← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومما استشهد به ابن حزم لإثبات ما يقوله من وجوب الأخذ بالظاهر وعدم التحول عنه إلا بنص أو إجماع، ما ورد في شأن صلاة النبي عليه وسلم على رأس المنافقين ابن سلول عند وفاته من حديث ابن عمر: لما توفي عبد الله بن أُبي بن سلول قام النبي ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه! فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيّرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على السبعين مرة" قال: إنه منافق. فصلّى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (١). ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شيء على ظاهره، إذ حمل رسول الله ﷺ اللفظ الوارد بـ (أو) على التخيير، فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب. وإذا كان صرف الكلام عن ظاهره، والجنوح إلى التأويل عند الظاهرية، لا يكون إلا ببيان من نص القرآن، أو نص كلام رسول الله ﷺ ، أو إجماع متيقن؛ فإن تجاوز هذه الحدود المرسومة، يعتبر في نظر ابن حزم افتراءً على الله وتعديًا لحدوده، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنّة. أ - فالله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ويقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. واتباع غير هذا السبيل حرام وفسق ومعصية للّه تعالى، فمَن ترك ظاهر اللفظ، وطلب معانيَ لا يدل عليها لفظ الوحي، فقد افترى على الله . ب - وقد روى ابن حزم أن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يتأول شيئًا من القرآن، إلا آيًا بعدد أخبره بهن جبريل ﵇".

стр. 352

ويستنبط أبو محمد من هذا الخبر أنه إذا كان محمد بن عبد الله الموحى إليه لا يؤول القرآن إلا بوحي، فأوْلى ألا يؤوله أحد من بعده إلا لظاهر آخر. وذلك قوله: (فإذا كان النبي ﷺ لا يتأول شيئًا من القرآن إلا بوحي فيُخرجه عن ظاهره إلى التأويل؛ فمَن فعل خلاف ذلك فقد خالف الله تعالى ورسوله ﷺ . وقد نهى تعالى وحرّم أن يقال عليه ما لم يعلمه القاتل. وإذا كنا لا نعلم إلا ما علمنا: فترك الظاهر الذي علمناه وتعديه - إلى تأويل لم يأتِ به ظاهر آخر - حرامٌ وفسق ومعصية للّه تعالى. وقد أنذر الله تعالى وأعذر، فمَن أبصر فلنفسه ومَن عمي فعليها. ثم أخرج ابن حزم عن جعفر بن برقان أنه قال: قال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا حدّثت بالحديث عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال. قال أبو محمد: (وصدق أبو هريرة ﵁ ونصح وبالله تعالى التوفيق) (١). أثر منهج ابن حزم في العموم والخصوص والأمر والنهي: علمنا في صدر مبحث التأويل، أن العموم والخصوص والأمر والنهي: من المجالات المتسعة للتأويل؛ فتخصيص العام، وصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وصرف النهي عن التحريم إلى كراهة التنزيه: كل ذلك من باب التأويل. ولا بد لهذا الصرف من استيفاء الشروط التي وضعها العلماء. ونحن الآن لسنا في صدد بحث العموم والخصوص والأمر والنهي، فسيأتي ذلك في موطنه إن شاء الله. ولكنها لمحة عابرة لإظهار الأثر الناجم عن موقف الظاهرية من التأويل. وذلك في نظرة ابن حزم إلى العموم والخصوص ومدلول كلِّ من الأمر والنهي. ١ - فالألفاظ عند ابن حزم على العموم، إلا ما أخرجه عن العموم دليل حق.

стр. 353

فقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة:]. عام في كل مسكين وكل فقير، وكل عامل عليها، وكل مؤلف قلبه. وكل ما سمي رقبة إلا أن يخصَّ شيئًا من ذلك نصٌّ أو إجماع. ب - وتساوقا مع أخذه بالظاهر وعدم الالتفات إلى التأويل: كان كل أمر عنده على الوجوب، وكل نهي على التحريم إلا إذا جاء نص أو إجماع مبني على نص يدل على غيره. وعلى أساس هذه النظرة: قد خالف الفقهاء في كثير من المسائل. ١ - فمن ذلك أخذه من قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أنّ مكاتبة العبد فرض لازم (١) على السيد إذا طلب العبد المكاتبة، وكان قادرًا على القيام بها. ٢ - اعتبر الزواج فرضًا على كل قادر على الوطء يجد من أين يتزوج، ولو لم يخشَ الزنى أو يترقبه (٢) - كما يقول الآخرون - أخذًا من قوله ﷺ : "يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (٣) فظاهر الأمر الوجوب، ولا دليل يُخرجه عن هذا الظاهر.

стр. 354

ولقد أطال ابن حزم في الدفاع عن هذا الاتجاه الظاهري، ورد على المخالفين بطريقته الخاصة في الرد. ولقد بلغه قول بكر البشري: إنما ضلّت الخوارج بحملها القرآن على ظاهره فندّد بهذا القول، وردّ أيضًا فأحسن الرد. قال ﵀ في "الإحكام": (وأما قول بكر: إن الخوارج إنما ضلّت باتباعها الظاهر: فقد كذب وأفك، وافترى وأثم. ما ضلّت إلا بما ضلّ هو، من تعلقهم بآيات ما، وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما تركه بكر أيضًا - وهو رسول الله ﷺ - ولو أنهم جمعوا آيَ القرآن كلها وكلام النبي ﷺ وجعلوه كله لازمًا وحكمًا واحدًا ومتّبعًا كله لاهتدوا. على أن الخوارج أعذر منه وأقل ضلالًا؛ لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد. وأما هو: فالتزم وجوبه ثم أقدم على استحلال عصيانه. والقول الصحيح: هو أن الروافض إنما ضلّت بتركها الظاهر واتباعها ما اتبع بكر ونظراؤه من التقليد، والقول بالهوى بغير علم ولا هدّى من الله ولا سلطان ولا برهان (١). رأينا في هذه النقطة: ونحن مع تسليمنا بأن الأخذ بالظاهر هو الأصل، وأن طريق الظاهرية أقرب إلى السلامة. . نرى أن ما يقوله الظاهرية وابن حزم فيمن يخالف الأخذ بالظاهر، إنما ينطبق على المغالين بالتأويل أمثال بعض الفرق كالمرجئة والباطنية، وقد رأينا نماذج من كلامهم فيما سبق، ونقل هو إلينا شيئًا من كلام بكر البشري. أما الأئمة المعتبرون الذين أخذوا بالتأويل: فقد وضعوا له الشروط التي أسلفنا الحديث عنها، وهي شروط إذا التزمها المؤول كان في مأمن عن

стр. 355

الزيغ والانحراف واتباع غير ما أنزل الله، وما إلى ذلك من المزالق والدركات التي يرمي بها ابن حزم مَن يؤولون الكلام ويأخذونه على غير ظاهره. ولقد ذكرنا من قبل - إلى جانب الشروط التي وضعها العلماء في هدي الكتاب والسنّة - أن الأصل عندهم هو الأخذ بالظاهر، ونقلنا في هذا كلامًا عن الشافعي والطبري والخطابي يعطي أن الأصل أخذ الكلام على ظاهره (١). وإذا توفرت بواعث التأويل: كان الجنوح إليه إنما يقع ضمن إطار محدد وشروط مرسومة، وذلك في نظرنا السبيل الواضحة المأمونة. ولقد أبنّا من قبل أن الأئمة الأولين، لا تدل سيرتهم العلمية على رضاهم أن تكون المذهبية حاكمة التأويل، وإنما التأويل من وراء الكتاب والسنّة ومفهومات الشريعة ومدلولات اللغة. ولقد كانت الجادة التي سلكها الجمهور في نزوعهم إلى التأويل - عندما تتوفر بواعثه - سبيلًا واضحة المعالم ضمن حدود وقيود وضوابط متّسقة كل الاتساق مع مقاصد الشريعة السمحة، ورحابة لغة القرآن الكريم. أما الجمود عند الظاهر: فقد كان سببًا لوقوع الظاهرية في كثير من الغرائب والأحكام التي تبدو نابية عن لغة وروح شريعة الإسلام (٢). وسنكتفي بتقديم بعض النماذج دليلًا لما نقول. * * *

стр. 356

المطلب الثالث من ثمرات الاختلاف بين الظاهرية والجمهور ١ - مسألة الطهارة من ولوغ الكلب: قال ابن حزم: (فإن ولغ في الإناء كلب - أيَّ إناء كان وأيَّ كلب كان. كلب صيد أو غيره كبيرًا أو صغيرًا - فالغرض إهراق ما في الإناء كائنًا ما كان، ثم يغسل سبع مرات ولا بد. أولاهن بالتراب مع الماء، وذلك الماء الذي يطهَّر به الإناء: طاهر حلال. فإن أكل الكلب في الإناء، ولم يلغ فيه، أو أدخلَ رجله أو ذنبه أو وقع بكلِّه فيه: لم يلزم غسل الإناء، ولا إهراق ما فيه البتة، وهو حلال طاهر كله كما كان. وكذلك: لو ولغ الكلب في بقعة في الأرض، أو في يد إنسان، أو في ما لا يسمى إناء: فلا يلزم شيء من ذلك، ولا إهراق ما فيه، والولوغ هو الشرب فقط؛ فلو مسَّ لعابُ الكلب أو عرقُه الجسدَ أو الثوبَ أو الإناء، أو متاعًا ما، أو الصيد: ففرضٌ إزالة ذلك بما أزاله؛ ماءً كان أو غيره، ولا بد من كل ما ذكرنا، إلا من الثوب فلا يُزال إلا بالماء) (١). ودليل ابن حزم لهذه المسألة بشعبها المتعددة، ما حدّث به أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات" (٢) وفي رواية: "طَهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" (٣).

стр. 357

وإذا تركنا الشعبة الأولى من المسألة، وهي إهراق الماء وغسل الإناء بالماء سبع مرات أولاهن بالتراب، نرى العجب فيما بقي. إن ابن حزم يريد النص!! ولم يأتِ نص باجتناب الماء الذي يغسل به الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ولا شريعة - كما يقول - إلا بما أخبر به رسول الله ﷺ ، وما عدا ذلك فهو مما لم يأذن به رسول الله تعالى. والماء حلال شربه، طاهر، فلا يحرم إلا بأمر منه ﵇. ولكنا لا نوافق أبا محمد على ما ذهب إليه، ونرى أن في الحديث دليلًا على أن الماء المولوغ فيه نجس؛ ذلك لأن الذي قد مسّه الكلب هو الماء دون الإناء، فلولا أن الماء نجس لم يجب تطهير الإناء منه (١). ودلالة الحديث على ما نقول: هي الدلالة الصريحة الواضحة التي لا تحتاج إلى تأويل (٢). وهكذا كانت شدة التمسك بالظاهر عند ابن حزم على هذا النحو: مدعاة لترك مدلول الظاهر نفسه. وإن تعجب: فعجبٌ وقوفه عند الظاهر من الولوغ في الإناء؛ فالرسول ﵇ كما يرى هو - أمر بهرق ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب، ولم يخص شيئًا من شيء، ولم يأمر ﵇ باجتناب ما ولغ فيه في غير الإناء، بل نهى عن إضاعة المال. فالمنجّس هو الولوغ والمتنجّس هو الإناء، بهذا أتى النص، فما ولغ فيه في غير الإناء: في بقعة أرض، أو يد إنسان أو فيما لا يسمى إناء فلا مدعاة لغسله، ولا هرق ما فيه. وإذا كان المنصوص عليه هو الولوغ: فالحفاظ على الوقوف عند الذي

стр. 358

أذن الله به من الشريعة: أن يفرق بين الولوغ وغيره. فما عدا الولوغ؛ كأن يأكل الكلب في الإناء، أو يقع فيه، أو يُدخل فيه بعض أعضائه من ذنَب أو يد أو رجل: فهو طاهر لا يحرم ولا ينجس إلا بدليل. ولا دليل. وقد اعتمد ابن حزم في ذلك على الاستصحاب (١)، إذ الأصل في المباحات الطهارة فما كان من مطاعم ومشارب، وسائر المباحات فهو حلال بيقين، فلا ينتقل من حال الإباحة والطهارة، إلى حالة الحرمة والنجاسة إلا بنص، والنصُّ قد اقتصر على الولوغ في الإناء، وهذه خارجة عن النص، فيبقى ما ذهب إليه الجمهور في الحكم بالتنجيس والحرمة: دعوى بلا دليل. أليس عجيبًا أن يغمض الإمام الظاهري أبو محمد عينيه عن معاني الشريعة التي تلتقي مع الطباع السليمة، ولا تتعدى حدود المعقول فيفرق بين أكل الكلب من الإناء وبين شربه منه؟! بل يفرق بين الشرب وبين وقوع الكلب فيه أو بعضه في الإناء. والكلب قذر في كل حال؟؟ إنه خوف التأويل - كما يرى - والحفاظ على شريعة الله أن ينالها التغيير والتبديل. أما وجوب إزالة لعاب الكلب وعرقه في أي شيء كان: فليس دليله عند ابن حزم حديث الولوغ، وإنما هو تحريم الله كل ذي ناب من السباع، والكلب ذو ناب من السباع، فهو حرام بلا شك. ولعابه وعرقه حرام لأن بعض الحرام حرام، والحرام فرضٌ إزالته واجتنابه. والإزالة هنا تصح عنده بكل ما يؤدي الغرض، ما عدا الثوب فلا تصح إزالة لعاب الكلب وعرقه عنه إلا بالماء لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]. وفي أعقاب هذا الحكم، نريد أن نقول ما قاله الشيخ أحمد شاكر في هذا المقام: (أفليس ما أكل منه الكلب من طعام، أو وقع فيه من شراب، أو دخل

стр. 359

فيه بعض أعضائه: بقي فيه شيء من لعابه، أو عرقه أو نتنه، ويحرم تناوله وتجنُّب إراقته لذلك؟ اللهم غفرًا) (١). هذا ومما يتعلق بمسألة الطهارة من ولوغ الكلب ما ذهب إليه الشافعي من وجوب الغسل من ولوغ الخنزير في الإناء سبعًا كما يغسل من الكلب (٢). وابن حزم لم يرتض هذا الحكم من الشافعي؛ فقياس الخنزير على الكلب - كما يقول - خطأ ظاهر - لو كان القياس حقًّا - وكما لم يجز أن يقاس الخنزير على الكلب في اتخاذه وأكل صيده، فكذلك لا يجوز أن يقاس الخنزير على الكلب في عدد غسل الإناء من ولوغه. فكيف والقياس كله - في نظره - باطل. ٢ - مدلول النهي عن البول في الماء الراكد: أخرج ابن حزم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه" (٣). استدلّ ابن حزم بالحديث على أن البول مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال خارج الماء، فجرى البول إلى الماء، أو لو بال في إناء وصبّه في الماء لم يضرَّ عنده. قالبائل في الماء الراكد الذي لا يجري: حرام عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسال به لفرض أو لغيره. وحكمه التيمُّم إن لم يجد غيره، وذلك الماء: طاهر حلال شربُه له ولغيره، إن لم يغير البول شيئًا من أوصافه. وحلالٌ الوضوء به والغسل لغيره. فلو أحدث في الماء، أو بال خارجًا منه، ثم جرى البول فيه، فهو

