وأخذًا بمفهوم الشرط، ذهب الجمهور إلى أنها لا تجب.
وقد استدلوا لذلك، بأن تعليق وجوب النفقة بشرط الحمل: دلّ على انتفاء الوجوب عند عدم الحمل (١)، فإذا كانت حاملًا: فلها النفقة، وإذا كانت حائلًا: فلا نفقة لها.
رأي الغزالي:
والغزالي - وهو ممن لا يقولون بمفهوم الشرط - وافق على أن النفقة لا تجب للبائن الحائل؛ ولكن ليس من طريق المفهوم، بل من طريق آخر، وهو انتفاء النفقة بانتفاء النكاح.
قال ﵀: (ويجوز أن نوافق الشافعي في هذه المسألة، وإن خالفناه في المفهوم، من حيث إن انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استُثني، والحامل هي المستثنى، فتبقى الحائل على أصل النفي، وانتهت نفقتها لا بالشرط، لكن بانتفاء النكاح الذي كان علة النفقة) (٢).
وذهب الحنفية إلى وجوب النفقة للمطلقة ثلاثًا، سواء أكانت حاملًا أم حائلًا؛ إذ إنهم لا يأخذون بمفهوم الشرط، فلا دلالة لاشتراط الحمل على نقيض وجوب الإنفاق، وهو عدمُه، فيبقى الحكم على أصله وهو وجوب النفقة؛ فإن الزوجة قبل الطلاق كانت نفقتها واجبة على زوجها لاحتباسها لحقّ الزوج ومنفعته، وهذا الاحتباس باق بعد الطلاق ما دامت العدة، وببقائه تبقى النفقة، لا فرق بين أن تكون المطلقة حاملًا، أو غير حامل.
وإذا كان النص القرآني قد صرّح بوجوب النفقة للحامل، فإنه ساكت
стр. 562
عن نفقة الحائل، ومقتضى النفقة قائم وهو قوله ﵊ فيما روى جابر ﵁: "للمطلقة ثلاثًا: النفقة والسكنى" (١).
والحائل منطوية تحت هذا العموم، وما داموا لا يقولون بالمفهوم، فلا سبيل إلى إخراجها واعتبارِ أن النفقة غير واجبة لها (٢).
وهكذا يتبين لنا الاختلاف في تفسير النصَّين كليهما: وكيف تأثر التفسير باختلاف النظرة إلى مفهوم الشرط.
* * *
المطلب الثالث موقف العلماء من مفهوم الغاية
علمنا مما سبق، أن مفهوم الغاية: (هو دلالة النص الذي قُيِّد بغاية، على انتفاء ما جاء فيه من حكم بعد هذه الغاية، وثبوت نقيضه عند ذلك).
والمسلكان الأساسيان عند العلماء بالنسبة إليه: قائمان، شأن بقية المفاهيم، إلا أن في مفهوم الغاية جديدًا من حيث النظرة إليه.
ذلك أنه قد قال به مع الجمهور، من لم يقل بمفهوم الشرط؛ كالقاضي
стр. 563
أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي الحسين. وممن قال به أيضًا: القاضي عبد الجبار (١).
دليل القول بمفهوم الغاية:
ولا نرى موجبًا للإطالة في استدلال كل من المثبتين والنافين لهذا المفهوم، فإن الأكثر قائلون به، والجمهور قد استدلوا له بالأدلة المثبتة لمفهوم الصفة؛ لأن الغاية قيد، والقيود أوصاف - في المعنى - للمقيَّد.
فالأدلة التي تدل على حجية مفهوم الصفة، تدل على حجية مفهوم الغاية، بهذا الاعتبار (٢).
وقالوا أيضًا: إن قول القائل: صوموا إلى أن تغيب الشمس، معناه: آخرُ وجوب الصوم غيبوبةُ الشمس، فلو قدّرنا ثبوت الوجوب بعد أن غابت الشمس، لم تكن الغيبوبة آخرًا وهو خلاف المنطوق (٣).
وقد أورد النافون لمفهوم الغاية على هذا الاستدلال: أن الكلام في الآخر نفسِه، لا فيما بعد الآخر؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] المرافق آخِر، وليس النزاع في دخول ما بعد المرافق (٤).
رأينا في المسألة:
وفي رأينا، أن هذا الإيراد لا يقوى على رد القول بمفهوم الغاية؛ فإن كلمة (حتى) و (إلى) لانتهاء الغابة، والتقييد بحرف الغابة - كما هو معلوم من الوضع اللغوي - يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية. ولهذا فإنه لو قال قائل لولده: لا تعط زيدًا درهمًا حتى يقوم، وأعطِ أخاك حتى يرضى،
стр. 564
فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، بأن يقول: فهل أعطيه إذا قام، وهل أمتنع عن إعطائه إذا رضي؟ ولولا أن التقييد بالغاية يدل على انتفاء الحكم عما بعدها: لما كان كذلك.
فإذا كان هذا الأمر معروفًا من توقيف اللغة، فمن المجافاة لطبيعة الخطاب في اللغة: إنكار القول بهذا المفهوم (١).
ولم يكن الشوكاني - في نظرنا - مغاليًا حين قرر أن نفاة هذا المفهوم، لم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط، بل صمّموا على منعه طردًا لباب المنع من العمل بالمفاهيم، وليس ذلك بشيء (٢).
من آثار الاختلاف في مفهوم الغاية:
كان للقول بمفهوم الغاية، أو عدم القول به: أثر واضح في الأحكام، وليس معنى ذلك أن الأحكام كانت تختلف دائمًا، وإنما قد تتفق، ولكن يكون الاختلاف في المأخذ.
أ - فقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يدل بمنطوقه على إباحة الأكل والشرب إلى الغاية التي ذكرت في النص، وهي طلوع الفجر الصادق.
وإذا أخذنا بالمفهوم المخالف: رأينا أن التقييد بالغاية يدل على عدم إباحة الأكل والشرب بعد الفجر الصادق، وهو الغاية التي ذكرت في النص.
стр. 565
غير أنه يلاحظ أن العلماء متفقون على هذا الحكم، اتفاقهم على سابقه، فالأكل أو الشرب حرام بعد طلوع الفجر، يفطر فاعله. ولكن الذين يقولون بمفهوم الغاية، يرونه مدلولًا للتقييد بحتى.
أما الحنفية: فلا يرونه من مدلول النص المقيَّد بالغاية، ولكن تدل عليه نصوص أخرى (١).
ب - ومثل ذلك قوله جل وعلا في شأن طلاق الثلاث: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة].
فالنص واضح في دلالة منطوقه على عدم جل المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، حتى تتزوج برجل آخر.
والتقييد بالغاية بحرف (حتى) يدل على جِلّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، بعد أن تتزوج بغيره ثم يفارقها، فالأخذ بمفهوم الغاية: يعطى هذا الحكم.
ولكن إذا كان القائلون بهذا المفهوم يعتبرون الحكم المذكور مدلول التقيُّد بحتى: فإن الحنفية - وهم لا يقولون بمفهوم المخالفة - يرون أن هذا الحكم إنما دلّت عليه نصوص أخرى، ولولا تلك النصوص، لاعتبروه حكمًا مسكوتًا عنه، يُرجع فيه إلى أصله من براءة أو عدمٍ أصلي (٢) … إلخ.
стр. 566
وهكذا رأينا ثمرة اختلاف النظرة إلى مفهوم الغاية هنا: في اعتبار الدلالة على الحكم من أين جاءت؟ فالقائلون بمفهوم الغاية: اعتبروا الحكم في المثالين مدلولًا للتقييد بالغاية، فكان حكم ما بعد الغاية مخالفًا لحكم ما قبلها، وغيرُ القائلين بالمفهوم: اعتبروا الحكم مدلول نصوص أخرى وردت في الموضوع (١).
* * *
المطلب الرابع موقف العلماء من مفهومي العدد واللقب
أولًا - موقف العلماء من مفهوم العدد:
علمنا في حديثنا عن المفهوم فيما سبق، أن مفهوم العدد: (هو دلالة النص المقيّد بعدد مخصوص على انتفاء الحكم عند عدم تحقق هذا العدد).
وهذا المفهوم قال به الجمهور، وهو المنقول عن مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وداود الظاهري، أما المانعون من مفهوم الصفة: فلا يقولون به.
والذي يبدو: أنه ليس هنالك ما يدعو إلى الزيادة عما قلناه في مفهوم الصفة؛ لأن أكثر العلماء يعتبرون المفهومَيْن شيئًا واحدًا، كما نقل الشوكاني (٢).
والآمدي - بعد أن أفرده بعنوان خاص وحرّر نقطة الخلاف فيه وهي: أن تخصيص الحكم بالعدد هل يدل على انتفاء الحكم فيه أو لا يدل؟ وقرر أنه لا يدل - لم يأتِ باستدلال جديد على ما ذهب إليه، ولكن بيَّن أنه
стр. 567
المختار لما ذكر في المسائل المتقدمة ثم قال: (ومَن نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه - على مذهبه - عما ذكرناه فيما تقدم، وقد عرف ما فيه) (١).
ورأينا ابن الحاجب وغيره يستدلون لإثبات مفهوم الصفة بقوله تعالى لنبيه ﷺ في شأن الاستغفار للمنافقين: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] حيث قال رسول الله ﷺ : "لأزيدن على السبعين" (٢) وفُهم منه أن ما زاد على السبعين: فحُكمه بخلاف السبعين.
قال العضد الإيجي: (وذلك مفهوم العدد. وكل من قال به قال بمفهوم الصفة، فيثبت مفهوم الصفة) (٣).
فأثبت ابن الحاجب وشارحه الإيجي مفهوم الصفة عن طريق مفهوم العدد.
رأينا في الموضوع:
على أن الباحث يرى أن العمدة في الاحتجاج لهذا المفهوم - شأن ما سبق - هي اللغة. ولقد دافع الشوكاني في "إرشاد الفحول" عن اتجاه المثبتين استنادًا إلى اللغة حين قال: (والحق ما ذهب إليه الأولون - يعني القائلين به - والعمل به معلوم من لغة العرب ومن الشرع، فإن مَن أمر بأمر وقيَّده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد أو نقص عنه: فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص: كان هذا الإنكار مقبولًا عند كل من يعرف لغة العرب، فإن ادّعى أنه قد فعل ما أمر به - مع كونه نقص عنه أو زاد عليه - كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب) (٤).
стр. 568
فإذا أضيف إلى ذلك: اعتبار الشروط المخصوصة التي وضعت للأخذ بمفهوم المخالفة: لم يكن علينا - حين نأخذ به - من سبيل.
نقول هذا، ذاكرين أن العرب كثيرًا ما تستعمل (السبعين) للدلالة على الكثرة، دون نظر إلى مفهوم المخالفة، فالمراد الكثرة وكفى. لذا: لا بد من وضع ذلك في الاعتبار عند البحث في مفهوم العدد، ثم تقدير القرائن التي تحفُّ بالكلام، للوصول إلى المقصود بعد ذلك.
من آثار الاختلاف في مفهوم العدد:
يرى المتتبع للأحكام أثرًا ملحوظًا لاختلاف نظرة العلماء إلى مفهوم العدد من حيث القولُ به واعتبارُه دليلًا على الحكم، أو عدم اعتباره، ومن النماذج التي تدل على ذلك ما يأتي:
١ - قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].
فهذا النص يدل بمنطوقه على أن حد جريمة الزنى لكل من الزانية والزاني مائة جلدة.
وإذا أخذنا بمفهومه المخالف: فإنه يدل على عدم اعتبار الحد مُقامًا، إذا لم يستوف هذا العدد.
فالقائلون بمفهوم العدد، يرون أن ورود الحد مقيّدًا في النص بمائة، يدل بمفهومه على أن الخروج من العهدة بإقامة الحد على مرتكب جناية الزنى: إنما يكون بالمائة، فإذا نقص العدد، فالحدُّ غير مقام، والعهدةُ باقية.
أما الذين لا يقولون بمفهوم العدد من العلماء: فإنهم إذ يرون الآية تدل بمنطوقها على تحقق الحد بمائة جلدة، يقررون أن عدم التحقق بأقل من هذا العدد: ليس مستفادًا من مدلول النص بمفهومه المخالف، ولكنه هو مستفاد من أدلة أخرى.
стр. 569
ب - ويقال مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فالقائلون بمفهوم العدد، يرون أن عدم تحقق إقامة الحد بأقلَّ من ثمانين يدل عليه النص بمفهومه المخالف؛ فإذا كان العدد أقل من المذكور في النص: فالعهدة في إقامة الحد باقية.
أما الذين لا يقولون بمفهوم العدد: فعدم تحقق إقامة الحد بأقل من ثمانين جلدة، لا يدل عليه النص بمفهوم العدد، وإنما يستفاد من أدلة أخرى.
ج - وهذا مثال من السنّة أحاط به ما أبعدَ القولَ بمفهوم العدد فيه. حتى من قبل الآخذين بمفهوم المخالفة - كما سنرى - فقد روي أن الرسول ﷺ قال لحَبّان بن منقذ: "إذا بايعت فقل: لا خلابة ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد" (١) فهذا النص يدل بمنطوقه على أن مدة الخيار التي حدّدها رسول الله ﷺ ثلاث ليال.
ولكن العلماء لم يقولوا في هذا النص بالمفهوم المخالف، فلم يستدلوا بذكر العدد في النص على عدم الزيادة على الليالي الثلاث، بحيث لا يصح أن تزيد مدة الخيار على ثلاث.
ومن هنا ذهب قوم إلى جواز اشتراط الخيار في المدة التي يتم اتفاق العاقدين عليها، قلّت هذه المدة أو كثرت.
стр. 570
وهو قول أحمد بن حنبل وأبي يوسف ومحمد (١).
وذهب مالك إلى الجواز فيما زاد على الثلاث أيضًا، ولكن قيّده بألَّا يزيد ما يتفقُ عليه المتعاقدان عن حاجتهما، مثل قرية لا يصل المسافر إليها في أقل من أربعة أيام، لأن الخيار للحاجة، فيقدر بقدرها (٢).
وأنت ترى أن في ذلك عدم الأخذ بمفهوم العدد.
وذهب أبو حنيفة والشافعي وزفر: إلى عدم جواز الزيادة في الخيار على ثلاثة أيام.
ولكنهم لم يعتبروا ذلك من مفهوم العدد، بأن يُستدل بذكر العدد في النص على عدم جواز الزيادة عليه، وإنما أرجعوه إلى أن اشتراط ثلاثة أيام: جاء على خلاف القياس، فيقتصر فيه على ما ورد به النص (٣).
وهكذا ترى أن الحديث المذكور لم يقل فيه أحد بمفهوم العدد، سواء في ذلك من يقول بمفهوم المخالفة ومن لا يقول، حتى إن الإمام الشافعي رأى مع أبي حنيفة وزفر، أن الوقوف عند العدد المذكور في النص وعدم جواز الزيادة عليه، لم يكن من دلالة مفهوم العدد في ذلك النص؛ لما أن اشتراط هذا العدد من الأيام: قد جاء على خلاف القياس، وإذن فليُقتصر فيه على ما ورد به النص، وهكذا فقد أحاط بالعدد في حديث "الخلابة" ما منع من الأخذ بالمفهوم المخالف فيه.
ويتبدى من النصوص المذكورة - التي تعتبر نماذج تدل على ما وراءها -: أثر النظرة إلى القاعدة الأصولية في فروع الأحكام بحيث يقع الاختلاف في الفروع الفقهية ثمرة للاختلاف في القواعد الأصولية.
стр. 571
ثانيًا - موقف العلماء من مفهوم اللقب:
ونفصل القول بهذا المفهوم الذي اكتفينا بالإشارة إليه من قبل، لنبين أنه غير معترف به من القائلين بمفهوم المخالفة، إلا مَن استثني.
ومفهوم اللقب: هو (دلالة منطوق اسم الجنس أو اسم العلم على نفي حكمه المذكور عما عداه). وقد مثَّل الآمدي للأول بحديث الأصناف السنة في تحريم الربا وهو قوله ﵇: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر، والتمر بالتمر … إلخ"، الحديث (١).
وللثاني بقولنا: "زيد قائم".
فإذا قلنا بمفهوم اللقب: فما عدا الأصناف السنة التي تناولها الحديث: لا تعتبر أصنافًا ربوية. وما عدا زيد: فهو غير قائم.
ولم يقل بهذا المفهوم إلا الدقاق (٢)، وبعض الحنابلة. أما الجمهور جميعًا، فهم على خلاف ذلك (٣)، ولهذا قال الغزالي: (وقد أقر ببطلانه كل محصِّل من القائلين بالمفهوم) (٤).
والراجح عندنا: أن القول بمفهوم اللقب، مذهب ظاهر العوار لا سند له من لغة أو عقل أو شرع، فالعربي يفهم بكل بداهة وبساطة أن مَن قال: رأيت عليًا، لم يكن نقيض ذلك أنه لم يرَ غيره قطعًا. وأما إذا دلّت القرينة على العمل به في بعض الصور: فمرد ذلك إلى القرينة، وذلك خارج عن محل النزاع (٥).
стр. 572
الظاهرية ومفهوم اللقب:
مرّ بنا في صدر هذا المبحث أن الظاهرية - وفيهم الإمام ابن حزم - لا يقولون بمفهوم المخالفة مطلقًا، وإذا كان القائلون بمفهوم المخالفة لا يقولون بمفهوم اللقب: فالظاهرية أجدر بذلك.
ومن هنا كان من غير المقبول: ما ينسب إليهم من أنهم أثبتوا مفهوم اللقب بناء على ما ذهبوا إليه من عدم إثبات الربا في غير ما نصّ عليه في حديث الأشياء الستة "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر … إلخ" إذ قرروا أنه لا ربا في الأرز والذرة والزبيب ونحوها، مما لم يذكر في الحديث.
ذلك أن قصر الربا على الأشياء الستة الواردة في الحديث. ليس مرده عندهم دلالةَ الحديث على نفي الحكم المذكور به عما سكت عنه، بل مرده: أن أهل الظاهر إنما يعملون بالمنطوق فقط.
أما ما سكت عنه الشارع: فهو على الإباحة الأصلية، وعلى ذلك فهم لا يثبتون الريا في غير الأصناف السنة المذكورة في الحديث؛ بناء على الإباحة الأصلية، أو بناء على أنه واجب عندهم بدون نص يدل على الوجوب (١).
موقفنا من مفهوم المخالفة:
هذا وبعد أن عرضنا لمفهوم المخالفة، وشروطه، وأنواعه، وموقف العلماء منه بوجه عام، وموقفهم من أهم أنواعه، ورأينا الأدلة التي استند إليها كل فريق: نقرر أن الأدلة التي انبنى عليها القول بمفهوم المخالفة، تجعلنا نرتضي طريق الجمهور فيما ذهبوا إليه.
فإثبات هذا المفهوم واعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الحكم: يتسق مع طبيعة لغة العرب، ومدلولات الخطاب فيها.
وقد علمنا أن القول به قد صدر عن رجال هم من أئمة اللغة وأعلام البيان فيها، كالإمام محمد بن إدريس الشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلّام، وإن كان الشافعي يضم إلى الإمامة في اللغة إمامة في الفقه والحديث، والاستنباط.
стр. 573
كما أن الأخذ بهذا المفهوم: يفسح المجال للعقلية الفقهية أن تنطلق في ميدان الاستنباط؛ فلا تقف عند ظاهر اللفظ، وإنما تستشف ما وراءه ما دام ذلك لا ينبو عن اللغة، ولا يجافي عرف الشرع.
ولقد أثبت التطور الحقوقي أن رجال الفقه والقانون لا غنًى لهم عن القول بمفهوم المخالفة، فرأينا أعلام القانون - كما سيأتي - يعتبرونه طريقًا من طرق التفسير للنصوص؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر، لا بد أن يكون لفائدة، وإلا كان ذلك عبثًا، كما قرر علماؤنا الأولون.
ولقد أشرنا من قبل إلى أهمية الضوابط التي احتاط بها العلماء للأخذ بمفهوم المخالفة، تلك الضوابط التي كانت ثمرة استقراء لحالات الارتباط بين فروع الأحكام، والأصول التي تنبني عليها. وفي هذه الضوابط الجوابُ عن كثير من الاعتراضات، بل وعلى الأدلة التي أقامها النافون للقول بمفهوم المخالفة.
على أن الأمر بعد ذلك كله، لا يخرج عن مفهوم الصحابة فيما عرفوه من لغتهم، وما عهدوه من رسول الله المبين عن ربه . وقد رأينا من قبل ما جرى من الكلام حول حديث "لأزيدن على السبعين" وحول قصة عمر ويعلى بن أمية. ومثل ذلك كثير (١).
ولعل من الخير أن نذكر هنا ما قاله الزركشي في معرض الحديث عن مفهوم المخالفة، فقد جاء في "البحر المحيط": (وفي "صحيح البخاري" في كتاب الجنائز عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" قلت أنا: ومَن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" قال الزركشي: وهذا مصير منه إلى القول بالمفهوم) (٢).
стр. 574
وهكذا يجتمع للقول بمفهوم المخالفة - حتى في نصوص الكتاب والسنة - سند اللغة فيما نقل عن أئمتها، وعرف الشرع فيما عهد من الصحابة الذين لم يكدر صفوَ سليقتهم مكدّر، إلى جانب ما منَّ الله به عليهم من فهم كتاب الله وسنّة رسوله، في ظل هداية صاحب الرسالة.
كما يجتمع له أن القول: به لم يكن متروكًا دون ضوابط أو قيود، وإنما أحاطت به شروط تجيب عن كل اعتراض يمكن أن يورده النافون له، والمستنكرون للقول به (١).
ويتوفر له على أرض الواقع القانوني ما أثبت التطور في مسالك الاستنباط عند رجال القانون - كما سنرى -: أنه لا بد من الأخذ بمفهوم المخالفة، واعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام محاطًا بضوابط تنأى به عن مزالق الانحراف.
وهكذا يكون القول بمفهوم المخالفة - بالتحديد الذي كشفنا عنه فيما سلف من القول - مسلكًا واضح المعالم، مأمون العاقبة، وطريقًا لا تعوزه الحجة، ولا ينأى عنه الدليل (٢).
* * *
стр. 575
المبحث الخامس موقف رجال القانون من الأخذ بالمفهوم
لقد اعتبر "المفهوم" عند شرّاح القانون طريقًا من طرق تفسير النصوص لاستخراج الأحكام. فكما يستخرج الحكم من النص عن طريق دلالة "المنطوق" التي هي: دلالة اللفظ على حكم شرعي مذكور في الكلام، يستخرج أيضًا عن طريق دلالة "المفهوم" التي هي دلالة اللفظ على حكم شيء لم يذكر في الكلام.
فدلالة المفهوم عندهم: تقابل دلالة المنطوق، شأنها في قواعد التفسير عند الأصوليين.
وعند الأخذ بالمفهوم في تفسير النصوص القانونية: نراه معتبرًا بنوعَيْه الموافق والمخالف؛ ذلك أن دلالة المفهوم - كما هو معلوم - قد تكون دلالة على حكم موافق لحكم المنطوق وتسمى: (مفهوم موافقة). وقد تكون دلالة على حكم مخالفٍ لحكم المنطوق وتسمى: (مفهوم مخالفة)، وكلاهما طريق معتبر في تفسير النص.
ولا شك أن الأخذ بالمفهوم بنوعَيْه الموافق والمخالف - إلى جانب المنطوق - في تفسير النص، هو المقصود من المادة الأولى من المجموعة المدنية في القانونين المصري والسوري التي نصت في فقرتها الأولى على أنه "تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها".
الأخذ بمفهوم الموافقة والاختلاف في تحديده:
مرّ بنا في مباحث مفهوم الموافقة عند الأصوليين، أن إعطاء حكم المنطوق للمسكوت بطريق مفهوم الموافقة، إنما يكون لاشتراكهما في معنًى
стр. 576
يدرك بمجرد معرفة اللغة، من غير حاجة إلى استنباط أو اجتهاد بالرأي، سواء أكان ذلك بالتساوي، أم كان المسكوت عنه أوْلى من المنطوق.
وعلى هذا؛ اعتبرت هذه الدلالة عند الحنفية وكثيرين معهم من المتكلمين، دلالة بظاهر اللفظ وليست قياسًا؛ لأن من أركان القياس أن يشترك المقيس والمقيس عليه بعلة لا تدرك إلا بالاجتهاد والاستنباط، وبناء على ذلك لا تثبت الحدود والكفارات - عند الحنفية - بالقياس، وتثبت بدلالة النص (مفهوم الموافقة) بينما تثبت عند الشافعية وآخرين بالقياس.
والإمامية - كما أسلفنا من قبل - وهم من نفاة القياس، قالوا بمفهوم الموافقة. ولم يخرج على القول به إلا الظاهرية، حتى إن الذين اعتبروا مفهوم الموافقة قياسًا سمُّوه قياسًا جليًا. أما القياس على إطلاقه - وفيه الخفي -: فلم يعتبر عند الأصوليين مفهوم موافقة.
ولقد أعدنا هذه الفكرة إلى الأذهان، لنرى إلى أي حد التزم الباحثون في تفسير القانون، تحديد مفهوم الموافقة بالمعنى المراد في قواعد التفسير في أصول الفقه.
الواقع أنا نرى مسلكين في الموضوع:
المسلك الأول:
أما الأول: فهو مسلك يقوم على التفريق بين مفهوم الموافقة، والقياس، ويعتبر مفهوم الموافقة في حالتي المساواة والأولوية، طريقًا من طرق التفسير في المنصوص عليه.
أما القياس على إطلاقه: فإنما يستخدم في حالة عدم وجود النص.
يقول الأستاذ الدكتور عبد المنعم البدراوي: (ويقصد بمفهوم الموافقة: دلالة النص على ثبوت حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه بواسطة علة الحكم التي يمكن فهمها بمجرد فهم اللغة، من غير حاجة إلى الاجتهاد والرأي، فهو الحكم الذي فهم من روح النص ومعقوله) (١) ثم أبان كيف أن
стр. 577
هذا يفترق عن القياس على إطلاقه، وكيف أن العلة في القياس، لا تدرَك بمجرد معرفة الألفاظ ومعانيها، وإنما تحتاج في إدراكها إلى الاجتهاد والرأي.
وقال الدكتور سليمان مرقص بعد كلامه عن مفهوم الموافقة: (ويسمى هذا الطريق من طرق الاستدلال: القياسَ الجليّ: سواء أكان ذلك في حال المساواة Raisonnement a Pari أم في حالة الأولوية a fortoni لأن المساواة أو الأولوية بين المنطوق والمفهوم الموافق له تكون ظاهرة ويمكن تحصيلها بمجرد فهم اللغة من غير توقف على اجتهاد أو استنباط، وذلك بخلاف الأمر في القياس الخفي) (١).
ثم في الكلام عن حالة عدم النص، جاء بالقياس طريقًا لاستنباط الحكم، فبيّن أن المراد بالقياس هنا، القياس الخفي الذي لا يظهر بمجرد فهم اللغة، بل يحتاج إلى جهد واستنباط، لا القياس الجليُّ الذي تقدّم ذكره (٢).
وهكذا يتضح لنا أن هذا المسلك - كما ذكرنا - يقوم على التفريق بين مفهوم الموافقة في حالتَيْ الأولوية والمساواة - أيًا كانت تسميته - وبين القياس على إطلاقه، فالعلة المشتركة بين المنطوق والمسكوت في الأول: لا تحتاج في إدراكها إلى رأي واجتهاد، وإنما تدرَك بمجرد فهم اللغة، بينما نرى العلة المشتركة في القياس بين المقيس والمقيس عليه، لا بد في إدراكها من الرأي والاجتهاد، فلا يكفي فهم اللغة.
والتفسير بمفهوم الموافقة لاستخراج الحكم: يكون في حالة وجود النص، بينما يكون التفسير بالقياس: في حالة عدم النص.
стр. 578
وبذلك كانت الدلالة بطريق المفهوم في هذا المسلك على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
المسلك الثاني:
أما المسلك الثاني: فيقوم على عدم التفريق بين القياس - على إطلاقه - وبين مفهوم الموافقة، فعند الحديث عن طرق تفسير النص الداخلية: يُجْعَلُ أهم هذه الطرق:
١ - الاستنتاج بطريق القياس (أو بمفهوم الموافقة).
٢ - الاستنتاج بطريق الأولى (أو قياس الأولى).
٣ - الاستنتاج من مفهوم المخالفة (١).
يذكر ذلك في هذا المسلك دون التعرض لبيان أن موطن الإفادة من القياس: هو حالة عدم وجود النص.
ففي "أصول القانون" للسنهوري وأبو ستيت مثلًا: جاء بعد تعدادهما أهمَّ طرق التفسير الداخلية ما يلي:
الاستنتاج بطريق القياس (أو مفهوم الموافقة).
وهو أن يستنبط المفسر حكمًا غيرَ منصوص عليه بالقياس على حكم منصوص عليه؛ لاتحادهما في العلة.
ثم: الاستنتاج من باب أوْلى (أو قياس الأولى) وهو أن تكون هناك حالة منصوص على حكمها، وتكون علة الحكم أكثر توافرًا في حالة أخرى غير منصوص على الحكم فيها، فينسحب الحكم في الحالة المنصوص عليها على الحالة غير المنصوص عليها من باب أوْلى (٢).
وهذا المسلك الذي لا يفرق بين القياس - على إطلاقه - وبين مفهوم الموافقة
стр. 579
الذي يعنيه علماء الأصول في الشريعة الإسلامية: كان صنيع عدد من الباحثين.
فمثلًا رأينا الدكتور عدنان القوتلي، بعد أن يأتي على التعريف المذكور للقياس (مفهوم الموافقة) كما نقلناه عن صاحبي "أصول القانون" يقرر أن فقهاء الإسلام يطلقون على القياس بالمعنى المذكور: اسم (مفهوم الموافقة) هكذا، بدون أي تحفُّظ أو تفريق بين قياس جلي، وبين قياس خفي.
وكذلك دون مراعاة أن العلة التي تدرك بمجرد فهم اللغة، هي مفهوم الموافقة، وأن العلة التي لا تدرك إلا بالاجتهاد والرأي: هي سمة القياس على إطلاقه (١).
وهكذا: يلاحظ أن هذا المسلك يفترق عن سابقه الذي يقوم على التفريق بين مفهوم الموافقة والقياس، بثلاثة أمور:
أولها: عدم التفرقة بين القياس وبين مفهوم الموافقة؛ فكلاهما قياس يسبب علة اشترك فيها المنطوق والسكوت عنه، أيًا كانت صفة هذه العلة، سواء أكانت مما يمكن إدراكه بمجرد المعرفة باللغة، أم كانت مما لا يمكن إدراكه إلا بالرأي والاجتهاد.
الثاني: التفريق بين حالتَي مفهوم الموافقة، من حيث مساواة المنطوق مع المسكوت في العلة، أو أولوية المسكوت بها على المنطوق.
فالحالة الأولى: مفهوم موافقة أو قياس، والحالة الثانية: استنتاج من باب أوْلى، أو قياس الأولى.
الثالث: عدم التفريق بين وجود النص أو عدمه؛ فمفهوم الموافقة والاستنتاج بالأولى: كلاهما قياس، وكلاهما طريق من طرق تفسير النص الداخلية.
رأينا في الموضوع:
وإنا لنرى أن المسلك الأول، الذي يقوم على التفريق بين القياس على إطلاقه - وفيه القياس الخفي - وبين مفهوم الموافقة: هو الطريق الذي
стр. 580
ينسجم مع مقررات قواعد التفسير عند الأصوليين والفقهاء، تلك القواعد التي تربطها أعظم أواصر القربى والنسب، بالعربية لغة التنزيل التي هي عندنا لغة الشريعة والقانون، دون أن يكون في ذلك إهمال للمصطلحات العرفية عند تعارضها مع ألفاظها، فاللفظ ذو الدلالة العرقية في الاصطلاح: يراعى عند التفسير، ويقدَّم معناه على معنى اللفظ العادي.
وفي حصر القياس الخفي بحالة عدم وجود النص: تحديد واضح للمجال الذي يمكن أن يفيد منه المفسر، إذا عرضت له حالة نصّ عليها القانون، أو عرضت أخرى لم ينص عليها القانون.
وما أحسب أن الحيطة المطلوبة عند الاستنباط بالقياس فيما لا نص فيه: تكون مطلوبة عند تفسير النص الموجود بطريق مفهوم الموافقة في حالتَيْه من المساواة أو الأولوية؛ لأن المفسِّر يستخرج حكمًا يشترك المنطوق بعلة واضحة، لا يحتاج إدراكها إلى جهد وإعمال رأي للاستنباط، وإنما يكفي لذلك معرفته باللغة.
وبعد هذا: فقد لا يكون من معاد القول أن نقرر أن ثروتنا في الأصول والفقه تحتاج منا إلى المزيد من العناية بفهمها وإدراك مصطلحاتها، لتستطيع أن نقول الكلمة التي لا تعوزها سلامة الدليل فيما نريد إصداره من أحكام.
ولقد رأينا من قبلُ مدى الدقة التي اتسمت بها بحوث الأصوليين في مفهوم الموافقة، والنتائج التي ترتبت على اعتباره قياسًا جليًا، أو عدم اعتباره.
فالحنفية: لو اعتبروه قياسًا، لما صلح دليلًا عندهم لإثبات الحدود والكفارات، والذين اعتبروه قياسًا جليًا لم تتأثر أحكامهم بهذا الاعتبار، لأنهم يثبتون الحدود والكفارات بالقياس.
والشيعة الإمامية: لو اعتبروا مفهوم الموافقة قياسًا: لما قالوا به، لأنهم من نفاة القياس. وابن حزم لتمسُّكه بالظاهر على شكل معين - قد يوقعه في التناقض في بعض الأحيان - اعتبر مفهوم الموافقة صورة من صور القياس الذي ينكره ولا يعتبره حجة، وردّ على القائلين به، وهم الجمهرة الكبرى والكثرة الكاثرة من علماء الشريعة الإسلامية!!.
стр. 581
من أمثلة مفهوم الموافقة في القانون:
إن ما ذكرناه عند دلالة النص من أمثلة لها في القانون: يصلح أمثلة هنا (١)، ونضيف إلى ذلك ما يلي:
١ - جاء في المادة / ٩٤ / من المرسوم التشريعي السوري رقم / ٨٠/ أنه "لا يجوز لأحد من قضاة الحكم، أو النيابة، أن يكمل النصاب أو يمثل الحق العام في قضية بينه وبين أحد المحامين المترافعين فيها: مصاهرةٌ أو قرابة من الدرجة الرابعة وما دون".
فيؤخذ من هذا النص بطريق مفهوم الموافقة، أن الوكيل المحامي في قضية: لا يجوز له إذا أصبح قاضيًا أن ينظر في القضية نفسها التي كان وكيلًا فيها، لأن المعنى الذي كان من أجله المنع في حالة المصاهرة أو القرابة من الدرجة الرابعة متوافر في هذه الحالة أيضًا.
٢ - نصت المادة / ١٣٢/ من القانون المدني في مصر على أنه "يجوز أن يكون موضوع الالتزام شيئًا مستقبلًا"، وإذا كان الأمر كذلك: فجواز أن يكون موضوع الالتزام حاليًا وموجودًا، حاصل من باب أوْلى بدلالة مفهوم الموافقة.
محكمة النقض المصرية ومفهوم الموافقة:
هذا: وقد أخذت محكمة النقض المصرية في عدد من أحكامها بمفهوم الموافقة (٢)؛ ومن ذلك الأحكام الآتية:
١ - جاء في أحد طعونها على بعض الأحكام الجنائية في تطبيق المادة / ٣٢٤/ من قانون العقوبات ما يلي:
(إن المادة / ٣٢٤/ أتت بنص عام يعاقب إطلاقًا كل مَن سوّلت له نفسه دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة فيه، فلا معنى لتضييق دائرة التحقيق بجعله يتناول حالات دون أخرى، لا سيما أن هذا التطبيق يتنافى مع روح النص؛ إذ القول بأن حكم هذه المادة لا يتناول سوى الحالات التي لا
стр. 582
تتعين فيها الجرمية: يؤدي إلى نتيجة غير مقبولة وهي: تمييز الجاني الذي يشرع في ارتكاب جريمة، مع أن كليهما دخل البيت لغرض إجرامي. وكان أولهما أكثر إمعانًا في تنفيذ ما انتوى من شر، وأوْلى بجزاء القانون على فعلته، وإذن فالمادة / ٣٢٤ / ع تطبَّق حتى في حالة ما إذا وقعت فعلًا الجريمة التي كان الدخول في البيت سبيلًا لارتكابها، أو كانت قد شرع فيها سواء أكان ذلك الشروع معاقَبًا عليه، أم لا).
٢ - وفي طعن لمحكمة النقض قررت فيه اعتبار جريمة الإتلاف جناية إذا كان السلاح مع الشريك المرافق للفاعل الأصلي وقت ارتكاب الجريمة جاء ما يلي:
(إن المادة / ٣٢٢ / ع "قديم" تعتبر جريمة الإتلاف جنابة إذا وقعت من شخص واحد يحمل سلاحًا، فإذا ثبت أن السلاح لم يكن مع الفاعل الأصلي بل كان مع الشريك المرافق له وقت ارتكاب الجريمة، وجب من باب أوْلى اعتبار الحادثة جناية، لتحقق غرض الشارع مع وجود سلاح في متناول الفاعل الأصلي، وقت ارتكاب الجريمة) (١).
٣ - وفي شأن عدم الإجازة صراحة أو ضمنًا للاتفاق على الفائدة التي تزيد على الحد الزائد بمقتضى القانون، جاء في طعن محكمة النقض ما يلي:
(إن كل اتفاق على فائدة تزيد على الحد الجائز الاتفاق عليه قانونًا يكون باطلًا فيما زاد على هذا الحد، وهذا البطلان مطلق، لأن سببه مخالفة القانون والنظام العام، ولذلك لا تصح إجازته ولو صراحة.
ومن باب أوْلى، لا تصح إجازته ضمنًا باستبدال دين آخر به، أو إقراره بصلح ولو كان أمام القاضي. وكل ما دفع زائدًا على الفوائد الجائز الاتفاق عليها يجوز، بمقتضى المادة / ١٤/ من القانون المدني، المطالبة برده، فإن حكم هذه المادة عام غير مقصور على الأحوال التي يكون الدفع فيها واقعًا عن غلط) (٢).
стр. 583
الأخذ بمفهوم المخالفة:
قدّمنا أن شرّاح القانون أخذوا في تفسير النصوص بالمفهوم بنوعَيْه، واعتبروا كلًا من مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، طريقًا يدل على حكم المسكوت، وبذلك سلكوا سبيل الجمهور عند فقهاء المسلمين.
ولئن رأينا اختلافًا عن المسلك الصحيح عند البعض في مفهوم الموافقة، إن الاتفاق واقع على الأخذ بمفهوم المخالفة بمعناه المعروف في قواعد التفسير عند علماء الأصول وهو: دلالة اللفظ على حكم للمسكوت، مخالفٍ لحكم المنطوق، وذلك لانتقاء قيد من القيود المعتبرة في هذا الحكم. فالنص كما يدل بمنطوقه، ومفهومه الموافق، يدل أيضًا بمفهومه المخالف. ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - نصت المادة / ٤٦٦/ من القانون المدني في مصر على أنه "إذا باع شخص شيئًا معينًا بالذات وهو لا يملكه، جاز للمشتري أن يطلب إبطال البيع" فمنطوق النص يدل على جواز إبطال البيع إذا كان المبيع معينًا، حيث قيّد الحكم بوصف المبيع بالتعيين.
فيدل النص بمفهومه المخالف - وهو هنا مفهوم الوصف - على أن بيع الشيء غير المعين بالذات ليس قابلًا للإبطال (١).
٢ - قضت المادة الرابعة من القانون المدني أن مَن استعمل حقه استعمالًا مشروعًا: لا يكون مسؤولًا عما ينشأ عن ذلك من ضرر.
وهي تدل بمفهومها المخالف: أن مَن يستعمل حقه استعمالًا غير مشروع: يكون مسؤولًا عما ينشأ عن هذا الاستعمال من ضرر، فانتفى حكم عدم المسؤولية بانتفاء وصف المشروعية الذي قيّد به الاستعمال.
وهكذا يلاحظ في هذين المثالين أن المفهوم المخالف فيهما هو من نوع مفهوم الوصف.
٣ - نصت المادة / ٤٣٧/ من القانون المدني المصري على أنه "إذا هلك المبيع قبل التسليم لسبب لا بد للبائع فيه، فسخ المبيع واسترد المشتري
стр. 584
الثمن، إلا إذا كان الهلاك بعد إنذار المشتري لتسلم المبيع".
فقد عُلّق فسخ البيع - وهو الحكم الذي يستفاد من منطوق النص - على هلاك المبيع قبل التسليم، أو إعذار البائع المشتري لتسلُّم المبيع، فيدل نص المادة بمفهومه المخالف - وهو هنا مفهوم الشرط - على أنه إذا هلك المبيع بعد التسليم، أو هلك بعد إعذار البائع المشتري لتسلم المبيع: لا ينفسخ البيع ولا يسترد المشتري الثمن (١).
٤ - نصت المادة / ٦٠٥ / أ على أنه "إذا انتقلت ملكية العين المؤجرة اختيارًا أو جبرًا إلى شخص آخر: فلا يكون الإيجار نافذًا في حق ذلك الشخص إذا لم يكن له تاريخ ثابت سابق على التصرف الذي نقل الملكية".
فهذا النص يدل بمفهومه المخالف على أن الإيجار الذي له تاريخ ثابت سابق على التصرف الناقل لملكية العين المؤجرة: ينفذ في حق المالك الجديد.
الأخذ بمفهوم المخالفة في محكمة النقض بمصر:
١ - نصت المادة / ٦٢/ من قانون العقوبات على أنه "لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل، إما لجنون أو عامة في العقل، أو لغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدّرة أيًا كان نوعها إذا أخذها قهرًا عنه، أو على غير علم بها".
فيدل النص بمفهومه المخالف: على أن المتهم إذا أخذ المادة المخدرة مختارًا عن علم بحقيقة أمرها، فإنه يعاقَب.
وذلك ما قضت به محكمة النقض حين قررت: أن الغيبوبة المانعة من العقاب هي التي تكون ناشئة عن مادة مخدرة يكون المتهم قد تناولها قهرًا عنه أو على غير علم بها، أما إذا كان قد تعاطاها مختارًا عن علم بحقيقة أمرها فإنه يكون مسؤولًا عن الجرائم التي تقع منه وهو تحت تأثيرها مهما كانت ملابسات تناوله إياها (٢).
стр. 585
٢ - وجاء في "الدائرة الجنائية لمحكمة النقض" بشأن قيام الجريمة المنصوص عليها في المادة / ٧٣٠/ من قانون العقوبات: أن الشرط إذا لم يتوافر: فلا جريمة.
"يشترط لقيام الجريمة المنصوص عليها في المادة / ٣٧٠/ من قانون العقوبات أن يكون المتهم قد دخل مسكنًا في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة، أو ارتكاب جريمة فيه؛ فإذا لم يثبت أن الدخول كان لغرض من هذين فلا تنطبق المادة (١).
٣ - وفي شأن سلطان المجالس البلدية في حق فرض الرسوم المختلفة وأن ذلك محدود بأن يكون ما تفرضه في دائرة اختصاصها، وإلا لم يكن من حقها ذلك؛ جاء في الدائرة المدنية لمحكمة النقض ما يلي:
"الثابت من المواد: ٩ و ١٠ و ٢٣ من القانون رقم ١٤٥ لسنة ١٩٤٤ التي حوّلت المجالس البلدية حق فرض الرسوم المختلفة: أن سلطان المجالس في هذا الخصوص محدود بدائرة اختصاصها، وهي التي تحدد دائمًا بمراسيم ترفق بها رسومات توضح المعالم وتُبعد الشبهات.
وإذن فمتى كان المخزن الذي فرض عليه الرسم: يخرج عن دائرة اختصاص المجلس البلدي: فإن القرار الصادر بفرض هذا الرسم يكون باطلًا ولا يغيِّر من ذلك أن يكون المخزن المفروض عليه الرسم يستمد الماء والنور من المجلس البلدي بمقتضى عقد اشتراك خاص (٢).
الاحتياط في الأخذ بمفهوم المخالفة:
إن شرّاح القانون حين قرروا العمل بمفهوم المخالفة واعتباره طريقًا من طرق دلالة الألفاظ على الأحكام، لم يهملوا الدعوة إلى وجوب الاحتياط عند الأخذ بهذه الطريق، فلا يستنبط الحكم من النص بمفهومه المخالف: إلا إذا كانت دلالة هذا المفهوم على غاية من القوة كما في الأمثلة التي ذكرنا.
стр. 586
وإنما دعا الشرّاح إلى أخذ الحيطة والحذر في الموضوع: أن الاستدلال بطريق مفهوم المخالفة كثير الخطورة، لأن حكم المنطوق قد يكون واردًا على سبيل التمثيل أو بيان الأغلب، أو إشارة إلى حكمة خاصة لا يدل المفهوم المخالف على عكسها، فلا يصح العمل به.
مثال ذلك:
المادة / ٤٢١/ من القانون المدني المصري التي تنص على "أن البيع بشرط التجربة يعتبر معلقًا على شرط واقف هو قبول المبيع".
فلا يصح أن يستدل بهذه المادة من طريق المفهوم المخالف: أن البيع على أي شرط آخر كشرط المذاق مثلًا، أو شرط الرؤية، يكون بيعًا باتًا ولا يعتبر معلّقًا على شرط واقف.
ومثل ذلك أيضًا: المادة / ٢٢٩/ مدني قديم التي كانت تنص على وسائل إثبات التاريخ. فقد كانت تدل بمفهومها المخالف على أن ما عدا الوسائل المنصوص عليها فيها لا يثبت به التاريخ بوجه رسمي.
ولكن محكمة النقض رفضت الأخذ بهذا المفهوم المخالف وقررت أن هذه الوسائل ليست واردة بالمادة على سبيل الحصر، وأن ثبوت التاريخ يمكن أن يتحقق بغيرها من الوسائل كما إذا قدمت ورقة في قضية تناولتها المرافعة في الجلسة التي نظرت فيها تلك القضية (١).
هذا: وقد رأينا عند بحث مفهوم المخالفة في أصول الفقه كيف أن الآخذين به - وهم الجمهور - قد أحاطوه بإطار من الشروط التي تضمن في العمل به سلامة الطريق في استنباط الأحكام من النصوص.
وإذن: فاعتبار مفهوم المخالفة طريقًا يدل على الحكم، ليس أمرًا متروكًا على إطلاقه، وإنما هو أمر محوط بالكثير من الحيطة والاحتراس، سواء أكان ذلك في الشريعة أم كان في القانون، وبذلك يؤدي غرضه في الاستنباط على الوجه الأكمل.
стр. 587
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على محمد بن عبد الله نبي الهدى والرحمة الذي ابتعثه الله بالإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فأنقذنا به من الهلكة، وهدانا برسالته في عقيدتها وشريعتها إلى خير ما فيه سعادة الدنيا والآخرة.
وَبَعْد، فهذا هو المجلد الثاني من كتاب "تفسير النصوص" ومضمونه القسم الثاني من الموضوعات التي تناولها الكتاب.
وهذا القسم يشتمل على بابين هما من أهم أبواب تفسير نصوص الكتاب والسنّة، ومناهج مقارنة لاستنباط الأحكام منها؛ كما أنهما يبحثان في دلالة الألفاظ على الأحكام في حالتي العموم والاشتراك، ودلالة الألفاظ على الأحكام في حالة الخصوص، وما يتعلق بكل واحد منها - على سعته - من قواعد ومسائل؛ خصوصًا ما يرتبط بقضايا العموم والخصوص.
ولعل من بعض ملامح الأهمية الكبرى التي تنطوي عليها موضوعات هذا القسم من الكتاب، أن غالبية الأحكام في القرآن تحمل طابع الإجمال والعموم، وأنه كانت للعلماء مذاهب في الحكم على صيغ العام ومدلولاتها، وأن معارك حامية الوطيس دارت من خلال تلك المذاهب، انتصر فيها مذهب أرباب العموم، حيث انحسر أمامه مذهب الواقفية ومذهب أرباب الخصوص.
ناهيك عن دلالة العام واختلاف نظرة العلماء إليها، من حيث القطعية والظنية قبل التخصيص وبعده، وما ترتب على ذلك من آثار تزخر بها كتب الأحكام والفروع.
стр. 588
ولقد كان من توفيق الله ما أقدرنيه - بجانب تحرير هذه المسائل - من الكشف عن مذهب ابن حزم ﵀ في تحديد من هم الواقفية، ثم الحكم عليهم، وكيف أنه قد وسَّع دائرة التعميم حتى اتهم كثيرًا من مخالفيه بأنهم من الواقفية في العديد من المسائل، وأرجو أن أكون قد حرَّرت هذا الموضوع بما يزيل اللبس ويقف بالقارئ موقف الموضوعية والتجرد في الحكم.
وإذا غادرنا هذه الأمور: نرى ما كان من قواعد الأئمة واختلافهم في أمر التخصيص ومسائله، وانعكاس ذلك على الاختلاف في الأحكام والفروع، وهو باب عريض من أبواب الاستنباط ظهرت فيه مواقف الأئمة ونظراتهم البصيرة إلى النصوص، وأي الأسباب صالح للتخصيص وأيها لا يصلح، الأمر الذي يسهِّل للباحث أن يرد الفروع إلى أصولها، ويسلم منازع الاختلاف في العديد من الفروع الفقهية عند العلماء.
هذا: وإن الاشتراك في الألفاظ كثير، والاشتراك ظاهرة في لغتنا الكريمة، وهو أمر وثيق الصلة بالاستنباط، ودلالات الخطاب عند العرب الذين جاءت نصوص الكتاب والسنّة على وفق ما يفهمون ويدركون من طبيعة لغتهم ودلالة الخطاب فيها.
ومباحث الخاص يعطيها علماؤنا قدرًا كبيرًا من العناية، حتى إن الكثير منهم يجعلها في مقدمة موضوعات الأصول وهي تشمل - فيما تشمل - قواعد الاستنباط في حالات الإطلاق، وفي حالات التقييد، لأن في النصوص المطلقَ والمقيدَ. ولقد واجه علماؤنا ذلك ورسموا الطريق لأخذ الحكم من خلاله، وإن اختلفوا في العديد من القواعد.
ومن أبرز ما اشتملت عليه مباحث الخاص: "الأمر والنهي"، وإذا قلنا: "الأمر والنهي" فمعنى ذلك: البحثُ في صيغ التكليف التي مدار أكثرها على "افعل، لا تفعل".
والساحة التي تتحرك فيها صيغ التكليف ساحة بعيدة المدى متسعة الأرجاء، لما أن متعلقاتها كلُّ تلك النصوص التي تشتمل على ذلك الخطاب التكليفي في شؤون أحكام الشريعة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة
стр. 589
والسلام. ولكل من الأمر والنهي دلالته المستقاة من طبيعة اللغة ومفهومات الشريعة، حتى إذا جاءت القرائن، كنت ملزمًا لأن تحكم بحسب هذه القرائن التي حفت بالنص. وبجانب ذلك ما أكثر الحالات التي تمليها طبيعة التكليف، وخطابه من خلال تلك الحالات، ولقد كان لعلمائنا القدح المعلى في وضع الضوابط لهذا كله، من أجل أن يسير الاستنباط على الخط الواضح المستنير.
وفي يقيني أن وقفات الباحث عند كثير من الأمور التي ألمحنا إليها، تحريرًا لموطن النزاع، أو ترجيحًا واختيارًا بالدليل لاتجاه دون آخر، أو استكمالًا للآثار المترتبة على الاختلاف وتعدد وجهات النظر بعد التنقيب في المخطوط والمطبوع من مصادرها الأصلية الأولى، وحسب التسلسل التاريخي: كل ذلك ضرورة تمليها أمانة المعرفة والتحقيق العلمي، خصوصًا في تلك القضايا المرتبطة بالحلال والحرام، ثم خروج المكلف من العهدة بأن يفعل أو لا يفعل.
ومن بعض ما يدل عليه ذلك - بجانب تفرد أمتنا بهذه المناهج - الدلالة على أن الفقه الذي رسم علماؤنا قواعد استنباط أحكامه من النصوص، كان معاناة واتباعًا للنص، وفهمًا يتسم بالأمانة والحرص على أن تكون النصوص متبوعة لا تابعة، ولم يكن نقلًا عشوائيًا دون تبصر وتمثُّل لأمانة الحرص على النص، والاجتهاد في فهمه إن وجد، وفيما وراء ذلك إن لم يوجد.
على أني - ولله الحمد والمنة - لم آل جهدًا في كشف مواقف الضعف التي جنح إليها بعض العلماء ﵏، من استغراق في التقدير لأقوال المذهب في مقابل النص، حتى بدا النص وكأنه تابع لا متبوع، ثم في بيان غلو البعض في تطبيق القاعدة الأصولية، دون نظر إلى مكانة النص الذي يدور حوله الاختلاف من كونه مقبولًا أو مردودًا. وقد أشرت إلى ذلك أيضًا في خاتمة هذا الجزء - بحيث يمكن إنهاء الاختلاف، لو سبق ذلك - حين يتعلق الأمر بالسنة المطهرة - تحرير نص الحديث المختلف في شأنه عند الاستنباط منه والحكم بصلاحيته للاستنباط أو عدم صلاحيته لذلك.
وإنك واجد عند ابن حزم ﵀ على جلالة قدره وكبر فضله - العديد
стр. 590
من المواقف التي شغلته فيها حدة التمسك بمذهبه الظاهري عن رؤية كل جزئيات المسألة في علاقته بالأئمة ﵏، ولقد أشرت إلى ذلك بالقدر الذي تسمح به طبيعة البحث.
هذا: ولقد استعنت الله في أن لا أدع - مع السير بالموضوعات على تشعبها واتساعها - أن أقارن المذاهب على اختلاف النزعات والمناهج، ومع الأمثلة والشواهد الموضحة: كان لا بد من وقفات هامة عند ثمرات التطبيق القاعدة الأصولية كما تظهر هذه الثمرات في الفروع والأحكام، بحيث تتجلى نتيجة اختلاف الاتجاهات وتعدد النظرات إلى القضية الواحدة، فيما كان من الاختلاف في الفروع الأمر الذي يمكِّن الباحث من تخريج الفرع على الأصل.
وبعد تلك الرحلة الطويلة مع الكتاب في قسميه وصلت إلى بعض النتائج التي أثبتها في خاتمة الكتاب، وآمل أن أكون قد وفيت يصنع الفهارس التي وعدت بها في فاتحة المجلد الأول، الأمر يسهل على الباحث أن يضع بين يديه مفاتيح الكتاب.
ولعل طبيعة معالجة "تفسير النصوص" كانت من الأمور التي دعت إلى تقسيم الكتاب إلى مجلدين، فقد وجدت في ذلك ما يناسب فائدة القارئ ومعاونته، بجانب الأمور الطباعية والفنية، أما تأخر هذا المجلد الثاني في الظهور: فقد كان الأمور تبدو خارجة عن طرق الناشر والمؤلف.
وفي خاتمة المطاف: إن في ابتغاء مرضاة ربنا جل وعلا ما ينسي الكثير من متاعب الطريق ويجعل من الصعاب هشيمًا تذروه الرياح.
وإني أسأل الله سبحانه - وهو المحمود على كل حال - أن يجعل من هذا الجهد المتواضع بابًا إلى غفر الزلات وتبديل السيئات بالحسنات، وأن يتقبله صفحات في خدمة دينه وشريعته، إنه نعم المولى ونعم النصير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
٢٩ من رجب ١٣٩١
محمد أديب الصالح
стр. 591
القِسْمُ الثَّاني قواعد التّفسير في حالات شمول الألفاظ في دلالتها على الأحكام وعدم شمولها
стр. 592
البَابُ الأَولُ دلاله الألفاظ على الأحكام في حالتي العموم والاشتراك
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: العام
الفصل الثاني: المشترك
стр. 593
الفصل الأول العام
تمهيد:
من خصائص لغة التنزيل في مدلولات ألفاظها: أن اللفظ كثيرًا ما يرد عامًا بحيث يفيد الشمول، فيدل على أفراد كثيرة غير محصورة يستغرقها، وإنه قد يطرأ عليه ما يخرج بعض الأفراد التي يشملها في أصل الوضع. أو يرد ما يُظهر أن العموم غير مراد.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية، والعربية المباركة: لغةُ البيان في نصوص أحكامها من الكتاب والسنة، وحين خاطب الله بشريعته العرب: خاطبها بلسانها على ما تعرف من معانيها، وما تألف من اتساع هذا اللسان، فكان طبيعيًا أن تبدو في تصوص الكتاب والسنة خاصة: إفادةُ الشمول وأن العموم قد يكون مرادًا، كما قد يكون غير مراد (١).
ومن هنا كان لا بد عند استنباط الأحكام من تلك النصوص: معرفة العام في ماهيته، وألفاظه، وأقسامه، ونوع دلالته على الحكم، وأبعاد شموله لما تحته من أفراد، وما قد يطرأ على ذلك.
ولقد كانت عناية علماء الأصول واضحة في مباحث العام؛ لأن طابع التكليف في الكتاب العزيز كان يتسم بالإجمال والعموم (٢) وقد جاء تعريف
стр. 594
هذا الكتاب الكريم بأمور الشريعة وأحكامها في قواعد كلية عامة على الأكثر، فكان لا بد من أن يكون بيانها بالسنة، ومضى عصر النبي ﷺ ، والصحابةُ يدركون مفهوم العام من لغة التنزيل في ضوء معهودهم من دلالة الخطاب، وبيانِ النبي ﵊. ولكن انقراض عصر الصحابة قبل كمال تدوين السنة التي تولت البيان، - وكان ذلك من مناقب عمر بن عبد العزيز - جعل الأفهام تختلف في فهم بعض عمومات الكتاب وكلياته. والقرآن الكريم حمَّال للمعاني كما هو معلوم.
ولما كان الكتاب والسنة هما الأصلان الأساسيان للشريعة، والسنة مبينة للكتاب، كان لا بد عند تدوين قواعد تفسير النصوص من وضع ضوابط للعام وما يتعلق به، كيما يتسنى معرفة ما يشمله العام في النص من الأحكام أولًا، ثم الأبعاد التي في حدودها يمكن الخروج فقهيًا من العهدة ثانيًا.
وهكذا كانت مباحث العموم جليلة الخطر عظيمة الأثر، لما يترتب على المعرفة بها والإحاطة بوجوها من الصلة بجانب عظيم من جوانب الاستنباط، وما ينشأ عن ذلك من إدراك لمدى ارتباط الأحكام بأصولها الكبرى، وضوابطها التي كان عليها البناء.
وسندرس في القادم من أبحاثنا "العام" في ماهيته، وألفاظه، ومذاهب العلماء فيما وضعت له تلك الألفاظ، ثم تخصيص العام، ونوع دلالة العام على الحكم من حيث القطعية والظنية، وما يتعلق بهذه الأمور كلها غير ناسين أن نقف عند العديد من الآثار الفقهية التي ترتبت على اختلاف مذاهب العلماء وتنوع نظراتهم في هذه الزمرة من قواعد التفسير.
* * *
стр. 595
المبحث الأول صيغ العموم
المطلب الأول ماهية العام ومذاهب العلماء في ألفاظه
العام في لغة التنزيل اسم فاعل من عمَّ بمعنى شمل، مأخوذ من العموم. وهو لغة: الشمول يقال: مطر عام أي شامل شمل الأمكنة كلها، وخصب عام أي عمَّ الأعيان ووسع البلاد، ونخلة عميمة أي طويلة. ولذلك قال ابن فارس: (العام: الذي يأتي على الجملة لا يغادر منها شيئًا كما في قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] وقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢، .... ]) (١).
أما في الاصطلاح: فيمكن تعريفه أخذًا من كلام الأكثرين بأنه: (اللفظ الموضوع وضعًا واحدًا للدلالة على جميع ما يصلح له من الأفراد، على سبيل الشمول والاستغراق من غير حصر في كمية معينة أو عدد معين) (٢).
وكذلك لفظ (السارق) و (السارقة) في قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
فإنه عام لأنه موضوع وضعًا واحدًا، ليدل على شمول واستغراق كل
стр. 596
سارق وسارقة من غير حصر في عدد معين، فكل من صدق عليه أنه سارق قطعت يده.
وكذلك لفظ "من" في قوله ﵊ يوم الفتح: "من ألقى السلاح فهو آمن" (١).
فإنه لفظ عام، يدل على استغراق وشمول كل فرد ألقى سلاحه من غير حصر في فرد معين أو أفراد معينين؛ فكل من انطبق عليه معنى القاء السلاح كان آمنًا (٢).
هذا: وقد ضرب الإمام الشافعي أمثلة للعام قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر] وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التغابن: ٣] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ثم قال: (فكل شيء من سماء وأرض، وذي روح وشجر وغير ذلك، فالله خلقه. وكلُّ دابة فعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها) (٣).
стр. 597
الفرق بين العام والمطلق:
من هنا يظهر الفرق بين العام والمطلق: فالعام يدل على شمول اللفظ لجميع أفراده من غير حصر، بينما نجد المطلق - كما سيأتي في مباحث الخاص - بدل على فرد شائع أو أفراد شائعة في جنسه، لا على جميع الأفراد.
وهكذا نرى العام يتناول، دفعة واحدة، كل ما ينطبق عليه معناه من الأفراد.
بينما لا يتناول المطلق إلا فردًا شائعًا من الأفراد.
ولذلك قال الأصوليون: (عموم العام شمولي وعموم المطلق بدلي). وفرق بين الشمولي والبدلي. قال الشوكاني: (والفرق بين عموم الشمول وعموم البدل: أن عموم الشمول كلي يُحكم فيه على كل فرد فرد، وعموم البدل كلي من حيث إنه لا يمنع تصوير مفهومه من وقوع الشركة فيه، ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد، بل على فرد شائع في أفراده، يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة واحدة) (١).
فالخروج من العهدة بالنسبة للمطلق يكون بأي فرد من الأفراد الشائعة في جنسه، بينما لا يكون ذلك في العام إلا بتناول الأفراد التي يشملها جميعًا.
ألفاظ العموم:
للعموم ألفاظ كثيرة تدل عليه نجتزئ منها بما يلي:
١ - لفظ ﴿كُلُّ﴾، ولفظ ﴿جَمِيعٌ﴾ فإنهما يدلان على العموم فيما يضافان إليه مثل ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١] ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
стр. 598
غير أن العموم فيما دخلت عليه ﴿كُلُّ﴾ إفرادي، يتعلق الحكم فيه بكل فرد، بقطع النظر عن غيره، وفيما دخلت عليه ﴿جَمِيعٌ﴾ جماعي: يتعلق الحكم فيه بالمجموع (١).
وفي أهمية لفظة ﴿كُلُّ﴾ في العموم نقل الشوكاني عن القاضي عبد الوهاب (٢) قوله: (ليس بعد ﴿كُلُّ﴾ في كلام العرب كلمة أعم منها، ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة) (٣).
٢ - الجمع المعرف باللام الاستغراقية: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]:
فلفظ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ في الآية الأولى، ولفظ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ في الآية الثانية جميع معرف باللام التي تفيد الاستغراق، ولهذا كان شاملًا لكل مطلَّقة في الأولى، كما أنه شامل لكل مؤمنٍ في الثانية.
٣ - الجمع المعرف بالإضافة: كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾
стр. 599
[النساء: ٢٣] فإن كلًا من الألفاظ في ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ في الآية الأولى و ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ في الآية الثانية و ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ في الآية الثالثة: جمع مضاف يفيد العموم؛ فهو يشمل جميع الأموال والأولاد والأمهات دون حصر بعدد معين.
وأما الجميع المنكَّر: فقد اختلف العلماء في عمومه، والأكثرون أنه غير عام.
وقد استدل القائلون بالعموم بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢].
فلفظ ﴿آلِهَةٌ﴾ جمع منكر، وهو عام؛ بدليل ما حصل من الاستثناء منه، والاستثناء أمارة العموم.
ورد الأكثرون، بأنه يطلق على الأفراد التي ينطبق عليها على سبيل البدل، وأن الاستدلال بالآية غير صحيح؛ لأن ﴿إِلَّا﴾ فيها ليست للاستثناء بل هي بمعنى ﴿غَيْرِ﴾ صفة لما قبلها، ولو كانت للاستثناء لوجب نصب ما بعدها وهو لفظ الجلالة؛ لأن الكلام تام موجب - كما يقول النحويون - ولفظ الجلالة مرفوع بلا خلاف (١) فلم يسلم لهم الاستدلال بالآية، ووضح أن القول بأن الجمع المنكَّر لا يفيد العموم: هو الفول المقبول (٢).
٤ - المفرد المعرف بأل التي تفيد الاستغراق، أو بالإضافة: مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
стр. 600
فلفظ كلّ من ﴿الْبَيْعَ﴾ و ﴿الرِّبَا﴾ في الآية الأولى و ﴿الزَّانِيَةُ﴾ و ﴿الزَّانِي﴾ في الآية الثانية، معرف بأل الجنسية التي تفيد الاستغراق؛ فهو عام يشمل كل الأفراد التي بصدق عليها، دون حصر بكمية معينة أو عدد معين.
٥ - أسماء الشرط: كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فلفظ ﴿مَن﴾ الشرطية عام في الآيتين، يفيد في الآية الأولى: أن كل من يقتل مؤمنًا على سبيل الخطأ، فعليه أن يحرر رقبة مؤمنة كفارةً لجنايته.
ويفيد في الآية الثانية: أن كل من يصل إلى علمه حلول شهر رمضان، وجب عليه الصوم.
٦ - أسماء الاستفهام كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥، الحديد: ١١].
هذا: وإن ﴿مَن﴾ إذا وقعت شرطية أو استفهامية أفادت العموم قطعًا، أما إذا وقعت موصوفة أو موصوفة فقد تكون للعموم، وقد تكون للخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥، محمد: ١٦] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] فإن المراد بـ ﴿مَن﴾ في الآيتين: بعض مخصوص من المنافقين (١).
٧ - النكرة الواقعة في سياق النفي: كقوله ﵊ في شأن الهجرة بعد فتح مكة: "لا هجرة بعد الفتح" (٢) وقوله في شأن الوصية: