← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

كل ذلك بعضُه إلى بعض، إذ ليس بعض ذلك أولى بالإيقاع من بعض، ومن قال غير هذا فقد تحكم بلا دليل) (١). مسلك الشيرازي: أما أبو إسحاق الشيرازي: فقد استدل على أن للعموم صيغة بأن العرب فرقت بين الواحد والاثنين والثلاثة فقالوا: رجل، ورجلان، ورجال، كما فرقت بين الأعيان في الأسماء فقالوا: رجل، وفرس، وحمار؛ فلو كان احتمال لفظ الجميع للواحد والاثنين كاحتماله لما زاد، لم يكن لهذا التفريق معنى. ثم إن العموم مما تدعو الحاجة إليه في مخاطباتهم، فلا بد أن يكونوا قد وضعوا له لفظًا يدل عليه كما وضعوا لكل ما يحتاجون إليه من الأعيان (٢). مسلك البزدوي: وكذلك يرى البزدوي أن معنى العموم مقصود بين الناس شرعًا وعرفًا؛ فلا بد أن يكون له لفظ موضوع مختص به كسائر المقاصد، إذ الألفاظ لا تقصَّر عن المعاني التي يقصد بها تفهيم الغير (٣). مسلك السرخسي: أما السرخسي: فقد قرر في أصوله (أن موجب العمل بالعام قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]. والاتباع لفظ خاص في اللغة بمعنى معلوم، وفي المُنزَل عام وخاص؛ فيجب بهذا الخاص اتباع جميع المنزل، والاتباع إنما يكون بالاعتقاد والعمل به وليس في التوقف اتباع للمنزل، فعرفنا أن العمل واجب في جميع ما أنزل على ما أوجبه صيغة الكلام إلا ما يظهر نسخه بدليل (٤).

стр. 632

مسلك الغزالي: وقد أورد الغزالي جملة من أدلة أرباب العموم العقلية، ونقدها جميعًا بإيراد العديد من الاعتراضات (١). ومن أهم هذه الأدلة: ما رأيناه آنفًا من أن أهل اللغة قد عقلوا معنى العموم واستغراق الجنس واحتاجوا إليه، فلا بد أنهم وضعوا له صيغة ولفظًا، نظير وضعهم أسماء للأعداد، والأنواع والأشخاص، والأجناس التي عقلوها لحاجتهم إليها. وأورد على هذا الدليل اعتراضات أهمها: أن هذا قياس واستدلال في اللغة، واللغة كتبت توقيفًا ونقلًا، لا قياسًا واستدلالًا، بل هي كسنن الرسول ﵊. ثم: إذا سُلّم أن ذلك واجب في الحكمة، فمن أين لواضعي اللغة أن يكونوا معصومين من الخطأ، حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها، وهم في حكم من يترك ما لا تقتضي الحكمةُ تركَه (٢)؟ على أن الإمام الغزالي الذي تناول أدلة أرباب العموم بالنقد: تبنى مذهب العموم وسلك سبيلًا اعتبرها الطريق المختار عنده لإثبات ذلك العموم. الأمر الذي دل على أن الغزالي لا ينقد المذهب نفسه، وإنما ينقد الطرق التي اختارها أرباب العموم للاستدلال على صحة المذهب. والطريق المختارة عنده في إثبات العموم، تقوم على أن صيغ العموم محتاجٌ إليها في جميع اللغات: لا في لغة العرب وحدها، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق، فلا يضعوها مع الحاجة إليها. واستدل على هذا الوضع بأمور أربعة (٣) هي:

стр. 633

١ - الاعتراض على من عصى الأمر العام. ٢ - وسقوط الاعتراض عمن أطاع. ٣ - ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام. ٤ - وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة. أما عن الأمرين الأول والثاني: فقد قرر الغزالي أن السيد إذا قال لعبده: من دخل اليوم داري فأعطه درهمًا أو رغيفًا، فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه، فإن عاتبه في إعطائه واحدًا من الداخلين مثلًا وقال: لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير، وإنما أردت الطوال، أو هو أسود وإنما أردت البيض؟ فللعبد أن يقول: ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض، بل بإعطاء من دخل، وهذا دخل، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها: رأوا اعتراض السيد ساقطًا وعُذْرَ العبد متوجهًا، وقالوا للسيد: أنت أسرته بإعطاء من دخل، وهذا قد دخل. ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدًا، فعاتبه السيد وقال: لم لم تعطه؟ فقال العبد: لأن هذا طويل. أو أبيض وكان لفظك عامًا فقلت: لعلك أردت القصار أو السود، استوجب التأديب بهذا الكلام وقيل له: ما لك وللنظر إلى الطول واللون، وقد أمرت بإعطاء الداخل؟ فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع، وتوجهه على العاصي (١). وأما لزوم النقض والخُلف عن الخبر العام: فيتضح فيما لو قال: ما رأيت اليوم أحدًا، وكان قد رأى جماعة، كان كلامه خلفًا منقوضًا وكذبًا؛ فإن قال: أردت أحدًا غير تلك الجماعة: كان مستنكرًا، وهذه النكرة من صيغ الجمع، فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم. وحين قال اليهود: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ

стр. 634

أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] (١) وإنما أورد هذا نقضًا على كلامهم، ولو لم يكن عامًا، لما ورد النقض عليهم، فإن هم أرادوا غير موسى: فَلِمَ لزم دخول موسى تحت اسم البشر (٢). أما الاستحلال بالعموم: فإذا قال الرجل: أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيب قوله: جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء، ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة. وإذا قال: العبيد الذين هم في يدي: مِلكٌ لفلان، كان ذلك إقرارًا محكومًا به في الجميع. وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات في جميع اللغات لا ينحصر. ولا خلاف في أنه لو قال: أنفق على عبدي غانم، أو على زوجتي زينب، أو قال: غانم حر، وزينب طالق، وله عبدان: اسمهما غانم، وزوجتان اسمهما زينب، فتجب المراجعة والاستفهام؛ لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم. فإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركًا: فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار، وينبغي أن يراجع الباقي، وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها (٣). دعوى القرائن ورد الغزالي عليها: ولقد أتى الغزالي بما قد يرد من أن العموم فيما تقدم إنما كان بالقرائن. وأجاب عن ذلك حيث قال: (فإن قيل: إن سلم لكم ما ذكرتموه: فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ، فإن عريَ من القرائن: فلا يسلم. قلنا كل قرينة قدرتموها: فعلينا أن نقدر نفيها ويبقى حكم الاعتراض والنقض كما سبق، فإن غايتهم

