سارق وسارقة من غير حصر في عدد معين، فكل من صدق عليه أنه سارق قطعت يده.
وكذلك لفظ "من" في قوله ﵊ يوم الفتح: "من ألقى السلاح فهو آمن" (١).
فإنه لفظ عام، يدل على استغراق وشمول كل فرد ألقى سلاحه من غير حصر في فرد معين أو أفراد معينين؛ فكل من انطبق عليه معنى القاء السلاح كان آمنًا (٢).
هذا: وقد ضرب الإمام الشافعي أمثلة للعام قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر] وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التغابن: ٣] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ثم قال: (فكل شيء من سماء وأرض، وذي روح وشجر وغير ذلك، فالله خلقه. وكلُّ دابة فعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها) (٣).
стр. 597
الفرق بين العام والمطلق:
من هنا يظهر الفرق بين العام والمطلق: فالعام يدل على شمول اللفظ لجميع أفراده من غير حصر، بينما نجد المطلق - كما سيأتي في مباحث الخاص - بدل على فرد شائع أو أفراد شائعة في جنسه، لا على جميع الأفراد.
وهكذا نرى العام يتناول، دفعة واحدة، كل ما ينطبق عليه معناه من الأفراد.
بينما لا يتناول المطلق إلا فردًا شائعًا من الأفراد.
ولذلك قال الأصوليون: (عموم العام شمولي وعموم المطلق بدلي). وفرق بين الشمولي والبدلي. قال الشوكاني: (والفرق بين عموم الشمول وعموم البدل: أن عموم الشمول كلي يُحكم فيه على كل فرد فرد، وعموم البدل كلي من حيث إنه لا يمنع تصوير مفهومه من وقوع الشركة فيه، ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد، بل على فرد شائع في أفراده، يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة واحدة) (١).
فالخروج من العهدة بالنسبة للمطلق يكون بأي فرد من الأفراد الشائعة في جنسه، بينما لا يكون ذلك في العام إلا بتناول الأفراد التي يشملها جميعًا.
ألفاظ العموم:
للعموم ألفاظ كثيرة تدل عليه نجتزئ منها بما يلي:
١ - لفظ ﴿كُلُّ﴾، ولفظ ﴿جَمِيعٌ﴾ فإنهما يدلان على العموم فيما يضافان إليه مثل ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١] ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
стр. 598
غير أن العموم فيما دخلت عليه ﴿كُلُّ﴾ إفرادي، يتعلق الحكم فيه بكل فرد، بقطع النظر عن غيره، وفيما دخلت عليه ﴿جَمِيعٌ﴾ جماعي: يتعلق الحكم فيه بالمجموع (١).
وفي أهمية لفظة ﴿كُلُّ﴾ في العموم نقل الشوكاني عن القاضي عبد الوهاب (٢) قوله: (ليس بعد ﴿كُلُّ﴾ في كلام العرب كلمة أعم منها، ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة) (٣).
٢ - الجمع المعرف باللام الاستغراقية: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]:
فلفظ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ في الآية الأولى، ولفظ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ في الآية الثانية جميع معرف باللام التي تفيد الاستغراق، ولهذا كان شاملًا لكل مطلَّقة في الأولى، كما أنه شامل لكل مؤمنٍ في الثانية.
٣ - الجمع المعرف بالإضافة: كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾
стр. 599
[النساء: ٢٣] فإن كلًا من الألفاظ في ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ في الآية الأولى و ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ في الآية الثانية و ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ في الآية الثالثة: جمع مضاف يفيد العموم؛ فهو يشمل جميع الأموال والأولاد والأمهات دون حصر بعدد معين.
وأما الجميع المنكَّر: فقد اختلف العلماء في عمومه، والأكثرون أنه غير عام.
وقد استدل القائلون بالعموم بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢].
فلفظ ﴿آلِهَةٌ﴾ جمع منكر، وهو عام؛ بدليل ما حصل من الاستثناء منه، والاستثناء أمارة العموم.
ورد الأكثرون، بأنه يطلق على الأفراد التي ينطبق عليها على سبيل البدل، وأن الاستدلال بالآية غير صحيح؛ لأن ﴿إِلَّا﴾ فيها ليست للاستثناء بل هي بمعنى ﴿غَيْرِ﴾ صفة لما قبلها، ولو كانت للاستثناء لوجب نصب ما بعدها وهو لفظ الجلالة؛ لأن الكلام تام موجب - كما يقول النحويون - ولفظ الجلالة مرفوع بلا خلاف (١) فلم يسلم لهم الاستدلال بالآية، ووضح أن القول بأن الجمع المنكَّر لا يفيد العموم: هو الفول المقبول (٢).
٤ - المفرد المعرف بأل التي تفيد الاستغراق، أو بالإضافة: مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
стр. 600
فلفظ كلّ من ﴿الْبَيْعَ﴾ و ﴿الرِّبَا﴾ في الآية الأولى و ﴿الزَّانِيَةُ﴾ و ﴿الزَّانِي﴾ في الآية الثانية، معرف بأل الجنسية التي تفيد الاستغراق؛ فهو عام يشمل كل الأفراد التي بصدق عليها، دون حصر بكمية معينة أو عدد معين.
٥ - أسماء الشرط: كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فلفظ ﴿مَن﴾ الشرطية عام في الآيتين، يفيد في الآية الأولى: أن كل من يقتل مؤمنًا على سبيل الخطأ، فعليه أن يحرر رقبة مؤمنة كفارةً لجنايته.
ويفيد في الآية الثانية: أن كل من يصل إلى علمه حلول شهر رمضان، وجب عليه الصوم.
٦ - أسماء الاستفهام كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥، الحديد: ١١].
هذا: وإن ﴿مَن﴾ إذا وقعت شرطية أو استفهامية أفادت العموم قطعًا، أما إذا وقعت موصوفة أو موصوفة فقد تكون للعموم، وقد تكون للخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥، محمد: ١٦] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] فإن المراد بـ ﴿مَن﴾ في الآيتين: بعض مخصوص من المنافقين (١).
٧ - النكرة الواقعة في سياق النفي: كقوله ﵊ في شأن الهجرة بعد فتح مكة: "لا هجرة بعد الفتح" (٢) وقوله في شأن الوصية:
стр. 601
"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (١).
أو في سياق النهي: كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
فكلمتا "هجرة" في النص الأول و"وصية" في النص الثاني: كل منهما نكرة وقعت في سياق النفي، فتعيد العموم.
كما أن كلمة ﴿أَحَدٍ﴾ في الآية: نكرة وقعت في سياق النهي فتفيد العموم أيضًا. أما النكرة في سياق الإثبات: فلا تعم (٢).
стр. 602
٨ - النكرة الموصوفة بوصف عام: كقوله تعالى في شأن تحريم زواج المسلمات بغير المسلمين: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله سبحانه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣].
فلفظ ﴿عبد﴾ في الآية الأولى، ولفظ ﴿قَوْلٌ﴾ في الآية الثانية: كل منهما يفيد العموم، لأنه نكرة موضوفة.
٩ - الأسماء الموصولة: كما في قوله جلَّ ثناؤه في وصف آكلي الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
فلفظ ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية الأولى عام يشمل كل آكل الربا، ولفظ ﴿مَا﴾ في الآية الثانية عام يشمل من عدا المحرمات المذكورات في آية محرمات النساء من قوله تعالى: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣].
