وقد مثّلوا للقطعي بآية التأفيف، حيث عُلم من سياق الآية أن حكمة تحريم التأفيف: إنما هي دفع الأذى عن الوالدين. والأذى في الشتم والضرب: أشد.
كما مثلوا له بآية ائتمان أهل الكتاب (١). فالشق الأول من الآية: يدل على أن مؤدي القنطار يؤدي الدينار إذا اؤتمن عليه بطريق الأولى، لأن مؤدي الكثير يؤدي القليل بطريق الأولى، فالائتمان في القليل أشد وأقوى (٢).
واعتبروا من أمثلة الظني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].
فإنه وإن دلّ على وجوب الكفارة في القتل العمد، لكونه أولى بالمؤاخذة - كما يقول الشافعي -: فإن ذلك ليس على سبيل القطع، إذ من المحتمل أن لا يكون موجِب الكفارة في القتل الخطأ هو المؤاخذة، لقوله ﵊: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" وإنما يكون موجِبها التقصير الذي ترتب عليه إزهاق روح ذلك المؤمن (٣).
ومن أمثلته أيضًا قوله جلّ وعلا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة]. حيث وجبت الكفارة في اليمين المنعقدة.
стр. 492
فإن الشافعي ﵀ أوجب الكفارة في اليمين الغموس، بطريق الأولى.
وما قيل في كفارة القتل الخطأ: يقال هنا؛ فالدلالة عليها ظنية لا قطعية، لإمكان أن تكون الكفارة موجَبة بطريق التلافي للتهاون والتقصير، لا موجبة للزجر ورفع المؤاخذة التي وضعها حديث ابن عباس: "إن الله وضع عن أُمتي. . ." (١).
وإلى عدم وجوب الكفارة في القتل الخطأ واليمين الغموس: ذهب الحنفية كما رأينا من قبل (٢).
على أن الخلاف واقع في كون معنى العبادة هو الأغلب في الكفارة، أم معنى العقوبة، حتى لا يكون وجوبها في القتل العمد العدوان والغموس، مساويًا لوجوبها في القتل الخطأ واليمين المنعقدة، فضلًا عن أن يكون هذا الوجوب أولى فيهما، لجواز أن يكونا غير قابلين للتدارك والتلافي بهذا المقدّر وهو الكفارة، لعظمهما وكبر الجناية فيهما (٣).
ومن هنا جاز الاختلاف في مفهوم الموافقة الظني الذي ترتب عليه الاختلاف في عدد من الفروع والأحكام كما رأينا في هذين المثالين، وكما رأينا من اختلاف أبي يوسف ومحمد مع الإمام أبي حنيفة في وجوب الحد باللواطة، وقد مرّ في حينه، حيث أوجب الصاحبان فيه حد الزنى، ولم يوجب ذلك أبو حنيفة ﵀ (٤).
ومما كان للاختلاف في حكمه علاقة بهذا الباب: القتل بالمثقَّل من حجر، أو خشب.
فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم وجوب القود به.
стр. 493
وذهب الصاحبان أبو يوسف ومحمد والأئمة الثلاثة إلى إيجاب القود.
وذلك لأن معنى القتل العمد الذي هو مناط الحكم في نظر أبي حنيفة: غير متحقق بالقتل بالمثقّل، بينما رآه الآخرون متحققًا به (١).
وقد مال الكمال بن الهمام إلى قول الصاحبين، واعتبره أوجَهَ من قول أبي حنيفة.
وأُراني معه فيما ذهب إليه؛ لأن القتل العمد العدوان، يتحقق بما لا تحتمله البنية من المثقّل، لأنه يزهق الروح بنفسه والجارح يزهق بواسطة السراية، فادعاء قصد القتل بالمثقل في العمدية مرجوح - كما قرر صاحب "التحرير" - وأدلة كل من القولين مبسوطة في مظانها من كتب الفقه والأصول (٢).
رأينا في التقسيم:
هذا: وقد رأى بعض علماء الأصول أن تقسيم مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني، لا يتفق مع القول بأن هذه الدلالة تدرك بمجرد معرفة اللغة من غير رأي واجتهاد، ولذلك لا بد من أحد أمرين: إما حصر مفهوم الموافقة بالقطعي، أو ذكر شيء يضمن انطباق التعريف (٣).
стр. 494
والذي نراه أن الأمر أمر اصطلاح، لأن الذين قالوا بتقسيم مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني هم من القائلين باشتراط أولوية المسكوت عنه بالحكم من المنطوق به، ولذلك أدرجوا حالة المساواة في القياس.
ولو كان القول بالقطعية والظنية مقتصرًا على الجمهور الذين لم يشترطوا الأولوية، لكان في البحث متسع للقول، واعتبار حالة الأولى: من القطعي، وحالة المساواة: من الظني، ولكن الأمر موجود عند الفريقين، وقد رأيناه سابقًا عند الحنفية لدى بحثنا لدلالة النص، كما ألمحنا إلى ذلك من قبل (١).
ثانيًا - نوع دلالة مفهوم الموافقة على الحكم:
إذا كان جمهور علماء الأمة قد اتفقوا على دلالة مفهوم الموافقة على حكم المسكوت عنه: فإنهم اختلفوا في نوع هذه الدلالة؛ هل هي دلالة لفظية، أم دلالة قياسية؟.
أ - فقد ذهب قوم إلى أنها دلالة لفظية، بمعنى أنها تحصل بطريق الفهم من اللفظ في غير محل النطق، وذلك معنى قولهم: الموافقة مفهوم، لا منطوق ولا قياس.
وهو ظاهر كلام التاج السبكي في "جمع الجوامع" (٢).
وقد جعل هؤلاء الثابت بها، كالثابت بالمنطوق، لاستنادها إلى المعنى المفهوم من الكلام لغةً بطريق الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، أو من أحد المتساويين إلى الآخر.
فهي دلالة فوق الدلالة القياسية؛ لأن المعنى الذي هو مناط الحكم في المنطوق: يفهم بمجرد المعرفة باللغة، فتدل هي على الحكم نفسه في السكوت، لأجل ذلك المعنى، فكان الثابت بمفهوم الموافقة: كالثابت بالمنطوق، وفوق الثابت بالقياس.
стр. 495
وقد أشرنا غيرَ مرة إلى تصريح الحنفية بأن الثابت بالدلالات الأربع عندهم - ومنها دلالة النص التي هي مفهوم الموافقة -: ثابت بظاهر النص، لا بالقياس ولا بالرأي، لأن المعنى الذي يُفهم أن الحكم في المنطوق ثابت لأجله: يدرك في القياس بالرأي والاجتهاد، بينما إدراكه في المفهوم - أو دلالة النص - حاصل باللغة الموضوعة لإفادة المعاني. فالنهي عن التأفيف في قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إذا كان يدل بالمطابقة على تحريم التأفيف، إنه يدل بالالتزام والتبع للمنطوق: على تحريم الضرب والشتم، ونحوهما بواسطة فهم المعنى الذي من أجله كان تحريم التأفيف وهو الإيذاء، وذلك عن طريق اللغة، دون حاجة إلى اجتهاد أو استنباط.
وقد احتجّ هؤلاء بأن مفهوم الموافقة ثابت قبل شرعية القياس، والعرب إنما وضعت هذه الألفاظ لتأكيد الحكم في محل السكوت وأن ذلك أفصح من التصريح بالحكم في المسكوت (١).
ثم إن الأصل في القياس: لا يجوز أن يكون جزءًا من الفرع ومندرجًا فيه بالإجماع، وذلك قد يقع فيما نحن فيه.
وبعد ذلك: فالقياس نظري؛ لذا شرط في القايس الاجتهاد، بخلاف مفهوم الموافقة الذي يكفي لإدراك الحكم في المسكوت عن طريقه، مجرد معرفة اللغة، ولذلك شارك أهل الرأي غيرهم فيه (٢).
وأصحاب هذا القول هم جمهور الحنفية والمتكلمين من الشافعية والمالكية والحنابلة، وبه قالت الإمامية (٣).
стр. 496
ب - وذهب آخرون إلى أن هذه الدلالة دلالة قياسية؛ بمعنى أنها حاصلة بالقياس الأولى، أو المساوي، وهما نوعان للقياس الجلي، والقياس الجلي: هو ما كانت العملة المشتركة فيه بين الأصل والفرع، وجودُها في الفرع منه: أقوى من وجودها في الأصل، أو وجودُها في الفرع: مساوٍ لوجودها في الأصل.
ودليلهم على ذلك: ما هو معلوم في مفهوم الموافقة من توقف ثبوت الحكم للمسكوت: على معرفة المعنى الذي هو مناط الحكم، ولا بد في معرفته من نوع نظر، وهذا هو القياس؛ ففي آية التأفيف، لما توقف ثبوت الحكم على معرفة المعنى، وقد وجد أصل كالتأفيف، وفرع كالضرب، وعلة جامعة مؤثرة كدفع الأذى: كان قياسًا، إذ لا معنى للقياس إلا ذلك (١).
فلو قطع النظر عن المعنى الذي سبق له الكلام - وهو كف الأذى عن الوالدين، وعن كون هذا المعنى الذي هو مناط التحريم هو في الشتم والضرب أشد منه في التأفيف -: لما قضي بتحريم الشتم والضرب إجماعًا.
وقد سمُّوه قياسًا جليًا لظهوره؛ إذ إن الوصف الجامع بين الأصل والفرع: ثابت بالتأثير (٢).
موقف الإمام الشافعي:
ولقد نصّ الإمام الشافعي في "الرسالة" على اعتبار مفهوم الموافقة من القياس الجلي، وذلك قوله في باب الاستحسان: (والقياس وجوه يجمعها
стр. 497
القياس، ويتفرق بها ابتداء قياس كل واحد منها أو مصدره أو هما، لعلها وبعضها أوضح من بعض.
فأقوى القياس: أن يحرّم الله في كتابه أو يحرّم رسول الله القليل من الشيء، فيعلم أن قليله إذا حُرِّم، كان كثيره مثل قليله في التحريم أو أكثر، بفضل الكثرة على القلة.
وكذلك إذا حُمد على يسير من الطاعة، كان ما هو أكثر منها أولى أن يحمد عليه. وكذلك إذا أباح كثير شيء، كان الأقل منه أولى أن يكون مباحًا) (١).
وقد أورد ﵀ أمثلة أوضح بها ما أراد فقال: (قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرّم من المؤمن دمه وماله وأن يظن به إلا خيرًا" (٢) فإذا حرّم أن يظن به ظنًا مخالفًا للخير يظهره: كان ما هو أكثر من الظن المظهَر ظنًا من التصريح له بقول غير الحق أوْلى أن يحرّم، ثم كيف ما زيد في ذلك كان أحرم.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة].
فكان ما هو أكثر من مثقال ذرة من الخير: أحمد، وما هو أكثر من مثقال ذرة من الشر: أعظم في المأثم.
وأباح لنا دماء أهل الكفر المقاتلين غير المعاهدين وأموالهم، لم يحظر علينا منها شيئًا أذكره، فكان ما نلنا من أبدانهم دون الدماء، ومن أموالهم دون كلها، أوْلى أن يكون مباحًا) (٣).
ثم بيّن الشافعي أن من أهل العلم من لا يرضى بتسمية ذلك قياسًا،
стр. 498
وترك لهم اصطلاحهم دون نقد فقال: (وقد يمتنع بعض أهل العلم من أن يسمى هذا (قياسًا) ويقول: هذا معنى ما أحلّ الله وحرّم، وحمد وذم، لأنه داخل في جملته، فهو بعينه لا قياس على غيره.
ويقول مثل هذا القول في غير هذا، مما كان في معنى الحلال، فأحلّ والحرام، فحرّم.
ويمتنع أن يسمي (القياس) إلا ما كان يحتمل أن يشبَّه بما احتمل أن يكون فيه شبهًا من معنيين مختلفين، فصرفه على أن يقيسه على أحدهما دون الآخر).
ثم عرض إلى رأي آخرين من أهل العلم فقال: (ويقول غيرهم من أهل العلم: ما عدا النص من الكتاب والسنّة فكان في معناه: فهو قياس) (١).
وبهذا القول قال بعض الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة (٢).
وممن قال به من الشافعية: الشيرازي وإمام الحرمين والشاشي، وجنح إليه أيضًا الكثير من الزيدية (٣).
حقيقة الاختلاف ورأينا في ذلك:
لقد قال قوم: إن الخلاف لفظي في هذه النقطة؛ فالكل متفقون على اعتبار هذا النوع من الدلالة على الحكم؛ سواء أسمَوه مفهوم الموافقة - دلالة نص - أم سمَّوه قياسًا جليًا.
فمَن نظر إلى إلحاق المسكوت بالمنطوق، على أنه إلحاق فرع بأصل لاشتراكهما في علة جامعة بينهما: اعتبره قياسًا جليًا.
стр. 499
ومَن نظر إلى أن المعنى الذي هو مناط الحكم، والذي كان واسطة إلحاق المسكوت بالمنطوق، يدرك بمجرد معرفة اللغة دون حاجة إلى اجتهاد واستنباط، أسماء مفهوم موافقة أو دلالة نص.
وقد سلك هذه السبيل إمام الحرمين فاعتبر الخلاف لفظيًا. وأوضح ذلك الغزالي مصرحًا بأن مرد المسألة إلى الاصطلاح، وعلى الباحث إدراك حقيقة هذا الجنس من الدلالة (١).
واعتبار أن الخلاف نظري سلك سبيله أيضًا البيضاوي وعدد من الباحثين كالسعد التفتازاني (٢).
حتى إن البيضاوي جعل هذه الدلالة مفهومًا تارة، وقياسًا تارة أخرى، لأن لكل من التعبيرين وجهًا حسب النظرة إلى أوجه الدلالة نفسها (٣).
وعندما ذكر تاج الدين السبكي في "جمع الجوامع": (أن بين المفهوم والقياس تنافيًا) تعقّبه البناني (٤) في حاشيته، بأن هذا مخالف لقوله في "شرح المختصر": لا تنافي بينهما فإن للمفهوم جهتين، هو باعتبار إحداهما مستند إلى اللفظ: فكان مفهومًا، وباعتبار الأخرى: قياس، ومن ثم قال
стр. 500
السعد: الخلاف لفظي، وأشار إليه إمام الحرمين في "البرهان" (١).
والذي نرى أن هذا الخلاف - وإن كان نظريًا، مردُّه إلى التسمية والاصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح - لكن الأمر يقتضينا التفريق بين موقف الشافعية ومَن يوافقهم من جهة، وبين موقف الحنفية والشيعة الإمامية من جهة أخرى، وذلك من خلال نقطتين:
الأولى: إثبات الحدود والكفارات بالقياس أو عدمُه.
الثانية: القول بالقياس أو عدم القول به:
أ - فموقف الشافعية لا يتأثر مع أي من الاصطلاحين بالنسبة لإثبات الحدود والكفارات؛ فهم يثبتون الحدود والكفارات بالقياس، كما يثبتونها بمفهوم الموافقة.
فهذه الدلالة المختلف على تسميتها سواء أكانت مفهوم موافقة، أم كانت قياسًا جليًا: صالحةً لإثبات حد أو كفارة، وبذلك لا يترتب على الاختلاف في الجنوح لأي من المصطلحين أثر عملي.
ب - أما موقف الحنفية: فإنه يتأثر بالاختلاف؛ ذلك لأنهم لا يثبتون الحدود والكفارات بالقياس من أي نوع كان، مع أن دلالة النص صالحة لإثبات الحد والكفارة عندهم كما مر في حينه (٢).
