كلمة أخيرة:
وأخيرًا: فنحن وإن كنا نميل إلى عدم اعتبار الربا من المجمَل - كما أوضحنا ذلك - فإنا نرى أن الذين جنحوا إلى اعتباره من المجمَل: لم يتنكبوا الجادة التي رسموها لتعريفه، ولكنهم تجوّزوا - في نظرنا - حين غلَّبوا كون لفظ (الربا) انتقل من المعنى اللغوي - الذي هو الزيادة والنماء - إلى معنى جديد شرعي جاءت به السنّة - نظير ما نرى في الأسماء الشرعية كالصلاة، والزكاة، والحج ونحوها - دون أن يقيموا وزنًا لمعرفة العرب بنوع من الربا جاء القرآن بتحريمه، وردَّ مقالة مَن ادّعوا مماثلته للبيع في الحل.
لذا عبّرنا في صدر حديثنا عدم انطباق التعريف عليه، ولم نقل ما يشعر بأكثر من ذلك.
على أن هؤلاء الأئمة ﵏، لا يرون ضرورة انطباق التعريف تمامًا على المثال. وقد مرّ بنا في بعض أقسام واضح الدلالة، أن المراد من المثال: الدلالة والبيان، لا تمامُ الانطباق بكل ما في هذه الكلمة من معنى.
من المجمَل في نصوص القوانين:
كثيرًا ما ترد في القوانين ألفاظ مجملة، تحتاج إلى إزالة الإبهام وإيضاح ما فيها من غموض، ويُرى أن اللوائح التنفيذية للقوانين تلعب دورًا هامًا في بيان ذلك الإجمال، وإذا ما حدثت صعوبةٌ ما في تطبيق نص من النصوص القانونية، فإن من حق المشرع - وقد يطلب إليه ذلك أحيانًا - أن يصدر قانونًا تفسيريًا يزيل الإبهام والغموض، ويوضح ما أراد من ذلك النص القانوني الذي اتسم بالخفاء والإبهام. وعلى كلٍّ فالتفسير يصدر ممن له حق التفسير.
١ - مثال ذلك: كلمة (الرجوع) الواردة في قانون الوصية المصري رقم / ٧٨/ لسنة ١٩٣١ المنظم للتقاضي في المحاكم الشرعية. فقد نصّ القانون المذكور على أن "الرجوع في حال الإنكار لا تسمع الدعوى فيه إلا بورقة رسمية، أو ورقة عرفية كتبت كلها بخط المتوفى وعليها توقيعه". وقد اكتنف الإبهام كلمة (الرجوع) حتى أصدرت السلطة التي لها حق التفسير القانون رقم
стр. 247
لسنة ١٩٤٦ وفسّر (الرجوع) الذي يحتاج إلى هذا بأنه الرجوع القولي (١).
٢ - كذلك كلمة (الأحوال الشخصية) الواردة في عبارة (وغير ذلك مما يتعلق بالأحوال الشخصية) في المادة / ١٦/ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية في مصر.
فإن المراد من الكلمة كان مجملًا يحتاج إلى تفسير من الشارع نفسه الذي أجمله. وفعلًا فسره الشارع المصري أخيرًا في المادة / ٢/ من القانون رقم / ٩١/ لسنة ١٩٤٨ التي بيّنت المراد من الأحوال الشخصية، فأزالت ما كان يحوطها من إبهام (٢).
٣ - ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما كان من إجمال في المراد بـ (مَن يحسن القراءة والكتابة) الوارد في قانون الانتخابات السوري، وبقي الإجمال حتى صدر القانون رقم / ٣/ بتاريخ ٢٣/ ١١/ ١٩٥٤ المتضمن إضافة فقرة إلى قانون الانتخابات العامة تعتبر (محسنًا للقراءة والكتابة من يحمل شهادة أو مصدقة رسمية تستلزم معرفة بالقراءة والكتابة. أو من نجح في امتحانات المرشحين .. واستحصل على حكم قضائي من المحكمة المختصة باستيفائه شرائط الترشيح) .. وقد نصّ هذا القانون صراحة في مادته الثانية أن نصه هذا نص تفسيري (٣).
٤ - ومن هذا الباب، الإجمال الذي اتسم به الاستثناء المنصوص عليه في المادة / ٢٧/ من القانون السوري رقم / ٢٣٧/ وتاريخ ١/ ٥/ ١٩٥٦ الخاص بتنظيم مهنة مقاولي البناء في سوريا، حتى جاءت اللجنة المختصة وقررت أن هذا الاستثناء إنما يشمل الأبنية والأعمال الإنشائية التي تقوم بها الحكومة والمؤسسات العامة والبلديات عن طريق الأمانة فقط.
وقد أيّدت الجمعية العمومية للقسم الاستشاري للفتوى والتشريع اللجنةَ المختصة فيما ذهبت إليه، برأي عام / ٦/ خاص / ٣٠ / وتاريخ ٨/ ٤/ ١٩٦٢.
стр. 248
وقد جاء في رأي الجمعية بعد التأييد المذكور قولها: "لذلك وبناء على هذا الرأي، تكون مشاريع الأبنية والأعمال الإنشائية التي تقوم بها الحكومة والمؤسسات العامة، والبلديات عن طريق التلزيم، تابعة لأحكام القانون رقم / ٢٣٧/ وتاريخ ١/ ٥/ ١٠٥٦ الأنف الذكر.
وبناء على المادة / ١/ من هذا القانون التي تنص على أنه لا يجوز لأحد أن يزاول مهنة مقاولة البناء، ما لم يكن مسجَّلًا في إحدى النقابات: يقتضي عدم التعاقد مع أي مقاول لتنفيذ مشاريع الأبنية والأعمال الإنشائية، ما لم يبرز وثيقة تثبت تسجيله في إحدى نقابات مقاولي البناء" (١).
٥ - ومنه أيضًا كلمة (تعويضات) الواردة في قانون خدمة ضباط الاحتياط في سورية. فقد نصّت المادة / ٣١/ من القانون رقم / ٢٣٤/ لسنة ١٩٥٩ بشأن خدمة ضباط الاحتياط في القوات المسلحة على ما يلي:
"تتحمل كل من دوائر الحكومة ومؤسساتها العامة كامل رواتب وتعويضات وأجور المستدعين منها كضباط احتياط عن مدة دعوتهم للخدمة في القوات المسلحة … ".
وقد حصل التباس حول كلمة (تعويضات) لأن فيها نوعًا من الغموض والإبهام، وكان لوزارة المالية رأي معين في تطبيق مدلول هذه الكلمة. ولكن كان لا بد من التفسير لإزالة هذا الإجمال، فأصدر مجلس الدولة رأيه بإجماع آراء اللجنة المختصة مقررًا أن المقصود من كلمة (تعويضات) الواردة في نص المادة / ٣١/ من القانون رقم / ٢٣٤/ لسنة ١٩٥٩ بشأن قواعد خدمة ضباط الاحتياط بالقوات المسلحة: تلك التعويضات الشخصية، التي تتصل بشخص الموظف، وتكون تابعة للراتب في الوجود والعدم؛ كالتعويض العائلي مثلًا، فهي تشمل إذن كافة التعويضات التي يستحقها الموظف، ولو كان غائبًا على وجه قانوني ما دام يتقاضى راتبه، ولا تشمل التعويضات التي يشترط فيها وجود الموظف فعلًا على رأس عمله (٢).
стр. 249
المطلب الرابع المتشابه
وآخر ما عدَّه أصوليو الحنفية من أقسام المبهم هو (المتشابه) وقد اعتبروه أشد هذه الأقسام خفاء وإيغالا في الإبهام.
والمتشابه في اللغة مأخوذ من: اشتبهت الأمور وتشابهت: التبست لإشباه بعضها بعضًا، وشبَّه عليه الأمر: لبَّس عليه (١).
المتشابه في الاصطلاح وتطور النظر إليه عند الحنفية:
أما في الاصطلاح: فقد مرّ المتشابه عند الحنفية بمرحلتين:
أولاهما: المرحلة التي كان ينظر إليه فيها من خلال معنى المتشابه عربيةً، فهو أقرب إلى المفهوم اللغوي حيث يدل الاشتباء لغةً على الالتباس والتماثل والتشابه كما مرّ آنفًا، وتعريفهم له يدل على ذلك؛ فقد عرّفه أبو الحسن الكرخي بقوله: (المتشابه: ما يحتمل وجهين أو أكثر) فهو ذلك اللفظ الذي يتردد بين معنيين أو أكثر، وإنما يترجح واحد من المعنيين أو المعاني التي يحتملها، بقرينة تقوم على ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مجال وجوده وتطبيقه دائرة الأحكام التكليفية.
وتنتهي هذه المرحلة - فيما نقدر - بانتهاء القرن الرابع الهجري على وجه التقريب.
стр. 250
وكما يبدو هذا الاتجاه عند أبي الحسن الكرخي من رجال المائة الثالثة للهجرة، فهو يبدو عند تلميذه الجصاص من رجال المائة الرابعة (١).
وأما الثانية: فهي المرحلة التي نراه فيها منبثقًا عن تصور نوع من الخفاء، هو الذروة في الغموض بالنسبة لأنواع اللفظ المبهم، حتى انقطع رجاء معرفة هذا المتشابه في الدنيا؛ فقد عرّفوه بعدة تعريفات مآلها أنه (اللفظ الذي خفي معناه المراد خفاء من نفسه، ولم يفسَّر بكتاب أو سنّة، فلا ترجى معرفته في الدنيا لأحد من الأمة، أو لا ترجى معرفته إلا للراسخين في العلم) (٢).
وهو بهذا على حال لا تتسق مع طبيعة الأحكام التكليفية. لهذا كان مجال وجوده بعض مسائل الاعتقاد وأصول الدين، الأمر الذي يدل على تأثر هذا الاتجاه بنظرة علماء الكلام الذين يتحركون في دائرة المعتقدات. أما علماء أصول الفقه: فمهمتهم رسم مناهج استنباط الأحكام من مصادرها، ليكون المكلّف على بيِّنة من أمره في الحكم الذي يطلب إليه أن يلتزمه، فإذا لم يعرف الحلال، من الحرام، من الواجب، من المندوب .. إلخ كيف يلتزم!! وانبهام المصدر يحول دون هذه المعرفة.
وتبدأ هذه المرحلة في القرن الخامس الهجري، فنرى ذلك مثلًا عند الدبوسي، والبزدوي، والسرخسي، ومَن جاء من بعدهم.
وقد تتابع العلماء في هذا الاتجاه ولم تظهر - فيما نعلم - عودة إلى ما كان عليه مفهوم المتشابه في المرحلة السابقة.
стр. 251
وفيما يلي تفصيل لكل من هاتين المرحلتين التي مرّ فيهما المتشابه.
أولًا: لقد كان تعريف المتشابه في المرحلة الأولى - كما سلف - قائمًا على المفهوم اللغوي وهو: "الاحتمال وتردد اللفظ بين معنيين أو أكثر"، وكان لذلك أثره في ساحة التكليف عند أخذ تلك الأحكام من النصوص، وقد نقل هذا الاتجاه عن عدد من العلماء كان في مقدمتهم الكرخي وأبو بكر الجصاص - رحمهما الله -.
جاء في "أحكام القرآن" للجصاص قوله: (كان أبو الحسن ﵀ يقول: (المحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما يحتمل وجهين أو أكثر) (١).
طريق إزالة الإبهام في هذا المتشابه:
وإذا كان المتشابه - على هذا التعريف - ما يحتمل أكثر من وجه: فطريق إزالة غموضه وخفائه - كما يرى الكرخي - حمله على المحكم الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا وردّه إليه.
ولقد كان طبيعيًا - والأمر على ما ذكرناه في التعريف - أن تكون دائرة وجود هذا النوع من المتشابه: نصوص الأحكام التكليفية؛ فهذا أبو الحسن - بعد أن يذكر سبيل المتشابه وأنها رده إلى المحكم - يقرر بوضوح أن ذلك في الفقه كثير، ويجيء بأمثلة متعددة - فيما نقل عنه الجصاص - يرى فيها أن تحديد المعنى بين المحتملات: كان عن طريق ذلك الحمل.
١ - من ذلك قوله تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ بالتشديد، و ﴿عقدتم﴾ بالتخفيف من قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا
стр. 252
حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩] فقراءة التخفيف تحتمل عقد اليمين قولًا، كما تحتمل عقد القلب، وهو العزيمة والقصد إلى الترك، وقراءة التشديد تفيد اليمين المعقودة؛ فتحمل قراءة التخفيف على الأخرى التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا. فيحصل المعنى من القراءتين: عقد اليمين قولًا، فيكون المقصود من الآية: اليمينُ المنعقدةُ، ويكون حكم إيجاب الكفارة، مقصورًا على هذا الضرب من الأيمان، وهو أن تكون اليمين معقودة. ولا تجب في اليمين على الماضي، لأنها غير معقودة، وإنما هو خبر عن ماض، والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء أكان صدقًا أم كذبًا (١).
٢ - إباحة الوطء بانقطاع دم الحيض:
ومن أمثلة ذلك أيضًا ﴿يَطْهُرْنَ﴾ و ﴿يَطَّهَّرْنَ﴾ بالتخفيف والتشديد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فمَن قرأ بالتخفيف ﴿يَطْهُرْنَ﴾ أراد انقطاع الدم حيث لا يحتمل اللفظ غيره. ومَن قرأ بالتشديد ﴿يَطَّهَّرْنَ﴾، كان اللفظ محتملًا لانقطاع الدم والاغتسال، فلما احتمل اللفظ المعنيين، حُمل على ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو انقطاع الدم. قال أبو بكر الجصاص: (فصارت قراءة التخفيف محكمة، وقراءة التشديد متشابهة، وحكم المتشابه أن يحمل على المحكم ويردَّ إليه، فيحصل معنى القراءتين على وجه واحد، وظاهرهما يقتضي إباحة الوطء بانقطاع الدم الذي هو خروج من الحيض) (٢).
٣ - فرض غسل الرجلين:
قال أبو بكر الجصاص في كتابه "أصول الفقه": وكان أبو الحسن يقول
стр. 253
أيضًا في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] أن قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لا تحتمل إلا عطفها على الغسل، وقراءة الخفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ تحتمل عطفها على الغسل ويكون خفضها بالمجاورة. وتحتمل العطف على المسح، فلما احتملت قراءة الخفض وجهين، ولم تحتمل قراءة النصب إلا وجهًا واحدًا: وجب أن يكون معنى قراءة الخفض محمولًا على قراءة النصب، فتكون الرجل مغسولة).
وهكذا حمل أبو الحسن الكرخي قراءة الخفض في ﴿وأرجلِكم﴾ على قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾؛ لأن الأولى - كما يرى - من (المتشابه) والثانية من (المحكم) فحمل الأول على الثاني، ورد ما يحتمل أكثر من معنًى، إلى ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا. ويكون مدلول الآية وجوب الغسل كما عليه الجمهور (١) …
ثانيًا: وإذا انتهينا من المرحلة الأولى، فلنقرر أن المرحلة الثانية التي أشرنا إلى بعض أعلامها كان عماد تعريف المتشابه فيها - كما رأينا - (عدم رجاء معرفته لأحدٍ من الأمة في الدنيا، أو رجاء معرفته للراسخين في العلم فحسب) ولشدة خفائه، جعلوه في مقابل (المحكم) الذي هو ذروة أنواع واضح الدلالة من الألفاظ.
فإذا كان المحكم لا يقبل التأويل، ولا التخصيص، ولا النسخ، فإن (المتشابه) بلغ من الخفاء درجة لا يرجى معها معرفته لأحد - وهو رأي الأكثرين - أو ترجى معرفته للراسخين في العلم.
وعلى كل فهو من حيث الخفاء: فوق المجمل الذي يحتمل البيان من المجمِل نفسه (٢).
стр. 254
هذا والاختلاف في كون المتشابه ترجى معرفته في الدنيا للراسخين في العلم، أو لا ترجى لأحد: منوط بالحكم على موطن الوقف في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
فمَن رأى الوقف على لفظ الجلالة في قوله: ﴿إِلَّا اللهُ﴾ حكم بأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله؛ إذ قد استأثر بعلمه دون خلقه، وهذا قول الأكثرين.
ومن جعل الكلام موصولًا، فقرأ بعطف - ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ - على لفظ الجلالة، أي ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ حكم بأن الراسخين في العلم يمكن أن يعلموا تأويله.
والقول الأول - وهو الوقوف على لفظ الجلالة - هو الذي تطمئن إليه النفس ويبدو متسقًا مع حقيقة المتشابه المراد في الآية الكريمة (١) وتفصيل ذلك معروف في مظانه (٢).
مواطن وجود هذا المتشابه:
هذا: وقد ثبت للأئمة من أهل الاستنباط، نتيجةً للاستقراء والبحث: أن
стр. 255
المتشابه بهذا المعنى، موجود في نصوص الكتاب والسنة (١) وأن مواطن وجوده منها، هو ما له علاقة بالعقيدة وأصول الدين.
وأما النصوص المتعلقة بالأحكام التكليفية: فليس فيها لفظ متشابه، لا سبيل إلى علم المراد منه.
ومن المتشابه بهذا المعنى: الحروف المقطعة التي بدئت بها بعض سور القرآن الكريم مثل: آلم، آلمر، حم، حم عسق، ص، ن، ق .. إلخ.
فهذه الحروف في أوائل السور، لا تدل بنفسها على المراد منها، ولم تفسر بكتاب أو سنّة، فهي من المتشابه والله أعلم بمراده.
ومنه أيضًا ما استأثر الله بعلمه دون خلقه؛ من أمور ستكون: نحو الخبر عن وقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا وما أشبه ذلك.
وهناك نصوص من الكتاب والسنّة جاءت على ذكر بعض الصفات والأفعال منسوبة إلى الله تعالى، قد توهم الحدوث ومشابهة الخلق، والله تعالى هو المنزَّه سبحانه عن التمثيل والتشبيه والجهة والجسمية … ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فهذه النصوص نُمرَّها بلا تأويل ولا تكييف ولا تعطيل؛ من أمثلة ذلك: ما جاء من نسبة العين واليد والوجه والمكان مثل قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] (٢) ﴿مَا يَكُونُ
стр. 256
مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢]. ونسبة المجيء إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] والنزول الوارد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة من قوله ﵊: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثُلث الليل الآخر يقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟ " (١).
ومثل ذلك قوله ﵊ فيما رواه الطبري في "التفسير" عن أبي هريرة: "إن الله يقبل الصدقة بيمينه ولا يقبل منها إلا ما كان طيبًا، والله يربّي لأحدكم لقمته كما يربّي أحدكم مهره وفصيله حتى يوافي يوم القيامة بها وهي أعظم من أُحد" (٢).
قال الترمذي: (٢/ ٢٣ - ٢٤) وقال غير واحد من أهل العلم، في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا - قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنّة والجماعة. وسئل الإمام مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، و … ] فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وأما الجهمية: فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه: اليد، والسمع، والبصر. فتأولت
стр. 257
الجهمية هذه الآيات وفسّروها على غير ما فسّر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوة، وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع. فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع: فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول مثل: سمع ولا كسمع: فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال الله ﵎: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]). اهـ. وكلامهم هذا مردود ظاهر عواره.
حكم هذا المتشابه:
وحكم المتشابه عند أهل هذا الاتجاه اعتقاد حقِّيَّته، والتسليم بترك طلب المراد منه والاشتغال بمحاولة الوقوف عليه، فيكون العبد مبتلًى بالاعتقاد نفسه، والتسليم لما يرد في النص؛ لأن ذلك من سمات المؤمن وصدق يقينه. قال أبو زيد الدبوسي: (وأما المتشابه: فحكمه التوقف أبدًا على اعتقاد الحقِّيَّة للمراد به فيكون العبد مبتلًى به بنفس الاعتقاد لا غير والله أعلم وهذا على رأي الجمهور حيث قراءة الوقف على لفظ الجلالة في قوله: ﴿إِلَّا الله﴾ (١)).
ما نراه في أمر المتشابه:
وإذا كنا قد اكتفينا بهذه الإلماحة عن (المتشابه) بهذا المعنى، فلم نفصّل القول في كلام العلماء حول وجود المتشابه في القرآن، والمذاهب فيما يمكن أن يعتبر من المتشابه أو لا يعتبر، والاختلاف في قراءة ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]، وما ينبني عليه من علم الراسخين في العلم، وإمكان الوقوف على المعنى المراد، أو عدم علمهم … إلى غير ذلك من المسائل. فإنما كان ذلك لاعتقادنا أن موطن هذه المسائل كلام المفسرين، وما عليه السلف في مضمون قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ
стр. 258
آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
وإذا كان نفر من علماء الأصول قد أطالوا القول في هذه المسائل: فهو نقل استطردوا له، ليس مكانه مباحث أدلة الأحكام، والمناهج التي يتوصل بها إلى استنباط تلك الأحكام، وإنما مكانه مباحث العقيدة.
لذا أجاب بعضهم عن ذكر (المتشابه) في علم أصول الفقه - مع أنه لا يترتب عليه معرفة شيء من الأحكام التكليفية - بأنه ذكر من قبيل الاستطراد تتميمًا للأقسام. أما المتشابه على المعنى الذي أراده الكرخي والجصاص: فلا ريب أن موطنه نصوص الأحكام.
ومن الضرورة بمكان: توكيدُ أن وجود المتشابه بالمعنى الثاني في نصوص الأحكام التكليفية: يتنافى مع ما قررناه من قبل - وهو المختار عند المحققين - أن نصوص هذه الأحكام؛ ما كان من كتاب، أو سنّة، قد وردتنا ومعها بيانها: إما من ذاتها وإما من سنّة النبي ﵊. وما قلناه عن الحديث في (المشترك ينسد فيه باب الترجيح) هو بعض مما ينبغي أن يقال هنا إيضاحًا لهذه النقطة، كيف والأمر في حيز استنباط الأحكام، ومعرفة أسرار التشريع، وما به يخرج المكلف من العهدة. فلا يمكن أن يكون تكليف دون بيان وإيضاح، وكل ما له علاقة بالتكليف أو للناس حاجة لحكمه في الدنيا، فقد رحم الله عباده وأتاهم بما يوضحه ويبينه؛ ليكونوا من أمرهم على هدًى ومن طريقهم على بيَّنة، وإن كانوا يحتاجون إلى الاجتهاد مع بعض حالات البيان (١). إذ كيف يكلفهم بشيء لا يخرجون من العهدة إلا بأن يعملوا به إن كان أمرًا، أو بأن يجتنبوه إن كان نهيًا وهو أمر لا يمكن أن يصل إليهم علمه، لا شك أن رحمة الله، وما كان من خصائص التشريع القرآني في رفع الحرج يأبى ذلك (٢).
стр. 259
وفي معرض ذلك يقرر إمام المفسرين ابن جرير الطبري أن جميع ما أنزل الله من آي القرآن على رسوله ﷺ ، فإنما أنزله بيانًا له ولأمته وهدًى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه حاجة، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل …
ولقد أوضح ابن جرير ما أراد من الحاجة وعدمها، فأورد قول الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
قال أبو جعفر: (فأعلم النبي ﷺ أمته، أن تلك الآية التي أخبر الله جلّ ثناؤه عباده، أنها إذا جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك هي: طلوع الشمس من مغربها؛ فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك: هو العلم بوقت نفع التوبة بصفته، بغير تحديده بعدد السنين والشهور والأيام، فقد بيّن الله لهم ذلك بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم على لسان رسوله مفسرًا. والذي لا حاجة بهم إلى علمه منه: هو العلم بمقدار المدة التي بينَ وقتِ نزول هذه الآية، ووقت حدوث تلك الآية؛ فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا، وذلك هو العلم الذي استأثر الله جلّ ثناؤه به دون خلقه فحجبه عنهم) (١).
وهكذا يتقرر لدينا أن المتشابه بالمعنى الذي حدّده أصوليون الحنفية ﵏ في المرحلة الثانية، لا تبدو له نسبة حقيقية إلى مباحث أصول الفقه، وإنما هي نسبة مجازية لتتميم أقسام المبهم حسب تدرجها في الإبهام.
فالخفي عرض له الغموض، ولم يكن من ذاته، وهو غموض يزول بأدنى تأمُّل.
стр. 260
والمشكل خفاؤه من ذاته ولكنه حفاء يمكن أن يزول بالبحث والاجتهاد بعد الطلب.
والمجمل خفاؤه من ذاته، ولكنه لا يزول إلا ببيان من المجمِل نفسه ولو بفتح باب البيان على الأقل.
ويأتي بعد ذلك المتشابه الذي كان خفاؤه من ذاته، ولا ترجى معرفة المراد منه في الدنيا، فهو أشد الأقسام الأربعة خفاء، وإن كانت الأحكام التكليفية في النصوص ليست منه في قليل ولا كثير.
* * *
стр. 261
المبحث الثاني المبهم عند المتكلمين
تمهيد:
قدّمنا أن اللفظ المبهم يتدرج عند الحنفية في مراتب أربع؛ فيتنوع بحسبها أربعة أنواع بدءًا من الخفي إلى الأخفى، وهو المشكل - إلى الأشد خفاء، وهو المجمل - إلى اللفظ الذي لا ترجى معرفته في الدنيا، وهو المتشابه.
ولكن الباحث لا يجد هذا التصنيف عند المتكلمين من علماء أصول الفقه، فهم لم يعرضوا إلا للمجمل والمتشابه، وهما - فيما يبدو - جماع (المبهم من الألفاظ) عندهم.
هذا إلى أن المسالك اختلفت في مقدار النسبة بين المجمل والمتشابه، فالأكثرون - كما سنرى - يجعلونهما شيئًا واحدًا. وآخرون يرون المتشابه نوعًا من أنواع المجمل. بينما نرى منهم من اعتبر المتشابه مشتركًا بين المجمل والمؤول (١) … إلخ.
وسنعرض لهذه المسالك دراسة وبحثًا، ثم نتَّخذ ما عليه الأكثر أساسًا للمقارنة بين اصطلاح الحنفية، واصطلاح المتكلمين.
* * *
стр. 262
المطلب الأول المجمَل
أولًا - مسالك الأئمة في تعريفه وما نراه فيها:
مسلك الشيرازي:
قال أبو إسحاق الشيرازي: (المجمَل: هو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره) (١).
مسلك إمام الحرمين:
أما الجويني: فبعد أن قرّر أن المجمَل قد يطلق على العموم من قولك: أجملتُ الحساب: إذا جمعتَ آحاده وأدرجته تحت صبغة جامعة، قال: (ولكن المجمَل في اصطلاح الأصوليين: هو المبهم، والمبهم هو الذي لا يعقل معناه، ولا يدرك منه مقصود اللافظ ومبتغاه) (٢).
مسلك الآمدي:
ولقد أتى الآمدي ببعض التعريفات لأبي الحسين البصري وغيره وردها ثم رأى أن (الحق أن يقال: بأن المجمَل هو ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) (٣).
مسلك ابن الحاجب:
أما ابن الحاجب: فقد ذكر أن (المجمَل هو ما لم تتضح دلالته) (٤).
стр. 263
ما نراه في هذه التعريفات:
والذي نراه أن مآل هذه التعريفات واحد تقريبًا؛ فكلها تقوم على أن اللفظ لم يكن واضحًا في الدلالة على المعنى المراد. وقد جاء ابن الحاجب بما أدّى الغرض مما أراده هؤلاء العلماء في تعريف المجمَل.
لذا فمن الممكن أن نعرّفه بأنه (اللفظ الذي دلّ على المعنى المراد دلالة غير واضحة) وإنما قلنا ذلك؛ لأن الدلالة واقعة، فهو لفظ له دلالة وإن كان مجملًا، ولكنها دلالة غير متضحة، لما يكتنفه من الغموض بما تسبب عنه الإجمال (١).
ثانيًا - موارد الإجمال:
١ - لقد جاء الشيرازي بعد التعريف: على بيان موارد الإجمال، فبيّن أنه على وجوه متعددة:
١ - منها: أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شيء بعينه كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وكقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (٢). فإن الحق في الآية والحديث مجهول الجنس والقدر؛ فيفتقر إلى البيان.
стр. 264
٢ - ومنها: أن يكون اللفظ في الوضع مشتركًا بين شيئين: كالقرء يقع على الحيض، ويقع على الطهر؛ فيفتقر إلى البيان.
٣ - ومنها: أن يكون اللفظ موضوعًا لجملة معلومة، إلا أنه دخلها استثناء مجهول كقوله : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فإن ما أُحِلَّ من بهيمة الأنعام: قد صار مجملًا لما دخله من الاستثناء (١).
ب - أما الآمدي: فقد ردّ موارد الإجمال إلى أسباب كثيرة، كان منها بعض ما رأيناه عند أبي إسحاق الشيرازي آنفًا.
ومن أهم ما جاء به الآمدي من أسباب الإجمال ما يلي:
١ - الاشتراك في اللفظ المفرد عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك: إما بين مختلفين كالعين: للذهب والشمس، والمختار: للفاعل، والمفعول: أي لمن يختار ولمن يقع عليه الاختيار، أو بين ضدَّين كالقرء، للظهر والحيض.
ومثله الاشتراك في اللفظ المركب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فإن العقدة مترددة بين الزوج والولي (٢).
٢ - ومن أسباب الإجمال عند الآمدي أيضًا: تخصيص العموم بصور مجهولة؛ كما لو قال: (اقتلوا المشركين) ثم قال بعد ذلك: (بعضهم غير مرادٍ لي من لفظي) فإن قوله: (اقتلوا المشركين) بعد ذلك، يكون مجملًا غير معلوم (٣).
٣ - ومن ذلك ما يكون بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع، عما وضع له في اللغة عند القائلين بذلك، قبل بيانه لنا، كما في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج.
стр. 265
فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] كله من المجمل؛ لعدم إشعار اللفظ بما هو المراد منه بعينه من الأفعال المخصوصة؛ لأنه مجمل بالنسبة إلى الوجوب (١).
ثالثًا - الإجمال في الأفعال:
هذا: وقد أوضح الشيرازي، ومن بعده الآمدي، أن الإجمال كما يكون في الأقوال، يكون في الأفعال (٢). وقد جعل أبو إسحاق من ذلك: أن يفعل رسول الله ﷺ فعلًا يحتمل وجهين احتمالًا واحدًا، مثل ما روي أنه ﷺ جمع في السفر (٣)؛ فإنه مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو في سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل (٤).
ومما جعله الشيرازي من المجمَل في الأفعال: أن يقضي النبي ﷺ في عين تحتمل حالتين احتمالًا واحدًا؛ مثل أن يُروى أن رجلًا أفطر فأمره النبي ﷺ بالكفارة، فهو مجمَل؛ فإنه يجوز أن يكون أفطر بجماع، ويجوز أن يكون أفطر بأكل؛ فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر - إلا بدليل (٥).
* * *
стр. 266
المطلب الثاني المتشابه
أما المتشابه: فالأكثرون على أنه (غير متضح المعنى) فهو والمجمّل سواء، وهو القول الأصح عند المتكلمين. فلقد أورد الشيرازي فيه عدة أقوال ذكر في مقدمتها أنه؛ هو المجمَل نفسه، قال ﵀: (وأما المتشابه: فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم مَن قال هو والمجمَل واحد. ومنهم مَن قال: المتشابه ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه. ومن الناس مَن قال: المتشابه هو القصص، والأمثال، والحكم، والحلال، والحرام. ومنهم مَن قال: المتشابه: الحروف المجموعة في أوائل السور مثل المص، والمر وغير ذلك. والصحيح هو الأول؛ لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه. وأما ما ذكروه: فلا يوصف بذلك) (١).
كما نقَل ﵀ عن بعضهم القول: بأنه ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه .. وغير ذلك، ثم قرّر أبو إسحاق أن الصحيح هو الأول؛ لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه، وأما ما ذكروه: فلا يوصف بذلك.
وهكذا ترى أن أبا إسحاق يأخذ المتشابه من التشابه اللغوي، وبذلك يكون هو والمجمَل - عنده - على حد سواء.
وإلى اعتبار أن المتشابه هو المجمَل، ذهب إمام الحرمين كما يتضح ذلك من كلامه؛ فقد جاء في "البرهان" قوله: (المختار عندنا أن المحكَم كل ما علم معناه وأدرك فحواه، والمتشابه هو المجمَل) (٢).
стр. 267
الآمدي والمتشابه:
أما الآمدي: فالمتشابه عنده أعم من المجمّل؛ إذ إن المجمَل نوع من أنواعه.
يدل على ذلك ما ذكره من أن المتشابه ما تعارض فيه الاحتمال وذلك:
١ - إما بجهة التساوي؛ كالألفاظ المجملة وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لاحتمال القرء زمن الحيض والظهر على السوية، وقوله سبحانه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لتردد ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بين الزوج والولي، وقوله جلّ وعلا: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] لتردد معنى الملامسة بين اللمس باليد، والوطء.
ب - أو لا على جهة التساوي؛ كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر إلى تأويل: كقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ونحوه من الكنايات والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة لأفهام العرب.
وقد ذكّرنا الآمدي بأبي إسحاق الشيرازي، وغيره من سابقيه حين كشف عن منزع التشابه في نظره، فقرر أن المتشابه سمي متشابهًا لاشتباه معناه على السامع.
بين الآمدي وسابقيه:
وهكذا يتبين لنا أن الآمدي - وإن لم يصرح بأن المجمَل والمتشابه شيء واحد - فقد جعل المجمَل نوعًا من المتشابه؛ فكل مجمل متشابه ولا عكس.
стр. 268
ثم إن ما رأيناه عند الشيرازي والذين من بعده، من دعوى اشتقاق المتشابه من الاشتباه وربطه بذلك: هو ما رأيناه عند الأمدي؛ فالمسألة مسألة التباس على السامع، واشتباه بالمعنى المراد، ومبعث هذا الالتباس: ما يرى من الاحتمال الذي يحيط بذلك اللفظ، من حيث تعددُ المعاني وذلك ما نراه في المجمَل أيضًا.
وبذلك يكون ما ذهب إليه الشيرازي وإمام الحرمين، هو الذي ذهب إليه الآمدي فيما بعد؛ من حيث انطباق المجمَل على المتشابه، وأن المتشابه هو ما لم تتضح دلالته. وإن كان للمتشابه موارد أخرى في نظر الآمدي.
اتجاه لصاحب "المنهاج":
ولقد كان للقاضي البيضاوي (١) صاحب "منهاج الأصول" اتجاه آخر غير الذي رأيناه.
فلئن كان ما قدّمنا من أن المتشابه: هو ما لم يتضح معناه، وأن ذلك اصطلاح الأكثر من المتكلمين، وأنه الذي اعتبر الأصح؛ لقد سلك صاحب "المنهاج" سبيلًا يجعل المتشابه مشتركًا بين المجمَل والمؤول.
وقد فسَّر الشارحون لكلامه - ومنهم الإسنوي (٢) - القدر المشترك بين
стр. 269
المجمَل والمؤول بعدم الرجحان. فقالوا: (ويمتاز المؤول بأنه مرجوح دون المجمَل) (١).
وعلى هذا يكون المتشابه ما ليس براجح، لا ما لا يتضح معناه كما هو قول الأكثرين (٢).
وهكذا يكون ما اتجه إليه البيضاوي في اصطلاحه، هو أن المتشابه (ما ليس براجح) بينما هو في الاصطلاح السابق: (ما لم يتضح معناه).
موقف الشيعة الإمامية (٣):
لا يلاحظ الباحث عند الشيعة الإمامية - وهم على طريقة المتكلمين - خروجًا على اصطلاح أولئك، في النظرة إلى المبهم من الألفاظ بشكل عام، إلا ما كان من اصطلاحهم في المتشابه؛ فقد جنحوا إلى السبيل التي سلكها البيضاوي في "المنهاج".
فبعد أن عرّف ابن المطهّر الحلي (٤) المجمَل بما عرّفه المتكلمون: ذكر
стр. 270
من أسباب الإجمال ما رأينا مثله في بعض ما ذكر الشيرازي والآمدي وغيرهما (١).
أما عن المتشابه: فقد جعله المشترك بين المؤول والمجمَل، وفسّر هذا الاشتراك بعدم الرجحان (٢)، كصنيع القاضي البيضاوي، فيما رأينا من مسلكه الذي خالف فيه ما عليه الأكثرون.
وعلى كلٍّ: فالخطب سهل، ما دام لم يترتب على الاختلاف في هذه الاصطلاحات عند المتكلمين: كبير اختلاف في الفروع والأحكام.
موقف الزيدية (٣):
وأما الزيدية - وهم من المتكلمين أيضًا - فلم يخرجوا عن المسلك العام، حيث عرَّفوا المجمَل بما كانت دلالته غير واضحة (٤). وإن كان
стр. 271
صاحب "منهاج الوصول" (١) منهم قد ضيّق الدائرة في التعريف؛ فبعد أن نقل عن ابن الحاجب معنى المجمَل في اللغة قال: (وفي الاصطلاح: هو اللفظ الذي لا يفهم المراد به تفصيلًا، كأقيموا الصلاة؛ فإن العرب كانت لا تفهم من الصلاة إلا الدعاء، وأراد الشارع بها هنا غير الوضع الأصلي، وأجمله، حيث لم يبين مراده به في اللفظ، بل بيّنه الرسول ﷺ بفعله حيث قال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، ونحوه) (٢).
فأنت ترى: أن ما عناء بالمجمَل هو حالة من حالات الإجمال التي أرادها الأصوليون من المتكلمين، ولا شك أن الذي عناه في التعريف يضيق عما أرادوه حين جعلوا المجمَل (غير متضح الدلالة).
موقف الإباضيَّة (٣):
أما الإباضيَّة - وهم يكتبون على طريقة المتكلمين أيضًا - فلم يكن لهم أي مسلك متميز عما كتبه المتكلمون حول هذه النقطة من مباحث المبهم؛ فقد التزموا مذهب جمهرتهم في تحديد معنى المجمَل والمتشابه، وما إلى ذلك، والأمر واضح في الذي يجده الباحث عند السالمي في كتابه "طلعة الشمس" في أصول الفقه عند الإباضية (٤).
стр. 272
المبهم عند ابن حزم:
هذا: وأما الإمام أبو محمد ابن حزم: فليس عنده في خفي الدلالة من الألفاظ إلا المجمَل. أما المتشابه: فلا وجود له البتة في شيء من نصوص الأحكام التكليفية، ومَن ادعى ذلك فهو - في نظره - جاهل لا علم له.
أ - وقد عرّف المجمَل بأنه (لفظ يقتضي تفسيرًا يؤخذ من لفظ آخر) وأوضح ما أراد عندما عرّف المفسّر بأنه (لفظ يفهم منه معنى المجمَل المذكور) (١).
والحاجة إلى التفسير التي يعنيها ابن حزم: هي الحاجة إلى الخروج من الاحتمال، التي يقتضيها غير متضح الدلالة، فالمؤدى واحد فيما بعد.
ب - وعندما جاء ابن حزم إلى المتشابه، حصره بأفراده في القرآن دون أن يعطيه أي تعريف يُشعر بتطابقه مع المجمَل، أو صلته به؛ فقرّر أن المتشابه لا يوجد في شيء من الشرائع، إلا بالإضافة إلى من جهل دون من علم، وهو في القرآن، وهو الذي نهينا عن اتباع تأويله، وعن طلبه، وأمرنا بالإيمان به جملة.
والمتشابه عند ابن حزم ينحصر في الأقسام التي في السور حيث أقسم الله ببعض مخلوقاته، والحروف المقطّعة التي في أوائل السور.
قال ﵀: (وليس هو في القرآن إلا الأقسام التي في السور كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١، ٢] ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١، ٢] والحروف المقطعة التي في أوائل السور، وكل ما عدا هذا من القرآن فهو محكم) (٢).
بين ابن حزم والأصوليين:
وهكذا يفترق ابن حزم عن الحنفية فيما اصطلحوا عليه في المبهم من الألفاظ.
стр. 273
وإذا كان قد التقى مع المتكلمين في تعريف المجمَل، فقد افترق عنهم أيضًا في عدم التعرض لأية علاقة بين المجمَل والمتشابه، ولو في الحدود التي أرادوها، بل جعل المتشابه محصورًا في غير دائرة الأحكام التكليفية، وطوى تحته أفرادًا معينة بذواتها.
وبهذا تستطيع أن نقرر أن المبهم من الألفاظ عند ابن حزم هو: دائرة الشرائع - على حد تعبيره - وعنوانه: (المجمَل) الذي يقتضي تفسيرًا يؤخذ من لفظ آخر مفسّر، يفهم منه معنى المجمَل المذكور.
ولقد استراح أبو محمد ﵀ وأراح، حين فرّق بين المجمَل والمتشابه وجعل لكلِّ دائرته، والموطن الذي يمكن أن ينسب إليه، دون الوقوع في نوع من التعقيد، قد تنبو عنه طبيعة اللسان العربي الذي نزلت به شريعة القرآن.
نتائج ومقارنة:
ويمكن بعد هذا التطواف أن نخلص إلى ما يلي:
١ - المجمَل عند المتكلمين: يشمل أنواع المبهم عند الحنفية ما عدا المتشابه؛ فهو أعم عند المتكلمين.
لذلك كان كل مجمل عند الحنفية، مجملًا عند المتكلمين ولا عكس، ويتضح ذلك فيما مرّ بنا من أمثلة المجمَل عند المتكلمين؛ فلقد رأينا مثلًا ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يؤتى به في عداد أمثلة المجمَل، وهو عند الحنفية من المشكل كما نعلم.
على أن المجمَل والمتشابه اسمان لمسمَّى واحد عند الجمهور من المتكلمين، ويعتبر بعضهم المجمَل نوعًا من المتشابه.
أما المتشابه عند الحنفية في أقسام المبهم من الألفاظ: فله شأن آخر، ولقد أوضحنا فيما سبق رأينا في إدخاله ضمن تلك الزمرة، التي عُدَّ منها في مرحلته الثانية التي بدأت فيما نقدر بالقرن الخامس الهجري، وذكرنا من أعلامها الدبوسي، والبزدوي، والسرخسي، ومَن سلك سبيلهم فيما بعد.
стр. 274
ب - كان من ثمرات هذا الاختلاف في الاصطلاح: أن بيان المجمَل عند المتكلمين، لا ينحصر في أن يكون من قِبل المجمِل نفسه، بل يمكن أن يكون بالقرائن والاجتهاد (١).
стр. 275
وهذا لا يعني أن كل أنواع المجمَل، يدرك بيانها بالاجتهاد أو القرائن، فإن هنالك نوعًا من المجمَل عند المتكلمين - وهو المجمّل عند الحنفية - لا يمكن أن يكون بيانه إلا من قِبل الذي أجمله، كما هو الأمر عند الحنفية سواء بسواء.
ج - أما عن المتشابه الذي يجري ذكره في الاصطلاحات المتقدمة: فإن الحديث عنه في الماضي لا يمنعنا من تصنيف القوم من خلال نظرتهم إليه كما يلي:
١ - المتكلمون ومعهم من الحنفية أبو الحسن الكرخي، وأبو بكر الجصاص ومَن على شاكلتهما قبل القرن الخامس، الذي اصطلحوا على متشابه يمكن أن ينسب إلى نصوص الأحكام التكليفية، ورأينا أنه مع المجمَل على حد سواء، وإن كان هذان الفريقان قد يختلفان في تطبيق القاعدة على بعض الجزئيات.
٢ - الحنفية بدءًا من القرن الخامس الذي جعلوا المتشابه مما يستأثر الله بعلمه أو يعلمه الراسخون، وأدرجوه - مع ذلك - في زمرةٍ موطنُها نصوص الأحكام التكليفية، وكان ذلك في حيز الكلام النظري الذي لا يمكن أن يتأثر به الواقع العملي؛ لأن الشريعة ومعرفة طبيعة الحكم الذي يراد للمكلف أن يلتزمه، مما يقتضي المعرفة بما هو في حدود التكليف.
٣ - ابن حزم الذي حصر المبهم من الألفاظ في المجمَل وجعل المتشابه في غير دائرة الشرائع، فلا علاقة له بأي من نصوص الأحكام.
د - لقد ترتب على هذا التطابق بين المجمَل والمتشابه في نظر المتكلمين أن بحثوا في الإجمال هل يمكن أن يبقى مستمرًا، أم لا بد أن يكون قد حصل له البيان؟
ولقد تناول هذه المسألة أولئك العلماء وقرروا - نتيجة الاستقراء وتمشيًا مع طبيعة التكليف وأنه لا يكون بالمحال -: أنه لا يمكن استمرار الإجمال فيما له علاقة بالتكليف.
من هؤلاء العلماء: إمام الحرمين الذي أتى على ذكر المجمَل والمتشابه، وبعد أن بيّن أن المتشابه هو المجمَل: اختار أن كل ما يوجب التكليف العلم به، يستحيل استمرار الإجمال فيه؛ لأن ذلك يجر إلى تكليف
стр. 276
المحال. وما لا يتعلق بأحكام التكليف: لا يبعد استمرار الإجمال فيه، واستئثار الله تعالى بسرٍّ فيه. وقد قرّر ﵀ أنه ليس في العقل ما يحيل ذلك، كما أن السمع لم يرد بما يناقضه (١).
ولقد عرضنا لهذه النقطة عند ذكر المتشابه في اصطلاح متأخري الحنفية، وأوضحنا هناك أن المتشابه - كما يراه أصحاب هذا الاصطلاح - لا يمكن أن يكون موطنه نصوص الأحكام التكليفية، وأن ذكره بين تلك الأقسام استطرادي. والأولى به والأحرى: علم الكلام.
لذا، فإن إمام الحرمين، عرض للقضية من خلال هذا التطابق بين المجمَل والمتشابه، حيث أبان - كما سلف - أن ما له علاقة بالتكليف: لا يمكن استمرار الإجمال فيه، وما لا علاقة له به: فلا مانع من استئثار الله تعالى بسرَّ فيه: فإن المؤدى واحد؛ وهو أنه لا إجمال بعد الرسالة، ولا تشابه فيما له علاقة بالأحكام من نصوص الكتاب أو السنة.
ما نراه في تقسيم المبهم:
ونحن بعد ذلك كله نميل إلى اصطلاح الحنفية في تقسيم المبهم من الألفاظ متدرجًا في مراتب الإبهام؛ من خفاء عارض يزول بأدنى تأمُّل وهي حال الخفي، إلى خفاءٍ ذاتي يمكن أن يزول بالقرائن والاجتهاد، وهي حال المشكل، إلى خفاء ذاتي لا يمكن أن يزول إلا ببيان من صاحبه، وهي حال المجمَل … أما المتشابه: فلنا فيه كلام - كما سبق - وهكذا نميل إلى هذا الاصطلاح، مع الاحتفاظ برأينا في المتشابه وذكره على أعلى صعيد من هذه الأقسام، حامدين للمتكلمين صنيعهم في إبعاد ما لا يمكن بيانه وإدراكُه: عن مواطن الأحكام.
وعلى هذا: فما الذي يمنع من بقاء الخفي والمشكل والمجمَل، والإفادة مما كان عليه الأمر قبل القرن الخامس فيما رأينا عند أبي الحسن الكرخي وأبي بكر الجصاص؟ ما أحسبنا نعدو على الحقيقة، أو نسيء إلى مناهج الاستنباط، إذا سمّينا ذلك المجمّل بالمتشابه على المعنى اللغوي حيث يكون
стр. 277
موطنه نصوص الأحكام. ويبقى ذاك المتشابه في دائرة العقيدة وأصول الدين. وهكذا يكون لدينا خفي، ومشكل، ومجمل يمكن أن نصطلح على تسميته أيضًا بالمتشابه، - كما عليه الأكثرون من المتكلمين - مفيدين من المعنى اللغوي، ومما كان عليه فريق من أعلام الحنفية؛ كالكرخي والجصاص.
وإنا إذ نميل إلى تقسيم الحنفية - كما هو في تدرجه مع مراتب الخفاء باستثناء ذاك المتشابه - فإنما كان ذلك؛ لأنا نرى فيه عونًا على ضبط المبهم من الألفاظ، الأمر الذي يساعد على قدر أكبر من الفهم، والدقة في استنباط الحكم من النص بعد الاستعانة على تفسيره بما يمكن أن يفسره ويزيل غموضه وإبهامه، حسب المرتبة التي هو فيها من الإبهام.
وأغلب الظن أن التقسيم عند الحنفية كان ثمرة معاناة الطرائق الاستنباط، ومحاولة ربط الفروع بالأصول. فإذا نحن أمام طريقة تأخذ بنا بسهولة ويسر، إلى حيث نعلم مواطن الإبهام ودرجة ذلك الإبهام، ونعلم أي طريق نسلك لتفسير النص وإزالة الغموض، بغية الوصول إلى المعنى المراد، ومعرفة الحكم الذي ينطوي عليه ذلك النص من كتاب الله أو سنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
* * *
من ثمرات الاختلاف في المجمل
لقد كان من ثمرات اختلاف وجهات النظر بشأن المجمَل: أن وقع الاختلاف في عدد من نصوص الأحكام؛ هل هي داخلة في حدود الإجمال أو لا؟ وقع ذلك بين الحنفية وغيرهم، كما وقع بين المتكلمين بعضهم مع بعض على اختلاف المذاهب، بل وقع في بعضها بين أرباب المذهب الواحد. ونماذج ذلك موفورة في كتب الأصول، كما أن كتب الفروع عمومًا لا يعني أصحابها أنفسهم - في الغالب - من الإلماح إلى مثل هذا الخلاف، كما يرى مثلًا في "الهداية" وشروحها حين يعرض لحكم مسح الرأس، وما
стр. 278
هو مقدار ذلك المسح (١). وسنكتفي هنا بذكر القليل عنوانًا لما وراءه من الكثير:
١ - فمما جرى الاختلاف في إجماله: الألفاظ التي علّق التحليل والتحريم فيها بأعيان؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] من آية المحرمات في سورة النساء. وقوله جلّ وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
أ - فذهب الجمهور إلى أن هذه الألفاظ ليست من المجمَل، ووصف الشيرازي هذا القول بأنه الأصح، وممن قال بذلك: الزيدية (٢) والإباضية (٣). ونسبة الإمامية إلى الإمام جعفر الصادق ﵁ (٤).
ب - وقال الكرخي والبصري وغيرهما: إنها مجملة.
وكانت حجة الجمهور: أن التحليل والتحريم في مثل هذا، إذا أطلق عُقل منه التصرفات المقصودة لغة في عرف الاستعمال، فالذي يسبق إلى الفهم من قول القائل: هذا طعام حرام، هو تحريم أكله، ومن قول القائل: هذه المرأة حرام، هو تحريم وطئها. وتبادر الفهم عند الإطلاق: دليل الحقيقة.
وعلى هذا يكون المراد من التحريم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ تحريمَ الوطء؛ لأن ذلك هو المطلوب الذي يعقل من تلك الأعيان، كما يكون المراد منه في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ تحريمَ الأكل، وما عقل المراد من لفظه لا يكون مجملًا. وإلى جانب ذلك استدل صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية باستدلال الصحابة والتابعين بها على التحريم، ولو كانت مجملة لم يُستدل بها على شيء.
واحتجّ القائلون بالإجمال: بأن العين لا توصف بالتحليل ولا بالتحريم، وإنما الذي يوصف بذلك: أفعالنا المتعلقة بتلك العين أو الأعيان. فالذي
стр. 279
يحرم: هو فعل من تلك الأفعال المتعلقة بالأعيان المذكورة، والفعل غير مذكور، وليس بعض الأفعال أوْلى من البعض الآخر، فافتقر إلى بيان ما يحرم منها وما لا يحرم؛ فكان الإجمال لعدم اتضاح المعنى المراد، لعدم إمكان إجراء اللفظ على ظاهره.
وهذا الكلام - فيما نرى - مدفوع بما احتج به الجمهور؛ فمن المسلّم به أن التحريم لا يضاف إلى الأعيان، وقول هؤلاء: ليس إضمار بعض الأحكام أوْلى من بعض، لا يرد؛ لأن عرف الاستعمال عيَّن المراد كما يعيّنه الوضع. فهذا الاستعمال حقيقة عرفية في اقتضاء إضافة التحريم إلى الفعل المطلوب من العين. وهو فيما نحن بصدده: تحريم الاستمتاع بالنسبة للأمهات. وتحريم الأكل بالنسبة للميتة. وهكذا فلا إجمال؛ لأن البعض متضح متعين بالعرف المذكور (١).
٢ - ومما جرى الاختلاف في إجماله أيضًا قوله ﵊ فيما رواه ابن عباس: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٢) وغير ذلك مما ينفي صفة، والمراد لازمٌ من لوازم هذا النفي.
أ - وقد ذهب الجمهور إلى أنه غير مجمَل.
стр. 280
ب - وذهب إلى الإجمال بعض الأصوليين كأبي الحسين أبي عبد الله البصري.
احتجّ الجمهور بالعرف الذي يحسب حسابه في مدلولات الخطاب؛ فإن العرف في مثل هذا التعبير قبل ورود الشرع: يعني رفع المؤاخذة ونفي العقوبة، فيكون المقصود الحكمَ الذي علم بعرف الاستعمال قبل الشرع، وهو رفع الإثم، وبذلك يكون اللفظ متضح المعنى، فلا إجمال (١).
وقد يرد على ذلك: أنه لو كان عرف الاستعمال، كما ذكر النافون للإجمال، لارتفع الضمان في الحديث، لكون الضمان من جملة المؤاخذات والعقوبات.
وقد أجاب الآمدي عن ذلك بجوابين:
الأول: - أنا لا نسلّم أن الضمان - من حيث هو ضمانٌ - عقوبةٌ، ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون وليسا أهلًا للعقوبة، وكذلك يجب على المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره، مع أن الأكل واجب عليه حفظًا لنفسه، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف الكفار فأصاب مسلمًا، مع أنه مأمور بالرمي وهو مثاب عليه.
الثاني: وإن سلّمنا أنه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على نفي كل عقاب، وذلك أسهل من القول بالإجمال (٢).
واحتجّ القائلون بالإجمال: بأن ظاهر اللفظ يقتضي - بوضعه لغة - وضعَ الخطأ والنسيان في نفسه، وذلك موجود، فيجب أن يكون المراد معنًى غيرَ
стр. 281
مذكور؛ فافتقر إلى البيان، فكان مجملًا. ونقل ابن قدامة عن أبي الخطاب من الحنابلة أنه لو أراد نفي الإثم: لم يكن لهذه الأمة فيه مزية (١).
وأنت ترى أن ما قاله هؤلاء المثبتون للإجمال، لا يقوى على رفع ما قاله الجمهور الذين يرهنوا على اتضاح الدلالة من طريق عرف الاستعمال، إذا اتضحت الدلالة، فلا مجال للقول بالإجمال.
وهكذا رأينا اختلافًا في الحكم على النصوص بالإجمال أو عدمه، نتيجة لاختلاف الأنظار إلى المجمَل، وما يمكن أن يلحقه من بيان.
* * *
стр. 282
الفصل الثالث التّأويل
المبحث الأول تطور معنى التأويل ومجاله
تمهيد:
يرى المتتبع لمصادر الفقه في الشريعة الإسلامية - أصولًا وفروعًا - الأثر الكبير الذي تركه التأويل في تفسير النصوص واستنباط الأحكام، ثم في اختلاف المجتهدين في مسالك هذا الاستنباط، وما بني عليه من رد الفروع إلى الأصول.
ولقد رأينا أن بعض الألفاظ الواضحة في دلالتها على معانيها، لم يسلم من إمكان التأويل؛ فالظاهر والنص عند الحنفية، والظاهر عند المتكلمين، والنص - على تعريف بعضهم -: كلها واضحة في الدلالة على المعنى المراد، ولكن وضوحها واقع ضمن حدود الاحتمال. لذلك كان لا بد من العناية بإفراد التأويل في مبحث خاص، يوضح حدوده في اللغة وفي عرف السلف، وفي اصطلاح علماء الأصول، ويبين أثره في تفسير النصوص عند استنباط الأحكام.
* * *
стр. 283
المطلب الأول التأويل في اللغة، وفي عرف السلف ومن بعدهم
أولًا - التأويل في اللغة:
التأويل في اللغة هو: من آل الشيءُ يؤول إلى كذا، أي رجع إليه. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى (١): (التأويل: التفسير، والمرجع والمصير) (٢).
وهذا ما قرّره أبو جعفر الطبري حيث قال: (وأما معنى "التأويل" في كلام العرب: فإنه التفسير والمرجع والمصير ..
وأصله من (آل الشيء إلى كذا: إذا صار إليه: يؤول أوْلًا ومآلًا، وأوَّلته أنا: صيّرته إليه).
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] أي جزاء، وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه. وقد أنشد بعض الرواة قول الأعشى:
على أنها كانت تأوَّلُ حُبَّها … تأوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا (٣)
وفي "الصاحبي" لابن فارس (٤): التأويل آخر الأمر، وعاقبته، يقال:
стр. 284
إلى أي شيء مآل هذا الأمر: أي مصيره وعقباه. وكذا قالوا في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] أي لا يعلم الآجال والمُدَدَ إلا اللهُ، لأن القوم قالوا في مدة هذه الملة ما قالوه؛ فأُعلموا أن مآل الأمر لا يعلمه إلا الله جلّ ثناؤه، واشتقاق الكلمة من المآل: وهو العاقبة والمصير (١) ومنه يقال: تأوَّل فلان الآية الفلانية: أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها (٢).
ثانيًا - التأويل عند السلف:
ويبدو أن التأويل بالمعنى الذي كشفنا عنه في اللغة، كان هو سبيلَ السلف في تحديد معناه، وما يراد به عند أخذ الأحكام من النصوص؛ فالقرآن نزل بلسان عربي، وهم يفهمونه على أساليب العربية ومدلولات ألفاظها في الخطاب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣): كان لفظ التأويل في عرف السلف، يراد به ما أراده الله تعالى بلفظ التأويل في مثل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] وقوله: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
стр. 285
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ١٠٠، ٦، ٤٥، ٣٧] (١).
ولقد يؤيد ذلك ما روي عن عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك"، يتأول القرآن" (٢) تعني أنه يفعل ذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].
ومثل ذلك ما حدّث به الزهري ﵀ قال: "قلت لعروة: ما بال عائشة ﵂ تتم في السفر - يعني الصلاة - قال: تأولت كما تأول عثمان، أراد بتأويل عثمان ما روي عنه أنه أتمّ بمكة في الحج، وذلك أنه نوى الإقامة بها" (٣).
حتى من الناحية العملية، كانوا يرون تأويل الكلام حالة كونه أمرًا ونهيًا، هو فعلُ المأمور به نفسه، وتركُ المنهي عنه قال سفيان بن عيينة: (السنّة تأويل الأمر والنهي) (٤) فكأنه يرى أن التأويل في الأمر والنهي هو بامتثال ما يؤول إليه الطلب فيهما، وهو أن يفعل المؤمن ما أُمِرَ به، وينتهيَ عما نُهِيَ عنه.
ثالثًا - التأويل عند العلماء الأولين:
ويبدو أن العلماء الأولين: لم يختلفوا في فهمهم للتأويل عن نهج السلف قبلهم، ولنأخذ مثالًا لذلك، صنيع الإمامين: محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن جرير الطبري، في بعض ما خلفاء لنا من آثار.
فالشافعي - أخذًا من معنى الإرجاع والتصيير - سمّى حمل اللفظ على معنًى من المعاني التي يحتملها: تأويلًا. فالتأويل في هذه الحالة: إرجاع