المبحث الثالث من ثمرات الاختلاف في الحكم على التأويل
تمهيد:
لما كان للتأويل أثره الواضح في مسائل الاختلاف الفرعية المستنبطة من النصوص، فقد درج المتكلمون الأصوليون من شافعية وغيرهم، على إيراد مجموعة تأويلات لبعض من نصوص الأحكام يرونها من تأويلات غيرهم البعيدة؛ ودلّ ذلك في نظرهم على بطلان أو ضعف مأخذ بعض الأحكام الفقهية التي دار حول مسائلها الاختلاف، والتي استنبطها العلماء من هذه النصوص عن طريق التأويل الذي اعتبروه تأويلًا بعيدًا، لا غناء في الدليل الذي قام عليه، وكان هو منزع صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى ذلك المعنى المرجوح المحتمل.
وسنذكر عددًا من هذه الأحكام، غير ناسين ما قررناه من قبل أن الذوق الفقهي يلعب دوره الهام في الحكم على التأويل، بكونه قريبًا أو بعيدًا، وعلى مجاله بين القرب والبُعد.
* * *
المطلب الأول من أحكام النكاح والكفارة والزكاة
أولًا - مَن أسلم وعنده أربع نسوة أو أختان:
١ - روى الإمام الشافعي عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق
стр. 317
سائرهن" (١).
فالذي يدل عليه ظاهر الحديث: أن الكافر إذا أسلم، وعنده أكثر من أربع نسوة، له أن يبقيَ في عصمته مَن شاء منهن بحدود الأربع، وعليه أن يفارق الباقيات.
وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود (٢)، وذكر ابن شداد (٣) في كتابه "دلائل الأحكام" أن محمد بن الحسن رجع إلى هذا القول حين ناظره الشافعي في هذه المسألة (٤).
وقد ذهب إلى غير هذا أبو حنيفة والثوري (٥).
ولقد أوّل الحنفية قول الرسول ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" بأن المراد: ابتدئ زواج أربع منهن، إن كان الزواج بعقد واحد. وفارق سائرهن بأن لا تبتدئ العقد عليهن، وأمسك الأوائل منهن، إن كان الزواج مرتّبًا بعقدٍ لكل منهن، وفارق سائرهن: أي الأواخر.
стр. 318
وهكذا يكون الحكم بناء على هذا التأويل: أنه إن نكحهن معًا، فليس له إمساك واحدة منهن، وإن نكحهن متفرقات، أمسك أربعًا من الأوليات.
وقد استند الحنفية في هذا التأويل إلى القياس؛ وذلك بتشبيه العقد على النسوة قبل الإسلام، بالعقد عليهن بعد الإسلام.
فالمسلم إذا تزوج أكثر من أربع زوجات في عقد واحد، كان الزواج باطلًا في حق كل واحدة منهن وعليه أن يفارقهن جميعًا، وله بعد ذلك أن يتزوج بأربع منهن إذا شاء.
ولو تزوج أكثر من أربع في عقود مرتبة لكل واحدة منهن: لم يصح نكاح الزوائد على الأربع، ووجب عليه المفارقة، حتى لا يبقى في عصمته أكثر من أربع زوجات، وقوفًا عند حدود الشريعة. وبهذا القياس حكَم الحنفية في هذه الحالة - على الكافر إذا أسلم - حُكمهم على المسلم.
ولقد كان من الممكن أن يستقيم لهم أمر هذا القياس فيكون التأويل قريبًا، لولا عدة قرائن حقّت بالظاهر، فقوّته وباعدت الاحتمال، مما جعل تأويلهم غايةً في البُعد.
أ - فالذي يسبق إلى الأفهام من لفظ الحديث: الاستدامة، لا ابتداء النكاح.
ب - كما أن الذي تدل عليه المفارقة هو: التسريح، لا ترك النكاح.
ج - ثم: إن هذا الخطاب وقع لغيلان بن سلمة، وهو حديث عهد بالإسلام، وليس له معرفة بأحكام الحلال والحرام من نكاح ولا غيره. ولو كان الحكم الذي أوّل الحنفية إليه الحديث هو المراد، لبيّنه الرسول ﷺ ، وما أحوج رجلًا قريب عهد بالإسلام إلى بيان حكم لا يوقف عليه إلا بالبيان، خصوصًا في أمر يتوقف عليه استحلالُ يضع المرأة، وضبطُ الأنساب بين الناس (١).
د - يضاف إلى ذلك أنه لم يُنقَلْ تجديد عقد قط، لا من غيلان ولا من غيره، مع كثرة الكفار الذين أسلموا، ووجود رسول الله ﷺ المبين عن الله بين ظهرانيَهم.
стр. 319
موقف صاحب "منهاج الوصول":
ولقد حاول أحمد المرتضى من الزيدية الدفاع عن تأويل الحنفية، فقرر أن اعتبار هذا التأويل بعيدًا: لا وجه له، فإن قوله: "أمسك أربعًا" يحتمل العقد احتمالًا ظاهرًا. أما القول بأنه لم ينقل تجديد عقد: فلعله أمسك الأوائل، فلم يُحْتَجْ إلى التجديد، إذ لم يصح أنه عقد على العشر في عقد واحد (١).
وأنت ترى أن الدفاع عن التأويل: يكاد يكون أضعف من التأويل نفسه.
وهكذا وقع المتأولون في هذه المسألة بحكم مبني على تأويل جد بعيد؛ لأنهم أرادوا ترجيح الاحتمال البعيد بقياس ضعيف، في مقابل ظاهر قوي، مع أن البعيد من الاحتمالات، لا يقوى على ترجيحه على الظاهر، إلا القويُّ من الأدلة.
٢ - وبمثل ما مرّ: تأوّل الحنفية حديث فيروز الديلمي، الذي روي أنه قال: "أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما" (٢).
فقد قاسوا فيروز الديلمي - وهو كافر أسلم - على المسلم؛ فكان تأويل "طلق إحداهما" فارقهما إذا كان العقد واحدًا، ثم تزوج بواحدة منهما إن شئت. وإذا كانتا بعقدين مرتبين، فزواج الأولى صحيح، وعليك أن تفارق الثانية؛ لأن زواجها لم يصح.
وما قيل هناك عن هذا التأويل والحكم عليه بالبُعد: يقال هنا.
ولكن مما يزيد في ضعف تأويلهم هنا، ما جاء في بعض الروايات من لفظ: "اختر أيهما شئت" كان ذلك في رواية الترمذي، الأمر الذي دلّ صراحة على أن الترتيب غير معتبر (٣).
стр. 320
ثانيًا - مسألة الإطعام في الكفارة:
أجمع أهل العلم على أن الواجب على المظاهر، إذا لم يجد الرقبة في كفارة الظهار، ولم يستطع الصيام: هو إطعام ستين مسكينًا، كما أمر الله في كتابه وكما جاء في سنّة نبيه ﷺ (١).
وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد - في الراجح عنه - إلى أن الواجب إطعام ستين مسكينًا، لا يجزئه أقل من ذلك.
واستدلوا على مذهبهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فهو يدل دلالة ظاهرة على وجوب إطعام هذا العدد (٢).
وذهب أبو حنيفة وأحمد - في رواية حكاها عنه القاضي أبو الحسين - وزيد بن علي والناصر: إلى أنه لو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه ذلك. قالوا: وهذا في الإباحة من غير خلاف (٣).
أما الحنفية ومَن معهم: فقد أوّلوا النص القرآني بحَمْلِه على أن الواجب إطعام طعام ستين مسكينًا، ويجزئ ذلك بإعطاء هذا المقدار من الطعام ولو
стр. 321
لمسكين واحد، وهكذا قدّروا لفظ (طعامِ) قبل (ستين) فكأن الآية قالت: (أو إطعام طعام ستين مسكينًا).
واحتجوا لهذا التأويل: بأن المقصود من الآية التعريفُ بالقدر الذي يجب إطعامه لهذا العدد من المساكين؛ وذلك لسد الخلة، ودفع الحاجة، والحاجة تتجدد في كل يوم، فدفع حاجة مسكين واحد ستين يومًا كدفع حاجة ستين مسكينًا في يوم واحد. ثم إن هذا المسكين لم يستوفِ قوت يوم من هذه الكفارة، فجاز أن يعطى منها كاليوم الأول (١).
وقد حُكم من قبل الآخرين على هذا التأويل بالبُعد؛ وذلك للاعتبارات التالية:
أ - إن المنصوص عليه ستون؛ فلا يجوز العدول عن هذا العدد، وفي التأويل المذكور اعتبار لفظ لم يذكر في الكلام وهو (طعام) وإلغاء للمنصوص عليه وهو العدد (ستون).
ب - ثم إن في إطعام ستين مسكينًا إحياءً لجماعة من المسلمين، وكفايتُهم يومًا واحدًا، فيتفرغون متعاونين في هذا اليوم لعبادة الله ﵎، ولدعائه لمن وجبت عليه الكفارة، فيغفر الله له ذلك، ويعم الانتفاع.
ج - وأخيرًا فإن القول بإجزاء إطعام هذا العدد من المساكين لواحد منهم: عمل بعلة تعود على ظاهر النص بالإبطال - كما قال ابن الحاجب وابن دقيق العيد (٢) -. فالنص (إطعام ستين مسكينًا) والعمل في ظل التعليل بالحاجة: جعل مآله (فإطعام طعام ستين مسكينًا).
موقف الغزالي من هذا التأويل:
لقد حكى الغزالي الشافعي في "المستصفى" ما يشعر بعدم استنكاره بل وقبوله تقريبًا للتأويل الذي جنح إليه الحنفية؛ فالاحتمال في نظره واقع، إذ يجوز أن يكون ذكر المساكين لبيان مقدار الواجب، ويكون المعنى: فإطعام
стр. 322
طعام ستين مسكينًا. ولقد قرر الغزالي أن لسان العرب يتسع لهذا التأويل، وإن كان دليل المؤولين تجريد النظر إلى مسألة سدِّ الخلّة (١).
موقف الكمال بن الهمام:
أما الكمال بن الهُمام من الحنفية: فقد اتجه غير اتجاه الحنفية في الحكم ولم يرتضِ ما جنحوا إليه من التأويل.
وقد بنى مخالفته لهم، وسلوكه سبيل الجمهور في المسألة، على أن حكم إطعام ستين مسكينًا نصت عليه الآية الكريمة. ومن المتفق عليه: أنه لا يجوز العمل بعلة تعود على ظاهر النص بالإبطال - كما سلف من قريب - والتعليلُ الذي بنى عليه الحنفية تأويلهم: من هذا القبيل.
ولذلك نراه يقول في "فتح القدير" عند تعليقه على ما ذُكر في "الهداية" وشرحها حول المسألة (٢): (إن الله تعالى نص على ستين مسكينًا، ويتكرر الحاجة في مسكين واحد: لا يصير هو ستين. فكان التعليل بأن المقصود سد خلة المحتاج - والحاجة تتجدد في كل يوم فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره - مبطلًا لمقتضى النص فلا يجوز) (٣).
هذا: وقد أوضح ابن الهمام أن غاية ما يعطيه كلامهم - يعني المتأولين - أنْ يتكرَّر الحاجة يتكرر المسكين حكمًا، فكان تعددًا حكمًا، وردَّ على ذلك
стр. 323
بما فيه مقنع لمن أراد، وأكد المعنى الذي أشرنا إليه من قبل وهو: أن الظاهر إنما هو عددٌ معدودُه ذوات المساكين، مع عقلية أن العدد مما يقصد؛ لما في تعميم الجميع من بركة الجماعة، وشمول المنفعة. واجتماع القلوب على المحبة والدعاء (١).
ما نرجحه في المسألة:
والراجح فيما نرى: هو ما ذهب إليه الجمهور، ووافقهم فيه الكمال بن الهمام من الحنفية في اعتبار العدد في الآية. نقرر هذا مخالفين الغزالي فيما ذهب إليه مؤيدًا للحنفية في اعتبار احتمالٍ ضعيفٍ؛ هو مراعاة سد حاجة الفقير، مع أنه ليس من دليل قوي يرتفع بهذا الاحتمال، ليرجح على الظاهر الذي ذهب إليه الجمهور.
أ - فالذي يطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا، لم يخرج من عهدة العمل بما وجب عليه في كتاب الله، وسنّة رسوله صلوات الله عليه؛ لأنه لم يطعم ستين مسكينًا، فلم يجزئه كما لو دفعها في يوم واحد.
ب - كما أن في النزوع إلى هذا الرأي اعتبارَ أن عدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين، والله قد أمر بعدد المساكين لا بعدد الأيام. وعلى هذا: فالامتثال في هذه الكفارة، إنما يكون بإطعام العدد الذي جاء الأمر به (٢).
هذا: وما أثير هنا من خلاف حول هذه المسألة، يرد مثله في الكفارات الأخرى، حين يكون موجَب الأمر إطعامَ عدد معين من المساكين، كما في كفارة الجماع في رمضان، إذ أمر النبي ﷺ سلمة بن صخر البياضي (٣) أن
стр. 324
يطعم ستين مسكينًا (١). وكما في كفارة اليمين المنعقدة، حين يكون الواجب إطعام عشرة مساكين (٢).
ثالثًا - دفع القيمة بدلًا من العين:
من المسائل الخلافية التي اعتبر فيها تأويل الحنفية بعيدًا: جواز دفع القيمة بدلًا من العين في الزكوات، والكفارات، وصدقة الفطر، والنذر.
فالشافعية: يرون وجوب دفع العين المنصوص عليها، ولا يجزئ في
الواجب غيرها اتباعًا للنصوص، كما في الهدي والأضحية (٣).
والحنفية: لا مانع عندهم من دفع القيمة، استنادًا إلى غرض الشارع في سد الخلة ودفع الحاجة (٤) وذلك يتوافر في القيمة كما يتوافر في العين.
стр. 325
ولنأخذ مثالًا لذلك من الزكاة، يكون أنموذجًا لما انتهجه كل من الفريقين في المسألة.
جاء في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ في الصدقة مما رواه الزهري عن سالم عن أبيه: "وفي سائمة الغنم في أربعين شاة، شاة" (١).
فالشافعية - أخذًا من هذا الحديث -: يرون وجوب الشاة عينًا، ولا يجيزون دفع قيمتها، لأن ذلك هو المنصوص؛ إذ الحديث ظاهر الدلالة في وجوب الشاة على التعيين، ولا يكون الخروج من العهدة إلا بدفعها عينًا.
والحنفية: تأوّلوا هذا النص، فحملوا الشاة على العين أو القيمة، فكان موجب الحديث في الأربعين شاة، عين الشاة أو قيمتها، يجزئ أيَّ منهما في امتثال الأمر على السواء؛ إذ إن كلًا منهما يحقق غرض الشارع في سد خلة الفقير ودفع حاجة المحتاج.
ولقد استبعد الشافعية وغيرهم هذا التأويل؛ ومن أهم ما استندوا إليه في ذلك ما يلي:
أ - فالحديث خصّ الشاة بالذكر، فكان قويّ الظهور في وجوبها على التعيين، وإذا كان قد خصّها بالذكر، فلا بد في ذلك من إضمار حكم وهو: إما الندب أو الوجوب، وإضمار الندب ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به، فلم يبقَ غير الواجب، وهذا الواجب قد يكون مقصودًا للشارع من فرضية الزكاة، لتحقيق معنى الأخوة، بمشاركة الفقير الغني في جنس ماله.
ب - على أن جواز أخذ القيمة استنادًا إلى تحقيق غرض الشارع بسد الخلة ودفع الحاجة، عملٌ بعلة مستنبطة عادت على ظاهر النص بالإبطال، وهذا متفق على عدم قبوله (٢).
стр. 326
وممن استبعد هذا التأويل: ابن الحاجب (١) والزيدية (٢)، والأكثرون من الإباضية الذين قرروا - كما ذكر السالمي الإباضي (٣) - أن الحنفية بهذا التأويل ألغوا بعض لفظ الحديث، وهو شاة، وقدروا فيه ما ليس منه، وهو قيمة الشاة، من غير سبب يقتضي هذا التقدير، وبلا علة توجب ذلك الإلغاء، مع أنه يمكن أن يكون المقصود ذات الشاة لأجل البركة والنمو في المال (٤).
رأي بعض الإباضية:
وقد نزع إلى جواز إخراج قيمة الشاة عن الشاة نفسها في الزكاة، بعض الإباضية؛ ولكن يرى السالمي أن نزوعهم إلى هذا الرأي، لم يكن بحمل الشاة على قيمتها تصنيع الحنفية، بل لعله كان من باب القياس، حيث قاسوا القيمة على الشاة، بجامع أن كلًا منهما دفع الحاجة الفقير (٥).
وأنت ترى أن الفرق يسير بين هؤلاء وبين الحنفية؛ فالمؤدى واحد وإن اختلفت السبيل، على أن طريق الحنفية أقوم، فقد أوّلوا واستندوا إلى القوي من الدليل حين حكموا بأخذ القيمة، ولم يحكّموا قياسًا مع وجود النص.
ويبدو أن السالمي ﵀ لم يرتضِ لذويه تأويل الحنفية، فطرّق احتمال أن يكون صنيعهم في دائرة القياس.
رأينا في المسألة:
وفي رأينا أن الأمر في هذه المسألة من التأويل، يختلف عن سابقتها في
стр. 327
إطعام العدد من المساكين، ولهذا فإنا ترجح ما ذهب إليه الحنفية من جواز أخذ القيمة، مخالفين من استبعد تأويلهم للنص، أو حكم عليه بما هو أكثر من البُعد.
وعمدتنا في هذا الترجيح ما يلي:
١ - إن الاحتمال في أن يكون المراد بالشاة، وجوبَ القيمة إلى جانب التعبيين، واقع على الأقل من ناحية اللسان العربي، والعبرة في الدليل الذي يقوى على دفع هذا الاحتمال إلى رتبة الرجحان على الظاهر. وقد وجد الدليل نصًا ومعقولًا.
أ - أما النص: فقد روي أن معاذًا ﵁ قال لأهل اليمن: "ائتوني بخميس مكان الذرة والشعير: أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة" (١).
فقد قبل معاذ بدليل العين الواجبة في الزكاة، من ذرة، وشعير، ثيابًا يسهل وجودها في اليمن، ويعزُّ في الحجاز، فهي أسهل دفعًا على المكلفين، وأوفر مصلحة لأصحاب النبي ﷺ لحاجتهم إليها في المدينة.
ب - وروى البخاري أيضًا من حديث ثمامة أن أنسًا ﵁ حدّثه أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله ورسوله ﷺ : "مَن بلغتْ عنده من الإبل صَدَقَةُ الجَذَعَةِ - وليست عنده جذعة وعنده حُقَّة - فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استَيسرنا له أو عشرين درهمًا، ومَن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدّق عشرين درهمًا أو شاتين .. " (٢) الحديث.
стр. 328
والانتقال من العين إلى القيمة في الحديث، دليل على أن المقصود ليس خصوص عين السن المعيّنة، وإلا لسقط إن تعذّر أو وجب شراؤه ودفعه.
ج - وروى ابن أبي شيبة (١) في "مصنفه" أن النبي ﷺ أبصر ناقة حسنة في إبل الصدقة فقال: "ما هذه؟ " قال صاحب الصدقة: إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الإبل، قال: "نعم". قال الكمال بن الهمام: (إذًا فعلمنا أن التنصيص على الأسنان المخصوصة والشاة، لبيان قدر المالية وتخصيصها في التعبير، لأنها أسهل على أرباب المواشي) (٢).
وهكذا نرى في هذه الآثار ما يرجح جواز أخذ القيمة لأنها قوَّت الاحتمال الذي يدل عليه لفظ الحديث.
٢ - وأما المعقول: فإن التعليل بغرض الشارع من الزكاة - وهو سد خلّة الفقير ودفع حاجة ذوي الحاجة، وهذا يتأدى بكل من العين والقيمة - هو تعليل مقبول، وليس قضاء على الظاهر، ولا إبطالًا لمدلوله، بل هو توسعة لمحل الحكم، فالشاة المنصوص عليها بعد التعليل: محلّ للدفع، كما أن قيمتها: محل أيضًا، وفي التعليل دائمًا توسعة لمحل الحكم، فإذا دفعت القيم فقد استوفى المكلف مراد النص (٣). واليوم - ونحن نبحث هذا الحكم - نرى أنفسنا مع الاتجاه الذي يعطي القيمة ما يعطي العين، خصوصًا إذا وضعنا في حسابنا إلى جانب الدليل الشرعي، واقع تطور الثروة، وواقع حاجات الناس.
стр. 329
ضابط المسألة عند أبي زيد الدبوسي:
وبعد: فإن أبا زيد الدبوسي قد ضبط هذه المسألة وسابقتها (١) ومثيلاتها تحت أصل واحد، قوامه: استيفاء مراد النص في الصدقة، وهو سد الخلة ودفع الحاجة. وقد اعتبر هذا الأصل مما اختلف فيه الحنفية مع الإمام الشافعي، ورَدَّ إليه كثيرًا من مسائل الخلاف الفرعية في المذهبين.
قال ﵀: (الأصل عند علمائنا أن مَن وجبت عليه الصدقة إذا تصدّق على وجه يستوفي به مراد النص منه، أجزاء عما وجب عليه. وعنده - يعني الشافعي - لا يجزيه. وعلى هذا مسائل:
قال أصحابنا: إذا وجبت الزكاة في الدراهم، فأدّى بدلها حنطة أو غيرها جاز عندنا؛ لأن مراد النص سد خلة الفقير ودفع حاجته، وقد حصل. وكذلك في صدقة الفطر، وكفارة اليمين، وكلّ صدقة وجبت بإيجاب الله تعالى، أو وجبت بإيجاب العبد على نفسه، فإنه يجزيه أن يعطي القيمة عندنا. وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي: لا يجوز. ثم قال: وعلى هذا ما قال أصحابنا: إذا تصدّق على مسكين واحد في كفارة يمينه عشرة أيام كل يوم بمنَوَين أو مُدَّين حنطة: جاز. وعند أبي عبد الله لا يجزيه. وعلى هذا قال أصحابنا: إن المظاهر إذا أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا كل يوم بمنوين حنطة: أنه يجزيه عندنا. وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي لا يجزيه) (٢).
ثم أتى أبو زيد بعدد من المسائل الأخرى.
ونحن إذ لم نرتضِ تأويل الحنفية في مسألة الإطعام السابقة، لا نوافق الإمام الدبوسي على هذا التعميم في الأصل الذي وضعه، وقد أسلفنا من قبل: أن تأويل العدد (ستين) في المسألة الماضية (بطعام ستين) لم يقم عليه
стр. 330
دليل يقوِّي العدول عن الظاهر إليه، وهذا الرأي هو ما جنح إليه ابن الهمام من كبار الحنفية كما سبق (١).
* * *
المطلب الثاني من أحكام الصيام والذبائح
أولًا - تبييت النية في الصيام:
ومما يذكر في تأويلات الحنفية البعيدة: تأويلهم لقوله ﵊ فيما رواه ابن عمر ﵄: "مَن لم يبيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (٢).
وبيان ذلك: أن الشافعية يشترطون لصحة الصيام فيما عدا النقل: تبييت النية من الليل؛ سواء في ذلك فرض رمضان، والكفارة، والنذر - مطلقًا كان أو معينًا - مستدلين بالحديث المذكور.
ومنزع الاستدلال عندهم، أن قوله ﵊: "لا صيام" نكرة في سياق النفي، فتعُمُّ كل صيام، وعلى هذا: فلا يخرج عن ذلك إلا ما قام عليه الدليل، والنفيُ في نظرهم متوجه إلى الصحة أو ذات الصوم الشرعي.
وهكذا يكون الحديث ظاهر الدلالة على وجوب تبييت النية في جميع أنواع الصوم، دون تمييز بين فرض، أو نقل؛ وسواء أكان الفرض معينًا أم غير معين (٣).
стр. 331
إلا أن صوم النفل خرج من عموم الحديث، لدليل دلّ على أن الحديث قاصر في وجوب تبييت النية على ما عدا التطوع، فكان مذهبهم أن صوم الناقلة يجوز بنيةٍ في النهار، شريطة أن تكون قبل زوال الشمس على الراجح (١).
والدليل: هو ما جاء في الحديث عن السيدة عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم من شيء؟ " فقلنا: لا، فقال: "فإني إذن صائم" ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أُهدي لنا خَيْسٌ، فقال: "أرينيه فلقد أصبحت صائمًا" فأكل (٢).
ويبدو أن هذا كان فيما بعدُ من عمل الصحابة رضوان الله عليهم. قال البخاري: (وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا. قال: وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة ﵃) (٣).
أما الحنفية: ففيما عدا صوم التطوع، قسموا الصوم الواجب إلى قسمين:
أ - ما يتعلق بزمان بعينه؛ كصوم رمضان، والنذر المعين.
ب - ما يثبت في الذمة؛ كقضاء رمضان، والنذر المطلق وصوم الكفارة.
стр. 332
فالقسم الأول: وهو صيام رمضان والنذر المعين، وكذلك صوم التطوع لا يشترط فيه تبييت النية من الليل، بل تصح النية نهارًا شريطة أن تقع قبل نصف النهار، فلو لم يبيت المكلف الصوم بعد غروب الشمس، وأصبح ممسكًا عن الطعام والشراب وكل مفطر، فله أن ينوي - إلى ما قبل نصف النهار - صومَ ذلك النهار ويقع صومه صحيحًا.
أما القسم الثاني: وهو قضاء رمضان، والنذر المطلق، وصوم الكفارة: فقد شرطوا في صحته تبييتَ النية من الليل؛ لأنه غير متعين فلا بد من التعيين من الابتداء (١).
وبيان ذلك: أنهم أوَّلوا تبييت النية، فأخرجوا كل صوم النفل بحديث عائشة المتقدم، كما هو صنيع الشافعية ومَن معهم.
وفي تأويلهم للحديث أيضًا: أخرجوا صوم رمضان، والنذر المعيَّن، مستندين في هذا التأويل إلى ما روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن سلمة بن الأكوع ﵁: "أن النبي ﷺ بعث رجلًا في الناس يوم عاشوراء: أن مَن أكل فليُتِم، أو فليصم، ومَن لم يأكل فلا يأكل" (٢).
قالوا: دلّ هذا الحديث على أن مَن تعيّن عليه صوم يوم، ولم ينوِه ليلًا: أنه يجزئه أن ينوي صيامه نهارًا - وهذا بناء على أن صوم عاشوراء كان واجبًا - وأنه لا فرق بين هذا المعيّن وبين النفل، ورأوا في ذلك جمعًا بين الأدلة، الذي هو أوْلى من العمل ببعضها، وإهمال البعض الآخر.
وفي رأينا أن تأويل الحنفية بحمل حديث التبييت على الصيام الواجب غير المعين، قد يكون بعيدًا لعدة أمور.
١ - فظاهر الحديث العمومُ في كل صوم. والمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به في اللغات، وهو يشمل الفرض المعيَّن وغير المعيَّن كما يشمل النفل. وتخصيصُ هذا العام بإخراج الأكثر
стр. 333
الغالب، وإبقاء الأقل النادر الذي لا يتبادر إلى الذهن وحده، جنوحٌ إلى ترجيح الاحتمال البعيد على الظاهر القوي. وإذا كان الشارع لم يقصد بنفي الصوم إلا الواجب غير المعين، فالخطاب به - كما يقول ابن الحاجب - يكون كاللغز (١) ما لم تكن هناك قرينة تصرف الخطاب عن ظاهر عمومه.
٢ - ثم إن الحديث الذي استندوا إليه في تأويلهم هذا: لم يرد في صوم رمضان، وإنما ورد في صوم عاشوراء، وصوم عاشوراء نسخت فرضيته، وانتظم في سلك المندوبات، حيث لا يشترط لصحته تبييت النية من الليل، شأنَ كل نافلة من الصوم (٢). فقد روى مسلم في "صحيحه" عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه؛ فلما هاجر إلى المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: "مَن شاء صامه، ومَن شاء تركه" (٣).
٣ - وهذا على فرض التسليم بأن صوم عاشوراء كان واجبًا قبل أن يفترض صيام شهر رمضان. ولكن هنالك مَن يقول: لم يكن واجبًا قبل فرض رمضان بل كان مستحبًا، فصحّ بنية من النهار، وهو أشهر الوجهين عند الشافعية كما قال النووي (٤).
стр. 334
نود بعد ذلك كله أن تذكر أن ابن الحاجب وشارحه العضد قد قررا: أنه (إن صحّ المانع من الحمل على الظاهر في الحديث - وهو صوم الفرض مطلقًا بما أوَّله الحنفية - دليلًا على صحة الصيام بنية من النهار في الواجب المعين، فينبغي أن يطلب له أقرب تأويل؛ مثل أن يحمل النفي في قوله ﵊: "لا صيام" على نفي الفضيلة) ولعل ذلك كان من ابن الحاجب والعضد متابعة لإمام الحرمين الذي ذكر في "البرهان" أن من تأويلاتهم - يعني الحنفية - حمل النفي على الكمال، ورغم رده على هذا التأويل، اعتبره بالنظر إلى مسالك التأويلات، أقرب قليلًا من التأويل السابق (١).
مع أبي جعفر الطحاوي:
وبعد: فلا نستطيع أن نترك الكلام في هذه المسألة قبل بيان رأي أبي جعفر الطحاوي؛ فلقد أبعد النجعة ﵀، إذ كان من تأويله للحديث: أنه فرَّق بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء، فتجزئ النية في النهار، أو لا في يوم بعينه كرمضان، فلا يجزئ إلا بنية من الليل، وبين صوم التطوع فيجزئ في الليل والنهار.
ولقد رأى في ذلك جمعًا بين الأدلة وبُعدًا عن تضادِّها. قال في "شرح معاني الآثار" بعد أن أورد الآثار في الموضوع مبيِّنًا أن حكم النية التي يُدْخَلُ بها في الصوم على ثلاثة أوجه:
(فما كان منه فرضًا في يوم بعينه كانت تلك النية مجزية قبل دخول ذلك اليوم في الليل، وفي ذلك اليوم أيضًا:
وما كان منه فرضًا لا في يوم بعينه، كانت النية التي يُدْخَلُ بها فيه في الليلة التي قبله، ولم تجز بعد دخول اليوم.
стр. 335
وما كان منه تطوعًا، كانت النية التي يدخل بها فيه في الليل الذي قبله، وفي النهار الذي بعد ذلك).
ثم أبان ما يفترق به رأيه عن رأي أبي حنيفة وصاحبَيْه فقال:
(فهذا هو الوجه الذي تُخَرَّج عليه الآثار التي ذكرنا، ولا تتضاد، فهو أولى ما حُمِلتْ عليه، وإلى ذلك كان يذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إلا أنهم يقولون: ما كان منه يجزئ النية فيه بعد طلوع الفجر مما ذكرنا، فإنها تجزئ في صدر النهار الأول، ولا تجزئ فيما بعد ذلك) (١).
رأي إمام الحرمين في تأويل الطحاوي:
ولقد ردّ إمام الحرمين تأويل الطحاوي من وجهين:
الأول: أن العربي الناشئ في منبت اللغة لا يفهم النهي عن إيقاع نية صوم الغد في يوم قبله.
الثاني: أن هذا النفي إنما يذكر نهيًا عن الذهول، وتحذيرًا من الغفلة، واستحثاثًا على تقديم التبييت.
واعتبر الجويني أن ما ذكره الطحاوي في الوجه الثاني: يجري مجرى النصوص التي لا ينكرها محصِّل. ومع هذا الرد قال إمام الحرمين في شأن تأويل الطحاوي: (وهذا كلام غث، لا أصل له، يحط من مرتبة الطحاوي - إن صحّ النقل عنه -) (٢) ويبدو أن الطحاوي قد قال هذا الكلام؛ كما أثبتناه من "شرح معاني الآثار". ونقل ابن حجر في "الفتح" (٣) كلام إمام الحرمين في "البرهان" ولم يعلق عليه بشيء.
ونحن - إذا كنا نوافق صاحب "البرهان" على رد التأويل بما يُظْهِرُ بُعْدَه
стр. 336
أو شذوذَه، إنا لا نوافق على ما كان من الحكم على كلام أبي جعفر الطحاوي في هذه النقطة بالغثاثة، وأنه لا أصل له، مع اعتقادنا أن الطحاوي ﵀ أبعَد في تأويله أكثر مما أبعد من قبله.
والذي يدعونا إلى وقوف هذا الموقف، أن الاحتمال - وإن كان ضعيفًا - موجود، وما دام الأمر كذلك: فلا داعي لهذا الإغراق في الحط من قدر ما ذهب إليه أبو جعفر. وقد ذكرنا سابقًا ما للذوق الفقهي من أثر في المرتبة التي يعطاها التأويل المقبول، ورحم الله الإمامين كليهما وأجزل لهما المثوبة.
ثانيًا - ذكاة الجنين:
اختلف العلماء في حكم الجنين يخرج من بطن أمه المذكَّاة ميتًا: هل تعتبر ذكاة أمه ذكاة له؛ فيحل أكله دون حاجة إلى تذكية جديدة أم يعتبر حرامًا لا يحل أكله، لأن ذبح أمه ليس ذبحًا له؟
ذهب الثوري، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، إلى أن ذكاة الجنين ذكاةُ أمه، فيحل أكله ولا يحتاج إلى ذبح جديد (١).
وقال مالك: يحل إذا خرج وقد أشعر - أي نبت عليه الشعر - لرواية عن ابن عمر في هذا (٢).
وذهب أبو حنيفة وزفر، والحسن بن زياد (٣) إلى أنه لا يحل أكله. وقد
стр. 337
قال بهذا القول ابن حزم الذي ادّعى فيه أيضًا قولًا لمالك (١).
احتجّ الأولون بما صحّ عن النبي ﷺ أنه قال في الجنين: "ذكاته ذكاة أمه" (٢).
فالحديث ظاهر الدلالة في حلِّ أكل الجنين الميت، لأن ذكاة أمه اعتبرت ذكاة له ببيان رسول الله ﷺ . قال الخطابي بعد أن أورد الحديث: (فيه بيان جواز أكل الجنين إذا ذكيت أمه، وإن لم يحدث للجنين ذكاة. وواضح أن المسؤول عنه هو الجنين الميت؛ إذ لا يظن بالسائلين الجهلُ عما خرج حيًا: أنه لا بد من ذكاته (٣).
وقد احتجّ أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة]، وبأن ذكاة نفسٍ لا تكون ذكاة نفسين، فالجنين الميت لا تسري عليه ذكاة أمه.
وأوّلَ الحديث "ذكاته ذكاة أمه" بحمله على التشبيه، على معنى أن الجنين يذكّى كما تذكّى أمه. فكأنه قال: أي فذكُّوه.
وعلى هذا: فالمراد من الحديث عند أبي حنيفة: بيان حكم الجنين الذي يخرج من بطن أمه المذكاة حيًا. وبهذا أخرج الحديث عن موطن الاستدلال للمذهب الأول.
стр. 338
وقد يقال في شأن الاحتجاج بالآية الكريمة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ … ﴾: بأنه احتجاج بالعام المخصوص في مقابل الخاص؛ فالحديث قد أخرج هذا الجنين من حكم الميتة الوارد في الآية، لأنه اعتبره مذكًّى بذكاة أمه …
واعتبار ابن رشد له من "المنخنقة" (١) مدفوع أيضًا بأن الحديث أخرجه من حدود المنخنقة، لأنه طاب وحلَّ أكله بما طابت به أمه من الذكاة.
أما أن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين: فقد نقل القرطبي في "تفسيره" عن ابن المنذر (٢) أنه قال: (وفي قول النبي ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه" دليل على أن الجنين غير الأم وهو - أي أبو حنيفة - يقول: لو أعتقت أمه وهي حامل: أن عتق الحمل عتق أمه، وهذا ما يلزم أن ذكاته ذكاة أمه، ولأنه إذا جاز أن يكون عتق واحد عتق اثنين - جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة اثنين) (٣).
وهكذا اعتبر ابن المنذر الجنين تابعًا لأمه حقيقة (٤).
هذا وإن صاحب "المصنِّف" ابن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ والذي روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما، اعتبر أبا حنيفة مخالفًا للأثر في هذه المسألة (٥).
الشافعية وتأويل الحديث:
ولقد اعتبر الشافعية تأويل أبي حنيفة للحديث من التأويلات البعيدة؛
стр. 339
وذلك لأن في هذا التأويل تقديرًا لكلمة التشبيه، وهي الكاف أو مثل فكأنه قال: "كذكاة أو مثل ذكاة أمه" والأصل عدم التقدير، وارتكاب خلاف الأصل يحتاج إلى دليل.
واعتبر الخطابي لفظ "ذكاة أمه" تعليلًا، ولم يرضَ الجنوح إلى أنه من التشبيه؛ فحين ادّعى بعض المتأولين أن التشبيه هنا على معنى قول الشاعر:
فَعَيْناكِ عَيناها وَجِيدُكِ جِيدُها
أي كأن عينيك عيناها في الشبه، وجيدك جيدها، ردّ أبو سليمان ذلك بأن هذه القصة تبطل التأويل وتدحضه، لأن قوله: "فإن ذكاته ذكاة أمه" تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية. فثبت أنه على معنى النيابة عنها (١).
رواية النصب وموقف المنذري (٢):
على أن البعض يؤيد التأويل بحمل الحديث على التشبيه، وذلك بما ورد من النصب في بعض الروايات.
فقد جاء في "النهاية" لابن الأثير: (أن الحديث يروى بالرفع والنصب، فمَن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة أمه، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف. ومن نصَب كان التقدير ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف الجارّ نصب أو على تقدير: يذكّى تذكية مثل ذكاة أمه. فحذف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه. فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيًا. ومنهم من يرويه بنصب الذكاتين أي ذكوا الجنين ذكاة أمه) (٣).
стр. 340
والروايات التي أخرجها المحدثون هي بالرفع، ولم يذكر لنا ابن الأثير عن أيٍّ منهم كانت رواية النصب. وقد رأينا موقف ابن أبي شيبة في "المصنف" وموقف الخطابي في "المعالم".
ولهذا وجدنا الحافظ المنذري يتهم بالغرض من روى الحديث بالنصب، ويقرر أنه غير المحفوظ عند الأئمة المعتبرين.
قال في "المختصر": (وقد روى هذا الحديث بعضهم - لغرض له -: "ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه" بنصب "ذكاة" الثانية لتوجب ابتداء الذكاة فيه إذا خرج، ولا يكتفى بذكاة أمه. وليس بشيء، وإنما هو بالرفع، كما هو المحفوظ عن أئمة هذا الشأن، وأبطلها بعضهم يقوله: "فإن ذكاته ذكاة أمه" بأنه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة) (١).
هذا: وعلى فرض التسليم برواية النصب التي رفضها الحافظ المنذري بشدة: فإنه - كما قدّمنا - لا يُظن بالسائلين الجهل بوجوب ذكاة ما خرج حيًا، أما الشك فدائرة احتماله فيما خرج ميتًا، ولقد رأينا في رواية أحمد وأبي داود قول السائلين لرسول الله ﷺ : (أنلقيه أم نأكله؟) وما نحسبهم يريدون إلقاء جنين خرج حيًا من بطن أمه، فالمعروف لديهم أن مثله يحل بالتذكية. وكل سؤال - كما توحي كلمة الإلقاء - إنما هو عن الجنين الميت.
ولا يسعنا بعدما تقدم إلا ترجيح ما ذهب إليه الجمهور.
فحديث أبي سعيد سليم من ناحية صلاحيته للاحتجاج، ولا يتعارض مع آية المائدة [٣]: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ … ﴾.
كما أن ما ذهب إليه الجمهور هو مذهب الصحابة، والتابعين ومَن بعدهم من علماء الأمصار (٢).
стр. 341
قال ابن المنذر: (لم يروَ عن أحد من الصحابة والتابعين أو علماء الأمصار، أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه، غير ما روي عن أبي حنيفة. قال: ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه) (١).
وقد أخرج ابن حزم في "المحلَّى" عن ابن عباس: (أنه أشار إلى جنين ناقة وأخذ بذنبه وقال: هذا من بهيمة الأنعام).
كما أخرج عن أبي الزبير عن جابر: (نحرُ جنين الناقة نحرُ أمه). وعن إبراهيم عن ابن مسعود: (ذكاة الجنين ذكاة أمه).
قال ابن حزم: (وهو قول إبراهيم والشعبي، والقاسم بن محمد، وطاوس، وأبي ظبيان وأبي إسحاق السَّبِيْعي، والحسن، وسعيد بن المسيب، ونافع، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ليلى والزهري) (٢).
هذا: وإذا ثبت ما ذكره صاحب "نيل الأوطار" من أن الحديث روي بلفظ: "ذكاة الجنين في ذكاة أمه" أي كائنة أو حاصلة في ذكاة أمه. وأنه روي بلفظ: "ذكاة الجنين بذكاة أمه"، والباء للسببية، فيكون المعنى أن الجنين حكم عليه بالحل تذكيةً بسبب ذكاة أمه (٣).
نقول: إذا ثبت ذلك، كان الحديث من النصوص الصريحة المفسَّرة التي لا تحتاج إلى تأويل، ولا يدخل لفظها في دائرة الاحتمال لمعنًى لا بد من دليل عليه كي يترجح على الظاهر.
وهكذا تكون روايات الحديث، التي تحتمل التأويل، لم يظفر لها القائلون بحرمة الجنين - يخرج من بطن أُمه المذكاة ميتًا - بدليل قوي يصرف الظاهر من الحديث - وهو حل هذا الجنين - إلى غير الظاهر، من جَعْلِ المراد من الجنين في الحديث: الجنين الحي. وإذا لم يستوفِ التأويل
стр. 342
شروطه - ومنها قوة الدليل التي تتناسب مع ضعف الاحتمال -: يكون تأويلًا بعيدًا، والجنوح إليه جنوح إلى الضعيف في مقابلة القوي.
وقد أوردنا من الأدلة ما كشف عن أن مذهب الجمهور الذي رجحناه في هذه المسألة، هو السبيل التي سلكها الصحابة والتابعون وعلماء الأمصار، والتي لم تنْأ بنا عن مدلولات الشريعة ومفهومات اللغة، والله أعلم.
* * *
стр. 343
المبحث الرابع طريق الجادة في التأويل وموقف الظاهرية
المطلب الأول طريق الجادة في التأويل
أما بعد: فإن التأويل باب من أبواب الاستنباط العقلي القويم، وطريق من طرق الاجتهاد في بيان النصوص.
وهو في حدود الشروط التي حددها علماؤنا: مقبول ومرضي؛ ذلك أن هذه الشروط قد استوحيت من روح هذه الشريعة ولغتها، وعرفها في ظل هدي الكتاب والسنّة.
والطريق التي رسمها الأئمة هي طريق الجادة. فإذا حاد عنها المتأول، فقد سلك بنفسه سبيل الانحراف، وحاد إلى حيث لا تؤمن العاقبة، ولا يُضمن المصير.
وفي الأمثلة التي مررنا بها قريبًا، كشفٌ لبعض الملامح عن صورة كريمة للجادة الوسطى التي سلكها رواد الفقه الأمناء على هذه الشريعة. فقد يكون التأويل قريبًا في نظر فريق، وبعيدًا في نظر فريق آخر. ولكن المحور لا يخرج عن دائرة اللغة ولو باحتمال. كما لا يبتعد عن حدود الشريعة في مبادئها ومقاصدها، ولو كان في ذلك الكلفة في بعض الأحيان، وللذوق الفقهي وملكة الاستنباط - كما أشرت غير مرة -: الأثر الواضح فيما كان أولئك الأئمة يسلكون.
стр. 344
أما أن يفتح باب التأويل على مصراعيه بعيدًا عن مفهومات الشريعة ومدلولات لغة الخطاب فيها، التي هي لغة القرآن، ولسان المبين عن ربه محمد - صلوات الله وسلامه عليه - فذلك هو النزول على حكم الهوى والسير وراء الشهرة، والانقياد للنزعات التي قد تشقي صاحبها، أو تودي به إلى مهاوي الضلال.
ولقد جنحت بعض الفرق إلى تأويل النصوص، حسب العقيدة التي ارتضاها أصحابها لأنفسهم، حيث أصبحت عندهم أفكار ثابتة غير مرضيَّة، وباتت عملية التأويل عملية شد وجذب لهذه النصوص إلى الفكر الذي يريدون، والطريق التي يسلكون.
والأمثلة على ذلك موفورة لمن أراد، ولكنا نجتزئ هنا باليسير من تلك التأويلات.
١ - "فالمرجئة"، مثلًا: عندما قرروا أن الله تعالى لا يعاقب أحدًا من المسلمين؛ إذ العمل مؤخر عن النية والقصد، كما أنه لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة (١)، عمدوا إلى تأويل الآيات والأخبار الدالة على العقاب، سواء في ذلك المتعلق منها بالعقائد، أو المرتبط بالأحكام التكليفية، فقالوا: (كل الآيات والأخبار الدالة على العقاب ليس المراد منها ظاهرها بل المراد التخويف، وفائدته الإحجام عن المعاصي).
والخطورة التي تكمن وراء هذا الاتجاه واضحة لكل ذي عينين. وأبسط ما في الأمر تعطيل نصوص الكتاب والسنّة، بإهمال مدلولاتها. لذلك قال البيضاوي: (إن فتح هذا الباب يرفع الوثوق عن أقوال الله تعالى وأقوال رسوله؛ إذ ما من خطاب إلا ويحتمل أن يراد به غير ظاهره. وأيضًا فالإحجام إنما يكون عند العقاب ولا عقاب) (٢).
стр. 345
ب - أما "الباطنية": فلهم تأويلات يطول مجال استقصائها. وحسبك أنهم - في سبيل ما يهدفون إليه من هدم الإسلام - قد ألقوا ستارًا على ظاهر الكتاب والسنّة، وأعطوا لأنفسهم الحق في مخالفة أي عرف لغوي أو شرعي، ما دام الفهم الذي أرادوه متوافقًا مع ما زيّن لهم الهوى وسؤل لهم الشيطان وأصبح أفكارًا ثابتة تعتبر هي الأصل، وتقوم المحاولات لشد النصوص إليها؛ فأفكارهم متبوعة، والنصوص تابعة. ووظيفة هذه النصوص ملء القوالب التي يريدون والعياذ بالله تعالى (١).
فلقد أوّلوا ثعبان موسى من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ بـ "حجته" (٢).
كما أوّلوا نبع الماء من بين الأصابع بكثرة العلم (٣).
وفرضت عليهم الإباحية والتحلُّل من ربقة الدين أن يؤولوا الأمهات في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء]، بالعلماء الأئمة، وأن يؤولوا التحريم بالمخالفة، وانتهاك الحرمة، واستحلُّوا بذلك ما حرَّم الله؛ فحلالٌ نكاح البنات والأخوات وجميع المحارم، بحجة أن الأخ أحق بأخته، والأب أولى بابنته. . إلخ. ولا غرابة في هذا ما داموا قد حوّلوا الآية عما أُنزلت من أجله في بيان المحرَّمات من النساء، بما أوّلوها ذلك التأويل الباطل الذي لا
стр. 346
يمت إلى مفهومات الشريعة أو قواعد العربية بصلة؛ فأين "الأمهات" من "العلماء" وأين "التحريم" من "مخالفة الأئمة وانتهاك حرماتهم"؟!!
ولقد قرر ابن حزم: أن الروافض إنما ضلّت بتركها الظاهر، والقول بالهوى بغير علم، ولا هدىً من الله ، ولا سلطان، ولا برهان.
وقد نقل لنا عنهم عددًا من التأويلات يأخذك الهول المرعب عندما تقع عيناك على شيء منها؛ ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] يقول ابن حزم: (قالوا: ليس هذا على ظاهره ولم يرد الله تعالى بقرة قط. إنما هي عائشة ﵂ ولعن مَن عقّها).
وقالوا: (الجبت والطاغوت) (١) في قوله تعالى: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] ليسا على ظاهرهما، إنما هما أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، ولعنَ مَن سبّهما).
وقالوا: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور] ليس هذا على ظاهره إنما السماء محمد، والجبال أصحابه.