ولقد أتى أبو زيد الدبوسي في "التقويم" بعدد كبير من الأمثلة التطبيقية - ومنها ما ثبت به حد أو كفارة - مبرهنًا أن هذه أحكام أُخذت من دلالة النص ولم تؤخذ من القياس (٣). وتبعه في ذلك مَن بعده عدد من الباحثين حتى إن السرخسي أتى بالأمثلة نفسها وزاد عليها، وكان يحاول بعد كل مثل في الآية أو الحديث، أن يؤكد مجدَّدًا على أن ثبوت الحكم المأخوذ من هذا النص أو ذاك، إنما كان بطريق دلالة النص - مفهوم موافقة - لا بطريق
стр. 501
القياس. ولقد قال في "الأصول" بعد أن فرّق بين دلالة النص والقياس: (ولذلك جوّزنا إثبات العقوبات والكفارات بدلالة النص، وإن كنا لا نجوّز ذلك بالقياس) (١).
ج - أما الإمامية: فلو استوى عندهم مفهوم الموافقة مع القياس، لما قالوا بمفهوم الموافقة؛ لأنهم منكرون لحجية القياس، ومفهوم الموافقة يساويه مع أنهم قالوا به. وعلى ذلك فموقفهم يتأثر أيضًا بالاختلاف بين المصطلحين.
وعلى أية حال، فالأمر الذي لا مرية فيه: هو أن دلالة مفهوم الموافقة على إثبات حكم المنطوق للمسكوت عنه، بالأولى أو بالمساواة، هي عند القائلين بها: دلالةٌ لفظية التزامية - كما قدمنا في صدر هذا المبحث - والمعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت، لا يتوقف إدراكه على البحث والاجتهاد، وإنما تهدي إليه معرفة اللغة، بينما نرى أن القياس المتنازع في حجيته والعمل به بين الجمهور وغيرهم - حتى لم يقل به الظاهرية والشيعة الإمامية - ليس مجرد إلحاق مسكوت بمنطوق لاشتراكهما في علة الحكم التي يمكن إدراكها من أي طريق. وإنما هو إلحاق أصل بفرع لعلة تجمعهما، وطريق إدراكها النظر والاجتهاد، ولاستنباطها مسالك أفاض في ذكرها العلماء في مباحث القياس. فلا بدع أن يكون نفاته مِمَّن يقول بمفهوم الموافقة كالشيعة الإمامية (٢).
وهكذا يكون لزامًا علينا عندما نقرر أن النزاع لفظي أو غير لفظي: أن تفرق بين ثلاثة مسالك:
١ - مسلك الحنفية من حيث رفضُهم لإثبات الحدود والكفارات بالقياس، وصحة إثباتها بدلالة النص.
стр. 502
٢ - مسلك الشافعية ومَن قال بقولهم، من حيث صحةُ ثبوت الحدود والكفارات بالقياس عندهم ثبوتَها بمفهوم الموافقة.
٣ - مسلك الشيعة الإمامية من حيث نفيهم للقياس، مع قولهم بمفهوم الموافقة.
كل أولئك مع ملاحظة أن هنالك تمايزًا بين مفهوم الموافقة وبين القياس المختلف على حجيته والعمل به عند العلماء، ذلك التمايز الذي عبّر عنه أبو زيد الدبوسي بقوله: (فالقياس هنا استنباط علة من النص بالرأي ظهر أثرها في الحكم - بالشرع لا باللغة - متعديًا إلى محل لا نص فيه، لا استنباط معنى باللغة متعديًا إلى محل لا نص فيه) (١).
* * *
المطلب الثاني موقف ابن حزم من مفهوم الموافقة
من المعلوم أن مسلك الاستنباط عند ابن حزم باعث الظاهرية في القرن الخامس الهجري، كان من دعائمه نفي القياس، وعدم القول به، أو اعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الحكم.
وقد اعتبر القول بمفهوم الموافقة قولًا بالقياس، وإذا كان الأمر كذلك: فالأخذ بهذه الطريق من طرق الدلالة على الأحكام، هو في نظره جنوح إلى غير السبيل السوي.
لأن كل خطاب وكل قضية، فإنما تعطي ما فيها، ولا تعطي حكمًا في غيرها، لا أن ما عداها موافق لها، ولا أنه مخالف لها، لكن كل ما عداها موقوف على دليله. ولقد جاء ابن حزم في كتابه "الإحكام" بمسألة المفاهيم تحت عنوان "دليل الخطاب" وأفاض في نفي الموافق منها والمخالف.
وعبّر عن الموافق بأنه: ما يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها،
стр. 503
فحكمها كحكم هذه التي خوطبنا بها. وكان ﵀ كيِّسًا حين عدّ من سمَّوا مفهوم الموافقة قياسًا: من الأكياس، فكأنه رآهم أبعد عن التناقض مع أنفسهم، وإن كان يراهم منحرفين بسبب قولهم بالقياس.
وفي رده لمفهوم الموافقة اعتبره على لسان القائلين به قسمًا من أقسام دليل الخطاب، كما ذكرنا (١).
ويلاحظ الباحث أن ردّه على القائلين بهذا المفهوم قد سار في طريقين: الأولى: طريق رد القياس وذلك بإقامة الأدلة التي يراها صالحة لهدم كل ما جاء به القائلون بالقياس، ومهّد لذلك بزعمه أن القول بالقياس هو اتجاه طوائف من المتأخرين ولا علاقة للمتقدمين به، وإذا كان مفهوم الموافقة قياسًا في نظره، فكل ما يقال في رد القياس: فهو صالح لرد مفهوم الموافقة، لأن القياس باطل بجميع أنواعه (٢).
جاء في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" قوله عن القيّاسين: (وقسموا القياس ثلاثة أقسام:
فقسم: هو قسم الأشبه والأولى، وهو أن قالوا: إذا حكم في أمر كذا بحكم كذا: فأمر كذا أولى بذلك الحكم، وذلك نحو قول أصحاب الشافعي: إذا كانت الكفارة واجبة في قتل الخطأ، وفي اليمين التي ليست غموسًا: فقاتل العمد وحالف اليمين الغموس أوْلى بذلك وأحوج إلى الكفارة.
وقسم ثان: وهو قسم المثل: وهو نحو قول أبي حنيفة ومالك: إذا كان الواطئ في نهار رمضان عمدًا تلزمه الكفارة: فالمتعمد للأكل مثله في
стр. 504
ذلك. . . وكقول الشافعي: إذا وجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا: فهو من الخنزير كذلك. . . إلخ.
والقسم الثالث: قسم الأدنى: وهو نحو قول مالك وأبي حنيفة: إذا وجب القطع في مقدار ما في السرقة - وهو عضو يستباح - فالصداق في النكاح مثله. فهذه أقسام القياس عند المتحذلقين به.
وذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة، وقالوا لا يجوز الحكم البتة في شيء من الأشياء كلها إلا بنص كلام الله تعالى، أو نص كلام النبي ﷺ أو بما صحّ عنه ﷺ من فعل أو إقرار أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها متيقن أنه قاله كل واحد منهم، أو بدليل من النص، أو من الإجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا) (١).
وجاء ابن حزم بنصوص تدل - كما يقول - على أنه لا علم في الدين إلا ما علّمنا الله، وما جاءت به كتبه ورسله، والقياس في الدين علم ليس عن طريق الله، ولم يأذن به، وهو حينئذ من الشيطان لأن الله يقول عن إبليس اللعين: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة] والقائل بالقياس، مفتر على الله بأن دينه لم يكمل والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) ففي نصوص الشريعة الكفاية، لأن أحكام الحوادث فيها متقررة ثابتة ولا حاجة إلى القياس بأي نوع من أنواعه (٣).
ب - أما الطريق الثانية التي سلكها ابن حزم - وهي متكاملة مع الأولى -: فهي أنه أتى بمجموعة من النصوص التي يوردها الجمهور في معرض مفهوم الموافقة
стр. 505
- والقياس - وحاول أن يهدم استدلالهم بأنها - أي تلك النصوص - تعطي أحكامًا عن طريق المفهوم، أو القياس - على حد تعبيره - وأن القول بغير ذلك خروج عن المعقول وعن اللغة. ولم يعتبر ما جاؤوا به حول هذه النصوص حججًا أو شبهًا على الأقل، وإنما اعتبر ذلك - سامحه الله - نوعًا من الشعب والتمويه.
قال في "الإحكام": (وقد شغب أصحاب القول بالقياس بأشياء موّهوا بها. . . فمما شغبوا به آن قالوا: قال الله : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فوجب إذ منع من قول (أُف) للوالدين أن يكون ضربهما، أو قتلهما أيضًا ممنوع لأنهما أولى من قول (أُف) وقال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] قالوا: فوجب أن ما فوق القنطار وما دونه، داخل كل ذلك في حكم القنطار في المنع من أخذه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] قالوا: فعلمنا أن ما فوق الذرة وما دونها يرى أيضًا. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] قالوا: فعلمنا أن ما فوق القنطار والدينار وما دونهما في حكم القنطار والدينار، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] قالوا: فعلمنا أن ما عدا الأكل من اللباس وغيره حرام إذا كان بالباطل، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] قالوا: فعلمنا أن قتلهم لغير الإملاق حرام، كما هو خشية الإملاق.
ومما جاء به ابن حزم عن الجمهور أنهم قالوا: وقول الناس: لا تعطِ فلانًا حبّة، فإنه مفهوم منه أن ما فوق الحبة وما دونها داخل كل ذلك في حكم الحبة، وأنهم قالوا: ومَن ادعى من الآيات السالفة فهمَ ما عدا ما فيها من غيرها: فهو خارج عن المعقول وعن اللغة (١).
الأساس الذي قام عليه مسلك ابن حزم:
وابن حزم في موقفه من مفهوم الموافقة، إنما يعتمد عمومًا على أن ما ترد إليه كل الأحكام المأخوذة من النصوص السابقة، إنما هو نصوص
стр. 506
أُخر، أو إجماع متيقن، أو ضرورة المشاهدة بالحواس والعقل فقط.
ولذلك قال بعد أن حدّد معالم الاتجاه: (فإن لم نجد نصًا ولا إجماعًا ولا ضرورة اقتصرنا على ما جاء به النص ووقفنا حيث وقف ولا مزيد) (١).
ومن هذا المنطلق الذي يرى ابن حزم سلامته، قرّر في آية التأفيف أنه لو لم يرد غير لفظة (أُفٍّ) لما كان فيها تحريم ضربهما، ولا قتلهما، ولما كان فيها إلا تحريم قول (أُفٍّ) ولكن لما قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء] اقتضت هذه الألفاظ الإحسان، والقول الكريم، وخفض الجناح، والذل والرحمة لهما، والمنع من انتهارهما، وأوجبت أن يؤتى إليهما كل بر وكل خير، وكل رفق.
فبهذه الألفاظ والأحاديث الواردة، وجب بِرُّ الوالدين بكل وجه وبكل معنى، والمنع من كل ضرر وعقوق بأي وجه كان، لا بالنهي عن قول: (أُفٍّ).
قال ابن حزم: وبالألفاظ التي ذكرنا وجب ضرورة أن مَن سبّهما أو تبرّم عليهما أو منعهما رِفْدَهُ في أي شيء كان من غير الحرام فلم يحسن إليهما، ولا خفض لهما جناح الذل من الرحمة).
وأراد أبو محمد أن يؤكد المعنى الذي ألحّ عليه - وهو أن حكم السب والإيذاء وما شاكل ذلك إنما جاء من الأمر بالإحسان وما إليه - فقرر أن النهي عن قول (أُفٍّ) لو كان مغنيًا عما سواه من وجوه الأذى: لما كان لذكر الله تعالى في الآية نفسها، مع النهي عن قول: (أُفٍّ)، القولَ عن النَّهرْ، والأمر بالإحسان وخفض الجناح والذل لهما معنى، فلما لم يقتصر تعالى على ذكر الأف وحدَه، بطل قول من ادعى أن بذكر الأف علم ما عداه، وصح ضرورة أن لكل لفظة من الآية معنى غير سائر الفاظها (٢).
стр. 507
ويبلغ أبو محمد المدى في عدم الالتفات إلى ما عند الآخرين، فيحاول - في استدلاله على أن تحريم الضرب والشتم لم يكن من النهي عن قول (أُفٍّ) - أن يقدم ذلك على شكل واقعة قضائية تبدو متفَقًا على نتيجتها في الحكم فيقول: (ومن البرهان الضروري على أن نهي الله تعالى عن أن يقول المرء لوالديه: (أُفٍّ) ليس نهيًا عن الضرب ولا عن القتل، ولا عما عدا الأُف -: أن من حدّث عن إنسان قتل آخر أو ضربه حتى كسر أضلاعه، وقذفه بالحديد وبصق في وجهه فشهد عليه من شهد ذلك كله، فقال الشاهد: إن زيدًا - يعني القاتل أو القاذف أو الضارب - قال لعمرو (أُفٍّ) يعني المقتول أو المضروب أو المقذوف -: لكان بإجماع منا ومنهم - يعني الجمهور - كاذبًا آفكًا شاهد زور مفتريًا مردود الشهادة).
وكان طبيعيًا أن ينتهي ﵀ من هذا العرض إلى القول: (فكيف يريد هؤلاء القوم منا أن نحكم بما يقرُّون أنه كذب؟ فكيف يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب؟ ونحن نعوذ بالله العظيم من أن نقول: إن نهي الله عن قول (أُفٍّ) للوالدين يفهم منه النهي عن الضرب لهما أو القتل أو القذف) (١).
ولقد قال مثل ذلك أو قريبًا منه في جميع النصوص التي أوردها في مدَّعى الجمهور، وكان يتخلل حديثه ما أعرضنا عن ذكره من الكلام الذي يعرفه كل من قرأ كتب الإمام ابن حزم وعرف طريقته في الرد على الآخرين.
موقفنا من مسلك ابن حزم:
١ - قد لا يكون من مقتضيات بحثنا أن نخوض مع الإمام ابن حزم في الاحتجاج للقياس الذي يردُّه ولا يقول به، ولكن جزمه باعتبار مفهوم الموافقة من القياس، ومناقشة نصوص الجمهور من هذه الزاوية: يوجب علينا أن نشير إلى نقطتين لا بد من الإشارة إليهما.
стр. 508
أولاهما: أن ادعاء أبي محمد ﵀ وحدة الموقف مع الظاهرية من جميع الوجوه بالنسبة للقياس أمر فيه نظر (١).
وأن قوله بأن القياس بدعة طوائف من المتأخرين، مع أن فيهم أبا حنيفة والشافعي ومالكًا، فضلًا عما هنالك من نماذج للقياس وقعت قبلهم في عصر الصحابة والتابعين، قول فيه الكثير من الإهمال لمعالم الحقيقة، يجعل ما يستدل به في بعض الأحيان دليلًا لغيره (٢).
الثانية: أن مفهوم الموافقة - في نظرنا - ليس قياسًا بالمعنى الحقيقي للقياس الذي يقوم على الاستنباط والتأمُّل لمعرفة العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه، وقد أشرنا إلى ذلك حين رجحنا رأي الجمهور بأن دلالة مفهوم الموافقة على الحكم دلالة لفظية لا قياسية. وأساس ذلك: أن إدراك المعنى الذي يجمع بين المنطوق والمسكوت عنه، يكون بمجرد معرفة اللغة.
أما تسمية هذا المفهوم من قبل الإمام الشافعي قياسًا: فذلك - فيما نرى - طريق في التسمية قبل تحديد المصطلحات لا يقدم ولا يؤخر. ولعل الداعي إلى ذلك، إنما كان مجرد اشتراك المسكوت عنه مع المنطوق في المعنى الواحد، وإن كان إدراكه في هذه الحال لا يحتاج إلى أكثر من المعرفة باللغة، حتى اشترك في ذلك الفقيه وغير الفقيه. وابن حزم لا يستطيع أن ينكر إمامة الإمام الشافعي في العربية فضلًا عن الفقه والأصول.
قال الزركشي موضحًا هذا المعنى: (واعلم أن هذا النوع البديع - يعني
стр. 509
مفهوم الموافقة - ينظر إليه من ستر رقيق، وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام. . . فإن قيل: فإذا ابتنى الفهم على تخيُّل المعنى: كان بطريق القياس كما صار إليه الشافعي!