* * *
مذاهب العلماء فيما وضعت له ألفاظ العموم
اختلفت أنظار العلماء فيما وضعت له ألفاظ العموم، وكانت المذاهب في ذلك ثلاثة:
الأول: مذهب عامة الأشاعرة وبعض المتكلمين: وهو "التوقف": فإذا ورد لفظ من الفاظ العموم: وجب التوقف عن العمل به، حتى يقوم دليل عموم أو خصوص. وسمي أهل هذا المذهب بـ "الواقفية". ولم يكن هؤلاء
стр. 603
في القرون الثلاثة الأولى بل وجدوا - كما يرى السرخسي - في القرن الرابع الهجري (١).
الثاني: مذهب البلخي (٢) من الحنفية والجبائي (٣) من المعتزلة: وهو "الجزم بأخص الخصوص"، ومعنى ذلك حمل صيغة العموم على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض - كالواحد في الجنس، والثلاثة في الجمع - والتوقف فيما وراء ذلك. ويسمى هذا المذهب (مذهب أرباب الخصوص) (٤).
الثالث: إثبات الحكم في جميع ما يتناوله العموم من أفراد؛ فالعام على ظاهره من شمول ما ينطوي تحته من تلك الأفراد، لا يصرف عن ذلك إلا بدليل. وأصحاب هذا المذهب: هم الجمهور، ويسمون (أرباب العموم) (٥).
وهذا التقسيم الذي ألمحنا إليه، درج عليه الإمام الغزالي من
стр. 604
المتكلمين (١) كما درج عليه من الحنفية صاحب "التوضيح"، ومن تابعه من المتأخرين (٢).
غير أن الغزالي جعل الخلاف بين العلماء حول صيغ خمسة من صيغ العموم، وهي:
ألفاظ الجموع، "من" و "ما" إذا وردا للشرط والجزاء. ألفاظ النفي. الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف ولام التعريف. والألفاظ المؤكدة. بينما لم يحدد ذلك الآخرون، بل عرضوا للخلاف في صيغ العموم بوجه عام.
مسلك البزدوي والسرخسي:
أما فخر الإسلام البزدوي: فقد جعل أرباب الخصوص فرقة من الواقفية؛ فعنده: (أرباب العموم)، و (الواقفية) - ومنهم أرباب الخصوص - (٣). وكان ذلك اتجاه شمس الأئمة السرخسي الذي ذكر في معرض بيان حكم العام أن (بعض المتأخرين ممن لا سلف لهم في القرون الثلاثة قالوا: حكمه الوقف حتى يتبين المراد منه، بمنزلة المشترك أو المجمل. ويسمى هؤلاء، "الواقفية") ثم بيَّن ﵀ أن أرباب الخصوص فرقة من الواقفية حين قال: (إلا أن منهم - يعني الواقعية - من يقولون يثبت به أخص الخصوص، وفيما وراء ذلك الحكم: هو الوقف، حتى يتبين المراد بالدليل) وبعد ذلك بيَّن مذهب أرباب العموم دون أن يطلق عليهم هذه التسمية (٤).
وعلى هذا يكون اتجاه الواقفية وأرباب الخصوص قد ظهر في القرن الرابع الهجري، كما أشرنا، سواء اعتبرنا أرباب المخصوص فرقة خاصة، أم اعتبرناهم شعبة من الواقفية.
стр. 605
مسلك عبد العزيز البخاري:
أما عبد العزيز البخاري صاحب "كشف الأسرار": فقد قسم الواقفية إلى خميس فرق؛ عدَّ أرباب الخصوص واحدة منها (١).
رأينا في التقسيم:
ويبدو لي أن الخطب سهل في جعل مذهب أخص الخصوص قسيمًا لمذهب الواقفية، أو قسمًا منه، وإن كان الفرق يبدو في أن أرباب الخصوص يتوقفون فيما وراء ما يدل عليه أخص الخصوص، وأولئك
стр. 606
يتوقفون في مدلول العام كلية، أو لا يرون للعام صيغة - كما يقول البعض - وهم يتوقفون حتى يقوم دليل عموم أو خصوص.
وعلى كلٍّ سنسير على طريقة جعلهم فرقتين، ليتسنى عوض الأدلة ومناقشتها بوضوح، وبذلك يتبين في هذا المعترك طريق المذهب الذي يثبت الدليل سلامته، واتساقه مع مفهومات الشريعة ولغة التنزيل.
* * *
المطلب الثاني موقف العلماء من مذهب الوقف
استدل الواقفية على ما ذهبوا إليه بعدة أدلة أهمها ما يلي:
١ - إن الألفاظ التي يُدَّعى عمومُها هي من قبيل المجمل، وحكم المجمل التوقف حتى يأتي البيان، إذ من المحتمل أن يكون المراد بعضَ ما تناوله ذلك اللفظ، وهذا البعض لا يمكن معرفته بالتأمل في صيغة اللفظ، كما في المشكل: بل لا بد من ورود البيان من المبيَّن.
أ - يؤيد ذلك أنه يستقيم أن يقرن بالعام على وجه البيان والتفسير: ما هو المراد به من العموم، فيؤكد بكل وأجمع، حيث يقال: جاء القوم كلهم أو أجمعون، الأمر الذي يفيد الشمول والاستغراق، ولو كان مطلق هذا اللفظ يوجب العموم، فيكون للاستغراق والشمول: لم يستقم تفسيره بلفظ آخر كالخاص؛ فإنه لا يستقيم أن يقرن به ما يكون ثابتًا بموجبه، فلا يقال: جاءني زيد كله أو جميعه.
ولما استقام في العام أن يقرن به ما يفسره ويبينه، عرفنا أنه غيرُ موجب للإحاطة بنفسه، والبعض الذي هو مراد منه غير معلوم، فيكون بمنزلة المجمل (١).
стр. 607
ب - كما أن دلالة أعداد الجمع مختلفة من غير أولوية للبعض؛ فجمع القلة يصيح أن يراد منه كل عدد من الثلاثة إلى العشرة، وجمع الكثرة يصح أن يراد منه كل عدد من العشرة إلى ما لا نهاية.
فإذا قال قائلٌ: لفلان علي أفلُسُ، يصح بأنه من الثلاثة إلى العشرة فيكون مجملًا (١).
وقد أجيب عن الشق الأولى من هذا الدليل: بأن التأكيد دليل العموم والاستغراق، وإلا لكان تأييسًا لا تأكيدًا، كما صرح بذلك أئمة العربية (٢).
وأجيب عن الشق الثاني، وهو اختلاف أعداد المجمع: بأنا نحمل العام على الكل احترازًا عن ترجيح البعض بلا مرجع فلا إجمال (٣).
٢ - أما الدليل الثاني للواقفية: فهو اعتبارهم العام من المشترك فإنه - أي العام - كما يطلق على الكثير، يطلق على الواحد، والأصل في الإطلاق الحقيقة؛ فيكون مشترَكًا.
وقد جاء في القرآن الكريم ذكر الجمع مرادًا به الواحد؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
стр. 608
فالمراد بلفظ الناس الأولِ: نُعَيْمُ بن مسعود (١) أو أعرابي آخر، كما أن المراد بلفظ ﴿النَّاسِ﴾ الثاني: أهلُ مكة؛ فاللفظ عام، والمراد واحد (٢).