стр. 360

طاهر ويجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئًا من أوصاف الماء، فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلًا، لا له ولا لغيره (١). رأي النووي وابن دقيق العيد في المسألة: لقد حكى النووي هذا القول عن داود بن علي، وقرّر أن الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر. وحين جاء ابن دقيق العيد على ذكر هذا الحكم، قرر فيه أن مما يعلم بطلانه قطعًا، ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة، من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء. والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم: لاستواء الأمرين في الحصول في الماء، وأن المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء. وليس هذا من مجال الظنون، بل هو مقطوع به (٢). فابن دقيق العيد - وهو ذاهب مذهب الجمهور - يرى أن مدلول الحديث عام في اجتناب ما وقعت فيه النجاسة، لا أنه مخصوص بالبول في الماء. ومن إسناد الحكم إلى الظاهرية الجامدة - على حد تعبيره - يفهم أن الرأي ليس رأي ابن حزم فقط إنما هو رأي المذهب. يؤيد ذلك أن النووي نسب ذلك إلى داود (٣). ٣ - مدلول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]: ذهب ابن حزم مستدلًا بهذه الآية إلى الحكم بنجاسة الكفار نجاسة عين: وقد صرّح بأن لعاب الكفار من الرجال والنساء - الكتابيين وغيرهم -

стр. 361

نَجِسٌ كله، وكذلك العَرَق منهم والدَّمْعُ، وكل ما كان منهم، لأن البعض من النجس نجس. وقد أيّد ما فهم من ظاهر الآية بما روي عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جنبًا، فقال: "إن المسلم لا ينجس" (١). ولقد عجب ممن يقول بطهارة المشركين مع وجود الآية الكريمة ونص هذا الحديث. وذلك قوله في "المحلَّى": (وما فهم قط من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] مع قول نبيه ﷺ : "إن المؤمن لا ينجس" أن المشركين طاهرون. ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نصّ الله تعالى أنهم نَجَس إنهم طاهرون) (٢). وهكذا نرى ابن حزم يقف عند ظاهر اللفظ من الآية والحديث ويعتبر ذلك نصًا فيما ذهب إليه. أما الجمهور: فقد ذهبوا إلى طهارة لعاب الكفار، وعرقهم، ودمعهم وما إلى ذلك. وتأوّلوا الآية المذكورة بحَمل النجاسة على ما يتعلق بالاعتقاد والاستقذار. كما تأوّلوا الحديث: "إن المسلم لا ينجس" على معنى أن المسلم طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفُّظه عن النجاسة. وقد استندوا في تأويلهم إلى حل زواج الكتابيات، مع أن الزواج يدعو إلى أتم المخالطة، ولا يمكن مع هذه المخالطة الاحتراز عن آثارهن: من

стр. 362

عرق وريق في بدن المؤمن وثوبه وفراشه. ومع ذلك، فلا يجب من غسل الكتابية إلا ما يجب من غسل المسلمة (١). ولم يرتضِ ابن حزم الاحتجاج بحل زواج الكتابيات، فذلك لا يؤدي في نظره إلى حل اللعاب والعرق والدمع، وكأنه يرى أن كلًا من المسألتين يجري في طريق. وكان من الطرائف جوابُه عن مسألة عدم استطاعة الاحتراز مع الزواج والمضاجعة حيث قال: (فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفُّظ من ذلك. قلنا: هذا خطأ بل يفعل فيما مسَّه من لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسَّه بولُها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق. ولا حرج في ذلك). وينتقل أبو محمد إلى القول: (ثم هبك أنه لو صحّ ذلك في نساء أهل الكتاب، من أين لهم طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من غير أهل الكتاب. فإن أجابوا بالقياس ردّ عليهم ببطلان القياس) (٢) ولا بدع أن يطلب ابن حزم نصًا لكل مسألة على حدة. الذي نرجحه: والمقبول عندنا أن تأويل الآية والحديث: سليم لا غبار عليه، لما استند إليه من الأدلة وذلك ما يجعلنا نرجح مذهب الجمهور. فقد أباح الله للمؤمنين طعام أهل الكتاب، ومؤاكلتهم، ولن يخلو هذا من آثارهم. وفي إباحته للزواج بالكتابيات (٣) من الآثار ما لا يمكن التحرُّز عنه في مخالطتهن - كما تقدم -. وإن في هدي رسول الله ﷺ ما يؤيد هذا المذهب، فلقد توضأ

стр. 363

رسول الله ﷺ من مزادة مشركة. وربط ثمامة بن أثال - وهو مشرك - بسارية من سواري المسجد. وأكل من الشاة التي أهدتها إليه يهودية من خيبر. وأكل الجبن المجلوب من بلاد النصارى (١) وأكل من خبز الشعير والإهالة لما دعاه يهودي إلى ذلك (٢). وحين استشاره المسلمون في الاستمتاع بآنية الكفار، أقرّهم عليه مع كونها مظنّة لملابستهم ومحلًا للمنفصل عن رطوبتهم ولعابهم (٣). فهذا وغيره من الأدلة والقرائن: يعطي ما ذهب إليه جماهير السلف والخلف، من أن الكافر حكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم. وأن المراد من نجس المشركين في الآية: نجاستهم المعنوية؛ لاعتقاد الباطل وعدم الحرص على الطهارات، وأنهم لا يتحرزونه من النجاسات؛ فيما يستحلونه كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر. وقس على ذلك. الآدمية في المسلم والكافر: فإذا أضفنا إلى كل ما مر، أن آدمية الإنسان سبب في تكريمه تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء]. وأن من أغراض هذه الشريعة: تحقيق المعنى الإنساني كما ينبغي في هذه الأرض، رأينا أن العدول عن رأي الجمهور: عدول إلى ما لا يلتفت إليه، وسعي وراء ما لا يتفق مع روح شريعة إنسانيةٍ حققت كرامة الإنسان.

стр. 364

وليس بدعًا بعد هذا: أن نرى الإمام النووي لا يعبأ بمخالفة الاتجاه الظاهري في المسألة، ويعتبر الإجماع منعقدًا على ما ذكرناه. قال في شرحه "الصحيح مسلم": (وأما الكافر: فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف. وأما قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما. فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا، فعرقُه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان محدثًا أو جنبًا أو حائضًا أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين) (١). والآن: وبعد الذي عرضنا من موقف الظاهرية من التأويل نود أن نقرر مرة أخرى: أن طريق الجادة في التأويل: هو طريق الجمهور، فهو يتسم بالاعتدال والانسجام مع روح الشريعة ولغتها. فلا جمود عند الظاهر الذي قد يؤدي إلى البُعد عن مدلول الخطاب في اللغة، ولا انحراف مع الهوى بتأويلات فاسدة ظالمة تنأى بالمسلم عن كتاب الله وبيانه، واللغة التي كانت لسان الوحي وسبيل البيان. من التأويل في القانون: ١ - قضت المادة/ ٧٥/ من المرسوم التشريعي رقم/ ٢٠٤/ تاريخ ١١/ ١٢/ ١٩٦١ المتعلق بتنظيم وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية بإعفاء أماكن العبادة والعقارات الوقفية والخيرية من بعض الرسوم. وقد أوّلت بعض الجهات هذا النص بما يجعل كلمة (أماكن العبادة. . .) تشمل الأماكن التي تخص غير المسلمين، وطالبت تلك الجهات وزارة

