← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

رأينا في المسألة: والراجح عندنا أن الاعتماد على دلالة النص وحدها في أمر هذه الكفارة - وهي دلالة ظنية هنا - لا يدعو إلى القناعة والاطمئنان، خصوصًا وأن دلالة النص مرتبط أمرها باللغة والوضع، لا بالاستنباط والاجتهاد. لذا لم يرتض بعض الأصوليين من الحنفية عدّ مثل هذه الأحكام في الدلالات، فقد رأينا الميهوي في "نور الأنوار" بعد أن ذكر أن الشافعي لم يوجب الكفارة إلا بالجماع؛ لأن العلة عنده الجماع وليس إفساد الصوم قال: (ولهذا قالوا: إن عدّ مثل هذه الأحكام في الدلالة لا يحسن لأن الشافعي ﵀ لم يعرف هذا مع أنه من أهل اللسان، فكان ينبغي أن يعدّ في القياس، ثم قال: ومثل هذا كثير لنا وله) (١). نذكر هذا، ونذكر معه أن المالكية والحنفية في واقع الأمر لم يعتمدوا على هذه الدلالة وحدها، وإنما كانت من جملة الأدلة أو المؤيدات. ١ - فلقد استدلّ الحنفية بما في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ "أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعم ستين مسكينًا". وقد ردّ ابن الهمام في "فتح القدير" على القول بأن المراد في الحديث الجماع - كما جاء مفسَّرًا برواية من نحو عشرين رجلًا -: بأن وجه الاستدلال به تعليق الكفارة بالإفطار في عبارة الراوي - وهو أبو هريرة ﵁ -؛ إذ أفاد أنه فهم من خصوص الأحوال التي يشاهدها في قضائه ﵊، أو سمع ما يفيد أن إيجابها عليه باعتبار أنه إفطار، لا باعتبار خصوص الإفطار فيصح التمسك به (٢).

стр. 422

وبعد الآثار، يأتي دور دلالة النص في استدلال الفقهاء، فيحاول ابن الهمام - صنيعَ صاحب الهداية - أن يبرهن على أن وجوب الكفارة بالأكل والشرب عمدًا في نهار رمضان: ثابت بدلالة النص ثبوتَه في الجماع بعبارة النص (١). ب - أما عن المالكية: فقد جاء في "الموطأ" ذكر رواية أبي هريرة التي تعلق الكفارة بالإفطار، وذكر صاحب "المنتقى" أن رواة الحديث اختلفوا فذكر أصحاب "الموطأ" وأكثر الرواة عن مالك: "أن رجلًا أفطر في رمضان" وخالفهم جماعة من الرواة فقالوا: "إن رجلًا أفطر بجماع" وعلى هذا فهناك رواية معترَف بها عن مالك، تربط الكفارة بالإفطار لا بإفطار مخصوص هو الجماع (٢). غير أن شرّاح "الموطأ" لم يقتصروا في الاستدلال على هذه الرواية، ولكن فهموا أن العلة في وجوب الكفارة هي هتك حرمة الشهر، وذلك متوافر في الطعام والشراب عمدًا توافُره في الجماع، وهذا ما سمّاه الحنفية "دلالة النص". ولقد عدّ المالكية المفطرات من أكل، وشرب، ووقاع، وخروج دم، وحيض … إلخ، ونقلوا عن مالك أن غير المعذور تلزمه الكفارة بها كلها، على أي وجه وقع فطره من العمد والهتك لحرمة الصوم. قال صاحب "المنتقى": (والدليل على ما نقوله: أن هذا قصَد إلى

стр. 423

الفطر وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر، فوجبت الكفارة كالمجامع) (١). وهكذا نرى أن الحنفية والمالكية، لم يكن اعتمادهم فيما جنحوا إليه: دلالة النص وحدها، أو التعليل بالهتك فقط - كما عبّر المالكية - وإنما أسعفتهم الرواية أيضًا؛ بل قدّموا الرواية على غيرها في الاستدلال، حين رتِّبوا ما استدلوا به على الحكم. ثانيًا: ثبوت العقوبات والكفارات بدلالة النص: وعلى كل فمهما يكن الأمر في مسألة وجوب كفارة الأكل والشرب عمدًا في رمضان، فإن الحنفية بشكل عام يثبتون الحدود والكفارات بدلالة النص وإن كانوا لا يثبتونها بالقياس. ولكن حين تكون دلالة النص ظنية، يكون هناك مجال للاختلاف في الحكم الذي يثبت بها. لذا لم يقتصر الأمر على الخلاف بين الحنفية وغيرهم في هذا المجال، ولكن رأينا بعض النماذج التي وقع فيها الخلاف بين أئمة المذهب أنفسهم. ١ - فالاختلاف على العلة في كفارة القتل الخطأ، جعل الشافعية يقفون في كفارة القتل العمد عند قولٍ، هو غير ما رآه الحنفية والمالكية والحنابلة. ذلك بأن الشافعية رأوا أن العلة في وجوب الكفارة بالقتل الخطأ، إنما هي الزجر عن القتل، وذلك في القتل العمد أوْلى؛ فتجب في القتل العمد بدلالة النص. فإذا وجبت في الخطأ - وعنصر القصد إلى القتل غير متوافر - فلأنْ تجب في العمد - وعنصر العمد متوافر - أجدر وأحرى، وهو ما يناسب الزجر عن القتل وإزهاق الأرواح (٢).

стр. 424

أما الحنفية والمالكية والحنابلة: فلم يروا وجوب الكفارة في القتل العمد؛ لأن العلة الموجبة لها في القتل الخطأ والتي تثبت بعبارة النص: إنما هي تدارك ما صدر من تهاون المخطئ وعدم تثبُّته، الأمر الذي أدى إلى إهلاك النفس المحترمة المعصومة. وليست الكفارة زجرًا؛ لأن المخطئ غير آثم واعتبار المأثم فيه ساقط. فالعلة التي توافرت في القتل الخطأ، لم تتوافر في القتل العمد؛ إذ إنه كبيرة محضة، والجريمة فيه أقوى من الجريمة في القتل الخطأ، ولا يلزم من تدارك التهاون بالكفارة، صلاحيتها لتدارك ما هو الأقوى. وما يُتدارك به الأخف، لا يصلح أن يُتداركَ به الأقوى، خصوصًا والخطأ لا مأثم فيه كما قدّمنا (١). قال شارح "مسلم الثبوت": (ولا يلزم من محو شيء ذنبًا: محوُه ما هو أعلى منه، كيف ونفس الخطأ لا ذنب فيه) (٢). وهكذا اختلف الحكم في القتل العمد، باختلاف العلة التي من أجلها رأى الأئمة وجوب الكفارة في القتل الخطأ. ٢ - ومثل هذا الاختلاف في هذه العلة، حصل الاختلاف في العلة التي أوجبت كفارة اليمين المنعقدة (٣) التي ثبتت بعبارة النص في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ

стр. 425

عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]. ونتيجة لهذا الاختلاف: افترق الشافعية والحنفية في شأن كفارة اليمين الغموس (١). فالإمام الشافعي الذي يرى أن علة الكفارة في المنعقدة: هو الزجر؛ رأى وجوب الكفارة في اليمين الغموس؛ لأنها فيها أوْلى وأحرى. أما الحنفية: فلا يرون الزجر علة في اليمين المنعقدة، وإنما العلة تداركُ التهاون الذي صدر عنه انتهاك اسم الله تعالى، واليمين الغموس كبيرة لا يكفّرها - وهي الأقوى - ما كفَّر الأقل، وهو التهاون في اليمين المنعقدة، فلا تجب الكفارة في اليمين الغموس، كما لم تجب في كفارة القتل العمد حسبما قدّمنا آنفًا. هذا: ويرى الباحث أن الأمر بين الشافعية والحنفية في حكم اليمين الغموس، لم يقتصر الاحتجاج فيه على دلالة النص وحدها. فقد جاء في "السنن الكبرى" للبيهقي (قال الشافعي: فإن قال: وما

стр. 426

الحجة في أن يكفّر وقد عمد الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي ﷺ : "فليأتِ الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه" فقد أمره أن يعمد الحنث) فقد اعتمد الشافعي الحديث في الأمر بعمد الحنث واستدل به على التكفير. والحديث رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم: "إذا آليت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأتِ الذي هو خير وكفّر عن يمينك" (١). ولقد ردّ ابن التركماني (٢) صاحب "الجوهر النقي" بأن الله أوجب الكفارة في اليمين المعقودة على مستقبل يمكن فيه الحنث والبر، والغموس ليست كذلك، لأنها على ماض ليس فيه أمر ينتظر فيه الحنث أو البر. وقوله ﷺ : "فليأتِ الذي هو خير" ورد فيمن سبق منه يمين متعقدةٌ يجب عليه الكفارة إذا حنث فيها بالنص، ولما كانت على معصية أمره الشارع بالحنث فيها، فعمدُ الحنث فيها مأمور به، وعمد الغموس منهي عنه؛ فكيف يقاس على تلك؟ ثم ذكر ﷺ عن ابن مسعود عدم القول بالكفارة في الغموس، ونقل عن كتاب "الأشراف" لابن المنذر عن الحسن مثل ذلك، ثم قرر أنه قول مالك والأوزاعي، والثوري، ومَن تبعهم، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي، وأنه لا دليل من كتاب أو سنّة على القول بالكفارة وأن اليمين التي يقتطع بها حرام أعظم من أن تكفر (٣). ٣ - ومما اختلف فيه أئمة الحنفية أنفسهم: حكم اللواطة.

стр. 427

فبينما يَرى أبو حنيفة التعزيز في حق مرتكب هذه الجريمة، يرى أبو يوسف ومحمد بن الحسن أن عمل قوم لوط هو بمنزلة الزنى، وأن على المرتكب حد الزاني، وهو رأي الإمام الشافعي (١). وأبو يوسف ومحمد يوجبان حد الزنى في اللواطة: بدلالة النص، لأن العلة التي كانت مناط وجوب الحد في الزنى: سفح الماء في محل محرم مشتهى. وهذا المعنى أكثر توفرًا في اللواطة، فالحرمة فيها أبلغ وإنما تبدل اسم المحل؛ فيثبت حد اللواطة بدلالة النص. فقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] يدل بطريق العبارة على حد الزاني والزانية، ويدل بطريق الدلالة على ثبوت الحد نفسه للِّواطة. أما الإمام أبو حنيفة: فيرى - كما نقل عنه - أن المناط في الزنى هلاك نفس معنًى وحكمًا، لأن الولد الذي يتخلق من السفاح هو في حكم المعدوم من عدة وجوه: منها ضياع النسب، وعدم وجود المسؤول عن الإنفاق، وهذا غير متوافر فيما نحن فيه؛ لأن الموضع ليس موضع حرث، إلى جانب أن الشهوة في الزنى ثابتة من الطرفين بخلافها في اللواطة، وأن هذا مما تنفر منه الطباع السليمة. ولذلك لم يرَ وجوب الحد وإنما أوجب التعزير. والذي يبدو أن الجزم بحد الزنى في اللواطة من طريق دلالة النص، مما لا تطمئن إليه النفس، خصوصًا وأن الحد مشروع زجرًا، وذلك يكون عند دعاء الطبع من الجانبين وهو - كما قدّمنا - غير متوافر هنا. وفي باب العقوبات تعتبر صفة الكمال لما في النقصان من شبهة العدم، ودرء الحدود بالشبهات أمر معروف في الشريعة ومطلوب. والمفروض بما يؤخذ من

стр. 428

طريق دلالة النص أن يفهم بمجرد المعرفة باللغة (١). ولكن عند القائلين بالحد - إلى جانب دلالة النص - قوله ﵊: "إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان" (٢) ولقد أشرنا فيما سبق إلى أن هنالك من قال بالقتل حدًا للواطة؛ محصنًا كان المجرم، أو غير محصن. وكان من أدلة المذهب قوله ﵊ فيما رواه أبو داود: "مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، وفي لفظ: "فارجموا الأعلى والأسفل" (٣). وإذا عدنا إلى مواطن تفصيل ذلك في كتب الأحكام، وجدنا اعتمادًا على الأدلة من النصوص، وتقويمًا مرموقًا لمدلول التهويل من شأن هذه الجريمة في القرآن الكريم، حين ذكرها بمعرض الحديث عن الأخلاق الشاذة والسلوك المنحرف عند قوم لوط، وفي الأحاديث الواردة في تحريمها والتشنيع على فاعليها (٤). قال الشوكاني في "نيل الأوطار": (وما أحقَّ مرتكب هذه الجريمة ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين ويعذب تعذيبًا يكسر شوكة الفسقة المتمردين.

стр. 429

فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصْلى من العقوبة ما يكون في الشدة والشناعة مشابهًا لعقوبتهم. وقد خف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيّبهم) (١). تعارض دلالة النص مع الإشارة: عرضنا عند البحث في إشارة النص ما يتعلق بحكمها من اتجاهات، وأوضحنا أن الأكثرين على القول بقطعيتها، وقد ترد ظنية. وتبين مما سبق: أن حكم دلالة النص هو حكم إشارة النص؛ فيكون الثابت بها كالثابت بالإشارة؛ لأن في كليهما أخذًا بمعقول النص وروحه ومفهومه من ناحية الوضع اللغوي، لا من ناحية الرأي والاستنباط. وإذا كانت الإشارة تتَّسم بالقطعية وقد تكون ظنية، فكذلك: دلالة النص، تلك الدلالة التي رأينا المتأخرين يقسمونها إلى قطعية وظنية، وقد مرّ بنا نماذج عن مدلولاتها في حالتَيْ قطعيتها وظنيّتها (٢). إلا أنه في حالة تعارض دلالة الإشارة مع دلالة النص، تقدّم الإشارة على الدلالة: لأن الإشارة تدل على الحكم باللفظ نفسه وصيغته، وإن كان ذلك بطريق الالتزام. أما دلالة النص: فقد مرّ بنا أن دلالتها على الحكم، مردها معرفة المناط الذي كان موجب الحكم، وذلك عن طريق اللغة، فهي تدل باللفظ نفسه ولكن بواسطة المعنى الذي كان الموجب للحكم في عبارة النص، ومعرفة تحققه في المسكوت عنه. وهكذا تكون دلالة الإشارة: دلالة مباشرة عن طريق الالتزام، ودلالة النص: دلالة بواسطة المعنى الذي كان مناط الحكم. وما يدل بلا واسطة أقوى مما يدل بواسطة، فترجحت الإشارة على الدلالة عند التعارض. وقد عبّر عن ذلك ابن ملك في شرحه "المنار" بأن (الإشارة وجد فيها

стр. 430

النظم والمعنى اللغوي، والدلالة لم يوجد فيه إلا المعنى اللغوي وعند المعارضة يتقابل المعنيان فيبقى النظم في الإشارة سالمًا عن المعارضة فيحصل الترجيح) (١). ومما يمكن التمثيل به لهذا التعارض أن الشافعية - كما تقدّم في حينه - أثبتوا وجوب الكفارة في القتل العمد عن طريق دلالة النص في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لأنها - كما قالوا - لما وجبت في القتل الخطأ مع قيام العذر، كان وجوبها بالقتل العمد أوْلى (٢). وقال الحنفية: لئن سلّمنا بوجوب الكفارة في القتل العمد بدلالة النص، إلا أن هذه الدلالة تعارضها الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. فإن هذا النص يدل بطريق الإشارة - كما أسلفنا - على عدم وجوب الكفارة على القاتل المعتدي، وقد فهم ذلك من الاقتصار على هذا الجزء في مقام البيان، مما أفاد الحصر، فتعارضت الدلالة التي توجب الكفارة، مع الإشارة التي لا توجبها، فقدّم الأقوى - وهو الإشارة - وحكمنا بعدم وجوب الكفارة في القتل العمد (٣). من دلالة النص في القانون: ١ - نصت المادة /١١٤١/ فقرة أولى "ح" من القانون المدني المصري على اعتبار النفقة المستحقة للأقارب في الأشهر الستة الأخيرة: من الحقوق الممتازة. فدلت عبارة النص على نفقة الأقارب، أما نفقة الزوجة: فلم تأتِ المادة على ذكرها، غير أن امتياز نفقة الزوجة يمكن استنباطه من طريق دلالة النص؛ لأن العلة في المنطوق - وهو الأقارب - والمسكوت عنه - وهو الزوجة -

