← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قرشية أو أعجمية، وهذا الاعتبار يظهر في الكفاءة والإمامة الكبرى، والعكس بالعكس (١). ٢ - أن نفقة الولد واجبة على أبيه لا يشاركه فيها أحد، لأنه هو المختص بالإضافة إليه، والغُرم بالغُنم؛ إذ النفقة تبنى على هذه الإضافة (٢). ٣ - وبناء على اختصاص النسب أيضًا، كان للوالد وحده حق تملك مال ولده عند الحاجة؛ لأن نسب الولد إلى أبيه، فأعطي الأب هذا الحق عند الحاجة إليه من غير إلزامه بأي عوض. وهذا الحكم مأخوذ من إشارة النص في الآية، جاء صريحًا فيما رواه جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال ﵊: "أنت ومالك لأبيك" (٣). ولذلك قال فخر الإسلام البزدوي: (وأشار بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ إلى أن النسب إلى الآباء، وإلى قوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك") (٤) فجعل حكم الوالد في تملك مال ولده عند الحاجة إشارةً تقوي أخذ الحكم نفسه من الحديث. وإنما قالوا: حق التملك ولم يقولوا: حق الملك؛ لأن الحديث مؤول - كما قال ابن الهمام - بما ورد عن عائشة فيما رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعًا عن النبي ﷺ : "إن أولادكم هبة لكم، يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها"، أو يقال: إن اختصاص مال الولد بالأب من حيث الملك بالقوة لا بالفعل، فيكون له حق

стр. 387

التملك فيه، لا حق الملك فيه الذي هو بالفعل. ثم إن الأب يرث السدس من ولده مع وجود ولد الولد، فلو كان الكل ملكه لم يكن لغيره شيء (١). ٤ - ومن ذلك أن الأب لا يستوجب العقوبة بسبب ولده، فلا يقتل به إذا قتله، ولا يقام عليه حد القذف إذا اتهمه بالزنى (٢). وكذلك لا يستوجب الحبس بما لابنِه عليه من دَيْن، إلا ما كان من أمر النفقة، فإن الدَيْن المترتب عليها مستثنى، فيحبس به الوالد لما في قطعها من إتلاف نفس الولد (٣). وكل هذه الأحكام ترتبت على حكم اختصاص النسب كما قدّمنا؛ فهي أحكام لم تُسَق الآية لبيانها، وإنما كانت لازمة لاختصاص الوالد بنسبة الولد إليه دون الأم. ولقد جاء أبو بكر الجصاص على حكم عدم قتل الوالد بولده، واستدل له بقول الرسول ﷺ فيما رواه عمر: "ولا يُقتل والد بولده" وبحديث ابن عباس: "لا يُقَادُ الوالد بولده" ثم قال: (وروي عن النبي ﵊ أنه قال الرجل: "أنت ومالك لأبيك" فأضاف نفسه إليه بلفظ يقتضي الملك في الظاهر، والأب وإن كان غير مالك لابنه في الحقيقة؛ فإن ذلك لا يُسقط استدلالنا بإطلاق الإضافة لأن القود تسقطه الشبهة، وصحة هذه الإضافة شبهة في سقوطه) (٤). ٤ - ومن أمثلة الدلالة بالإشارة ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا

стр. 388

بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف]. فالثابت بالعبارة: ظهور المنّة للوالد على الولد؛ لأن السياق يدل على ذلك، فقد أمر الله تعالى بالإحسان للوالدين، ثم بيّن السبب في جانب الأم، بأنها حملت الولد كرهًا على كره، ثم ذكر الحمل والفصال إيذانًا بأن مشقة الحمل لم تقتصر على زمن قليل، بل هي مع مشقات الرضاع معتدة هذه المدة. وفي الآية أيضًا: إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ فقد ثبت في آية أخرى أن مدة الفصال حولان كما قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وبذلك يبقى للحمل ستة أشهر، وقد خفي ذلك على كثير من الصحابة ﵃ وأدرك غامضه ابن عباس أو علي ﵄، وقبل ذلك الصحابة واستحسنوه. جاء في تفسير القرطبي عند هذا الموضوع: (قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت واحدًا وعشرين شهرًا، وإن حملت ستة أشهر أرضعتْ أربعة وعشرين شهرًا. وروي أن عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت في سنة أشهر فأراد أن يقضي عليها بالحد، فقال له علي ﵁: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فالرضاع أربعة وعشرون شهرًا والحمل سنة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدَّها) (١). السرخسي وحديث الصدقة: هذا وقد أفاض شمس الأئمة السرخسي في استنباط الأحكام عن طريق دلالة الإشارة، من بعض نصوص السنّة وذلك حين أورد في كتابه "الأصول" الحديث الوارد بشأن مستحقي هذه الصدقة وهو قوله عليه

стр. 389

الصلاة والسلام: "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" (١). فقد قرر ﵀: أ - أن الثابت بالعبارة وجوب زكاة الفطر، ولزوم أدائها إلى الفقراء يوم العيد وذلك ما كان لأجله السياق. ب - وأنه ثبت بالإشارة عدة أحكام: منها: أن هذه الزكاة إنما تجب على الأغنياء لأن الإغناء لا يتحقق إلا من الغني، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه. ومنها: أن زكاة الفطر لا تُعطى إلا لذوي الحاجة؛ لأنهم هم الذين يتصور إغناؤهم بامتثال الأمر. ومنها: أن إخراجها ينبغي أن يكون قبل الخروج إلى المصلّى لصلاة العيد؛ وذلك ليستغني الفقير عن المسألة، فيحضر إلى الصلاة خالي القلب من شواغل القوت للعيال فلا يحتاج إلى السؤال. ومنها: أن وجوب الأداء يتعلق بطلوع الفجر، لأن اليوم اسم للوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأن ما يغني المحتاج عن المسألة في ذلك اليوم أداء فيه. ومنها: أن الخروج من عهدة الوجوب في زكاة الفطر، يكون بإخراجها من أي مال، لأنه ما دام المعتبر هو الإغناء فذلك يحصل بالمال المطلق، وربما كان حصوله بالنقد أتم من حصوله بالحنطة والتمر والشعير.

стр. 390

ومنها: أن الأوْلى أن يَصْرف الشخص صدقته إلى مسكين واحد؛ فذلك أجدر أن يُحقق الإغناء المطلوب في ذلك اليوم. قال شمس الأئمة: (وإذا فرقها على المساكين كان هذا في الإغناء دون الأول، وما كان أكمل فيما هو المنصوص عليه فهو أفضل) (١). الإشارة بين الظهور والخفاء: بعد الذي رأينا من مجموعة الأحكام التي أُخذت من نصوص الكتاب والسنّة بطريق دلالة الإشارة، نلاحظ أن الإشارات تتفاوت ظهورًا وخفاءً. أ - فمنها ما يمكن إدراكه بأدنى تأمُّل. ب - ومنها ما يحتاج إلى الأكثر والأوفر منه؛ ذلك لأنها معانٍ التزاميةٌ للنصوص المترتبة على مدلولاتها، ولا بد لإدراك هذه الإشارات من مزيد من التمرُّس بألفاظ الشريعة ومدلولات اللغة، وإن شئت قلت: لا بد من الملكة التي تضيء السبيل في هذا المضمار. ولذلك تفاوتت العقول والأفهام في إدراكها. واختلف العلماء في ذلك لاختلافهم في التأمُّل، ومن هنا قبل - كما جاء في "أصول السرخسي" - (الإشارة من العبارة بمنزلة "الكناية والتعريض" من "التصريح"، أو بمنزلة "المشكل" من "الواضح") (٢). ولقد مرّت بنا عن الصدر الأول حوادث تدل على هذا التفاوت حيث يفطن البعض إلى الحكم، ولا يفطن له آخرون؛ كالذي رأينا حول قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله جلّ وعلا: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فما فطن له علي أو ابن عباس أو كلاهما

стр. 391

- حسب الروايات - لم يفطن أكثر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإنما كان عندهم ذلك التهيؤ بحيث استحسنوا جميعًا، وارتضوا ما ذهب إليه واحد أو اثنان منهم في فهم كتاب الله؛ من دره الحد عن امرأة ولدت لستة أشهر، وكان ذلك سبيلًا يحتذى فيما بعد. ولكنا نرى في مقابل ذلك أنه مهما يكن من أمر القيمة التي يمكن أن تعطى للحكم بالإشارة أو للذين أدركوه، فإنه من غير المرضي ولا المناسب بحال، أن تتخذ الإشارة سبيلًا للتمحُّل في الفهم، والإيغال في الكلفة، لتطويع النص باسم الالتزام، وربطه بفروع قد لا يبدو لها نسب أصيل إليه، كما لا تبدو لها علاقة منضبطة تشعر بأن الحكم من لوازم هذا النص، ومما يترتب على مدلوله بالعبارة (١). ولقد يكون في كثير من المراجع التي نشير إليها في أثناء كتابة هذا البحث: نماذج من هذه الطريقة المحفوفة بالكلفة، ومحاولة تطويع الألفاظ قسرًا، لإحداث العلاقة بين النص وبين بعض الأحكام (٢). وذلك كالذي رأينا من حديث صدقة الفطر آنفًا، وكالذي يرى الباحث حول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ من آية الصيام [١٨٧] في سورة البقرة، وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ من آية الرضاع [٢٣٣] في سورة البقرة أيضًا. ومثل ذلك كثير (٣).

стр. 392

المطلب الثاني بين العبارة والإشارة مدلول العبارة والإشارة: ماذا يفيد الحكم الذي يؤخذ من طريق كلٍّ من العبارة والإشارة؟ هل يفيد القطع؟ أم يفيد الظن؟ الواقع أن الذي يمكن الوصول إليه من كلام القوم: أنه في كلا الطريقين: العبارة والإشارة يثبت الحكم قطعًا بالمعنى الأخص، وهو إذا لم يكن هناك احتمال ناشئ عن دليل، كما يمكن أن يكون ثبوت الحكم في الإشارة ظنيًا. وعلى رأي البعض يمكن أن يكون الثابت بالعبارة والإشارة ظنيين. أما الذي عليه الدبوسي والسرخسي: فهو أن الثابت بالعبارة قطعي، وأن الثابت بالإشارة يتردد بين القطعية والظنية؛ فمنه ما يكون قطعيًا، ومنه ما يكون ظنيًا حسب اختلاف الأحوال ومواقع الكلام، وذلك قول السرخسي في "الأصول": (الإشارة من العبارة بمنزلة الكناية والتعريض من التصريح، أو بمنزلة المشكل من الواضح؛ فمنه ما يكون موجبًا للعلم قطعًا، بمنزلة الثابت بالعبارة، ومنه ما لا يكون موجبًا للعلم،

стр. 393

وذلك عند اشتراك الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادًا بالكلام) (١). فنرى من كلام شمس الأئمة أن قطعية الثابت بالعبارة أمر مقرر مفروغ منه. أما الثابت بالإشارة: فهو الذي تعرض له حالتا القطعية والظنية، وتبدو الظنية عندما يكون المعنى محتملًا للحقيقة والمجاز. فالحقيقة للثابت بالعبارة، وعندها يتسم الحكم بالقطعية. والمجاز للثابت بالإشارة، وعندها يتسم الحكم بالظنية. وقد سلك هذه السبيل الشيخ عبد العزيز البخاري، وحمل كلام فخر الإسلام البزدوي عليه (٢). وذهب كثير من المتأخرين إلى أن الإشارة - من حيث هي إشارة - كالعبارة، لأن دلالة كل منهما لفظية وهي تفيد القطع، وأما ما ذُكر في بعض الصور، فإنما كان بسبب العوارض، فلا يقدح في قطعية الإشارة من حيث هي (٣). وذلك ما قرره ابن ملك في "شرحه لمنار النسفي" فعند قول صاحب "المنار": (وهما - أي العبارة والإشارة - سواء في إيجاب الحكم … ) قال: (أشار به إلى أنه يجوز أن يقع بينهما تفاوت في القطعية لأن العبارة قطعية، والإشارة قطعية وقد تكون غير قطعية) (٤). موقف الرهاوي: أما الرهاوي في "حاشيته على شرح ابن ملك": فلم يرتضِ حتمية

стр. 394

القطع بالنسبة لعبارة النص، بل رأى أن كلًا من العبارة والإشارة يمكن أن تجرى عليه القطعية والظنية؛ فبعد أن أتى على كلام ابن ملك قال: (والحق أنهما قد تكونان قطعيتين وظنيتين) (١). رأينا في المسألة: والذي نميل إليه هو ما ذهب إليه السرخسي ومَن تابعه. فمدلول عبارة النص قطعي الدلالة، لما أنه ليس فيه احتمال ناشئ عن دليل. أما مدلول الإشارة: فيمكن أن يكون قطعيًا، كما يمكن أن يكون ظنيًا، لما قد يكون من احتمال ناشئ عن دليل. وهذا المدلول بالإشارة: لا خلاف فيه من حيث إنه معنًى لازم مترتب على ما دلّت عليه عبارة النص، ولكن طريق الظنية إليه - من ناحية المجاز على الأقل - مفتّحة الأبواب. على أن ما ذهب إليه الرهاوي من إمكان الظنية في عبارة النص، يمكن حمله على الحالة التي تكون فيها العبارة من العام المخصوص، لأن العام - عند الحنفية - إذا دخله الخصوص أصبح ظنيًا، ولكن القوم عندما يحكمون بالقطعية على عبارة النص، فإنهم يريدون العبارة من حيث هي. أما بعد أن تعرض لها - وهي من قبيل العام - حالة الخصوص فذاك أمر آخر؛ لأن الظنية في هذه الحال لم تعرض لها من حيث هي عبارة نص، وإنما عرضت لها من كونها عامًا دخله الخصوص (٢). وعلى أية حال: فما أحسب هذا الاختلاف، من النوع الذي يمكن أن تختلف الأحكام بوجوده، خصوصًا وأن الاتفاق حاصل على أن القطعية

стр. 395

كثيرًا ما يراد بها معناها الأعم، وهو عدم وجود احتمال ناشئ عن دليل، وأن العام إذا دخله الخصوص يصبح ظني الدلالة (١). التعارض بين العبارة والإشارة: في حديثنا عن الحكم الثابت بالعبارة والحكم الثابت بالإشارة: رأينا الخلاف الواقع في القطعية والظنية، وأن الأكثر على أن العبارة والإشارة يفيدان القطعية، وأن الإشارة تفيد الظنية. ونريد أن نبين هنا: أنه حتى في الحال التي يكون موجَبُ كل من العبارة والإشارة قطعيًا، فإن التفاوت بينهما حاصل عند المعارضة من ناحية القصد بالسياق أو عدمه. فالحكم الثابت بالعبارة يكون هو المقصود أولًا وبالذات، والكلام قد سيق لأجله أصالة أو تبعًا، بينما لا نرى ذلك في الحكم الثابت بالإشارة؛ إذ إن الكلام لم يُسق من أجله لا أصالة ولا تبعًا. ولا شك في أن ما يكون مقصودًا من السياق، أقوى مما لا يكون مقصودًا منه. ومن الطبيعي أن يظهر أثر ذلك عند التعارض - كما أشرنا من قبل - فيقدم الحكم الثابت بالعبارة، على الحكم الثابت بالإشارة، مع أن كلًا منهما يعتبر ثابتًا بالنص. ١ - ومن النصوص التي أوردوها لذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] مع قوله جلّ وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. فمدلول العبارة في النص الأول: ظاهر في وجوب القصاص من القاتل المعتدي، إذ معنى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ فرض عليكم. قال أبو جعفر

стр. 396

الطبري: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فرض عليكم (١). وإذا تأملنا النص الثاني من سورة النساء: وجدناه يدل بالإشارة على أن لا قصاص على القاتل المعتدي؛ لأن الله تعالى جعل جزاءه الخلود في جهنم وغضب عليه وأعدّ له العذاب العظيم. وقد اقتصر على ذلك في مقام البيان، والاقتصار في مقام البيان - كما قالوا - يفيد الحصر. وعليه فالقاتل المعتدي ليس له جزاء في الدنيا، وإنما جزاؤه أخروي وهو الخلود في جهنم، إذ إن الاقتصار على الجزاء الأخروي في مقام البيان، استلزم أنه لا جزاء عليه في الدنيا. فيقدم الحكم الثابت بالعبارة على ما ثبت بالإشارة، ويكون القصاص واجبًا على القاتل المعتدي، وهو ذلك القاتل عمدًا بغير حق (٢). رأينا في هذا المثال: على أن لنا أن نعفي أنفسنا من هذا المثال، فتقرر في هذه المسألة أن الله ﵎ بعد أن ذكر حكم من قتل المسلم خطأ في قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢] ذكر في الآية التي تليها حكم من قتله عامدًا واقتصر على ذكر عقوبته في الدار الآخرة؛ لأنه ذكر عقوبته في الدنيا - وهي القصاص - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وهكذا يتحصّل لدينا: أن الله أوجب القصاص في القتل العمد في آية

стр. 397

البقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وأوجب الدية والكفارة في القتل الخطأ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً … ﴾ الآية. فعُلم أن الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد، وكان من شدة هول الجريمة: أن أضاف الله إلى العقوبة الدنيوية - وهي قتل القاتل قصاصًا - عقوبة أخروية، هي الغضب الإلهي، والخلود في جهنم والعذاب العظيم. وإني لأخشى أن نتجنى على مقصد الشارع في حفظ الأنفس، حين نحوِّل آية الجزاء الأخروي بما فيها من التهديد والإبعاد، والإبراق والإرعاد - كما قال الزمخشري - إلى أنها تعطي بـ (إشارة النص) عدم عقوبة القاتل في الدنيا. فهي - كما يدرك بملاحظة النصوص مجتمعة - لم تُسق للعقوبة الدنيوية، ولكن سيقت لبيان فداحة الأمر في قتل المؤمن، وجاءت بعقوبة أخروية تضاف إلى ما جاءت به سورة البقرة من العقوبة الدنيوية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ تلك العقوبة التي تنظم أمور المجتمع، وتحفظ على الأفراد والجماعات حياتهم مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة] (١). ولقد جاءت السنّة بالتهويل من أمر تلك الجريمة في أحاديث كثيرة: من ذلك ما رواه ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لَزوالُ الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم" (٢). ومهما يكن من أمر، فإن الآية تعد قتل المؤمن من الكبائر، بل لقد حصل الخلاف في قبول توبة القاتل. والمروي عن ابن عباس أنه لا توبة له؛ فقد أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبي الجعد قال: "كنا عند ابن عباس بعدما كُفَّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في

стр. 398

رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا. قال: أفرأيت إن تاب، وآمن وعمل صالحًا، ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأنَّى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: "ثكلته أُمه: رجل قتل رجلًا متعمدًا جاء يوم القيامة أخذًا بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في قِبَل عرش الرحمن يلزم قاتله بيده الأخرى يقول: سل هذا فيمَ قتلني؟ " والذي نفس عبد الله بيده لقد أُنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم ﷺ ، وما نزل بعدها من برهان" (١). ٢ - ومن الأمثلة التي يوردونها للتعارض بين العبارة والإشارة قوله تعالى في آية الرضاعة من سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فهذا النص يدل بالإشارة - فيما يدل عليه من أحكام مرّ بعضها آنفًا - أن الأب مقدّم في حق الإنفاق من مال الابن على مَن سواء ممن لهم حق النفقة من الأقرباء بما في ذلك الأم، فإذا كان الولد لا يستطيع النفقة عليهما، بل على واحد منهما، قُدم الأب على الأم، لأن الأب عندما وجبت عليه وحده النفقة على الابن كان ذلك الأب مقدّمًا على غيره عند الحاجة إلى النفقة. ولكن هذا الحكم الثابت بالإشارة معارض بما روى أبو هريرة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: مَن أحق الناس بحُسن صحابتي يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "أمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أُمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أُمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أبوك" (٢).

стр. 399

فهذا النص من السنّة يدل بعبارته على تقديم الأم على الأب في النفقة، وما دام الأقوى هو المقدّم عند التعارض، وجب تقديم الحكم الثابت بعبارة النص - الذي أفاد تقديم الأم - على الحكم الثابت بإشارة النص - الذي أفاد تقديم الأب - وتكون الأم أوْلى من الأب في النفقة. والواقع أن فقهاء الحنفية قد عرضوا مسألة تقديم الأب أو الأم في حق النفقة، في حالة كون الابن عاجزًا عن الإنفاق، غير عاجز عن الكسب - والأب والأم موجودان وكلاهما بحاجة إلى النفقة - لأن الأب عاجز عن الكسب، فاستوى مع الأم العاجزة بطبيعة أنوثتها، أو هي استوت معه لهذا، إذ قرروا أن الأم تعتبر كالأب العاجز لأن الأنوثة وحدها: عجز. ففي هذه الحالة إذا كان الولد لا يستطيع الإنفاق إلا على أحد أبويه، فالأم أحق بالإنفاق عند الحنفية، وهذا هو القول المعتبر، وقيل: الأب أحق. وقيل: تقسم النفقة بينهما" (١). على أنه لا بد - في رأينا - من نظرة جديدة إلى واقع المرأة اليوم، وما تفتح أمامها من مجالات للعمل، قد تكون مشروعة في بعض الأحيان، وعلى أساس هذه النظرة يمكن تفضيل قول على قول، مما ذكره هؤلاء الأئمة ﵏.

стр. 400

وهكذا كان ما ذهب إليه الفقهاء من الحنفية ثلاثة أقوال في المسألة، كما ذكرنا. الأول: تقديم الأم فهي أحق لعجزها. الثاني: تقديم الأب فهو أحق لأنه هو الذي يجب عليه نفقة الابن في صغره. الثالث: تقسيم النفقة بينهما. وقد اعتبر القول الأول هو المنصور عند الحنفية، وعبّر عنه صاحب "الدر المختار" بقوله: (لو لم يقدر إلا على نفقة أحد والديه فالأم أحق) وبعد أن ذكر ابن عابدين (١) القولين الآخرين، أيّد القول الأول برواية ثالثة لحديث: (حُسن الصحابة) فقال: (ويؤيد الأول ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسّنه عن معاوية التستري: قلت يا رسول الله مَن أبرّ؟ قال: "أُمك" قلت: ثم مَن؟ قال: "أُمك" قلت: ثم مَن؟ قال: "أباك ثم الأقرب فالأقرب" (٢). ومن الواضح أن الفقهاء الذين جنحوا إلى تقديم الأم في حق النفقة في تلك الحال، لم يكن المرجح الأول عندهم مسألة تقديم العبارة على الإشارة، وإنما هو عجز الأم بطبيعة أنوثتها؛ وأيّد ابن عابدين هذا الرأي بالحديث الآنف الذكر. وفي رأينا: أن الاتجاه إلى اعتبار الحديث مؤيدًا للحكم لا أساسًا قام عليه الحكم، يهوِّن من طلب إثبات أن هذا الحديث من "المشهور" ليصلح بيانًا لعام الكتاب إذا جرينا على أن الإشارة لها عموم كما هو مذهب الأكثرين.

стр. 401

نقول هذا: لأن الحديث لا يقوى على الوقوف في مقابلة الكتاب فيخصص عامه، ويقيد مطلقه عند الحنفية إلا إذا كان متواترًا أو مشهورًا؛ فحين يراد تقديم حديث: (حسن الصحابة) "عبارة" على الآية "إشارة" يجب إثبات أن هذا الحديث من المشهور. ٣ - هذا: ومما مثّل به كثير من الأصوليين (١) للتعارض بين عبارة النص وإشارة النص، ما روي عن أبي أُمامة الباهلي (٢) أن النبي ﷺ قال: "أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام" (٣) مع ما روي أنه ﷺ قال في النساء: "إنهن ناقصات عقل ودين" فقيل: ما نقصان دينهن؟ فقال ﷺ : "تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي". قالوا: إن هذا الحديث، وإن كان مسوقًا لمسألة نقص العقل والدين في المرأة، إلا أن دلالة الإشارة فيه تعطي أن مدة الحيض خمسة عشر يومًا - كما هو مذهب الشافعي - لأن ما تقع فيه المرأة من ترك الصلاة والصوم شطر دهرها، إنما كان بسبب ما يعرض لها من الحيض في كل شهر، والشطر (٤) هو النصف فيلزم من هذا أن مدة الحيض خمسة عشر يومًا حتى

стр. 402

يتحقق أن تركها للصيام والصلاة يستغرق نصف عمرها الذي جاء الحديث على ذكره. وهكذا يقع التعارض بين الحكم الثابت بالعبارة: وهو أن أكثر الحيض عشرة أيام كما هو مذهب الحنفية، وبين الحكم الثابت بالإشارة: وهو أن أكثره خمسة عشر يومًا، كما هو مذهب الشافعي. وفي المعارضة يقدم الأقوى؛ فيؤخذ بالحكم الثابت بعبارة النص دون الثابت بإشارة النص. وتكون النتيجة لذلك: أن بين أيدينا نصًا دلّ بعبارته على أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام، أخذ به الحنفية. ونصًا آخر دلّ بإشارته على أن المدة أكثرها خمسة عشر يومًا، أخذ به الشافعي، فتُعَدُّ أكثر مدة الحيض عشرة أيام، أخذًا بمدلول العبارة. رأينا في المثال: غير أن هنالك ما يدعو للقول بأن هذا التمثيل غير صحيح: أ - فالحديث الثاني: وهو حديث الشطر، لم يصح وروده بهذا اللفظ وقد ذكر البيهقي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث. وقال ابن الجوزي: (١) هذا الحديث لا يعرف، وقال النووي: إنه باطل (٢). والصحيح فيه ما رواه البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن أبي سعيد

стр. 403

الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: "يا معشر النساء تصدّقن فإني أريتُكن أكثر أهل النار" فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ فقال: "تُكثرن اللعن وتُكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان دينها" (١). ب - هذا من جهة الرواية، أما من جهة فقه الحديث ومعرفة الواضح والمبهم من ألفاظه التي بها يستدل على الحكم: فإن الشطر - لو صحّ الحديث - ليس متمحضًا للنصف لغة، ولكنه يطلق على البعض أيضًا، ورأي العلماء أنه لا يراد به في الحديث هنا إلا البعض بناءً على احتساب مدة الحمل والإياس من العمر ولا حيض فيها (٢). ولعل من الخير أن لا نقف عند حدود صحة المثال أو عدم صحته، بل نكشف عن بعض الجوانب الأخرى من المسألة. ذلك أننا نريد أن نرى إلى أي حد ينطبق - على ما بين أيدينا من آثار الشافعي - القول باعتماده على الحديث المذكور في القول بأن أكثر الحيض أو أقله من الأمور التي تبنى على خطابات الشارع، أم على التوقيف المبني على الاستقراء والتتبُّع لحالات متعددة؟ وماذا كانت حجة الحنفية في الاستدلال على أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام؟ دليل الشافعي: الواقع أن كلام الشافعي عن الموضوع لا يدل من قريب أو بعيد على

стр. 404

احتجاجه بالحديث المتقدم، وإنما بنى رأيه على الاستقراء والتتبُّع لعدد من الحالات عند بنات حواء، نقلها إليه مَن يثق بدينه وأمانته من المسلمين. وذلك ظاهر في معرض حديثه عن مسألة أقل الحيض. جاء في "الأم" من كلام طويل له مع بعضهم (قلت: قد رأيت امرأة أُثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يومًا ولا تزيد عليه، وأُثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاث وعن نساء أنهن لم يزلن يحضن خمسة عشر يومًا، وعن امرأة أو أكثر أنها لم تزل تحيض ثلاث عشرة) (١). وحين استدلّ صاحبه بما روى عن أنس بن مالك من طريق الجلد بن أيوب أنه قال: "قرء المرأة - أو قرء حيض المرأة - ثلاث أو أربع حتى انتهى إلى عشر" ردّ الحديث بما قاله له ابن عليّة: الجلد بن أيوب أعرابي لا يعرف الحديث (٢). وتفاوتُ مدة أكثر الحيض، وإن كان يترتب عليه الكثير من أحكام الحلال والحرام مما هو معلوم في مظانه من كتب الفقه، إلا أن المسألة عند الإمام الشافعي - كما رأينا - متعلقة بجبلَّة بنات حواء. والحكم على المدة طولًا أو قصرًا في أقل الحيض وأكثره: مرتبط بالوجود نتيجة الاستقراء والتتبع. وذلك ما فهمه الفقهاء من كلام الشافعي، وكانت عمدتُهم في الاستدلال على مدة أقل الحيض وأكثره، وجودَ حالات متعددة يمكن - بمجموعتها - أن تعطي حكمًا. والشيرازي صاحب "المهذب" قد استدلّ على أقل الحيض بالوجود، ثم روى عن عطاء أنه قال: "رأيت من النساء من تحيض يومًا وتحيض

стр. 405

خمسة عشر يومًا"، كما روى عن أبي عبد الله الزبيري ﵀ قوله: "كان في نسائنا من تحيض يومًا وتحيض خمسة عشر يومًا" ثم قال: وأكثره - أي الحيض - خمسة عشر يومًا، لما روينا عن عطاء وأبي عبد الله الزبيري. ولم يعرض الشيرازي إلى ذكر "حديث الشطر" إلا عند الحديث عن أقل طهرٍ حاصلٍ بين دمَيْن وأنه خمسة عشر يومًا، ولكنه اعترف أنه لم يجده بهذا اللفظ: قال ﵀: (وأقل ظهر فاصل بين الدمَيْن خمسة عشر يومًا لا أعرف فيه خلافًا، فإن صحّ ما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال في النساء: "نقصان دينهن أن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي"، دلّ ذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، لكني لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه) (١). دليل الحنفية على ما ذهبوا إليه: علمت أن المنقول عن الإمام الشافعي أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا. والحنفية على أن هذه المدة عشرة أيام. وقد استدل صاحب "الهداية" وغيره على مذهب الحنفية بحديث: "أقل الحيض للجارية البكر والشيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام". وهذا الحديث الذي رواه الدراقطني عن أبي أمامة الباهلي قد نقل صاحب "فتح القدير" عن أئمة الحديث ضعفه، ثم أورد ابن الهمام ﵀ في ذلك عددًا من الأحاديث الضعيفة أيضًا، منها: حديث أنس بن مالك الذي رواه الجلد بن أيوب - وقد تحدثنا عنه آنفًا - ثم قال في ختام ذلك: (فهذه عدة أحاديث عن النبي ﷺ متعددة الطرق، وذلك يرفع الضعيف إلى الحسن، والمقدرات الشرعية مما لا تدرك بالرأي، فالموقوف فيها حكمه الرفع بل تسكن النفس - بكثرة ما روي فيه عن الصحابة والتابعين - إلى أن المرفوع مما أجاد فيه ذلك الراوي الضعيف، وبالجملة: فله أصل في الشرع. بخلاف قولهم: أكثره خمسة عشر يومًا، فلم نعلم فيه حديثًا حسنًا

стр. 406

ولا ضعيفًا، وإنما تمسكوا فيه بما ورد عنه ﷺ أنه قال في صفة النساء: "تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي" ثم قال صاحب "فتح القدير": (وهو لو صحّ لم يكن فيه حجة لكن قال البيهقي: إنه لم يجده، وقال ابن الجوزي في التحقيق: هذا حديث لا يعرف، وأقره عليه صاحب "التنفيح") (١). وهكذا يرى أنه ليس في الأمر نص قوي يثبت المدعى، ولهذا تعود المسألة في نظرنا - كما قلنا من قبل - إلى إثبات وجود حالات على شكل معين يمكن أن تكوّن حكمًا. وهذا ما جعل ابن الهمام يقرر أن المقدرات الشرعية مما لا يدرَك بالرأي، للموقوف فيها حكم الرفع؛ إذ هي نقلُ واقعةٍ أنها حصلت. وبالرغم من عدم اعتماد الشافعي على حديث: (الشطر) وبنائه الحكم على الموجود، وسلوك العلماء من بعده - كما رأينا عند الشيرازي - هذا السبيل في الاستدلال (٢): يرى ابن الهمام - كما يرى فريق من الأصوليين والفقهاء - أن دليل الشافعي على ما ذهب إليه هو ذلك الحديث وهو ما رأيناه عند صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية الذي أورده حجة للشافعي ورد هذه الحجة بأنها غير واضحة (٣). وعلى أية حال: فإنا نؤكد أن الأمر في نظرنا، يجب أن يقوم على الاستقراء وإثبات الوقائع؛ لأنه مرتبط بجبلة الأنثى. وهذا مما سار عليه الشافعي ومَن بعده. وقد تكون مجموعة الأخبار الضعيفة التي رواها ابن الهمام مبعثًا للميل إلى أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام، ولكن لا على أنها - كما قال - تكوّن أصلًا في الشرع لهذه المسألة في الجملة، بينما الغير لا أصل عنده، ولكن

стр. 407

على أنها أخبار عن وجود وقائع، ولكل من الفريقين أن يؤكد وجود ما يدّعي، بما يوثَق به من الأخبار. ولو جاءنا عن النبي ﷺ الحديث الصحيح لجزمنا بصحة الوجود، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه: لا يبني على النادر ويترك الغالب الكثير. ولقد كان العلماء من وراء ثبوت هذه الوقائع؛ فذهب أحمد إلى أن أكثر مدة الحيض - كما هو عند الشافعي - خمسة عشر يومًا، ونقل إسحاق بن راهويه عن عطاء: الحيض يوم واحد، وقال سعيد بن جبير: أكثره ثلاثة عشر يومًا، بينما يرى الإمام أبو حنيفة والصاحبان: أن أقله ثلاثة، وأكثره عشرة (١). من إشارة النص في القانون: من أمثلة دلالة الإشارة في نصوص القانون ما يلي: ١ - جاء في المادة من قانون العقوبات المصري أن "المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على السنتين، ولكن لزوجها أن يقف تنفيذ الحكم برضائه معاشرتها". فقد دلت هذه المادة بعبارة النص - كما أسلفنا في حينه - على أمرين هما: عقوبةُ الزوجة التي ثبت زناها، وحقُّ الزوج في وقف تنفيذ هذه العقوبة. وتدل المادة المذكورة من طريق إشارة النص على أن زنى الزوجة ليس له طابع الجرائم العامة، فهو ليس جناية على المجتمع في نظر الشارع، وإنما هو جناية على الزوج، وهذا لازم لتخويل حق إسقاط العقوبة للزوج؛ إذ لو كان جناية على المجتمع كالسرقة مثلًا، ما ثبت لأحد حق إسقاط عقوبته. ٢ - جاء في المادة /١٥٥/ من القانون المدني المصري الملغى أنه

стр. 408

"يجب على الفروع وأزواجهم ما دامت الزوجية قائمة أن ينفقوا على الأصول وأزواجهم". وقالت المادة /١٥٦/ منه "كذلك يجب على الأصول القيام بالنفقة على فروعهم، وأزواج الفروع، والأزواج أيضًا ملزمون بـ (النفقة) على بعضهم". وفي المادة /١٥٧/ منه أيضًا جاء النص على أن "تقدير النفقات يكون بمراعاة لوازم من تفرض لهم، ويُسر من تفرض عليهم. وعلى كل حال يلزم دفع النفقات شهرًا بشهر مقدّمًا". فإذا كانت كل مادة من هذه المواد الثلاث، تعطي بعبارة النص حكمًا موضوعيًا من أحكام النفقات، فإنه يفهم منها بإشارة النص اختصاص المحاكم الأهلية بالقضاء بها؛ لأن النص عليها في القانون المدني الذي تطبقه يلزم منه وجوب تطبيق هذه المحاكم لتلك الأحكام. فهذا الاختصاص معنًى لازم لورود المواد المذكورة في القانون، وهو غير مقصود من السياق أصالة ولا تبعًا، فهو مفهوم بالالتزام من طريق إشارة النص (١).

стр. 409

المبحث الثالث دلالة النص المطلب الأول ماهية دلالة النص وأما دلالة النص فهي: دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، لاشتراكهما في معنًى يدرِك كل عارف باللغة أنه مناط الحكم من غير حاجة إلى نظر واجتهاد، يستوي في ذلك أن يكون ما سكت عنه أوْلى بالحكم مما ذكر، أو مساويًا له. فحين تدل عبارة النص على حكم، ويفهم من النص هذا الحكمُ في واقعة أخرى مسكوت عنها غير منطوق بها، لتحقق موجَب الحكم لغة: تسمى هذه الدلالة "دلالة النص". وعلى هذا يدل كلام القوم عن هذا النوع من طرق دلالة اللفظ على الحكم، وإن اختلف التعبير (١). ومن أوضح ما جاء في تعريفها ما نراه عند صدر الشريعة حيث يقول:

стр. 410

(هي دلالة اللفظ على الحكم في شيء يوجد فيه معنى يفهم كل من يعرف اللغة أن الحكم في المنطوق لأجل ذلك المعنى) (١). ومن هنا اعتبر العلماء أن الحكم الثابت بدلالة النص، ثابت بطريق المفهوم اللغوي، لا بطريق الاجتهاد والاستنباط؛ لأن موجَب الحكم الذي تحقق في المسكوت عنه - كما تحقق في عبارة النص - إنما كان إدراكه بمجرد المعرفة باللغة، وإن كان الظهور والوضوح على مراتب تتفاوت بحسب طبيعة النص، وحسب إدراك من يريد استنباط الحكم من النص. ومسألة ثبوت الحكم بالمعنى اللغوي، جاءت صريحة فيما كتب البزدوي والسرخسي ومن تبعهما. قال فخر الإسلام: (وأما الثابت بدلالة النص: فما ثبت بمعنى النص لغةً لا استنباطًا) (٢). وقال شمس الأئمة السرخسي: (فأما الثابت بدلالة النص: فهو ما ثبت بمعنى النظم لغة، لا استنباطًا بالرأي) (٣). هذا: ولأن الحكم في هذه الدلالة يؤخذ من معنى النص، لا من لفظه سماها بعضهم "دلالة الدلالة" ويسميها الكثيرون "فحوى الخطاب" لأن فحوى الكلام معناه، ومنه قولهم - كما في "أساس البلاغة" -: عرفت ذلك في فحوى كلامه، بالمد: أي فيما تنسمت من مراده بما تكلم به، ولهذا المعنى أيضًا يسمونها "لحن الخطاب" لأن الفحوى واللحن والمعنى سواء (٤). ويسميها الشافعية ومن معهم - كما سيأتي - "مفهوم الموافقة" لأن مدلول اللفظ في محل السكوت موافق لمدلوله في محل النطق، فما دلّت عليه العبارة وما دلّت عليه الدلالة: متوافقان في موجَب الحكم كما قدّمنا (٥).

стр. 411

وهكذا اختلفت التسميات لهذا الطريق من طرق الدلالة على الحكم، باختلاف النظرة إلى الوجوه المتعددة والحيثيات. ١ - ومما يذكر من أمثلة دلالة النص: ما يعطيه قول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإن عبارة النص في الآية تدل على تحريم التأفيف، وأن الواجب على الولد أن يستعمل مع الوالدين حسن الخلق، ولين الجانب، والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما قد يستثقل من مؤنهما: ﴿أُفٍّ﴾، فضلًا عما يزيد عليه، فالله ضيّق الأمر في مراعاتهما - كما قال الزمخشري - حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنقلت من المتضجر، مع موجِبات الضجر ومقتضِياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة (١). وكل عارف باللغة العربية، يدرك أن المعنى الذي كان من أجله تحزيم هذا الأدنى من الكلام، وهو قول: ﴿أُفٍّ﴾ إنما هو الإيذاء والإيلام للوالدين، وأن المقصودَ من تحريم التأليف والنَّهر، كفُّ الأذى عنهما، ومراعاةُ حرمتهما. وهذا المعنى موجود في الضرب والشتم وما أشبه ذلك، فيتناولها النص وتعتبر حرامًا، فتعطى حكم التأفيف والنهر الذي ثبت بعبارة النص، ويكون ثبوت التحريم فيها بـ "دلالة النص". بل إن الشتم والضرب وما جرى مجراهما - من أي نوع من أنواع الأذى - تعتبر حرامًا بالأولى لأن الإيذاء - الذي أدركنا لغة أنه موجَب الحكم - موجود بشكل أوفى وأوضح في هذه الأمور، والنهي عن الأقل يحمل حتمية النهي عن الأكثر (٢).

стр. 412

٢ - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥]. فعبارة النص في الشطر الأول من الآية: تدل على أن فريقًا من أهل الكتاب يتصف بالأمانة، إلى حد أنه لو ائتُمن على قنطار، فإنه يؤديه. ويفهم من ذلك بطريق الأولى وبمجرد المعرفة باللغة: أن هذا الفريق لو كان ما ائتمن عليه أقلَّ من القنطار، فإنه يؤديه، لأن من يكون أمينًا في الكثير، فهو في القليل أمينٌ بالأولى. والشطر الثاني من الآية: يدل العبارة على أن فريقًا آخر من أهل الكتاب أنفسهم يتسم بالخيانة، حتى إنه لو ائتمن على دينار فإنه لا يؤديه إلى مَن ائتمنه. ويفهم من ذلك بطريق دلالة النص، أن هذا الفريق الذي لا يؤدي أمانة الدينار، لو ائتمن على ما هو أكثر من دينار، لا يؤديه إلى مَن ائتمنه عليه بالطريق الأولى؛ لأن مَن سمته الخيانة في القليل، فهو خائن في الكثير بالأولى. وهكذا يكون معنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانتهم - وإن كانت كثيرة - وفيهم الخائن الذي لا يؤدي ما ائتمن عليه - وإن كان حقيرًا - ومَن كان أمينًا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومَن كان خائنًا في القليل، فهو في الكثير خائن بالأولى (١). ٣ - ومن أمثلة دلالة النص أيضًا قوله جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. فهذا النص القرآني يدل بعبارته على أن أكل أموال اليتامى ظلمًا حرام،

стр. 413

وسبب هذا التحريم الذي يتبادر بمجرد المعرفة باللغة، هو تهديد أموال اليتامى وإتلافها وتضيعها عليهم. وعلى هذا يتناول التحريم كل ما من شأنه تفويت هذا المال: من إحراقٍ، وتبديدٍ بأي نوع من أنواعه، وتقصير في المحافظة عليه من قبل ولي اليتيم؛ لأن ذلك يعتبر أكلًا ظالمًا لأموال اليتامى. فثبوت التحريم واقع من طريق دلالة النص، لأنها كلها تستوي مع ما ورد في الآية بأنها اعتداء على مال القاصر العاجز عن دفع الاعتداء. ٤ - ومثل ذلك قوله تعالى في آية المحرمات من سورة النساء: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]. فإن عبارة النص واضحة في الدلالة على تحريم الزواج بالأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت. ولقد يبدو لكل عالم بالوضع: أن سبب التحريم في هؤلاء النساء هو القرابة المقتضية لنوع خاص من الإعزاز والتكريم. وهذا السبب الموجب للحكم يبدو متوافرًا على شكل أوفى وأزيَد، في الجدّات، وبنات الأولاد، فإن العمات والخالات أولاد الجدات، وبنات الأولاد أقرب من بنات الإخوة والأخوات. فيكون النص الدال بعبارته على تحريم الزواج بالعمات والخالات، دالًّا بالأولى على تحريم الجدات، فيحرم الزواج بهن، حرمتَه بالعمات والخالات. كذلك يتناول التحريم بطريق دلالة النص: بنات الأولاد، ويحرم الزواج بهن حرمته بينات الأخوة وبنات الأخوات. وهكذا تناول النص بروحه ومعناه، محرماتٍ تبدو أوْلى من المحرمات المذكورات التي تناولتها العبارة.

стр. 414

٥ - هذا وقد ضرب شمس الأئمة السرخسي لدلالة النص أمثلة من السنّة، قرر أن الأحكام فيها أُخذت من النصوص بطريق دلالة النص لا بطريق القياس. - كان من ذلك ما روي "أن ماعزًا (١) زنى - وهو محصن - فرُجم" (٢) فقد رُجم ماعز لأنه زنى وقد أُحصن، لا لأنه ماعز. قال شمس الأئمة: (وقد علمنا أنه ما رجم ماعز، إلا لأنه زنى في حالة الإحصان. فإذا ثبت هذا الحكم في غيره كان ثابتًا بدلالة النص لا بالقياس. وهكذا يرى شمس الأئمة أن النص على أن ماعزًا المحصن زنى فرُجم؛ كما تناول ماعزًا بعبارته، فهو يتناول أي إنسان يتوفر فيه المعنى الذي من أجله رُجم ماعز. وهو معنًى يرى السرخسي أنه يدرك بمجرد المعرفة باللغة ولا يحتاج إلى اجتهاد أو استنباط (٣).

стр. 415

بين ابن ملك والرهاوي: غير أن ابن ملك ﵀ لم يُرضه هذا المثال، واعتبره ضربًا من التكلف؛ وذلك لأن تناول الحكم لغير ماعز ثابت بعبارة نص آخر وهو ما روى البخاري في "صحيحه" عن عمر ﵁ أنه ﵇ قال: "ألا وإن الرجم حق على مَن زنى وقد أحصن"، وإذا ثبت ذلك: كان الأخذ بدلالة النص من التكلُّف. غير أن يحيى الرهاوي أجاب في حاشيته عما أورده ابن ملك، بأن الحديث الذي جاء به موقوف وليس بمرفوع، فهو جزء من خطبة لعمر ﵁ قرر فيها: "أن رسول الله ﷺ قد رَجَمَ". اللهم إلا أن يقال: إن الحديث الموقوف يؤخذ به، ويكون له حكم المرفوع في الأمور التوقيفية التي لا مجال للرأي فيها. وعلى أية حال: فلا مانع - كما يرى الرهاوي - أن يكون مرد الحكم إلى عبارة النص من جهة، وإلى دلالة النص من جهة أخرى. والسلف ﵃ لم يحصروا ثبوت الحكم في غير ماعز بطريق الدلالة، بل كان ذلك مثالًا مثَّلوا به لهذا النوع من طرق الدلالة على الأحكام (١).

стр. 416

المطلب الثاني مدلول دلالة النص أولًا - دلالة النص بين القطعية والظنية: أ - لا يكاد الباحث يجد عند المتقدمين من الأصوليين، كالبزدوي والسرخسي: ما يُشعر بتقسيم دلالة النص إلى قطعية وظنية؛ بل إن كلًا من فخر الإسلام وشمس الأئمة قد عرض للحكم الثابت بهذه الدلالة، دون أن يصفه بالقطع أو الظن، وكان المهم عندهما تحديد الفارق بينها وبين القياس. ففي دلالة النص: يدرك المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت بمجرد معرفة اللغة، بينما لا بد لإدراك العلة بين المقيس والمقيس عليه في القياس من صفة القدرة على الاستنباط. وقد أفاض السرخسي في الأمثلة من نصوص الكتاب والسنّة وبيان مدلولاتها من الأحكام، وتأكيد أن هذه الأحكام ثبتت بدلالة النص ولم تثبت بالقياس. وإذا كان مجرد العلم باللغة كافيًا لإدراك العلة التي يمكن أن تجمع بين المنطوق والمسكوت عنه في دلالة النص، لقد كان حريًا أن يكشف البزدوي والسرخسي النقاب عن هذه الفكرة التي لزم عنها أن دلالة النص يشترك في فهمها حتى غير الفقهاء، بينما لا يستطيع كشف العلة في القياس إلا الفقهاء والمستنبطون. هذه هي النقطة الأساسية التي عُني بإيضاحها - كما قدّمنا - أولئك العلماء، ألا وهي تحديد الفارق بين دلالة النص وبين القياس، أما كون هذه الدلالة قطعية أو ظنية: فهم لم يُعنَوا بهذا الأمر. ب - غير أنا نجد عند بعض المتأخرين تقسيم دلالة النص إلى قطعية وظنية.

стр. 417

نرى ذلك مثلًا عند عبد العزيز البخاري من رجال المائة الثامنة للهجرة، كما نراه عند الكمال بن الهمام من رجال المائة التاسعة (١)، ومن تابعهما في هذه الطريق. ١ - فالقطعية: هي ما قطع فيها بموجَب الحكم المنصوص عليه؛ فوجوده يكون كذلك في المسكوت عنه الذي يراد تعدية الحكم إليه. ٢ - أما الظنية: فهي التي لم يقطع فيها بموجَب الحكم المنصوص عليه، أو لم يمكن القطع بوجوده في المسكوت عنه، لاحتمال أن يكون غيره هو المقصود. ولقد كان مرد القطعية والظنية عندهم، أن المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت في الأولى معلوم قطعًا، بينما نراه في الثانية، وهو في حالة احتمال أن يكون غيرُه هو المقصود (٢). من دلالة النص القطعية: ١ - ويمكن التمثيل لدلالة النص القطعية بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]. فدلالة النهي عن التأفيف، على تحريم إيذاء الوالدين بأي لون من ألوان الإيذاء، كالضرب، والشتم دلالة قطعية، لأنها تُعلم على سبيل اليقين، ويساعدنا في ذلك الأمر بالإحسان في صدر الآية. ذلك لأن المعنى المقصود في تحريم التأفيف والنهر المنصوص عليهما،

стр. 418

إنما هو الإيذاء، ولا شك أن تحقق هذا المعنى في أمثال الضرب والشتم من أنواع الأذى من الوضوح بمكان. ٢ - ومثل ذلك ما رأيناه في الحديث عن أهل الكتاب من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥]. فإنا نحكم بقطعية الدلالة في الشطر الأول من الآية حين دلّت على تأدية ما دون القنطار، وذلك لأنا نقطع بأن الأمانة هي المعنى المقصود في تأدية ما دون القنطار المسكوت عنه؛ فإن مَن يكون أمينًا في الكثير ويؤديه إلى صاحب الحق متى طلب منه، فهو في القليل وأدائه عند الطلب أمين على وجه القطع بالأولى. وما قيل في شطر الآية الأول، يقال في شطرها الثاني، على اختلاف في المعنى بين الأمانة والخيانة. وهكذا توافر في المثالين المذكورين ما جعلنا نحكم بأن دلالة النص قطعية في كل منهما، إذ إن المعنى المقصود الذي اشترك فيه المنطوق والمسكوت، معلوم على سبيل القطع. من دلالة النص الظنية: ومثال الدلالة الظنية: إيجاب الكفارة بالأكل أو الشرب عمدًا في نهار رمضان بدلالة النص، بعد أن ثبت وجوبها بالوقاع فيه عمدًا بعبارة النص. فقد ذهب إلى ذلك الحنفية، والمالكية؛ وهو المحكي عن عطاء، والزهري، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق. أما الشافعي وأحمد: فلم يوجبا الكفارة بذلك. وهو قول سعيد بن والنخعي، وابن سيرين، وحماد (١).

стр. 419

وبيان ذلك فيما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة أن رجلًا جاء إلى النبي ﵊ فقال: هلكت يا رسول الله، فقال: "وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: "هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ " قال: لا، قال: ثم جلس فأتيَ النبي ﷺ بعَرَق تمر، قال: "تصدّق بهذا" قال: فهل على أفقر منا، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: "اذهب فأطعمه أهلك" (١). فالحديث يدل بعبارة النص على وجوب الكفارة على مَن واقع عمدًا في نهار رمضان. وذلك واضح كل الوضوح فيما كان من النبي ﷺ مع هذا الرجل الذي قال له: هلكت، ومراده أنه واقع امرأته في نهار رمضان. وسبب هذا الحكم - كما يدرك بمجرد المعرفة باللغة - هي الجناية على الصوم وتفويت ركنه وهو الإمساك عن المفطرات التي منها الوقاع. وإن

стр. 420

الأكل والشرب عمدًا يتحقق فيهما هذا المعنى، فيثبت لكل منهما من طريق دلالة النص حكم الجماع المدلول عليه بعبارة النص. قال السرخسي: (وقد علمنا أنه لم يرد الجناية على البضع لأن فعل الجماع حصل منه في محل مملوك له، فلا يكون جناية لعينه، ألا ترى أنه لو كان ناسيًا لصومه، لم يكن ذلك منه جناية أصلًا، فعرفنا أن جنايته كانت على الصوم باعتبار ركنه الذي يتأدى به وقد علم أن ركن الصوم الكفُّ عن اقتضاء شهوة البطن وشهوة الفرج، ووجوبَ الكفارة للزجر عن الجناية على الصوم) (١). غير أن عَدَّ سبب وجوب الكفارة تفويتَ ركن الصوم، وهو الكف عن المفطرات عمومًا، لم يمنع احتمالًا آخر وهو أن يكون السبب تفويتَ ركن الصوم بهذا المفطر بعينه وهو الوقاع؛ كما ذهب إلى ذلك سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين، وحماد، والشافعي، وأحمد. وهذا ما يجعل تلك العلة ثابتة على سبيل الظن. وبذلك تكون دلالة النص على وجوب الكفارة على من يأكل أو يشرب عمدًا في نهار رمضان: دلالة ظنية. ولكن هذه الظنية، لم تمنع اعتبارها "دلالة نص"، وأخذَ الحكم عن طريقها؛ لأن الشرط في دلالة النص - كما أسلفنا - أن يكون المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في المنصوص عليه: يدرَك بمجرد المعرفة باللغة، الفقيهُ وغير الفقيه في ذلك سواء. أما أن يكون الثابت بهذا المعنى في المسكوت عنه مما يعرفه أهل اللسان: فليس بشرط. وإذا كان الشافعي وأحمد ومن قال بقولهما، لم يوجبوا الكفارة، فلأن الأصل عدم الكفارة إلا فيما ورد الشرع به. وقد ورد الشرع بالكفارة في معناه، إذ العلة عندهم تفويت ركن الصوم بنوع خاص من المفطرات وهو الوقاع. والأكلُ والشربُ عمدًا لا يجتمعان معه في هذه العلة (٢).