стр. 365

الشؤون البلدية والقروية بإعفائها من الرسوم التي نصّت عليها المادة/ ٧٥/ الآنفة الذكر. واستفتت الوزارة المذكورة مجلس الدولة الذي أصدر رأيًا يحكم فيه بعدم صحة ذلك التأويل، وأن الإعفاء من بعض الرسوم المقررة في المادة / ٧٥/ من المرسوم التشريعي/ ٢٠٤/ ينصرف إلى الأماكن التي تخص المسلمين دون غيرهم. وقد قام رأي مجلس الدولة - الذي يعتبر التأويل الصحيح المقبول لنص المادة /٧٥/ - على عدة حيثيات كان من أهمها: ١ - أن المادتين الأولى والثانية وجميع مواد القانون: تنظم وزارة الأوقاف الإسلامية فقط دون غيرها. لا سيما وأن الوزارة قد سميت باسم وزارة الأوقاف الإسلامية. ب - ثم إن الاحتمال الذي يرى في عبارة (أماكن العبادة) ينفيه نفيًا قاطعًا: أن النص قد ورد في القانون المنظم للأوقاف الإسلامية فقط دون أن يتعرض لأي نوع من أنواع الأوقاف وأماكن العبادة لغير المسلمين. لهذا، ولحيثيات أخرى قد تنطوي تحت ما ذكرناه: أجمعت آراء اللجنة المختصة على أن الإعفاء المقرر بموجب المادة/ ٧٥/ من المرسوم التشريعي رقم/ ٢٠٤/ تاريخ /١١/ ١٢/ ١٩٦١ المتعلق بتنظيم الأوقاف ينحصر بأماكن العبادة والمقابر والعقارات الوقفية الخيرية للمسلمين فقط دون غيرهم (١). وهكذا كان التأويل الأول غير مقبول، لأن ذلك الاحتمال الضعيف لم يسعفه أي دليل يمكن أن يرقى به إلى رتبة ما دلّ عليه ظاهر النص، وقد قدم مجلس الدولة - من القانون نفسه - المؤيدات التي دلّت بوضوح على أن مدلول المادة/ ٧٥/ من الإعفاء لا يشمل - بحال - أيًا من أوقاف غير المسلمين.

стр. 366

٢ - جاء في المادة ١٥١/ ٢١٣ من القانون المدني المصري الملغى: أن كل عمل يُحدث ضررًا بالغير تترتب عليه مسؤولية فاعله. ولكن يبدو أن المشرع حين وضع القاعدة العامة في هذه المادة، لم ينظر إلى الأحوال الخاصة المختلفة؛ إذ قد يكون العمل مضرًا في بعض الحالات، ومع ذلك لا يُلزم فاعله بدفع تعويض، إذا كان عمله بناءً على حق، ولذلك كان من الممكن التأويل في المادة المذكورة لتنسجم مع تلك الحالات التي لم يراعها المشرع. ولكن لم يرتضِ رجال القانون أن يؤدي التأويل إلى تغيير هذا النص؛ فرأينا الدكتور محمد كامل مرسي ﵀ في شرحه للقانون المدني يوجب عدم التوسع في هذا الأمر - يعني التأويل -؛ لأن الأصل - كما يقول - هو أنه ما دام القانون صريحًا، فلا يجوز - بدعوى تأويله - تغيير نصوصه بناء على أن روح القانون تدعو لذلك التغيير - حتى لو كان من رأي القاضي الشخصي أن النص غير عادل - لأن مرجع ذلك إلى المشرع، ومهمة القاضي في الأصل: مقصورة على الحكم بمقتضى القانون، لا الحكم على القانون (١). * * *

стр. 367

البَابُ الثَّاني طرق دلالة الألفاظ على الأحكام منهج الحنفية في طرق الدلالات منهج المتكلمين في طرق الدلالات

стр. 368

تمهيد: لا بد لتفسير النص الشرعي في كتاب أو سنّة تفسيرًا صحيحًا عند الاستنباط، من إدراك سليم لدلالات الألفاظ على المعاني المرادة من الكلام. وعلماؤنا الذين أقاموا أصول الفقه على خير الدعائم وأفضلها - في ظل العربية ومنطق الاستدلال الشرعي - قد تباينت أنظارهم في طرق دلالة الألفاظ على الأحكام، وضوابط تلك الطرق، الأمر الذي وطّأ لتنوُّع مصطلحاتهم في هذا المضمار، فسلك كل فريق مسلكًا خاصًّا له سماته ومميزاته. واختلاف المسالك في الأصول، كان له أثره الواضح في الفروع. هذا ومما لا شك فيه: أن دلالة الألفاظ على الأحكام لها طرق متعددة: فالنص الشرعي أو القانوني: ليست دلالته على الحكم قاصرة على ما يفهم من عبارته؛ بل كثيرًا ما تكون الدلالة على الحكم من طريق الإشارة، أو المفهوم، أو الاقتضاء. ولكل واحد من طرق الدلالة اعتباره في إعطاء الحكم وإلزام المكلف العمل بهذا الحكم ليخرج من العهدة، على تفاوت في المراتب، يقتضي تقديم الأقوى من تلك الدلالات على الأضعف عند التقابل. ومن هنا قال علماء الأصول: يجب العمل بما تدل عليه عبارة النص وما تدل عليه روحه ومعقوله (١).

стр. 369

وهكذا كان خروج المكلف من العهدة، منوطًا بالعمل بما يدل عليه النص - على اختلاف طرق الدلالة -. وكان عدم العمل بأي واحد يتعين العمل به من هذه الدلالات - على اختلاف قوتها - تعطيلًا للنص. ونحن موردون هنا اصطلاح كل من الحنفية والمتكلمين في طرق دلالة ألفاظ النصوص من الكتاب والسنّة على الأحكام: حيث نبدأ بطريقة الحنفية جريًا على ما سلكناه فيما مضى، ثم نثنِّي بطريقة المتكلمين، غير ناسين أن نقف في أثناء ذلك عند معالم الاختلاف بين الفريقين؛ لترى أيّ طاقات أصولية وفقهية تكشفت عنها أمثال هذه المباحث، وما كان لذلك من أثر في مناهج تفسير النصوص، وما انبنى عليه من ثمرات في الفروع والأحكام. المراد بالنص هنا: ونحب أن نقدّم بين يدَيْ مصطلح الفريقين: أنهم يطلقون النصوص في هذا المجال على غير ملفوظٍ مفهوم المعنى من الكتاب والسنّة، سواء أكان ظاهرًا أم نصًا أم مفسرًا. حقيقة أم مجازًا. خاصًّا أم عامًا. . . وليس المراد "النص" بالمعنى الاصطلاحي الذي مرّ في مباحث "واضح الدلالة من الألفاظ". وعلى هذا كان التمسك في إثبات الحكم بظاهر أو مفسر أو خاص أو عام - استدلالًا بعبارة النص لا غير - هو العمل بظاهر ما سبق الكلام له. قال صاحب "كشف الأسرار" البخاري: (والمراد من العمل عمل المجتهد، وهو إثبات الحكم، لا العمل بالجوارح، كما إذا قيل: الصلاة فريضة لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ والزنى حرام لقوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] فهذا وأمثاله هو العمل بظاهر النص والاستدلال بعبارته) (١).

стр. 370

الفصل الأول منهج الحنفيّة في طرق الدّلالات يرى المتتبع لما كتبه علماء الأصول من الحنفية؛ كالدبوسي والبزدوي والسرخسي، ومَن جاء بعدهم وسلك نهجهم: أنهم يقسمون طرق دلالة الألفاظ على الأحكام إلى أربعة أقسام هي: دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة النص، ودلالة الاقتضاء. ويعتبرون ما عداها، كأخذ الحكم من مفهوم المخالفة، أو أخذه من حمل المطلق على المقيد في بعض الحالات - كما سيأتي بحث كل في موطنه - من التمسكات الفاسدة (١). ووجه الضبط في هذه الطرق الأربعة: أن دلالة النص على الحكم: إما أن تكون ثابتة باللفظ نفسه. أو لا تكون كذلك. أ - والدلالة التي تثبت باللفظ نفسه: إما أن تكون مقصودة منه فهو مسوق لها. أو غير مقصودة. فإن كانت مقصودة: فهي العبارة، ويدعونها في أبحاثهم (عبارة النص) وإن كانت غير مقصودة: فهي الإشارة وهي تلك التي يدعونها (إشارة النص).

стр. 371

ب - والدلالة التي لا تثبت باللفظ نفسه: إما أن تكون مفهومة من اللفظ لغة. أو تكون مفهومة منه شرعًا. ففي حال فهمها منه لغة تسمى: (دلالة النص). وفي حال فهمها منه شرعًا تسمى: (دلالة الاقتضاء) (١) وما وراء هذه الطرق هو التمسكات الفاسدة. وقد جاء التفتازاني في "التلويح" على وجه ضبط طرق الدلالة كما ذكرناها فقال: (ووجه ضبطه - على ما ذكره القوم - أن الحكم المستفاد من النظم: إما أن يكون ثابتًا بنفس النظم أو لا، والأول: إن كان النظم مسوقًا له فهو العبارة، وإلا فهو الإشارة، والثاني: إن كان الحكم مفهومًا منه لغة فهي الدلالة، أو شرعًا فهو الاقتضاء، وإلا فهو التمسُّكات الفاسدة) (٢). وينبغي أن يعلم أن الأحكام الثابتة بأي طريق من هذه الطرق الأربعة للدلالة، تكون ثابتة بظاهر النص، دون القياس والرأي. لذا رأينا القاضي أبا زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة" يبحث الدلالات من خلال الأحكام الثابتة بها، ويقدّم لنا الموضوع تحت عنوان (القول في أقسام الأحكام الثابتة بالظاهر دون القياس بالرأي) ثم يقول: هذه الأحكام الأربعة (الثابت بعبارة النص، والثابت بإشارة النص، والثابت بدلالة النص، والثابت بمقتضى النص. . .) ثم يتابع البحث في كل واحد منها على حدة (٣). وجاء شمس الأئمة السرخسي، ليسلك السبيل نفسَها، ففي كتابه "الأصول" يطالع القارئ بابًا بعنوان (بيان الأحكام الثابتة بظاهر النص دون

стр. 372

القياس والرأي). وجريًا على الطريقة نفسها قال ﵀: (هذه الأحكام تنقسم أربعة أقسام: الثابت بعبارة النص، والثابت بإشارته، والثابت بدلالته، والثابت بمقتضاه). ثم جاء على كل واحد من الأقسام بالتعريف والإيضاح وبالأمثلة والشواهد من نصوص الكتاب والسنّة (١). وكان في ذلك قدر كبير مشترك بينه وبين مَن سبقه، ثم جاء مَن بعدَه، فصنع صنيعه في سلوك سبيل سلفه من العلماء (٢). * * *

стр. 373

المبحث الأول عبارة النص ماهية العبارة: تأتي العبارة في اللغة في معرض التفسير والبيان. يقال: عبرَ الرؤيا يعبرها عبرًا، وعبارة وعبَّرها: فسَّرها. وعبَّر عما في نفسه: أعرب وبيّن، والاسم: العِبرة والعِبارة، ويقال: حسَن العبارة: أي حسن البيان. أما في الاصطلاح: فدلالة العبارة عند الحنفية هي: (دلالة اللفظ على الحكم المَسوقِ له الكلام أصالةً أو تبعًا، بلا تأمُّل). فهي دلالة صريحة بلا نظر ولا بحث، وهي دلالة على ما سبق لأجله الكلام، سواء سيق له أصالةً أو تبعًا. لهذا قال السرخسي عن الحكم الثابت بالعبارة: (فأما الثابت بالعبارة: فهو ما كان السياق لأجله، ويعلم قبل التأمُّل أن ظاهر النص متناول له) (١). وقال البزدوي في معرض الاستدلال بالعبارة: (والاستدلال بعبارة النص هو العمل بظاهر ما سيق الكلام له) (٢). وقد عبّرنا بالسَّوْق أصالة أو تبعًا، لما رأينا من الأمثلة التي أوردوها العبارة النص التي نحن بصددها - وسنرى شيئًا من تلك الأمثلة - ولما شُرح

стр. 374

به كلام البزدوي وغيره بأن المراد بالسَّوْق ما يشمل السَّوْق أصالة والسَّوق تبعًا (١). فحين يدل اللفظ على حكم سبق له الكلام أصالة أو تبعًا وكان ذلك على سبيل التبادر بلا تأمُّل - كما قال السرخسي -: فهي دلالة العبارة. والذي نراه هنا في أمر السوق أصالة وتبعًا، هو غير ما رأيناه في النص من أقسام واضح الدلالة فقد اشترط له المتأخرون - كما سبق - أن يكون السوق مقصودًا له أصالة لا تبعًا (٢). أمثلة عبارة النص: وفي نصوص الأحكام العديدُ من الأمثلة على دلالة العبارة؛ بل إن الأمثلة في الفقه والقانون أكثر من أن تحصى (٣) لأن النص هو الثوب الذي يُلبسه الشارع للحكم الخاص المقصود من التشريع، حيث تصاغ الألفاظ والعبارات لتدل عليه. فكل نص شرعي له معنى تدل عليه عباراته وظواهر ألفاظه.

стр. 375

ولقد عني علماؤنا بعرض الأمثلة العبارة النص، وقرروا عدم التفريق بين المقصود من السياق أصالة والمقصود منه تبعًا، وبيّنوا كيف أن النص إذا ورد، ودلّ باللفظ نفسه على حكمٍ - كان هو المقصود أصالة من ورود النص - ثم دلّ معه على حكم لم يكن مقصودًا أصالة من الورود وإنما جاء تبعًا: كانت الدلالة على الحكم الأول وعلى الحكم الثاني: دلالة عبارة. ١ - فمن أمثلة العبارة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. فإن هذا النص يدل على عدد من الأحكام هي: أ - إباحة الزواج. ب - وإباحته بأكثر من واحدة ممن حلّ من النساء - في حدود الأربع - مع الاطمئنان إلى إمكان العدل وعدم الخوف من الجور، وظلم الزوجات. ج - وأخيرًا وجوب الاقتصار على زوجة واحدة، إذا خيف عدم العدل عند التعدد. وكل هذه الأحكام: معانٍ دلّ عليها هذا النص القرآني، وهي مستفادة من الألفاظ نفسِها والعبارات بشكل واضح. فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ دلّ على إباحة الزواج. وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ دلّ على إباحة التعدد في حدود أربع زوجات. أما وجوب الاقتصار على زوجة واحدة عند خوف الجور: فدلّ عليه قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. غير أن هذه الأحكام المذكورة ليست كلُّها على صعيد السوق أصالة؛ بل إن الحُكمين: إباحة الأربع، ووجوب الاقتصار على الواحدة عند خوف الجور، هما المقصودان أصالة من السوق. أما الحكم الأول - وهو إباحة الزواج - فمقصود تبعًا، كما علم ذلك من

стр. 376

أسباب النزول: فقد ورد في ذلك - كما ذكر الطبري - أن القوم كانوا يتحوّبون (١) في أموال اليتامى أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوّبون في النساء، أن لا يعدلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك، فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك، وإن خفتم ألا تعدلوا أيضًا في الزيادة عن الواحدة: فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن؛ من واحدة أو ما ملكت أيمانكم). وعن السُّدي: كانوا يتشدّدون في اليتامى ولا يتشدّدون في النساء؛ ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن، فنزلت (٢). وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهما (٣). وإذن فحكمُ إباحة التعدد مع عدم الزيادة على أربع، ووجوبِ الاقتصار على الواحدة عند خوف الجور - كما جاء في الآية - مقصودان أصالة وقد استتبعا بيان إباحة الزواج. فحكم الإباحة مقصود تبعًا لا أصالة، وقد ذُكر ليُتوصل به إلى المقصود أصالة، وهما الحكمان: الثاني والثالث. ودلالة الآية على هذه الأحكام الثلاثة: دلالة بعبارة النص، مع أنها - أي الأحكام - ليست كلها على درجة واحد من القصد في السَّوق. هذا: ولقد بلغت أحكام هذه الآية من الوضوح حدًا جعل القولَ بإباحة الجمع بين أكثر من أربع زوجات حرائر، مرة واحدة: ضربًا من الانحراف والفساد في التأويل، والخروج على مفهوم اللغة وروح الشريعة. فلقد نسب إلى الرافضة القول بإباحة تسع نسوة للرجل أخذًا من قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. وردّ عليهم ابن العربي مقالتهم هذه وحكم عليها بالجهالة،

стр. 377

لأن مقصود الكلام ونظام المعنى - كما قال: فلكم نكاح أربع، فإن لم تعدلوا فثلاث، فإن لم تعدلوا فاثنتين، فإن لم تعدلوا فواحدة، فنقَل العاجز عن هذه الرتب إلى منتهى قدرته - وهي الواحدة من ابتداء الحل - وهي الأربع. قال ابن العربي: (ولو كان المراد تسعَ نسوة لكان تقدير الكلام: فانكحوا تسع نسوة، فإن لم تعدلوا فواحدة. وهذا من ركيك البيان الذي لا يليق بالقرآن، لا سيما وقد ثبت من رواية أبي داود والدارقطني وغيرهم أن النبي ﷺ قال لغيلان الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: "اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن") (١). وأخذًا من عبارة النص في الآية وحديث غيلان قال الإمام ابن حزم: بعد أن قرر أنه لا يحِل لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة: (وأيضًا فلم يختلف في أنه لا يحل لأحد من أهل الإسلام زواج أكثر من أربع نسوة، وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام) (٢). ٢ - ومن دلالة العبارة أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإن مدلول الآية ظاهر في حكمين كل منهما مقصود من سياق النص: أما الأول: فهو حل البيع وحرمة الربا. وأما الثاني: فهو التفرقة بين البيع والربا، ونفي المماثلة بينهما؛ فالأول حلال، والثاني حرام. غير أن الحكم الثاني - وهو نفي التماثل - مقصود أصالة من السياق؛ لأن الآية سيقت للرد على الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.

стр. 378

أما الحكم الأول - وهو حل البيع وحرمة الربا - فمقصود من السياق تبعًا (١) لأن نفي المماثلة استتبع بيان حكم كلٍّ منهما، حتى يُتوصل من اختلاف الحكمين إلى عدم التماثل بينهما. لهذا: فإن كون هذا الحكم غيرَ مقصود أصالة من السياق، لا يمنع أن الدلالة عليه دلالة بعبارة النص، فالدلالة على الحكمين المذكورين في الآية الكريمة دلالة عبارة. وفي هذا نقل عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار" عن صدر الإسلام في (أصوله) قوله: (الحكم الثابت بعين النص أي بعبارته: ما أثبته النص بنفسه وسياقه كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فعين النص توجب إباحة البيع، وحرمة الربا، والتفرقة بينهما). قال عبد العزيز البخاري: (فسوَّى بين ما هو مقصود أصلي وهو الفرق، وبين ما ليس كذلك وهو حل البيع وحرمة الربا، وجعلهما ثابتين بعبارة النص لا بإشارته) (٢). والأمثلة لهذه الطريق من طرق الدلالة، تعز على الحصر، فالأصل - كما أسلفنا - أن الشارع يكسو ما أراده في خطابه للمكلفين بهذه الألفاظ التي تدل على المراد بـ "عبارة النص". من عبارات النص في القانون: ومن أمثلة عبارة النص في القانون ما يلي: ١ - جاء في المادة/ ٩٠/ من القانون المدني السوري ما يلي: ١ - "تعتبر أموالًا عامة العقارات والمنقولات التي للدولة، أو الأشخاص الاعتبارية العامة والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل، أو بمقتضى قانون أو مرسوم".

стр. 379

ب - "وهذه الأموال لا يجوز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم". فدلالة الفقرة الأولى على معنى قُصِدَ من سياق الكلام - وهو ما يعتبره القانون من الأموال العامة - دلالة بعبارة النص. وكذلك دلالة الفقرة الثانية على المعنى الذي قصد من السياق - وهو عدم جواز التصرف بتلك الأموال أو حجزها أو تملكها بالتقادم - هو دلالة بعبارة النص أيضًا. ٢ - جاء في المادة الرابعة من القانون المدني المصري أن "مَن يستعمل حقه استعمالًا مشروعًا لا يكون مسؤولًا عما ينشأ عن ذلك من ضرره". فنص هذه المادة يدل على عدم مسؤولية صاحب الحق الذي يستعمله استعمالًا مشروعًا، عن الأضرار التي قد تصيب غيره من هذا الاستعمال، فدلالة المادة على هذا الحكم المقصود من سياق الكلام: دلالة بعبارة النص. ٣ - نصت المادة/ ٢٧٤/ من قانون العقوبات المصري على ما يلي: "المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، ولكن لزوجها حق إيقاف تنفيذ الحكم برضائه معاشرتها". فهذه المادة دلّت على ما يأتي: ١ - العقوبة التي تستحقها الزوجة بسبب الزنى. ٢ - حبس الزوجة مدة لا تزيد على سنتين. ٣ - إعطاء الحق للزوج بإيقاف تنفيذ تلك العقوبة برضائه معاشرة الزوجة. فدلالة المادة على هذه المعاني المذكورة - وهي معان سيق لأجلها الكلام -: دلالة بعبارة النص (١).

стр. 380

المبحث الثاني إشارة النص المطلب الأول ماهية الإشارة وأما دلالة الإشارة: فهي (دلالة اللفظ على حكم غير مقصود، ولا سيق له النص، ولكنه لازم للحكم الذي سيق لإفادته الكلام، وليس بظاهر من كل وجه) (١). فهي دلالة باللازم، إذ يُرى مثلًا أنه يلزم من كون التعبير كذا. . كذا. قال أبو زيد الدبوسي في "التقويم": (الثابت بالإشارة: ما يوجبه سياق الكلام، ولا يتناوله، ولكن يوجبه الظاهر نفسه بمعناه، من غير زيادة عليه، أو نقصان عنه، وبمثله يظهر حدُّ البلاغة، ويبلغ حدَّ الإعجاز) (٢). وفي الكلام عن الاستدلال بالإشارة قال فخر الإسلام البزدوي: (هو العمل بما ثبت بنظمه لغة، لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه) (٣). وقد نظَّر له الشارح عبد العزيز البخاري من المحسوس: برجل ينظر ببصره إلى شيء، ويدرك مع ذلك غيره بإشارته. وهكذا يكون مدلول كل من العبارة والإشارة: ثابتًا بالنص، وإنما يظهر

стр. 381

التفاوت عند التعارض، لأن الأول سيق الكلام من أجله، والثاني لم يُسَق من أجله - كما سيأتي - وذلك ما كشف عنه شمس الأئمة السرخسي، حين قرر أن الثابت بالإشارة والعبارة، كل واحد منهما يكون ثابتًا بالنص، وإن كان التعارض قد يظهر التفاوت بين الحكمين (١). ١ - ومن أمثلة الدلالة بالإشارة قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر]. فإن قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ. . .﴾ الآية، يدل بعبارته على استحقاق نصيب من الفيء - وهو ما يأخذه المسلمون من العدو بلا قتال - للفقراء المهاجرين، لأن الآية سيقت لبيان هذا الحكم كما ورد في قوله جلّ وعلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. ودلّ هذا النص بالإشارة على زوال ملكيته عما خلّفوا بمكة لاستيلاء الكفار عليها، فإن الله تعالى سمّاهم فقراء مع إضافة الديار والأموال إليهم، قال شمس الأئمة: (والفقير حقيقة مَن لا يملك المال، لا من بعدت يده عن المال. . . وهذا حكم ثابت لصيغة الكلام من غير زيادة ولا نقصان، فعرفنا أنه ثابت بإشارة النص) (٢). وهكذا كانت دلالة هذا النص (للفقراء المهاجرين. .) على زوال ملكية المهاجرين لأموالهم وعقاراتهم التي خلّفوها بمكة - لأنه لا سلطان لهم عليها - دلالة بإشارة النص، إذ يلزم من إضافة الديار والأموال إليهم، أن

стр. 382

ذلك كان لهم بمكة بلدهم الذي هاجروا منه، ولكن لا سلطان لهم عليه الآن، فهم فقراء، وإذن: فالملكية الحقيقية إنما تكون بالسلطان على ما يملك، لا بنسبة المال فحسب، دون سلطان لصاحبه عليه. أما الكمال ابن الهمام: فيخالف الآخرين في التطبيق، ويرى أن الدلالة على زوال الملك هي دلالة اقتضاء لا دلالة إشارة. ولا نرى موافقته في هذا الرأي: لأن دلالة الاقتضاء - كما سيأتي - هي الدلالة على ما يتوقف عليه صحة الكلام شرعًا أو لغة. وهنا ليس الأمر كذلك، بل الدلالة واقعة باللازم، إذ يلزم من تسميتهم فقراء - مع إضافة الديار والأموال إليهم - زوال الملكية كما تقدم (١). ٢ - ومن أمثلة ذلك ما نجد في قول الله جلّ وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة]. فهذا النص القرآنيُّ يدل بالعبارة، على إباحة الأكل والشرب والاستمتاع بالزوجات، في جميع الليل من أيام رمضان، إلى طلوع الفجر الصادق (٢). ويدل بالإشارة على أن من أصبح جُنُبًا: فصومه في ذلك اليوم تام، لأن الله قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وإذا كان الاتصال مباحًا في أي وقت من الليل، فقد يطلع الفجر عليه وهو جنب، لأن الاغتسال يكون بعد طلوع الفجر لا محالة، فيلزم من ذلك أن يحكم على الصيام بأنه تام في

стр. 383

مثل هذه الحال. وهذا الحكم فهمه ابن عباس بما أعطي من فقه في الدين (١). ٣ - ومن أمثلة الدلالة بالإشارة أيضًا ما يدل عليه باللازم قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة]. فالآية تدل بالعبارة على أن نفقة الوالدات، من رزق وكسوة: واجبة على الآباء، لأن هذا هو المتبادر من ظاهر اللفظ، وكان سياق الكلام لأجله (٢). وتدل بالإشارة على أن نسب الولد إلى أبيه دون أمه؛ لأن النص في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أضاف الولد إليه بحرف اللام التي هي للاختصاص. ومن أنواع هذا الاختصاص: الاختصاص بالنسب، فيكون قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ دالًا بالإشارة على أن الأب هو المختص بنسبة الولد إليه، لأن الولد لا يختص بالوالد من حيث الملك: بالإجماع، فيكون مختصًا به من حيث النسب. وهكذا لزم من إضافة الولد إلى أبيه بلام الاختصاص في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ - والاختصاص لا يكون بالملك - أن يكون النسب للاب. الاختصاص بين العبارة والإشارة: والذي ذكرناه من أن حكم النسب مدلول عليه بالإشارة: هو ما جرى

стр. 384

عليه الدبوسي والبزدوي والسرخسي ومَن تابعهم من المتأخرين. قال أبو زيد: (وفيها - يعني الآية - إشارة: بالإضافة إلى الوالد بلام التمليك إلى أن الأنساب للآباء) (١). وقال فخر الإسلام: (وأشار بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ إلى أن النسب إلى الآباء). ومثل ذلك ما قاله السرخسي في "الأصول" (٢). وجاء عبد العزيز البخاري، ليقول في شرحه لكلام البزدوي: (وفي ذِكْرِ المولود له، دون ذِكْرِ الوالد إشارةٌ إلى أن النسب إلى الأب، لأنه تعالى أضاف الولد إليه بحرف الاختصاص، فيدل على أنه هو المختص بالنسبة إليه) (٣). غير أن بعض الفضلاء رأى أن التوجيه إلى دلالة الإشارة غير صحيح، واعتبر أن المسألة من دلالة العبارة. وحجته في ذلك: أن لفظ اللام باتفاق الجميع موضوع للاختصاص، والاختصاص له أنواع كثيرة. ومن أنواعه اختصاص الوالد بنسب الولد إليه فتكون دلالته عليه من قبيل الدلالة على المعنى الموضوع له وليس من قبيل الدلالة على اللازم، ودلالة اللفظ على المعنى الموضوع له أو على جزئه من قبيل العبارة لا الإشارة (٤). رأينا في المسألة: والراجح في نظرنا: ما ذهب إليه الجمهور من اعتبار الدلالة على اختصاص الوالد بالنسب: دلالة إشارة:

стр. 385

أ - فمن غير المسلَّم به أن حكم النسب جزء داخل في المعنى الموضوع له. وقد ادّعى ذلك صاحب "التنقيح"، وردَّ صاحب "المرآة" هذه الدعوى - التي سمّاها زعمًا - بأن النسب لازم للمعنى الموضوع له - يعني الولادة للاب - فيدل عليه النظم بإشارته بالالتزام، فيكون لازمًا ذاتيًا بالمعنى المذكور، لا جزءًا داخلًا في المعنى الموضوع له (١). - ثم إن مرد الأمر بعد ذلك إلى ماهية إشارة النص. فالإشارة عند الأصوليين، تقوم على أن الكلام لم يسق للحكم أصلًا ولا تبعًا، وهم لم يدّعوا أن الإشارة مرتبطة بانفصال المعنى عن الكلمة. ولذلك يعتبرون أن الثابت بالعبارة والثابت بالإشارة: كلاهما ثابت بالنص، وإنما يظهر التفاوت بينهما - كما نقلنا عن السرخسي وغيره - عند المقابلة؛ لأن الحكم الذي دلّت عليه العبارة سيق لأجله الكلام؛ والحكم الذي دلّت عليه الإشارة لم يُسق لأجله الكلام. والنص القرآني الذي يدور حوله البحث، لم يُسق - أصالة ولا تبعًا - من أجل بيان اختصاص نسب الولد بأبيه دون أمه، وإنما هي إشارة باللازم - قد تكون بعيدة بعض الشيء - فهمها العلماء من ذكر المولود له، والإضافة بلام الاختصاص. وعليه: فإن الأصوليين منسجمون مع تعريفهم لإشارة النص، ولا غبار على المثال؛ إذ السياق لهذا الحكم غير موجود أصالة ولا تبعًا، وإنما أُخذ الحكم إشارة باللازم الذاتي للمعنى. أحكام أخرى: هذا: وهناك أحكام أخرى ترتبت على حكم اختصاص النسب وكانت لازمة له، واعتبرت الدلالة عليها دلالة إشارة أيضًا. ومنها: ١ - أن الولد يكون قرشيًا إذا كان أبوه من قريش، ولو كانت أمه غير