الجواب عن الاشتراك:
وقد أجاب السعد التفتازاني صاحب "التلويح" على هذا الدليل بأن المجاز راجح على الاشتراك، فيحمل عليه للقطع بأنه حقيقة في الكثير. ثم أكد ذلك بإجماع أئمة اللغة فقال: (على أن كون الجمع مجازًا في الواحد مما أجمع عليه أئمة اللغة) (٣).
ومعلوم أن المراد بالجمع هنا عند أئمة اللغة: (ما يعم صيغة الجمع كالرجال واسم الجمع كالناس).
وبهذا يكون الاستدلال بذكر ﴿النَّاسِ﴾ في الآية حين قُصد نُعيم بن مسعود أو أعرابي آخر، عديم الجدوى، ما دام اسم الجمع - كالناس - مما أجمع أئمة اللغة على أنه يستعمل في الواحد. ويبدو أن الواقفية لم يكونوا على استقرار
стр. 609
في ادعاء الاشتراك، أو الإجمال في ألفاظ العموم. بل كانوا يستدلون بهذا تارة، وبذلك تارة أخرى، كما كشف عن ذلك صاحب "التلويح" (١).
مسلك الإمام ابن حزم:
أما ابن حزم: فقد كان له من أهل هذا المذهب موقف لا يُغني عن بحثه والتأني في الوقوف عنده، ما مررنا به من مناقشة بعض أئمة الأصول لهذه الطائفة من الباحثين؛ لأن الوقف والأخذ بالظاهر: على طرفي نقيض. وقد أورد أبو محمد للواقفية من خلال منهجه الخاص عددًا من الحجج التي يعوزها التنظيم والتسلسل، وتولى الرد عليها. وسنعرض لطائفة مما استطعنا - بعد لأيٍ - استخلاصه من تلك الحجج والرد عليها، وبيان ذلك فيما يلي:
الحجة الأولى:
كان فيما أورده ابن حزم على لسان الواقفية: أن الألفاظ مقتضيةٌ للعموم بصيغها حين وُجدت؛ كما لا يوجد اسم السواد على البياض. فلما وجدنا ألفاظًا ظاهرُها العموم، والمرادُ بها الخصوص: علمنا أنها لا تحمل على العموم إلا بدليل (٢).
رد ابن حزم:
ويرد ابن حزم على هذه الحجة ردًا يأخذ طريقه على مرحلتين:
أ - يقرر أبو محمد أن وجود الفاظ منقولة عن موضوعها في اللغة،
стр. 610
ليس بموجب أن يُعَطَّلَ كل لفظ، ويفسد وقوع الأسماء على مسمياتها، ولو عطلنا كل لفظ، وقطعناه عن معناه لوجود ألفاظ منقولة عن مسمياتها في اللغة، لكان وجودنا آيات منسوخة لا يجوز العمل بها: موجبًا لترك العمل بشيء من سائر الآيات كلها، إلا بدليل يوجب العمل بها من غير لفظها.
قال أبو محمد: (ومن قال هذا فقد كفر بإجماع. ومن لم يقله فقد تناقض، ودل على فساد مذهبه) (١).
ب - وفي تتمة الرد يحاول ﵀ أن يرد دعواهم بأن الصيغ المدعى إفادتُها العموم، ليست موضوعة لذلك، كما لا يوضع اسم السواد على البياض.
وقام رده على إمكان وضع أسود على غير اللون فيقال: فلان أسود من فلان، من معنى السيادة، وليس ذلك بمبطل أن يكون السواد موضوعًا لعدم الألوان.
وكذلك على إمكان أن يقال للأسود: أبو البيضاء، وليس ذلك بمبطل أن يكون البياض موضوعًا للوَّن المفرق للبصر (٢).
رأينا في رد ابن حزم:
ولئن كنا نخالف الواقفية فيما ذهبوا إليه من القول بالوقف، إنا لا نتفق مع ابن حزم ﵀ في طريق رده لهذه الحجة المنقولة عنهم في الاستدلال لمذهبهم الذي خالفوا فيه الجمهور.
أ - أما عن الشق الأول: وهو مسألة النسخ، فلعل هذا التنظير من ابن حزم غير صحيح على إطلاقه؛ إذ إن ادعاء أرباب الوقف بأن لا صيغ للعموم، لأنهم وجدوا ألفاظًا ظاهرُها العموم والمراد بها الخصوص: هو غير النسخ، فالنسخ قام الدليل الشرعي على وقوعه في نظر العلماء (٣)، أما صيغ
стр. 611
العموم: فهؤلاء ينكرون وجودها لهذا الغرض في أصل الوضع، وذلك لأنها أُطلقت وأريد بها الخصوصُ كما يدَّعون.
ب - أما عن الشق الثاني: وهو مسألة السواد والبياض، فنرى ابن حزم يخرج عن الدائرة التي بجري فيها الاستدلال.
والقوم في دعواهم أن السواد لا يوضع على البياض، إنما يحصرون كلامهم في الألوان. أما أن يلزمهم ابن حزم باشتقاق أسود من السيادة الذي هو على وزن أفضل، كما أن أسود اللون المعروف على وزن أفعل: فهذا يذكرنا باتهامه للكثيرين بالسفسطة.
وكان يحسبه أن يرد عليهم: بأن العموم الذي أريد به الخصوص، كان في حالات قام الدليل عليها، وإلا فهي داخلة في باب المجاز، كما سيأتي في بعض ردوده على المخالفين، وكما رد غيره من أرباب مذهب العموم، وقد رأينا ذلك من قبل (١).
الحجة الثانية:
ولأرباب الوقف حجة وصفها ابن حزم بالتمويه، فذكر أنهم موهوا أيضًا بما هو عليهم لا لهم: وهو تردد بني إسرائيل في أمره تعالى لهم بذبح البقرة. يعني ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٦٧ - ٧١].
والحق أنها شبهة واهية؛ لأن الله ذكر ترددهم في معرض الذم الشديد.
стр. 612
ولقد نعى ابن حزم على الواقفية تذرعهم بهذه الشبهة حيث حاولوا تقوية مذهبهم بأنه موافق لأمر ذمَّه الله . ولو لم يكن في تردد بني إسرائيل إلا قولُهم لموسى ﵇: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ جوابًا لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ لكفى. ومن خاطبه نبي عن الله بأمرٍ ما؛ فجعله المخاطب هزوًا فقد كفر.
وذكر من شعبهم … أنهم قالوا: نحن في الخطاب الوارد: كالحاكم شهد عنده شاهدان؛ فلا بد من السؤال عنهما، والتوقفِ حتى تصح عدالتهما.
وهذا - كما يقول ابن حزم - تشبيه فاسد؛ لأن الشاهدين لو صحت عندنا عدالتهما قبل الشهادة: فهما على تلك العدالة، ولا يصبح التوقف في شهادتهما.
وكذلك ما أيقنا أنه خطاب الله تعالى، أو خطاب رسول الله ﷺ لنا. وإنما تتوقف في الشاهدين إذا لم نعلمهما، كما نتوقف في الخبر إذا لم يصح عندنا أنه عن النبي ﷺ ؛ فلا نحكم بشيء من ذلك (١).
