← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وشروطه، وأنواعه، ومعياره في الشريعة، وأثره في الأحكام والتصرفات ما كان منه بحق وما كان بغير حق … إلخ، نتركها لمظانها من كتب الأصول والفقه (١) لئلا نخرج عما نحن في سبيله. ولكن نرى لزامًا ضرورة التذكير بأن الشافعية يشترطون لعدم وقوع الطلاق في حالة الإكراه: أن يكون هذا الإكراء بغير حق، والإكراه بحق يكون من القاضي، بسبب يوجب ذلك شرعًا، كما إذا أُكره المُولي على الطلاق، فإنه يقع لأنه إكراه بحق. ويبدو أن ذلك شرط عند الجميع؛ لأنه من باب دفع الظلم، فلا يُعد إكراهًا يذهب بالاختيار الواجب. ومن هنا قسم المالكية الإكراه إلى قسمين: شرعي وغير شرعي، ومذهب المدونة الذي عليه الفتوى أن الإكراه غير الشرعي لا يقع به الطلاق، أما الإكراه الشرعي: فهو طوع يقع به الطلاق جزمًا، كما لو حلف بالطلاق لا ينفق على زوجته، أو لا يطيع أبويه، أو لا يقضي دَيْنه الذي عليه. فإذا أكرهه القاضي على الإنفاق على زوجته، أو على طاعة أبويه، أو على قضاء دَيْنه لزمه الطلاق (٢). طلاق المكره في القانون: كان قانون الأحوال الشخصية في مصر يأخذ بمذهب الإمام أبي حنيفة في حكم طلاق المكره، حتى إذا صدر القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩ والذي

стр. 457

تضمن بعض الإصلاحات في قانون الأحوال الشخصية، نصّت أول مادة منه على عدم وقوع طلاق المكره أخذًا بمذهب الأئمة الثلاثة. ومنذ ذلك التاريخ جرى عليه العمل كما جرى العمل على ذلك في السودان منذ سنة ١٩٣٥. وفي سورية أيضًا كان العمل في قانون الأحوال الشخصية على وقوع طلاق المكره، حتى صدر قانون سنة ١٩٥٣ فنص في المادة/ ٨٩ - ١/ أنه لا يقع طلاق السكران، ولا المدهوش، ولا المكره. فأخذ بمذهب الأئمة الثلاثة في المكره والسكران حيث روعي عموم المقتضى في حديث ابن عباس. وهكذا رأى المشرّع في البلاد العربية، أن روح التشريع تقضي بالأخذ بهذا الاتجاه، لما في ذلك من مصلحة الناس. وهو اتجاه لا تعوزه قوة الدليل، سواء من ناحية اللغة أو من ناحية قواعد التشريع (١). * * * المطلب الثالث مدلول دلالة الاقتضاء قدّمنا في صدر حديثنا عن دلالة الألفاظ على الأحكام: أن شمس الأئمة السرخسي ﵀ طوى أحكام الدلالات تحت قوله: (بيان الأحكام الثابتة بظاهر النص دون القياس والرأي) (٢). فالحكم الثابت بأي واحدة من الدلالات الأربع المتقدمة، ثابت بظاهر النص دون القياس والرأي. لذلك كان حكم "دلالة الاقتضاء"، أنه يثبت بها الحكم شرعًا ثبوته بالعبارة، والإشارة، ودلالة النص. ولكن هذا لا يعني أنها مع الدلالات الثلاث المذكورة في القوة سواء، بل هي على حال أقلَّ منها، ومردُّ ذلك إلى أن الحكم الذي تناولته، لم

стр. 458

يدل عليه اللفظ بصيغته، ولا بمعناه لغة. وإنما ثبت ضرورة صدق الكلام أو صحته. وفرقٌ بين ما ثبت بصيغة اللفظ، أو معناه لغةً، فكان ثابتًا من كل وجه، وبين ما استدعته ضرورة تصحيح الكلام واستقامته، فزيد من أجلها، فهو غير ثابت فيما وراء استقامة الكلام وصحته. حالة التعارض وأثرها: وإنما يظهر التفاوت عند التعارض؛ فإذا تعارضت دلالة الاقتضاء مع غيرها من الدلالات المتقدمة، قدمت هذه الدلالات على دلالة الاقتضاء، أخذًا بالأقوى دون الأضعف عند التعارض (١). ولقد كان طبيعيًا أن يتقرر تقديم الدلالات الثلاث على دلالة الاقتضاء، نتيجة للتفاوت الذي ذكرناه، حيث يتأخر الأضعف عن الأقوى. ولكن من الناحية العملية: قرر صاحب "كشف الأسرار" أنه لم يجد لمعارضة المقتضى للأقسام التي تقدمته نظيرًا (٢). ثم ساق مثالًا عدَّه تمحُّلا من بعض الشارحين، وردّه بانعدام المعارضة التي ادعاها ذلك الشارح، وبنى عليها المثال. والمثال المشار إليه هو: (ما إذا باع رجل من آخر عبدًا بألفَيْ درهم، ثم قال البائع للمشتري قبل نقد الثمن: أعتق عبدك عني هذا بألف درهم، فأعتقه، فلا يجوز البيع؛ لأن دلالة النص في شأن ما ورد في حق زيد بن أرقم (٣) بفساد شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن (٤) توجب أن

стр. 459

لا يجوز، والاقتضاء يدل على الجواز، فترجح الدلالة على الاقتضاء. وإنما قلنا: إنه دلالة، لأن ثبوت الحكم في حق غير زيد كان بمقتضى النص لا بالنظم، كثبوت الرجم في حق غير ماعز). قال عبد العزيز البخاري: (ولكن لقائل أن يقول: لا نسلم المعارضة لأن من شرطها تساوي الحجتين، ولا تساوي؛ لأن المقتضي الذي قام المقتضى به: كلامُ الآمر، والدلالة ثابتة بالسنّة فأنى يتعارضان. ولأن عدم الجواز فيما ذكر من الصورة، إن ثبت، ليس لترجح الدلالة على المقتضى، فإنهما لو صرّحا بالبيع بأن قال المشتري: بعت هذا العبد منك بألف، وقال البائع: قبلت، لا يجوز أيضًا، بل لأن موجَب ذلك النص عدم الجواز من غير معارضة نص آخر إياه، فلا يكون هذا نظير معارضة الدلالة المقتضى) (١). هذا: ومن الممكن إذا سرنا مع القائلين بعموم المقتضى أن نذكر مثالًا لتقديم العبارة على الاقتضاء: عقوبة القتل خطأ. فقد قال ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه". فإنه بالنسبة للخطأ يقدم عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] إذ إن دلالة الاقتضاء في الحديث توجب رفع الإثم. ولو كان هذا سائغًا على عمومه لكان مؤداه ألا يعاقب المخطئ ولكنه قدّم نص العقاب (٢).