стр. 386

قرشية أو أعجمية، وهذا الاعتبار يظهر في الكفاءة والإمامة الكبرى، والعكس بالعكس (١). ٢ - أن نفقة الولد واجبة على أبيه لا يشاركه فيها أحد، لأنه هو المختص بالإضافة إليه، والغُرم بالغُنم؛ إذ النفقة تبنى على هذه الإضافة (٢). ٣ - وبناء على اختصاص النسب أيضًا، كان للوالد وحده حق تملك مال ولده عند الحاجة؛ لأن نسب الولد إلى أبيه، فأعطي الأب هذا الحق عند الحاجة إليه من غير إلزامه بأي عوض. وهذا الحكم مأخوذ من إشارة النص في الآية، جاء صريحًا فيما رواه جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال ﵊: "أنت ومالك لأبيك" (٣). ولذلك قال فخر الإسلام البزدوي: (وأشار بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ إلى أن النسب إلى الآباء، وإلى قوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك") (٤) فجعل حكم الوالد في تملك مال ولده عند الحاجة إشارةً تقوي أخذ الحكم نفسه من الحديث. وإنما قالوا: حق التملك ولم يقولوا: حق الملك؛ لأن الحديث مؤول - كما قال ابن الهمام - بما ورد عن عائشة فيما رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعًا عن النبي ﷺ : "إن أولادكم هبة لكم، يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها"، أو يقال: إن اختصاص مال الولد بالأب من حيث الملك بالقوة لا بالفعل، فيكون له حق

стр. 387

التملك فيه، لا حق الملك فيه الذي هو بالفعل. ثم إن الأب يرث السدس من ولده مع وجود ولد الولد، فلو كان الكل ملكه لم يكن لغيره شيء (١). ٤ - ومن ذلك أن الأب لا يستوجب العقوبة بسبب ولده، فلا يقتل به إذا قتله، ولا يقام عليه حد القذف إذا اتهمه بالزنى (٢). وكذلك لا يستوجب الحبس بما لابنِه عليه من دَيْن، إلا ما كان من أمر النفقة، فإن الدَيْن المترتب عليها مستثنى، فيحبس به الوالد لما في قطعها من إتلاف نفس الولد (٣). وكل هذه الأحكام ترتبت على حكم اختصاص النسب كما قدّمنا؛ فهي أحكام لم تُسَق الآية لبيانها، وإنما كانت لازمة لاختصاص الوالد بنسبة الولد إليه دون الأم. ولقد جاء أبو بكر الجصاص على حكم عدم قتل الوالد بولده، واستدل له بقول الرسول ﷺ فيما رواه عمر: "ولا يُقتل والد بولده" وبحديث ابن عباس: "لا يُقَادُ الوالد بولده" ثم قال: (وروي عن النبي ﵊ أنه قال الرجل: "أنت ومالك لأبيك" فأضاف نفسه إليه بلفظ يقتضي الملك في الظاهر، والأب وإن كان غير مالك لابنه في الحقيقة؛ فإن ذلك لا يُسقط استدلالنا بإطلاق الإضافة لأن القود تسقطه الشبهة، وصحة هذه الإضافة شبهة في سقوطه) (٤). ٤ - ومن أمثلة الدلالة بالإشارة ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا

стр. 388

بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف]. فالثابت بالعبارة: ظهور المنّة للوالد على الولد؛ لأن السياق يدل على ذلك، فقد أمر الله تعالى بالإحسان للوالدين، ثم بيّن السبب في جانب الأم، بأنها حملت الولد كرهًا على كره، ثم ذكر الحمل والفصال إيذانًا بأن مشقة الحمل لم تقتصر على زمن قليل، بل هي مع مشقات الرضاع معتدة هذه المدة. وفي الآية أيضًا: إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ فقد ثبت في آية أخرى أن مدة الفصال حولان كما قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وبذلك يبقى للحمل ستة أشهر، وقد خفي ذلك على كثير من الصحابة ﵃ وأدرك غامضه ابن عباس أو علي ﵄، وقبل ذلك الصحابة واستحسنوه. جاء في تفسير القرطبي عند هذا الموضوع: (قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت واحدًا وعشرين شهرًا، وإن حملت ستة أشهر أرضعتْ أربعة وعشرين شهرًا. وروي أن عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت في سنة أشهر فأراد أن يقضي عليها بالحد، فقال له علي ﵁: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فالرضاع أربعة وعشرون شهرًا والحمل سنة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدَّها) (١). السرخسي وحديث الصدقة: هذا وقد أفاض شمس الأئمة السرخسي في استنباط الأحكام عن طريق دلالة الإشارة، من بعض نصوص السنّة وذلك حين أورد في كتابه "الأصول" الحديث الوارد بشأن مستحقي هذه الصدقة وهو قوله عليه

стр. 389

الصلاة والسلام: "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" (١). فقد قرر ﵀: أ - أن الثابت بالعبارة وجوب زكاة الفطر، ولزوم أدائها إلى الفقراء يوم العيد وذلك ما كان لأجله السياق. ب - وأنه ثبت بالإشارة عدة أحكام: منها: أن هذه الزكاة إنما تجب على الأغنياء لأن الإغناء لا يتحقق إلا من الغني، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه. ومنها: أن زكاة الفطر لا تُعطى إلا لذوي الحاجة؛ لأنهم هم الذين يتصور إغناؤهم بامتثال الأمر. ومنها: أن إخراجها ينبغي أن يكون قبل الخروج إلى المصلّى لصلاة العيد؛ وذلك ليستغني الفقير عن المسألة، فيحضر إلى الصلاة خالي القلب من شواغل القوت للعيال فلا يحتاج إلى السؤال. ومنها: أن وجوب الأداء يتعلق بطلوع الفجر، لأن اليوم اسم للوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأن ما يغني المحتاج عن المسألة في ذلك اليوم أداء فيه. ومنها: أن الخروج من عهدة الوجوب في زكاة الفطر، يكون بإخراجها من أي مال، لأنه ما دام المعتبر هو الإغناء فذلك يحصل بالمال المطلق، وربما كان حصوله بالنقد أتم من حصوله بالحنطة والتمر والشعير.

стр. 390

ومنها: أن الأوْلى أن يَصْرف الشخص صدقته إلى مسكين واحد؛ فذلك أجدر أن يُحقق الإغناء المطلوب في ذلك اليوم. قال شمس الأئمة: (وإذا فرقها على المساكين كان هذا في الإغناء دون الأول، وما كان أكمل فيما هو المنصوص عليه فهو أفضل) (١). الإشارة بين الظهور والخفاء: بعد الذي رأينا من مجموعة الأحكام التي أُخذت من نصوص الكتاب والسنّة بطريق دلالة الإشارة، نلاحظ أن الإشارات تتفاوت ظهورًا وخفاءً. أ - فمنها ما يمكن إدراكه بأدنى تأمُّل. ب - ومنها ما يحتاج إلى الأكثر والأوفر منه؛ ذلك لأنها معانٍ التزاميةٌ للنصوص المترتبة على مدلولاتها، ولا بد لإدراك هذه الإشارات من مزيد من التمرُّس بألفاظ الشريعة ومدلولات اللغة، وإن شئت قلت: لا بد من الملكة التي تضيء السبيل في هذا المضمار. ولذلك تفاوتت العقول والأفهام في إدراكها. واختلف العلماء في ذلك لاختلافهم في التأمُّل، ومن هنا قبل - كما جاء في "أصول السرخسي" - (الإشارة من العبارة بمنزلة "الكناية والتعريض" من "التصريح"، أو بمنزلة "المشكل" من "الواضح") (٢). ولقد مرّت بنا عن الصدر الأول حوادث تدل على هذا التفاوت حيث يفطن البعض إلى الحكم، ولا يفطن له آخرون؛ كالذي رأينا حول قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله جلّ وعلا: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فما فطن له علي أو ابن عباس أو كلاهما
следующие страницы →