← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بِالنَّفْسِ﴾ فهذا حديث عن التوراة، وأن الله فرض فيها على بني إسرائيل عقوبة قتل النفس، وذلك شرع لنا، لأن القرآن قرَّره ولم يرد ناسخ (١) بل هنالك ما يدل على تثبيته والأخذ به. وحصل الإجماع على أن الذكَر يقتل بالأنثى، ولم يؤخذ بمفهوم المخالفة. ب - وقال جلّ وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء]. فإن تقييد قصر الصلاة بالخوف، يدل بمفهومه المخالف على عدم جواز القصر في حالة الأمن. ولكن مفهوم المخالفة لم يتحقق؛ لأن نصًّا خاصًّا قد دلّ على هذا الحكم في المسكوت عنه، وهو جواز القصر في حالة الأمن. فقد ورد "أن يعلى بن أمية (٢) توقف في هذه الآية فسأل عمر بن الخطاب ﵁: كيف نقصر وقد أمنا؟ والله يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقال عمر: عجبت مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٣) فدلّ هذا الحديث الذي ورد في جواب عمر ليعلى بن أمية أن شرط الخوف لم يرد للتقييد؛ فجواز قصر الصلاة من أربع إلى اثنتين في حالة الأمن قائم، وأنه صدقة من الله تصدّق بها على عباده، تخفيفًا، ودفعًا للحرج عنهم.

стр. 527

وهكذا وجد الدليل الخاص الذي دلّ على حكم المسكوت - وهو قصر الصلاة في حالة الأمن - فلم يعمل بمفهوم المخالفة. الشرط الثاني: ألّا يكون للقيد الذي قُيِّد به النص، فائدةٌ أخرى، غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت؛ وذلك كالترغيب، أو الترهيب، أو التنفير من واقع، أو التفخيم له، وتأكيد الحال، أو الامتنان. . . إلخ، أو غير ذلك مما يشعر أن الحكم ليس مرتبطًا بهذا القيد، وأن التقييد إنما كان لغرض آخر. وبيان ذلك فيما يلي: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. فلو أخذنا بمفهوم المخالفة: لكان الربا الخالي عن المضاعفة غير حرام. ولكن مفهوم المخالفة غير متحقق هنا، ولا يؤخذ به؛ لأن وصف الربا بالأضعاف المضاعفة في الآية، جاء للتنفير مما كانوا عليه في الجاهلية من الزيادة على رأس المال، ومضاعفة هذه الزيادة سنة بعد أخرى (١) الأمر الذي يؤدي إلى استئصال مال الغريم، وهتك ستره وإحداث الفوارق الظالمة في المجتمع، وقد قام الدليل على أن وصف المضاعفة هو للتنفير من الواقع الذي كانوا عليه، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة]. وهكذا لم يدل التقييد بوصف المضاعفة على إباحة الربا؛ لأن هذا الوصف لم يكن لإثبات خلاف التحريم عند انتفائه، وإنما كان للتنفير والتشنيع على مَن يأتي هذا النوع من التعامل الذي كان واقعًا يسود المجتمع الجاهلي.

стр. 528

ب - وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] فتقييد اللحم بكونه طريًا، لا يمنع أكل ما ليس بطري؛ لأن الوصف إنما قُصد به امتنان الله على عباده بهذه النعمة. ج - وجاء في الحديث الشريف قول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحُدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج" (١). فإن التقييد بوصف المرأة بالإيمان بالله واليوم الآخر في هذا النص: إنما قصد منه التفخيم وتأكيد الحال للحث على امتثال ما يأمر به الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، إذ الإيمان بالله واليوم الآخر مدعاة لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وعلى هذا لا يتحقق المفهوم المخالف هنا، ليستدل به على إباحة إحداد المرأة على غير زوجها أكثر من المدة المذكورة في الحديث، إذا كانت لا تؤمن بالله واليوم الآخر. الشرط الثالث: أن يكون الكلام الذي ذُكر فيه القيد مستقلًا، فلو ذُكر على وجه التبعية لشيء آخر، فلا مفهوم له (٢). وذلك كقوله تعالى في شأن مباشرة النساء: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإن تقييد الاعتكاف بكونه في المساجد لا يتحقق فيه مفهوم المخالفة، فيكون الاعتكاف بغير المسجد غير مانع من المباشرة؛ لأن الاعتكاف واقعيًا لا يكون إلا في المسجد، فامتنع أن يكون لهذا التقييد أيُّ مفهوم (٣).

стр. 529

الشرط الرابع: ألّا يكون ذكر القيد في النص قد خرج مخرج الغالب (١). أ - وذلك كما في قوله تعالى حين جاء على ذكر المحرمات من النساء [الآية: ٢٣]: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. فإن الغالب كون الربائب في حجور أزواج أُمهاتهن؛ فقيّد به لذلك، لا لأن حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافه، فيكون الزواج بهن حلالًا؛ فذكر ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ تأكيد للوصف لا شرط للحكم، إذ من المجمع عليه أن زواج الرجل بربيبته من زوجته المدخول بها حرام، لم يخرج عن ذلك إلا ابن حزم ومَن معه من الظاهرية سيرًا مع ما يرونه الظاهر (٢). وذلك قول ابن العربي: (وهي - يعني الربيبة - محرّمة بإجماع الأمة سواء كانت في حجر الرجل أو في حجر حاضنتها غير أمها، وتبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ تأكيد للوصف وليس بشرط في الحكم) (٣). ب - ومثله قول الله جلّ وعلا في معرض الطلاق في مقابل عوض: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤). وذلك أن الخلع إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بما أمر الله، فتفتدي الزوجة نفسها بمال تعطيه الزوج نظير تطليقها. فلا يؤخذ من النص عن طريق مفهوم المخالفة: أنه لا يجوز الخلع عند عدم الخوف. جاء في "فتح القدير" لابن الهمام: (وهذا الشرط - يعني ما جاء في الآية - خرج مخرج الغالب إذ الباعث على الاختلاع غالبًا ذلك،

стр. 530

لا أنه شرط معتبر المفهوم وهو مشاقَّتها) ثم ذكر بالتضعيف رأي القدوري في اعتبار المشاقة شرطًا لإباحة أن تأخذ المخالعة المال. وقد أورد صاحب "العناية" كلام القدوري وقال: (وفيه تأمُّل) (١). وهكذا ذهب الأكثرون إلى أن الخلع جائز في مثل هذه الحال (٢). * * * المطلب الثاني أدلة نفي مفهوم المخالفة ومجاله ١ - يرى الحنفية - كما أسلفنا - أن انتفاء حكم المنطوق عن المسكوت في نصّ من النصوص: مردُّه العدم الأصلي أو البراءة الأصلية في حل أو حرمة، وأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنّة لا تعطي ما يدل على الأخذ بمفهوم المخالفة، بل هي واردة بما يدل على فساد سلوك هذه السبيل في اعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام. أ - من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا

стр. 531

فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة]. أفاد هذا النص بمنطوقه أن الظلم حرام في حِقبة زمنية مداها هذه الأشهر الأربعة من السنة، وهي الأشهر الحرم. ولو أخذ بمفهوم المخالفة، لثبت عدم النهي عن الظلم في غير هذه الأشهر الأربعة، ولكان مؤدَّى ذلك: أن الظلم حرامٌ فيها فقط، مباح فيما عداها من سائر أشهر السنة، وهذا خارج عن قواعد الشريعة وأحكامها ولم يقل به أحد، فالظلم حرام في كل الأوقات، كما تدل على ذلك نصوص الكتاب والسنّة (١). ب - ومن ذلك أيضًا قول الله جلّ وعلا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف]. فالنهي عن أن يقول: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ مقيّد بقيد زمني، هو أن يكون الفعل في الغد. فالآية تدل بمنطوقها على أن النهي مقيد بأن يكون الفعل في الغد، وتفيد بالمفهوم المخالف أن ما يفعله بعد يومين أو ثلاثة، غير منهي عن القول فيه: إني فاعل ذلك إذا لم يقل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ مع أن النهي عن ذلك ثابت في كل الأوقات. وهكذا يؤدي بنا الأخذ بمفهوم المخالفة في هذه الآية، إلى أن يكون

стр. 532

مباحًا للشخص أن يقول: إني فاعل ذلك بعد سنة أو سنين مثلًا دون أن يقيد هذا الكلام بقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وهذا يتنافى مع العبودية للّه. وهكذا نرى فيما تقدم، أن الأخذ بمفهوم المخالفة، أدى إلى معنًى فاسد، يتناقض مع قواعد الشريعة ومقرراتها. وإذا كان الأمر كذلك: فهذا دليل على أن أسلوب القرآن والحديث لا يتَّسع لفهم الأحكام من النصوص بهذه الطريقة التي تعطي حكم المنطوق للمسكوت، لانتفاء قيد قيَّد به المنطوق. فهي لا تصلح أن تكون طريقًا من طرق دلالة الألفاظ على الأحكام في نصوص الكتاب والسنّة. ٢ - ومما استدل به نفاة مفهوم المخالفة أيضًا: أن القيود في كثير من الأحيان لا تذكر لبيان أن وجود الحكم مرتبط بالقيد، بل تذكر للترغيب أو الترهيب أو بيان الواقع. وأتوا بأمثلة أورد بعضها القائلون بمفهوم المخالفة عند ذكرهم للشروط الواجب توافرها للأخذ بهذا المفهوم، كما سلف (١). ومن ذلك ما يلي: أ - قال الله تعالى في شأن المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٢). قالوا: قد اشتمل هذا القسم من آية المحرمات على قيدين: الأول: وصف الربائب بكونهن في حجور الأزواج. الثاني: وصف أم الربيبة بكونها مدخولًا بها من الزوج.

стр. 533

ولا شك أن القيد الثاني لو تخلف لكان الحِلُّ، ولكن القرآن كشف عن الحكم، ولم يترك مجالًا للأخذ بمفهوم المخالفة حيث تنتفي الحرمة بانتفاء ذلك القيد، بل بيّن الحِلَّ بقوله جلّ وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فجاء النص مفسِّرًا ومبينًا الحكم في حالتَيْ كون أم الربيبة مدخولًا بها، أو غير مدخول. أما القيد الأول: فلو أخذ بمفهوم المخالفة عند تخلُّفه، بأن لم تكن الربيبة في حجر الزوج، لحكمنا بالحل. ولم يقل بذلك أحد من سلف أو خلف، إلا ما كان من ابن حزم ومَن معه من أهل الظاهر، كما سبق، فقد شرطوا للتحريم أن تكون الربيبة في حجر من تزوج بأمها، فإذا لم تكن في حجره وفارق أمها ولو بعد الدخول كانت له حلالًا (١). ووصف الربائب بكونهن في حجور الأزواج، لم يكن قيدًا ينتفي الحكم بانتفائه، وإنما كان للتنفير من زواج الربيبة، ولأن الغالب أنه ما دامت الأم مع زوجها، فالربيبة موجودة في حجر هذا الزوج. ب - وجاء في نصوص الكتاب الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ [النور]. فهذا النص يدل بمنطوقه على عدم جواز إكراه الفتيات على البغاء، إن أردن الستر، والاستقامة، وعدم الانزلاق والانحراف، وهو ما عبّر عنه الكتاب بالتحصُّن. ولو أخذنا بمفهوم المخالفة، حيث ينتفي الحكم بانتفاء القيد - وهو شرط إرادتهن التحصن -: لأدّى بنا الأمر إلى جواز إكراه الفتيات على البغاء إن لم يردن التحصُّن، وهذا غير وارد مطلقًا فالله لا يأمر بالفحشاء، وشرط إرادتهن التحصن إنما ذكر لبيان الواقع لأن ذلك هو الذي يصوّر وقوع الإكراه، وقد كان عند ابن أُبي بن سلول بعض الجواري اللاتي يُكرههن على البغاء طلبًا لكسب المال من طريقهن.

стр. 534

فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى: لم يتصور إكراه (١) ولم يكن ذكره ليكون شرطًا تنتفي حُرمةُ الإكراه على البغاء بانتفائه، بالأولى. وهكذا يتبين من النصّين المذكورين أن القيدين - وهما الوصف في الأول، والشرط في الثاني - لم يكونا لتقييد الحكم؛ بل كان الوصف - في الأول - للتنفير وبيان الغالب وهو كون الربائب في حجور الأزواج، وكان الشرط - في الثاني - لبيان واقع الإكراه كيف يكون. ٣ - ويمكن لنفاة مفهوم المخالفة أن يؤيدوا وجهة نظرهم أيضًا بمبدأ تعليل الأحكام، فالأحكام أكثرها معلّل في نظر الجمهور (٢)، وإذا كانت كذلك، فإنها تتعدى إلى غير موضع النص لاتحاد المناط. وعلى ذلك لا يكون المسكوت الذي انتفى عنه القيد خاليًا من الحكم حتى نعطيه نقيض حكم المنطوق المقيّد بذلك القيد. وهذا لا يدع مجالًا للأخذ بمفهوم المخالفة، لأن احتمال وجود العلة في غير المنصوص: قائم، فيكون من غير المعقول: أن يثبت فيه نقيض الحكم بمفهوم المخالفة (٣). مفهوم المخالفة بين كلام الشارع ومصطلح الناس: والآن: هل القول بمفهوم المخالفة أو عدم القول به، يشمل مع نصوص الكتاب والسنّة كلام الناس؟ أما القائلون بمفهوم المخالفة في كلام الشارع: فهم قائلون به أيضًا في كلام الناس في مصنفاتهم وعقودهم. . . إلخ. إلا ما روي عن بعض الشافعية من المتأخرين، أنه قصر القول بمفهوم المخالفة على الكتاب والسنة فقط (٤).

стр. 535

والحنفية عمومًا - في نفيهم لمفهوم المخالفة -: متفقون على هذا النفي في نصوص الكتاب والسنّة. وفيما عدا ذلك خلاف. أ - فالذي صرّح به أبو بكر الجصاص ورواه عن شيخه أبي الحسن الكرخي: عدمُ التفريق بين كلام الله ورسوله، وبين كلام الناس؛ فمفهوم المخالفة منفي فيهما، صرّح بذلك في كتابه "الأصول" إذ إنه بعد أن قرّر المذهب وعزاه إلى شيخه أبي الحسن، استشهد بكلام لأبي الحسن عن أبي يوسف، يقتضي عدم القول بالمفهوم المخالف في عدد من الآيات. ثم قال: (وروى محمد بن الحسن في "السير الكبير" قال: إذا حاصر المسلمون حصنًا من حصون المشركين، فقال رجل من أهل الحصن: أمّنوني على أن أنزل إليكم، على أن أدلكم على مائة رأس من السبي في قرية كذا، فأمّنه المسلمون، فنزل، ثم لم يخبر بشيء: فإنه يرد إلى مأمنه لأنه لم يقل: إن لم أدلَّكم فلا أمان لي). قال أبو بكر: (فلم يجعل محمد وقوع الأمان على هذا الشرط: دليلًا على أنه متى لم يفِ بالشرط، فلا أمان له، وهذا يدل من مذهبه دلالة واضحة على أن التخصيص بالذكر، أو التعليق بالشرط، لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه) (١). وهكذا نرى الجصاص استشهد بواقعة عن محمد بن الحسن في كلام الناس، لم يأخذ فيها بمفهوم المخالفة. ب - أما المتأخرون من الحنفية: فحصروا نفي القول بمفهوم المخالفة بأقسامه، في كلام الشارع فقط، وقالوا به في المصنفات الفقهية، وفي كلام الناس في عقودهم وشروطهم، وسائر عباراتهم، نزولًا على حكم العُرف والعادة؛ إذ جرت العادة أن الناس لا يقيدون كلامهم بقيد من هذه القيود، إلا لفائدة. وذلك ما صرّح به الكمال بن الهمام في "التحرير" حيث قال: (والحنفية ينفونه بأقسامه في كلام الشارع فقط) (٢).

стр. 536

وأيّد ذلك صاحب "التقرير والتحبير" (١) بما نقل عن شمس الأئمة الكردري (٢) أن خصيص الشيء بالذكر، لا يدل على نفي الحكم عما عداه في خطابات الشارع، فأما في متفاهم الناس وعرفهم، وفي المعاملات والعقليات: فإنه يدل (٣). وهكذا يكون المتكلمون ومتأخرو الحنفية، متفقين على القول بمفهوم المخالفة في كلام الناس ومصطلحاتهم، فالفقهاء مثلًا يقصدون بذكر الحكم في المنطوق نفيَه عن المفهوم غالبًا، كقولهم: تجب الجمعة على كل ذكر حر بالغ عاقل مقيم؛ فإنهم يريدون بهذه الصفات نفيَ الوجوب عن مخالفها، ويستدل به الفقيه على نفي الوجوب على المرأة والعبد والصبي. . إلخ (٤).

стр. 537

المبحث الرابع موقف العلماء من بعض أنواع مفهوم المخالفة كان فيما أسلفنا من القول، أن مررنا على مسلك كل من النافين والمثبتين لمفهوم المخالفة، وحيث انتهى بنا المطاف إلى هذه النقطة، نرى لزامًا أن نعرض لمواقف العلماء من بضع أنواع هذا المفهوم؛ لأن القائلين به بشكل عام، اختلفوا أيضًا في هذه الأنواع، وكان لكل فريق أدلته فيما ذهب إليه، وسنعرض لذلك، مع الوقوف عند بعض الآثار الفقهية التي انبنت على ما كان من اختلاف. * * * المطلب الأول موقف العلماء من مفهوم الصفة لقد علم مما سبق: أن مفهوم الصفة، هو (دلالة النص على ثبوت خلافِ الحكم المقيّد بوصف، لمَن انتفى عنه ذلك الوصف). وقبل بيان الاتجاهات في شأن مفهوم الصفة، لا بد من بيان أن الصفة المرادة هنا عند الأصوليين، هي مطلق التقييد بلفظ آخر، ليس بشرط، ولا عدد، ولا غاية، ولا يريدون بها النعت النحوي فقط. ولذلك فإن الاحتمال واقع، والحاجة إلى التفسير متحققة في تلك النصوص المقيّدة بصفة، سواء أكانت هذه الصفة نعتًا نحويًا مثل "في الغنم السائمة زكاة"، أو مضافًا نحو "في سائمة الغنم الزكاة" أو ظرف كما في قوله ﷺ : "مَن ابتاع نخلًا بعد أن

стр. 538

تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع" (١). وقد اتسع مدى الاختلاف بين العلماء في حجية مفهوم الصفة الذي هو من أهم أنواع مفهوم المخالفة. وأبرز الأقوال فيه ثلاثة: الأول: أنه حجة يعتبر طريقًا من طرق الدلالة على الحكم، فإذا قُيد حكمٌ ما بصفة، دلّ ذلك على نفي الحكم عما عدا المتصف بهذه الصفة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والأشعري وجماعة من المتكلمين، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام وجماعة من أهل العربية (٢). الثاني: أنه ليس بحجة، فلا يعتبر طريقًا من طرق الدلالة على الحكم؛ فإذا قيد الحكم بصفة، لم يدل ذلك على نفي ذلك الحكم عما عدا المتصف بتلك الصفة، وإذا حصل وانتفى الحكم في هذه الحال، فإنما ذلك لدليل آخر. وإليه ذهب الحنفية - كما سلف - والمالكية والغزالي والآمدي من الشافعية (٣)، وكذا الشيعة الإمامية (٤) والزيدية (٥)، ووافقهم من أئمة اللغة: الأخفش (٦)، وابن فارس، وابن جنّي (٧). الثالث: أنه حجة في حال وليس حجة في أخرى: فهو حجة إذا كان الوصف مناسبًا للحكم كما في قوله ﵇: "في سائمة الغنم زكاة". فإن التقييد بالسوم وهو الرعي في الكلأ المباح دون إرهاق صاحب

стр. 539

الماشية بثمن يشعر بسهولة الانتفاع ووفرته. وهذا يناسب فرض الزكاة في الغنم التي ترعى في ذلك الكلأ المباح. أما إذا كان الوصف غير مناسب للحكم، كما لو قال: "في الغنم البيضاء زكاة" فلا يدل هذا التقييد على انتفاء الحكم عما تخلف عنه هذا القيد. وإليه ذهب إمام الحرمين، مع اعترافه أن الشافعي اعتبر الصفة دون تفريق بين ما يناسب وما لا يناسب، جاء في "البرهان": (واعتبر الشافعي الصفة ولم يفصلها، واستقر رأبي على تقسيمها وإلحاق ما لا يناسب باللقب) (١) مع العلم أن مفهوم اللقب لا يقول به الجمهور (٢). ومع هذا، فقد اختلف النقل عن الجويني في مذهبه الذي ذكرناه سابقًا، فنقل الرازي عنه المنع من الأخذ بمفهوم الصفة مطلقًا، ونقل ابن الحاجب الجواز (٣). ولكن الاحتكام إلى نص كلامه في "البرهان" يزيل الإشكال، بحيث يثبت لدينا أن كل واحد قد نقل طرفًا مما استقر عليه رأي الرجل، فمذهبه - كما يستخلص من كلامه - يقوم على التفريق بين الوصف المناسب وغير المناسب، فمفهوم الصفة معتبر عنده إذا كان الوصف مناسبًا، وغير معتبر إذا لم يكن مناسبًا (٤). ومن هنا

стр. 540

اختلف النقل، ونسب إلى إمام الحرمين الأخذ بهذا المفهوم، والمنع منه. استدلال القائلين بمفهوم الصفة: لقد أورد الآمدي كثيرًا من الأدلة النقلية والعقلية للقائلين بمفهوم الصفة، وحاول أن يردها واحدًا بعد واحد، ولكن هذه الأدلة في نظرنا ترجع في الأهمية إلى دليلين اثنين: الأول: أخذ أئمة اللغة بمفهوم الصفة. الثاني: تخصيص الصفة بالذكر وتقييد الكلام بها: لا بد أن يكون لفائدة. وإيضاح ذلك كما يلي: الدليل الأول: لقد استدلوا بما روي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال بهذا المفهوم واعتبره طريقًا من طرق الدلالة على الحكم. ففي قوله ﷺ : "لَيُّ الواجد يُحِل عِرْضُه وعقوبتُه. فهم أبو عبيد أن الرسول ﷺ أراد أن مَن ليس بواجد: لا يحل عرضُه وعقوبتُه. وصحّ عنه أنه قيل له في قوله ﷺ : "لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا حتى يَرِيَهُ (١) خير له من أن يمتلئ شعرًا" (٢) إن المراد بالشعر فيه الهجاء مطلقًا أو هجاء الرسول خاصة؟ فقال: لو لم يكن كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأن قليله وكثيره سواء، فجعل الامتلاء من الشعر الكثير يوجب ذلك. قال الآمدي: (ووجه الاحتجاج به: أن فهم تعلُّق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف لما دونه). ولم يقتصر الأمر على أبي عبيد. فقد قال بمفهوم الصفة - كما قدّمنا -

стр. 541

الإمام الشافعي - وهو من أئمة اللغة - وقد احتج بقوله الأصمعي (١) وصحّح عليه دواوين الهذليين. وإذا كان أبو عبيد والإمام الشافعي - وهما إمامان من أئمة اللغة عالمان بأسرارها، وتنوُّع أساليبها ومدلول الخطاب فيها، يقولان بهذا المفهوم، فيستدلان على أن الكلام المقيّد بصفة، يدل بمفهومه المخالف على نفي الحكم عمن تخلفت عنه هذه الصفة - فذلك دليل على أن ذلك مفهوم لغةً، ولو لم يكن التقييد بالصفة يدل على ذلك لغةً، لما حصل هذا الفهم. وقد يرد على ذلك أمران: أولهما: أنه ليس في كلام أبي عبيد ولا الشافعي ما يُشعر بنقل ذلك عن العرب، فلا يبعد أن يكون قولهما بمفهوم الصفة إنما جاء عن طريق الاجتهاد، فيكون مذهبًا خاصًّا لمن قاله، وليس في ذلك ما يلزم الآخرين؛ على أنه لو ثبت نقل أبي عبيد أو الشافعي ذلك عن العرب، فمن غير المسلَّم به ثبوت ذلك في مثل هذه القاعدة اللغوية التي ينبني على القول بها كثير من الأحكام في أمور الحلال والحرام، لكون هذا النقل من أخبار الآحاد، وهو مما لا يصح فيه نقل اللغة. وقد نقل إمام الحرمين كلام المثبتين لمفهوم الصفة على إطلاقه واحتجاجهم بأبي عبيد والإمام الشافعي، ثم قال: (وهذا المسلك فيه نظر، فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط، وهم في مسلكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل، والأعرابي يُنطقه طبعه، فيقع التمسُّك بمنظومه ومنثوره، ولا يعدم من يتمسك بهذه الطريقة المعارضة) (٢).

стр. 542

الثاني: أن الأخفش وهو أحد أئمة العربية أيضًا لم يقل: بأن تقييد الحكم بالصفة على نفيه عمن انتفت عنه تلك الصفة، وعلى ذلك يكون ما فهمه أبو عبيد والشافعي معارضًا بما فهمه الأخفش، وهذا يدل على أن نفي الحكم عن غير الموصوف، ليس من فهم اللغة اتفاقًا كما يدّعي من يثبت ذلك. ولكن الفريق الأول لم تعوزه الإجابة عما أورده هؤلاء. أ - أما عن الإيراد الأول .. وهو عدم قبول ما جاء به أبو عبيد والشافعي، فقد قالوا: إن أكثر اللغة إنما يثبت بقول الأئمة: إن معنى اللفظ كذا، والاحتمال قائم أن لا يكون معنى اللفظ كذلك. ولكن هذا الاحتمال لم يمنع من إفادة الظن بأن هذا المعنى هو معنى اللفظ لغة، ولو كان ذلك قادحًا في ثبوت هذا القدر من اللغة، لما ثبت مفهوم شيء من اللغات. ب - أما عن معارضة الأخفش لما فهمه أبو عبيد والشافعي: فقد أجابوا عنها بأن نفي الأخفش لمفهوم الصفة، لم يبلغ من قوة الثبوت ما بلغه قول ذينك الإمامين به، فإن أبا عبيد قد كرّر ذلك في مواضع من كلامه كما علمت، فصار القدر المشترك مستفيضًا. والشافعي روى عنه ذلك أصحابه مع كثرتهم، كما رواه عنه المخالفون له، ولا كذلك طريق الرواية عن الأخفش، فإن الرواية عنه لا تداني في النقل والثبوت الرواية تلك. على أن أبا عبيد والشافعي - وهما أصح من الأخفش علمًا وشهرة - يشهدان بالإثبات، والأخفش يشهد بالنفي، ومن القواعد المقررة أن المثبت أوْلى بالقبول من النافي؛ لأن النافي إنما ينفي لعدم الوجدان، وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود إلا ظنًا، والمثبت يثبت للوجدان، والوجدان بدل على الوجود قطعًا (١).

стр. 543

الدليل الثاني: قالوا: إن ورود النص في الكتاب والسنة مقيّدًا بواحد من القيود؛ كالصفة ونحوها، لا بد أن يكون لفائدة؛ كالتأكيد والتقرير، أو بيان الأغلب وغيرهما، فإذا أريد تفسير نص من النصوص، وحاول المجتهد بيان مدلولات الألفاظ، أو تطبيق النص على واقعة أخرى إيجابًا أو سلبًا: كان لا بد لذلك من بحث عن فائدة ذكر القيد في النص؛ فإذا لم تظهر تلك الفائدة، حكم بأن التقييد إنما كان لتخصيص الحكم بما وجدت فيه هذه الصفة، ونفيِه عما عداه. وفي هذه الحال، لو لم يكن في التخصيص بالوصف الدلالة على نفي الحكم عن الغير، لما كان لذكر الصفة التي قيدت الحكم في النص فائدة؛ لأن التقدير عدم الفوائد الأُخر. وتجرد كلام أي واحد من البلغاء عن الفائدة لا يجوز؛ فأوْلى ألا يحصل ذلك في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ . وقد عبّر العضد في "شرحه لمختصر المنتهى" عن ذلك بقوله: (لو لم يكن في التخصيص بالوصف الدلالة على نفي الحكم عن الغير، لكان ذكر الوصف ترجيحًا بلا مرجح، لأن التقدير عدم الفوائد الأُخر، واللازم باطل، لأنه لا يستقيم تشخيص كلام آحاد البلغاء بشيء على غير فائدة مرجحة، فكلام الله ورسوله أجدر، وليس هذا إثباتًا للوضع بما فيه من الفائدة، بل بالاستقراء عنهم أن كل ما ظن أن لا فائدة في اللفظ سواء: تعين أن يكون مرادًا، وهذا كذلك، فاندرج في القاعدة الكلية الاستقرائية) (١). ولا يضعف هذا الاستدلال في نظرنا، ما قد يرد من أن فوائد التقييد قد تكون أكثر من أن يحاط بها، خصوصًا في نصوص الكتاب والسنّة، وأن من مجانبة الحيطة والتثبُّت الحكمَ بأن فائدة التقييد بالصفة إثباتَ الحكم لمَن وجدت فيه ونفيَه عما عداه. نعم لا يضعفه في نظرنا؛ لأن ما يجنح إليه المجتهد من حمله ذكر

стр. 544

الصفة في النص على تلك الفائدة، إنما هو غلبة ظن، وغلبة الظن كافية في ثبوت هذه الدلالة والعمل بها، لأنها باتفاق القائلين بها ظنية، فلا يشترط في إثباتها القطع) (١). استدلال النافين لمفهوم الصفة: كان من أهم ما استدل به النافون لمفهوم الصفة مطلقًا - إلى جانب ما أوردوه على المثبتين - أن اعتبار التقييد بالصفة طريقًا يدل على نفي الحكم عن غير المتصف بتلك الصفة: له علاقة ماسة باللغة، فيجب أن يثبت بما تثبت به الأوضاع اللغوية. والثبوت في هذا المجال، لا يكون من طريق العقل؛ إذ لا دخل للعقل في ذلك، فلا بد من النقل، والنقل لا يكفي فيه خبر الآحاد، بل لا بد من التواتر، والتواتر غير متوافر في مسألة مفهوم الصفة بالاتفاق، إذ لو كان موجودًا لما وقع الاختلاف. ولم يعوز الجمهور أن يردوا على هذا الدليل، بأنه لا مانع يمنع من الأخذ بهذه الدلالة التي تثبت عن طريق خبر الآحاد. والمطالبة بالطريق القطعية: إلزام بسلوك المتعذر من سبل الإثبات، ولو امتنع اعتبار ثبوت مثل هذه الدلالة بطريق الآحاد، لأذى ذلك إلى تعطيل التمسُّك بأكثر اللغة التي هي لغةُ الكتاب والسنّة، ومفتاحُ الوصول إلى فهم نصوص الأحكام. وطابع الظنية في القواعد اللغوية التي يستعان بها على استنباط الأحكام: مقرر ومعروف، لذا كان نقل علماء اللغة المعروفين بعلمهم، الموثوقين بأمانة نقلهم، هو عمدة الأئمة في إثبات الأحكام الشرعية المستندة إلى الألفاظ اللغوية، فكانوا لا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد كنقلهم عن

стр. 545

الأصمعي والخليل (١) وأبي عبيد وسيبويه (٢). وإنما كان الأمر كذلك، لأن من المتعذر الحصول على التواتر في مثل هذه الأمور، فأنّى لناقل بيت من الشعر الجاهلي بالتواتر، أو إثبات أن العرب كانت تفهم كذا أو تقول كذا، بالتواتر (٣). على أن الحكم الذي يرتبه العلماء على القاعدة اللغوية - كما قدّمنا - لا يوصف بالقطعية، وإنما الأمر في حدود غلبة الظن. استدلال الجويني لمذهبه: قدّمنا عند ذكر المذاهب أن إمام الحرمين فرق بين حالين: فإذا كان الوصف المذكور مناسبًا للحكم الذي أُعطي للمنطوق: قال بمفهوم الصفة، وإذا لم يكن مناسبًا: لم يقل به. ولقد استدل على ذلك باللغة: فقرر أن المفهوم من دلالات الخطاب في اللغة العربية: أن الوصف إذا كان مناسبًا للحكم: كان علة له، والعلة يرتبط بها المعلول وجودًا وعدمًا، فيوجد الحكم بوجودها وينتفي بانتفائها. أما إذا كان الوصف غير مناسب: فمعنى ذلك أنه لا ارتباط بينه وبين الحكم، فلا بدل التقييد بالوصف في هذه الحال على انتفائه، ويصبح الأمر كما في مفهوم اللقب (٤).

стр. 546

رأينا في موقف الجويني: والذي نراه أن هذا التفريق من إمام الحرمين - وإن كان لا يترتب عليه كبير أثر في الأحكام - فإنه منقوض بما أثبته الجمهور من أن العرب فيما نقله أئمة اللغة كأبي عبيد والشافعي، لم يفرقوا بين وصف مناسب وغير مناسب، وإمام الحرمين ﵀ يقر التفريق مع نقله عن الإمام الشافعي - وهو مَن هو في اللغة ومعرفة أساليبها في الخطاب - القول بمفهوم الصفة دون تفريق بين أن يكون الوصف في الحكم مناسبًا، أو غير مناسب. وإذا كان الباعث لإمام الحرمين على هذا الاتجاه: هو الحيطة والمنطق، فإن في شروط الأخذ بمفهوم المخالفة غناءً وأيَّ غناء. ولعل من الخير أن نثبت هنا ما ذكره الجويني نفسه عن الإمام الشافعي حول مفهوم الصفة، ففيه القول الفصل لترجيح ما ذهب إليه الجمهور من الأخذ بهذا النوع من طرق الدلالة، الذي هو متسق مع ما تقتضيه مفهومات اللغة، خصوصًا وأن الأخذ به، لا يكون إلا في إطار الشروط التي اعتبرها العلماء لمفهوم المخالفة. جاء في "البرهان" نقلًا عن الشافعي ﵀ (إذا خصص الشارع موصوفًا بالذكر: فلا شك أنه لا يُحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص، وإجراء الكلام من غير تجريد القصد إليه: يزري بأوساط الناس، فكيف ذلك بسيد الخليفة؟ فإذا تبين أنه إذا خصص فقد قصد إلى التخصيص، فينبغي على ذلك أن قصد الرسول ﷺ بيان الشرع، ينبغي أن يكون محمولًا على غرض صحيح، إذ المقصود العريُّ عن الأغراض الصحيحة، لا يليق بمنصب رسول الله ﷺ ؛ فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضًا، فليكن ذلك الغرض آيلًا إلى مقتضى الشرع، وإذا كان كذلك، وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر، يدل على أن العاريَ عنها، حكمه بخلاف حكم المنصف بها. والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل: أن الرجل إذا قال: السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء، عُدَّ ذلك من ركبك الكلام

стр. 547

وهجره وقيل لقائله: لا معنى لذكر السودان وتخصيصهم، مع العلم بأن مَن عداهم في معناهم) (١). من آثار الاختلاف في مفهوم الصفة: لقد كان لاختلاف أنظار العلماء إلى مفهوم الصفة، من حيث اعتباره طريقًا يدل على الحكم، أو عدم اعتباره، أثر يذكر في الفروع والأحكام، ولقد يقع المتتبع لأبواب الفقه على كثير من النماذج التي يطول استقصاؤها، وسنكتفي من ذلك بما يلي: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] ولئن كان قد جرت الإشارة إلى هذه الآية في حديثنا من قبل، إنه لا بد لنا الآن من الوقوف عند واحد من أحكامها، لنرى اختلاف وجهات نظر العلماء، نتيجة لإثبات مفهوم الصفة، أو نفيه فيها. ففي نص الآية، وصفّ قيدَ المحصنات والفتيات بكونهن مؤمنات، الأمر الذي جعل الآية تدل بمنطوقها على أن زواج المسلم بالفتيات المؤمنات إنما يجوز عند عدم طَوْل المحصنات المؤمنات من الحرائر. أما الزواج بالفتيات الكتابيات: فقد اختلف القول فيه للاختلاف في مفهوم الصفة. أ - فذهب المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية إلى عدم الجواز (٢) أخذًا

стр. 548

بمفهوم الصفة في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذ إن الآية جعلت الإيمان من القيود التي انبنى عليها حكم الجل، فإذا انتفى هذا القيد - وهو وصف الإيمان -: انتفى الجل بانتفائه، وعلى ذلك: لا يحل في هذه الحال الزواج بالفتيات الكتابيات. ولأنه قد شرط في تزوج الأمة المسلمة أن يكون عند عدم طَوْل الحرة المؤمنة، وأن تكون هناك خشية من العنت. والمدلولُ الواضح لهذا: أن زواج الحر بالأمة المسلمة، إنما حلّ عند تحقق الضرورة المستوجبة لهذا الزواج، وإذا كان حل الأمة المسلمة مرتبطًا بضرورة استوجبته: كان ذلك دليلًا على عدم حِل تزوج الكتابية مطلقًا (١). ولأن الفتاة الكتابية إن كانت لكافر استرقَّ ولده منها، وإن كانت لمسلم لم يؤمن أن يبيعها من كافر فيسترقّ ولده منها، فيكون الزواج محتملًا لاسترقاق الولد (٢). ب - والحنفية - لأنهم لا يقولون بدلالة مفهوم الصفة - حكموا بحل التزوج من الأمة سواء أكانت كتابية أم مسلمة. وسواء أكان ذلك عند طول الحرة أم عند عدم طولها. فالأصل عندهم قول الله جلّ وعلا: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .... ﴾ الآية [النساء: ٣]. وقوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء [الآية: ٢٤] ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. والأمة الكتابية منطوية تحت عموم هذين النصين، فلا تخرج إلا بدليل، والمفهومُ المخالف - ومنه

стр. 549

مفهوم الصفة - لا يعتبر دليلًا عندهم (١). وإذا كان الحنفية قد أجازوا نكاح الأمة الكتابية، فإنهم لم يجيزوا نكاح الأمة على الحرة؛ لنهي السُنة عن ذلك بقوله ﵊: "لا تُنكح الأمة على الحرة" (٢). ٢ - روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَن ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع". وقد جئنا بهذا الحديث في صدر كلامنا عن مفهوم المخالفة بشكل عام (٣)، وسترى كيف ولَّد اختلاف النظر إلى مفهوم الصفة فيه، اختلافًا في حكم ثمر النخل المؤبَّر؛ هل يدخل في المبيع إذا بيع النخل، أو لا يدخل؟ والتأبير في اللغة: التشقيق والتلقيح، ومعناه: شق طلع النخلة ليُذرَّ فيها من طَلْع النخلة الذكَر (٤). ويرى الناظر في هذا النص من السنة، أن الحديث يدل بمنطوقه على أن النخل المؤبر إذا بيع وعليه ثمر: لا يدخل هذا الثمر في البيع، بل يبقى على ملك البائع. وعرضت للعلماء عند تفسير هذا النص مسألة أخرى، وهي حكم الثمر إذا لم يكن النخل مؤبرًا، هل يدخل هذا الثمر في ملك المشتري، أم يستمر على ملك البائع، شأنه في حالة التأبير؟ لا شك أن الأخذ بمفهوم الصفة، يعطي أن الثمر - إذا لم يكن النخل

стр. 550

مؤبَّرًا - يدخل في بيع النخل عند بيعه، ويصبح على ملك المشتري؛ لأن بقاءه على ملك البائع جاء في النص مقيّدًا بوصف تأبير النخل، وما دامت الصفة قد انتفت: فالحكم في المسكوت يكون مخالفًا لما دلّ عليه المنطوق. وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء (١). وقد أوضح ابن قدامة أخذ الجمهور بمفهوم الحديث، وأن الحكم أخذ من هذا المفهوم، حين قرر أن الحديث جعل التأبير حدًا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قَبْلَه للمشتري وإلا لم يكن حدًّا، ولا كان ذكر التأبير مفيدًا (٢). وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن ثمر النخل لا يدخل في بيعه، سواء أكان مؤبرًا أم غير مؤبر، وذلك بناء على عدم الأخذ بمفهوم الصفة، فقيد التأبير في الحديث، لا يدل على نفي الحكم عند عدمه، وإذا كان النص قد دلّ على حكم الثمر المؤبَّر: فإن الثمر الذي لم يؤبَّر مسكوت عنه. ولقد قرر الحنفية أن الثمر لا يدخل في بيع النخل، إلا إذا اشتمل العقد على التصريح بدخوله فيه، أو اشترط المشتري أن يكون هذا الثمر له، وبنوا ذلك على قياس الثمر على الزرع في أرض مبيعة، من حيث عدم دخول الزرع في بيع الأرض متصلًا بالأرض، ولكن اتصاله للقطع لا للبقاء، والثمرُ مثله في ذلك، فيأخذ الثاني حكم الأول قياسًا: لاشتراكهما في علة واحدة، وهي أن اتصالهما بالأرض للقطع لا للبقاء (٣).

стр. 551

هذا: وما ذهب إليه الحنفية: هو قول الأوزاعي (١) ﵀. وهكذا رأينا في المثالين السابقين مدى ما كان للأخذ بمفهوم الوصف - وعدم الأخذ به من أثر في الفروع الفقهية، ومثل هذا كثير يلقاه الباحث في مظانه من كتب الأحكام. * * * المطلب الثاني مفهوم العلماء من مفهوم الشرط مرّ بنا في صدر هذا المبحث ما يفيد أن مفهوم الشرط (هو: دلالة النص على ثبوت نقيض الحكم المقيّد بشرط عند انعدام ذلك الشرط). وقبل بيان المذاهب في هذا المفهوم يحسن أن نشير إلى أمرين اثنين: أولهما: أن الشرط في اصطلاح أصوليي علماء الكلام: هو ما يتوقف عليه المشروط، ولا يكون داخلًا في المشروط، ولا مؤثرًا فيه). وفي اصطلاح النحاة: هو ما دخل عليه أحد الحرفين (إن) أو (إذا) أو ما يقوم مقامهما، مما يدل على سبية الأول، ومسبية الثاني. وهذا الشرط اللغوي، هو المراد هنا (٢). الثاني: أن ما يدور عليه البحث عند العلماء، وجرى بينهم الاختلاف في شأنه وأثرَ ذلك في فروع الفقه هو: طريق الدلالة على نقيض الحكم المقيّد بشرط عند انعدام ذلك الشرط، وكان للعلماء في ذلك مذهبان أساسيان: الأول: أن التعليق بالشرط: هو الذي يدل على انتفاء الحكم، وثبوتِ نقيضه عند انعدام ذلك الشرط، فالحكم يستفاد من اللفظ بدلالة مفهوم الشرط، ويكون حكمًا شرعيًا.

стр. 552

الثاني: أن التعليق بالشرط: لا يدل على ثبوت نقيض الحكم عند انعدام ذلك الشرط، فلا مفهوم للشرط. أما الحكم: فيستفاد من البراءة الأصلية، أو العدم الأصلي. وأصحاب المذهب الأول: هم القائلون بمفهوم الصفة، ووافقهم في ذلك بعض من خالف في مفهوم الصفة، ونقله إمام الحرمين عن أكثر العلماء (١). وممن نُقل عنهم القول به من الحنفية: الإمام أبو الحسن الكرخي، ذكر ذلك الآمدي في "الإحكام" (٢)، كما حكاه صاحب "منهاج الوصول" أحمد المرتضى من الزيدية (٣). أما أصحاب المذهب الثاني: فهم - كما نقل صاحب "المحصول" - أكثر المعتزلة، والمحققون من الحنفية، قال الشوكاني: (وروي عن أبي حنيفة) ونقله ابن التلمساني عن مالك، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي والآمدي (٤). موقف القاضي عبد الجبار: لقد عدّ الآمدي القاضيَ عبد الجبار من نفاة مفهوم الشرط (٥):

стр. 553

وجاء صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية لينقل إلينا عن قاضي القضاة (أن مفهوم الشرط يؤخذ به من جهة المعنى فقط، لا من جهة الوضع اللغوي، فإنهم لم يضعوه ليفيد كونَ انتفائه سببًا في انتفاء الحكم، بل ليفيد كونَ ثبوته شرطًا في ثبوت الحكم، وهو إنما يفيد انتفاء الحكم بانتفائه من جهة معناه فقط، إذ لو لم يفد كون ما عداه بخلافه لم يكن لذكره فائدة) (١). رأينا في هذه النقطة: وإنا لنرى أن مؤدى ما نقله صاحب "منهاج الوصول": هو تلاقي القاضي عبد الجبار القائلين بمفهوم الشرط من حيث الدلالة على الحكم، غير أنه يرى أن انتفاء الحكم بانتفاء الشرط، إنما جاء من جهة المعنى، لا من جهة الوضع اللغوي، والذي أكد هذا التلاقي قوله: (إذ لو لم يُفد كونَ ما عداه بخلافه، لم يكن لذكره فائدة). وعلى هذا: فمن الممكن حمل ما نقله الآمدي عن القاضي عبد الجبار، أن المقصود به الشطر الأول من الكلام، وهو أن الانتفاء لم يكن من الوضع اللغوي، وإن كان صاحب "الإحكام" حين وضع القاضي عبد الجبار في عداد القائلين: - بأن الحكم لا يكون على العدم عند عدم الشرط - في مقابل المذهب الآخر الذي يرى العكس تمامًا: جعل التوفيق بين النقلين عسير المنال بعض الشيء، إلا أن يكون صاحب "منهاج الوصول" قد وقع على ما لم يقع عليه غيره من كلام القاضي عبد الجبار. موقف الزيدية من المتكلمين: يبدو أنه كان للزيدية أكثر من اتجاه في موقفهم من مفهوم الشرط. أ - فقد روي عن بعضهم القول به، كما روي نفيه عن آخرين (٢).

стр. 554

ب - أما صاحب "منهاج الوصول" فبعد أن أتى على ذكر القولين في نفي مفهوم الشرط وإثباته قال: (وقد صحح الأصحاب القولَ الأول - يعني النفي - وتابعناهم حيث قلنا: إنما يدل اللفظ على المعنى الذي وُضع له بظاهره، لأنه يوضع ليفيد المعنى عند سماع حروفه، والمفهوم ليس بظاهر، فلا تكون دلالته لفظية) (١) فهذا نفي لمفهوم الشرط وعدمُ اعتباره دليلًا. موقف وسط: ج - ثم أراد صاحب "منهاج الوصول" أن يتوسط في الأمر بين المثبتين والنافين، فقرر قبوله للأخذ بمفهوم الشرط، إذا حصلت دلالة أو أمارة تقتضي أنه لا شرط يقتضي ذلك الحكم، غير هذا الشرط، وبذلك لا يستقل مفهوم الشرط في الدلالة على الحكم، ولكن يدل عليه إذا اقترن أمارة مصاحبة، ولذا كان لزامًا على المجتهد البحث والتفتيش عن الأمارات المقتضية للحكم الشرعي، ثم تكون الثمرة عن بيِّنة وهًدى. ولنترك الكلام لصاحب الفكرة يوضحها كما يشاء. قال ﵀: (ليس لنا أن نقطع بانتفاء المشروط لمجرد انتفاء شرط معين، لجواز أن يكون للحكم شروط متعددة، فإذا لم يثبت الحكم لانتفاء هذا الشرط وجوّزنا أن لذلك الحكم شرطًا آخر - إن حصل قام مقام هذا الشرط في اقتضاء الحكم - لم نقطع بانتفاء الحكم لمجرد انتفاء ذلك الشرط، بل له ولحصول دلالة أو أمارة تقتضي أنه لا شرط يقتضي ذلك الحكم غير هذا الشرط، فحينئذ يُقطع بانتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، وإذا كان كذلك: فمفهوم الشرط لا يستقل دليلًا على انتفاء المشروط بانتفائه، بل مع ضميمة، فبذلك يبطل قول من أطلق كونه دليلًا مأخوذًا به، ويبطل قول من أطلق أنه لا يؤخذ به. وبعد أن قرر - أن الطريق إلى معرفة كون الحكم ليس له شروط إذا انتفى أحدها جاز أن يخلفه الآخر: إنما هو البحث والتفتيش عن الأدلة

стр. 555

والأمارات المقتضية للأحكام الشرعية - قال: (فعلى المجتهد البحث عن ذلك، كما يلزمه البحث عن المخصص وتقييد المطلقات ونحو ذلك، فإن لم يجد: عمل بمفهوم الشرط، وقطع على أنه لو كان ثمَّ شرط يخلفه: لبيّنه الله تعالى للمكلفين، ولم يجز إخفاؤه عليهم) (١). رأينا في هذا الموقف: وإنا لنرى أن صاحب "منهاج الوصول" قد أسلم نفسه إلى المركب الخشن، في محاولة كان يغنيه عنها تقويم الشروط التي وضعها العلماء بعد الاستقراء لمفهوم المخالفة بشكل عام، فلقد وضعوا مفهوم المخالفة - ومنه مفهوم الشرط - في إطار من القيود التي تمنع الانزلاق، وتبعد عن الوقوع في إعطاء الحكم بلا دليل، ولقد رأينا أهمها من ذي قبل (٢). على أن مفهوم الشرط عندما نقول به مع الضميمة التي أشار إليها، لا ندري: هل الضميمة هي الدليل، أم مفهوم الشرط هو الدليل؟ ومهما يكن من أمر، فإنه إذا اعترف بصلاحيته لأن يكون دليلًا مع الضميمة، فمعنى ذلك أنه خرج على رأي النافين لمفهوم الشرط الذين لا يمكن أن يروا فيه دليلًا على الحكم، وأن الحكم - كما قدّمنا - جاء من البراءة الأصلية، أو العدم الأصلي. وإذا كان قد اعترض على هذا الفريق، وأبطل قوله، فليكن مع فريق المثبتين، دون تغاضٍ عن أي شرط من الشروط التي وضعوها للأخذ بمفهوم المخالفة، ولو فعل ﵀: لاستراح وأراح. استدلال القائلين بمفهوم الشرط: لما كان الشرط صفةً في المعنى: فقد استدلّ القائلون بمفهوم الشرط بما استدلوا به لإثبات مفهوم الصفة، وقد مرّ بنا بعض ذلك (٣).

стр. 556

على أنهم قد استدلوا إلى جانب ذلك بأدلة من أهمها في نظرنا ما يلي: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. ولقد فهم يعلى بن أمية من تعليق القصر على الخوف، بناء على الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾: أن القصر غير مشروع عند عدم الخوف، حيث سأل عمر بن الخطاب فقال: ما بالنا نقصر وقد أمِنا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ وتلا الآية. وأقرّه عمر فقال: تعجبت مما تعجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (١). ففهم عمر ويعلى بن أمية عدم جواز القصر لانتفاء الخوف؛ وإقرار النبي ﷺ لهما على ما فهماه: دليل على أن تعليق الحكم على شرط، يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء ذلك الشرط. ولولا أن الأمر كذلك: لما تبادر إليهما هذا الفهم، ولما تعجبا من جواز القصر حالةَ الأمن، ولما أقرّ رسول الله عمر على تعجُّبه وجعل القصر جاريًا مجرى الرخصة، فهو صدقة تصدّق الله بها على المسلمين، وكان من الممكن أن يبين لهما - وهو المبين عن ربه ما أراد - أن الآية ليست كما فهما، وأن الوجهة السليمة فيها غيرُ الذي دعاهما إلى التعجب (٢). موقف النافين من هذا الدليل: غير أن النافين لمفهوم الشرط، أوردوا على هذا الدليل: أن فهم عمر ويَعلى لعدم جواز القصر في حالة الأمن، يحتمل أن يكون مبعثه أن الأصل في الصلاة عدم القصر، وحيث ورد القصر حالة الخوف بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ فيبقى ما عدا هذه الحالة

стр. 557

على حكم الأصل، ولا يجوز العدول عن الأصل إلا بدليل، ولما لم يجدا الدليل الذي يدل على العدول تعجبًا. فإذا كان هذا الاحتمال واقعًا، لم يتعين أن يكونا قد فهما من تعليق الحكم بالشرط، الدلالة على نفي القصر عند انتفاء الخوف (١). وكان من الممكن، في رأينا، أن يسلم لنفاة المفهوم هذا الإيراد، لولا أن مجرى الواقعة لا يساعد عليه، خصوصًا إذا اعتمدنا أن الأصل في الصلاة - كما يقول الحنفية - ليس الإتمام حتى يكون هو مبعثَ التعجب، وإنما الأصل في الصلاة القصر، بدليل ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" (٢) فلم يبقَ للتعجب وجه سوى اشتراط الخوف، وعدم القصر عند عدمه (٣). من استدلال النافين لمفهوم الشرط: كان من أهم ما استدل به نفاة مفهوم الشرط، بجانب اعتراضهم على دليل المثبتين: وجود بعض النصوص التي يذكر فيها الشرط، ولا تدل على انتفاء الحكم الذي علق على الشرط، عند انتفاء ذلك الشرط (٤). من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]. ففي هذا النص: علق النهي عن إكراه الفتيات على البغاء، بإرادتهن

стр. 558

التحصُّن، ولو ثبت مفهوم الشرط: لثبت جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصُّن، مع أن الإكراه على الزنى غير جائز بحال من الأحوال إجماعًا وهو من المسلمات في الشريعة الإسلامية، فنحن أمام نص علّق الحكم على شرط، ولم ينتفِ بانعدام ذلك الشرط (١). وما أحسب الأمر بحاجة إلى مزيد من الحديث عما يرد على هذا الاستدلال: فقد كان مما عرضناه في شروط الأخذ بمفهوم المخالفة عند الجمهور ألّا يكون له فائدة أخرى؛ كالتأكيد والتقرير، والامتنان أو الترغيب والترهيب، أو التنفير والتشنيع، أو أن يكون قد خرج مخرج الأغلب. وفي النص الذي يدور حوله الكلام كان المراد من التعليق بالشرط: التنفير مما كان عليه أهل الجاهلية وفعله عبد الله بن أبي رأسُ المنافقين، أو أنه خرج مخرج الأغلب إذ إن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصُّن منه، أما عند الرغبة في الزنى: فلا يتصور إكراه عليه، وذلك قول ابن العربي: (إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصُّن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى: لم يتصور إكراه) (٢). ومعلوم أن في مثل هذه الحال: ينتفي القول بالمفهوم عند الجمهور (٣). وهكذا يتبدَّى لنا أن اتجاه المثبتين لمفهوم الشرط: اتجاه لا يعوزه سند

стр. 559

من اللغة أو مفهومات الشريعة، خصوصًا إذا نظرنا إلى الأمر في حدود تلك الشروط المخصوصة التي وضعت للأخذ بمفهوم المخالفة. من آثار الاختلاف في مفهوم الشرط: إن الذي قلناه في مفهوم الوصف يمكن أن نقوله هنا، وبيان ذلك فيما يلي: ١ - لو عدنا إلى الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ حتى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] لرأينا هذا النص القرآني قد قيّد الحِل في تزوج الأمة المسلمة بشرطين: الأول: عدم استطاعة من يريد الزواج، طَوْلَ المحصنات المؤمنات من الحرائر. الثاني: خشية العنت، والمراد به في الآية: الوقوع في الزنى (١). فإذا انتفى أحد هذين الشرطين؛ بأن كان الرجل قادرًا على الزواج بالحرة المؤمنة، أو كان على حال لا يخشى معها الوقوع في الزنى: حرم الزواج بالأمة المؤمنة وذلك لدلالة مفهوم الشرط على ذلك. إذ إن تعليق الحل على ذينك الشرطين: جعله ينتفي بانتفاء واحد منهما. وقد ذهب إلى هذا القول - أخذًا بمفهوم الشرط -: المالكية والشافعية والحنابلة (٢).

стр. 560

وخالف الحنفية في ذلك: فأباحوا تزوج الأمة الكتابية مطلقًا، سواء أكان ذلك عند القدرة على زواج الأمة المؤمنة، أم كان عند عدم القدرة على ذلك. وسواء أكانت هنالك خشية من الوقوع في العنت أم لم تكن، إذ لا يقولون بمفهوم المخالفة، فلا يدل الاشتراط في الآية على عدم الحل عند عدم توافر القدرة، أو عدم خشية العنت. وقد كنا أشرنا في أكثر من مناسبة، إلى أنهم يرون أن ما لم يتعرض له النص، فهو مسكوت عنه، فيُرجع في حكمه إلى دليل آخر. والزواج بالأمة الكتابية - عند عدم توافر ما اشترط في الآية - مسكوتٌ عنه، وهو مندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ولم يوجد ما يخرجه من هذا العموم، جاء في "الهداية" و "فتح القدير": (وعندنا الجواز مطلقٌ في حالة الضرورة، وعدمها، في المسلمة والكتابية، وعند طول الحرة، لإطلاق المقتضى من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فلا يخرج منه شيء، إلا بما يوجب التخصيص) (١). ٢ - قال الله تعالى في شأن المطلقات ثلاثًا: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فهذا النص يدل بمنطوقه على وجوب النفقة للبائنة ثلاثًا إذا كانت حاملًا، وهذا ما عليه اتفاق الفقهاء. ولكن الاختلاف: وقع في وجوب النفقة لتلك المطلقة، إذا كانت حائلًا.

стр. 561

وأخذًا بمفهوم الشرط، ذهب الجمهور إلى أنها لا تجب. وقد استدلوا لذلك، بأن تعليق وجوب النفقة بشرط الحمل: دلّ على انتفاء الوجوب عند عدم الحمل (١)، فإذا كانت حاملًا: فلها النفقة، وإذا كانت حائلًا: فلا نفقة لها. رأي الغزالي: والغزالي - وهو ممن لا يقولون بمفهوم الشرط - وافق على أن النفقة لا تجب للبائن الحائل؛ ولكن ليس من طريق المفهوم، بل من طريق آخر، وهو انتفاء النفقة بانتفاء النكاح. قال ﵀: (ويجوز أن نوافق الشافعي في هذه المسألة، وإن خالفناه في المفهوم، من حيث إن انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استُثني، والحامل هي المستثنى، فتبقى الحائل على أصل النفي، وانتهت نفقتها لا بالشرط، لكن بانتفاء النكاح الذي كان علة النفقة) (٢). وذهب الحنفية إلى وجوب النفقة للمطلقة ثلاثًا، سواء أكانت حاملًا أم حائلًا؛ إذ إنهم لا يأخذون بمفهوم الشرط، فلا دلالة لاشتراط الحمل على نقيض وجوب الإنفاق، وهو عدمُه، فيبقى الحكم على أصله وهو وجوب النفقة؛ فإن الزوجة قبل الطلاق كانت نفقتها واجبة على زوجها لاحتباسها لحقّ الزوج ومنفعته، وهذا الاحتباس باق بعد الطلاق ما دامت العدة، وببقائه تبقى النفقة، لا فرق بين أن تكون المطلقة حاملًا، أو غير حامل. وإذا كان النص القرآني قد صرّح بوجوب النفقة للحامل، فإنه ساكت

стр. 562

عن نفقة الحائل، ومقتضى النفقة قائم وهو قوله ﵊ فيما روى جابر ﵁: "للمطلقة ثلاثًا: النفقة والسكنى" (١). والحائل منطوية تحت هذا العموم، وما داموا لا يقولون بالمفهوم، فلا سبيل إلى إخراجها واعتبارِ أن النفقة غير واجبة لها (٢). وهكذا يتبين لنا الاختلاف في تفسير النصَّين كليهما: وكيف تأثر التفسير باختلاف النظرة إلى مفهوم الشرط. * * * المطلب الثالث موقف العلماء من مفهوم الغاية علمنا مما سبق، أن مفهوم الغاية: (هو دلالة النص الذي قُيِّد بغاية، على انتفاء ما جاء فيه من حكم بعد هذه الغاية، وثبوت نقيضه عند ذلك). والمسلكان الأساسيان عند العلماء بالنسبة إليه: قائمان، شأن بقية المفاهيم، إلا أن في مفهوم الغاية جديدًا من حيث النظرة إليه. ذلك أنه قد قال به مع الجمهور، من لم يقل بمفهوم الشرط؛ كالقاضي

стр. 563

أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي الحسين. وممن قال به أيضًا: القاضي عبد الجبار (١). دليل القول بمفهوم الغاية: ولا نرى موجبًا للإطالة في استدلال كل من المثبتين والنافين لهذا المفهوم، فإن الأكثر قائلون به، والجمهور قد استدلوا له بالأدلة المثبتة لمفهوم الصفة؛ لأن الغاية قيد، والقيود أوصاف - في المعنى - للمقيَّد. فالأدلة التي تدل على حجية مفهوم الصفة، تدل على حجية مفهوم الغاية، بهذا الاعتبار (٢). وقالوا أيضًا: إن قول القائل: صوموا إلى أن تغيب الشمس، معناه: آخرُ وجوب الصوم غيبوبةُ الشمس، فلو قدّرنا ثبوت الوجوب بعد أن غابت الشمس، لم تكن الغيبوبة آخرًا وهو خلاف المنطوق (٣). وقد أورد النافون لمفهوم الغاية على هذا الاستدلال: أن الكلام في الآخر نفسِه، لا فيما بعد الآخر؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] المرافق آخِر، وليس النزاع في دخول ما بعد المرافق (٤). رأينا في المسألة: وفي رأينا، أن هذا الإيراد لا يقوى على رد القول بمفهوم الغاية؛ فإن كلمة (حتى) و (إلى) لانتهاء الغابة، والتقييد بحرف الغابة - كما هو معلوم من الوضع اللغوي - يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية. ولهذا فإنه لو قال قائل لولده: لا تعط زيدًا درهمًا حتى يقوم، وأعطِ أخاك حتى يرضى،

стр. 564

فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، بأن يقول: فهل أعطيه إذا قام، وهل أمتنع عن إعطائه إذا رضي؟ ولولا أن التقييد بالغاية يدل على انتفاء الحكم عما بعدها: لما كان كذلك. فإذا كان هذا الأمر معروفًا من توقيف اللغة، فمن المجافاة لطبيعة الخطاب في اللغة: إنكار القول بهذا المفهوم (١). ولم يكن الشوكاني - في نظرنا - مغاليًا حين قرر أن نفاة هذا المفهوم، لم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط، بل صمّموا على منعه طردًا لباب المنع من العمل بالمفاهيم، وليس ذلك بشيء (٢). من آثار الاختلاف في مفهوم الغاية: كان للقول بمفهوم الغاية، أو عدم القول به: أثر واضح في الأحكام، وليس معنى ذلك أن الأحكام كانت تختلف دائمًا، وإنما قد تتفق، ولكن يكون الاختلاف في المأخذ. أ - فقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يدل بمنطوقه على إباحة الأكل والشرب إلى الغاية التي ذكرت في النص، وهي طلوع الفجر الصادق. وإذا أخذنا بالمفهوم المخالف: رأينا أن التقييد بالغاية يدل على عدم إباحة الأكل والشرب بعد الفجر الصادق، وهو الغاية التي ذكرت في النص.

стр. 565

غير أنه يلاحظ أن العلماء متفقون على هذا الحكم، اتفاقهم على سابقه، فالأكل أو الشرب حرام بعد طلوع الفجر، يفطر فاعله. ولكن الذين يقولون بمفهوم الغاية، يرونه مدلولًا للتقييد بحتى. أما الحنفية: فلا يرونه من مدلول النص المقيَّد بالغاية، ولكن تدل عليه نصوص أخرى (١). ب - ومثل ذلك قوله جل وعلا في شأن طلاق الثلاث: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة]. فالنص واضح في دلالة منطوقه على عدم جل المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، حتى تتزوج برجل آخر. والتقييد بالغاية بحرف (حتى) يدل على جِلّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، بعد أن تتزوج بغيره ثم يفارقها، فالأخذ بمفهوم الغاية: يعطى هذا الحكم. ولكن إذا كان القائلون بهذا المفهوم يعتبرون الحكم المذكور مدلول التقيُّد بحتى: فإن الحنفية - وهم لا يقولون بمفهوم المخالفة - يرون أن هذا الحكم إنما دلّت عليه نصوص أخرى، ولولا تلك النصوص، لاعتبروه حكمًا مسكوتًا عنه، يُرجع فيه إلى أصله من براءة أو عدمٍ أصلي (٢) … إلخ.
следующие страницы →