стр. 635

أن يقولوا: إذا قال: أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي كان مطيعًا بالإنفاق على الجميع، لأجل قرينة الحاجة إلى النفقة، أو أعط من دخل داري فهو بقرينة إكرام الزائر. فهذا وما يجري مجراه إذا قدروه، فسبيلنا أن نقدر أضدادها، فإنه لو قال: لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيًا بالإنفاق، مطيعًا. بالتضييع ولو قال: اضربهم لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة، بل إذا ضرب جميعهم: عُدَّ مطيعًا، ولو قال: من دخل داري فخذ منه شيئًا: بقي العموم (١). مسلك ابن الحاجب: أما ابن الحاجب: فقام استدلاله على أن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر، والحاجة ماسة إلى التعبير، فوجب وضع ألفاظ تدل على عادة كثير من المعاني التي وضعت لها ألفاظ تدل عليها لظهورها، والحاجة إلى التعبير عنها مما لا يحصى؛ كالواحد والاثنين والخبر والاستخبارات. وكان ابن الحاجب وهو يثبت أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، قد قرر أن للعموم صيغة وذلك في قوله: (فالنكرة في النفي للعموم حقيقة، فللعموم صيغة) (٢). وجاء الشوكاني من المتأخرين، فاعتبر كلام ابن الحاجب في أثر الاستدلال على عموم النكترة الواردة في سياق النفي: دليلًا من أدلة أرباب العموم العقلية. فبعد أن أورد الدليل الأول الذي جاء به ابن الحاجب والذي تابعه فيه من تابعه قال: (واحتجوا أيضًا بأن السيد إذا قال لعبده: لا تضرب أحدًا:

стр. 636

فهم منه العموم، حتى لو ضرب واحدًا عُدَّ مخالفًا، والتبادر دليل الحقيقة، والنكرة في النفي للعموم حقيقة، فللعموم صيغة) (١). وإذا قارنا بين كلام الشوكاني وما ذكره ابن الحاجب - فيما ألمحنا إليه - عن النكرة: رأيناه يأتي بكلام ابن الحاجب تمامًا ويعتبره دليلًا مستقلًا إلى جانب الدليل الأول الذي جاء به القوم، والذي يقوم على أن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر، والحاجة ماسة إلى التعبير عنه. والراجح عندنا: أن الشوكاني قد تجوّز حين اعتبره دليلًا مستقلًا ونسبه إليهم، مع أنهم قد اعتمدوا الدليل الأول، كما سنرى عند من تأخروا تاريخيًا عن ابن الحاجب. وإذا كنا نريد اعتبار الكلام عن أحد أدوات العموم دليلًا قائمًا بنفسه لأرباب العموم، فهذا يمكن أن يقال في كل صيغة من صيغ العموم وأدواته. موقف العلماء من دليل ابن الحاجب: أ - لقد جاء العضد في شرحه لـ "مختصر ابن الحاجب": على هذا الدليل وأجاب عنه بأنه قد يستغنى عن الوضع للمسوم خاصة، بالمجاز والمشترك فلا يكون ظاهرًا في العموم، وذلك كخصوص الروائح والطعوم، استُغنيَ فيها عن الوضع بالتقييد بالإضافة، نحو رائحة العود والمسك، ولم يؤد ذلك إلى إهماله (٢). ب - أما صدر الشريعة فقد أورد في توضيحه وتنقيحه هذا الدليل ولكن التفتازاني لم يسلم له ذلك وجاء عليه باعتراضين: أولهما: ما رأيناه عند العضد من الاستغناء عن الوضع بالمجاز والمشترك (٣).

стр. 637

وأما الثاني: فهو أن في هذا الدليل إثبات الوضع بالقياس، واللغة لا تثبت بالقياس (١) وذلك ما رأيناه عند الغزالي (٢). ونحن نميل إلى ما ذهب إليه صاحب "التلويح" من أن ما استدل به ابن الحاجب جنوح إلى إثبات اللغة بالقياس، وليس من حقنا أن نتحكم في وضع اللغة، وإنما نتلقاها سماعًا كما نطق بها أربابها واعتبروا مدلولات كلماتها في الخطاب. ما نراه في هذه النقطة: إني - على رأي لي في الاستدلال العقلي لهذه النقطة - أميل إلى ما ذهب إليه ابن حزم والبزدوي والغزالي وغيرهم بأن اللغة إنما وضعت ليقع بها التفاهم، فلا بد لكل معنىً من اسم يختص به، فلا بد لعموم الأجناس من اسم، ولعموم كل نوع من اسم، وهكذا أبدًا إلى أن يكون لكل شخص اسمه (٣). وبذلك يمكن تفادي ما ورد من اعتراض على ما جاء به أولئك المستدلون، ولعلنا لا نغالي إذا وقفنا مع الإمام أبي محمد في أن عدم القول بالعموم على الأساس المذكور: عكس للأمور على وجهها وإفسادٌ للحقائق. ثانيًا: الاستدلال النقلي: إذا كنا لا ننكر أهمية الاستدلال العقلي في هذا المضمار: فإن النقل هنا عن سلف هذه الأمة بعد نبيها صلوات الله وسلامه عليه أبلغ في وأقوى في الاحتجاج.

стр. 638

ومن هنا كانت عمدة أرباب العموم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه من القول بالعموم وعدم العدول عنه إلا بدليل، ما ظهر من الاستدلال بالعموم عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة ﵃ على وجه لا يمكن إنكاره. فقد أجرى الصحابة ألفاظ الكتاب والسنة - وهم أهل اللغة والآخذون عن المبيِّن ﵊ على العموم، إلا ما دل الدليل على تخصيصه. ولقد ثبت أنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم (١) فعلوا ذلك والرسول صلوات الله عليه بين ظهرانيهم يفقههم ويبين لهم، ويسلك بهم سبيل الفهم السليم لكتاب الله . وبيان ذلك فيما يلي: ١ - روى أبو جعفر الطبري في "تفسيره" عن أبي هريرة قال: (خرج رسول الله ﷺ على أُبيّ (٢) وهو يصلي فدعاه: "أي أبي" فالتفت إليه أُبي ولم يجبه. ثم أن أُبيًا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك أي رسول الله! قال: "وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ " فقال: يا رسول الله كنت أصلي، قال: "أفلم تجد فيما أوحي إليّ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ " قال: بلى، يا رسول الله! لا أعود) (٣). ففي توجيه الرسول أخذ بالعموم إذ إن أُبيًا واحدٌ ممن وجه إليهم الخطاب. ٢ - وأخرج البخاري في باب "الخيل الثلاثة" من كتاب الجهاد عن أبي هريرة من حديث طويل جاء في آخره: فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر

стр. 639

الأهلية، فقال: "ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٨]. وفي رواية له قال: "سئل النبي ﷺ عن الحُمر فقال: "لم ينزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] " (١). فاستدل رسول الله ﷺ بعموم ﴿مَنْ﴾ لما لم يذكر له حكم، لأن السائل سأل عن صدقة الحُمُر الأهلية، وليس لها حكم خاص (٢). فعلمنا ﷺ استنباط الحكم من العموم، فيما ليس له حكم نصًا (٣). أما أخذ الصحابة ومن بعدهم من الأئمة بالعموم: فهو ثابت متوارث. ١ - فحين اختلف الصِّديق أبو بكر مع الصحابة في قتال مانعي الزكاة استدل عمر - كما يقول الآمدي (٤) - بقوله ﵊: "أمرت أن

стр. 640

أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وهو عام (١). ثم استدل أبو بكر لما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة] فرجعوا إلى قوله وهذا عام أيضًا. وفي رواية أن أبا بكر عدل إلى التعليق بالاستثناء وهو قوله ﷺ : "إلا بحقها" فدل على أن لفظ الجمع المعرف: للعموم. ٢ - وحين امتنع أبو بكر ﵁ من توريث فاطمة ﵂ من أبيها ﵊ مع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] احتج بقوله ﷺ : "لا نورث ما تركناه صدقة" (٢). وقد كان من فاطمة وعدد من الصحابة تساؤل عن وجود هذا الحديث، ليكون مخصصًا لعموم آية الميراث؛ الأمر الذي دل على فهمهم الطبيعي للعموم من نصوص الأحكام التي وردت بلغتهم. ٣ - ومنها احتجاج عبد الله بن مسعود على علي ﵄ في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، إذ قال علي: إنها تعتد بأبعد الأجلين أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾

стр. 641

[الطلاق: ٢] أي: عدتُهن وضع حملهن، وهذا يقتضي أنها تعتد بوضع الحمل، والتاريخ غير معلوم، فوجب القول بأبعد الأجلين احتياطًا. وذهب ابن مسعود إلى أنها تعتد يوضع الحمل لا غير؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ متأخر في النزول عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ الآية [البقرة] وذلك قوله: (أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة، لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) ويعني بسورة النساء القصرى سورة الطلاق حيث نزلت بعد سورة البقرة. والمراد - كما قال ابن حجر - بعض كل؛ فمن البقرة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ومن الطلاق قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾). ووجه الاستدلال بهذه الواقعة على العموم، يراه البزدوي والسرخسي في أن ابن مسعود ﵁ استدل بالعام في قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل لا غير، وجعل الخاص في عدة المتوفى عنها زوجها منسوخًا بهذا العام في حق الحامل (٢).

стр. 642

ويرى عبد العزيز البخاري شارح "أصول البزدوي" أن كلًّا من النصين في سورة البقرة، وسورة الطلاق، عام من وجه، خاص من وجه. فقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ عام من حيث إنه يتناول المتوفى عنها زوجها، وغيرها. وخاص من حيث إنه لا يتناوله إلا أولاتِ الأحمال. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ خاص بالنسبة إلى الأول، من حيث إنه لا يتناول إلا المتوفى عنها زوجها. عام من حيث إنه يتناول المتوفى عنها زوجها، حاملًا كانت أو غير حامل. فنسخ قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ بعمومه حكم هذا النص الخاص النسبي في حق الحامل، لكونه متأخرًا عنه (١). وهكذا نرى أن كل واحد من علي وابن مسعود ﵄ عمل بالعموم كما هو موجب الصيغة. إلا أن أحدهما جمع بين النصين لعدم علمه بالتاريخ، والآخر عمل بالمتأخر لمعرفته به. هذا والذي رأيناه من مذهب ابن مسعود: هو ما ذهب إليه الجمهور،

стр. 643

وهو الراجح عندنا: فأبسط ما يدرك لغة: أن النص في سورة البقرة ظاهره العموم، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدتها أربعة أشهر وعشرًا، ولكن النص في سورة الطلاق ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ … ﴾ أخرج الحامل المتوفى عنها زوجها من العموم، فصرف العام عن عمومه، وهو التخصيص، أما العمل بالنصين معًا جمعًا بين العام والخاص على هذه الصفة: فلا يناسب - بعد معرفة التاريخ بين النصين - قوانين اللغة ولا قواعد الشرع (١). ٤ - ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] سمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم، وكان ضرير البصر فأتى رسول الله ﷺ وشكا ضرارته وقال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت، فنزل قوله جلَّ وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وهكذا عقل ابن أم مكتوم بعربيته وإدراك معاني ألفاظها، عموم لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ وخشي على نفسه إن لم يجاهد، حتى جاءت الرخصة بقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ حيث خروج هؤلاء من العموم الذي أفاده لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 644

٥ - ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء] قال ابن الزبعري من الكفار: أنا أخصم لكم محمدًا، فجاء وقال: أليس عُبِدَ الملائكةُ وعُبِدَ المسيح؟ فيجب أن يكونوا من حصب جهنم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء] تنبيهًا على صرف العام عن شموله لبعض أفراده بالتخصيص، ولم ينكر النبي ﷺ ولا أصحابه تعلقه بعموم الآية (١). ٦ - كذلك لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه، فبين لهم النبي ﷺ أن الظلم المراد بالآية هو الشرك (٢)، وليس على عمومه في شمول ما ينطوي تحته من أفراد. وفهمُ الصحابة للعموم من الآية، هو الذي دعاهم إلى التساؤل والتخوف حتى طمأنهم رسول الله صلوات الله عليه ببيان المراد من الظلم الوارد في الآية، وأنه أعلى أنواعه وهو الشرك (٣).

стр. 645

هذا والذي أوردناه من الشواهد قليل جدًّا من كثير. وفي ذلك كله ما يدل على أن الصحابة كانوا يرون وجوب العمل بالعام، وإجراءه على عمومه إلا إذا قام دليل على تخصيصه، وأنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم (١). وبناءً على هذا: نُقل إلينا إجماعهم على إجراء قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله ﵊: "لا وصية لوارث" (٢) "مَن ألقى السلاح فهو آمن" (٣) … إلى غير ذلك - مما لا يحصى - على العموم. وذلك ما سلكه التابعون والأئمة من بعدهم، قبل ظهور الواقفية في القرن الرابع كما سلف، لذا كان القول بالتوقف أو بأخص الخصوص - كما يقول عبد العزيز البخاري - مخالفًا للإجماع فوجب رده (٤). إيراد وجوابه: وأهم ما أورد على الاحتجاج للعموم بهذا القول: القول بأن إجراء الصحابة ما ذكر من الآيات والأخبار على التعميم: لم يكن بناء على عموم تلك الألفاظ، وإنما كان بناء على ما اقترن بها من العلل كالسرقة، والزنى، وقتل الظالم إلى غير ذلك.

стр. 646

ذكر ذلك الإمام الغزالي مع أنه من أرباب العموم؛ لأنه ارتضى سبيلًا آخر للاستدلال كما مر (١). وتابعه الآمدي فيه وهو من أرباب الخصوص (٢). والواقع أن ذلك منقوض بأن المنقول احتجاج بعضهم على بعض بصيغة العموم فقط، وهم الذين نزل القرآن بلغتهم وهذا يقين. وتوقع القرينة أو البيان شك، ولا يترك اليقين للشك؛ لأن في قولهم تعطيلًا للمنقول، وإحالة عن سبب آخر لم يعرف. ثم إن لزوم العمل بالمُنزَل، كما قال السرخي، حكم ثابت إلى يوم القيامة، فلو كان ذلك في حقهم باعتبار دليل آخر، ما وسعهم ترك النقل فيه، ولو نقلوا ذلك لظهر وانتشر (٣). كيف ورسول الله ﷺ المبلغ عن ربه، أعطاء الله وظيفة البيان لكتابه، وقد نقل إلينا بيانه ﵊. فما احتج به الصحابة رضوان الله عليهم ولا بيان معه، والقرينة مشكوك بأمرها، فمرده إلى العموم في هذه الأمثلة المتقدمة. ثم إن فتح هذا الباب: يؤدي إلى أن لا يثبت للفظ مفهوم ظاهر، لجواز أن يفهم بالقرائن، فإن الناقلين لنا لم ينقلوا نص الواضع، بل أخذوا الأكثر في تتبع موارد الاستعمال (٤).

стр. 647

رأينا في الموضوع: ونحن أميل ما نكون إلى الدليل النقلي من اللغة، وعمل الصحابة رضوان الله عليهم حسب سليقتهم، وما رسمه لهم المبين عن الله صلوات الله وسلامه عليه. والطابع العربي للقرآن والسنة، هو الذي يجعلنا أقل ميلًا إلى الأدلة المنطقية في أمر هو أقرب ما يكون إلى صميم اللغة وطبيعة التعبير في اللسان العربي، إلى جانب عرف الاستعمال الشرعي. ويغلب على الظن أن أكثر الأصوليين عندما كتبوا في أصول الفقه: كانوا متأثرين بالطابع المنطقي والفلسفي. وإذا كان تفسير النص قد وضعت له القواعد ورسمت له المناهج، فعلينا أن لا ننسى أبدًا أن نصوص القرآن والسنة عربية قبل كل شيء ومن ورائها مقاصد الشريعة. وعلى أية حال: فقد ثبت بالمعقوله والمنقول صحة ما ذهب إليه القائلون بالعموم، وهو الاتجاه الذي نراه ونؤمن بوجوب اعتباره أساسًا من أسس الفهم لكتاب الله وسنة رسوله عند تفسير النصوص. ١ - وذلك لأنه الاتجاه الذي يتسم بطابع الحفاظ على مفاهيم اللغة التي نزل بها الوحي. ب - كما أنه الاتجاه الذي تُضمن معه سلامة اتباع السلف في نهجهم المأخوذ عن المبين عن ربه محمد صلوات الله وسلامه عليه. ج - وهو بعد ذلك كله: الاتجاه الذي يباعد بين المكلف، وبين أي احتمال لتعطيل نص من نصوص الأحكام. د - وقد مر بنا في أكثر من مناسبة، أن العرب قد عرفت العموم في لسانها واستعملت له الصيغ التي تدل عليه حتى رأينا إمامًا كالشافعي - وهو من هو في الإمامة في اللغة - بعد أن يوضح في رسالته ما هو معلوم من طبيعة اللسان العربي في خطابه بالعموم، عقد للعام عدة أبواب.

стр. 648

فباب في بيان ما نزل من الكتاب عامًا يراد به العام، ويدخله الخصوص. وباب في بيان ما أنزل من الكتاب عامَّ الظاهر، وهو يجمع العام والخصوص. وباب في بيان ما نزل من الكتاب عامًا يراد به كلَّه الخاص. . . وضرب أمثلة لكل منها توضح ما أراد (١). من ذلك قوله ﵀: "فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها. وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامًا ظاهرًا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه على آخره. وعامًا ظاهرًا يراد به العام ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعامًا ظاهرًا يراد به الخاص. وظاهرًا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره" (٢). وفي أعقاب ما قررناه يمكن أن نخلص إلى النتائج التالية: ١ - القول بالعموم يتسق مع طبيعة اللغة التي نزل بها الكتاب، ومع عرف الاستعمال لدى المبين ﵊ وأصحابه والسلف من بعدهم. ٢ - القول بالعموم قول بالخصوص وزيادة. ٣ - القول بالوقف في نصوص الأحكام: تعطيل لأحكام الله كما قال ابن حزم. ٤ - القول بالخصوص دون قرينة أو مخصص: أقل ما فيه الخروج على اللغة العربية التي بها نزل الكتاب.

стр. 649

المبحث الثاني تخصيص العام كان فيما رأيناه من الحديث عن المذاهب فيما وضعت له صيغ العموم: أن الجمهور من المتكلمين والحنفية - وهم أرباب العموم - متفقون على أن العام موضوع لاستغراق ما يصدق عليه من الأفراد، ولذا فهو يوجب الحكم في جميع هذه الأفراد الداخلة تحته، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة، و. . .] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. ونريد أن نبين الآن: أن العام كثيرًا ما يرد الدليل الدال على صرفه عن العموم، وإرادة بعض الأفراد التي يشملها، وذلك هو التخصيص؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث قصر العقل الوجوب الوارد في النص على المكلفين دون غيرهم، مع أن لفظ ﴿النَّاسِ﴾ عام يشمل المكلفين وغيرهم كالصبيان والمجانين، ونظائر ذلك في الكتاب والسنة كثيرة (١). فالتخصيص: هو (صرف العام عن عمومه وإرادة بعض ما ينطوي تحته من أفراد) وسنعرض الأهم الجوانب التي تتعلق به من حيث تفسيرُ النصوص فيما يلي:

стр. 650

المطلب الأول موقف العلماء من جواز التخصيص لم يتفق العلماء على عدم وجود من يخالف في جواز التخصيص؛ فبينما يطالعنا الغزالي بأنه لا يعلم خلافًا في ذلك، يحدثنا الآمدي وابن الحاجب وابن الهمام: أن شذوذًا قد خالفوا في الأمر، ولعل الغزالي لم يعبأ بهذا الشذوذ. جاء في "المستصفى ": (لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل: إما بدليل العقل، أو السمع أو غيرهما، وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] و ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا﴾ [القصص: ٥٧] و ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] و ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] و ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" (١). فإن جميع هذه العمومات مخصصة بشروط في الأصل والمحل والسبب، وقلما يوجد عام لا يخصص. مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة، و … ] فإنه باق على العموم (٢). أما الآمدي: فقد قرر في كتابه "الإحكام": أن اتفاق القائلين بالعموم

стр. 651

قائم على جواز تخصيصه على أي حال كان من الإخبار والأمر، خلافًا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيص الخبر. وما أجمله الغزالي في استدلاله على جواز تخصيص العام: فصله الآمدي حين أثبت أن جواز التخصيص قائم على الشرع والمعقول. أ - أما في الشرع: فقد وقع التخصيص في الكتاب كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر] وليس خالقًا لذاته ولا قادرًا عليها وهي شيء، وقوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات] وقد أتت على الأرض والجبال ولم تجعلها رميمًا. وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ و ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الخبرية المخصصة، حتى إنه قد قيل: لم يرد عام إلا وهو مخصص إلا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة، و … ] ولو لم يكن ذلك جائزًا لما وقع في الكتاب (١). ب - أما عن الاستدلال بالمعقول: فقد قرر الآمدي: أنه لا معنى لتخصيص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه، إلى جهة الخصوص بطريق المجاز، والتجوزُ غير ممتنع في ذاته. وأضاف الآمدي إلى ما سبق قوله: (ويدل على جواز التخصيص: الأوامر العامة، وإن لم نعرف فيها خلافًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مع خروج أهل الذمة عنه وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] مع أنه ليس كل سارق يقطع، ولا كل زان يجلد، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه) (٢).

стр. 652

أما ابن الحاجب: فقد اقتصر على قوله: (التخصيص جائز إلا عند شذوذ) دون أن يحاول مناقشة المخالفين أو الرد عليهم، واكتفى بأن ذلك من الشذوذ. وجاء شارحه القاضي العضد ليستدل ويردَّ بما رد به الغزالي والآمدي ولكن بإيجاز (١). وهكذا نرى أنه إلى جانب المعقول - وهو أنه لا يترتب على التخصيص مجال؛ لأنه عدول عن الحقيقة إلى المجاز بدليل - توافرت النصوص على وقوع التخصيص. وإذن فهو جائز لا محالة. * * * المطلب الثاني التخصيص بين الجمهور والحنفية إذا كان الاتفاق واقعًا - إلا عند شذوذ - على جواز تخصيص العام بالدليل، وذلك بصرفه عن عمومه إلى إرادة بعض الأفراد التي يتناولها: فإن الخلاف واقع بين الجمهور والحنفية فيما يجب توافره في الدليل الذي يدل على هذا الصرف، ليكون ذلك تخصيصًا. مذهب الجمهور: فالجمهور يرون أن صرف العام عن عمومه في شمول ما ينطوي تحته

стр. 653

من أفراد وقصره على بعض تلك الأفراد: هو التخصيص والبيان مطلقًا (١)، سواء أكان الدليل الذي صرف العام عن عمومه وقصره على بعض أفراده مستقلًا، أم غير مستقل، وسواء أكان موصولًا في العام بالذكر، أم منفصلًا عنه. إلا أنهم يشترطون فيه إذا كان منفصلًا عن العام: أن لا يتأخر وروده عن العمل بهذا العام، فإن تأخر وروده عن العمل به: كان نسخًا للعام لا تخصيصًا له، وفرق بين النسخ الذي هو رفع الحكم بالدليل، وبين التخصيص الذي هو بيان أن المراد من العام بعض أفراده (٢).

стр. 654

ولهذا كان التخصيص عندهم: (هو صرف العام عن عمومه وقصره على بعض ما يتناوله من الأفراد لدليل يدل على ذلك). قال ابن الحاجب: (التخصيص قصر العام على بعض مسمياته) (١). وعرفه الشوكاني بقوله: (هو إخراج بعض ما كان داخلًا تحت العموم على تقدير عدم المخصص) (٢). * * * المخصصات وأنواعها هذا وقد دل الاستقراء على أن الدليل المخصص: إما أن يكون مستقلًا، وإما أن يكون غير مستقل. المخصص المستقل: فالمخصص المستقل: (هو ما لا يكون جزءًا من النص الذي ورد فيه اللفظ العام)، وهو على عدة أنواع أهمها: ١ - دليل الحس: فإذا ورد الشرع بعموم يشهد الحس باختصاصه ببعض ما اشتمل عليه العموم: كان ذلك مخصصًا للعموم، وبه خصص قوله تعالى حكاية عن بلقيس ملكة سبأ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وما كان في يد سليمان - كما يقول الغزالي - لم يكن في يدها وهو شيء. كما خصص بالحس قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] فقد خرج من العام الواردِ في النص: السماء والأرض، وأمور كثيرة دل عليها الحس. ٢ - دليل العقل: وذلك كما في النصوص التي ورد فيها الخطاب بتكاليف شرعية، على سبيل العموم كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ

стр. 655

الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فالخطاب بالحج والصوم للعموم، ولكن العقل قد دل على إخراج من ليس أهلًا للتكليف كالصبي والمجنون، لاستحالة تكليف من لا يفهم (١). هذا وقد ذكر العلماء أن هنالك من أنكر جواز التخصيص بالعقل. وكان ممن ردَّ عليهم مقالتهم هذه أبو الحسين البصري، وأبو حامد الغزالي. أ - أما البصري: فقد رد عليهم بمسألة التكليف بالعبادة، ودخول الصبي والمجنون تحت الخطاب، أو عدم دخولهما. وذلك ما جاء في كتابه "المعتمد" من أنه يقال لهؤلاء: (أتعلمون بالعقل أن الله سبحانه لم يرد بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] المجانين والأطفال أم لا؟ فإن قالوا: نعلم ذلك لكنا لا نسميه تخصيصًا، خالفوا في الاسم ووافقوا في المعنى، وقيل لهم: ليس للتخصيص معنى إلا أن يخرج من الخطاب بعض ما تناوله من الأشخاص. وإن قالوا بالثاني: فهو فاسد؛ لأن الصبي والمجنون لا يمكنهما فهم المراد، لا على جملة ولا على تفصيل، وإرادة الفهم ممن لا يتمكن منه: تكليف لما لا يطاق، وتعالى الله عن ذلك (٢). ب - أما الغزالي: فقد كان في مسلكه أكثر وضوحًا، حين أورد على لسان المنكرين لاعتبار العقل مخصصًا إيرادين، وأجاب عنهما: الإيراد الأول: أن المخصص يجب أن يكون متأخرًا والعقل سابق على أدلة السمع.

стр. 656

الإيراد الثاني: أن التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ. وخلاف المعقول لا يمكن أن يتناول اللفظ. وقد أجاب عن الإيراد الأول: بأن تسمية الأدلة مخصصات تجوُّز، والمقصود أن الدليل يعرِّف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصًّا: قال في ذلك: (ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله تعالى ما أراد بقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢، … ] نفسَه وذاته، فإنه وإن تقدم دليل العقل: فهو موجود أيضًا عند نزول اللفظ، وإنما يسمى مخصصًا بعد نزول الآية لا قبله) (١). وأجاب عن الإيراد الثاني - وهو أن خلاف المعقول لا يمكن دخوله تحت اللفظ - بأنه يدخل تحت اللفظ من حيث اللسان، ولكن يكون قائله كاذبًا، ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى: تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع الشمول اللفظ له من حيث الوضع (٢). ٣ - دليل العرف: والعرف قولي وعملي (٣). أ - فالقولي: (هو استعمال اللفظ في معنى هو غير تمام مدلوله، بحيث إذا أطلق انصرف إليه من غير قرينة) (٤)، وقال ابن أمير الحاج: (هو أن يتعارف قوم إطلاق لفظ المعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذاك المعنى) (٥).

стр. 657

وطريقة تكوين العرف القولي: أن يُتفق على هجر المعنى الأصلي للَّفظ، ونقلِ هذا اللفظ بواسطة الاستعمال الشائع المتكرر، إلى المعنى الثاني. مثال ذلك: إطلاق الدرهم على النقد الغالب، مع أنه كان يطلق في الأصل على كل فرد من أفراد الدراهم (١). وهذا النوع من العرف متفق على أنه يخصص العام: ففي قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] البيع بالمعنى اللغوي هو المبادلة في المال وغيره، وبالمعنى الشرعي مبادلة المال بالمال؛ فحين يراد تفسير هذا النص: يؤخذ البيع على المعنى الذي هو في عرف الشارع، لا المعنى اللغوي، فيخصص به العموم. وفي شأن الدراهم قال العلماء: إذا ذكر لفظ الدراهم في عقد من العقود: ينصرف إلى النقد الغالي للبلد لا إلى كل فرد من أفراد تلك الدراهم، حملًا للفظ على معناه العرفي، فيخصص العام بالعرف (٢). ب - أما العرف العملي: فهو ما تعارف عليه الناس وجرى عليه العمل عندهم، سواء أكان ذلك عامًا كاستصناع الأواني والأحذية، ودخول الحمام من غير تعيين زمن ولا أجرة، أو خاصًّا ببلد كتعارف أهل العراق إطلاق لفظ الدابة على الفرس، وكتعارف أهل البوادي على اعتبار الأنعام رأس المال عندهم. أو بملةٍ كجعل العيد الأسبوعي للمسلمين يوم الجمعة، وسبب هذا العرف هو التعامل (٣).

стр. 658

ولقد اختلفت أنظار العلماء في تخصيص العام بالعرف العملي: فذهب الحنفية وجمهور المالكية إلى التخصيص: بحيث يحمل العام على ما يقضي به العرف (١). وذهب العلماء الآخرون إلى عدمه (٢). وعلى هذا: لو كان الطعام الغالب في البلد الذي جرى فيه العرف هو البر، وقال الشارع: حرمت الربا في الطعام، اقتصرت الحرمة على الغالب من الطعام - وهو البر - عند القائلين بالتخصيص، وعمَّت في كل ما يطعم عند غيرهم. ومن أمثلة ذلك: تخصيص الوالدات في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فلفظ (الوالدات) عام في هذا النص، ولكن العرف خص منه الوالدة الرفيعة القدر التي ليس من عادة مثيلاتها إرضاع أولادهن إن كان الولد يقبل ثدي غيرها: للمصلحة العرفية، كما ذهب إلى ذلك الإمام مالك ﵀. وهكذا أصبح العام وهو (الوالدات) قاصرًا على غير هذا النوع الذي خصه العرف العملي (٣). وعلى أية حال: فسواء أكان العرف قوليًا أم عمليًا، لا بد أن يكون

стр. 659

موجودًا عند صدور العام الذي يراد حمله عليه وبيانُه به. ولذلك كان من الأهمية بمكان: معرفةُ معهودات العرب في أساليب كلامهم في بيئتهم التي كانت مهبط الوحي ومتنزل الشريعة. أما إذا كان العرف طارئًا: فلا يمكن تخصيص العام به، إلا إذا كان عامًا وأمكن رده إلى أصل من الأصول الشرعية، كالإجماع السكوتي بأن يجري العرف في عصر المجتهدين بفعل شيء أو تركه ويقرَّ منهم، وكالسنة التقريرية بحيث يجري عرف بأمر في عصر النبي ﷺ فيرد إليه العرف، ونسبة التخصيص إليه تجوز (١). رأينا في التخصيص بالعرف: والذي يظهر لنا أن التخصيص بالعرف - ضمن الحدود التي ذكرنا - يتلاءم كل الملاءمة مع مقصد الشارع في حرصه على فهم الشريعة التي نزلت بلسان عربي، فإذا وضعنا في الاعتبار عادات العرب الذين نزل فيهم الكتاب العربي، وراعينا عرفهم في الألفاظ والمعاني ومدلولات الخطاب: كان ذلك خير عون لفهم كتاب الله وسنة رسوله ﵇ (٢). ومن هنا قرر الشاطبي في "الموافقات": أنه (لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن والسنة من معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري عاداتها حالة التنزيل من عند الله والبيان من رسوله، لأن الجهل بها موقع في الإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة). وقد أتى الشاطبي لذلك بعدة أمثلة كان منها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إذ (يحتمل أنه أمر بالإتمام، كما يحتمل أنه أمر بأصل الحج، فإذا علم أن العرب كانوا قبل الإسلام آخذين به، ولكن على تغير بعض الشعائر، ونقص جملة منها؛ كالوقوف بعرفة وأشباه ذلك في

стр. 660

وثنياتهم، علم أن هذا أمر بالإتمام، وإزالة النقص الذي أحدثته وثنيتهم. وإنما جاء لهذا بإيجاب الحج نصًا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (١). كما أن اعتبار العرف في هذا المجال: يؤكد طابع الاتساع والشمول في هذه الشريعة والقدرة على مواصلة طريقها الإنساني مهما تطور الزمن (٢). ٤ - النص من الكتاب والسنة: سواء أكان واردًا بعد ذكر العام أي موصولًا به، أم منفصلًا عنه. وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن والحديث. أ - فمن تخصيص العام بنص مخصوص به، قوله تعالى في شأن الصيام: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإن قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ عام في دلالته على وجوب الصيام على كل من ثبت له دخول شهر رمضان من المكلفين، وقد صُرف هذا العام عن عمومه، فخُص منه المريض والمسافر، فلهما أن يفطرا ويقضيا. وكان التخصيص بنص مستقل موصول بالعام في النزول وهو قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فإن لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ في هذا النص عام يشمل كل ما يطلق عليه مبادلة مال بمال، والربا مبادلة مال بمال؛ فيدخل في عموم لفظ البيع، ولكن الربا خُص من هذا العموم بنص مستقل عن جملته، موصول به في النزول، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فتبين من النصين أن البيع مصروف عن عمومه في شمول جميع الأفراد التي تنطوي تحته بالنسبة لمحكمه، وهو حِلُّ التعامل

стр. 661

بتلك الأفراد، فالربا محرم، قصر عمومَ البيع عن شموله بالحِل (١). ب - ومن تخصيص العام بنص منفصل عنه: قول الله جلَّ ذكره في شأن عدة المطلقات: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فهذا النص يوجب بعمومه العدة ثلاثة قروء على كل مطلقة، سواء أكانت حاملًا أم حائلًا، وسواء أكان طلاقها بعد الدخول أم قبله. ولكن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] يدل على أن المطلقة الحامل مخصوصة من هذا العموم. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] يدل على أن المطلقة قبل الدخول: لا تجب عليها العدة، فيكون هذا النص مخصصًا لعموم المطلقات في الآية الأولى صارفًا للنص عن عمومه حيث لا يشمل اللواتي يكون طلاقهن قبل الدخول (٢). ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذا النص يدل بعمومه على أن كل متوفى عنها زوجها: فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام ولكن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] خصص هذا العموم، فصُرف عن عمومه، وخرجت منه الحوامل، بحيث حدد انتهاء عدتهن بوضع الحمل (٣). ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] مع قول

стр. 662

الرسول ﷺ في شأن البحر حين سئل عن حل الوضوء بمائه "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١). فلفظ ﴿الْمَيْتَةُ﴾ في الآية الكريمة: عام يشمل كل ميتة سواء أكانت ميتة من حيوان البحر، أو البر. ولكن الحديث صَرف هذا العام عن عمومه، فخصص الميتة بغير البحر، فأصبحت الميتة المحرم أكلها لا تشمل هذه الميتة؛ فحيوان البحر حلال لا تلزم فيه الذكاة الشرعية التي تلزم في غيره من أجل المحل. المخصص غير المستقل: إذا كان المخصص المستقل: هو ما لا يكون جزءًا من النص المشتمل من العام: فإن المخصص غير المستقل: هو ما يكون جزءًا من هذا النص المشتمل عليه، فهو غير تام بنفسه. وله عدة أنواع أهمها ما يلي: ١ - الاستثناء المتصل كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. فإن قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ عام يشمل كل كافر، ولكن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ صرف هذا العام عن عمومه، وجعله قاصرًا على من كفر راضيًا مختارًا (٢).

стр. 663

٢ - الشرط - كقوله تعالى في آية المواريث: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. فحالة عدم الولد للزوجة، هي الشرط الذي قَصر استحقاق الأزواج لنصف ما تركت الزوجة من الميراث، ولولا هذا الشرط، لأفاد النص استحقاق الأزواج النصف في جميع الحالات. ومن ذلك قوله جلَّ ثناؤه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. أي إذا تركوا ما نهى الله عنه. فهذا الشرط خصص عموم الآية فيما جاءت فيه. ٣ - الصفة: قاله الشوكاني: (والمراد بها هنا: المعنوية - على ما حققه علماء البيان لا مجرد النعت المذكور في علم النحو) (١). فهذه الصفة تصرف العام عن شموله. وتوجب قصره على ما توجد فيه فقط، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. فلفظ: (الفتيات) في الآية عام يشمل المؤمنات وغير المؤمنات، ولكن وَصْفَهُ بالمؤمنات، جعله مقصورًا على المؤمنات دون غيرهن، فالذي يحل من ملك اليمين لغير مستطيع الطول: هو الفتاة الموصوفة بالإيمان.

стр. 664

٤ - الغاية: وهي نهاية الشيء المقتضيةُ لثبوت الحكم قبلها وانتفائه بعدها، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وقد قُيد التخصيص بالغاية من قبل بعض المتأخرين، وذلك بأن يتقدمها لفظ يشملها لو لم يؤت بها. قال صاحب "إرشاد الفحول": (وقد أطلق الأصوليون كون الغاية من المخصصات ولم يقيدوا ذلك، وقيد ذلك بعض المتأخرين بالغاية التي تقدمها لفظ يشملها لو لم يؤت بها؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة]). فإن هذه الغاية لو لم يؤت بها لقاتلنا المشركين، أعطوا الجزية أو لم يعطوها (١). ٥ - وقد عد ابن الحاجب من هذه المخصصات: بدل البعض من الكل (٢)، وذلك كقولك: أكرم القوم علماءهم، ومثَّل له الشوكاني بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]. هذا: وقد ذكر القرافي في "تنقيح الفصول" أن المخصصات عند المالكية خمسة عشر وكانت: ١ - العقل، ٢ - والإجماع، ٣ - والكتاب بالكتاب، ٤ - والقياس الجلي والخفي ولو كان العام كتابًا أو سنة متواترة، ٥ - والسنة المتواترة بمثلها، ٦ - والكتاب بالسنة المتواترة، ٧ - والكتاب بخبر الآحاد، ٨ - والكتاب والسنة بفعله وإقراره ﵇، ٩ - والعادات، ١٠ - والشرط، ١١ - والاستثناء، ١٢ - والصفة، ١٣ - والغاية، ١٤ - والاستفهام، ١٥ - والحسن. ويرى أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة أن كثيرًا من هذه المخصصات ليست في حقيقة الأمر مخصصات، وإنما هي قرائن حالية أو قيود في القول

стр. 665

لا يتم الكلام إلا بها، فالعقل والحسن من القرائن الحالية، والاستثناء والشرط والصفة والغاية: قيود. ولا يصح في نظر أستاذنا أن تحسب هذه الأمور على المالكية؛ (لأن غيرهم سلم بمعناها وإن لم يعطها الاسم الذي أعطوا). فليس تقييد العام بها موضع الخلاف وإنما الخلاف في تسميتها مخصصات. ولست أدري سر التخوف على المالكية من أن تحسب عليهم هذه الأمور من المخصصات ما دام الأمر يدور في ساحة الاصطلاح، وماذا عليهم إذا سموا أمرًا من الأمور مخصصًا وأسماء غيرهم قيدًا أو قرينة ما دمنا تسلم أن تقييد العام بما ذكروا ليس موضع خلاف، وإنما الخلاف في تسميتها كلها مخصصات. وإذا كان إمام كالقرافي يرتضي ذلك ويعُدُّ خمسة عشر مخصصًا للعام، فمعنى ذلك أن هذا أمر مقرر في المذهب، ومعروف عند المحققين، فلماذا نتخوف على المالكية ما ارتضوه لأنفسهم في دائرة منهج لتفسير النصوص خرَّجوا فيه الفروع على الأصول، وقد ذكر القرافي نفسه في مقدمة كتابه: أنه يذكر ما يتعين أن يكون على خاطر الفقيه من أصول الفقه وقواعد الشرع واصطلاحات العلماء، حتى تُخرَّجَ الفروع على القواعد والأصول، فإن كان فقهٌ لم يخرَّج على القواعد فليس بشيء (١). مذهب الحنفية: أما الحنفية: فإنهم يشترطون في الدليل ليكون مخصصًا للعام: أن يكون مستقبلًا عن جملة العام، مقارنًا له في الزمان، بأن يردا عن الشارع في وقت واحد (٢) وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإن دليل التخصيص في هذه الآية مستقل مقارن، وكقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ

стр. 666

مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فهذا تخصيص أيضًا؛ لأن الدليل المخصص مستقل مقترن بالعام. ولذلك جاء عبد العزيز البخاري بعدة تعاريف وقرر أن المعتبر عند الحنفية أن التخصيص (هو: قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن). قال في "كشف الأسرار": (فقيل: تخصيص العموم: بيان ما لم يرد باللفظ العام، وقيل: هو إخراج ما تناوله الخطاب عنه، وقيل: هو تعريف أن المراد باللفظ الموضوع للعموم: إنما هو الخصوص، وقيل: هو قصر العام على بعض مسمياته) وبعد أن أورد ذلك كله قال: (وفي كل هذه العبارات كلام، والحد الصحيح على مذهبنا أن يقال: هو قصر العام علي بعض أفراده بدليل مستقل مقترن) (١). وهكذا نرى أن الدليل غير المستقل، كالاستثناء والشرط والغاية والصفة، لا يسمى صرفُ العام عن عمومه بواسطته تخصيصًا عند الحنفية، بل يسمى قصرًا، لأنه لا بد للتخصيص عندهم من معنى المعارضة، وليس في الاستثناء والصفة ونحوهما ذلك (٢). وإذا كان الدليل مستقلًا، ولكنه لم يكن مقارنًا للعام بل متراخيًا عنه، فلا يسمى قصر العام بواسطته على بعض أفراده تخصيصًا، بل نسخًا أي رفعًا للحكم كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن ذلك نسخ جزئي عندهم، لا تخصيص. وكقول الرسول ﷺ في شأن البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٣). بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].

стр. 667

وذلك ما قرره عبد العزيز البخاري حين تكلم عن المحترزات في تعريف التخصيص فقال: (وبقولنا: "مقترن" احتراز عن الناسخ؛ فإنه إذا تراخى دليل التخصيص يكون نسخًا لا تخصيصًا) (١). هذا: وبناء على أن دليل التخصيص عند الحنفية، يجب أن يكون مستقلًا مقترنًا: انحصر المخصص العام عندهم في ثلاثة أشياء هي: العقل، والعرف، والنص المستقل المقترن بالعام. ولهذا رأينا في الأمثلة المتقدمة أن ما أسماه غير الحنفية تخصيصًا، لم يكن عند الحنفية كذلك؛ لأن حد التخصيص عندهم هو غيره عند أولئك (٢). * * * أنواع العام وفي أعقاب الكلام على التخصيص: يحسن أن نبين أنه ثبت للعلماء - نتيجة لاستقراء النصوص وإدراك أساليب الخطاب فيها - أن العام يتنوع حسب وروده إلى أنواع ثلاثة: الأول: ما أريد به العموم قطعًا: وهو العام الذي صاحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه. فإذا ورد في النص عام على هذه الشاكلة، حكمنا بعمومه على وجه القطع، فكان شاملًا لكل ما يستغرقه من أفراد. وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١، و … ] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].

стр. 668

ففي كل واحدة من الآيات الثلاث: تقرير سنة إلهية لا تتبدل ولا يطرأ عليها التخصيص، لذا كان العموم مقطوعًا به في كل منها جميعًا، ولا يحتمل أن يراد به الخصوص (١). وذلك قول الشافعي في شأن الآيتين الأولى والثانية: (فكل شيء من سماء وأرض وذي روح، وشجر، وغير ذلك: فالله خلقه، وكل دابة فعلى الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها) (٢). الثاني: ما أريد به الخصوص قطعًا: وهو الذي اصطحب بقرينة تنفي أن يكون العموم مرادًا، وتدل على أن المراد من هذا العام إنما هو بعض الأفراد. مثال ذلك قول الله جلَّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فلفظ ﴿وَلِلَّهِ﴾ في هذا النص عام يشمل المكلفين وغيرهم كالأطفال والمجانين، ولكن هذا العام أريد به خصوص المكلفين؛ لأن العقل يقضي بخروج الصبي والمجنون؛ فتخصيص العام بالعقل في النص المذكور، جعل من المقطوع به أن العام وهو ﴿النَّاسِ﴾ مراد منه الخصوص. ومثله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] (٣). فكلُّ من ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ و ﴿الْأَعْرَابِ﴾ في الآية عام أريد به خصوص القادرين، لأن العقل يقضي بخروج العجزة. وهكذا كان المراد من العموم في الآية: من أطاق الجهاد من الرجال.

стр. 669

على أنه ليس لأحد منهم أن يرغب بنفسه عن نفس النبي ﷺ ، أطاق الجهاد، أو لم يطقه (١). ومثله أيضًا قوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء] (٢). ففي قوله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ عموم أريد به الخصوص، لأن كل القرية - كما يقول الشافعي - لم يكن ظالمًا، فقد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا مكثورين، وكانوا فيها أقل (٣). الثالث: العام المطلق: وهو الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته. نجد ذلك في أكثر النصوص التي وردت فيها صيغ العموم مطلقة عن القرائن اللفظية، أو العقلية، أو العرفية. وهذا النوع من أنواع العام: ظاهر في العموم، حتى يقوم الدليل على تخصيصه (٤) مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. الفرق بين العام الذي أريد به الخصوص والعام المطلق: ومما سبق يتبين الفرق بين العام الذي أريد به الخصوص، والعام المطلق. فالأول: هو العام الذي يرد - حين يرد - وقد صاحبته قرينة تدل على أن

стр. 670

المراد به الخصوص لا العموم، وذلك كما في خطابات التكليف العامة، وقد رأينا منها آنفًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث تدل القرينة على أن المراد به بعض الأفراد التي يشملها، وهذا - كما أسلفنا - ظاهر في دلالته على العموم، حتى يقوم دليل على التخصيص، بحيث يراد بعض أفراده دون بعض (١). أما الثاني: فهو مطلق عما ينفي احتمال تخصيصه، وهما ينفي دلالته على العموم. * * *
следующие страницы →