стр. 421

رأينا في المسألة: والراجح عندنا أن الاعتماد على دلالة النص وحدها في أمر هذه الكفارة - وهي دلالة ظنية هنا - لا يدعو إلى القناعة والاطمئنان، خصوصًا وأن دلالة النص مرتبط أمرها باللغة والوضع، لا بالاستنباط والاجتهاد. لذا لم يرتض بعض الأصوليين من الحنفية عدّ مثل هذه الأحكام في الدلالات، فقد رأينا الميهوي في "نور الأنوار" بعد أن ذكر أن الشافعي لم يوجب الكفارة إلا بالجماع؛ لأن العلة عنده الجماع وليس إفساد الصوم قال: (ولهذا قالوا: إن عدّ مثل هذه الأحكام في الدلالة لا يحسن لأن الشافعي ﵀ لم يعرف هذا مع أنه من أهل اللسان، فكان ينبغي أن يعدّ في القياس، ثم قال: ومثل هذا كثير لنا وله) (١). نذكر هذا، ونذكر معه أن المالكية والحنفية في واقع الأمر لم يعتمدوا على هذه الدلالة وحدها، وإنما كانت من جملة الأدلة أو المؤيدات. ١ - فلقد استدلّ الحنفية بما في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ "أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعم ستين مسكينًا". وقد ردّ ابن الهمام في "فتح القدير" على القول بأن المراد في الحديث الجماع - كما جاء مفسَّرًا برواية من نحو عشرين رجلًا -: بأن وجه الاستدلال به تعليق الكفارة بالإفطار في عبارة الراوي - وهو أبو هريرة ﵁ -؛ إذ أفاد أنه فهم من خصوص الأحوال التي يشاهدها في قضائه ﵊، أو سمع ما يفيد أن إيجابها عليه باعتبار أنه إفطار، لا باعتبار خصوص الإفطار فيصح التمسك به (٢).

стр. 422

وبعد الآثار، يأتي دور دلالة النص في استدلال الفقهاء، فيحاول ابن الهمام - صنيعَ صاحب الهداية - أن يبرهن على أن وجوب الكفارة بالأكل والشرب عمدًا في نهار رمضان: ثابت بدلالة النص ثبوتَه في الجماع بعبارة النص (١). ب - أما عن المالكية: فقد جاء في "الموطأ" ذكر رواية أبي هريرة التي تعلق الكفارة بالإفطار، وذكر صاحب "المنتقى" أن رواة الحديث اختلفوا فذكر أصحاب "الموطأ" وأكثر الرواة عن مالك: "أن رجلًا أفطر في رمضان" وخالفهم جماعة من الرواة فقالوا: "إن رجلًا أفطر بجماع" وعلى هذا فهناك رواية معترَف بها عن مالك، تربط الكفارة بالإفطار لا بإفطار مخصوص هو الجماع (٢). غير أن شرّاح "الموطأ" لم يقتصروا في الاستدلال على هذه الرواية، ولكن فهموا أن العلة في وجوب الكفارة هي هتك حرمة الشهر، وذلك متوافر في الطعام والشراب عمدًا توافُره في الجماع، وهذا ما سمّاه الحنفية "دلالة النص". ولقد عدّ المالكية المفطرات من أكل، وشرب، ووقاع، وخروج دم، وحيض … إلخ، ونقلوا عن مالك أن غير المعذور تلزمه الكفارة بها كلها، على أي وجه وقع فطره من العمد والهتك لحرمة الصوم. قال صاحب "المنتقى": (والدليل على ما نقوله: أن هذا قصَد إلى

стр. 423

الفطر وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر، فوجبت الكفارة كالمجامع) (١). وهكذا نرى أن الحنفية والمالكية، لم يكن اعتمادهم فيما جنحوا إليه: دلالة النص وحدها، أو التعليل بالهتك فقط - كما عبّر المالكية - وإنما أسعفتهم الرواية أيضًا؛ بل قدّموا الرواية على غيرها في الاستدلال، حين رتِّبوا ما استدلوا به على الحكم. ثانيًا: ثبوت العقوبات والكفارات بدلالة النص: وعلى كل فمهما يكن الأمر في مسألة وجوب كفارة الأكل والشرب عمدًا في رمضان، فإن الحنفية بشكل عام يثبتون الحدود والكفارات بدلالة النص وإن كانوا لا يثبتونها بالقياس. ولكن حين تكون دلالة النص ظنية، يكون هناك مجال للاختلاف في الحكم الذي يثبت بها. لذا لم يقتصر الأمر على الخلاف بين الحنفية وغيرهم في هذا المجال، ولكن رأينا بعض النماذج التي وقع فيها الخلاف بين أئمة المذهب أنفسهم. ١ - فالاختلاف على العلة في كفارة القتل الخطأ، جعل الشافعية يقفون في كفارة القتل العمد عند قولٍ، هو غير ما رآه الحنفية والمالكية والحنابلة. ذلك بأن الشافعية رأوا أن العلة في وجوب الكفارة بالقتل الخطأ، إنما هي الزجر عن القتل، وذلك في القتل العمد أوْلى؛ فتجب في القتل العمد بدلالة النص. فإذا وجبت في الخطأ - وعنصر القصد إلى القتل غير متوافر - فلأنْ تجب في العمد - وعنصر العمد متوافر - أجدر وأحرى، وهو ما يناسب الزجر عن القتل وإزهاق الأرواح (٢).

стр. 424

أما الحنفية والمالكية والحنابلة: فلم يروا وجوب الكفارة في القتل العمد؛ لأن العلة الموجبة لها في القتل الخطأ والتي تثبت بعبارة النص: إنما هي تدارك ما صدر من تهاون المخطئ وعدم تثبُّته، الأمر الذي أدى إلى إهلاك النفس المحترمة المعصومة. وليست الكفارة زجرًا؛ لأن المخطئ غير آثم واعتبار المأثم فيه ساقط. فالعلة التي توافرت في القتل الخطأ، لم تتوافر في القتل العمد؛ إذ إنه كبيرة محضة، والجريمة فيه أقوى من الجريمة في القتل الخطأ، ولا يلزم من تدارك التهاون بالكفارة، صلاحيتها لتدارك ما هو الأقوى. وما يُتدارك به الأخف، لا يصلح أن يُتداركَ به الأقوى، خصوصًا والخطأ لا مأثم فيه كما قدّمنا (١). قال شارح "مسلم الثبوت": (ولا يلزم من محو شيء ذنبًا: محوُه ما هو أعلى منه، كيف ونفس الخطأ لا ذنب فيه) (٢). وهكذا اختلف الحكم في القتل العمد، باختلاف العلة التي من أجلها رأى الأئمة وجوب الكفارة في القتل الخطأ. ٢ - ومثل هذا الاختلاف في هذه العلة، حصل الاختلاف في العلة التي أوجبت كفارة اليمين المنعقدة (٣) التي ثبتت بعبارة النص في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ

стр. 425

عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]. ونتيجة لهذا الاختلاف: افترق الشافعية والحنفية في شأن كفارة اليمين الغموس (١). فالإمام الشافعي الذي يرى أن علة الكفارة في المنعقدة: هو الزجر؛ رأى وجوب الكفارة في اليمين الغموس؛ لأنها فيها أوْلى وأحرى. أما الحنفية: فلا يرون الزجر علة في اليمين المنعقدة، وإنما العلة تداركُ التهاون الذي صدر عنه انتهاك اسم الله تعالى، واليمين الغموس كبيرة لا يكفّرها - وهي الأقوى - ما كفَّر الأقل، وهو التهاون في اليمين المنعقدة، فلا تجب الكفارة في اليمين الغموس، كما لم تجب في كفارة القتل العمد حسبما قدّمنا آنفًا. هذا: ويرى الباحث أن الأمر بين الشافعية والحنفية في حكم اليمين الغموس، لم يقتصر الاحتجاج فيه على دلالة النص وحدها. فقد جاء في "السنن الكبرى" للبيهقي (قال الشافعي: فإن قال: وما
следующие страницы →