стр. 431

واحد، بل يمكن القول بأن هذا الحكم يثبت لنفقة الزوجة من باب أولى. ٢ - جاء في المادة من القانون المدني المصري أن "على المؤجر أن يتعهد العين المؤجرة بالصيانة لتبقى على الحالة التي سلَّمت بها وأن يقوم في أثناء الإجارة بجميع الترميمات الضرورية دون الترميمات التأجيرية". فتدل عبارة النص في هذه المادة: على أن الترميمات التأجيرية لا يكلف بها المؤجر، والمعنى الذي كان من أجله عدم التكليف هو الضرر، وهو أمر يدرك بمجرد المعرفة باللغة، وهذا المعنى متوافر في تكليف المؤجر بإحداث غرفة، بشكل أقوى. فيؤخذ من طريق دلالة النص: عدم تكليف المؤجر بإحداث غرفة في العين المستأجرة لوجود سبب الحكم المنطوق في المسكوت بشكل أقوى. ٣ - وفي قانون العقوبات المصري نصت المادة على أن "المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، ولزوجها حق إيقاف تنفيذ العقوبة برضائه معاشرتها". فيؤخذ من المادة المذكورة بطريق دلالة النص، أن للزوج إيقاف السير في دعوى الزنى قبل الحكم فيها، لأن من ملك بمنطوق النص وقف تنفيذ الحكم بعد صدوره، يملك بالأولى وقف إجراءات الدعوى. ٤ - كذلك جاء في المادة من القانون المذكور: أن "مَن فاجأ زوجته حالة تلبُّسها بالزنى وقتلها هي وشريكها في الحال، يعاقب بالحبس بدلًا من عقوبة الجناية". فيفهم من المادة المذكورة بدلالة النص، أن الزوج لو ضرب زوجته المتلبسة بالزنى هي ومن يزني بها ضربًا أحدث عاهة مستديمة اعتبرت جريمته جنحة لا جناية؛ لأن هذا أوْلى بالتخفيف من جريمة القتل نفسها التي دلّت على التخفيف فيها عبارة النص (١).

стр. 432

المبحث الرابع دلالة الاقتضاء في حديثنا عن هذه الطريق من طرق الدلالة نعرض لماهية دلالة الاقتضاء، ثم لعموم المقتضى، وما ترتب على الاختلاف فيه، ومن بعد: نأتي على مدلول دلالة الاقتضاء. وسنرى ذلك في المطالب التالية: * * * المطلب الأول ماهية دلالة الاقتضاء إذا كان صدق الكلام أو صحتُه الشرعية أو العقلية، تتوقف على معنًى خارج عن اللفظ، قيل للدلالة على هذا المعنى المقدَّر: "دلالة اقتضاء"، لأن استقامة الكلام تقتضي هذا المعنى وتستدعيه. والحامل على التقدير والزيادة: هو "المقتضِي". والمزيد: هو "المقتضَى". والدلالة على أن هذا الكلام لا يستقيم إلا بذلك التقدير والزيادة: هو "الاقتضاء". وما ثبت به هو "حكم المقتضَى". لذا فمن الممكن أن نعرّف دلالة الاقتضاء بأنها: (دلالة الكلام على معنًى يتوقف على تقديره صدق الكلام، أو صحته شرعًا أو عقلًا).

стр. 433

وقد قال صاحب "التلويح": (الاقتضاء دلالة اللفظ على معنًى خارج يتوقف عليه صدقه أو صحته الشرعية أو العقلية) (١). وهكذا لم تكن الدلالة على الحكم في هذا النوع من طرق الدلالة: بالصيغة أو بمعناها، بل بأمر زائد اقتضاء صدق الكلام، أو صحته. هذا: والمعنى الذي يتوقف صدق الكلام أو صحته على تقديره، هو عند عامة الأصوليين من الحنفية، وجميع أصحاب الشافعي، وجميع المعتزلة على ثلاثة أقسام (٢): ١ - ما وجب تقديره ضرورة صدق الكلام؛ كما في قوله ﷺ فيما رواه ابن عباس: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" (٣). فإن الخطأ والنسيان لم يُرفعا، بدليل وقوع الأمة في كل منهما، وكذلك رفع العمل بعد وقوعه محالٌ. مع أن ظاهر النص يفيد أن الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه الأمة موضوع عنها. وعلى هذا: فلا بد لصدق هذا الكلام - وهو واقع من الرسول المعصوم ﵇ من تقدير محذوف، بأن تقول: "وضع إثم الخطأ … أو حكمه". وبهذا التقدير يتفق الكلام مع الواقع ولا يخالفه. ٢ - ما وجب تقديره ضرورة صحة الكلام عقلًا كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف: ٨٢]. فإن هذا الكلام لا يصح عقلًا إلا بتقدير: (واسأل أهل القرية) لأن السؤال للتبيين، وإذا كان كذلك فالمسؤول يجب أن يكون من أهل البيان، فاقتضى الكلام تقدير (الأهل) ليصح ويستقيم (٤). وكما في قوله جلّ وعلا: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ [العلق: ١٧] فهذا الكلام لا يصح

стр. 434

عقلًا، لأن النادي - وهو المكان - لا يدعى لذلك كان لا بد من مقدّر يستقيم به الكلام، وذلك المقدَّر هو (أهل) ويكون تقدير الآية (فليدع أهل ناديه) وبذلك يصح الكلام ويستقيم (١). ٣ - ما وجب تقديره ضرورة صحة الكلام شرعًا. ومثاله: الأمر بالتحرير في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الذي هو في معنى الأمر، أي فحرروا رقبة. فهذا الأمر مقتضٍ للملك؛ لأن تحرير الحر لا يتصور، وكذا تحرير ملك الغير عن نفسه. فملك الرقبة ثابت بالنص اقتضاءً. فصار التقدير: (فتحرير رقبة مملوكة) (٢). ومن ذلك قول الإنسان لمن يملك عبدًا: "أعتق عبدك عني بألف … " مثلًا، فإن هذا يدل اقتضاءً على شراء عبده منه؛ لأنه لا ينوب عنه عتقه إلا بعد أن يتملكه منه بشرائه، فالشراء ثابت بنص هذه الصيغة اقتضاءً. هذه الأنواع ودلالة الاقتضاء: وهذه الأنواع الثلاثة المذكورة تدخل في دلالة الاقتضاء عند عامة الأصوليين من متقدمي الحنفية وأصحاب الشافعي ومَن تابعهم، ويسمى المقدَّر فيها - كما قدّمنا - مقتضى بوزن اسم المفعول؛ لأن صدق الكلام، أو صحته عقلًا أو شرعًا: اقتضاه. فهم جعلوا المحذوف من باب المقتضى، ولم يفصلوا بينهما. وقد قالوا في تحديد المقتضى - كما يذكر عبد العزيز البخاري -: هو جعل غير المنطوق منطوقًا لتصحيح المنطوق، وبهذا يشمل الجميع.

стр. 435

ففي الأمثلة السابقة على رأي الجمهور تكون دلالة الجملة في: "إن الله وضع عن أمتي .... " على كلمة (حكم) أو (إثم) من قبيل دلالة الاقتضاء. ومثل ذلك دلالة (وأسأل القرية) على (الأهل)، ودلالة الأمر بالتحرير على (التملُّك). موقف الدبوسي: والقاضي الإمام أبو زيد الدبوسي في "تقويمه" تابع المتقدمين وجعل ما وجب تقديره لصدق الكلام، وما وجب لصحته عقلًا أو شرعًا، قسمًا واحدًا فقال: (المقتضى زيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها فاقتضاها النص ليتحقق معناه ولا يلغو). فأدخل المحذوف في هذا التعريف. ومثّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقال: (أي أهلَها اقتضاء لأن السؤال للتبيُّن فاقتضى موجَب هذا الكلام أن يكون المسؤول من أهل البيان ليفيد، فثبت الأهل اقتضاءً ليفيد) كما أتى أبو زيد بحديث الخطأ والنسيان، وحديث "الأعمال بالنيات" (١) وأبان أن المراد حكم الأعمال، فإن عينها تثبت بلا نية (٢). موقف المتأخرين بعد الدبوسي: غير أن فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي، ومن تابعهما أطلقوا اسم "المقتضى" على ما أضمر لصحة الكلام شرعًا، وجعلوا ما وراء ذلك قسمًا واحدًا سمُّوه "محذوفًا" أو مضمرًا.

стр. 436

لذا كانت دلالة الاقتضاء عندهم هي: (الدلالة على معنًى يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته شرعًا) (١). ومن هنا رأينا صاحب "التلويح" بعد أن عرفها بدلالة اللفظ على معنى خارج يتوقف صدقه أو صحته العقلية أو الشرعية قال: (وقد يقيد بالشرعية احترازًا عن المحذوف مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾) (٢). ويبدو أن الذي بدأ سلوك سبيل التفريق بين المقتضى والمحذوف هو البزدوي ﵀ (٣)، وجاء السرخسي ففصَّل في الأمر واعتبر من السهو التسوية بينهما؛ لأن المحذوف غير المقتضى. وعلّل ذلك بأن من عادة أهل اللسان حذف بعض الكلام للاختصار، إذا كان فيما بقي دليل على المحذوف، ثم ثبوت هذا المحذوف من هذا الوجه يكون لغة، وثبوت المقتضى يكون شرعًا لا لغة. وعلامة الفرق بينهما في نظر شمس الأئمة: أن المقتضى تبع يصح باعتباره المقتضى، إذ صار كالمصرح به، والمحذوف ليس بتبع، بل عند التصريح به ينتقل الحكم إليه، إلا أن يثبت ما هو المنصوص، قال ﵀: (ولا شك إن ما ينقل غير ما يصحح المنصوص) (٤). والأمثلة التي سقناها للمتقدمين والتي أورد بعضها أو جلَّها القاضي الدبوسي، جاء على ذكرها البزدوي موضحًا ما يدخل منها في إطار المقتضى، وما يدخل في إطار المحذوف (٥).

стр. 437

وكان ذلك صنيع السرخسي أيضًا: ففي قول القائل لمخاطَبه: (أعتق عبدك عني) محذوف، ويثبت التمليك بطريق الاقتضاء ليصح المنصوص فكأنه قال: (بع عبدك عني بكذا وكن وكيلي في الإعتاق). وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يرى السرخسي أن الأهل محذوف للاختصار، فإن فيما بقي من الكلام دليلًا عليه، وعند التصريح بهذا المحذوف يتحول السؤال عن القرية إلى الأهل لا أن يتحقق به المنصوص. وكذلك في قوله ﵇: "رُفع عن أمتي الخطأ … " فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف، ومثله قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" (١). موقف التفتازاني: وقد اعترض التفتازاني صاحب "التلويح" على هذا التفريق بين المقتضى والمحذوف - وهو اعتراض أشار إليه صاحب "كشف الأسرار" في شرحه لكلام البزدوي (٢) - بأنه إن أريد بتوجه الفرق بين المقتضى والمحذوف: وجود التغيير وعدمه، فلا تغيير في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] أي فضرب فانشقّ الحجر فانفجرت، وقوله جلّ ذكره: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [يوسف] أي فنزع فرأى غلامًا متعلقًا بالحبل فقال: يا بشرى. كذلك لا تغيير في مثل قوله سبحانه حكاية: ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٥، ٤٦] أي أرسلوه فأتاه وقال: أيها الصديق. ولا يمكن أن يجعل هذا من باب الاقتضاء - على ما ذكر الذين فرقوا بين المقتضى والمحذوف -

стр. 438

لأنه ليس بأمر شرعي، وإذا كان كذلك لا يحصل التفريق بينهما بهذه العلامة وهي وجود التغيير وعدمه. وإن أريد أن عدم التغيير لازم في المقتضى، وليس بلازم في المحذوف، لم يتميز المحذوف الذي لا تغيير فيه عن المقتضى (١). موقف صاحب "فواتح الرحموت" ورأينا في ذلك: هذا: وما أورده عبد العزيز البخاري والتفتازاني: وجيه في نظرنا، ولا يدفعه ما ذكره صاحب "فواتح الرحموت" من أن الذين فرقوا بين المحذوف والمقتضى لم يريدوا جمع الصور في الحذف والاقتضاء، وإنما أرادوا بعض الصور المختلف فيها (٢). وذلك لأن الذين فرقوا بينهما من المتأخرين، كالبزدوي والسرخسي وأضرابهما لم يقولوا ما قاله صاحب "الفواتح" بعد زمن طويل، وقد قرر عبد العزيز البخاري أن التفريق كان مسلكًا جديدًا للمتأخرين، وفي مقدمتهم فخر الإسلام البزدوي، وقد خالفوا فيه حتى القاضي الدبوسي الذي كان مع الجمهور فيما هم عليه من عدم التفريق بين المقتضى والمحذوف. على أن الذي دعاهم إلى التفريق - كما سنرى - عدم قولهم بعموم المقتضى، ووجود مسائل لا يمكن الإغماض عن العموم فيها، وليكن ما ذكره صاحب "فواتح الرحموت" رأيه هو، ويبقى الاعتراض على التفريق محتفظًا بوجاهته. على أنه قد تابع التفتازاني في اعتراضه كثيرون من أمثال ابن ملك وغيره من شرّاح "المنار" وأوضحوا رأيهم بالعديد من الأمثلة (٣).

стр. 439

ولقد يؤيد ما ذهبنا إليه ما قرره يحيى الرهاوي في "حاشيته" على شرح ابن ملك "لمنار النسفي"، من أن الأمر في التفريق وإعطاء كل من القسمين تسمية معينة: إما أن يكون اصطلاحيًا، أو لا. أ - فإذا كان يقوم على الاصطلاح: فلا مشاحة في الاصطلاح. ب - وإن كان يقوم على حدود وفوارق صحيحة بين المقتضى والمحذوف: فلا بد من إقامة الدليل المقبول. قرّر ذلك مع عدم رضاه عن اعتبارهما شيئًا واحدًا كما ذهب إليه القاضي أبو زيد والجمهور (١). وهكذا يبدو أن ما جنح إليه صاحب "الفواتح" لا يقوى على رد اعتراض التفتازاني الذي أشار إليه البخاري من قبل، ففي المسألة مسلكان واضحان: مسلك الجمهور من المتقدمين ومعهم أبو زيد الدبوسي. ومسلك المتأخرين وعلى رأسهم البزدوي والسرخسي. والمسلك الأول قائم على عدم التفريق. أما المسلك الثاني: فيقوم على التفريق. وعماده أن المقتضى ينحصر فيما يلزم ثبوته لصحة الكلام شرعًا لا لغة وعقلًا.

стр. 440

الأمر الداعي إلى التفريق: أما الداعي إلى التفريق: فهو أن القول بعموم المقتضى - كما سيأتي - غير مقبول عند عامة الحنفية وفيهم الدبوسي، وعندما وُجِدَ أن بعض الأمثلة (١) لا يمكن الإغماض عن العموم فيها، قال المتأخرون: هذا من المحذوف، والمحذوف غير المقتضى. من ذلك ما إذا قال لامرأته: طلِّقي نفسك؛ فإن "طلاقًا" الذي هو المصدر، غير مذكور، ونية الثلاث والعموم فيه صحيحة، فعزوا ثبوت العموم إلى كون المصدر ثابتًا لغة لا شرعًا؛ فما ثبت لغة هو المحذوف، وما ثبت شرعًا هو المقتضى. بل عندما وُجِدَ أن القول بالعموم في حديث: (وضع الخطأ والنسيان): يتنافى مع ما عند أئمة المذهب من أقوال في شأن الإكراه والنسيان وما يترتب عليهما من أحكام في العبادات والمعاملات قالوا: إن سقوط عمومه ليس من قبيل الاقتضاء ولكنه من قبيل الاشتراك، والمشترك لا يقبل العموم، وقالوا مثل ذلك في حديث: "الأعمال بالنية" (٢). والذي يلاحظ أنهم قالوا في هذين الحديثين المذكورين: إنهما من قبيل المحذوف الذي له عموم، ثم لم يجدوا بدًّا من القول بأن عدم العموم جاء من الاشتراك. على أن الشيخ عبد العزيز البخاري، قد كشف بجلاء عن أن المقدَّر في الحديثين ليس من باب الحذف الذي بيّنه المتأخرون، لأن الكلام بدونه مفيد للمعنى لغة، ولهذا لو صدر مثله عن غير الرسول ﷺ ، لما قدر فيه شيء، بل يحمل على حقيقته إن أمكن، وإلا فعلى الكذب. وإنما قدر فيهما ما ذكرناه ضرورة صدق الرسول ﷺ ، فكيف يكون هذا من باب اللغة، بل هو من باب الاقتضاء مع ذلك التغير.

стр. 441

أما القول بأن المقتضى: لتصحيح المعنى وتقريره، فلا يصلح مغيرًا له: فمسلم، ولكن المقتضى لتصحيح مجموع الكلام وتقويم معناه، لا لإقرار كلماته - وذلك حاصل مع التغير الذي ذكره البزدوي والسرخسي - فلا يكون مبطلًا، بل مقررًا ومصححًا (١). هذا: وما أشرنا إليه من أن المتأخرين إنما حملهم على مخالفة المتقدمين والقول بالتفريق بين المقتضى والمحذوف: بعض المسائل التي لم تنطبق على المنهج الذي التزموه، عرض له الشيخ البخاري، وبيّن أنه حجة أيضًا مجروحة وذلك قوله: (وأما المسائل التي صحّت فيها نية العموم وهي التي حملتكم على مخالفة المتقدمين، فليست من باب الاقتضاء على هذه الطريقة أيضًا، لأن المصدر في قوله: (طلِّقي نفسك) مثلًا ليس بمقدّر ولا غير مذكور بل معناه إفعلي فعل التطليق، والكلامان ينبئان عن معنًى واحد إلا أن أحدهما أوجز، مثل الأسد والغضنفر، فكأن المصدر مذكور، فيصح فيه نية التعميم) (٢). وهكذا يبدو أنه لا مسوِّغ للتفريق بين "المقتضى" و"المحذوف"، وإعطاء كل منهما تسمية معينة إلا اعتبار الاصطلاح، انسجامًا مع أحكام فقهية مقررة، سنعرض لبعضها في كلامنا على عموم المقتضى الذي يُرى أن عدم قبوله محور هام في الموضوع، ولقد رأينا عالِمًا كالرهاوي يشير إلى مسألة الاصطلاح، ثم لا يرى مسوغًا غيرها، إلا الاعتراف بالإشكال في حالة الجنوح إلى عدم التفريق؛ لأن القوم متفقون على عدم القول بعموم المقتضى (٣). * * *

стр. 442

المطلب الثاني عموم المقتضى قدّمنا أن المقتضى عند المتقدمين - ومعهم القاضي الإمام أبو زيد الدبوسي -: ما وجب تقديره لصدق الكلام، أو صحته العقلية، أو الشرعية. ونحب أن نبيّن هنا أن ما يصلح للتقدير: إذا كان عدة أمور يختلف المعنى باختلافها: كان تعيين واحد منها مجالًا للاجتهاد والنظر. وذلك كما في قوله ﷺ فيما رواه الحسن عن سمرة: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (١) فهذا الكلام من المعصوم، يقتضي - ليكون مفيدًا - تقدير: حفظ ما أخذت، أو ضمانه، أو رده، ولا يصح تقدير الثالث وهو الرد؛ لأنه جعل غاية للحكم بقوله: "حتى تؤديه". ومن المقرر عند علمائنا أن الشيء لا يكون غاية لنفسه، فيبقى النص دالًا بالاقتضاء على الحفظ أو الضمان. فمن قدّر الحفظ، لم يوجب الضمان على الوديع والمستعير. ومَن قدّر الضمان، أوجبه عليهما، وإن كانت هناك أدلة أخرى لكل من الفريقين (٢). وإذا تعيَّن المقتضى بالقرينة: ١ - فإن كان خاصًّا: فلا كلام فيه، كما إذا تعلق التحليل أو التحريم بالأعيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ

стр. 443

الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فإن المتبادر من تحريم الأمهات: الزواج بهن، كما أن المتبادر من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير: أكلُها. وقد مرّ مثل ذلك في المجمل (١). ب - وإن كان المقتضى عامًا يشمل أفرادًا كثيرين، فقد اختلف فيه اختلافًا كان له أثره في كثير من الفروع والأحكام، وقد اضطررنا للإشارة إلى ذلك في أكثر من موطن لدى بحثنا للمقتضى. فنسب إلى الشافعي ﵀ القول ببقائه في هذه الحال على عمومه وشموله لكل الأفراد التي تحته؛ لأن المقتضى الذي تعيّن تقديره بمنزلة النص، حتى كان الحكم الثابت به بمنزلة الثابت بالنص، لا بالقياس، فيجوز فيه العموم، كما يجوز في النص (٢). وقد نسبه إلى الشافعي ومن معه، كثير من أصوليّي الحنفية كالدبوسي وعبد العزيز البخاري، ونقل هذه النسبة أيضًا التفتازاني من الشافعية (٣). ولكن إذا عدنا إلى المصادر الأصولية للمتكلمين: نجد أن البعض ذكروا مذهبين: القول بعموم المقتضى، وعدم القول به، مقدِّمين هذا القول الثاني في الذكر (٤). كما نجد البعض الآخر لا يذكرون إلا عدم القول بعموم المقتضى؛ كالذي نرى عند أبي الحسن الآمدي الذي عقد في باب العموم فصلًا خاصًّا بعنوان "المقتضى لا عموم له" (٥).

стр. 444

وسنرى قريبًا مذهب الغزالي في هذا. وذهب عامة الحنفية وكثيرون غيرهم إلى أنه لا عموم للمقتضى؛ وذلك لأن ثبوته كان للضرورة، حتى إذا كان الكلام مفيدًا للحكم بدونه: لم يصح إثباته لغة ولا شرعًا، وإذا كان للضرورة: فلتقدر الضرورة بقدرها، ولا حاجة لإثبات العموم فيه ما دام الكلام مفيدًا بدونه، ويبقى فيما وراء موضع الضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت فيه العموم، كأكل الميتة لما أبيح للضرورة قدر بقدرها وهو سد الرمق، وفيما وراء ذلك من الحمل والتناول إلى الشبع، لا يثبت حكم الإباحة فيه. وذلك قول القاضي الدبوسي في "التقويم": (إن مقتضى النص ساقط من النص نفسه في الأصل، وإنما يثبت ضرورة أن يصير الكلام مفيدًا، فيتقدر بقدر الضرورة، وإذا ثبت بالقدر الذي يصير به الكلام مفيدًا: زالت الضرورة المثبتة … ). وبعد أن نظّر ﵀ لذلك بضرورة أكل الميتة الذي يقدر بقدره قال: (بخلاف الثابت بالنص نفسه، لأن ثبوت معناه من الأصل، فلا يسقط إذا كان عامًا إلا بدلالة كحِلِّ الذبيحة) (١). ولقد تابع الدبوسيَّ في التنظير بأكل الميتة، مَن كتب بعده من المتأخرين (٢). وهذا يدل على مقدار استنكارهم للقول بعموم المقتضى، وحرصهم على الاتجاه المقابل. وهكذا يرى القائلون بعموم المقتضى: إثبات كل فرد من أفراد العام في هذا المقتضى. بينما يرى الحنفية ومن معهم: أنه يكفي إثبات فرد من الأفراد في

стр. 445

المقتضى ليصبح الكلام مفيدًا، ولا دلالة على إثبات ما وراءه، بل يبقى عدمه الأصلي بمنزلة المسكوت عنه (١). موقف الغزالي: والغزالي من المتكلمين - وقد جنح إلى أن المقتضى لا عموم له - استدل لما ذهب إليه؛ بأن العموم للألفاظ، لا للمعاني، فتضمُّنها من ضرورة الألفاظ وبيّن ذلك بقوله ﵇: "لا صيام لمَن لم يبيّت الصيام" (٢) فإن ظاهره ينفي صورة الصوم حسًا، لكن وجب رده إلى نفي الحكم وهو نفي الإجزاء والكمال (٣). هذا: ومن الأمثلة التي ترد في الموضوع قوله ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فوضْعُ الخطأ والنسيان وما استكرهت الأمة عليه - أي رفعه - محال بعد الوقوع، فيصير كذبًا، لو أريد عين ما نصّ عليه الحديث، وهذا لا يجوز على النبي ﷺ ، فقدّر ضرورة صدق الكلام لفظُ (حكمَ) وهو عام في أصل الوضع يشمل الحكم الدنيوي من حيث الصحة شرعًا، كما يشمل الحكم الأخروي وهو المؤاخذة بالعقاب. فالذين أخذوا بالعموم: يُبقون هذه الزيادة المقدّرة على عمومها ويقولون: إن المتبادر من نص الحديث نفيُ الحقيقة وهي عين الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه الأمة. ولما كان ذلك متعذرًا وجب حمل الكلام على أقرب مجاز ملائم، وهو نفي جميع الآثار، دنيويةً كانت أو

стр. 446

أخروية، فضرورة صدق الكلام تشمل كل الأفراد التي ينطوي تحتها لفظ الحكم الذي قدرناه. أما الحنفية: فقد رأوا أن ضرورة التقدير - والضرورة تقدر بقدرها - تندفع بأحد نوعَيْ الحكم المقدّر. وما دام وضع الحكم الأخروي وهو المؤاخذة بالعقاب متفقًا عليه، فقد اكتفوا بتقديره، ورأوا في ذلك خروجًا من عهدة الإفادة وصدق الكلام، فتزول الضرورة، ولا يُتعدى إلى حكم آخر. * * * من ثمرات الاختلاف في عموم المقتضى هذا وقد بنى العلماء على القول بعموم المقتضى، أو عدم القول به الكثير من الأحكام. وفي الحديث المشار إليه عدد من الفروع المتعلقة بالخطأ والنسيان أو الإكراه، اختلفت أنظارهم في الحكم عليها بناءً على ما ذكرناه. وفي طريق الحنفية سنسير على رأي المتقدمين الذين يرون في الحديث مثالًا لدلالة الاقتضاء، ولكن المقتضى لا عموم له. أما المتأخرون ما عدا الدبوسي: فقد رأينا أنهم اعتبروا المقدَّر في الحديث من "المحذوف" خروجًا من القول في الحكم أيضًا، لئلا يشمل الدنيوي والأخروي معًا، حيث قالوا: إنه من قبيل المشترك والمشترك لا عموم له. ١ - من هذه الأحكام: أن من تكلم في صلاته مخطئًا، أو ناسيًا، بطلت صلاته عند الحنفية؛ لأن الذي وضع عن الأمة في حديث ابن عباس هو الإثم المقتضي للعقوبة في الآخرة - كما أسلفنا - وليس البطلانَ المقتضي للإعادة وهو الحكم الدنيوي (١).

стр. 447

ولم تبطل الصلاة عند الشافعية: لأن الحكم المرفوع يشمل الدنيوي والأخروي، فلا تبطل الصلاة بالكلام القليل في الدنيا، ولا يأثم المصلي الذي تكلم في صلاته مخطئًا أو ناسيًا: في الآخرة (١). ٢ - ومنها أيضًا أن مَن أكل مخطئًا أو مكرهًا - وهو صائم - فعليه القضاء عند الحنفية والمالكية. ولا قضاء عليه عند الشافعية والحنابلة وابن حزم (٢). على أن دليل الشافعية هنا لم يكن مسألة عموم المقتضى فحسب - سيرًا مع القائلين بعموم المقتضى منهم - وذلك بأن يشمل الوضع الوارد في الحديث الإثم وهو الحكم الأخروي، كما يشمل الإفطار الذي يوجب القضاء وهو الحكم الدنيوي. بل اعتبروا المخطئ والمكره بالناسي الذي ورد حكمه فيما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلوات الله عليه وسلم قال: "مَن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتِم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه" (٣). بل قالوا: المكره أوْلى من الناسي، لأنه مخاطَب بالأكل لدفع الضرر عن نفسه، والناسي ليس مخاطَبًا بأمر ولا نهي، ولذلك ردّ الإمام النووي في "المنهاج" قول مَن ادعى أن الأظهر في الصائم يأكل مكرهًا: أنه يفطر، فقال بعد هذا: (قلت: الأظهر لا يفطر).

стр. 448

وهكذا حقق النووي أن مذهب الشافعية عدم الفطر في حالة الإكراه (١). وإلى هذا القول جنح - من الحنفية - زفر أيضًا (٢). أما الحنابلة: فقد اقتصروا في الاستدلال على أن من أكل مخطئًا أو مكرهًا - وهو صائم - لا يفطر بحديث: "إن الله وضع عن أُمتي … " إلخ، آخذين بعموم المقتضى، وأن المقدّر - وهو الحكم - لا يقتصر على الحكم الأخروي وهو المؤاخذة بالعقاب، وإنما يشمل الحكم الدنيوي أيضًا - وهو في مسألتنا عدم الفطر - لئلا يلزم القضاء، سواء أكل الصائم مخطئًا أو مكرهًا. وقد عدّ صاحب "المغني" المفطرات ثم قال: (إن المفطَّر للصوم في هذا كله ما كان عن عمد وقصد). على أن الإكراه في حالة خاصة - وهو الإكراه بالوعيد - نقل عن بعضهم احتمالُ الفطر فيه (٣). ٣ - ومن المسائل التي يرتبط بها كثير من أحكام الحلال والحرام في الأسرة والعلاقات الزوجية مما له علاقة بالحديث المتقدم بناء على قاعدة عموم المقتضى: طلاق المكره، وهل يقع أو لا يقع؟ فللأئمة أنظار مختلفة في الموضوع. صحيح أن الحديث لم يكن وحده محورَ الاستدلال، ولكنه كان في ضمن الأدلة التي كانت محط أنظار العلماء فيما كان من الحكم في هذه المسألة. فالقول بعموم المقتضى، أو عدم القول به، كان ذا أثر يذكر في إعطاء الحكم.

стр. 449

وبيان ذلك أن الأئمة اختلفوا في وقوع طلاق المكره: ١ - فذهب الحنفية: إلى أن طلاقه واقع. وهذا القول مروي عن النخعي وابن المسيب، والثوري والشعبي، وعمر بن عبد العزيز (١). والحجة في ذلك: أن الطلاق إذا صدر من الهازل وقع، كما دلّ على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث جِدُّهن جِدُّ، وهَزْلهُنَّ جِدُّ: النكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَة" (٢) ووقوعه من الهازل دليل على عدم اشتراط القصد في الطلاق عند مباشرة سببه، والقصدِ إلى النطق به، وذلك شأن المكره؛ إذ في كليهما توافر لفظ الطلاق، ولم يقصد الناطق به معناه. وما دام الأمر كذلك: فهو يقع من المكره، كما وقع من الهازل. وهكذا يُرى أن الحنفية قد جنحوا إلى القياس فيما ذهبوا إليه؛ فقاسوا المكره على الهازل من حيث وقوعُ الطلاق، بجامع توافر لفظ الطلاق في كلتا الحالتين، وعدم قصد الناطق معناه (٣). ويرى الكاساني أن عموم النصوص وإطلاقاتها تقتضي شرعية هذا الطلاق، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقوله ﷺ : "كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه" (٤).

стр. 450

ب - وذهب الأئمة الثلاثة، والشيعة الإمامية، والزيدية، وابن حزم إلى أن طلاق المكره غير واقع (١). وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن الزبير. فقد روي عن علي بن حنظلة من طريق سفيان الثوري قال عمر بن الخطاب: "ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أخَفْتَه أو ضربتَه أو أوثقتَه" وروي عن قدامة الجمحي: "أن رجلًا على عهد عمر بن الخطاب تدلّى بحبل ليشتار عسلًا (٢) فأتت امرأته فجلست على الحبل فقالت: ليطلقها ثلاثًا وإلا قطعت الحبل، فذكَّرها الله والإسلام فأبت فطلقها ثلاثًا ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له، فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق" (٣). وأخرج ابن حزم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الحسن أن علي بن أبي طالب: كان لا يجيز طلاق المكره. كما أخرج من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ثابت الأعرج قال: سألت عمر وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعًا: "ليس بشيء". وعن أبي يزيد المدني عن ابن عباس قال: "ليس لمكره ولا مضطر طلاق".

стр. 451

وعن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس: "أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئًا" (١). وعمدة الاحتجاج لأصحاب هذا القول: الحديث الذي دار حوله الكلام في صدر هذا المبحث وهو قوله ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وقد احتج به ابن حزم وأورده عن ابن عباس أيضًا بلفظ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" والإكراه يعدم الرضا ولا يجامع الاختيار. ولم يفرق هؤلاء الأئمة بين حُكم وحُكم، بل أخذوا من الحديث أن الله وضع عن الأمة حكم هذه الأمور الثلاثة بنوعَيْه الدنيوي والأخروي. ولقد روي أن عطاء احتج على عدم وقوع طلاق المكره بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) [النحل: ١٠٦] وقال: "الشرك أعظم من الطلاق" (٣)، فهو يراه أوْلى بعدم سريان حكمه على المكره، ولم يفرق عطاء بين وقوع الطلاق، وبين المؤاخذة في الآخرة. ومما استُدل به على هذا القول أيضًا: ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٤) وذكره ابن قدامة في "المغني" بلفظ: "لا طلاق في إغلاق" بإسقاط "ولا عتاق" وقد فسَّر علماء

стр. 452

الغريب الإغلاق بالإكراه (١). هذا: وقد ردّ الحنفية الاحتجاج بحديث ابن عباس، لأنه من باب المقتضى ولا عموم للمقتضى عندهم. فإذا كان المقدّر اقتضاء: إن الله وضع عن أمتي حكم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. فلا يجوز أن يعمم ذلك حتى يشمل أحكام الدنيا والآخرة، وإنما يقتصر على فرد تتأدى به ضرورة صدق الكلام، ويبقى ما وراءه من أفراد العام على عدمه الأصلي. فإما أن يقدر الحكم الدنيوي، وإما أن يقدر الحكم الأخروي. ولكن الحكم الأخروي - وهو المؤاخذة بالعقاب - متفق عليه، فيكون هو المراد، ولا يراد الآخر معه. وبهذا يصبح معنى الحديث: إن الله وضع عن أمتي إثم الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه. وهكذا يرى أصحاب هذا الرأي، أن القول بعدم عموم المقتضى من المسلَّمات، ولما كان الحكم بعدم وقوع طلاق المكره، يتنافى مع هذه القاعدة، فالقول فيه مردود؛ لأن اعتبار الحديث دالًا بالاقتضاء على وضع حكم الدنيا وحكم الآخرة يؤدي إلى التعميم في المقتضى، وهذا في نظرهم غير سليم. جاء في "فتح القدير" لابن الهمام عن ردّه للأخذ بالحديث: أنه من باب المقتضى ولا عموم له، ولا يجوز تقدير الحكم الذي يعم أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، بل إما حكم الدنيا، وإما حكم الآخرة، والإجماع على أن حكم الآخرة - وهو المؤاخذة - مراد فلا يراد الآخر معه، وإلا عمم (٢). غير أن القائلين بعدم الوقوع أوردوا على الآخرين، أن قياس المكره على الهازل قياس مع الفارق، لأن المكره قد أُكره على التلفُّظ بالسبب ونطق به عن اختيار، وإن كان غير راضٍ بحكمه.

стр. 453

وفرقٌ كبير بين الحالين؛ لأن الأول - وهو الهازل - يناسبه التغليظ عليه بما كان له من اختيار، بخلاف الثاني - وهو المكره - لأنه معذور فيما أقدم عليه. وقد ردّ الحنفية بأن المكره أيضًا مختار اختيارًا كاملًا في القصد إلى السبب، إلا أنه غير راض بالحكم، لأنه عَرَفَ الشرَّين، فوازن بينهما واختار أيسرهما وأهونهما عليه، وكونه محمولًا على ما اختاره منهما: لا يؤثر في نفي الحكم، فوجب أن يقع طلاقه لذلك، كما وقع طلاق الهازل (١). ما نراه في الموضوع: والذي نميل إليه هو الأخذ برأي الجمهور؛ لأنه الأرجح في نظرنا، وذلك لعدة أمور: ١ - فأصحاب الرأي الأول وهو وقوع طلاق المكره تقوم حجتهم على

стр. 454

النظر فقط، دون أن يكون لديهم أدلة من النصوص الصحيحة كالتي عند الآخرين. ٢ - أما عدم التسليم بدلالة حديث ابن عباس: "إن الله وضع عن أمتي .... ": على أن طلاق المكره لا يقع فهو - كما رأينا - قائم على اصطلاح قد لا يسلم به كثير من الآخرين. على أنا نريد أن نعيد إلى الذاكرة، ما قلناه سابقًا من أن اعتبار هذا الحديث في عداد أمثلة المقتضى، هو رأي المتقدمين من الحنفية ومعهم أبو زيد الدبوسي من المتأخرين. أما البزدوي والسرخسي ومن تابعهما: فلا يرون (الحكم) الذي قدر في الحديث من "المقتضى" بل من "المحذوف"، ولما كانوا يقولون بعموم المحذوف، اعتبروا لفظ (الحكم) هنا من المشترك، والمشترك لا عموم له في نظرهم. وهكذا انصرفت دلالة الاقتضاء في الحديث، إلى الحكم الأخروي - وهو المؤاخذة - عند المتقدمين والمتأخرين. أما المتقدمون ومعهم الدبوسي: فلأنه من المقتضى، والمقتضى لا عموم له. وأما المتأخرون: فلأن لفظ الحكم الذي قدّرناه بدلالة الاقتضاء من المشترك. وإذا كان الأمر في كلا الحالين اصطلاحيًا: فإنما يقوى الحكم الذي ينبني على الاصطلاح، أو يضعف؛ بقدر ما يتهيأ له من الأدلة والقرائن. ولقد رأينا من كبار التابعين: كعطاء من يستدل على عدم الوقوع بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ويقول: الشرك أعظم من الطلاق. وقد سلك عطاء هذه الطريق في الاستدلال قبل أن تتحدد قواعد أصول الفقه، فيقولَ قوم: للمقتضى عموم، ويقولَ آخرون: لا عموم له. ٣ - إن حديث "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" واضح في الدلالة على المراد؛ فقد نفى رسول الله ﷺ أن يقع واحد من هاتين في حالة الإكراه، ولئن فسر بعضهم الإغلاق بالغضب، لقد ردّ جمهور العلماء هذا التفسير؛

стр. 455

فإنه لو كان كذلك: لم يقع على أحد طلاق، لأن أحدًا لا يطلِّق حتى يغضب (١). ٤ - ويؤيد ما ذهبنا إليه، ما ذكرناه عن الصحابة ومن بعدهم، وما حصل من فتوى عمر ﵁، بعدم وقوع طلاق الرجل الذي هددته امرأته بقطع الحبل وهو يشتار العسل، إن لم يطلقها؛ فلقد قالها عمر بوضوح: "ارجع إلى أهلك ليس هذا بطلاق". ٥ - على أن الأمر بعد هذا كلّه، واضح في أن المكرَه قد حُمل على الطلاق بغير حق، فلا يصح أن يلتزِم بآثار هذا الإكراه. قال صاحب "المهذب" بعد أن أورد حديث ابن عباس: (ولأنه قول حُمل عليه بغير حق فلم يصح، كالمسلم إذا أُكره على كلمة الكفر) (٢). وكان ذلك أيضًا صنيعَ ابن قدامة، حيث وصف كلام المكره على الطلاق، بأنه قول حُمل عليه بغير حق، فلم يثبت له حكم، ككلمة الكفر إذا أُكره عليها (٣). مسلك ابن حزم في المَسْألة: أما ابن حزم: فقد سلك مسلكًا خاصًّا، حيث اعتبر هذا الإكراه بغير حق، عملًا بلا نية؛ فطلاق المكره غير لازم له، لأن رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فصحّ أن كل عمل بلا نية، فهو باطل لا يعتد به. وطلاق المكره عمل بلا نية فهو باطل، وإنما هو حاكٍ ما أُمر بقوله فقط، ولا طلاق على حاكٍ كلامًا لم يعتقده. وقد صحّ عن رسول الله ﷺ قوله: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" (٤). هذا: وللعلماء مباحث مستفيضة تتناول حقيقة الإكراه، وأركانه،

стр. 456

وشروطه، وأنواعه، ومعياره في الشريعة، وأثره في الأحكام والتصرفات ما كان منه بحق وما كان بغير حق … إلخ، نتركها لمظانها من كتب الأصول والفقه (١) لئلا نخرج عما نحن في سبيله. ولكن نرى لزامًا ضرورة التذكير بأن الشافعية يشترطون لعدم وقوع الطلاق في حالة الإكراه: أن يكون هذا الإكراء بغير حق، والإكراه بحق يكون من القاضي، بسبب يوجب ذلك شرعًا، كما إذا أُكره المُولي على الطلاق، فإنه يقع لأنه إكراه بحق. ويبدو أن ذلك شرط عند الجميع؛ لأنه من باب دفع الظلم، فلا يُعد إكراهًا يذهب بالاختيار الواجب. ومن هنا قسم المالكية الإكراه إلى قسمين: شرعي وغير شرعي، ومذهب المدونة الذي عليه الفتوى أن الإكراه غير الشرعي لا يقع به الطلاق، أما الإكراه الشرعي: فهو طوع يقع به الطلاق جزمًا، كما لو حلف بالطلاق لا ينفق على زوجته، أو لا يطيع أبويه، أو لا يقضي دَيْنه الذي عليه. فإذا أكرهه القاضي على الإنفاق على زوجته، أو على طاعة أبويه، أو على قضاء دَيْنه لزمه الطلاق (٢). طلاق المكره في القانون: كان قانون الأحوال الشخصية في مصر يأخذ بمذهب الإمام أبي حنيفة في حكم طلاق المكره، حتى إذا صدر القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩ والذي

стр. 457

تضمن بعض الإصلاحات في قانون الأحوال الشخصية، نصّت أول مادة منه على عدم وقوع طلاق المكره أخذًا بمذهب الأئمة الثلاثة. ومنذ ذلك التاريخ جرى عليه العمل كما جرى العمل على ذلك في السودان منذ سنة ١٩٣٥. وفي سورية أيضًا كان العمل في قانون الأحوال الشخصية على وقوع طلاق المكره، حتى صدر قانون سنة ١٩٥٣ فنص في المادة/ ٨٩ - ١/ أنه لا يقع طلاق السكران، ولا المدهوش، ولا المكره. فأخذ بمذهب الأئمة الثلاثة في المكره والسكران حيث روعي عموم المقتضى في حديث ابن عباس. وهكذا رأى المشرّع في البلاد العربية، أن روح التشريع تقضي بالأخذ بهذا الاتجاه، لما في ذلك من مصلحة الناس. وهو اتجاه لا تعوزه قوة الدليل، سواء من ناحية اللغة أو من ناحية قواعد التشريع (١). * * * المطلب الثالث مدلول دلالة الاقتضاء قدّمنا في صدر حديثنا عن دلالة الألفاظ على الأحكام: أن شمس الأئمة السرخسي ﵀ طوى أحكام الدلالات تحت قوله: (بيان الأحكام الثابتة بظاهر النص دون القياس والرأي) (٢). فالحكم الثابت بأي واحدة من الدلالات الأربع المتقدمة، ثابت بظاهر النص دون القياس والرأي. لذلك كان حكم "دلالة الاقتضاء"، أنه يثبت بها الحكم شرعًا ثبوته بالعبارة، والإشارة، ودلالة النص. ولكن هذا لا يعني أنها مع الدلالات الثلاث المذكورة في القوة سواء، بل هي على حال أقلَّ منها، ومردُّ ذلك إلى أن الحكم الذي تناولته، لم

стр. 458

يدل عليه اللفظ بصيغته، ولا بمعناه لغة. وإنما ثبت ضرورة صدق الكلام أو صحته. وفرقٌ بين ما ثبت بصيغة اللفظ، أو معناه لغةً، فكان ثابتًا من كل وجه، وبين ما استدعته ضرورة تصحيح الكلام واستقامته، فزيد من أجلها، فهو غير ثابت فيما وراء استقامة الكلام وصحته. حالة التعارض وأثرها: وإنما يظهر التفاوت عند التعارض؛ فإذا تعارضت دلالة الاقتضاء مع غيرها من الدلالات المتقدمة، قدمت هذه الدلالات على دلالة الاقتضاء، أخذًا بالأقوى دون الأضعف عند التعارض (١). ولقد كان طبيعيًا أن يتقرر تقديم الدلالات الثلاث على دلالة الاقتضاء، نتيجة للتفاوت الذي ذكرناه، حيث يتأخر الأضعف عن الأقوى. ولكن من الناحية العملية: قرر صاحب "كشف الأسرار" أنه لم يجد لمعارضة المقتضى للأقسام التي تقدمته نظيرًا (٢). ثم ساق مثالًا عدَّه تمحُّلا من بعض الشارحين، وردّه بانعدام المعارضة التي ادعاها ذلك الشارح، وبنى عليها المثال. والمثال المشار إليه هو: (ما إذا باع رجل من آخر عبدًا بألفَيْ درهم، ثم قال البائع للمشتري قبل نقد الثمن: أعتق عبدك عني هذا بألف درهم، فأعتقه، فلا يجوز البيع؛ لأن دلالة النص في شأن ما ورد في حق زيد بن أرقم (٣) بفساد شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن (٤) توجب أن

стр. 459

لا يجوز، والاقتضاء يدل على الجواز، فترجح الدلالة على الاقتضاء. وإنما قلنا: إنه دلالة، لأن ثبوت الحكم في حق غير زيد كان بمقتضى النص لا بالنظم، كثبوت الرجم في حق غير ماعز). قال عبد العزيز البخاري: (ولكن لقائل أن يقول: لا نسلم المعارضة لأن من شرطها تساوي الحجتين، ولا تساوي؛ لأن المقتضي الذي قام المقتضى به: كلامُ الآمر، والدلالة ثابتة بالسنّة فأنى يتعارضان. ولأن عدم الجواز فيما ذكر من الصورة، إن ثبت، ليس لترجح الدلالة على المقتضى، فإنهما لو صرّحا بالبيع بأن قال المشتري: بعت هذا العبد منك بألف، وقال البائع: قبلت، لا يجوز أيضًا، بل لأن موجَب ذلك النص عدم الجواز من غير معارضة نص آخر إياه، فلا يكون هذا نظير معارضة الدلالة المقتضى) (١). هذا: ومن الممكن إذا سرنا مع القائلين بعموم المقتضى أن نذكر مثالًا لتقديم العبارة على الاقتضاء: عقوبة القتل خطأ. فقد قال ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه". فإنه بالنسبة للخطأ يقدم عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] إذ إن دلالة الاقتضاء في الحديث توجب رفع الإثم. ولو كان هذا سائغًا على عمومه لكان مؤداه ألا يعاقب المخطئ ولكنه قدّم نص العقاب (٢).

стр. 460

وكذلك بالنسبة للنسيان: كان مقتضى دلالة الاقتضاء في الحديث، ألّا يقضي الناس الصلاة، وصريح النص يقول: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (١). وهكذا يستقيم التمثيل إذا قلنا بعموم المقتضى، بحيث يشمل الرفع الحكمَ الدنيوي والأخرويَّ، فعندها يتحقق التعارض بين دلالة الاقتضاء التي هي رفع حكم الخطأ والنسيان في الدنيا والآخرة، ودلالة العبارة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ودلالة العبارة أيضًا في قول النبي ﷺ : "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها". وذلك لأن موجَب دلالة الاقتضاء حينئذ: رفع الحكم الدنيوي والأخروي عن القاتل خطأ، وعن تارك الصلاة نسيانًا، وموجَب عبارة النص في الآية والحديث، عدمُ الحكم الدنيوي فقط عنهما، وما دامت دلالة العبارة أقوى من دلالة الاقتضاء، فإنها تقدم عليها عند التعارض فيُلزَم القاتل خطأ بالعقوبة، ويُلزم التارك للصلاة نسيانًا بالقضاء. أما إذا لم نقل بعموم المقتضى: فلا تعارض بين موجَب دلالة الاقتضاء في الحديث وهو وضع الإثم عن المخطئ والناسي، وبين مَوجب عبارة
следующие страницы →