نصوص هذه الشريعة في ذاتها، ولا يجوز أن نحمِّل الشريعة أمرًا عائدًا إلى الباحث نفسه، لا إليها هي، علمًا بأن نصوصها منزَّهة عن العبث والتناقض.
نموذج لأقسام الواضح الأربعة:
حاول بعض الأصوليين أن يقدّم أنموذجًا لأقسام الواضح الأربعة في نص من النصوص.
وكان النص هو قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر] (١) حيث قرروا أنه يصلح نظيرًا لمراتب الوضوح في الأقسام الأربعة، باعتبارات أربعة:
فهو (ظاهر) - كما يقولون - باعتبار دلالته على سجود الملائكة؛ لأن السجود لفظ خاص يحتمل التأويل، وذلك بأن يراد به نوع من الانحناء أو الخضوع، وليس السجود الحقيقي.
وهو (نص): باعتبار دلالته على أن كل الملائكة قد سجدوا؛ فقد ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنًى من المتكلم، لأنه سيق لبيان أنه لم يخرج عن طاعة الله في أمره بالسجود إلا إبليس.
وهو (مفسَّر) باعتبار دلالته على قطع الاحتمال؛ فلقد كان محتملًا أن يكون الملائكة قد سجدوا متفرقين، فقطع هذا الاحتمال بقوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾.
وقالوا: إنه (محكَم) باعتباره إخبارًا عن حادث وقع، وأخبار الشارع لا تقبل النسخ والإبطال.
ولكن البعض الآخرين لم يرتضوا ذلك، واعتبروا أن التمثيل بالآية للأقسام الأربعة غير منطبق عليها كلها.
مدى شمول التفسير - كما أردناه - للأقسام الأربعة:
أما شموله للظاهر والنص: فواضح؛ ذلك أن دلالتهما على الحكم - وإن كانت قطعية - فإن القطع هنا مراد به معناه الأعم، وهو عدم الاحتمال
стр. 142
الناشئ عن دليل، فالاحتمال واقع، وإن كان بعيدًا، وهو في الظاهر أبعد منه في النص.
فإذا كانت الحاجة إلى التفسير، تبدو واضحة عند وجود الاحتمال، فإن هذا - كما يُرى - منطبق على الظاهر والنص؛ إذ احتمال التأويل في الخاص، وصرفه عن معنًى إلى معنًى آخر: قائم، كما أن احتمال التخصيص في العام: قائم أيضًا.
أما في المفسَّر والمحكَم: فالاحتمال منتفٍ، إذ إن كلًا منهما يدل على الحكم قطعًا، والقطع هنا مراد به معناه الأخص، وهو عدم الاحتمال أصلًا. فهما لا يحتملان تأويلًا ولا تخصيصًا.
ومسألة احتمال النسخ - بشروطه - في المفسَّر، ذات علاقة بالتاريخ لتحديد المتقدم والمتأخر، من حيث معرفة نزول الكتاب، أو حدوث السنّة القولية أو العملية الصالحة للنسخ - على صعيد الأحكام - عند من يقول بذلك، ليعلم الناسخ من المنسوخ.
أما من حيث دلالة المفسَّر والمحكَم على المعنى: فما داما يدلان عليه دلالة قطعية لا تحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا، فلن نجد بين أيدينا في هذين القسمين من أقسام الواضح، إلا حالة التعارض الظاهري بينهما.
ومن الممكن أن ندخل ذلك في نطاق التفسير - كما أردناه - تجوُّزًا لأن التعارض بينهما قد يُنتج حالة من الإبهام، تزول بمعرفة الأقوى، فيقدم المحكَم على المفسَّر. وإنما قلنا: (تجوُّزًا) لأن الترجيح بعد التعارض، قد يبدو قضاءً على النص، وليس تفسيرًا للنص.
غير أن الذي يدعونا إلى ذلك: هو أن حالات الإبهام التي تنشأ من هذا التعارض الظاهري، بين النصوص في حالاتها المختلفة: قد أسهمت في أسباب الاختلاف بين الفقهاء إلى حد كبير، نتيجة اختلاف الفهوم والمدارك، ومدى الإحاطة بالدليل.
كما أن إثبات التعارض، ثم إزالته عن طريق الحكم بالنسخ، أو التوفيق بين النصوص: كان ذا أثر واضح، في مسالك الاستنباط عند أئمة الفقه في
стр. 143
شريعة الإسلام. الأمر الذي يذكِّر بقضية غايةٍ في الأهمية، وهي أن الصحابة عليهم الرحمة والرضوان: كانوا يتتبعون الأحدث فالأحدث من قول النبي ﷺ وفعله، وإقراره.
* * *
المطلب الخامس أثر التفاوت بين الأقسام بتقديم أقواها عند التعارض
أشرنا فيما سلف إلى أن التفاوت بين أقسام الواضح، إنما يظهر أثره عند التعارض، حيث يقدَّم الأقوى من المتعارضين، ويحمل الآخر عليه. ولذلك صور تتبدَّى فيما نقدم من النماذج التالية:
أولًا - تعارض الظاهر مع النص:
أ - من حالات تعارض النص مع الظاهر في نصوص الكتاب: ما جاء في شأن حلِّ الزواج بالنساء غير المحرمات دون تحديد بعدد، مع ما جاء في تحديد ما يحل منهن بأربع زوجات.
ففي سورة النساء، بعد أن ذكر الله تعالى المحرمات من النساء قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١). وقال سبحانه في آية أخرى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
стр. 144
فالآية الأولى: تدل على حل نكاح غير المحرمات المذكورات قبلًا، دون تحديد عدد، وهذه الدلالة من قبيل (الظاهر)، فيجوز للرجل بمقتضى عموم هذا الظاهر، أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات.
والآية الثانية: (نص) في اقتصار الحل على الأربع، فتحرم الزيادة على هذا العدد.
وهكذا يقع التعارض فيما وراء الأربع، فهو حلال في الآية الأولى، حرام في الآية الثانية.
وفي هذه الحالة يقدم الأقوى: فيرجح النص - وهو تحديد الحل بأربع، وتحريم ما وراءها - على الظاهر الذي لم يحُدَّ الحلال من الزوجات بعدد، ويحمل الثاني على الأول، لأن النص سيق أصالة لإفادة هذا الحكم: وهو تحديد ما يحل للمسلم بأربع.
ومن هنا كان من المقرر شرعًا، أنه لا يجوز للمسلم أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات.
وقيل: الآية الأولى (نص) في اشتراط المهر، والآية الثانية من قبيل (الظاهر) في عدم اشتراطه؛ لأن الكلام ساكت عن ذكره ومطلَق عنه، فيترجح النص ويجب المال.
ب - ومن أمثلة ذلك من الكتاب أيضًا (١) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مع قوله سبحانه في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
فالآية الأولى تعطي - بما سقيت له - أن مدة الرضاع مقدّرة بحولين، وهذا (نص). والآية الثانية تعطي أن هذه المدة ثلاثون شهرًا؛ لأنها سيقت لبيان منّة الوالدة على الولد، بدليل أول الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وهذا (ظاهر).
стр. 145
وبتقديم النص على الظاهر، ترجح الآية الأولى على الثانية، وتكون مدة الرضاع حولين. واعتبار مدة الرضاع حولين كاملين هو قول الصاحبين. والمثال الذي بين أيدينا للتعارض بين الظاهر والنص: مستقيم على قولهما.
أما أبو حنيفة: فمدة الرضاع عنده ثلاثون شهرًا. والتقييد بحولين في الآية الأولى محمول في نظره على استحقاق الأجر؛ لأن المطلَّقة إذا طلبت أجرة الرضاع بعد حولين: لا يجبر الزوج على الإعطاء. ولو وقع ذلك في الحولين، يجبر على الإعطاء.
فقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ أي لمن أراد من الآباء أن يُتم الرضاعة بالأجرة، وهذا لا يقتضي أن انتهاء مدة الرضاعة مطلقًا يكون بالحولين. . بل هو مدة استحقاق الأجر بالإرضاع (١).
والراجح عندنا: ما ذهب إليه الصاحبان؛ لأن الحمل غير الفصال، والمجموع للحمل والفصال ثلاثون شهرًا، وليس هنالك ما يقوِّي حمل التقييد بالحولين في الآية الأولى على استحقاق الأجر (٢). والجنوح إلى غير المعنى الظاهر للآية: يحتاج إلى دليل صالح لذلك.
ج - ويرى عبد العزيز البخاري صاحب "كشف الأسرار" أن مما يصلح مثالًا للتعارض بين الظاهر والنص من السنّة قوله ﵊: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣) مع قوله: "مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (٤).
فالنص الأول (ظاهر) في نفي الجواز عمومًا في كل صلاة، فيتناول
стр. 146
صلاة المقتدي والمنفرد، وذلك أخذًا من نفي الجنس المفهوم من (لا). والثاني (نص) في الجواز؛ لأنه أشد وضوحًا في إفادة معناه، لأن استعمال (لا) لنفي الفضيلة، واستعمال العام في بعض مفهوماته شائع ذائع.
وإذا كان الأمر كذلك: وقع التعارض في حق المقتدي، فيعمل بالنص ويحمل الأول وهو "صلاة إلا بفاتحة الكتاب" على المنفرد، أو على نفي الفضيلة (١).
هذا: والمسألة التي يتضمنها مثال صاحب "الكشف" - وهي حكم قراءة المأموم خلف الإمام - أمر تشعبت فيه المسالك وتعددت فيه الآراء. وجماع أقاويل الفقهاء فيه ثلاثة:
١ - وجوب قراءة المأموم خلف إمامه، فيما يجهر به وفيما لا يجهر: سواء أسمع المؤتم قراءة الإمام أم لم يسمعها. ذهب إلى ذلك مكحول، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور.
٢ - وجوب قراءة المأموم خلف إمامه، في الصلاة السرية، دون الجهرية وبذلك قال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.
٣ - عدم القراءة خلف الإمام مطلقًا، جهر الإمام، أو أسرّ، وإليه ذهب سفيان الثوري والحنفية (٢).
وهذا القول الأخير، هو الذي دافع عنه صاحب "كشف الأسرار" في المثال المتقدم الذي جاء به ردًا على المخالفين، حيث اعتبر حكم القراءة خلف الإمام دائرًا بين حديثين: أحدهما نص، والآخر ظاهر، وطبيعي أن يقدَّم النص على الظاهر ويحمل الظاهر عليه.
غير أن الفريق الآخر، يجيب على حجة الحنفية بأن حديث "فقراءة الإمام له قراءة" عام؛ لأن القراءة مصدر مضاف - وهو من صيغ العموم -
стр. 147
وحديث قراءة الفاتحة خاص. فلا معارضة، ويبنى العام على الخاص، وصلاة المأموم صلاة حقيقية، فتنتفي عند انتفاء القراءة.
والذي نرتضيه، هو ما ذهب إليه القائلون بالقراءة، حيث يحمل العام على الخاص في هذه الحالة، خصوصًا وأن أحاديث صحيحة عدة، قضت بوجوب فاتحة الكتاب في كل ركعة، دون تفريق بين إمام ومأموم (١).
وهذه المجموعة من النصوص، صحيحة تجعل البراءة من عهدة قراءة الفاتحة، فيما نرى، صعبة المنال، ما دام دليل الترك لم يتوافر له ما توافر لتلك الأدلة.
ذلك أن الحديث المحتج به على عدم القراءة: حوله كلام من ناحية السند، وأقوى ما فيه أن يعتبر مرسلًا (٢)، وقد أخذ الحنفية به لأنهم يعملون بالمرسل من الأحاديث.
стр. 148
وهكذا يبدو أن عبد العزيز البخاري ﵀، لو سلِم له المثال من ناحية الفقه والدراية؛ فإن قوة الدليل لم تسعفه من ناحية الرواية، حين أتى بالحديثين المذكورين ليضرب بهما مثلًا للتعارض في السنّة بين الظاهر والنص، وتقديم الأقوى منهما.
فالحديث الأول - وهو حديث وجوب الفاتحة - يرويه أحمد وأصحاب الكتب الستة، وتدعمه نصوص صحيحة أخرى.
والحديث الثاني "فقراءة الإمام له قراءة" حوله قيل وقال، وأقوى ما فيه أنه (مرسل). وعلى ذلك: لا يكون للمثال ما يجعله في موطن القوة وسلامة التطبيق، على قبول أن يكون بين النصين حمل للعام على الخاص - كما سبق -.
ثانيًا: تعارض المحكَم مع النص:
ويوردون لتعارض المحكَم مع النص قوله تعالى في سورة النساء الآية ٣: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ مع ما جاء في شأن زوجات الرسول ﷺ من قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فالأول وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ. . .﴾ الآية - نص في إباحة أربع زوجات. وذلك يشمل زوجات الرسول ﷺ ، بعد وفاته.
غير أن الثاني وهو قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ. . .﴾ الآية، دلّ على تحريم الزواج بإحداهن بعد وفاته، والنص على التأبيد جعله محكمًا لا يحتمل النسخ والتبديل، فيقدم على النص في العمل بموجبه، ويحمل النص عليه.
стр. 149
على أن بعض الفضلاء قد جعل الآية تتردد بين النص والظاهر (١) فاعتبر من أمثلة تعارض المحكَم مع النص أو الظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ. . .﴾ الآية [النساء: ٢٤]، ثم أتى بآية الأحزاب للمحكَم.
ومعلوم أن العلماء يسوقون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ. . .﴾ الآية، كما رأينا، مثالًا للظاهر في حل ما زاد على الأربع من غير المحرمات، حيث يعارض قوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وهو نص في الاقتصار على أربع زوجات.
وهكذا تكون الآية الكريمة على رأي أولئك قد استخدمت ظاهرًا في مقابلة النص، ونصًا في مقابلة المحكَم.
وإذا كان الأمر كذلك، فلعل آية التعدد - وهي نص - في تحديد ما احلّه الله من الزوجات الحرائر بأربع: أولى بالتمثيل للتعارض بين المحكَم والنص من آية حل ما زاد على الأربع، في مقابلة آية الأحزاب المحكمة في تحريم الزواج بأي من زوجات الرسول ﷺ بعد وفاته.
وبذلك نكون قد قدّمنا أنموذجًا سليمًا للتعارض بين النص والمحكَم.
فآية التعدد في سورة النساء: نص في حل الأربع من غير المحرمات، وآية الأحزاب محكمة في شأن زوجات النبي ﷺ ، فيقدم المحكَم على النص، ويحمل النص عليه.
ثالثًا - التعارض بين النص والمفسَّر:
وقد مثَل بعض الأصوليين للتعارض بين النص والمفسّر من السنّة، بروايتين لحديث ورد في شأن وضوء المستحاضة للصلاة (٢).
أما الرواية الأولى: فهي التي جاءت عن عروة عن عائشة ﵂ قالت:
стр. 150
"وجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عِرق وليس بالحيضة، فاجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلِّي وإن قطر الدم على الحصير" (١).
وأما الرواية الأخرى - كما يقولون -: فقد جاءت بلفظ: "توضئي لوقت كل صلاة" (٢).
فالحديث في الرواية الأولى: يدل على وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، فلا يصح لها أن تصلي بوضوء واحد أكثر من فريضة واحدة، ولو في وقت واحد، أداءً كانت تلك الصلاة أو قضاء، غير أن لها أن تصلي النافلة.
وقد ذهب إلى ذلك الشافعي، وحكي عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوري، وأحمد، وأبي ثور.
ويدل الحديث في الرواية الثانية، على وجوب الوضوء على المستحاضة، لوقت كل صلاة، لا لكل صلاة.
وعلى ذلك، يصح لها أن تصلي بوضوء واحد، ما شاءت من الفرائض والنوافل ما دام وقت الصلاة باقيًا.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر (٣).
стр. 151
فالمثبتون للمثال: يعتبرون الروايتين من باب (النص) في الأولى، و (المفسَّر) في الثانية.
فقوله: "توضئي لكل صلاة" (نص) يحتمل التأويل، وهو أن يكون المراد من قوله: "لكل صلاة" وقت كل صلاة؛ لأن اللام تستعار للوقت. يقال: آتيك لصلاة الظهر، أي وقتها.
أما قوله: "لوقت كل صلاة" فهو (مفسر) لا يحتمل التأويل، لكون لفظ الوقت فيه صريحًا، فيقدم المفسَّر على النص، فيكون واجب المستحاضة الوضوءَ عند الوقت، لا عند الصلاة، وإن كان في تأويل (لكل صلاة) بـ (وقت كل صلاة) جنوح عن الحقيقة إلى المجاز، بلا دليل على هذا المجاز (١).
والوضوء للوقت: هو ما ذهبت إليه الحنفية - كما قدّمنا - وهو أيضًا مذهب العترة (٢)؛ فكان المقرر عند هؤلاء جميعًا أن المستحاضة إنما يجب عليها الوضوء، إذا دخل وقت الصلاة، وليس الواجب الوضوء لكل صلاة.
ومن هنا، كان لها أن تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت من الفرائض والنوافل، ما دام الوقت باقيًا، وينتهي حكم الوضوء بانتهاء الوقت.
أما على القول الأول: فعند كل صلاة يجب عليها الوضوء، فلا تصلي بالوضوء الواحد أكثر من فريضة، ولكن لها أن تصلي النافلة، كما مر.
وقد فرّق العلماء بين الفريضة والنافلة؛ لأن النوافل تكثر؛ فلو ألزمت بالوضوء لكل نافلة لشقّ ذلك عليها (٣).
وفي نظرنا: أن التمثيل للتعارض بين النص والمفسّر، وتقديم الأقوى، بهاتين الروايتين، قد ينطبق من الناحية النظرية على ما رسمه العلماء من تعريف هذين القسمين من أقسام (واضح الدلالة) عند الحنفية.
стр. 152
ولكن لا بد من ملاحظة أمرين اثنين:
أولهما: أن الروايتين ليستا على صعيد واحد من حيث الصحة، وصلاحية الاحتجاج؛ فالنص في الرواية الأولى حديث حكم عليه العلماء بالصحة، وأخرجته كتب الصحيح، أما النص الثاني المشتمل على ذكر (الوقت): فأقل ما فيه أنه حديث فيه مقال، حتى قال عنه الزيلعي الحنفي صاحب "نصب الراية": (غريب جدًّا).
الأمر الثاني: أن المتقدمين من رجال المذهب يرون - فيما يبدو - أن ذهاب الإمام أبي حنيفة، ومَن ذكرنا من أصحابه ﵏ إلى الوضوء عند كل وقت صلاة، لم يكن لرواية فيها ذكر الوقت، وإنما كان البعض المعاني التي تقوم على النظر. ونحن نثبت هنا رأي أبي جعفر الطحاوي، أحد كبار أئمة المذهب المتقدمين (١).
فلقد قرر أن مذهب الحنفية في هذه المسألة، قوي من جهة النظر، دون أن يعرض لما عرض له علماء الأصول فيما بعد، من إثبات رواية اعتمدوا عليها فيما ذهبوا إليه.
وقد كشف أبو جعفر عن قوة المذهب التي أشار إليها وأقام ذلك على عدة دعائم:
منها: أن القائلين بوجوب الوضوء لكل صلاة: أجمعوا على أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصلِّ حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس لها ذلك، حتى تتوضأ وضوءًا جديدًا.
стр. 153
كذلك، لو توضأت في وقت صلاة، فصلّت، ثم أرادت أن تتطوع بذلك الوضوء كان ذلك لها ما دامت في الوقت.
فدلّ ذلك أن الذي ينقض تطهرها، هو خروج الوقت، وأن وضوءها يوجبه الوقت لا الصلاة.
والمعلوم أن المستحاضة، لو فاتتها صلوات، فأرادت أن تقضيهن، كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة، بوضوء واحد.
فلو كان الوضوء يجب عليها لكل صلاة، لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات. فلما كانت تصليهن جميعًا بوضوء واحد: ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها: هو لغير الصلاة وهو الوقت.
قال أبو جعفر: (وحجة أخرى: أنا قد رأينا الطهارة تنتقض بأحداث، منها: الغائط، والبول. وطهارات تنتقض بخروج أوقات، وهي: الطهارة بالمسح على الخفَّين، ينقضها خروج وقت المسافر، وخروج وقت المقيم. وهذه الطهارات المتفق عليها، لم نجد فيما ينقضها صلاة، إنما ينقضها حدث، أو خروج وقت.
وقد ثبت أن طهارة المستحاضة، طهارة ينقضها الحدث، وغير الحدث.
فقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث، هو خروج الوقت.
وقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثًا فهو شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثًا في غيره.
فأولى الأشياء: أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه، فنجعلَه كالحدث الذي قد أُجمع عليه، ووُجد له أصل، ولا نجعله كما لم يجمع عليه، ولم نجد له أصلًا. فثبت بذلك قول من ذهب إلى أنها تتوضأ لكل وقت صلاة) (١).
стр. 154
موقف للميهوي (١):
وَبَعْد: فلقد جاء الميهوي ﵀ من متأخري الحنفية، على القاعدة في تقديم المفسّر على النص، وعملًا بذلك، اعتمد القول بالوضوء لكل وقت صلاة، ثم اعتبر أن مخالفة الشافعي في المسألة مردها عدم الانتباه إلى تقديم المفسّر على النص، فقال: (والشافعي ﵀ لم يتنبَّه لهذا فعمل بالحديث الأول) (٢).
هذا ما قاله الميهوي الذي أراد من الإمام الشافعي أن يعلم برواية يمكن أن توجد فيما بعد، ولم يقدم المفسّر على النص، فيوجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل وقت صلاة، ولكن التوفيق أخطأ محمد بن إدريس!! فلم ينتبه لهذا، وعمل بالحديث الأول.
وإني لأحسب أن ما ذكرناه عن حال رواية (الوقت)، وما حكاه الزيلعي الحنفي في "نصب الراية" من أن الحديث بهذه الرواية غريب جدًّا (٣). ثم ما قرره أبو جعفر الطحاوي من أن قوة المذهب جاءت من ناحية النظر (٤).
كل أولئك - إلى جانب قوة الرواية الأولى - كافٍ في بيان ضعف ما ذهب إليه الميهوي - غفر الله له -.
وفي منطق الحِفاظ على الأسس السليمة للاستنباط: لا نستطيع أن نغفل الأهمية البالغة لقيمة النص الذي يراد استنباط الحكم منه، حتى أمر النظر الذي أخذه أبو جعفر ﵀ بعين الاعتبار: إنما يحسب حسابه حين لا يكون بين يدينا نص صحيح في الموضوع. أما إذا توافر النص الصحيح: فهو المقدّم على نص لا يدانيه صحة، وهو المقدّم على النظر أيضًا.
стр. 155
رابعًا - تعارض المفسَّر مع المحكَم:
ومن تعارض المفسَّر مع المحكَم، قوله تعالى في شأن الشهادة والشهود: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] مع قوله تعالى في شأن المحدودين حد القذف: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (١).
فالنص الأول: مفسَّر في قبول شهادة العدول، فلا يحتمل قبول شهادة غيرهم؛ لأن الإشهاد إنما يكون للقبول عند الأداء. وإذا كان الأمر كذلك: فهو يقتضي بعمومه قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب؛ لأنه يصدق عليه أنه عدل بعد التوبة.
والنص الثاني: محكم، لوجود التأبيد فيه صريحًا، فيقتضي عدم قبول شهادة المحدود بالقذف وإن تاب. فيترجح النص الثاني - وهو المحكَم القاضي بعدم القبول - على النص الأول، وهو المفسَّر القاضي بالقبول؛ فلا تقبل شهادة من أقيم عليه حد القذف، ولو كان عدلًا وقت الشهادة؛ بأن تاب بعد إقامة الحد عليه.
ما يرد على هذا المثال، ورأينا في ذلك:
هذا: وقد يرد على التمثيل بالآيتين المذكورتين أنه إذا كانت الآية الثانية محكمة لما فيها من التأبيد، فإن الآية الأولى ليست من المفسَّر.
أ - ذلك لأن المفسَّر - كما سبق - لا يحتمل إلا النسخ. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ يحتمل الإيجاب والندب بالاشتراك اللفظي أو المعنوي، أو بالحقيقة والمجاز، ويتناول بإطلاقه الأعمى والعبد، مع أن الإجماع منعقد على أنهما ليسا بمرادين.
ب - كما أنه من غير المسلَّم به، أن الإشهاد إنما يكون للقبول؛ لجواز
стр. 156
أن يكون للتحمل؛ فإن شهادة العميان وابني العاقدين، والمحدودين في قذفٍ: صحيحة، حتى إن النكاح ينعقد بشهادتهم، وإن لم تقبل شهادتهم.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأن المفسَّر في الآية ليس ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ ولكنه ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾.
وأن احتمال المجاز والاشتراك في ﴿أَشْهِدُوا﴾ واحتمال التخصيص في ضمير المخاطبين من قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ لا ينافيان كون ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ مفسرًا لاختلاف المحل. والعدالة لا تحتمل غير القبول، لأنها لم تقصد إلا للقبول، فهي لا تحتمل الأداء، وإن احتمله الإشهاد.
وقد ذكر صاحب "المرآة" (١) هذا الجواب، ولم يعطه القدرة على دفع الإيراد المذكور (٢).
أما الرهاوي في حاشيته على "شرح ابن ملك للمنار": فقد خرج من الاعتراض، بأن النظر على المثال ليس بقوي، وقرر أن إيراد المثال ليس من اللوازم، لأن الأصل يتعهد بالدليل، لا بالمثال، وإيراد المثال للتوضيح والتقريب (٣).
وما ذكره الرهاوي مقبول عندنا إلى حد بعيد، ويمكن أن يضاف إليه، أن الأحكام نسبية، وتعريفات هذه الأقسام من الواضح، ليس ضروريًا أن تبلغ من الدقة ما يمنع عدم التداخل بينها، ولو من وجه، وفي هذا ما يهوّن من أمر عدم انطباق المثال على التعريف من كل الوجوه.
هذا: وحول قبول شهادة القاذف إذا تاب، كلام يُرى في مظانه من كتب
стр. 157
الفقه، كما يُرى في كتب الأصول عند مبحث الاستثناء إذا تعقب جملًا، هل يعود إليها جميعًا، أم إلى الأقرب منها (١).
من تعارض الأقسام في بعض مسائل الفقه:
لقد أورد العلماء نماذج من التعارض بين أقسام الواضح في بعض مسائل الفقه عند التطبيق، ولعل في ذكرها بعدما تقدم من نماذج النصوص، زيادةً في الإيضاح لتلك القواعد التي كان لها الأثر البيّن في استنباط الأحكام، وضبط الفروع.
وهذا شمس الأئمة السرخسي يطالعنا في كتابه "أصول السرخسي" بعدد من تلك المسائل يقرر أنها من أمثلة التعارض التي يظهر فيها أثر التفاوت بين تلك الأقسام، بحيث يترجح الأقوى على الأضعف.
قال ﵀: (وأمثاله - يعني التعارض - من مسائل الفقه: ما قال علماؤنا ﵏: فيمن تزوج امرأة شهرًا، فإنه يكون ذلك متعة لا نكاحًا، لأن قوله: (تزوجت) نص في النكاح، ولكن احتمال المتعة قائم فيه، وقوله: (شهرًا) مفسَّر في المتعة ليس فيه احتمال النكاح؛ فإن النكاح لا يحتمل التوقيت بحال، فإذا اجتمعا في الكلام رجَّحنا المفسَّر، فكان متعة لا نكاحًا.
وقال في "الجامع": إذا قال الرجل لآخر: لي عليك ألف درهم، فقال: الحق، أو الصدق، أو اليقين: كان إقرارًا.
ولو قال: البر، أو الصلاح: لا يكون إقرارًا.
فإن قال: البر الحق، أو البر الصدق، أو البر اليقين: كان إقرارًا.
ولو قال: الصلاح الحق، أو الصلاح الصدق، أو الصلاح اليقين: يكون ردًا لكلامه ولا يكون إقرارًا؛ لأن كلًّا من الحق، والصدق، واليقين: صفة
стр. 158
للخبر ظاهرًا؛ فإذا ذكره في موضع الجواب، كان محمولًا على الخبر الذي هو تصديق باعتبار الظاهر، مع احتمال فيه، وهو إرادة ابتداء الكلام، أي: الصدق أوْلى بك، أو الحق أو اليقين أوْلى بالاشتغال: من دعوى الباطل.
فأما البر: فهو اسم لجميع أنواع الإحسان، لا يختص بالخبر؛ فهو وإن ذكر في موضع الجواب، يكون بمنزلة المجمل، لا يفهم منه الجواب عند الانفراد، فإن قرن ما به يكون ظاهره الجواب وذلك الصدق، أو الحق، أو اليقين، حمل ذلك المجمل على هذا البيان الظاهر، فيكون إقرارًا.
فأما الصلاح: فليس فيه احتمال الخبر، بل هو محكم في أنه ابتداء كلام، لا جواب، فيحمل ما يقرن به من الظاهر على هذا المحكَم، ويجعل ذلك ردًا لكلامه، وابتداء أمر له باتباع الصلاح وترك دعوى الباطل (١).
* * *
стр. 159
المبحث الثاني الواضح عند المتكلمين الظاهر والنص
ونعرض فيما يلي لمذهب الشافعي، ثم لمذهب المتكلمين من بعده.
المطلب الأول مذهب الإمام الشافعي
المعروف عن الإمام الشافعي ﵀ من كتبه: أنه لم يضع حدودًا بين الظاهر والنص: وهما في تعبيره اسمان لمسمى واحد، فالنص يطلق على الظاهر، والظاهر يطلق على النص.
وقد ذكر العلماء ذلك عنه، وأوضحوه، حين تكلموا عن الواضح من الألفاظ، في معرض بيان منهجهم في تفسير النصوص.
قال أبو الحسين البصري (١) في "المعتمد": (وأما النص: فقد حدَّه الشافعي بأنه خطاب يعلم ما أريد به من الحكم، سواء كان مستقلًا بنفسه، أو علم المراد به بغيره، وكان يسمي المجمل نصًا) (٢).
стр. 160
وقال إلكيا الطبري (١): (نصّ الشافعي على أن النص كل خطاب علم ما أريد به من الحكم). قال: (وهذا يلائم الاشتقاق لأنه إذا كان كذلك كان قد أظهر المراد به وكشف عنه. ثم على هذا ينقسم النص إلى: ما يحتمل، وإلى ما لا يحتمل).
وذكر الغزالي في "المستصفى" و "المنخول" مثل ذلك (٢). كما ذكر قريبًا منه السبكي (٣) في "الإبهاج" (٤).
وفي كتب الشافعي - كما قدّمنا - دليل على ما قاله هؤلاء العلماء.
ففي باب (كيف البيان) من "الرسالة".
قال الشافعي: (والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول، متشعبة الفروع.
فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة: أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربةُ الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشدَّ تأكيد بيان من بعض، ومختلفةٌ عند كل من يجهل لسان العرب.
قال الشافعي: فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبّدهم به لما مضى من حكمه - جلّ ثناؤه - من وجوه:
стр. 161
فمنها: ما أبانه لخلقه نصًّا، مثل جمل فرائضه، في أن عليهم صلاة، وزكاة، وحجًا، وصومًا، وأنه حرّم الفواحش: ما ظهر منها وما بطن، ونصّ الزنى، والخمر، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وبيّن لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بيَّن نصًا.
ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه، مثل: عدد الصلوات، والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه.
ومنها: ما سنّ رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص حكم. وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله ﷺ ، والانتهاء إلى حكمه. فمن قبِل عن رسول الله ﷺ ، فبفرض الله قبِل) (١).
وهكذا أطلق الإمام الشافعي، على ما يحتمل، وما لا يحتمل أنه نص.
وفي مكان آخر يقابل النص بالمجمل فيقول:
(وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان، أحدهما: نص كتاب فاتَّبعه رسول الله كما أنزل الله. والآخر: جملة بيّن رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عامًا، أو خاصًّا، وكيف أراد أن يأتي به العباد، وكلاهما اتّبع فيه كتاب الله) (٢).
وممن تبنّى تعريف الشافعي للنص، وعدم التفريق بينه وبين الظاهر: القاضي أبو بكر الباقلاني (٣).
ويبدو أن الإمام الشافعي ﵁، قد راعى المعنى اللغوي حين لم يفرّق بين النص والظاهر. قال إمام الحرمين في "البرهان":
(أما الشافعي فإنه يسمّي الظواهر نصوصًا في مجاري كلامه، وكذلك القاضي، وهو صحيح في وضع اللغة؛ فإن النص معناه الظهور) (٤).
стр. 162
وقال المازري (١): (أشار الشافعي والقاضي أبو بكر إلى أن النص يسمى ظاهرًا، وليس ببعيد؛ لأن النص في أصل اللغة: الظهور) (٢).
وقال ابن بَرهان (٣): (ولعل الشافعي إنما سمّى الظاهر نصًا، لأنه لمح فيه المعنى اللغوي) (٤).
* * *
المطلب الثاني النص والظاهر بعد الشافعي
ولم يلتزم المتكلمون بعد الشافعي، نظرة الإمام إلى الظاهر، والنص، واعتبارهما اسمين لمسمًّى واحد، بل درج أكثرهم، على وضع حد يفصل بينهما: هو قبول الاحتمال، أو عدمه. وعلى هذا: فالنص: ما لا يقبل الاحتمال. والظاهر: ما يقبل الاحتمال.
فكلُّ ما كانت دلالته على معناه بدرجة من القطع، لا يقبل الاحتمال فهو النص: وإلا: فهو الظاهر. وبيان ذلك فيما يلي:
* النص *
نقل صاحب "المعتمد" والزركشي (٥)، عن القاضي عبد الجبار
стр. 163
أبو الحسن (١) أن النص خطاب يمكن أن يعرف به المراد؛ وأن له شروطًا ثلاثة:
الأول: أن يكون لفظًا (كلامًا) كما عبّر أبو الحسن.
الثاني: أن لا يتناول إلا ما هو نص فيه، فإن كان نصًا في عين واحدة: وجب أن لا يتناول سواها، وإن كان نصًا في أشياء كثيرة: وجب أن لا يتناول ما سواها.
الثالث: أن تكون إفادته لما يفيد، ظاهرة غير مجملة (٢).
وهكذا يظهر من كلام القاضي، تقرير عدم الاحتمال في النص، وبدا ذلك في الشرطين المذكورين إلى جانب كونه لفظًا.
أما أبو إسحاق الشيرازي (٣) فقد عرَّفه في كتابه "اللمع" بقوله: (النص لفظ دلّ على الحكم على وجه لا احتمال فيه) (٤).
مسلك الجويني:
هذا وكان إمام الحرمين (٥) صاحب "البرهان" واحدًا من هؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك: ففرقوا بين الظاهر والنص.
стр. 164
وقد ردّ على بعض المتكلمين الذين اعترضوا على ذكر كلمة (لفظ) في التعريف عند محاولة تحقيق النص، حيث قالوا: (إن الفحوى تقع نصًا، وإن لم يكن معناها مصرحًا به لفظًا).
واعتبر إمام الحرمين هذا الاعتراض ساقطًا: لأن الفحوى لا استقلال لها، فهي من المفهوم (١). وقد استشهد الجويني بآية النهي عن التأفف معتبرًا أن النهي عن الضرب العنيف من النص؛ لأنه أولى بالنهي من التأفف. فإذا كان الله تعالى قد نهى عن قول: ﴿أُفٍّ﴾ دفعًا للأذى عن الوالدين؛ فإن هذه العلة أكثر توافرًا في الضرب العنيف. انظر إليه يقول في "البرهان":
(ففي سياق الأمر بالبر والنهي عن العقوق، والاستحثاث على رعاية حقوق الوادين: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فكان سياق الكلام على هذا الوجه مفيدًا تحريم الضرب العنيف نصًا، وهو متلقى من نظم مخصوص، فالفحوى إذن آيلة إلى معنى الألفاظ) (٢).
مسلك الغزالي:
أما حجة الإسلام الغزالي: فقد جاءنا - إلى جانب المسلكين السابقين في تعريف النص - بمسلك ثالث، فوجدناه يعرف النص بأنه: (ما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل). وقد ذكر ذلك مفصّلًا. في "المستصفى"، حين بيّن أن النص اسم مشترك يطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه:
الأول: ما أطلقه الشافعي ﵀؛ فإنّه سمى الظاهر نصًا، وهو منطبق على اللغة (٣).
الثاني: - وهو الأشهر -: ما لا يتطرق إليه احتمال أصلًا، لا على قرب
стр. 165
ولا بُعد؛ كالخمسة مثلًا، فإنه نص في معناه لا يحتمل السنة ولا الأربعة، وكذلك لفظة الفرس لا تحتمل البعير أو غيره.
الثالث: التعبير بالنص، عما يتطرق إليه احتمال مقبول ناشئ عن دليل. أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل: فلا يُخرج (اللفظَ) عن كونه نصًا (١).
وقد مال الغزالي إلى الإطلاق الثاني؛ معللًا ذلك بأن هذا الإطلاق، أوجه وأشهر، وعن الاشتباه بالظاهر أبعد.
ومن هنا جاء في "المنخول" - كما نقل الزركشي - قوله: (والمختار عندنا أن النص لا يتطرق إليه تأويل) (٢).
وهذا لا يتنافى عنده مع صحة إطلاق النص على الظاهر، على ما ذهب إليه الإمام الشافعي والقاضي، فذلك في نظر الغزالي صحيح لغة وشرعًا؛ لأنه ظاهر اللفظ.
وهكذا نرى أن اختيار الغزالي للقول الثاني في النص، لم يكن لعدم جواز إطلاق النص على الظاهر، وإنما كان لشهرة هذا القول أولًا، ثم لما يترتب على هذا الإطلاق: من عدم التباس واحد من الظاهر والنص بالآخر ثانيًا.
ومن أمثلة النص في الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١].
ومن أمثلته في السنّة:
قوله ﷺ : "في خمس ذود شاة" (٣) وغير ذلك من الألفاظ الصريحة في الأحكام.
стр. 166
مسلك المتكلمين بعد الغزالي:
هذا: ويبدو للباحث أن الإطلاق الثاني في تعريف النص، كان وجهة أكثر المتكلمين من علماء الأصول في القرن السادس، فما بعده، فتراهم يوردون الأقوال، وينقلون ما قاله الغزالي وأمثاله في الإطلاقات الثلاثة، ثم يرجحون ما ذهب إليه، من أن النص: (ما لا يقبل الاحتمال أصلًا).
ونعرض فيما يلي لبعض النماذج:
أ - فابن قدامة المقدسي من الحنابلة (١): يعرف النص بقوله: (هو ما يفيد بنفسه من غير احتمال) ويمثل له بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ويلاحظ أن ابن قدامة بعد أن قدّم هذا القول، أتى بتعريف آخر، فقال ﵀: (وقيل: هو الصريح بمعناه). ثم قرّر ابن قدامة أن اسم النص قد يطلق على الظاهر، ولا مانع منه، فإن النص في اللغة بمعنى الظهور. واستشهد لذلك بقول امرئ القيس:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش … إذا هي نصّته ولا بمعطل
والذي اختاره فيما بعد: أن الأقرب تحديد النص بما ذكر أولًا؛ دفعًا للترادف والاشتراك.
ولا يهمل ابن قدامة ذكر المسلك الثالث، الذي حمله إلينا الغزالي، بأن النص قد يطلق على ما لا يتطرق إليه احتمال يعضده دليل (٢).
стр. 167
ب - أما عضد الدين الإيجي (١): فقد فهم من كلام ابن الحاجب المالكي (٢) الذي حكاه في "مختصر المنتهى": أن النص ما دلّ دلالة قطعية (٣).
ج - وذلك ما ذكره القاضي البيضاوي (٤) في كتابه "منهاج الأصول".
د - وهو الذي نقله التاج السبكي في "الإبهاج" عن ابن دقيق العيد (٥). وحكاه الإسنوي في "شرحه" على "منهاج الأصول" للبيضاوي (٦).
اتجاهات أخرى:
هذا: وفي كلام العضد، عند ذكر ذلك التعريف، ما يدل على اتجاه آخر في تعريف النص، يجعله قسمًا من الظاهر لا قسيمًا له.
والظاهر عنده - كما سيأتي - (ما دلّ على معنىً دلالة ظنية) ولقد قال
стр. 168
بعد تعريفه له: (وعلى هذا: فالنص - وهو ما دلّ دلالة قطعية - قسيم له، وقد يفسَّر بأنه: ما دلّ دلالة واضحة، فيكون قسمًا منه) (١).
فالعضد بجعله النص - على التفسير الثاني - قسمًا من الظاهر، أعطاه صيغة الاحتمال، في مقابل التفسير الأول، الذي يعطيه القطعية في الدلالة؛ لأن الدلالة الواضحة: أعمُّ من الظنية والقطعية.
أما الزيدية - من المتكلمين - فقد قسَّموا النص إلى قسمين:
جلي: وهو (اللفظ الدال على معنًى لا يحتمل غيره بضرورة الوضع اسمًا، أو حرفًا).
خفي: وهو (اللفظ الدال على معنًى لا يحتمل غيره بضرورة النظر، لا بضرورة الوضع) (٢).
بين الأصوليين والفقهاء:
ويرى ابن دقيق العيد أنه، إلى جانب تعريف النصر بأنه: ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، يعتمد الفقهاء أن النص: هو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور (٣).
هذا: وبعد الذي بيّناه نقرر أنه - وإن لم يكن من السهل تبيان الخط الدقيق الواضح الذي يفرق بين مدلول تعريف، وبين مدلول تعريف آخر - فإن للذوق الأصولي، وتكامل أسباب الفهم، كبيرَ الأثر في إمكان الإفادة من هذه التعريفات عند تفسير النصوص، وردْ الفروع إلى أصولها، وضوابطها، عند الاستنباط.
стр. 169
مدى وجود النصوص بهذا المعنى في الكتاب والسنّة:
لقد ذهب فريق من الأصوليين إلى أن النصوص بالمعنى القطعي للنص: عزيزة ونادرة في الكتاب والسنّة، حتى قالوا: لا يوجد ذلك إلا في ألفاظ معدودة كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقوله ﷺ : "يا أُنيس اغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (١).
وقوله صلوات الله عليه لأبي بردة الأسلمي في شأن الشاة التي ضحّى بها: "ولن تجزئ أحدًا بعدك" (٢).
ولكن هؤلاء نظروا إلى اللفظ في ذاته، ولم يلتفتوا إلى القرائن الحالية أو المقالية، مع أن هذه القرائن هي التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى إبعاد الاحتمال عن اللفظ، حتى تجعلَه نصًا.
موقف أبي الطيب الطبري وإمام الحرمين:
وقد حكى أبو الطيب الطبري (٣) مذهب القائلين بندرة النص في الكتاب والسنّة، وقرّر أن الصحيح خلافه.
стр. 170
كما أن إمام الحرمين اتهم هذا المذهب، بأنه قول من لا يحيطون بالغرض، لأنه لا يجوز إغفال القرائن الكثيرة التي تمنع الاحتمال، وترفع اللفظ إلى رتبة النص.
وقد أوضح ذلك، بأن المقصود من النصوص: الاستقلال بإفادة المعاني على انحسام جهات التأويلات، وانقطاع مسالك الاحتمالات (١).
ويرى الجويني أن هذا - وإن كان بعيدًا حصولُه بوضع الصيغ ردًا إلى اللغة - فما أكثر هذا الفرض من القرائن الحالية والمقالية، مع العلم أن القرينة قد تكون إجماعًا، أو اقتضاء عقل، إلى غير ذلك مما يرى مبثوثًا في نصوص الكتاب والسنّة) (٢).
حكم النص:
أما حكم النص: فهو أن يصار إليه، ويعمل بمدلوله قطعًا، ولا يعدل عنه إلا بنسخ.
* * *
стр. 171
الظاهر
نقل الشوكاني (١) عن القاضي قوله في الظاهر: (لفظه يغني عن تفسيره) (٢) ولئن كان (النص) لا يحتمل التأويل عند المتكلمين، إن (الظاهر) عندهم هو الذي يحتمل التأويل. وقد عرّفه أبو إسحاق المروزي (٣) بقوله: (الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنًى، وله عنده وجه في التأويل مسوغ لا يبتدر الظن والفهم. فهو بالنسبة للمعنى الراجح: ظاهر، وبالنسبة للمعنى المرجوح: مؤول) وهذا التعريف - كما يبدو - يشمل جميع أنواع الظواهر. والمؤول عندهم: هو اللفظ الذي صرف عن معناه الظاهر وأريد به المعنى المرجوح لدليل أو قرينة. وأوسع القول في ذلك الزركشي في "البحر المحيط" (٤).
مسلك الباقلاني:
غير أن أبا بكر الباقلاني ضيّق دائرة الظاهر فعرّفه بقوله:
(هو لفظة معقولة المعنى، لها حقيقة ومجاز؛ فإن أُجريت على حقيقتها: كانت ظاهرًا، وإذا عدلت إلى جهة المجاز: كانت مؤولة) (٥).
стр. 172
نقد إمام الحرمين لتعريف الباقلاني وموقفنا من ذلك:
وقد نقد إمام الحرمين (١) تعريف الباقلاني، نقدًا يقوم على أن هذا التعريف لا يشمل كثيرًا من المجازات الشائعة، والألفاظ الشرعية؛ كالصلاة، والصوم، والحج، التي نقلت من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي، فأصبح هذا المعنى الشرعي هو الظاهر، واللغوي هو المؤول.
وقد قرّر الجويني، أن الذي ذكره القاضي، صحيحٌ في بعض الظواهر، ولكن تبقى من الظواهر أقسام، لا تحويها العبارة؛ فإنه ذكر تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، وجعل وجه الظهور: الجريان على الحقيقة، ووجه التأويل: الجريانَ على المجاز.
فيخرج مما ذكره، المجازات الشائعة المستفيضة في الناس، المنتهية في جريانها حائدة عن الحقيقة، إلى منتهًى لا يفهم منه حقيقة موضوعة.
وكذلك الألفاظ الشرعية؛ تلك الألفاظ التي وضع لها الشرع معاني معينة، وكان لها في اللغة معان أخرى؛ كالصلاة وغيرها؛ فحقيقتها في ألفاظ الشرع من أبعد التأويلات، إذا طلب الطالب الحمل عليها (٢).
وكلام إمام الحرمين - في رأينا - محل نظر؛ لأن القاضي الباقلاني لم يذكر أنه يريد الحقيقة اللغوية، وإنما يريد الحقيقة: وهي تشمل الحقيقة اللغوية، والشرعية، والعرفية؛ ومن الشرعية: الصلاة، ومن العرفية: الدابة مثلًا. وإن كنا لا نرى داعيًا لهذا التضييق الذي جنح إليه الباقلاني في التعبير.
стр. 173
وفي شمول تعريف أبي إسحاق المروزي: ما يتسع للدلالة الناشئة عن العرف الشرعي وغيره، إلى جانب الدلالة الناشئة عن الوضع اللغوي. ومجال ذلك متسع في استنباط الأحكام وتفسير نصوص الكتاب والسنّة، خصوصًا بعد وجود عرف شرعي نشأ بنشأة الإسلام، وبروز أحكام الشريعة.
وهكذا نستطيع أن نقرر في ضوء ما تقدم: أن الظاهر (هو اللفظ الذي يدل على معناه دلالة ظنية، أي راجحة، ويحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا) ويستوي في هذه الدلالة أن تكون ناشئة عن الوضع، كدلالة العام على جميع أفراده. أو ناشئة عن العرف، كدلالة الصلاة في الشرع على الأقوال والأفعال المخصوصة، المبتدأة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، ودلالة الصوم على الإمساك عن المفطر، من طلوع الفجر الصادق، إلى غروب الشمس (١). وهكذا. . حين تكون الدلالة على بعض المعاني أرجح من بعض: سمي اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا وسمي بالنسبة إلى المرجوح مؤولًا؛ لكونه يؤول إلى الظهور عند اقتران الدليل.
فمثلًا الاسم المنقول لعلاقة ولم يشتهر - كالأسد - دلالته على المعنى الأول، وهو السبع المفترس من قبيل الظاهر، ودلالته على المعنى الثاني - وهو الرجل الشجاع - من قبيل المؤول.
ونرى عكس ذلك في لفظة الصلاة، التي اشتهرت بمعنًى مخصوص في الشرع كما قدّمنا؛ فهي ظاهرة في المعنى الذي نقلت إليه، مؤولة في المعنى الأول.
стр. 174
نماذج من الظاهر:
أ - وعلى هذا: يكون من الظاهر: مطلق صيغة الأمر، فالصيغة ظاهرة في الوجوب، مؤولة في الندب والإباحة (١). . .
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢).
فالأمر بالكتابة عند المداينة، ومثله الأمر بالإشهاد عند البيع: ظاهره الوجوب، ولكنه عند الجمهور: للندب. وقد ساعدهم على هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وذلك ما ذكره العلماء من أن الله خفّف الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. . .﴾ حيث ذكر ذلك في معرض الأمر بالكتابة والرهن.
وهكذا كان الأمر بالكَتْب عند الجمهور، ندبًا إلى حفظ الأموال، وإزالة الريب (٣).
وإذا كان الجمهور يرى، أن صارفًا صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب هنا، فإن ابن جرير الطبري من الأقدمين لا يعتبر هذا الصارف، ويرى وجوب كتب الديون على أربابها، فإن الكتب فرض بهذه الآية، بيعًا كان أو قرضًا، ويروي في ذلك عن ابن جريج: "مَن ادّان فليكتب ومَن باع فليشهد" (٤).
стр. 175
وابن حزم من الظاهرية على هذا أيضًا؛ فالأمر في الآية عنده على ظاهره، وهو الوجوب (١).
ومثل ذلك الإشهاد: يرى بعض التابعين، وعلى رأسهم عطاء: أنه واجب.
بينما يرى الجمهور أن الأمر فيه للندب.
وقد ذكر العلماء ما من أجله صُرف الأمر إلى الندب عن الوجوب.
فنقل القرطبي عن بعض العلماء أن الإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقًا، منها: الكتاب. ومنها: الرهن. ومنها: الإشهاد.
كما نقل أنه لا خلاف بين علماء الأمصار، أن الرهن مشروع بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد (٢).
ب - ومن الظواهر أيضًا: مطلق صيغة النهي؛ فهي ظاهرة في التحريم عند الجمهور مؤولة، إذا حملت على التنزيه (٣).
مثال ذلك: اختلاف العلماء في الصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة، هل هو حرام أو مكروه؟ بناء على نهي النبي ﷺ عن الصلاة في تلك الأماكن (٤).
стр. 176
ج - ومنها: حمل مطلق صيغ العموم في اللغة على عمومها، فحملها على وجه الخصوص: مؤول، ويمثل العلماء لذلك بحديث: "لا صيام لمن لم يبيّت النية من الليل" (١) فلفظة "صيام" نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.
وبناء على ما قلناه - فيما سبق - من اعتبار صيغ العموم من الظواهر: يكون حمل الصيام على وجه العموم - بحيث يشمل التبييت كل أفراد الصيام: من فرض، ونقل، وقضاء، ومنذور -: هو الظاهر.
أما تخصيصه بإخراج بعض الصور منه: فهو المؤول. والفقهاء في ذلك على مذاهب، وعلى كل لا يخرج من العموم، إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت (٢).
د - هذا: وقد نقل الزركشي عن الأستاذ أبي إسحاق: أن الظهور كما
стр. 177
يقع في الأمور التي ذكرنا، يقع في الأسماء، وفي الأفعال، وفي الحروف. وذلك: مثل حرف (إلى) فإنه ظاهر في التحديد والغاية، مؤول في الجمع (١).
والآن، وفي ضوء ما تقدم: ليس في مقدورنا أن نغفل الحقيقة التي تدل على نفسها، وهي: أن ميدان الاختلاف قد اتسع أمام الفقهاء في تقويم الدواعي والأسباب، التي يمكن أن تجعل من اللفظ ظاهرًا في الدلالة، يحتمل ترجيح أحد معنيه على الآخر.
وقد بني على هذا الاختلاف في التقويم: اختلاف في كثير من الفروع والأحكام.
ولنأخذ لذلك لفظ (الصعيد) في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
فالإمام الشافعي - وهو من أئمة اللغة - لا يقع الصعيد عنده إلا على التراب، فهما في نظره مترادفان؛ لذلك يرى أن التيمم لا يجوز إلا بما يقع عليه اسم الصعيد (٢).
وذهب الإمام مالك - في المشهور عنه - إلى جواز التيمُّم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، كالحصى، والرمل، والتراب؛ وذلك لأنه يرى أن (الصعيد) يصدق على كل ما صعد على وجه الأرض (٣).
وإلى جانب المؤيدات التي يوردها كل من أصحاب المذهبين، يجيب
стр. 178
المالكية: أن الصعيد إذا صدق على التراب فإما أن يسمى به، لأنه صعد على الأرض، وإما أن يسمى به، من غير اعتبار هذا الاشتقاق بل كتسميته بالتراب.
وعلى التقدير الثاني يلزم الترادف، فوجب أن يكون الصعيد مباينًا للفظ التراب، ووجب اعتبار الاشتقاق فيه. وحينئذ يصدق على كل ما على الأرض أنه صعيد (١).
وهكذا بناء على حكم العلماء على الصعيد ما هو؟ وماذا يمكن أن يشمل؟ اختلفوا فيما يجوز التيمُّم به.
حكم الظاهر:
أما حكم الظاهر: فهو وجوب أن يصار إلى معناه الظاهر ويعمل بمدلوله، وأنه لا يجوز تركه إلا بتأويل صحيح (٢).
متى يعمل بالظاهر؟
وعلى كل فلا يعمل بالظاهر فيما يحتاج إلى القطعي، لأن ظهور معناه غير مقطوع به، فلا يسوغ - كما قال الجويني - وضع الاستدلال به على ما هذا سبيله، ذلك أنه لا يصلح الظني حجةً في حكم يحتاج إلى القطعي (٣).
وقد جاء في "البرهان": الظاهر حيث لا يُطلَبُ العلمُ معمولٌ به، والمكلف محمول على الجريان على الظاهر (٤).
* * *
стр. 179
مقارنة
ولعل من المفيد حقًّا - بعد الذي ذكرناه عن الظاهر والنص عند المتكلمين -: أن نبين إلى أي حد تلتقي تقسيمات الحنفية للواضح (١) مع تقسيمات المتكلمين.
فالظاهر، كما يراه المتكلمون، وهو ما دلّ على معناه دلالة ظنية، يكون قسمًا من النص عند الحنفية؛ لأن الاحتمال قائم في كل منهما حسب الاصطلاح الذي كان الجنوح إليه.
أما النص عند جمهرتهم: وهو ما دلّ على معناه دلالة قطعية، فهو كالمفسَّر عند الحنفية.
وأما المفسَّر الذي رأيناه عند الحنفية: فلم يشتهر عند المتكلمين إطلاقه على معنًى اصطلاحي، كما اشتهر عند الحنفية.
ولقد استعمله الإمام الشافعي في مقابل ما اعتبره مجملًا، ففي معرض الاحتجاج بحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" قال في "الأم": (والحديث عن رسول الله ﷺ "فيما سقت السماء العشرة" جملة. والمفسَّر يدل على الجملة) (٢).
والرازي في "المحصول": أطلق اسم المفسَّر على نوعين من الألفاظ:
أ - على اللفظ الواضح الذي لا يحتاج إلى التفسير لوضوحه.
ب - وعلى اللفظ الذي احتاج إلى تفسير وقد ورد تفسيره (٣).
أما المحكَم عند المتكلمين: فيشمل النص والظاهر، وعرّفه القاضي العضد: بأنه المتضح المعنى، سواء أكان نصًا أم ظاهرًا (٤).
стр. 180
وقال السبكي في "الإبهاج": (المحكَم جنس لنوعَيْه: النص والظاهر) (١). وبهذا يشمل الأقسام الأربعة المذكورة في تقسيم الحنفية (٢).
صورة أخرى لتقسيم المتكلمين:
يقسم بعض الأصوليين من المتكلمين الواضح الدلالة إلى قسمين:
١ - نص صريح: وهو ما دلّ على معنًى مفصّل متعيّن، ولا يحتمل التأويل.
٢ - ونص غير صريح: وهو ما دلّ على معنًى، مع احتمال دلالته على غيره، وهذا ليس نصًا، وليس ظاهرًا.
فعلى هذا: الظاهر والنص مترادافان؛ لأن كلًا منهما يحتمل التأويل (٣).
ولقد فضّل الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀، هذا الاصطلاح على اصطلاح الحنفية، معللًا تفضيله، بأن بناء التفاوت في وضوح الدلالة على احتمال التأويل، وعدم احتماله: معقول؛ فإن المعنى المعيَّن الذي لا مجال للاختلاف في فهمه، ولا سبيل إلى فهم غيره: تكون دلالة النص عليه أوضح من دلالته على معنًى غير متعين يحتمل غيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فهو يرى أن السَّوق أصالة أو عدمه، لا يظهر وجه لجعله أساسًا لتفاوت الوضوح (٤).
ما نفضّله من الاصطلاحَين في تقسيم الواضح:
والاصطلاح المفضَّل لتقسيم الواضح في نظرنا: هو اصطلاح الحنفية؛ وذلك لأمور عدة، منها: