Полный текст (1 359 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وَإِن يكن من سلم فَيشْتَرط بَيْعه بِالْمُسلمِ فِيهِ مُرْتَبِط وَإِن يَصح سلم رَأس المَال وَالْبيع قبل الْقَبْض فِي ذِي الْحَال لوفى بِشُرُوط قَضَاء السّلم بِغَيْر جنسه الْمشَار إِلَيْهَا بقول (خَ) وَبِغير جنسه إِن جَازَ بَيْعه قبل قَبضه وَبيعه بِالْمُسلمِ فِيهِ مناجزة، وَإِن يسلم فِيهِ رَأس المَال لَا طَعَام وَلحم بحيوان وَذهب وَرَأس المَال ورق وَعَكسه الخ. وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي فصل الْعرُوض عِنْد قَوْله: وَمَا لبيع قبل قبض مَانع. وَبِهَذَا يكون الْكَلَام مرتبطاً بعضه بِبَعْض وَلَا يبْقى عَلَيْهِ شَيْء من شُرُوط الْقَضَاء بِغَيْر الْجِنْس، وَأما بِجِنْسِهِ فقد دخل فِي التَّحْصِيل الْمُتَقَدّم وَسلم من قَوْلنَا: وَإِن يَصح سلم رَأس المَال يقْرَأ بِسُكُون اللَّام للوزن، وَالْحَاصِل أَن قَضَاء الدّين بِغَيْر جنسه وَهُوَ بَيْعه مِمَّن هُوَ عَلَيْهِ إِن كَانَ عينا فإمَّا أَن يَأْخُذ عَنهُ عينا أُخْرَى أَو عرضا فَالْأول صرف يشْتَرط فِيهِ حُلُول الدّين وتعجيل الْمَأْخُوذ، وَالثَّانِي يشْتَرط تَعْجِيله فَقَط وَإِن كَانَ الدّين غير عين فَيشْتَرط تَعْجِيل الْمَأْخُوذ أَيْضا لَا حُلُوله، وَيُزَاد فِيهِ إِن كَانَ من بيع أَن يجوز بَيْعه قبل قَبضه، وَأَن يسلم فِيهِ رَأس المَال وَأَن يُبَاع بِالْمُسلمِ فِيهِ مناجزة الخ وَالله أعلم. وَلما تكلم على بيع الدّين واقتضائه شرع فِي الْكَلَام على الْمُقَاصَّة فِيهِ فَقَالَ: قد مضى الدَّيْنُ من الدَّيْنِ وَفِي عَيْنٍ وَعَرْضٍ وَطَعَامٍ قَدْ يَفِي (قد مضى) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (الدّين من الدّين) أَي يَقْتَضِي كل من رَبِّي الدّين دينه الَّذِي لَهُ على صَاحبه من نَفسه، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد وَيَقْتَضِي رب الدّين دينه الَّذِي لَهُ على صَاحبه من الدّين الَّذِي لصَاحبه عَلَيْهِ. هَذَا مُرَاده وإلاَّ فعبارته تَشْمَل الْحِوَالَة مَعَ أَن المُرَاد خُصُوص الْمُقَاصَّة فَلَو قَالَ: تطارح الدّين لجانبين بِشَرْطِهِ يجوز بَين اثْنَيْنِ فَمَا يكونَانِ الخ. لَكَانَ أحسن. وَعرفهَا ابْن عَرَفَة بقوله: متاركة مَطْلُوب بمماثل صنف مَا عَلَيْهِ لمآله على طَالبه فِيمَا ذكر عَلَيْهِمَا. فَقَوله: بمماثل مُتَعَلق بمطلوب وَهُوَ صفة لمَحْذُوف أَي بدين مماثل، وَقَوله: صنف بِالرَّفْع فَاعل بمماثل، وَيحْتَمل أَن يقْرَأ بِالْإِضَافَة من إِضَافَة الصّفة للموصوف أَي مَطْلُوب بصنف مَا عَلَيْهِ المماثل لمآله على طَالبه فَيخرج بِهِ المختلفان نوعا فَيَقْتَضِي أَن الْمُقَاصَّة فيهمَا لَا تصح، وَفِيه نظر كَمَا يَأْتِي. وَقَوله: لمآله على طَالبه يتَعَلَّق بمماثل على كلا الِاحْتِمَالَيْنِ، وَاللَّام زَائِدَة لتقوية الْعَامِل، وَمَا مفعول وَاقعَة على الدّين، وعَلى كَون لفظ صنف فَاعِلا لَو حذف مَا عَلَيْهِ وَقَالَ بمماثل صنفه لَكَانَ أحسن، وَقَوله: فِيمَا ذكر مُتَعَلق بمتاركة وَمَا ذكر هُوَ الصنفية. وَقَوله: عَلَيْهِمَا حَال مِمَّا ذكر أَي حَال كَون ذَلِك الْمَذْكُور عَلَيْهِمَا احْتِرَازًا مِمَّا إِذا تَاركه فِي حق لَهما على شخص آخر فَإِن كَانَ لهَذَا عَلَيْهِ عرض وَللْآخر عَلَيْهِ مثله فِي الصنفية وَأخذ كل مِنْهُمَا مَا لصَاحبه فَلَيْسَتْ مقاصة. وَهَذَا الْحَد لَا يخفى مَا فِيهِ من التعقيد مَعَ كَونه لَا يَشْمَل الْمُقَاصَّة فِي النَّوْعَيْنِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد بالصنف الْجِنْس فَيشْمَل الْمُقَاصَّة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة لِأَنَّهُمَا جنس وَاحِد، وَإِذا جَازَت فِي مقتفى الْجِنْس فأحرى فِي مقتفى الصِّنْف، وَمَعْنَاهُ
стр. 737
حِينَئِذٍ أَن الْمُقَاصَّة هِيَ أَن يتارك الْمَطْلُوب بدين مماثل جنسه دينا لَهُ على طَالبه فِي الجنسية الْمَذْكُورَة لَا فِي الْقدر فَقَط حَال كَون الْمَذْكُور عَلَيْهِمَا وأسهل مِنْهُ أَن يُقَال هِيَ تطارح المتداينين دينهما الْمُتَّفق الْجِنْس على أَن يَأْخُذ كل مِنْهُمَا مَا فِي ذمَّته فِي مُقَابلَة مَا لَهُ فِي ذمَّة صَاحبه وَالله أعلم. (وَفِي. عين وَعرض وَطَعَام قد يَفِي) أَي: يَأْتِي اقْتِضَاء الدّين من الدّين على وَجه الْمُقَاصَّة فِي الْعين وَفِي الْعرض وَفِي الطَّعَام وَفِي كل مِنْهُمَا سِتّ وَثَلَاثُونَ صُورَة فتنتهي إِلَى مائَة وَثَمَانِية. وبيانها: أَن الدينَيْنِ إِذا كَانَا عينين إِمَّا أَن يَكُونَا من بيع أَو من قرض، أَو أَحدهمَا من بيع، وَالْآخر من قرض وَفِي كل من الثَّلَاثَة إِمَّا أَن يتَّفق العينان جِنْسا وَقدرا وَصفَة أَو يختلفا جِنْسا أَو صفة أَو قدرا، فَهَذِهِ الْأَرْبَع فِي ثَلَاث قبلهَا بِاثْنَيْ عشر، وَفِي كل إِمَّا أَن يحل الدينان أَو يحل أَحدهمَا فَقَط أَو لَا يحل وَاحِد مِنْهُمَا ثَلَاثَة فِي اثْنَي عشر بست وَثَلَاثِينَ، وَمثلهَا إِذا كَانَ الدينان عرضين فهما إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا من بيع وَالْآخر من قرض، وَفِي كل إِمَّا أَن يتَّفقَا جِنْسا وَقدرا وَصفَة أَو يختلفا جِنْسا أَو صفة أَو قدرا بِاثْنَيْ عشر، وَفِي كل إِمَّا أَن يحل الدينان مَعًا أَو أَحدهمَا أَو لَا يحل وَاحِد مِنْهُمَا بست وَثَلَاثِينَ أَيْضا، وَكَذَا يُقَال فِيمَا إِذا كَانَا طعامين هَكَذَا حَاصِل هَذِه الصُّور فِي تَكْمِيل التَّقْيِيد. وَقد تكلم النَّاظِم على بعض صور كل من الثَّلَاثَة الَّتِي فِي النّظم، وَلم يسْتَوْف جَمِيعهَا وَبَدَأَ مِنْهَا بِالْعينِ فَقَالَ: فَمَا يكونَانِ بِهِ عَيْناً إِلَى مُماثِلٍ وَذي اخْتِلافٍ فُضِّلا (فَمَا) أَي فَالْوَجْه الَّذِي (يكونَانِ) أَي الدينان (بِهِ عينا إِلَى مماثل) فِي الْقدر وَالنَّوْع وَالصّفة وَفِيه ثَلَاث صور لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا من بيع وَالْآخر من قرض (و) إِلَى (ذِي اخْتِلَاف) فِي النَّوْع وَفِيه ثَلَاث أَيْضا، أَو فِي الْقدر وَفِيه ثَلَاث أَيْضا، أَو فِي الصّفة وَفِيه ثَلَاث كَذَلِك (فضلا) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول خبر مَا وَالْمَجْرُور بإلى مُتَعَلق بِهِ فالمجموع اثْنَتَا عشرَة صُورَة، وَفِي كل مِنْهَا إِمَّا أَن يحلا أَو أَحدهمَا أَو لَا يحل وَاحِد مِنْهُمَا بست وَثَلَاثِينَ، وَقد علمت
стр. 738
أَن صور المماثل مِنْهَا تِسْعَة وصور الِاخْتِلَاف مِنْهَا سبع وَعِشْرُونَ، فَأَشَارَ إِلَى صور المماثل بقوله فِيمَا يَأْتِي: وَفِي تَأَخّر الَّذِي يماثل الخ. وَإِلَى بعض مَا يجوز من صور الِاخْتِلَاف بقوله: فَمَا اخِتلافٌ وَحُلُول عَمَّهْ يَجُوزُ فيهِ صَرْفُ مَا فِي الذِّمَّهْ (فَمَا اخْتِلَاف) أَي فَالْوَجْه الَّذِي عَمه اخْتِلَاف يَعْنِي فِي النَّوْع أَو فِي الصّفة، وَذَلِكَ كالذهب وَالْفِضَّة أَو محمدية ويزيدية (وحلول عَمه) أَي عَمه الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع أَو فِي الصّفة لَا فِي الْقدر وَعَمه الْحُلُول بِأَن كَانَ الدينان مَعًا حَالين. (وَيجوز فِيهِ صرف مَا فِي الذمه) أَي مُبَادلَة مَا فِي الذِّمَّة وَفِي كل مِنْهُمَا ثَلَاث صور لِأَنَّهُمَا فِي الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا، وَفِي الِاخْتِلَاف فِي الصّفة كَذَلِك فالمجموع سِتّ صور جَائِزَة كلهَا إِلَّا أَنه فِي الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع لَا يُرَاعى الِاتِّحَاد فِي الْقدر، وَفِي الِاخْتِلَاف فِي الصّفة لَا بُد من اتحاده كعشرة دَرَاهِم محمدية عَن عشرَة يزيدية، وتفهم صور الِاخْتِلَاف فِي الصّفة من صور الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع بالأحرى لِأَنَّهُ إِذا جَازَ ذَلِك مَعَ الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع بِشَرْطِهِ فَلِأَن يجوز مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الصّفة بالأحرى، فصور الِاخْتِلَاف فِي الصّفة دَاخِلَة فِي النّظم كَمَا ترى، وَمَفْهُوم حُلُول الخ. اثْنَتَا عشرَة صُورَة: سِتّ فِي الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع وَهِي عدم حلولهما مَعًا أَو عدم حُلُول أَحدهمَا، وَفِي كل إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا، وست فِي الِاخْتِلَاف فِي الصّفة كَذَلِك وَكلهَا غير جَائِزَة للصرف أَو الْبَدَل المؤخرين وَيُزَاد على ذَلِك تسع صور الَّتِي فِي الِاخْتِلَاف فِي الْقدر، فَظَاهر النّظم جَوَاز مَا حل مِنْهَا لدخولها فِي عُمُوم قَوْله: فَمَا اخْتِلَاف مَعَ أَنَّهَا مَمْنُوعَة كلهَا لربا الْفضل كدينار فِي مُقَابلَة دينارين فإمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا، وَفِي كل إِمَّا حَالين أَو مؤجلين أَو أَحدهمَا بتسع تضم للاثني عشر قبلهَا الَّتِي هِيَ مَفْهُوم النّظم يكون الْمَجْمُوع إِحْدَى وَعشْرين صُورَة كلهَا مَمْنُوعَة، وَيبقى من صور الِاخْتِلَاف سِتّ صور جَائِزَة وَهِي مَنْطُوق النّظم كَمَا مر وَالله أعلم. وَفِي تَأَخُّرِ الذِي يُمَاثِلُ مَا كَانَ أَشْهَبُ بِمَنْعٍ قَائِلُ ثمَّ أَشَارَ إِلَى تسع صور المماثل فَقَالَ: (وَفِي تَأَخّر) الدّين (الَّذِي يماثل) الدّين الْمَأْخُوذ عَنهُ (مَا) استفهامية أَي كَيفَ مَا (كَانَ) التَّأْخِير سَوَاء كَانَ فِي الدينَيْنِ مَعًا أَو فِي أَحدهمَا. وَفِي كلِّ إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا (أَشهب) مُبْتَدأ خَبره (بِمَنْع قَائِل) فِي هَذِه السِّت كلهَا وَالْمَجْرُور
стр. 739
الأول وَالثَّانِي يتعلقان بالْخبر، وَفهم من نِسْبَة الْمَنْع فِيهَا لأَشْهَب وَحده أَن ابْن الْقَاسِم يَقُول بِالْجَوَازِ وَهُوَ الْمَشْهُور، وَمَفْهُوم قَوْله: وَفِي تَأَخّر الخ. أَنَّهُمَا إِذا حلا مَعًا وَفِيه ثَلَاث صور لِأَنَّهُمَا إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا جَازَ على كلا الْقَوْلَيْنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: وَفِي اللَّذَيْنِ فِي الْحُلُولِ اتَّفَقَا عَلَى جَوَازِ الانْتِصَافِ اتَّفَقَا (وَفِي) الْعَينَيْنِ (اللَّذين بالحلول) مُتَعَلق بقوله (اتفقَا) صلَة الْمَوْصُول (على جَوَاز الانتصاف) أَي الْمُقَاصَّة لِأَن كل وَاحِد ينصف من حَقه بهَا (اتفقَا) أَي اتّفق أَشهب وَابْن الْقَاسِم على جَوَاز الْمُقَاصَّة فِي الْعَينَيْنِ اللَّذين اتفقَا فِي الْحُلُول، وَقد تماثلا نوعا وَصفَة وَقدرا كعشرة محمدية عَن مثلهَا أَو يزيدية عَن مثلهَا، فَهَذِهِ التسع الَّتِي هِيَ صور التَّمَاثُل تضم إِلَى سَبْعَة وَعشْرين الَّتِي هِيَ صور الِاخْتِلَاف يكون الْمَجْمُوع سِتا وَثَلَاثِينَ، وَبهَا تمت صور الْعَينَيْنِ وَإِلَى صور التَّمَاثُل أَشَارَ (خَ) بقوله: وَتجوز الْمُقَاصَّة فِي ديني الْعين مُطلقًا أَي من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا حلا أَو أَحدهمَا أَو لَا. وَأَشَارَ إِلَى صور الِاخْتِلَاف بقوله: وَإِن اخْتلفَا صفة مَعَ اتِّحَاد النَّوْع أَو اختلافه فَكَذَلِك إِن حلا وَإِلَّا فَلَا الخ. ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى مَا إِذا كَانَ الدينان عرضا فَقَالَ: وَذَاكَ فِي العَرْضَيْنِ لَا المِثْلَيْنِ حَلْ بِحيْثُ حلاَّ أوْ توافَقَ الأجلْ (وَذَاكَ) الانتصاف الَّذِي بِمَعْنى الْمُقَاصَّة (فِي العرضين لَا) أَي غير (المثلين) كَثوب وَفرس وَكسَاء وقميص وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ (حل) أَي جَازَ (بِحَيْثُ حلاَّ) أَي حل أجل العرضين مَعًا (أَو) تأجلا و (توَافق الْأَجَل) فيهمَا، وَالتَّقْدِير وَذَاكَ الانتصاف الَّذِي هُوَ الْمُقَاصَّة جَائِز فِي العرضين الْمُخْتَلِفين جَوَازًا مُقَيّدا بحلول الدينَيْنِ مَعًا أَو توَافق أجلهما حِين الْمُقَاصَّة، وَيدخل فِي العرضين غير المثلين سبع وَعِشْرُونَ صُورَة لِأَن الِاخْتِلَاف إِمَّا فِي الْجِنْس كَثوب وَفرس، أَو فِي الصّفة كَثوب كتَّان وثوب قطن، وَمن ذَلِك هروي ومروي أَو فِي الْقدر كثوبين من كتَّان عَن وَاحِد من قطن، وَفِي كل إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا، فَهَذِهِ تسع. وَفِي كل مِنْهَا إِمَّا حَالين أَو مؤجلين أَو أَحدهمَا، فَأخْبر النَّاظِم أَن الْجَائِز مِنْهَا سِتّ صور وَثَلَاث فِيمَا إِذا اخْتلفَا جِنْسا وحلا حَقِيقَة أَو حكما لتوافق الْأَجَل فإمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا. وَثَلَاث فِيمَا إِذا اخْتلفَا صفة كَذَلِك، وَيفهم مِنْهُ أَن الْأَحَد وَالْعِشْرين الْبَاقِيَة كلهَا مَمْنُوعَة وَهُوَ كَذَلِك فِي السِّت
стр. 740
الْبَاقِيَة من الِاخْتِلَاف فِي الْجِنْس، وَهِي مَا إِذا لم يحلا حَقِيقَة وَلَا حكما أَو حل أَحدهمَا، وَفِي كل إِمَّا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا، وَكَذَا فِي السِّت الْبَاقِيَة من الِاخْتِلَاف فِي الصّفة لما فِي ذَلِك من بيع الدّين بِالدّينِ فِي الْجَمِيع، وَأما التسع الَّتِي فِي الِاخْتِلَاف فِي الْقدر وَهِي كَونهَا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا حلا أَو لم يحلا مَعًا أَو أَحدهمَا فَفِيهَا تَفْصِيل، فَإِن كَانَا من بيع وحلا جَازَ وَإِن كَانَا من قرض لم يجز لما فِيهِ من قَضَاء الْقَرْض بِأَكْثَرَ خلافًا لظَاهِر النّظم من جَوَاز ذَلِك وَلَو فِي الْقَرْض وَأما إِن كَانَا مؤجلين أَو أَحدهمَا فَيمْنَع كَمَا هُوَ مَفْهُوم النّظم لما فِيهِ من ضع وتعجل مُطلقًا أَو حط الضَّمَان وَأَزِيدك حَيْثُ كَانَا من بيع. فَإِن قيل: تقدم فِي الْعين أَنَّهَا لَا تجوز مَعَ التَّأْجِيل وَلَو اتّفق الْأَجَل فَلم جَازَت فِي الْعرض مَعَ اتفاقه؟ قُلْنَا: لِأَن اللَّازِم فِي الْعين صرف مُؤخر وَبَاب الصّرْف أضيق من بيع الدّين اللَّازِم فِي العرضين، وَإِنَّمَا لم يعْتَبر بيع الدّين فِي المتفقين أَََجَلًا لِأَن ذَلِك حِينَئِذٍ فِي معنى المبارأة لِأَنَّهُ لما كَانَ لَا يقدر أَحدهمَا على طلب دينه إِلَّا عِنْد أجل الآخر كَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة الْحَالين وَالله أعلم. وَمَفْهُوم قَوْله: لَا المثلين أَن العرضين إِذا كَانَا متفقين فِي الْجِنْس وَالصّفة وَالْقدر جَازَت الْمُقَاصَّة فِي تسع صورها كَانَا من بيع أَو قرض أَو أَحدهمَا حلا أَو لم يحلا أَو أَحدهمَا لِأَن العرضين المتماثلين يبعد قصد المكايسة والمغالبة فيهمَا، فَيكون الْمَقْصُود هُوَ الْمَعْرُوف فَلَا تدخل فِي غير الْحَالين تُهْمَة من تعجل مَا أجل يعد مسلفاً، وَإِلَى الْمُقَاصَّة فِي العرضين المتماثلين أَشَارَ (خَ) بقوله: وَتجوز فِي العرضين مُطلقًا أَي اتحدا جِنْسا وَصفَة أَي وَقدرا، وَإِلَى جَوَازهَا فِي الْمُخْتَلِفين بِشَرْط الْحُلُول أَو اتِّفَاق الْأَجَل بقوله: كَأَن اخْتلفَا جِنْسا واتفقا أَََجَلًا وَإِن اخْتلفَا أَََجَلًا منعت إِن لم يحلا أَو أَحدهمَا الخ. قلت: لَو قَالَ أَعنِي (خَ) : وَتجوز فِي العرضين مُطلقًا إِن اتفقَا قدرا أَو جِنْسا أَو صفة لَا إِن اخْتلفَا قدرا أَو جِنْسا أَو صفة وَلم يحلا أَو لم يتَّفق الْأَجَل وإلاَّ جَازَ فِي الْأَخيرينِ كَالْأولِ إِن وحلا هما من بيع لكفاه. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا إِذا كَانَ الدينان طَعَاما وَفِيه سِتّ وَثَلَاثُونَ أَيْضا أَشَارَ إِلَى اثْنَي عشر مِنْهَا بقوله: وَفِي تَوَافُقِ الطَّعَامَيْنِ اقُتُفِي حَيْثُ يَكونان مَعًا مِنْ سَلَفِ
стр. 741
(وَفِي توَافق الطعامين) يتَعَلَّق بقوله (اقتفي) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه يعود على الانتصاف أَي اقتفي وَاتبع الانتصاف الَّذِي بِمَعْنى الْمُقَاصَّة فِي الطعامين المتفقين فِي الْجِنْس وَالْقدر وَالصّفة (حَيْثُ يكونَانِ مَعًا من سلف) حلا أَو أَحدهمَا أم لَا، فَهَذِهِ ثَلَاث من الاثْنَي عشر الْمَذْكُورَة. وفِي اختِلافٍ لَا يَجوزُ إلاّ إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ حَلَا (وَفِي اخْتِلَاف) يتَعَلَّق بقوله (لَا يجوز) أَي: وَلَا يجوز الانتصاف فِي اخْتِلَافهمَا فِي الْجِنْس كقمح وفول، أَو فِي الصّفة كعشرة سمراء عَن مثلهَا مَحْمُولَة، أَو فِي الْقدر كخمسة مَحْمُولَة عَن سَبْعَة مَحْمُولَة ودخلا على إِلْغَاء الزَّائِد على خَمْسَة فِي الذِّمَّة (إِلَّا إِن كَانَ كل مِنْهُمَا قد حلا) لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُبَادلَة يدا بيد: (خَ) والطعامان من قرض كَذَلِك أَي فَتجوز مَعَ الِاتِّفَاق مُطلقًا وَمَعَ الِاخْتِلَاف بِشَرْط الْحُلُول فقد دخل فِي الِاخْتِلَاف تسع صور لِأَنَّهُمَا إِذا اخْتلفَا فِي الْجِنْس وهما من سلف كَمَا هُوَ الْمَوْضُوع فإمَّا أَن يحلا أَو أَحدهمَا أم لَا، فَهَذِهِ ثَلَاث. وَمثلهَا فِي الِاخْتِلَاف فِي الصّفة وَمثلهَا فِي الِاخْتِلَاف فِي الْقدر بتسع، حكى الْجَوَاز فِيمَا إِذا حلا مَعًا وَبقيت صور تأجيلهما مَعًا أَو تَأْجِيل أَحدهمَا على حكم الْمَنْع لما فِيهِ من بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة، واحترزت بِقَوْلِي: ودخلا على إِلْغَاء الزَّائِد فِي الذِّمَّة الخ. عَمَّا إِذا لم يدخلا على ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز، وَلَو حلا لما فِيهِ من رَبًّا الْفضل، وَكَذَا يُقَال فِي الِاخْتِلَاف فِي الصّفة لَا بُد أَن يدخلا على إِلْغَاء الزَّائِد إِن كَانَ هُنَاكَ زَائِد وَإِلَّا لم يجز لربا الْفضل أَيْضا، وَلَا يشْتَرك ذَلِك فِي الِاخْتِلَاف فِي الْجِنْس، فصورتا الِاخْتِلَاف فِي الصّفة وَالْقدر يُزَاد فيهمَا على شَرط الْحُلُول أَن يدخلا على عدم إِلْغَاء الزِّيَادَة. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الاثنتي عشرَة صُورَة الَّتِي فِي الطعامين من بيع فَقَالَ: وَإنْ يَكونا مِنْ مَبيعٍ وَوَقَعْ فيهِ بالإطْلَاقِ اخْتِلَافٌ امْتَنَعْ (وَإِن يَكُونَا) أَي الطعامان (من مَبِيع) اسْم مفعول بِمَعْنى الْمصدر أَي: من بيع (وَوَقع فِيهِ) يتَعَلَّق بِوَقع (بِالْإِطْلَاقِ) يتَعَلَّق بامتنع آخر الْبَيْت (اخْتِلَاف) فَاعل وَقع (امْتنع) جَوَاب الشَّرْط وَالتَّقْدِير: وَإِن يكن الطعامان من بيع وَاخْتلفَا فِي الْجِنْس أَو فِي الصّفة أَو فِي الْقدر امْتنعت الْمُقَاصَّة بِالْإِطْلَاقِ حلا أَو أَحدهمَا أم لَا. فَتدخل فِي الِاخْتِلَاف تسع صور كَمَا ترى.
стр. 742
وَأَشَارَ إِلَى الصُّور الثَّلَاث الْبَاقِيَة لتَمام الاثْنَي عشر وَهِي: إِذا اتَّحد الطعامان جِنْسا وَصفَة وَقدرا فإمَّا أَن يحلا أَو أَحدهمَا أم لَا بقوله:
وَفي اتِّفَاقِ أجَلَيْ مَا اتّفقَا هُوَ لَدَى أَشْهَبَ غَيْرُ مُتَّقَى (وَفِي اتِّفَاق أَجلي مَا) أَي الطعامان اللَّذين (اتفقَا) جِنْسا وَصفَة وَقدرا (هُوَ) مُبْتَدأ عَائِد على الانتصاف الْمُتَقَدّم (لَدَى أَشهب غير متقى) خبر عَن الْمُبْتَدَأ والظرف وَالْمَجْرُور بفي يتعلقان بِهِ، وَالتَّقْدِير: وَهُوَ أَي الانتصاف غير مَمْنُوع عِنْد أَشهب فِي الطعامين المنفقين أَََجَلًا وجنساً وَصفَة وَقدرا بِنَاء على أَنَّهَا إِقَالَة، وَأَحْرَى أَن يجوز عِنْده ذَلِك إِذا حلا مَعًا، وَفهم من تَخْصِيصه الْجَوَاز بأشهب أَن ابْن الْقَاسِم يَقُول بِالْمَنْعِ، وَهُوَ الْمَشْهُور (خَ) : ومنعا أَي الطعامان من بيع وَلَو متفقين الخ. قَالَ (ز) : لعلل ثَلَاث بيع الطَّعَام قبل قَبضه وَهَذِه عَامَّة، وَطَعَام بِطَعَام، وَدين بدين نَسِيئَة وَهَاتين فِي غير الْحَالين. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الاثْنَي عشر الَّتِي فِي الطعامين من بيع وقرض وَهِي كَمَال سِتّ وَثَلَاثِينَ صُورَة الَّتِي فِي الطعامين فَقَالَ: وَشَرْطُ مَا من سَلَفٍ وَبَيْع حُلُول كُلَ وَاتِّفَاقُ النَّوْعِ (وَشرط مَا) أَي الطعامين اللَّذين أَحدهمَا (من سلف و) الآخر من (بيع حُلُول كل) مِنْهُمَا (واتفاق النَّوْع) أَي: أَو الْقدر كمحمولة عَن مثلهَا قدرا وَصفَة، فَالْمُرَاد بالنوع الصّفة إِذْ لَا يَكْفِي الِاتِّفَاق فِي النَّوْع مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الصّفة، وَبِالْجُمْلَةِ فالطعامان من بيع وَسلف إِذا اتفقَا جِنْسا وَصفَة وَقدرا فَفِي ذَلِك ثَلَاث صور لِأَنَّهُمَا إِمَّا أَن يحلا أَو أَحدهمَا أَو لَا. حكى الْجَوَاز فِي صُورَة وَهِي حلولهما مَعًا وَبقيت صورتا تأجيلهما أَو أَحدهمَا. حكى فِي جَوَاز الْمُقَاصَّة فيهمَا خلافًا بقوله: والْخُلْفُ فِي تَأَخُّرِ مَا كَانَا ثَالِثُهُمَا مَعْ سَلَمٍ قَدْ حَانَا (وَالْخلف فِي تَأَخّر مَا كَانَا) أَي كَيفَ كَانَ التَّأْخِير فِي طَعَام البيع أَو طَعَام الْقَرْض أَو فيهمَا
стр. 743
أَي: والموضوع بِحَالهِ من اتِّفَاق الْجِنْس وَالصّفة وَالْقدر، فَمنع ذَلِك ابْن الْقَاسِم مُطلقًا تأخرا مَعًا أَو الْقَرْض أَو السّلم وَهُوَ الْمَشْهُور، وَأَجَازَ ذَلِك أَشهب مُطلقًا (ثالثهما) لغَيْرِهِمَا تجوز (مَعَ سلم) من نَعته وَصفته (قد حانا) أَي: وصل حِينه وَالْفرق على هَذَا الثَّالِث أَن طَعَام السّلف لما كَانَ الْمَدِين قَادِرًا على تَعْجِيله جبرا على ربه، وَقد حل دين السّلم أَي البيع صَار الدينان حَالين مَعًا فِي الْمَعْنى بِخِلَاف الْعَكْس، وَعلة الْمَنْع عِنْد ابْن الْقَاسِم أَن الْأَغْرَاض تخْتَلف باخْتلَاف الْأَجَل فيترجح جَانب بيع الطَّعَام قبل قَبضه بِالنِّسْبَةِ لطعام البيع، وَلِأَن الْمُعَجل لما فِي الذِّمَّة مسلف، وَعلة الْجَوَاز عِنْد أَشهب تَغْلِيب الْمَعْرُوف، وَإِنَّمَا لم ينظر فِي صُورَة حلولهما مَعًا لبيع الطَّعَام قبل قَبضه بِالنِّسْبَةِ لطعام البيع تَغْلِيبًا لجَانب الْقَرْض لِأَنَّهُ مَعْرُوف وانضم لذَلِك أَن الْمُقَاصَّة مَعْرُوف أَيْضا فجازت هَذِه الصُّورَة على كل قَول، فَقَوْل النَّاظِم: واتفاق النَّوْع إِمَّا أَن يُرِيد بالنوع الْجِنْس فَيكون قد حذف الْوَاو ومعطوفيها أَي وَالصّفة وَالْقدر، وَإِمَّا أَن يكون أَرَادَ بالنوع الصّفة فَيكون قد حذف الْوَاو ومعطوفاً وَاحِدًا كَمَا قَرَّرْنَاهُ إِذْ الِاتِّفَاق فِي الْجِنْس وَالْقدر لَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُمَا لَو اخْتلفَا قدرا ودخلا على إِلْغَاء الزَّائِد لم يجز، وَلَو حلا لربا الْفضل كَمَا لَا يجوز إِذا اخْتلفَا جِنْسا أَو صفة، وَلَو حلا واتفقا قدرا، وَقد علمت من هَذَا أَن مَنْطُوق النَّاظِم شَامِل لثلاث صور: حكى الْجَوَاز فِي وَاحِدَة مِنْهَا اتِّفَاقًا، وَحكى الْخلاف فِي الصُّورَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ كَمَا مر، وَمَفْهُوم قَوْله: واتفاق النَّوْع أَي الْجِنْس أَنَّهُمَا إِذا اخْتلفَا فِيهِ أَو فِي الصّفة أَو فِي الْقدر ودخلا على إِلْغَاء الزَّائِد لم تجز وَلَو حلا وَذَلِكَ شَامِل لتسْع صور لِأَنَّهُمَا فِي اخْتِلَاف الْجِنْس إِمَّا أَن يحلا أَو أَحدهمَا أم لَا. وَمثلهَا فِي اخْتِلَاف الصّفة، وَمثلهَا فِي اخْتِلَاف الْقدر حَيْثُ دخلا على إِلْغَاء الزَّائِد وَكلهَا مَمْنُوعَة، وَلَو حلا كَمَا أَشَارَ لذَلِك (خَ) بقوله: وَمن قرض وَبيع تجوز إِن اتفقَا وحلاّ لَا إِن لم يحلا أَو أَحدهمَا الخ … فَتحصل أَن الاثنتي عشرَة صُورَة الْجَارِيَة فِي طَعَامي البيع وَالْقَرْض تجوز مِنْهَا صُورَة وَاحِدَة وَمَا عَداهَا مَمْنُوع إِمَّا اتِّفَاقًا أَو على الْمَشْهُور.
(فصل فِي الْحِوَالَة)
مَأْخُوذَة من التَّحَوُّل عَن الشَّيْء لِأَن الطَّالِب تحول من طلبه لغريمه إِلَى غَرِيم غَرِيمه قَالَه عِيَاض، وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله ﵊: (مطل الْغَنِيّ ظلم، وَمن أتبع أحدكُم على مَلِيء فَليتبعْ) . عِيَاض: الصَّوَاب تسكين التَّاء يَعْنِي فِي اللفظتين قَالَ: وَبَعض الْمُحدثين والرواة يشددها. يُقَال: تبِعت فلَانا بحقي وَأَنا أتبعه سَاكِنة التَّاء، وَلَا يُقَال أتبعه بِفَتْحِهَا وتشديدها إِلَّا من الْمَشْي خَلفه. قَالَ: وَالْأَمر فِيهَا للنَّدْب عِنْد أَكثر شُيُوخنَا، وَحملهَا بَعضهم على الْإِبَاحَة لما أشبهت بيع الدّين بِالدّينِ. قَالَ: وَهِي عِنْد أَكثر شُيُوخنَا مُسْتَثْنَاة من الدّين بِالدّينِ وَبيع الْعين
стр. 744
بِالْعينِ غير يَد بيد كَمَا خصت الشّركَة وَالتَّوْلِيَة وَالْإِقَالَة فِي بيع الطَّعَام قبل قَبضه، وكما خصت الْعرية من بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة لما كَانَ سَبِيل هَذِه التخصيصات الْمَعْرُوف، وَذهب الْبَاجِيّ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَ حكمهَا حكم البيع وَلَا هِيَ من هَذَا الْبَاب، بل هِيَ عِنْدهم من بَاب النَّقْد لبراءة الْمُحِيل بِنَفس الإحالة اه. وَعرفهَا ابْن عَرَفَة بقوله: طرح الدّين عَن ذمَّة بِمثلِهِ فِي أُخْرَى. قَالَ: وَلَا ترد الْمُقَاصَّة إِذْ لَيست طرحاً بِمثلِهِ فِي أُخْرَى لِامْتِنَاع تعلق الدّين بِذِمَّة من هُوَ لَهُ اه. والطرح فعل الْفَاعِل أَي طرح الْمحَال للدّين عَن ذمَّة الْمُحِيل الخ. وَاعْترض بِأَنَّهُ غير جَامع لخُرُوج من تصدق على رجل بِشَيْء ثمَّ أَحَالهُ بِهِ على من لَهُ عَلَيْهِ مثله ولخروج الْحِوَالَة بالمنافع، وَلذَا عرفهَا فِي التَّلْقِين بِأَنَّهَا تَحْويل الْحق من ذمَّة إِلَى ذمَّة تَبرأ بهَا الأولى قَالَ فِي ضيح: لفظ حق أفضل من لفظ الدّين الَّذِي عبر بِهِ ابْن الْحَاجِب، لِأَن الْمُتَبَادر من الدّين مَا قَابل الْمَنَافِع بِخِلَاف لفظ الْحق فَإِنَّهُ يَشْمَل الْمَنَافِع وَغَيرهَا اه. وَلَعَلَّ ابْن عَرَفَة أطلق الدّين على دين الْمَنَافِع وَغَيرهَا فَلَا يرد عَلَيْهِ الِاعْتِرَاض الثَّانِي. وامْنَعْ حَوَالَةً بِشَيْءٍ لم يَحِلْ وبالَّذِي حَلَّ بالإطلَاقِ أَجلْ (وامنع حِوَالَة بِشَيْء) عين أَو عرض أَو غَيرهمَا (لم يحل) أَجله لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ من بيع ذمَّة بِذِمَّة فيدخله مَا نهي عَنهُ من بيع الدّين بِالدّينِ، وَمن بيع الْعين بِالْعينِ غير يَد بيد قَالَه ابْن رشد. قَالَ: إِلَّا أَن يكون الدّين الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ حَالا ويقبضه قبل أَن يعترفا مثل الصّرْف فَيجوز ذَلِك أَي: لِأَنَّهَا إِذا خرجت عَن مَحل الرُّخْصَة فتجري على حكم أَصْلهَا الَّذِي هُوَ البيع كَمَا يَأْتِي (وَبِالَّذِي حل بِالْإِطْلَاقِ) يتعلقان بقوله: (أحل) أَي أَجْزَأَ لحوالة بِمَا حل مُطلقًا كَانَ الدّين الْمحَال عَلَيْهِ حَالا أَيْضا أم لَا لِأَنَّهُ إِن حل فَظَاهر وَإِن لم يحل فَزِيَادَة مَعْرُوف لِأَنَّهُ قبل الْحِوَالَة وَالتَّأْخِير. والرِّضا والعِلْمِ مِنْ مُحَالِ عَلَيْهِ فِي المَشْهُورِ لَا تُبَالِ
стр. 745
للاتفاق على أَن لصَاحب الْحق أَن يُوكل من شَاءَ على قبض دينه، وَحكى ابْن شعْبَان قولا بِاشْتِرَاط رِضَاهُ وَمحل عدم اشْتِرَاط رضَا الْمحَال عَلَيْهِ على الْمَشْهُور إِذا لم تكن هُنَاكَ عَدَاوَة بَين الْمحَال والمحال عَلَيْهِ، وإلاَّ فَلَا بُد من رِضَاهُ وإلاَّ لم تصح كَمَا فِي الشَّامِل وَغَيره، وَمَفْهُوم النّظم أَن الْمُحِيل والمحال لَا بُد من رضاهما وَبِه صرح (خَ) حَيْثُ قَالَ: شَرط الْحِوَالَة رضَا الْمُحِيل والمحال فَقَط الخ. وَظَاهر النّظم و (خَ) أَنه لَا يشْتَرط حُضُور الْمحَال عَلَيْهِ وَلَا إِقْرَاره بِالدّينِ وَهُوَ الَّذِي شهره ابْن سَلمُون، وَقيل: لَا بُد من حُضُوره وَإِقْرَاره وَصدر بِهِ فِي الشَّامِل وَعَزاهُ لِابْنِ الْقَاسِم فَقَالَ: وَفِي اشْتِرَاط حُضُوره وَإِقْرَاره كانتفاء عَدَاوَة بَينهمَا. قَولَانِ لِابْنِ الْقَاسِم وَعبد الْملك اه. قَالَ ابْن عبد السَّلَام: وَلَعَلَّ الْخلاف مَبْنِيّ على الْخلاف هَل الْحِوَالَة تستثنى من بيع الدّين بِالدّينِ أَو هِيَ أصل مُسْتَقل بِنَفسِهِ؟ فعلى الأول يسْلك بهَا مَسْلَك الْبيُوع إِلَّا الَّذِي وَردت الرُّخْصَة فِيهِ، وعَلى الثَّانِي لَا يشْتَرط الْحُضُور وَيبقى حَدِيث الْحِوَالَة على عُمُومه إِذْ لَا معَارض لَهُ من مُخَالفَة أصل بيع الدّين بِالدّينِ اه. وعَلى قَول ابْن الْقَاسِم اقْتصر فِي الِاسْتِغْنَاء قَائِلا: لَا تجوز الْحِوَالَة على الْغَائِب وَإِن وَقع ذَلِك فسخ حَتَّى يحضر إِذْ قد يكون للْغَائِب من ذَلِك بَرَاءَة اه. وَنَحْوه فِي الْإِرْشَاد وَالْكَافِي والمتيطي وَابْن فتوح وَقَبله ابْن عَرَفَة وَجزم بِهِ أَبُو الْحسن فِي شرح الْمُدَوَّنَة، والمشذالي فِي حَاشِيَته عَلَيْهَا كَمَا فِي (ح) وَهَذَا يُفِيد أَن قَول ابْن الْقَاسِم بِاشْتِرَاط الْحُضُور وَالْإِقْرَار هُوَ الْمُعْتَمد، وَصرح ابْن رحال فِي حَاشِيَته هُنَا وَشَرحه لخليل بِأَن تشهير ابْن سَلمُون خلاف الرَّاجِح، وَتَبعهُ على ذَلِك الشَّيْخ بناني وَغَيره، ورد ذَلِك الشَّيْخ الرهوني فِي حَاشِيَته قَائِلا، بعد نَقله مَا لِابْنِ رحال وَغَيره مَا نَصه: وَفِي ذَلِك كُله نظر، وَالظَّاهِر مَا قَالَه ابْن سَلمُون نقلا وَمعنى، أما معنى فلأنهم عللوا اشْتِرَاط حُضُوره بِأَنَّهُ قد يكون للْغَائِب بَرَاءَة من ذَلِك، وَهَذَا التَّعْلِيل يَقْتَضِي أَن عِلّة الْمَنْع إِذا لم يحضر ويقل الْغرَر، وَقد علمت أَن الْحِوَالَة من نَاحيَة الْمَعْرُوف وَالْمَعْرُوف لَا يُؤثر فِيهِ الْغرَر، وَكَونهَا من الْمَعْرُوف مُصَرح بِهِ فِي كَلَام غير وَاحِد ويسلمه هَؤُلَاءِ المعترضون، ثمَّ نقل عَن التّونسِيّ والمازري وَغَيرهمَا مَا يشْهد لاعتراضه على زَعمه وَأطَال فِي ذَلِك. قلت: مَا ذكره كُله للنَّظَر فِيهِ مجَال أما أَولا فَلِأَنَّهَا وَإِن كَانَت مَعْرُوفا فَإِنَّمَا يغْتَفر فِيهَا على قَول ابْن الْقَاسِم مَا اغتفره الشَّارِع صلوَات الله عَلَيْهَا لِأَنَّهَا عِنْده بيع فَمَا وَردت الرُّخْصَة بِهِ فِيهَا كَعَدم المناجزة فِي الْعين اغتفر، وَمَا لم ترد بِهِ فَهِيَ على أصل البيع فِيهِ، وَعدم اشْتِرَاط المناجزة مُصَرح بِهِ فِي الحَدِيث الْكَرِيم حَيْثُ قَالَ: (وَمن اتبع مِنْكُم) الخ. إِذْ الِاتِّبَاع لَا مناجزة فِيهِ، وَكَذَا يفهم مِنْهُ أَنه لَا يشْتَرط الْكَشْف عَن ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ إِذْ الْمُطلق على إِطْلَاقه فَلَا يُقيد إِلَّا بِنَصّ صَرِيح، وَإِنَّمَا خص المليء بِالذكر لِأَن الْغَالِب فِي النَّاس الملاء كَمَا أَن الْغَالِب فيهم جحد الدُّيُون من أَصْلهَا وَإِرَادَة الطعْن فِي رسومها أَو إِثْبَات الْبَرَاءَة مِنْهَا، وَإِن لم يكن هَذَا غَالِبا فَلَا أقل أَن يستويا كَمَا هُوَ مشَاهد، وَلذَا أَمر الله تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ فَقَالَ: وَأشْهدُوا إِذا تبايعتم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) وأياً مَا كَانَ فَهُوَ غرر كثير وَلَيْسَت هِيَ متمحضة للمعروف كَالْهِبَةِ حَتَّى يغْتَفر فِيهَا الْجَهْل بِحُصُول الْعِوَض، بل هِيَ مُعَاوضَة حَقِيقَة روعي فِيهَا جَانب الْمَعْرُوف بِعَدَمِ اعْتِبَار بعض شُرُوط البيع فِيهَا، وَلَو كَانَ كل مَا روعي فِيهِ جَانب الْمَعْرُوف يغْتَفر فِيهِ الْجَهْل بِحُصُول الْعِوَض لم يشترطوا فِي الْعرية أَن تبَاع بِخرْصِهَا أَي بكيلها، إِذْ لَا حَاجَة لَهُ حِينَئِذٍ وَلأَجل هَذَا قَالَ ابْن رشد: إِذا خرجت
стр. 746
الْحِوَالَة عَن مَحل الرُّخْصَة أَي بِعَدَمِ الْحُلُول يَعْنِي أَو بِعَدَمِ الْحُضُور وَالْإِقْرَار على قَول ابْن الْقَاسِم فأجروها على قَوَاعِد البيع فَإِن أدَّت لممنوع وَإِلَّا فأجز اه. وَأما ثَانِيًا فَإِن مَا ذكره من أَنَّهَا مَعْرُوف فَإِنَّمَا ذَلِك على إِحْدَى الطريقتين كَمَا نَقله هُوَ بِنَفسِهِ عَن الْمَازرِيّ قَائِلا: وَالْحوالَة لَيست بِبيع على إِحْدَى الطريقتين عندنَا بل طريقتها الْمَعْرُوف اه. وَنَحْوه تقدم عَن ابْن عبد السَّلَام فِي سر الْخلاف بَين ابْن الْقَاسِم والغير، وغالب النقول الَّتِي احْتج بهَا على جَوَاز الْغرَر بِعَدَمِ الْإِقْرَار كلهَا فِي عدم اشْتِرَاط الْكَشْف عَن ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ، وَلَا يلْزم من تشهيرهم عدم الْكَشْف عَن ذمَّته عدم اشْتِرَاط حُضُوره وَإِقْرَاره، إِذْ قد يحضر ويقر وَلَا يدْرِي هَل مَلِيء أَو مُعسر، وَإِنَّمَا اغتفروا الْكَشْف عَنهُ على الْمَشْهُور لِأَن غَالب النَّاس الملاء وَالْحكم للْغَالِب وَكَونه عديماً نَادِر، وَالْغرر النَّادِر مغتفر فِي الْبياعَات إِذْ لَو اعْتبر الْغرَر النَّادِر فِيهَا مَا جَازَ بيع بِحَال إِذْ مَا من مَبِيع إِلَّا وَيجوز اسْتِحْقَاقه أَو ظُهُور عيب بِهِ فَلَا يدْرِي هَل يتم فِيهِ البيع أم لَا؟ وَلكَون غَالب النَّاس الملاء علق فِي الحَدِيث الْكَرِيم الِاتِّبَاع على الملىء كَمَا مر وَالله أعلم. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحالَ إلاّ فِيمَا يُجَانِسُ لِدَيْنٍ حَلاَّ (وَلَا يجوز أَن يُحَال إِلَّا فِيمَا يجانس لدين حلا) (خَ) عاطفاً على شُرُوطهَا وتساوي الدينَيْنِ قدرا وَصفَة أَي: لَا تجوز الْحِوَالَة إِلَّا إِذا كَانَ الدّين الْمحَال بِهِ مجانساً أَي مماثلاً للدّين الْمحَال عَلَيْهِ فِي الْجِنْس وَالْقدر وَالصّفة كذهب وَذهب أَو فضَّة وَفِضة أَو عرض على مثله قدرا وَصفَة فَلَا يُحَال بِعَين على عرض أَو على مَنَافِع عين لما فِيهِ من فسخ الدّين وَلَا بِذَهَب على فضَّة وَلَا بِدِينَار على دينارين لما فِيهِ من رَبًّا الْفضل اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يحيله على أَحدهمَا فَقَط وَيبقى الآخر لصَاحبه أَو يقبض الْعِوَض الْمحَال عَلَيْهِ مَكَانَهُ، وَأما الْمَنَافِع فَلَا يجوز لِأَن قبض الْأَوَائِل لَيْسَ كقبض الْأَوَاخِر وَلَا بالأدنى صفة على الْأَعْلَى كإحالته بيزيدية على محمدية، وَفِي الْعَكْس وَهُوَ أَن يحيله بالمحمدية على اليزيدية أَو بِالْأَكْثَرِ قدرا على الْأَقَل مِنْهُ كإحالته بدينارين على دِينَار تردد (خَ) وَفِي تحوله على الْأَدْنَى أَو الْأَقَل تردد أَي بِالْجَوَازِ. اللَّخْمِيّ والمازري: لِأَنَّهُ زِيَادَة مَعْرُوف وَالْمَنْع لِابْنِ رشد وعياض وَهُوَ ظَاهر الْعُتْبِيَّة والموازية لِأَنَّهُ يُؤَدِّي للتفاضل بَين الْعَينَيْنِ، وَظَاهر النّظم أَنه درج على مَا لِابْنِ رشد لاقتصاره على التجانس أَي فِي الْقدر وَالصّفة، فيفهم مِنْهُ أَنه الرَّاجِح عِنْده قَالَه ابْن رشد. الثَّانِي من شُرُوط الْحِوَالَة: أَن يكون الدّين الَّذِي يحيله بِهِ مثل الَّذِي يحيله عَلَيْهِ فِي الْقدر وَالصّفة لَا أقل وَلَا أَكثر وَلَا أدنى وَلَا أفضل؛ لِأَنَّهُ إِن كَانَ أقل أَو أَكثر أَو مُخَالفا لَهُ فِي الصّفة لم تكن حِوَالَة وَكَانَ بيعا على وَجه المكايسة فيدخلها مَا نهى عَنهُ من الدّين بِالدّينِ اه. ثمَّ مَحل الْمَنْع فِي التَّحَوُّل على الْأَعْلَى صفة إِذا لم يقبضهُ قبل الِافْتِرَاق وإلاَّ جَازَ إِن حلا مَعًا إِذْ ذَاك حِينَئِذٍ مُبَادلَة وَشرط جَوَازهَا الْحُلُول وَالْقَبْض، وَكَذَا مَحل الْمَنْع فِي الْمُخْتَلِفين جِنْسا إِذا لم يحلا ويقبضا فِي الْحِين كَمَا قَالَ:
стр. 747
وَلَا تُحِلْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي ثانِيهِمَا إلاَّ إِن القَبْضُ اقْتُفِي (وَلَا تحل بِأحد النَّقْدَيْنِ) الْحَالين (فِي) أَي على (ثَانِيهمَا إِلَّا أَن الْقَبْض اقتفي) أَي اتبع بِحَضْرَة الثَّلَاثَة فِي مجْلِس لم يطلّ، وَقَوْلِي الْحَالين احْتِرَازًا مِمَّا إِذا لم يحل الْمحَال عَلَيْهِ، فَلَا يجوز إِذْ صرف مَا فِي الذِّمَّة شَرطه الْحُلُول، وَأما حُلُول الْمحَال بِهِ فَهُوَ الْمَوْضُوع. وَفِي الطّعامِ مَا إحَالَةٌ تَفِي إلاّ إذَا كَانَا مَعاً مِنْ سَلَفِ (وَفِي الطَّعَام مَا) نَافِيَة (إِحَالَة) مُبْتَدأ خَبره (تفي) أَي تَجِيء وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِهِ أَي لَا تَجِيء الْحِوَالَة فِي الطَّعَام وَلَا تجوز فِيهِ أنْفق الطعامان أم لَا. اسْتَوَت رُؤُوس أموالهما أم لَا. حلا أَو احدهما أَو لَا. خلافًا لأَشْهَب فِي إِجَازَته إِيَّاهَا إِذا اتّفق الطعامان ورؤوس أموالهما على أَنَّهَا من معنى الْإِقَالَة أَو التَّوْلِيَة إِذْ أَخذ الْمثل عَن مثله إِقَالَة أَو تَوْلِيَة (إِلَّا إِذا كَانَا) أَي الطعامان (مَعًا من سلف) فَتجوز حِينَئِذٍ، وَإِن لم يحل الدّين الْمحَال عَلَيْهِ لِأَن طَعَام الْقَرْض يجوز بَيْعه قبل قَبضه بِخِلَاف مَا إِذا كَانَا مَعًا من بيع فَإِنَّهَا لَا تجوز، وَلَو حلا وَلَو قَبضه الْمحَال بِحَضْرَة الْمُحِيل والمحال عَلَيْهِ لما فِيهِ من بيع الطَّعَام قبل قَبضه إِذْ طَعَام البيع لَا يقبضهُ إِلَّا ربه، فَإِذا قَبضه الْمحَال كَانَ بيعا لَهُ قبل قَبضه قَالَ ابْن الْمَوَّاز. وَفِي اجْتِمَاعِ سَلَفٍ وَقَرْضِ يُشْتَرَطُ الحُلُولُ فِي ذَا الْقَبْضِ (وَفِي اجْتِمَاع) طَعَام (سلف و) طَعَام (قرض يشْتَرط) فِي جَوَاز الْحِوَالَة بِأَحَدِهِمَا على الآخر (الْحُلُول) أَي فِي الْمحَال بِهِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوع و (فِي) الطَّعَام (ذَا الْقَبْض) أَي الْمَقْبُوض حسا وَهُوَ الدّين الْمحَال عَلَيْهِ كَانَ هُوَ السّلم أَو الْقَرْض، فَلَا بُد من حلولهما مَعًا وإلاَّ لم تجز على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم وَقَالَ مَالك وَجَمِيع أَصْحَابه إِلَّا ابْن الْقَاسِم: تجوز وَإِن لم يحل الْمحَال عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة مَا إِذا كَانَا مَعًا من سلف. ابْن يُونُس: وَقَوْلهمْ أصوب وَوَجهه أَن الْعلَّة الَّتِي هِيَ البيع قبل الْقَبْض ضعفت عِنْدهم لما كَانَ أَحدهمَا من بيع وَالْآخر من سلم قَالَه أَبُو الْحسن، وَأَيْضًا فَإِن الْعلَّة جَارِيَة وَلَو مَعَ حلولهما مَعًا كَمَا قَالَه (ت) وعَلى قَوْلهم عول (خَ) حَيْثُ قَالَ فِي تعداد شُرُوطهَا: وَأَن لَا يَكُونَا
стр. 748
طعامين من بيع الخ. أَي بل كَانَا من سلف أَو أَحدهمَا، فَعلم من هَذَا أَن مَذْهَب ابْن الْقَاسِم الَّذِي درج عَلَيْهِ النَّاظِم ضَعِيف، فَهَذِهِ أَرْبَعَة شُرُوط فِي كَلَام النَّاظِم: حُلُول الْمحَال بِهِ، ورضا الْمُحِيل والمحال، وتساوي الدينَيْنِ وَأَن لَا يَكُونَا طعامين من بيع وَبَقِي عَلَيْهِ شَرط خَامِس وَهُوَ الصِّيغَة. قَالَ فِي الشَّامِل: وَشَرطهَا صِيغَة بلفظها أَي الْخَاص بهَا كأحلتك بحقك على فلَان أَو أَنْت محَال بِهِ عَلَيْهِ، وَمثله فِي (خَ) ابْن نَاجِي: وَاشْتِرَاط الصِّيغَة هُوَ ظَاهر الْكتاب قَالَ: وَعَلِيهِ لَو قَالَ خُذ حَقك من هَذَا أَو يَأْمُرهُ بِالدفع لَيْسَ بحوالة لِأَنَّهُ يَقُول لَيْسَ هَذَا احتيال بِالْحَقِّ، وَإِنَّمَا أردْت أَن أكفيك التقاضي، وَإِنَّمَا الْحِوَالَة أَن تَقول: أحيلك بِالْحَقِّ على هَذَا وَهُوَ نَص سَماع يحيى عَن ابْن الْقَاسِم اه. وعَلى اشْتِرَاط الصِّيغَة اقْتصر ابْن يُونُس وَاللَّخْمِيّ وَأَبُو الْحسن والفشتالي وَفِي وثائقه وَأَبُو مُحَمَّد صَالح فِي شرح الرسَالَة وَابْن الْفَاكِهَانِيّ، وَوَقع لِابْنِ رشد فِي الْبَيَان أَنَّهَا تكون بلفظها أَو مَا يقوم مقَامه كخذ من هَذَا حَقك وَأَنا بَرِيء من دينك واستظهره (ح) وَهُوَ ظَاهر قَول ابْن عَرَفَة: الصِّيغَة مَا دلّ على ترك الْمحَال دينه من ذمَّة الْمُحِيل بِمثلِهِ فِي ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ اه. وَشرط سادس وَهُوَ وجود دين للْمُحِيل فِي ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ، وَكَذَا للمحال على الْمُحِيل فَإِن لم يكن دين للمحال على الْمُحِيل فَهِيَ وكَالَة لَا حِوَالَة وَإِن لم يكن دين للْمُحِيل على الْمحَال عَلَيْهِ فَهِيَ حمالَة يشْتَرط فِيهَا رضَا الْمحَال عَلَيْهِ، وَلذَا قَالُوا: لَا يشْتَرط رضَا الْمحَال عَلَيْهِ إِلَّا فِي صُورَتَيْنِ إِحْدَاهمَا هَذِه، وَالثَّانيَِة أَن تكون بَين الْمحَال والمحال عَلَيْهِ عَدَاوَة، وَإِذا كَانَت حمالَة فَإِذا أعدم الْمحَال عَلَيْهِ رَجَعَ الْمحَال بِدِينِهِ على الْمُحِيل، وَإِذا أدّى الْمحَال عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يرجع على الْمُحِيل بِمَا أدّى وَلَو مُقَومًا كَمَا تقدم فِي بَاب الضَّمَان، وَقَوْلِي: وجود دين أَي كَانَ ثَابتا بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار أَو تَصْدِيق الْمحَال (خَ) فِي تعداد شُرُوطهَا وَثُبُوت دين لَازم فَإِن أعلمهُ بِعَدَمِهِ وَشرط الْبَرَاءَة صَحَّ، ثمَّ فرع على توفر شُرُوط الْحِوَالَة قَوْله: ويتحول حق الْمحَال على الْمحَال عَلَيْهِ وَإِن أفلس أَو جحد إِلَّا أَن يعلم الْمُحِيل فَقَط بإفلاسه وَحلف على نَفْيه إِن ظن بِهِ الْعلم قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَإِذا أحالك غريمك على من لَهُ عَلَيْهِ دين فرضيت باتباعه بَرِئت ذمَّة غريمك وَلَا ترجع عَلَيْهِ فِي غيبَة الْمحَال عَلَيْهِ أَو عَدمه اه. قَالَ الْمُغيرَة: إِلَّا أَن يشْتَرط الْمحَال على الْمُحِيل الرُّجُوع عَلَيْهِ إِن أفلس فَلهُ شَرطه وَيرجع على الْمُحِيل، وَنَقله الْبَاجِيّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَب ابْن رشد، وَهَذَا صَحِيح لَا أعلم فِيهِ خلافًا. ابْن عَرَفَة: وَفِيه نظر لِأَن شَرطه مُنَاقض لعقد الْحِوَالَة وأصل الْمَذْهَب فِي الشَّرْط المناقض أَنه يُفْسِدهُ اه. وَقد ذكر ابْن رحال مَا يسْقط اعْتِرَاض ابْن عَرَفَة فَانْظُرْهُ وَلَا أقل أَن يرد اعتراضه بِأَنَّهَا مَعَ الشَّرْط الْمَذْكُور حِوَالَة إِذن وَهِي تَوْكِيل فَلَا يرد حِينَئِذٍ مَا قَالَه ثمَّ مثل الْعلم بالإفلاس الْعلم باللدد فيفصل فِيهِ بَين أَن يعلم بِهِ الْمُحِيل فَقَط فَيرجع عَلَيْهِ وإلاَّ فَلَا. وَأما علمه بِأَنَّهُ مسيء
стр. 749
الْقَضَاء فَفِيهِ قَولَانِ. أَحدهمَا أَنه كاللدد وَالْآخر أَنه لَا يضر، وَأما علمه بِأَنَّهُ يجْحَد فَإِن كَانَ مَعْنَاهُ أَنه علم من حَاله أَنه بعد تَمام الْحِوَالَة يجْحَد إِقْرَاره الْحَاصِل حِين الْحِوَالَة، فَهَذَا لَا يُوجب رُجُوعه على الْمُحِيل فِيمَا يظْهر قَالَه (ز) وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ أَنه لم يُوجد الدّين فِي ذمَّته لَا بِبَيِّنَة وَلَا بِتَصْدِيق الْمحَال فَإِنَّهُ لَا حِوَالَة حِينَئِذٍ لاختلال شَرطهَا.
(فصل فِي بيع الْخِيَار)
أَي: الشرطي وَهُوَ كَمَا لِابْنِ عَرَفَة بيع وقف بته أَولا على إِمْضَاء يتَوَقَّع الخ. فَقَوله: أَولا مُتَعَلق بوقف وَخرج بِهِ الْخِيَار الْحكمِي أَي خِيَار النقيصة فَإِن بته لم يُوقف أَولا بل آخرا. فَيُقَال: فِيهِ بيع آيل إِلَى خِيَار فَهُوَ مُتَأَخّر عَن العقد، وَسَببه مُتَقَدم عَلَيْهِ بِخِلَاف الْخِيَار الشرطي فموجبه الَّذِي هُوَ الشَّرْط مُقَارن للْعقد. (والثنيا) أَي وَبيع الثنيا وَهِي خِيَار فِي الْحَقِيقَة إِلَّا أَنه شَرط النَّقْد فِيهِ فَالْخِيَار إِذا لم يشْتَرط فِيهِ نقد الثّمن لَيْسَ بثنيا، وَإِن اشْترط فِيهِ ذَلِك وَشرط مَعَه أَنه إِن أَتَاهُ بِالثّمن فمبيعه مَرْدُود عَلَيْهِ فَهُوَ الثنيا قَالَ فِيهَا: من ابْتَاعَ سلْعَة على أَن البَائِع مَتى رد لَهُ الثّمن فالسلعة لَهُ لَا يجوز بَيْعه لِأَنَّهُ سلف جر نفعا اه. وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي خصّه الْأَكْثَر بالثنيا وَهُوَ الْمَعْرُوف الْيَوْم بذلك وَإِن كَانَ ابْن رشد: عممه فِي جَمِيع الشُّرُوط المنافية للمقصود. بَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزُ الْوُقُوعِ لأَجَلٍ يَلِيقُ بِالْمَبِيعِ (بيع الْخِيَار) الَّذِي يَشْتَرِطه أحد الْمُتَبَايعين على الآخر أَو كل مِنْهُمَا على صَاحبه أَو جرت الْعَادة باشتراطه لِأَنَّهَا كالشرط صَرَاحَة كَمَا فِي (ز) (جَائِز الْوُقُوع) حَيْثُ كَانَ الْخِيَار مَضْرُوبا (لأجل) مَعْلُوم (يَلِيق بِالْمَبِيعِ كَالشَّهْرِ فِي الأَصْلِ وَبالأَيَّامِ فِي غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ وَالطّعَامِ كالشهر فِي الأَصْل) من دَار وَنَحْوهَا وأدخلت الْكَاف مَا زَاد على الشَّهْر بالشَّيْء الْيَسِير كالخمسة الْأَيَّام والستة (و) يُؤَجل (بِالْأَيَّامِ) القلائل (فِي غَيره) أَي الأَصْل (كَالْعَبْدِ) فيؤجل الْخِيَار فِيهِ بِالْجمعَةِ وَنَحْوهَا، وَفِي الدَّابَّة وَالثَّوْب يُؤَجل الثَّلَاثَة الْأَيَّام وَنَحْوهَا. (وَالطَّعَام) الَّذِي لَا يفْسد وَيحْتَاج فِيهِ النَّاس للمشورة يكون أجل الْخِيَار فِيهِ بِقدر حَاجَة النَّاس مِمَّا لَا يَقع فِيهِ تَغْيِير وَلَا فَسَاد
стр. 750
قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة. فَقَوله: لأجل أَي مَعْلُوم كَمَا فِي الْأَمْثِلَة احْتِرَازًا من الْمَجْهُول كَكَوْنِهِ بِالْخِيَارِ إِلَى قدوم زيد أَو إِلَى أَن ينْفق سوق السّلْعَة الْفُلَانِيَّة وَلَا وَقت يعلم قدومه فِيهِ أَو نفاق سوق تِلْكَ السّلْعَة فِيهِ، فَإِن البيع فَاسد يرد مَعَ الْقيام ويمضي بِالْقيمَةِ مَعَ الْفَوات، وَمَفْهُوم قَوْله لأجل إِنَّه إِذا وَقع بِالْخِيَارِ وَلم يضربا لَهُ أَََجَلًا مَعْلُوما وَلَا مَجْهُولا يكون فَاسِدا وَلَيْسَ كَذَلِك فَفِيهَا من ابْتَاعَ شَيْئا بِالْخِيَارِ وَلم يضربا لَهُ أَََجَلًا جَازَ البيع وَجعل لَهُ من الأمد مَا يَنْبَغِي فِي تِلْكَ السّلْعَة اه. فَكتب عَلَيْهِ أَبُو الْحسن مَا نَصه مَعْنَاهُ: إِذا عثر عَلَيْهِ قبل مُضِيّ أمد الْخِيَار، وَأما إِن لم يعثر عَلَيْهِ حَتَّى مضى الْقدر الَّذِي يضْرب لتِلْك السّلْعَة فَإِن الإِمَام يوقفه فَأَما أَن يخْتَار أَو يرد اه. قلت: هَذَا ظَاهر إِذا عثر عَلَيْهِ عِنْد انْقِضَاء الأمد الْمَذْكُور، وَأما إِن لم يعثر عَلَيْهِ حَتَّى زَاد على أمده بِكَثِير فَيظْهر فَسَاد البيع فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَإِذا علمت هَذَا وَجب أَن يعلق قَوْله لأجل بِبيع أَو بِالْخِيَارِ لَا بِمَحْذُوف شَرط فِي الْجَوَاز كَمَا هُوَ ظَاهره وقررناه عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير بيع الْخِيَار لأجل مَعْلُوم يَلِيق بِالْمَبِيعِ جَائِز الْوُقُوع، فَهُوَ حِينَئِذٍ سَاكِت عَن بيع الْخِيَار الَّذِي لم يضْرب لَهُ أجل فيستظهر عَلَيْهِ من خَارج. وهُوَ بِالاشْتِرَاطِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ النَّقْدِ (وَهُوَ) أَي الْخِيَار (بالاشتراط عِنْد العقد) كَمَا تقدم فِي حد ابْن عَرَفَة فَإِن لم يشْتَرط فَلَا خِيَار وَلَو بِالْمَجْلِسِ على مَذْهَبنَا وَمذهب أبي حنيفَة وَهُوَ قَول الْفُقَهَاء السَّبْعَة المجموعين فِي قَول الْقَائِل: أَلا كل من لَا يَقْتَدِي بأئمه فقسمته ضيرى عَن الْحق خَارجه فخذهم عبيد الله عُرْوَة قَاسم سعيد أَبُو بكر سُلَيْمَان خَارجه وَخَالف الشَّافِعِي فِي ذَلِك متمسكاً بِمَا ورد فِي الصحح من قَوْله ﵊: (الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا) . وَوَافَقَهُ على ذَلِك ابْن حبيب وَعبد الحميد الصَّائِغ وَلما ذكر أَبُو الْحسن الحَدِيث الْكَرِيم قَالَ: حمل الشَّافِعِي الِافْتِرَاق فِي الحَدِيث على الِافْتِرَاق بالأبدان، وَحمله مَالك على الِافْتِرَاق بِاللَّفْظِ اه. وَلما ذكر مَالك الحَدِيث فِي موطئِهِ قَالَ: وَالْعَمَل عندنَا على خِلَافه أَي عمل أهل الْمَدِينَة على خِلَافه، وَإِلَى رد مَذْهَب الشَّافِعِي وَمن وَافقه أَشَارَ (خَ) بقوله: إِنَّمَا الْخِيَار بِشَرْط كشهر فِي دَار وَلَا تسكن وكجمعة فِي رَقِيق واستخدمه وكثلاثة فِي دَابَّة الخ. (وَلَا يجوز فِيهِ) أَي فِي بيع الْخِيَار (شَرط النَّقْد) وَظَاهره أَنه يفْسد البيع باشتراطه لِأَن الأَصْل فِيمَا لَا
стр. 751
يجوز الْفساد وَهُوَ كَذَلِك، وَإِن لم يحصل النَّقْد بِالْفِعْلِ على الْمُعْتَمد لتردده مَعَ حُصُوله بِشَرْط بَين السلفية والثمينة وَلكَون الْغَالِب مَعَ شَرطه فَقَط حُصُوله فَنزل الْغَالِب، وَإِن لم ينْقد فِيهِ حَتَّى مضى زمن الْخِيَار منزلَة النَّقْد بِالْفِعْلِ قَالَه (ز) وَظَاهره أَيْضا أَنه لَا يَصح البيع وَلَو حذف الشَّرْط وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف مَسْأَلَة البيع بِشَرْط السّلف فَإِن البيع يَصح إِذا حذف الشَّرْط كَمَا قَالَ (خَ) : وَصَحَّ أَن حذف الخ. وَالْفرق أَن الْغرَر فِي شَرط النَّقْد أقوى إِذْ لَا يدْرِي هَل الْمَقْبُوض كُله ثمن أَو سلف بِخِلَاف البيع بِشَرْط السّلف فثمن السّلْعَة مَقْبُوض، وَالسَّلَف وَإِن أثر فِي الثّمن زِيَادَة أَو نقصا فتأثيره موهوم غير مُحَقّق إِذْ يجوز أَن يكون الثّمن المجعول للسلعة هُوَ ثمنهَا الْمُعْتَاد لرغبة المُشْتَرِي فِي السّلْعَة يدْفع ثمنهَا الْمُعْتَاد ويزيده السّلف، أَو لرغبة البَائِع فِي مُعَاملَة المُشْتَرِي لاتصافه وَنَحْو ذَلِك يَبِيعهَا بالمعتاد ويزيده السّلف فغرر البيع، وَالسَّلَف أَضْعَف من الأول كَمَا هُوَ ظَاهر، وَهَذَا مُرَاده فِي ضيح بِأَن الْفساد فِي مَسْأَلَة البيع موهوم خَارج عَن الْمَاهِيّة أَي مُوجب الْفساد موهوم لَا مُحَقّق بِخِلَاف مَسْأَلَة النَّقْد بِشَرْط، وَأما قَوْله: خَارج عَن الْمَاهِيّة فَلَعَلَّ الصَّوَاب حذفه إِلَّا أَن يُقَال إِنَّه تَأْكِيد لما قبله لِأَنَّهُ إِذا لم يتَحَقَّق وجوده فِي الْمَاهِيّة فَهُوَ خَارج عَنْهَا فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَمَفْهُوم شَرط أَنه إِذا تطوع لَهُ بِالنَّقْدِ لم يمْنَع وَهُوَ كَذَلِك، وَفهم مِنْهُ أَنه يجوز النَّقْد بعد العقد تَطَوّعا وَهُوَ كَذَلِك، وَفهم من تحديده أجل الْخِيَار بِمَا مر من الشَّهْر وَالْأَيَّام أَنه إِذا زَاد أجل الْخِيَار على ذَلِك وعَلى مَا قرب مِنْهُ يكون البيع فَاسِدا وَهُوَ كَذَلِك (خَ) وَفَسَد بِشَرْط مُشَاورَة بعيد عَن أمد الْخِيَار، أَو مُدَّة زَائِدَة أَو مَجْهُولَة أَو غيبَة أَحدهمَا على مَا لَا يعرف بِعَيْنِه أَو لبس ثوب ورد أجرته وَيلْزم بانقضائه ورد فِي كالغد وبشرط نقد الخ. ثمَّ إِذا فسد بِوَاحِد من هَذِه الْأُمُور فضمانه من بَائِعه إِن هلك وَلَو بيد المُشْتَرِي على الرَّاجِح، وَقيل: من المُشْتَرِي إِن قَبضه انْظُر (ح) وَلَا بُد، وَقَول (خَ) : وَيلْزم بانقضائه الخ أَي بِانْقِضَاء أمده الْمُشْتَرط وانقضاء مَا ألحق بِهِ من الْيَوْم واليومين. وَقَوله: وَورد فِي كالغد إِنَّمَا هُوَ فِي الزَّمن الملحق فَلَا تدافع فِي كَلَامه. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَإِن كَانَ أَي الرَّد بعد غرُوب الشَّمْس من آخر أَيَّام الْخِيَار أَو كالغد أَو قرب ذَلِك فَذَلِك لَهُ. قَالَ أَبُو الْحسن: يَعْنِي بِالْقربِ الْيَوْم واليومين والبعد ثَلَاثَة أَيَّام اه. وَتقدم أَن الْخَمْسَة أَيَّام مُلْحقَة بالشهر يَعْنِي فِي الدَّار يجوز أَن يشْتَرط فِي أجل خِيَارهَا شهر أَو خَمْسَة أَيَّام مثلا، وَالْكَلَام هُنَا فِيمَا قرب من زمن الِانْقِضَاء يَعْنِي أَنه إِذا رد بعد انْقِضَاء الْأَجَل الْمُشْتَرط بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَلهُ ذَلِك فَلَا مُعَارضَة وَالله أعلم. وَقد قَالَ أَبُو الْحسن عِنْد قَوْلهَا فِي الضَّمَان إِن قَالَ للطَّالِب فَإِن لم أوافك غَدا فَالَّذِي تدعيه حق، فَهَذِهِ مخاطرة وَلَا شَيْء عَلَيْهِ مَا نَصه. وَانْظُر مَا قَالَه فِي بيع الْخِيَار إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُبْتَاع فَشرط عَلَيْهِ البَائِع أَنه إِن لم يَأْتِ بِالثَّوْبِ فِي آخر أَيَّام الْخِيَار لزمَه البيع لم يجز هَذَا البيع. أَرَأَيْت إِن مرض أَو حَبسه سُلْطَان اه. والْبَيْعُ بِالثُّنْيَا لِفَسْخِ دَاعِ والخَرْجُ بِالضَّمَانِ لُلْمُبْتَاعِ (وَالْبيع بالثنيا) أَي بشرطها بِأَن يَقُول لَهُ فِي صلب العقد: أبيعك هَذِه السّلْعَة على شَرط أَنِّي إِن أَتَيْتُك بِثمنِهَا وَقت كَذَا أَو مهما أَتَيْتُك بِثمنِهَا فَهِيَ مَرْدُودَة عَليّ (لفسخ دَاع) لفساده وَاخْتلف
стр. 752
فِي علته فعلله فِي بُيُوع الْآجَال مِنْهَا بِالْبيعِ وَالسَّلَف. أَبُو الْحسن: مَعْنَاهُ تَارَة يكون بيعا وَتارَة يكون سلفا أَي لِأَنَّهُ خِيَار بِشَرْط النَّقْد وَجعلا مدَّته أَكثر من مُدَّة الْخِيَار إِن حداه بِأَجل أَو لمُدَّة مَجْهُولَة إِن لم يحداه، وَعلله سَحْنُون وَابْن الْمَاجشون وَغَيرهمَا بِأَنَّهُ سلف جر نفعا، وَبِه عللت الْمُدَوَّنَة أَيْضا فِي نَصهَا الأول عِنْد قَوْله: والثنيا الخ. وعَلى الأول فَهُوَ بيع فَاسد يفْسخ وَلَو أسقط الشَّرْط على الْمَذْهَب كَمَا مر مَا لم يفت فيمضي بِالْقيمَةِ وفوات الْأُصُول بالهدم وَالْبناء وَالْغَرْس لَا بحوالة الْأَسْوَاق، وَهل يفوت بطول الزَّمَان كالعشرين سنة؟ قَولَانِ. أرجحهما على مَا قَالَه (ت) فِي تحفة الإخوان فَوَاته بذلك، وَقَالَ فِي الْمُهَذّب الرَّائِق: وَلَا يفيت الْأُصُول حِوَالَة الْأَسْوَاق وَلَا طول الزَّمَان وَبِه الْقَضَاء. قَالَ ابْن أبي زمنين: إِلَّا مَا كَانَ مثل عشْرين عَاما وَنَحْوهَا اه. وعَلى الثَّانِي فَهُوَ رهن يفْسخ أبدا وَلَا يفوت بِشَيْء بهدم وَلَا غَيره وَيرد المُشْتَرِي فِيهِ الْغلَّة وَلَو طَال الزَّمَان، والناظم درج على الأول لِأَنَّهُ الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ فِي وقته وَلذَا قَالَ: (والخرج) بِسُكُون الرَّاء لُغَة فِي الْخراج اجتمعتا فِي قَوْله تَعَالَى: أم تَسْأَلهُمْ خرجا فخراج رَبك خير﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٧٢) (بِالضَّمَانِ للْمُبْتَاع) ظَاهره كَانَ لأجل أم لَا. أَي الْغلَّة فِيهِ للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ بيع فَاسد ينْتَقل ضَمَانه بِالْقَبْضِ، وَمن عَلَيْهِ الضَّمَان فَلهُ الْغلَّة إِلَّا ثَمَرَة مأبورة يَوْم الشِّرَاء فَإِنَّهَا لَيست بغلة لِأَن لَهَا حِصَّة من الثّمن فَيجب ردهَا مَعَه إِن كَانَت قَائِمَة ورد مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت أَو جذت رطبا. وَلَا كِرَاءَ فِيهِ هَبْهُ لأَجَلْ أوْ لَا وَذَا الَّذِي بِهِ جَرَى العَمَلْ (وَلَا كِرَاء) وَلَا غلَّة (فِيهِ) أَي فِي بيع الثنيا ويفوز المُشْتَرِي بالثمرة بالزهو وَهُوَ ظُهُور الْحَلَاوَة وَإِن ظهر فِي نَخْلَة وَاحِدَة من نخيل كثير على الْمَعْرُوف من الْمَذْهَب فِي فوز المُشْتَرِي بالغلة فِي البيع الْفَاسِد بذلك، وَأما إِن طابت فَهُوَ أَحْرَى (هبه) أَي بيعهَا (لأجل أَو لَا وَذَا) أَي كَونه لَا كِرَاء وَلَا غلَّة فِيهِ للْبَائِع على المُشْتَرِي مُطلقًا هُوَ الْمَشْهُور (الَّذِي بِهِ جرى الْعَمَل) عِنْد الْقُضَاة كَمَا
стр. 753
فِي مُخْتَصر الْمُتَيْطِيَّة، وَهُوَ قَول مَالك وَابْن الْقَاسِم وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، وَمُقَابِله أَنه رهن لِأَنَّهُ سلف بِمَنْفَعَة فالغلة للْبَائِع لَا للْمُبْتَاع قَالَه الشَّيْخ أَحْمد زَرُّوق وَهُوَ الْمَشْهُور. قَالَ عبد الْبَاقِي: وَهُوَ ظَاهر من جِهَة الْمَعْنى وَهُوَ توافقه مَعَ المُشْتَرِي على أَن يرد لَهُ الْمَبِيع، وَعلل أَيْضا بِأَنَّهَا ثمن السّلف وَهُوَ حرَام محرم، وَفِي وثائق ابْن مغيث عَن الْقَابِسِيّ أَن حكمه قبل انْقِضَاء أجل الثنيا حكم البيع الصَّحِيح فالغلة فِيهِ للْبَائِع لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الرَّهْن وَهُوَ بعد انْقِضَاء الْأَجَل بِمَنْزِلَة الْبيُوع الْفَاسِدَة اه. أَي: فالغلة فِيهِ للْمُشْتَرِي وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْت زِيَادَة على مَا أَفَادَهُ الشّطْر الَّذِي قبله إِلَّا مَا أَفَادَهُ من الْخلاف والتعميم فِي نفي الْغلَّة نصا وجريان الْعَمَل. تَنْبِيهَات. الأول: يجب أَن يُقيد الْخلاف الْمَذْكُور بِمَا إِذا لم يجر الْعرف بالرهنية كَمَا عندنَا الْيَوْم، وَلذَا يَقع البيع بِأَقَلّ من الثّمن الْمُعْتَاد بِكَثِير ويسمونه بيعا وإقالة فيبيع الرجل بالإقالة مَا يُسَاوِي الْألف بِخَمْسِمِائَة أَو مَا يُسَاوِي الْمِائَة بستين أَو بِثَلَاثِينَ وَنَحْو ذَلِك. فَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهَا رهن حَيْثُ اشْترطت الْإِقَالَة فِي العقد إِذْ لم يسمح البَائِع بسلعته إِلَّا على ذَلِك وتجد البَائِع إِذا سُئِلَ عَن سلْعَته أَو أرضه يَقُول: إِنَّهَا مَرْهُونَة وَيطْلب زِيَادَة الثّمن فِيهَا ويعرضها للْبيع وَهِي بيد مشتريها، وَإِذا سُئِلَ المُشْتَرِي عَنْهَا أَيْضا قَالَ: إِنَّهَا مَرْهُونَة عِنْدِي أَو عِنْدِي فِيهَا بيع وإقالة وَأَن البَائِع لم يكمل البيع فِيهَا وَنَحْو ذَلِك فَالْبيع وَالْإِقَالَة عِنْدهم مرادف للرَّهْن يعبر بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، فَعرف النَّاس الْيَوْم ومقصودهم فِي هَذَا البيع إِنَّمَا هُوَ الرهنية كَمَا هُوَ مشَاهد بالعيان، وَإِذا كَانَ الْعرف فِيهَا الرهنية فيتفق على رد الْغلَّة وَعدم الْفَوات لِأَن الْأَحْكَام تَدور مَعَ الْأَعْرَاف ومقاصد النَّاس وَمن أدل دَلِيل على الرهنية كَونه بِأَقَلّ من الثّمن الْمُعْتَاد بِكَثِير إِلَى غير ذَلِك وَقد قَالُوا كَمَا للقرافي وَغَيره: إِن حمل النَّاس على أعرافهم ومقاصدهم وَاجِب وَالْحكم عَلَيْهِم بِخِلَاف ذَلِك من الزيغ والجور، وَلِهَذَا لما سُئِلَ الإِمَام قَاضِي الْقُضَاة سَيِّدي عِيسَى السجسْتانِي حَسْبَمَا فِي نوازله عَن بيع الثنيا فِي هَذَا الزَّمَان هَل تفوت بأنواع التفويت لِأَنَّهَا بيع فَاسد، وَكَيف إِذا جهل قصد المفوت؟ فَقَالَ: الَّذِي أُفْتِي بِهِ فِي بياعات نواحي سوس وجبال درن أَنَّهَا رهون لأَنهم يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا على ملك بَائِعهَا وَيطْلبُونَ فِيهَا زِيَادَة الْأَثْمَان وَالْمَبِيع بيد مُشْتَرِيه، وَإِذا كَانَ هَكَذَا فَلَا يفوت بِشَيْء بل هِيَ على ملك الأول إِلَّا أَن يرضى بإمضاء البيع فِيهَا وَالسَّلَام اه. بِلَفْظِهِ. وَلَا يخفى أَنَّهَا فِي نواحي فاس وجبالها كَذَلِك وَلَا يشك منصف فِيهِ وَالله أعلم. وَفِي نَوَازِل الزياتي أَيْضا مَا نَص الْغَرَض مِنْهُ: سُئِلَ بعض الْفُقَهَاء عَن الْغلَّة فِي بيع الثنيا وَكَيف الحكم إِن كَانَ عرف الْبَلَد الرهنية إِلَّا أَنَّهُمَا تحيلا بكتب البيع مَخَافَة الْغلَّة؟ فَأجَاب: فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ. قيل: الْغلَّة للْمُشْتَرِي، وَقيل: للْبَائِع. وَأما إِن كَانَ عرف الْبَلَد أَنهم يَعْتَقِدُونَ الثنيا فِي بُيُوتهم ويتحرفون بكتب البيع مَخَافَة الْغلَّة فَإِن الْغلَّة لَازِمَة للْمُشْتَرِي قولا وَاحِدًا مَعَ
стр. 754
يَمِين الرَّاهِن أَنه كَانَ رهنا فِي نفس الْأَمر، وَبِهَذَا صدرت الْفَتْوَى من أَهلهَا اه. بِلَفْظِهِ، وَفِيه أَيْضا عَن سَيِّدي عَليّ بن هَارُون مَا نَصه: اخْتلف فِي بيع الثنيا فَقيل إِنَّه من بَاب البيع الْفَاسِد، وَقيل إِنَّه سلف جر مَنْفَعَة وَهُوَ الَّذِي يتَرَجَّح فِي هَذَا البيع لِأَن مَقْصُود النَّاس أَن يَأْكُلُوا الْغلَّة فِي مُقَابلَة السّلف الَّذِي سموهُ ثمنا ثمَّ قَالَ: فعلى قَول ابْن الْقَاسِم لَا يرد الْغلَّة وعَلى قَول غَيره يردهَا، ويترجح هَذَا القَوْل كَمَا قدرناه ليعرف النَّاس وَالله أعلم. وَكتبه عَليّ بن هَارُون اه. بِاخْتِصَار. وَهَذَا مِمَّا لَا يُمكن أَن يخْتَلف فِيهِ اثْنَان فِي هَذِه الْأَزْمَان لِأَن الْعرف كالشرط بِلَا نزاع، وَانْظُر مَا يَأْتِي قَرِيبا عِنْد قَوْله: فَالْقَوْل قَول مُدع للطوع الخ. فَإِن فِيهِ تأييداً لما قُلْنَاهُ وَالله أعلم. الثَّانِي: يفهم من قَول النَّاظِم وَغَيره: والخرج بِالضَّمَانِ الخ. أَن الْغلَّة إِنَّمَا تكون للْمُشْتَرِي على القَوْل بِأَنَّهَا بيع فَاسد إِذا قبض ذَلِك الْمَبِيع لِأَن الضَّمَان إِنَّمَا ينْتَقل للْمُشْتَرِي فِي الْفَاسِد بِالْقَبْضِ كَمَا فِي (خَ) وَإِنَّمَا ينْتَقل ضَمَان الْفَاسِد بِالْقَبْضِ ورد وَلَا غلَّة تصحبه الخ. وَأما إِذا لم يقبض المُشْتَرِي ذَلِك الْمَبِيع بل تَركه بيد البَائِع بِإِجَارَة أَو اشْترى مِنْهُ الْبُسْتَان وَنَحْوه بالثنيا وَتَركه بِيَدِهِ بمساقاة وَنَحْوهَا ليَأْتِيه بغلته، فَإِنَّهُ لَا غلَّة للْمُشْتَرِي قولا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لم ينْتَقل ضَمَانه إِلَيْهِ، وَسَوَاء كَانَ الشِّرَاء بِالثّمن الْمُعْتَاد أَو بِأَقَلّ بِكَثِير أَو قَلِيل بِدَلِيل التَّعْلِيل بل لَو قَبضه ثمَّ رده إِلَيْهِ بِعقد إِجَارَة أَو مُسَاقَاة أَو نَحْوهمَا لم تكن لَهُ غلَّة لِأَن مَا خرج من الْيَد عَاد إِلَيْهَا لَغْو كَمَا هُوَ مُقَرر فِي بُيُوع الْآجَال قَالَه (ح) . الثَّالِث: على القَوْل بِأَنَّهُ بيع فَاسد إِذا وَقع الْإِمْضَاء فِيهِ قبل فسخ العقد الْفَاسِد فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَنَّهُ تتميم للْفَسَاد. قَالَ أَبُو الْحسن: الْمَنْصُوص فِي كل مَوضِع أَن البيع الْفَاسِد لَا يَصح إِمْضَاء البيع فِيهِ إِلَّا بعد فسخ الْعقْدَة الْفَاسِدَة، وَإِذا لم يتَعَرَّض لفسخها فسخت الثَّانِيَة وَبقيت الأولى على فَسَادهَا اه. وَالشَّرْحُ لِلثُنْيَا رُجُوعُ ملْكِ مَنْ بَاعَ إلَيْهِ عِنْدَ إحْضَارِ الثَّمَنْ (وَالشَّرْح للثنيا) أَي لحقيقتها وماهيتها هُوَ (رُجُوع ملك من بَاعَ إِلَيْهِ) أَي إِلَى البَائِع (عِنْد إِحْضَار) البَائِع (الثّمن) وَدفعه للْمُشْتَرِي كَمَا تقدم فِي نَص الْمُدَوَّنَة، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر خلافًا لِابْنِ رشد
стр. 755
حَيْثُ عممها فِي بياعات الشُّرُوط كَمَا مرّ. وَفِي كَلَام النَّاظِم مُخَالفَة للتَّرْتِيب الطبيعي إِذْ هُوَ يَقْتَضِي تَقْدِيم هَذَا الْبَيْت على قَوْله: وَالْبيع بالثنيا لفسخ دَاع الخ. لِأَن التَّصَوُّر مقدم على الحكم طبعا فَيَنْبَغِي تَقْدِيمه وضعا كَمَا قَالَ فِي السّلم: إِدْرَاك مُفْرد تصوراً علم ودرك نِسْبَة بِتَصْدِيق وسم وَقدم الأول عِنْد الْوَضع لِأَنَّهُ مقدم بالطبع وتقديمه إِنَّمَا هُوَ على جِهَة الْأَوْلَوِيَّة لَا على جِهَة الْوُجُوب، لِأَنَّهُ وَارِد فِي الْعَرَبيَّة، وَلَا يلْزم عَلَيْهِ دور وَلَا غَيره حَتَّى يمْنَع فَهُوَ كَقَوْل (خَ) : يرفع الْحَدث وَحكم الْخبث بالمطلق وَهُوَ مَا صدق عَلَيْهِ اسْم مَاء بِلَا قيد وَكَقَوْلِه فِي الدِّمَاء: واقتص من مُوضحَة أوضحت عظم الرَّأْس الخ. وَكَقَوْلِه فِي الحَدِيث: (لَهَا كلاليب مثل شوك السعدان هَل رَأَيْتُمْ شوك السعدان) : فَلَو قَالُوا لَا لأراهم إِيَّاهَا وصورها لَهُم، وَإِذا علمت هَذَا فَالْجَوَاب عَمَّا ورد من ذَلِك بِأَنَّهُ من بَاب تَقْدِيم الحكم على التَّصْوِير لَا على التَّصَوُّر، والممنوع إِنَّمَا هُوَ الثَّانِي كَمَا قَالُوهُ عِنْد قَول (خَ) : يرفع الْحَدث. الخ. كُله غير سديد، لِأَن ذَلِك إِن كَانَ بِالنِّسْبَةِ للمخاطب كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من كَلَامهم فَالْحكم وَاحِد لما علمت من أَن التَّصْوِير فعل الْفَاعِل وَهُوَ أَيْضا حد للصورة وَشَرحه إِيَّاهَا، والتصور حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الذِّهْن بِسَبَب ذَلِك التَّصْوِير أَو بِغَيْرِهِ فَيلْزم من التَّصْوِير حُصُول الصُّورَة، والمقدم على الأَصْل مقدم على الْفَرْع، فَيلْزم من تَقْدِيمه على التَّصْوِير تَقْدِيمه على التَّصَوُّر، وَإِنَّمَا الْجَواب الْحق أَن يُقَال: تَقْدِيم الحكم على التَّصَوُّر بِالنِّسْبَةِ للمخاطب غير مَمْنُوع لِأَن الْمُخَاطب قد يكون تصور الشَّيْء من جِهَة أُخْرَى، وَإِذا لم يتصوره صوره لَهُ الْمُتَكَلّم بعد إِن شَاءَ أَو إِن سَأَلَهُ الْمُخَاطب عَنهُ كَمَا فعل النَّاظِم و (خَ) وَإِذا لم يسئل عَنهُ لكَونه مصوراً عِنْده لم يصوره لَهُ كَمَا فِي الحَدِيث، وَلَيْسَ هَذَا من بَاب إِدْخَال الحكم فِي الْحَد حَتَّى يكون مَمْنُوعًا كَمَا قَالَ فِي السّلم: وَعِنْدهم من جملَة الْمَرْدُود أَن تدخل الْأَحْكَام فِي الْحُدُود لِأَن النَّاظِم لم يدْخل الحكم فِي الْحَد كَمَا ترى، وَإِنَّمَا قدمه عَلَيْهِ وَالله أعلم. وَإِن كَانَ ذَلِك بِالنِّسْبَةِ للمتكلم فَمن أَيْن لنا بِأَن النَّاظِم وَنَحْوه لم يتصوره بل تصَوره عِنْد الحكم بِالْفَسْخِ ثمَّ صوره للْغَيْر بعد ذَلِك، وَعَلِيهِ فَلَا حَاجَة لهَذَا الْإِيرَاد بِالْكُلِّيَّةِ إِذْ لَا يحكم أحد على غَيره بِأَنَّهُ لم يتَصَوَّر كَذَا وَهُوَ لم يطلع على مَا فِي ضَمِيره حَتَّى يحْتَاج للجواب عَنهُ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلهم لِأَن الحكم على الشَّيْء فرع تصَوره هَذَا صَحِيح بِالنِّسْبَةِ للمتكلم إِذا اطَّلَعْنَا على مَا فِي ضَمِيره وَأَنه حكم قبل أَن يتَصَوَّر حَقِيقَة الشَّيْء الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُ حِينَئِذٍ: كَانَ يَنْبَغِي لَك أَن لَا تحكم على شَيْء حَتَّى تتصوره، وَأما بِالنِّسْبَةِ للمخاطب فَلَا لِأَنَّهُ قد يحكم لَهُ على الشَّيْء، ثمَّ بعد ذَلِك يصور لَهُ ذَلِك الشَّيْء إِن لم يكن عرفه، وَقد لَا يصور لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ لكَونه قد عرفه من جِهَة أُخْرَى أَو يسْأَل عَن حَقِيقَته شخصا آخر كَقَوْلِهِم: صحت الْإِجَارَة، وكقولهم صَحَّ وقف مَمْلُوك وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ كثير فقد حكمُوا بِالصِّحَّةِ قبل أَن يصوروا الْمَحْكُوم عَلَيْهِ للمخاطب لكَونه مَعْرُوفا عِنْده، أَو لكَونه يسْأَل عَنهُ الْغَيْر. وَجَازَ إنْ وَقَعَ بَعْدَ العَقْدِ طَوْعاً بِحْدَ وَبِغَيْرِ حَدِّ
стр. 756
(وَجَاز) أَي البيع بالثنيا (إِن وَقع) بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي (بعد) انبرام (العقد) وَتَمَامه (طَوْعًا) مِنْهُمَا (بِحَدّ) كَقَوْل المُشْتَرِي للْبَائِع: إِن جئتني بِالثّمن لسنة أَو عشْرين سنة مثلا فالمبيع مَرْدُود عَلَيْك (أَو بِغَيْر حد) كَقَوْلِه: مَتى جئتني بِالثّمن فالمبيع لَك قَالَ الْفَقِيه رَاشد فِي جَوَاب لَهُ نَقله فِي المعيار: وَهَذِه الْإِقَالَة يَعْنِي التَّطَوُّع بهَا بعد العقد قد أجازوها إِلَى غير غَايَة وَإِلَى غير حد مُؤَجل، وأجازوها أَيْضا إِلَى أجل قريب أَو بعيد اه ثمَّ إِنَّه فِي الْمُطلقَة مَتى أَتَاهُ بِالثّمن لزمَه رد الْمَبِيع إِلَيْهِ، وَيجوز للْمُشْتَرِي فِيهِ التفويت بِالْبيعِ أَو غَيره، ويفوت بِهِ على البَائِع الْمقَال إِلَّا أَن يفيته بالفور مِمَّا يرى أَنه أَرَادَ قطع مَا أوجبه على نَفسه كَمَا لِابْنِ رشد، وَنَقله ابْن عَرَفَة وَغَيره وَهُوَ قَول (خَ) لَا إِن قصد بِالْبيعِ الإفاتة. قَالَ ابْن رشد القفصي: فَإِن قَامَ عَلَيْهِ حِين أَرَادَ التفويت فعلى السُّلْطَان مَنعه من تفويته إِذا أحضرهُ البَائِع الثّمن فَإِن بَاعه بعد أَن مَنعه السُّلْطَان رد وَإِن بَاعه قبل الْقَضَاء عَلَيْهِ بذلك نفذ البيع اه. وَأما فِي الْمقيدَة فَلَا يجوز لَهُ تفويته فَإِن فَوته رد على مَا للموثقين، وَقَيده الْبَاجِيّ بِمَا إِذا لم يبعد أجلهَا كالعشرين سنة فَيكون حكمهَا حكم المبهمة فِي فَوَاتهَا على البَائِع وَعدم ردهَا، وَإِذا جَاءَهُ البَائِع بِالثّمن فِي خلال الْأَجَل أَو عِنْد انقضائه أَو بعده على الْقرب مِنْهُ بِيَوْم وَنَحْوه لَا أَكثر لزمَه قبُوله ورد الْمَبِيع على بَائِعه، وَلَا كَلَام لَهُ فِي أَنه لَا يقبض الثّمن إِلَّا بعد الْأَجَل كَمَا صرح بِهِ المتيطي والقفصي فِي وثائقهما، وَصرح بِهِ أَيْضا العبدوسي فِي جَوَاب لَهُ، وَانْظُر إِذا لم يَأْتِ بِالثّمن حَتَّى انْقَضى الْأَجَل بأيام فَلم يقبل مِنْهُ وَأَرَادَ الْقيام بِالْغبنِ هَل تعْتَبر السّنة من يَوْم البيع أَو يَوْم الِانْقِضَاء وَهُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ الْيَوْم الَّذِي تمّ فِيهِ البيع وَالله أعلم. ثمَّ مَا قَرَّرْنَاهُ بِهِ من أَن كَلَامه فِي الثنيا وَهُوَ ظَاهر سِيَاقه وَبِه يرتبط الْكَلَام بعضه بِبَعْض، وَيحْتَمل على بعد أَنه أَشَارَ إِلَى مَسْأَلَة الْخِيَار بعد الْبَتّ الْمشَار إِلَيْهَا بقول (خَ) : وَصَحَّ بيع بت الخ. وَيكون الْمَعْنى وَجَاز الْخِيَار إِن وَقع بعد العقد بِأَجل وَبِغير أجل، لَكِن إِن وَقع بِغَيْر أجل لَا بُد أَن يضربا لَهُ من الْأَجَل مَا يَلِيق بذلك الْمَبِيع كَمَا كرّ أول الْفَصْل فَقَوله حِينَئِذٍ: وَبِغير حد أَي وَقع الْخِيَار بعد العقد وَلم يتعرضا لأجل، لَكِن يضْرب لَهُ من الْأَجَل مَا يَلِيق بِالْمَبِيعِ كَمَا مر فَفِيهَا من اشْترى سلْعَة من رجل ثمَّ جعل أَحدهمَا لصَاحبه الْخِيَار بعد تَمام البيع، فَذَلِك جَائِز وَهُوَ بيع مؤتنف بِمَنْزِلَة بيع المُشْتَرِي لَهَا من غير البَائِع الخ.
стр. 757
تَنْبِيهَات. الأول: قَالَ ابْن عَرَفَة: لَا أعلم مُسْتَندا لأقوال الشُّيُوخ بِصِحَّة الطوع بالثنيا بعد العقد لِأَن التزامها إِن عد من جِهَة الْمُبْتَاع عقدا بتاً فَهُوَ من جِهَة البَائِع خِيَار فَيجب تَأْجِيله لقولها: من اشْترى من رجل سلْعَة إِلَى آخر مَا مرّ قَرِيبا مَعَ قَوْلهَا من ابْتَاعَ سلْعَة بِالْخِيَارِ وَلم يضربا أَََجَلًا جَازَ وَضرب لَهُ من الْأَجَل مَا يَنْبَغِي فِي مثل تِلْكَ السّلْعَة اه. وَنَقله (ح) فِي التزاماته وَقَالَ عقبه. قلت: الظَّاهِر أَنه لَيْسَ هُنَا عقد بيع، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف أوجبه على نَفسه وَالله أعلم اه. قلت: مستندهم فِي ذَلِك ظَاهر، وَهُوَ أَن المُشْتَرِي إِنَّمَا أوجب على نَفسه البيع عِنْد الْإِتْيَان بِالثّمن كَمَا قَالَه أَبُو الْفضل رَاشد فِي جَوَاب لَهُ طَوِيل. ومحصله أَنه لَا يَقع الْإِيجَاب فِي الْإِقَالَة بِنَفس القَوْل، وَإِنَّمَا يَقع الْإِيجَاب بعد الْمَجِيء بِالثّمن وَأَنه لَيْسَ فِي الْحَالة الراهنة إِلَّا الْتِزَام وَتَعْلِيق على وَجه الْمَعْرُوف، وَإِنَّمَا يُوجد البيع فِي ثَانِي حَال حَيْثُ يُوجد الْمُعَلق عَلَيْهِ. الثَّانِي: الثَّمَرَة المؤبرة الْحَادِثَة فِي الثنيا المتطوع بهَا بعد العقد كَمَا هُوَ موضوعنا للْمُشْتَرِي المقيل عملا بقول (خَ) : وَلَا الشّجر المؤبر الخ. وَأَحْرَى إِذا أزهت أَو طابت، وَقَول ابْن هِلَال فِي نوازله: وَالثَّمَرَة للْبَائِع الْمقَال مُطلقًا أبرت أم لَا. لِأَن الْمُبْتَاع ألزم نَفسه مُتَبَرعا بِأَن البَائِع مَتى أَتَاهُ بِالثّمن فالمبيع مَرْدُود عَلَيْهِ، وَقد فرقوا بَين مَا توجبه الْأَحْكَام وَمَا يُوجِبهُ الْمَرْء على نَفسه اه. تعقبه بعض بِأَنَّهُ كَلَام غير صَحِيح لِأَن الْإِقَالَة بيع إِلَّا فِي الطَّعَام وَالشُّفْعَة والمرابحة وَنَحْوهَا، فَإِذا جَاءَ الْمقَال بِالثّمن فَحِينَئِذٍ يَقع البيع كَمَا مر عَن أبي الْفضل رَاشد فَتكون الثَّمَرَة الْمَأْبُورَة للمقيل الَّذِي هُوَ الْمُبْتَاع إِلَّا أَن يشترطها البَائِع الَّذِي هُوَ الْمقَال اه. الثَّالِث: إِذا مَاتَ المتطوع بالثنيا قبل الْأَخْذ بهَا بطلت كَانَت لأجل أَو لغير أجل كَمَا هُوَ ظَاهر إطلاقاتهم لِأَنَّهَا هبة لم تقبض قَالَه أَبُو الْفضل رَاشد وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحسن. قَالَ القوري حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الزياتي وَبِه الْقَضَاء وَالْفَتْوَى، وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيم الْأَعْرَج. لَا تبطل بِنَاء على أَنَّهَا بيع، وَأما إِذا مَاتَ البَائِع فوارثه بِمَنْزِلَتِهِ اتِّفَاقًا. الرَّابِع: إِذا وَقعت الْإِقَالَة مُطلقَة وَلم يقل إِن أتيتني بِالثّمن فَأفْتى فِيهَا بعض بِأَنَّهَا إِقَالَة لَازِمَة للْمُشْتَرِي ولورثته قَالَ: لِأَن الْقَاعِدَة المذهبية أَن الْإِقَالَة بيع إِلَّا فِي الطَّعَام وَالشُّفْعَة والمرابحة وَنَحْوهَا وعقود الْمُعَاوَضَات لَا تفْتَقر إِلَى حِيَازَة وَلَيْسَت هَذِه من نَاحيَة من أوجب على نَفسه الْإِقَالَة إِذا أَتَى بِالثّمن الَّذِي اخْتلف فِيهِ أَبُو الْفضل رَاشد وَأَبُو إِبْرَاهِيم للْفرق الظَّاهِر بَين الْمُطلقَة والمقيدة من وُجُوه لَا تخفى مِنْهَا: أَن الْإِقَالَة الْمُخْتَلف فِيهَا بَين من ذكر هبة لِأَنَّهَا تجوز لغير أجل بِإِجْمَاع وَلَو كَانَت بيعا لما جَازَت لغير أجل، وَالْإِقَالَة الْمُطلقَة بِخِلَاف ذَلِك لِأَنَّهَا بيع يشْتَرط فِيهَا شُرُوطه، وَمِنْهَا: أَن الْمقيدَة إِذا تصرف فِيهَا المتطوع بِبيع أَو نَحوه قبل أَن يَأْتِيهِ بِالثّمن مضى تصرفه حَتَّى قَالَ اللَّخْمِيّ: إِن ذَلِك يجوز لَهُ ابْتِدَاء إِذا وَقعت لغير أجل وَلَو كَانَت بيعا مَحْضا جَازَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر، وَمِنْهَا: أَن الْمقيدَة الْغلَّة فِيهَا للْمُشْتَرِي وَعَلِيهِ الضَّمَان مَا دَامَ البَائِع لم يَأْته بِالثّمن وَذَلِكَ دَلِيل على أَنَّهَا على ملكه بِخِلَاف الْمُطلقَة فضمانها من الْمقَال وَالْغلَّة لَهُ من يَوْم العقد،
стр. 758
وَهَذَا أَمر لَا يخْتَلف فِيهِ. وَمِنْهَا: أَن الْمقيدَة لم تقع فِيهَا إِقَالَة أصلا وَإِنَّمَا وَقع فِيهَا تَعْلِيق إنْشَاء الْإِقَالَة عِنْد الْإِتْيَان بِالثّمن، فَإِذا مَاتَ المُشْتَرِي قبل الْإِتْيَان بِهِ فقد مَاتَ قبل وُقُوعهَا وَقبل أَن يُخَاطب بهَا فَهِيَ عِنْد مَوته على ملكه وتنتقل إِلَى ورثته ففاتت كَمَا تفوت إِذا بَاعهَا المُشْتَرِي المقيل، وَلَا كَذَلِك الْمُطلقَة فَإِنَّهَا بيع قد تمّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول اه. بِاخْتِصَار من خطّ أبي الْعَبَّاس الملوي ﵀. الْخَامِس: أَن الْمُبْتَاع إِذا بنى فِي الدَّار أَو غرس فِي الأَرْض بعد أَن طاع بذلك للْبَائِع وَقبل انْقِضَاء الْأَجَل فَقَالَ ابْن رشد: لَهُ قِيمَته منقوضاً لتعديه كَمَا إِذا بنى البَائِع فِي دَار بَاعهَا على أَن الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ قبل انْقِضَاء أمد الْخِيَار أَو بنى الْمُبْتَاع قبل انْقِضَاء أمد الْخِيَار وَكَانَ الْخِيَار للْبَائِع اه. قلت: هَذَا إِذا كَانَت مُؤَجّلَة بِأَجل، وَأما إِذا كَانَت غير مُؤَجّلَة فيفهم مِنْهُ أَن الْبناء وَالْغَرْس فَوت على الْمقَال فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا بِمَنْزِلَة البيع كَمَا مر. السَّادِس: الشُّفْعَة ثَابِتَة فِي هَذَا البيع الَّذِي تطوع فِيهِ بالإقالة، وَلَو حصلت الْإِقَالَة بِالْفِعْلِ مَا لم يجر الْعرف بشرطية ذَلِك فِي العقد كَمَا يَأْتِي قَرِيبا وإلاَّ فَهُوَ بيع فَاسد لَا شُفْعَة فِيهِ أصلا إِلَّا بعد فَوَاته إِن قُلْنَا إِنَّهَا رهن كَمَا مر. السَّابِع: إِذا أحضر البَائِع الثّمن قبل انْقِضَاء الْأَجَل أَو عِنْده أَو أحضرهُ فِي حَيَاة المتطوع فِي الْمُطلقَة فَلم يقبله المتطوع الْمَذْكُور حَتَّى مَاتَ أَو انْقَضى الْأَجَل بأيام فَقَالَ سَيِّدي يحيى: الْمُتَقَدّم ذكره إِذا أثبت البَائِع أَو ورثته ذَلِك فَإِنَّهُ يَنْفَعهُمْ وَيرد إِلَيْهِم الأَصْل بذلك وَلَا يفوت عَلَيْهِم بِمَوْتِهِ وَلَا بِانْقِضَاء الْأَجَل. الثَّامِن: اخْتلف إِذا بَاعه شَيْئا عقارا أَو غَيره وَطلب البَائِع الْإِقَالَة فَقَالَ لَهُ: أَخَاف أَن تبيعه لغيري فَقَالَ: إِن أَو إِذا بِعته لغيرك فَهُوَ لَك بِالثّمن الأول وَبِالَّذِي أبيعه بِهِ فأقاله المُشْتَرِي، فَإِذا بَاعه البَائِع لغيره، فَهُوَ لَهُ، إِن بَاعه بِالْقربِ على مَا فِي سَماع ابْن خَالِد لِابْنِ الْقَاسِم وَابْن كنَانَة لَا إِن بَاعهَا بعد بُعد، والقرب أَن يَبِيعهَا فِي زمن تلْحقهُ فِيهِ التُّهْمَة، والبعد أَن يَبِيعهَا بعد زمَان تَنْقَطِع فِيهِ التُّهْمَة عَن البَائِع وَيظْهر مِنْهُ حُدُوث رَغْبَة فِي البيع كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، هَذَا إِذا عبّر بِأَن أَو إِذا كَمَا مرّ، وَأما إِذا عبر بمتى فَهُوَ لَهُ وَلَو بَاعه بعد بُعد لِأَن مَتى لَا تَقْتَضِي قرب الزَّمَان كَمَا قَالَه ابْن رشد قَالَ: وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا الشَّرْط فِي الْإِقَالَة لِأَنَّهَا مَعْرُوف، ولمحمد بن خَالِد أَن الْإِقَالَة على هَذَا الشَّرْط لَا تجوز كَالْبيع اه. الْبُرْزُليّ أَوَائِل الْبيُوع من ديوانه عَن الْمَازرِيّ، وَالْمَشْهُور من الْمَذْهَب فَسَاد هَذِه الْإِقَالَة لما فِي ذَلِك من التحجير وَهِي بيع من الْبيُوع، فَإِذا نزلت فسخت الْإِقَالَة وَإِن طَال ذَلِك وفاتت الأَرْض وَنَحْوهَا بِالْبيعِ مضى البيع وفاتت الْإِقَالَة بِهِ لِأَنَّهُ بيع صَحِيح اه. ثمَّ مَا تقدم من الْفرق بَين إِن وَمَتى هُوَ مَا فهمه ابْن رشد وَفهم صَاحب ضيح أَنه لَا فرق بَينهمَا لِأَنَّهُ عبر بمتى وَفرق بَين الْقرب والبعد. وَفِي الالتزامات لِابْنِ رشد قَول ثَالِث وَهُوَ أَنه إِن استقاله فَقَالَ: أخْشَى أَنَّك إِنَّمَا سَأَلتنِي الْإِقَالَة أَو البيع لربح ظهر لَك لَا لرغبة فِي الْمَبِيع فَقَالَ: بل لرغبتي فِيهِ فأقاله أَو بَاعه على أَنه أَحَق بِهِ إِن بَاعه فَهُوَ أَحَق بِهِ بِالْقربِ وَإِن لم يقل لَهُ شَيْء من ذَلِك، وَإِنَّمَا أقاله أَو بَاعه على أَنه إِن بَاعه فَهُوَ أَحَق بِهِ بِالثّمن لم يجز ذَلِك فِي البيع، وَيخْتَلف فِي الْإِقَالَة لِأَن بَابهَا الْمَعْرُوف لَا المكايسة اه. وَقد تحصل أَن فِي الْمَسْأَلَة أقوالاً مشهورها الْفساد،
стр. 759
وَالثَّانِي اخْتِيَار ابْن رشد، وَالثَّالِث صِحَة الْإِقَالَة وَيفرق بَين الْقرب والبعد، وَهل يشْتَرط أَن يعبر بإن أَو إِذا لَا بمتى وَإِلَّا لزمَه الشَّرْط، وَإِن بَاعَ بعد طول. وَهُوَ فهم ابْن رشد أَو مُطلقًا وَهُوَ ظَاهر كَلَام ضيح لِأَنَّهُ عبر بمتى وَفرق بَين الْقرب وَالْعَبْد، وعَلى القَوْل بِصِحَّة الْإِقَالَة هُنَا تستثنى هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَسْأَلَة التَّطَوُّع بهَا بعد العقد من قَوْلهم: لَا يقبل البيع تَعْلِيقا كَمَا قيل: لَا يقبل التَّعْلِيق بيع وَنِكَاح فَلَا يَصح بِعْت ذَا إِن جا فلاح وَالْفرق بَين هَذِه وَبَين التَّطَوُّع بالإقالة حَتَّى جرى فِي هَذِه خلاف، وَجَاز التَّطَوُّع بِإِجْمَاع ظَاهر لِأَنَّهُ فِي التَّطَوُّع الْتزم بعد العقد أَن ينشىء الْمَبِيع عِنْد الْإِتْيَان بِالثّمن كَمَا مر. وَهَذِه الْتزم فِي صلب عقد الْإِقَالَة إِنَّه إِن بَاعهَا فَهُوَ أَحَق بهَا وَالله أعلم. وعَلى القَوْل بِصِحَّة الْإِقَالَة فَهَل تبطل بِمَوْت الْمقَال لِأَنَّهَا مَعْرُوف كَمَا مرّ عَن ابْن رشد وَبِه أفتى بَعضهم. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الملوي: وَيظْهر لي أَنَّهَا لَا تبطل بِمَوْتِهِ بل هِيَ لَازِمَة لوَرثَته لِأَن الظَّاهِر فِي الْمَسْأَلَة أَنَّهَا من بَاب الِالْتِزَام الْمُعَلق على فعل الْمُلْتَزم لَهُ، وَذَلِكَ لِأَن الْمقَال الْتزم للمقيل أَنه إِن بَاعهَا فَهُوَ أَحَق بهَا على شَرط أَن يقبله فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَة من بَاب التَّبَرُّع الْمَحْض، وَإِنَّمَا هِيَ من بَاب هبة الثَّوَاب. وَقد ذكره فِي الالتزامات فِي التَّنْبِيه الثَّالِث قبل الْكَلَام على بيع الثنيا أَن الِالْتِزَام على الْفِعْل الْمُعَلق على فعل الْمُلْتَزم لَهُ لَا يبطل بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ مُعَاوضَة، وَتقدم قبل التَّنْبِيه الْمَذْكُور: من الْتزم لغيره مَالا على أَن يُطلق زَوجته لَا يفْتَقر لحيازة وَتقدم صدر الالتزامات قَول ابْن رشد: من الْتزم نَفَقَة زَوْجَة وَلَده فِي صلب العقد فَإِنَّهَا لَا تسْقط بِمَوْتِهِ، وَتَأمل قَوْلهم: لَا تفْتَقر النحلة إِلَى حِيَازَة فالجاري على قَوَاعِد الْمَذْهَب لُزُوم ذَلِك لوَرثَته إِن لم يحصل طول لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْرُوف صرف حَتَّى يبطل بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُعَاوضَة لِأَنَّهُ مَا أقاله إِلَّا ليلتزم، وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي الطوع بالثنيا من النزاع بَين الْفَقِيه رَاشد وَغَيره، فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب لِأَن ذَلِك طوع بالإقالة لَا شَرط فِيهِ اه. بِاخْتِصَار من خطه ﵀، وَإِنَّمَا أطلت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لِكَثْرَة وُقُوعهَا. وَمن الْفُقَهَاء المهرة من يَقُول بِصِحَّة الْإِقَالَة فِيهَا، وَلَا سِيمَا وَهُوَ قَول مَالك وَابْن الْقَاسِم قَالَ فِي الالتزامات بعد نقل قولي مَالك وَابْن الْقَاسِم بِالْجَوَازِ، وَنقل كَلَام ابْن رشد واختياره مَا نَصه: الْحَاصِل أَن هَذَا الشَّرْط لَا يجوز فِي البيع ويفسده وَلَيْسَ فِي ذَلِك خلاف، وَأما فِي الْإِقَالَة فَاخْتلف قَول مَالك وَابْن الْقَاسِم بِجَوَازِهِ، وَلذَلِك اقْتصر عَلَيْهِ أَي على جَوَازه الشَّيْخ خَلِيل فِي كَلَامه السَّابِق فِي شُرُوط النِّكَاح، وَاقْتصر عَلَيْهِ أَيْضا غير وَاحِد من الموثقين، وَالْخلاف جَار وَلَو كَانَ فِي أمة فَإِن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي سَماع مُحَمَّد بن خَالِد فِيمَن يَبِيعهُ أرضه أَو جَارِيَته ثمَّ يستقيله، وَمُقْتَضى كَلَامهم أَن ذَلِك لَا يُوجب منع البَائِع من وَطئهَا بعد الْإِقَالَة وَهُوَ ظَاهر وَالله أعلم اه. فَكَلَامه هَذَا يُفِيد أَن الْمُعْتَمد فِي الْمَسْأَلَة هُوَ الْجَوَاز، وَلذَلِك اقْتصر عَلَيْهِ فِي ضيح كَمَا قَالَ: وَلَا سِيمَا وَقد ذكره فِي ضيح فِي معرض الِاحْتِجَاج على أَن الْمَرْأَة إِذا وضعت شَيْئا من صَدَاقهَا خوف طَلاقهَا فَإِن طَلقهَا بِالْقربِ رجعت بِمَا وضعت وإلاَّ فَلَا. قَالَ: كَمَا قَالُوا إِذا سَأَلَ البَائِع المُشْتَرِي الْإِقَالَة فَقَالَ لَهُ المُشْتَرِي: إِنَّمَا مرادك البيع لغيري، فَيَقُول لَهُ البَائِع: مَتى بعتها فَهِيَ لَك بِالثّمن الأول أَنه إِن بَاعَ عقب الْإِقَالَة أَو قَرِيبا مِنْهَا فَللْبَائِع شَرطه وَإِن بَاعَ بعد طول أَو لحدوث سَبَب فَالْبيع مَاض اه. وَمثله لِابْنِ عبد السَّلَام. وَمَعْلُوم أَنه لَا يحْتَج بمختلف فِيهِ فقد نزلا الْقَائِل بِالْمَنْعِ منزلَة الْعَدَم وَلَو كَانَ القَوْل بِالْمَنْعِ مَشْهُورا كَمَا قَالَ الْمَازرِيّ مَا صَحَّ لَهما الِاحْتِجَاج، وَقد علمت أَنه فِي سَماع
стр. 760
مُحَمَّد بن خَالِد وَمثله لسَحْنُون فِي سَمَاعه عَن ابْن الْقَاسِم أَيْضا وَأَنه قَول مَالك فِي سَماع أَشهب وَابْن الْقَاسِم أَيْضا مستدلاً على جَوَاز الْإِقَالَة الْمَذْكُورَة بِمَسْأَلَة الوضيعة للطَّلَاق، وَصحح استدلاله ابْن رشد كَمَا فِي الالتزامات وَذَلِكَ كُله من أدل دَلِيل على أرجحيته. وَلذَا اقْتصر عَلَيْهِ النَّاظِم فِي فصل الْإِقَالَة، وَكَذَا اقْتصر عَلَيْهِ غير وَاحِد من الموثقين، والاقتصار من عَلَامَات التشهير وَعَلِيهِ فاعتراض (ت) وَالشَّيْخ بناني فِي حاشيتهما على (ز) الَّذِي اعْتمد الْجَوَاز فِي الْمَسْأَلَة تبعا للأجهوري بتشهير الْمَازرِيّ، وَبقول ابْن رشد الَّذِي يُوجِبهُ الْقيَاس، وَالنَّظَر عِنْدِي أَنه لَا فرق بَين الْإِقَالَة وَالْبيع فِي هَذَا الخ. لَا يتم وَلَا يحسن لما علمت من قُوَّة القَوْل بِالْجَوَازِ وَتَحْصِيل (ح) يُفِيد أَنه الْمُعْتَمد، وَلِأَن ابْن رشد لم يقْتَصر على هَذَا، بل زَاد وَاخْتَارَ التَّفْصِيل الَّذِي تقدم عَنهُ، فاختياره قَول ثَالِث كَمَا مر، وَلِأَنَّهُ لما تكلم على مَا فِي سَماع سَحْنُون صحّح الْجَوَاز وعضده، وَلِأَن التحجير الَّذِي فِي كَلَام الْمَازرِيّ يَنْتَفِي بالطول الَّذِي تَنْتفِي مَعَه التُّهْمَة فيمضي تصرفه أَو لِأَنَّهُ مغتفر لجَانب الْمَعْرُوف، وَلِأَن (ح) لم يعرج على تشهير الْمَازرِيّ فِي الالتزامات أصلا، وَكَذَا لم يذكرهُ ابْن عَرَفَة وَلَا غَيره، وَلما نقل (ح) كَلَام الْمَازرِيّ عِنْد قَول المُصَنّف وَالْإِقَالَة بيع قَالَ: وَالْمَسْأَلَة مَذْكُورَة فِي ابْن عبد السَّلَام وضيح وبهرام الْكَبِير فِي فصل الصَدَاق إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَن الْجَمَاعَة على خلاف تشهيره، وَكَذَا الْمواق فَإِنَّهُ قَالَ عِنْد قَول (خَ) : كَانَ لَا يَبِيع مَا نَصه الْإِقَالَة بيع فَإِن أقاله على أَن لَا يَبِيع فبينها وَبَين البيع على هَذَا الشَّرْط فرق كَالزَّوْجَةِ تضع مهرهَا على شَرط أَن لَا يطلقهَا الخ. فَلم يعرج على تشهير الْمَازرِيّ الَّذِي نَقله الْبُرْزُليّ مَعَ أَنه كثيرا مَا ينْقل كَلَامه، بل اعْتمد فِي ذَلِك نَص الرِّوَايَة وَلِأَنَّهُم قَالُوا كَمَا للشَّيْخ طفي وَغَيره: إِذا اتّفق قَول سَحْنُون وَابْن الْقَاسِم لَا يعدل عَنهُ فَكيف إِذا وافقهما قَول الإِمَام؟ ذكر ذَلِك فِي بَاب الزَّكَاة، وَبِمَا لمَالِك فِي سَماع أَشهب أفتى سَيِّدي أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب الشريف حَسْبَمَا فِي نَوَازِل العلمي، وَمَا كَانَ يخفى على مثله وَلَا على غَيره تشهير الْمَازرِيّ وَالله أعلم. وَحَيْثُمَا شَرْطٌ عَلَى الطَّوْعِ جُعِلْ فَالأَحْسَنُ الكَتْبِ بِعَقْدٍ مُسْتَقِلْ (وحيثما شَرط على الطوع جعل) لَو قَالَ وحيثما الثنيا لسلم من التدافع الَّذِي بَين شَرط وطوع قَالَه (ت) (فَالْأَحْسَن الْكتب) لذَلِك الطوع (بِعقد مُسْتَقل) عَن رسم البيع قَالَه ابْن مغيث، وَالَّذِي مضى عَلَيْهِ الْعَمَل أَن يكْتب فِي عقد الطوع بالثنيا على انْفِرَاده لِأَنَّهُ أبعد من المظنة وَإِن وَقع ذَلِك فِي عقد الابتياع أَي قبل تَقْيِيد الْإِشْهَاد وَبعد وصف البيع بِأَنَّهُ لَا شَرط فِيهِ وَلَا ثنيا وَلَا خِيَار جَازَ ذَلِك اه. وَنَحْوه فِي الْمُتَيْطِيَّة وَابْن سَلمُون. ثمَّ إِذا كتب ذَلِك الطوع فِي عقد مُسْتَقل أَو فِي آخر رسم الابتياع وَادّعى أَحدهمَا أَن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ شرطا مَدْخُولا عَلَيْهِ وَالْآخر أَنه طوع حَقِيقِيّ.
стр. 761
وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعٍ لِلطّوْعِ لَا مُدَّعِيَ الشَّرْطِ بِنَفْسِ البَيْعِ (فَالْقَوْل قَول مُدع للطوع) بِيَمِين وَقيل بِلَا يَمِين للبينة الَّتِي قَامَت لَهُ وَثَالِثهَا يحلف الْمُتَّهم فَقَط (لَا) قَول (مدعي الشَّرْط بِنَفس البيع) وأنهما دخلا على الثنيا فِي أصل العقد. هَذَا قَول ابْن الْعَطَّار قَائِلا لِأَن الأَصْل فِي الْعُقُود الصِّحَّة، وَفِي طرر ابْن عَاتٍ عَن المشاور إِن القَوْل لمُدعِي الشّرطِيَّة فَيحلف وَيفْسخ البيع لما جرى من عرف النَّاس قَالَ: وَبِذَلِك الْفَتْوَى عندنَا اه. وَلذَا اعْترض الشَّارِح هَذَا الْبَيْت على أَبِيه قَائِلا: إِن ابْن الْعَطَّار وقف مَعَ قَوْلهم أَن القَوْل لمُدعِي الصِّحَّة دون مَا قيد من قَوْلهم إِلَّا حَيْثُ يغلب الْفساد يَعْنِي وَهَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا يغلب فِيهَا الْفساد فَيجب أَن يكون القَوْل فِيهَا لمدعيه كَمَا قَالَ ابْن الفخار اه. وَمِمَّا يرجحه قَول ابْن فَرِحُونَ فِي تبصرته إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي صِحَة العقد وفساده فَالْقَوْل لمُدعِي الصِّحَّة إِلَّا أَن يكون جلّ أهل ذَلِك الْبَلَد أَن معاملتهم على الْمَكْرُوه وَالْحرَام فَالْقَوْل قَول مدعي ذَلِك مَعَ يَمِينه لِأَن استفاضة ذَلِك وشهرته فِي الْبَلَد صَار كالبينة القاطعة وَالشَّهَادَة التَّامَّة وعَلى مدعي الْحَلَال الْبَيِّنَة اه. هُوَ قَول (خَ) وَالْقَوْل لمُدعِي الصِّحَّة إِلَّا أَن يغلب الْفساد اه. وَظَاهر هَذَا أَن الْخلاف جَار وَلَو نَص فِي الْوَثِيقَة أَن البيع وَقع دون شَرط وَلَا ثنيا وَلَا خِيَار وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي الْبُرْزُليّ، وَنَقله العلمي أَيْضا. وَفِي المعيار سُئِلَ ابْن رشد عَمَّا يكْتب من الشُّرُوط على الطوع وَالْعرْف يَقْتَضِي شرطيتها فَقَالَ: إِذا اقْتضى الْعرف شرطيتها فَهِيَ مَحْمُولَة على ذَلِك وَلَا ينظر لكتبها على الطوع لِأَن الْكتاب يتساهلون فِيهَا وَهُوَ خطأ مِمَّن فعله. وَأجَاب ابْن الْحَاج بِأَن الحكم للمكتوب لَا للْعُرْف اه. وعَلى مَا لِابْنِ رشد عول فِي اللامية حَيْثُ قَالَ: وَشرط نِكَاح إِن نزاع بطوعه جرى مُطلقًا فاعمل على الشَّرْط واعدلا وَلَا مَفْهُوم لنكاح، وَبِهَذَا كُله يعلم مَا فِي قَول الْمُتَيْطِيَّة إِنَّه إِذا قَالَ فِي الْوَثِيقَة: دون شَرط
стр. 762
وَلَا ثنيا وَلَا خِيَار فَمحل اتِّفَاق أَن القَوْل لمُدعِي الطوع الخ. بل الْخلاف مَوْجُود كَمَا ترى، وَفِي نَوَازِل المجاصي أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَأجَاب: بِأَنَّهُ قد تكَرر مني جَوَاب بعد جَوَاب غير مرّة وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا، ورأيي فِيهَا تَابع لرأي بعض شُيُوخنَا ﵏، وَأَنه مَتى ثَبت رسم الْإِقَالَة وَلَو بِصُورَة التَّطَوُّع فَهُوَ مَحْمُول على أَنه شَرط فِي نفس العقد، وَقَول المتيطي: مَا لم يقل وَلَا ثنيا وَلَا خِيَار الخ. ذَلِك عرف وقته إِذْ لَا تعرف عَامَّة زمننا الثنيا بل يسمونه بيعا وإقالة، وَالشُّهُود يجرونَ المساطير من غير تَحْقِيق لِمَعْنى مَا يَكْتُبُونَ اه. وَنَحْوه فِي (م) و (ت) قَالَا: وَيدل عَلَيْهِ أَن البيع يَقع بِأَقَلّ من الْقيمَة بِكَثِير، فلولا أَن البَائِع يعْتَقد أَن ذَلِك بيد المُشْتَرِي كَالرَّهْنِ مَا رَضِي بذلك الثّمن وَلَا بِمَا يقرب مِنْهُ اه. قلت: كَون البيع يَقع بِأَقَلّ من الْقيمَة بِكَثِير مِمَّا يدل على أَنه رهن، وَأَنه شَرط فِي صلب العقد كَمَا يَأْتِي لَا على أَنه شَرط فِي العقد فَقَط، وَيُؤَيّد مَا نَحن بصدده من أَن القَوْل لمُدعِي الْعرف مَا يَأْتِي للناظم فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين: فَالْقَوْل قَول مُدع للْأَصْل أَو صِحَة فِي كل فعل فعل مَا لم يكن فِي ذَاك عرف جَار على خلاف ذَاك ذُو اسْتِقْرَار وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا مر عَن ابْن سَلمُون عِنْد قَوْله فِي بيع الْأُصُول: وَجَاز فِي الدَّار أَن يسْتَثْنى الخ. أَن المُشْتَرِي إِذا الْتزم أَن لَا يَبِيع حَتَّى ينصف من الثّمن فَإِن كَانَ فِي صلب العقد فَهُوَ فَاسد وإلاَّ صَحَّ فَإِن اخْتلفَا فِي كَونه فِي العقد أَو بعده فَالْقَوْل لمُدعِي الشَّرْط لِأَنَّهُ الْعرف اه. وَظَاهره وَلَو كتب على الطوع فَهَذَا كُله يدل على صِحَة اعْتِرَاض الشَّارِح وَمن تبعه على النَّاظِم، وَلذَا قَالَ ابْن رحال فِي حَاشِيَته هَهُنَا مَا قَالَ يَعْنِي (م) كُله صَحِيح، وَعَلِيهِ الْمعول فِي هَذِه الْمسَائِل وَلَا محيد عَنهُ أصلا فَإِنَّهُ مُوَافق لكَلَام الْمُحَقِّقين اه. وَنَحْوه لَهُ فِي شرح الْمُخْتَصر. قلت: هَذَا كُله يُؤَيّد مَا مر فِي التَّنْبِيه الأول عِنْد قَوْله: وَالْبيع بالثنيا لفسخ دَاع الخ. لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْعرف يجب اتِّبَاعه فِي هَذِه، وَإِن خَالفه الْمَكْتُوب فَكَذَلِك فِي تِلْكَ يجب اتِّبَاعه، وَإِن كتبُوا أَنَّهَا بيع لِأَن الْعرف أَنهم يتحيلون بكتب البيع على إِسْقَاط الْغلَّة كَمَا مر، وَذَلِكَ كُله إِذا كَانَت الْإِقَالَة شرطا فِي صلب عقد البيع كَمَا مر، وَكَذَا يُقَال: إِذا كتبت طَوْعًا بعد العقد وَادّعى البَائِع شرطيتها فِيهِ وَأَنَّهَا رهن كتبت بِصُورَة البيع تحيلاً لإِسْقَاط الْغلَّة أَو الْحِيَازَة فَإِنَّهُ يصدق حَيْثُ ثَبت الْعرف بالشرطية والارتهان كَمَا مر، فَفِي الْبُرْزُليّ مَا نَصه فِي أَحْكَام ابْن حَدِيد: إِذا ادّعى البَائِع أَن البيع كَانَ فِي أَصله رهنا فَالَّذِي نقُول بِهِ إِن الْمُبْتَاع إِن كَانَ من أهل الْعينَة وَالْعَمَل بِمثل هَذَا وَشبهه، فَالْقَوْل قَول البَائِع مَعَ يَمِينه أَنه رهن وَلَا يخفى أَن النَّاس الْيَوْم على ذَلِك الْعَمَل من كَونهم لَا يتورعون عَن اكْتِسَاب الأشرية بمَكَان الارتهان كَمَا هُوَ مشَاهد بالعيان. وَفِي المعيار عَن أبي يُوسُف الزغبي مَا نَص: الْغَرَض مِنْهُ أَن بَيِّنَة البيع هِيَ الْمَعْمُول بهَا إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة أَن عرف الْبَلَد فِي البيع الَّذِي يَقع الْحَوْز فِيهِ بالمعاينة على الرَّهْن، ثمَّ تقع الثنيا بعده أَنه رهن فِي كل مَا يَقع من ذَلِك وَلَا يشذ عَن ذَلِك شَيْء فَحِينَئِذٍ يحمل الْأَمر على الرَّهْن اه. لَكِن قَوْله: وَلَا يشذ عَن ذَلِك شَيْء الخ. فِيهِ شَيْء بل كَذَلِك إِذا غلب ذَلِك لِأَن الْحمل على الْغَالِب وَاجِب، وَفِي نَوَازِل السجتاني بعد مَا مر عَنهُ عِنْد قَوْله: لفسخ دَاع الخ. بأوراق أَنه سُئِلَ
стр. 763
عَمَّا يَفْعَله أهل الْجبَال من ارتكابهم البيع الَّذِي تعقبه الْإِقَالَة تحيلاً على إِسْقَاط الْغلَّة لَو عقدوه بِلَفْظ الرَّهْن، وقصدهم فِي ذَلِك، إِنَّمَا هُوَ الرَّهْن بِهَذَا تقرر عرفهم فَقَالَ: حمل أَمرهم على مَا جرى بِهِ عرفهم وَاجِب محتم فِي الْقَضَاء وَالْفَتْوَى لَا مندوحة عَن ذَلِك قَالَ تَعَالَى: خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٩٩) وَإِذا وَجب حمل مَا يعقدونه من الثنيا الطوعي على الرَّهْن جرى فِي بيع ذَلِك على سَائِر بياعات الرِّهَان من جَوَاز بَيْعه بيد الْمُرْتَهن بِشَرْطِهِ، وَالسُّكُوت عَنهُ السنين الطَّوِيلَة لَا يضر اه. فَتبين بِهَذَا أَن الْمدَار على الْعرف فَإِذا جرى بالرهنية فَالْعَمَل عَلَيْهَا كَانَت الثنيا شرطا فِي العقد أَو طَوْعًا بعده وَيدل على الرهنية الْمَذْكُورَة كَون البيع يَقع بِأَقَلّ من الْقيمَة بِكَثِير، وَأَنَّهُمْ يبيعونه وَهُوَ بيد مُشْتَرِيه وَيَقُولُونَ: وضع ملكه بيد فلَان إِلَى غير ذَلِك مِمَّا مر عَن السجسْتانِي و (م) وَكفى بِهِ دَلِيلا على الارتهان الْمَذْكُور. وَتقدم أَن ابْن رحال صحّح جَمِيع مَا فِي (م) . تَنْبِيه: مَا تقدم من أَن القَوْل لمُدعِي الشَّرْط وَالْفساد مَحَله إِذا لم يكن قد أشهد فِي عقد الطواعية بِإِسْقَاط دَعْوَى الْفساد، وإلاَّ فَلَا يلْتَفت لدعواه وَلَو أثبتها بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ قد كذبهَا قَالَه فِي أَوَاخِر بُيُوع المعيار، وَأَشَارَ لَهُ (خَ) وَمحله أَيْضا وَالله أعلم إِذا لم يبعد مَا بَين التَّطَوُّع بهَا وَالْبيع كالأربعة أشهر وَنَحْوهَا، وإلاَّ فَيَنْبَغِي أَن تحمل على التَّطَوُّع حَقِيقَة حَيْثُ كَانَ الثّمن هُوَ قيمَة الْمَبِيع أَو مَا يقرب مِنْهَا. وَانْظُر مَا تقدم عِنْد قَوْله فِي النِّكَاح: وَيفْسد النِّكَاح بالإمتاع فِي عقدته الخ.
(فصل فِي بيع الْفُضُولِيّ)
وَهُوَ الَّذِي يَبِيع مَال غَيره بِغَيْر تَوْكِيل وَلَا إيصاء عَلَيْهِ. (وَمَا يماثله) كَهِبَة واستفادة الزَّوْج مَال زَوجته وَقِسْمَة تَرِكَة الْمديَان قبل أَدَاء الدّين. وَحَاضِرٌ بِيعَ عَلَيَهِ مَالُهُ بِمَجْلِسٍ فِيهِ السُّكُوتُ حَالُهُ (وحاضر) وَلَو امْرَأَة (بيع عَلَيْهِ مَاله بِمَجْلِس فِيهِ السُّكُوت حَاله) فَلم يُنكر وَلم يُغير وَهُوَ عَالم بِأَنَّهُ ملكه سَاكِت بِلَا عذر، فَإِن كَانَ لَهُ عذر فسيذكره. وَقد اخْتلف فِي السُّكُوت هَل هُوَ إِذن وَإِقْرَار أم لَا؟ وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ إِنَّه لَيْسَ بِإِذن وَلَا بِإِقْرَار إِلَّا فِيمَا يعلم بمستقر الْعَادة أَن أحدا لَا يسكت عَنهُ فَيكون إِذْنا وإقراراً كَمَا ذكره (ح) عَن ابْن رشد فِي بَاب الْإِقْرَار. يَلزَمُ ذَا البَيْعُ وَإنْ أَقَرَّ مَنْ بَاعَ لَهُ بِالْمَلِكِ أُعْطِيَ الثَّمَنْ (يلْزم ذَا) فَاعل يلْزم (البيع) نعت لَهُ أَو بدل، وَالْجُمْلَة خبر عَن قَوْله: وحاضر الخ. وَسَوَاء كَانَ البَائِع أَجْنَبِيّا أَو شَرِيكا بَاعَ الْجَمِيع وَانْظُر آخر الشُّفْعَة من ابْن سَلمُون. وَقَوْلِي: وَلَو امْرَأَة أَعنِي أَجْنَبِيَّة أَو زَوْجَة أَو أُخْتا للْبَائِع، وَلَا مقَال للْأُخْت فِي أَنَّهَا إِنَّمَا لم تغير خشيَة قطيعة أَخِيهَا. قَالَ أَبُو الْحسن الصَّغِير: وَأما إِذا بَاعَ الْأَخ نصِيبه وَنصِيب أُخْته وَعلمت بِهِ فالشأن أَنَّهُنَّ
стр. 764
يقمن على المُشْتَرِي وَلَا يسكتن عَنهُ، فيعد سكوتهن رضَا إِن لم يمنعهن مَانع أَي بِخِلَاف استغلاله ملك أُخْته وَهِي ساكتة عَالِمَة، فلهَا الرُّجُوع بالغلة لِأَن عَادَة نسَاء الْبَادِيَة والحاضرة أَن يطلبن ميراثهن من قرابتهن وَلَا يطلبن الْغلَّة خوفًا من قطيعة رحمهن اه. بِاخْتِصَار. وَانْظُر الِاسْتِحْقَاق من المعيار فِيمَن بيع عَلَيْهَا حظها، وَقَالَ الشُّهُود: وَلَا يعلمونها قَامَت عَلَيْهِ فِي شَيْء من ذَلِك أَن قَوْلهم ذَلِك لَا يُفِيد لاحْتِمَال أَن تكون فِي دارها لَا تتصرف، وَلَا نعلم حَتَّى يَقُولُوا إِنَّهَا كَانَت ترى ذَلِك وتشاهده وتمر عَلَيْهِ وَلَا تنكره اه. فَانْظُر ذَلِك فِيهِ وراجعه فَإِن فِيهِ كلَاما حسنا، وَظَاهر النّظم أَن السَّاكِت الْمَذْكُور لَا يعْذر بِالْجَهْلِ إِذا ادّعى أَنه جهل لُزُوم البيع بسكوته وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي التَّوْضِيح وَنَقله (ح) وَلها نَظَائِر ذكرهَا (تت) فِي بَاب الطَّلَاق من شَرحه على الرسَالَة، وَذكرهَا فِي ضيح فِي النِّكَاح، وَسَيَأْتِي آخر الْفَصْل مَا يُخَالِفهُ فَانْظُرْهُ. وَظَاهره أَيْضا أَنه لَا كَلَام للْمُشْتَرِي فِي حَال العقد عَن نَفسه لانتقال عقدته، وَفِيه أَقْوَال انظرها فِي الْمُتَيْطِيَّة فِي تَرْجَمَة عُهْدَة الْوَصِيّ وَالْوَكِيل (و) إِذا لزم البيع للساكت الْمَذْكُورَة ف (إِن أقرّ من بَاعَ) فَاعل بأقر (لَهُ بِالْملكِ) يتعلقان بأقر (أعطي) الْمقر لَهُ (الثّمن) مُؤَاخذَة لَهُ بِإِقْرَارِهِ سَوَاء أقرّ بِالْمَجْلِسِ أَو بعده بطول أَو قرب قَامَ الْمَالِك يطْلب الثّمن فِي الْحِين أَو بعد سِنِين، إِذْ طول السنين لَا يبطل حَقه الْمقر لَهُ بِهِ. وَأَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله: وان أقرّ الخ فَقَالَ: وإنْ يَكُنْ وَقْتَ المبِيعِ بائِعُهْ لِنَفْسِهِ ادَّعَاهُ وَهْوَ سَامِعُهْ (وَإِن يكن وَقت الْمَبِيع) هُوَ اسْم مفعول بِمَعْنى الْمصدر كَقَوْلِه تَعَالَى: بأيكم الْمفْتُون﴾ (الْقَلَم: ٦) أَي الْفِتْنَة. أَي: وَإِن يكن وَقت البيع. (بَائِعه) اسْم يكن (لنَفسِهِ ادَّعَاهُ) وَلم يقرّ بِهِ للْمَالِك بل قَالَ: أَنا أبيع مَا لي وملكي (وَهُوَ) أَي الْمَالِك (سامعه) حِين كَانَ يَقُول ذَلِك، وَمَعَ ذَلِك سكت فَلم يُغير وَلم يُنكر حَتَّى انْقَضى الْمجْلس، وَتمّ البيع، فَإِن قَامَ قبل السّنة وَأثبت أَنه ملكه وَالْبَائِع لَا زَالَ على إِنْكَاره وَلكنه لم يجد مطعناً فِيمَا أثْبته الْمَالِك فَيَقْضِي على البَائِع بِدفع الثّمن للْمَالِك وَلَا ينْقض البيع لِأَنَّهُ بسكوته لزمَه، وَأما إِن قَامَ بعد السّنة من يَوْم البيع فَهُوَ قَوْله: فَمَا لَهُ إنْ قَامَ أيَّ حِينِ فِي ثَمنٍ حَقّ وَلَا مَثْمُونِ (فَمَا لَهُ إِن قَامَ أَي حِين) أَي بعد حِين وَهُوَ السّنة (فِي ثمن حق وَلَا مثمون) هَذَا مَا يفِيدهُ كَلَام ابْن رشد الْمَنْقُول فِي (ح) وَنَصه قَالَ ابْن رشد: إِن كَانَ حَاضر الصَّفْقَة فَسكت حَتَّى انْقَضى الْمجْلس لزمَه البيع وَكَانَ لَهُ الثّمن، وَإِن سكت بعد انْقِضَاء الْمجْلس حَتَّى مضى الْعَام وَنَحْوه اسْتحق البَائِع الثّمن بالحيازة مَعَ يَمِينه اه. زَاد (ق) عَنهُ فِي آخر الشَّهَادَات مَعَ يَمِينه أَنه انْفَرد بِهِ بِالْوَجْهِ الَّذِي يذكرهُ من ابتياع أَو مقاسمة وَمَا أشبه ذَلِك اه. وَمعنى كَلَامه أَنه كَانَ يُنكره، وَلَكِن
стр. 765
أثبت الْمَالِك بعد سُكُوته أَنه ملكه وَلم يجد البَائِع مطعناً فِيهِ، وَلَكِن ادّعى أَنه صَار لَهُ بابتياع أَو مقاسمة أَو هبة وَنَحْوه، فَالْبيع لَازم بسكوته وَله الثّمن إِن قَامَ قبل السّنة لَا بعْدهَا، وَبِه يسْقط إِشْكَال (ت) الَّذِي أَشَارَ لَهُ فِي حَاشِيَته على (ز) من أَنه إِذا كَانَ البَائِع يَدعِي ملكه فَلَا وَجه للتَّقْيِيد بِالسنةِ إِذْ القَوْل قَوْله وَلَو داخلها لحوزه وتصرفه، وَإِن كَانَ مقرا بِأَنَّهُ ملك لغيره فالثمن لَهُ وَلَو بعد سِنِين اه. جَوَابه هُوَ مَا تقدم من أَنه كَانَ يُنكره لكنه لما اتَّصل سُكُوته من ابْتِدَاء البيع إِلَى تَمام السّنة تقَوِّي جَانب البَائِع وَصدق فِي الْوَجْه الَّذِي يذكرهُ، وَلم تعْتَبر بَيِّنَة الْمَالِك بِخِلَاف مَا إِذا لم يتَّصل سُكُوته وَقَامَ بالفور، فَلَو أبدل النَّاظِم أَي: ببعد لَكِن أحسن. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا إِذا لم يحضر للْبيع فَقَالَ: وَغَائِبٌ يَبْلُغهُ مَا عَمِلَهْ وَقَامَ بَعْدَ مُدّةٍ لَا شَيْءَ لَهْ (وغائب) عَن مجْلِس عقد البيع (يبلغهُ مَا عمله) الْفُضُولِيّ فِي مَاله من بَيْعه وادعائه لنَفسِهِ فَلم يقم حِينَئِذٍ (و) إِنَّمَا (قَامَ بعد) انْقِضَاء (مُدَّة) الْحِيَازَة وَأثبت ملكية ذَلِك وَعجز الْفُضُولِيّ عَن الطعْن فِيهَا فَإِنَّهُ (لَا شَيْء لَهُ) أَي الْمَالِك لَا من ثمن وَلَا غَيره لِأَن سُكُوته بعد الْعلم الْمدَّة الطَّوِيلَة دَلِيل على صدق البَائِع فِيمَا يذكرهُ من الْوَجْه الَّذِي صَار بِهِ إِلَيْهِ كَمَا مر. وَمَفْهُوم قَوْله بعد مُدَّة إِنَّه إِذا قَامَ قبلهَا كَانَ لَهُ مقَال وَهُوَ كَذَلِك. قَالَ ابْن رشد إِثْر مَا مر عَنهُ: وَإِن لم يعلم بِالْبيعِ إِلَّا بعد وُقُوعه فَقَامَ حِين أعلم أَخذ حَقه وَإِن لم يقم إِلَّا بعد الْعَام وَنَحْوه لم يكن لَهُ إِلَّا الثّمن وَإِن لم يقم حَتَّى مَضَت مُدَّة الْحِيَازَة لم يكن لَهُ شَيْء ويستحقه الْحَائِز بِمَا ادَّعَاهُ بِدَلِيل حيازته إِيَّاه اه. بِنَقْل (ح) و (ق) وَهَكَذَا نَقله أَبُو الْحسن والمتيطي والبرزلي وَغَيرهم وسلموه، وَقَوله حِين علم أَي بفور علمه قبل مُضِيّ مُدَّة تدل على رِضَاهُ بِالْبيعِ وإلاَّ فَلَيْسَ لَهُ الثّمن، وَلَو قَامَ قبل السّنة على مَا يَأْتِي عَن أَحْمد بن عبد الْملك فِي الْبَيْت بعده وَهُوَ الْمُعْتَمد، وَقَوله: أَخذ حَقه الخ. يَعْنِي إِن شَاءَ فسخ البيع وَإِن شَاءَ أَمْضَاهُ وَأخذ الثّمن وَهُوَ قَول (خَ) : ووقف ملك غَيره على رِضَاهُ الخ. وَانْظُر مَا مُرَاده بِمدَّة الْحِيَازَة، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بهما مَا زَاد على الْعَام وَنَحْوه زِيَادَة لَهَا بَال تدل على صدق البَائِع وَكذبه هُوَ فِي دَعْوَاهُ لَا أَنَّهَا الْعشْر سِنِين وإلاَّ حصل التدافع والتعارض فِي كَلَامه كَمَا لَا يخفى، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ المُرَاد بهَا الْعشْر فَلَا معنى لتحديد كَون الثّمن لَهُ بِالْعَام وَنَحْوه. وَغَيْرُ مَنْ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ حَضَرْ وبالمبيع بَائِعٌ لَهُ أَقَرْ (وَغير من فِي عقدَة البيع حضر) هَذَا مُسْتَغْنى عَنهُ لِأَنَّهُ هُوَ قَوْله: وغائب الخ. وَعَلِيهِ فَلَو أسقط هَذَا الْبَيْت وَقَالَ بدله مَا نَصه: إِن بَائِع بَاعَ وَملكه ذكر وَإِن بِملك بَائِع لَهُ أقرّ
стр. 766
وَقَامَ بالفور الخ. (وبالمبيع بَائِع لَهُ أقرّ) بِأَن قَالَ: أبيع مَتَاع فلَان عِنْد العقد أَو بعده بِقرب أَو بعد وَصدقه المُشْتَرِي. وَقَامَ بالْفَوْرِ فَذا التَّخْيَيرُ فِي إمْضائِهِ البَيْعَ أوِ الْفَسْخَ اقْتُفِي (وَقَامَ) فلَان (بالفور) أَي بفور علمه (فَذا) مُبْتَدأ (التَّخْيِير) مُبْتَدأ ثَان (فِي إمضائه البيع أَو الْفَسْخ) بِالْجَرِّ عطفا على إمضائه وأو بِمَعْنى الْوَاو وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بالتخيير (اقتفي) خبر أَي: فَهَذَا الَّذِي قَامَ بالفور التَّخْيِير فِي الْإِمْضَاء وَالْفَسْخ اقتفى لَهُ، وَظَاهره أَن البيع جَائِز وَلَو علم المُشْتَرِي بتعدي البَائِع وَهُوَ كَذَلِك على أحد قَوْلَيْنِ مشهورين وَعَلِيهِ عول (خَ) إِذْ قَالَ: وَملك غَيره على رِضَاهُ وَلَو علم المُشْتَرِي الخ. ابْن عَرَفَة قَالَ الْمَازرِيّ: لَو علم المُشْتَرِي بتعديه فَفِي إمضائه بإمضاء مُسْتَحقّه قَولَانِ مشهوران، وَيَنْبَغِي حمله على أَنَّهُمَا دخلا على بت البيع مُطلقًا وَعدم تَمْكِين مُسْتَحقَّة من فَسخه، وَلَو دخلا على تَمْكِينه من فَسخه لم يَنْبغ أَن يخْتَلف فِي فَسَاده اه. وَعَلِيهِ فَبيع ملك الْغَيْر على ثَلَاثَة أَقسَام: تَارَة يجهله الْمُبْتَاع وَلَا يعلم بتعديه إِلَّا بعد العقد فَالْبيع لَازم للْمُشْتَرِي إِن أَمْضَاهُ ربه، وَتارَة يعلم الْمُبْتَاع بتعديه فَهُوَ بيع خِيَار وَإِن دخلا على عدم تَمْكِين ربه من رده، فَالَّذِي عول عَلَيْهِ (خَ) هُوَ أحد قَوْلَيْنِ مشهورين جَوَازه وَهُوَ خِيَار أَيْضا، ولربه إمضاؤه أَو فَسخه. وَكَلَام النَّاظِم شَامِل لذَلِك كُله فَقَوله: وَقَامَ بالفور يَعْنِي فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة. قَالَ ابْن بطال: قَالَ لي أَحْمد بن عبد الْملك: وَالْمرَاد بِهِ أَبُو عمر الإشبيلي الْمَعْرُوف بِابْن المكوي فِي الرجل الَّذِي لم يحضر البيع إِذا علم وَسكت يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو مَا قرب فَإِن لَهُ الْقيام وَيفْسخ البيع مَا لم تكْثر الْأَيَّام فَيلْزمهُ اه. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد عِنْد النَّاظِم خلافًا لما لِابْنِ زرب من أَن لَهُ الْقيام فِي السّنة والسنتين من يَوْم الْعلم الخ. وَانْظُر ابْن سَلمُون فِي فصل بيع الحاضن، وَانْظُر شَارِح نظم الْعَمَل للْإِمَام الرباطي عِنْد قَول ناظمه فِي الصَّفْقَة والزم البيع وَلَا كلَاما الخ. ثمَّ لَا بُد حَيْثُ علم المُشْتَرِي بِالتَّعَدِّي أَن لَا تبعد غيبَة الْمَالِك وَأَن لَا يشْتَرط البَائِع على المُشْتَرِي النَّقْد حِينَئِذٍ. وَأَن يكتبا إِلَيْهِ فِي الْقَرِيبَة وَإِلَّا فسد البيع كَمَا مر فِي الْخِيَار، وَهَذَا وَالله أعلم هُوَ معنى قَول ابْن عَرَفَة: وَلَو دخلا على تَمْكِين الْمَالِك من فسخ البيع لم يَنْبغ أَن يخْتَلف فِي فَسَاد البيع أَي لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بيع خِيَار بمشورة بعيد أَو بِشَرْط النَّقْد أَو لمُدَّة مَجْهُولَة حَيْثُ لم يدخلا على الْكِتَابَة إِلَيْهِ فِي الْقَرِيبَة،
стр. 767
وكل ذَلِك مُوجب للْفَسَاد وَفِيه مُخَالفَة حِينَئِذٍ لما مر عَن ابْن بطال الَّذِي درج عَلَيْهِ النَّاظِم لأنّ ظَاهره أَن البيع لَازم إِذا كثرت الْأَيَّام، وَلَو علم المُشْتَرِي بتعديه لَكِن مَا لِابْنِ عَرَفَة هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ قَوْلهَا فِي الْخِيَار إِذا دخلا على الْخِيَار وَلم يضربا لَهُ أَََجَلًا فَإِنَّهُ يضْرب لَهُ من الْأَجَل مَا يَلِيق بِتِلْكَ السّلْعَة اه. فمفهومه أَنه إِذا غفلا وَلم يضربا لَهَا مَا يَلِيق بهَا كَانَ البيع فَاسِدا كَمَا مر، وَهنا حَيْثُ علم المُشْتَرِي بِالتَّعَدِّي دخلا على خِيَار الْمَالِك وغفلا عَن ضرب مَا يَلِيق بِالْمَبِيعِ فَتَأَمّله. وَأما إِذا لم يعلم المُشْتَرِي بِالتَّعَدِّي حِين العقد بل بعده أَو دخلا على عدم تَمْكِين الْمَالِك من فَسخه فالشراء لَازم لَهُ فِي الْقَرِيبَة وَيكْتب لمَالِك كَمَا قَالَه أَبُو الْحسن، وَفِي الْبَعِيدَة: لَا يلْزمه. وَله أَن يحل عَن نَفسه لما يلْحقهُ بِسَبَب الصَّبْر من الضَّرَر كَمَا قَالَه اللَّخْمِيّ وَغَيره قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: فَإِن لم يعلم المُشْتَرِي حَتَّى قدم الْغَائِب فَأمْضى البيع فَهُوَ مَاض وَلَا مقَال للْمُشْتَرِي اه. قلت: وَيبقى النّظر إِذا علم المُشْتَرِي وَالْغَائِب الْبعيد الْغَيْبَة وَرَضي المُشْتَرِي بِالصبرِ لقدومه فَظَاهر كَلَامهم أَن البيع صَحِيح وَلَو طَالَتْ الْغَيْبَة أَكثر من زمن الْخِيَار فِي تِلْكَ السّلْعَة فَتَأَمّله. وَلَكِن ظَاهر مَا تقدم عَن أبي الْحسن فِي الْخِيَار أَن البيع يفْسد فَانْظُرْهُ. وَقَوْلِي: وَصدقه المُشْتَرِي احْتِرَازًا مِمَّا إِذا أكذبه فَإِنَّهُ لَا يمْضِي قَوْله عَلَيْهِ كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْإِجَارَة لَا بِإِقْرَار الْمَالِك أَي: لَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة عقدهَا بِإِقْرَار مَالك الدَّابَّة أَو الدَّار أَنَّهُمَا لغيره وَالْبيع كَذَلِك لَا يقبل فِيهِ قَول البَائِع إِن الْمَبِيع لغيره إِلَّا إِذا أَقَامَ الْغَيْر بَيِّنَة أَنه لَهُ فَيثبت لَهُ الْخِيَار حِينَئِذٍ وإلاَّ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الثّمن أَو الْأُجْرَة. تَنْبِيه: حَيْثُ نقض الْمَالِك بيع الْفُضُولِيّ فَلِلْمُشْتَرِي الْغلَّة فِي جَمِيع الْأَحْوَال لِأَن الضَّمَان مِنْهُ إِلَّا إِذا علم بِالتَّعَدِّي حِين العقد، وَلم تكن للْبَائِع شُبْهَة من كَونه من نَاحيَة الْمَالِك أَو يتعاطى أُمُوره وَنَحْو ذَلِك كَمَا فِي شرَّاح (خَ) . ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم وَقَامَ بالفور فَقَالَ: وإنْ يَقُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ مَضى زَمَنْ فالبَيْعُ مَاضٍ وَلَهُ أَخْذُ الثَّمَنْ (وَإِن) لم (يقم) بالفور وَإِنَّمَا قَامَ (من بعد أَن مضى زمن) زَاد على الْخَمْسَة أَيَّام والستة على مَا يظْهر من النَّص السَّابِق (فَالْبيع مَاض وَله) أَي للْمَالِك (أَخذ الثّمن) مِنْهُ لِأَنَّهُ أقرّ بِأَنَّهُ لَا يسْتَحقّهُ وَلَا يسْقطهُ عَنهُ سكُوت الْمَالِك وَلَو طَال الزَّمَان كَمَا مرّ أول الْبيُوع. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَحل لُزُوم البيع فِي حق الْحَاضِر وَالْغَائِب فِيمَا تقدم إِذا سكت لغير عذر فَقَالَ: إنْ كَانَ عَالِماً بِفَعْلِ البَائِعِ وَسَاكِتاً لغيرِ عُذْرٍ مَانِعِ (إِن كَانَ) الْمَبِيع عَلَيْهِ مَاله الْحَاضِر أَو الْغَائِب (عَالما) حِين العقد فِي الْحَاضِر أَو بعده فِي الْغَائِب (بِفعل البَائِع وساكتاً) حَتَّى انْقَضى الْمجْلس فِي الْحَاضِر أَو حَتَّى مَضَت مُدَّة تدل على رِضَاهُ فِي الْغَائِب (من غير عذر مَانع) لَهُ من التَّغْيِير وَالْإِنْكَار، وَمَفْهُومه أَنه إِن لم يعلم بِفعل البَائِع أَو
стр. 768
علم وَسكت لعذر من سطوة البَائِع أَو كَانَ ذَلِك فِي بِلَاد السائبة وَنَحْو ذَلِك فَلهُ الْقيام وَهُوَ كَذَلِك إِذا أشهد الْعُدُول بِأَنَّهُ غير رَاض بِمَا فعله البَائِع وَقَامَ بفور زَوَال الْعذر وَالله أعلم. وحاضِرٌ لِوَاهِبٍ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يُغَيِّرْ مَا رَأى مِن حَالِهِ (و) مَالك (حَاضر لواهب) فُضُولِيّ (من مَاله) شَيْئا كدار أَو دَابَّة وَنَحْوهمَا (وَلم يُغير مَا رأى من حَاله) أَي حَال الْوَاهِب وَلم يُنكره بل هُوَ عَالم سَاكِت بِلَا عذر. الحُكْمُ مَنْعُهُ القِيَامَ بِانْقِضَا مَجْلِسهِ إذْ صَمْتُهُ عَيْنُ الرِّضَا (الحكم مَنعه الْقيام) فِي نقض تِلْكَ الْهِبَة وفسخها (بانقضا مَجْلِسه) أَي العقد (إِذْ صمته) وسكوته حَتَّى انْقَضى الْمجْلس (عين الرِّضَا) بِعقد الْهِبَة فِي مَاله وَظَاهره سَوَاء وهبه الْفُضُولِيّ وَهُوَ يَدعِيهِ لنَفسِهِ أَو يَدعِيهِ للْمَالِك، وَهُوَ كَذَلِك وَلَا شَيْء لَهُ عَلَيْهِ من قيمَة الْمَوْهُوب وَلَا غَيرهَا. وَالْعِتْقُ مُطْلقاً عَلى السَّوَاءِ معْ هِبَةٍ وَالْوَطْءِ للإمَاءِ (وَالْعِتْق) أَي عتق الْفُضُولِيّ لرقيق الْغَيْر وَالْمَالِك حَاضر سَاكِت بِلَا عذر (مُطلقًا) ناجزاً كَانَ أَو لأجل أَو تَدْبِير أَو كِتَابَة (على السوَاء مَعَ هبة) فِي اللُّزُوم (وَالْوَطْء للإماء) كَذَلِك مسْقط الْحق الْمَالِك فِيهِنَّ حَيْثُ كَانَ الواطىء يَدعِي الملكية للموطوءة، وَأَن سَيِّدهَا كَانَ وَهبهَا لَهُ أَو اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَنَحْو ذَلِك وسيدها حَاضر سَاكِت بِلَا عذر وَلم يُغير وَلم يُنكر، ثمَّ قَامَ يُنَازع فَلَا حق لَهُ، وَإِن قصرت الْمدَّة وَأثبت الملكية. وَأما إِذا كَانَ الواطىء لَا يَدعِي شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ زانٍ وسكوت الْمَالِك لَا يسْقط الْحَد عَنهُ، وَمَفْهُوم قَوْله: حَاضر إِنَّه إِذا لم يحضر مجْلِس عقد الْهِبَة أَو الْعتْق أَو الْوَطْء وَلَكِن بلغه ذَلِك فَإِن قَامَ بفور علمه كَالْيَوْمِ واليومين فَلهُ الْفَسْخ والإمضاء وَإِلَّا لزمَه ذَلِك كَمَا مر فِي البيع إِلَّا أَنه هُنَا لَا شَيْء لَهُ، لِأَنَّهُ فَوته بِغَيْر عوض. قَالَ ابْن رشد فِي كتاب الِاسْتِحْقَاق من بَيَانه إِثْر مَا مر عَنهُ: وَأما إِذا فَوته أَي الْفُضُولِيّ بِالصَّدَقَةِ أَو الْهِبَة أَو التَّدْبِير أَو الْعتْق فَإِن كَانَ حَاضرا فَسكت حَتَّى انْقَضى الْمجْلس لم يكن لَهُ شَيْء، وَإِن لم يكن حَاضرا فَقَامَ حِين علم كَانَ على حَقه، وَإِن لم يقم إِلَّا بعد الْعَام وَنَحْوه كَانَ القَوْل قَول الْحَائِز وَلم يكن لَهُ هُوَ
стр. 769
شَيْء، وَأما إِذا فَوته بِالْكِتَابَةِ فيتخرج ذَلِك على الِاخْتِلَاف فِيهَا هَل تحمل محمل البيع أَو الْعتْق. وَكَذَا إِذا حَاز الْكل بِالْوَطْءِ فَهِيَ حِيَازَة، وَإِن لم تطل الْمدَّة اه بِاخْتِصَار. وَقَوْلِي: حِين علم الخ. يجْرِي فِيهِ من الْبَحْث مَا تقدم عِنْد قَوْله: يبلغهُ مَا عمله الخ. وَمَا ذكره النَّاظِم فِي الْوَطْء سَيَأْتِي لَهُ مثله فِي الْحَوْز حَيْثُ قَالَ: وَالْوَطْء للإماء بِاتِّفَاق مَعَ علمه حوز على الْإِطْلَاق وَمَا تقدم عَن ابْن رشد هُوَ الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ أَبُو الْحسن والبرزلي وَغَيرهمَا وَهُوَ الْمُوَافق للنظم دون مَا لمطرف من أَنه إِذا كَانَ حَاضرا حَتَّى انْقَضى الْمجْلس وَقَامَ بحدثانه فَإِنَّهُ يرجع على حَقه وَيرد مَا وَقع فِيهِ من بيع وَنَحْوه الخ. فَإِنَّهُ لَا يُوَافق النّظم وَلَا يتنزل عَلَيْهِ، بل قَالَ الرجراجي فِي منهاجه على قَول مطرف مَا نَصه: لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يبادروا بالإنكار حِين علمهمْ أَو يتراخوا عَنهُ فَإِن بَادرُوا فِي الْحَال فَلهم رد البيع وَالْعِتْق وَالصَّدَََقَة، وَإِن لم يبادروا بالإنكار فِي الْحَال إِلَّا أَنهم قَامُوا بِالْقربِ فَلهم الثّمن فِي البيع وَالْقيمَة فِي الإيلاد وَالْعِتْق بعد أَن يحلفوا أَنهم مَا سوغوه ذَلِك وَلَا تَرَكُوهُ ليأخذوا الثّمن وَالْقيمَة ويردون الْهِبَة وَالصَّدَََقَة والإصداق بعد أَيْمَانهم أَنهم مَا تراخوا عَن الْقيام بِنَفس الْعلم إِلَّا للتدبير والتمري فِي إِقَامَة الْحجَّة وَهَذَا تَفْسِير مَا وَقع لمطرف فِي الْوَاضِحَة فَإِن تراخوا عَن الْإِنْكَار مُدَّة طَوِيلَة يفهم مِنْهَا إِسْقَاط الْحجَّة وَتَسْلِيم الشَّيْء لحائزه وتسويغ فعله فَلَا خلاف أعلمهُ فِي الْمَذْهَب أَن ذَلِك يدل على مَالك الْحَائِز اه. فَأَيْنَ هَذَا من كَلَام النَّاظِم حَتَّى يشْرَح بِهِ؟ تَنْبِيه: إِذا فَوت الْكل فَلَا إِشْكَال أَن حكمه مَا مر للناظم، وَإِن فَوت الْأَكْثَر فالأقل تَابع لَهُ على قَول ابْن الْقَاسِم، وَقيل: لَا يكون تبعا وَهُوَ ظَاهر سَماع سَحْنُون وَإِن فَوت الْأَقَل فَقيل: لَا يكون تبعا وَإِن فَوت النّصْف وَمَا قاربه فَلَا يكون أَحدهمَا تبعا للْآخر بِلَا خلاف قَالَه ابْن رشد، وَهَذَا الَّذِي ذكره إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَ يَدعِيهِ لنَفسِهِ لِأَن الشَّيْء الْبَاقِي بِلَا تَفْوِيت يبْقى حِينَئِذٍ للحائز البَائِع والواهب وَلَا تسمع دَعْوَى الْقَائِم فِيهِ، وَأما إِن كَانَ يقر بِهِ للْمَالِك، فَلَا يكون شَيْء من ذَاك تبعا بل الْبَاقِي يبْقى للْمَالِك وَالله أعلم. وَالزَّوْجَةُ اسْتَفَادَ زَوْجٌ مَا لهَا وَسَكَتَتْ عَنْ طَلَبٍ لِمَا لهَا (وَالزَّوْجَة اسْتَفَادَ زوج مَا لَهَا) فاستغل حائطها أَو حرث أرْضهَا أَو تولى كِرَاء رباعها للْغَيْر وَقبض أكريتها أَو قبض لَهَا ديوناً أَو أَثمَان المبيعات (وسكتت عَن طلب لما) اسْتَقر (لَهَا) فِي ذَلِك كُله أَو فِي شَيْء مِنْهُ فَلم تغير وَلم تنكر حَتَّى مضى زمَان، ثمَّ أَرَادَت أَن تقوم عَلَيْهِ. لَهَا القِيَامُ بَعْدُ فِي المَنْصُوصِ وَالخُلْفُ فِي السُّكْنَى عَلَى الْخُصُوصِ (لَهَا الْقيام بعد) سكُوتهَا وَلَو طَال (فِي الْمَنْصُوص) لمَالِك من رِوَايَة أَشهب وَابْن نَافِع قَالَ
стр. 770
بَعضهم: وَلم يخْتَلف قَول مَالك فِي ذَلِك قَالَه فِي كتاب الشُّرُوط من أنكحة الْمُتَيْطِيَّة قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذا أنفقت عَلَيْهِ من مَالهَا ثمَّ طلبته بذلك أَن ذَلِك لَهَا وَإِن كَانَ عديماً فِي حَال النَّفَقَة بعد يَمِينهَا أَنَّهَا لم تنْفق عَلَيْهِ وَلَا تركته يَأْكُل مَالهَا إِلَّا لترجع عَلَيْهِ اه. وَفِي فصل الْمُتْعَة أَوَائِل النِّكَاح من ابْن سَلمُون مَا نَصه: فَإِن استغل الزَّوْج مَال زَوجته وازدرعه وانتفع بِهِ وَهِي تَحْتَهُ من غير مُتْعَة، ثمَّ قَامَت تطلبه بالكراء كَانَ ذَلِك لَهَا، وَإِن ازدرعه بأمرها وَأكله وَلَا يعلم هَل كَانَ عَن طيب نفس مِنْهَا أم لَا. ثمَّ طلبته بالكراء كَانَ لَهَا ذَلِك بعد يَمِينهَا أَنَّهَا لم تهب ذَلِك وَلَا خرجت عَنهُ، وَسُئِلَ بَعضهم عَن الْمَرْأَة تُعْطِي زَوجهَا طَعَاما أَو ذَهَبا أَو ثيابًا عَن طيب نفس مِنْهَا إِلَى أَعْوَام ثمَّ يَقع بَينهمَا كَلَام فتطلب ذَلِك وتزعم أَنه كَانَ سلفا فَقَالَ: القَوْل قَوْلهَا مَعَ يَمِينهَا وَلها أَخذ ذَلِك اه. قلت: مَا فِي النّظم ظَاهر إِذا لم يدع أَنه كَانَ يدْفع لَهَا غَلَّتهَا وَمَا قَبضه من أكرية أراضيها وأثمان مَا بَاعه لَهَا وَإِلَّا فَإِن ادّعى هُوَ أَو ورثته أَن موروثهم دفع ذَلِك قبل مَوته فَيجْرِي على مَا تقدم فِي قَوْله فِي الْوكَالَة: وَالزَّوْج للزَّوْجَة كالموكل فِيمَا من الْقَبْض لما باعت يَلِي فراجع ذَلِك هُنَاكَ، وَمحله أَيْضا إِذا لم تكن بَينهمَا مَوَدَّة وَرَحْمَة وَقَامَت بِالْقربِ وإلاَّ فَهُوَ مَحْمُول على الصِّلَة وَالْمَعْرُوف فَلَا قيام لَهَا، فَفِي أقضية الْبُرْزُليّ سُئِلَ ابْن رشد عَمَّن استغل ربع زَوجته ثمَّ قَامَت تطلب مَا استغل لَهَا من تركته؟ فَأجَاب: إِن علم أَنه كَانَ يستغل ذَلِك على سَبِيل الصِّلَة وَالْمَعْرُوف فَلَا شَيْء لَهَا، وَإِن علم استغلاله لذَلِك وَلم يعلم هَل كَانَ يصرف ذَلِك فِي مَنَافِعه أَو مَنَافِعهَا؟ فَالْقَوْل قَوْلهَا مَعَ يَمِينهَا فِيمَا قرب من الْمدَّة أَنه لم يدْفع ذَلِك وَيكون ذَلِك لَهَا فِي مَاله اه. فَأَنت ترَاهُ قيد ذَلِك بِمَا إِذا لم يكن ذَلِك على وَجه الصِّلَة. وَمِمَّا إِذا قَامَت بِالْقربِ، وبمثله أجَاب أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن التازغددي حَسْبَمَا فِي الكراس الثَّالِث من معاوضات المعيار قَائِلا: إِن كَانَ الزَّوْج مِمَّن يَسْطُو عَلَيْهَا ويقهرها فتأخذ جَمِيع مَا أكل لَهَا على هَذِه الصّفة وَإِن كَانَ بَينهمَا من الْمَوَدَّة وَالرَّحْمَة مَا جرت الْعَادة بِهِ بَين الزَّوْجَيْنِ فَيكون مَا أكله من مَالهَا وفوته بعلمها وعَلى عينهَا سَاقِط عَنهُ إِلَّا أَن يَبِيع بِالثّمن الْكثير الَّذِي لَهُ خطر وتدعي أَنَّهَا لم تتْرك ذَلِك إِلَّا على وَجه الْأَمَانَة فتحلف على ذَلِك وتستحقه اه. وَهُوَ صَرِيح فِي أَنه إِذا كَانَت بَينهمَا مَوَدَّة لَا شَيْء لَهَا فَتَأَمّله مَعَ مَا مر عَن ابْن سَلمُون، وكل مَا لَا يطْلب إِلَّا عِنْد الشنآن وَالْخِصَام فَهُوَ مَحْمُول على الصِّلَة كَمَا فِي ظَنِّي أَنِّي وقفت عَلَيْهِ كَذَلِك، وَلم أذكر الْآن مَحَله، ثمَّ بعد كتبي هَذَا وقفت عَلَيْهِ نصا للخمي ونقلته فِي بَاب الْعَارِية، وَانْظُر مَا تقدم عَن المعيار فِي آخر فصل مَا تهديه الزَّوْجَة لزَوجهَا بعد العقد وَلَا يخفى أَن عَادَة الْبَوَادِي أَن ذَلِك للصلة وَالْقَضَاء بِمَا بِهِ الْعَادة وَاجِب كَمَا مرّ فِي الثنيا، وَعَلِيهِ فَمَا يَقع بَينهم من النزاع عِنْد الشنآن فِي رِعَايَة مَاشِيَة الزَّوْجَة فيطلبها الزَّوْج بِأُجْرَة رعايته، وتطلبه هِيَ بِمَا أكل من لَبنهَا وَبَاعه من صوفها وكراء حرثه على بقرها لَا يقْضِي لأَحَدهمَا على الآخر بِشَيْء لِأَن ذَلِك كُله كَانَ على وَجه الصِّلَة على مَا تقررت بِهِ عوائدهم وَمَا يُوجد من فَتَاوَى الْمُتَأَخِّرين من أَنَّهَا تحاسبه بالغلة ويحاسبها هُوَ بالرعاية وَمن لَهُ فضل أَخذه إِنَّمَا هُوَ إِذا علم تسوره عَلَيْهَا وقهره لَهَا وَلم تعلم مَوَدَّة بَينهمَا كَمَا ترى، وَلَا سِيمَا وَقد تقدم أَن السُّكُوت لَيْسَ بِإِذن وَلَا رضَا إِلَّا فِيمَا علم بمستقر الْعَادة أَن أحدا لَا يسكت عَنهُ إِلَّا بِرِضَاهُ وَالله
стр. 771
أعلم. ثمَّ لَا خُصُوصِيَّة للزَّوْجَة بِهَذَا الْمَعْنى بل غَيرهَا مِمَّا علم أَنه للصلة كَذَلِك وتذكر قَول (خَ) فِي النَّفَقَات: إِلَّا لصلة الخ. وَفِي الِاسْتِحْقَاق من العلمي عَن الونشريسي أَن لوَرَثَة الزَّوْجَة طلب الزَّوْج بِمَا اغتله من مَال زَوجته وَله استحلافهم إِن ادّعى عَلَيْهِم إِذْنهَا بِأَكْلِهِ بِغَيْر عوض وَهِي من دَعْوَى يَمِين الْمَعْرُوف ومعروف الْمَذْهَب توجيهها، وَكَذَا يرجع على بعض الْوَرَثَة إِن استبد باغتلال موروثهم مَا لم يكن سكوتهم عَنهُ على وَجه الْهِبَة اه. وَفِي المعيار إِثْر مَا مر عَنهُ بِنَحْوِ الورقتين عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الأغصاوي أَنه سُئِلَ عَن رجل لَهُ ابْن بَالغ متزوج بَائِن عَنهُ، فَكَانَ الابْن يحرث أَرضًا لوالده ويستغلها لنَفسِهِ بِمحضر وَالِده وَعلمه، وَرُبمَا حرثها ببقر وَالِده ثمَّ مَاتَ الْأَب وَالِابْن فَقَامَ وورثة الْأَب على وَرَثَة الابْن يطلبونهم بغلة الأَرْض الْمَذْكُورَة، وَلَا يدْرِي بِمَا استغلها الابْن هَل بِإِذن وَالِده أم لَا؟ فَأجَاب: لَا شَيْء لوَرَثَة الْأَب على وَرَثَة الإبن من الْغلَّة الَّتِي استغل فِي حَيَاة أَبِيه اه. وَانْظُر شَارِح نظم الْعَمَل عِنْد قَوْله: وخدمة النِّسَاء فِي الْبَوَادِي الخ. فَفِيهِ أَن الْمَرْأَة لَا أُجْرَة لَهَا على زَوجهَا فِيمَا جرت الْعَادة بخدمتها من نسج وغزل ورعاية وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم. وَانْظُر نَوَازِل الْغَصْب والتعدي من العلمي إِن شِئْت، وَانْظُر أَيْضا مَا يَأْتِي فِي الْإِجَارَة عَن العبدوسي. (وَالْخلف) فِي استغلاله (بِالسُّكْنَى) مَعهَا فِي دارها (على الْخُصُوص) فَفِي كتاب الْعدة مِنْهَا أَن لَهَا الْكِرَاء إِن كَانَ الزَّوْج مُعسرا حِين السُّكْنَى مَعهَا وإلاَّ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِي كتاب كِرَاء الدّور مِنْهَا لَا كِرَاء لَهَا عَلَيْهِ، وَإِن كَانَت تسكن بالكراء إِلَّا إِن تبين لَهُ ذَلِك وَعَلِيهِ عول (خَ) إِذْ قَالَ: وَإِن تزوج ذَات بَيت وَإِن بكرا فَلَا كِرَاء إِلَّا أَن تبين الخ. وَهَذَا إِذا كَانَت رَشِيدَة وإلاَّ فلهَا الْكِرَاء، وَظَاهر القَوْل بالسقوط الَّذِي عول عَلَيْهِ (خَ) أَنه لَا كِرَاء حَيْثُ لم تبين وَلَو كَانَت الْعَادة جَارِيَة بِأَن لَا يسكن فِي دارها إِلَّا بالكراء وَهُوَ مَا عَلَيْهِ ابْن لب كَمَا فِي المعيار قَائِلا: لِأَن الْقَائِل بالسقوط أطلق وَمَا فصل وَلَا قيد وَفِيمَا قَالَه شَيْء لقَوْل الْقَرَافِيّ: الْأَحْكَام مَبْنِيَّة على العوائد
стр. 772
تَدور مَعهَا حَيْثُ دارت بِإِجْمَاع. انْظُر شرحنا للشامل، وَمثل دارها دَار أمهَا أَو أَبِيهَا وَأما دَار أَخِيهَا أَو عَمها فَإِن طَالَتْ الْمدَّة فَلَا شَيْء لَهما عَلَيْهِ، وَإِذا قصرت الْمدَّة حلفا أَنَّهُمَا إِنَّمَا أسكناه بِالْأَجْرِ قَالَه اللَّخْمِيّ. كَذَاكَ مَا اسْتَغَلَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ مُتِّعَ إنْ مَاتَ كَمثْلِ مَا سَكَنْ (كَذَاك مَا استغله) الزَّوْج (من غير أَن متع) أَي من غير أَن تبيح لَهُ ذَلِك الاستغلال وَتسقط رُجُوعهَا بِهِ عَلَيْهِ نصا أَو عَادَة وَهِي رَشِيدَة فَالْحكم فِيهِ (إِن مَاتَ) الزَّوْج فَمَا من قَوْله مَا استغله مُبْتَدأ صلته مَا بعده وَخَبره (كَمثل مَا سكن) وَقَوله. فِيهِ خِلافٌ وَالَّذِي بِهِ الْعَمَلْ فِي المَوْتِ أَخْذُهَا كِرَاء مَا اسْتَغَلْ (فِيهِ خلاف) مُبْتَدأ وَخبر. وَقَوله: كَذَاك حَال مِنْهُ أَي مَا استغله من غير تمتيع إِن مَاتَ الزَّوْج كَائِن كَمثل مَا سكن فِيهِ خلاف حَال كَونه كالخلاف فِي السُّكْنَى، فعلى مَا فِي الْمُدَوَّنَة فِي كتاب الْعدة لَهَا ذَلِك، وعَلى مَا فِي كتاب كِرَاء الدّور لَا شَيْء لَهَا. هَكَذَا أجْرى بَعضهم الْخلاف فِيهِ كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، وحكاية الْخلاف هَهُنَا توجب جَرَيَانه فِي قَوْله لَهَا الْقيام بعد فِي الْمَنْصُوص إِذْ لَا فرق بَين مَا هُنَا وَمَا هُنَاكَ إِلَّا كَون الزَّوْج قد مَاتَ هُنَا وَهُنَاكَ لَا زَالَ حَيا، وَلَيْسَت حَيَاته مُوجبَة اخْتِصَاصه بِحكم لَا يثبت لَهُ فِي مَوته لِأَن وَارثه قَائِم مقَامه فَكَأَنَّهُ حَيّ، فَلَو اسْتغنى النَّاظِم بِمَا مر عَمَّا هُنَا لكفاه. (وَالَّذِي بِهِ الْعَمَل فِي الْمَوْت أَخذهَا كِرَاء مَا استغل) وَحَاصِله؛ أَن قَول مَالك لم يخْتَلف فِي رُجُوعهَا بِمَا أكله من مَالهَا كَمَا مر عَن الْمُتَيْطِيَّة، لَكِن خرج الْخلاف فِيهِ من اخْتِلَاف قَوْله فِي السُّكْنَى كَانَ حَيا أَو مَيتا، ويقيد هَذَا الْعَمَل بِمَا تقدم عَن ابْن رشد وَغَيره وَالله أعلم. وَمَفْهُوم قَوْله: من غير أَن متع أَنَّهَا إِن متعته بذلك لَا رُجُوع لَهَا وَهُوَ كَذَلِك، إِلَّا أَن التمتيع إِذا كَانَ فِي عقد النِّكَاح فَإِن النِّكَاح فَاسد كَمَا مرّ. فرع: قَالَ فِي الْبَاب الْخَامِس وَالْعِشْرين من التَّبْصِرَة: إِذا بنى الرجل فِي دَار امْرَأَته وَأنْفق فِي ذَلِك نَفَقَة ثمَّ قَامَ يطْلب ذَلِك وَقَالَت هِيَ: إِن النَّفَقَة كَانَت من مَالِي، فَإِن أقرّ أَن الْبناء لَهَا كَانَ القَوْل قَوْلهَا مَعَ يَمِينهَا على الْأَظْهر من الْأَقْوَال، وَإِن قَالَ: إِنَّمَا بنيت لنَفْسي بأمرها وبمالي فَالْقَوْل قَوْله إِن النَّفَقَة من مَاله من غير خلاف اه. وَحَاضِرٌ لِقَسْمِ مَتْرُوكٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ أَهْمَلَهُ (وحاضر) عَالم بِدِينِهِ سَاكِت بِلَا عذر (لقسم) مَال (مَتْرُوك) عَن ميت (لَهُ) أَي لذَلِك الْحَاضِر (عَلَيْهِ) أَي على الْمَيِّت الَّذِي ترك المَال (دين لم يكن أهمله) أَي أسْقطه بِوَجْه. لَا يُمْنَعُ الْقِيَامَ بَعْدَ أَنْ بَقِي لِلْقَسْم قَدْرُ دَيْنِهِ المُحَقَّقِ (لَا يمْنَع) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (الْقيام) بِدِينِهِ (بعد) صُدُور ذَلِك الْقسم (إِن بَقِي للقسم) أَي
стр. 773
لأجل الْقسم فِي الْمُسْتَقْبل (قدر دينه الْمُحَقق) لِأَنَّهُ يَقُول: إِنَّمَا سكت لكَون الْبَاقِي بِلَا قسم فِيهِ وفاه بديني. وَيَقْتَضِي مِنْ ذَاكَ حَقًّا مَلَكَهْ بَعْدَ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا تَرَكَهْ (وَيَقْتَضِي من ذَاك) الْبَاقِي بِلَا قسم (حَقًا) أَي دينا (ملكه) وَثَبت لَهُ (بعد الْيَمين) يتَعَلَّق بيقتضي أَي يَقْتَضِي حَقه من ذَلِك الْبَاقِي بعد حلفه (أَنه مَا تَركه) وَلَا أسْقطه بسكوته حَال الْقسم، ثمَّ بعد هَذِه الْيَمين يحلف يَمِين الْقَضَاء فَعَلَيهِ يمينان. الأولى لرفع احْتِمَال أَن يكون أسقط دينه بسكوته حَال الْقسم، وَالثَّانيَِة لرفع احْتِمَال أَن يكون اقْتضى حَقه من الْمَيِّت فِي حَيَاته أَو أَحَالهُ بِهِ وَنَحْو ذَلِك، وَمَفْهُوم إِن بَقِي قدر دِيَته أَنه إِن بَقِي أقل فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذ إِلَّا ذَلِك الْأَقَل بعد يَمِينه أَيْضا وَأَنه إِن لم يبْق شَيْء فَلَا شَيْء لَهُ، وَظَاهره وَسَوَاء قسم ذَلِك الْغُرَمَاء أَو الْوَرَثَة وَهُوَ كَذَلِك وَلَا مَفْهُوم لدين بل كَذَلِك لَو كَانَت لَهُ عِنْده وَدِيعَة وَنَحْوهَا، أَو كَانَ شَرِيكا مَعَه فِي دَار وَنَحْوهَا فَقَسمهَا الْوَرَثَة أَو الْغُرَمَاء أَو باعوها وَهُوَ حَاضر ينظر فَلَا قيام لَهُ، بل ذكر فِي الْمُدَوَّنَة أَن رب الدّين إِذا حضر تفليس الْغَرِيم فَلم يقم بَطل حَقه، وَإِن لم يحضر الْقِسْمَة قَالَ فِيهَا: وَمن كَانَ من الْغُرَمَاء حَاضرا عَالما بتفليسه فَلم يقم مَعَ من قَامَ فَلَا رُجُوع لَهُ على الْغُرَمَاء، وَذَلِكَ رضَا مِنْهُ بِبَقَاء دينه فِي ذمَّة الْغَرِيم، ابْن يُونُس، قَالَ بعض الْفُقَهَاء: اخْتلف ابْن الْقَاسِم وَغَيره إِذا كَانُوا حضوراً حَال التَّفْلِيس وَلم يحضروا حَال الْقِسْمَة، فَأَما إِن حَضَرُوا حَال الْقِسْمَة وسكتوا فَلَا رُجُوع لَهُم على الْغُرَمَاء بِلَا خلاف، وَقَوْلِي: عَالما بِدِينِهِ احْتِرَازًا مِمَّا إِذا قَالَ مَا علمت بِالدّينِ إِلَّا حِين وجدت الْوَثِيقَة فَإِنَّهُ يحلف وَيكون لَهُ الْقيام اتِّفَاقًا فقد قَالَ ابْن حَارِث: اتَّفقُوا على أَن من أَخذ من رجل مَالا يجب لَهُ بِقَضَاء أَو بِغَيْر قَضَاء ثمَّ ثَبت الْحَقِيقَة فَإِنَّهُ يرد مَا أَخذه اه. بل فِي (ح) أَوَائِل الِاسْتِحْقَاق: أَن من اشْترى شَيْئا وَهُوَ يرى أَن لَا بَيِّنَة لَهُ ثمَّ وجد بَينته فَلهُ الْقيام وَأخذ الثّمن من البَائِع، وَالْقَوْل قَوْله إِنَّه إِنَّمَا اشْتَرَاهُ لما ذكر اه. قَالَ ابْن رحال: وَأَحْرَى لَو اشْتَرَاهُ وَهُوَ غير عَالم أَنه لَهُ اه. وَقَوْلِي: بِلَا عذر احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَ لَهُ عذر كسلطان يتمنعون بِهِ أَو لم يعرف شُهُوده أَو كَانُوا غيباً أَو لم يجد ذكر حَقه إِلَّا عِنْد قِيَامه وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يعْذر بِهِ فَإِنَّهُ يحلف مَا كَانَ تَركه الْقيام إِلَّا للْوَجْه الَّذِي ذكره، ثمَّ يكون على حَقه وَإِن طَال زَمَانه قَالَه فِي التَّبْصِرَة. وَقَوله: أَو لم يجد ذكر حَقه الخ. نَحوه لِابْنِ سَلمُون فِي فصل الْإِقْرَار وَهُوَ صَرِيح فِي أَنه لَو قَالَ: كنت أعلم
стр. 774
ديني وَلَكِن كنت أنْتَظر الْوَثِيقَة وَخفت إِن قُمْت عجزني القَاضِي، أَو قَالَ: لم أجد الْوَثِيقَة الَّتِي نقوم بهَا فَلذَلِك سكت حِين الْقسم، والآن وَجدتهَا لَكَانَ ذَلِك من الْعذر الَّذِي لَا يبطل بِهِ حَقه، وَهُوَ الَّذِي رَجحه الونشريسي فِي شرح ابْن الْحَاجِب، وَنَقله العلمي فِي الِاسْتِحْقَاق وَالْغَصْب من نوازله، وَرجحه أَيْضا الرهوني فِي حَاشِيَته فَمَا فِي (ح) عَن الْجُزُولِيّ وَالشَّيْخ يُوسُف بن عمر من أَن ذَلِك لَيْسَ بِعُذْر لَا يعول عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي ذَلِك إِن شَاءَ الله فِي فصل الْحَوْز. فَإِن قلت: قد قَالَ (خَ) فِي بَاب الصُّلْح: لَا إِن علم بَيِّنَة وَلم يشْهد الخ. والجاري عَلَيْهِ أَنه لَا يعْذر بقوله: إِنَّمَا لم أقِم لعدم وجودي للوثيقة أَو لكَون الشُّهُود غيباً لعدم إشهاده بذلك. قُلْنَا: قد يفرق بَينهمَا بِأَنَّهُ فِي الصُّلْح وجد مِنْهُ عقد فَلَا يصدق فِي ذَلِك مَعَ عدم الْإِشْهَاد، وَهَذَا إِنَّمَا وجد مِنْهُ سكُوت وَهُوَ لَيْسَ بِرِضا كَمَا اقْتصر عَلَيْهِ ابْن رشد، وَإِنَّمَا الْخلاف هَل هُوَ إِذن أم لَا؟ وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ إِنَّه لَيْسَ بِإِذن إِلَّا فِيمَا علم بمستقر الْعَادة أَن أحدا لَا يسكت عَنهُ إِلَّا بِرِضا كَمَا فِي بيع الْفُضُولِيّ وهبته قَالَه ابْن رشد أَيْضا، وَنقل (ح) بعضه فِي بَاب الْإِقْرَار فالساكت أَضْعَف من الْعَاقِد للصلح وَالله أعلم. تَنْبِيهَانِ. الأول: قَالَ فِي نَوَازِل الِاسْتِحْقَاق من المعيار: سُئِلَ ابْن الفخار عَن إخْوَة ورثوا عَن أَبِيهِم أملاكاً فاعتمروها زَمَانا واقتسموها فِيمَا بَينهم، وَلَهُم أَخَوَات فِي بُيُوتهنَّ ساكنات مَعَهم فِي الْقرْيَة أَو فِي قَرْيَة بَائِنَة بِالْقربِ مِنْهُم، ثمَّ يقوم الْأَخَوَات على الْإِخْوَة بعد الْقِسْمَة ويحتج الْإِخْوَة عَلَيْهِنَّ بِالْقِسْمَةِ ويدعين الْجَهْل وأنهن لم يعلمن أَن الْقسم يقطع حقوقهن. فَأجَاب: بأنهن يحلفن على ذَلِك ويأخذن حقوقهن اه. قلت: هَذَا مُخَالف لما مر أول الْفَصْل من أَن السَّاكِت لَا يعْذر بجهله، وَأَن السُّكُوت يقطع حَقه، وَمَا لِابْنِ الفخار كَأَنَّهُ اعْتمد فِيهِ أَن من ادّعى الْجَهْل فِيمَا يجهله أَبنَاء جنسه صدق، وَنَحْوه لأبي الْحسن وَنَقله عَنهُ فِي وَصَايَا المعيار فِي بكر تَصَدَّقت بميراثها على إخوتها فَتزوّجت، واقتسم الْأُخوة ذَلِك وَبَاعُوا وَبعد عشر سِنِين قَامَت زاعمة أَنَّهَا إِنَّمَا سكتت لجهلها بِأَن الْبكر الْمُهْملَة لَا تلزمها صدقتها فَقَالَ: القَوْل قَوْلهَا لِأَن مَا ادَّعَت الْجَهْل فِيهِ مِمَّا يجهله الْعَوام غَالِبا وَلَا يعرفهُ إِلَّا أهل الْفِقْه، وقاعدتهم أَن من ادّعى الْجَهْل فِيمَا يجهله أَبنَاء جنسه غَالِبا فَالْقَوْل قَوْله فِي جَهله والنصوص فِي ذَلِك كَثِيرَة اه. وَمثله فِي الْبُرْزُليّ فِي مَوَاضِع من ديوانه، فَانْظُرْهُ بعد الْكَلَام على بعث الْحكمَيْنِ بأوراق، وَلَكِن لما نقل فِي المعيار مَا مر عَن أبي الْحسن قَالَ منكتاً عَلَيْهِ مَا نَصه، قَالَ ابْن رشد: الأَصْل فِي هَذَا أَن كل مَا يتَعَلَّق بِهِ حق الْغَيْر لَا يعْذر الْجَاهِل فِيهِ بجهله، وَمَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حق الْغَيْر فَإِن كَانَ مِمَّا يَسعهُ ترك تعلمه عذر بجهله وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يَسعهُ ترك تعلمه لم يعْذر بجهله، فَهَذِهِ جملَة كَافِيَة يرد إِلَيْهَا مَا شَذَّ عَنْهَا اه. قَالَ: فَتَأَمّله مَعَ ضَابِط الشَّيْخ يَعْنِي أَبَا الْحسن اه. وَقد أَشَارَ فِي الْمنْهَج إِلَى هَذِه الْقَاعِدَة وَصدر بِمَا لِابْنِ رشد فَانْظُرْهُ وَقد قَالَ الْمقري فِي قَوَاعِده: الْجَهْل بِالسَّبَبِ عذر كتمكين الْمُعتقَة جاهلة بِالْعِتْقِ وبالحكم قَولَانِ للمالكية كتمكينها جاهلة أَن لَهَا الْخِيَار، وَالصَّحِيح أَن الْفرق بَين مَا لَا يخفى غَالِبا كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَمَا قد يخفى مثل تمكينها بِأَن لَهَا الْخِيَار اه. وَقد جرى على هَذَا التَّصْحِيح (خَ) فِي قَوْله فِي الْعُيُوب: وَخير مُشْتَر ظَنّه غَيرهمَا، وَبِالْجُمْلَةِ فالجهل بِالسَّبَبِ عذر اتِّفَاقًا، وَالْجهل بالحكم غير مُؤثر على الْمَشْهُور
стр. 775
كتمكينها جاهلة أَن لَهَا الْخِيَار وكإسقاط الشُّفْعَة جَاهِلا بِالْبيعِ عَالما وُجُوبهَا، وَالصَّحِيح الْفرق بَين مَا لَا يخفى كجهل الحكم فِي الزِّنَا وَالشرب وَالسَّرِقَة وَبَين مَا قد يخفى كجهل الْمُعتقَة أَن لَهَا الْخِيَار، وَلذَلِك علل ابْن الْعَطَّار الْمَشْهُور بِمَا إِذا اشْتهر ثُبُوت الْخِيَار لَهَا بِحَيْثُ لَا يخفى على أمة وَأما إِن أمكن جهلها فَلَا اه. قَالَ فِي ضيح: الْأَقْرَب بِأَن قَول ابْن الْعَطَّار تَقْيِيد وَظَاهر ابْن الْحَاجِب وَغَيره أَنه مُقَابل اه. وَقد جرى على هَذَا التَّقْيِيد والتصحيح شرَّاح الْمَتْن عِنْد قَوْله فِي الشَّهَادَات: وليجب عَن الْقصاص العَبْد، وَعَن الْأَرْش السَّيِّد، وَعند قَوْله: وليبين الْحَاكِم حكمه. وَجرى عَلَيْهِ (ح) فِي الْوكَالَة حَيْثُ نقل عَن الرعيني أَن الْعَاميّ إِذا أنكر أصل الْمُعَامَلَة لَا يضرّهُ، وَأهل التوثيق قاطبة على خلَافَة وَقد أطْلقُوا وَمَا فصلوا وَلَا قيدوا، وَكَذَا مَا ذكره ابْن عبد السَّلَام من أَن الشَّاهِد إِذا شهد وَحلف لَا تسْقط شَهَادَته وَهُوَ خلاف إِطْلَاق (خَ) وَغَيره. انْظُر الْعمريّ من شرح الشَّامِل، وَانْظُر مَا ذكره شرَّاح الْمَتْن فِي الرَّاهِن لَا يقْضى عَلَيْهِ بالتعجيل إِذا وهب الرَّهْن ظَانّا أَنه لَا يقْضى عَلَيْهِ بفكه عِنْد قَوْله فِي الْهِبَة ورهناً لم يقبض، وَمِنْهَا مَا قَالُوهُ فِيمَن اشْترى شِقْصا جَاهِلا بِأَن شريك بَائِعه مُتحد مدخله مَعَ بَائِعه فَهُوَ عيب يرد بِهِ كَمَا نَقَلْنَاهُ فِي الصَّفْقَة من اللامية إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يدْخل تَحت الْقَاعِدَة، وَقد وَقع النزاع فِي النَّازِلَة وَقت ولايتنا خطة الْقَضَاء بفاس، فَكتبت فِي النَّازِلَة مَا يعلم بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ فِي نَوَازِل الْحجر من نوازلنا وَالله أعلم. الثَّانِي: كثيرا مَا يَقع فِي الْبَوَادِي يقسم الْإِخْوَة وَنَحْوهم وَتعلم الْأُخْت وَنَحْوهَا أَن حظها خرج مَعَ شقيقها مثلا وَهِي ساكتة ثمَّ يَبِيع الْأَخ الْكل أَو الْبَعْض، ثمَّ تقوم الْأُخْت وتريد نقض الْقِسْمَة لِأَنَّهَا لم ترض فَلَا كَلَام لَهَا على مَا مر عَن ضيح وَغَيره، وَلها ذَلِك على مَا لِابْنِ الفخار إِن جهلت أَن السُّكُوت يقطع حَقّهَا.
(فصل فِي بيع المضغوط)
وَهُوَ من أكره على البيع أَو على سَببه قَالَ فِي الْقَامُوس: الضغطة بِالضَّمِّ الضّيق وَالْإِكْرَاه والشدة، (وَمَا أشبهه) من بيع الْمَغْصُوب مِنْهُ للشَّيْء الْمَغْصُوب. وَمَنْ يَبِعْ فِي غَيْرِ حَقَ شَرْعِي بالْقَهْرِ مَا لَا تَحْتَ ضَغْطٍ مَرْعِي (وَمن يبع فِي غير حق شَرْعِي بالقهر) مُتَعَلق بقوله يبع (مَا لَا) مفعول كَانَ ذَلِك المَال أصلا أَو غَيره (تَحت ضغط) أَي ضيق وَشدَّة (مرعي) أَي مُعْتَبر بِأَن يكون كَمَا فِي (خَ) بخوف مؤلم من
следующие страницы →