مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فهذا تخصيص أيضًا؛ لأن الدليل المخصص مستقل مقترن بالعام.
ولذلك جاء عبد العزيز البخاري بعدة تعاريف وقرر أن المعتبر عند الحنفية أن التخصيص (هو: قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن).
قال في "كشف الأسرار": (فقيل: تخصيص العموم: بيان ما لم يرد باللفظ العام، وقيل: هو إخراج ما تناوله الخطاب عنه، وقيل: هو تعريف أن المراد باللفظ الموضوع للعموم: إنما هو الخصوص، وقيل: هو قصر العام على بعض مسمياته) وبعد أن أورد ذلك كله قال: (وفي كل هذه العبارات كلام، والحد الصحيح على مذهبنا أن يقال: هو قصر العام علي بعض أفراده بدليل مستقل مقترن) (١).
وهكذا نرى أن الدليل غير المستقل، كالاستثناء والشرط والغاية والصفة، لا يسمى صرفُ العام عن عمومه بواسطته تخصيصًا عند الحنفية، بل يسمى قصرًا، لأنه لا بد للتخصيص عندهم من معنى المعارضة، وليس في الاستثناء والصفة ونحوهما ذلك (٢).
وإذا كان الدليل مستقلًا، ولكنه لم يكن مقارنًا للعام بل متراخيًا عنه، فلا يسمى قصر العام بواسطته على بعض أفراده تخصيصًا، بل نسخًا أي رفعًا للحكم كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن ذلك نسخ جزئي عندهم، لا تخصيص.
وكقول الرسول ﷺ في شأن البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٣). بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
стр. 667
وذلك ما قرره عبد العزيز البخاري حين تكلم عن المحترزات في تعريف التخصيص فقال: (وبقولنا: "مقترن" احتراز عن الناسخ؛ فإنه إذا تراخى دليل التخصيص يكون نسخًا لا تخصيصًا) (١).
هذا: وبناء على أن دليل التخصيص عند الحنفية، يجب أن يكون مستقلًا مقترنًا: انحصر المخصص العام عندهم في ثلاثة أشياء هي: العقل، والعرف، والنص المستقل المقترن بالعام.
ولهذا رأينا في الأمثلة المتقدمة أن ما أسماه غير الحنفية تخصيصًا، لم يكن عند الحنفية كذلك؛ لأن حد التخصيص عندهم هو غيره عند أولئك (٢).
* * *
أنواع العام
وفي أعقاب الكلام على التخصيص: يحسن أن نبين أنه ثبت للعلماء - نتيجة لاستقراء النصوص وإدراك أساليب الخطاب فيها - أن العام يتنوع حسب وروده إلى أنواع ثلاثة:
الأول: ما أريد به العموم قطعًا: وهو العام الذي صاحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه. فإذا ورد في النص عام على هذه الشاكلة، حكمنا بعمومه على وجه القطع، فكان شاملًا لكل ما يستغرقه من أفراد.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١، و … ] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
стр. 668
ففي كل واحدة من الآيات الثلاث: تقرير سنة إلهية لا تتبدل ولا يطرأ عليها التخصيص، لذا كان العموم مقطوعًا به في كل منها جميعًا، ولا يحتمل أن يراد به الخصوص (١).
وذلك قول الشافعي في شأن الآيتين الأولى والثانية: (فكل شيء من سماء وأرض وذي روح، وشجر، وغير ذلك: فالله خلقه، وكل دابة فعلى الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها) (٢).
الثاني: ما أريد به الخصوص قطعًا: وهو الذي اصطحب بقرينة تنفي أن يكون العموم مرادًا، وتدل على أن المراد من هذا العام إنما هو بعض الأفراد.
مثال ذلك قول الله جلَّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فلفظ ﴿وَلِلَّهِ﴾ في هذا النص عام يشمل المكلفين وغيرهم كالأطفال والمجانين، ولكن هذا العام أريد به خصوص المكلفين؛ لأن العقل يقضي بخروج الصبي والمجنون؛ فتخصيص العام بالعقل في النص المذكور، جعل من المقطوع به أن العام وهو ﴿النَّاسِ﴾ مراد منه الخصوص.
ومثله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] (٣).
فكلُّ من ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ و ﴿الْأَعْرَابِ﴾ في الآية عام أريد به خصوص القادرين، لأن العقل يقضي بخروج العجزة. وهكذا كان المراد من العموم في الآية: من أطاق الجهاد من الرجال.
стр. 669
على أنه ليس لأحد منهم أن يرغب بنفسه عن نفس النبي ﷺ ، أطاق الجهاد، أو لم يطقه (١).
ومثله أيضًا قوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء] (٢).
ففي قوله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ عموم أريد به الخصوص، لأن كل القرية - كما يقول الشافعي - لم يكن ظالمًا، فقد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا مكثورين، وكانوا فيها أقل (٣).
الثالث: العام المطلق: وهو الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته. نجد ذلك في أكثر النصوص التي وردت فيها صيغ العموم مطلقة عن القرائن اللفظية، أو العقلية، أو العرفية.
وهذا النوع من أنواع العام: ظاهر في العموم، حتى يقوم الدليل على تخصيصه (٤) مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
الفرق بين العام الذي أريد به الخصوص والعام المطلق:
ومما سبق يتبين الفرق بين العام الذي أريد به الخصوص، والعام المطلق.
فالأول: هو العام الذي يرد - حين يرد - وقد صاحبته قرينة تدل على أن
стр. 670
المراد به الخصوص لا العموم، وذلك كما في خطابات التكليف العامة، وقد رأينا منها آنفًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث تدل القرينة على أن المراد به بعض الأفراد التي يشملها، وهذا - كما أسلفنا - ظاهر في دلالته على العموم، حتى يقوم دليل على التخصيص، بحيث يراد بعض أفراده دون بعض (١).
أما الثاني: فهو مطلق عما ينفي احتمال تخصيصه، وهما ينفي دلالته على العموم.
* * *
стр. 671
المبحث الثالث دلالة العام
المطلب الأول دلالة العام بين القطعية والظنية
لقد كانت أدلة أرباب العموم على مذهبهم - كما رأينا - واضحة كل الوضوح بحيث انتصر هذا المذهب، وظهرت آثاره في استنباط الأحكام، إذ سانده العقل وطبيعة اللغة، وموارد الاستعمال عند السلف ﵏.
ولكن الذي اختلفت فيه أنظار القائلين بالعموم: هو دلالة العام على ما يشمل من أفراد.
وقد فرقوا بين أن يكون عامًا قد دخله التخصيص، وبين أن يكون عامًا لم يدخله التخصيص.
١ - أما النوع الأول - وهو العام الذي دخله التخصيص -: فهم متفقون على أن دلالته على ما بقي من الأفراد، بعد أن خص منها البعض: دلالة ظنية لا قطعية، فيجوز تخصيصه بالدليل الظني كخبر الواحد والقياس بلا خلاف (١).
ومرد ذلك عندهم، أن الغالب في الدليل الذي يدل على التخصيص:
стр. 672
لا بدَّ أن يكون معلَّلًا بمعنىً قام عليه التخصيص، وهذا المعنى الذي هو العلة، قد يتحقق في بعض الأفراد الباقية بعد ذلك التخصيص.
وإذا كان الأمر كذلك: فكل فرد من الباقي بعد التخصيص، محتملًا لأن يكون خارجًا عن دلالة العام.
ومع قيام هذا الاحتمال: لا يكون العام في دلالته على الأفراد الباقية قطعيَّ الدلالة، بل ظنيها، فيجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس (١).
٢ - هذا فيما يتعلق بالنوع الأول. أما النوع الثاني - وهو العام الذي لم يدخله التخصيص: فالعلماء على خلاف في دلالته من حيث القطعية والظنية:
أ - فذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، - ومعهم أبو منصور الماتريدي من الحنفية ومن تابعه من مشايخ سمرقند - إلى أن دلالة العام على كل فرد بخصوصه: دلالة ظنية (٢) لا قطعية، بخلاف دلالة الخاص على معناه التي هي قطعية، لا يعدل عنها إلا بقرينة.
стр. 673
ب - وذهب عامة مشايخ العراق من الحنفية، وفيهم أبو الحسن الكرخي وأبو بكر الجصاص، إلى أن دلالة العام على كل فرد بخصوصه: قطعية لا ظنية، بمنزلة دلالة الخاص على معناه، إذ إن دلالة الخاص قطعية كما يأتي. وتابعهم في ذلك القاضي أبو زيد المدبوسي وعامة المتأخرين، والشاطبي من المالكية (١).
ما استدل به الجمهور:
ولقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه من ظنية الدلالة في العام، بأن كل عام يحتمل التخصيص تقريبًا، بمعنى أن العام لا يخلو من قصره على بعض ما يتناوله من الأفراد إلا بقرينة تصرف هذا الاحتمال كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة، و … ] وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
ولقد شاع ذلك، حتى صار قولهم: (ما من عام إلا وقد خص منه البعض) بمنزلة المثل. وكان هذا نتيجة لما ثبت من الاستقراء لنصوص الشريعة العربية التي دخل التخصيصُ الكثيرَ من ألفاظ العموم فيها.
ومن الطبيعي أن يورث ذلك شبهة في دلالة العام على كل فرد
стр. 674
بخصوصه، سواء أظهر له مخصص أم لا، ويصير دليلًا على احتمال الاقتصار على البعض.
وإذا ثبت الاحتمال انتفى القطع واليقين، لأن القطع واليقين لا يثبتان مع الاحتمال، فلا نقول: دلالة العام قطعية وهو محتمل للتخصيص (١).
ما استدل به الحنفية:
لقد أخذ الحنفية قطعية العام من فروع الإمام أبي حنيفة وأصحابه. قال البزدوي: (العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله قطعًا ويقينًا بمنزلة الخاص فيما يتناوله. والدليل على أن المذهب هو الذي حكينا أن أبا حنيفة ﵀ قال: إن الخاص لا يقضي على العام، بل يجوز أن ينسخ الخاص به مثل حديث العرنيين في بول ما يؤكل لحمه نُسخ - وهو خاص - بقول النبي ﵇: "استنزهوا من البول" (٢) ومثل قوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" نُسخ بقوله: "ما سقته السماء ففيه العشر" (٣). ولِما ذكر محمد ﵀ فيمن أوصى بخاتمه لإنسان، ثم بالفَص منه لآخر بكلام مفصول: أن الحلقة للأول والفصُّ بينهما، وإنما استحقه الأول بالعموم، والثاني بالخصوص. وهذا قولهم جميعًا (٤).
ثم استدلوا على ما ذهبوا إليه من القطعية، بأن العموم مما وضع له اللفظ باتفاق جمهور العلماء - كما مر سابقًا - واللفظ إذا وضع لمعنًى كان ذلك
стр. 675
المعنى لازمًا له وثابتًا به قطعًا عند إطلاقه حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، وما دام اللفظ موضوعًا للعموم: فإن العموم يلزم ويثبت به قطعًا حتى يقوم دليل الخصوص، كالخاص يثبت مسماه قطعًا حتى يقوم دليل المجاز، ومجرد الاحتمالات التي لا دليل عليها: لا أثر لها في الألفاظ (١).
فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. يشمل قطعًا كل متوفىً عنها زوجها إلا إذا جاء المخصص، سواء أكانت الوفاة قبل الدخول، أم كانت بعده (٢).
وكذلك قوله جلَّ وعلا: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. يشمل عدة كل معتدة لا ترى الحيض، يأسًا أو صغرًا، على سبيل القطع، سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعد الدخول، إلا إذا ثبت المخصص (٣).
الجواب عن الاحتمال:
ومسألة احتمال التخصيص في العام التي هي معتمد دليل القائلين بالظنية: أجاب عنها الحنفية بأنهم لا ينفون أي احتمال كان، وإنما ينفون الاحتمال الناشيء من دليل، فلا اعتبار لاحتمال غير ناشئ عن دليل - كما ذكر انفًا - فإذا خص من العام بعض أفراده، كان احتمال التخصيص فيما بقي ناشئًا عن دليل فيعتبر؛ لذا يصبح العام في هذه الحال ظني الدلالة (٤).
стр. 676
وقد قرر الحنفية ذلك بناء على اصطلاحهم في المخصص، حيث لا يعتبرون التخصيص إلا بدليل مستقل مقترن - كما أسلفنا -.
فما اعتبره غيرهم تخصيصًا حتى شاع أنه ما من عام إلا وقد خص منه البعض، هو منفي في نظرهم بناء على اصطلاحهم في تحديد الدليل الذي يكون به التخصيص.
قال صدر الشريعة في "التوضيح": (لا نسلم أن التخصيص الذي يورث الشبهة، الاحتمالُ شائعٌ فيه: بل هو في غاية القلة، لأنه إنما يكون بكلام مستقل موصول بالعام) (١) فرد صدر الشريعة على الجمهور بما هو اصطلاح الحنفية في المخصص.
موقف التفتازاني:
غير أن التفتازاني لم يرتض كلام صدر الشريعة، وأوضح ذلك بأن القائلين بطنية دلالة العام بناءً على الاحتمال الناشئ من وفرة التخصيص، إنما يريدون بالتخصيص: قصر العام على بعض المسميات، سواء أكان بغير مستقل أم بمستقل، موصول، أو متراخ، ولا شك في شيوعه وكثرته بهذا المعنى.
وعلى ذلك قرر صاحب "التلويح" أنه إذا وقع النزاع في إطلاق اسم التخصيص على ما يكون بغير المستقل، أو بالمستقل المتراخي، فللجمهور أن يقولوا: قصر العام على بعض مسمياته شائع فيه، بمعنى أن أكثر المسميات مقصور على البعض، فيورث الشبهة في تناول الحكم لجميع الأفراد في العام، سواء أظهر له مخصص أم لا، ويصير دليلًا على احتمال الاقتصار على البعض فلا يكون قطعيًا (٢).
ولقد تابع الكمال بن الهمام صاحب "التحرير" السعدَ التفتازاني في هذا
стр. 677
حين قرر (أن المؤثر في ظنية العام من حيث الدلالة على العموم: كثرةُ إرادة البعض فقط، لا مع اعتبار تسميته مخصصًا في الاصطلاح إذ لا دخل للتسمية في هذا المعنى) (١).
موقف الخضري من ابن الهمام ورأينا في ذلك:
ومن العجيب أن الشيخ الخضري ﵀ لم يرتض ملاحظة الكمال على هذا الرد، وقرر أنه لا حقَّ له في ذلك؛ لأن الخلاف ليس في الأسامي والاصطلاحات وإنما هو خلاف حقيقي.
فقد جاء باستدلال الجمهور بمسألة (ما من عام إلا خصص) ثم بردّ بعض الحنفية عليه بما يشترطونه للتخصيص من كون الدليل المخصص مستقلًا مقترنًا وقال: (وهو كلام وجيه جدًّا بناء على ما قرره الحنفية من اشتراط المقارنة في المخصص، وأن النص المتراخي فضلًا عن أنه لا يسمى مخصصًا، لا يدل على أنه أريد بالعام بعض أفراده. ومن هذا يفهم أنه لا حق لابن الهمام في ملاحظته على هذا الرد، لأن الخلاف ليس في الأسامي والاصطلاحات وإنما هو خلاف حقيقي) (٢).
صحيح أن الخلاف بين كون العام قطعي الدلالة أو ظنيها خلاف حقيقي لما ترتب عليه من الآثار، التي كان لها شأن في الفروع والأحكام - كما سيأتي - ولكن الذي يريده ابن الهمام ومن قبله السعد التفتازاني ينصبُّ - في رأينا - على فكرة الاحتمال على إطلاقها. ومن هنا جاءت الملاحقة على التقييد بالمستقل المقترن؛ إذ هو اصطلاح القائلين بهذا القول وحدهم.
وهذا ينفي الوجاهة التي أرادها الخضري: فالراجح - كما يبدو - ما ذهب إليه التفتازاني وابن الهمام.
стр. 678
موقف الشاطبي:
مر بنا أن الشاطبي من القائلين بقطعية دلالة العام، ولقد أبدى تخوفًا شديدًا من القول بالظنية، واعتبر أن في ذلك ما يقتضي إبطال الكليات القرآنية، وإسقاط الاستدلال بالقرآن جملة، إلا لجهة من التساهل وتحسين الظن، لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم.
ويرى الشاطبي أن القول بالظنية: يتنافى مع ما هو معلوم من أن النبي ﷺ بعث بجوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا على وجه هو أبلغ ما يكون، وأقرب ما يمكن التحصيل (١).
رأينا في دلالة العام:
والذي نميل إليه في دلالة العام: هو ما ذهب إليه الجمهور، لأن احتمال صرفِ العام عن عصومه وقصرِه على بعض أفراده قائم، يلاحظ ذلك
стр. 679
- كما سبق - في غالب عمومات الكتاب والسنة، سواء أسمى القائلون بالقطعية هذا القصر تخصيصًا، أم لم يسموه، كما أوضح ذلك التفتازاني وابن الهمام.
ولا نرى مبررًا لتخوف الشاطبي على كليات القرآن وعموماته، فالعدول إلى التخصيص: لا يكون إلا بالدليل، وليس الأمر متروكًا بلا ضوابط أو قيود.
ثم إن إبطال الكليات القرآنية: يمكن أن ينطبق على مذهب الوقف فيما لو تعدى إلى نصوص الأحكام، ولا ينطبق على القائلين بالعموم.
وعلى الأخص إذا علمنا أن الظنية المرادة، هي الظنية في دلالة العام على كل فرد من أفراده، لأن دلالة العام على أصل المعنى هي في نظرهم دلالة قطعية.
ثم ماذا يقول أبو إسحاق في واقع نصوص الكتاب والسنة التي صرف غالبها عن عمومه إلى الخصوص، وهي واردة بلسان من نزل القرآن بلغتهم! إنه فيما تحسب لا يملك دفع هذا الواقع، ولو أنه اعتبر أن ما ذهب إليه الجمهور خارجًا على العربية واستعمال السلف!.
وبعد ذلك: فإنا لا نرى أيَّ تناف بين كون دلالة العام ظنية، وبين ثبوت جوامع الكلم فيما بعث به رسول الله ﷺ ، فلا عدوان على ذلك ما دمنا نعتبر العام على ظاهره، ولا نجنح إلى التخصيص إلا بدليل.
ورسول الله صلوات الله عليه إذا كان قد بعث بجوامع الكلم، فهذا لا يتنافى مع ما قُلّده من أمانة البيان الذي كان منه تخصيص كثير من عمومات القرآن، كما ثبت ذلك بالنقل العلميِّ السليم.
نقول هذا كله دفعًا لما قد يتوهم من إطلاق بعضهم: إن القرآن الكريم قطعي الثبوت وفيه ما هو ظني الدلالة. علمًا بأن اصطلاح "ظنية العام" عند
стр. 680
الجمهور هو الذي جعل لخبر الآحاد المقبول عند أهل الجرح والتعديل دورًا في بيان القرآن الكريم كما سيأتي.
* * *
المطلب الثاني ما ترتب على الاختلاف في دلالة العام
ولقد ترتب على الاختلاف دلالة العام: اختلاف العلماء في مسألتين هامتين كان لهما أثر كبير في تفسير النصوص واستنباط الأحكام.
المسألة الأولى: جواز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة: بالدليل الظني ابتداء كخبر الواحد (١) والقياس.
стр. 681
فالحنفية لا يجيزون هذا التخصيص، لأن العام من الكتاب أو السنة المتواترة قطعيٌّ في ثبوته وفي دلالته، والقطعي لا يصح تخصيصه بالظني (١).
قال عبد العزيز البخاري: (العام من الكتاب والسنة المتواترة لا يحتمل الخصوص أي لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس لأنهما ظنيان فلا يجوز تخصيص القطعي بهما، لأن التخصيص بطريق المعارضة والظني لا يعارض القطعي) (٢).
أما الجمهور: فيجيزون هذا التخصيص لأن العام عندهم - كما أسلفنا - ظني الدلالة، فيصح أن يخصص بالظني كخبر الآحاد، والقياس الذي ثبتت علته بنص أو إجماع (٣).
هذا وقد أيد الحنفية رأيهم بأن ما ذهبوا إليه هو قول أبي بكر وعمر وعبد الله بن عباس وعائشة ﵃: وأوردوا قصة فاطمة بنت قيس مع عمر ﵁ حين ادعت أنه ﵇ جعل لها النفقة والسكنى وهي مبتوتة، فقال عمر: "كيف نترك كتاب ربنا لقبول امرأة" ورفض أن يأخذ بحديثها (٤)، والمقصود بالكتاب هنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦].
стр. 682
وقد أجاب القائلون بالتخصيص: بأن عمر إنما قال مقالته هذه لتردده في صحة الحديث لا لرده تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية؛ فإنه لم يقل: كيف نخصص كتاب ربنا بخبر آحادي وإنما قال: "كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة" (١) ولو كان خبر الآحاد مردودًا مطلقًا، لما احتاج إلى هذا التعليل. قال الشوكاني: (ويؤيد ذلك ما في "صحيح مسلم" وغيره بلفظ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت. فأفاد هذا أن عمر تردد في كونها حفظت أو نسيت، ولو علم أنها حفظت ذلك وأوردته كما سمعته لم يتردد في العمل بما روته) (٢).
وكان من الجمهور أن أيدوا ما ذهبوا إليه أيضًا بما عرف عن الصحابة من تخصيص عمومات الكتاب بخبر الآحاد؛ فقد خصصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الذي يشمل نكاح المرأة على عمتها وخالتها - بما جاء في الحديث الصحيح: "نهى النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" (٣) كما خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وهو يوجب الميراث للأولاد عمومًا، بقوله ﵇: "لا نورث ما تركناه صدقة" (٤) ومثل ذلك كثير.
стр. 683
وقد رد الحنفية ذلك: بأن مثل هذه الأحاديث من المشهور فهي آحاد في العصر الأول ولكنها تواترت فيما بعد. والمشهور يخصص العام عندهم (١).
من آثار الاختلاف عند التطبيق:
كان للاختلاف في تخصيص العام ابتداء بخبر الواحد والقياس: أثر واضح في كثير من الأحكام. تذكر من ذلك على سبيل المثال ما يلي:
قال الله تعالى في سورة الأنعام الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وروي عنه ﵊ أنه قال: "المسلم
стр. 684
يذبح على اسم الله سمّى أو لم يسم" (١)، وفي رواية: "ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليها أو لم يذكره" (٢).
فذهب الحنفية إلى تحريم الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه عند ذبحه عمدًا، تمسكًا بعموم الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا … ﴾ ولم يخصصوا هذا العموم بالحديث المذكور؛ لأنه خبر آحاد وهو ظني، فلا يخصص عموم نص الآية ابتداء، الذي هو قطعي الدلالة إلى جانب كونه قطعي الثبوت (٣).
قاله صاحب "العناية": (وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] عام مؤكد بمن التي تفيد التأكيد، وتأكيد العام ينفي احتمال الخصوص فهو غير محتمل للتخصيص) (٤).
وهكذا يكون من مقتضي العموم عند الحنفية، وعدم تخصيص الآية بالحديث: حرمةُ الأكل من الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، سواء أكان ذلك عمدًا أم نسيانًا.
غير أنهم أجازوا الأكل من الذبيحة إذا تركت التسمية عليها نسيانًا، لأنهم اعتبروا الناسي ذاكرًا حكمًا، فهر ليس بتارك ذكر اسم الله تعالى؛ لأن الشارع - كما يرون - أقام الملة في هذه الحال مقام الذكر، مراعاة لعذر كان من جهة المكلف وهو النسيان، وذلك لدفع الحرج، كما أقام
стр. 685
الأكل ناسيًا في أثناء الصوم مقام الإمساك، وإذا اعتُبر الناسي ذاكرًا حكمًا: بقيت الآية على عمومها. وإلى حِل ما تركت التسمية عليه نسيانًا ذهب علي وابن عباس ﵄ (١).
أما الشافعية: فقد خصصوا الآية بالحديث، فأباحوا الأكل من قبيحة المسلم إذا ترك التسمية عليها عمدًا، جريًا على قاعدتهم في جواز تخصيص العام ابتداء بخبر الواحد، فعام الكتاب ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت والظني يجوز تخصيصه بالظني.
وتأولوا الآية أيضًا بأن المقصود ما ذكر عليه غير اسم الله تعالى؛ كالذي يذبح للأوثان بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، قال الرملي: (وسياق الآية دال عليه فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والحالة التي يكون فيها فسقًا هي الإهلال لغير الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٢).
ويرى بعض الحنفية من المتأخرين كالميهوي وغيره، أن الشافعية قد ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه عملًا بتخصيص العام بخبر الواحد والقياس أيضًا، إذ قاسوا تارك ذكر اسم الله عمدًا على تاركه نسيانًا، ورد الحنفية هذا القياس، بأن التارك نسيانًا غير خارج من عموم الآية، فهو ذاكر حكمًا كما مر (٣).
دعوى الإجماع في كل من المذهبين:
هذا: وقد أيد كل من الحنفية والشافعية ما ذهبوا إليه بعد الاستدلال المذكور بدعوى الإجماع فيما اتجهوا إليه، وكل يدعيه في جانب من جوانب المسألة.
стр. 686
فقد جاء في "الهداية" مثلًا: (والشافعي مخالف للإجماع، فإنه لا خلاف فيمن كان قبله، في حرمة متروك التسمية عامدًا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيًا، فمن مذهب عمر أنه يحرم، ومن مذهب علي وابن عباس ﵃ أنه يحل، بخلاف متروك التسمية عامدًا.
ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ ﵏: إن متروك التسمية عمدًا لا يسع فيه الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفًا للإجماع) (١).
أما صاحب "نهاية المحتاج" - من الشافعية -: فقرر أيضًا في معرض استدلاله على أن المقصود من الآية تحريم ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى أن (الإجماع قام على أن من أكل ذبيحة مسلم لم يسم عليها فليس بفاسق) (٢).
стр. 687
المسألة الثانية:
ومما ترتب على الاختلاف في دلالة العام: ما إذا ورد عام وخاص، واختلف حكمهما؛ بأن دل أحدهما على حكم يخالف ما دل عليه الآخر.
فالجمهور - تمشيًا مع ظنية العام -، لا يحكمون بالتعارض بينهما، وإنما يخصصون العام بالأخص منه، فيعملون بالخاص فيما دل عليه، ويعملون بالعام فيما وراء ذلك، لأن التعارض منتف بين العام الذي هو ظني الدلالة، وبين الخاص الذي هو قطعيها (١).
أما الحنفية: - فجريًا على قاعدتهم في قطعية العام - يحكمون في هذه الحالة بالتعارض بينهما في القدر الذي دل عليه الخاص لتساويهما في القطعية (٢). وعندئذ نكون أمام ثلاثة أحوال (٣).
أ - فإذا علم مجيء الخاص بعد العام من غير تراخ: كان مخصصًا له ومبينًا - كما ذكر من قبل - (٤).
وذلك كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] مع قوله جلَّ وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ مع قوله: ﴿وَأَحَلَّ
стр. 688
اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ففي آيتي الصيام والبيع: عُلِمَ مجيء الخاص بعد العام، وكان ذلك من غير تراخ؛ فكان الخاص مبينًا للعام على سبيل التخصيص.
ب - أما إن علم تأخر مجيء الخاص من العام، بأن جاء بعده على التراخي: كان هذا الخاص ناسخًا للعام في القدر الذي اختلفا فيه، متي تساوى معه في الثبوت (١).
يتضح ذلك بقوله تعالى في شأن حد القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، مع قوله جلَّ ثناؤه في شأن اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦].
فالنص الأول عام يشمل الأزواج وغيرهم وذلك واضح في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ … ﴾.
والنص الثاني خاص بالأزواج كما هو ظاهر، وقد ثبت تأخر هذه الآية في النزول عن الآية الأولى، وإن كانت متصلة بها من حيث النظم والترتيب. ودليل التأخر في النزول ما جاء في الصحاح أن هلال بن أمية (٢) قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سمحاء، فقال له النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك"، فقال هلال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: "البينة أو حد في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
стр. 689
فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦] (١).
فتكون هذه الآية - وهي من الخاص - قد تأخرت عن سابقتها - وهي من العام - فتعتبر ناسخة لها نسخًا جزئيًا فيما تعارضا فيه مما يشمله العام قبل التخصيص - وهم الأزواج - فبعد أن كان حكم الزوج إذا قذف زوجته وعجز عن البنية إقامة حد القذف - كما تقضي بذلك الآية الأولى - أصبح حكمه إجراء اللعان بينه وبين زوجته على الطريقة التي نصت عليها الآيات فيما بعد، وهي أن يشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فإذا شهد ذلك وأرادت الزوجة أن تدرأ عن نفسها العذاب، فعليها أن تشهد أربع شهادات إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
ج - وإن لم يعلم تأخر الخاص عن العام ولا مقارنته له، وقع التعارض بينهما، فيعمل بالراجح منهما. فإن لم يتوافر ما يرجح أحدهما على الآخر: تساقطًا فلم يعمل بواحد منهما فيما دل عليه الأخص (٢).
من آثار الاختلاف في التطبيق:
كما كان للاختلاف في مسألة تخصيص العام بخبر الواحد والقياس: أثر في الاستنباط، كذلك كان لهذه المسألة التي نحن بصددها أثره في أحكام عدة، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
ورد في شأن نصاب الزكاة عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "فيما سقت
стр. 690
السماء والعيون، أو كان عثريًا العشر، وفيما سُقيَ بالنضح نصف العشر" (١).
كما ورد في ذلك أيضًا عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة" (٢).
فالنص الأول عام، يدل على وجوب الزكاة في القليل والكثير مما يخرج من الأرض، دون تحديد نصاب معين لزرع أو ثمر، ومقتضى ذلك: وجوب العشر في كل ما تأتي به الأرض قلَّ أو كثر.
والنص الثاني خاص، يدل على عدم وجوب الزكاة فيما دون خمسة أوسق؛ فهو لا يشمل ما دون ذلك من الزرع والثمار.
ومقتضى هذا: أن العشر لا يجب إلا إذا بلغ ما تعطيه الأرض نصابًا مقداره خمسة أوسق، فما فوق (٣).
وهكذا يقع الاختلاف بين الحديثين فيما دون الخمسة أوسق؛ فالعام يثبته والخاص ينفيه.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى عدم اشتراط نصاب معين لوجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض، ذلك لأن العام والخاص قد تعارضا فيما دون الخمسة أوسق ولم يعلم الراجح منهما، ولكن يرجع الحديث الأولى لأنه أشهر من الثاني.
ثم إن في وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض: احتياطًا لتبرئة الذمة، والخروج من العهدة.
وذلك بالإضافة إلى أن في ذلك مصلحة لذوي الحاجة والمستحقين،
стр. 691
وهكذا رجع أبو حنيفة العام على الخاص لتوافر هذه المرجحات (١).
وذهب الجمهور إلى تخصيص الحديث الأول بالثاني؛ فاشترطوا لوجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض: أن يبلغ نصابًا قدره خمسة أوسق، فلا تجب الزكاة فيما دون ذلك (٢).
وكان ذلك بناء على تخصيص العموم الوارد في حديث "فيما سقت السماء … " بحديث الأوسق، حيث يقضي الخاص على العام فيخصصه ويبينه (٣). وهكذا اختلف الحكم في الفرع بناء على الاختلاف في الأصل - أعني القاعدة الأصولية -.
* * *
стр. 692
الفصل الثاني المشترك
المبحث الأول ماهية المشترك وأسباب وجوده
يرى المتتبع لأساليب الخطاب في اللغة العربية، وكيفية وقوع الأسماء على مسمياتها: أنه كثيرًا ما تسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، كما نرى في عين العام، وعين المال، وعين السحاب. وهذا ما يدعى في اللغة بالمشترك (١).
ولقد تعرض للباحث في الكتاب والسنة كثير من النصوص التي تشتمل على ألفاظ مشتركة، حيث يدل اللفظ على أكثر من معنى، وكان ذلك سببًا لاختلاف أنظار العلماء فيما أراده الشارع من تلك الألفاظ، وهذا الاختلاف انبني عليه انختلاف فيما يدل عليه النص المشتمل على اللفظ المشترك من أحكام.
ولما للمشترك من أثر في استنباط الأحكام: عُني العلماء بتحديد ماهيته، وإيضاح أسباب الاشتراك، ودلالة المشترك على الحكم كيف تكون. وستعرض - ولو بإيجاز - لأهم جوانب في المشترك والتي لا بد منها في
стр. 693
طريق الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بلغةٍ كثيرًا ما يقع الاسم الواحد فيها على شيئين أو أشياء كثيرة.
تعريف المشترك:
المشترك: (هو اللفظ الموضوع للدلالة على معنيين أو معان مختلفة بأوضاع متعددة) (١).
وقد عرفه البزدوي في "الأصول": بأنه (كل لفظ احتمل معنى من المعاني المختلفة أو اسمًا من الأسماء على اختلاف المعاني على وجه لا يثبت إلا وأحد من الجملة مرادًا به) (٢).
وقد تخوف الشارح عبد العزيز البخاري من أن يوهم قول البزدوي: (من المعاني) أن عدد الثلاث: شرط في الاشتراك كما هو شرط في العموم، فأبان أن الأمر ليس كذلك، وأن الاشتراك يثبت بين المعنيين والاسمين أيضًا قال ﵀: (ولهذا قيل في حده: هو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا أو لا من حيث هما مختلفتان) (٣).
مثال ذلك: لفظ (العين): فإنه يطلق على الباصرة، وعين الشمس وما يتبع من الماء، والجاسوس، وعلى سحاب ينشأ من قِبل القبلة والمالِ الناض، وقد وضع هذا اللفظ لكل منها بوضعٍ على حِدة.
стр. 694
وكذلك (القرء): فإنه يطلق على الحيض، كما يطلق على الطهر وهو المدة الزمنية بين الحيضتين. وقد وضع لكل منهما بوضع خاص، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ومن المشترك في كتاب الله أيضًا: لفظ (قضى) فقد جاء بمعنى (حتم) كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢]؛ وبمعنى: (أمر) كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي أمر، كما جاء بمعنى (أعلم) كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي أعلمناهم، وجاء بمعنى (صنع) كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] وكقوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] أي اعملوا ما أنتم عاملون (١).
أسباب وجود المشترك:
يبدو للباحث أن وجود المشترك يرجع إلى عدة أسباب منها:
١ - اختلاف القبائل العربية في إطلاق الألفاظ على المعاني، حيث تصطلح قبيلة على إطلاق لفظ على معنى معين، وتصطلح قبيلة أخرى على إطلاق اللفظ نفسه على معنًى آخر وتصطلح قبيلة ثالثة على معنًى ثالث وهكذا.
وقد لا يكون بين المعنيين أو المعاني مناسبة ما، فيصير اللفظ موضوعًا لمعنيين أو أكثر، وينقل إلينا اللفظ مستعملًا في معنيين أو أكثر من غير نص على اختلاف الواضع (٢).
стр. 695
٢ - أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى مشترك بين معنيين، فتصلح الكلمة لكل من المعنيين، لوجود لمعنى الجامع بينهما، وعلى توالي الزمن يغفل الناس هذا المعنى الجامع، فيعدون الكلمة من قبيل المشترك اللفظي كالقرء، فإنه اسم لكل وقت اعتيد فيه أمر خاص فيقال: (للحُمى قرء) أي: دور معتاد تكون فيه، (وللمرأة قرء) أي: وقت تحيض فيه ووقت تطهر فيه، (وللثريا قرء) أي: وقت اعتيد معها نزول المطر فيه.
٣ - أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى، ويستعمل في معنًى آخر على سبيل المجاز لعلاقة بين هذا المعنى والمعنى الأول، ثم يشتهر استعمال هذا اللفظ في المعنى المجازي، وينسى التجوز مع الزمن، حتى يصير حقيقة عرقية فيه، وينقل اللفظ إلى أبناء اللسان على أنه حقيقة في المعنيين، لا على الأول أنه حقيقة وعلى الثاني أنه مجاز.
٤ - أن ينقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى اصطلاحي، فيكون حقيقة لغوية في الأول وعرفية في الثاني، وينقل اللفظ إلينا على أن له معنيين حقيقين، وبذلك يكون مشتركًا بينهما (١).
* * *
стр. 696
المبحث الثاني دلالة المشترك
المطلب الأول موقف العلماء من دلالة المشترك
لا شك في أن العمل بما تدل عليه الألفاظ هو المطلوب في التشريع؛ فإذا ورد المشترك من غير أن يرد تصريح بإرادة معنييه أو معانيه، فمعنى ذلك أن هنالك إبهامًا في النص الذي ورد فيه المشترك، فلا بد من سلوك السبيل لإزالته كي يتسنى العمل بمدلول اللفظ، ويخرج المكلف من العهدة.
ومن هنا قرر العلماء أن الاشتراك خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين الاشتراك وعدمه، فعدم الاشتراك أرجح (١): وإذا تحقق الاشتراك فالباحث في نص من نصوص الأحكام يكون أمام حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون اللفظ المشترك الوارد في نص شرعي مشتركًا بين معنًى لغوي ومعنًى اصطلاحي شرعي؛ فهنا يتعين أن يراد بالمشترك معناه الاصطلاحي الشرعي؛ وذلك كألفاظ الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والطلاق، الواردة في الكتاب والسنة؛ فالمراد من كل واحد منها المعنى الشرعي، لا اللغوي. ولا يراد اللغوي إلا إذا وجدت قرينة تصرف اللفظ عن معناه الاصطلاحي الشرعي.
стр. 697
فلفظ الصيام موضوع لغة للإمساك، وجاء الشارع ليضعه للعبادة المعروفة، فعندما يرد في كتاب أو سنة، فالمراد المعنى الشرعي ما دامت القرينة المصارفة ثم توجد.
وإذا كنا نقرر أنه لا خلاف بين العلماء في لزوم الأخذ بالمعنى الذي تدل عليه القرينة، فإن الأنظار تختلف في تقويم هذه القرينة أو القرائن المرجحة لمعنى على آخر، فما يكون صالحًا للترجيح عند فريق، قد لا يكون صالحًا عند آخرين، وكثيرًا ما ينتج ذلك اتجاهَ كل إلى معنًى غيرِ المعنى الذي اتجه إليه غيره بناء على تفاوت الأنظار فيما يصلح للترجيح.
مثال الصرف بالقرينة قبوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦] فإن الصلاة من الألفاظ المشتركة بين المعنى اللغوي - وهو الدعاء - والمعنى الشرعي، وهو الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم - كما مر في المجمل - وقد دلت القرينة اللفظية على أن المراد في هذا النص: المعنى اللغوي - وهو الدعاء - لا المعنى الشرعي الذي هو العبادة المخصوصة (١).
وهكذا يؤخذ بالمعنى الشرعي الذي وضعه الشارع للفظ، إلا إذا توافرت القرينة بإرادة المعنى اللغوي، لأن الشارع عندما نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى المعنى الخاص الذي استعمله في خطابات الشريعة، كان هذا اللفظ في لسان الشارع متعين الدلالة على ما كان اصطلاحًا للشارع، لأن المطلوب في التشريع - كما أسلفنا - هو العمل بما تدل عليه الألفاظ (٢).
الحالة الثانية: أن يكون اللفظ المشترك الوارد في النص الشرعي مشتركًا بين معنيين أو عدة معان، وليس للشارع عرض خاص يعين واحدًا من المعنيين. أو المعاني التي وضع لها المشترك.
стр. 698
فإذا كان كذلك: وجب الاجتهاد لتعيين المعنى المراد، حيث يستعين المجتهد بالقرائن والإمارات، وحكمة التشريع، ومقاصد الشريعة على هذا التعيين (١).
ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] رجح الحنفية كون الواو للاستئناف في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فكان ذلك مؤيدًا لما اتجهوا إليه من أن النهي في الآية إنما هو عن الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها مطلقًا سواء أذكر غيره كالأصنام أم لم يذكر، فمتروك التسمية من الذبائح على وجه العمد: حرام أكله عندهم (٢).
ويرجع الشافعية أن الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ للحال، فكان ذلك مؤيدًا لما ذهبوا إليه من أن المقصود في الآية النهي عما ذكر عليه غير اسم الله؛ كأن تذكر الأصنام مثلًا، فكأنه قال: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه والحال إنه لفسق، أي: ذكر عليه غير اسم الله، ولذلك كان الحكم عندهم: حلَّ متروك التسمية من الذبائح، ولو كان الترك متعمدًا (٣).
وقد مر بنا في مبحث التخصيص بخبر الواحد والقياس ما كان للسنة من أثر فيما اتجه إليه كل مذهب، في هذا الحكم (٤).
عموم المشترك:
حين لا تقوم القرينة التي تعين المعنى المراد من المشترك، بحيث ترجحه على غيره، هل يصح في هذه الحال أن يراد من المشترك كل واحد من معنييه أو معانيه بإطلاق واحد، بحيث يكون الحكم المتعلق به ثابتًا لكل
стр. 699
واحد منها؟ أم لا يصح ذلك، ويجب التوقف حتى يقوم الدليل على تعيين واحد من المعنيين، أو المعاني؟
لقد جرى في ذلك، اختلاف العلماء:
١ - فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني، وجماعة من الشافعية، وفريق من مشايخ المعتزلة كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، إلى جواز أن يراد من المشترك جميع معانيه، سواء أكان واردًا في النفي أم في الإثبات، ولكن بشرط أن لا يمتنع الجمع بين المعاني؛ وذلك كاستعمال العين في الباصرة والشمس. أما إذا امتنع الجمع: كالقرء في الحيض والطهر، لم يصح ذلك (١).
فترى مذهب الشافعي - كما حكى الآمدي - أنه إذا تجرد اللفظ المشترك عن القرينة الصارفة إلى واحد من معنييه، وجب حمله على المعنيين (٢).
وقد استدل على هذا المذهب بأمرين:
أولهما: أن اللفظ استوت نسبته إلى كل المسميات، فليس تَعَيُّنُ البعض منها بأولى من البعض، فيحمل على الجميع احتياطًا.
الثاني: مما يدل على الجواز: وقوعه كقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
فقد أريد بالسجود - وهو لفظ واحد - معنيان مختلفان؟ لأن سجود الناس إنما يكون بوضع الجبهة على الأرض، أما سجود غيرهم: فمعناه الخشوع والانقياد.
قالوا: والدليل على أن المراد من سجود الناس وضع الجبهة على الأرض
стр. 700
لا الخشوع، تخصيص كثير من الناس بالسجود، دون من عداهم ممن حق عليه العذاب، مع استوائهم في السجود بمعنى الخشوع والخضوع (١).
٢ - وذهب الحنفية وبعض الشافعية، ومنهم إمام الحرمين، وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، وكذلك الإباضية في الصحيح عندهم: إلى منع ذلك مطلقًا، فلا يراد بالمشترك إلا واحد من معانيه سواء أكان واردًا في النفي، أم في الإثبات (٢).
وقد عرض إمام الحرمين لمذهب الشافعي والواقعة التي علم منها هذا المذهب، ثم أعرب عن رأيه المخالف لما ذهب إليه الإمام محمد بن إدريس، وهو عدم جواز إطلاق المشترك على معانيه إطلاقًا واحدًا؛ معللًا ذلك بأن المشترك صالح لاتخاذ معان على البدل، ولم يوضع وضعًا مشعرًا بالاحتواء عليها (٣).
стр. 701
واستدل لهذا المذهب: بأن المشترك لم يوضع لمعانيه بوضع واحد، وإنما وضع كل معنًى من معانيه بوضع خاص، فإرادة جميع المعاني منه في نص واحد مخالفة لهذا الوضع العربي في اللغة. ومخالفةُ الوضع العربي في اللغة لا تجوز لما يلزم من الجمع بين المتنافين؛ إذ يكون كل واحد من المعنيين مثلًا مرادًا، وغير مراد بآن واحد (١).
الجواب عن آية السجود:
وقد أجاب أصحاب هذا المذهب عن آية السجود التي استدل بها أولئك: بأن السجود في الآية الكريمة معناه الخشوع والانقياد، سواء أكان قهريًا أم اختياريًا. وهذا كما يتحقق في الناس يتحقق في غيرهم، فلا يختلف المعنى.
موقف عبد العزيز البخاري والتفتازاني:
ولكن هذا الجواب لم يرضه عبد العزيز البخاري ولا التفتازاني، لأنه إن أريد بالانقياد امتثال أوامر التكاليف ونواهيها: فهو لا يصح في غير المكلفين. وإن أريد امتثال حكم التكوين والتسخير، أو مطلق الإطاعة أعم من هذا وذاك: فشموله لجميع الناس ظاهر، فلا بد أن يكون في كثير من الناس بمعنى آخر يخصهم كوضع الجبهة أو امتثال التكاليف. ولذلك قال صاحب "التلويح": (الأظهر في الجواب عن الآية ما ذكره القوم من أنها على حذف الفعل أي: ويسجد كثير من الناس، على أن المراد بالسجود
стр. 702
الأول الانقياد والخضوع، وقد دل على شموله جميع الناس ذكر ﴿مَن فِي الأَرْضِ﴾، وبالتالي سجود الطاعة والعبادة، وهو غير شامل لجميع الناس) (١).
٣ - وقال بعض فقهاء الحنفية: إنه يجوز أن يراد بالمشترك كل واحد من معانيه في النفي دون الإثبات، وقد بنوا على ذلك ما جاء في باب الوصية من "أن من أوصى بثلث ماله لمواليه، وكان له موالٍ أعتقوه، وموالٍ أعتقهم، ومات الموصي قبل البيان بطلت وصيته" (٢).
وإنما حكموا ببطلان الوصية لأن اسم المولى مشترك بين المعتِق والمعتق، فيحتمل أن يكون المراد في الوصية المولى الأعلى وهو الذي أعتق، ويحتمل أن يكون المراد المولى الأسفل وهو الذي أُعتق، ولا يصح أن يكون كل منهما مرادًا: لأن المشترك وارد في الإثبات، والمشترك إذا ورد في الإثبات لا يفيد العموم، بل يكون المراد منه واحدًا من معانيه فقط. ولما كان الموصي قد مات ولم يعين من هو المراد في وصيته: وقعت الجهالة في الموصى له، والوصية للمجهول لا تصح (٣). وقد مر بنا أن المشترك الذي انسد باب الترجيح فيه هو نوع من أنواع المجمل عند الحنفية (٤).
وبنوا على ذلك أيضًا ما جاء في باب الأيمان: من أن من حلف لا يكلم موالي فلان، كان قَسَمُه شاملًا للمولى الأعلى والأسفل فيحنث بتكليمه أيَّ واحد منهما.
стр. 703
لأن لفظ المولى في هذه المسألة وارد في سياق النفي، والمشترك الوارد بعد النفي: يراد به جميع معانيه. قال ابن الهمام في "التحرير": (وفي المبسوط حلف لا أكلم مواليك وله أعلون وأسفلون، فأيّهم كلم حنث به؛ لأن المشترك في النفي يعم وهو المختار) (١).
ففي المسألة الأولى، وهي مسألة الوصية، لم يعمّ المشترك؛ لأنه كان في سياق الإثبات، وفي المسألة الثانية، وهي مسألة اليمين، شمل؛ لأنه كان في سياق النفي.
* * *
المطلب الثاني من آثار الاختلاف في التطبيق
كان من الطبيعي أن ينبني على الاختلاف في بعض مسائل المشترك: اختلاف في بعض الأحكام عند تفسير النصوص ومن ذلك ما يلي:
أ - مر بنا في أكثر من مناسبة قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولقد تباينت أنظار العلماء في الحِقبة الزمنية التي يجب أن تعتدها المطلقة بناءً على تباين أنظارهم في المراد من القرء في هذه الآية.
ولقد عرفنا من قريب أن القرء من الألفاظ المشتركة في اللغة العربية، لا خلاف في ذلك بين أئمة اللغة والفقهاء، وقد حكى يعقوب بن السكيت (٢)
стр. 704
وغيره من اللغويين أن العرب تقول: أَقْرأَت المرأة إذا طهرت، وأَقْرأَت: إذا حاضت، وذلك أن القرء في كلام العرب معناه الوقت فلذلك صلح للظهر والحيض معًا.
ولعل على ذلك قول الشاعر:
شنئت العَقر عَقربني شَليل … إذا هبت لقارئها الرياح (١)
وقد جاء القرء بمعنى الطهر في قول الأعشى:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة … تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثةً مالًا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا
أي: لما ضاع من أطهار زوجاته وذلك لاشتغاله بالغزو والقتال عن الاستمتاع بهن.
وجاء القرء بمعنى الحيض في قوله ﷺ بشأن أحكام المستحاضة:
"تدع الصلاة أيام أقرائها" (٢) أي: أيام حيضها لأنها هي المدة التي يجب فيها ترك الصلاة.
وهو في الآية الكريمة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يحتمل كلًا من الطهر والحيض.
فإن حملناه على الطهر، كان الواجب على المطلقة أن تعتد بثلاثة أطهار، فإن احتسبنا الظهر الذي وقع الطلاق فيه من العدة: اعتبرت العدة
стр. 705
منتهية بابتداء الحيضة الثالثة، وإن لم يحتسب من العدة: لم تنته عدتها إلا بابتداء الحيضة الرابعة.
وإن حمل القرء على الحيض وجب على المطلقة أن تعتد بثلاث حيضات، فلا تنتهي عدتها إلا بانتهاء الحيضة الثالثة.
وقد اختلف في تعيين المعنى المراد من القرء في الآية:
فذهب مالك والشافعي وأحمد - في رواية - وداود الظاهري وأبو ثور إلى أن المراد الطهر. وهو قول عائشة، والمروي عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، كما أنه قول فقهاء المدينة السبعة (١)، وقتادة والزهري وأبان بن عثمان (٢).
وذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل إلى أن المراد الحيض. وهو قول الخلفاء الراشدين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأبي موسى الأشعري، وكثير من الصحابة والتابعين، وهو مذهب العترة والحسن البصري والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح (٣).
ما استدل به القائلون بالطهر:
استدل القائلون بأن القروء في الآية مراد بها الأطهار بأدلة أهمها ما يلي: