُمْلَة حَال
стр. 566
مِمَّا قبله أَي: وكل هَذَا كَائِن مَعَ الخ. وَيحْتَمل أَن تكون فِي مَحل نصب على الْحَال أَي: وَتلْزَمهُ وَاحِدَة رَجْعِيَّة حَال كَونه مصاحباً (مَعَ جَهله وفقده للنِّيَّة) وَالْجُمْلَة من قيل وَمَا بعده استئنافية. وَقِيلَ بَلْ بَائِنَةٌ وَقِيلَ بَلْ جَمِيعُ الأَيْمَانِ وَمَا بِهِ عَمَلْ (وَقيل بل بَائِنَة) إعرابه كَالَّذي قبله (وَقيل بل جَمِيع الْأَيْمَان) إعرابه كَالَّذي قبله أَيْضا (وَمَا) نَافِيَة (بِهِ) خبر عَن قَوْله (عمل) وَالْمعْنَى أَن من حلف بالأيمان اللَّازِمَة فَقَالَ مثلا: الْأَيْمَان تلزمني لَا فعلت أَو إِن فعلت، أَو قَالَ الْأَيْمَان لَازِمَة لي أَو جَمِيع الْأَيْمَان أَو الْأَيْمَان كلهَا أَو أَيْمَان الْمُسلمين، فقد اخْتلف فِيمَا يلْزمه على أَرْبَعَة أَقْوَال. على مَا ذكره النَّاظِم، وَأَشَارَ بقوله: الْأَصَح لقَوْل الْبَاجِيّ فِي الْمُنْتَقى أَنه الْأَظْهر عِنْدِي، وَفِي المعيار عَن العقباني أَنه الْمَشْهُور، وَفِي ضيح أَنه الصَّحِيح عِنْد التّونسِيّ وَاللَّخْمِيّ وَعبد الحميد والمازري وَغَيرهم، حَتَّى أَن السيوري أفتى بِنَقْض حكم الْحَاكِم إِن أفتى بالواحدة وَقَوله: مَعَ جَهله وفقده للنِّيَّة. يحْتَمل أَن يكون هُوَ مَوْضُوع الْأَقْوَال أَي مَحل هَذِه الْأَقْوَال إِذا جهل مَدْلُول اللَّفْظ وفقد النِّيَّة أَي: وفقد الْعرف أَيْضا وإلاَّ لزمَه مَا نَوَاه بِاتِّفَاق، أَو مَا جرى بِهِ الْعرف كَمَا فِي ابْن سَلمُون وَغَيره، فَإِن نوى أمرا وَالْعرْف بِخِلَافِهِ قدمت النِّيَّة لقَوْل (خَ) وخصصت نِيَّة الْحَالِف إِلَى قَوْله: ثمَّ عرف قولي الخ. لِأَن الْأَعْرَاف أصل مُعْتَبر فِي الْأَيْمَان، وَكَانَ النَّاظِم اسْتغنى عَنهُ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنه يخصص كالنية أَو فِيهِ حذف الْوَاو مَعَ مَا عطفت كَمَا قَررنَا، وَيحْتَمل أَن سَبَب اخْتِلَاف هَذِه الْأَقْوَال هُوَ اخْتِلَاف الْأَعْرَاف، فَكل قَالَ بِمَا جرى بِهِ عرف بَلَده من ثَلَاث أَو غَيرهَا، فَمن جرى عرف بَلَده بِقصد الثَّلَاث فقد دون غَيرهَا ألزمهُ إِيَّاهَا، وَمن جرى عرف بَلَده بالرجعي ألزمهُ إِيَّاه أَو الْبَائِن فَقَط ألزمهُ إِيَّاه، وَقَوله: وَمَا بِهِ عمل أَي لكَون عرفهم لَا يقصدون بِهِ جَمِيع الْأَيْمَان مِمَّا عدا الطَّلَاق. وَفِي (خَ) من لُزُوم الْعتْق وَالثَّلَاث وَالْمَشْي لِلْحَجِّ إِلَى غير ذَلِك إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ عرفهم اسْتِعْمَال اللَّازِمَة فِي الطَّلَاق وَغَيره مِمَّا ذكر أَو لَا عرف لَهُم فِيهَا. وَكَانَت عَادَة النَّاس الْحلف بِالصَّدَقَةِ بِالثُّلثِ وَالْحج وَالْعِتْق وَالْمَشْي وَنَحْو ذَلِك. وَوجه الأول ظَاهر لِأَن الْعرف يخصص اللَّفْظ أَو يعمه فَإِذا كَانَ الْعرف اسْتِعْمَال اللَّازِمَة فِي الطَّلَاق فَقَط. فَلَا يلْزمه غَيره، وَإِذا كَانَ الْعرف اسْتِعْمَالهَا فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق مثلا أَو فيهمَا. وَفِي الْحَج فَكَذَلِك أَيْضا وَهَكَذَا. وَوجه الثَّانِي أَن اللَّفْظ إِذا لم يكن فِيهِ عرف يخصصه أَو يعممه فَإِنَّهُ يحمل على مَدْلُوله اللّغَوِيّ كَمَا هِيَ الْقَاعِدَة، وَلَا شكّ أَن مَدْلُوله لُغَة جَمِيع الْأَيْمَان من طَلَاق وَحج ومشي
стр. 567
وَغَيرهَا مِمَّا عَادَة الْبَلَد الْحلف بِهِ حَتَّى أَنه إِذا كَانَت عَادَتهم الْحلف بِالْعِتْقِ فَقَط لم يلْزمه غَيره إِذا علمت هَذَا، فعلى الِاحْتِمَال الأول يكون قَول النَّاظِم: وَمَا بِهِ عمل الخ فِي عهدته لما علمت أَنه حَيْثُ لَا نِيَّة وَلَا عرف يلْزمه مَدْلُول اللَّفْظ لُغَة كَمَا مرّ وَهُوَ الْمشَار لَهُ بقول (خَ) ثمَّ مقصد لغَوِيّ الخ. وَلم أَقف على مَا قَالَ إِنَّه حِينَئِذٍ لَا عمل عَلَيْهِ، وَحمل النَّاظِم على هَذَا الِاحْتِمَال وَإِن ورد عَلَيْهِ مَا ذكر هُوَ الْمُوَافق للنَّقْل. قَالَ ابْن سَلمُون: يلْزم الْحَالِف بالأيمان اللَّازِمَة إِذا لم تكن لَهُ نِيَّة عتق من يملكهُ وَالصَّدَََقَة بِثلث مَاله. وَالْمَشْي إِلَى بَيت الله تَعَالَى وَكَفَّارَة يَمِين وَطَلَاق نِسَائِهِ. وَاخْتلف فِيمَا يلْزمه من الطَّلَاق فَذكر الْأَقْوَال الثَّلَاثَة. الأول فِي النّظم وَذكر عَن الْأَبْهَرِيّ أَنه لَا يلْزمه فِيهَا سوى الاسْتِغْفَار. ثمَّ قَالَ: قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: فَإِن جرى فِيهَا عرف فِي بلد من الْبِلَاد كَانَ الْعَمَل فِيهَا بِحَسب الْعرف عِنْد الْإِطْلَاق انْتهى بِاخْتِصَار. وَنَحْوه فِي ابْن شَاس وَغَيره فَقَوله: فَإِن جرى فِيهَا عرف الخ. تَقْيِيد لتِلْك الْأَقْوَال كَمَا مرّ فِي أصل التَّقْرِير لِأَنَّهُ عِنْد فقد النِّيَّة يُصَار للْعُرْف كَمَا صرح بِهِ ابْن لب، وَغَيره فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ مَا مر عَن (خَ) فِي قَوْله: ثمَّ عرف قولي الخ. وَحِينَئِذٍ فَإِن كَانَ مُرَاد النَّاظِم هَذَا الْفِقْه كَمَا هُوَ ظَاهره، وَلَكِن الْغَالِب عَلَيْهِ تبعيته لِابْنِ سَلمُون فيشكل بِمَا مر، وَبِأَن القَوْل الرَّابِع هُوَ الْمَشْهُور لِأَنَّهُ المطابق للغة، فَكيف يكون مُقَابِله أصح وَبِأَن قَوْله مَعَ جَهله لَا يَنْبَغِي أَن يكون مَوْضُوعا للأقوال لِأَنَّهُ عِنْد ثُبُوت جَهله بمدلول اللَّفْظ لَا يلْزمه شَيْء لَا فِي الْفَتْوَى وَلَا فِي الْقَضَاء كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: أَو لقن بِلَا فهم الخ. فَلَو قَالَ بدله لعدم الْعرف وفقد النِّيَّة لسلم من هَذَا، وَأما على الِاحْتِمَال الثَّانِي فللاختلاف بَين الْأَقْوَال فِي الْحَقِيقَة بل كل قَالَ بِمَا جرى بِهِ عرف بَلَده كَمَا مرّ، وَيشكل القَوْل الرَّابِع أَيْضا لِأَن مَوْضُوعه حَيْثُ لَا عرف فَلَا تحسن مُقَابلَته بِمَا قبله. وَأما قَوْله: وَمَا بِهِ عمل الخ. على هَذَا الِاحْتِمَال فَهُوَ فِي مَحَله لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْعرف اسْتِعْمَال اللَّفْظ الْمَذْكُور فِي الثَّلَاث فَقَط أَو فِي الْبَيْنُونَة فَقَط أَو فِي الْعتْق فَقَط مثلا كَانَ لُزُوم جَمِيع الْأَيْمَان مَهْجُورًا لَا عمل عَلَيْهِ لَا فِي الْفتيا وَلَا فِي الْقَضَاء، فَفِي كَلَام النَّاظِم إِشْكَال على كلا الِاحْتِمَالَيْنِ.
стр. 568
تَنْبِيهَات. الأول: إِذا قَالَ الْقَائِل: الْأَيْمَان لَازِمَة لَهُ أَو الْأَيْمَان تلْزمهُ فَلَا يخفى أَن أل للاستغراق وَإِلَّا كَانَت للْعهد الذهْنِي، وَحِينَئِذٍ فَإِن لم يكن عرف فِيهَا فَلَا عهد ذهنياً، وَيحمل اللَّفْظ على عُمُومه كَمَا لَو قَالَ: عَلَيْهِ جَمِيع الْأَيْمَان أَو عَلَيْهِ أَيْمَان الْمُسلمين أَو أَيْمَان الْبيعَة وَنَحْو ذَلِك، فَيلْزمهُ جَمِيع مَا اعْتَادَ النَّاس الْحلف بِهِ فِي ذَلِك كَمَا مرّ سَوَاء اعْتَادَ هُوَ خلافهم أَو لم يعْتد شَيْئا حَتَّى أَنه لَو كَانَت عَادَتهم الْحلف بِاللَّه فَقَط لزمَه ثَلَاث كَفَّارَات فَقَط لِأَنَّهُ مَدْلُوله لُغَة وَعرفا حِينَئِذٍ، وَلَا يُمكن أَن تَخْلُو بلد من الْحلف بِاللَّه تَعَالَى وَبِغَيْرِهِ حَتَّى يُقَال: إِنَّه إِذا لم يكن لَهُ نِيَّة وَلَا لأهل بَلَده عَادَة لم يلْزمه شَيْء كَمَا فِي الزّرْقَانِيّ، وَأما إِن كَانَ فِيهَا عرف خَاص بِحَيْثُ لَا يستعملها أهل الْبَلَد إِلَّا فِي خُصُوص الطَّلَاق الثَّلَاث أَو الْبَائِن أَو فِي الْعتْق مثلا فأل فِي ذَلِك للْعهد الذهْنِي، والمعهود مَا بِهِ الْعرف وَلَا ينظر حِينَئِذٍ لكل وَلَا لجَمِيع وَلَا لغَيْرِهِمَا من أَلْفَاظ الْعُمُوم وَلَا لصيغة الْجمع، لِأَنَّهُ وَإِن أَتَى الْحَالِف بِلَفْظ دَال على الْعُمُوم أَو بِصِيغَة الْجمع فَهُوَ مَخْصُوص بعرف بلد الْحَالِف فَلَا يلْزمه غير مَا بِهِ عرفهم وَصِيغَة الْجمع والعموم ملغاة، وَإِلَى هَذَا ترجع فَتَاوَى الْمُتَأَخِّرين الَّتِي فِي الشَّارِح وَغَيره، وَعَلِيهِ فاللازم فِيهَا فِي بلدنا الْيَوْم إِنَّمَا هُوَ الطَّلَاق لِأَن النَّاس الْيَوْم لَا يعْرفُونَ الْحلف بِالْعِتْقِ وَلَا بِالْمَشْيِ وَلَا بِالصَّدَقَةِ فَقَوْلهم: أَيْمَان الْمُسلمين أَو الْأَيْمَان اللَّازِمَة لَهُم كَقَوْلِهِم: عَلَيْهِم الطَّلَاق، وَالظَّاهِر كَمَا للمسناوي و (تت) أَن يحمل على الْوَاحِدَة البائنة لِأَن النَّاس الْيَوْم لَا يعْرفُونَ الطَّلَاق الرَّجْعِيّ. قلت: وَالظَّاهِر أَن يحمل الثَّلَاث لِأَن أَكثر النَّاس الْيَوْم الْحلف بِالطَّلَاق الثَّلَاث، وهم إِنَّمَا يقصدون بهَا التَّشْدِيد والتغليظ كحلفهم بالحرام آخر الثَّلَاث فَهِيَ مُسَاوِيَة لَهُ عِنْدهم على مَا شهدناه مِنْهُم، وعَلى تَسْلِيم حلفهم بالحرام مُجَردا من آخر الثَّلَاث، وَأَنه يكثر مِنْهُم الْحلف بِهِ مُجَردا ومقروناً بِالثلَاثِ، فَحَمله فِي اللَّازِمَة على الثَّلَاث أحوط عِنْد عدم النِّيَّة لِأَن الْفروج يحْتَاط لَهَا. الثَّانِي: درج أَبُو زيد الفاسي فِي عملياته على مَا للأبهري وَابْن عبد الْبر من أَنه لَا يلْزمه فِيهَا سوى الاسْتِغْفَار فَقَالَ: وَعدم اللُّزُوم فِي أَيْمَان لَازِمَة شاعت مذ أزمان فَظَاهره أَنه لَا يلْزمه شَيْء وَلَو كَفَّارَة يَمِين بِاللَّه، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ على الِاحْتِمَال الأول فِي كَلَام النَّاظِم أَي حَيْثُ لَا نِيَّة وَلَا عرف، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ مُقَابل للمشهور من حمله حِينَئِذٍ على مَدْلُول اللَّفْظ لُغَة، وإلاَّ فَهُوَ إِذا كَانَت لَهُ نِيَّة لزمَه مَا نَوَاه اتِّفَاقًا من طَلَاق أَو غَيره، وَإِن كَانَ لَهُم فِيهَا عرف لزمَه مَا هُوَ عرفهم فِيهَا لِأَنَّهُ كالنية كَمَا مر وَلَا يحل للمفتي أَن يفتيه حِينَئِذٍ بِعَدَمِ اللُّزُوم إِذْ ذَاك خُرُوج عَن أَقْوَال أَئِمَّة الْمَذْهَب وَمَا بِهِ الْعَمَل لَا بدّ أَن يُوَافق قولا وَإِن شاذاً. الثَّالِث: كثير من النَّاس فِي هَذِه الْأَزْمِنَة يَقُول عَلَيْهِ مَا يلْزمه لأَفْعَل كَذَا وَلَا يزِيد من الْأَيْمَان والجاري على مَا مر أَنه يلْزمه مَا نَوَاه أَو مَا بِهِ عرفهم، فَإِن لم تكن نِيَّة وَلَا لَهُم عرف فِي هَذَا اللَّفْظ، فَالظَّاهِر أَنه لَا يلْزمه شَيْء لِأَن الَّذِي يلْزمه من صَلَاة وَصِيَام وَزَكَاة وَنَحْوهَا هُوَ لَازم لَهُ بِدُونِ يَمِين، وَغير اللَّازِم لَهُ مِمَّا ذكر لَا دلَالَة للفظ عَلَيْهِ وقديماً كنت متأملاً فِيهِ، ثمَّ أجريته على قَول (خَ) : وكأحلف أَو أقسم إِن نوى بِاللَّه الخ. وَأَنه إِذا لم تكن لَهُ نِيَّة وَلَا عرف لَا شَيْء عَلَيْهِ.
стр. 569
الرَّابِع: تقدم أَن من عَادَته الْحلف باللازمة أَو بِالثلَاثِ أَو بالحرام لَا يرخص لَهُ بل يلْزمه مَا يلْزم غَيره مِمَّن وَقع ذَلِك مِنْهُ فلتة، وَلَو أدّى إِلَى تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ قبل زوج وَلَا يعْذر لجري ذَلِك على لِسَانه، بل هُوَ أولى بِالتَّشْدِيدِ لِأَن ذَلِك استخفاف مِنْهُ بالأيمان خلاف مَا يَعْتَقِدهُ كثير من جهلة الطّلبَة من عذره، وَقد نَص على ذَلِك فِي المعيار وَغَيره. وَفِي ابْن سَلمُون إِثْر الْأَقْوَال الْمُتَقَدّمَة فِي اللَّازِمَة مَا نَصه: وَقد أفتى فِيهَا بَعضهم بفتوى غَرِيبَة وَهِي أَنه إِن كَانَ الْحَالِف بهَا من أهل العفاف وَالصَّلَاح، وَلم يعْتد الْحلف بهَا، وَإِنَّمَا خرجت مِنْهُ على ضجر فَتلْزمهُ الْوَاحِدَة وَإِن كَانَ من أهل الدعارة وَالشَّر، وَمِمَّنْ يحلف بذلك فِي كل وَقت فَإِنَّهُ يلْزمه الثَّلَاث وَلَا وَجه لذَلِك عِنْدِي اه. وَنَحْوه فِي المعيار عَن أبي الْفضل العقباني قَائِلا: فَمن هُوَ أهل للْعُذْر وَكَانَ الشَّيْء مِنْهُ فلتة فَحسن أَن يتْرك للتقليد لقَوْل فِيهِ رَحْمَة، وَأما من دأبه الْأَيْمَان ويستخف بأمرها فَينفذ عَلَيْهِ الحكم بالمشهور اه بِاخْتِصَار. فقد علمت أَن من دأبه الْأَيْمَان أولى بِالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ، وَإِن من وَقع ذَلِك مِنْهُ فلتة فَالْمَشْهُور وَمذهب الْجُمْهُور أَنه لَا يرخص لَهُ أَيْضا، وَمُقَابِله وَإِن أفتى بِهِ العقباني شَاذ حَتَّى قَالَ ابْن سَلمُون: كَمَا رَأَيْته أَنه لَا وَجه لَهُ عِنْده وَهُوَ الصَّوَاب إِن شَاءَ الله. إِذْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا فرق فِيهَا بَين صَالح وطالح وَالله أعلم. الْخَامِس: فِي الْمديَان من الْبُرْزُليّ فِيمَن حلف بِالطَّلَاق يَعْنِي أَو باللازمة أَو غَيرهَا؛ أَنه لَا مَال لَهُ وَقد ورث مَالا لم يعلم بِهِ أَنه حانث. ابْن رشد: هِيَ على مُرَاعَاة الْأَلْفَاظ دون الْمَقَاصِد اه بِاخْتِصَار. يَعْنِي: وَلَو روعي الْمَقْصد لم يَحْنَث لِأَن الْمَعْنى لَا مَال لَهُ فِي علمه، وَالْمذهب أَن الْعبْرَة بالمقاصد انْظُر شرح ابْن رحال للمختصر فِي بَاب الْخلْع، وَقد تقدم عِنْد قَول النَّاظِم: وَينفذ الطَّلَاق بِالصَّرِيحِ الخ. عَن ابْن رشد: أَن الْحمل على الْقَصْد هُوَ الْأَشْهر الْأَظْهر. السَّادِس: إِذا حلف باللازمة أَو بغَيْرهَا لَا بَقِي أَو إِن بَقِي فِي هَذِه الدَّار هَل هُوَ بِمَنْزِلَة لَا سكنت فَلَا يرجع أبدا أَو بِمَنْزِلَة لأنتقلن. وفيهَا قَولَانِ. فَقيل: ذَلِك بِمَنْزِلَة لأنتقلن، وَبِه قَالَ اليالصوتي: وَقيل ذَلِك بِمَنْزِلَة قَوْله لَا سكنت، وَبِه قَالَ أَبُو الْحسن الْقَارِي، وَهُوَ الَّذِي رَجحه أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد بن الْمُبَارك السجلماسي قَائِلا: وَمَا لليالصوتي مُخَالف للقواعد الْأُصُولِيَّة وللمقصد اللّغَوِيّ عِنْد عدم الْعرف وَالنِّيَّة، وحينئد فَيحنث إِن لم يخرج من حِينه أَو إِن رَجَعَ لِأَن الْفِعْل كالنكرة، فَيعم فِي سِيَاق النَّفْي وَلَا يعم فِي سِيَاق الْإِثْبَات فَعدم خُرُوجه من حِينه جزئية مُوجبَة ورجوعه بعد الْخُرُوج جزئية أُخْرَى، وكل مِنْهُمَا يُنَاقض الْكُلية السالبة الَّتِي دلّ عَلَيْهَا الْفِعْل الْوَاقِع فِي سِيَاق النَّفْي، وَأما الْفِعْل الْوَاقِع فِي سِيَاق الْإِثْبَات كلأنتقلن فَهُوَ جزئية مُوجبَة فَإِذا لم يعجل بِالْخرُوجِ أَو رَجَعَ حصل من ذَلِك جزئية سالبة وَهِي لَا تنَاقض الْجُزْئِيَّة الْمُوجبَة، فَإِذا لم يَحْنَث بِوَاحِد مِنْهُمَا فَحمل قَوْله: إِن بقيت أَو لَا يبْقى على قَوْله: لَا سكنت هُوَ الصَّوَاب لِأَن الْفِعْل عِنْدهم كالنكرة، وَلذَا كَانَت تنْعَت بِهِ النكرات وَيَقَع حَالا من المعارف فَهُوَ بعد النَّفْي نكرَة منفية وَبعد الْإِثْبَات نكرَة مثبتة، وَلَا شكّ أَن حمل النكرَة المنفية على النكرَة المثبتة كَمَا لليالصوتي سَهْو لَا خَفَاء فِيهِ وَإِن تبعه على ذَلِك السَّهْو الْبُرْزُليّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ عرف وَقت اليالصوتي بِأَن لَا بقيت بِمَعْنى لأنتقلن عِنْدهم، وَذَلِكَ هُوَ اللَّائِق بجلالة إِمَامَته اه بِاخْتِصَار. وَقَوله: إِن بقيت الخ. يَعْنِي وَالْحَال أَن إِن نَافِيَة لَا شَرْطِيَّة.
стр. 570
السَّابِع: إِذا قَالَ الرجل لامْرَأَته: بِاللَّه الَّذِي لَا إل ﷺ
١٦٤٨ - ; هـ إِلَّا هُوَ إِن خرجت امْرَأَته من هَذِه الدَّار فَهِيَ عَلَيْهِ حرَام، أَو فالأيمان لَازِمَة لَهُ أَو قَالَ: وَالله إِن خرجت لأطلقنك أَو لَا كنت لي امْرَأَة أبدا، أَو قَالَ: وَالله إِن قيلت أَو بتِّ فِي هَذِه الدَّار لَا قيلت أَو بت على ذِمَّتِي وَنَحْو ذَلِك فَالْأَمْر فِي ذَلِك كُله على التَّعْلِيق لَا التَّأْكِيد بمضمون الشَّرْط، وَالْجَوَاب فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن خرجت وَلم يحرمها أَو لم يطلقهَا لَزِمته الْيَمين بِاللَّه هَذَا هُوَ الَّذِي نسبه ابْن عَرَفَة للْأَكْثَر، وَأفْتى بِهِ ابْن رشد وَأَصْحَابه فِيمَن قَالَ لامْرَأَته: وَالله إِن تشاررت مَعَ أُمِّي وَخرجت لَخَرَجت إِلَّا كخروجها فتشاررت وَخرجت الْأُم فأفتوا بِأَنَّهُ لَا يلْزمه إِلَّا كَفَّارَة الْيَمين بِاللَّه إِن أَرَادَ الْبَقَاء على الزَّوْجِيَّة. قَالَه فِي نَوَازِل الزياتي عَن سَيِّدي الْعَرَبِيّ الفاسي قَائِلا. وَفِي المعيار وَغَيره كثير من ذَلِك، وَقد جزم أَبُو عبد الله الْمواق بِأَن ذَلِك حكمه حكم مَسْأَلَة الْمُدَوَّنَة. وَنَصهَا، قَالَ مَالك: من قَالَ لامْرَأَته وَالله لأطلقنك فَلَيْسَ بمول وَلَا يمْنَع من الْوَطْء، فَإِن شَاءَ طلق فبر وَإِن لم يُطلق لم يَحْنَث إِلَّا بِمَوْتِهِ أَو مَوتهَا وَلَا يجْبر على الْكَفَّارَة اه. وَقد سُئِلَ قَاضِي الْجَمَاعَة ومفتيها أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الونشريسي عَمَّن حلف بِالطَّلَاق لامْرَأَته لَا كَانَت لَهُ امْرَأَة أبدا. فَأجَاب لَهُ إحناث نَفسه بِالْبَقَاءِ على الزَّوْجِيَّة وَيلْزمهُ الطَّلَاق الْوَاحِد إِلَّا أَن يَنْوِي أَكثر، وَله الرّجْعَة إِن أحنث نَفسه اه. وَانْظُر نَوَازِل الشَّهَادَات من المعيار فِيمَن شهد عَلَيْهِ وَاحِد بِالثلَاثِ وَشهد عَلَيْهِ آخر بالأيمان اللَّازِمَة هَل تطلق أم لَا؟ . الثَّامِن: قَالَ فِي المعيار أَيْضا: ذكر ابْن مَرْزُوق أَنه وَقع فِي مجْلِس ابْن عَرَفَة نزاع فِيمَن وكل أَو فوض لامْرَأَته الطَّلَاق فَحَلَفت بالحرام وحنثت هَل يلْزمه الطَّلَاق أم لَا؟ قَالَ: وَلم أتحقق مَا قَالَه الشَّيْخ مِمَّا قَالَه غَيره، فَسئلَ عَنْهَا أَبُو عبد الله الْقَرَوِي فَأجَاب: بِعَدَمِ اللُّزُوم لِأَنَّهُ لم يَجْعَل لَهَا إِيقَاع الطَّلَاق بِالْحلف، وتذكر عدم لُزُوم أَيْمَان الْوَكِيل لمُوكلِه اه بِالْمَعْنَى. التَّاسِع: فِي نَوَازِل الشفشاوني فِي سِيَاق أجوبة لِابْنِ لب مَا نَصه: وَسُئِلَ أَيْضا عَمَّن قَالَ لزوجته: عَلَيْهِ الْحَرَام أَو اللَّازِمَة لَا دخلت دَار أَبِيك هَذَا الْعَام هَل يحمل الْعَام على مَا بَقِي مِنْهُ أَو يسْتَأْنف؟ فَأجَاب: إِن كَانَت لَهُ نِيَّة أَو بِسَاط عمل عَلَيْهِمَا، وَإِن لم تكن لَهُ نِيَّة وَلَا بِسَاط فَيحمل على بَقِيَّة الْعَام لِأَنَّهُ الْمُحَقق والذمة لَا تعمر إِلَّا بمحقق اه فَتَأَمّله. والبِكْرُ ذَاتُ الأَبِ لَا تُخْتَلعُ إلاَّ بإذْنِ حاجِرٍ وَتُمْنَعُ (وَالْبكْر) مُبْتَدأ (ذَات الْأَب) نعت لَهُ وَجُمْلَة (لَا تختلع) بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل خبر (إِلَّا) إبِْطَال للنَّفْي (بِإِذن) يتَعَلَّق بتختلع (حاجر) مُضَاف إِلَيْهِ (وتمنع) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه ضمير الْبكر ومتعلقه مَحْذُوف أَي وتمنع بِغَيْر إِذْنه، وَالْجُمْلَة معطوفة على الْجُمْلَة قبلهَا مفسرة لَهَا فِي الْمَعْنى. وَجازَ إنْ أبٌ عَلَيْهَا أَعْمَلَهْ كَذَا عَلَى الثَّيِّبِ بَعْدَ الإذْنِ لَهْ (وَجَاز) فَاعله ضمير الْخلْع (إِن) شَرط (أَب) فَاعل بِفعل مَحْذُوف يفسره مَا بعده (عَلَيْهَا)
стр. 571
يتَعَلَّق بقوله (أعمله) وَقَوله: (كَذَا) خبر لمبتدأ مَحْذُوف (على الثّيّب) يتَعَلَّق بأعمله محذوفاً لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ (بعد الْإِذْن) يتَعَلَّق بأعمله الْمَحْذُوف (لَهُ) يتَعَلَّق بِالْإِذْنِ. وَالتَّقْدِير: وَالْحكم كَائِن كَذَلِك إِن أعمله الْأَب على الثّيّب بعد إِذْنهَا لَهُ، وَمَعْنَاهُ أَن الْبكر الصَّغِيرَة أَو الْبَالِغ الَّتِي لم ترشد وَلم يدْخل بهَا زَوجهَا أَو دخل وَطلقت قبل الْمَسِيس وَلم تطل إِقَامَتهَا سنة وَمثلهَا الصَّغِيرَة الَّتِي ثيبت قبل الْبلُوغ لَا يجوز خلعها. وَظَاهره وَلَو خالعت بخلع أَمْثَالهَا وَيجب رد المَال إِن وَقع وَبَانَتْ. نعم إِن أعمله الْأَب عَلَيْهَا بِإِذْنِهَا أَو بِغَيْرِهِ جَازَ، وَلزِمَ حَيْثُ كَانَ نظرا لِأَنَّهُ مَعْزُول عَن غير الْمصلحَة، وَظَاهره: وَلَو بِجَمِيعِ صَدَاقهَا وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة وَلَيْسَ ذَلِك للْوَصِيّ الْغَيْر الْمُجبر، وَأما الْمُجبر فَهُوَ كَالْأَبِ فَلَو قَالَ النَّاظِم: وَالْبِنْت ذَات الْجَبْر لَا تختلع إِلَّا بِإِذن مجبر وتمنع وَجَاز إِن هُوَ عَلَيْهَا أعمله الخ. لوفى بالمراد وَيفهم مِنْهُ أَن الْوَصِيّ الْغَيْر الْمُجبر، وَمثله مقدم القَاضِي لَيْسَ لَهُ ذَلِك فِي هَذِه الْبِنْت الَّتِي لَو كَانَ أَبوهَا لجبرها إِلَّا بِإِذْنِهَا فَيجوز إِن كَانَت بَالِغَة وَكَانَ نظرا لَهَا وَأما الصَّغِيرَة فَلَا يجوز خلعها، وَلَو أَمْضَاهُ وصيها الْمَذْكُور، وَكَذَا خلع وصيها عَنْهَا بِإِذْنِهَا على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ كَمَا فِي ابْن سَلمُون، وَظَاهر (خَ) وشراحه أَن ذَلِك يمْضِي من الصَّغِيرَة بِإِذْنِهِ وَصرح بِهِ ابْن رحال فَقَالَ: وَأما خلع الْوَصِيّ بموافقة محجورته السفيهة وَالصَّغِيرَة فَيجوز اه. وَهُوَ أقوى إِذْ حَيْثُ فعلت بِإِذْنِهِ فَهُوَ الْفَاعِل لذَلِك، وَكَذَا إِن أَمْضَاهُ. وعَلى مَا لِابْنِ سَلمُون يكون فِي مَفْهُوم الْمُجبر على الْإِصْلَاح الْمَذْكُور تَفْصِيل بَين الْإِذْن وَعَدَمه وَالصَّغِيرَة وَغَيرهَا. وَقَوله: كَذَا على الثّيّب الخ. هَذَا مَفْهُوم قَوْله: الْبكر. وَمَعْنَاهُ أَن الثّيّب الْبَالِغَة السفيهة يجوز للْأَب أَن يخالع عَنْهَا من مَالهَا بِإِذْنِهَا، وَكَذَا الْوَصِيّ ومقدم القَاضِي لِأَنَّهُ إِذا جَازَ لَهما الْخلْع فِي الْبكر الْبَالِغ بِإِذْنِهَا كَمَا مر فأحرى فِي الثّيّب، وَمَفْهُوم قَوْله: بعد الْإِذْن أَن خلعه عَنْهَا بِغَيْر إِذْنهَا لَا يمْضِي عَلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ، وَلها حِينَئِذٍ مُطَالبَة الزَّوْج بصداقها وَالطَّلَاق وَاقع. وَلَا يُقَال إِذن السَّفِيه كلا إِذن فَلم اشترطوه هَهُنَا؟ لأَنا نقُول لاحظوا هَهُنَا الضَّرَر البدني، لَكِن من حجتها على الْأَب وَالْوَصِيّ أَن تَقول إسقاطكما مَالِي عَن زَوجي لما يتقى من سوء عشرته لَا يلْزَمنِي لِأَنِّي أرْضى بِالْبَقَاءِ مَعَه على ذَلِك الْحَال، وَفهم من قَوْله بعد الْإِذْن لَهُ إِنَّهَا إِذا خالعته وَحدهَا لَا يمْضِي أَيْضا، وَلَو خالعته بخلع وَهُوَ ظَاهر قَول (خَ) لَا من صَغِيرَة وسفيهة الخ. وَالْمرَاد بالسفيهة هَهُنَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا من ثبتَتْ لَهَا حَالَة السَّفه لِأَن الْعبْرَة بِالْحَال لَا الْولَايَة فَمن حَالهَا حَال الرشداء مضى خلعها، وَلَو كَانَ لَهَا حاجر، وَالْعَكْس
стр. 572
بِالْعَكْسِ وَالصَّغِيرَة لَا تكون رَشِيدَة إِذْ من شَرطه الْبلُوغ كَمَا فِي ابْن رحال. وَظَاهر كَلَام النَّاظِم أَنه لَا فرق فِي هَذِه الثّيّب بَين أَن تكون ثيبت بِوَطْء هَذَا المخالع لَهَا أَو بِوَطْء غَيره قبله، وَأما الْمُجبرَة الْمُتَقَدّمَة فَإِنَّهُ إِذا بنى بهَا الزَّوْج صَارَت ثَيِّبًا فَلَا بُد من إِذْنهَا إِلَّا أَن تكون غير بَالِغَة كَمَا مرّ. وَتقدم فِي الْبَيْت قبله أَنه لَا يجوز لَهُ الْعَفو بعد الْبناء لِأَنَّهَا استحقته بالمسيس إِلَّا أَن يُقَال: إِن الْخلْع هُنَا لَيْسَ عفوا لِأَنَّهُ لما يترقب من سوء الْعشْرَة، وَفِي الْمُدَوَّنَة إِن خَالع عَنْهَا بِجَمِيعِ الصَدَاق بعد الْبناء قبل الْبلُوغ جَازَ. تَنْبِيهَات. الأول: سكت النَّاظِم عَن الْمُهْملَة الَّتِي لَا وَصِيّ عَلَيْهَا وَلَا مقدم. وَفِي مُضِيّ خلعها أَن خالعته خلع أَمْثَالهَا قَولَانِ. عمل بِكُل مِنْهُمَا كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة. قَالَ الرجراجي: الْمَشْهُور أَن خلعها لَا يجوز، وَقَالَ فِي الْفَائِق: الْمَعْمُول بِهِ أَنه لَا يجوز من فعل الْمُهْملَة شَيْء حَتَّى يتم لَهَا مَعَ زَوجهَا الْعَام وَنَحْوه اه. بِنَقْل الشَّيْخ بناني، وَظَاهر ذَلِك وَلَو خالعت بخلع أَمْثَالهَا. وَاقْتصر ابْن سَلمُون على الْعَمَل بالمضي، وَعَزاهُ لِابْنِ الْقَاسِم وَسَحْنُون وَكَذَا الفشتالي وَصَاحب الطرر فيفهم مِنْهُم أَنه الرَّاجِح، وَلَا سِيمَا وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَسَحْنُون. وَقد قَالَ الشَّيْخ طفي فِي بَاب الزَّكَاة عِنْد قَول الْمَتْن والقراض الْحَاضِر إِلَخ. أَنه اشْتهر عِنْد الشُّيُوخ أَنه لَا يعدل عَن قَول ابْن الْقَاسِم مَعَ سَحْنُون إِذا اجْتمعَا، وَظَاهر هَذَا النَّقْل أَن ذَلِك مَاض وَلَو خالعته قبل مُضِيّ عَام من دُخُولهَا وَلَو مَعْلُومَة السَّفه، وَسَيَأْتِي عَن الْبُرْزُليّ مَا يبين لَك وَجه ذَلِك، لكنه لَا يتم فِي مَعْلُومَة السَّفه على مَا بِهِ الْعَمَل الْآن من أَن الْعبْرَة بِالْحَال لَا الْولَايَة وَمَا مرّ عَن ابْن سَلمُون والطرر والفشتالي من الْعَمَل الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ فِي زمانهم من أَن المهمل تمْضِي أَفعاله، وَأَن الْعبْرَة بِالْولَايَةِ لَا الْحَال كَمَا يفِيدهُ. نقل ابْن عَرَفَة فقف عَلَيْهِ، وَقد علمت أَن الْعَمَل لَيْسَ على ذَلِك الْآن فَلَا تغتر بذلك. وَانْظُر أَيْضا لَو خالعت بِأَكْثَرَ من خلع مثلهَا على مَا لِابْنِ سَلمُون وَمن مَعَه هَل يرد الزَّائِد فَقَط وَهُوَ الظَّاهِر أَو يرد الْجَمِيع وَهُوَ مَا يفِيدهُ؟ نقل ابْن عَرَفَة. وَكَذَا لَو خَالع الْأَب أَو الْوَصِيّ بِأَكْثَرَ من خلع الْمثل فَإِنَّهَا ترجع على الزَّوْج أَو على الْأَب إِن أعدم الزَّوْج بِالزَّائِدِ فَقَط فِيمَا يظْهر لِأَنَّهُ الْقدر الَّذِي فَوت عَلَيْهَا وَلَا يُقَال يلْزم من كَون الْخلْع نظرا أَن يكون بخلع الْمثل. لأَنا نقُول قد يكون الْخلْع نظرا فِي نَفسه لِأَن النّظر فِيهِ مَصْرُوف لما يترقب من الزَّوْج من سوء الْعشْرَة، وَلكنه أَكثر من خلع الْمثل فَتَأَمّله. وَذكر ابْن رحال هَهُنَا أَن ظَاهر كَلَامهم جَوَازه من الْأَب وَلَو بِأَكْثَرَ من خلع الْمثل اه. الثَّانِي: قَالَ ابْن سَلمُون: ذكر ابْن سعدون فِي شرح الْمُدَوَّنَة أَن الزَّوْج إِذا شَرط فِي خلع من تقدم أَنه إِن لم يَصح لَهُ الْخلْع على مَا وَقع فالعصمة بَاقِيَة إِن شَرطه ذَلِك يَنْفَعهُ، وَمَتى طلب مِنْهُ مَا أَخذ كَانَت لَهُ زَوْجَة كَمَا كَانَت اه. وَمثله فِي الطرر والبرزلي وَابْن سَلمُون وَاعْتَرضهُ (ح) بِأَنَّهُ خلاف الْمَذْهَب، وَفِي الْمُدَوَّنَة وَإِن أَعطَتْهُ شَيْئا على أَن يُطلق وَيشْتَرط الرّجْعَة أَو خَالعهَا وَشرط أَنَّهَا إِن طلبت شَيْئا عَادَتْ زَوْجَة فشرطه بَاطِل وَالْخلْع يلْزمه وَلَا رَجْعَة لَهُ إِلَّا بِنِكَاح مُبْتَدأ اه. هَذَا إِذا لم يكن مُعَلّقا ابْتِدَاء وإلاَّ فينفعه كَمَا لَو قَالَ لصغيرة أَو سَفِيهَة أَو ذَات رق إِن صحت براءتك فَأَنت طَالِق بعد قَوْلهَا أَبْرَأتك فَلَا يَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق حَتَّى يُجِيز وَليهَا ذَلِك. الثَّالِث: مَحل الْخلاف فِي قَول (خَ) وَفِي خلع الْأَب عَن السفيهة خلاف إِنَّمَا هُوَ فِي خلعه
стр. 573
عَنْهَا بِغَيْر إِذْنهَا لِأَن أحد الْمَشْهُورين يَقُول: لَا يجوز إِلَّا بِإِذْنِهَا وَالْآخر يَقُول بِالْجَوَازِ مُطلقًا فقد اتفقَا على جَوَازه مَعَ الْإِذْن، وَحِينَئِذٍ فَقَوْل النَّاظِم بعد الْإِذْن لَهُ لَيْسَ هُوَ أحد الْمَشْهُورين فِي كَلَام (خَ) بل مَحل اتِّفَاق مِنْهُمَا فمنطوق النَّاظِم يتَّفق عَلَيْهِ المشهوران مَعًا، وَمَفْهُومه فِيهِ الْخلاف الْمَذْكُور، لَكِن الْمَعْمُول بِهِ عدم الْمُضِيّ فَقَوْل ابْن رحال هَهُنَا: الرَّاجِح من الْخلاف جَوَاز خلع الْأَب عَنْهَا اسْتِقْلَالا الخ. خلاف الْمَعْمُول بِهِ. الرَّابِع: رجح الْبُرْزُليّ كَمَا فِي الْمواق أَن من فعل فعلا لَو كَانَ رفع إِلَى القَاضِي لم يفعل غَيره، فَإِنَّهُ يكون كَأَن القَاضِي فعله الخ. فَيَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَن الصَّغِير والسفيهة ذواتا الْمُقدم، بل والمهملة إِذا خالعن خلع أمثالهن، وَكَانَ إِيقَاع الْخلْع أحسن لَهُنَّ أَن يمْضِي ذَلِك لِأَنَّهُنَّ لَو رفعن أمرهن إِلَى القَاضِي لم يفعل غير ذَلِك، وَهَذَا وَإِن كَانَ قولا قَوِيا فِي الْمَذْهَب كَمَا تقدم عَن ابْن سَلمُون فِي الْمُهْملَة وَقَالَ مثله ابْن الْقَاسِم فِي الصَّغِيرَة كَمَا فِي الْمواق وضيح زَاد فِي ضيح قيل: وَبِه الْعَمَل قَالَ: وَيلْزم على قَول ابْن الْقَاسِم فِي الصَّغِيرَة أَن يمْضِي خلع السفيهة بذلك وَلَو مولى عَلَيْهَا الخ. لكنه خلاف الْمَذْهَب الْمُعْتَمد من نُفُوذ الْخلْع وَوُجُوب رد المَال كَمَا مر فَلَا تغتر بِشَيْء من ذَلِك وَالله أعلم. الْخَامِس: لما نقل ابْن عَرَفَة قَول المتيطي وَابْن فتحون للمحجورة أَن تخالع بِإِذن أَبِيهَا أَو وصيها وَتقول بعد إِذْنه لما رَآهُ من الْغِبْطَة قَالَ: فالأرجح عقده على الْوَصِيّ بِرِضَاهَا لَا عَلَيْهَا بِإِذْنِهِ خلاف قصره بَعضهم عَلَيْهَا بِإِذن الْوَصِيّ اتبَاعا مِنْهُ للفظ الموثقين وَأَظنهُ لعدم ذكره قَول ابْن الْقَاسِم فِيهَا وَعَلِيهِ لَو بارأ غير الْأَب عَن الْبكر فَقَالَ فِي اخْتِصَار الْوَاضِحَة: الطَّلَاق نَافِذ وَيرجع الزَّوْج بِمَا يردهُ للزَّوْجَة على من بارأه عَنْهَا وَإِن لم يشْتَرط ضَمَانه لِأَنَّهُ الْمُتَوَلِي وَضعه عَنهُ اه بِلَفْظِهِ. وَعبارَة الْمُتَيْطِيَّة: فَإِن كَانَت الزَّوْجَة مَحْجُورا عَلَيْهَا لأَب أَو وَصِيّ قلت فِي مخالعتها على أَن أسقطت فُلَانَة أَو التزمت لَهُ بِإِذن أَبِيهَا كَذَا وَكَذَا لما رأى فِي ذَلِك من الْغِبْطَة لَهَا والحيطة عَلَيْهَا اه. وَنَحْوه فِي ابْن سَلمُون وَقَول ابْن عَرَفَة وَعَلِيهِ لَو بارأ غير الْأَب الخ. هُوَ أحد أَقْوَال ذكرهَا ابْن سَلمُون فَقَالَ: فَإِن عقد على الْيَتِيمَة أَو غَيرهَا ولي أَو أَجْنَبِي فلهَا الرُّجُوع على زَوجهَا وَالطَّلَاق مَاض. وَهل يرجع الزَّوْج على الَّذِي عقد مَعَه الْخلْع إِذا لم يضمن ذَلِك؟ فَقيل: يرجع وَإِن لم يضمن لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أدخلهُ فِي الطَّلَاق، وَهَذَا لِابْنِ الْقَاسِم. وَرِوَايَته عَن مَالك فِي كتاب الصُّلْح من الْمُدَوَّنَة. وَقَول أصبغ فِي الْوَاضِحَة والعتبية: وَقد تقدم نقل كَلَامه عِنْد قَوْله: وَإِن تكن قد خالعت وأثبتت أضراره الخ. وعَلى مَا لِابْنِ عَرَفَة من كَون الرَّاجِح عقده على الْوَصِيّ بِرِضَاهَا يكون الرَّاجِح من تِلْكَ الْأَقْوَال هُوَ الرُّجُوع كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَعَلِيهِ الخ. وَامْتَنَعَ الخُلْعُ على المَحْجُورِ إلاّ بِإذْنِهِ على المَشْهُورِ (وَامْتنع الْخلْع) فعل وفاعل (على الْمَحْجُور) يتَعَلَّق بِالْخلْعِ (إِلَّا) اسْتثِْنَاء (بِإِذْنِهِ) يتَعَلَّق بِالْخلْعِ أَيْضا أَي امْتنع الْخلْع على الْمَحْجُور الذّكر الْبَالِغ بِكُل وَجه من الْوُجُوه إِلَّا بِإِذْنِهِ فَيجوز حِينَئِذٍ لوَلِيِّه
стр. 574
أَن يخالع عَنهُ وَلَو مقدما من قَاض (على الْمَشْهُور) وَمُقَابِله قَول ابْن الْقَاسِم فِي الْجِنَايَات أَنه يجوز لوصيه أَن يخالع عَنهُ بِغَيْر أمره. وَالْخُلْعُ جائِزٌ على الأَصاغِرِ مَعْ أَخْذِ شَيْءٍ لأَبٍ أَوْ حاجِرِ (وَالْخلْع) مُبْتَدأ (جَائِز) خَبره (على الأصاغر) يتَعَلَّق بِالْخلْعِ (مَعَ) بِسُكُون الْعين ظرف مُضَاف لقَوْله (أَخذ شَيْء) وَقَوله (لأَب أَو حاجر) يتَعَلَّق بالْخبر الْمَذْكُور أَي: وَالْخلْع على الْأَوْلَاد الأصاغر جَائِز لأَب أَو حاجر مَعَ أَخذ شَيْء من الزَّوْجَة أَو وَليهَا. وَهَذَا إِذا كَانَ على وَجه النّظر كَمَا فِي ضيح، وَإِنَّمَا أسقط المُصَنّف هَذَا لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَن الْوَلِيّ لَا يمْضِي تصرفه على الْمولى عَلَيْهِ إِلَّا بِالنّظرِ. ابْن نَاجِي: ظَاهرهَا أَنه لَا يجوز خلعه عَنهُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ النّظر مَعَ الْأَخْذ أما إِن رَآهُ نظرا دون أَخذ فَلَا. قَالَ: وَرَأَيْت شَيخنَا أَبَا الْعَبَّاس بن حيدرة حكم بِمُطلق النّظر دون أَخذ، وَبِه أَقُول وَهُوَ نَص اللَّخْمِيّ اه بِاخْتِصَار. ويشمل قَوْله: أَو حاجر خلع السَّيِّد عَن عَبده الصَّغِير. ابْن فتوح وَابْن فتحون: يجوز للْأَب ووصيه وَالسُّلْطَان وخليفته المباراة على الصَّغِير بِشَيْء يسْقط عَنهُ أَو يُؤْخَذ لَهُ لَا غير ذَلِك. وَكَذَا السَّيِّد فِي عَبده الصَّغِير. ابْن عَرَفَة: هَذَا خلاف قَول اللَّخْمِيّ يجوز أَن يُطلق على السَّفِيه الْبَالِغ وَالصَّغِير بِغَيْر شَيْء يُؤْخَذ لَهُ، لِأَنَّهُ قد يكون بَقَاء الْعِصْمَة مبدياً لأمر جهل قبل إنكاحه أَو حدث بعده من كَون الزَّوْجَة غير محمودة الطَّرِيق أَو متلفة مَاله اه. وعَلى الأول عول (خَ) حَيْثُ قَالَ: وموجبه زوج مُكَلّف وَلَو سَفِيها وَولي صَغِير أَبَا أَو سيداً أَو غَيرهمَا لَا أَب سَفِيه وَسيد بَالغ الخ. وَبِه تعلم أَن مَا للخمي، وَاخْتَارَهُ ابْن نَاجِي مُقَابل لما فِي النّظم، وَتعلم أَيْضا أَن قَول ابْن سَلمُون لَا يجوز طَلَاق الْأَب وَالْوَصِيّ على الصَّغِير إِلَّا بِشَيْء يأخذانه لَهُ بِلَا خلاف لَا يَصح كَمَا مر. تَنْبِيه: يُؤْخَذ من قَول النَّاظِم إِلَّا بِإِذْنِهِ أَن السَّفِيه يسْتَقلّ بِالْخلْعِ لِأَن الْمدَار على إِذْنه وَلِأَن الطَّلَاق بِيَدِهِ وَهُوَ كَذَلِك كَمَا مرّ عَن (خَ) وَيبقى النّظر هَل يبرأ المختلع بِتَسْلِيم المَال إِلَيْهِ أم لَا؟ وَهل إِذا خَالع بِأَقَلّ من خلع الْمثل يكمل لَهُ أم لَا. وَالْمذهب أَنه لَا يبرأ إِلَّا بِتَسْلِيمِهِ لوَلِيِّه، وَأَنه يكمل لَهُ إِن خَالع بِأَقَلّ من خلع الْمثل كَمَا لِابْنِ شَاس وَاللَّخْمِيّ، وَرجحه ابْن رحال فِي شَرحه لِأَنَّهُ بِنَفس العقد يكمله وَيصير مَالا من أَمْوَاله فَكيف يبرأ دافعه بِدَفْعِهِ للسفيه المبذر لَهُ. وَلِأَنَّهُ مُعَاوضَة بِدَلِيل أَنه يكمل لَهُ خلع الْمثل إِن خَالع بِأَقَلّ، وَلَو كَانَ كَالْهِبَةِ كَمَا قَالَ ابْن عَرَفَة: إِنَّه ظَاهر الموثقين مَا كمل لَهُ خلع الْمثل فَانْظُرْهُ. قلت: وَانْظُر إِذا خَالع ولي الصَّغِير عَنهُ بِأَقَلّ من خلع الْمثل هَل يكمل لَهُ أَو يبطل الطَّلَاق من أَصله، وَالظَّاهِر الأول لِأَن حق الصَّغِير لم يبْق إِلَّا فِي التَّكْمِيل. نعم إِذا كَانَ الطَّلَاق عَلَيْهِ من أَصله غير نظر، فَلَا يمْضِي عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فالنظر لَا بدّ مِنْهُ على هَذَا فِي الطَّلَاق وَالْخلْع مَعًا، وَقد يُوجد فِي أَحدهمَا دون الآخر. وَمَنْ يُطَلِّقْ زَوْجَةً وَتَخْتَلعْ بِوَلدٍ مِنْهُ لَهُ وَيَرْتَجِعْ
стр. 575
(وَمن يُطلق) شَرط وَفعله (زَوْجَة) مَفْعُوله (وتختلع) بِالْجَزْمِ عطف على فعل الشَّرْط (بِولد مِنْهُ) يتعلقان بتختلع وَلَيْسَ الْمَجْرُور الثَّانِي صفة للْأولِ، بل هُوَ مقدم عَلَيْهِ فِي التَّقْدِير (لَهُ) صفة لولد فصل بَينه وَبَين موصوفه بأجنبي (ويرتجع) مَعْطُوف على تختلع. ثُم يُطَلِّقْها فحُكْمُ الشَّرْعِ أَنْ لَا يَعُودَ حُكْمُ ذَاك الخُلْعِ (ثمَّ يطلقهَا) مَعْطُوف عَلَيْهِ أَيْضا (فَحكم) مُبْتَدأ (الشَّرْع) مُضَاف إِلَيْهِ (أَن لَا يعود) مَنْصُوب بِأَن (حكم) فَاعل وَالْجُمْلَة فِي تَأْوِيل مصدر خبر الْمُبْتَدَأ أَي فَحكم الشَّرْع عدم عود حكم (ذَاك الْخلْع) . وَالْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر جَوَاب الشَّرْط، وَأَشَارَ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ إِلَى مَا فِي أجوبة ابْن رشد ﵀، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَهُ أهل بطليوس عَمَّن خَالع امْرَأَته على أَن تحملت بِنَفَقَة ابْنه مِنْهَا إِلَى الْحلم، ثمَّ رَاجعهَا بِنِكَاح جَدِيد، ثمَّ طَلقهَا هَل يسْقط عَن الزَّوْجَة مَا تحملته بمراجعته إِيَّاهَا أم لَا؟ وَكَيف إِن طلبه بِمَا تحملته وَهِي فِي عصمته بالمراجعة الَّتِي رَاجعهَا هَل يقْضِي بذلك أم لَا؟ فَأجَاب: إِذا رَاجعهَا سقط عَنْهَا مَا تحملته من نَفَقَة ابْنه وَرجعت النَّفَقَة عَلَيْهِ وَلَا تعود عَلَيْهَا إِن طَلقهَا وَلم تتحمل لَهُ بهَا ثَانِيَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَنَقله ابْن عَاتٍ وَغَيره بِالْمَعْنَى وَبحث فِيهِ (ح) فِي التزاماته فَقَالَ لم يظْهر لي وَجه سُقُوط النَّفَقَة عَنْهَا بمراجعته إِيَّاهَا إِلَّا أَن يكون فهم عَنْهَا أَنَّهَا إِنَّمَا التزمت النَّفَقَة على الْوَلَد مَا لم تكن فِي عصمَة الزَّوْج اه. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الملوي: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حق للْوَلَد فَلَا يسْقط بمراجعة أَبِيه أمه قَالَ: وَلَكِن فِي فائق الونشريسي مَا ينْتج مِنْهُ دفع هَذَا الْبَحْث لِأَن الِالْتِزَام فِي الْحَقِيقَة حق للزَّوْج لَا للْوَلَد اه. من خطه. قلت: الظَّاهِر عدم دفع الْبَحْث الْمَذْكُور لِأَن الِالْتِزَام وَإِن كَانَ حَقًا للزَّوْج لَا للْوَلَد لَا يسْقط عَنْهَا إِلَّا بمسقط وَلم يُوجد، وَأَيْضًا فَإِن الصَّبِي قد يكون لَهُ مَال فَالْحق حِينَئِذٍ للْوَلَد لِأَن النَّفَقَة سَاقِطَة عَن أَبِيه، وَقد يكون لَا مَال لَهُ فَالْحق حِينَئِذٍ للزَّوْج لكنه لم يسْقط. وَإنْ تَمُتْ ذَاتُ اخْتِلاعٍ وُقِفَا مِنَ مَالِها مَا فيهِ لِلدَّيْنِ وَفَا (وَإِن تمت) شَرط (ذَات) فَاعل (اختلاع) مُضَاف إِلَيْهِ (وَقفا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول جَوَاب الشَّرْط (من مَالهَا) يتَعَلَّق بوقفا (مَا) مَوْصُول نَائِب الْفَاعِل (فِيهِ) خبر مقدم (للدّين) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر الْمَذْكُور (وفا) مُبْتَدأ مُؤخر وَالْجُمْلَة صلَة مَا. لِلأَمَدِ الّذِي إليْهِ التُزِمَا وَهْوَ مُشَارِكٌ بِهِ لِلغُرَمَا (للأمد) يتَعَلَّق بوقفا أَو بوفا وَاللَّام للغاية بِمَعْنى إِلَى (الَّذِي) نعت للأمد (إِلَيْهِ) يتَعَلَّق
стр. 576
بقوله: (التزما) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه ضمير الْإِنْفَاق الْمَفْهُوم من السِّيَاق وَالْجُمْلَة صلَة (فَهُوَ) مُبْتَدأ عَائِد على الْأَب (مشارك) خَبره (بِهِ للغرما) يتعلقان بِهِ وَالضَّمِير الْمَجْرُور عَائِد على الدّين، وَالْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر فَكَأَن قَائِلا قَالَ لَهُ: وَإِن كَانَت عَلَيْهَا دُيُون فَهَل يحاصص بِهِ؟ فَقَالَ: نعم فَهُوَ مشارك الخ. وَالْمعْنَى أَنه إِذا خَالعهَا على أَن تحملت لَهُ بِنَفَقَة وَلَدهَا أَو غير مُدَّة مَعْلُومَة كخمس عشرَة سنة أَو إِلَى الْبلُوغ وَنَحْو ذَلِك. ثمَّ مَاتَت فِي أثْنَاء الْمدَّة فَإِنَّهُ يُوقف من مَالهَا قدر مُؤنَة الابْن إِلَى انْقِضَاء الْمدَّة الَّتِي التزمتها فَإِن كَانَ عَلَيْهَا دُيُون غير مَا التزمته فَإِن للزَّوْج محاصة غرمائها بِمَا التزمته من نَفَقَة وَلَده بِأَن يُقَال مَا قدر مَا يَفِي بِنَفَقَتِهِ فِي الْمدَّة الْبَاقِيَة، فَيُقَال: كَذَا ويحاصص بِهِ مَعَ أَرْبَاب الدُّيُون، وَفهم من قَوْله: وَقفا أَنه يوضع عِنْد أَمِين وَلَا يدْفع للْأَب وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْوَلَد إِذا مَاتَ بعد ذَلِك فَإِن الْبَاقِي مِمَّا وقف يرجع مِيرَاثا لورثتها أَو لأرباب الدُّيُون إِن بَقِي لَهُم شَيْء من دُيُونهم كَمَا فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة وَابْن سَلمُون وَغَيرهمَا. وَمَفْهُوم قَوْله: وَإِن تمت أَنَّهَا إِذا لم تمت بل مَاتَ الْوَلَد أَنه لَا شَيْء للْأَب وَهُوَ كَذَلِك كَمَا مرّ فِي قَوْله: وَلَيْسَ للْأَب إِذا مَاتَ الْوَلَد شَيْء الخ. وَقَوْلِي مُدَّة مَعْلُومَة احْتِرَازًا من المجهولة بِأَن لَا يضربا لذَلِك أَََجَلًا أصلا أَو يضربا لذَلِك أَََجَلًا مَجْهُولا كقدوم زيد أَو يسر الْأَب فَإِن ذَلِك لَا يجوز كَمَا صرّح بِهِ ابْن رحال فِي شَرحه، وَهُوَ ظَاهر لِكَثْرَة الْغرَر، لَكِن يبْقى النّظر إِذا وَقع وَنزل وَلَا يخفى أَن الطَّلَاق نَافِذ وَلَا إِشْكَال، وَتقدم مَا يجب فِي ذَلِك عِنْد قَوْله: وَلَيْسَ للْأَب الخ. وَعند قَوْله: وَالْخلْع بِالْإِنْفَاقِ مَحْدُود الْأَجَل الخ. ثمَّ لَا يخفى أَن مَا ذكره النَّاظِم فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَفِي اللَّذين قبلهمَا مُفَرع على قَول المَخْزُومِي وَمن مَعَه بِجَوَاز الْخلْع بِالنَّفَقَةِ الزَّائِدَة على الْحَوْلَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ اللَّائِق أَن يقدم هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة ويجعلها بعد قَوْله: وَجَاز قولا وَاحِدًا الخ، كَمَا مر التَّنْبِيه عَلَيْهِ. وَمَوْقِعُ الثَّلاثِ فِي الخُلْع ثَبَتْ طَلاقُهُ وَالخُلْعُ رُدَّ إنْ أَبَتْ (وموقع الثَّلَاث) مُبْتَدأ ومضاف إِلَيْهِ (فِي الْخلْع) يتَعَلَّق بالمبتدأ (ثَبت طَلَاقه) فعل وفاعل خبر الْمُبْتَدَأ (وَالْخلْع) مُبْتَدأ (رد) بِضَم الرَّاء مَبْنِيا للْمَفْعُول خبر الْمُبْتَدَأ، وَيجوز قِرَاءَته بِكَسْر الرَّاء على أَنه مصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول، فَالْخَبَر حِينَئِذٍ مُفْرد لَا جملَة (إِن أَبَت) شَرط حذف جَوَابه للْعلم بِهِ فَقَوله: أَبَت يحْتَمل أَنه من الإباية، وَالْمعْنَى عَلَيْهِ أَنَّهَا إِذا أَعطَتْهُ دِينَارا مثلا ليُطَلِّقهَا وَاحِدَة أَو ليُطَلِّقهَا وأطلقت فَطلقهَا ثَلَاثًا، فَإِن الطَّلَاق وَاقع وَالْخلْع مَرْدُود حَيْثُ لم ترض بِالثلَاثِ قَالَه ابْن
стр. 577
سَلمُون. واستظهره ابْن عَرَفَة وَابْن رشد قائلين لِأَنَّهُ بطلاقه إِيَّاهَا ثَلَاثًا يعيبها لِامْتِنَاع كثير من النَّاس من تزَوجهَا خوف جعلهَا إِيَّاه محللاً فتسيء عشرته ليُطَلِّقهَا فَتحل للْأولِ، لَكِن قَالَ ابْن رحال فِي شَرحه مَا فِي ابْن سَلمُون خلاف ظَاهرهَا. وَقَالَ فِي حَاشِيَته: هَهُنَا يحْتَمل أَن يكون قَوْله أَبَت من الْبَتَات الَّذِي هُوَ الْقطع وضميره للزَّوْج لَا من الإباية الَّتِي هِيَ الِامْتِنَاع وضميره للزَّوْجَة، وَيكون حِينَئِذٍ أَشَارَ إِلَى مَضْمُون قَول (خَ) إِن قَالَ: إِن خالعتك فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا. وَعَلِيهِ فَقَوْل النَّاظِم فِي الْخلْع يتَعَلَّق بِمَحْذُوف أَي فِي التَّعْلِيق على الْخلْع اه. وَبِالْجُمْلَةِ فالمسائل ثَلَاث. الأولى: أَن تَقول طَلقنِي بِأَلف مثلا فيطلقها ثَلَاثًا وَهَذِه هِيَ الَّتِي فِي النّظم وَهُوَ تَابع فِي ذَلِك لِابْنِ سَلمُون واستظهار ابْن رَاشد وَابْن عَرَفَة وَالَّذِي فِي (خَ) وَهُوَ ظَاهر الْمُدَوَّنَة أَو نَصهَا على مَا فِي ضيح أَن ذَلِك لَازم لَهَا. الثَّانِيَة: عكس مَا فِي النّظم وَهِي أَن تَقول لَهُ طَلقنِي ثَلَاثًا بِأَلف فيطلقها وَاحِدَة فَإِن الْألف لَازم لَهَا أَيْضا لِأَن الْمدَار على الْبَيْنُونَة وَهِي حَاصِلَة بالواحدة فَلَا فَائِدَة لاشتراطها الثَّلَاث وَبحث فِيهِ ابْن عَرَفَة وَأَبُو الْحسن وَابْن عبد السَّلَام: بِأَن الشَّرْط الْمَذْكُور قد يكون مُفِيدا لِأَن مقصودها بِإِعْطَاء الْعِوَض الْبعد مِنْهُ على أتم الْوُجُوه بِحَيْثُ لَا يبْقى لَهُ فِيهَا طلب، وَذَلِكَ إِنَّمَا يحصل بِالثلَاثِ، وَأما الْوَاحِدَة فقد يتَوَصَّل إِلَى مراجعتها بشفيع لَا يُمكنهَا رده اه. وَإِلَى مَسْأَلَة النَّاظِم وعكسها أَشَارَ (ح) عاطفاً على مَا يلْزم فِيهِ الْعِوَض بقوله: أَو طَلقنِي ثَلَاثًا بِأَلف فَطلقهَا وَاحِدَة أَو بِالْعَكْسِ. الثَّالِثَة: أَن يعلق الثَّلَاث على الْخلْع وَهِي الَّتِي أَشَارَ لَهَا (خَ) عاطفاً على مَا يرد فِيهِ الْعِوَض بقوله أَو قَالَ إِن خالعتك فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا فَإِنَّهُ إِذا خَالعهَا وَقعت الثَّلَاث مصاحبة لِخَلْعِهِ لِأَن الشَّرْط والمشروط يقعان دفْعَة وَاحِدَة ضَرُورَة اقتران الْمَشْرُوط مَعَ جُزْء شَرطه فِي الْوُجُود، كَمَا للوانوغي فَلم يصادفها الْخلْع وَهِي زَوْجَة فَوَجَبَ رد المَال، وَلما كَانَ كَلَام النَّاظِم وَابْن سَلمُون مُخَالفا لما فِي (خَ) وَظَاهر الْمُدَوَّنَة أَو نَصهَا أَوله ابْن رحال بِمَا مر على هَذِه الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَإِن كَانَ ذَلِك بَعيدا من لَفْظهمَا. تَنْبِيه: مَا ذكره (خَ) فِي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة هُوَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم، وَذكر ابْن رشد عَن أَشهب أَن الزَّوْج لَا يرد الْخلْع قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَار وَالصَّحِيح فِي النّظر وَالْقِيَاس إِذْ لَا يكون الْمَشْرُوط إِلَّا تَابعا لشرطه،
стр. 578
فَإِذا كَانَت الْمُصَالحَة سَابِقَة للطَّلَاق صحت وَمَضَت وَلم يرد الزَّوْج مَا أَخذ فِيهَا وَبَطل الطَّلَاق الْمُعَلق عَلَيْهَا وَاحِدًا كَانَ أَو ثَلَاثًا لوُقُوعه بعد الصُّلْح فِي غير زَوْجَة اه. قلت: تَأمل قَوْله وَهُوَ الْمُخْتَار، وَالصَّحِيح فِي النّظر الخ. فَإِنَّهُ لَا يجْرِي على مَا قَالُوهُ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنهم قَالُوا فِي الْمَسْأَلَة السريجية وَهِي إِن طَلقتك فَأَنت طَالِق قبله ثَلَاثًا أَن الشَّرْط والمشروط يقعان دفْعَة وَاحِدَة، وجعلوها من الْمسَائِل الَّتِي ينْقض فِيهَا حكم الْحَاكِم. وَقَوله: إِن الْمَشْرُوط تَابع لشرطه يُوجب عدم وُقُوع الثَّلَاث فِيهَا وَهُوَ خلاف مَا قَالُوهُ. ثَانِيهمَا: إِن قَوْله وَبَطل الطَّلَاق الخ. مُخَالف للمشهور وَمذهب الْمُدَوَّنَة من أَنه إِذا اتبع الْخلْع طَلَاقا من غير صمَات نسقاً لزم وارتدف كَمَا لَو نسقه فِي غير الْمَدْخُول بهَا، فَهُوَ وَإِن سلمنَا أَن الْمَشْرُوط تَابع لشرطه كَمَا قَالَ لزم أَن يَقع الثَّلَاث على الْمَشْهُور لوقوعها مُتَّصِلَة بِالْخلْعِ فَهُوَ قد اخْتَار وَصحح ﵀ الْمُقَابل فِي الصُّورَتَيْنِ، وَذَلِكَ على عَادَته فِي كَونه يخْتَار خلاف الْمَذْهَب لرجحانه عِنْده فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ، وَمثله وَقع لَهُ فِيمَن أعتق أم وَلَده على أَن سلمت لَهُ وَلَده الصَّغِير مِنْهَا فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: ذَلِك لَا يجوز وَيرد الْوَلَد إِلَيْهَا أَي وَالْعِتْق مَاض، وَقَالَ مرّة: ذَلِك لَازم لَهَا فَقَالَ ابْن رشد: الأَصْل فِي هَذَا أَنه رأى الْإِسْقَاط مقدما على الْعتْق، وَمرَّة رأى الْعتْق مقدما على الْإِسْقَاط فألزمها إِيَّاه وَالْأَظْهَر أَنه يلْزمهَا لِأَنَّهُمَا إِذا وَقعا مَعًا فقد وَقع وَاحِد مِنْهُمَا قبل كَمَال صَاحبه اه. على نقل ابْن عَاتٍ، فاستظهاره وتعليله ﵀ فِي هَذِه مُوَافق لاختياره وتعليله فِي الأولى. وَقَالَ أَيْضا فِي بَيَانه: لِأَن الطَّلَاق وَالْعِتْق لَا يَقع فِي الصَّحِيح من الْأَقْوَال بِنَفس تَمام اللَّفْظ بِهِ، وَإِنَّمَا يَقع بعد مهلة يتَعَذَّر فِيهَا وَذَلِكَ بَين من قَوْلهَا وَالَّذِي يَقُول لامْرَأَته قبل الدُّخُول أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق فِي نسق أَنه يلْزمه الثَّلَاث، إِذْ لَو كَانَ الطَّلَاق يَقع بِتمَام اللَّفْظ بِهِ لم يلْزمه إِلَّا طَلْقَة وَاحِدَة اه. وَقَالَ فِي تَكْمِيل الْمنْهَج: هَل يَقع الشَّرْط مَعَ الْمَشْرُوط فِي مرّة أَو مرَّتَيْنِ فاقتفي تَعْلِيقه الثَّلَاث بِالْخلْعِ لذا كَذَلِك الْعتْق بِبيع نفذا فَانْظُر تَمَامه. وَقَوله كَذَلِك الْعتْق هُوَ قَول (خَ) فِي الْعتْق وَعتق على البَائِع إِن علق هُوَ وَالْمُشْتَرِي الخ. وَانْظُر قَوَاعِد الْقَرَافِيّ أَيْضا.
(فصل)
وَمَوقِعُ الطَّلاقِ دُونَ نِيَّهْ بِطَلْقَةٍ يُفَارِقُ الزَّوْجِيَّهْ (وموقع) مُبْتَدأ (الطَّلَاق) مُضَاف إِلَيْهِ (دون نِيَّة) يتَعَلَّق بموقع (بِطَلْقَة) يتَعَلَّق ب (فَارق الزَّوْجِيَّة) مفعول بِهِ، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ والرابط هُوَ الْفَاعِل بيفارق. وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَقْصَاهُ وَالأَوَّلُ الأظْهَرُ لَا سِوَاهُ (وَقيل) مَبْنِيّ للْمَفْعُول ونائبه الْجُمْلَة المحكية (بل) حرف إضراب (يلْزمه أقصاه) جملَة من فعل وفاعل ومفعول (وَالْأول) مُبْتَدأ (الْأَظْهر) خَبره (لَا) عاطفة (سواهُ) مَعْطُوف وَالضَّمِير الْمَجْرُور بسوى عَائِد على الأول، وَالْمعْنَى أَن من قَالَ لزوجته أَنْت طَالِق مثلا وَلَا نِيَّة لَهُ فِي وَاحِدَة وَلَا أَكثر فَقيل: تلْزمهُ وَاحِدَة وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد النَّاظِم من جِهَة النّظر لِأَنَّهُ قد حصل بهَا مُسَمّى الطَّلَاق فَلَا وَجه بإلزامه أَكثر، وَقيل يلْزمه الثَّلَاث احْتِيَاطًا وَالْقَوْلَان ذكرهمَا ابْن رشد فِي طَلَاق
стр. 579
السّنة كَمَا فِي ابْن سَلمُون وَابْن عَاتٍ، وَالْخلاف مَبْنِيّ على الْخلاف فِي اللَّفْظ الْمُحْتَمل لأَقل ولأكثر إِذا لم تصحبه نِيَّة هَل يحمل على أقل مَا صدقاته أَو على أَكْثَرهَا. وللمسألة نَظَائِر قَالَه (م) ثمَّ مَا اسْتَظْهرهُ النَّاظِم هُوَ الْمَشْهُور كَمَا أَفَادَهُ (خَ) بقوله وَتلْزم وَاحِدَة إِلَّا لنِيَّة أَكثر. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: وَإِن قَالَ أَنْت طَالِق فَهُوَ مَا نوى فَإِن لم ينْو شَيْئا فَوَاحِدَة اه. وَانْظُر مَا مر عِنْد قَوْله: وَينفذ الطَّلَاق بِالصَّرِيحِ الخ. وعَلى الْمَشْهُور فَهِيَ رَجْعِيَّة يرتدف عَلَيْهَا كل طَلَاق أوقعه فِي عدتهَا كَمَا لِابْنِ رشد وَابْن لب وَغَيرهمَا. وَقَالَ الشَّارِح: الْأَظْهر أَنَّهَا بَائِنَة لعدم معرفَة النَّاس الْيَوْم الطَّلَاق الرَّجْعِيّ وَمَا قَالَه ظَاهر حَيْثُ كَانُوا لَا يطلقون الطَّلَاق فِي عرفهم إِلَّا على الْبَائِن لِأَن مَا بِهِ الْعرف فِي مثل هَذَا يتَعَيَّن الْمصير إِلَيْهِ كَمَا مر قبل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، وَمَا ذكره ابْن رحال عِنْد قَول النَّاظِم: وَفِي المملك خلاف وَالْقَضَاء الخ. مِمَّا يُخَالف مَا الشَّارِح غير ظَاهر. تَنْبِيه: ذكر فِي الْبَاب السَّادِس عشر من الْفَائِق أَن القَاضِي أَبَا عبد الله الْمقري سُئِلَ عَمَّن قَالَ على الطَّلَاق لَا أفعل أَو لَأَفْعَلَنَّ فَحنث، وَله أَكثر من وَاحِدَة وَلم يقْصد غير مُطلق الطَّلَاق. فَأجَاب بِأَنَّهُ يخْتَار للطَّلَاق وَاحِدَة. قَالَ: وَرَأَيْت ذَلِك أَضْعَف من قَوْله إحداكن أَو امْرَأَتي طَالِق لِأَن هَذَا مُقَيّد لفظا وَمعنى، وَذَلِكَ مُطلق لفظا مُحْتَمل للتَّقْيِيد بِهن معنى اه. وَنَقله (ت) فِي حَاشِيَته على (ز) عِنْد قَول (خَ) أَو إِحْدَاكُمَا طَالِق أَو أَنْت طَالِق بل أَنْت طلقتا الخ. وَقَالَ عقبه: وَعِنْدِي فِيهِ نظر بل تطليق الْجَمِيع فِي هَذِه أولى من مَسْأَلَة (خَ) فَتَأَمّله اه. ورأيته كتب بِخَطِّهِ فِي بعض الهوامش فِي ذَلِك الْمحل مَا نَصه: أفتى الْمقري بِأَنَّهُ يخْتَار، وَبِه أفتى سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي، وَوَجهه بتوجيه غير ظَاهر، وَأفْتى سَيِّدي يحيى السراج بِأَنَّهُ يلْزمه فِي الْجَمِيع كَمَسْأَلَة إِحْدَاكُمَا طَالِق وَهُوَ الْمُوَافق للمشهور اه. قلت: وَمَا قَالَه من أَن هَذَا هُوَ الْمُوَافق للمشهور ظَاهر، وَهُوَ الَّذِي يتَعَيَّن الْمصير إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَن الْمُطلق لفظا الْمُحْتَمل للتَّقْيِيد معنى أقوى فِي الدّلَالَة على الْعُمُوم والشمول، فَهَذِهِ أَحْرَى فِي لُزُوم طَلَاق الْجَمِيع من مَسْأَلَة (خَ) وَمَا قَالَه الْمقري معكوس فَتَأَمّله، بل هُوَ مُقَابل للمشهور قَالَ فِي الشَّامِل مَا نَصه: وَفِي إِحْدَاكُمَا أَو امْرَأَته طَالِق وَلم ينْو مُعينَة طلقتا مَعًا على الْمَشْهُور وَقيل يخْتَار اه. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: وَإِن شهد عَلَيْهِ أَنه طلق إِحْدَى امرأتيه فَهُوَ كمن طلق وَلَا نِيَّة لَهُ يَعْنِي فيطلق الْجَمِيع، وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين التَّعْلِيق كَقَوْلِه: إِن دخلت الدَّار فعلي الطَّلَاق وَغير التَّعْلِيق كَمَا مرّ عَن الشَّامِل و (خَ) فَلَا تغتر بِمَا للمقري، وَإِن تبعه عَلَيْهِ الشَّيْخ عبد الْقَادِر الفاسي وَالشَّيْخ (م) على مَا وقف عَلَيْهِ بَعضهم فِي جَوَاب للثَّانِي أَيْضا. وَمَا امْرْؤٌ لِزَوْجَةٍ يَلْتَزِمُ مِمَّا زَمَان عِصْمَةٍ يَسْتَلْزِمُ (وَمَا) مَوْصُولَة مُبْتَدأ وَجُمْلَة (امْرُؤ لزوجة يلْتَزم) صلته وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بيلتزم والعائد مَحْذُوف أَي يلتزمه (مِمَّا) بَيَان لما (زمَان عصمَة) ظرف يتَعَلَّق بقوله (يسْتَلْزم) وَالْجُمْلَة صلَة مَا الثَّانِيَة
стр. 580
والعائد مَحْذُوف أَيْضا وَالتَّقْدِير: وَالَّذِي يلتزمه الْمَرْء لزوجته من الْأُمُور الْآتِيَة الَّتِي يسْتَلْزم بهَا فِي زمَان الْعِصْمَة. فَذَا إذَاً دُونَ الثَّلاثِ طَلَّقَا زَالَ وَإنْ رَاجَعَ عَادَ مُطْلَقَا (فَذا) مُبْتَدأ ثَان (إِذا) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه (دون الثَّلَاث) ظرف يتَعَلَّق بقوله (طلقا) وَقَوله (زَالَ) هُوَ جَوَاب إِذا ومتعلقه مَحْذُوف أَي زَالَ عَنهُ مَا الْتَزمهُ بِهَذَا الطَّلَاق، وَالْجُمْلَة من إِذا وجوابها خبر ذَا (وَإِن رَاجع) شَرط حذف معموله أَي رَاجع الزَّوْجَة (عَاد) جَوَاب الشَّرْط أَي عَاد عَلَيْهِ مَا كَانَ الْتَزمهُ أَولا (مُطلقًا) حَال من فَاعل عَاد وَالْجُمْلَة من هَذَا الشَّرْط، وَالْجَوَاب معطوفة على الْجُمْلَة قبلهَا، وَالْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخَبره وَمَا عطف عَلَيْهِ خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَدخلت الْفَاء فِي الْخَبَر لشبه الْمَوْصُول بِالشّرطِ فِي الْعُمُوم والإبهام. مِثْلُ حَضَانَةٍ والإنْفَاق عَلَى أَوْلادِهَا ومِثْلُ شَرْطٍ جُعِلَا (مثل) خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي وَذَلِكَ مثل (حضَانَة) مُضَاف إِلَيْهِ (والإنفاق) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة مَعْطُوف على مَا قبله (على أَوْلَادهَا) يتَعَلَّق بِالْإِنْفَاقِ (وَمثل) مَعْطُوف على مثل الأول (شَرط) مُضَاف إِلَيْهِ (جعلا) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صفة لشرط، وَمَعْنَاهُ أَن الزَّوْج إِذا الْتزم لزوجته بعد عقد النِّكَاح عَلَيْهَا مثل الْحَضَانَة على أَوْلَادهَا وَالنَّفقَة عَلَيْهِم فِي زمَان عصمتها، أَو شَرط لَهَا فِي عقد النِّكَاح أَو بعده أَن لَا يُخرجهَا من بَلَدهَا أَو لَا يغيب عَنْهَا أَو لَا يتَزَوَّج وَلَا يتسرى عَلَيْهَا، وَإِن فعل فَأمرهَا بِيَدِهَا أَو فالتي يَتَزَوَّجهَا طَالِق فَإِنَّهُ فِي ذَلِك كُله إِذا طَلقهَا دون الثَّلَاث فَإِن ذَلِك يسْقط عَنهُ، وَإِن رَاجعهَا رَجَعَ عَلَيْهِ مَا كَانَ الْتزم مُطلقًا اشْترط رُجُوع ذَلِك عَلَيْهِ ثَانِيًا أم لَا. كَانَ لَهَا اخْتِيَار فِي الطَّلَاق كَمَا لَو طَلقهَا بخلع أم لَا. كَانَ الطَّلَاق عَلَيْهِ جبرا لضرره بهَا أم لَا. وَظَاهره أَنه إِذا رَاجعهَا يعود عَلَيْهِ ذَلِك وَلَو رَاجعهَا بعد زوج، وَمَفْهُوم دون الثَّلَاث أَنه إِذا طَلقهَا ثَلَاثًا وَلَو فِي مَرَّات ثمَّ رَاجعهَا بعد زوج فَإِنَّهُ لَا يعود عَلَيْهِ ذَلِك إِلَّا بِشَرْط وَهُوَ كَذَلِك، وَقَوْلِي بعد عقد النِّكَاح احْتِرَازًا مِمَّا إِذا الْتزم لَهَا الْإِنْفَاق فِي صلب العقد وَفَاتَ بِالدُّخُولِ فَإِنَّهُ لَا يلْزمه ذَلِك فِي النِّكَاح الأول فأحرى أَن لَا يعود عَلَيْهِ فِي الْمُرَاجَعَة كَمَا مرّ فِي فَاسد النِّكَاح بِخِلَاف الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة فَإِنَّهُ لَا فرق بَين التزامها فِي العقد أَو بعده كَمَا قَررنَا، وَالظَّاهِر أَنه لَا مَفْهُوم لقَوْله زمَان عصمَة، بل كَذَلِك إِذا قَالَ مُدَّة الزَّوْجِيَّة أَو مَا دَامَت تَحْتَهُ وَنَحْو ذَلِك كَمَا يَقْتَضِيهِ نَص ابْن رشد وَعَلِيهِ فَلَو قَالَ النَّاظِم: وَإِن زوج لزوجه يلْتَزم مثل حضَانَة وَشرط يبرم فَإِن يكن دون الثَّلَاث طلقا الخ.
стр. 581
لَكَانَ أشمل وأخصر وَأبين وَمَا ذكره النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات هُوَ كَذَلِك فِي ابْن سَلمُون وَابْن عَاتٍ عَن ابْن رشد وَنَقله (ح) فِي التزاماته، وَاعْتَمدهُ (ز) وَغَيره عِنْد قَول (خَ) وزائد شَرط الخ. وَتقدم عكس هَذِه الْمَسْأَلَة فِي قَول النَّاظِم: وَمن يُطلق زَوْجَة وتختلع الخ. تَنْبِيهَات. الأول: فَإِن الْتزم الْإِنْفَاق وَلم يتعرضا للكسوة فَهَل تدخل الْكسْوَة؟ رجح ابْن عَرَفَة دُخُولهَا قَالَ (ت) وَفِي ذَلِك قلت: وَتدْخل الْكسْوَة فِي الْإِنْفَاق على الْمُرَجح لَدَى الْإِطْلَاق قلت: ذكر (ح) أَوَائِل الالتزامات كَلَام ابْن رشد وَابْن سهل وَغَيرهمَا. وَحَاصِله: أَن الْمُلْتَزم إِذا قَالَ: أردْت دُخُولهَا أَو عدم دُخُولهَا عِنْد الْإِطْلَاق صدق كَمَا يصدق أَيْضا إِذا قَالَ: أردْت شهرا أَو سنة عِنْد الْإِطْلَاق فِي الْمدَّة أَيْضا، وَإِن قَالَ لَا نِيَّة لَهُ لَا فِي الدُّخُول وَلَا فِي عَدمه فَالَّذِي يظْهر من ابْن رشد أَن لفظ النَّفَقَة يُطلق فِي الْعرف على الطَّعَام وَالْكِسْوَة وعَلى الطَّعَام فَقَط، وَأَن الأول هُوَ الْمَشْهُور، فَإِذا أطلق الْمُلْتَزم اللَّفْظ وَلم تكن لَهُ نِيَّة حملت على الأول لِأَنَّهُ الْمَشْهُور وَإِن ادّعى الْمُلْتَزم أَنه أَرَادَ الْأَخير قبل مَعَ يَمِينه، وَإِلَى هَذَا يرجع كَلَام ابْن سهل والمتيطي اه. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَهِيَ دَاخِلَة حَيْثُ لَا نِيَّة وَلَا عرف بتخصيص النَّفَقَة بِالطَّعَامِ وَإِلَّا لم تدخل وَمن تَأمل عرف عامتنا الْيَوْم وجدهم لَا يطلقونها على الْكسْوَة بِحَال فَلَا تلْزمهُ الْكسْوَة عِنْد الْإِطْلَاق وَعدم النِّيَّة كَمَا يفِيدهُ كَلَام (ز) وَغَيره أول النَّفَقَات وَتقدم فِي الْفَصْل قبل هَذَا أَن الْعرف يخصص الْعَام، ويقيد الْمُطلق. الثَّانِي: لَيْسَ لَهَا أَن تسْقط عَن الزَّوْج نَفَقَة أَوْلَادهَا حَيْثُ عَادَتْ لِأَنَّهُ مَال وهب لأولادها لَا حق لَهَا فِيهِ كَمَا مر أول الْخلْع، وَكَذَا لَو كَانَ الشَّرْط طَلَاق من يَتَزَوَّجهَا عَلَيْهَا أَو عتق من يتسرى بهَا لِأَنَّهُ حق لله. الثَّالِث: قَالَ الشَّيْخ (م) هَهُنَا مَا مَعْنَاهُ انْظُر إِذا تطوع بِنَفَقَة أَوْلَادهَا مُدَّة الزَّوْجِيَّة هَل تَنْقَطِع بِبُلُوغِهِ عَاقِلا قَادِرًا على الْكسْب كَمَا تَنْقَطِع بذلك عَن الْأَب أَو لَا تَنْقَطِع إِلَّا بِمَوْت أحد الزَّوْجَيْنِ أَو فراقهما لقَوْله فِي الْوَثِيقَة مُدَّة الزَّوْجِيَّة وَفِي التزامات (ح) : عَن الطرر وَابْن سَلمُون أَنَّهَا تَنْقَطِع بِبُلُوغِهِ عَاقِلا قَادِرًا قَالَ (ح) وَهُوَ خلاف ظَاهر قَوْله فِي معِين الْحُكَّام ومختصر الْمُتَيْطِيَّة إِذا طاع الزَّوْج بِنَفَقَة ابْن الزَّوْجَة جَازَ بعد ثُبُوت العقد وَإِن كَانَ فِي العقد لم يجز للغرر إِلَى آخر كَلَام (م) . قلت: معنى كَون مَا لِابْنِ سَلمُون والطرر خلاف ظَاهر مَا للمعين والمتيطية أَنه فِي الْمعِين والمتيطية أطلق فِي الْجَوَاز بعد العقد فظاهرهما أَنه لَازم مُدَّة الزَّوْجِيَّة وَلَو عَاقِلا قَادِرًا على الْكسْب، وَلِهَذَا زَاد (ح) إِثْر مَا مر عَن الْمعِين والطرر مَا مَعْنَاهُ: وَيحْتَمل أَن يكون مَا فِي ابْن سَلمُون والطرر تقييداً لما فِي الْمُتَيْطِيَّة والمعين وَهُوَ الظَّاهِر اه. ثمَّ رَأَيْت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد الملوي ﵀ نقل عَن الْبِسَاطِيّ فِي وثائقه أَنه اسْتشْكل مَا لِابْنِ سَلمُون والطرر فَإِنَّهُ الْتزم النَّفَقَة مُدَّة الزَّوْجِيَّة فَلم أسقطنا عَنهُ النَّفَقَة بقدرته على الْكسْب؟ قَالَ: وَكَأَنَّهُم لاحظوا أَن سَبَب الْتِزَامه إِسْقَاط كلفتهم عَن الْأُم وبقدرتهم على الْكسْب انْتَفَت الْعلَّة كَمَا قَالُوا فِيمَن اخْتلعت بِنَفَقَة الْوَلَد اه. وَبِه تعلم أَن مَا اسْتَظْهرهُ (ح) من التَّقْيِيد صَوَاب، وَأَن الْمَعْمُول عَلَيْهِ هُوَ مَا لِابْنِ سَلمُون والطرر وَالله أعلم.
стр. 582
كَذَا جَرَى العَمَلُ فِي التَّمْتِيعِ بأَنَّهُ يَرْجِعُ بالرُّجُوعِ (كَذَا) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال من مَضْمُون مَا بعده (جرى الْعَمَل) فعل وفاعل (فِي التمتيع) يتَعَلَّق بجرى أَو بِالْعَمَلِ (بِأَنَّهُ) يتَعَلَّق بجرى أَيْضا (يرجع) خبر إِن (بِالرُّجُوعِ) يتَعَلَّق بِهِ، وَالتَّقْدِير: جرى الْعَمَل فِي التمتيع بِرُجُوعِهِ بِالرُّجُوعِ حَال كَونه كَائِنا كَذَلِك أَي كرجوع مَا الْتَزمهُ الزَّوْج لزوجته. وَشَيْخُنَا أبُو سَعِيدٍ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا رَدَّاً عَلَى مَنْ سَبَقَا (وَشَيخنَا) مُبْتَدأ (أَبُو سعيد) بدل (فرقا) فعل وفاعل (بَينهمَا) يتَعَلَّق بِهِ. وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ (ردا) مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل حَال من فَاعل فرق (على من سبقا) يتَعَلَّق بِالْحَال الْمَذْكُور. وَقَالَ قَدْ قَاسَ قِيَاساً فَاسِدا مَنْ جَعَلَ البَابَيْنِ بَاباً وَاحِدا (و) ضمير (قَالَ) يعود على الْمُبْتَدَأ الْمَذْكُور، وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة فرقا (قد قَاس) محكي بقال (قِيَاسا) مصدر نَوْعي (فَاسِدا) نعت لَهُ. (من) مَوْصُول فَاعل بقاس (جعل) صلَة من (الْبَابَيْنِ) مفعول أول بِجعْل (بَابا) مَفْعُوله الثَّانِي (وَاحِدًا) نعت لَهُ. لأنَّهُ حَقٌّ لَهُ قَدْ أسْقَطَهْ فَلَا يَعُودُ دُونَ أَنْ يَشْتَرِطَهْ (لِأَنَّهُ) تَعْلِيل للْفَسَاد (حق لَهُ) خبر إِن (قد أسْقطه) نعت لحق (فَلَا يعود) جملَة من فعل وفاعل معطوفة على جملَة قد أسْقطه (دون) مُتَعَلق بيعود (أَن يَشْتَرِطه) فِي تَأَول مصدر مخفوض بِالْإِضَافَة. وَذَاكَ لَمْ يُسْقِطْهُ مُسْتَوْجِبُهُ فَعَادَ عِنْدَ مَا بَدَا مُوجِبُهُ (وَذَاكَ) مُبْتَدأ (لم يسْقطهُ مستوجبه) جملَة من فعل وفاعل خبر الْمُبْتَدَأ. وَمعنى مستوجبه
стр. 583
مُسْتَحقّه وَلَو عبر بِهِ لَكَانَ أوضح (فَعَاد) جملَة معطوفة على جملَة لم يسْقطهُ (عِنْد) يتَعَلَّق بعاد (مَا) مَصْدَرِيَّة (بدا مُوجبه) صلتها. والموصول وصلته فِي تَأْوِيل مصدر مخفوض بِالْإِضَافَة أَي عِنْد بَدْء مُوجبه، وَأثبت النَّاظِم صلَة غير الْفَتْح فِي الْإِضْمَار ضَرُورَة على حد قَوْله: ومهمه مغبرة أرجاؤه كَأَن لون أرضه سماؤه وَالأَظْهَرُ العَوْدُ كَمَنْ تَخْتَلِعُ فَكُلّ مَا تَتْرُكُهُ مُرْتَجَعُ (وَالْأَظْهَر) مُبْتَدأ (الْعود) خَبره (كمن) خبر مُبْتَدأ مُضْمر (تختلع) صلَة من والرابط ضمير الْفَاعِل الْعَائِد على من (فَكل) مُبْتَدأ (مَا) مَوْصُولَة فِي مَحل جر بِالْإِضَافَة وَاقعَة على الشُّرُوط فَقَط لَا عَلَيْهَا وعَلى مَا تَدْفَعهُ خلعاً كَمَا يَقْتَضِيهِ عُمُوم مَا وَبِه قَرَّرَهُ وَلَده لِأَن المخالع بِهِ لَا يرتجع إِلَّا بِنَصّ عَلَيْهِ عِنْد الارتجاع (تتركه) صلَة مَا. وَهُوَ بِمَعْنى الْمَاضِي أَي: فَكل مَا تتركه من حَقّهَا بِسَبَب الطَّلَاق والرابط الضَّمِير الْمَنْصُوب (مرتجع) خبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم، وَمعنى هَذِه الأبيات السِّت أَن الزَّوْجَة إِن أمتعت زَوجهَا بعد عقد النِّكَاح بسكنى دارها أَو استغلال ضيعتها وَنَحْو ذَلِك مُدَّة عصمتها مثلا ثمَّ طَلقهَا دون الثَّلَاث فَلَا سُكْنى لَهُ وَلَا استغلال فَإِن رَاجعهَا رجعت لَهُ السُّكْنَى والاستغلال إِلَّا إِذا طَلقهَا ثَلَاثًا، ثمَّ رَاجعهَا بعد زوج لم يرجع لَهُ شَيْء حِينَئِذٍ من التمتيع الْمَذْكُور فَلَا فرق بَين مَا الْتَزمهُ الزَّوْج لزوجته الَّذِي تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي قَوْله: وَمَا أمرؤ لزوجة يلْتَزم الخ. وَبَين مَا التزمته الزَّوْجَة لزَوجهَا من السُّكْنَى والاستغلال وَنَحْوهمَا فَإِن كلاًّ مِنْهُمَا يسْقط بِالطَّلَاق وَيعود بالمراجعة إِلَّا أَن يُطلق ثَلَاثًا كَذَا قَالَ الجزيري فِي وثائقه وإياه تبع النَّاظِم حَيْثُ قَالَ: كَذَا جرى الْعَمَل بالتمتيع الخ. ثمَّ أخبرنَا النَّاظِم أَن شَيْخه أَبَا سعيد ﵀ فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ ردا على من سبق وَهُوَ الجزيري الْمَذْكُور، وَقَالَ: إِن من قَاس مَسْأَلَة الإمتاع على مَسْأَلَة الْتِزَام الزَّوْج فقياسه فَاسد لِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَة الإمتاع الْحق للزَّوْج، وَقد أسقط حَقه مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ الطَّلَاق لِأَنَّهُ بِيَدِهِ فَلَا يعود إِلَيْهِ بالمراجعة إِلَّا بإمتاع ثَان، وَأما مَا الْتَزمهُ الزَّوْج لزوجته من الشُّرُوط والإنفاق على أَوْلَادهَا فَإِن الْحق فِيهِ للزَّوْجَة أَو لبنيها وهم لم يسقطوا حَقهم، أما الزَّوْجَة فَلِأَنَّهُ لَا طَلَاق بِيَدِهَا حَتَّى تكون بِهِ مسقطة حَقّهَا. وَأما الْأَوْلَاد فَكَذَلِك أَيْضا هَذَا مَا فرق بِهِ أَبُو سعيد. قَالَ النَّاظِم ﵀: وَالْأَظْهَر عِنْده الْعود كَمَا قَالَ الجزيري وَشبه ذَلِك بالمختلعة فِي
стр. 584
الْمَسْأَلَة السَّابِقَة الْمشَار إِلَيْهَا بقوله: وَمَا امْرُؤ بِزَوْجَة الخ. فَإِنَّهَا تفارق باختيارها وَلها سَبَب فِيهِ، وَمَعَ ذَلِك تعود لَهَا شُرُوطهَا وَهُوَ معنى قَوْله: فَكل مَا تتركه الخ. قلت: مَا قَالَه أَبُو سعيد ﵀ أظهر لِأَن تِلْكَ الشُّرُوط إِن كَانَت حَقًا لله تَعَالَى كَطَلَاق من يَتَزَوَّجهَا أَو عتق من يتسرى بهَا عَلَيْهَا أَو حَقًا لغَيْرهَا كَنَفَقَة الْأَوْلَاد وحضانتهم فَلَا تسْقط قطعا، وَلَا يكون اخْتِيَارهَا الطَّلَاق بِالْخلْعِ سَببا فِي إِسْقَاط تِلْكَ الشُّرُوط عِنْد الْمُرَاجَعَة، وَإِن كَانَت حَقًا لَهَا فَقَط كجعل أمرهَا أَو أَمر الدَّاخِلَة عَلَيْهَا بِيَدِهَا فاختيارها الطَّلَاق بِالْخلْعِ أَيْضا مَسْبُوق بِاخْتِيَارِهِ، فَلِذَا عَادَتْ الشَّرْط بالمراجعة وَيدل على اخْتِيَارهَا الطَّلَاق فِي الْخلْع مَسْبُوق بِاخْتِيَارِهِ مَا قَالُوهُ فِي المختلعة فِي الْمَرَض على مَا مرّ، وَذَلِكَ لِأَن الزَّوْج إِذا أجَاب زَوجته لِلْخلعِ فقد أظهر لَهَا عدم رغبته فِيهَا فَلَا يَسعهَا حِينَئِذٍ إِلَّا بدله لِأَن النِّسَاء يأنفن من الْإِقَامَة عِنْد من أظهر لَهُنَّ الرَّغْبَة عَنْهُن فَلَا يتم الْقيَاس الَّذِي قاسه الجزيري، واستظهره النَّاظِم. وَبِالْجُمْلَةِ لم يتمحض اخْتِيَارهَا فِي الْخلْع بل هُوَ مَسْبُوق بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَاف التمتيع فقد تمحض اخْتِيَاره، وَمن شَرط الْقيَاس الْمُسَاوَاة، وَالله أعلم.
(فصل فِي التداعي فِي الطَّلَاق)
الْفَاء للسَّبَبِيَّة أَي التداعي الْحَاصِل بِسَبَب الطَّلَاق قَالَه (ت) وَهَذَا الْفَصْل هُوَ الْمُسَمّى عِنْد الأقدمين بإرخاء الستور قَالَه الشَّارِح. وَالزَّوْجُ إنْ طَلَّقَ مِنْ بَعْدِ البِنَا ولاِدِّعاءِ الوَطْءِ رَدَّ مُعْلِنا (وَالزَّوْج) مُبْتَدأ (إِن طلق) شَرط (من بعد الْبَنَّا) ء يتَعَلَّق بِفعل الشَّرْط الْمَذْكُور، وَمرَاده بِالْبِنَاءِ خلْوَة الاهتداء (ولادعاء الْوَطْء) مفعول بقوله (رد) وفاعله ضمير الزَّوْج وَاللَّام زَائِدَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء كَمَا مر، وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة الشَّرْط قبلهَا (مُعْلنا) حَال من فَاعل رد. فالقَولُ قَوْلُ زَوْجَةٍ وَتَسْتَحِقْ بَعْدَ الْيَمِينِ مَهْرَها الّذِي يَحِقْ (فَالْقَوْل قَول زَوْجَة) مُبْتَدأ وَخبر، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط وَلذَا دخلت الْفَاء (وتستحق) فَاعله ضمير الزَّوْجَة (بعد الْيَمين) يتَعَلَّق بِهِ (مهرهَا) مفعول بِهِ (الَّذِي) صفة لما قبله (يحِق) صلَة الَّذِي والرابط هُوَ الْفَاعِل بيحق، وَالْجُمْلَة من تسْتَحقّ وَمَا بعده معطوفة على جَوَاب الشَّرْط
стр. 585
وَالشّرط وَجَوَابه خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ الزَّوْج، وَمَعْنَاهُ أَن الزَّوْج إِذا خلا بِزَوْجَتِهِ خلْوَة يُمكن شغله مِنْهَا، وَإِن لم يكن هُنَاكَ ستر وَلَا غلق بَاب ثمَّ طَلقهَا بعد تِلْكَ الْخلْوَة وَهِي مُرَاد المُصَنّف بِالْبِنَاءِ كَمَا مرّ فادعت هِيَ الْمَسِيس وَادّعى هُوَ عَدمه فَإِن القَوْل للزَّوْجَة بِيَمِينِهَا للْعُرْف، إِذْ قل أَن يفارقها قبل الْوَطْء، وتستحق جَمِيع مهرهَا الْحَال أَو مَا حل مِنْهُ عِنْد حَلفهَا، وَأما الْمُؤَجل فتستحقه عِنْد حُلُول أَجله، وَظَاهر النّظم كَانَت حرَّة أَو أمة رَشِيدَة أَو سَفِيهَة تلبست بمانع وَقت الاختلاء كحيض أم لَا. وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع (خَ) وصدقت فِي خلْوَة الاهتداء، وَإِن بمانع شَرْعِي، وَفِي نَفْيه وَإِن سَفِيهَة أَو أمة الخ. ثمَّ لَا يتَمَكَّن من ارتجاعها لإنكاره الْوَطْء قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا. وَظَاهر النّظم أَنه لَا ينظرها النِّسَاء إِن كَانَت بكرا وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور والجاري على مَا مرّ فِي الْعُيُوب أَن النِّسَاء ينظرنها وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَل، وَعَلِيهِ فَإِن وجدنها مفتضة فقولها، وَإِلَّا فَقَوله مَعَ الْيَمين فيهمَا أَيْضا لِأَن شَهَادَة النِّسَاء وحدهن فِي المَال، أَو مَا يؤول إِلَيْهِ لَا بُد مَعهَا من الْيَمين، وَمَفْهُوم قَوْله من بعد الْبناء أَنَّهُمَا إِذا اخْتلفَا فِي الْمَسِيس بعد العقد عَلَيْهَا، وَلم تثبت خلْوَة بَينهمَا فَإِن القَوْل للزَّوْج حِينَئِذٍ وَهُوَ كَذَلِك قَالَه ابْن حَارِث. وَمَفْهُوم قَوْله: رد مُعْلنا أَنه إِذا أقرّ بِالْوَطْءِ فِيهِ أَخذ بِإِقْرَارِهِ، وَلَو أنْكرت هِيَ ذَلِك رَشِيدَة كَانَت أَو سَفِيهَة وَهُوَ كَذَلِك فِي السفيهة، وَكَذَا فِي الرشيدة إِن رجعت عَن إنكارها إِلَى تَصْدِيقه قبل أَن ينْزع عَن إِقْرَاره لَا إِن رجعت بعد نَزعه فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نصف الصَدَاق فَإِن اسْتمرّ على إِقْرَاره واستمرت على تَكْذِيبه، فَهَل لَهَا جَمِيع الصَدَاق أَو نصفه فَقَط تَأْوِيلَانِ. وَمَفْهُوم قَوْله لادعاء الخ. أَنَّهُمَا إِذا اتفقَا على نفي الْوَطْء فَيعْمل على قَوْلهمَا وَإِن سَفِيهَة أَو أمة وَهُوَ كَذَلِك كَمَا مر عَن (خَ) لَكِن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ للصداق، وَأما بِالنِّسْبَةِ للعدة وَنفي الْوَلَد فَلَا إِذْ الْعدة تجب بِمُجَرَّد الْخلْوَة وَالْولد لَا يَنْتَفِي إِن أَتَت بِهِ لسِتَّة أشهر فَأكْثر من يَوْم العقد وَلَو لم تعلم خلْوَة إِلَّا بِلعان. وَإنْ يَكُنْ مِنْها نُكُولٌ فَالْقَسَمْ عَليهِ وَالواجِبُ نِصْفُ مَا التَزَمْ (وَإِن يكن) شَرط (مِنْهَا) خبر يكن (نُكُول) اسْمهَا (فالقسم عَلَيْهِ) جملَة من مُبْتَدأ وَخبر جَوَاب الشَّرْط (وَالْوَاجِب) مُبْتَدأ (نصف مَا الْتزم) خبر، وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة الْجَواب قبلهَا وَمَا وَاقعَة على الصَدَاق والعائد مَحْذُوف أَي: نصف الصَدَاق الَّذِي الْتَزمهُ. وَيَغْرِمُ الْجَمِيعَ مَهما نَكَلَا وَإنْ يَكُن كَالابتِنَاءِ قَدْ خَلا (وَيغرم) فَاعله ضمير الزَّوْج (الْجَمِيع) مَفْعُوله (مهما) اسْم شَرط (نكلا) مجزوم الْمحل وألفه للإطلاق، وَيصِح أَن تكون للتثنية. وَالْجُمْلَة قبله يَلِيهِ دَلِيل الْجَواب وَمعنى كَلَامه وَاضح وَإِنَّمَا
стр. 586
وَجب عَلَيْهِ غرم الْجَمِيع لِأَن النّكُول بالمنكول تَصْدِيق للناكل الأول. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا إِذا كَانَت الْخلْوَة لغير الْبناء بل لزيارة فَقَالَ: (وَإِن يكن) شَرط وَاسْمهَا ضمير الزَّوْج (لَا) معطوفة على مُقَدّر مُتَعَلق بخلا (لابتناء) مَعْطُوف (قد خلا) خبر يكن أَي وَإِن يكن قد خلا لزيارة لَا لابتناء. فالقَوْلُ قَوْلُ زَائِرٍ وَقيلَ بَلْ لِزَوْجَةٍ وَما عَليهِ مِنْ عَمَلْ (فَالْقَوْل) مُبْتَدأ (قَول زائر) خَبره. وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَإِذا كَانَ القَوْل للزائر، فَإِذا زارته هِيَ وَادعت الْمَسِيس فَالْقَوْل قَوْلهَا بِيَمِينِهَا وَإِن زارها أَو كَانَا زائرين مَعًا عِنْد الْغَيْر، فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ لِأَن الرجل إِنَّمَا ينشط فِي بَيته غَالِبا (وَقيل) مَبْنِيّ للْمَفْعُول نَائِبه الْجُمْلَة المحكية بعده (بل) عاطفة على مُقَدّر أَي: وَقيل لَا يكون القَوْل للزائر بل (لزوجة) مُطلقًا (وَمَا) نَافِيَة (عَلَيْهِ) خبر عَن قَوْله (من عمل) . وَمَنْ كَسا الزَّوْجَةَ ثُمَّ طَلَّقا يَأخُذُها مَعْ قُرْبِ عَهْدٍ مُطْلقَا (وَمن) اسْم شَرط (كسا الزَّوْجَة) مفعول أول بكسا ومفعوله الثَّانِي مَحْذُوف أَي ثوبا (ثمَّ) عاطفة الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا على الَّتِي قبلهَا (طلقا) أَلفه للإطلاق (يَأْخُذهَا) فعل وفاعل ومفعول، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَالضَّمِير عَائِد على الْكسْوَة المفهومة من كسا (مَعَ) بِسُكُون الْعين يتَعَلَّق بيأخذ (قرب) مُضَاف إِلَيْهِ (عهد) كَذَلِك (مُطلقًا) حَال من فَاعل يَأْخُذ. وَالأَخْذُ إنْ مَرَّتْ لَهَا شُهورُ ثَلاثةٌ فَصاعِداً مَحْظُورُ (وَالْأَخْذ) مُبْتَدأ (إِن مرت لَهَا شهور) فَاعل بمرت (ثَلَاثَة) الظَّاهِر أَنه خبر كَانَ مقدرَة مَعَ اسْمهَا، وَالْجُمْلَة صفة أَي يكون عدهَا ثَلَاثَة (فَصَاعِدا) وَالْفَاء حِينَئِذٍ عاطفة، وَأما رفع ثَلَاثَة على أَنه نعت أَو عطف بَيَان، فَلَيْسَ هُنَاكَ حِينَئِذٍ مَا يعْطف عَلَيْهِ فَصَاعِدا لِأَنَّهُ بِالنّصب (مَحْظُور) خبر الْمُبْتَدَأ وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف للدلالة عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى أَن من كسا زَوجته ثوبا وَنَحْوه الْكسْوَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ شرعا، ثمَّ طَلقهَا طَلَاقا بَائِنا وَلَا حمل بهَا وَلما طَلقهَا أَرَادَ أَن يَأْخُذ الْكسْوَة فَإِنَّهُ يقْضِي لَهُ بهَا مُطلقًا خلقت أم لَا. لَكِن لَا بُد أَن يقرب الْعَهْد بِحَيْثُ يكون بَين الطَّلَاق وزمن الْكسْوَة أقل من ثَلَاثَة أشهر، وَأما إِن مضى لَهَا ثَلَاثَة أشهر، فَأكْثر فَأَخذه إِيَّاهَا مَمْنُوع بِخِلَاف النَّفَقَة إِن كَانَ عجلها لَهَا فَلهُ أَخذهَا مُطلقًا أَي: مَا بَقِي مِنْهَا مَضَت لَهَا ثَلَاثَة أشهر أَو أقل أَو أَكثر فَإِن اخْتلفَا فادعت هِيَ أَنَّهَا مَضَت لَهَا ثَلَاثَة أشهر فَأكْثر، وَادّعى هُوَ أَنه لم يمض لَهَا ذَلِك، فَالْقَوْل قَوْله وَعَلَيْهَا إِقَامَة الْبَيِّنَة على مَا ادَّعَت لِأَنَّهَا تُرِيدُ اسْتِحْقَاق الثَّوْب قَالَه فِي الوثائق
стр. 587
الْمَجْمُوعَة، وَيَأْتِي للناظم قَرِيبا فِي قَوْله: وحيثما خلفهمَا فِي الزَّمن الخ. ثمَّ مَا ذكره النَّاظِم فِي الطَّلَاق يجْرِي فِي الْمَوْت (خَ) وَردت النَّفَقَة لَا الْكسْوَة بعد أشهر الخ. وَهَذَا فِي الْكسْوَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ كَمَا مر سَوَاء كَانَت تأخذها بِفَرْض القَاضِي بِأَن رفعت أمرهَا إِلَيْهِ حَتَّى فَرضهَا لَهَا أم لَا. وَأما الْكسْوَة الْغَيْر الْوَاجِبَة بِأَن أَعْطَاهَا لَهَا على وَجه الْهَدِيَّة فَهِيَ لَهَا فِي الطَّلَاق موروثة عَنْهَا فِي الْمَوْت لِأَنَّهَا عَطِيَّة قد حيزت. فَإِذا اخْتلفَا فَقَالَ الزَّوْج: هَذِه الْكسْوَة هِيَ الْوَاجِبَة عليَّ وَقَالَت هِيَ أَو ورثتها: بل هَدِيَّة فَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ النَّاظِم بقوله: وَإنْ يَكونا اختَلَفا فِي المَلْبَسِ فالقَوْلُ قَوْلُ زَوْجَةٍ فِي الأَنْفَسِ (وَإِن يَكُونَا) شَرط وألفه اسْمهَا (اخْتلفَا) خَبَرهَا (فِي الملبس) بِضَم الْمِيم وَفتح الْبَاء اسْم مفعول من ألبس يتَعَلَّق باختلف (فَالْقَوْل قَول زَوْجَة) مُبْتَدأ وَخبر (فِي الْأَنْفس) يتَعَلَّق بالْخبر، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط. وَالقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِثوْبٍ مُمْتَهَنْ وَلُبْسُ ذاتِ الحَمْلِ بالحَمَلِ اقْتَرَنْ (وَالْقَوْل) مُبْتَدأ (للزَّوْج) خَبره (بِثَوْب) يتَعَلَّق بالْخبر أَيْضا وباؤه للظرفية (ممتهن) صفة لَهُ وَالْمعْنَى أَنَّهُمَا إِذا اخْتلفَا فِي الْكسْوَة وَهِي مُرَاده بالملبس فَقَالَت: هِيَ هَدِيَّة وَقَالَ هُوَ: بل هِيَ الْوَاجِبَة عليَّ فَإِنَّهُ ينظر فَإِن كَانَت رفيعة لَا يفْرض مثلهَا على مثله، فَالْقَوْل للزَّوْجَة بِيَمِين أَنَّهَا هَدِيَّة، وَإِن كَانَت مِمَّا يفْرض مثلهَا على مثله ويكسو مثله بهَا زَوجته فَالْقَوْل لَهُ مَعَ الْيَمين، فَالْمُرَاد بالممتهن مَا يكسو بِهِ مثله زَوجته، وَيحْتَمل وَهُوَ الظَّاهِر أَن المُرَاد بالممتهن المستخدم الَّذِي لم تمض لَهُ ثَلَاثَة أشهر كَمَا يَأْتِي، وعَلى الأول فَمَا ذكره من كَون القَوْل لَهَا فِي الْأَنْفس ظَاهر إِذا كَانَ لَهَا ثوب آخر على ظهرهَا تبتذله بِدَلِيل مَا قبله وَلم يدع هُوَ أَنه قد دَفعه لَهَا للتزين بِهِ فَقَط، وَأما إِذا لم يكن لَهَا غَيره على ظهرهَا أَو كَانَ عَلَيْهَا غَيره، وَلَكِن ادّعى هُوَ أَنه دَفعه للتزين فَقَط فَالْقَوْل لَهُ إِذْ قد يكسو الرجل زَوجته بِأَحْسَن صفة من كسْوَة أَمْثَاله لَهَا فَيجْرِي فِيهِ التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم بَين مُضِيّ ثَلَاثَة أشهر أم لَا. وَقد يَدْفَعهُ لَهَا للتزين حَيْثُ كَانَ لَهَا غَيره إِذْ الزَّوْج حِينَئِذٍ قد علم أصل ملكه فَلَا يخرج من يَده إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي قَصده كَمَا مر آخر الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع الْبَيْت، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ عرف بِأَن مثله يهديه الزَّوْج لزوجته. قَالَ فِي الطرر قبل تَرْجَمَة اللّعان مَا نَصه: قَالَ
стр. 588
ابْن تليد: إِن ابْتَاعَ الرجل لزوجته كسْوَة مثل ثوب أَو فرو، ثمَّ تَمُوت فيريد أَخذهَا لم يكن لَهُ ذَلِك وَهُوَ موروث عَنْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ بعض الشُّيُوخ فِي الْمَوْت وَالطَّلَاق، وَبِه الْعَمَل قَالَ: وَهَذَا إِذا كَانَت لغير البذلة اه. فَهُوَ ظَاهر بل نَص فِي أَن لَهَا ثوبا آخر عَلَيْهَا تبتذله بِدَلِيل قَوْله: وَهَذَا إِذا كَانَت الخ. وَظَاهر أَيْضا فِي أَنَّهَا ادَّعَت أَو وارثها أَن ذَلِك هَدِيَّة كَمَا هُوَ نَص الوثائق الْمَجْمُوعَة، إِذْ لَو قَالَت: هُوَ لي لجرى على الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع الْبَيْت، وَبِالْجُمْلَةِ فَأَما أَن تَدعِي أَنه لَهَا فَهُوَ مَا مرّ فِي الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع الْبَيْت، وَأما أَن يَدعِي هُوَ أَنه أهداه لَهَا وَهَذَا فِيهِ وَجْهَان. أَحدهمَا: أَن يَدعِي هُوَ أَنه من الْكسْوَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ كَمَا مر، وَثَانِيهمَا أَن يَدعِي أَنه دَفعه لَهَا للتزيين فَقَط ثمَّ قَالَ فِي الطرر إِثْر مَا مر، قَالَ ابْن لبَابَة: وَمَا اشْتَرَاهُ الرجل لزوجته أَو اشترته لنَفسهَا من مَاله وَلَا يُنكر عَلَيْهَا إِذا تزينت بِهِ فَإِنَّهُ لَهَا عَاشَ أَو مَاتَ. وَقَالَ أَيْضا إِنَّه لوَرَثَة الرجل إِن مَاتَ عَنْهَا إِلَّا أَن تقيم الْبَيِّنَة على هبة أَو عَطِيَّة قَالَ غَيره: وَكَذَلِكَ إِن كَانَ حَيا بِيَمِين وَهُوَ أحسن اه بِلَفْظِهِ، فقد حكى عَن ابْن لبَابَة قَوْلَيْنِ. وَالثَّانِي مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي رَجحه، وعَلى هَذَا التَّرْجِيح جرى الشاطبي فِي فتواه المنقولة فِي الشَّرْح، حَيْثُ سُئِلَ عَن امْرَأَة قَالَت بعد وَفَاة زَوجهَا فِي ثِيَاب تشاكلها أَن زَوجهَا المتوفي سَاقهَا لَهَا أَو أهداها لَهَا وخالفها الْوَرَثَة فَقَالَ: لَا يسمع دَعْوَى الْمَرْأَة إِلَّا بِبَيِّنَة وعَلى الْوَرَثَة الْيَمين أَنهم لَا يعلمُونَ أَن تِلْكَ الثِّيَاب من مَال الْمَرْأَة وَلَيْسَت هَذِه الْمَسْأَلَة من الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع الْبَيْت لِأَن الْمَرْأَة مقرة بِأَن الثِّيَاب بِأَعْيَانِهَا للزَّوْج. قَالَ: وَلَكِن يبْقى النّظر فِي لباسها تِلْكَ الثِّيَاب وامتهانها يَعْنِي بِحَضْرَة المتوفي قَالَ: وَالصَّحِيح أَن الرجل لَيْسَ لَهُ أَخذ كسْوَة الْمَرْأَة عِنْد فراقها إِذا كَانَت متبذلة فَإِن لم تبتذل كَانَ لَهُ ارتجاعها، فَهَذِهِ الثِّيَاب مثلهَا إِن كَانَت الزَّوْجَة قد ابتذلتها فَهِيَ لَهَا وإلاَّ صَارَت مِيرَاثا اه بِاخْتِصَار. وَثيَاب البذلة هِيَ ثِيَاب المهنة المستخدمة وَعَلِيهِ فَمَا صَححهُ هَذَا الإِمَام هُوَ مَا مر عَن (خَ) فمرادهم بالبذلة مَا كثر لبسهَا لَهُ بِحَضْرَة زَوجهَا حَتَّى خلق وبلي، وَلَو كَانَ من ثِيَاب الزِّينَة. وَأَحْرَى إِذا كَانَ على ظهرهَا تبتذله كل يَوْم كَمَا هُوَ الظَّاهِر من هَذِه الْفَتْوَى، فَمَا فِي النّظم حِينَئِذٍ مُخَالف لإِطْلَاق (خَ) لَا الْكسْوَة بعد أشهر، وَمَا فِي الطرر عَن ابْن تليد وَابْن لبَابَة فِي أول قَوْله مُخَالف بِظَاهِرِهِ لذَلِك أَيْضا، لَكِن مَا لِابْنِ لبَابَة يُمكن حمله على مَا فِي (خَ) بل يُقيد بِمَا إِذا لم يمض لَهَا ثَلَاثَة أشهر فَأكْثر وَهِي تبتذلها بِحَضْرَتِهِ وإلاَّ فَهِيَ لَهَا، وَأما مَا لِابْنِ تليد وَهُوَ ظَاهر النّظم فمخالف لإِطْلَاق (خَ) قطعا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون قَوْله: وَهَذَا إِذا كَانَت لغير البذلة مَعْنَاهُ. وَهَذَا إِذا لم تبتذل ويمضي لَهَا ثَلَاثَة أشهر فيوافقه حِينَئِذٍ وَيكون معنى قَول النَّاظِم فِي الْأَنْفس أَي الَّذِي ابتذل وَمَضَت لَهُ الْمدَّة الْمَذْكُورَة، وَمرَاده بالممتهن أَي الَّذِي يكسى مثله لمثلهَا أَو لَا يكسى، وَلَكِن لم يبتذل وَلم تمض لَهُ تِلْكَ الْمدَّة فَالْقَوْل فِيهِ للزَّوْج حِينَئِذٍ فَتَأَمّله وَالله أعلم. لَكِن كَانَ النَّاظِم فِي غنى عَن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بالبيتين قبلهمَا، وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا آخر الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع الْبَيْت. (وَلبس) مُبْتَدأ (ذَات الْحمل) مُضَاف إِلَيْهِ (بِالْحملِ) يتَعَلَّق بقوله: (اقْترن) وَالْجُمْلَة خبر، وَالْمعْنَى أَن الْمُطلقَة طَلَاقا بَائِنا وَهِي حَامِل تجب لَهَا الْكسْوَة بِظُهُور الْحمل وحركته كَالنَّفَقَةِ على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ، وَرُوِيَ عَن مَالك أَنه لَا شَيْء لَهَا حَتَّى تضع ثمَّ تفرض لَهَا النَّفَقَة وَالْكِسْوَة
стр. 589
مُدَّة الْحمل السَّابِقَة خيفة أَن يكون ريحًا فينفش (خَ) : وَلَا نَفَقَة بدعواها، بل بِظُهُور الْحمل وحركته فَتجب من أَوله إِلَى آخِره. ابْن الْعَطَّار: يفْرض لَهَا فِي الْكسْوَة مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من الْجُبَّة والكساء وَغير ذَلِك قَالَ: وَينظر إِلَى غَالب مُدَّة الْحمل، فَإِن قيل: تِسْعَة أشهر، فَيُقَال: كم قيمَة الْجُبَّة، وَفِي كم تبلى فَإِن كَانَت تبلى لسنة وَنصف دفع إِلَيْهَا نصف قيمتهَا تعْمل بِهِ مَا شَاءَت، وَكَذَا فِي الكساء وَيدْفَع لَهَا الْقَمِيص والمقنعة. انْظُر الْبُرْزُليّ أَوَائِل النَّفَقَات. وَقَوْلنَا بَائِنا احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَ رَجْعِيًا فَإِنَّهَا كالزوجية فِي النَّفَقَة وَالْكِسْوَة. وَحَيثُما خُلْفُهما فِي الزَّمَنِ يُقَالُ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ بِيِّنِي (وحيثما) اسْم شَرط وَفعل الشَّرْط مَحْذُوف أَي حَيْثُمَا وَقع (خلفهمَا) اسْم مصدر بِمَعْنى اخْتِلَاف فَاعل بِوَقع الْمُقدر (فِي الزَّمن) يتَعَلَّق بخلف (يُقَال للزَّوْجَة) نَائِب عَن الْفَاعِل (فِيهِ) يتَعَلَّق بيقال (بيني) فعل أَمر وفاعله يَاء المؤنثة المخاطبة، وَالْجُمْلَة من فعل الْأَمر وفاعله محكية بيقال وَالْجُمْلَة من يُقَال: وَمَا بعده جَوَاب الشَّرْط. وَالْمعْنَى أَنَّهُمَا إِذا اخْتلفَا فِي الزَّمن فَقَالَت: مضى للكسوة ثَلَاثَة أشهر وَأنكر هُوَ ذَلِك فَإِن القَوْل للزَّوْج، وَيُقَال للْمَرْأَة أقيمي الْبَيِّنَة على مَا تدعيه كَمَا مرّ عَن الوثائق الْمَجْمُوعَة، فَإِن عجزت حلف الزَّوْج وَله قَلبهَا عَلَيْهَا كَمَا قَالَ: وَعَجْزُها يَمِينَ زَوْجٍ يُوجِبُ وَإنْ أرَادَ قَلْبَها فَتُقْلَبُ (وعجزها) مُبْتَدأ (يَمِين زوج) مفعول بقوله (يُوجب) وَالْجُمْلَة خبر (وَإِن أَرَادَ) شَرط (قَلبهَا) مفعول بِهِ (فتقلب) جَوَاب الشَّرْط، وَإِنَّمَا قلبت لِأَنَّهَا دَعْوَى تَحْقِيق، فَإِن حَلَفت اسْتحقَّت وَإِلَّا فَلَا شَيْء لَهَا لِأَن النّكُول بِالنّكُولِ تَصْدِيق للناكل الأول.
(فصل)
وَمَنْ يُطَلِّقْ طَلْقَةً رَجْعِيَّهْ ثُمَّ أرَادَ العَوْدَ لِلزَّوْجِيَّهْ (وَمن يُطلق) شَرط (طَلْقَة) مفعول مُطلق (رَجْعِيَّة) نعت لَهُ (ثمَّ) عاطفة الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا (أَرَادَ الْعود) جملَة من فعل وفاعل ومفعول (للزوجية) يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ. فَالقَوْلُ للزَّوْجَةِ واليَمِينُ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةٍ تَبِينُ (فَالْقَوْل) مُبْتَدأ (للزَّوْجَة) خَبره وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط (وَالْيَمِين) مُبْتَدأ (على انْقِضَاء عدَّة)
стр. 590
يتَعَلَّق بِالْيَمِينِ (تبين) بِضَم التَّاء مضارع أبان خبر عَن الْيَمين أَي: أَن يَمِينهَا على انْقِضَاء الْعدة تبين عصمتها وتخرجها من الْعدة قَالَه (م) وَيحْتَمل أَن خبر الْيَمين مَحْذُوف أَي: وَالْيَمِين على انْقِضَاء عدتهَا وَاجِبَة عَلَيْهَا وَلَا تصدق بِمُجَرَّد دَعْوَاهَا الِانْقِضَاء، وَتبين حِينَئِذٍ بِفَتْح التَّاء مضارع بَان إِذا ظهر صفة لعدة وَحَاصِل معنى الْبَيْتَيْنِ أَن الطَّلَاق إِذا كَانَ رَجْعِيًا وَاخْتلفَا فِي انْقِضَاء الْعدة، فَالْقَوْل للزَّوْجَة مَعَ يَمِينهَا على مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم، وَحَكَاهُ ابْن الْهِنْدِيّ عَن مقالات ابْن مغيث. وَالْمَشْهُور أَن لَا يَمِين عَلَيْهَا (خَ) : وصدقت فِي انْقِضَاء عدَّة الإقراء والوضع بِلَا يَمِين مَا أمكن اه. وَاخْتلف فِيمَا يُمكن انْقِضَاء عدتهَا فِيهِ فَقَالَ سَحْنُون: أقل مَا تصدق فِيهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: خَمْسُونَ يَوْمًا. وَفِي اخْتِصَار الْمُتَيْطِيَّة قَالَ فِي غير الْمُدَوَّنَة: وَلَا تصدق فِي أقل من خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا. قَالَ: وَبِه جرى عمل الشُّيُوخ اُنْظُرْهُ فِي بَاب الرّجْعَة، وَلَعَلَّ النَّاظِم إِنَّمَا اعْتمد القَوْل بِالْيَمِينِ مَعَ أَن المتيطي قد صرح إِثْر مَا مرّ عَنهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَمَل على أَن تحلف لفساد الزَّمَان فقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قلت الْأَدْيَان بالذكران فَكيف بالنسوان؟ فَلَا تمكن الْمُطلقَة من التَّزْوِيج إِلَّا بعد ثَلَاثَة أشهر من يَوْم الطَّلَاق، وَلَا تسْأَل هَل كَانَ الطَّلَاق أول الطُّهْر أَو آخِره وَعَلِيهِ صَاحب اللامية حَيْثُ قَالَ: وَذَات قرء فِي اعْتِدَاد بأشهر الخ. أَي لَا تصدق فِي أقل من ثَلَاثَة أشهر لَا أَنَّهَا تخرج من الْعدة بِثَلَاثَة أشهر، وَلَو لم تحصل الإقراء الثَّلَاث فَإِن هَذَا خلاف نَص الْقُرْآن كَمَا مرّ عِنْد قَول النَّاظِم: وَيملك الرّجْعَة بالرجعي إِلَى قَوْله: وَفِي المملك الْخلاف الخ. ثمَّ مَحل كَونهَا لَا تصدق فِي أقل من ثَلَاثَة أشهر على مَا بِهِ الْعَمَل الْيَوْم إِنَّمَا هُوَ إِذا أَرَادَت التَّزْوِيج كَمَا مر، وَأما بِالنِّسْبَةِ للرجعة الَّتِي الْكَلَام فِيهَا فَإِنَّهَا تصدق فِي كل مَا يُمكن انقضاؤها فِيهِ كالشهر وَنصفه على مَا مر أَن الْعَمَل عَلَيْهِ، بل وَلَو فِي الشَّهْر فَقَط على مَا مر فِي الْمُدَوَّنَة من أَنَّهَا تصدق إِذا قَالَت النِّسَاء إِن ذَلِك مُمكن وَإِلَّا لزم الْقدوم على فرج مَشْكُوك، والفروج يحْتَاط لَهَا. وَلَا سِيمَا وَقد علمت أَنه روعي حق الله فِي عدم تصديقها فِي أقل من ثَلَاثَة أشهر بِالنِّسْبَةِ للتزوج على الْمَعْمُول بِهِ الْيَوْم فَيُقَال: كَذَلِك يُرَاعى حق الله أَيْضا فِي تصديقها فِيمَا يُمكن بِالنِّسْبَةِ للرجعة بالأحرى، نعم إِذا ادَّعَت انقضاءها فِيمَا لَا يُمكن أصلا كأقل من شهر فَلَا تصدق وَله ارتجاعها كَمَا قَالَ. ثُمَّ لَهُ ارْتِجَاعُها حَيْثُ الكذِبْ مُسْتَوضَحٌ مِنَ الزّمَانِ المُقْتَرِبْ (ثمَّ) للتَّرْتِيب الذكري (لَهُ ارتجاعها) مُبْتَدأ وَخبر (حَيْثُ) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه (الْكَذِب مستوضح) مُبْتَدأ وَخبر وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة حَيْثُ (من) للتَّعْلِيل أَي لأجل (الزَّمَان) يتَعَلَّق بمستوضح (المقترب) صفة للزمان، وَهُوَ اسْم فَاعل من اقْترب، وَالْمعْنَى أَنه إِذا تبين كذبهَا بِأَن ادَّعَت الِانْقِضَاء فِيمَا لَا يُمكن كأقل من شهر
стр. 591
فَإِنَّهَا لَا تصدق وَله ارتجاعها جبرا عَلَيْهَا، وَهَذَا كُله فِيمَن تَعْتَد بِالْأَقْرَاءِ، وَأما الَّتِي تَعْتَد بِالْأَشْهرِ كالمتوفي عَنْهَا واليائسة وَالصَّغِيرَة فَلَا تصدق وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا بِبَيِّنَة على تَارِيخ الْوَفَاة وَالطَّلَاق بِالنِّسْبَةِ للتزوج، وَأما بِالنِّسْبَةِ للرجعة حَيْثُ كَانَ الطَّلَاق بِغَيْر تَارِيخ فَانْظُر هَل تصدق الْمَرْأَة اليائسة فِي الِانْقِضَاء وَهُوَ الظَّاهِر أم لَا؟ وَانْظُر مَا تقدم فِي التَّنْبِيه الرَّابِع عِنْد قَوْله وَمَتى من الْمَرَض الخ. تَنْبِيه: ذكر الْبُرْزُليّ فِي مسَائِل الْعدة والاستبراء أَن الزَّوْج إِذا خَافَ أَن تجحد مطلقته الْحيض، فَلهُ أَن يَجْعَل مَعهَا أمينة صَالِحَة تتعرف مِنْهَا ذَلِك وتعرف إقراءها، وَهل يعْمل على قَوْلهَا الخ. قلت: وَانْظُر إِذا خشِي أَن تَدعِي الْحيض فِي أقل مَا يُمكن فَهَل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يخْشَى أَن تسْقط رجعته وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الْبُرْزُليّ الْمُتَقَدّم أم لَا. وَما ادَّعَتْ مِنْ ذ ﷺ
١٦٤٨ - ; لِكَ المُطَلَّقَهْ بالسِّقْطِ فَهْيَ أبَداً مُصَدَّقَهْ (وَمَا) اسْم شَرط (ادَّعَت) فعله (من ذَلِك) يتَعَلَّق بِهِ (الْمُطلقَة) فَاعل ادَّعَت (بِالسقطِ) حَال من اسْم الْإِشَارَة الْعَائِد على الِانْقِضَاء (فَهِيَ) مُبْتَدأ (أبدا) مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ قَوْله: (مصدقة) وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَيحْتَمل أَن تكون مَا مَوْصُولَة مُبْتَدأ وصلتها ادَّعَت والعائد مَحْذُوف أَي ادَّعَتْهُ وَالْمَجْرُور بَيَان لما، وَالْجُمْلَة من قَوْله فَهِيَ أبدا الخ. خبر الْمَوْصُول وَدخلت الْفَاء فِي خَبره لشبهه بِالشّرطِ فِي الْعُمُوم والإبهام كَقِرَاءَة ابْن كثير قَوْله تَعَالَى: إِنَّه من يتقِّ ويصبر فَإِن الله لَا يضيع﴾ (يُوسُف: ٩٠) الْآيَة. وَالْمعْنَى أَن الْمُطلقَة إِذا ادَّعَت انْقِضَاء عدتهَا بِوَضْع سقط أسقطته وَأولى بِوَضْع كَامِل فَهِيَ مصدقة أبدا قرب الزَّمَان أَو بعد، وَظَاهره أَنَّهَا مصدقة بِلَا يَمِين وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور كَمَا مر. وَلا يُطَلِّقَ العَبِيدَ السَّيِّدُ إلاَّ الصَّغِيرَ مَعَ شَيءٍ يُرْفَدُ (وَلَا) نَافِيَة (يُطلق العبيد) مفعول بِالْفِعْلِ قبله أَو مَنْصُوب على إِسْقَاط الْخَافِض وَهُوَ أظهر معنى (السَّيِّد) فَاعل يُطلق (إِلَّا) اسْتثِْنَاء من الْعُمُوم فِي العبيد (الصَّغِير) مَنْصُوب على الِاسْتِثْنَاء
стр. 592
أَو على إِسْقَاط الْخَافِض (مَعَ شَيْء) حَال (يرفد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صفة للشَّيْء، والرفد بِالْكَسْرِ الْعَطاء. وَمَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ للسَّيِّد أَن يُطلق على عبيده من تزوجوه بِإِذْنِهِ جبرا عَلَيْهِم، وَإِن فعل فَلَا يمْضِي طَلَاقه عَلَيْهِم إِلَّا طَلَاقه على الصَّغِير مِنْهُم حَال كَونه مَعَ شَيْء يرفد أَي يُعْطي للصَّغِير فَإِنَّهُ مَاض نَافِذ عَلَيْهِ، وَظَاهره كَانَ المخالع بِهِ للصَّغِير مِنْهُم من عِنْد الزَّوْجَة أَو من غَيرهَا وَلَو من السَّيِّد، وَظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَن المخالعة للصَّغِير مَاضِيَة عَلَيْهِ وَلَو بِأَقَلّ من خلع الْمثل وَمثل العَبْد الصَّغِير الْحر الصَّغِير كَمَا قدمه النَّاظِم فِي قَوْله: وَالْخلْع جَائِز على الأصاغر مَعَ أَخذ شَيْء لأَب أَو حاجر ابْن عَرَفَة: يجوز للْأَب ووصيه وَالسُّلْطَان وخليفته المبارأة على الصَّغِير بِشَيْء يسْقط عَنهُ أَو يُؤْخَذ لَهُ لَا غير ذَلِك، وَكَذَا السَّيِّد فِي عَبده الصَّغِير اه. وَمَفْهُوم قَوْله: مَعَ شَيْء يرفد أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يُطلق عَلَيْهِ دون شَيْء يسْقط عَنهُ أَو يُؤْخَذ لَهُ وَلَو ظهر بِالزَّوْجَةِ فَسَاد وَهُوَ كَذَلِك. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: يجوز للْوَلِيّ أَن يُطلق على السَّفِيه الْبَالِغ وَالصَّغِير بِغَيْر شَيْء يُؤْخَذ لَهُ إِذْ قد يكون بَقَاء الْعِصْمَة فَسَاد الْأَمر جهل قبل نِكَاحه أَو حدث بعده من كَون الزَّوْجَة غير محمودة الطَّرِيق أَو متلفة مَاله اه. قلت: وَيَنْبَغِي أَن يكون كَلَام اللَّخْمِيّ تقييداً للْمَذْهَب لِأَن من الْمصلحَة حِينَئِذٍ الطَّلَاق، وَإِن كَانَ غير وَاحِد جعله خلافًا. وَكَيْفَما شَاءَ الكَبِيرُ طَلَّقَا وَمُنْتَهاهُ طَلْقَتَانِ مُطْلَقَا (وكيفما) اسْم شَرط مفعول بجوابه الْآتِي (شَاءَ) فعل الشَّرْط (الْكَبِير) فَاعله (طلقا) جَوَاب الشَّرْط، وَالْمعْنَى أَن العَبْد الْكَبِير الْبَالِغ وَلَو سَفِيها لَهُ أَن يُطلق زَوجته حرَّة أَو أمة كَيْفَمَا شَاءَ وَاحِدَة أَو أَكثر بخلع أَو غَيره، وَسَوَاء أذن لَهُ سَيّده فِي الطَّلَاق أم لَا. (ومنتهاه) مُبْتَدأ (طَلْقَتَانِ) خَبره (مُطلقًا) حَال، وَالْمعْنَى أَن مُنْتَهى طَلَاق العَبْد طَلْقَتَانِ مُطلقًا سَوَاء أوقعهما مَعًا فِي حَال رقّه أَو وَاحِدَة فِي حَال رقّه، وَالْأُخْرَى فِي حَال عتقه لِأَن الْوَاحِدَة الَّتِي أوقعهَا فِي حَال رقّه قَائِمَة مقَام وَاحِدَة وَنصف فتكمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يتشطر وَتبقى لَهُ وَاحِدَة هِيَ الَّتِي أوقعهَا فِي حَال عتقه وَسَوَاء أَيْضا كَانَ قِنَا خَالِصا أَو ذَا شَائِبَة، وَسَوَاء كَانَت زَوجته حرَّة أَو أمة، وَهَذَا كُله هُوَ معنى الْإِطْلَاق الَّذِي فِي النّظم. ل ﷺ
١٦٤٨ - ; كِنَّ فِي الرَّجْعِيِّ الأَمْرُ بِيَدِهْ دُونَ رِضَا ولِيِّهَا وَسَيِّدِهُ
стр. 593
(لَكِن) حرف اسْتِدْرَاك (فِي الرَّجْعِيّ) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي خَبَرهَا (الْأَمر) بِالنّصب اسْمهَا (بِيَدِهِ) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي خَبَرهَا وَالضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ رَاجع للْعَبد (دون) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال (رضَا) مُضَاف إِلَيْهِ (وَليهَا) كَذَلِك (وسيده) مَعْطُوف على وَليهَا، وَالْمعْنَى أَن العَبْد الْقِنّ وَمن فِيهِ شَائِبَة رق إِذا طلق زَوجته طَلَاقا رَجْعِيًا وَقد مر تَفْسِيره أول بَاب الطَّلَاق فَإِن الْأَمر فِي الارتجاع وَعَدَمه ثَابت بيد العَبْد فَإِن شَاءَ ارتجعها قبل انْقِضَاء عدتهَا وَلَا يحْتَاج لإذن سَيّده فِي الارتجاع وَلَا لرضاها بل يرتجعها جبرا عَلَيْهَا وَعَلِيهِ، وَإِن شَاءَ لم يرتجعها وَإِنَّمَا كَانَ لَا يحْتَاج لذَلِك لِأَن الرّجْعَة لَيست كابتداء النِّكَاح، وَلذَا صحت وَلَو فِي الْمَرَض وَالْإِحْرَام (خَ) : يرتجع من ينْكح وَلَو بكإحرام وَمرض وَعدم إِذن سيد طَلَاقا غير بَائِن فِي عدَّة صَحِيح حل وَطْؤُهُ بقول مَعَ نِيَّة الخ. وَمَفْهُوم قَوْله فِي الرَّجْعِيّ أَنه إِذا طَلقهَا طَلَاقا بَائِنا أَو رَجْعِيًا وَانْقَضَت الْعدة فَلَا يُرَاجِعهَا إِلَّا بِإِذن سَيّده ورضاها وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْمُرَاجَعَة حِينَئِذٍ ابْتِدَاء نِكَاح. والحُكْمُ فِي العَبِيد كالأَحْرَارِ فِي غَايَةِ الزَّوْجَاتِ فِي المُخْتَارِ (وَالْحكم) مُبْتَدأ (فِي العبيد) يتَعَلَّق بِهِ (كالأحرار) خبر (فِي غَايَة الزَّوْجَات) يتَعَلَّق بالاستقرار الْمُقدر فِي الْخَبَر وَكَذَا قَوْله (فِي الْمُخْتَار) . وَالْمعْنَى: أَن حكم العبيد حكم الْأَحْرَار فِي غَايَة الزَّوْجَات على القَوْل الْمَشْهُور، وَهُوَ قَول مَالك وَمُقَابِله لِابْنِ وهب أَن الثَّالِثَة للْعَبد كالخامسة للْحرّ قِيَاسا على طَلَاقه، وَوجه الْمَشْهُور عُمُوم قَوْله تَعَالَى: فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣) الْآيَة. قَالَ فِي الذَّخِيرَة: للْعَبد مَعَ الْحر أَربع حالات: تشطير كالحدود وَمِنْه الطَّلَاق ومساواة كالعبادات ومختلف فِيهِ كعدد الزَّوْجَات وَأجل الِاعْتِرَاض وَالْإِيلَاء والفقد وحد الْقَذْف، فعلى العَبْد النّصْف فِي جَمِيع ذَلِك كُله عِنْد مَالك وَقيل بالمساواة وَحَالَة سُقُوط كَالْحَجِّ وَالزَّكَاة اه. وَيَتْبَعُ الأولادُ فِي اسْتِرْقَاقِ لأُم لَا لأَبِ بالإِطْلَاقِ
стр. 594
(وَيتبع الْأَوْلَاد) بِالرَّفْع فَاعل يتبع (فِي استرقاق) يتَعَلَّق بِهِ (للام) يتَعَلَّق بِهِ أَيْضا (لَا) عاطفة (للْأَب) مَعْطُوف (بِالْإِطْلَاقِ) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال من الْأُم أَي يتبعونها فِي الرّقّ وَالْحريَّة مُطلقًا كَانُوا من نِكَاح أَو من ملك الْيَمين حَيْثُ كَانَ أبوهم قِنَا، وَيحْتَمل أَنه حَال من الْأَب أَي لَا يتبعُون الْأَب مُطلقًا حرا كَانَ أَو عبدا. وَحَاصِل الْمَعْنى أَن الْوَلَد تَابع لِأَبِيهِ فِي الدّين وَالنّسب ولأمه فِي الْحُرِّيَّة والرقية فَإِن كَانَ الْفراش بِملك الْيَمين فَالْوَلَد تَابع لِأَبِيهِ حرا كَانَ أَو عبدا وَإِن كَانَ الْفراش بِنِكَاح فَالْوَلَد تَابع لأمه كَمَا قَالَ النَّاظِم، وَهُوَ قَول الرسَالَة: وكل ذَات رحم فولدها بمنزلتها أَي إِن كَانَت حرَّة فولدها حر وَلَو كَانَ الْأَب عبدا وَإِن كَانَت قِنَا أَو ذَات شَائِبَة فولدها كَذَلِك، وَلَو كَانَ أَبوهُ حرا وَلَا يسْتَثْنى من ذَلِك إِلَّا الْمَوْطُوءَة بِملك سَيِّدهَا الْحر والغارة الْحر كَمَا قَالَ (خَ) وَولد الْمَغْرُور الْحر فَقَط حر. وَكِسْوَةٌ لِحُرَّةٍ وَنَفَقَه عَليهِ والخُلْفُ بِغَيْرِ الْمُعْتَقَه (وَكِسْوَة) مُبْتَدأ سوغه عمله فِي (لحرة ونفقه) مَعْطُوف على الْمُبْتَدَأ (عَلَيْهِ) خَبره (وَالْخلف) مُبْتَدأ خَبره (بِغَيْر المعتقه) . وَالْمعْنَى أَن العَبْد إِذا تزوج حرَّة فَإِن عَلَيْهِ نَفَقَتهَا وكسوتها كَالْحرِّ وَاخْتلف إِذا تزوج بِأمة أَو مُدبرَة أَو مُعتقة لأجل فَقيل ذَلِك عَلَيْهِ أَيْضا وَهُوَ الْمَشْهُور، وَيُقَال لَهُ أنْفق أَو طلق وَقيل: نَفَقَتهَا وكسوتها على سَيِّدهَا، وَلَو قَالَ النَّاظِم: هَكَذَا بِغَيْر الْمُعتقَة لَكَانَ منبهاً على الْمَشْهُور الْمَذْكُور، لكنه حاول على أَن يُنَبه على أَن الْحرَّة مُتَّفق عَلَيْهَا وَالْأمة مُخْتَلف فِيهَا. وَمَعْلُوم أَن كِتَابه لَيْسَ مَوْضُوعا لبَيَان الْخلاف، بل للمشهور وَمَا بِهِ الْعَمَل، وَمَا أَفَادَهُ من أَن الْحرَّة مُتَّفق عَلَيْهَا صرح بِهِ ابْن الْمَوَّاز قَائِلا: لَا خلاف أَن العَبْد ينْفق على زَوجته الْحرَّة، وَظَاهر كَلَام اللَّخْمِيّ أَن الْخلاف جَار فِي الْحرَّة أَيْضا لِأَنَّهُ قَالَ: وَيخْتَلف إِذا كَانَا عَبْدَيْنِ فعلى القَوْل بِأَنَّهُ لَا نَفَقَة على العَبْد للْحرَّة لَا نَفَقَة عَلَيْهِ إِذا كَانَت أمة، وعَلى القَوْل إِن عَلَيْهِ ذَلِك للْحرَّة يخْتَلف إِن كَانَت أمة. تَنْبِيهَانِ. الأول: حَيْثُ وَجَبت النَّفَقَة عَلَيْهِ فَهِيَ كَمَا قَالَ (خَ) فِي غير خراجه وَكَسبه، وَالْخَرَاج وَهُوَ مَا نَشأ لَا عَن مَال بل عَن كإيجار نَفسه وَالْكَسْب هُوَ مَا نَشأ عَن مَال أتجر بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فعطف الْكسْب على الْخراج من عطف الْعَام على الْخَاص وَالنَّفقَة وَالْكِسْوَة فِي غير الْإِجَارَة الَّتِي يُؤَاجر بهَا نَفسه، وَفِي غير مَا ينشأ عَن مَال كتجارة بِمَال سَيّده وغلة مَاله، وَأما ربح مَال نَفسه وغلته فَلهُ النَّفَقَة مِنْهُمَا كَمَا لَهُ ذَلِك أَيْضا من مَال وهب لَهُ أَو أوصِي لَهُ بِهِ، وَقَول ابْن عَاشر: الْخراج هُوَ مَا يقاطع على إِعْطَائِهِ لسَيِّده كَأَن يقاطعه على دِينَار فِي كل شهر، وَالْكَسْب هُوَ
стр. 595
مَا نَشأ عَن عمله وَقد يكون أَحدهمَا أَكثر من الآخر الخ، لَا يُخَالف مَا مرّ لِأَنَّهُ إِذا لم تكن مقاطعة فالخراج هُوَ مَا مرّ ثمَّ مَا تقدم من أَن ربح مَال السَّيِّد لَا نَفَقَة لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي غير الْمَأْذُون وَأما الْمَأْذُون فَلهُ النَّفَقَة من ربح مَال السَّيِّد الَّذِي بِيَدِهِ فَهُوَ يُخَالف غَيره فِي هَذَا الْوَجْه. الثَّانِي: مَحل كَونهمَا فِي غير الْخراج وَالْكَسْب إِذا لم يكن عرف وإلاَّ فَهِيَ فيهمَا كَمَا فِي (خَ) أَيْضا، وَرُبمَا يفهم أَن العَبْد إِذا اشْترط كَونهمَا فِي الْخراج وَالْكَسْب فَيعْمل بذلك بالأحرى، وَلَا يُقَال اشْتِرَاط ذَلِك فِي صلب العقد يفْسد النِّكَاح فَيفْسخ قبل الْبناء وَيثبت بعده بِالْمثلِ وَيبْطل الشَّرْط كَمَا مرّ، لأَنا نقُول هَذَا إِنَّمَا يظْهر إِذا اشْترطت النَّفَقَة على السَّيِّد لَا إِن اشْترط عَلَيْهِ أَن تكون فِي خراج العَبْد وَكَسبه وَرَضي بذلك فَلَا يفْسد، وَلَو فسد فِي هَذَا لفسد فِي الْعرف أَيْضا لِأَنَّهُ كالشرط، وَعَلِيهِ فَإِذا امْتنع السَّيِّد من إِجْرَاء النَّفَقَة من الْخراج وَالْكَسْب وَلَا شَرط وَلَا عرف، فَالْعَبْد إِمَّا أَن ينْفق من غَيرهمَا وإلاّ طلّقت عَلَيْهِ. وَقد علمت أَن اشْتِرَاط النَّفَقَة فِي خراج العَبْد وَكَسبه لَا يُوجب فَسَادًا إِذْ غَايَته أَن السَّيِّد الْتزم عدم مُؤَاخذَة العَبْد بِمَا يسع نَفَقَته من خراجه وَكَسبه وَذَلِكَ هبة مِنْهُ لعمل كُله أَو بعضه وَالله أعلم. وَالْعرْف عِنْد النَّاس الْيَوْم على مَا شهدناه أَن نَفَقَة زَوجته وكسوتها حرَّة كَانَت أَو أمة فِي خراجه وَكَسبه إِذْ عَادَتهم أَن العَبْد يصرف همته فِي خدمَة سَيّده وسيده يجْرِي النَّفَقَة عَلَيْهِ وعَلى زَوجته. وَلَيْسَ لَازِما لَهُ أَنْ يُنْفِقَا على بنِيه أعْبُداً أوْ عُتَقَا (وَلَيْسَ) فعل نَاقص (لَازِما) خَبَرهَا مقدم (لَهُ) يتَعَلَّق بِهِ (أَن ينفقا) اسْمهَا مُؤخر (على بنيه) يتَعَلَّق بينفقا (أعبداً) خبر كَانَ محذوفة أَي كَانُوا أعبداً (أَو عتقا) ء جمع عَتيق كشريف وشرفاء لأَنهم إِن كَانُوا أحراراً فنفقتهم فِي مَالهم إِن كَانَ لَهُم مَال، وإلاَّ فعلى الْمُسلمين وَإِن كَانُوا أرقاء فعلى سيدهم، وَلَا يجوز للْعَبد أَن يتْلف مَال سَيّده وعَلى هَذَا فصواب التَّعْبِير وَلَيْسَ جَائِزا لَا وَلَيْسَ لَازِما قَالَه (م) و (ت) . قلت: وَيُمكن أَن يُجَاب بِأَن مَعْنَاهُ وَلَيْسَ لَازِما لَهُ أَن ينْفق عَلَيْهِم من غير الْخراج وَالْكَسْب كَمَا ينْفق على زَوجته من غَيرهمَا، فالتعبير بِنَفْي اللُّزُوم حِينَئِذٍ فِي مَحَله، وَعلم من هَذَا أَن أَوْلَاد العَبْد من أمته يجوز لَهُ الْإِنْفَاق عَلَيْهِم من مَال سَيّده لِأَن المَال لسَيِّده وَأَوْلَاده مملوكون لَهُ أَيْضا.
(فصل فِي الْمُرَاجَعَة)
أَي: بعد الطَّلَاق الْبَائِن كَمَا مر عِنْد قَوْله وَمِنْه الرَّجْعِيّ.
стр. 596
وكابْتِدَاءِ مَا سِوَى الرَّجْعِيِّ فِي الإذْنِ والصَّدَاقِ والولِيِّ (وكابتداء) خبر مقدم والتنوين فِيهِ عوض من مُضَاف إِلَيْهِ تَقْدِيره وكابتداء النِّكَاح (مَا) مُبْتَدأ وَاقعَة على الْمُرَاجَعَة (سوى الرَّجْعِيّ) صلتها (فِي الْإِذْن) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي الْخَبَر (وَالصَّدَاق وَالْوَلِيّ) معطوفان عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى أَن الْمُرَاجَعَة من الطَّلَاق الَّذِي هُوَ رَجْعِيّ كائنة كابتداء النِّكَاح فِي اشْتِرَاط الْإِذْن من الزَّوْجَة غير الْمُجبرَة وَوُجُود الصَدَاق وَالْوَلِيّ وَالْإِشْهَاد عِنْد الدُّخُول، وَغير ذَلِك على نَحْو مَا مرّ فِي بَاب النِّكَاح حرفا حرفا. وَلَا رجوعَ لِمَرِيضَةٍ ولَا بِالحَمْلِ ستَّةَ الشُّهُورِ وَصَلَا (وَلَا) نَافِيَة للْجِنْس وَلَو أَتَى بِالْفَاءِ بدل الْوَاو لَكَانَ أولى لِأَن هَذَا مُفَرع عَمَّا قبله ومسبب عَنهُ (رُجُوع) اسْمهَا (لمريضة) خَبَرهَا (وَلَا) تَأْكِيد للنَّفْي الأول (بِالْحملِ) مَعْطُوف على مَرِيضَة وَالْبَاء بِمَعْنى مَعَ (سِتَّة الشُّهُور) بِالنّصب مفعول بقوله (وصلا) بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل، وَالْجُمْلَة فِي مَحل نصب على الْحَال من الْحمل، وَالْمعْنَى أَنه حَيْثُ اشْترط فِي الْمُرَاجَعَة مَا يشْتَرط فِي ابْتِدَاء النِّكَاح فَلَا رُجُوع لمريضة مَرضا مخوفا وَلَا لحامل بلغت سِتَّة أشهر لِأَنَّهَا مَرِيضَة فِي الْحَقِيقَة، وَالْمَرَض مَانع من عقد النِّكَاح (خَ) : وَهل يمْنَع مرض أَحدهمَا الْمخوف وَإِن أذن الْوَارِث الخ. وَمَا ذكره النَّاظِم فِي حَامِل سِتَّة أشهر هُوَ الْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب كَمَا لِابْنِ بشير وَغَيره، ودرج عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصر حَيْثُ قَالَ فِي الْحجر عاطفاً على الْمخوف وحامل سِتَّة الخ. وَقَالَ السيوري: لزَوجهَا مراجعتها. وَقَالَ الْمَازرِيّ: وَهُوَ الَّذِي نختاره لِأَن الْمرجع إِلَى العوائد والهلاك من الْحمل قَلِيل، وَلَو دخلت بَلَدا فسألتهم عَن أمهاتهم لوجدتهم أَحيَاء أَو موتى بِغَيْر نِفَاس إِلَّا النَّادِر اه. نَقله (ق) ابْن عبد السَّلَام: وَمَا قَالَه الْمَازرِيّ صَحِيح إِن اعْتبر فِي هَذَا الْمَرَض كَون الْمَوْت عَنهُ غَالِبا، وَأما إِن اعْتبر فِيهِ كَونه أكثرياً على مَا لِابْنِ الْحَاجِب وَغَيره لم يلْزم مَا قَالَه الْمَازرِيّ اه. وَمَفْهُوم قَول النَّاظِم: مَا سوى الرَّجْعِيّ أَن الرّجْعَة من الرَّجْعِيّ لَيست كابتداء النِّكَاح وَهُوَ كَذَلِك كَمَا قدمه فِي قَوْله: وَيملك الرّجْعَة فِي الرَّجْعِيّ قبل انْقِضَاء الأمد المرعي وَلَا افتقار فِيهِ للصداق الخ.
стр. 597
وَبِالْجُمْلَةِ لَا يشْتَرط فِي المرتجع إِلَّا كَونه مِمَّن يَصح نِكَاحه فِي الْجُمْلَة وَلَا يشْتَرط فِيهِ انْتِفَاء موانعه من إِحْرَام وَمرض وَنَحْوهمَا، وَلذَا قَالَ (خَ) : يرتجع من ينْكح وَإِن بكإحرام وَمرض وَعدم إِذن سيد الخ. وَلَا يرد عَلَيْهِ الصَّبِي الْمُمَيز لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ يَصح نِكَاحه فِي الْجُمْلَة ويتوقف على إجَازَة وليه لَكِن لَا يتَصَوَّر مِنْهُ الطَّلَاق الرَّجْعِيّ أصلا، إِذْ شَرط الرَّجْعِيّ أَن يتقدمه وَطْء مُعْتَبر وَوَطْء الصَّبِي كلاوطء، وَأَيْضًا لَا يُطلق على الصَّبِي إِلَّا بعوض كَمَا مر، وَذَلِكَ كُله يُوجب كَونه بَائِنا وَلَا يرد الْمَجْنُون أَيْضا لِأَنَّهُ إِن طلق فِي حَال جُنُونه فَلَا يَصح طَلَاقه وَلَا يلْزم كَمَا لَا يَصح نِكَاحه أَيْضا فِي تِلْكَ الْحَالة، وَإِن طلق فِي حَال إِفَاقَته ثمَّ طَرَأَ جُنُونه فلوليه أَن يرتجع لَهُ حَيْثُ كَانَ لَا ترجى إِفَاقَته فِي الْعدة وَلَفظ من صَادِق عَلَيْهِ لِأَن الْوَلِيّ لَهُ أَن يجْبرهُ على ابْتِدَاء النِّكَاح كَمَا قَالَ (خَ) وجبر وَصِيّ وحاكم مَجْنُونا احْتَاجَ الخ. فَكيف بالجبر على الرّجْعَة وَإِن كَانَت ترجى إِفَاقَته فِي الْعدة فَلَا يرتجع إِلَّا إِذا أَفَاق. وَبِالْجُمْلَةِ فالمجنون بالإصالة لَا يَصح طَلَاقه كَمَا لَا يَصح نِكَاحه وَإِن طلق عَلَيْهِ وليه بعوض فالطلاق حِينَئِذٍ بَائِن لَا رَجْعِيّ، فَهَذَا الْمَجْنُون خَارج بقول (خَ) من ينْكح، وَأما إِن كَانَ طَرَأَ جُنُونه بعد الطَّلَاق فَهُوَ دَاخل فِي قَوْله: من ينْكح لِأَنَّهُ إِن لم ترج إِفَاقَته فلوليه أَن يرتجع لَهُ ووليه مِمَّن لَهُ إنكاحه، وَإِن رجيت إِفَاقَته فَلَا يرتجع إِلَّا فِي حالتها وَهُوَ مِمَّن فِيهِ أَهْلِيَّة النِّكَاح أَيْضا فِي تِلْكَ الْحَالة وَبِهَذَا كُله تعلم سُقُوط اعْتِرَاض شرَّاح (خَ) عَلَيْهِ وَمَا لَهُم فِي ذَلِك من الْخبط، وَتعلم أَن معنى قَوْله: من ينْكح أَي من فِيهِ أَهْلِيَّة صِحَة النِّكَاح، وَهُوَ الْعقل خَاصَّة لَا الْبلُوغ كَمَا لِابْنِ عبد السَّلَام خلافًا لما فِي ضيح وَالله أعلم. ثمَّ إِن الارتجاع لَا يَصح إِلَّا بالْقَوْل الصَّرِيح وَلَو هزلا وَبقول مُحْتَمل مَعَ نِيَّة لَا بِفعل دونهَا كَوَطْء كَمَا فِي (خَ) وَقد مر ذَلِك عِنْد قَول النَّاظِم: وَيملك الرّجْعَة فِي الرَّجْعِيّ الخ. وَتقدم أَنه لَا افتقار فِيهِ للصداق وَلَو قَبضته ردته كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي المعيار، وَنَصّ عَلَيْهِ أَيْضا شرَّاح (خَ) عِنْد قَوْله فِي الرّجْعَة وَلَا صدَاق، وَأما عكسها وَهُوَ من ملك زَوجته أمرهَا إِن لم يقدم من سَفَره عِنْد رَأس السّنة فَإِن انْقَضتْ السّنة وَلم يحضر فَقَالَ لَهَا وَالِد الزَّوْج: اتركي صداقك وتزوجي من شِئْت فَفعلت فَقَالَ فِي المعيار أَيْضا: إِن كَانَت عَالِمَة بِأَن لَهَا فِرَاقه بِغَيْر شَيْء لَزِمَهَا مَا فعلته من ترك الصَدَاق وَإِن ظنت أَنَّهَا لَا تملك الْفِرَاق بِهَذَا التَّمْلِيك وَمثلهَا يجهل ذَلِك حَلَفت وَلها الرُّجُوع، وَلَو مَضَت السّنة وَلم تقض بِشَيْء حَتَّى طَال ذَلِك لم يلْزم الزَّوْج مَا فعله الْأَب من الْفِرَاق إِلَّا أَن يرضى اه بِاخْتِصَار. تَنْبِيه: ذكر فِي المعيار قبل نَوَازِل الرَّضَاع عَن سَيِّدي عِيسَى بن علال فِي الْوَطْء بَين الفخذين فِي عدَّة الطَّلَاق الرَّجْعِيّ غَيرنَا، وَبِه الرّجْعَة ثمَّ تزَوجهَا قبل تَمام الِاسْتِبْرَاء وَبعد انْقِضَاء الْعدة هَل يفرق بَينهمَا أم لَا؟ فَقَالَ: التَّفْرِيق بَينهمَا يَنْبَنِي على الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْوَطْء هَل يلْحق بِهِ الْوَلَد أم لَا؟ فعلى القَوْل بلحوق الْوَلَد يفْسخ النِّكَاح لِأَنَّهُ ناكح فِي الِاسْتِبْرَاء، وعَلى القَوْل بِعَدَمِ لُحُوقه لَا يفْسخ ويترجح هَذَا الثَّانِي بقول من قَالَ إِن وَطْء الرَّجْعِيَّة رَجْعَة وَإِن لم ينْو بِهِ الرّجْعَة اه. وَالْخلاف الْمشَار إِلَيْهِ فِي لُحُوق الْوَلَد نَقله عِيَاض فِي آخر الِاسْتِبْرَاء من التَّنْبِيهَات،
стр. 598
وانظره أَيْضا فِي مسَائِل الْعدَد من الْمَازرِيّ. وَذكر فِي المعيار أَيْضا قبل الْإِيلَاء فِيمَن وطىء وَلم ينْو الرّجْعَة أَنه يجب على الْمَرْأَة أَمْرَانِ: عدَّة واستبراء، فَإِن أَرَادَ ارتجاعها قبل انْقِضَاء الْعدة فَلهُ ذَلِك لكَونه بالْقَوْل وَالْإِشْهَاد فَقَط لَا بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ مَمْنُوع مِنْهُ حَتَّى يَنْقَضِي الِاسْتِبْرَاء من فَاسد وَطئه، فَإِن لم يرتجعها فِي الْعدة لم يكن لَهُ سَبِيل إِلَى غير ذَلِك فِيمَا بَقِي من حيض الِاسْتِبْرَاء اه بِاخْتِصَار. فَإِن قلت: ارتجاعه لَهَا فِي الْعدة والاستبراء مُخَالف لقَوْل (خَ) وَلَا يطَأ الزَّوْج وَلَا يعْقد الخ. قلت: هَذَا الارتجاع لَيْسَ بِعقد بِدَلِيل عدم الِاحْتِيَاج إِلَى رِضَاهَا ورضا الْوَلِيّ وَالصَّدَاق وَالْإِشْهَاد مُسْتَحبّ فَقَط. وَزَوْجَةُ العَبْدِ إذَا مَا عُتِقَتْ وَاخْتَارَتِ الفِراق مِنْهُ طُلِّقَتْ (وَزَوْجَة العَبْد) مُبْتَدأ ومضاف إِلَيْهِ (إِذا) ظرف مضمن معنى الشَّرْط (مَا) زَائِدَة (عتقت) بِفَتْح الْعين وَالتَّاء وفاعله ضمير الزَّوْجَة، وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة إِذا إِلَيْهَا (واختارت الْفِرَاق) فعل وفاعل ومفعول (مِنْهُ) يتَعَلَّق بالفراق، وَالْجُمْلَة معطوفة على جملَة عتقت أَو حَال من فَاعل عتقت (طلقت) بِفَتْح الطَّاء وَاللَّام، ومفعوله مَحْذُوف أَي نَفسهَا. وَالْجُمْلَة جَوَاب إِذا وَهِي وجوابها خبر الْمُبْتَدَأ. بِمَا تَشَاؤُهُ وَمَهْما عَتَقَا فَمَا لَهُ مِن ارْتِجاعٍ مُطْلَقَا (بِمَا) يتَعَلَّق بطلقت (تشاؤه) صلته (وَمهما عتقا) جملَة شَرْطِيَّة وألفه للإطلاق (فَمَا) نَافِيَة (لَهُ) خبر مقدم (من ارتجاع) مُبْتَدأ جر بِمن الزَّائِدَة (مُطلقًا) حَال وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَلذَا دخلت الْفَاء عَلَيْهَا وجوبا لِأَنَّهَا لَا تصلح أَن تكون شرطا، وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن زَوْجَة العَبْد وَلَو بشائبة رق إِذا عتقت عتقا ناجزاً فلهَا الْخِيَار فِي الْبَقَاء والفراق، ويحال بَينه وَبَينهَا حَتَّى تخْتَار فَإِن اخْتَارَتْ الْبَقَاء مَعَه فَلَا إِشْكَال وَإِن اخْتَارَتْ الطَّلَاق وَقَالَت: طلقت نَفسِي فَيلْزمهُ وَاحِدَة بَائِنَة إِلَّا أَن تنوي أَكثر فَيلْزمهُ اثْنَان إِذْ هما مُنْتَهى طَلَاق العبيد، وَهُوَ معنى قَوْله: بِمَا تشاؤه إِذا عتق هُوَ بعد أَن طلقت نَفسهَا فَلَا رَجْعَة لَهُ جبرا عَلَيْهَا مُطلقًا عتق فِي الْعدة أَو بعْدهَا طلقت نَفسهَا وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ نعم لَهُ مراجعتها بِرِضَاهَا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدّمَة، وَلَا بُد من دُخُول زوج بهَا فِيمَا إِذا كَانَت طلقت نَفسهَا أَكثر من وَاحِدَة على ظَاهر النّظم و (خَ) وَهَذَا إِذا اخْتَارَتْ قبل أَن يعْتق العَبْد وَإِلَّا فَلَا خِيَار لَهَا كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: أَو عتق قبل الِاخْتِيَار، وَكَذَا يسْقط خِيَارهَا إِن قبض السَّيِّد الصَدَاق وأعتقها قبل الْبناء، وَالْحَال أَنه الْآن عديم لِأَن خِيَارهَا يبطل عتقهَا، إِذْ لَيْسَ للسَّيِّد
стр. 599
غَيرهَا فَلَو اخْتَارَتْ نَفسهَا لوَجَبَ للزَّوْج الرُّجُوع بِالصَّدَاقِ على السَّيِّد، وَالْفَرْض أَنه عديم فَيُؤَدِّي لبيعها لِأَن الدّين الَّذِي هُوَ الصَدَاق سَابق على عتقهَا، فَلِذَا ارْتكب أخف الضررين فَينفذ الْعتْق وَتبقى حرَّة تَحت عبد وَهَذَا معنى قَول (خَ) أَيْضا، وَسقط صَدَاقهَا والفراق إِن قَبضه السَّيِّد وَكَانَ عديماً الخ. وَظَاهر النّظم أَن لَهَا الْخِيَار فِي الطَّلَاق والبقاء رَشِيدَة أَو سَفِيهَة أَو صَغِيرَة وَهُوَ كَذَلِك فِي الرشيدة، وَكَذَا السفيهة إِن بادرت لاختيارها نَفسهَا فَإِن لم تبادر أَو كَانَت صَغِيرَة فَإِن الْحَاكِم ينظر لَهما فِي الْأَصْلَح قَالَه (ز) وَيفهم مِنْهُ أَن الصَّغِيرَة إِذا بادرت للطَّلَاق لَا يلْزمه طَلَاق، بل حَتَّى ينظر الْحَاكِم فيأمرها بِهِ إِذا رَآهُ نظرا، وَبِالْجُمْلَةِ فالصغيرة لَا يلْزم طَلَاق باختيارها بادرت لَهُ قبل الرّفْع للْحَاكِم أم لَا، وَكَذَا السفيهة إِن لم تبادر بل تَأَخّر أمرهَا حَتَّى رفعت للْحَاكِم فَاخْتَارَتْ حِينَئِذٍ الْفِرَاق، وَرَأى هُوَ الْبَقَاء لكَونه نظرا لَهَا فَإِن اخْتَار كل من الصَّغِيرَة والسفيهة الْبَقَاء قبل الرّفْع لم يلْزمهَا ذَلِك على قَول ابْن الْقَاسِم إِذا لم يكن ذَلِك نظرا. وَقَوله بِمَا تشاؤه هَذَا هُوَ القَوْل المرجوع إِلَيْهِ، وَعَلِيهِ درج (خَ) حَيْثُ قَالَ: وَلمن كمل عتقهَا فِرَاق العَبْد فَقَط بِطَلْقَة بَائِنَة أَو اثْنَتَيْنِ الخ. فأوفى كَلَامه للتَّخْيِير كَمَا لمصطفى، وَكَانَ مَالك يَقُول أَولا لَا تخْتَار إِلَّا وَاحِدَة وَعَلِيهِ أَكثر الروَاة. ابْن عَرَفَة: وَظَاهر نقل اللَّخْمِيّ وَغير وَاحِد أَن اخْتِلَاف قَول مَالك فِيمَا زَاد على الْوَاحِدَة إِنَّمَا هُوَ بعد الْوُقُوع أَي: وَأما قبل الْوُقُوع فَإِنَّمَا تُؤمر بِوَاحِدَة من غير خلاف. ابْن عَرَفَة: وَهُوَ الصَّوَاب وَهَذَا التصويب يُعَكر على إِطْلَاق قَول النَّاظِم بِمَا تشاؤه كَمَا يُعَكر عَلَيْهِ جعل أَو فِي كَلَام (خَ) للتَّخْيِير وعَلى المرجوع عَنهُ يمْضِي الزَّائِد وَهُوَ مَا صَوبه اللَّخْمِيّ. تَنْبِيه: إِذا مكنته من نَفسهَا عَالِمَة بِالْعِتْقِ سقط خِيَارهَا، وَلَو جهلت الحكم على الْمَشْهُور. وَقَالَ ابْن الْقصار: وَنَحْوه لمَالِك فِي الْمُخْتَصر أَنه لَا يسْقط خِيَارهَا حَيْثُ مكنته جاهلة بِأَن لَهَا الْخِيَار بِعتْقِهَا. قَالَ فِي ضيح: وَالْأَقْرَب أَنه تَقْيِيد.
(فصل فِي الْفَسْخ)
أَي: فسخ النِّكَاح الْفَاسِد هَل يعد طَلَاقا أم لَا؟ وَهل يَرث أحد الزَّوْجَيْنِ الآخر إِذا مَاتَ قبل الْفَسْخ أم لَا؟ وَهل تلْزم فِيهِ الْعدة أم لَا؟ والأنسب إدراج هَذَا الْفَصْل فِي فصل حكم فَاسد النِّكَاح كَمَا تقدم ذَلِك هُنَاكَ. وَفَسْخُ فاسِدٍ بِلا وِفَاقِ بِطَلْقَةٍ تُعَدُّ فِي الطَّلَاقِ (وَفسخ فَاسد) مُبْتَدأ ومضاف إِلَيْهِ (بِلَا وفَاق) فِي مَوضِع الصّفة لفاسد (بِطَلْقَة) خبر (تعد فِي الطَّلَاق) صفة لطلقة.
стр. 600
وَمَنْ يَمُتْ قَبْلَ وُقُوعِ الفَسْخِ فِي ذَا فَمَا لإرْثِهِ مِنْ نَسْخِ (وَمن) اسْم شَرط مُبْتَدأ (يمت) فعله (قبل) يتَعَلَّق بِفعل الشَّرْط (وُقُوع الْفَسْخ) مُضَاف إِلَيْهِمَا (فِي ذَا) يتَعَلَّق بِوُقُوع وَالْإِشَارَة للفاسد بِلَا وفَاق (فَمَا) نَافِيَة (لإرثه) خبر مقدم. (من نسخ) اسْم جر بِمن الزَّائِدَة، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَلذَا دخلت الْفَاء عَلَيْهَا وَالشّرط وَجَوَابه خبر الْمُبْتَدَأ وَالْمعْنَى: أَن النِّكَاح الْمُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا قَوِيا وَلَو خَارج الْمَذْهَب كإنكاح الْمحرم وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَوجه الشّغَار وَنِكَاح الْمَرِيض وَالْخيَار، فَإِنَّهُ يفْسخ بِطَلَاق مُرَاعَاة لمن يَقُول بِصِحَّتِهِ وَالْخلْع إِن وَقع فِيهِ قبل الْفَسْخ نَافِذ وَمن مَاتَ من الزَّوْجَيْنِ قبل وُقُوع هَذَا الْفَسْخ فَإِن الْحَيّ يَرِثهُ إِلَّا نِكَاح الْمَرِيض وَالْخيَار فَإِنَّهُ لَا إِرْث فيهمَا وَلَو مَاتَ الصَّحِيح مِنْهُمَا فِي مَسْأَلَة الْمَرِيض فَلَو زَاد النَّاظِم إِثْر الْبَيْت الثَّانِي مَا نَصه: إِلَّا نِكَاحا ذَا خِيَار أَو مرض هَب أَنه موت الصَّحِيح قد عرض تَنْبِيه: تقدم أَن وَجه الشّغَار من الْمُخْتَلف فِيهِ وَإِن كَانَ يثبت بعده بِصَدَاق الْمثل، فَهُوَ من الْفَاسِد لصداقه، وَمِنْه أَيْضا من طلق زَوجته طَلَاقا بَائِنا بعد أَن دفع لَهَا الْمُعَجل والمؤجل، ثمَّ قَالَ لَهَا: لَا أراجعك حَتَّى تردي عليَّ مَا أخذت مني وتردي الصَدَاق الْمُؤَجل على مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فَاسد لِأَنَّهُ نِكَاح وَسلف، وَكَذَا لَو زَادهَا ربع دِينَار على ذَلِك، وَكَذَا لَو كَانَ على أَن ترد لَهُ جَمِيع مَا أَعْطَاهَا ويعطيها هُوَ مثل ذَلِك وَزِيَادَة ربع دِينَار لِأَنَّهُ بيع ذهب بِذَهَب وعصمة كَمَا فِي الْبُرْزُليّ وَغَيره. وَفسْخُ مَا الفَسادُ فِيهِ مُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ غير طَلَاقٍ يَقَعُ (وَفسخ) مُبْتَدأ (مَا) مُضَاف إِلَيْهِ وَاقعَة على النِّكَاح (الْفساد) مُبْتَدأ (فِيهِ) يتَعَلَّق بِهِ (مجمع) خبر عَن الْفساد (عَلَيْهِ) نَائِب الْفَاعِل بمجمع لِأَنَّهُ اسْم مفعول، وَالْجُمْلَة صلَة (مَا) والرابط الضَّمِير الْمَجْرُور بفي (من غير طَلَاق) يتَعَلَّق بقوله (يَقع) وَالْجُمْلَة من يَقع وفاعله ومتعلقه خبر فسخ، وَالتَّقْدِير وَفسخ النِّكَاح الَّذِي فَسَاده أجمع عَلَيْهِ يَقع من غير طَلَاق لِأَن هَذَا النِّكَاح كَالْعدمِ، وَلذَا لَو عقد شخص عَلَيْهَا قبل الْفَسْخ صَحَّ نِكَاحه وَإِن وَقع الْخلْع فِيهِ لم ينفذ،
следующие страницы →