стр. 460

وكذلك بالنسبة للنسيان: كان مقتضى دلالة الاقتضاء في الحديث، ألّا يقضي الناس الصلاة، وصريح النص يقول: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (١). وهكذا يستقيم التمثيل إذا قلنا بعموم المقتضى، بحيث يشمل الرفع الحكمَ الدنيوي والأخرويَّ، فعندها يتحقق التعارض بين دلالة الاقتضاء التي هي رفع حكم الخطأ والنسيان في الدنيا والآخرة، ودلالة العبارة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ودلالة العبارة أيضًا في قول النبي ﷺ : "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها". وذلك لأن موجَب دلالة الاقتضاء حينئذ: رفع الحكم الدنيوي والأخروي عن القاتل خطأ، وعن تارك الصلاة نسيانًا، وموجَب عبارة النص في الآية والحديث، عدمُ الحكم الدنيوي فقط عنهما، وما دامت دلالة العبارة أقوى من دلالة الاقتضاء، فإنها تقدم عليها عند التعارض فيُلزَم القاتل خطأ بالعقوبة، ويُلزم التارك للصلاة نسيانًا بالقضاء. أما إذا لم نقل بعموم المقتضى: فلا تعارض بين موجَب دلالة الاقتضاء في الحديث وهو وضع الإثم عن المخطئ والناسي، وبين مَوجب عبارة

стр. 461

النص في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] من وجوب الكفارة والدية على القاتل خطأ، وفي قوله ﵊: "مَن نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها" من وجوب قضاء الصلاة على من تركها ناسيًا. وإنما قلنا ذلك: لأن القول بعدم العموم في المقتضى، يجعلنا نقول برفع الإثم فقط وهو العقوبة في الآخرة. وعلى هذا: فالحكم الذي يثبت في الحديث من طريق دلالة الاقتضاء، لا يشمل الحكم الدنيوي، وإنما هو قاصر على رفع الحكم الأخروي عن المخطئ والناسي، وإذا كان الأمر كذلك: فأي تناف بين هذا وبين وجوب العقوبة الدنيوية عليهما. وبعد ذلك كله: نود أن نكرر التنبيه على أن كثيرًا من الفروع عند الشافعية وغيرهم - وقد رأينا بعض ذلك من قريب - يبدو فيها الأخذ بأن للمقتضى عمومًا، وربما وجدنا تعليل ذلك في نقطتين: أولاهما: أن الشافعية وغيرهم يرون الدلالة في مثل هذه الحال، وكأنها دلالة بصريح النص، وأن تقدير المقتضى أمر يدركه من له أدنى إلمام باللغة، ولذلك تراهم لا يعتبرون تعليق التحليل أو التحريم بالأعيان من المجمل، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيِّت النية من الليل"، بينما يعدها الحنفية من المجمل. الثانية: ما نجده عند السعد التفتازاني حين يفصِّل القول ويحققه في أمر ما ينسب إلى الشافعي من القول بعموم المقتضى. قال ﵀: (وقد ينسب القول بعموم المقتضى إلى الشافعي ﵀. وتحقيق ذلك أن المقتضى - بلفظ اسم الفاعل - عنده ما يتوقف صدقه أو صحته عقلًا أو شرعًا أو لغةً على تقدير وهو "المقتضى" اسم مفعول. فإذا وجد تقديرات متعددة يستقيم الكلام بكل واحد منها: فلا عموم له عنده أيضًا بمعنى أنه لا يصح تقدير الجميع بل يقدر واحد بدليل، فإن لم يوجد دليل معين لأحدها كان بمنزلة

стр. 462

المجمل. ثم إذا تعين بدليل: فهو كالمذكور، لأن الملفوظ والمقدّر سواء في إفادة المعنى؛ فإن كان من صيغ العموم: فعامٌ وإلا فلا. فعلى هذا يكون العموم من صفة اللفظ ويكون إثباته ضروريًا لأن مدلول اللفظ لا ينفك عنه. وبيّنوا الخلاف فيما إذا قال: والله لا آكل، أو إن أكلت فعبدي حر، فعند الشافعي ﵀ يجوز نية طعام دون طعام، تخصيصًا للعام أعني النكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط لأن المعنى: لا آكل طعامًا. وعند أبي حنيفة ﵀ لا يجوز لأنه ليس بعام فلا يقبل التخصيص ولا خلاف في شمول الحكم وشيوعه لكل طعام بل الشيوع عند أبي حنيفة ﵀ أوكَد لأنه لا ينقض أصلًا، لكنه مبني على وجود المحلوف عليه في كل صورة لا على عموم المقتضى) (١). وهكذا: نكون قد انتهينا إلى أن دلالات الألفاظ على الأحكام عند الحنفية لها طرق أربع أعلاها عبارة النص، وتليها إشارة النص، ثم دلالة النص، وتأتي بعد ذلك دلالة الاقتضاء. وإنما يظهر تفاوت هذه الدلالات في القوة عند التعارض، ودلالة النص غير القياس. فكل حكم ثبت بواحد من هذه الطرق الأربع. فهو ثابت بظاهر النص دون القياس والرأي - كما سبق -. * * *

стр. 463

الفصل الثاني منهج المتكلمين في طرق الدّلالات المبحث الأول المنطوق والمفهوم دلالة اللفظ العربي على الحكم تنقسم في نظر المتكلمين إلى قسمين أساسين هما: دلالة المنطوق، ودلالة المفهوم. ١ - أما دلالة المنطوق فهي: (دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام ونطق به؛ مطابقةً، أو تضمنًا، أو التزامًا) (١)، نحو دلالة قوله تعالى في آية المحرمات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] على تحريم نكاح الربيبة في حجر الرجل من زوجته التي دخل بها. فدلالة هذا القسم من آية المحرَّمات - التي جاءت لبيان من يحرم على الرجل الزواج بهن - على تحريم الربيبة: هي دلالة بالمنطوق. - وأما دلالة المفهوم فهي: (دلالة اللفظ على حكم لم يذكر في الكلام ولم ينطق به) نحو دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] على تحريم أي نوع من أنواع الأذى للوالدين. فهذه الدلالة ليست

стр. 464

دلالة بالملفوظ الذي هو محل النطق ولكنها دلالة بما فُهم من هذا الملفوظ وهو المفهوم. وذلك ما أشار إليه إمام الحرمين حين جعل ما يستفاد من اللفظ على نوعين: أحدهما متلقًى من المنطوق، والثاني: ما يُشعر به المنطوق، وإن لم يكن منطوقًا به، وهو المفهوم (١). وعلى هذا تكون الدلالة: دلالةً على المنطوق، ودلالة على المفهوم فكلٌّ من المنطوق والمفهوم: مدلولٌ لا دلالة. أما ابن الحاجب: فقد قسّم الدلالة إلى قسمين: منطوق: وهو ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق، أي أنه يكون حكمًا للمذكور، وحالًا من أحواله، سواء أذكر ذلك الحكم ونطق به أم لا. ومفهوم: وهو ما دلّ لا في محل النطق، بأن يكون حكمًا لغير المذكور. وقد تابع ابنَ الحاجب في ذلك كثيرون. قال صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية: (اللفظ العربي في دلالته على وجهين: أحدهما: يدل على المعنى بمنطوقه أي باعتبار ما وضعه الواضع علامة له أو يستلزمه مدلوله. والآخر: يدل عليه بمفهومه لا بمنطوقه، لأنه: إما أن يدل عليه في محل النطق: فهو المنطوق، أو في غير محله: فهر المفهوم) (٢). وعلى هذا يكون المنطوق والمفهوم قسمين للدلالة، فالمنطوق دلالة، والمفهوم دلالة (٣). وهكذا يكون المسلك الأول قد جعل كلًا من المنطوق والمفهوم مدلولًا.

стр. 465

أما المسلك الثاني: فقد جعل كلًا منهما دلالة، والمآل واحد. وسنشرع في بيان ما يتعلق بكل من المنطوق والمفهوم من طرق الدلالة، وما كان للعلماء فيهما من مذاهب، حيث ندرسها مع المقارنة، غير ناسين أن نقف عند بعض الأحكام الفرعية التي كانت من آثار الاختلاف في القواعد والأصول. * * * المطلب الأول المنطوق ولقد قسّم المتكلمون المنطوق إلى قسمين: منطوق صريح. ومنطوق غير صريح (١). أ - فالمنطوق الصريح: (هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة، أو التضمن، إذ إن اللفظ قد وضع له) وهو (عبارة النص) عند الحنفية. وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث دلّ النص بمنطوقه الصريح على جواز البيع وتحريم الربا. ب - أما المنطوق غير الصريح: (فهو دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام؛ إذ إن اللفظ مستلزم لذلك المعنى). فاللفظ لم يوضع للحكم، ولكن الحكم فيه لازم للمعنى الذي وضع له ذلك اللفظ. وذلك كالذي مرّ بنا سابقًا من دلالة قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] على أن النسب يكون للأب لا للأم، وعلى أن نفقة الولد على الأب دون الأم. فإن لفظ اللام لم يوضع لإفادة هذين الحكمين، ولكن كلًا منهما لازم للحكم المنصوص عليه في الآية (٢).

стр. 466

ومما يلاحظ أن الالتزام عند ابن الحاجب ومن تابعه معتبر من المنطوق، بينما أدرجه بعض الشافعية - ومنهم صاحب "المنهاج" - في المفهوم (١). أنواع المنطوق غير الصريح: هذا وقد دلّ الاستقراء على أن المنطوق غير الصريح له في الدلالة على الحكم أنواع ثلاثة: ١ - دلالة اقتضاء. ٢ - دلالة إيماء. ٣ - دلالة إشارة. وكان طريق الحصر في هذه الأنواع: أن المدلول عليه بالالتزام: إما أن يكون مقصودًا للمتكلم من اللفظ بالذات، وإما أن لا يكون مقصودًا. ١ - فإن كان مقصودًا للمتكلم: فذلك بحكم الاستقراء قسمان: أحدهما: أن يتوقف على ذلك المدلول: صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو الشرعية. الثاني: أن لا يتوقف عليه ذلك. فإن توقف على المدلول صدق الكلام أو صحته عقلًا أو شرعًا: فدلالة اللفظ عليه تسمى (دلالة اقتضاء) أي أن اللفظ يقتضي ذلك المدلول، وليس بنص صريح فيه. وإن لم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته: فدلالة اللفظ عليه تسمى (دلالة إيماء) ويسميها بعضهم: (دلالة تنبيه). ب - وإن لم يكن المدلول عليه بالالتزام مقصودًا للمتكلم: فدلالة اللفظ عليه تسمى (دلالة إشارة).

стр. 467

وإذن فالاقتضاء والإيماء ترتبطان بكون اللازم مقصودًا للمتكلم. بينما ترتبط الإشارة يكون اللازم غير مقصود له. والدلالات الثلاث منطوية تحت المنطوق غير الصريح. وهكذا يكون لدينا تحت المنطوق أربع دلالات: الأولى: دلالة المنطوق الصريح، وهي (دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن) وسمّاها صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية بالنص (١) وأمثلة عبارة النص عند الحنفية: أمثلتها (٢). الثانية: دلالة الاقتضاء، وهي (دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته العقلية أو الشرعية). وقد عرّفها الآمدي بقوله: (وهي ما كان المدلول فيه مضمرًا، إما لضرورة صدق الكلام، وإما لصحة وقوع الملفوظ) ثم بيّن أن صحة الملفوظ به: إما أن تتوقف على المضمر عقلًا أو شرعًا (٣). وقد مرّ بنا العديد من الأمثلة على ذلك لدى بحثنا لدلالة الاقتضاء عند الحنفية، وما تبع ذلك من مسألة المقتضى والمحذوف، وهل هما شيء واحد أو مختلفان، ومسألةِ عموم المقتضى وما جرى فيها من الخلاف (٤). ونضيف هنا ما يمكن أن يمثّل به حال كون المضمر في الكلام مما تتوقف عليه صحة الكلام الشرعية، وذلك ما نراه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] حيث قدّر العلماء مضمرًا هو "فأفطر"، وبذلك يكون مجرى النص: فمَن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر (٥).

стр. 468

وبيان ذلك أن الجمهور على صحة صوم رمضان في السفر، خلافًا للإمام ابن حزم الذي يرى حرمة هذا الصوم في السفر ووجوب الفطر على المكلف (١). وعليه: فقضاء الصوم على المسافر عند الجمهور، إنما يجب إذا أفطر في السفر. أما إذا صام في سفره: فلا موجب للقضاء، وعلى هذا فلا بد من إضمار (فأفطر) في الآية. ولقد تأيّد مذهب الجمهور في الإضمار بالسنّة القولية والعملية؛ فقد ورد عن النبي ﷺ عدد من الأحاديث التي تدل على صحة الصوم في السفر، وإذا صحّ صوم رمضان في السفر: فالقضاء لا يكون إلا على من أفطر. من هذه الأحاديث ما روي عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي (٢) قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام - فقال: "إن شئت فصُم وإن شئت فأفطر" (٣).

стр. 469

ففي هذا الحديث دليل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، وهو وإن لم يكن فيه تصريح بأن الصوم كان في رمضان، ففي رواية مسلم أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليّ جناح؟ فقال ﷺ : "هي رخصة من الله فمَن أخذ بها فحسن، ومَن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه" (١). قال ابن حجر في "الفتح": (وهذا ما يُشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب). ثم قال الحافظ: (وأصرح منه ما أخرجه أبو داود والحاكم أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأجدني أن أصوم أهون عليّ من أن أؤخره، فيكون دَيْنًا عليّ، فقال: "أيّ ذلك شئت يا حمزة") (٢). وكان ابن العربي قد عرض لهذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وأبان أن سنة الرسول ﷺ ، واللغة بفصاحتها وجزالة القول فيها، تؤيدان ما ذهب إليه الجمهور من إضمار (فأفطر).

стр. 470

وذلك قوله في "أحكام القرآن": (قال علماؤنا: هذا القول من لطيف الفصاحة، لأن تقريره فأفطر فعدّة من أيام أُخر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] تقديره: (فحلق ففدية). ثم عرض ابن العربي إلى من خالف ذلك فقال: (وقد عزي إلى قوم أن مَن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره. وهذا لا يقول به إلا ضعفاء الأعاجم، فإن جزالة القول وقوة فصاحته تقتضي (فأفطر) وقد ثبت عن النبي ﷺ الصوم في السفر قولًا وفعلًا) (١). وهكذا يثبت بالدليل ضرورة إثبات (فأفطر) لأن صحة الكلام الشرعية تقتضيها، فدلالة النص القرآني على ارتباط قضاء رمضان للمسافر: بالإفطار؛ وذلك لإضمار (فأفطر) التي توقفت عليها صحة الكلام شرعًا كما ثبت في السنّة الصحيحة، فدلالة النص على إضمار هذه الكلمة دلالة اقتضاء. الثالثة: دلالة الإيماء: (وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلًا أو شرعًا، في حين أن الحكم المقترن لو لم يكن للتعليل، لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ؛ إذ لا ملاءمة بينه وبين ما اقترن به) (٢). ١ - كما لو ورد عن الشارع حكم مرتّب على وصف بحرف الفاء، للدلالة على التعقيب في كلام الله أو كلام رسوله أو كلام الراوي عن الرسول (٣). أما في كلام الله تعالى: فكما في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].

стр. 471

فالأمر بقطع اليد في الآية، رتّبه الشارع على السرقة لوجوب القطع. ولولا ذلك لكان هذا الاقتران غير مقبول. وأما في كلام الرسول: فكقوله ﵇: "مَن أحيا أرضًا ميّتة فهي له، وليس لِعِرْقِ ظالم حق" (١). ففي هذا النص من السنّة: رتّب الرسول ﷺ ملك الأرض الموات على إحيائها، بحرف الفاء في قوله: "فهي له" فهذه دلالة إيماء وتنبيه على أن الإحياء للأرض الميتة هو علة الملك. أما في كلام الراوي: فقد مثّل الآمدي لذلك بقوله: سها رسول الله ﷺ في الصلاة، فسجد. وزنى ماعز، فرجمه رسول الله ﷺ (٢). وهنا كما في الصور السابقة: رتب السجود على السهو والرجم على الزنى بحرف الفاء. فدلّ على أن ما رُتب عليه الحكم بالفاء: هو علة له. وذلك في جميع هذه الصور - كما قرّر الآمدي - يدل على أن ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة للحكم لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب، ويلزم من إفادتها التعقيب السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سببًا، إلا أن يثبت الحكم عقيبه، وإن كان ذلك على سبيل الظاهر لا على سبيل القطع (٣).

стр. 472

وما ذكرناه من الحالات التي تظهر فيها دلالة الإيماء تتفاوت مراتبه، فأعلى الحالات رتبة ما ورد في كلام الله تعالى، ثم ما ورد في كلام رسوله، ثم ما ورد في كلام الراوي (١). ٢ - ومن هذا القبيل أيضًا: ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي ﷺ ، فحكم عقيبها بحكم، فإنه يدل بطريق الإيماء والتنبيه على كون ما حدث: علةً لذلك الحكم. وذلك كما سبق من حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: "ما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم - وفي رواية - أصبت أهلي في رمضان، فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ … " الحديث (٢) فإن الحكم بوجوب الكفارة على الأعرابي عقيب قوله: وقعت على امرأتي … يدل بطريق الإيماء والتنبيه على أن الوقاع كان علةً لوجوب الكفارة؛ وذلك لأنا تعلم أن الأعرابي إنما سأل النبي ﷺ عن واقعته لبيان حكمها شرعًا، وأن النبي - وهو المبيَّن للشريعة - إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له. وإذا كان جوابًا عن سؤاله، فالسؤال الذي كان الحكم جوابًا عنه: يكون ذكرُه مقدّرًا في الجواب؛ فهو مذكور تقديرًا في كلام النبي ﷺ للأعرابي فكأنه قال: واقعتَ فكفر. وفي نصوص الشريعة إذا رُتب الحكم على وصف بحرف "الفاء" التي هي للتعقيب أصالة: فإنه يدل بطريق الإيماء على أن هذا

стр. 473

الوصف علة لذلك الحكم، فكذلك إذا رتب الحكم على الوصف بالفاء تقديرًا: فإنه يدل على أن ذلك علة له (١). ولكن هل دلالة الإيماء في حال كون الفاء مقدّرة، هي في الظهور كما لو كانت الفاء محققة؟ لقد ذكر العلماء أن الأولى دون الثانية في الظهور، شأنَ الفرق بين التقدير والتحقيق، ولاحتمال أن يكون المتكلم قد بدأ الكلام لا عن قصد الجواب، ولكن ذلك بعيد في حق النبي ﵇ فيما فرض السؤال عنه. وهكذا يكون وجوب الكفارة الذي نطق به الرسول: قويَّ الدلالة إيماءً على أن العلة في هذا الحكم هي الوقاع المذكور. ولا يقدح في قوة هذا الإيماء كونُ الفاء مقدّرة لا محققة، كما لا يقدح فيه احتمال أن يكون قد بدأ الكلام لا عن قصد الجواب (٢). الرابعة: دلالة الإشارة (وهي دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم، لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته) فيقال: أشار النص إلى الحكم؛ فهو لم يقتضه ولا أومأ إليه (٣). قال الغزالي: (فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ: فيسمى إشارة. فكذلك قد يتبع اللفظَ ما لم يقصد به ويبنى عليه) (٤). وفيما أوردناه من الأسئلة لإشارة النص لدى بحثها عند الحنفية غناء عن التكرار هنا في بحثها لدى المتكلمين. ولقد يكون من

стр. 474

الغريب أن يورد الغزالي والآمدي وغيرهما مثالًا للإشارة: دلالة حديث: "تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم" - بذكر (الشطر) -: على أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا، مستدلين لذلك بأن ذكر الشطر، كان للمبالغة في نقصان الدين، والمبالغة تقتضي ذكر أكثر ما يتعلق به الغرض، فلو كان زمان ترك الصلاة أكثر من الشطر وهو النصف لذكره الرسول ﷺ (١). وقد كنا حققنا ضعف تلك الرواية، وذكرنا الرواية الصحيحة للحديث بلفظ البخاري، وهي عارية عن كلمة "الشطر" (٢) غير ناسين أن نبيّن أنه لو صحّت رواية الشطر، فإنها لا تفي بالاستدلال؛ لأن هذه الكلمة ليست مقتصرة في اللفظ على النصف وإنما تأتي لمعانيَ أخرى. على أن الشافعي ﵀ كما حققنا هناك - لم يعتمد في تقرير أكثر مدة الحيض على مثل هذه الروايات من الأحاديث، وإنما اعتمد على الاستقراء من حالات بنات حواء. ولكل مجتهد نصيب (٣). وعمل الغزالي وأمثاله ﵏، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على أن استنباط أحكام الشريعة من نصوص السنّة، لا تكفي فيه البضاعة المزجاة من الحديث، بل لا بد - إلى جانب الفقه والقدرة على الاستنباط - من معرفة بنصوص السنّة التي استوفت شروطها من حيث صلاحيتها للاحتجاج، وبذلك يصح أن تكون موارد للأحكام، وكم لأئمة الحديث ﵏ من فضائل لا تُنكر في هذا المضمار، فقد تكفّلوا بتحرير المرحلة الأولى - وفق منهج علمي أمين للإفادة من السنّة الكريمة، وهي مرحلة ثبوت النص، تلك المرحلة التي لا بد منها لسلامة المورد في استنباط الأحكام.

стр. 475

المطلب الثاني المفهوم أما دلالة المفهوم: فتنقسم إلى قسمين: أولهما: (مفهوم الموافقة). الثاني: (مفهوم المخالفة). وقد أطلق ابن فورك (١) على الأول اسم (مفهوم الخطاب) وعلى الثاني (دليل الخطاب) (٢). أولًا - مفهوم الموافقة: أما مفهوم الموافقة - (وهو دلالة النص عند الحنفية - فهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه، وموافقته له نفيًا وإثباتًا، لاشتراكهما في معنًى يدرك بمجرد معرفة اللغة؛ دون الحاجة إلى بحث واجتهاد). وسمّي مفهوم موافقة لأن المسكوت عنه موافقٌ في الحكم للمذكور. وكنا ذكرنا في حينه عند الكلام عن دلالة النص عند الحنفية، أنها تسمى أيضًا فحوى الخطاب، ولحن الخطاب؛ لأن الحكم الذي يثبت للمذكور بمنطوق النص: يثبت لغير المذكور بروحه ومعناه ومعقوله (٣).

стр. 476

والفحوى واللحن عند ابن الحاجب اسمان لمسمى واحد وهو مفهوم الموافقة (١). وذلك ما جرى عليه الزيدية أيضًا من المتكلمين (٢). ويرى ابن السبكي أن المسكوت عنه إن كان أوْلى بالحكم من المنطوق: سمي المفهوم (فحوى الخطاب) وإن كان مساويًا له فهو (لحن الخطاب) (٣). وعلى هذا فالفحوى واللحن قسمان لمفهوم الموافقة - لا قسيمان له -. وهذا ما ارتضاه الشوكاني في "إرشاد الفحول". وقد حكي عن الماوردي والروياني (٤) في الفرق بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب وجهان: أحدهما: أن الفحوى: ما نبّه عليه اللفظ، واللحن: ما لاح في اللفظ. وثانيهما: أن الفحوى: ما دلّ على ما هو أقوى منه، واللحن ما دلّ على مثله (٥). وذلك - كما يُرى - من الأمور الاصطلاحية التي بني الاختلاف فيها على مقدار ما يرى صاحب الاصطلاح من انطباق مصطلحه على العربية التي هي لغة هذه الشريعة. وعلى أية حال: مهما اختلفت الأسماء، فإن مفهوم الموافقة مَقولٌ به من

стр. 477

عامة أئمة هذه الشريعة - كما سيأتي - لم يخرج عن ذلك إلا بعض الظاهرية، وهو المعروف عند الحنفية - كما أسلفنا - بدلالة النص، وقد عرضنا لعدد من الأمثلة هناك (١). ثانيًا - مفهوم المخالفة: أما مفهوم المخالفة: فيمكن تعريفه في ضوء ما مرّ، وما ذكروه من تعريفات له بأنه: (دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالفٍ لما دلّ عليه المنطوق، لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم) (٢). ويسمونه - كما قال ابن فورك - دليل الخطاب. وإنما سمي "مفهوم المخالفة"، لما يرى من المخالفة بين حكم المذكور وغير المذكور. وسمي "دلالة الخطاب"؛ لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه (٣). أما الحنفية: فقد سمُّوه (المخصوص بالذكر) واعتبروا التمسُّك به من التمسُّكات الفاسدة، وذلك ما عبّر عنه البزدوي والسرخسي وغيرهما: أنه من العمل بالنصوص بوجوه فاسدة (٤). أنواع مفهوم المخالفة: هذا، ولما كان القيد في حكم المنطوق معتبرًا في مفهوم المخالفة، فقد تنوّع هذا المفهوم حسب نوع القيد إلى أنواع كثيرة، أوصلها بعضهم،

стр. 478

كالآمدي إلى العشرة (١). وسنشير إلى عدد منها موضحًا بالأمثلة تاركين التفصيل إلى حيث أوانُ التفصيل. فمنها: ١ - مفهوم الصفة: (وهو دلالة اللفظ المقيّد بوصف على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت الذي انتفى عنه ذلك الوصف). ١ - وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. فإنه يدل بمنطوقه على أن المسلم إذا لم يملك القدرة على الزواج بالحرائر: يحل له الزواج بالإماء المؤمنات. كما يدل بمفهومه المخالف على أنه في هذه الحال: يحرم عليه الزواج بالإماء الكافرات. والسبب في ذلك: انتفاء الوصف الذي قيد به الحكم في المنطوق - وهو الإيمان - فيثبوت وصف الإيمان، كان الحِلُّ، وبانتفائه انتفى الحِلُّ، وكانت الحرمة. ٢ - وكما في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. فهو يدل بمنطوقه على وجوب التبيُّن إن جاء الفاسق بالنبأ، ويدل بمفهومه المخالف أنه إن جاء العَدْلُ لم يجب ذلك. ٣ - ومن ذلك قوله ﵊ فيما ذكره الآمدي وغيره: "في الغنم السائمة زكاة" (٢) فإنه يدل بمنطوقه على وجوب الزكاة في الغنم

стр. 479

السائمة. ويدل بمفهومه المخالف على أن الغنم المعلومة لا زكاة فيها، وذلك لانتفاء وصف السَّوم الذي قُيّد به وجوب الزكاة في المنطوق. ٤ - ومنه أيضًا ما جاء في حديث التأبير من قوله ﷺ : "مَن باع نخلًا قد أُبّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (١). فهذا النص يدل بمنطوقه على أن ثمرة النخل الذي بيع بعد تأبيره يستحقها البائع، إلا إذا اشترط المشتري على البائع أن يكون الثمر له. كما يدل بمفهوم المخالفة: على أن ثمرة النخل الذي بيع قبل تأبيره، لا يستحقها البائع وإنما يستحقها المشتري، وذلك لأن استحقاق البائع قُيّد بالتأبير؛ فعندما انتفى هذا الوصف، ثبت نقيض حكم المنطوق، وهو استحقاق المشتري، بدل استحقاق البائع. ٥ - ومثله قوله ﷺ : "لَيّ الواجد يحلّ عِرْضَه وعقوبته" (٢) فإن الحديث يدل بمنطوقه على أن للدائن أن يتكلم في حق المدين الذي يقدر على الدفع ويماطل، كما أن للقاضي أن يعاقبه إذا طلب الدائن ذلك (٣).

стр. 480

ولئن كان هذا النص النبوي يدل بمنطوقه على ذلك، إنه يدل بمفهومه على أن مَطْل المدين الفقير لا يبيح عرضه ولا عقوبته، وإنما قلنا ذلك: لانتفاء وصف الغنى الذي قُيّد به ذلك الحكم الذي دلّ عليه المنطوق. ٢ - مفهوم الشرط: (وهو دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بشرط: على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت الذي انتفى عنه ذلك الشرط). ١ - وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فإنه يدل بمنطوقه على وجوب النفقة للمطلقة طلاقًا بائنًا - وهي المبتوتة - إذا كانت حاملًا. ويدل بمفهومه المخالف: على أن المبتوتة التي لا يتوافر فيها شرط الحمل - فتكون حائلًا -: لا تجب لها النفقة؛ لانتفاء الشرط الذي علق عليه الحكم في المنطوق. فانتفى الحكم - وهو النفقة - بانتفاء الشرط - وهو الحمل - قال الإمام الشافعي بعد أن ذكر الآية: (فلما أوجب الله لها نفقة بالحمل: دلّ من أن لا نفقة لها بخلاف الحمل) (١). ٢ - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. ولئن جئنا بهذا النص سابقًا في معرض "مفهوم الوصف": إنه يدل

стр. 481

بمنطوقه أيضًا أن للمسلم عند عدم القدرة على الزواج بالحرائر، أن يتزوج بالإماء المؤمنات. وكونُ الزواج بالإماء المؤمنات حلالًا، علّقه الشارع على شرط عدم الطول، وهو العجز عن الزواج بالحرائر. لذلك: فإن النص يدل بمفهومه المخالف على حرمة الزواج بالإماء عند القدرة على الزواج بالحرائر؛ لأن هذا الحِل قد اشترط له عدم استطاعة الطول، وإذا انتفى هذا الشرط: انتفى الحِل بانتفائه. ٣ - ومن ذلك: قوله جلّ وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]. فإذا كان هذا النص يدل بمنطوقه - كما هو واضح - على حل أخذ شيء من المرأة إذا طابت نفسها بذلك؛ فإنه يدل بمفهومه المخالف، على حرمة أخذ هذا الشيء إذا لم تطب نفس المرأة به؛ لأن حِلَّ الأخذ الذي دلّ عليه المنطوق: عُلِّق في الآية على رضا الزوجة، فكان الرضا شرطًا في الحِل الذي انتفى بانتفائه. ٣ - مفهوم الغاية: (وهو دلالة النص - الذي قيد الحكم فيه بغاية - على حكم للمسكوت بعد هذه الغاية مخالفٍ للحكم الذي قبلها). ١ - ومن أمثلته قوله جلّ وعلا في معرض أحكام الصيام: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] و ﴿حَتَّى﴾ بمعنى الغاية وهي انتهاء الشيء وتمامه، وحكم الغاية أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها. فبدل النص بالمنطوق: على إباحة تناول الطعام والشراب في ليل رمضان إلى الفجر الذي هو غاية الجل. ويدل بالمفهوم المخالف: على أن الأكل والشرب حرام بعد هذه الغاية، وهي طلوع الفجر الصادق.

стр. 482

وهكذا كان حكم ما بعد (حتى) مخالفًا لحكم ما قبلها. وما يقال في (حتى) التي هي للغاية يقال في (إلى) فهي تأتي بمعنى الغاية أيضًا، فإذا دلّت بمنطوقها على وجوب الصيام بياضَ النهار، فإنها تدل بمفهومها المخالف على عدم وجوب الصيام في الليل. ٢ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فمدلول الآية من طريق المنطوق: تحريم إتيان النساء قبل أن يطهرن، وذلك بانتهاء زمن الحيض أو الاغتسال، على خلاف في المسألة (١). أما مدلولها من طريق المفهوم المخالف: فهو جواز الإتيان بعد انتهاء زمن الحيض والاغتسال (٢). ٣ - ومثل ذلك قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فالمدلول الواضح لمنطوق الآية: تحريم المطلقة ثلاثًا على زوجها، واستمرار هذا التحريم حتى تتزوج برجل آخر. أما مفهوم الآية المخالف: فهو أن المطلقة إذا نكحت زوجًا آخر: حلّت لزوجها الأول (٣). ٤ - مفهوم العدد: وهو دلالة النص - الذي قُيِّد الحكم فيه بعدد مخصوص - على ثبوت حكم للمسكوت مخالف لحكم المنطوق، لانتفاء ذلك القيد.

стр. 483

١ - مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. ٢ - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. فإن تقييد وجوب الجلد في الآية الأولى بمائة، وفي الثانية بثمانين: يدل بطريق المفهوم المخالف: على أن الزائد عليها لا يجب (١). هذه هي الأقسام التي ذكرها ابن الحاجب لمفهوم المخالفة (٢)، اقتصرنا عليها الآن، لنعود فيما بعد إلى التفصيل الذي وعدنا أن يكون في حينه - إن شاء الله -. * * *

стр. 484

مقارنة بين منهجَيْ الحنفية والمتكلمين وهكذا نكون انتهينا من بيان طرق الدلالة عند الحنفية والمتكلمين، حيث توافقت التسميات في كثير، وتخالفت في قليل، حسب المنهج الذي رسمه لنفسه كل من الفريقين، والنظرة التي نظرها إلى اللفظ، وكيفية دلالته على المعنى المراد. فالحنفية: جعلوا دلالة اللفظ على المعنى، متى كان ذلك مقصودًا - ولو تبعًا - دلالة بعبارة النص. وجعلوا ما كانت الدلالة عليه بطريق الالتزام ولم يقصد أصلًا، إشارة النص. والدلالتان: العبارة والإشارة من منطوق النص. وما دلّ عليه اللفظ بواسطة معنًى مفهوم منه: سمُّوه دلالة النص وفحوى النص، ومفهوم موافقة، ولم يجعلوه منطوقًا؛ لأن الملاحظ روح النص ومعقوله. وجعلوا دلالة اللفظ على ما يتوقف عليه صدقُ الكلام، أو صحتُه: اقتضاءً، على خلاف بين المتقدمين والمتأخرين، فهو ليس بمنطوق، ولا مفهوم. واعتبروا الدلالة على الحكم بأية واحدة من هذه الدلالات الأربع: دلالةً بظاهر النص، لا بالقياس والرأي. أما المتكلمون: فقد نظروا إلى دلالة اللفظ على الحكم من زاوية أخرى؛ فقسموا الدلالة إلى منطوق ومفهوم، وانطوى عندهم ما يدل بصريح النص، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة: تحت المنطوق. بينما جعلوا مفهوم الموافقة - الذي هو دلالة النص عند الحنفية -: من المفهوم. وقالوا بمفهوم المخالفة: وهو دلالة لم يقل بها الحنفية. بل اعتبروها من التمسكات الفاسدة. وهكذا يمكن أن نخلص بعد المقارنة إلى النتائج التالية: ١ - الدلالات عند الحنفية أربع، وهي عند المتكلمين خمس. وهؤلاء

стр. 485

يقولون بمفهوم المخالفة، وأولئك لا يقولون به، ولا يعتبرونه من طرق الدلالة، على اختلاف في تعميم هذا الحكم، حتى يشمل كلام الناس مع نصوص الكتاب والسنّة، أو عدم تعميمه كما سيأتي. إذ إن الحنفية متفقون على عدم الأخذ به في نصوص الكتاب والسنّة. ٢ - الحنفية والمتكلمون متفقون فيما يختص بدلالة الاقتضاء ودلالة الإشارة. ٣ - ما يسمى بالمنطوق الصريح، والذي سمّاه بعضهم بالنص مع دلالة الإيماء عند المتكلمين، يندرجان فيما أسماء الحنفية مثالًا لدلالة النص، وذلك كما في رجم غير ماعز من المحصَنين، لأن ماعزًا رُجم وهو محصَن. ٤ - دلالة النص عند الحنفية: هي مفهوم الموافقة، أو لحن الخطاب أو فحواه عند المتكلمين، وإن كان بعض الحنفية أيضًا سمّاها "مفهوم الموافقة". وعلى أية حال: فهذا الطريق من طرق الدلالة على الأحكام معتبر عندهم جميعًا، وهو ما عليه جمهور المسلمين لم يخالف فيه إلا ابن حزم الذي نَقل أن ما جنح إليه هو مذهب الظاهرية. وأنت ترى أنه - فيما عدا مفهوم المخالفة - يبدو مآل الاصطلاحيين اتفاقًا على الدلالات الأربع عند الحنفية والمتكلمين وإن اختلفت في بعضها التسميات، أو تعددت. على أن اصطلاح الحنفية يبدو أسهل تناولًا وضبطًا للطريق التي تكون دليل الاستنباط. وإن كان اصطلاح المتكلمين يبدو أكثر التصاقًا باللغة في معنى الدلالات. وما دام الأمر يقوم على الاصطلاح في التسمية، وليس فيه مجافاة للغة التنزيل: فلا مشاحة في الاصطلاح. نقرر ذلك ونضيف إليه، عدم موافقتنا للحنفية في إهمال الأخذ بمفهوم المخالفة في نصوص الكتاب والسنة، وسيأتي لذلك مزيد من البيان عند تفصيل القول بهذا المفهوم.

стр. 486

المبحث الثاني موقف العلماء من مفهوم الموافقة نعرض فيما يلي لإيضاح جوانب مهمة من موقف العلماء من هذه الطريق من طرق الدلالة، وهو مفهوم الموافقة، فندرس ما شرط العلماء لهذا المفهوم، ونوع دلالته على الحكم من ناحية القطعية والظنية، وهل هذه الدلالة من قبيل الدلالة اللفظية أو من قبيل القياس الجلي، كما نأتي على ثمرة الاختلاف، ثم ندرس موقف ابن حزم من هذا المفهوم مع المقارنة، وسنرى ذلك كله في المطلبين التاليين. * * * المطلب الأول شرط مفهوم الموافقة، ونوع دلالته على الحكم أولًا - شرط مفهوم الموافقة: كان فيما رأينا عند الحنفية والمتكلمين، اتفاق كلمة القائلين بمفهوم الموافقة أو "دلالة النص" كما يسمِّيه الحنفية، على أن هذه الطريق من طرق الدلالة، قائمة على اشتراك المنطوق والمسكوت عنه في معنًى، لا يحتاج إدراكه إلى اجتهاد واستنباط. وإنما يدرك بمجرد المعرفة باللغة والوضع. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] يدرك كل عارف باللغة: أن المقصود بالنهي الذي لأجله كان التحريم: هو الأذى، وأن

стр. 487

الضرب والشتم تثبت حرمتهما بطريق الأولى، فهما أشد من التأفيف الذي دلّ عليه المنطوق، وما دام المعنى الذي من أجله كان التحريم هو الأذى، فيكون من الحرام أيُّ نوع من أنواع الأذى للوالدين، أو الإساءة إليهما، بعد النص على تحريم قول (أُفٍّ) الذي هو أقل ما يمكن أن يتصور من الأذى. ولكن جرى الخلاف في النسبة بين المنطوق والمسكوت عنه. فهل يشترط في مفهوم الموافقة: أن يكون المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق، لكون مناط الحكم أكثر توافرًا فيه من المنطوق؟ أم لا يشترط ذلك، وتكفي المساواة، بأن يكون مناط الحكم على حال واحدة من التوافر في المنطوق والمسكوت؟ لقد كان العلماء في ذلك فريقين: ١ - ذهب الفريق الأول إلى عدم اشتراط أولوية المسكوت بالحكم من المنطوق، واعتبروا مِلاك الأمر، أن لا يكون المعنى في المسكوت عنه: أقل مناسبة للحكم من المنطوق به، سواء أكانت هنالك مساواة أم أولوية. وهذا رأي الحنفية. وقد رأينا ذلك عند الدبوسي والسرخسي ومَن بعدهما (١). ويرى الزركشي أنه ظاهر كلام الجمهور من الشافعية وغيرهم. وهو واضح عند الغزالي وفخر الدين الرازي وأتباعهما الذين جعلوا مفهوم الموافقة قسمين: تارة يكون أوْلى، وتارة يكون مساويًا (٢). وممن نصّ على ذلك البيضاوي في "المنهاج" وشارحه الإسنوي (٣). ولقد احتجّ هؤلاء لما ذهبوا إليه من عدم اشتراط الأولوية: بأن من

стр. 488

المعلوم قطعًا أنه قد يفهم ثبوتُ حكم المنطوق به للمسكوت عنه، مع عدم أولويته بالحكم: بفهم المناط لغة دون حاجة إلى بحث واجتهاد، كما في تحريم إتلاف مال اليتيم بإحراقه، أو إضاعته؛ أخذًا من تحريم أكله ظلمًا. وإهدار هذا النوع من الدلالة - كما قال ابن الهمام - مما لا وجه له، لأنه بعد فرض فهم ثبوت حكم المنطوق للمسكوت، لفهم المناط لغة - كما هو موضوع النزاع -. يجدر اعتبار هذه الدلالة، لا إهدارُها وعدمُ الالتفات إليها (١). ب - أما الفريق الثاني: فذهبوا إلى اشتراط أولوية المسكوت بالحكم من المنطوق، لأنه يكون أشدَّ مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت، من اقتضائه له في محل النطق. فلا يكفي لتسمية الدلالة على الحكم "مفهوم الموافقة": أن يكون المنطوق والمسكوت على حالة من التساوي في الحكم. وقد نقل هذا القول إمام الحرمين الجويني في "البرهان" عن الشافعي (٢) وهو قول أبي إسحاق الشيرازي، ونُقل أيضًا - كما يقول الشوكاني - عن الأكثرين (٣).

стр. 489

وبه قال الآمدي وابن الحاجب (١). ولقد كانت حجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه: أن المسكوت إذا كان أولى بالحكم من المنطوق، لأن المعنى في المسكوت أشدُّ مناسبة للحكم من المعنى المنطوق به: فإنه يمكن فهم اتحادهما بالحكم جَزْمًا، لبُعد أن يكون هناك احتمال للتعبُّد في ثبوت الحكم المنطوق، نظرًا لأولوية المسكوت عنه بالحكم من المنطوق. أما عند المساواة: فإن احتمال التعبُّد في ثبوت الحكم بالمنطوق: قائم، وهو مانع من إلحاق المسكوت بالمنطوق. ولذلك لا يمكن فهم اتحادهما بالحكم من النص على حكم المنطوق عرفًا. فإذا الحق المسكوت بالمنطوق، مع قيام هذا الاحتمال: كان الإلحاق بطريق القياس، لا بطريق المفهوم. ولكن هذا نقلٌ للمسألة عن محل النزاع، وهو المنطوق، الذي اشترك مع المسكوت في معنًى يدرك بمجرد معرفة اللغة. وكونُ المناط الذي انبني عليه الحكم في المنطوق والمسكوت يدرك لغةً: ينفي احتمال التعبُّد في ثبوت الحكم بالمنطوق عرفًا (٢). ولا خفاء في وضوح ما استدلّ به الجمهور وقوتِه؛ خصوصًا وأن إدراك المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت: منوط باللغة، ولذلك فنحن نميل إلى عدم اشتراط الأولوية، والاكتفاء بما ذهب إليه الأكثرون من الاكتفاء بأن لا يكون المعنى في المسكوت أقل مناسبة للحكم منه في المنطوق، وهذا المذهب هو الذي جنح إليه الشوكاني من المتأخرين واعتبره هو الصواب (٣).

стр. 490

ثمرة الخلاف بين الاتجاهين: وإنما تظهر ثمرة الخلاف بين الاتجاهين: في اختلاف النظرة إلى حالة المساواة بين المسكوت عنه والمنطوق به في الحكم. فالقائلون بوجوب الأولوية في مفهوم الموافقة: يرون أن ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه في حال المساواة، إنما يكون بطريق القياس، وليس بطريق النص، وفرق بين ما تجري عليه أحكام القياس، وبين ما يأخذ حكم المنصوص. أما القائلون بعدم اشتراط الأولوية: فثبوت حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة، إنما يكون بطريق النص المقابل للقياس، فيأخذ حكم المنصوص، ولا يدخل في عداد ما تجري عليه أحكام القياس، وذلك ما رأيناه عند الحنفية والمتكلمين وألمحنا إليه غير مرة، فكلاهما يعتبر المدلول عليه من هذه الطريق، مدلولًا عليه بالنص وإن اختلفت التسمية في الطريق؛ فالحنفية يسمُّونها "دلالة النص"، والشافعية يعتبرونها من المفهوم فيسمونها "مفهوم الموافقة". مفهوم الموافقة بين القطعية والظنية: في مبحث دلالة النص عند الحنفية: رأيناهم يقسمونها إلى قطعية وظنية، وذلك ما نراه عند إمام الحرمين والآمدي وغيرهما من المتكلمين، حيث قسموا مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني: أ - فالقطعي: ما يكون فيه التعليلُ بالمعنى، وكونه أشدَّ مناسبة للحكم في المسكوت عنه من المنطوق به: قطعيين. ب - والظني ما يكون فيه التعليل بالمعنى، وكونِه أشدَّ مناسبة للحكم في المسكوت عنه: ظنيين، أو أحدهما ظنيًا. وقد عبّر إمام الحرمين عن الأول بالنص، وعن الثاني بالظاهر (١).

стр. 491

وقد مثّلوا للقطعي بآية التأفيف، حيث عُلم من سياق الآية أن حكمة تحريم التأفيف: إنما هي دفع الأذى عن الوالدين. والأذى في الشتم والضرب: أشد. كما مثلوا له بآية ائتمان أهل الكتاب (١). فالشق الأول من الآية: يدل على أن مؤدي القنطار يؤدي الدينار إذا اؤتمن عليه بطريق الأولى، لأن مؤدي الكثير يؤدي القليل بطريق الأولى، فالائتمان في القليل أشد وأقوى (٢). واعتبروا من أمثلة الظني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. فإنه وإن دلّ على وجوب الكفارة في القتل العمد، لكونه أولى بالمؤاخذة - كما يقول الشافعي -: فإن ذلك ليس على سبيل القطع، إذ من المحتمل أن لا يكون موجِب الكفارة في القتل الخطأ هو المؤاخذة، لقوله ﵊: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" وإنما يكون موجِبها التقصير الذي ترتب عليه إزهاق روح ذلك المؤمن (٣). ومن أمثلته أيضًا قوله جلّ وعلا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة]. حيث وجبت الكفارة في اليمين المنعقدة.

стр. 492

فإن الشافعي ﵀ أوجب الكفارة في اليمين الغموس، بطريق الأولى. وما قيل في كفارة القتل الخطأ: يقال هنا؛ فالدلالة عليها ظنية لا قطعية، لإمكان أن تكون الكفارة موجَبة بطريق التلافي للتهاون والتقصير، لا موجبة للزجر ورفع المؤاخذة التي وضعها حديث ابن عباس: "إن الله وضع عن أُمتي. . ." (١). وإلى عدم وجوب الكفارة في القتل الخطأ واليمين الغموس: ذهب الحنفية كما رأينا من قبل (٢). على أن الخلاف واقع في كون معنى العبادة هو الأغلب في الكفارة، أم معنى العقوبة، حتى لا يكون وجوبها في القتل العمد العدوان والغموس، مساويًا لوجوبها في القتل الخطأ واليمين المنعقدة، فضلًا عن أن يكون هذا الوجوب أولى فيهما، لجواز أن يكونا غير قابلين للتدارك والتلافي بهذا المقدّر وهو الكفارة، لعظمهما وكبر الجناية فيهما (٣). ومن هنا جاز الاختلاف في مفهوم الموافقة الظني الذي ترتب عليه الاختلاف في عدد من الفروع والأحكام كما رأينا في هذين المثالين، وكما رأينا من اختلاف أبي يوسف ومحمد مع الإمام أبي حنيفة في وجوب الحد باللواطة، وقد مرّ في حينه، حيث أوجب الصاحبان فيه حد الزنى، ولم يوجب ذلك أبو حنيفة ﵀ (٤). ومما كان للاختلاف في حكمه علاقة بهذا الباب: القتل بالمثقَّل من حجر، أو خشب. فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم وجوب القود به.

стр. 493

وذهب الصاحبان أبو يوسف ومحمد والأئمة الثلاثة إلى إيجاب القود. وذلك لأن معنى القتل العمد الذي هو مناط الحكم في نظر أبي حنيفة: غير متحقق بالقتل بالمثقّل، بينما رآه الآخرون متحققًا به (١). وقد مال الكمال بن الهمام إلى قول الصاحبين، واعتبره أوجَهَ من قول أبي حنيفة. وأُراني معه فيما ذهب إليه؛ لأن القتل العمد العدوان، يتحقق بما لا تحتمله البنية من المثقّل، لأنه يزهق الروح بنفسه والجارح يزهق بواسطة السراية، فادعاء قصد القتل بالمثقل في العمدية مرجوح - كما قرر صاحب "التحرير" - وأدلة كل من القولين مبسوطة في مظانها من كتب الفقه والأصول (٢). رأينا في التقسيم: هذا: وقد رأى بعض علماء الأصول أن تقسيم مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني، لا يتفق مع القول بأن هذه الدلالة تدرك بمجرد معرفة اللغة من غير رأي واجتهاد، ولذلك لا بد من أحد أمرين: إما حصر مفهوم الموافقة بالقطعي، أو ذكر شيء يضمن انطباق التعريف (٣).

стр. 494

والذي نراه أن الأمر أمر اصطلاح، لأن الذين قالوا بتقسيم مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني هم من القائلين باشتراط أولوية المسكوت عنه بالحكم من المنطوق به، ولذلك أدرجوا حالة المساواة في القياس. ولو كان القول بالقطعية والظنية مقتصرًا على الجمهور الذين لم يشترطوا الأولوية، لكان في البحث متسع للقول، واعتبار حالة الأولى: من القطعي، وحالة المساواة: من الظني، ولكن الأمر موجود عند الفريقين، وقد رأيناه سابقًا عند الحنفية لدى بحثنا لدلالة النص، كما ألمحنا إلى ذلك من قبل (١). ثانيًا - نوع دلالة مفهوم الموافقة على الحكم: إذا كان جمهور علماء الأمة قد اتفقوا على دلالة مفهوم الموافقة على حكم المسكوت عنه: فإنهم اختلفوا في نوع هذه الدلالة؛ هل هي دلالة لفظية، أم دلالة قياسية؟. أ - فقد ذهب قوم إلى أنها دلالة لفظية، بمعنى أنها تحصل بطريق الفهم من اللفظ في غير محل النطق، وذلك معنى قولهم: الموافقة مفهوم، لا منطوق ولا قياس. وهو ظاهر كلام التاج السبكي في "جمع الجوامع" (٢). وقد جعل هؤلاء الثابت بها، كالثابت بالمنطوق، لاستنادها إلى المعنى المفهوم من الكلام لغةً بطريق الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، أو من أحد المتساويين إلى الآخر. فهي دلالة فوق الدلالة القياسية؛ لأن المعنى الذي هو مناط الحكم في المنطوق: يفهم بمجرد المعرفة باللغة، فتدل هي على الحكم نفسه في السكوت، لأجل ذلك المعنى، فكان الثابت بمفهوم الموافقة: كالثابت بالمنطوق، وفوق الثابت بالقياس.

стр. 495

وقد أشرنا غيرَ مرة إلى تصريح الحنفية بأن الثابت بالدلالات الأربع عندهم - ومنها دلالة النص التي هي مفهوم الموافقة -: ثابت بظاهر النص، لا بالقياس ولا بالرأي، لأن المعنى الذي يُفهم أن الحكم في المنطوق ثابت لأجله: يدرك في القياس بالرأي والاجتهاد، بينما إدراكه في المفهوم - أو دلالة النص - حاصل باللغة الموضوعة لإفادة المعاني. فالنهي عن التأفيف في قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إذا كان يدل بالمطابقة على تحريم التأفيف، إنه يدل بالالتزام والتبع للمنطوق: على تحريم الضرب والشتم، ونحوهما بواسطة فهم المعنى الذي من أجله كان تحريم التأفيف وهو الإيذاء، وذلك عن طريق اللغة، دون حاجة إلى اجتهاد أو استنباط. وقد احتجّ هؤلاء بأن مفهوم الموافقة ثابت قبل شرعية القياس، والعرب إنما وضعت هذه الألفاظ لتأكيد الحكم في محل السكوت وأن ذلك أفصح من التصريح بالحكم في المسكوت (١). ثم إن الأصل في القياس: لا يجوز أن يكون جزءًا من الفرع ومندرجًا فيه بالإجماع، وذلك قد يقع فيما نحن فيه. وبعد ذلك: فالقياس نظري؛ لذا شرط في القايس الاجتهاد، بخلاف مفهوم الموافقة الذي يكفي لإدراك الحكم في المسكوت عن طريقه، مجرد معرفة اللغة، ولذلك شارك أهل الرأي غيرهم فيه (٢). وأصحاب هذا القول هم جمهور الحنفية والمتكلمين من الشافعية والمالكية والحنابلة، وبه قالت الإمامية (٣).
следующие страницы →