← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ج - ومنها: حمل مطلق صيغ العموم في اللغة على عمومها، فحملها على وجه الخصوص: مؤول، ويمثل العلماء لذلك بحديث: "لا صيام لمن لم يبيّت النية من الليل" (١) فلفظة "صيام" نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم. وبناء على ما قلناه - فيما سبق - من اعتبار صيغ العموم من الظواهر: يكون حمل الصيام على وجه العموم - بحيث يشمل التبييت كل أفراد الصيام: من فرض، ونقل، وقضاء، ومنذور -: هو الظاهر. أما تخصيصه بإخراج بعض الصور منه: فهو المؤول. والفقهاء في ذلك على مذاهب، وعلى كل لا يخرج من العموم، إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت (٢). د - هذا: وقد نقل الزركشي عن الأستاذ أبي إسحاق: أن الظهور كما

стр. 177

يقع في الأمور التي ذكرنا، يقع في الأسماء، وفي الأفعال، وفي الحروف. وذلك: مثل حرف (إلى) فإنه ظاهر في التحديد والغاية، مؤول في الجمع (١). والآن، وفي ضوء ما تقدم: ليس في مقدورنا أن نغفل الحقيقة التي تدل على نفسها، وهي: أن ميدان الاختلاف قد اتسع أمام الفقهاء في تقويم الدواعي والأسباب، التي يمكن أن تجعل من اللفظ ظاهرًا في الدلالة، يحتمل ترجيح أحد معنيه على الآخر. وقد بني على هذا الاختلاف في التقويم: اختلاف في كثير من الفروع والأحكام. ولنأخذ لذلك لفظ (الصعيد) في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. فالإمام الشافعي - وهو من أئمة اللغة - لا يقع الصعيد عنده إلا على التراب، فهما في نظره مترادفان؛ لذلك يرى أن التيمم لا يجوز إلا بما يقع عليه اسم الصعيد (٢). وذهب الإمام مالك - في المشهور عنه - إلى جواز التيمُّم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، كالحصى، والرمل، والتراب؛ وذلك لأنه يرى أن (الصعيد) يصدق على كل ما صعد على وجه الأرض (٣). وإلى جانب المؤيدات التي يوردها كل من أصحاب المذهبين، يجيب

стр. 178

المالكية: أن الصعيد إذا صدق على التراب فإما أن يسمى به، لأنه صعد على الأرض، وإما أن يسمى به، من غير اعتبار هذا الاشتقاق بل كتسميته بالتراب. وعلى التقدير الثاني يلزم الترادف، فوجب أن يكون الصعيد مباينًا للفظ التراب، ووجب اعتبار الاشتقاق فيه. وحينئذ يصدق على كل ما على الأرض أنه صعيد (١). وهكذا بناء على حكم العلماء على الصعيد ما هو؟ وماذا يمكن أن يشمل؟ اختلفوا فيما يجوز التيمُّم به. حكم الظاهر: أما حكم الظاهر: فهو وجوب أن يصار إلى معناه الظاهر ويعمل بمدلوله، وأنه لا يجوز تركه إلا بتأويل صحيح (٢). متى يعمل بالظاهر؟ وعلى كل فلا يعمل بالظاهر فيما يحتاج إلى القطعي، لأن ظهور معناه غير مقطوع به، فلا يسوغ - كما قال الجويني - وضع الاستدلال به على ما هذا سبيله، ذلك أنه لا يصلح الظني حجةً في حكم يحتاج إلى القطعي (٣). وقد جاء في "البرهان": الظاهر حيث لا يُطلَبُ العلمُ معمولٌ به، والمكلف محمول على الجريان على الظاهر (٤). * * *

стр. 179

مقارنة ولعل من المفيد حقًّا - بعد الذي ذكرناه عن الظاهر والنص عند المتكلمين -: أن نبين إلى أي حد تلتقي تقسيمات الحنفية للواضح (١) مع تقسيمات المتكلمين. فالظاهر، كما يراه المتكلمون، وهو ما دلّ على معناه دلالة ظنية، يكون قسمًا من النص عند الحنفية؛ لأن الاحتمال قائم في كل منهما حسب الاصطلاح الذي كان الجنوح إليه. أما النص عند جمهرتهم: وهو ما دلّ على معناه دلالة قطعية، فهو كالمفسَّر عند الحنفية. وأما المفسَّر الذي رأيناه عند الحنفية: فلم يشتهر عند المتكلمين إطلاقه على معنًى اصطلاحي، كما اشتهر عند الحنفية. ولقد استعمله الإمام الشافعي في مقابل ما اعتبره مجملًا، ففي معرض الاحتجاج بحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" قال في "الأم": (والحديث عن رسول الله ﷺ "فيما سقت السماء العشرة" جملة. والمفسَّر يدل على الجملة) (٢). والرازي في "المحصول": أطلق اسم المفسَّر على نوعين من الألفاظ: أ - على اللفظ الواضح الذي لا يحتاج إلى التفسير لوضوحه. ب - وعلى اللفظ الذي احتاج إلى تفسير وقد ورد تفسيره (٣). أما المحكَم عند المتكلمين: فيشمل النص والظاهر، وعرّفه القاضي العضد: بأنه المتضح المعنى، سواء أكان نصًا أم ظاهرًا (٤).

стр. 180

وقال السبكي في "الإبهاج": (المحكَم جنس لنوعَيْه: النص والظاهر) (١). وبهذا يشمل الأقسام الأربعة المذكورة في تقسيم الحنفية (٢). صورة أخرى لتقسيم المتكلمين: يقسم بعض الأصوليين من المتكلمين الواضح الدلالة إلى قسمين: ١ - نص صريح: وهو ما دلّ على معنًى مفصّل متعيّن، ولا يحتمل التأويل. ٢ - ونص غير صريح: وهو ما دلّ على معنًى، مع احتمال دلالته على غيره، وهذا ليس نصًا، وليس ظاهرًا. فعلى هذا: الظاهر والنص مترادافان؛ لأن كلًا منهما يحتمل التأويل (٣). ولقد فضّل الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀، هذا الاصطلاح على اصطلاح الحنفية، معللًا تفضيله، بأن بناء التفاوت في وضوح الدلالة على احتمال التأويل، وعدم احتماله: معقول؛ فإن المعنى المعيَّن الذي لا مجال للاختلاف في فهمه، ولا سبيل إلى فهم غيره: تكون دلالة النص عليه أوضح من دلالته على معنًى غير متعين يحتمل غيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فهو يرى أن السَّوق أصالة أو عدمه، لا يظهر وجه لجعله أساسًا لتفاوت الوضوح (٤). ما نفضّله من الاصطلاحَين في تقسيم الواضح: والاصطلاح المفضَّل لتقسيم الواضح في نظرنا: هو اصطلاح الحنفية؛ وذلك لأمور عدة، منها:

стр. 181

أ - أنه أكثر استيعابًا للمعاني الحاصلة من تنوع الأدلة (١). ب - وأنه أكثر وضوحًا في الحدود والفوارق بين الأقسام، الأمر الذي يبين تدرجها في الوضوح، ومراتب هذا الوضوح. ج - ولقد نتج عن ذلك يسر الدلالة على المراد، من أجل تحديد معالم النص المطلوب تفسيرُه، ومعرفة الحكم الذي يدل عليه. وعلى هذا: فإنا لا نرى أيضًا ما ذهب إليه الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀ من تفضيل الصورة الثانية من اصطلاح المتكلمين. ذلك لأن تفاوت الوضوح على أساس الاحتمال أو عدمه، متوافر في تقسيم الحنفية، فمثلًا: احتمال التأويل في الخاص، واحتمال التخصيص في العام، وغير ذلك من الاحتمالات؛ لكل منها مكانه في تحديد مراتب الوضوح بين الأقسام. أما مسألة قصد المعنى المراد من السياق أصالة: فنحن معه في عدم ظهور وجه لجعله أساسًا لتفاوت الوضوح، وفي أن بعض النصوص قد يكون المتبادر إلى الفهم منها، هو المعنى غير المقصود أصالة من السياق. ولقد أبنّا في صدر هذا المبحث أن مسألة السياق والقصد منه، درج فيها المتأخرون على غير طريقة المتقدمين؛ فالمتقدمون لم يشترطوا في الظاهر عدم السَّوق، وجعلوا التفاوت بين الظاهر والنص قائمًا على ازدياد وضوح النص على الظاهر بمعنًى من المتكلم، لا من الصيغة نفسِها؛ وذلك عن طريق قرينة نطقية - تنضم إليه سباقًا أو سياقًا - تدل على أن قصد المتكلم هو ذلك المعنى؛ كما في مثال التفريق بين البيع والربا، فإن التفريق لم يفهم من ظاهر الكلام، بل بسياق الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث دلّنا ذلك على أن الغرض إثبات التفرقة بينهما، وأن تقدير الكلام: أحلّ الله البيع وحرّم الربا فأنى يتماثلان (٢).

стр. 182

ولم يعرف هذا المعنى بدون تلك القرينة، بأن قيل ابتداء: أحَلَّ الله البَيْعَ وحرّم الرّبا. وهكذا تكاد تكون مسألة الاحتمال، في اعتراض الشيخ خلاف، منتفية. وعلى هذا: فمسألة جعل السوق أو عدمه أساسًا للتفاوت، يمكن أن تَرِدَ على اتجاه المتأخرين في تفريقهم بين الظاهر والنص. ولكنها لا ترد على اتجاه المتقدمين الذين لا يشترطون في الظاهر عدم السوق، ويرون ازدياد الوضوح في النص قائمًا على معنًى من المتكلم، لا في الصيغة نفسها (١). نقول هذا كله، غير ناسين أن اصطلاح المتكلمين أقرب إلى أرومة العربية الميمونة في مدلولاتها، ولكن الذي نبغيه - بجانب النسب المتصل بالعربية -: يُسر المصطلح، وسهولة ضبطه عند التطبيق. * * *

стр. 183

الفصل الثاني المبهم وأنواعه المبحث الأول منهج الحنفية في المبهم ويراد بالمبهم هنا: اللفظ الذي خفيت دلالته على الحكم خفاءً لذاته، أو لعارض، فتوقف فهم المراد منه على شيء خارجي غيره. وقد يزول هذا الخفاء بالاجتهاد، فيفهم المراد، وقد يتعذر زواله إلا ببيان من الشارع. وكما قسم الحنفية (الواضح) إلى أربعة أقسام تتفاوت مراتبها في الوضوح، قسموا (المبهم) أيضًا إلى أربعة أقسام تتفاوت مراتبها في الخفاء، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. وهذه الأقسام هي: الخفي، المشكل، المجمل، المتشابه (١). وستعرض لهذه الأقسام ومراتبها في الإبهام مع دراسة الأمثلة والمقارنة، لنرى أثر ذلك في تفسير النصوص، واستنباط الأحكام.

стр. 184

المطلب الأول الخفي كما أن كان (الظاهر) أقلُّ أقسام الواضح وأدناها رتبة من ناحية الوضوح، كذلك (الخفي) يقابل الظاهر في أقسام المبهم، فهو أقل أنواعه خفاءً وأدناها رتبة. والخفي في اللغة: مأخوذ من الخفاء وهو عدم الظهور، والستر والكتمان (١). أما في الاصطلاح: فقد عرّفه العلماء بتعريفات متقاربة لا تكاد تتفاوت. فالدبوسي في "تقويم الأدلة" يعرّفه بأنه (ما خفي معناه بعارض دليل غير اللفظ في نفسه، فبعُد عن الفهم بذلك العارض، حتى لم يوجد إلا يطلب) (٢). وقال البزدوي في "الأصول": (الخفي: ما اشتبه معناه، وخفي مراده بعارض غير الصيغة، لا ينال إلا بالطلب) (٣). وحاول شمس الأئمة السرخسي أن يجمع بين التعريفين فقال: (هو اسم لما اشتبه معناه، وخفي المراد منه بعارض في الصيغة، يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب) (٤). وفي ضوء ما حكاه هؤلاء الأئمة في تعريف الخفي، وبحثهم فيما يصلح مثالًا له يمكن لنا - رغبة في الإيضاح والتبسيط والشمول - أن

стр. 185

نعرّفه بأنه: (اللفظ الظاهر في دلالته على معناه، ولكن عرض له من خارج صيغته، ما جعل في انطباقه على بعض أفراده نوع من غموض وخفاء، لا يزول إلا بالطلب والاجتهاد، فيعتبر اللفظ خفيًا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد). منشأ الإبهام في الخفي: ومنشأ الإبهام في الخفي، أن يكون للفرد المراد إعطاؤه الحكم، اسم خاص به، أو أنه ينقص صفة، أو يزيد صفة عن سائر الأفراد. فهذه التسمية الخاصة، أو الزيادة، أو النقص، تحيطه بالاشتباه، فيصبح ذلك اللفظ الظاهر في الدلالة على معناه، خفيًا بالنسبة إلى هذا الفرد المطلوب معرفةُ حكمه؛ لأن هذا الفرد لا يدرك من اللفظ ذاته: أنه مما يتناوله ذلك اللفظ، بل لا بد للوصول إلى ذلك الإدراك من أمر خارجي. وطريقة إزالة الإبهام في الخفي - كما ألمحنا في التعريف -: هي نظر القاضي واجتهاد المجتهد. وعماد ذلك: الرجوعُ إلى النصوص المتعلقة بالمسألة المرادة بالحكم، ومراعاةُ التعليل ومقاصد الشريعة. وهذا مما يختلف فيه نظر الباحثين واجتهاد المجتهدين، ويظهر ذلك في المثالين التاليين: أ - جاء في شأن حد السرقة قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. فلفظ (السارق) الذي هو - كما يقول الفقهاء - (آخذ المال المتقوم المملوك للغير خفية من حرز مثله): ظاهر الدلالة على معناه. فكل مَن انطبق عليه هذا المعنى، ولم يعرف بصفة أخرى سوى السرقة: فلفظ السارق ظاهر فيه. وحين أراد القضاء أن يقول كلمته في حكم بعض الأفراد من آخذي

стр. 186

المال، وجد أن لفظ السارق خفي في الطرَار - النشال - وهو الذي يأخذ المال من الناس بنوع من المهارة والخفة، في يقظتهم، على حين غفلة منهم. كما وجد أنه خفي أيضًا في النباش، وهو من ينبش القبور ويأخذ أكفان الموتى. وكان منشأ الخفاء والغموض، عند تطبيق لفظ السارق على الطرار والنباش: اختصاص كل منهما باسم آخر، هو سبب سرقته الذي يعرف به. ولإزالة هذا الخفاء، كان لا بد من النظر والتأمُّل؛ وذلك ليعلم ما إذا كان في الاسم الخاص زيادة على معنى السرقة، فيحكم على الجاني بالحدّ، أم كان فيه نقص عن معناها، فيكون التعزير هو العقوبة؛ وذلك لعدم استيفاء الشروط التي توجب حد القطع على السارق. حكم الطرار: أما عن الطرّار: فقد أدّى البحث إلى اتفاق العلماء، على أن الطرار سارق وزيادة؛ فإذا كان السارق العادي بسارق - والأعين نائمة - فالطرار يسارق والأعين يقظة، يساعده في ذلك حذق، ومهارة، وخفة يد في الاستلاب، وبراعة منه في جنايته، وذلك ينبئ عن مبالغته في جريمته التي هي السرقة؛ الأمر الذي يجعله أكثر خطرًا من السارق العادي. لذا كان طبيعيًا ما نقل من الاتفاق، على اعتباره سارقًا، والحكم عليه بحد القطع (١)، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.

стр. 187

اختلاف الأصوليين في طريق الحكم: ولئن كان الاتفاق واقعًا بين العلماء على اعتبار الطرار سارقًا، فينطبق عليه حكم الحد بالقطع، لقد اختلف الأصوليون في طريق الحكم؛ هل كان بدلالة النص، أم بعبارة النص (١)؟ وقد ذهب إلى أن الحكم بإقامة حد السرقة على الطرار جاء عن طريق دلالة النص، شمس الأئمة السرخسي. فبعد أن بيّن في أصوله (٢) أن اختصاص الطرار بهذا الاسم؛ إنما كان لزيادة في معنى السرقة، قرر أن تعدية الحكم بمثله مستقيم في الحدود؛ لأنه إثبات حكم النص بطريق الأولى؛ بمنزلة حرمة الشتم والضرب بالنص المحرَّم للتأفيف. وهكذا يرى ﵀ أن الطرار يأخذ حكم السارق بالأولى، وهذا من دلالة النص كما في تحريم الشتم وغيره للوالدين أخذًا من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وليس من القياس الذي يرى الحنفية عدم صلاحيته لأن تثبت به الحدود والكفارات (٣). ونقل صاحب "فواتح الرحموت" عن فخر الإسلام قوله في سرقة الطرار: (وهذه السرقة في غاية الكمال، وتعدية الحدود في مثله في نهاية الصحة والاستقامة) كما نقل كلام صاحب "الكشف" الذي أبان به أن ما أراده فخر الإسلام بالتعدية، إنما هو اطّراد الحكم بالدلالة لا بالقياس (٤). وقد مشى الكمال بن الهمام (٥) أيضًا على أن حد الطرار إنما وجب

стр. 188

بالدلالة (١). وقد يرد على القول بأن تعدية حكم السارق إلى الطرار، كان بدلالة النص، أن ظهور كون الطرار مما يتناوله لفظ السارق بعد البحث والتأمُّل، يتنافى مع ثبوت حكمه بدلالة النص، التي هي من باب تعدية حكم المنطوق إلى المسكوت. ولا يدفع هذا الإيراد، ما أجاب به صاحب "تيسير التحرير" حين قال دفاعًا عن الكمال بن الهمام: (كأنه أراد ثبوت دلالته قبل الظهور) (٢). والراجح عندنا أن طريق الحكم في الطرار هو العبارة، ولا حاجة للانتقال من المنطوق إلى المفهوم، ليكون الحكم ثابتًا بالدلالة. حتى إن كلام فخر الإسلام، أثبت وجود مفهوم السرقة في الطرار على شكل الكمال. وهذا يوجب تناول الصيغة عبارة، فلا وجه لإطالة الطريق والجنوح إلى الدلالة. لذا كان من غير المقبول في نظر شارح "مسلم الثبوت" ما ذهب إليه صاحب "الكشف"، من أن الإمام فخر الإسلام أراد بالتعدية اطرادَ الحكم بالدلالة. بل الحق - في نظره - أن مراد هذا الإمام بالتعدية: المعنى اللغوي، وهو اطراد الحكم. ومقصوده أنه لما وجد الأخذ خفية في الطرار على الكمال، اطّرد الحكم في السارق وثبت فيه عبارةً.

стр. 189

ونحن مع قولنا بثبوت الحكم في الطرار بالعبارة، نرى أن كلام فخر الإسلام محتمل لما ذهب إليه صاحب "الكشف"؛ لما أن التعبير بتعدية الحكم في الحدود، والكفارات، يتردد عند الحنفية بين عدم إثباته بالقياس، وبين إثباته بدلالة النص، كما سيأتي في مباحث الدلالة إن شاء الله. حكم النباش: أما النباش: فقد اختُلف في أمره؛ حيث كان لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله مذهب يخالف مذهب الجمهور الذي سنؤخر الحديث عنه بُغيةَ اليسر في بيان الرأي والترجيح. مذهب أبي حنيفة ومحمد: ذهب أبو حنيفة ومحمد، إلى أن انفراد النباش بهذا الاسم الخاص، إنما كان لنقص معنى السرقة فيه؛ فالمال الذي يأخذه - وهو الكفن - غير مرغوب فيه، بل هو مما تنفر منه النفوس، ولا تميل إليه، والمأخوذ ليس مملوكًا لأحد؛ فإذا كان عدم ملكيته من الميت ظاهرًا؛ فالورثة لا يملكون إلا ما زاد عن حاجة هذا الميت، ضمن الحدود التي رسمها الشارع. وفي الوقت نفسه لا يكون النباش سارقًا من حرز المثل؛ لأن القبر لم يعهد مكانًا لحفظ الأموال، وإنما أعدّ لدفن الموتى. كما أن السرقة في هذه الحال لا تكون خُفية، لأن السرقة إنما تكون بحيث تُتقى الأعين، ويُتحفَّظ من الناس. وهكذا لا تتوافر في النباش شروط السارق. وإذا كان الأمر كذلك: لم يتناوله لفظ (السارق) في الآية، فلم يعد فردًا من الأفراد التي ينطبق عليها حكمه. وعلى هذا ذهب الطرفان أبو حنيفة ومحمد، إلى الحكم على النباش بالتعزير بما يردعه عن هذا العمل المشين، لا بإقامة حد القطع الذي هو عقوبة السارق العادي.

стр. 190

وما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد، هو قول ابن عباس، والثوري، والأوزاعي، ومكحول، والزهري (١). وقد ذكر ابن الهمام في "فتح القدير" ما رواه ابن أبي شيبة عن الزهري قال: أُتي مروان بقوم يختفون (٢) - أي ينبشون القبور - فضربهم ونفاهم والصحابة متوافرون. وهذا الأثر، أخرجه أيضًا عبد الرزاق في "مصنفه"، عن معمر بزيادة (وطوّف بهم) (٣). ومثل ذلك، ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" أيضًا عن الزهري قال: أخذ نباش في زمن معاوية - وكان مروان على المدينة - فسأل مَن بحضرته من الصحابة والفقهاء، وأجمع رأيهم على أن يضرب ويطاف به. فبهذين الأثرين يؤيد الزهري رأيه بعدم القطع، استنادًا إلى سكوتِ عدد من الصحابة في الأثر الأول، وإجماعِ مَن كان في حضرة مروان في الأثر الثاني (٤). واعتبار ذلك: يقتضي أن عدم الحكم على النباش بحد القطع، لم ينفرد فيه ابن عباس من الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما هو مذهبٌ لآخرين. مذهب الجمهور: ونترك هذا المذهب الذي جنح إليه الطرفان - أبو حنيفة ومحمد بن الحسن - لنرى الأئمة الثلاثة ومعهم أبو يوسف، يعتبرون النباش سارقًا. ويحكمون عليه بالقطع (٥).

стр. 191

ذلك أن لفظ السارق في الآية الكريمة عندهم: يتناول النباش. واختصاصه بهذا الاسم المعين ليس لنقص معنى السرقة فيه، ولكن للدلالة على سبب سرقته وهو النبش (١). ولئن كان الكفن مما ترغب عنه النفوس وتنفر منه، إن ذلك لا يخرجه عن كونه مالًا متقومًا. أما ملكية المال: فالكفن باق على حكم ملك الميت، وله مُطالبٌ من العباد، وهم أولياؤه، فيقومون بالمطالبة؛ كقيام ولي الصبي في الطلب بماله. كما أنه من غير المسلّم به، أن القبر ليس حرز مثل لهذا المال، فإن حرز كل شيء بحسب حاله الممكنة فيه، ولا يمكن ترك الميت عاريًا، فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز، قال ابن العربي: (وقد نبّه الله تعالى عليه بقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات] أي ليسكن فيها حيًا ويدفن فيها ميتًا. وأما قول بعضهم: إنه سرق من موضع ليس فيه ساكن وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين ويُتحفظ من الناس: فإن النباش قد أتى جنايته تحت جنح الليل، واتقى الأعين، وتعهّد وقتًا لا ناظر فيه ولا مارّ عليه، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعبد، وخلوّ البلد منهم جميعًا) (٢). ومذهب الجمهور الذي نشير إليه: هو قول عمر، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعائشة من الصحابة، وهو أيضًا قول أبي ثور، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد، وعمر بن عبد العزيز، وإسحاق، وابن المنذر (٣). وغيرهم من علماء الأمصار.

стр. 192

وقد روى ابن حزم بالسند إلى عبد الرزاق، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه وجد قومًا يختفون القبور باليمن - أي ينبشونها - فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر أن يقطع أيديهم (١). وذكر ابن قدامة المقدسي أن عائشة ﵂ قالت: (سارق أمواتنا كسارق أحيائنا). وعن سهيل بن أبي صالح قال: شهدت عبد الله بن الزبير قطع يد النباش. وحدّث حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة: أن الشعبي، والنخعي، ومسروق بن الأجدع، وزاذان، وأبا زرعة بن عمر، وعمرو بن حزم، قالوا في النباش: إذا أخذ المتاع: قُطِعَ. وعن إبراهيم النخعي قال: (إذا سرق النباش قدر ما يُقطع فيه: فعليه القطع) وعن الشعبي أنه سئل عن النباش فقال: (نقطع في أمواتنا، كما نقطع في أحيائنا) (٢). ما نرجحه في المسألة: والراجح عندنا في هذه المسألة، هو ما ذهب إليه الجمهور، الذين أخذوا بقول جمهرة الصحابة وعلماء الأمصار، من اعتبار النباش سارقًا، فيقطع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد. ذلك: لأن معنى السرقة - كما سبق - متوافر في النباش لغة وشرعًا، خصوصًا وأن رسول الله ﷺ قد اعتبر القبر بيتًا للميت؛ فتحت باب (الحجة في قطع النباش) روى أبو داود في "سننه" عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر" قلت: لبّيك يا رسول الله وسعدَيْك، قال:

стр. 193

"وكيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون فيه البيت بالوصيف" (١) - يعني القبر - قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أو ما اختار الله لي ورسوله، قال: "عليك بالصبر" أو قال: "تصبر". قال الخطابي: (موضع استدلال أبي داود من الحديث: أنه سمّى القبر بيتًا، والبيت حرز، والسارق من الحرز مقطوع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد) (٢). وأشار ابن الأثير إلى الحديث في "النهاية" وقال في آخر كلامه: (وقبر الميت بيته) (٣). هذا إلى أن مصلحة الجماعة تقتضي ما ذهب إليه الجمهور؛ فالنباش يأتي بالحقير من العمل حين يقدم على سرقة الكفن، فينتهك حرمة الميت، ويرتكب الجناية التي تضم إلى السرقة، أنها تمثل خبث النفس، وسوء الطوية، وإهدار كرامة الإنسان. وتأييدًا لما جنحنا إليه: نرى من الخير أن نثبت هنا ما قاله ابن حزم إيضاحًا لمذهبه في المسألة، مع العلم أنه متفق مع الجمهور، على رأي له في مبلغ ما تقطع به يد السارق (٤). فبعد أن سرد أبو محمد الأقوال والآثار، قرر أن قطع النباش - بصرف النظر عن هذا كله - ثابت بلغة الكتاب وما تفرضه الشريعة. قال ﵀: (والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: أن كل هذا لا معنًى له، لكن الفرض هو ما افترض الله تعالى ورسوله ﵇ الرجوعَ إليه عند التنازع، إذ يقول

стр. 194

تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (١) [النساء: ٥٩]. ففعلنا فوجدناه تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ووجدنا رسول الله ﷺ قد أوجب القطع على من سرق، بقوله ﵇: "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها". ووجدنا السارق في اللغة التي نزل بها القرآن، وبها خاطبنا الله تعالى، هو الآخذ شيئًا لم يبح الله تعالى أخذه، فيأخذه متملكًا له، مستخفيًا به، فوجدنا النباش هذه صفته؛ فصحّ أنه سارق، وإذ هو سارق، فقطع اليد على السارق، فقطع يده واجب، وبه نقول) (٢). ب - ومن أمثلة الخفي أيضًا لفظ (القاتل) من كلام الرسول ﷺ في حرمان قاتل مورثه من الإرث. فعن عمر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ليس لقاتل ميراث" (٣). وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال في حديث له: "مَن قتل قتيلًا فإنه لا يرثه … ". وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لا يرث القاتل شيئًا" (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قتل قتيلًا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره - وإن كان والده أو ولده - فليس للقاتل ميراث" (٥).

стр. 195

فلفظ (القاتل) ظاهر الدلالة فيمن يباشر القتل الموجب للقصاص، وهو القتل عمدًا بدون وجه شرعي مبيح. ويكاد يكون من المتفق عليه، أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئا، إلا ما حكي عن سعيد بن جبير وابن المسيب (١). ولا تعويل على هذا القول لشذوذه وقيام الدليل على خلافه. فإلى جانب ما أوردناه من أحاديث: روي أن عمر ﵁، أعطى دية ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه، وكان حذَفه بسيفه فقتله. قال ابن قدامة: (واشتهرت هذه القصة بين الصحابة ﵃ فلم تنكر فكانت إجماعًا) (٢). حتى إذا تجاوزنا هذا النوع من القتل، وجدنا بعض الغموض والخفاء، يكتنف لفظ (القائل) في تطبيقه على بعض أفراده، فكان خفيًا في القتل خطأ، أو ما جرى مجرى الخطأ، والقتل بالتسبُّب (٣)، وقتل الصبي، والمجنون، والنائم.

стр. 196

كما يبدو خفيًا في القائل عمدًا بوجهٍ شرعي مبيح، كالقتل دفاعًا عن النفس، وكالقتل قصاصًا وحدًّا، وكقتل العادل الباغي … إلى غير ذلك مما يُرى مفصّلًا في كتب الفروع. ولإزالة الإبهام كان لا بد من البحث والتأمُّل، وذلك لتحديد ماهية القتل الذي يمنع من الإرث (١)، وفي هذه السبيل نرى وجهات نظر متعددة في الموضوع، ترتب عليها نوع من الاختلاف عند التطبيق. أ - فذهب الحنفية إلى أن القتل الذي يمنع من الإرث، هو القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة. وعلى هذا فالقتل الذي تنطبق عليه هذه القاعدة هو العمد وشبه العمد والخطأ. لأن العمد يتعلق به وجوب القصاص، وشبه العمد، والخطأ يتعلق بكل منهما وجوب الكفارة. فالقاتل - يُمنع من الإرث عند الحنفية - في إحدى هذه الحالات الثلاث، ولا يمنع في غيرها، وذلك كما في قتل الوارث مورثه قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه، وكما في قتل العادل مورثه الباغي. ومثل ذلك ما إذا كان القتل بالتسبُّب دون المباشرة، كحافر البئر، وواضع الحجر في غير ملكه، وكذا إذا كان القاتل صبيًا، أو مجنونًا فلا منع من الإرث أيضًا (٢). ب - أما المالكية: فالقاتل الذي لا يرث عندهم، هو الذي يقتل عمدًا عدوانًا، دون وجه شرعي مبيح، سواء كان هذا القتل مباشرة أو بالتسبُّب، حتى لو كان القاتل صبيًا أو مجنونًا، فإنه يمنع من الإرث. أما القاتل عمدًا بحق، أو خطأ: فلا يمنع من الإرث عندهم (٣).

стр. 197

ج - وذهب الشافعية - في الصحيح عندهم - إلى أن القاتل لا يرث بحال، فلفظ (القاتل) في الحديث يشمل كل الأفراد. وقد استشهد الشيرازي في "المهذب" بحديث ابن عباس السابق: "مَن قتل قتيلًا فإنه لا يرثه … " ثم قال: (ولأن القاتل حُرِمَ الإرث حتى لا يجعل القتل ذريعة إلى استعجال الميراث، فوجب أن يحرم بكل حال لحسم الباب) (١). د - أما الحنابلة: فقد جعلوا ضابط القتل المانع من الإرث: القتلَ بغير حق؛ وهو القتل المضمون بقَود، أو دية، أو كفارة. وعليه: فالقائل الذي لا يرث، هو قاتل العمد، وشبه العمد، والخطأ، والمتسبِّب، وكذا الصبيُّ، والمجنون، والنائم. وكلُّ قائل يعتبر قتله جاريًا مجرى الخطأ. أما القاتل بحق: فلا يمنع من الميراث. قال ابن قدامة: (وما ليس بمضمون بشيء مما ذكرنا - يعني القود، أو الدية، أو الكفارة - لم يُمنع من الميراث، كالقتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه، وقتل العادل الباغي، أو من قصد مصلحة مَوْليّة بما له فعله، ومن أمَرَهُ إنسان عاقل كبير يبط (٢) خُرّاجه، أو قطع سلعة (٣) منه فتلف بذلك: وَرِثَهُ في ظاهر المذهب) (٤). وقد روي عن الإمام أحمد قوله: (إذا قتل العادل الباغِيَ في الحرب يرثه). ونقل محمد بن الحكم عنه في أربعة شهود شهدوا على أختهم بالزنى فرجمت، فرَجَموا مع الناس قوله: (يرثونها، هم غير قتلة). وفي كتب الحنابلة أنه روي عن الإمام أحمد، ما يدل على أن القاتل عنده لا يرث بحال، كما هو مذهب الإمام الشافعي. ومنشأ ذلك ما جاء

стр. 198

عنه في رواية ابنَيْه صالح وعبد الله: (لا يرث العادل الباغي ولا يرث الباغي العادل). قال ابن قدامة (وهذا يدل على أن القتل يمنع الميراث بكل حال). وهكذا يكون لدينا عن الإمام أحمد في مقتل العادل الباغي روايتان: أولاهما: أنه يرثه. والثانية: أنه لا يرثه (١). غير أن ابن قدامة استنتج من الرواية الثانية، ما يدل على أن القتل عند أحمد يمنع من الإرث بكل حال. هـ - ومذهب الجعفرية متفق مع مذهب المالكية في ضابط القتل المانع من الإرث، على خلاف عندهم في القاتل الخطأ، فلهم فيه ثلاثة أقوال: أولها: أنه لا يمنع من الميراث، وهو أرجح الأقوال وأقواها. والثاني: أنه يمنع من الميراث. والثالث: أنه يرث، ولكن لا يرث من الدية، لأنه إن ورث من الدية وهو الذي يؤديها، لا يكون قد أدّاها كاملة (٢). وهكذا كان الخفاء الذي عرض لبعض أفراد (القاتل) كما ورد في

стр. 199

الحديث الشريف، من انضمام أوصاف معينة لهذا البعض، كالخطأ أو التسبُّب وغيرهما: مدعاة للبحث والتأمُّل عند العلماء والمجتهدين لإزالة الاشتباه، وكان ما رأينا من اختلافهم فيمن يعاقَب بمنع الإرث من مقتوله، بعد أن اتفقوا على الجاني الذي كان لفظ (القاتل) في الحديث ظاهرًا فيه، وهو القاتل العمد بدون وجه شرعي يبيح له القتل (١). حكم الخفي: في ضوء ما تقدم: ندرك أن حكم الخفي وجوب النظر، من بحث ونأمُّل، ليعلم المجتهد ما إذا كان الغموض ناشئًا عن مزية، هي زيادة في المعنى الذي كان اللفظ ظاهر الدلالة فيه، أم لنقص في هذا المعنى. فإن كانت المزية زيادةً في المعنى: عمل المجتهد بما أدّى إليه اجتهاده من إلحاق هذا الفرد بما ظهر المعنى فيه، فانطبق عليه وأخذ حكمه. وإن كانت المزية: نقصًا نشأ من اختصاص بعض الأفراد باسم معين، أو

стр. 200

انضمام بعض الأوصاف إليه: حكم المجتهد بعدم إلحاق هذا البعض بإفراد اللفظ، وبأن حكمه لا ينطبق عليه. وفي المثالين السابقين: رأينا اختلاف أنظار العلماء، وكيف كان الحكم عند كلَّ بما أدّى إليه اجتهاده، ولقد كانوا في ذلك بعيدين كل البُعد عن أي غرض، أو هوًى، ولكلٍّ وجهة. وإنما كان هذا المقدار من البحث والتأمُّل، كافيًا في إزالة الإبهام في الخفي؛ لأن الخفاء لم يكن من ذات الصيغة، وإنما كان لعارض. لذا كان الخفي - كما قدّمنا في صدر البحث - أقل أنواع المبهم خفاء، فهو يقابل الظاهر الذي هو أقل مراتب الواضح ظهورًا. وقد اعترض البعض على جعل الخفي في مقابل الظاهر؛ بحجة أن الظاهر ظهوره من ذاته، والخفي خفاؤه لعارض. وجواب ذلك: أن الخفاء باللفظ نفسه فوق الخفاء بعارض، فلو كان المخفي ما يكون خفاؤه من ذات اللفظ، لم يكن في أول مراتب الخفاء، فلم يكن مقابلًا للظاهر الواقع في أول مراتب الظهور (١). من الخفي في نصوص القانون: ١ - نصت المادة الأولى من القانون السوري ذي الرقم/ ١٦٣/ لسنة ١٩٥٨ على ما يلي: "تستبدل العقارات الوقفية المقرر عليها حق من حقوق القرار ذات الإجارة الطويلة كالمرصد، والحكر، والكدك، والمقاطعة، والإجارتين، والقميص، وشد المسكة، والكردار، بالقيمة المتعارف عليها في الإقليم السوري. وعلى كل من له حق التصرف بعقار من العقارات المذكورة، أن يطلب

стр. 201

استبدال ذلك العقار بالنقد". وقد نصّت الفقرة الأولى من المادة/ ١٥/ من القانون المشار إليه على ما يلي: "يحظر تحت طائلة بطلان المعاملات، ومسؤولية الموظفين المسلكية إجراء أية معاملة عقارية لدى دوائر السجل العقاري على حقوق العقار المذكور ما لم يستبدل الحق العيني العائد للوقف وفقًا لهذا القانون". ولقد خفيت كلمة (معاملة عقارية) عند التطبيق على بعض الأفراد التي يمكن أن تنطوي تحتها وهي: (معاملة إفراز الأراضي التي عليها حقوق وقفية) حيث كانت هناك صفة زائدة، مما جعل وزارة الأوقاف تشتبه في دخولها في حدود الحظر المنصوص عليه في المادة/ ١٥/ المذكورة أم لا؟ وحين استفتي مجلس الدولة، أفتى بدخولها تحت ذلك الحظر. ولقد أزال المجلس الغموض عن هذا الخفي بما قدّم من حيثيات بنى عليها الرأي المذكور. من هذه الحيثيات: أن الإفراز يقع على الملكية، ويقضي نهائيًا على الشيوع، فتحل الملكية الفردية محل الملكية الشائعة. كما أن عملية الإفراز تغير مكانية حق الملكية، ووصفه، وتوضح الحقوق المتداخلة مع بعضها البعض. ونص المادة/ ١٥/ أطلق عبارة (المعاملة العقارية) ولم يجعلها محدودة بأي قيد، وهذا يعني أن جميع الإجراءات التي تتم بشأن العقار، تنطوي تحت مدلول هذه العبارة الشامل، والإفرازُ أحد هذه الإجراءات. وبناء على ذلك أجمعت آراء اللجنة المختصة على أن معاملات الإفراز تدخل في الحظر المنصوص عليه في المادة/ ١٥/ من القانون رقم/ ١٦٣/ لسنة ١٩٥٨ (١).

стр. 202

وهكذا رأينا لفظ (معاملة عقارية) ظاهر الدلالة على المعنى المراد، ولكنه خفي عند التطبيق على بعض أفراده وهو (معاملات الإفراز)، لعارض عرض لذلك الفرد، ثم صدرت فتوى مجلس الدولة، بما أزال الغموض وأذهب الخفاء، حيث انطوى هذا النوع من المعاملات في حدود الحظر المنصوص عليه في المادة/ ١٥/ واعتبر واحدًا من مشتملاتها. ٢ - عرَّف الشارع المصري في المادة/ ٢١١/ من قانون العقوبات السرقة بأنها "اختلاس المنقول المملوك للغير". ولقد ثار نوع من الصعوبة في تطبيق جريمة السرقة على سارق التيار الكهربائي، بسبب الخفاء في اعتبار التيار منقولًا أو غير منقول، ذلك لأن المنقول عادة هو الشيء المادي الذي يمكن نقله من مكان. والذي انتهت إليه محكمة النقض هو اعتبار التيار الكهربائي من المنقول؛ وذلك لتوافر خصائص المنقول فيه: فهو ذو قيمة مالية، ويمكن ضبطه، وحيازته، ونقله من حيز إلى آخر. وإذا كان كذلك يكون نص المادة/ ٢١١/ عقوبات، متناولًا اختلاس الكهرباء ولا داعي لإخراجها منه (١). وهكذا عرض الغموض عند التطبيق لنوعٍ من أنواع السرقة في النص حيث النيس أمر انطباق السرقة عليه - كما هو شأن الخفي - وأزالت محكمة النقض هذا الغموض. * * *

стр. 203

المطلب الثاني المشكل المشكل: مأخوذ لغةً من قولهم: أشكل الأمر إذا دخل في أشكاله وأمثاله بحيث لا يعرف بدليل يتميز به، وذلك كقولهم: (أحرم) أي دخل في الحرم، و (أشتى) أي دخل في الشتاء (١). قال أبو زيد الدبوسي في "التقويم": (وفوق الخفي المشكلُ: وهو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضعه له واضع اللغة، أو أراده المستعير، لدقة المعنى في نفسه لا بعارض حيلة) (٢). وعرّفه السرخسي بأنه (اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في إشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال) (٣). أما صاحب "المرآة" من المتأخرين فقد قال فيه: (أما المشكل: فما خفي مراده، بحيث لا يدرك إلا بالتأمُّل، إما لغموض في المعنى، أو لاستعارة بديعة) (٤). وأنت ترى، أن تعريف صاحب المرأة، أقرب إلى تعريف الدبوسي منه إلى تعريف السرخسي، وإن كان المال واحدًا.

стр. 204

فالمراد من الدخول في الإشكال عند شمس الأئمة السرخسي، هو ما أُريد من كلام صاحب "التقويم". والتعبير بالغموض في المعنى والاستعارة البديعة - كما جاء في كلام أبي زيد - أشار إليه فخر الإسلام البزدوي، حين قرر أن الخفاء في المشكل هو فوقه في الخفي، وبين أن مرد ذلك غموض في المعنى، واستعارة بديعة (١). ثم تابع الدبوسيَّ والبزدويّ المتأخرون، كما رأينا عند صاحب "المرأة". وفي ضوء ما ذكر واستنادًا إلى ما قالوه في الفرق بين المشكل والخفي نستطيع أن نقرر: أن (المشكل اسم لما خفيَ المراد منه باللفظ نفسه، لدخوله في أشكاله، بحيث لا يدرك ذلك المراد، إلا بقرينة تميزه عن غيره، وذلك عن طريق البحث والتأمُّل بعد الطلب). منشأ الإشكال: ١ - قد ينشأ الإشكال في المشكل من غموض في المعنى، بحيث يحتمل اللفظ في أصل وضعه المعانيَ المتعددة حقيقة، ويكون المراد منها واحدًا؛ لكنه قد دخل في إشكاله - وهي تلك المعاني المتعددة - فاختفى عن السامع وصار محتاجًا إلى الاجتهاد في تمييزه بدليل. وذلك كما في الألفاظ المشتركة؛ فإن اللفظ المشترك موضوع لغةً لأكثرَ من معنًى واحد، وليس في صيغته دلالة على معنى معين من المعاني التي وضع لها. وعلى ذلك فلا بد من الاجتهاد؛ وذلك بالتأمُّل بعد الطلب، لتمييز المعنى المراد عن غيره، بقرينة خارجية تعيّنه وتدل عليه. ٢ - وقد يكون منشأ الإشكال: أن يُستعمل معنى مجازيٌّ للفظ من الألفاظ حتى يشتهر به، مع أنه موضوع في الأصل لمعنى آخر على سبيل الحقيقة.

стр. 205

بين المشكل والخفي: والمشكل أشد إبهامًا من سابقه القسم الأول - وهو الخفي -، لذا كانت رتبته في أقسام المبهم تقابل (النص) الذي هو أعلى مرتبة من (الظاهر) في أقسام الواضح من الألفاظ. وإنما كان المشكل كذلك؛ لأن منشأ الغموض كائن فيه من اللفظ نفسه، بينما جاء الغموض والخفاء للخفي من عارض خارجي، والخفاء من ذات اللفظ، فوق الخفاء بعارض (١). وبناء على هذا التفاوت، كان للاجتهاد في بيان المراد من المشكل شأن آخر، فهو أوسع دائرة من الاجتهاد المطلوب في بيان المراد من الخفي، ذلك أن المجتهد في الخفي يبحث في العارض الذي نشأ عنه الخفاء: هل هو زيادة في المعنى الذي دلّ عليه الظاهر، أم نقص فيه؟ فإلى أيهما أدّاه اجتهاده: رتّب الحكم عليه. أما في المشكل: فلا بد من التأمُّل في صيغة اللفظ، وفي أشكاله التي دخل فيها حتى كان ذلك سبب الغموض، وعندها قد يجد المجتهد دليلًا يعيّن المعنى المراد، وقد تكون المبالغة في التأمُّل طريقًا لهذا التعيين. والحاجة إلى التأمُّل في الصيغة وفي الأشكال، هي التي دعت الجمهور إلى القول: بأن المشكل لا يكفي فيه مجرد الطلب، كما يكفي في الخفي، بل لا بد من التأمُّل بعد الطلب (٢)؛ فهو نظير رجل اغترب عن وطنه، فاختلط بأمثاله، فإنه يُطلب أولًا أين هو؟ ثم يتأمل فيه ليتميز عن أمثاله. هذا: وإن الفرق في الخفاء بين المشكل والخفي، جعل المشكل يكاد

стр. 206

يلتحق بالمجمل - الذي هو أشد الثلاثة خفاء - وكثير من العلماء لا يهتدون إلى الفرق بينهما. وقد أشار إلى ذلك أبو زيد في "التقويم" بعد أن عرّف المشكل وكشف عن مرتبته في الخفاء (١). وفيما يلي بعض النماذج العملية التي تكشف عن طريقة العلماء في معالجة المشكل وما سلكوه في كيفية استنباط الحكم منه. ١ - لقد اعتبر العلماء من (المشكل) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. فإن هذا النص ظاهر الدلالة في غسل ظاهر البدن، أما غسل الباطن فمتعذر: لذا سقط هذا الغسل بالإجماع. وقد وقع الإشكال في غسل الفم؛ فإن الفم باطن من وجه، حتى إن الصوم لا يفسد بابتلاع الريق، وظاهر من وجه، حتى إنه لا يفسد الصوم بدخول شيء فيه. وبالتأمُّل والاجتهاد رؤي اعتبار الوجهين. فألحق بالظاهر في الغسل من الجنابة؛ لأن التطهر من الجنابة جاء الأمر به في الآية بلفظ (فاطَّهروا) بالتشديد، الأمر الذي يدل على المبالغة والتكلف في التطهير، فيدخل لذلك غسل باطن الفم، إلحاقًا له بالظاهر. كما ألحق بالباطن في الوضوء؛ لأن الوضوء أكثر وقوعًا من الغسل، فكان مقتضى البعد عن الحرج: التخفيف وترك المبالغة، فلا تلزم المضمضة، وفي ذلك ما فيه من اليسر الذي هو سمة من سمات التكليف في شريعة الإسلام. وقد يرد على هذا التمثيل: أن المشكل ما كان في نفسه اشتباه، وهذا غير منطبق على ما ذُكِرَ؛ فإن التظهر معلوم لغة وشرعًا ولكنه اشتبه بالنسبة

стр. 207

إلى داخل الفم والأنف، كاشتباه لفظ السارق بالنسبة إلى الطرّار، والنباش، فيكون من قبيل (الخفي). ويجاب عن ذلك: بأن من غير المسلّم به كونُ التطهر معلومًا شرعًا قبل الطلب والتأمُّل؛ وذلك أن معنى التطهر، غسل جميع ظاهر البدن، إلا أن فيه غموضًا لا يمكن زواله قبل الطلب والتأمُّل. وقد حدث ذلك الغموض من دخول باطن الفم والأنف في أشكاله، فكان لا بد من معرفة أن جميع ظاهر البدن هو البشرة، والشعر، مع داخل الفم والأنف أو بدونه، وذلك من نظائر المشكل، لا الخفي الذي ينال بمجرد الطلب (١). ٢ - ومن أمثلة المشكل (أنّى) في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (٢). وبيان ذلك أن كلمة (أنّى) في كلام العرب تدل - إذا ابتدئ بها في الكلام - على المسألة عن الوجوه والمذاهب، فتقارب (أين) و (كيف) في المعنى. ومن هنا نشأ الإبهام، حيث تداخلت معانيها ودخلت في أشكالها، الأمر الذي أوقع العلماء في التردد بين المعاني التي يمكن أن تؤول بها في هذه الآية، حتى تأوّلها بعضهم بمعنى (أين) وبعضهم بمعنى (كيف) وآخرون بمعنى (متى) إلى غير ذلك، مما قد يلتقي مع هذه المعاني أو يبتعد عنها. وبحسب تداخل المعاني في تعددها، وما ورد من الآثار، تعددت الأقوال واختلفت الاتجاهات. أ - فقال فريق: معنى (أنّى) في الآية: كيف. وفي ذلك عدد من الآثار: منها ما ورد عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى

стр. 208

شِئْتُمْ﴾ قال: يأتيها كيف يشاء ما لم يكن يأتيها في دبرها، أو في الحيض. وروي مثل ذلك عن عكرمة ومجاهد وابن كعب وغيرهم. ب - وذهب آخرون إلى تأويل (أنّى شئتم) بـ (متى شئتم). وقد روي ذلك عن الضحاك، ولعله مأخوذ مما أوضحه ابن عباس بقوله: (إذا اشتغل من هاهنا جئت من هاهنا، ولكن أنّى شئتم من الليل والنهار). ج - وقال آخرون: معنى (أنى شئتم) أين شئتم وحيث شئتم. وقد روي ذلك عن ابن عمر ونافع وابن المسيب وآخرين. وفي هذا جواز إتيان المرأة في غير الموضع المعلوم. د - وذهب قوم إلى أن المعنى: ائتوا حرثكم كيف شئتم، إن شئتم فاعزلوا، وإن شتم فلا تعزلوا. وقد نسب ذلك إلى ابن عباس وإلى سعيد بن المسيب من التابعين (١). وهكذا كان تداخل المعاني في كلمة (أنّى) أساسًا قام عليه الاختلاف في تأويل الآية، والحكم الذي دلّت عليه. والذي عليه الجمهور من الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم، أن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ معناه: من أي وجه شئتم من وجوه المأتى (٢). وبهذا يكون مدلول الآية، قصر الاتصال بالمرأة على الموضع الذي هو طريق النسل.

стр. 209

ولقد دلّ على ذلك - إلى جانب الآثار - الطلب والتأمُّل، وذلك في أمرين نعرضهما فيما يلي: ١ - أما الأمر الأول: فهو أن موضع الحرث هو موضع الولد، وذكر الحرث، يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرّم. والمأتى الحلال هو الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فقد روى البيهقي عن ابن عباس: (تأتيها كيف شئت مستقبلة ومستديرة، وعلى أي ذلك أردت، بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره وهو قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). وقال الإمام الشافعي: (وبيّنٌ أن موضع الحرث موضع الولد، وأن الله أباح الإتيان فيه إلا في وقت الحيض. وإباحة الإتيان في موضع الحرث، يشبه أن يكون تحريم إتيان في غيره) (٢). وقال أبو بكر الجصاص: (الحرث: المُزدَرَع، وجُعل في هذا الموضع كتابةً عن الجماع، وسمي النساء حرثًا لأنهن مزدرع الأولاد) (٣). وقال إلكيا الهراسي الطبري: (وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ما يدل على أن في المأتى اختصاصًا، وأنه مقصور على موضع الولد) (٤). ٢ - أما الأمر الثاني: فهو أن تحريم الاتصال بالزوجة في زمان الحيض بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] يدل بالأولى على تحريم الاتصال بها في الموضع الآخر، لأن الأذى - من نجاسة وقذر في الحالة الأولى - عارض، وفي الثانية دائم ولازم.

стр. 210

قال ابن العربي: (سألت الإمام القاضي الطوسي عن المسألة فقال: لا يجوز وطء المرأة في دبرها بحال؛ لأن الله تعالى حرّم الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة، فأوْلى أن يحرم الدبر بالنجاسة اللازمة) (١). إذا تقرر ذلك: كان مدلول (أنّى) تعميمَ الأحوال، دون المحالِّ ويكون المراد من الآية، إباحة الإتيان من حيث شاء المكلف من وجوه المأتى، لا تعميم المحال بحيث يباح غير موضع الحرث. قال أبو جعفر الطبري بعد أن أورد الآثار وجنح إلى التحريم: (وإذا كان ذلك هو الصحيح فبيّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ دليل على إباحة إتيان النساء في الأدبار؛ لأن الدبر لا محترث فيه، وإنما قال تعالى ذكره: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فأتوا الحرث من أي وجوهه شئتم، وأي محترث في الدبر فيقال: ائته من وجهه؟). وهكذا يستبين البُعد عن الصواب، في طريق من جنح إلى القول بإباحة إتيان النساء في الموضع الذي لا محترث فيه؛ لأنه لا محترث في الدبر حتى يكون الإتيان فيه مباحًا، كما تتبين صحة ما ورد من الآثار الصحيحة في سبب نزول الآية، وعلاقته بما كانت تقوله اليهود حول هذا الأمر: فقد روى البخاري ومسلم عن جابر: "كانت اليهود يقولون: إذا جامع الرجل أهله من ورائها جاء الولد أحول" فنزلت - فذكر الآية - وفي رواية لمسلم: "كانت اليهود تقول: مَن أتى امرأته في قبُلها من دُبرها كان الولد أحول" فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٣].

стр. 211

٣ - ومما اعتبر من المشكل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ من الآية الواردة في شأن المطلَّقات قبل الدخول، ذوات المهر المسمى: وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة]. ذلك أن المراد من ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يحتمل أن يكون الزوج، ويحتمل أن يكون الولي، ولذا كان لا بد من التأمُّل والاجتهاد للخروج من الإشكال. أ - فإذا كان المراد به الزوج: كان تأويل الآية، أن المرأة إذا فرض لها مهر، ثم طلقت قبل الدخول، وجب لها نصف المهر المفروض، إلا أن تعفو عن حقها وتترك ذلك النصف للزوج فلا تأخذ شيئًا، أو أن يعفو الزوج عن حقه - وهو نصف المهر - فيكون المهر كله للمرأة. وهكذا يتنصف المهر بالطلاق بينهما؛ فإن عفت المرأة عن النصف الذي لها وتركت للرجل جميع الصداق جاز، وإن عفا الرجل لها عن النصف الذي له، أكمل لها الصداق جميعه. على أن العفو مشروط عند العلماء: بأن يكون العافي منهما: رشيدًا جائزًا تصرفه في ماله، فإن كان صغيرًا، أو سفيهًا لم يصحّ عفوه؛ لأنه ليس له التصرف في ماله بهبة، ولا إسقاط. ب - وإذا كان المراد به الوليّ: كان تأويل الآية، أن المرأة إذا فرض لها مهر، وطلقت قبل الدخول وجب لها نصف المهر، إلا إذا عفت عن ذلك النصف للرجل المطلَّق إن كانت أهلًا للتصرف - بأن لم تكن صغيرة أو محجورًا عليها - أو أسقطه وليها، إن لم تكن أهلًا للتصرف.

стр. 212

والقول بأن الزوج هو المقصود من (الذي بيده عقدة النكاح) هو المروي عن علي، وابن عباس، وجبير بن مطعم الذي روى عنه الدارقطني أنه تزوج بامرأة من بني نصر، فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملًا، وقال: (أنا أحق بالعفو منها. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وأنا أحق بالعفو منها) (١). وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح (٢)، وسعيد بن جبير، ونافع بن جبير، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن كعب، وطاوس، ومجاهد، وإياس بن معاوية، وجابر بن يزيد، وابن سيرين، والشعبي، والثوري، وإسحاق (٣). أما القول بأن المقصود هو الولي: فقد روي عن ابن عباس أيضًا قال الدارقطني: هو قول إبراهيم، وعلقمة، والحسن. زاد غيره: عكرمة، وطاوس، وعطاء، وأبا الزناد، وزيد بن أسلم، وربيعة، وأبا الشعثاء، وابن شهاب، والأسود بن يزيد (٤). أما الأئمة الأربعة فكانوا بعد النظر والتأمُّل فريقين: ١ - فإلى القول الأول - وهو اعتبار أن (الذي بيده عقدة النكاح) هو الزوج - جنح أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في ظاهر المذهب (٥).

стр. 213

ب - وإلى القول الثاني - وهو اعتبار أن (الذي بيده عقدة النكاح) هو الولي - جنح مالك فيما رواه عنه ابن وهب، وأشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، ورواه البيهقي عن الشافعي في القديم وقال: (ثم رجع - يعني الشافعي - في الجديد إلى القول الأول، وهو القول الأصح والله أعلم بالصواب) (١). الاحتجاج للقول الأول: وكان من الحجج المؤيدة للقول الأول: أن حق العفو؛ من هبة، أو إسقاط، إنما هو لمن يملك، والولي لا يملك. وإذا كان الله ﵎ قد أمر بعدم نسيان الفضل: فأي فضل في أن يتصرف الإنسان بمال غيره، ولا شك أن ذلك ليس أقرب للتقوى، وإنما الأقرب للتقوى أن يعفو في حدود ملكه، فيتنازلَ حيث أمر الله بالتنازل، وذلك كله ينطبق على الزوج ولا ينطبق على الولي. والإجماع منعقد على أن الولي، لا يملك أن يهب شيئًا من مال موليته، والمهرُ مالُها. وكذلك أجمع العلماء على أن الولي، لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق: لم يجز، فكذلك بعده. واحتج بعضهم بما روى الدارقطني من حديث قتيبة بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ولي عقدة النكاح الزوج" (٢). وبيان ما أجملناه فيما يلي: لقد كانت عمدة الاحتجاج عند الشافعي ﵁، أن العفو إنما يكون لمن

стр. 214

له ما يعفوه، فقد قال عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: (وبيّنٌ عندي في الآية أن الذي بيده عقدة النكاح: الزوج، وذلك أنه إنما يعفو من له ما يعفوه، فلما ذكر الله جلّ وعز عفوها عما ملكت من نصف المهر، أشبه أن يكون ذكر عفوه لماله من جنس نصف المهر والله أعلم) (١). أما أبو بكر الجصاص: فلم يعرض أيضًا لحديث عمرو بن شعيب، ولكنه أفاض في الاستدلال بشكل آخر، وأعتبر النزوع إلى القول الأول هو الموافق للأصول؛ فقد قرر أن اللفظ إذا احتمل المعاني، وجب حمله على الأصول، ولا خلاف أنه غير جائز للأب هبة شيء من مال المرأة للزوج، ولا لغيره. فكذلك المهر، لأنه مالها؛ فالقول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، مخالف للأصول خارج عنها. ويرى الجصاص أن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ لا يجوز أن يتناول الولي بحال، لا حقيقة ولا مجازًا؛ لأن قوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يقتضي أن تكون العقدة موجودة وهي في يد من هي في يده؛ فأما عقدة غير موجودة، فغير جائز إطلاق اللفظ عليها بأنها في يد أحد، فلما لم تكن هناك عقدة موجودة في يد الولي قبل العقد ولا بعده، وقد كانت العقدة في يد الزوج قبل الطلاق، فقد تناوله اللفظ بحال، فوجب أن يكون حمله على الزوج أوْلى منه على الولي. ولقد قوى هذه الأولوية عند أبي بكر قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ونَدْبه إلى الفضل في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وليس في هبة مال الغير إفضال منه على غيره، والمرأة لم يكن منها إفضال. وفي تجويز عفو الولي، إسقاط معنى الفضل المذكور في الآية. ولا شك أن الزوج مندوب إلى ما دعت إليه الآية من هذا الخير، وعفوه وتكميل المهر للمرأة جائز منه، فوجب أن يكون مرادًا بها.

стр. 215

ويرى الجصاص أن قيام الدليل على أن المراد بالآية الزوج، هو الحكَم فيما ورد عن السلف من قول بأنه الزوج، وقول بأنه الولي. ومما قاله في ذلك: (وإذا كان الزوج مرادًا انتفى أن يكون الولي مرادًا بها، لأن السلف تأوّلوه على أحد معنيين: إما الزوج وإما الولي، وإذ قد دللنا على أن الزوج مراد، وجب أن تمتنع إرادة الولي) (١). موقف ابن قدامة: أما ابن قدامة المقدسي: فقد احتجّ لظاهر مذهب أحمد بحديث الدارقطني، ثم قرر أن الزوج، هو الذي يملك قطع النكاح، وفسخه وإمساكه؛ فهو الذي بيده عقدة النكاح. وإذا كان الولي لا يملك هبة، أو إسقاط مهر المرأة - الذي هو مالها كغيره من أموالها وحقوقها - كسائر الأولياء، فالعفو في الآية: هو عفو الزوج عن حقه (٢). وعلى ما يمكن أن يعترض على اعتبار الذي بيده العقدة هو الزوج، من أن فيه عدولًا عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب، أجاب ابن قدامة بأن هذا العدول غير ممتنع كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤]. هذا: وقد ذكرنا من قبل، أن هذا الذي احتج له ابن قدامة هو ظاهر مذهب أحمد في رواية الجماعة. وقد روى عنه ابن منصور: إذا طلق امرأته - وهي بكر - قبل أن يدخل بها فعفا أبوها أو زوجها، ما أرى عفو الأب إلا جائزًا. غير إن أبا حفص اعتبر ما نقله ابن منصور، قولًا لأبي عبد الله قديمًا. وظاهر هذا القول أن المسألة رواية واحدة، وأن الإمام أحمد قد رجع عن
следующие страницы →