٣ - ومما اعتبر من المشكل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ من الآية الواردة في شأن المطلَّقات قبل الدخول، ذوات المهر المسمى: وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة].
ذلك أن المراد من ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يحتمل أن يكون الزوج، ويحتمل أن يكون الولي، ولذا كان لا بد من التأمُّل والاجتهاد للخروج من الإشكال.
أ - فإذا كان المراد به الزوج: كان تأويل الآية، أن المرأة إذا فرض لها مهر، ثم طلقت قبل الدخول، وجب لها نصف المهر المفروض، إلا أن تعفو عن حقها وتترك ذلك النصف للزوج فلا تأخذ شيئًا، أو أن يعفو الزوج عن حقه - وهو نصف المهر - فيكون المهر كله للمرأة. وهكذا يتنصف المهر بالطلاق بينهما؛ فإن عفت المرأة عن النصف الذي لها وتركت للرجل جميع الصداق جاز، وإن عفا الرجل لها عن النصف الذي له، أكمل لها الصداق جميعه.
على أن العفو مشروط عند العلماء: بأن يكون العافي منهما: رشيدًا جائزًا تصرفه في ماله، فإن كان صغيرًا، أو سفيهًا لم يصحّ عفوه؛ لأنه ليس له التصرف في ماله بهبة، ولا إسقاط.
ب - وإذا كان المراد به الوليّ: كان تأويل الآية، أن المرأة إذا فرض لها مهر، وطلقت قبل الدخول وجب لها نصف المهر، إلا إذا عفت عن ذلك النصف للرجل المطلَّق إن كانت أهلًا للتصرف - بأن لم تكن صغيرة أو محجورًا عليها - أو أسقطه وليها، إن لم تكن أهلًا للتصرف.
стр. 212
والقول بأن الزوج هو المقصود من (الذي بيده عقدة النكاح) هو المروي عن علي، وابن عباس، وجبير بن مطعم الذي روى عنه الدارقطني أنه تزوج بامرأة من بني نصر، فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملًا، وقال: (أنا أحق بالعفو منها. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وأنا أحق بالعفو منها) (١).
وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح (٢)، وسعيد بن جبير، ونافع بن جبير، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن كعب، وطاوس، ومجاهد، وإياس بن معاوية، وجابر بن يزيد، وابن سيرين، والشعبي، والثوري، وإسحاق (٣).
أما القول بأن المقصود هو الولي: فقد روي عن ابن عباس أيضًا قال الدارقطني: هو قول إبراهيم، وعلقمة، والحسن. زاد غيره: عكرمة، وطاوس، وعطاء، وأبا الزناد، وزيد بن أسلم، وربيعة، وأبا الشعثاء، وابن شهاب، والأسود بن يزيد (٤).
أما الأئمة الأربعة فكانوا بعد النظر والتأمُّل فريقين:
١ - فإلى القول الأول - وهو اعتبار أن (الذي بيده عقدة النكاح) هو الزوج - جنح أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في ظاهر المذهب (٥).
стр. 213
ب - وإلى القول الثاني - وهو اعتبار أن (الذي بيده عقدة النكاح) هو الولي - جنح مالك فيما رواه عنه ابن وهب، وأشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، ورواه البيهقي عن الشافعي في القديم وقال: (ثم رجع - يعني الشافعي - في الجديد إلى القول الأول، وهو القول الأصح والله أعلم بالصواب) (١).
الاحتجاج للقول الأول:
وكان من الحجج المؤيدة للقول الأول: أن حق العفو؛ من هبة، أو إسقاط، إنما هو لمن يملك، والولي لا يملك.
وإذا كان الله ﵎ قد أمر بعدم نسيان الفضل: فأي فضل في أن يتصرف الإنسان بمال غيره، ولا شك أن ذلك ليس أقرب للتقوى، وإنما الأقرب للتقوى أن يعفو في حدود ملكه، فيتنازلَ حيث أمر الله بالتنازل، وذلك كله ينطبق على الزوج ولا ينطبق على الولي.
والإجماع منعقد على أن الولي، لا يملك أن يهب شيئًا من مال موليته، والمهرُ مالُها.
وكذلك أجمع العلماء على أن الولي، لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق: لم يجز، فكذلك بعده.
واحتج بعضهم بما روى الدارقطني من حديث قتيبة بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ولي عقدة النكاح الزوج" (٢).
وبيان ما أجملناه فيما يلي:
لقد كانت عمدة الاحتجاج عند الشافعي ﵁، أن العفو إنما يكون لمن
стр. 214
له ما يعفوه، فقد قال عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: (وبيّنٌ عندي في الآية أن الذي بيده عقدة النكاح: الزوج، وذلك أنه إنما يعفو من له ما يعفوه، فلما ذكر الله جلّ وعز عفوها عما ملكت من نصف المهر، أشبه أن يكون ذكر عفوه لماله من جنس نصف المهر والله أعلم) (١).
أما أبو بكر الجصاص: فلم يعرض أيضًا لحديث عمرو بن شعيب، ولكنه أفاض في الاستدلال بشكل آخر، وأعتبر النزوع إلى القول الأول هو الموافق للأصول؛ فقد قرر أن اللفظ إذا احتمل المعاني، وجب حمله على الأصول، ولا خلاف أنه غير جائز للأب هبة شيء من مال المرأة للزوج، ولا لغيره. فكذلك المهر، لأنه مالها؛ فالقول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، مخالف للأصول خارج عنها.
ويرى الجصاص أن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ لا يجوز أن يتناول الولي بحال، لا حقيقة ولا مجازًا؛ لأن قوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يقتضي أن تكون العقدة موجودة وهي في يد من هي في يده؛ فأما عقدة غير موجودة، فغير جائز إطلاق اللفظ عليها بأنها في يد أحد، فلما لم تكن هناك عقدة موجودة في يد الولي قبل العقد ولا بعده، وقد كانت العقدة في يد الزوج قبل الطلاق، فقد تناوله اللفظ بحال، فوجب أن يكون حمله على الزوج أوْلى منه على الولي.
ولقد قوى هذه الأولوية عند أبي بكر قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ونَدْبه إلى الفضل في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وليس في هبة مال الغير إفضال منه على غيره، والمرأة لم يكن منها إفضال. وفي تجويز عفو الولي، إسقاط معنى الفضل المذكور في الآية.
ولا شك أن الزوج مندوب إلى ما دعت إليه الآية من هذا الخير، وعفوه وتكميل المهر للمرأة جائز منه، فوجب أن يكون مرادًا بها.
стр. 215
ويرى الجصاص أن قيام الدليل على أن المراد بالآية الزوج، هو الحكَم فيما ورد عن السلف من قول بأنه الزوج، وقول بأنه الولي. ومما قاله في ذلك: (وإذا كان الزوج مرادًا انتفى أن يكون الولي مرادًا بها، لأن السلف تأوّلوه على أحد معنيين: إما الزوج وإما الولي، وإذ قد دللنا على أن الزوج مراد، وجب أن تمتنع إرادة الولي) (١).
موقف ابن قدامة:
أما ابن قدامة المقدسي: فقد احتجّ لظاهر مذهب أحمد بحديث الدارقطني، ثم قرر أن الزوج، هو الذي يملك قطع النكاح، وفسخه وإمساكه؛ فهو الذي بيده عقدة النكاح. وإذا كان الولي لا يملك هبة، أو إسقاط مهر المرأة - الذي هو مالها كغيره من أموالها وحقوقها - كسائر الأولياء، فالعفو في الآية: هو عفو الزوج عن حقه (٢).
وعلى ما يمكن أن يعترض على اعتبار الذي بيده العقدة هو الزوج، من أن فيه عدولًا عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب، أجاب ابن قدامة بأن هذا العدول غير ممتنع كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤].
هذا: وقد ذكرنا من قبل، أن هذا الذي احتج له ابن قدامة هو ظاهر مذهب أحمد في رواية الجماعة.
وقد روى عنه ابن منصور: إذا طلق امرأته - وهي بكر - قبل أن يدخل بها فعفا أبوها أو زوجها، ما أرى عفو الأب إلا جائزًا.
غير إن أبا حفص اعتبر ما نقله ابن منصور، قولًا لأبي عبد الله قديمًا. وظاهر هذا القول أن المسألة رواية واحدة، وأن الإمام أحمد قد رجع عن
стр. 216
قوله بجواز عفو الأب، وذكر العلماء أنه هو الصحيح؛ لأن مذهبه أنه لا يجوز للأب إسقاط ديون ولده الصغير، إلا بما فيه مصلحته، ولا حظَّ للمرأة في هذا الإسقاط، فلا يصح.
أما القول برواية ابن منصور: فقد قرر ابن قدامة، أنه لا يصح إلا بخمسة شروط:
الأول: أن يكون أبًا؛ لأنه الذي يلي مالها ولا يتَّهم عليها.
الثاني: أن تكون صغيرة ليكون وليًا على مالها، فإن الكبيرة تلي مال نفسها.
الثالث: أن تكون بكرًا لتكون غير مبتذلة، ولأنه لا يملك تزويج الثيب وإن كانت صغيرة، ولا تكون ولايته عليها تامة.
الرابع: أن تكون مطلقة، لأنها قبل الطلاق معرضة لإتلاف البضع.
الخامس: أن تكون قبل الدخول، لأن ما بعده قد أتلف البضع، فلا يعفو عن بدل متلف (١).
الاحتجاج للقول الثاني:
لقد كان من أهم ما احتج به للقول الثاني الذي يعتبر الذي بيده العقدة هو الولي: أن صيغة الخطاب في الآية وسياق الكلام، يدلان على أن هنالك أصنافًا ثلاثة من الأشخاص تعنيهم الآية:
فقد ذكر الله الأزواج في صدر الآية، وخاطبهم، ثم ذكر النساء بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلم يبقَ إلا الولي.
ولو أراد الزوج لقال: (أو تعفوا) بصيغة خطاب الحاضر، ولا موجب للعدول عنه. ثم إن الزوجات على قسمين: من تستطيع العفو - وقد ذكرت -
стр. 217
ومن لا تستطيعه لصغر أو حجر عليها، فيقوم مقامها الولي.
ذكر أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" (أن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ … إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فذكر النسوان … ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فهذا ثالث، فلا يُرَدُّ إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد - وهو الولي - فلا يجوز بعد هذا إسقاط فائدة التقدير، بجعل الثلاثة اثنين من غير ضرورة).
وقال أبو بكر: (واعتبار الذي بيده عقدة النكاح هو الولي: أنظم في الكلام وأقرب إلى المرام، فالله تعالى حين ذكر النسوان قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة أو العجوز لا عفو لها، فبيّن الله تعالى القسمين وقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ إن كنّ لذلك أهلًا، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، لأن الأمر فيه إليه) (١). وقد تابع ابنَ العربي في ذلك القرطبي (٢).
ما نرجحه في المسألة:
والراجح عندنا ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، من اعتبار الزوج هو (الذي بيده عقدة النكاح).
وفي الحجج التي أوردت مقنَع وأيُّ مقنع؛ فالحق أننا لا نتصور العفو إلا ممن له حق يتنازل عنه لغيره، والفضل الذي جاء النهي عن نسيانه، إنما يكون لمن يملكون أن يتفضلوا، والعقدة هي للذي بيده قطع النكاح وفسخه وإمساكه - كما قال ابن قدامة -.
وما أحسب أن في كلام ابن العربي ﵀ ما يقوى على النهوض في وجه ما ذكره الشافعي، وما أفاض به أبو بكر الجصاص، وقد رأينا ابن
стр. 218
قدامة يدفع ضرورة أن يكون المراد الولي - لئلا يعود الكلام إلى الزوج بعد ذكره في صدر الآية وذكر النساء فيما بعد - بأن العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب غير ممتنع.
ولقد حمّل ابن العربي الكلام أكثر مما يحمل، حين أصرّ على تأويل (يعفون) بقيد (إن كن أهلًا لذلك)؛ ليكون الولي هو المراد بما بعد (يعفون) حيث يقوم مقام من لا تملك العفو من النساء.
وأوْلى بنا أن نعتبر الزوج هو المراد من الذي بيده العقدة، من أن نحمِّل الكلام قيدًا، قد يكون في بعض الحالات من المسلّمات، فالتي لا تملك أن تعفو، لا تكون ممن وجه إليها الخطاب، ويكون تصرف الولي أمرًا طبيعيًا.
فإن كانت المرأة أهلًا للعفو بنفسها أو بوليها: عفت ولم تأخذ شيئًا من المهر. وإن عفا الزوج، كان للمرأة المهر كاملًا.
ولا شك في أن الجنوح إلى القول الأول، أسلم من جهة أن جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع، بينما نرى في الجنوح إلى القول الثاني زيادة في الشرع، تحتاج إلى دليل. وما اعتبره أنصار هذا القول دليلًا لما جنحوا إليه، لم نجد فيه مقنعًا.
وبعد ذلك كله، يلاحظ أن الخطاب في الآية هو للأزواج، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فإذا لم يعتبر أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، كان في ذلك تفكيك للنظم القرآني (١).
هذا: وقد اعتبر ابن رشد (٢) أنّ من الزيادة على الشرع القول بأن
стр. 219
المقصود في الآية هو الولي، كما أن من العسير على القائل بذلك: أن يأتي بدليل يبين أن الآية هي في الولي أظهر منها في الزوج، قال ﵀: (ويشبه أن يكون هذان الاحتمان اللذان في الآية - يعني الزوج والولي - على السواء، لكن من جعله الزوج، لم يوجب حكمًا زائدًا في الآية: أي شرعًا زائدًا، لأن جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع، ومن جعله الولي: إما الأب وإما غيره، فقد زاد شرعًا؛ فلذلك يجب عليه أن يأتي بدليل يبين أن الآية أظهر في الولي منها في الزوج، وذلك شيء يعسر) (١).
حكم المشكل:
وهكذا يتبين مما تقدم في الأمثلة التي ذكرنا، أن حكم المشكل النظرُ أولًا في المعاني التي يحتملها اللفظ، وضبطُها، ثم الاجتهاد في البحث عن القرائن التي يمكن بواسطتها معرفة المعنى المراد من بين تلك المعاني المحتملة.
وبذلك يُحتاج في الوصول إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ في المشكل، من الاجتهاد، ما لا يحتاج في الخفي، إذ إن المشكل - كما ذكرنا من قبل - أدْخَلُ في عدم الوضوح من الخفي، وقد كنا أسلفنا أن المشكل لا يكتفى في إزالة غموضه بالطلب، بل لا بد بعد هذا الطلب من البحث والتأمُّل.
من المشكل في نصوص القانون:
أ - من أمثلة المشكل في القانون لفظ (الليل) الذي جعل في قانون العقوبات المصري ظرفًا مشددًا لعقوبة السرقة، ولم يرد في نصوص الشارع تحديد للمعنى المراد من هذا اللفظ، فقد يراد به الليل بمعناه الفلكي: أي المدَّة المحصورة بين غروب الشمس وشروقها، وقد يراد به أيضًا المدَّة التي يخيم فيها الظلام بالفعل.
стр. 220
وقد أخذ القضاء المصري بهذا المعنى الثاني، معلَّلًا ما جنح إليه، بأن الحِقبة التي يسود فيها الظلام فعلًا هي الحِقبة التي تتوافر فيها حكمة التشديد الذي أراده الشارع، نظرًا لما للظلام من رهبة في النفس، وما يهيئه من فرصة مواتية للجاني تسهل له ارتكاب جريمته.
غير أن محكمة النقض، عادت فأخذت بالمعنى الأول للّيل، فقررت أن مقصود الشارع هو الليل الفلكي، وهو تلك الحِقبة الزمنية المحصورة بين غروب الشمس وشروقها (١).
ب - ومن أمثلة المشكل أيضًا لفظ (الجدك) الذي ورد في المادة/ ٣٦٧/ من القانون المدني المصري القديم التي كانت تنص على أن للمحكمة أن تقضي ببقاء الإيجار لصالح المشتري (الجدك) رغم وجود المنع من التأجير من الباطن في عقد الإيجار.
وإذا عدنا إلى معنى (الجدك)، رأيناه مأخوذًا من الفارسية ومعناه الرفوف المركبة في المحل التجاري، وقد جاء الإشكال من احتمال أن يكون المراد بالنص، مجرد بيع الأرفف، وأن يكون المراد بيع المحل التجاري. وقد انتهت المحاكم المصرية إلى الأخذ بالمعنى الثاني، فقررت أنه لا يجوز استمرار الإيجار لصالح المشتري، إلا إذا كان اشترى المحل التجاري، ولم يقتصر على شراء الأرفف. وقد ساعد القضاءَ على ذلك: أن المعنى هو الذي يتمشى مع العلة مع استمرار الإيجار لصالح المشتري كما نصّ القانون (٢).
* * *
стр. 221
المطلب الثالث المجمل
المجمَل لغة: المبهم والمجموع، مأخوذ من الإجمال وهو الإبهام، وعدم التفصيل، قالوا: أجمل الأمر: أبهمه، والشيءَ: جمعه عن تفرقة، والحسابَ: رده إلى الجملة، والجملة: جماعة كل شيء بكماله، ويقال: أجملت له الحساب والكلام (١).
أما المجمَل في الاصطلاحٍ: فقد عرّفه صاحب "تقويم الأدلة" بأنه (الذي لا يعقل معناه أصلًا لتوحُّش في اللغة وضعًا، أو المعنى استعارة) (٢).
وقال فخر الإسلام البزدوي في "أصوله": (هو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد منه اشتباهًا لا يدرك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب، ثم التأمُّل) (٣).
وعرّفه شمس الأئمة السرخسي بأنه (لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من المجمِل وبيانٍ من جهته، وذلك إما لتوحش في معنى الاستعارة، أو في صيغة عربية، مما يسميه أهل الأدب لغة غريبة) (٤).
رأينا في هذه التعريفات:
وفي رأينا أن تعريف البزدوي يفضل تعريف صاحب "التقويم"، وذلك بما أبان من أن المعنى في المجمَل، إنما يدرك بالاستفسار من المجمِل، ثم الطلب، ثم التأمل، وإن كان لم يوضح أن الطلب والتأمل، إنما يحتاج
стр. 222
إليهما إذا لم يكن البيان شافيًا. أما صاحب "التقويم": فقد اقتصر على عدم عقل المعنى.
غير أن تعريف الدبوسي يفضل تعريف البزدوي من حيث إنه أبان السبب في الغموض والخفاء، حين ذكر أنه توحش في اللغة وضعًا، أو المعنى استعارة، بينما اقتصر البزدوي على ازدحام المعاني، واشتباه المراد.
على أنا حين نأخذ التعريفين جملة، ترى تعريف البزدوي أوضح في الدلالة على ما يريده علماء الأصول من المجمل.
أما السرخسي: فقد جاء - فيما نرى - بمحتوى التعريفين السابقين وسلِم تعريفُه مما قد يبدو في كل واحد منهما، من عدم الإحاطة، أو إغفال ما يجب أن يشمله التعريف.
التعريف الذي نراه:
وفي ضوء التعريفات السابقة، وما ذكره العلماء من موارد للمجمل جعلته بسببها عدة أنواع، والأمثلة التي استخدموها لإيضاح ما يريدون: نختار أن نعرِّف المجمَل بأنه: (اللفظ الذي خفي من ذاته خفاء جعل المراد منه لا يدرك إلا ببيان من المجمل، سواء أكان ذلك الخفاء لانتقال اللفظ من معناه الظاهر في اللغة إلى معنى مخصوص أراده الشارع، أم كان لتزاحم المعاني المتساوية، أم كان لغرابة اللفظ نفسه).
بين المجمَل والمشكل:
والمجمَل أشد خِفاء من المشكل:
ذلك أن البيان في المجمَل، لا يكون إلا من قِبَلِ المجمل نفسه، بينما يمكن في المشكل، أن يكون بالبحث والتأمل بعد الطلب.
لذلك كان المجمَل في أقسام غير واضح الدلالة، مقابلًا للمفسّر في أقسام الواضح.
стр. 223
وهذا واقع، مع أن المجمَل والمشكل يشتركان في أن الغموض فيهما ذاتي، وليس بعارض كما في الخفي.
وشمس الأئمة السرخسي بعد أن أورد تعريف المجمَل قال: (وتبيّن أن المجمَل فوق المشكل، فإن المراد في المشكل قائم، والحاجة إلى تمييزه من أشكاله. والمراد في المجمَل غير قائم، ولكن فيه توهم معرفة المراد بالبيان، والتفسير، وذلك البيان دليل آخر، غير متصل بهذه الصيغة، إلا أن يكون لفظ المجمَل فيه غلبة الاستعمال لمعنًى، فحينئذ يوقف على المراد بذلك الطريق) (١).
أنواع المجمَل:
لقد كان من نتيجة استقراء العلماء لموارد المجمَل، أن ردوها - كما أشرنا في التعريف - إلى أسباب ثلاثة:
الأول: نقل اللفظ من معناه الظاهر في اللغة، إلى معنًى شرعي جديد.
الثاني: تزاحم المعاني، وانسداد باب ترجيح واحد منها على غيره.
الثالث: غرابة اللفظ (٢).
وتبعًا لهذه الأسباب في موارد الإجمال، كان المجمَل على ثلاثة أنواع.
وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا - النوع الأول:
فالنوع الأول هو: ما كان إجماله بسبب نقل اللفظ من معناه اللغوي
стр. 224
الظاهر، إلى معنًى خاص غيرِ معلوم أراده الشارع من جديد. وهذا في نظرنا أغزر أنواع المجمل وجودًا؛ فكثير من المسميات أعطاها الشارع بعد الإسلام معنًى جديدًا وفقَ منهج الشريعة الجديدة؛ وذلك كالصلاة، والزكاة، وغيرهما من الألفاظ التي لها في العربية قبل الوضع الشرعي مدلول معين، وجاء الإسلام فأعطاها مدلولًا جديدًا خاصًّا، كساها نوعًا من الإجمال، ما كان من الممكن بيانه وتفصيله بالبحث أو الاجتهاد، وإنما تكفلت ببيانه السنّة القولية أو الفعلية (١) ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل].
وبيان ما أردناء من مثالَيْ الصلاة والزكاة فيما يلي:
الصلاة:
الصلاة في اللغة - على ما يقوله جماهير أهل اللغة والفقه - الدعاء (٢). وجاء الإسلام فأطلقها على العبادة المخصوصة، وإن كانت الصلة لم تنقطع بين المعنى اللغوي - وهو الدعاء - وبين المعنى الجديد.
قال ابن الأثير عند ذكر الصلاة: (وهي العبادة المخصوصة، وأصلها في
стр. 225
اللغة الدعاء فسميت ببعض أجزائها) (١). وذلك ما ذكره الإمام النووي وغيره، فقد جاء في "تهذيب الأسماء واللغات": (وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه - يعني الدعاء -) (٢).
بيان السنّة للإجمال في الصلاة:
وهكذا جاء الإجمال من إعطاء لفظ الصلاة معنى شرعيًا، جديدًا، خاصًّا - وهو تلك العبادة المعروفة - بينما رأينا أن أصل معناه في اللغة الدعاء.
غير أن القرآن الذي اهتمّ بهذه الفريضة اهتمامًا بالغًا، وأتى على ذكرها في كثير من المواطن: كقول الله ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾
стр. 226
[النساء]. لم يبين تفاصيلها وجزئياتها، من عدد ما فرض من الصلوات ومواقيتها، وعدد ركعاتها، وواجباتها، وسننها، ومفسداتها، وما إلى ذلك، وإنما ذكر أوقاتها إجمالًا.
ومن الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم] ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وأشار القرآن إلى كيفية الصلاة إجمالًا، فجاء في ذلك قول الله جلّ ذكره: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وكان لا بد من البيان: والذي أجمل هو الذي يبين. وما أجمله الله في كتابه شاء أن يكون بيانه من نبيه محمد ﵊ فتكفلت السنّة قولًا وعملًا ببيان ما تدعو الحاجة إلى بيانه، من عدد ما فرض من الصلوات، ومواقيتها، وعدد ركعاتها، وشروطها وواجباتها، وسننها … ليقوم بها المكلَّف فيكون مؤديًا ممتثلًا، خارجًا من العهدة.
وكان الرسول صلوات الله عليه المبيّن عن ربه ما أراد: يصلي بالمسلمين الصلوات الخمس بجماعة ويحرص على بيانها لهم قولًا وعملًا، حتى إنه صلّى مرة على المنبر يقوم ويركع ثم قال لهم: "إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلَّموا صلاتي" (١) وجاء في الصحيح مما رواه البخاري ومسلم قوله ﵇: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (٢) فكان في بيانه لما أجمل الكتاب، تحقيق ما من شأنه إقامة الصلاة حق الإقامة كما أمر الله.
стр. 227
الزكاة:
أما الزكاة: فهي في اللغة النماء، يقال: زرع زاكٍ ومال زاكٍ: أي نامٍ بيّن الزكاء. وقد زكا الزرع، وزكت الأرض، وأزكت (١).
وترد أيضًا بمعنى التطهير (٢) ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وجاء الإسلام ليعطي للزكاة معنًى جديدًا خاصًّا وهو: إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه، غير متصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه (٣).
وكما تطلق الزكاة على الإعطاء المذكور: تطلق على الطائفة من المال المزكَّى بها، فهي من الأسماء المشتركة بين المال المُخرَج والفعل.
وهذا لا يمنع أن الصلة واضحة بين المعنى اللغوي، والمعنى الجديد الذي أراده الشارع.
وقد ذكر العلماء أن الزكاة تطلق في الشرع بالاعتبارين معًا، وهما: النماء، والتطهير.
أما بالاعتبار الأول: فعلى معنى أن إخراجها سبب للنماء في المال.
دليل ذلك ما صحّ في الحديث "ما نقص مال من صدقة" (٤). ووجه
стр. 228
الدليل فيه - كما قال ابن دقيق العيد - أن النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب، فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه.
أو على معنًى أن متعلقها الأموال ذات النماء كعروض التجارة، والزراعة، وسميت بالنماء لتعلقها بها.
أو على معنى مضاعفة الثواب، كما جاء "إن الله يربي الصدقة حتى تكون كالجبل" (١).
أما الاعتبار الثاني: فلأنها طهرة للنفس من رذيلة الشح، أو لأنها تطهِّر المكلَّف من الآثام.
بيان السنّة للإجمال في الزكاة:
ومهما يكن من أمر الصلة بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي من حيث النماء والتطهير في كليهما: فإن لفظ (الزكاة) أصبح مجملًا بعد أن كسته الشريعة هذا الثوب، بما أعطته من مدلول خاص، لم يكن معروفًا من قبل.
وإذا كان القرآن قد أمر بالزكاة، وقرنها بإقامة الصلاة في أكثر من موطن من الآي، كما في قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣ و … ]. وتوعد مَن لا يؤتيها بعذاب من عنده كما في قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت] وجعلَ عدم الإيتاء من صفات المشركين للتخويف من منعها، كما في قوله جلّ ذكره:
стр. 229
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة] وبيّن مصارفها بذكر الأصناف الثمانية، وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].
أقول: إذا كان القرآن قد جاء بذلك كله، إنه لم يبين بالتفصيل حد المكلَّف بالزكاة، وما هو النصاب الذي تجب فيه الزكاة، ولا المقدار الواجب دفعه، وما هي مواقيتها وعددها. حتى جاءت السنّة بالبيان لكل ذلك.
وقد روى العلماء في تفصيل ما أجمله الكتاب عددًا من الأحاديث الصحيحة مما كتبه رسول الله ﷺ إلى عمَّاله على الصدقات، أو مما حدَّث به أصحابه. من ذلك ما روي عن أنس، أن أبا بكر كتب لهم "إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر بها الله ورسوله. فمَن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومَن سئل فوق ذلك فلا يعطه … " (١) ثم فصّل في صدقة المواشي.
ومنها ما جاء عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة، ولم يخرجها إلى عمالها حتى توفي، قال: فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها، قال: فقد هلك عمر يوم هلك، وإن ذلك لمقرون بوصيته" الحديث (٢).
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من
стр. 230
الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" (١).
وهكذا انتقل المبيِّن صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى، وقد بيّن لأمته ما أجمله الكتاب، في شأن فريضة الزكاة، التي هي ركن من أركان الإسلام، ومن أفضل مظاهر العدالة الاجتماعية بين بني الإنسان.
مدى بيان السنّة للمجمل من الأحكام:
وبعد أن اقتصرنا في التمثيل على ذكر الصلاة، والزكاة، رغبة في البُعد عن التطويل، تجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من نصوص الكتاب المتعلقة بالأحكام التكليفية، قد جاءت في إطار مجمل، وما لم يبيّنه نص قرآني آخر، بيّنته السنّة وفصّلت أحكامه.
وهذا يشمل - فيما يشمل - أحكام العبادات، والمعاملات، والجنايات، ونظام البيوت، وأحكام الجهاد والسِّير؛ من حرب وسلم، وعلاقات دولية، إلى غير ذلك من الأحكام، مما يرى مبثوثًا في مظانه من كتب الأصول والفروع.
فالحج مثلًا: ورد مجملًا مفروضًا على من يجد السبيل وذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فبيّنت السنّة السبيل، وأنه الزاد والراحلة. كما أخبر الرسول الكريم بمواقيت الحج وأعماله، ومراتب تلك الأعمال وما سوى ذلك …
وقال ﵊ فيما رواه مسلم عن جابر: "لتأخذوا عني مناسككم" وفي حجته ﵇ التي روى حديثها مسلم وأبو داود خير تفصيل وأفضل بيان (٢).
стр. 231
وعرض القرآن للمعاملات بشكل إجمالي، فأمر بالوفاء بالعقود بقوله جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا يشمل جميع الالتزامات. ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل وأباح الربح من التجارة. ونصّ على حل البيع وحرمة الربا …
ولكن كان لا بد لهذا الإجمال من بيان وتفصيل؛ فكان في أقضية الرسول صلوات الله عليه، وأحاديثه: بيان ذلك بيانًا، نظم التعامل بين الناس، وسلك بهم سبيل التعاون المثمر والخير المشترك.
وقلّ مثل ذلك في بعض أحكام الجنايات، فمثلًا كان نظام الديات معمولًا به عند العرب، فأبقاء القرآن وأشار إليه بإجمال، وأتت السنّة على ذلك بالتفصيل الواضح لأحكام الدية، وبيان مقدارها، وأحوالها، وجعلت بعضها على العاقلة (١).
وكانت أحكام الدية هذه، طائفة من أحكام القصاص الوارد في قوله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة].
وبعد هذه الإشارات العابرة، نرى لزامًا أن نشير إلى أن استقراء العلماء كان تامًّا، حين قرروا أنه ما من مجمل في الكتاب من نصوص الأحكام التكليفية، إلا وقد بيّنه الله، إما بنص قرآني، أو بهدي من نبيه ﵊.
ومن هنا كان لا بد لمن يريد الاستنباط من القرآن - وهو كلي الشريعة - أن ينظر في شرحه وبيانه وهو السنّة.
قال الشاطبي (٢) - بعد أن استشهد بالآيات والأحاديث على ضرورة النظر
стр. 232
في السنّة عند إرادة أخذ الأحكام من الكتاب -: (فعلى هذا لا ينبغي الاستنباط من القرآن، دون شرحه وبيانه - وهو السنّة - لأنه إذا كان كليًا، وفيه أمور كلية، كما في شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم، ونحوها، فلا محيص عن النظر في بيانه. وبعد ذلك ينظر في تفسير السلف الصالح - إن أعوزت السنّة - فإنهم أعرف به من غيرهم. وإلا فمطلق اللسان العربي لمن حصله يكفي فيما أعوز من ذلك) (١).
ثانيًا - النوع الثاني:
أما النوع الثاني من أنواع المجمَل: فهو ما يكون إجماله بسبب تعدد المعاني المتساوية وتزاحمها على اللفظ، وانتفاء القرينة التي ترجح أحد هذه المعاني.
وذلك كالمشترك الذي انسدّ باب الترجيح فيه علمًا بأن اللفظ في المشترك موضوع لأكثر من معنى؛ كما في لفظ (عين) مثلًا الموضوعة للباصرة وللعين الجارية … إلخ (٢)؛ فالمشترك ظاهر في أن المتكلم أراد هذا المعنى أو ذاك. ولكنه مجمل في تعيين ما أراده من المعنيين.
أ - وقد مثّلوا له بلفظ (الموالي)؛ فإنه مشترك يطلق على المعتقين - بكسر التاء - والمعتقين بفتحها، حقيقة واستعمالًا.
فلو أوصى إنسان بثلث ماله لمواليه - وله موال أعتقوه وموال أعتقهم - ومات قبل أن يبين الذين أرادهم بهذه الوصية، أهُمُ الأشخاص الذين أعتقوه أم هم الأشخاص الذين أعتقهم؟ كانت الوصية باطلة عند الحنفية في ظاهر
стр. 233
الرواية، وذلك لبقاء الموصى له مجهولًا بناء على تعذر العمل بعموم اللفظ، وعدم ترجيح صنف من الموالي على صنف آخر (١).
وهذا مبني على أن الحنفية - كما سيأتي في مبحث مشترك - لا يرون استعمال المشترك في جميع معانيه التي يدل على كل منها بعبارة واحدة: لأنه لا عموم له عندهم.
وعلى هذا فما دامت قرينة الترجيح لم تتوافر؛ فلفظ (الموالي) مجمل لا سبيل إلى بيانه - ليزول ما لحقه من غموض وخفاء - إلا من قِبَل المجمِل وهو الموصي نفسُه.
وبما أن البيان لم يحصل، وذلك نتيجة لموت الموصي دون أن يبين الصنف الذي يريد - فيكون الموصى له معلومًا -: حكم ببطلان تلك الوصية (٢).
جاء في الهداية (ومَن أوصى المواليه، وله موال أعتقهم، وموال أعتقوه، فالوصية باطلة) (٣).
على أنه قد روي عن الإمام أبي يوسف، القول بترجيح الموالي الذين أعتقوا الموصي وإعطائِهم الوصية، محتجًا لذلك بأن القيام بشكر المنعم واجب، وفضل الإنعام في حق المنعم عليه: مندوب، والصرف إلى الواجب أوْلى منه إلى المندوب.
ونحن مع صاحب "العناية" الذي لم يرتضِ هذا الترجيح، وأجاب عما احتجّ به أبو يوسف، بأن جهة المعتِقين التي رجحها، معارَضة بجهة أخرى مردُّها إلى العرف الذي جرى بوصية ثلث المال للفقراء، والغالب في المولى
стр. 234
الأسفل الفقر، وفي الأعلى الغنى. والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، كما هو المروي عن أبي يوسف نفسه (١).
ب - هذا: وقد مثّل عبد العزيز البخاري لهذا النوع من المجمَل أيضًا، ببعض أسماء الأضداد، لانسداد باب الترجيح فيها لغة. وذلك كلفظ (الصريم) فإنه يطلق في اللغة على الصبح والليل، وكلفظ (الناهل) الذي أطلقه العرب على الريّان والعطشان (٢).
ما نراه في هذا النوع من المجمَل:
والذي نراه، أن هذا النوع من المجمَل، الذي يقوم على تساوي المعاني وانسداد باب الترجيح: لا مكان له في نصوص الأحكام من كتاب الله، أو سنة رسوله المبيِّنة عن الله ما أراد.
وعمدتنا في ذلك، ما هو المختار عند العلماء - كما سلف - من أن صاحب الرسالة الذي أرسله الله بلسان قومه، لم ينتقل إلى جوار ربه حتى أدّى الأمانة وحقق ما أمره الله، من بيان كتابه المنزَل على عباده. وفي غير ذلك اتهام لمقام النبوة بعدم الخروج عن العهدة في امتثال ما أمر الله، وتحقيق ما جاء في الآية الكريمة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وحاشا لله أن يكون ذلك؛ كيف والواقع العملي في السنّة - وهي المصدر الثاني من مصادر الشريعة - خير دليل على ما نقول.
ولقد نُقلت إلينا السنّة نقلًا وافيًا، يتسم - إلى جانب المنهج العلمي
стр. 235
المنضبط - بالدقة والحذر والأمانة. وقد عمل أئمة الحديث المخلصون على تنقيتها من آثار وضع الوضاعين، أو جهل الغافلين.
على أن من المسلَّم به، أنه ليس كل من نقل السنن، قد أحاط بها، ولكن مجموع ما نقل يشكل إحاطة تجعلنا مطمئنين إلى أن الكتاب قد وصل إلينا بيانه، وما علينا إلا الاطلاع على هذا البيان وإدراك مراميه.
وقد أشار الإمام الشافعي في أكثر من موطن إلى أن علم عامة أهل العلم إذا جُمع أتى على السنن، وما يذهب على واحد منهم نجده عند غيره، قال ﵀: (لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب إليه موجودًا عند غيره).
ثم قال: (وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها، دليلًا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظراته ما ذهب عليه، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوْا منها) (١).
وإذا كان الأمر كذلك، فكثير من المسائل التي تبدو مستعصية أو مثار اختلاف عند الاستنباط، يمكن أن يتبين وجه الحق فيها - ولو بغلبة الظن - عن طريق الإحاطة بما يتعلق بها من السنة، التي أدّت وظيفة البيان.
حالتان للبيان:
على أن البيان كما - أسلفنا - قد يكون شافيًا، فيصبح النص مفسَّرًا غنيًا عن أي إيضاح، فلا حاجة تدعو إلى أي تأمُّل أو اجتهاد. وقد لا يكون شافيًا، فيصبح المجمَل مشكلًا (٢)؛ وذلك كالربا عند فريق من العلماء،
стр. 236
وعندها نكون أمام غموض نسبي مرده دخول اللفظ في أشكاله واختلاف وجهات النظر عند المستنبطين. ويمكن الكشف عن هذا الغموض بالبحث والاجتهاد، والاستعانة بالقرائن التي تؤدي إلى ترجيح معنى من المعاني المرادة من ذلك النص.
وفي هذه الحال وأمثالها: حسبُ الباحث ما آل إليه الأمر من زوال الخفاء الذي يتسم به المجمَل، والذي لا ينكشف إلا ببيان من قبل المجمِل نفسه، والانتقالُ إلى خفاء نسبي يمكن أن يزول بالبحث والتأمُّل.
والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها هي: أنه سواء أكان البيان شافيًا، أم غير شاف: فهذا لا يتعارض مع المقرر المتفق عليه، بأن السنن - قوليةً وعمليةً وتقريرية - قد استوفت وظيفة البيان للكتاب، بحيث لا يبقى مجال للقول بوجود مشترك مثلًا قد انسدّ باب الترجيح فيه، الأمر الذي يدعو إلى وقف العمل به.
هذا النوع هل يوجد في كلام الناس؟
وفي ضوء ما تقدم، يمكننا القول بأن مجال وجود هذا النوع من المجمَل، إنما هو كلام الناس؛ حيث يكون له أثره في الالتزام وفروع الأحكام.
ولعل مما يؤيد ذلك: أن علماء الأصول الذين أرادوا التمثيل له، مثّلوا بمسألة فقهية مرتبطة بكلام مكلف يوصي لمواليه، ويموتُ قبل بيان الصنف الذي يريد من معتِقين أو معتَقين كما ذكرنا آنفًا (١).
وقد رأينا أن ظاهر مذهب الحنفية اعتبار الوصية باطلة، لجهالة الموصى له نتيجة لانسداد باب الترجيح في هذا المشترك، الذي هو الموالي، والذي أصبح مجملًا لا يمكن بيانه إلا ممن أجمله، إذ لا عموم للمشترك عند الحنفية بمعنى أنه لا يدل على أكثر من معنًى من معانيه مرة واحدة.
стр. 237
على أن الاستشهاد بهذا المثال ينسجم - كما نرى - مع ما عليه ظاهر المذهب.
غير أن هنالك أقوالًا أخرى قد تُخرجه عن هذه الدائرة.
١ - من ذلك القول بترجيح مواليه الذين أعتقوه؛ شكرًا لإنعامهم كما هو مروي عن أبي يوسف ﵀، وإن كنا وافقنا - كما سبق - صاحب العناية بما ردّ به هذا الترجيح (١).
٢ - ومنها أيضًا القول: بأن الموالي عمومًا إذا اصطلحوا على أخذ الموصى به صحّ ذلك؛ لأن الجهالة تزول، كما في مسألة الإقرار لأحد هذين، وكما هو رأي الإمام محمد ﵀، قال عبد العزيز البخاري: (كذا في جامع المصنف وشمس الأئمة رحمهما الله تعالى) (٢).
٣ - وذكر ابن أمير الحاج قولًا لأبي حنيفة وأبي يوسف، بجواز الوصية المذكورة، وتكون للموالي من الفريقين (٣).
ثالثًا - النوع الثالث:
أما النوع الثالث من أنواع المجمَل: فهو ما يكون إجماله ناشئًا عن غرابة اللفظ في المعنى الذي استعمل فيه.
مثال ذلك من الكتاب لفظ "الهَلوع" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ [المعارج]. فإن المراد به الحريص الجزوع؛ من الهلع: وهو الحرص، أو الجزع وقلة الصبر. قال الزمخشري: (الهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مسِّ الخير، من قولهم: ناقة هلواع: سريعة السير) (٤).
стр. 238
فإذا كان الهلوع شديد الحرص قليل الصبر، فإن استعماله في هذا المعنى غريب لا يمكن فهم المراد منه دون بيان، ولذلك بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج].
وهكذا بيّن الله تعالى ما أراد بـ (الهلوع) أفضل بيان؛ فهو الإنسان الذي إذا ناله شر، أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير، بخل ومنعه الناس.
روي عن أحمد بن يحيى - وهو ثعلب صاحب "الفصيح" - (قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسّره الله، ولا يكون تفسير أبيَن من تفسيره) (١).
وقد جاء في الحديث ما يعطي المعنى الذي أراده الكتاب، وذلك فيما روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "شَرّ ما في رجل شح هالع، وجبن خالع" (٢).
وقال الفراء: الهَلوع: الضَجور. وصفته كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ (٣).
أما صاحب "الكامل" أبو العباس المبرد: فقال في الهلوع في ضوء البيان المتقدم: (رجل هلوع: إذا كان لا يصبر على خير، ولا على شر، حتى يفصل في كل واحد منهما على غير الحق) وأورد الآية الكريمة، كما أورد قول الشاعر:
ولي قلبٌ سقيم ليس يصحو … ونفسٌ ما تُفيق من الهُلوع (٤)
ومثال هذا المجمل من السنّة لفظ (الرويبضة) الذي ورد في حديث النبي ﷺ حين ذكر من أشراط الساعة "أن تنطق الرويبضة في أمر العامة".
стр. 239
فالرويبضة: هو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، ولكن استعماله بهذا المعنى في الحديث غريب. ولذلك جاء في تتمة الخبر سؤال السامعين عن المراد به حيث قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ فقال ﵇ مبيِّنًا: "الرجل التافه ينطق في أمر العامة" (١).
فكان المعنى: أن من أشراط الساعة: أن ترى الرجل العاجز التافه الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، يُقحم نفسه فيتكلم في الأمور العامة مع أنه - لعجزه وتفاهته - لا يُحسن أموره الخاصة (٢).
حكم المجمَل:
وفي ضوء تعريف المجمَل وبيان أنواعه، وما يذكره العلماء من موجَبه وموارده: يمكن أن نقرر أن حكم المجمَل هو: اعتقادُ حقية المراد منه، وعدمُ العمل به حتى يرد بيان المراد منه، وطلبُ البيان من المُجْمِل واستفساره ليبيّنه.
قال شمس الأئمة السرخسي في ذلك: (وحكمه - يعني المجمَل - اعتقاد الحقية فيما هو المراد، والتوقف فيه إلى أن يتبين بيان المُجْمِل، ثم استفسارُه ليبينه) (٣).
أما السعد التفتازاني: فلم يعرض لمسألة اعتقاد الحقية والتوقف فيما هو المراد، وكأنه اعتبرهما من المسلّمات، واكتفى بذكر الاستفسار، وطلب البيان فقال: (وحكم المجمَل الاستفسار وطلب البيان من المجمِل) (٤).
стр. 240
وما قاله السرخسي مرجَّح في نظرنا على ما قاله صاحب "التلويح".
والذي دعانا إلى ترجيح ما ذهب إليه شمس الأئمة، هو ما يُرى فيه من الاستيفاء وزيادة الإيضاح.
أ - ففي ذكر اعتقاد الحقِّيَّة فضلُ بيانٍ في الدلالة.
ب - أما التوقف عن العمل حتى يرد البيان من المجمل نفسه: فرغم أنه من المسلّمات ومن مستلزمات تعريف المجمَل، إلا أن في ذكره أيضًا زيادة وضوح في معرفة أبعاد حكم هذا القِسم من أقسام المبهم من الألفاظ، الذي بلغ من الخفاء حدًا، جعله يقابل المفسّر في أقسام واضح الدلالة منها.
ومعلوم مما سبق، أن التوقف عن العمل قبل البيان، إنما يكون في عهد الرسالة. أما بعد انقضاء تلك الفترة المباركة: فاعتقادنا - وهو ما يؤيده الواقع - أن البيان قد حصل فلا مجال للتوقف.
لذا، فإن المكلَّف بعد معرفته بالأحكام؛ يعمل على بيِّنة وهدًى لأن مجمل الكتاب قد وقع له البيان.
غير أن العلماء وجدوا أن البيان - كما أسلفنا من قبل - قد يكون شافيًا؛ كما في الصلاة والزكاة والحج ونحوها التي ورد عن الشارع فيها ذلك النوع الوافي من البيان.
وقد لا يكون شافيًا، فينتقل اللفظ من حيز الإجمال إلى حيز الإشكال، وعندها يكون للمجتهد حق إزالة الغموض والخفاء بالبحث والتأمُّل، وذلك من غير حاجة إلى استفسار الشارع، وبيان جديد منه؛ فحسبه أنه فتح باب البيان. وعلى المجتهد إتمام الطريق حيث يهديه اجتهاده إلى القرائن التي تحدد المعنى المراد.
الربا والمجمَل:
هذا: وقد جنح المتقدمون من أصوليّي الحنفية، كالجصاص، والبزدوي، والسرخسي، إلى اعتبار الربا من المجمَل. وتابعهم في ذلك من بعدهم …
وتعليل ذلك عند هؤلاء: أن (الربا) عبارة عن الزيادة والنماء في أصل الوضع اللغوي.
стр. 241
وقد علمنا أنه ليس المراد ذلك في النصوص الشرعية، فإن البيع ما شرع إلا للاسترباح وطلب الزيادة، ولكن حرمة البيع كانت بسبب فضل خال عن العوض مشروط في العقد، وذلك فضل مال أو فضل حال - على ما يعرف في موضعه -.
قال شمس الأئمة: (ومعلوم أن بالتأمُّل في الصيغة لا يعرف هذا إلا بدليل آخر، فكان مجملًا فيما هو المراد) (١).
وإذا كان السرخسي ﵀، لم يعرض لأمر بيان السنّة للربا، فقد عدّه كثيرون كالجصاص، والدبوسي، وعبد العزيز البخاري، من المجمَل الذي لم تستوفِ السنّة بيانه.
ذلك أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل يدًا بيد؛ فمَن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء" (٢).
فهذا الحديث - على اختلاف رواياته - لم ينقل الربا من الإجمال إلى التفسير، وإنما نقله من الإجمال إلى الإشكال. وفي حالة الإشكال تبدو وظيفة المجتهدين في البحث والتأمُّل، لإزالة ما بقي في اللفظ من غموض وخفاء.
ولذلك بحث العلماء في ضبط الأوصاف الصالحة لعليّة التحريم، ثم التأمُّل في مقدار انطباق العلة على الصنف الجديد، المراد الحكم عليه بالحل، أو الحرمة.
وقد عرض الجصّاص لهذه المسألة في كتابه "أحكام القرآن" (٣)، وأبان أن بيان السنّة لمجمَل الربا لم يكن شافيًا.
стр. 242
وحين عرض لها عبد العزيز البخاري أشار إلى أنه فهم ذلك أيضًا من كلام أبي زيد الدبوسي، وعلل انتقال الربا من المجمَل إلى المشكل؛ بأن الربا مع إجماله هو اسم جنس محلَّى بأل، فيستغرق جميع أنواعه، والنبي ﵇، بيّن الحكم في الأشياء السنة من غير قصرٍ عليها، فيبقى الحكم فيما سواها، إلا أنه لما احتمل أن يوقف على ما وراءها بالتأمُّل في هذا البيان، نسمِّيه مشكلًا لا مجملًا (١).
وهكذا يلاحظ أن الربا - على هذا الاتجاه - مجمل في الكتاب قبل بيان السنّة، مشكل بعد البيان؛ لأن البيان لم يكن في حيز الاستيفاء بالنسبة إلينا.
ما نراه في الموضوع:
والذي نراه عدم اعتبار لفظ (الربا) الوارد في القرآن من الألفاظ المجملة.
ذلك أنا لو احتكمنا إلى تعريف علماء الأصول من الحنفية لهذا القسم من أقسام المبهم من الألفاظ - حيث يجعلون من أركانه أنه بلغ من الخفاء حدًا أصبح معه بحيث لا يتضح المعنى المراد منه إلا ببيان من قِبل المجمِل نفسه - لبان لنا عدم انطباقه على لفظ (الربا) الذي ورد في كتاب الله، والذي نراه في الآية الكريمة ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة] وغيرها من الآيات.
стр. 243
وبيان ذلك أن الربا الذي اشتملت عليه الآيات، لم يكن خافيًا بالنسبة لمن نزل الكتاب بلغتهم وفي بيئتهم، بل كان من معهود الجاهلية، يتعاملون به ويأكلونه؛ فكان الرجل أيام الجاهلية يكون له على آخر دَيْن، فإذا حلَّ الأجل قال المدين للدائن: زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فتكون زيادة المال من المدين الغريم، في مقابل زيادة الأجل وإعطاء المهلة من الدائن رب المال، وهذا ما يسمى "ربا النسيئة".
وقد روى أبو جعفر الطبري في ذلك عن مجاهد أنه قال في الربا الذي نهى الله عنه: (كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَيْن فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عني، فيؤخر عنه). وروي عن قتادة (أن ربا أهل الجاهلية: يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمًى، فإذا حلّ الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخّر عنه) (١).
وقد أبان الله في كتابه أن القوم كانوا يتعاملون به وسمّى ذلك أكلًا فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانوا يدَّعون أن الربا حلال كالبيع نفسه - فسواء عليهم أزادوا في أول البيع أم عند حلول أجل الدَيْن - فكذّبهم الله في قيلهم موضحًا أن الزيادتين اللتين إحداهما من وجه البيع، والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، ليستا سواء؛ فالحلال منهما هي الزيادة من وجه البيع، أما التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل: فهي محرمة.
وليست الزيادة من وجه المبيع نظير الزيادة من وجه الربا، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ومما يؤكد أن الربا المراد تحريمه في القرآن كان معهود العرب، ومما عرّفته بيئتهم من أنواع التعامل؛ أنه - بعد أن عرض القرآن للحرمة، وتوعّد من أكَل الربا بالعقاب - وعد من انتهى عن أكله بأن له ما أكل، وأخذ فأمضى، وذلك قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ
стр. 244
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أما ما بقي من الربا: فواجبٌ تركه، ووضعه، والرضا برأس المال دون أي فَصْل. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].
وقد روي عن السدي: أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا .... ﴾ الآية، نزل في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة؛ كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو - وهم بنو عمرو بن عمير -، فجاء الإسلام ولهم أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ من فَضلٍ كان في الجاهلية من الربا (١).
وإذا كان الأمر على ما ذكرنا؛ من أن الربا كان معهودًا ومعروفًا من قبل، فهو لا يكون داخلًا في عداد المجمَل أو المشكل، كما هو مصطلح عليهما. وكان هذا النوع من الربا، هو المراد في قول النبي ﷺ في خطبة الوداع: "ألا وإن رِبا الجاهلية موضوع وأول رِبًا أضع: رِبانا رِبا عمي العباس بن عبد المطلب" (٢) ويسمى هذا النوع - كما أسلفنا - (ربا النسيئة) أما الربا الذي ورد ذكره في حديث الأصناف السنة: فهو ما يسميه العلماء (ربا البيوع) أو (ربا الفضل) وتفصيل كل من النوعين معروف في مظانه من كتب الفروع.
وبهذا يكون ما جاءت به السنّة في هذا الباب: نوعًا آخر، ذكرته وبيّنت حكمه (٣).
стр. 245
وقد اتفق جمهور العلماء على تحريم الربا في الأصناف الستة التي جاءت بها السنّة، ولكنهم اختلفوا في تعيين العلة التي من أجلها كان التحريم، ليكون القياس في الأصناف الجديدة، ويصار إلى معرفة حكمها.
أما الظاهرية: فالتحريم عندهم غير معلَّل؛ لأنهم من نفاة القياس، فلا تحريم في غير الأصناف السنة المذكورة في الحديث (١).
هذا ونودُّ أن نشير إلى أن الحكم على لفظ (الربا) الموجود في القرآن، بأنه (مجمل) بيّنته السنّة، قد ذهب إليه بعض العلماء من غير الحنفية، بل اعتبروه مما فسّرته السنّة، لا مما فسحت الطريق لبيانه فقط.
فقد ذكر النووي في "المجموع" عن الماوردي من الشافعية (٢) أنه قال: (واختلف أصحابنا فيما جاء به القرآن الكريم من تحريم الربا على وجهين: أحدهما: - أنه مجمل فسّرته السنّة - وكل ما جاءت به السنّة من أحكام الربا: فهو بيان لمجمل القرآن نقدًا أو نسيئة.
الثاني: أن التحريم الذي جاء في القرآن، إنما تناول ما كان معهودًا للجاهلية من ربا النّساء، وطلب الزيادة في المال .. ثم وردت السنّة بزيادة الربا في النقد، مضافًا إلى ما جاء به القرآن، وهذا قول أبي حامد المروزي) (٣).
وممن قال بهذا، ومنع أن يكون الربا في الآيات من المجمل ابن العربي ﵀، وتبعه القرطبي (٤).
стр. 246
كلمة أخيرة:
وأخيرًا: فنحن وإن كنا نميل إلى عدم اعتبار الربا من المجمَل - كما أوضحنا ذلك - فإنا نرى أن الذين جنحوا إلى اعتباره من المجمَل: لم يتنكبوا الجادة التي رسموها لتعريفه، ولكنهم تجوّزوا - في نظرنا - حين غلَّبوا كون لفظ (الربا) انتقل من المعنى اللغوي - الذي هو الزيادة والنماء - إلى معنى جديد شرعي جاءت به السنّة - نظير ما نرى في الأسماء الشرعية كالصلاة، والزكاة، والحج ونحوها - دون أن يقيموا وزنًا لمعرفة العرب بنوع من الربا جاء القرآن بتحريمه، وردَّ مقالة مَن ادّعوا مماثلته للبيع في الحل.
لذا عبّرنا في صدر حديثنا عدم انطباق التعريف عليه، ولم نقل ما يشعر بأكثر من ذلك.
على أن هؤلاء الأئمة ﵏، لا يرون ضرورة انطباق التعريف تمامًا على المثال. وقد مرّ بنا في بعض أقسام واضح الدلالة، أن المراد من المثال: الدلالة والبيان، لا تمامُ الانطباق بكل ما في هذه الكلمة من معنى.
من المجمَل في نصوص القوانين:
كثيرًا ما ترد في القوانين ألفاظ مجملة، تحتاج إلى إزالة الإبهام وإيضاح ما فيها من غموض، ويُرى أن اللوائح التنفيذية للقوانين تلعب دورًا هامًا في بيان ذلك الإجمال، وإذا ما حدثت صعوبةٌ ما في تطبيق نص من النصوص القانونية، فإن من حق المشرع - وقد يطلب إليه ذلك أحيانًا - أن يصدر قانونًا تفسيريًا يزيل الإبهام والغموض، ويوضح ما أراد من ذلك النص القانوني الذي اتسم بالخفاء والإبهام. وعلى كلٍّ فالتفسير يصدر ممن له حق التفسير.
١ - مثال ذلك: كلمة (الرجوع) الواردة في قانون الوصية المصري رقم / ٧٨/ لسنة ١٩٣١ المنظم للتقاضي في المحاكم الشرعية. فقد نصّ القانون المذكور على أن "الرجوع في حال الإنكار لا تسمع الدعوى فيه إلا بورقة رسمية، أو ورقة عرفية كتبت كلها بخط المتوفى وعليها توقيعه". وقد اكتنف الإبهام كلمة (الرجوع) حتى أصدرت السلطة التي لها حق التفسير القانون رقم
стр. 247
لسنة ١٩٤٦ وفسّر (الرجوع) الذي يحتاج إلى هذا بأنه الرجوع القولي (١).
٢ - كذلك كلمة (الأحوال الشخصية) الواردة في عبارة (وغير ذلك مما يتعلق بالأحوال الشخصية) في المادة / ١٦/ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية في مصر.
فإن المراد من الكلمة كان مجملًا يحتاج إلى تفسير من الشارع نفسه الذي أجمله. وفعلًا فسره الشارع المصري أخيرًا في المادة / ٢/ من القانون رقم / ٩١/ لسنة ١٩٤٨ التي بيّنت المراد من الأحوال الشخصية، فأزالت ما كان يحوطها من إبهام (٢).
٣ - ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما كان من إجمال في المراد بـ (مَن يحسن القراءة والكتابة) الوارد في قانون الانتخابات السوري، وبقي الإجمال حتى صدر القانون رقم / ٣/ بتاريخ ٢٣/ ١١/ ١٩٥٤ المتضمن إضافة فقرة إلى قانون الانتخابات العامة تعتبر (محسنًا للقراءة والكتابة من يحمل شهادة أو مصدقة رسمية تستلزم معرفة بالقراءة والكتابة. أو من نجح في امتحانات المرشحين .. واستحصل على حكم قضائي من المحكمة المختصة باستيفائه شرائط الترشيح) .. وقد نصّ هذا القانون صراحة في مادته الثانية أن نصه هذا نص تفسيري (٣).
٤ - ومن هذا الباب، الإجمال الذي اتسم به الاستثناء المنصوص عليه في المادة / ٢٧/ من القانون السوري رقم / ٢٣٧/ وتاريخ ١/ ٥/ ١٩٥٦ الخاص بتنظيم مهنة مقاولي البناء في سوريا، حتى جاءت اللجنة المختصة وقررت أن هذا الاستثناء إنما يشمل الأبنية والأعمال الإنشائية التي تقوم بها الحكومة والمؤسسات العامة والبلديات عن طريق الأمانة فقط.
وقد أيّدت الجمعية العمومية للقسم الاستشاري للفتوى والتشريع اللجنةَ المختصة فيما ذهبت إليه، برأي عام / ٦/ خاص / ٣٠ / وتاريخ ٨/ ٤/ ١٩٦٢.
стр. 248
وقد جاء في رأي الجمعية بعد التأييد المذكور قولها: "لذلك وبناء على هذا الرأي، تكون مشاريع الأبنية والأعمال الإنشائية التي تقوم بها الحكومة والمؤسسات العامة، والبلديات عن طريق التلزيم، تابعة لأحكام القانون رقم / ٢٣٧/ وتاريخ ١/ ٥/ ١٠٥٦ الأنف الذكر.
وبناء على المادة / ١/ من هذا القانون التي تنص على أنه لا يجوز لأحد أن يزاول مهنة مقاولة البناء، ما لم يكن مسجَّلًا في إحدى النقابات: يقتضي عدم التعاقد مع أي مقاول لتنفيذ مشاريع الأبنية والأعمال الإنشائية، ما لم يبرز وثيقة تثبت تسجيله في إحدى نقابات مقاولي البناء" (١).
٥ - ومنه أيضًا كلمة (تعويضات) الواردة في قانون خدمة ضباط الاحتياط في سورية. فقد نصّت المادة / ٣١/ من القانون رقم / ٢٣٤/ لسنة ١٩٥٩ بشأن خدمة ضباط الاحتياط في القوات المسلحة على ما يلي:
"تتحمل كل من دوائر الحكومة ومؤسساتها العامة كامل رواتب وتعويضات وأجور المستدعين منها كضباط احتياط عن مدة دعوتهم للخدمة في القوات المسلحة … ".
وقد حصل التباس حول كلمة (تعويضات) لأن فيها نوعًا من الغموض والإبهام، وكان لوزارة المالية رأي معين في تطبيق مدلول هذه الكلمة. ولكن كان لا بد من التفسير لإزالة هذا الإجمال، فأصدر مجلس الدولة رأيه بإجماع آراء اللجنة المختصة مقررًا أن المقصود من كلمة (تعويضات) الواردة في نص المادة / ٣١/ من القانون رقم / ٢٣٤/ لسنة ١٩٥٩ بشأن قواعد خدمة ضباط الاحتياط بالقوات المسلحة: تلك التعويضات الشخصية، التي تتصل بشخص الموظف، وتكون تابعة للراتب في الوجود والعدم؛ كالتعويض العائلي مثلًا، فهي تشمل إذن كافة التعويضات التي يستحقها الموظف، ولو كان غائبًا على وجه قانوني ما دام يتقاضى راتبه، ولا تشمل التعويضات التي يشترط فيها وجود الموظف فعلًا على رأس عمله (٢).
стр. 249
المطلب الرابع المتشابه
وآخر ما عدَّه أصوليو الحنفية من أقسام المبهم هو (المتشابه) وقد اعتبروه أشد هذه الأقسام خفاء وإيغالا في الإبهام.
والمتشابه في اللغة مأخوذ من: اشتبهت الأمور وتشابهت: التبست لإشباه بعضها بعضًا، وشبَّه عليه الأمر: لبَّس عليه (١).
المتشابه في الاصطلاح وتطور النظر إليه عند الحنفية:
أما في الاصطلاح: فقد مرّ المتشابه عند الحنفية بمرحلتين:
أولاهما: المرحلة التي كان ينظر إليه فيها من خلال معنى المتشابه عربيةً، فهو أقرب إلى المفهوم اللغوي حيث يدل الاشتباء لغةً على الالتباس والتماثل والتشابه كما مرّ آنفًا، وتعريفهم له يدل على ذلك؛ فقد عرّفه أبو الحسن الكرخي بقوله: (المتشابه: ما يحتمل وجهين أو أكثر) فهو ذلك اللفظ الذي يتردد بين معنيين أو أكثر، وإنما يترجح واحد من المعنيين أو المعاني التي يحتملها، بقرينة تقوم على ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مجال وجوده وتطبيقه دائرة الأحكام التكليفية.
وتنتهي هذه المرحلة - فيما نقدر - بانتهاء القرن الرابع الهجري على وجه التقريب.
стр. 250
وكما يبدو هذا الاتجاه عند أبي الحسن الكرخي من رجال المائة الثالثة للهجرة، فهو يبدو عند تلميذه الجصاص من رجال المائة الرابعة (١).
وأما الثانية: فهي المرحلة التي نراه فيها منبثقًا عن تصور نوع من الخفاء، هو الذروة في الغموض بالنسبة لأنواع اللفظ المبهم، حتى انقطع رجاء معرفة هذا المتشابه في الدنيا؛ فقد عرّفوه بعدة تعريفات مآلها أنه (اللفظ الذي خفي معناه المراد خفاء من نفسه، ولم يفسَّر بكتاب أو سنّة، فلا ترجى معرفته في الدنيا لأحد من الأمة، أو لا ترجى معرفته إلا للراسخين في العلم) (٢).
وهو بهذا على حال لا تتسق مع طبيعة الأحكام التكليفية. لهذا كان مجال وجوده بعض مسائل الاعتقاد وأصول الدين، الأمر الذي يدل على تأثر هذا الاتجاه بنظرة علماء الكلام الذين يتحركون في دائرة المعتقدات. أما علماء أصول الفقه: فمهمتهم رسم مناهج استنباط الأحكام من مصادرها، ليكون المكلّف على بيِّنة من أمره في الحكم الذي يطلب إليه أن يلتزمه، فإذا لم يعرف الحلال، من الحرام، من الواجب، من المندوب .. إلخ كيف يلتزم!! وانبهام المصدر يحول دون هذه المعرفة.
وتبدأ هذه المرحلة في القرن الخامس الهجري، فنرى ذلك مثلًا عند الدبوسي، والبزدوي، والسرخسي، ومَن جاء من بعدهم.
وقد تتابع العلماء في هذا الاتجاه ولم تظهر - فيما نعلم - عودة إلى ما كان عليه مفهوم المتشابه في المرحلة السابقة.