وقالوا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] ليس هذا على ظاهره. إنما النحل بنو هاشم. والذي يخرج من بطونها هو العلم.
ويذكر أبو محمد أن بعض مَن سلكوا طريقهم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر] ليس الثياب على ظاهر الكلام، إنما هو القلب.
وقالوا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ليس على ظاهره إنما هو ابنٌ ذكر، وأما الأنثى: فلا.
وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ليس الكلام على ظاهره، إنما أراد من غير قبيلتكم (٢).
стр. 347
هذا: ومَن أراد الاستقصاء: فمظانُّ ذلك موفورة في كتب التفسير، وأصول الدين، والفقه، والفرق، وما شابه ذلك؛ مما كتب عن الملل والنحل ومعتقداتها وتأويلاتها.
والمذهبية أيضًا:
ونحن نرى بكل حيطة، أن من غير الجائز أن تكون المذهبية رائد الباحثين في الفقه وأصوله؛ فلا يصح أن تكون مسألة ما قد أُعطيت حكمًا من الأحكام، ثم يكون حظ النصوص من التأويل، أن تُردّ لتوافق - ولو عنوة - ذلك الحكم الذي أُعطي للمسألة، كما اجتهد فيه بعض العلماء والفقهاء في مذهب من المذاهب.
ومن هنا: فنحن لا نرتضي ما قرره في هذا المضمار الإمام أبو الحسن الكرخي في رسالته "الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية" (١) حين وضع الآية والحديث موضعًا، لا يتسق مع البحث الحر البعيد عن المذهبية الضيقة.
انظر إليه ﵀ يقول: (الأصل أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح، والأوْلى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق).
ويقول: (الأصل أن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا، فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله، ثم يصار إلى دليل آخر، أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح، أو يحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل: فإن قامت دلالة النسخ: يحمل عليه وإن قامت الدلالة على غيره: صرنا إليه) (٢).
стр. 348
وكان حريًا أن تكون المذاهب وأقوال أصحابها تبعًا لما نزل به الكتاب، وما بيّنته السنّة، فكما أن فتح مجال الاجتهاد والتصرف بالنصوص - دون حدود من الكفاءة دينًا وعلمًا ومعرفة بلغة الشريعة وأصولها - ينذر بالخطر والتشتيت. كذلك جعل المذهب هو المحور، وتطويع النصوص له ولآراء أصحابه، فيه المضرة، والبُعد عن جادة الحق في كثير من الأحيان.
والناظر في تاريخ أي إمام من أئمة المذاهب الجماعية أو الفردية (١) يرى أنهم كانوا على أعز جانب وأغلاه، من الحيطة والحذر والحرص على أن يكون سيرهم ومسالكهم في الاستنباط، وراء الآيات، والأحاديث الثابتة، وما فهمه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، دون إغماض أعينهم عن واقع الحياة - على تفاوت بينهم في هذه النظرة أو تلك - ولقد أدّى هؤلاء العلماء الأمانة خير ما يكون الأداء، وعلى الذين يلونهم التزام الطريق، دون نكران للأصول التي كانت معالم الطريق.
ولنتابع السير لنرى كم فعل الهوى وجب الظهور من الأفاعيل في عصرنا هذا؛ فأنت تسمع كل يوم صوتًا حول مسألة من مسائل هذه الشريعة؛ فيومًا تأويل لبعض مسائل الطلاق وتعدد الزوجات. ويومًا كلام حول إباحة الفطر في رمضان. وفي يوم آخر كلام منمّق حول الربا أو حول الجهاد والتعامل مع الآخرين، لتحليل ما حرّم الله. يجري كل هذا في بحر من التأويلات التي تضم - إلى بُعدها عن اللغة - أنها لا ترضي الله ولا ترضي رسوله صلوات الله عليه، وإن كانت ترضي شهوة، وتجلب لقائليها بعض الخير في الدنيا. علمًا بأن واقعية الإسلام في تقدير المصالح، وبعده عن الحرج، وقدْرُه إنسانية الإنسان وحريته قدرهما. - فيها غناء لأهل الاستقامة، ومقنع لمن أراد مقنعًا.
стр. 349
وما درى هؤلاء أنهم قد يخدمون بذلك - راضين أو كارهين - مَن لا يريدون لهذه الأمة الخير ويترقبون بشريعتها كل سوء، وودُّوا لو أن كل ما يربطها بكتاب الله وسنّة نبيه مزّق كلّ ممزق، وشرِّد أيما تشريد.
* * *
المطلب الثاني موقف الظاهرية من التأويل
من المعروف أن عماد المذهب الظاهري - الذي بدأه داود بن علي، وأيقظه ابن حزم فيما بعد - الأخذ بظواهر النصوص من الكتاب والسنة؛ فإن لم يكن: فالإجماع، وهم لا يرتضون إلا إجماع الصحابة باعتباره مستندًا إلى دليل عن الرسول، دون الالتفات إلى تأويل أو تعليل (١) بل إن القياس مرفوض رفضًا باتًا. فالنصوص كلها في حكم النص المفسَّر الذي لا يحتاج إلى تأويل أو تعليل.
وقد وضح هذا الاتجاه منذ تحوَّلَ داود الظاهري المتوفى سنة ٢٧٠ هـ عن تبعيته للشافعي واتخذ لنفسه طريقًا جديدة، قوامها ما ذكرنا من الأخذ بالظاهر، وعدم التحول عنه إلا بدليل - من الكتاب والسنّة أو الإجماع - يدل على أنه يراد به غير الظاهر.
ومما يؤثر عن داود قوله: (إن في عمومات الكتاب والسنّة ما يفي بكل جواب)، وازداد الاتجاه وضوحًا حين جاء ابن حزم من رجال المائة الخامسة للهجرة، ليبتعث المذهب الظاهري بعد ركود طويل.
ولم يكتفِ ابن حزم بالتأصيل أو التفريع - على لغته وأسلوبه وطريقته - بل ربما كانت له أمور في هذه الظاهرية، زادت على ما جاء به داود، وأصبح ﵀ إمامًا ظاهريًا مجتهدًا، لا من أتباع ومقلِّدي داود الظاهري.
стр. 350
ماهية التأويل عند ابن حزم:
عرّف ابن حزم التأويل بقوله: (هو نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره وعما وضع له في اللغة إلى معنًى آخر. فإن كان نقلُه قد صحّ ببرهان وكان ناقله واجبَ الطاعةِ: فهو حق. وإن كان نقلُه بخلاف ذلك: اطُّرح ولم يُلتفت إليه، وحُكم على ذلك النقل بأنه باطل) (١).
فالأصل عند الظاهرية - وكما قرر ابن حزم - الأخذ بظاهر اللفظ من ناحية اللغة. فاللغات إنما رتّبها الله ليقع بها البيان، واللغات ليست شيئًا غير الألفاظ المركبة على المعاني المبينة عن مسمياتها.
فلا يجوز أن يصرف اللفظ عن ظاهره ومعناه اللغوي، إلا بنص آخر، أو إجماع. قال ابن حزم في ذلك: (فإن قالوا: بأي شيء تعرفون ما صرف الكلام عن ظاهره؟ قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: تعرف ذلك بظاهر آخر مخبر بذلك، أو بإجماع متيقن منقولٍ عن النبي ﷺ على أنه مصروف عن ظاهره) (٢).
وأخذًا من قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] ذامًّا لقوم يحرِّفون الكلم عن مواضعه، قرر ابن حزم أنه لا بيان أجلى من هذه الآية في أنه لا يحل صرف النصوص عن موضعها في اللغة، ولا تحريفها عن موضعها في اللسان. وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] دليل على أن اتباع الظاهر فرض، وأنه لا يحل تعدّيه أصلًا.
وقد أخذ ابن حزم ذلك، لأن الآية نهت المؤمنين أن يقولوا الكلمة التي يتأولها اليهود إيذاءً لرسول الله ﵊، إذ جعلوا ﴿رَاعِنَا﴾ من الرعونة، أو نوعًا من الشتم بلغتهم فأمر الصحابة أن يقولوا كلمة تؤدي معنى ﴿رَاعِنَا﴾ من المراعاة كما يريدونه هم وهي كلمة ﴿انْظُرْنَا﴾.
стр. 351
ومما استشهد به ابن حزم لإثبات ما يقوله من وجوب الأخذ بالظاهر وعدم التحول عنه إلا بنص أو إجماع، ما ورد في شأن صلاة النبي عليه وسلم على رأس المنافقين ابن سلول عند وفاته من حديث ابن عمر: لما توفي عبد الله بن أُبي بن سلول قام النبي ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه! فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيّرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على السبعين مرة" قال: إنه منافق. فصلّى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (١).
ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شيء على ظاهره، إذ حمل رسول الله ﷺ اللفظ الوارد بـ (أو) على التخيير، فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب.
وإذا كان صرف الكلام عن ظاهره، والجنوح إلى التأويل عند الظاهرية، لا يكون إلا ببيان من نص القرآن، أو نص كلام رسول الله ﷺ ، أو إجماع متيقن؛ فإن تجاوز هذه الحدود المرسومة، يعتبر في نظر ابن حزم افتراءً على الله وتعديًا لحدوده، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنّة.
أ - فالله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ويقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
واتباع غير هذا السبيل حرام وفسق ومعصية للّه تعالى، فمَن ترك ظاهر اللفظ، وطلب معانيَ لا يدل عليها لفظ الوحي، فقد افترى على الله .
ب - وقد روى ابن حزم أن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يتأول شيئًا من القرآن، إلا آيًا بعدد أخبره بهن جبريل ﵇".
стр. 352
ويستنبط أبو محمد من هذا الخبر أنه إذا كان محمد بن عبد الله الموحى إليه لا يؤول القرآن إلا بوحي، فأوْلى ألا يؤوله أحد من بعده إلا لظاهر آخر. وذلك قوله: (فإذا كان النبي ﷺ لا يتأول شيئًا من القرآن إلا بوحي فيُخرجه عن ظاهره إلى التأويل؛ فمَن فعل خلاف ذلك فقد خالف الله تعالى ورسوله ﷺ . وقد نهى تعالى وحرّم أن يقال عليه ما لم يعلمه القاتل.
وإذا كنا لا نعلم إلا ما علمنا: فترك الظاهر الذي علمناه وتعديه - إلى تأويل لم يأتِ به ظاهر آخر - حرامٌ وفسق ومعصية للّه تعالى.
وقد أنذر الله تعالى وأعذر، فمَن أبصر فلنفسه ومَن عمي فعليها.
ثم أخرج ابن حزم عن جعفر بن برقان أنه قال: قال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا حدّثت بالحديث عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال.
قال أبو محمد: (وصدق أبو هريرة ﵁ ونصح وبالله تعالى التوفيق) (١).
أثر منهج ابن حزم في العموم والخصوص والأمر والنهي:
علمنا في صدر مبحث التأويل، أن العموم والخصوص والأمر والنهي: من المجالات المتسعة للتأويل؛ فتخصيص العام، وصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وصرف النهي عن التحريم إلى كراهة التنزيه: كل ذلك من باب التأويل. ولا بد لهذا الصرف من استيفاء الشروط التي وضعها العلماء.
ونحن الآن لسنا في صدد بحث العموم والخصوص والأمر والنهي، فسيأتي ذلك في موطنه إن شاء الله. ولكنها لمحة عابرة لإظهار الأثر الناجم عن موقف الظاهرية من التأويل.
وذلك في نظرة ابن حزم إلى العموم والخصوص ومدلول كلِّ من الأمر والنهي.
١ - فالألفاظ عند ابن حزم على العموم، إلا ما أخرجه عن العموم دليل حق.
стр. 353
فقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة:]. عام في كل مسكين وكل فقير، وكل عامل عليها، وكل مؤلف قلبه. وكل ما سمي رقبة إلا أن يخصَّ شيئًا من ذلك نصٌّ أو إجماع.
ب - وتساوقا مع أخذه بالظاهر وعدم الالتفات إلى التأويل: كان كل أمر عنده على الوجوب، وكل نهي على التحريم إلا إذا جاء نص أو إجماع مبني على نص يدل على غيره.
وعلى أساس هذه النظرة: قد خالف الفقهاء في كثير من المسائل.
١ - فمن ذلك أخذه من قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أنّ مكاتبة العبد فرض لازم (١) على السيد إذا طلب العبد المكاتبة، وكان قادرًا على القيام بها.
٢ - اعتبر الزواج فرضًا على كل قادر على الوطء يجد من أين يتزوج، ولو لم يخشَ الزنى أو يترقبه (٢) - كما يقول الآخرون - أخذًا من قوله ﷺ : "يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (٣) فظاهر الأمر الوجوب، ولا دليل يُخرجه عن هذا الظاهر.
стр. 354
ولقد أطال ابن حزم في الدفاع عن هذا الاتجاه الظاهري، ورد على المخالفين بطريقته الخاصة في الرد. ولقد بلغه قول بكر البشري: إنما ضلّت الخوارج بحملها القرآن على ظاهره فندّد بهذا القول، وردّ أيضًا فأحسن الرد.
قال ﵀ في "الإحكام": (وأما قول بكر: إن الخوارج إنما ضلّت باتباعها الظاهر: فقد كذب وأفك، وافترى وأثم. ما ضلّت إلا بما ضلّ هو، من تعلقهم بآيات ما، وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما تركه بكر أيضًا - وهو رسول الله ﷺ - ولو أنهم جمعوا آيَ القرآن كلها وكلام النبي ﷺ وجعلوه كله لازمًا وحكمًا واحدًا ومتّبعًا كله لاهتدوا. على أن الخوارج أعذر منه وأقل ضلالًا؛ لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد. وأما هو: فالتزم وجوبه ثم أقدم على استحلال عصيانه.
والقول الصحيح: هو أن الروافض إنما ضلّت بتركها الظاهر واتباعها ما اتبع بكر ونظراؤه من التقليد، والقول بالهوى بغير علم ولا هدّى من الله ولا سلطان ولا برهان (١).
رأينا في هذه النقطة:
ونحن مع تسليمنا بأن الأخذ بالظاهر هو الأصل، وأن طريق الظاهرية أقرب إلى السلامة. . نرى أن ما يقوله الظاهرية وابن حزم فيمن يخالف الأخذ بالظاهر، إنما ينطبق على المغالين بالتأويل أمثال بعض الفرق كالمرجئة والباطنية، وقد رأينا نماذج من كلامهم فيما سبق، ونقل هو إلينا شيئًا من كلام بكر البشري.
أما الأئمة المعتبرون الذين أخذوا بالتأويل: فقد وضعوا له الشروط التي أسلفنا الحديث عنها، وهي شروط إذا التزمها المؤول كان في مأمن عن
стр. 355
الزيغ والانحراف واتباع غير ما أنزل الله، وما إلى ذلك من المزالق والدركات التي يرمي بها ابن حزم مَن يؤولون الكلام ويأخذونه على غير ظاهره.
ولقد ذكرنا من قبل - إلى جانب الشروط التي وضعها العلماء في هدي الكتاب والسنّة - أن الأصل عندهم هو الأخذ بالظاهر، ونقلنا في هذا كلامًا عن الشافعي والطبري والخطابي يعطي أن الأصل أخذ الكلام على ظاهره (١).
وإذا توفرت بواعث التأويل: كان الجنوح إليه إنما يقع ضمن إطار محدد وشروط مرسومة، وذلك في نظرنا السبيل الواضحة المأمونة.
ولقد أبنّا من قبل أن الأئمة الأولين، لا تدل سيرتهم العلمية على رضاهم أن تكون المذهبية حاكمة التأويل، وإنما التأويل من وراء الكتاب والسنّة ومفهومات الشريعة ومدلولات اللغة.
ولقد كانت الجادة التي سلكها الجمهور في نزوعهم إلى التأويل - عندما تتوفر بواعثه - سبيلًا واضحة المعالم ضمن حدود وقيود وضوابط متّسقة كل الاتساق مع مقاصد الشريعة السمحة، ورحابة لغة القرآن الكريم.
أما الجمود عند الظاهر: فقد كان سببًا لوقوع الظاهرية في كثير من الغرائب والأحكام التي تبدو نابية عن لغة وروح شريعة الإسلام (٢). وسنكتفي بتقديم بعض النماذج دليلًا لما نقول.
* * *