مذكور؛ فافتقر إلى البيان، فكان مجملًا. ونقل ابن قدامة عن أبي الخطاب من الحنابلة أنه لو أراد نفي الإثم: لم يكن لهذه الأمة فيه مزية (١).
وأنت ترى أن ما قاله هؤلاء المثبتون للإجمال، لا يقوى على رفع ما قاله الجمهور الذين يرهنوا على اتضاح الدلالة من طريق عرف الاستعمال، إذا اتضحت الدلالة، فلا مجال للقول بالإجمال.
وهكذا رأينا اختلافًا في الحكم على النصوص بالإجمال أو عدمه، نتيجة لاختلاف الأنظار إلى المجمَل، وما يمكن أن يلحقه من بيان.
* * *
стр. 282
الفصل الثالث التّأويل
المبحث الأول تطور معنى التأويل ومجاله
تمهيد:
يرى المتتبع لمصادر الفقه في الشريعة الإسلامية - أصولًا وفروعًا - الأثر الكبير الذي تركه التأويل في تفسير النصوص واستنباط الأحكام، ثم في اختلاف المجتهدين في مسالك هذا الاستنباط، وما بني عليه من رد الفروع إلى الأصول.
ولقد رأينا أن بعض الألفاظ الواضحة في دلالتها على معانيها، لم يسلم من إمكان التأويل؛ فالظاهر والنص عند الحنفية، والظاهر عند المتكلمين، والنص - على تعريف بعضهم -: كلها واضحة في الدلالة على المعنى المراد، ولكن وضوحها واقع ضمن حدود الاحتمال. لذلك كان لا بد من العناية بإفراد التأويل في مبحث خاص، يوضح حدوده في اللغة وفي عرف السلف، وفي اصطلاح علماء الأصول، ويبين أثره في تفسير النصوص عند استنباط الأحكام.
* * *
стр. 283
المطلب الأول التأويل في اللغة، وفي عرف السلف ومن بعدهم
أولًا - التأويل في اللغة:
التأويل في اللغة هو: من آل الشيءُ يؤول إلى كذا، أي رجع إليه. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى (١): (التأويل: التفسير، والمرجع والمصير) (٢).
وهذا ما قرّره أبو جعفر الطبري حيث قال: (وأما معنى "التأويل" في كلام العرب: فإنه التفسير والمرجع والمصير ..
وأصله من (آل الشيء إلى كذا: إذا صار إليه: يؤول أوْلًا ومآلًا، وأوَّلته أنا: صيّرته إليه).
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] أي جزاء، وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه. وقد أنشد بعض الرواة قول الأعشى:
على أنها كانت تأوَّلُ حُبَّها … تأوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا (٣)
وفي "الصاحبي" لابن فارس (٤): التأويل آخر الأمر، وعاقبته، يقال:
стр. 284
إلى أي شيء مآل هذا الأمر: أي مصيره وعقباه. وكذا قالوا في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] أي لا يعلم الآجال والمُدَدَ إلا اللهُ، لأن القوم قالوا في مدة هذه الملة ما قالوه؛ فأُعلموا أن مآل الأمر لا يعلمه إلا الله جلّ ثناؤه، واشتقاق الكلمة من المآل: وهو العاقبة والمصير (١) ومنه يقال: تأوَّل فلان الآية الفلانية: أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها (٢).
ثانيًا - التأويل عند السلف:
ويبدو أن التأويل بالمعنى الذي كشفنا عنه في اللغة، كان هو سبيلَ السلف في تحديد معناه، وما يراد به عند أخذ الأحكام من النصوص؛ فالقرآن نزل بلسان عربي، وهم يفهمونه على أساليب العربية ومدلولات ألفاظها في الخطاب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣): كان لفظ التأويل في عرف السلف، يراد به ما أراده الله تعالى بلفظ التأويل في مثل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] وقوله: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
стр. 285
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ١٠٠، ٦، ٤٥، ٣٧] (١).
ولقد يؤيد ذلك ما روي عن عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك"، يتأول القرآن" (٢) تعني أنه يفعل ذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].
ومثل ذلك ما حدّث به الزهري ﵀ قال: "قلت لعروة: ما بال عائشة ﵂ تتم في السفر - يعني الصلاة - قال: تأولت كما تأول عثمان، أراد بتأويل عثمان ما روي عنه أنه أتمّ بمكة في الحج، وذلك أنه نوى الإقامة بها" (٣).
حتى من الناحية العملية، كانوا يرون تأويل الكلام حالة كونه أمرًا ونهيًا، هو فعلُ المأمور به نفسه، وتركُ المنهي عنه قال سفيان بن عيينة: (السنّة تأويل الأمر والنهي) (٤) فكأنه يرى أن التأويل في الأمر والنهي هو بامتثال ما يؤول إليه الطلب فيهما، وهو أن يفعل المؤمن ما أُمِرَ به، وينتهيَ عما نُهِيَ عنه.
ثالثًا - التأويل عند العلماء الأولين:
ويبدو أن العلماء الأولين: لم يختلفوا في فهمهم للتأويل عن نهج السلف قبلهم، ولنأخذ مثالًا لذلك، صنيع الإمامين: محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن جرير الطبري، في بعض ما خلفاء لنا من آثار.
فالشافعي - أخذًا من معنى الإرجاع والتصيير - سمّى حمل اللفظ على معنًى من المعاني التي يحتملها: تأويلًا. فالتأويل في هذه الحالة: إرجاع
стр. 286
اللفظ وتصييره إلى واحد من هذه المعاني المحتملة، ولا يكون ذلك إلا بدليل.
والاحتمال في نظر الشافعي، واقع حين لا يكون النص على الحكم من آية أو حديث واضحًا بيِّنًا في دلالته على المعنى المراد (١).
وفي "الرسالة" كثير من النماذج التي تدل على استعمال الشافعي التأويلَ بالمعنى الذي أردناه.
١ - من ذلك ما جاء في معرض الدفاع عن التغليس بالفجر، في مقابل القول بالإسفار فيه: فقد روى بسنده عن رافع بن خَدِيْجٍ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "أسفِروا بالفجرِ، فإن ذلك أعظمُ للأجرِ - أو - أعظمُ لأجورِكم" (٣).
كما روى بالسند أيضًا عن عروة عن عائشة قالت: "كنَّ - النساءَ من المؤمنات - يصلين مع النبي الصبح، ثم ينصرفن، وهن متلفعاتٌ بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس".
ولقد كان من دفاع الإمام الشافعي عن مذهبه في التغليس، تأويلٌ للتغليس في حديث عائشة، وتأويلٌ للإسفار في حديث رافع.
أ - فحديث عائشة - كما يقول - أشبه بكتاب الله؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
ومَن قدّم الصلاة في أول وقتها: كان أوْلى بالمحافظة عليها ممّن أخرها
стр. 287
عن أول الوقت، وقد علّل ذلك بقوله ﵀: (وقد رأينا الناس فيما وجب عليهم وفيما تطوَّعوا به يؤمرون بتعجيله إذا أمكن، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعِلل، الذي لا تجهله العقول) (١).
ب - كذلك قرّر الشافعي أن خبر رافع بن خديج في الإسفار يوافق خبر عائشة من بعض الوجوه؛ وذلك أن رسول الله - لما حضّ الناس على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيها -: احتمل أن يكون من الراغبين مَن يقدّمها قبل الفجر الآخر فقال: "أسفِروا بالفجر" يعني حتى يتبين الفجر الآخر معترضًا.
ج - وحين سأله مَن يتحدث إليه ويخالفه في مذهبه: أفيحتمل معنًى غير ذلك؟ قال الشافعي: (نعم يحتمل ما قلتَ، وما بين ما قلنا وقلتَ، وكلّ معنًى يقع عليه اسم الإسفار).
د - وإذ قال السائل: فما جعل معناكم أوْلى من معناها؟ قال الشافعي: (بما وصفت من التأويل، وبأن النبي ﷺ قال: "هما فجران: فأما الذي كأنه ذنب السّرحان (٢) فلا يُحِلُّ شيئًا، ولا يحرِّمه، وأما الفجر المعترض: فيُحِلُّ الصلاة ويحرّم الطعام" يعني: على مَن أراد الصلاة) (٣).
وهكذا كان من استدلال الشافعي على تقديم حديث عائشة في التغليس، تأويل حديث رافع: وذلك بالحمل على معنًى من المعاني المحتملة في مراد النبي ﷺ بالإسفار، بعد أن أوّل حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله.
٢ - وفي "الرسالة" أيضًا سمّى الشافعي الذهاب إلى أحد المعنيين في اللفظ المحتمل تأولًا؛ ففي دفاعه عن حجية خبر الواحد والعمل به: أبان أنه يجوز ترك الخبر، إذا كان الحديث مُحْتمِلًا معنيين، فيتأوّل العالم، فيذهب إلى أحدهما دون الآخر (٤).
٣ - وفي باب الاختلاف، وبيان المحرّم منه: لم يعتبر الشافعي التأول عند
стр. 288
الاحتمال: من الاختلاف المحرّم؛ فقد ذكر أن كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصًا بيِّنًا: لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه.
وما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويدرك قياسًا، فذهب المتأول أو القايس إلى معنًى يحتمله الخبر أو القياس - وإن خالفه فيه غيره - لم أقل: إنه يضيّق عليه ضيقَ الخلاف في المنصوص (١).
والطبري - وهو إمام المفسرين - يسمي تفسيره "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" وفي مقدمة التفسير، وفي ثنايا متن الكتاب: ما يؤيد ذلك ويؤكده.
فقد جاء في المقدمة: أن تأويل جميع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه.
الثاني: ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه ﷺ ؛ وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره - واجبِه وندبه وإرشاده -، وصنوفِ نهيه، ووظائفِ حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقاديرِ اللازم بعضَ خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيهِ التي لم يُدْرَك علمُها إلا بيان رسول الله ﷺ لأمته.
وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ تأويلَه: بنصِّ منه عليه، أو بدلالة - قد نَصَبَها - دالةٍ أمتَهُ على تأويله.
الثالث منها: ما يعلم تأويله كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن. وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون سواها؛ فإن ذلك لا يجهله أحد من أهل اللسان، دون الواجب من أحكامها التي خصّ الله بعلمها نبيَّه ﷺ ، فلا يدرك علمه إلا ببيانه، دون ما استأثر الله يعلمه دون خلقه (٢).
стр. 289
أما في ثنايا الكتاب: فهو يسير وفق العنوان الذي وضعه لمؤلَّفه حيث عنى بالتأويل التفسير؛ فتراه يقول عند تفسير الآية: القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه … كذا … وهكذا.
وعلى سبيل المثال جاء في تفسيره لسورة البقرة: القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦].
قال الطبري: (تأويل ذلك … ) ثم روى بالسند عن ابن عباس، ومرةً عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ هم المنافقون. ثم جاء بروايات أخرى، واختار ما أراده منها في معنى الآية بالحجة والدليل (١).
وفي آية المحرمات من سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] بيّنَ أبو جعفر اختلافَ أهل التأويل في معنى الآية، حيث قال بعضهم: معنى (الدخول) في هذا الموضع: الجماع، وروى ذلك عن ابن عباس بالسند. ثم روى عن عطاء أن (الدخول) في هذا الموضع: هو التجريد.
وأنت ترى أن كلا المعنيين محتمل للفظ (الدخول) في هذا الموضع. وكان أولى القولين عند الطبري بالصواب في تأويل ذلك: قول ابن عباس من أن معنى (الدخول) الجماع والنكاح. واستدل على حمل اللفظ على هذا المعنى دون غيره: بأن هذا اللفظ لا يخلو معناه من أحد أمرين: إمّا أن يكون على الظاهر المتعارف من معاني الدخول في الناس - وهو الوصول إليها بالخلوة بها - أو يكون بمعنى الجماع. وفي إجماع الجميع: على أن خلوة الرجل بامرأته، لا تحرم عليه ابنتها إذا طلّقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بالشهوة: ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع (٢).
وهكذا يتضح من الأمثلة التي سقناها من آثار السلف والعلماء الأولين
стр. 290
أنهم - كما أسلفنا - كانوا يستعملون التأويل في ضوء معناه اللغوي؛ فإما تفسير وكشف لمعنى اللفظ، أو حمله على معنًى من معاني يحتملها، مصحوبًا ذلك بالمحترزات التي أشير إليها في كلام الشافعيّ وابن جرير الطبري. وكلا الطريقين: ذو نسب إلى المعنى الأول الذي هو الكشف والتفسير، والرجوع والمصير، على ما ذكره الأولون في إيضاح معنى التأويل واشتقاقه في اللغة، ومن أين كان نسب الاشتقاق.
* * *
المطلب الثاني التأويل في الاصطلاح
وبعد الذي عرضنا من مفهوم التأويل في اللغة، واستعمالِ السلف والعلماء الأولين من بعدهم، يحسن أن نقرر أنه: في أعقاب دخول أصول الفقه في طور القواعد المحدَّدة بعد رسالة الإمام الشافعي التي رسمت معالم الأصول، أصبح للتأويل عند الأصوليين معنًى هو أكثر تحديدًا من ذي قبل، وإن كان بينه وبين المعنى الأول صلة قربى. فلقد أخذ التأويل في الاصطلاح عند الأصوليين معنًى يتسق مع وجهتهم في استنباط الأحكام والانصراف عن معنًى إلى معنًى آخر عندما يتوافر الدليل على ذلك؛ فكان عمدة ما قالوه في هذا: أن التأويل: (صرفُ اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنًى مرجوح يحتمله، لدليل دلّ على ذلك) وهذا الصرف لا يقوم على القطع، بل يسير في ساحة الظن؛ ولذلك فرّقوا بينه وبين التفسير في الاصطلاح: بأن التفسير تبيين المراد من الكلام على سبيل القطع. أما التأويل: فإنه تبيين المراد من الكلام على سبيل الظن، ولهذا يحرم التفسير بالرأي: دون التأويل (١).
стр. 291
ماهية التأويل عند إمام الحرمين:
وقد عرّف إمام الحرمين التأويل بأنه: (ردُّ الظاهر إلى ما إليه مآلُه في دعوى المؤوَّل، وإنما يستعمل إذا عُلِّقَ بما يتلقى من الألفاظ منطوقًا أو مفهومًا) (١).
ماهية التأويل عند الغزالي:
وعرّفه الغزالي في "المستصفى" بقوله: (التأويل عبارة عن احتمال بعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر) (٢).
بين الغزالي والآمدي:
واعتبر الآمدي - ومن بعده ابن الحاجب - تعريف الغزالي غير صحيح، لأمور ثلاثة:
أما أولًا: فلأن التأويل: ليس هو الاحتمالَ نفسه الذي حُمِلَ عليه اللفظ، بل هو حملُ اللفظ عليه نفسه، وفرقٌ بين الأمرين.
وأما ثانيًا: فلان التعريف غير جامع؛ فإنه يخرج منه التأويل الذي يكون بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع، غير ظني، حيث قال الغزالي: (يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر).
وأما ثالثًا: فلان في التعريف أخذًا في حد التأويل من حيث هو تأويل، وهو أعم من التأويل بدليل، ولهذا يقال: تأويل من غير دليل، فتعريف التأويل على وجه يتوافر معه الاعتضاد بالدليل، لا يكون تعريفًا للتأويل المطلق، اللهم إلا أن يقال: إنما أراد الغزالي تعريف التأويل الصحيح دون غيره.
стр. 292
قال الآمدي: (والحق في ذلك أن يقال: أما التأويل من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة والبطلان: فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر، مع احتماله له.
وأما التأويل المقبول الصحيح فهو: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله، بدليل يعضده) (١).
وبمثل ذلك عرَّفه ابن الحاجب فقال: (هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيِّره راجحًا) (٢).
موقفنا من نقد الآمدي:
ولقد يكون في كلام الآمدي ﵀ ما يدعو إلى الأخذ والرد.
أما في الأمر الأول: فنحن توافقه على ما ذهب إليه؛ إذ جعلُ الغزالي التأويلَ هو الاحتمالَ الذي حُمل عليه اللفظ: غيرُ مستقيم؛ لأن التأويل حُمِلَ اللفظ عليه نفسه، والاحتمال شرط له، إذ لا يصح حمل اللفظ على ما لا يحتمله. والفرق واضح بينهما.
ولكنه يُخالَف في الأمر الثاني؛ إذ إن الدليل الذي يصير إليه المعنى المرجوح: أغلبَ على الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر، لا ينافي أن يكون التأويل سليمًا، فيما إذا كان الدليل قاطعًا، بل هو داخل في التعريف من طريق الأولى، ولكنها ملاحقة الآمدي للغزالي في كل تعريف وفي كل كلمة .. رحمهما الله.
أما عن الأمر الثالث: فأعتقد أن من الطبيعي أن يكون الغزالي قد قصد تعريف التأويل الصحيح، وسياق كلامه يدل على ذلك.
ولقد كان من الممكن للآمدي أن يعتبر كلام الغزالي مرادًا به التأويل
стр. 293
الصحيح، ثم ينقدَ التعريف على هذا الأساس، ولا يعدّ هذه النقطة إحدى نقاط ثلاث بنى عليها الحكم بعدم صحة التعريف.
وفي اعتقادنا أن منهج بحث التأويل؛ في تعريفه لغةً، واصطلاحًا، ثم التعرض - بعد ذلك - إلى وضع الموازين للحكم عليه صحة أو فسادًا، قُربًا أو بُعدًا: كافٍ لاعتبار أن التأويل المقصود في الاصطلاح: إنما هو التأويل الصحيح. وإذا كان صنيع البعض أنهم يجنحون - كما فعل الآمدي - إلى تعريفه من وجه الاصطلاح، دون نظر إلى صحة أو فساد، ويضيفون عنصر الدليل، إذا أرادوا تعريف التأويل المقبول؛ فذلك في نظرنا هو الطريق الأسلم.
ابن قدامة وتعريف الغزالي:
هذا: وقد تفادى ابن قدامة المقدسي بعض ما أُخِذ على الغزالي في تعريفه للتأويل فقال: (التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمالٍ مرجوحٍ به لاعتضاده بدليل، يصير به أغلبَ على الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر).
فقد خالف الغزالي - مع اتباعٍ له في كثير من الأحيان - في جعل التأويل هو الاحتمالَ نفسَه، ولكنه وافقه في غلبة الظن، وكونهِ عَرَّفَ التأويل الصحيح، والآمدي وابن الحاجب أرادا من الغزالي أن يعرِّف التأويلَ من حيث هو تأويل، وإذا أراد الصحيح، كان عليه التقييدُ باعتضاد الاحتمال بالدليل.
وإذا كنا قد اختلفنا مع الآمدي وابن الحاجب في بعض نقدهم لتعريف الغزالي، فإنا نرى أن ما جنح إليه ابن قدامة هو الأقرب إلى الذي نريد.
الزيدية والتأويل:
عرّف أحمد المرتضى صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية التأويل في
стр. 294
الاصطلاح بأنه: (صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، لقرينة اقتضت ذلك الصرف) أو (قصر اللفظ على بعض مدلوله لقرينة اقتضته).
وأوضح ذلك بأن قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (١) قرينة اقتضت قصر العموم في قوله ﵊: "فيما سقت السماء العشر" (٢) على بعض مدلوله (٣).
ويلاحظ أن هذا التعريف، لا يخرج في جملته عن تعريف الآمدي وابن الحاجب مع شيء من التفصيل. كما أن صاحب "منهاج الوصول" قد تابع الآمدي وابن الحاجب في نقدهما تعريف الغزالي.
ولقد أتى صاحب "منهاج الوصول" على ذكر تعريف ابن الحاجب للتأويل في الاصطلاح، وهو: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل بصيِّره راجحًا، وقال: (وهو في معنى ما ذكرناه، خلا أن حدَّنا أرجحُ لكشفه عن الماهية) (٤) ..
والذي نراه أن الأمر في التعريفين لا يحتمل هذه الأرجحية لتعريف الزيدية. فالخطب سهل، وتعريف ابن الحاجب صورة لأثر الضوابط المنطقية التي فرضت نفسها على علم أصول الفقه في تلك الأيام. ومحاولة المرتضى تفضيل تعريف الزيدية بأنه كشف عن الماهية، في حين أن تعريف ابن الحاجب لم يكشف عن ذلك: ظلٍّ لذلك الأثر المنطقي الجدلي.
* * *
стр. 295
المطلب الثالث مجال التأويل
لعل من المفيد - ونحن في معرض التعرُّف على مجال التأويل - أن نعرض للنقطتين الأساسيتين في هذا المضمار وهما: أن العمل بالظاهر هو الأصل، ثم الكشف عن الذي يدخله التأويل.
أولًا - العمل بالظاهر هو الأصل:
من المتفق عليه عند جمهور الأمة أن الأصل في أخذ الأحكام من النصوص: عدم التأويل، وأن العمل بالمعنى الظاهر من النص: واجب، ولا يسوغ العدول عن الظاهر إلا بدليل يقتضي هذا العدول؛ فالعام على عمومه حتى يرد ما يخصصه، والمطلق على إطلاقه حتى يرد ما يقيده، وكذلك: الأمر على مدلوله في الوجوب حتى يقول الدليل على صرفه عن الوجوب إلى غيره، فالظاهر الذي تعرفه العرب من مخاطباتها، والذي يبدو للباحث لأول وهلة معنًى لألفاظ النص لا يعدل عنه إلى الباطن؛ - وهو الذي يدرَك من طريق البحث والتنقيب - إلا بدليل؛ وذلك ما قرره الأئمة، وأوضحه العلماء الأثبات.
قال الإمام الشافعي في معرض حديثه عن نهي رسول الله ﷺ عن الصلاة في بعض الأوقات (١) واحتمال الكلام أكثر من معنًى: (وهكذا غير هذا من حديث رسول الله ﷺ ، هو على الظاهر من العام، حتى تأتي
стр. 296
الدلالة عنه كما وصفت، أو بإجماع المسلمين: أنه على باطن دون ظاهر (١)، وخاصٍّ دون عام، فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة، ويطيعونه في الأمرين جميعًا) (٢) وأكّد ذلك في موطن آخر فقال: (كل كلام كان عامًا ظاهرًا في سنّة رسول الله، فهو على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنه إنما أُريد في الجملة العامة في الظاهر: بعض الجملة دون بعض، كما وصفت من هذا، وما كان في مثل معناه) (٣) وبالواضح من البيان اتجه الشافعي إلى تقرير هذا الأصل في كتابه "اختلاف الحديث" (٤).
فالقرآن عربي، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها؛ ليس لأحد أن يحيل منها ظاهرًا إلى باطن، ولا عامًا إلى خاص، إلا بدلالة من كتاب الله، فإن لم تكن، فسنّة رسول الله تدل على أنه خاص دون عام، أو باطن دون ظاهر، أو إجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلهم كتابًا ولا سنّة، وهكذا السنّة.
ويرى الشافعي أن الوقوف عند الظاهر، وعدم الجنوح إلى الباطن والتأويل إلا بدليل: فيه العصمة عن الضياع في تعدد المعاني المحتملة، وانعدام الحجة لأحد على أحد.
كما يرى الإمام ابن إدريس، أنه لو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنًى باطن يحتمله، كان أكثر الحديث يحتمل عددًا من
стр. 297
المعاني، ولا يكون لأحد ذهب إلى معنًى منها: حجة على أحد ذهب إلى معنًى غيره، ولكن الحق فيها واحد؛ لأنها على ظاهرها وعمومها؛ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ ، أو قول عامة أهل العلم بأنها على خاص دون عام، وباطن دون ظاهر، إذا كانت - إذا صرفت إليه عن ظاهرها - محتملة للدخول في معناه (١).
أما أبو جعفر الطبري: فتفسيره الجامع يفيض بما يؤكد هذا المعنى، فهو كثيرًا ما يقول: (وغير جائز ترك الظاهر المفهوم إلى باطن لا دلالة على صحته) (٢).
وفي موطن من المواطن عند تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة] يذكر أن الأوْلى بالصواب أن يقال: (هو عام في كل ما قضاء الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم. وغير جائز إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان) (٣).
والخطابي (٤) من رجال المائة الرابعة للهجرة: أوضح هذا الأمر في كتابه "معالم السنن" شرح سنن أبي داود بطريقة الاختيار أكثر من مرة. فعند ذكره لما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
стр. 298
قال أبو سليمان: (في هذا بيان أن كل شيء نهى عنه ﷺ من عقد نكاح، وعقد بيع، وغيرهما من العقود، فإنه منقوض مردود؛ لأن قوله: "فهو رد" يوجب ظاهره إفساده - يعني الأمر المحدَث - وإبطاله، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر، فيترك الكلام عليه لقيام الدليل فيه. والله أعلم) (١).
وعندما روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا هلك المتنطّعون" - ثلاث مرات - قال الشيخ الخطّابي: (المتنطّع: المتعمّق في الشيء، المتكلف للبحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. فيه دليل على أن الحكم بظاهر الكلام، وأنه لا يترك الظاهر إلى غير ما كان له مساغ وأمكن فيه استعماله) (٢).
ثانيًا - ما الذي يدخله التأويل؟
يرى الباحث أن ما يمكن أن يدخله التأويل قسمان:
القسم الأول: أغلب نصوص الأحكام التكليفية؛ لأن عوامل الاحتمال موفورة. ولا ضرر في ذلك ما توافر للفقيه دين يعصمه، واستقامة تُبعده عن الوقوع في مزالق الهوى، وتنأى به عن الانحراف، إلى جانب ما يلزم توافره من المعرفة بالعربية، وطرائق الخطاب في الكلام والسنّة، ومناهج العلماء في ذلك، حين يراد له أن يحمل مسؤولية استنباط الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله - صلوات الله عليه - المبين عن الله ما أراد.
وقد علمنا من قريب، أنه حتى بعض أقسام الواضح عند الحنفية والمتكلمين: تحتمل التأويل …
стр. 299
القسم الثاني: أصول الدين: كالعقائد وصفات الباري ، وفواتح السور .. إلخ، على رأي البعض.
وقد أطال العلماء في ذلك، وكان المجال متسعًا لبيان الآراء والمذاهب عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران].
واصطراعُ المذاهب بالنسبة إلى السلف والخلف: معروف في مظانه من كتب التفسير والحديث وأصول الدين، وليس مما يدخل في موضوعنا: تفصيلها الآن (١) كما أشرنا في مبحث المتشابه (٢).
стр. 300
هذا: ونحب أن نبادر إلى تقرير أن أنواعًا كثيرة من التأويل تجري في ميدان الاستنباط، منها: حمل الحقيقة على المجاز، وحمل المشترك على أحد معنيبه أو معانيه، وحمل المطلق على المقيد (١)، وحمل العام على الخاص، وحمل الأمر على غير الوجوب، والنهي على غير التحريم، إلى غير ذلك مما يأتي في موطنه من البحث.
ومما ذكره صاحب "مفتاح الوصول" (٢) من التأويل: الإضمار. وقد مثّل له باحتجاج القائلين بجواز عبور المسجد للجنب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]. إذ أضمر أصحاب هذا القول محذوفًا مقدرًا وهو (موضع الصلاة) فكان تأويل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ لا تقربوا موضع الصلاة.
والذي ساعدهم على هذا التأويل: أنه لما استثني من النهي عابرو السبيل، دلّ ذلك على أن المراد موضع الصلاة، وهو المسجد، لا الصلاة نفسها، وتقييد جواز العبور بالسفر؛ بأن يراد بعابري السبيل: المسافرون لا دليل عليه، والعبور إنما يكون في المسافات القصيرة.
والقول بجواز العبور في المسجد: ذهب إليه ابن مسعود، وابن عباس، والشافعي وأصحابه ﵏.
وقد وهِم التلمساني، فجعل تطبيق المثال منوطًا بمذهب مالك ﵀،
стр. 301
مع أن مذهب مالك وأصحابه منع دخول المسجد بإطلاق؛ وحجتهم ما رواه أبو داود بالسند عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" ومثله ما رواه ابن ماجه عن أم سلمة أيضًا، وإن كان في الحديث قيل وقال من ناحية السند (١).
* * *
стр. 302
المبحث الثاني شروط التأويل وأنواعه
المطلب الأول شروط التأويل (١)
وهكذا يقرر أئمة الشرع أن الأصل عدم التأويل، وأن التأويل خلاف الأصل، ولا يعدل عن الأصل إلى خلافه إلا بدليل.
وعلى هدي هذا الأصل، وحفاظًا على نصوص الشريعة من نزعات الهوى: وضع الأئمة شروطًا دلّهم عليها الاستقراء، وما تمليه روح الشريعة ومقاصدها، والحفاظ على سلامة الخطاب - كما يدركه أهل اللسان وأئمة الاستنباط -؛ فهذه الشروط لا يعتبر التأويل صحيحًا مقبولًا إلا بتوافرها. فما استوفى شروطه: فهو المقبول، وإلا فهو الفاسد المردود. ومن أهم هذه الشروط ما يأتي:
١ - أن يكون المعنى الذي أُوِّل إليه اللفظ من المعاني التي يحتملها
стр. 303
اللفظ نفسه، ويدل عليها بطريق من طرق الدلالة، بمنطوقه أو مفهومه: على ما سنبيّنه فيما بعد. ويكون في الوقت نفسه موافقًا لوضع اللغة - ولو على سبيل المجاز - أو عرف الاستعمال، أو عادة صاحب الشرع … وذلك بالإضافة إلى كون اللفظ ظاهرًا فيما عُرِفَ عنه، وهذا يشمل - كما قدّمنا - الظاهر والنص عند الحنفية، والظاهر عند غيرهم.
فالعام: إذا صرف عن العموم، وأريد به بعض أفراده بدليل: فهو تأويل صحيح، لأن العام يحتمل الخصوص، وحين يراد به بعض أفراده، فقد أوّل إلى معنًى يحتمله. والمطلق: إذا صُرِف عن الشيوع وحمل على المقيد بدليل فهو تأويل صحيح؛ لأن المطلق يحتمل التقييد، وحين حُمِلَ على المقيد: فقد أُوِّل إلى معنًى يحتمله. كذلك الحقيقة إذا صَرِفتْ إلى المجاز بقرينة مقبولة، فهو تأويل صحيح؛ لأنه صرف اللفظ إلى معنًى يحتمله بدليل.
ومن ذلك في أحكام الفقه: صرفُ الشاة عن ذاتها إلى قيمتها، نظرًا إلى غرض الشارع، أو ما يمكن أن يسمى حكمة التشريع: فهو تأويل صحيح، وإن كان الحكم على قربه أو بعده من المختلف فيه كما سيأتي.
ومثل ذلك: لو صرف البيع عن معناه الحقيقي إلى الهبة، لقيام الدليل على أنه تمليك بالمجان، فهو تأويل صحيح؛ لأنه صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنًى يحتمله.
أما إذا كان المعنى الذي صرف إليه اللفظ: من المعاني التي لا يحتملها اللفظ نفسه، ولا يدل عليها بوجه من وجوه الدلالة، فلا يكون التأويل صحيحًا مقبولًا؛ فلو أريد بالشاة: البقرة أو الجمل، وأريد بالبيع: الوقف، أو أريد بالقرء: غير الحيض أو الظهر، مع أن العربية أطلقته عليهما فقط، اعتبر التأويل غير صحيح، ورُدَّ على صاحبه، لأنه تحميل للفظ ما لا يحتمله، وخروج عن سَنَنِ الشرع في لغته، أو عادته، أو عُرْفِ استعماله.
٢ - أن يقوم على التأويل دليل صحيح، يدل على صرف اللفظ عن
стр. 304
الظاهر إلى غيره (١) وأن يكون هذا الدليل راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله.
وذلك لأن الأصل في عبارات الشارع، ونصوص أحكامه: أنها قوالب لمدلولاتها الظاهرة، والواجب العمل بهذه الظواهر، إلا إذا قام دليل العدول عنها إلى غيرها.
فالمطلق على إطلاقه هو الظاهر، ولا يعدل عن هذا الظاهر الشائع إلى التقييد، إلا بدليل يدل على إرادة هذا القيد، وظاهر الأمر: الوجوب، فيجب العمل بهذا الظاهر، ولا يُحْمَلُ الأمر على الندب أو الإرشاد إلا بدليل. وكذلك النهي: ظاهره التحريم، فلا يتحقق مدلوله إلا بالكف، أما العدول إلى الكراهة مثلًا: فلا يقبل إلا بدليل.
وهكذا دلّت نصوص هذه الشريعة وروحها: أن مما يستقيم مع المنهج العام لاستنباط الأحكام: أن لا يُؤَوَّل الكلام، فيصرف عن معناه الظاهر إلى غيره: إلا بسند لهذا التأويل (٢).
ولقد اعتبر إمام الحرمين أن المراتب في هذا المجال ثلاث:
فإما تأويل مقبول: وذلك حين تقديم الدليل الذي يقوى على صرف الكلام عن الظاهر.
وإما تأويل مردود غير سائغ: وذلك حين لا يقوى الدليل على صرف اللفظ عن ظاهره، إلى معنًى محتمل.
وإما تعارض: وذلك حين يستوي المؤول وما عَضَدَ التأويلَ به.
قال في "البرهان": (يعتبر المؤول بما يعضد التأويلَ به: فإن كان ظهور المؤول زائدًا على ظهور ما عُضِدَ التأويل به: فالتأويل مردود. وإن كان ما
стр. 305
عضد التأويل به أظهر: فالتأويل سائغ معمول به. وإن تساويا وقع ذلك في رتبة التعارض).
وهكذا: ليس المطلوب عند الجويني، الدليل فقط، بل الدليل الذي يصلح سندًا للتأويل، بحيث يقوى على الصرف عن الظاهر إلى غيره.
هذا: وقد يكون الاحتمال بعيدًا جدًّا، فيحتاج إلى دليل في غاية القوة. وقد يكون قريبًا فيكفيه أدنى دليل. وقد يكون متوسطًا فيَحتاج إلى دليل متوسط (١).
وقد اختلفت أنظار العلماء من الحنفية والمتكلمين حول تقديم بعض الأدلة وقوتها على إمكان الصرف عن الظاهر إلى غيره: وذلك كما يرى في تخصيص العام بخبر الواحد والقياس؛ فالحنفية لا يرون ذلك، والشافعية ومَن معهم يذهبون إليه، كما سيأتي:
ومثل ذلك الخلاف في تقييد المطلق في بعض الحالات، وغير ذلك من أمور سنعرض لها في موطنها من البحث.
وعلى كل: فالدليل الذي يُبْنَى عليه التأويل: قد يكون قرينة، أو نصًا شرعيًا، وقد يكون قياسًا أو مبدأً من مبادئ الشريعة، وقد يكون غرض الشارع فيما من أجله كان الحكم.
والقرينة: تارة تكون متصلة بالظاهر المراد تأويله، وتارة تكون منفصلة عنه.
أ - ويمكن التمثيل للقرينة المتصلة - كما في "نزهة الخاطر" - بما حصل بين الإمامين الشافعي وأحمد في شأن الرجوع بالهبة، وحكم العائد بهبته.
فقد روى صالح وحنبل عن الإمام أحمد أنه قال: كلمت الشافعي في أن الواهب ليس له الرجوع فيما وهب لقوله ﵊: "العائد
стр. 306
في هبته كالكلب يعود في قيئه" (١) فقال الشافعي - وهو يرى أن له الرجوع -: ليس بمحرّم على الكلب أن يعود في قيئه.
قال أحمد: فقلت له: فقد قال النبي ﷺ : "ليس لنا مثل السوء" فسكت - يعني الشافعي - فالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لم يحرم عليه الرجوع في قيئه؛ فالظاهر أن الواهب إذا رجع، مثله في عدم التحريم، لأن الظاهر من التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه، احتمالًا قويًا جدًّا.
فضعف حينئذ جانب أحمد في الاستدلال جدًّا؛ لأنه لم يبقَ معه إلا احتمال ضعيف قوّاه بالقرينة المذكورة، وهي قوله ﵊ في صدر الحديث المذكور: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالعائد في قيئه" وهو دليل قوي. وجعل ذلك مقدّمًا على المثل المذكور وهو دليل الاهتمام به.
فأفاد ذلك لغةً وعرفًا، أن الرجوع في الهبة مَثل سوء، وقد نفاه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك عدم جواز الرجوع في الهبة فيجب نفيه.
وهكذا لا يكون جائزًا للواهب الرجوع في هبته، لأن ذلك مثَلُ سوءٍ نفاه الشارع (٢).
стр. 307
ب - ومما ينبني على نص شرعي في التأويل: حكم مشروعية الانتفاع بجلد الميتة (١)؛ فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ظاهر في تحريم جلدها دبغ أو لم يدبغ؛ لأن اللفظ عام يتناول جميع أجزائها، غير أن في الآية احتمال أن يكون الجلد غيرَ مراد بالعموم، من جهة أن إضافة التحريم إلى الميتة، يقتضي عرفًا تحريم الأكل، والجلد غير مأكول، فلا يتناوله عموم التحريم.
وقد قوي هذا الاحتمال بما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أيَّما إهاب دبغ فقد طهر" (٢) والحديث ظاهر عام، يتناول بعمومه إهاب الميتة.
ولكن حديثًا آخر ورد في شاة أُهديت لمولاة ميمونة، فماتت، حيث قال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن عباس: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" فقالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها" (٣).
فهذا النص جعلنا نحكم بسلامة التأويل الذي يقضي بإخراج ما دبغ من جلود الميتة، وحِلِّ الانتفاع به: من عموم التحريم في الآية الكريمة (٤).
ج - ومثل ذلك ما ورد في شأن الدم من الآية نفسها، فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] يشمل بعمومه تحريم الدم المسفوح وغير المسفوح، وقد صرف هذا العام عن عمومه بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ
стр. 308
فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فأفادت الآية الثانية تخصيص الآية الأولى؛ وذلك ببيان أن المراد بالدم المحرّم: هو الدم المسفوح. وهكذا تساعد الآية الثانية التي ذكر فيها الدم المسفوح على تأويل الدم في الآية الأولى - وهو ظاهر عام يشمل المسفوح وغيره - بالدم المسفوح؛ فهو الحرام وما عداه حلال (١).
د - وقد يمثل لتأويل الظاهر بالقياس الراجح بمسألة الإطعام في كفارة القطع؛ فالله تعالى لم يذكر الإطعام في كفارة القتل الخطأ. وتركُ ذلك ظاهر في عدم وجوبه، إذ لو كان واجبًا لذكره كما ذكر التحرير والصيام. وعلى مذهب من يرى القياس في مثل هذا الباب، يمكن إثبات الإطعام في كفارة القتل قياسًا على إثباته في كفارة الظهار والصيام؛ لأن الكفارات حقوق الله تعالى، وحكم الامتثال واحد؛ فثبوت الإطعام في تلك الكفارات: تنبيه على إثباته في كفارة القتل (٢) وسيأتي لذلك نظائر في حينها إن شاء الله.
هـ - ومن تأويل الظاهر بغرض الشارع أو حكمة التشريع: تأويل الحنفية في شأن الزكاة بعضَ الذوات بقيمتها، ففي قوله ﷺ : "في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة" (٣) صرفوا نص الحديث عن ظاهره الدال على أن الذي
стр. 309
يجزئ عن الأربعين شاةً: شاةً بعينها إلى قيمة الشاة المالية، فليس الضروري عندهم عين الشاة، بل يمكن أن تجزئ القيمة، ذلك أن حكمة التشريع نفع الفقير، ونفع الفقير - كما يتحقق بالشاة - يتحقق بقيمتها، بل قد يكون من الأنفع للفقير أن يعطى القيمة.
* * *
المطلب الثاني أنواع التأويل
قدّمنا أن الدليل الذي ينبني عليه التأويل، يجب أن يكون راجحًا على ظهور اللفظ في المعنى الذي يدل عليه، لذا كان طبيعيًا أن يسير مع درجة القرب أو البُعد للاحتمال. ومن هنا كان التأويل على مراتب: فقد يكون قريبًا، وقد يكون بعيدًا، وقد يكون في مرتبة هي أدنى إلى القرب، وفي أخرى أدنى إلى البُعد، وهي مرتبة التوسط. والواجب لكل نوع من هذه الأنواع مرجّحٌ يتناسب معه؛ فالتأويل القريب يكفي فيه أدنى مرجح، وعلى عكسه: البعيد، فيحتاج إلى المرجح القوي لجعله راجحًا على المعنى الظاهر من الكلام.
وعلى كلٍّ: فلذوق الفقيه المتأول الأثر الكبير في اعتبار هذه المراتب، وتقويم حدودها، كما يظهر ذلك من تتبُّع الأمثلة، والنماذج في كتب الأصول والفروع …
وها نحن أولاء نقدّم صورًا لكل من التأويل القريب والتأويل البعيد في نظر الباحثين، تضيء السبيل لما بينهما، مما هو أدنى إلى القرب أو أدنى إلى البُعد، حسب اتجاهات العلماء في الحكم على التأويل، ومرجحات ما يذهب إليه كل فريق.
من التأويل القريب:
أ - فمن التأويل القريب ما روى البيهقي عن الشافعي في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أنه قال: (إلا وجهها
стр. 310
وكفَّيها) (١) فتأوّل الشافعي (ما ظهر منها) بالوجه والكفَّين، إذ هما مظنّة الظهور. ورجح تأويلَه ما روي عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق ﵁ دخلت عليها، وعندها النبي ﷺ ، في ثياب شامية رقاق، فضرب رسول الله ﷺ إلى الأرض ببصره وقال: "ما هذا يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى كفه ووجهه (٢).
ب - ومنه أيضًا: تأويل الصلاة بالعزم عليها في قوله جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة]
فإن القيام إلى الصلاة في هذه الآية مصروف عن معناه الظاهر إلى معنًى قريب محتمل، وهو العزم على أداء الصلاة.
والذي رجع هذا الاحتمال: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلفين بعد الشروع في الصلاة، إذ الوضوء شرط لصحتها، والشرط يوجد قبل المشروط لا بعده. وهو معنًى قريب يتبادر فهمه بمجرد قراءة الآية، أو سماعها (٣).
من التأويل البعيد:
أ - ومن التأويل البعيد: ما جنح إليه القائلون بوجوب مسح الرجلين في الوضوء لا غسلهما (٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
стр. 311
وقد احتجُّوا بقراءة الجر في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وأن ذلك كان عطفًا على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ وقراءة الخفض قراءة صحيحة سبعية؛ فجوّز التأويلَ بالمسح عندهم، هذا الاحتمالُ الذي جاء من هذه القراءة.
ولكن في الآثار واللغة ما يجعل هذا التأويل بعيدًا؛ فقد ثبت في الصحاح مداومته ﷺ على غسل الرجلين. ولم يثبت المسح عنه من وجه صحيح. وأمر بالغسل صراحة، وذلك فيما ورد من حديث جابر ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا" (١).
كما ثبت أن رسول الله ﷺ قال بعد أن توضأ وضوءًا غسل فيه قدميه: "فمَن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (٢) ولا شك أن المسح بالنسبة للغَسل نقص.
وقد قال رسول الله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" ثم ذكر له صفة الوضوء، وفيها غسل الرجلين (٣). وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقِبَه فقال: "ويْلٌ للأعقاب من النار" وقد أجمع الصحابة أيضًا على الغسل (٤).
وإلى جانب هذه الآثار: ثبت عن العرب استعمال المسح بمعنى الغسل، إذ إن المسح في كلامهم يكون غسلًا ويكون مسحًا، ومنه يقال: مسح الله
стр. 312
ما بك، أي: غسلك وطهّرك من الذنوب، ولذا قالوا: إن المراد بقراءة الخفض هو الغسل المراد بقراءة النصب التي لا احتمال فيها.
ثم: إن قراءة النصب في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ صريحة في عطف الأرجل على الأيدي، فتحمل قراءة الخفض على المجاورة (١).
على أن هنالك آثارًا عن الصحابة، تعطي أن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل؛ لبيان الترتيب في المغسول قبل الرجلين، والتقدير: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم).
هذا: وقد ذكر القرطبي في "تفسيره" عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قرأ الحسن والحسين - رحمة الله عليهما - على عليٍّ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ أي بالخفض - فسمع علي ذلك - وكان يقضي بين الناس فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ - يعني بالنصب - هذا من المقدم والمؤخر من الكلام، وروي عنه "اغسلوا الأقدام إلى الكعبين" (٢).
وهكذا يكون تأويل الآية بترك الغسل للرجلين، والاكتفاء بالمسح، تأويلًا بعيدًا، ويكون التأويل القريب المقبول حمل قراءة الخفض على قراءة النصب، لما ثبت من الآثار، ولما يشهد به صحيح اللغة واستعمال مَن بلُغتهم أُنزل الكتاب (٣).
ب - ومن التأويل البعيد أيضًا: ما نسب إلى الشافعية في قول الرسول ﷺ : "مَن ملك ذا رحمٍ محرم فهو حر" (٤) فقد حملوا ذا الرحم
стр. 313
المحرم، على مَن هم عمود النسب فقط، وهم الأصول والفروع، وممن ذكر ذلك عنهم: أحد كبار أئمتهم الجويني وتابعه الآمدي وآخرون.
قال إمام الحرمين في "البرهان": (إن صحّ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن ملك ذا رحم محرم فهو حر" فلا يصح تأويل متّبعي الشافعية إذ يؤولون يحمل اللفظ على الذين هم عمود النسب وهم الأصول والفروع) (١).
هذا ما ذكره إمام الحرمين الجويني.
أما ما يدل عليه الحديث من الحكم، وموقف الشافعي ﵀ ومتبعيه. فالذي ذكره الخطابي في "معالم السنن": أن أكثر أهل العلم على أن مَن ملك ذا رحم محرم عتق عليه. روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة وهو قول الحسن، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والزبير، والحكم، وحماد. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان وأحمد وإسحاق (٢).
وقال الإمام مالك: يعتق عليه الولد، والوالد، والإخوة، ولا يعتق عليه غيرهم (٣).
قال أبو سليمان: (وقال الشافعي: لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته، ولا يعتق عليه أحد من ذوي قرابته ولحمته) (٤).
وتأويل الحديث على شكل يخصص ذوي الرحم المحرم بعمود النسب الذين هم الأصول والفروع فقط: تأويل بعيد ..
فالحديث - كما يبدو - ظاهر الورود في تأسيس قاعدة، وتمهيد أصل في سياق الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم وصلته.
стр. 314
وهو قوي الظهور في قصد التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على الأصول والفروع دون غيرهم (١).
وينسب إلى الشافعي ومَن وافقه على هذا الحكم: الاستدلال بقياس قرابة غير الوالدين والأولاد، على قرابة ابن العم؛ فقرابة ابن العم لا يتعلق بها ردُّ الشهادة، ولا تجب بها النفقة مع اختلاف الدين، كما أنها لا توجب التعصيب، فلتكن قرابة غير الوالدين والأولاد كذلك؛ فلا توجب العشق بالقرابة.
وأمر آخر: هو أن هذا القريب، لو استحق على قريبه العنق عليه بالقرابة، لمُنع من بيعه إذا اشتراه، وهو مكاتَب كالولد والوالد. غير أن هذا القياس لم يكن مرضيًا عند الباحثين، لأنه جاء في مقابل نصوص ناطقة بأن مِلك ذي الرحم المحرم يوجب حريته.
قال الشوكاني: (ولا يخفى أن نصب مثل هذه الأقيسة في مقابلة حديث سمرة وحديث ابن عمر: مما لا يلتفت إليه منصف) (٢).
هذا ومما يزيد في بُعد هذا التأويل: أنه لو كان القصد في الحديث مَن هم عمود النسب دون غيرهم، لما كانت هناك حاجة إلى العدول عن تخصيصهم بالذكر، إلى النطق بصيغة عامة تشملهم، وتشمل غيرهم، والأصل أن الظاهر على ما يدل عليه، ولا دليل يعطي قصر ذي الرحم المحرم الوارد في الحديث على فئة معينة من الأقرباء، إلا ما كان من
стр. 315
القياس الذي لم يعتبر؛ لأنه جاء في مقابل نص سليم، قرر العلماء صلاحيته للاحتجاج، ومفهوم الخطاب فيه عام شامل.
ولعل ذلك كله، هو الذي جعل المحققين من قديم يحكمون ببطلان هذا التأويل. وذلك ما قرره صاحب "البرهان" الذي جاء على ذكر هذا التأويل عند الشافعية ثم قال: (وهو باطل عند ذوي التحقيق) (١).
وهكذا يكون تأويل "ذوي الرحم المحرم" بـ "مَن هم عمود النسب فقط": تأويلًا بعيدًا بشهادة العلماء المحققين؛ ذلك أنه لا يستند إلى دليل يقوى على صرف الظاهر عن مدلوله العام في ذي الرحم المحرم، إلى ذلك المعنى الآخر البعيد. واحتمالٌ بعيدٌ هذا البُعد: لا يكفي في ترجيحه الأدنى من الدليل، بل لا بد له من دليل قوي يتناسب مع بُعد الاحتمال.
* * *
стр. 316
المبحث الثالث من ثمرات الاختلاف في الحكم على التأويل
تمهيد:
لما كان للتأويل أثره الواضح في مسائل الاختلاف الفرعية المستنبطة من النصوص، فقد درج المتكلمون الأصوليون من شافعية وغيرهم، على إيراد مجموعة تأويلات لبعض من نصوص الأحكام يرونها من تأويلات غيرهم البعيدة؛ ودلّ ذلك في نظرهم على بطلان أو ضعف مأخذ بعض الأحكام الفقهية التي دار حول مسائلها الاختلاف، والتي استنبطها العلماء من هذه النصوص عن طريق التأويل الذي اعتبروه تأويلًا بعيدًا، لا غناء في الدليل الذي قام عليه، وكان هو منزع صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى ذلك المعنى المرجوح المحتمل.
وسنذكر عددًا من هذه الأحكام، غير ناسين ما قررناه من قبل أن الذوق الفقهي يلعب دوره الهام في الحكم على التأويل، بكونه قريبًا أو بعيدًا، وعلى مجاله بين القرب والبُعد.
* * *
المطلب الأول من أحكام النكاح والكفارة والزكاة
أولًا - مَن أسلم وعنده أربع نسوة أو أختان:
١ - روى الإمام الشافعي عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق
стр. 317
سائرهن" (١).
فالذي يدل عليه ظاهر الحديث: أن الكافر إذا أسلم، وعنده أكثر من أربع نسوة، له أن يبقيَ في عصمته مَن شاء منهن بحدود الأربع، وعليه أن يفارق الباقيات.
وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود (٢)، وذكر ابن شداد (٣) في كتابه "دلائل الأحكام" أن محمد بن الحسن رجع إلى هذا القول حين ناظره الشافعي في هذه المسألة (٤).
وقد ذهب إلى غير هذا أبو حنيفة والثوري (٥).
ولقد أوّل الحنفية قول الرسول ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" بأن المراد: ابتدئ زواج أربع منهن، إن كان الزواج بعقد واحد. وفارق سائرهن بأن لا تبتدئ العقد عليهن، وأمسك الأوائل منهن، إن كان الزواج مرتّبًا بعقدٍ لكل منهن، وفارق سائرهن: أي الأواخر.
стр. 318
وهكذا يكون الحكم بناء على هذا التأويل: أنه إن نكحهن معًا، فليس له إمساك واحدة منهن، وإن نكحهن متفرقات، أمسك أربعًا من الأوليات.
وقد استند الحنفية في هذا التأويل إلى القياس؛ وذلك بتشبيه العقد على النسوة قبل الإسلام، بالعقد عليهن بعد الإسلام.
فالمسلم إذا تزوج أكثر من أربع زوجات في عقد واحد، كان الزواج باطلًا في حق كل واحدة منهن وعليه أن يفارقهن جميعًا، وله بعد ذلك أن يتزوج بأربع منهن إذا شاء.
ولو تزوج أكثر من أربع في عقود مرتبة لكل واحدة منهن: لم يصح نكاح الزوائد على الأربع، ووجب عليه المفارقة، حتى لا يبقى في عصمته أكثر من أربع زوجات، وقوفًا عند حدود الشريعة. وبهذا القياس حكَم الحنفية في هذه الحالة - على الكافر إذا أسلم - حُكمهم على المسلم.
ولقد كان من الممكن أن يستقيم لهم أمر هذا القياس فيكون التأويل قريبًا، لولا عدة قرائن حقّت بالظاهر، فقوّته وباعدت الاحتمال، مما جعل تأويلهم غايةً في البُعد.
أ - فالذي يسبق إلى الأفهام من لفظ الحديث: الاستدامة، لا ابتداء النكاح.
ب - كما أن الذي تدل عليه المفارقة هو: التسريح، لا ترك النكاح.
ج - ثم: إن هذا الخطاب وقع لغيلان بن سلمة، وهو حديث عهد بالإسلام، وليس له معرفة بأحكام الحلال والحرام من نكاح ولا غيره. ولو كان الحكم الذي أوّل الحنفية إليه الحديث هو المراد، لبيّنه الرسول ﷺ ، وما أحوج رجلًا قريب عهد بالإسلام إلى بيان حكم لا يوقف عليه إلا بالبيان، خصوصًا في أمر يتوقف عليه استحلالُ يضع المرأة، وضبطُ الأنساب بين الناس (١).
د - يضاف إلى ذلك أنه لم يُنقَلْ تجديد عقد قط، لا من غيلان ولا من غيره، مع كثرة الكفار الذين أسلموا، ووجود رسول الله ﷺ المبين عن الله بين ظهرانيَهم.
стр. 319
موقف صاحب "منهاج الوصول":
ولقد حاول أحمد المرتضى من الزيدية الدفاع عن تأويل الحنفية، فقرر أن اعتبار هذا التأويل بعيدًا: لا وجه له، فإن قوله: "أمسك أربعًا" يحتمل العقد احتمالًا ظاهرًا. أما القول بأنه لم ينقل تجديد عقد: فلعله أمسك الأوائل، فلم يُحْتَجْ إلى التجديد، إذ لم يصح أنه عقد على العشر في عقد واحد (١).
وأنت ترى أن الدفاع عن التأويل: يكاد يكون أضعف من التأويل نفسه.
وهكذا وقع المتأولون في هذه المسألة بحكم مبني على تأويل جد بعيد؛ لأنهم أرادوا ترجيح الاحتمال البعيد بقياس ضعيف، في مقابل ظاهر قوي، مع أن البعيد من الاحتمالات، لا يقوى على ترجيحه على الظاهر، إلا القويُّ من الأدلة.
٢ - وبمثل ما مرّ: تأوّل الحنفية حديث فيروز الديلمي، الذي روي أنه قال: "أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما" (٢).
فقد قاسوا فيروز الديلمي - وهو كافر أسلم - على المسلم؛ فكان تأويل "طلق إحداهما" فارقهما إذا كان العقد واحدًا، ثم تزوج بواحدة منهما إن شئت. وإذا كانتا بعقدين مرتبين، فزواج الأولى صحيح، وعليك أن تفارق الثانية؛ لأن زواجها لم يصح.
وما قيل هناك عن هذا التأويل والحكم عليه بالبُعد: يقال هنا.
ولكن مما يزيد في ضعف تأويلهم هنا، ما جاء في بعض الروايات من لفظ: "اختر أيهما شئت" كان ذلك في رواية الترمذي، الأمر الذي دلّ صراحة على أن الترتيب غير معتبر (٣).
стр. 320
ثانيًا - مسألة الإطعام في الكفارة:
أجمع أهل العلم على أن الواجب على المظاهر، إذا لم يجد الرقبة في كفارة الظهار، ولم يستطع الصيام: هو إطعام ستين مسكينًا، كما أمر الله في كتابه وكما جاء في سنّة نبيه ﷺ (١).
وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد - في الراجح عنه - إلى أن الواجب إطعام ستين مسكينًا، لا يجزئه أقل من ذلك.
واستدلوا على مذهبهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فهو يدل دلالة ظاهرة على وجوب إطعام هذا العدد (٢).
وذهب أبو حنيفة وأحمد - في رواية حكاها عنه القاضي أبو الحسين - وزيد بن علي والناصر: إلى أنه لو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه ذلك. قالوا: وهذا في الإباحة من غير خلاف (٣).
أما الحنفية ومَن معهم: فقد أوّلوا النص القرآني بحَمْلِه على أن الواجب إطعام طعام ستين مسكينًا، ويجزئ ذلك بإعطاء هذا المقدار من الطعام ولو