الحجة الثالثة:
ومما احتج به أرباب الوقف أيضًا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهو غير مخلوق. كما احتجوا بالآية التي ورد ذكرها أكثر من مرة فيما سبق وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قالوا: وإنما قال لهم ذلك بعض الناس، وهو نُعيم بن مسعود، أو آخر، وإنما كان الجامعون لهم بعض الناس لا كلهم.
ويرى ابن حزم - كما نرى معه - أنه لا دليل لهم في أي من الآيتين:
أما الآية الأولى: فالمفهوم من النص أن المراد بخلقه تعالى كل شيء: كل ما دونه على العموم، لأنه لما كان تعالى هو الذي خلق كل شيء
стр. 613
- ومن المحال أن يُحدِث أحد نفسه - صح أن اللفظ لم يأت قط ليشمل الخالق فيما ذكر أنه خلقه (١).
أما الآية الثانية: فواقع الحال يدل على أن العموم المقصود: هو ما قام في العقل، لا العموم على إطلاقه.
فالمخبرون لهؤلاء بأن الناس قد جمعوا لهم: غير الناس المخبرين لهم. والناس الجامعون لهم: غير الناس المخبرين لهم - كما هو معلوم - والطائفتان معًا: غير الطائفة المجموع لها (٢).
وهكذا خرجت الألفاظ عن موضوعها في اللغة بدليل، وهذا ما لا ينكره ابن حزم. لذا يقول: (وإنما ننكر دعوى إخراج الألفاظ عن مفهومها بلا دليل) (٣).
الحجة الرابعة:
وهذه حجة لأرباب الوقف رأينا غير ابن حزم يوردها على لسان الواقفية. وهي حجة اعتبرها هو من التمويه أيضًا، وهي قولهم: لو كان للعموم صيغة تقتضيه ولفظ موضوع له، لما كان لدخول التأكيد عليه معني؛ لأنه كان يلتقي في ذلك باللفظ الدال على العموم.
وقد أحسن ﵀ حين قرر بوضوح: أنه لو كان هذا صحيحًا: لكان كلامهم متناقضًا؛ لأنا نجد التأكيد يأتي مرتين وثلاثًا، فلو كان التأكيد الأول يأتي لإخراج اللفظ من الخصوص إلى العموم، لكان التأكيد الثاني مثله أيضًا، ولوجب أن يكون مُخرجًا للكلام المؤكد بالتأكيد الأول عن الخصوص إلى العموم؛ فكان يكون التأكيد الأولى خصوصًا عمومًا معًا وهذا
стр. 614
لا يعقل، وقد قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر] (١) فلا يعقل أنه أراد (مجتمعين) بل جائز أن يكون الذين أتوا أتوا أفرادًا مفترقين.
وفي بعض جولاته مع الواقفية في رد هذه الحجة: اتهمهم بالكفر معتبرًا احتجاجهم بالتأكيد تعليمًا لربهم - والعياذ بالله - أشياء استدركوها … وأن هذا جرى على عادتهم في الحكم بالقياس في أشياء ادعوا أن ربهم تعالى لم يذكرها ولا حكم فيها. وأعلن ﵀ براءته إلى الله تعالى من ذلك.
وبعد هذا قرر أن التأكيد في اللغة كثير الوجود، كتكراره تعالى ما كرر من الأخبار، وكتكراره في سورة واحدة: يأتي ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن] إحدى وثلاثين مرة: و ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠، الحج: ١٨] و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء].
ولهذا التكرار أعظم فائدة، والتأكيد مثله، لأنه تعالى علم أن سيكون في خلقه قوم يرومون إبطال الحقائق: فحسم من دعاواهم ما شاء بالتأكيد، وليقيم بذلك الحجة عليهم.
أما إذا ترك التأكيد فليضلوا فيها، ويستحقّ منهم من قلد وعاند المذاب الأليم، ويؤجر من أطاع وسلَّم الأجر الجزيل (٢).
стр. 615
أما معنى التأكيد عنده: فهو (كمعنى قول القائل: أنا شهدت فلانًا ونظرت إليه بعيني هاتين، وهو يفعل أمر كذا، وقد علمنا أن النظر لا يكون إلا بالعينين، وكذلك يقول: سمعت بأذني، والسمع لا يكون منا إلا بالأذنين. ولو سكت عن ذلك لعلمنا من خبره كالذي علمنا إذا ذكر العيتين والأذنين ولا فرق) (١).
الحجة الخامسة:
ومما ذكر ابن حزم عن الواقعية: اعتبارُهم أن مما ينفي أن تكون للعموم صيغة، حسنَ الاستثناء منه، وحسنَ الاستفهام.
أ - فلو كان العموم حقًّا، لما حسن الاستثناء منه وصرفه إلى الخصوص.
وقد رد ذلك ابن حزم واعتبره في غاية التمويه، لأن العموم صيغة ورود اللفظ الجامع الأشياء ركب ذلك اللفظ عليها؛ فإذا جاء الاستثناء كان ذلك اللفظ مع الاستثناء معًا، صيغة للخصوص، قال أبو محمد:
стр. 616
(وهذا نص قولنا؛ فورود الاستثناء عبارة عن الخصوص، وعدم وروده عبارة عن العموم). ولم يكتف بذلك، بل عكس عليهم السؤال نفسه فقال: (لو كان للخصوص صيغة لما كان للاستثناء معنًى، لأنه لم يكن يستفاد به فائدة أكثر من اللفظ قبل ورود الاستثناء) (١).
ب - ولو كان اللفظ يقتضي العموم، لما حسن فيه الاستفهام. ولما حسُن فيه الاستفهام: علمنا أنه لا يقتضي العموم بنص لفظه.
وكان ذلك في نظر ابن حزم كسابقه وهو الاستثناء؛ والاستفهام يحسن من جاهل بحدود الكلام، أما استفهام المستفهم عن الآية أو الحديث: فمذموم. وقد أنكر ذلك رسول الله ﷺ وقال: "اتركوني ما تركتكم" (٢).
стр. 617
وكما عكس عليهم سؤال الاستثناء، يعكس سؤال الاستفهام؛ فيقال لهم - في رأي ابن حزم - لو كان اللفظ يفهم منه الخصوص: لما كان للاستفهام معني. ويؤكد أرباب الوقف حجتهم بأن الاستفهام لا يحسن في الخبر عن الواحد؛ لأنه مفهوم من نص لفظه.
ويدفع ذلك ابن حزم بأن الاستفهام يحسن في الواحد، كحسنه في العموم؛ وذلك أن يقول القائل: أتاني اليوم زيد، فيقول السامع: أجاءك زيد نفسه؟ إما على سبيل الإكبار، وإما على سبيل السرور، أو على بعض الوجوه المشاهدة. وهذا أمر معلوم لا ينكره ذو عقل (١).
стр. 618
الحد الزمني للوقف:
هذا وفي خاتمة المطاف، كان لا بد من إيراد هذا السؤال الذي أحرج الواقفية؛ فقد تساءل ابن حزم عن الحد الزمني للوقف وإلى متى يكون؟ وقرر ﵀ أنهم - يعني الواقفية - إن حدّوا حدًّا كانوا متحكمين بلا دليل، وإن قالوا: حتى ننظر في دلائل القرآن والسنة سألناهم: فقلنا لهم: فإن لم تجدوا دليلًا على عموم ولا خصوص، ولم تجدوا غير اللفظ الوارد ماذا تصنعون؟ فإن قالوا: تقف أبدًا أقروا بالعصيان ومخالفة الأوامر، وأدى قولهم إلى أن الله تعالى لم يبين مراده، وأن الرسول ﷺ لم يبين ولا بلَّغ، وهذا كفر.
وإن قالوا: إن لم نجد دليلًا على الخصوص: صرنا إلى العموم، فقد رجعوا إلى ما أنكروا، وأقروا بأنهم إنما حملوا الكلام على العموم بصيغته ولفظه، وبعدم الدليل. وهذا هو نفس قولنا الذي أبوه (١).
وهكذا فقد قطع الإمام ابن حزم رحلة طويلة مع الواقفية، عرضنا على القارئ بعض معالم الطريق فيها، ولئن بدا أبو محمد قاسيًا في الحكم بعض الأحيان، فهي قسوة مطلوبة حين يكون هنالك تعطيل لنصوص الشريعة ومحاولة للإتيان على بنيانها من القواعد. نقول هذا اختلاف معه - كما سيأتي - في تطبيق المبدأ على كثير من المتهمين.
ولقد كان ابن حزم - على تشعب المسالك في معركته مع الواقفية - واضحًا في بيان ما أراد، وما اعتقد أنه حق؛ فالأخذ بالعموم هو الأصل، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل (٢).
стр. 619
رأينا في الموضوع:
والذي نخلص إليه بعد الجولة الماضية بين الواقفية ومخالفيهم في الرأي، أنه ليس للواقفية فيما ذهبوا إليه سند من اللغة أو الشرع، ولذا فإنا نخالفهم في أمر الوقف، ونرى اعتقاد عموم الألفاظ في الأزمان والأعيان إلا ما قام الدليل على أنه خارج عن العموم، كما سيأتي في مذهب أرباب العموم وتأييدنا له.
إلا أننا بعد كل الذي رأيناه من خطورة هذا المذهب والتخوف منه على النصوص، لا بد من أن نتساءل: هل كان لمذهب أرباب الوقف آثار عملية في فروع الأحكام؟
الواقع أنا لا نرى للواقفية في فروع الفقه رأيًا أوقفوا فيه النص دون عموم أو خصوص.
ومعنى ذلك: أنها أبحاث نظرية اتخذت طريقها في مرحلة ما قبل أن يتبين لهم الدليل، والنتائج دلت على أنه قد ظهر لهم إما دليل العموم، وإما دليل الخصوص، فكانت فروغ المسائل منطبقة على هذه الأصول.
وإلى جانب ذلك: من الممكن أن نقرر أن المحور الذي كانت تدور حوله أكثر هذه الآراء عند الواقفية: إنما هو - فيما يبدو - محور الكلام في العقائد، وليس في الأحكام التكليفية التي جاء بها القرآن وتكفلت السنة بيانها البيان الشافي في أكثر الأحيان، وإن لم يكن هذا البيان شافيًا لحكمة يعلمها الشارع: كان بيانًا ينقل الألفاظ من الإجمال إلى الإشكال، حيث يعمل الاجتهاد عمله وتساعد القرائن على الاهتداء إلى المعنى المراد.
стр. 620
ومعلوم أن صاحب السنة صلوات الله عليه انتقل إلى الرفيق الأعلى، وقد أدى أمانة ربه في التبليغ والبيان، وترك الأمة على بيضاء نقية ليلها كنهارها؛ فكل ما كانت الأمة بحاجة إلى بيانه ﵊ فقد بينه فكما كان جِدَّ أمينٍ في التبليغ: كان جِدَّ أمين في البيان (١).
ولعل مما يساعد على تقرير ما نقول: أن أكثر القائلين بالوقف، هم من علماء الكلام، وأبرز من ينسب إليهم المذهب: هم فريق من الأشاعرة وضم الغزالي إليهم القاضي - وهو هنا الجبائي - وجماعة من المتكلمين (٢).
أما الأشعري (٣) نفسه: فلم يُنسب المذهب إليه بجزم؛ ذكر العضد شارح ابن الحاجب عنه، أنه مرة يقول: بالوقف، ومرة يحكم على ألفاظ العموم بالاشتراك وإن كان الاشتراك من بعض حجج الواقفية.
والوقف الذي نسب إلى القاضي، أوضحه الغزالي بأنا لا ندري أوضع لها أم لا؟ أو ندري أنه وضع لها ولا ندري أحقيقة منفردًا أو مشتركًا مجازًا. ولقد نأى ابن الحاجب بالمذهب عن الأحكام التكليفية حين ذكر ما قيل: أن الوقف في الأخبار دون الأمر والنهي (٤) مع العلم أن أكثر الأحكام التكليفية مدارها على "افعل" "لا تفعل" وما هو في معناهما.
على أن عدم وجود آثار عملية للمذهب وكونه - فيما يبدو - أقرب إلى
стр. 621
أهل الكلام، لا يعفي من تحديد معالمه وبيان مداه والاهتمام بشأن الحكم عليه؛ لأنه يحمل بين ثناياه شديد الخطر على الشريعة فيما لو خرج إلى نصوص الأحكام. وأي حاجة بنا للوقف بعد بيان من قلده الله أمانة البيان، وإعطاء حرية الاجتهاد ضمن حدود الشريعة.
وأخيرًا إذا كان ابن حزم يرى في بعض المالكية، والحنفية، والشافعية من الفقهاء: قائلين بالوقف؛ فذلك وقف يراه هو، قد يكون ثمرة من ثمرات ظاهريته ﵀ (١).
وما حاول أن يلزمهم فيه من بعض المسائل، كان لا غناء فيه؛ إذ إنه لم يُقم دليلًا واحدًا على تعطيلهم نصًا واحدًا من نصوص الأحكام في كتاب أو سنة (٢).
فهو ينسب إليهم القول بالوقف من حيث الاتجاه، ثم يتهمهم بالتناقض لأنهم لم يكونوا واقفية في الاستنباط من بعض النصوص، ففي كتابه "الإحكام" يأتي بجملة من نصوص الأحكام؛ كآية قطع السارق وآية جلد الزناة، وآية التحريم بالرضاع (٣)، وبعد بيان الأحكام التي أخذوها من هذه النصوص والتي لم يسلكوا فيها نهجه في الاستنباط: حكم عليهم بالتناقض، فقال: (تناقضوا في هذه الآيات بلا دليل فحملوا بعضها على العموم وبعضها على الخصوص، فتركوا قولهم بالوقف وحملوا على العموم ما قد صح الخصوص فيه) (٤).
وليت الإمام أبا محمد اكتفى بتهمة التناقض، بل نظمهم فيما بعد في سلك من جعلهم بمنزلة من قال: لما وجدت في الكلام كذبًا كثيرًا، فأنا أحمله كله على الكذب، ووجدت في الشريعة منسوخًا كثيرًا لا يحل العمل به، فأنا أحمله على أنه منسوخ، أو أقف عن العمل بجميعه (٥).
стр. 622
إلا إننا مع ابن حزم في أن تعطيل أي نص من نصوص الأحكام ليس من الإسلام في شيء، بل هو حرب على الشريعة، ولكنا نخالفه في تحديد من هم المعطلون لنصوص الأحكام، فتهمة تعطيل النصوص: أمر في غاية الخطورة، لا نرى إلصاقه بأولئك الناس الذين كانوا في علمهم وسلوكهم وآثارهم منارات هدًى، ومعالم حق في طريق العمل بنصوص الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، على أساس علمي سليم، يتسم بالمنهجية ورد الفروع إلى الأصول.
* * *
المطلب الثالث موقف العلماء من القول بالخصوص
أما أرباب الخصوص - وهم الذين يحملون الألفاظ على بعض ما تقتضيه في اللغة دون بعض، وهو أقل قدر يُتيقن بأنه مراد -: فكان مما استدلوا به على ما ذهبوا إليه ما يلي:
الحجة الأولى:
لقد احتجوا ببعض النصوص كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وقوله سبحانه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. وقوله جلَّ وعلا: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢].
وذلك بأن ألفاظ العام في هذه الآيات أريد بها الخصوص.
ففي الآيتين الأولى والثانية ورد لفظ ﴿كُلّ﴾ التي يدعى أنها من الفاظ العموم.
وفي الآية الثالثة نكرة في سياق النفي وهي كما يدعى تقيد العموم، غير أنا علمنا أن الريح لم تدمر كل شيء في العالم، وأن بلقيس لم تؤت كل شيء … وهكذا.
стр. 623
ولكن ابن حزم لا يسلم بما فهمه أرباب الخصوص من هذه النصوص؛ فكلُّه لا حجة لهم فيه.
ففي قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لم يذكر ذلك وأمسك، بل قال: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ وإذن فهي قد دمرت كل شيء على العموم من الأشياء التي أمر الله تعالى تدميرها؛ فصح بالنص عموم هذا اللفظ.
وفي قوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢] إبطال لقولهم - كما يرى ابن حزم - لأنه إنما أخبر أنها دمرت كل شيء أتت عليه، لا كل شيء لم تأتِ عليه (١).
وأما قوله تعالى عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فإنما حكى تعالى مخبرًا به لنا عن علمه، أو ما حققه الله من خير من نقل إلينا خبره. وقد نقل الله تعالى إلينا أقوالًا كثيرة عن اليهود والنصارى ليست مما تصح.
ولئن جاء في الآيات على لسان سليمان ﵇ قوله سبحانه: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أم كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧] (٢) فإن الله جلَّ وعلا لم يخبرنا أن الهدهد صدق في كل ما ذكر؛ فلا حجة لهم في هذه الآية أصلًا.
وفي ختام رده على احتجاجهم بهذه النصوص، وأنه أريد بها الخصوص لا العموم. أورد عليهم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا
стр. 624
أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف: ٢٦] (١).
وتساءل عن قوله تعالى في هذه الآية بأن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئًا أهو على عمومه؟ أم يقولون: إنها أغنت عنهم شيئًا؟ (فإن قلتم ذلك، كذبتم ربكم، وإن لم تقولوا، تركتم مذهبكم الفاسد).
على أن المتتبع لآي القرآن الكريم التي ترد فيها هذه الألفاظ يرى أن الأصل هو العموم، وما أريد به الخصوص فإنما كان لدليل قام، وعلى ذلك يقول ابن حزم في أعقاب مناقشته لهم بآية السمع والأبصار والأفئدة: (ومثل هذا في القرآن كثير جدًّا، بل هو الذي لا يوجد غيره أصلًا في شيء من القرآن والكلام، إلا في مواضع بسيرة قد قام الدليل على خصوصها، ولولا قيام الدليل علي خصوصها لم يحل لأحد أن يحملها إلا على العموم، وبالله التوفيق) (٢).
الحجة الثانية:
ومن حججهم - كما يقول أبو محمد - أنهم قالوا: (لم نجد قط خطابًا إلا خاصًّا، لا عامًا فصح أن كل خطاب فإنما قصد به من بلغه ذلك الخطاب من العاقلين البالغين خاصة دون غيرهم).
ورد ابن حزم عليهم يقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩، … ] فإن هذا لا يمكن أن يحمل على الخاص، وإلا كان الزيغ والخروج على ما جاء في الكتاب.
أما الاحتجاج بتوجيه الخطاب إلى البالغين العاقلين العالمين بالأمر دون غيرهم: فإنما ذلك بنص وارد فيهم، إذ إن الشرع حدد مناط التكليف؛ فحيث كان الخطاب: فالمقصود به من حدَّده الشارع، فهو عموم لهؤلاء كلهم. ولم يقل أحد بأن العموم معناه أن يقصد بالخطاب العام، كل موجود
стр. 625
في العالم، وإنما المقصود من اقتضاه اللفظ الوارد، وكل ما اقتضاه الخطاب. فعلى هذا قلنا بالعموم.
وهكذا يريد القائلون بالعموم: حملَ كل لفظ على ما يقتضي، ولو لم يقتض إلا اثنين من النوع فإن ذلك عموم لهما، لذا فإنهم ينكرون تخصيص ما اقتضاه بلا دليل، أو التوقفَ فيه بلا دليل.
ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] يلتزم أرباب الخصوص ألا يحرموا كثيرًا مما نكح الآباء إلا بدليل غير هذه الآية مبينٍ لكل عين في ذاتها.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] قد يلزم من مذهبهم إلا ينفذوا قتل نفس إلا بدليل.
وقل مثل ذلك في حديث رسول الله ﷺ عن الربا في الأصناف الستة حيث يقول: "الذهَبُ بالذهَبِ، والفِضةُ بالفِضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعير، والتمْرُ بالتمْرِ، والمِلحُ بالمِلْح، مِثلًا بمثل سواءً بسواءٍ يدًا بيد، فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصناف فبيعوا كَيْفَ شِئْتمْ إذا كان يدًا بيد" (١).
فمقتضى مذهبهم ألا يعتبر الربا في كل بر، وكل شعير، وكل تمر وكل ملح، وكل ذهب، وكل فضة (٢).
وإذا وقفنا عند قوله ﵊: "كلُّ مُسكر حرام" (٣): نرى من لازم مذهبهم عدم حمل التحريم على كل مسكر، بل على أقل ما يمكن
стр. 626
أن يقع عليه التحريم، مع أن تفسير النص بشكل سليم يقضي بوجوب حمل التحريم في آية المحرمات على كل من ذكر منهن، وحمله في آية القتل علي كل نفس محرم الله قتلها إلا بالحق، إذ إن القول بالعموم يقضي بداهة بإنكار أن تُستباح نفس بلا دليل.
كما يقضي بحمل التحريم في حديث أصناف الربا الستة: على كل واحد منها بشكل كلي، وحمله في حديث تحريم المسكر: على كل مسكر يقع تحت الكلية المطلقة الواردة في الحديث سواء أكان من العنب أم من غيره.
ولقد كان ابن حزم ﵀ على حق حين قال: (وكل من تعدى هذا فقد أبطل حكم اللغة، وحكم العقل، وحكم الديانة).
وهكذا يمكن أن يظهر عوار مذهب أرباب الخصوص، حين يلزمهم ابن حزم في التحليل أو التحريم أن يفتشوا - لكل عين في ذاتها - عن دليل جديد (١).
الحجة الثالثة:
وقال أرباب الخصوص: إن الخصوص هو القدر المستيقن دخوله تحت هذه الألفاظ، لأنها إن كانت موضوعة له: فهو المراد، وإن كانت للعموم: كان هذا القدر داخلًا في المراد. فعلى كلا التقديرين يلزم ثبوت أقل الجمع.
فلفظ "الفقراء والمساكين" مثلًا ينزل على أقل الجميع، أما الباقي فمشكوك فيه، ولا سبيل إلى إثبات حكم في الشك.
стр. 627
وهكذا يكون جعل هذه الألفاظ حقيقة للخصوص المتيقن أولى من جعلها للعموم المشكوك فيه (١).
فساد وتناقض:
ونحن مع الإمام الغزالي في حكمه بفساد هذا الاستدلال، وتناقضه. أما الفساد: فلأن كون هذا القدر الذي يعنونه مستيقنًا، لا يدل على كونه مجازًا في الباقي، وكون الفعل الواحد مستيقنًا في الأمر لا يوجب كونه مجازًا في التكرار.
وأما التناقض: فلأن قولهم: إن الثلاثة هو المفهوم فقط يناقض قولهم: الباقي مشكوك فيه؛ لأنه إن كان هو المفهوم فقط: فالباقي غير داخل قطعًا، وإن كانوا شاكين في الباقي: فقد شكوا في نفس المسألة؛ فإن الخلاف قائم في الباقي، وأخطأوا في قولهم: إن الثلاثة مفهوم فقط (٢).
موقف الشيخ الخضري (٣):
وقد ذهب الخضري ﵀ إلى تفسير كلام الغزالي بأنه عودة إلى مذهب أرباب الوقف (٤). وله في رأينا أن يقول ذلك على ضوء مذهب الغزالي
стр. 628
القائل بالعموم. غير أن ذلك لا يجعلنا من القائلين بالوقف بعد أن أثبتنا رأينا في هذا المذهب من قبل، فنحن نوافق الغزالي بأن كلام أرباب الخصوص في هذه الحجة الثالثة يحمل الفساد والتناقض.
على أن النسبة بين أرباب الخصوص وأرباب الوقف معروفة؛ حتى عُدُّوا عند كثيرين - كما أسلفنا من قبل - فريقًا منهم (١).
أما صاحب "التلويح": فقد رد على هذا الاستدلال من قبل أرباب الخصوص بأمرين:
الأول: أن في حمل لفظ العموم على أقل الجمع، إثبات اللغة بالترجيح، وذلك لا يجوز؛ لأن اللغة لا تثبت إلا بالنقل كما هو معلوم، ونحن من وراء اللغة في أمثال هذه الأمور.
الثاني: لو سلم هذا: فإن حمل هذه الألفاظ على العموم، أحوط؛ لاحتمال أن يراد بها العموم، فلو حملناها على أقل الجمع: أضعنا غير هذا الجمع مما يدخل في العموم، وذلك يؤدي إلى مخالفة الأمر، وعدم الخروج من العهدة عند العمل؛ فالأخذ بالحيطة أولى حتى إذا قام دليل الخصوص جنحنا إليه (٢).
الحجة الرابعة:
واستدل أرباب الخصوص بما اشتهر عند العلماء (٣) حتى صار مثلًا قولهم: (ما من عام إلا وقد خص منه) والظاهر أنه للأغلب حقيقة، وفي الأقل مجاز تقليلًا للمجاز.
стр. 629
وأجيب عن هذا: بأن الحاجة إلى دليل مخصص عند إرادة التخصيص، في أنها للعموم، ولا تحمل على الخصوص إلا بدليل؛ وهو دليل المجاز في الخصوص، والحقيقة في العموم.
ثم إن ظهور كونها حقيقة للأغلب، الأمر المفهوم من كلمة: (ما من عام إلا وقد خص منه) إنما يكون عند عدم الدليل على أنه للأقل. وقد توافرت الأدلة - كما سيأتي - أن الخروج من العموم إلى الخصوص لم يكن إلا بدليل (١).
رأينا في مذهب الوقف والخصوص:
والذي نراه في القول بالوقف أو الخصوص (٢)، أنه مذهب يحمل في ثناياه عوامل الحكم عليه. وقد حكم عليه فعلًا بالانهزام فلا أثر له في فروع الفقه وأقوال الفقهاء، وإنما ميدانه علم الكلام.
وحسبك أنه - كما تقدم - قد يؤدي لو عمل به إلى تعطيل بعض الأحكام عند الاستنباط من النصوص.
ثم إنه - والحق يقال - مجانب لما عليه العرب في لغتهم ومفهوم الخطاب فيها. ونصوص الكتاب والسنة - وهي عربية من لسان عربي مبين - لا بد في فهمها من إدراك مدلولات الألفاظ في اللغة، ونحن من وراثها ما دام لم يثبت لدينا اسم عربي شرعي جديد.
وقد رأينا في صدر هذا المبحث أن للعام عند العرب صيغًا تدل عليه، وسيأتي تفصيل ذلك، وجاءت خطابات الشارع عامة، إلا ما قام الدليل على خروجه عن العموم.
стр. 630
وعلى أية حال: يكفي أن يتنكب القائلون بالوقف أو الخصوص، طريق اللغة وعرف الشرع، ليكون مذهبهم غير ذي موضوع.
على أنا نعتقد - كما أسلفنا - أنه انهزم في معترك الاستنباط، فلم يكن له أي أثر عملي. وفي كتب الأحكام وآثار الأئمة خير دليل لما نقول.
* * *
المطلب الرابع موقف أرباب العموم
استدل القائلون بالعموم - وهم الجمهور - على مذهبهم بنوعين من الأدلة: عقلية ونقلية - ونعرض فيما يلي للعقلية ثم للنقلية.
أولًا: الاستدلال العقلي:
كان للأئمة في الاستدلال العقلي لهذا المذهب مسالك نعرض لنماذج منها فيما يلي:
مسلك ابن حزم:
يرى ابن حزم في كتابه "الإحكام": أن اللغة إنما وضعت ليقع بها التفاهم: فلا بد لكل معنى من اسم يختص به فلا بد لعموم الأجناس من اسم، ولعموم كل نوع من اسم، وهكذا أبدًا إلى أن يكون لكل شخص اسمه. وبعد أن اتهم ابن حزم المخالفين لذلك بالسفسطة قال:
(ولا فرق بين الأخبار والأوامر في كل ذلك، وكل اسم فهو يقتضي عموم ما يقع تحته، ولا يتعدى إلى غير ما يقع تحته، والوعد والوعيد في كل ذلك كسائر الخطاب ولا فرق) (١). ثم قال: (والحديث والقرآن كله كلفظة واحدة، فلا يحكم بآية دون أخرى، ولا بحديث دون آخر، بل يضم
стр. 631
كل ذلك بعضُه إلى بعض، إذ ليس بعض ذلك أولى بالإيقاع من بعض، ومن قال غير هذا فقد تحكم بلا دليل) (١).
مسلك الشيرازي:
أما أبو إسحاق الشيرازي: فقد استدل على أن للعموم صيغة بأن العرب فرقت بين الواحد والاثنين والثلاثة فقالوا: رجل، ورجلان، ورجال، كما فرقت بين الأعيان في الأسماء فقالوا: رجل، وفرس، وحمار؛ فلو كان احتمال لفظ الجميع للواحد والاثنين كاحتماله لما زاد، لم يكن لهذا التفريق معنى. ثم إن العموم مما تدعو الحاجة إليه في مخاطباتهم، فلا بد أن يكونوا قد وضعوا له لفظًا يدل عليه كما وضعوا لكل ما يحتاجون إليه من الأعيان (٢).
مسلك البزدوي:
وكذلك يرى البزدوي أن معنى العموم مقصود بين الناس شرعًا وعرفًا؛ فلا بد أن يكون له لفظ موضوع مختص به كسائر المقاصد، إذ الألفاظ لا تقصَّر عن المعاني التي يقصد بها تفهيم الغير (٣).
مسلك السرخسي:
أما السرخسي: فقد قرر في أصوله (أن موجب العمل بالعام قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]. والاتباع لفظ خاص في اللغة بمعنى معلوم، وفي المُنزَل عام وخاص؛ فيجب بهذا الخاص اتباع جميع المنزل، والاتباع إنما يكون بالاعتقاد والعمل به وليس في التوقف اتباع للمنزل، فعرفنا أن العمل واجب في جميع ما أنزل على ما أوجبه صيغة الكلام إلا ما يظهر نسخه بدليل (٤).
стр. 632
مسلك الغزالي:
وقد أورد الغزالي جملة من أدلة أرباب العموم العقلية، ونقدها جميعًا بإيراد العديد من الاعتراضات (١).
ومن أهم هذه الأدلة: ما رأيناه آنفًا من أن أهل اللغة قد عقلوا معنى العموم واستغراق الجنس واحتاجوا إليه، فلا بد أنهم وضعوا له صيغة ولفظًا، نظير وضعهم أسماء للأعداد، والأنواع والأشخاص، والأجناس التي عقلوها لحاجتهم إليها.
وأورد على هذا الدليل اعتراضات أهمها: أن هذا قياس واستدلال في اللغة، واللغة كتبت توقيفًا ونقلًا، لا قياسًا واستدلالًا، بل هي كسنن الرسول ﵊.
ثم: إذا سُلّم أن ذلك واجب في الحكمة، فمن أين لواضعي اللغة أن يكونوا معصومين من الخطأ، حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها، وهم في حكم من يترك ما لا تقتضي الحكمةُ تركَه (٢)؟
على أن الإمام الغزالي الذي تناول أدلة أرباب العموم بالنقد: تبنى مذهب العموم وسلك سبيلًا اعتبرها الطريق المختار عنده لإثبات ذلك العموم.
الأمر الذي دل على أن الغزالي لا ينقد المذهب نفسه، وإنما ينقد الطرق التي اختارها أرباب العموم للاستدلال على صحة المذهب.
والطريق المختارة عنده في إثبات العموم، تقوم على أن صيغ العموم محتاجٌ إليها في جميع اللغات: لا في لغة العرب وحدها، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق، فلا يضعوها مع الحاجة إليها. واستدل على هذا الوضع بأمور أربعة (٣) هي:
стр. 633
١ - الاعتراض على من عصى الأمر العام.
٢ - وسقوط الاعتراض عمن أطاع.
٣ - ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام.
٤ - وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة.
أما عن الأمرين الأول والثاني: فقد قرر الغزالي أن السيد إذا قال لعبده: من دخل اليوم داري فأعطه درهمًا أو رغيفًا، فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه، فإن عاتبه في إعطائه واحدًا من الداخلين مثلًا وقال: لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير، وإنما أردت الطوال، أو هو أسود وإنما أردت البيض؟ فللعبد أن يقول: ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض، بل بإعطاء من دخل، وهذا دخل، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها: رأوا اعتراض السيد ساقطًا وعُذْرَ العبد متوجهًا، وقالوا للسيد: أنت أسرته بإعطاء من دخل، وهذا قد دخل.
ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدًا، فعاتبه السيد وقال: لم لم تعطه؟ فقال العبد: لأن هذا طويل. أو أبيض وكان لفظك عامًا فقلت: لعلك أردت القصار أو السود، استوجب التأديب بهذا الكلام وقيل له: ما لك وللنظر إلى الطول واللون، وقد أمرت بإعطاء الداخل؟ فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع، وتوجهه على العاصي (١).
وأما لزوم النقض والخُلف عن الخبر العام: فيتضح فيما لو قال: ما رأيت اليوم أحدًا، وكان قد رأى جماعة، كان كلامه خلفًا منقوضًا وكذبًا؛ فإن قال: أردت أحدًا غير تلك الجماعة: كان مستنكرًا، وهذه النكرة من صيغ الجمع، فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم.
وحين قال اليهود: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ
стр. 634
أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] (١) وإنما أورد هذا نقضًا على كلامهم، ولو لم يكن عامًا، لما ورد النقض عليهم، فإن هم أرادوا غير موسى: فَلِمَ لزم دخول موسى تحت اسم البشر (٢).
أما الاستحلال بالعموم: فإذا قال الرجل: أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيب قوله: جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء، ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة. وإذا قال: العبيد الذين هم في يدي: مِلكٌ لفلان، كان ذلك إقرارًا محكومًا به في الجميع. وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات في جميع اللغات لا ينحصر.
ولا خلاف في أنه لو قال: أنفق على عبدي غانم، أو على زوجتي زينب، أو قال: غانم حر، وزينب طالق، وله عبدان: اسمهما غانم، وزوجتان اسمهما زينب، فتجب المراجعة والاستفهام؛ لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم.
فإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركًا: فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار، وينبغي أن يراجع الباقي، وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها (٣).
دعوى القرائن ورد الغزالي عليها:
ولقد أتى الغزالي بما قد يرد من أن العموم فيما تقدم إنما كان بالقرائن.
وأجاب عن ذلك حيث قال:
(فإن قيل: إن سلم لكم ما ذكرتموه: فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ، فإن عريَ من القرائن: فلا يسلم. قلنا كل قرينة قدرتموها: فعلينا أن نقدر نفيها ويبقى حكم الاعتراض والنقض كما سبق، فإن غايتهم
стр. 635
أن يقولوا: إذا قال: أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي كان مطيعًا بالإنفاق على الجميع، لأجل قرينة الحاجة إلى النفقة، أو أعط من دخل داري فهو بقرينة إكرام الزائر.
فهذا وما يجري مجراه إذا قدروه، فسبيلنا أن نقدر أضدادها، فإنه لو قال: لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيًا بالإنفاق، مطيعًا. بالتضييع ولو قال: اضربهم لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة، بل إذا ضرب جميعهم: عُدَّ مطيعًا، ولو قال: من دخل داري فخذ منه شيئًا: بقي العموم (١).
مسلك ابن الحاجب:
أما ابن الحاجب: فقام استدلاله على أن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر، والحاجة ماسة إلى التعبير، فوجب وضع ألفاظ تدل على عادة كثير من المعاني التي وضعت لها ألفاظ تدل عليها لظهورها، والحاجة إلى التعبير عنها مما لا يحصى؛ كالواحد والاثنين والخبر والاستخبارات.
وكان ابن الحاجب وهو يثبت أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، قد قرر أن للعموم صيغة وذلك في قوله: (فالنكرة في النفي للعموم حقيقة، فللعموم صيغة) (٢).
وجاء الشوكاني من المتأخرين، فاعتبر كلام ابن الحاجب في أثر الاستدلال على عموم النكترة الواردة في سياق النفي: دليلًا من أدلة أرباب العموم العقلية.
فبعد أن أورد الدليل الأول الذي جاء به ابن الحاجب والذي تابعه فيه من تابعه قال: (واحتجوا أيضًا بأن السيد إذا قال لعبده: لا تضرب أحدًا: