← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والسنّة وعقيدة الإسلام وشريعته (١) ولنأخذ منهم (جولد تسهير) في مسألة واحدة لنراه يقول قالة الأعجمي في لسانه وفؤاده. ففي معرض الحديث عن المبدأ الإسلامي، في السهولة ودفع الحرج، يعطي رأيه في (الأمر والنهي)، اللذين عليهما مدار أكثر الأحكام التكليفية في الشريعة. ولا يكتفي بإدلاء دلوه في قضية غريبة عن لغته ومدركاته، بل يترك ساحة المعرفة والأصول التي يقوم عليها استنباط الأحكام في الفقه الإسلامي، ليخرج علينا بحكم، مفاده: أن تنوع مدلولات الأمر والنهي في الأحكام، إنما كان أثرًا لمحاولات التحلل من القسوة التي تبدو في بعض النصوص. وذلك حين يقرر، أن العلماء حركوا ذكاءهم، ليجدوا مخرجًا من المواضع الصعبة التي تمليها على المسلمين نصوص الأحكام القرآنية؛ فبعض الأمور المتصلبة: كانت تخفف، أو تطرح، بواسطة التوسع في شرح النصوص. وبواسطة التفسير يرجّح الوجوب، أو المنع في الفقه. ويقرر أن عبارة الأمر أو المنع، تستخدم للتعبير عن الرغبة والاستحباب، أو الكراهة، ليكون ارتكاب ما أمر به في النصوص، أو نهي عنه لا يعاقب عليه ولا يعدُّ تخطيًا للقانون. وقد مثَّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] جاعلًا اختلاف الفقهاء في بعض الأمور، منوطًا بمقدار الحرص على التحلل من التزام (النهي) في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ وإيجاد المخرج منه (٢). وإذا عدنا إلى قواعد الأمر والنهي، كما سيأتي تفصيلها، نجد أثر اللغة والعرف الشرعي، في مسالك الاستنباط.

стр. 107

ولقد قرر العلماء أن الأصل في الأمر الوجوب، وأن الأصل في النهي التحريم، والعدول عن ذلك لا يكون إلا بقرينة. وقد استندوا في ذلك إلى أصل المعنى اللغوي، وإلى استقراء ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه، ومن أخذ عنهم من التابعين. ومن الواضح أن علماءنا خصوا هذه القواعد، بمزيد من العناية؛ لأن أكثر الأحكام التكليفية - كما سبق - قائمة على (إفعل، لا تفعل) فقد حدّدوا معنى الأمر، ومعنى النهي، ومدى العلاقة بين المعنى اللغوي، وبين المعنى الشرعي، وفضّلوا القول في مقتضى الأمر من حيث الوجوب أو غيره، ومقتضاه من ناحية الوحدة والتكرار، ومقتضاه من الناحية الزمنية؛ من حيث الفور، أو التراخي، إلى غير ذلك من المباحث العامرة بالمعرفة والخير. وقد فعلوا مثل ذلك في النهي، وإلى جانب هذا، كشفوا عن أثر النهي في المنهي عنه، سواء أكان ذلك في العبادات أم كان في العقود والمعاملات؛ لإعطاء الحكم فيما نهي عنه، من حيث الصحة، أو الفساد أو البطلان. وما أحسب أن في دنيا التشريع ما يداني هذا الاستقصاء، ولا تلك الدقة التي نرى آثارها في كتب الأصول والفروع، على تشعب في المذاهب وتنوع في الاجتهادات، البعيدة عن الهوى والانحراف، المنبعثة من الحرص على الحقيقة، كاملة غير منقوصة. والعضِّ عليها بالنواجذ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وتحقيقًا لمصلحة الفرد والمجتمع والأمة. غير أن جولد تسهير، يحاول تنصيب نفسه للحُكم، حتى في قضية لها أكبر المساس بلغة غير لغته، وبيان جاء بغير لسانه. بل يريد أن ينقل القضية من ميدان الضوابط التي قامت على مدلولات اللغة وقواعد الشريعة، إلى ميدان الأخلاق والسلوك، ليتَّهم العلماء بالانحراف، حين يتحولون - على حد زعمه - في الأمر، عن الوجوب إلى غيره، كما يتحولون في النهي، عن التحريم إلى غيره، وراء الهوى.

стр. 108

على أن الباحث المنصف، يرى أن من أهم ما تميّز به الاستنباط في شريعة الإسلام، هذه الضوابط، التي ضمنت سلامة الاتجاه في التفسير. وأن الأئمة الذين يخشون الله في كل ما يأخذون وما يدعون، لا يُحكم عليهم بمفهومات تقوم على الانحراف والتزوير. ولكن الذين في قلوبهم مرض، يأبون إلا أن يعلنوا عن أنفسهم حتى بالانحراف عن الطريق التي تقوم على احترام قواعد المنطق، والبحث العلمي المجرد، الذي لا يتأثر بما في النفس من حاجات ورغبات … ترتبط أول ما ترتبط بالأغراض التي من أجلها وُجه المستشرقون لدراسة الثقافة الإسلامية وأوضاع الشعوب الإسلامية، تلك الأغراض التي تنتمي أول ما تنتمي إلى مناهج التبشير ومخططات الاستعمار. وهذا لا يعني بحال من الأحوال الغضَّ من منهجية عدد من المستشرقين في البحث، أو نفي أن يكون فيهم أحيانًا من يرى في دراسته - ولو اليسير - من الإخلاص للحقيقة والمعرفة. وعلى أية حال: فإن قواعد التفسير، التي تحمل في فقهنا عناصر خلودها، قد أثبتت وستثبت وجودها، كلما أُضيئت أمام رجال الفقه والقانون، سبل المعرفة، للصلة بمناهجها، وتبيّن خصائصها الأصيلة. ولقد يرى الباحث كثيرًا من النماذج، التي تدل على إفادة كبريات مؤسساتنا القضائية من تلك القواعد؛ وذلك بردّ كثير من الأحكام إلى مبادئها (١).

стр. 109

كما أن كبار رجال القانون في العالم العربي خطوا أشواطًا واسعة في إبراز مجموعة من قواعد التفسير عندنا، وإعطائها ما تستحق من العناية (١) الأمر الذي يسهِّل إمكان استخدامها في تفسير النصوص القانونية، في دنيا هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أُخرجت للناس. انظر على سبيل المثال: الكتاب المتألق بموضوعه وبحوثه أعني "التشريع الجنائي الإسلامي" لعبد القادر عودة ﵀ الذي أثبت بين يدَيْ الحديث عن مصادر التشريع الجنائي في الشريعة، قواعد هذه الشريعة في تفسير النصوص الأمر الذي يشعر بالمنهجية الواضحة في طريقة أخذه الأحكام من النصوص والضبط في رد الفروع إلى الأصول. بكل أمانة، وتجرد، حرصًا على تبين الحقيقة، ووقوفًا عند الحق الذي نزل به الكتاب. * * *

стр. 110

القِسْم الأَوَّل قواعد التّفسير في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها ودَلالتها على الأحكام

стр. 111

البَابُ الأَولُ الوضوح والإبهام في الألفاظ الواضح وأنواعه، المبهم وأنواعه، التأويل

стр. 112

الفصل الأول الواضح وأنواعه تمهيد: لتحديد دلالة اللفظ على معناه من ناحية الوضوح والإبهام: أثر ملحوظ في تفسير النصوص، واستنباط الأحكام، وقيام التكليف بمقتضى الألفاظ ومدلولاتها في الشريعة الإسلامية. والألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة من آيات وأحاديث الأحكام، قسمها الأصوليون باعتبار وضوحها في الدلالة على الأحكام التي أرادها الشارع منها، إلى قسمين: القسم الأول: واضح الدلالة على معناه، لا يحتاج فهم المعنى المراد منه، أو تطبيقه على الوقائع، إلى أمر خارج عنه. القسم الثاني: مبهم الدلالة على معناه، يحتاج فهم المعنى المراد منه، أو تطبيقه على الوقائع، إلى أمر خارج عنه. والألفاظ واضحة الدلالة، التي لا يحتاج فهم المراد منها إلى أمر خارج عنها: تتفاوت مراتب وضوحها في الدلالة على المعنى المراد؛ فهي ليست على درجة واحدة في وضوح الحكم، ولكن يلاحظ أن بعضها أوضح من البعض الآخر. كذلك الألفاظ مبهمة الدلالة، ليست على درجة واحدة في خفاء دلالتها على المعنى المراد، بل تتفاوت مراتب إبهامها، فبعضها أشد إيهامًا في دلالته على الحكم من البعض الآخر.

стр. 113

وبناء على الوضوح والإبهام، ومقدار التفاوت في كل منهما: سلك كل من الحنفية والمتكلمين طريقًا في تقسيم الألفاظ من حيث الوضوحُ والإبهام في الدلالة على الأحكام. مسلك الحنفية: فقسم علماء الحنفية اللفظ باعتبار الوضوح في دلالته على معناه، إلى أربعة أقسام: ١ - الظاهر. ٢ - النص. ٣ - المفسّر. ٤ - المحكم. وأعلاها رتبة في الوضوح: المحكم، يليه في ذلك المفسَّر، ثم النص، ثم الظاهر. كما قسموه باعتبار الخفاء في دلالته على معناه إلى أربعة أقسام مقابلة لتلك وهي: ١ - الخفي. ٢ - المشكل. ٣ - المجمل. ٤ - المتشابه. فالخفي يقابل الظاهر، والمشكل يقابل النص، والمجمل يقابل المفسَّر، والمتشابه يقابل المحكم. مسلك المتكلمين: أما جمهرة المتكلمين: فقد قسَّموا اللفظ باعتبار وضوح الدلالة على المعنى المراد إلى قسمين:

стр. 114

١ - الظاهر. ٢ - النص. كما قسموا اللفظ باعتبار إبهامه عند الدلالة على المعنى المراد إلى قسمين أيضًا، على تشابك وتداخل أحيانًا نراهما عند التفصيل. والقسمان هما: ١ - المجمل. ٢ - المتشابه. وفيما يلي بيانٌ ودراسة لمنهج كلٍّ من الحنفية والمتكلمين في المسلك الذي سلكه كل فريق - من حيث تحرير القواعد، وتطبيقاتها على الفروع - ثم مقارنة تكشف عن ثمراتها في الموضوع. * * *

стр. 115

المبحث الأول منهج الحنفية في الواضح قدّمنا أن الحنفية، قسموا اللفظ باعتبار الوضوح في الدلالة على معناه، ومراتب هذا الوضوح، إلى أربعة أقسام هي: الظاهر، النص، المفسّر، المحكم. وسنعرض لهذه الأقسام ومراتبها في الوضوح، لنرى أثر ذلك في تفسير النصوص واستنباط الأحكام. * * * المطلب الأول الظاهر عرّف أبو زيد الدبوسي الظاهر بأنه: (ما ظهر للسامع بنفس السمع) (١). وقال فخر الإسلام البزدوي: (الظاهر اسم لكل كلام ظهر المراد به للسامع بصيغته) (٢). وبأوضح من ذلك عرّفه السرخسي فقال: (الظاهر: ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمُّل، وهو الذي يسبق إلى العقول والأوهام لظهوره موضوعًا فيما هو المراد) (٣).

стр. 116

ولقد ذكروا ما يفيد قبول كل من الظاهر والنص الذي هو أوضح منه - كما سيأتي - للتخصيص (١) والتأويل والنسخ، وكيف أنه ذلك: يدخل الاحتمال كلًا منهما. عماد التعريف: وهكذا يبدو من هذه التعريفات - على تماثلها - أن عماد الظاهر عند هؤلاء الأئمة، أن يكون اللفظ بحيث لا يتوقف فهم المراد منه على قرينة خارجية، لكن يتضح مدلوله المراد من الصيغة نفسها، فمجرد سماع اللفظ كافٍ للحكم على المعنى الذي يدل عليه ذلك اللفظ، ولكن مع الاحتمال. ونستطيع بعد هذا الإيضاح، أن نعرّفه تعريفًا مبسَّطًا يفي بالغرض فنقول: (هو اللفظ الذي يدل على معناه بصيغته من غير توقف على قرينة خارجية، مع احتمال التخصيص والتأويل وقبول النسخ في عهد الرسالة). أ - ومن أمثلة الظاهر: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فالمعروف من أسباب النزول أن الآية مسوقة لنفي التماثل بين البيع والربا، ردًا على المشركين الذين زعموا أن البيع مثل الربا، ورغم ذلك؛ فإنها في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ظاهرة الدلالة في حل البيع وحرمة الربا، باللفظ نفسه دون حاجة إلى قرينة خارجية. وكلٌّ من (البيع)، و (الربا) لفظ عام يحتمل التخصيص الذي يقضي بتضييق دائرة شمول كل منهما، بحيث يقصر على أفراد منه دون أخرى.

стр. 117

ب - ومن أمثلة الظاهر أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]. فالآية ظاهرة الدلالة، في إباحة الزواج، بما طاب من النساء، دون توقف هذه الدلالة في الإباحة على أمر خارجي. هذا مع أن الآية لم تسق للدلالة على هذا الحكم، وإنما سبقت لأمور منها: تحديد الحل بأربع زوجات، وأنه إذا خيف الجور: فالواجب الاقتصار على واحدة، أو ما ملكت اليمين. فقد ورد في الصحاح - واللفظ لمسلم - عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى … ﴾ الآية. قالت: "يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقصد في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنّتهن من الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن … " الحديث (١). وفي "جامع البيان" للطبري: قال يونس بن يزيد: قال ربيعة في قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قال: يقول: أتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا. وقال الحسن والضحاك وغيرهما: إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام؛ من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فَقَصَرَتْهُنَّ الآية على أربع (٢).

стр. 118

ج - كذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فقد سيقت الآية لبيان مراعاة وقت السنة، عند إرادة الطلاق (١). ومع ذلك: فهي ظاهرة الدلالة، في الأمر بأن لا يزيد المكلف على تطليقة واحدة؛ فهذه الدلالة من (الظاهر). حكم الظاهر: وحكم الظاهر: وجوبُ العمل بما دلّ عليه من الأحكام، حتى يقوم دليل صحيح على تخصيصه، أو تأويله، أو نسخه. * * * المطلب الثاني النص النص لغة: رفع الشيء، من نصَّ الحديث ينُصه نصًا: رفعه، وكل ما أُظهر فقد نُص، وفي "النهاية" من حديث عمرو بن دينار: ما رأيت رجلًا أنصَّ للحديث من الزهري، أي أرفعَ له وأسند. وفي حديث عبد الله بن زمعة، أنه تزوج بنت السائب، فلما نُصّت لتهدى إليه طلقها (٢). أي فلما أقعدت على المنصة. والمِنصّة بكسر الميم: سرير العروس تظهر عليه لتُرى.

стр. 119

قالوا: وكل شيء أظهرته فقد نصصته، ومنه حديث هرقل - كما في النهاية - ينصُّكم، أي يستخرج رأيكم ويظهره. وقال الشاعر: أنصُّ الحديث إلى أهله … فإن الأمانة في نصّه والنص أيضًا: التحريك حتى يستخرج أقصى سير الناقة، ومنه: نصّت الدابةُ في السير إذا أظهرت أقصى ما عندها. أما النص في الاصطلاح - وقد ردُّوه إلى المعنى اللغوي -: فقال فيه الدبوسي في "التقويم": "هو الزائد على الظاهر بيانًا إذا قوبل به). وعرّفه البزدوي، مبينًا مورد الزيادة في الوضوح فقال: (النص ما ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنى من المتكلم لا في نفس الصيغة). وزاد السرخسي التعريف - على عادته - وضوحًا فقال: (أما النص: فما يزداد وضوحًا، بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرًا بدون تلك القرينة) (١). ولم يكن بدعًا أن يستشهد هؤلاء الأئمة على تحديدهم الذي رأيناه من قبلُ للظاهر، باللغة. فالدبوسي يراه مأخوذًا من قولك: نصصت الدابة: إذا أظهرتَ سيرها بسبب منك فوق سيرها المعتاد، فهو اسم لما دون الخبب من الأنواع، والمِنصةُ اسم للعرش الذي تحمل عليه العروس لأنها سبب زيادة ظهور. وقريبًا من كلام الدبوسي، ذكر كل من البزدوي والسرخسي. والقصد من ذلك إيضاح الفارق بين الظاهر والنص.

стр. 120

عماد التعريف: فعماد التعريف في النص: إثبات أن هناك زيادة في الظهور والوضوح، وأن هذه الزيادة لم تكن من الصيغة نفسِها، وإنما جاءت من المتكلم نفسِه، حيث يُعرف ذلك بالقرينة من سياق أو سباق … إلخ. لذا رأينا فخر الإسلام، حين يستشهد باللغة، يرى النص مأخوذًا من قولهم: نصصت الدابة، إذا استخرجت بتكلفك منها سيرًا فوق سيرها المعتاد، وذلك ما رأيناه عند صاحب التقويم حيث قال: (بسبب منك) أما مجلس العروس: فقد سمي منصة في نظر البزدوي لأنه ازداد ظهورًا على سائر المجالس، بفضل تكلف اتصل به من جهة الواضع. التعريف الذي نراه: وإذا كانت القرينة التي تعرف بها زيادة الوضوح بمعنًى من المتكلم نفسه، تظهر أكثر ما تظهر، بأن يكون اللفظ مسوقًا للمعنى المراد، نستطيع أن نعرِّف النص في ضوء ما ذكر بأنه: (اللفظ الذي يدل على الحكم، الذي سيق لأجله الكلام دلالة واضحة، تحتمل التخصيص والتأويل، احتمالًا أضعف من احتمال الظاهر، مع قبول النسخ في عهد الرسالة). وإنما قلنا ذلك؛ لأن النص - بما زاد من وضوحه زيادة كانت بمعنًى من المتكلم: يُرى الاحتمال فيه أبعد من الاحتمال في الظاهر. ١ - ومن أمثلة النص، قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فهو نصٌّ في نفي التماثل بين البيع والربا، من ناحية الحل والحرمة؛ لأن الكلام سيق لبيان هذا الحكم، فازداد النص وضوحًا على الظاهر - وهو حل البيع وحرمة الربا - بمعنًى من المتكلم لا بمعنًى في الصيغة نفسها. ب - كذلك قوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. فإنه نصَّ في بيان العدد الحلال من النساء، وقصرِ هذا العدد على أربع:

стр. 121

وهذا الحكم الذي نذكره، هو مما قصد بالسياق، فزاده ذلك القصد وضوحًا على الظاهر - وهو حل النكاح - وكانت هذه الزيادة بمعنى من المتكلم، لا بمعنى في الصيغة نفسها، كما قلنا في المثال السابق. ج - ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. فإذا كانت الآية (ظاهرًا) في الأمر، بأن لا يزيد المكلف على طلقة واحدة، فهي (نص) في بيان المراعاة لوقت السنة، عند إرادة الطلاق؛ لأن الكلام سيق لذلك كما في قول الرسول ﷺ في شأن ابن عمر حين طلّق زوجته وهي حائض: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسّها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (١). وهذا السوق زاد في وضوح النص على الظاهر في الآية، وكان ذلك بمعنى من المتكلم، ولم يكن من الصيغة. د - ومن هذا الباب: قوله جلّ وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فهو نص في دلالته على وجوب اعتداد المطلقة بثلاثة قروء؛ لأن الكلام سبق لبيان حكم الله ، في جميع المطلقات من ذوات الأقراء، وهو وجوب أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها إياها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت. ويدخل في ذلك غير المدخول بهن، إلى أن يؤوَّل النص بقيام دليل يرجح غير هذا المعنى الظاهر الذي يشمل غير المدخول بهن. وقد جاء الدليل على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب].

стр. 122

وهكذا يتبين من المقارنة، بين الظاهر والنص، في هذه الأمثلة، والأمثلة التي سبقتها أن موجَب النص، هو موجَب الظاهر، ولكن النص يزداد وضوحًا على الظاهر، فيما يرجع إليه الوضوح والبيان، بمعنًى عرف من مراد المتكلم. وإنما يعرف ذلك عند المقابلة بينهما، ففي هذه الحال، يكون النص أوْلى من الظاهر - كما سيأتي -. النص: هل يشمل الخاص والعام؟ هذا: وقد قرر الأكثرون، أن النص يشمل الخاص والعام، وليس الخاص فقط؛ فليس احتمال العام للتخصيص، بأقوى من احتمال الخاص للتأويل (١). وقد أوضح ذلك أبو بكر الجصاص، حين قرر أن ما يتناوله العام، فهو نص أيضًا. وذلك لأنه لا فرق بين الخاص المعين - إذا أُشير إليه بعينه، وبُيّن حكمه، وبين ما يتناوله العموم اسمًا لجميع ما تناوله، وانطوى تحته - وبين المنصوص وهو ما نصّ عليه باسمه. وقد استدلّ الجصاص لما يقول (بأن أحدًا من المسلمين لا يمتنع من إطلاق القول: بأن الله تعالى، قد نصّ على تحريم الأم بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ … ﴾ الآية [النساء: ٢٣] (٢). وأن قطع السارق منصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].

стр. 123

وكذلك جلد الزاني وإيجاب القصاص على قاتل العمد. وكلٌّ إنما نُصّ على حكمه بعموم لفظ ينتظم ما شمله الإثم، من غير إشارة إلى عين منصوصة) (١). موقف الدبوسي والسرخسي: وقد كشف الدبوسي في "التقويم"، وتابعه السرخسي في "الأصول"، عن زعم بعض الفقهاء: أن النص لا يتناول إلا الخاص، وردَّ عليهم مبينًا أن الأمر ليس كذلك. وكان الرد مبنيًا على نقطتين: الأولى: أن أصل اشتقاق الكلمة جاء من النص وهو زيادة الظهور، وقد عرفنا أن النص ما يزداد وضوحًا لمعنًى من المتكلم، يظهر ذلك عند المقابلة بالظاهر: عامًا كان أو خاصًّا. الثانية: أن الالتباس الذي وقع به هؤلاء الزاعمون، إنما جاء من أن تلك القرينة التي دلت على زيادة الوضوح بمعنًى من المتكلم، إنما اختصت بالنص دون الظاهر؛ فجعل بعضهم الاسمَ للخاص فقط. وفي هذا المجال، يقول بعض هؤلاء الزاعمين: إن النص يكون مختصًا بالسبب الذي كان السياق له، فلا يثبت له موجب الظاهر. وردّ عليهم السرخسي بأن العبرة لعموم الخطاب، لا لخصوص السبب عندنا، فيكون النص (ظاهرًا) باعتبار صيغة الخطاب، (نصًا) باعتبار القرينة التي كان السباق لأجلها (٢). وذلك بيِّنٌ فيما مرّ بنا من أمثلة، كانت ظاهرًا باعتبار صيغة الخطاب، نصًا باعتبار القرينة التي كان لأجلها السياق. حكم النص: وحكم النص - كحكم الظاهر - وجوب العمل بما دلّ عليه، حتى يقوم دليل التأويل أو التخصيص، أو النسخ، علمًا بأن الاحتمال في النص أبعد

стр. 124

منه في الظاهر - كما قدّمنا - لما زاد عليه من الوضوح بتلك القرينة. فكان النص أوْلى من الظاهر عند التقابل بينهما، ووجب حمل الظاهر عليه. هل الوجوب قطعيٌّ في الظاهر والنص: ولكن: هل وجوب العمل بما يدل عليه الظاهر والنص، هو على سبيل القطع، أو على سبيل الظن؟ أما مشايخ العراق، وفيهم الشيخ أبو الحسن الكرخي، وأبو بكر الجصاص: فمذهبهم وجوب العمل، أو ثبوت ما انتظمه كلُّ من الظاهر والنصر على وجه القطع واليقين. وإليه ذهب القاضي أبو زيد الدبوسي، ومَن تابعه من عامة المعتزلة. وقد عبّر البزدوي عن ذلك بقوله: (حكم الظاهر ثبوت ما انتظمه يقينًا، وكذلك النص، إلا أن هذا عند التعارض أوْلى منه). وهناك من يرى أن حكم الظاهر، وكذلك النص، وجوب العمل بما وضع له اللفظ ظاهرًا، لا قطعًا، مع الاحتمال المذكور، وتقديم النص عند التعارض، ووجوب اعتقاد حقيَّة ما أراد الله تعالى من ذلك. وممن قال بهذا القول: الشيخ أبو منصور الماتريدي (١) وأصحاب الحديث، وبعض المعتزلة. رأينا في هذا الاختلاف: والذي يبدو: أن محل النزاع بين الفريقين، هو اختلاف النظرة إلى الاحتمال البعيد - وهو الذي لا تدل عليه قرينة -. فالفريق الأول، يرى أن هذا الاحتمال، لا عبرة له، فلا يتنافى مع القطعية. بينما يرى الفريق الثاني أن الاحتمال - وإن كان بعيدًا - يتنافى مع القطعية؛ فهو يوجب العمل دون العلم.

стр. 125

وهكذا يُرى أنه بمقدار تقويم الاحتمال البعيد، وأثره عند كل فريق، كانت النظرة إلى حكم الظاهر وحكم النص. فالفريق الأول، قال بالقطعية، والفريق الثاني، قال بالظنية. وصاحب "كشف الأسرار" - وهو من القائلين بالقول الأول - أوضح ذلك بقوله: (وحاصله: أن ما دخل تحت الاحتمال، ولو كان بعيدًا، لا يوجب العلم، بل يوجب العمل عندهم، كما في خبر الواحد والقياس، وعندنا، لا عبرة للاحتمال البعيد، وهو الذي لا تدل عليه قرينة لأن الناشئ عن إرادة المتكلم - وهي أمر باطن - لا يوقف عليه، والأحكام لا تعلق بالمعاني الباطنة، كرخص المسافر لا تتعلق بحقيقة المشقة، والنسب لا يتعلق بالإعلاق، والتكليف لا يتعلق باعتدال العقل، لكونها أمورًا باطنة؛ بل بالسفر الذي هو سبب المشقة، والفراش الذي هو دليل الإعلاق، والاحتلام الذي هو دليل اعتدال العقل) (١). واضح أن المراد من القطع هنا معناه الأعم، وهو عدم احتمال اللفظ غير معناه احتمالًا ناشئًا عن دليل. فليس القطع في (الظاهر)، و (النص)، هو ذلك القطع الذي نراه في (المفسَّر) الذي لا يحتمل إلا النسخ في حياة الرسول ﷺ ، أو الذي نراه في (المحكم) الذي لا يقبل حتى النسخ - كما سيأتي في المفسّر والمحكم -. وإذن فالعمل واجب قطعًا ويقينًا على الرأي الأول، مع وجود الاحتمال البعيد، أو ما هو أبعد منه، حسب درجة الوضوح في الظاهر والنص، فقد علمنا أن الاحتمال واقع في كل منهما، ولكن هذا الاحتمال في النص أبعد منه في الظاهر. وإذا كان المراد بالظن معناه الأعم أيضًا (٢) - وهو أن يحتمل اللفظ غير

стр. 126

معناه احتمالًا ناشئًا عن دليل، أو احتمالًا غير ناشئ عن دليل - فالخلاف، يكاد يكون لفظيًا؛ لأن الفريقين متفقان على احتمال النص والظاهر، غير معناهما، احتمالًا غير ناشئ عن دليل. ولعل في كلام عبد العزيز البخاري نفسه، ما يؤيد الذي أشرنا إليه (١). كما أن صاحب "التلويح"، بعد أن ذكر الرأي القائل بأن حكم كل من الظاهر والنص، وجوبُ الحكم قطعًا ويقينًا، وعلَّله بأن الاحتمال - وإن كان بعيدًا - قاطعٌ لليقين، وبعد أن أورد الرد على هذا القول، بأنه لا عبرة باحتمال لم ينشأ عن الدليل قال: (والحق أن كلًا منهما قد يفيد القطع - وهو الأصل - وقد يفيد الظن، وهو ما إذا كان احتمال غيرِ المراد: مما يعضده دليل) (٢). الظاهر والنص عند المتأخرين: إن ما أوردناه من تعريف الظاهر والنص، وعدم اشتراط سوق الكلام للمعنى المراد في الظاهر، هو صنيع العلماء حتى نهاية القرن الخامس. وقد أتينا آنفًا على ذكر الدبوسي والبزدوي، كما أتينا على ذكر السرخسي المتوفى بعد البزدوي وذلك سنة ٤٩٠ هـ. ولكن مرحلة جديدة نشأت فيما بعد؛ فحين جاء شرّاح كلام فخر الإسلام البزدوي، نهج أكثرهم نهجًا جديدًا، في التفريق بين الظاهر والنص، فشرطوا في تعريفهم للظاهر .. أن لا يكون الكلام مسوقًا للمعنى المراد. وفي المقابل: شرطوا للنص: أن يكون الكلام مسوقًا لذاك المعنى. فالظاهر، هو الذي لا يكون معناه الأصلي مقصودًا من السياق، والنص هو الذي يكون معناه الأصلي مقصودًا من السياق. وقد تابعهم على ذلك كثير ممن جاء بعدهم، بينما سار الفريق الآخر على نهج الأولين، الذين لم يشترطوا للظاهر، كون معناه غير مقصود بالسياق.

стр. 127

ترى ذلك مثلًا عند حافظ الدين النسفي صاحب "المنار" الذي عرّف الظاهر بأنه: (اسم لكلام ظهر المراد به للسامع بصيغته)، كما عرّف النص بأنه: (ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنًى من المتكلم لا في نفس الصيغة) (١). وذلك ما رأيناه عند أهل القرنين الرابع والخامس، حيث لم يشترطوا عدم السوق في الظاهر، وقرروا أن الفرق بين النص، والظاهر، هو زيادة وضوح في النص بمعنًى من المتكلم، لا في الصيغة نفسها .. أما من ذكرنا من المتأخرين: فقد درجوا على القول بأن قصد المتكلم إذا اقترن بالظاهر صار نصًا، وشرطوا في الظاهر أن لا يكون معناه مقصودًا بالسوق أصلًا، تفريقًا بينه وبين النص. موقف عبد العزيز البخاري: وقد نبّه إلى مخالفة المتأخرين - أو جمهرتهم - للمتقدمين في هذه المسألة العلَّامة عبد العزيز البخاري شارح "أصول البزدوي" في كتابه "كشف الأسرار" (٢) وتابعه مَن بعده (٣) في هذا التنبيه. وقد وجّه صاحب "كشف الأسرار" البخاري النقد للاتجاه الجديد، وكان هذا النقد قائمًا على أمرين: أولهما: أن في نهج المتأخرين، مخالفةً لما ذكره الأولون عن الظاهر، والنص، والتفريق بينهما. الثاني: - وهو الأقوى في نظرنا - إثبات أن كلام المتقدمين أسلم، وذلك عن طريق الفقه، والتحليل. أما عن الأمر الأول: فكلام المتأخرين، مخالف لعامة الكتب، ولما عليه

стр. 128

الدبوسي في "التقويم"، وشمس الأئمة السرخسي في "الأصول"، وكذا فخر الإسلام البزدوي، وقد أوردنا كلامهم آنفًا. وينقل عبد العزيز البخاري عن بعض الأصحاب من علماء أصول الفقه: أن الظاهر (اسم لما يظهر المراد منه بمجرد السمع، من غير إطالة فكرة، ولا إجالة روية). وأن مثاله في الشرعيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، وقوله جلَّ ذكره: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]. وفي "كشف الأسرار" أيضًا (١) أن السيد الإمام الأجل، أبا القاسم السمرقندي ﵀، كان يرى أن الظاهر ما ظهر المراد منه، لكنه يحتمل احتمالًا بعيدًا، على نحو ما يرى في الأمر: حيث يفهم منه الإيجاب، وإن كان يحتمل التهديد، ونحو ما يرى في النهي: حيث يدل على التحريم، وإن كان يحتمل التنزيه. وهكذا يكون كلام هؤلاء القوم جميعًا - كما يرى عبد العزيز البخاري - يدل على أن عدم السَوْق في الظاهر ليس بشرط، وأن الظاهر: ما ظهر المراد منه سواء أكان مسوقًا للمعنى المراد، أم كان غير مسوق له، ولو كان هذا الشرط مطلوبًا فيه، لذكره القوم، ولقيّدوه عند ذكر حدَّه بهذا القيد. وأما عن الأمر الثاني: فقد ظنّ المتأخرون أن ازدياد وضوح النص على الظاهر، كان بمجرد السَوْق. ويرى عبد العزيز البخاري، أن الأمر ليس كما ظنوا. إذ ليس من فرقٍ في فهم المراد للسامع، بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] مع كونه مسوقًا في إطلاق النكاح، وبين قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] مع كونه غيرَ مسوق فيه، وإن كان يجوز أن

стр. 129

يثبت لأحدهما بالسوق قوة يصلح بها للترجيح عند التعارض. وقد مثّل صاحب الكشف لذلك، بالخبرين المتساويين في الظهور، يجوز أن يثبت لأحدهما مزية على الآخر بالشهرة، أو التواتر، أو غيرهما من المعاني. وهكذا يكون ازدياد الوضوح في النص: بقرينة لفظية، تجعلنا نفهم معنًى قصده المتكلم، ذلك المعنى الذي لم نفهمه من الظاهر، دون هذه القرينة التي انضمت إلى النص. ويتضح ذلك: بالتفرقة بين البيع والربا، من حيث الحِلُّ والحرمة؛ فإن هذا الأمر يفهم من ظاهر الكلام، بل من سياق الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث عُرِفَ أن الغرض نفيُ التماثل، وإثباتُ الفرق بينهما، وأن تقدير الكلام: وأَحلّ الله البيع، وحرّم الربا، فأنّى يتماثلان. ولم يعرف هذا المعنى بدون تلك القرينة. فلو قيل ابتداء، دون أن يدلنا صدر الآية على دعوى التماثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لم نستطع الحكم بأن الغرض إثباتُ التفرقة بين البيع والربا، وأنهما غير متماثلين. واعتبار اللفظ نصًا عن طريق انضمام قرينة لفظية، تجعلنا نفهم معنًى قصده المتكلم، لم يفهم من الظاهر بدون تلك القرينة: هو ما نراه عند السرخسي، حين يقرر في تعريف النص - كما مر - أنه: (ما يزداد بيانًا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرًا، بدون تلك القرينة). موقف العلماء من الاتجاهين: لم يكن موقف العلماء من اتجاهَيْ المتقدمين والمتأخرين واحدًا فيما بعد. ١ - فمنهم من تابع المتقدمين فيما ذهبوا إليه، غير ملتفت إلى ما جاء به المتأخرون. ٢ - ومنهم من سلك سبيل المتأخرين، ودافع عن وجهة نظرهم فيما ذهبوا إليه.

стр. 130

٣ - ومنهم مَن سلك سبيل الحياد بين الاتجاهين، واكتفى بعرض ما عند الفريقين. أ - فممّن تابع المتقدمين، وسلك نهجهم: صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود؛ فقد جاء في كتابه "التوضيح" قوله: (اللفظ إذا ظهر منه المراد، يسمى ظاهرًا بالنسبة إليه، ثم إن زاد الوضوح بأن سيق الكلامُ له يسمى نصًا). وهذا الكلام من صدر الشريعة، يدل بوضوح على التزام مذهب المتقدمين في هذه المسألة. وقد فهم السعد التفتازاني ذلك من كلام صدر الشريعة، حين قرر أن ظاهر كلامه المذكور مشعر بأن المعتبر في الظاهر: ظهور المراد منه، سواء أكان مسوقًا له أم لا، وأن المعتبر في النص كونه مسوقًا للمراد (١) … ب - وممن سلك سبيل المتأخرين وحمل عبء الدفاع عن وجهة نظرهم فيما ذهبوا إليه، عبد اللطيف بن مَلك في شرحه لكتاب "المنار" للحافظ النسفي. وقد ظهر ذلك في محاولته الردّ على كلام عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار" فيما فهمه من كلام البزدوي. وبيان ذلك: أن ابن ملك يرى في قول البزدوي عن النص بأنه: (ما ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنًى من المتكلم لا في نفس الصيغة … ) أن عبارة (بمعنًى من المتكلم) أعم من كونه قرينة نطقية، أو سَوْق كلام، أو غيره .... ولو كانت زيادة وضوحه، بانضمام قرينة نطقية تدل على أن قصد المتكلم ذلك المعنى: لم يبقَ محتملًا لتأويل، وهو في حيز المجاز، لتعين المراد حينئذ. وأكثر من هذا: فابن ملك لا يسلم أن الكل من العلماء، غفلوا عن هذا التفريق، فإن فخر الإسلام وصاحب "المنتخب" قالا في قوله تعالى:

стр. 131

﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أنه نص في بيان العدد؛ لأنه سيق الكلام له. وهذا يقتضي أن يكون عدم السَوْق شرطًا في الظاهر، وإلا لما صحّ تعليلهما - أي فخر الإسلام وصاحب "المنتخب" - به. وقال ابن ملك: (وإنما لم يذكروا عدم السَوْق في الظاهر، اعتمادًا على كونه مفهومًا من تعريف النص) (١). ج - أما سبيل الحياد بين الاتجاهين: فممن سلكه صاحب "التلويح" سعد الدين التفتازاني. فقد جاء على كلام صدر الشريعة في الموضوع، واكتفى بالحكم عليه بأنه متفق مع ما عليه المتقدمون، ثم عرض لذكر ما عليه المتأخرون، مبيّنًا أن أقسام الواضح حسن اتجاه المتقدمين تكون متمايزة، وحسب اتجاه المتأخرين تكون متباينة (٢). موقفنا من المسألة: وأُراني في ضوء ما سبق: أميلَ إلى تأييد البقاء على ما جرى عليه المتقدمون، في التفرقة بين الظاهر والنص، بازدياد الوضوح عن طريق قرينة لفظية تبرز معنًى عُرف من مراد المتكلم .... ١ - وإذا كانت اللغة العربية نبراسنا الأول في فهم نصوص الأحكام، فإن

стр. 132

معنى النص لغة زيادة الظهور، ومنه نصصت الدابة، ومِنصة العروس .. إلخ. كما هو واضح في مصادر العربية مما نقلناه عن الأئمة في هذا الصدد. ٢ - أما ما احتج به ابن ملك، من أن القرينة في كلام البزدوي، أعم من أن تكون نطقية أو غيرها: فإن السرخسي - وهو من رجال القرن الخامس الذين عاصروا البزدوي، وقد نقلنا كلامه من قبل - قد صرّح بأن النص ما يزداد وضوحًا، بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم. ولئن كان ابن ملك يريد أن لا يحصر القرينة بكونها لفظية، إن في كلام السرخسي وأضرابه ما ينفي الذي أراده ابن ملك بعدم الحصر؛ ذلك بأن تلاقي كلام أهل الحِقبة الواحدة على أمر معيَّن، يقوِّي جانب الفهم الذي أرادوه، ويُبرز المعاني التي قصدوها في التعريفات، عند ضبط مناهجهم في استنباط الأحكام. ٣ - ثم إن ابن ملك، أراد أن يأخذ اشتراط عدم السَوْق في (الظاهر)، من كلام المتقدمين أنفسهم؛ وذلك عن طريق مفهوم المخالفة (١) حيث فسّروا آية التعدد بأنها (نص) في بيان العدد؛ لأنه سيق الكلام له. وأحسب أن في منطوق كلام البزدوي - كما قدّمنا - وكلام المعاصرين له بتأييد ما ذهبوا إليه من اللغة نفسها، ما يضعف مأخذ ابن ملك، ويقوِّي جانب الأخذ بما درج عليه المتقدمون (٢). التسلسل التاريخي لمسألة الظاهر والنص: وهكذا يظهر مما تقدم أن النظرة إلى الظاهر والنص عند الحنفية من علماء الأصول، قد مرّت في ثلاث مراحل: الأولى: وهي التي تمتد إلى نهاية القرن الخامس، حيث لا يشترط في الظاهر: عدم سَوْق الكلام للمعنى المراد.

стр. 133

الثانية: وهي التي بدأت بعد القرن الخامس، حيث اشترط المتأخرون في الظاهر: عدم سَوْق الكلام للمعنى المراد، تفريقًا بينه وبين النص. الثالثة: وهي المرحلة التي وجدت بعد وجود أصحاب هذا الرأي من المتأخرين حيث اختلفت - كما أسلفنا - نظرة الباحثين. أ - فمن ملتزم لاتجاه المتقدمين. ب - ومن ملتزم لاتجاه المتأخرين. ج - ومن محايد يعرض المسألة كما يراها الفريقان دون ترجيح (١). * * * المطلب الثالث المفسَّر أما المفسَّر: فهو (اللفظ الذي يدل على الحكم دلالة واضحة، لا يبقى معها احتمال للتأويل، أو التخصيص، ولكنه مما يقبل النسخ في عهد الرسالة). وقد عبّر عنه السرخسي بأنه (اسم للمكشوف الذي يعرف المراد به مكشوفًا على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل) (٢). وبهذا كان المفسَّر فوق الظاهر والنص وضوحًا؛ لأن احتمال التأويل والتخصيص قائم فيهما. أما المفسَّر فلا يحتمل شيئًا من ذلك، ويتبدى هذا في كثير من نصوص الأحكام. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]. فلفظ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ وإن كان يحتمل التخصيص، بأن يراد فئة منهم مثلًا دون أخرى، إلا أن كلمة ﴿كَافَّةً﴾ تنفي أي احتمال للتخصيص بفرد أو فئة

стр. 134

أو طائفة منهم، فلا يكون الخروج من عهدة امتثال الأمر، في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا﴾ إلا بقتال المشركين كافتهم، دون أي استثناء. وكذلك قوله جلّ وعلا في حدّ القَذَفة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]. وقوله تعالى في عقوبة الزنى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فكل من كلمة ﴿ثَمَانِينَ﴾ في الآية الأولى، وكلمة ﴿مِائَةَ﴾ في الآية الثانية عدد، والعدد لا يحتمل الزيادة ولا النقص (١)، فهو من المفسَّر؛ لذا كانت الدلالة في الآية الأولى على وجوب جلد القاذف ثمانين جلدة، وكانت الدلالة في الآية الثانية على وجوب جلد الزاني والزانية مائة جلدة: دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا. ولكن هذه الأحكام كلها، كانت تحتمل النسخ في عهد الرسالة. وهكذا يكون من المفسَّر: العام إذا لحقه ما يمنع احتماله للتخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ص ٧٣]. فإن الملائكة جمعٌ عامٌّ محتمل للتخصيص؛ بأن يرد ما يدل على أن المراد بالملائكة: الأكثرون منهم مثلًا، فانسدّ باب التخصيص بذكر الكل في قوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ وذكر الكل احتمل تأويل التفرُّق بأن يكونوا قد سجدوا متفرقين، فقُطع ذلك بقوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ فصار مفسَّرًا (٢). ومن المفسَّر أيضًا: الصيغة التي ترد مجملة، ثم يلحقها بيان تفسيري قطعي من الشارع يبينها ويزيل إجمالها، حتى تصبح مفسَّرة لا تحتمل التأويل. وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج].

стр. 135

فقد سئل أحمد بن يحين ما الهلع؟ فقال: قد فسّره الله ولا يكون تفسيرٌ أبينَ من تفسيره. وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. فألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، ألفاظ مجملة لها معان لغوية، واستعملها الشارع في معان خاصة، فأصبح لها إلى جانب المعاني اللغوية، معانٍ شرعية، وجاءت الآيات الكريمة على ذكرها جملة غير مفصَّلة فبيّنها رسول الله ﷺ ، وفصَّل معانيَها بأقواله وأفعاله؛ فصلّى وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" (١) وحجّ وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (٢) إلخ. وكتب في الزكاة ما كتب وبيّن حدود الصيام. فأصبحت هذه المجملات من المفسَّر. وهكذا كل (مجمل) في الكتاب، يصبح (مفسَّرًا) بعد أن يبيّنه القرآن أو السنّة القولية، أو الفعلية بيانًا قاطعًا، ويكون هذا البيان جزءًا مكملًا وذلك ما يسمى اليوم بالتفسير التشريعي؛ وهو الذي يصدر عن المشرع نفسه تفسيرًا لقانون سابق (٣).

стр. 136

وبيان الكتاب أمانة، قُلدها نبينا صلوات الله وسلامه عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وهكذا يكون للمفسَّر موردان: أحدهما: المورد المستفاد من الصيغة نفسها، بحيث لا تحتمل التأويل أو التخصيص. والثاني: المورد المستفاد من بيان تفسيري قطعي، ملحق بالصيغة، صادر ممن له سلطة البيان؛ شأنَ المجمل الذي بيّنته السنة بيانًا قاطعًا. ولقد أوضح ذلك البزدوي عندما عرّف المفسَّر بقوله: (وأما المفسَّر فما ازداد وضوحًا على النص سواء أكان بمعنًى في النص أم بغيره، بأن كان مجملًا فلحقه بيان قاطع، فانسدّ به باب التأويل، أو كان عامًا، فلحقه ما انسدّ به باب التخصيص) (١). حكم المفسَّر: وحكم المفسَّر: وجوب العمل بما دلّ عليه قطعًا، حتى يقوم الدليل على نسخه، فالمفسَّر: لا مجال لأن يصرف عن ظاهره ويرادَ منه معنًى آخر؛ إذ لا يقبل التأويل ولا التخصيص، وإنما يحتمل النسخ والتبديل، وذلك إذا كان ما دلّ عليه حكمًا من الأحكام الفرعية التي تقبل التبديل. وما لم يقم دليل على النسخ، فوجوب العمل بالمفسَّر قائم. وحري بنا أن نلاحظ أن النسخ لا يكون إلا بكتاب أو سنّة (٢)، وما دام الأمر كذلك؛ فمجال النسخ مدة حياة النبي ﷺ إذ لا وحي منزَل، ولا سنّة محدَثة إلا في تلك الحِقبة.

стр. 137

أما بعد وفاته ﵊: فجميع نصوص الكتاب والسنّة محكمة، لا تقبل النسخ أو الإبطال. وهكذا يمكن القول بأن كل ما يقوله العلماء عن احتمال النسخ بالنسبة للمفسَّر، أو غيره من: نص، أو ظاهر، فمجاله تلك الحِقبة الزمنية المباركة، وقد انتهى الأمر بانتهائها؛ لأنه لا يوجد بعد الرسول ﷺ سلطة تشريعية، تملك نسخًا أو تبديلًا، واجتهادات الفقهاء التي تأتي من بعد، لا تمنع الاحتمال، حتى الإجماع؛ فإنه لا ينشئ حكمًا وإنما يكشف عن حكم. هذا: ومن الواضح أن دلالة المفسَّر على الحكم، أقوى من دلالة النص، ومن دلالة الظاهر عليه؛ وما دام الأمر كذلك: فهو يقدَّم على أي واحد منهما، إذا حصل نوع من التعارض، ويُحمَل كلٌّ من النص والظاهر عليه (١). المطلب الرابع المحكم أما المحكَم: فهو (اللفظ الذي دلّ على معناه، دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلًا، ولا تخصيصًا، ولا نسخًا حتى في حياة النبي ﷺ ، ولا بعد وفاته بالأولى) وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢، المائدة: ٢٣٦، المؤمنون: ٣٥] فقد ثبت بالدليل المعقول، أنه وصف دائم لا يجوز سقوطه. والمحكَم: مأخوذ من أحكم: بمعنى أتقن، يقال: بناء محكم: أي مأمون الانقضاض، وقيل: هو من قول القائل: أحكمت فلانًا عن كذا، أي رددته ومنعته، ومنه قول أحدهم: أبني حنيفة أحكِموا سفهاءَكم … إني أخاف عليكمو أن أغضبا

стр. 138

ومنه أيضًا حَكَمة (١) الفرس، سميت بذلك لأنها تذللها لراكبها حتى تمنعها من الجِماح. وفي "النهاية" لابن الأثير من حديث ابن عباس: "قرأت المحكَم على عهد رسول الله ﷺ " يريد المفصَّل من القرآن؛ لأنه لم ينسخ منه شيء (٢). قال السرخسي: (فالمحكَم ممتنع من احتمال التأويل، ومن أن يرد عليه النسخ، ولهذا سمّى الله تعالى المحكمات: أمَّ الكتاب، أي الأصل الذي يكون المرجع إليه، بمنزلة الأم للولد، فإنه يُرجع إليها) (٣). فالمحكَم، لا يحتمل التأويل بإرادة معنًى آخر، إن كان خاصًّا، ولا التخصيص بإرادة معنًى خاص، إن كان عامًا؛ لأنه مفصَّل ومفسَّر تفسيرًا، لا يتطرق معه أيُّ احتمال. أما النسخ: فإنه لا يحتمله في حياة النبي ﷺ - التي هي حِقبة التنزيل وعهد الرسالة - ولا بعدها. ويبدو الإحكام في حالتين: أولاهما: أ - أن يكون الحكم الذي دلّ عليه اللفظ: حكمًا أساسيًا من قواعد الدين؛ كالإيمان بالله تعالى ووحدانيته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإخبار بما كان أو يكون. ب - أو أن يكون ذلك الحكم: من أمهات الفاضل، وقواعد الأخلاق التي يقرها العقل السليم، والتي لا تختلف باختلاف الأحوال؛ كالعدل، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والوفاء بالعهد. الثانية: أن يكون ذلك المدلول حكمًا جزئيًا، ولكن وقع التصريح بتأييده ودوامه.

стр. 139

وذلك كما في قوله تعالى في تحريم أزواج النبي ﷺ من بعده: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقوله جلّ وعلا في قاذفي المحصنات وعدم قبول شهادتهم: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]. وقول الرسول ﷺ في شأن المتعة: "إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمَن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (١). وقوله ﵊: "الجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال" (٢). فقد اقترن بكل نص من هذه النصوص: ما أفاد تأبيد الحكم الذي اشتمل عليه. المحكَم لذاته والمحكَم لغيره: لقد عُلم مما سبق، أن عدم قابلية النسخ، يكون أحيانًا من ذات النص، وأحيانًا من خارج النص. أما من ذات النص: فكما في الأمثلة السالفة الذكر. وأما من خارج النص: فيكون لانتهاء عهد الرسالة، بوفاة النبي ﷺ من غير أن يثبت نسخ، وحِقبة النسخ محدودة بانقطاع الوحي، كما بيّنّا من قبل. ففي الحالة الأولى: يكون المحكَم محكمًا لذاته، لأن الإحكام جاء من ذات النص.

стр. 140

وفي الحالة الثانية: يكون محكمًا لغيره؛ لأن الإحكام جاء من خارج النص، وهذا يشمل الأقسام الأربعة للواضح. قال عبد العزيز البخاري في "الكشف": (ثم انقطاع احتمال النسخ، قد يكون لمعنًى في ذاته، بأن لا يحتمل التبدل عقلًا، كالآيات الدالة على وجود الصانع وصفاته ﷻ ، وحدوث العالم، وهذا يسمى محكمًا لعينه. وقد يكون بانقطاع الوحي، بوفاة النبي ﷺ ، ويسمى هذا: محكمًا لغيره، وهذا النوع يشمل الظاهر والنص والمفسَّر والمحكَم) (١)؛ لأن كل واحد من الظاهر والنص والمفسَّر، أصبح محكمًا من حيث انقطاع احتمال النسخ. حكم المحكَم: وحكم المحكَم: أنه يجب العمل به قطعًا، فلا يحتمل صرفَه عن ظاهره إلى أي معنى آخر، كما أنه لا يحتمل النسخ والإبطال. ومن هنا كانت دلالته على الحكم، أقوى من جميع الأنواع السابقة، فاللفظ مسوق لبيان هذا الحكم، والاحتمال بجميع أنواعه منتفٍ عنه. لذا كان طبيعيًا أن يقدّم على أي نوع من أنواع الواضح، يتعارض معه، ويُحْمَلَ ذلك النوع الآخر عليه. تفاوت المراتب وأثره: وهكذا يتبين لنا بعد البحث، أن أقسام الواضح عند الحنفية: ليست على درجة واحدة في الوضوح، وإنما هي متفاوتة المراتب في ذلك. فأقواها المحكَم، ويليه المفسَّر، ثم النص، ويأتي بعده الظاهر. وإنما تظهر ثمرة هذا التفاوت عند التعارض؛ حيث يقدم الأقوى من المتعارضين، كما سيأتي. ويحسن أن نقرر أن التعارض المقصود هنا: هو التعارض الظاهري، وهو الذي يكون مردُّه نظرَ الناظر وبحثه، أما التعارض الحقيقي: فمنتفٍ عن

стр. 141

نصوص هذه الشريعة في ذاتها، ولا يجوز أن نحمِّل الشريعة أمرًا عائدًا إلى الباحث نفسه، لا إليها هي، علمًا بأن نصوصها منزَّهة عن العبث والتناقض. نموذج لأقسام الواضح الأربعة: حاول بعض الأصوليين أن يقدّم أنموذجًا لأقسام الواضح الأربعة في نص من النصوص. وكان النص هو قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر] (١) حيث قرروا أنه يصلح نظيرًا لمراتب الوضوح في الأقسام الأربعة، باعتبارات أربعة: فهو (ظاهر) - كما يقولون - باعتبار دلالته على سجود الملائكة؛ لأن السجود لفظ خاص يحتمل التأويل، وذلك بأن يراد به نوع من الانحناء أو الخضوع، وليس السجود الحقيقي. وهو (نص): باعتبار دلالته على أن كل الملائكة قد سجدوا؛ فقد ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنًى من المتكلم، لأنه سيق لبيان أنه لم يخرج عن طاعة الله في أمره بالسجود إلا إبليس. وهو (مفسَّر) باعتبار دلالته على قطع الاحتمال؛ فلقد كان محتملًا أن يكون الملائكة قد سجدوا متفرقين، فقطع هذا الاحتمال بقوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾. وقالوا: إنه (محكَم) باعتباره إخبارًا عن حادث وقع، وأخبار الشارع لا تقبل النسخ والإبطال. ولكن البعض الآخرين لم يرتضوا ذلك، واعتبروا أن التمثيل بالآية للأقسام الأربعة غير منطبق عليها كلها. مدى شمول التفسير - كما أردناه - للأقسام الأربعة: أما شموله للظاهر والنص: فواضح؛ ذلك أن دلالتهما على الحكم - وإن كانت قطعية - فإن القطع هنا مراد به معناه الأعم، وهو عدم الاحتمال

стр. 142

الناشئ عن دليل، فالاحتمال واقع، وإن كان بعيدًا، وهو في الظاهر أبعد منه في النص. فإذا كانت الحاجة إلى التفسير، تبدو واضحة عند وجود الاحتمال، فإن هذا - كما يُرى - منطبق على الظاهر والنص؛ إذ احتمال التأويل في الخاص، وصرفه عن معنًى إلى معنًى آخر: قائم، كما أن احتمال التخصيص في العام: قائم أيضًا. أما في المفسَّر والمحكَم: فالاحتمال منتفٍ، إذ إن كلًا منهما يدل على الحكم قطعًا، والقطع هنا مراد به معناه الأخص، وهو عدم الاحتمال أصلًا. فهما لا يحتملان تأويلًا ولا تخصيصًا. ومسألة احتمال النسخ - بشروطه - في المفسَّر، ذات علاقة بالتاريخ لتحديد المتقدم والمتأخر، من حيث معرفة نزول الكتاب، أو حدوث السنّة القولية أو العملية الصالحة للنسخ - على صعيد الأحكام - عند من يقول بذلك، ليعلم الناسخ من المنسوخ. أما من حيث دلالة المفسَّر والمحكَم على المعنى: فما داما يدلان عليه دلالة قطعية لا تحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا، فلن نجد بين أيدينا في هذين القسمين من أقسام الواضح، إلا حالة التعارض الظاهري بينهما. ومن الممكن أن ندخل ذلك في نطاق التفسير - كما أردناه - تجوُّزًا لأن التعارض بينهما قد يُنتج حالة من الإبهام، تزول بمعرفة الأقوى، فيقدم المحكَم على المفسَّر. وإنما قلنا: (تجوُّزًا) لأن الترجيح بعد التعارض، قد يبدو قضاءً على النص، وليس تفسيرًا للنص. غير أن الذي يدعونا إلى ذلك: هو أن حالات الإبهام التي تنشأ من هذا التعارض الظاهري، بين النصوص في حالاتها المختلفة: قد أسهمت في أسباب الاختلاف بين الفقهاء إلى حد كبير، نتيجة اختلاف الفهوم والمدارك، ومدى الإحاطة بالدليل. كما أن إثبات التعارض، ثم إزالته عن طريق الحكم بالنسخ، أو التوفيق بين النصوص: كان ذا أثر واضح، في مسالك الاستنباط عند أئمة الفقه في

стр. 143

شريعة الإسلام. الأمر الذي يذكِّر بقضية غايةٍ في الأهمية، وهي أن الصحابة عليهم الرحمة والرضوان: كانوا يتتبعون الأحدث فالأحدث من قول النبي ﷺ وفعله، وإقراره. * * * المطلب الخامس أثر التفاوت بين الأقسام بتقديم أقواها عند التعارض أشرنا فيما سلف إلى أن التفاوت بين أقسام الواضح، إنما يظهر أثره عند التعارض، حيث يقدَّم الأقوى من المتعارضين، ويحمل الآخر عليه. ولذلك صور تتبدَّى فيما نقدم من النماذج التالية: أولًا - تعارض الظاهر مع النص: أ - من حالات تعارض النص مع الظاهر في نصوص الكتاب: ما جاء في شأن حلِّ الزواج بالنساء غير المحرمات دون تحديد بعدد، مع ما جاء في تحديد ما يحل منهن بأربع زوجات. ففي سورة النساء، بعد أن ذكر الله تعالى المحرمات من النساء قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١). وقال سبحانه في آية أخرى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].

стр. 144

فالآية الأولى: تدل على حل نكاح غير المحرمات المذكورات قبلًا، دون تحديد عدد، وهذه الدلالة من قبيل (الظاهر)، فيجوز للرجل بمقتضى عموم هذا الظاهر، أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات. والآية الثانية: (نص) في اقتصار الحل على الأربع، فتحرم الزيادة على هذا العدد. وهكذا يقع التعارض فيما وراء الأربع، فهو حلال في الآية الأولى، حرام في الآية الثانية. وفي هذه الحالة يقدم الأقوى: فيرجح النص - وهو تحديد الحل بأربع، وتحريم ما وراءها - على الظاهر الذي لم يحُدَّ الحلال من الزوجات بعدد، ويحمل الثاني على الأول، لأن النص سيق أصالة لإفادة هذا الحكم: وهو تحديد ما يحل للمسلم بأربع. ومن هنا كان من المقرر شرعًا، أنه لا يجوز للمسلم أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات. وقيل: الآية الأولى (نص) في اشتراط المهر، والآية الثانية من قبيل (الظاهر) في عدم اشتراطه؛ لأن الكلام ساكت عن ذكره ومطلَق عنه، فيترجح النص ويجب المال. ب - ومن أمثلة ذلك من الكتاب أيضًا (١) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مع قوله سبحانه في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. فالآية الأولى تعطي - بما سقيت له - أن مدة الرضاع مقدّرة بحولين، وهذا (نص). والآية الثانية تعطي أن هذه المدة ثلاثون شهرًا؛ لأنها سيقت لبيان منّة الوالدة على الولد، بدليل أول الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وهذا (ظاهر).

стр. 145

وبتقديم النص على الظاهر، ترجح الآية الأولى على الثانية، وتكون مدة الرضاع حولين. واعتبار مدة الرضاع حولين كاملين هو قول الصاحبين. والمثال الذي بين أيدينا للتعارض بين الظاهر والنص: مستقيم على قولهما. أما أبو حنيفة: فمدة الرضاع عنده ثلاثون شهرًا. والتقييد بحولين في الآية الأولى محمول في نظره على استحقاق الأجر؛ لأن المطلَّقة إذا طلبت أجرة الرضاع بعد حولين: لا يجبر الزوج على الإعطاء. ولو وقع ذلك في الحولين، يجبر على الإعطاء. فقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ أي لمن أراد من الآباء أن يُتم الرضاعة بالأجرة، وهذا لا يقتضي أن انتهاء مدة الرضاعة مطلقًا يكون بالحولين. . بل هو مدة استحقاق الأجر بالإرضاع (١). والراجح عندنا: ما ذهب إليه الصاحبان؛ لأن الحمل غير الفصال، والمجموع للحمل والفصال ثلاثون شهرًا، وليس هنالك ما يقوِّي حمل التقييد بالحولين في الآية الأولى على استحقاق الأجر (٢). والجنوح إلى غير المعنى الظاهر للآية: يحتاج إلى دليل صالح لذلك. ج - ويرى عبد العزيز البخاري صاحب "كشف الأسرار" أن مما يصلح مثالًا للتعارض بين الظاهر والنص من السنّة قوله ﵊: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣) مع قوله: "مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (٤). فالنص الأول (ظاهر) في نفي الجواز عمومًا في كل صلاة، فيتناول
следующие страницы →