قيل: ما يتأخر من نظم الكلام وما يتقدم فهمه على اللفظ، ويقترن به، لا يكون قياسًا حقيقيًا؛ لأن القياس ما يحتاج فيه إلى استنباط وتأمُّل، فإن أطلق القائل بأنه قياس، اسم القياس عليه وأراد ما ذكرناه فلا مضايقة في التسمية) (١).
٢ - أما عن النصوص: فقد يكون من الخير الاكتفاء بوقفات يسيرة مع أبي محمد ﵀ في آية التأفيف.
ولقد رأينا أن ردَّه لاستنباط تحريم الشتم والضرب وما إليهما من قول: (أُفٍّ) كان من عدة نواحي:
الأولى: أن تحريم هذه الأنواع من الإيذاء للوالدين، إنما كان مما نصّت عليه الآية في بدئها بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وفي تتمتها من قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]، ومن نصوص أخرى في الكتاب والسنة.
وأنه لو لم يرد غير لفظة (أُفٍّ) لما كان فيها نفسها تحريم ما ذكرنا من أنواع الإيذاء.
الثانية: النهي عن قول (أُفٍّ) في الآية لم يغن عن النهي عن النهر، والأمر بالإحسان، وخفض الجناح، والذل للوالدين، ولو كان مغنيًا لما كان لذكر هذه الأمور معنى، أما وإنها قد ذكرت: فليقتصر على حدود كلمة (أُفٍّ) إذ صحّ ضرورة أن لكل لفظة من الآية معنًى غير معنى سائر ألفاظها.
стр. 510
الثالثة: أن من شهد على قاتل أو قاذف أو ضارب أن ما صنعه المتهم مع خصمه هو قول: (أُفٍّ) اعتبرت شهادته باطلة عند الجميع. وهذا معناه أن (أُفٍّ) لم تعن القتل والضرب والقذف. . . لا شك في ذلك عند مَن له معرفة بشيء من اللغة - على حد تعبير ابن حزم.
وسنقف مع الإمام أبي محمد وقفة يسيرة عند كل واحدة من هذه النواحي الثلاث.
١ - أما عن الناحية الأولى: فإن من بدهيات العقول وأبسط مدركات اللغة التي بها يتفاهم الناس، ويدركون المعاني المرادة من خطاب بعضهم بعضًا، أن النهي عن التأفيف لا يمكن أن يستساغ معه الضرب أو القتل أو القذف للوالدين، أو غير ذلك من أنواع الإيذاء، والقول بغير ذلك مخالف لتلك البدهيات عند العقل، وأبسط المدركات في اللغة.
ذلك لأن المنع من قول: (أُفٍّ) - كما ذكرنا غيرَ مرة - لم يكن لذات التأفيف وإنما كان لما في هذه الكلمة على قلة حروفها وهي بمعنى التضجر من الإيذاء، والعارف باللغة لا يعوزه أن يفهم بكل سهولة ويسر، أن النهي عن التأفيف إنما قصد منه دفع الأذى عن الوالدين في شتى أنواعه وصوره؛ فالنهي عن الأدنى يعطي النهي عما هو أعلى منه أو يساويه (١).
وهذا المعنى من دفع الأذى، يفهم من المنع من التأفيف لغة دون حاجة إلى رأي واستنباط، كفهم الإيلام من الضرب.
قال عبد العزيز البخاري: (إذا قيل: اضرب فلانًا أو لا تضربه يفهم منه لغة أن المقصود إيصال الألم بهذه الطريق إليه أو منعه عنه، ولهذا لو حلف لا يضربه، فضربه بعد الموت لا يحنث، ولو حلف ليضربنه فلم يضربه، فضربه بعد الموت لم يبر، فكذلك معنى الأذى من التأفيف، ثم تعدى حكم التأفيف - وهو الحرمة - إلى الضرب والشتم بذلك المعنى للتيقن بتعلق
стр. 511
الحرمة به لا بالصورة، حتى إن من لا يعرف هذا اللفظ، أو كان من قوم هذا في لغتهم إكرام لم تثبت الحرمة في حقه، ولما تعلق الحكم بالإيذاء في التأفيف صار في التقدير كأنه قيل: "لا تؤذهما" فتثبت الحرمة عامة) (١).
وهكذا كما فهم من الأمر بالضرب الإيلام بهذه الطريقة، فهم من النهي عن قول: (أُفٍّ) منع الأذى، وثبتت الحرمة على وجه يأخذ صفة العموم.
ثم إن الأمر بالإحسان للوالدين في صدر الآية، ثم النهي عن نهرهما، والأمر بخفض الجناح لهما والدعاء لهما بالرحمة، لا يعني عدم استفادة النهي عن الأذى بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم أدناه وأعلاه.
فقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء] إذا كان يقضي بوجوب الإحسان إلى الوالدين، فهو يحتم برَّهما بكل معنى يشتمل عليه البر، ويمنع بالتالي إلحاق أي ضرر بهما، والسير في أي طريق يؤدي إلى عقوقهما، وإنما استفيد ذلك من طريق المنطوق، بعد أن أخذ المنع من التأفيف بطريق المفهوم.
وإذا كنا في معرض المعرفة لأحكام معاملة الولد لوالديه؛ فإن استفادة تحريم الإيذاء لهما، وبذل الجهد للحفاظ على كرامتهما وحرمتهما إذا جاءت من طريقَيْ المفهوم والمنطوق: يكون فيها مزيد من الإشارة بخطر هذه الحقوق لمخلوقَين كانا سبب وجود الولد في هذه الحياة.
والعناية بتأكيد الأحكام، وتقريرها في الأذهان في عدد من المواطن، وبأساليب شتى من الكلام، معروف من طريقة القرآن الكريم الذي أنزله الله هدًى ونورًا لعباده، كما هو معروف من طريق السنّة النبوية المبينة عن الله ما أراد في قرآنه المجيد.
ب - أما عن الناحية الثانية: وهي أنه لو أغنى النهي عن التأفيف عن النهي عما سواه من وجوه الأذى، لما كان للنهي عن النهر والأمر بالإحسان
стр. 512
وخفض الجناح والذل لهما معنى: فإن ذلك تناول للمسألة من وجه آخر أقحمه ابن حزم ﵀، ذلك الوجه هو كون اللفظ مغنيًا عن ذكر غيره أو غير مغني.
فالجمهور لم يقولوا: إن النهي عن التأفيف مغنٍ عما عداه، وإنما قالوا: إنه يدل بمفهومه على المنع مما عداه من أنواع الإيذاء.
أما كونه مغنيًا أو غير مغنٍ: فشيء آخر.
على أن هذا النهي في الواقع، لا يغني عما عداه لأنه نهي إجمالي، وما ذكر بعده تفصيل لما يجب للوالدين من حقوق.
والإجمال في مثل هذا المقام لا يغني عن التفصيل.
وبذلك يتضح أن قول ابن حزم تفريعًا على ما تقدم: (فلما لم يقتصر تعالى على ذكر (الأُف) وحده بطل قول مَن ادعى أن بذكر الأُف علم ما عداه. .) غير ذي موضوع (١).
ج - أما عن الناحية الثالثة التي قدّم فيها برهانه على شكل واقعة قضائية: فإنه يلزم فيها الجمهور بما لم يلتزموه.
فالجمهور لم يقولوا: التأفيف يشمل بوضع اللغة القتل والضرب والقذف ونحوها من أنواع الإيذاء التي اشتملت عليها الواقعة، حتى يرد عليهم ما ذكره من قضية الشهادة، لأن الشاهد شهد بغير الذي حصل، وإنما قالوا - كما هو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار -: بأن النهي عن التأفيف يستلزم المنع من القتل، والضرب، والقذف وغيرها من أنواع الأذى، لتحقق المعنى الذي هو مناط النهي فيها، وشتان بين الأمرين.
وإذا كان ابن حزم قد بنى برهانه في هذه الناحية، على اتهام الجمهور بالقول: إن التأفيف يشمل تلك الأنواع من الأذى وضعًا، - وهم لا يقولون بذلك -: أصبح من المجافاة للصواب الحكم على مخالفيه بالرأي، أنهم
стр. 513
يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب؛ فهم لم ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بأن التأفيف يتناول الضرب وغيره، وإنما فهموا أن نهيه عن التأفيف يستلزم النهي عن الإيذاء، أيًا كان ذلك الإيذاء.
هذا: ولعل في الكلام عن هذه الآية الكريمة غناء عن الوقوف مع ابن حزم في كل جزئية من الجزئيات التي أوردها حول الموضوع، فالمحور واحد وألوان الهجوم والرد متشابهة.
الرأي الذي نرتضيه:
والذي نراه أن القول بمفهوم الموافقة (دلالة النص) سواء اعتبر قياسًا جليًا أو لم يعتبر، هو من مفاخر هذه الشريعة في تفسير النصوص واستنباط ما يمكن أن تدل عليه من أحكام في غير المنطوق.
وهذا يدل بلا ريب: على أن علماءنا قد أوتوا من الإدراك لأسرار هذه الشريعة، ومدلول الخطاب في لغتها، ما جعلهم ينطلقون من حدود اللفظ المجرد، إلى ما يمكن أن يفهم منه بروحه وفحواه عن طريق الذوق الفقهي السليم، في حدود اللغة التي نزل بها الكتاب الكريم، وفي ذلك ما فيه من دفع الحرج والإسهام في إعطاء أحكام لما قد يجدُّ من حوادث - في ظل المجتمع الإسلامي - لا تتناهى مع الزمن.
بل إن الحنفية اعتبروا هذه الطريق من الدلالة، دلالة بظاهر اللفظ، شأنها شأن العبارة والإشارة. . .
وإن أعلام القانون اليوم - نتيجة للتطور الحقوقي - يرون في مفهوم الموافقة - كما سيأتي - طريقًا بيِّنة من طرق تفسير النصوص.
فاتجاه الجمهور الذي تنكَّبه ابن حزم، هو المتساوق مع طبيعة لغتنا، وما كان يدركه العربي من الخطاب. وإن من الخروج على أساليب لغة التنزيل في التعبير عن مدلولاتها: نفيَ هذه الطريق في الدلالة وعدم اعتبارها سبيلًا يفيد الحكم في المسكوت عنه مما وراء الألفاظ.
فالعرب إنما وضعوا هذه الألفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل المسكوت، واعتبروها أفصح من التصريح بالحكم في محل المسكوت. .
стр. 514
قال الآمدي في "الإحكام": (ولهذا فإنهم - يعني العرب - إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقًا للآخر قالوا: "هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس" وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم: "هذا الفرس سابق لهذا الفرس"، وكذلك إذا قالوا: "فلان يأسف لشم رائحة مطبخه" فإنه أفصح عندهم وأبلغ من قولهم: "فلان لا يُطعم ولا يسقي") (١).
وحسبنا أن نقرر أنه لو قال والد لولده: لا تعط زيدًا حبة، ولا تقل له أُف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه، فإن الذي يتبادر إلى الفهم عند كل عارف باللغة امتناع إعطاء ما فوق الحبة وامتناع الشتم والضرب، وامتناع الظلم بالدينار وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره.
ولو حلف إنسان لا يأكل لفلان لقمة ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك موجبًا لامتناعه من أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف، وشرب ما زاد على الجرعة. . . ونظائر ذلك كثيرة (٢).
وأصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وهم أهل اللسان والفاهمون في ظل البيان فهموا - كما يقول الآمدي - من قول النبي ﷺ في شأن اللقطة: "إعرف وكاءها وعِفاصها" (٣) حفظ ما التقط من الدنانير
стр. 515
لا حفظ الوكاء والعفاص فحسب (١).
بل لقد روي عن بعض الصحابة استخدام هذا المفهوم، للدلالة على الحكم في أوسع مما ذكرناه.
فقد أخرج الترمذي في الجامع الصحيح أن أبا سعيد الخدري (٢) قرأ قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] وقال: هذا نبيكم ﷺ يوحى إليه وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم (٣)؟ وواضح أن قوله: "فكيف بكم اليوم"، يعطي الكثير مما نريد.
وهكذا تتبين سلامة ما ذهب إليه الجمهور، فلقد سلكوا الجادة ولم يتنكبوا طريق الصواب.
ورحم الله الإمام الظاهري لقد خاف من القول بمفهوم الموافقة الوقوع في القول بالقياس - وهو على رأس نفاته من الظاهرية بعد داود - الظاهري الذي كان يقول به، مع أن هذا الطريق من طرق الدلالة على الحكم قال به - كما ذكرنا من قبل - الإمامية هم من نفاة القياس، حيث يرفضونه ولا يرون الاحتجاج به، إذ ليس مفهوم الموافقة الذي جعله الإمام الشافعي ﵀ من القياس الجلي قياسًا عندهم.
على أنا بعد ذلك كله: معاذ الله أن نعتقد أن أبا محمد قد أُتي من قبل اللغة نفسها - وهو من هو معرفة بها وقدرة مشهودة في التعبير - ولكن مردَّ
стр. 516
الأمر إلى حس مرهف نحو القياس، ناشئ عن المبالغة في التمسك بالظاهر. ومفهومُ الموافقة في نظره كما أسلفنا واحد من أفراد القياس، فكان ما كان من مجافاة اللغة في هذه المسألة (١).
على أن القياس بأنواعه التي ذكرها العلماء، وفي الحدود التي وضعوها لضبطه وسلامة الأخذ به: لا يمكن أن يكون خروجًا عن النص أو حكمًا بغير ما أنزل الله.
ولقد نتج عن تشدُّد ابن حزم في التمسك بالظاهر: أنه لم يكتفِ بإغلاق بابه دون القياس، بل أغلقه بإحكام مُتَكلَّفٍ دون مفهوم الموافقة أيضًا، مع أن إدراك الحكم عن طريقة لا يحتاج إلى رأي واجتهاد.
ولنترك الكلام مع أبي محمد مكتفين بما ذكرنا في صدر حديثنا عن مفهوم الموافقة (دلالة النص) عند الحنفية والمتكلمين، وبقدر من المناقشة له في آية التأفيف، لنقرر أن ادعاء خروج القائلين بمفهوم الموافقة عن حدود المعقول والشريعة واللغة، ادعاء أعوزته سلامة الاحتجاج حتى كاد يصبح دعوى بلا دليل.
стр. 517
ولهذا رأينا إمامًا كأبي بكر الباقلاني لم يقم وزنًا لإنكار مفهوم الموافقة وقال: (القول بمفهوم الموافقة من حيث الجملة مجمع عليه).
وقال ابن رشد: (لا ينبغي للظاهرية أن يخالفوا في مفهوم الموافقة لأنه من باب السمع، والذي ردّ ذلك يردُّ نوعًا من الخطاب).
واعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية مخالفة ابن حزم للجمهور في هذه القضية: مكابرة (١).
وعلى هدي هذا المسلك، من اعتبار مفهوم الموافقة طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام، عُني الباحثون بعلوم القرآن بإبرازه وتقديمه. حتى رأينا إمامًا كالزركشي من رجال المائة الثامنة للهجرة يفرده بفصل خاص من باب معرفة أحكام القرآن. وإن كان أتى به تحت اسم تنبيه الخطاب.
وقد بيّن ﵀ أن تنبيه الخطاب يأتي في الطلب، كما يأتي في الخبر، وأوضح ما يريد بعدد من الأمثلة التي تزيح الغشاوة وتنير السبيل (٢).
стр. 518
وهذا يدل مرة أخرى على عظيم اعتبار العلماء لهذا المسلك من مالك الاستنباط، ومقدار تقويمهم لمقاييس العربية التي بها نزلت شريعة الإسلام. فالباب الذي جاء الكلام تحته عند الزركشي هو من أهم أبواب كتابه "البرهان" لأن محتواه معرفة أحكام القرآن الذي هو كتاب الشريعة الأول والمصدر الذي مآل كل المصادر إليه.
* * *
стр. 519
المبحث الثالث موقف العلماء من مفهوم المخالفة بوجه عام (١)
تمهيد:
من المعلوم أن مفهوم المخالفة - كما مر - هو (دلالة اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق، وذلك لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في هذا الحكم).
ولقد كان للعلماء في ذلك مسلكان أساسيان نعرض لهما فيما يلي:
المسلك الأول:
أما المسلك الأول: فهو الذي يعتبر مفهوم المخالفة حجة في الشريعة وطريقًا من طرق الدلالة على الحكم في نصوص الكتاب والسنّة.
فالألفاظ كما تدل بمنطوقها ومفهومها الموافق: تدل أيضًا بمفهومها المخالف (١).
فمفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، يلتقيان في أن مستند فهم الحكم في محل السكوت، إنما هو النظر إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره، سواء أكان من قبيل مفهوم الموافقة، أم من قبيل مفهوم المخالفة.
стр. 520
ولا يؤثر في ذلك أن يفترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم الموافقة: تأكيدُ (مثل) حكم المنطوق في محل المسكوت عنه.
وأن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم المخالفة: إنما هي تأكيد (نفيِ مثلِ) حكم المنطوق في محل المسكوت عنه (١).
وعلى هذا: فإذا كان الكلام مقيدًا بقيد، ودلّ النص بمنطوقه على حكم: دلّ بمفهومه المخالف على نقيض الحكم؛ لانتفاء القيد الذي من أجله كان ذلك الحكم.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة].
فإن قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يدل بمنطوقه على أن ما ذبح مقترنًا باسم غير الله تعالى؛ كمخلوق أو صنم، ونحوه: حرام.
ويدل بمفهومه المخالف، على أن ما ذبح، ولم يذكر فيه اسم غير الله: فهو حلال.
وأصحاب هذا الاتجاه هم الجمهور (٢).
стр. 521
المسلك الثاني:
والمسلك الثاني: هو الذي لا يعتبر مفهوم المخالفة حجة في الشريعة، ولا يراه طريقًا من طرق الدلالة على الحكم في نصوص الكتاب والسنّة.
فالنصوص تدل بمنطوق ألفاظها في محل النطق. وتدل بمفهومها الموافق في محل السكوت، وليس لها مفهوم مخالف تدل به على الأحكام.
وإذا انتفى حكم المنطوق عن المسكوت في نص من النصوص، فذلك لدليل آخر، كالعدم الأصلي أو البراءة الأصلية. وذلك كانتفاء وجوب الزكاة عن الغنم المعلوفة، وانتفاء حل التزوج بالأمة غيرِ المؤمنة.
فانتفاء وجوب الزكاة عن الغنم المعلوفة: ليس مستفادًا من تقييد وجوب الزكاة في الغنم بكونها سائمة في قول النبي ﷺ : "وفي سائمة الغنم من كل أربعين شاة شاة" (١) وإنما هو مستفاد من العدم الأصلي إذ الأصل عدم وجوب الزكاة، وقد ورد النص بوجوبها في الموصوفة بالسوم (السائمة) فيبقى ما عداها على العدم الأصلي وهو انتفاء الوجوب.
وكذلك انتفاء حل الزواج بالأمة غير المؤمنة: ليس مستفادًا من تقييد حل الزواج، بأن تكون الأمة مؤمنة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٠].
ولكنه مستفاد من الأصل: إذ الأصل هو الحرمة، وقد ورد النص بالحل في شأن الفتيات المؤمنات، فيبقى ما عداهن على العدم الأصلي وهو الحرمة.
стр. 522
وأصحاب هذا المسلك هم الحنفية (١) الذين يسمون مفهوم المخالفة: "المخصوص بالذكر". قال أبو بكر الجصاص في "أصوله": (ومذهب أصحابنا أن المخصوص بالذكر حكمُه مقصور عليه، ولا دلالة فيه على أن حكم ما عداه بخلافه) (٢).
وحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "شرح اللُّمع" عن القفال الشاشي وأبي حامد المروزي (٣).
واختلف النقل عن الأشعري: فنسب إليه القول بمفهوم المخالفة، كما نسب إليه عدم القول به (٤).
موقف ابن حزم:
ومن الطبيعي أن يكون ابن حزم من أهل هذا الاتجاه؛ فهو لم يقل بمفهوم الموافقة حتى يقول بالآخر، فإذا كان لم يرتضِ القول بإعطاء حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة أو الأولوية، خشية الوقوع في القياس، فهو بنفي مفهوم المخالفة أولى وأحرى.
ولقد كان هجومه في "الإحكام" و "النُّبَذ" و "مُلَخَّص إبطال القياس. ." و "المحلَّى" على المفاهيم جملة. وسمّى في بعض المواطن كلًا من مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة "دليل الخطاب" (٥).
وهكذا يكون ابن حزم في موقفه من مفهوم الموافقة مخالفًا للجمهور،
стр. 523
ولكنه في مفهوم المخالفة يلتقي مع الحنفية، وفريق من المتكلمين الذين ينكرون حجية هذا المفهوم، أو بعض أنواعه.
* * *
المطلب الأول أدلة القول بمفهوم المخالفة وشروطه
اولًا - من أدلة القول بمفهوم المخالفة:
لقد استدلّ الجمهور على ما ذهبوا إليه من اعتبار هذا المفهوم طريقًا من طرق الدلالة على الحكم بالنص والمعقول.
١ - أما النص:
أ - فقالوا: إن حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه في صدقة الغنم بإثبات وصف السوم وذلك قوله: "وفي صدقة الغنم في سائمتها. . ." أثبتَ بمنطوقه الزكاة في السائمة التي ترعى في الكلأ المباح، ونفاها عن غير السائمة. وإذن: فلا زكاة في المعلوفة: وهذا الحكم يثبت من طريق "مفهوم المخالفة".
وقد أخذ بهذا الحكم جمهور الفقهاء، ومنهم الحنفية، حيث لم يخالف في ذلك إلا مالك والليث بن سعد (١) اللذين قررا أن المعلوفة تجب فيها الزكاة (٢).
стр. 524
ب - وقالوا أيضًا: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] دلّ بمنطوقه - كما هو إجماع الفقهاء - أن الأمة لا يصح زواج الرجل منها إذا كانت هنالك حرة في عصمته.
واعتبر الفقهاء إباحة الأمة مشروطة بعدم القدرة على الحرة، أخذًا من الآية الكريمة (١)، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا من طريق مفهوم المخالفة.
ولولا الأخذُ بمفهوم المخالفة في الآية، ونفي الحكم للمسكوت بانتفاء القيد، لكان زواج الأمة مباحًا لمن تكون في عصمته حرة، باعتبار أنه لا يقوم بها سبب من أسباب التحريم بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعد أن ذكر المحرمات من النساء.
٢ - وأما المعقول:
فقالوا: إن الذي يتفق مع المنطق البياني السليم: أن القيد من وصف، أو شرط، أو غاية. . إلخ لا يمكن أن يوجد عبثًا، وإنما يكون ذكره لسبب، فإذا لم يكن هنالك مقاصد بيانية أخرى من وراء ذكر القيد - من ترغيب، أو ترهيب، أو نحوهما - ولم يقم دليل خاص على حكم المسكوت غير أخذه من التقييد - كما سيأتي في شروط الأخذ بهذا المفهوم - كان لا بد من الأخذ بهذا الطريق من طرق الدلالة.
فإذا كان الحِلُّ مقيَّدًا بقيدٍ ما: فالتحريم يكون عند تخلف هذا القيد، وإذا كانت الحرمة مقيدة بقيد ما: فالحكم بالحل يكون إذا تخلّف ذلك القيد. والعدول عن ذلك معناه ادعاء أن ذكر القيد في نصوص الكتاب والسنّة كان عبثًا بلا فائدة، والعبث لا يمكن صدوره من الشارع الحكيم. وقد وقع الأخذ به من الصحابة وأعلام اللغة (٢).
стр. 525
ثانيًا - من شروط الأخذ بمفهوم المخالفة (١):
لمفهوم المخالفة بأنواعه شروط اتفق عليها الآخذون به؛ فإذا توافرت اعتبروه طريقًا للدلالة على الحكم، وإذا لم تتوافر بأن تخلفت كلها، أو واحد منها، لم يتحقق مفهوم المخالفة عندهم من أصله، وهي شروط - كما سنرى - تحلُّ كثيرًا من العقد، وتمهد الطريق لتقارب مسالك الأئمة في شأن الأخذ بهذا المفهوم إلى حد بعيد.
ومن أهم هذه الشروط ما يلي:
الشرط الأول: ألّا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكمًا - وهو ضد حكم المنطوق - دليل خاص يدل على حكمه، فإن وجد هذا الدليل الخاص: فهو طريق الحكم، لا مفهوم المخالفة.
وفي نصوص الكتاب والسنّة العديد من النماذج التي كان للمسكوت فيها دليل خاص، فلم يؤخذ فيها بمفهوم المخالفة، وإنما أخذ للمسكوت ضد حكم المنطوق؛ من ذلك الدليل الخاص.
من ذلك ما يلي:
أ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة].
فمفهوم المخالفة في هذا النص: ألَّا يُقْتَل الذكَر بالأنثى، فلا يكون قصاص بينهما. ولكن العلماء اعتبروا أن مفهوم المخالفة لم يتحقق؛ لأن القصاص بين الرجل والأنثى، وجد فيه نص خاص يدل على وجوبه، وهو ما جاء في سورة المائدة من قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
стр. 526
بِالنَّفْسِ﴾ فهذا حديث عن التوراة، وأن الله فرض فيها على بني إسرائيل عقوبة قتل النفس، وذلك شرع لنا، لأن القرآن قرَّره ولم يرد ناسخ (١) بل هنالك ما يدل على تثبيته والأخذ به. وحصل الإجماع على أن الذكَر يقتل بالأنثى، ولم يؤخذ بمفهوم المخالفة.
ب - وقال جلّ وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء].
فإن تقييد قصر الصلاة بالخوف، يدل بمفهومه المخالف على عدم جواز القصر في حالة الأمن.
ولكن مفهوم المخالفة لم يتحقق؛ لأن نصًّا خاصًّا قد دلّ على هذا الحكم في المسكوت عنه، وهو جواز القصر في حالة الأمن.
فقد ورد "أن يعلى بن أمية (٢) توقف في هذه الآية فسأل عمر بن الخطاب ﵁: كيف نقصر وقد أمنا؟ والله يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقال عمر: عجبت مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٣) فدلّ هذا الحديث الذي ورد في جواب عمر ليعلى بن أمية أن شرط الخوف لم يرد للتقييد؛ فجواز قصر الصلاة من أربع إلى اثنتين في حالة الأمن قائم، وأنه صدقة من الله تصدّق بها على عباده، تخفيفًا، ودفعًا للحرج عنهم.
стр. 527
وهكذا وجد الدليل الخاص الذي دلّ على حكم المسكوت - وهو قصر الصلاة في حالة الأمن - فلم يعمل بمفهوم المخالفة.
الشرط الثاني: ألّا يكون للقيد الذي قُيِّد به النص، فائدةٌ أخرى، غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت؛ وذلك كالترغيب، أو الترهيب، أو التنفير من واقع، أو التفخيم له، وتأكيد الحال، أو الامتنان. . . إلخ، أو غير ذلك مما يشعر أن الحكم ليس مرتبطًا بهذا القيد، وأن التقييد إنما كان لغرض آخر.
وبيان ذلك فيما يلي:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠].
فلو أخذنا بمفهوم المخالفة: لكان الربا الخالي عن المضاعفة غير حرام.
ولكن مفهوم المخالفة غير متحقق هنا، ولا يؤخذ به؛ لأن وصف الربا بالأضعاف المضاعفة في الآية، جاء للتنفير مما كانوا عليه في الجاهلية من الزيادة على رأس المال، ومضاعفة هذه الزيادة سنة بعد أخرى (١) الأمر الذي يؤدي إلى استئصال مال الغريم، وهتك ستره وإحداث الفوارق الظالمة في المجتمع، وقد قام الدليل على أن وصف المضاعفة هو للتنفير من الواقع الذي كانوا عليه، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة].
وهكذا لم يدل التقييد بوصف المضاعفة على إباحة الربا؛ لأن هذا الوصف لم يكن لإثبات خلاف التحريم عند انتفائه، وإنما كان للتنفير والتشنيع على مَن يأتي هذا النوع من التعامل الذي كان واقعًا يسود المجتمع الجاهلي.
стр. 528
ب - وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] فتقييد اللحم بكونه طريًا، لا يمنع أكل ما ليس بطري؛ لأن الوصف إنما قُصد به امتنان الله على عباده بهذه النعمة.
ج - وجاء في الحديث الشريف قول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحُدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج" (١).
فإن التقييد بوصف المرأة بالإيمان بالله واليوم الآخر في هذا النص: إنما قصد منه التفخيم وتأكيد الحال للحث على امتثال ما يأمر به الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، إذ الإيمان بالله واليوم الآخر مدعاة لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وعلى هذا لا يتحقق المفهوم المخالف هنا، ليستدل به على إباحة إحداد المرأة على غير زوجها أكثر من المدة المذكورة في الحديث، إذا كانت لا تؤمن بالله واليوم الآخر.
الشرط الثالث: أن يكون الكلام الذي ذُكر فيه القيد مستقلًا، فلو ذُكر على وجه التبعية لشيء آخر، فلا مفهوم له (٢).
وذلك كقوله تعالى في شأن مباشرة النساء: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فإن تقييد الاعتكاف بكونه في المساجد لا يتحقق فيه مفهوم المخالفة، فيكون الاعتكاف بغير المسجد غير مانع من المباشرة؛ لأن الاعتكاف واقعيًا لا يكون إلا في المسجد، فامتنع أن يكون لهذا التقييد أيُّ مفهوم (٣).
стр. 529
الشرط الرابع: ألّا يكون ذكر القيد في النص قد خرج مخرج الغالب (١).
أ - وذلك كما في قوله تعالى حين جاء على ذكر المحرمات من النساء [الآية: ٢٣]: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾.
فإن الغالب كون الربائب في حجور أزواج أُمهاتهن؛ فقيّد به لذلك، لا لأن حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافه، فيكون الزواج بهن حلالًا؛ فذكر ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ تأكيد للوصف لا شرط للحكم، إذ من المجمع عليه أن زواج الرجل بربيبته من زوجته المدخول بها حرام، لم يخرج عن ذلك إلا ابن حزم ومَن معه من الظاهرية سيرًا مع ما يرونه الظاهر (٢).
وذلك قول ابن العربي: (وهي - يعني الربيبة - محرّمة بإجماع الأمة سواء كانت في حجر الرجل أو في حجر حاضنتها غير أمها، وتبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ تأكيد للوصف وليس بشرط في الحكم) (٣).
ب - ومثله قول الله جلّ وعلا في معرض الطلاق في مقابل عوض: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤).
وذلك أن الخلع إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بما أمر الله، فتفتدي الزوجة نفسها بمال تعطيه الزوج نظير تطليقها.
فلا يؤخذ من النص عن طريق مفهوم المخالفة: أنه لا يجوز الخلع عند عدم الخوف. جاء في "فتح القدير" لابن الهمام: (وهذا الشرط - يعني ما جاء في الآية - خرج مخرج الغالب إذ الباعث على الاختلاع غالبًا ذلك،
стр. 530
لا أنه شرط معتبر المفهوم وهو مشاقَّتها) ثم ذكر بالتضعيف رأي القدوري في اعتبار المشاقة شرطًا لإباحة أن تأخذ المخالعة المال. وقد أورد صاحب "العناية" كلام القدوري وقال: (وفيه تأمُّل) (١).
وهكذا ذهب الأكثرون إلى أن الخلع جائز في مثل هذه الحال (٢).
* * *
المطلب الثاني أدلة نفي مفهوم المخالفة ومجاله
١ - يرى الحنفية - كما أسلفنا - أن انتفاء حكم المنطوق عن المسكوت في نصّ من النصوص: مردُّه العدم الأصلي أو البراءة الأصلية في حل أو حرمة، وأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنّة لا تعطي ما يدل على الأخذ بمفهوم المخالفة، بل هي واردة بما يدل على فساد سلوك هذه السبيل في اعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام.
أ - من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا