واستدل لهذا المذهب: بأن المشترك لم يوضع لمعانيه بوضع واحد، وإنما وضع كل معنًى من معانيه بوضع خاص، فإرادة جميع المعاني منه في نص واحد مخالفة لهذا الوضع العربي في اللغة. ومخالفةُ الوضع العربي في اللغة لا تجوز لما يلزم من الجمع بين المتنافين؛ إذ يكون كل واحد من المعنيين مثلًا مرادًا، وغير مراد بآن واحد (١).
الجواب عن آية السجود:
وقد أجاب أصحاب هذا المذهب عن آية السجود التي استدل بها أولئك: بأن السجود في الآية الكريمة معناه الخشوع والانقياد، سواء أكان قهريًا أم اختياريًا. وهذا كما يتحقق في الناس يتحقق في غيرهم، فلا يختلف المعنى.
موقف عبد العزيز البخاري والتفتازاني:
ولكن هذا الجواب لم يرضه عبد العزيز البخاري ولا التفتازاني، لأنه إن أريد بالانقياد امتثال أوامر التكاليف ونواهيها: فهو لا يصح في غير المكلفين. وإن أريد امتثال حكم التكوين والتسخير، أو مطلق الإطاعة أعم من هذا وذاك: فشموله لجميع الناس ظاهر، فلا بد أن يكون في كثير من الناس بمعنى آخر يخصهم كوضع الجبهة أو امتثال التكاليف. ولذلك قال صاحب "التلويح": (الأظهر في الجواب عن الآية ما ذكره القوم من أنها على حذف الفعل أي: ويسجد كثير من الناس، على أن المراد بالسجود
стр. 702
الأول الانقياد والخضوع، وقد دل على شموله جميع الناس ذكر ﴿مَن فِي الأَرْضِ﴾، وبالتالي سجود الطاعة والعبادة، وهو غير شامل لجميع الناس) (١).
٣ - وقال بعض فقهاء الحنفية: إنه يجوز أن يراد بالمشترك كل واحد من معانيه في النفي دون الإثبات، وقد بنوا على ذلك ما جاء في باب الوصية من "أن من أوصى بثلث ماله لمواليه، وكان له موالٍ أعتقوه، وموالٍ أعتقهم، ومات الموصي قبل البيان بطلت وصيته" (٢).
وإنما حكموا ببطلان الوصية لأن اسم المولى مشترك بين المعتِق والمعتق، فيحتمل أن يكون المراد في الوصية المولى الأعلى وهو الذي أعتق، ويحتمل أن يكون المراد المولى الأسفل وهو الذي أُعتق، ولا يصح أن يكون كل منهما مرادًا: لأن المشترك وارد في الإثبات، والمشترك إذا ورد في الإثبات لا يفيد العموم، بل يكون المراد منه واحدًا من معانيه فقط. ولما كان الموصي قد مات ولم يعين من هو المراد في وصيته: وقعت الجهالة في الموصى له، والوصية للمجهول لا تصح (٣). وقد مر بنا أن المشترك الذي انسد باب الترجيح فيه هو نوع من أنواع المجمل عند الحنفية (٤).
وبنوا على ذلك أيضًا ما جاء في باب الأيمان: من أن من حلف لا يكلم موالي فلان، كان قَسَمُه شاملًا للمولى الأعلى والأسفل فيحنث بتكليمه أيَّ واحد منهما.
стр. 703
لأن لفظ المولى في هذه المسألة وارد في سياق النفي، والمشترك الوارد بعد النفي: يراد به جميع معانيه. قال ابن الهمام في "التحرير": (وفي المبسوط حلف لا أكلم مواليك وله أعلون وأسفلون، فأيّهم كلم حنث به؛ لأن المشترك في النفي يعم وهو المختار) (١).
ففي المسألة الأولى، وهي مسألة الوصية، لم يعمّ المشترك؛ لأنه كان في سياق الإثبات، وفي المسألة الثانية، وهي مسألة اليمين، شمل؛ لأنه كان في سياق النفي.
* * *
المطلب الثاني من آثار الاختلاف في التطبيق
كان من الطبيعي أن ينبني على الاختلاف في بعض مسائل المشترك: اختلاف في بعض الأحكام عند تفسير النصوص ومن ذلك ما يلي:
أ - مر بنا في أكثر من مناسبة قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولقد تباينت أنظار العلماء في الحِقبة الزمنية التي يجب أن تعتدها المطلقة بناءً على تباين أنظارهم في المراد من القرء في هذه الآية.
ولقد عرفنا من قريب أن القرء من الألفاظ المشتركة في اللغة العربية، لا خلاف في ذلك بين أئمة اللغة والفقهاء، وقد حكى يعقوب بن السكيت (٢)
стр. 704
وغيره من اللغويين أن العرب تقول: أَقْرأَت المرأة إذا طهرت، وأَقْرأَت: إذا حاضت، وذلك أن القرء في كلام العرب معناه الوقت فلذلك صلح للظهر والحيض معًا.
ولعل على ذلك قول الشاعر:
شنئت العَقر عَقربني شَليل … إذا هبت لقارئها الرياح (١)
وقد جاء القرء بمعنى الطهر في قول الأعشى:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة … تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثةً مالًا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا
أي: لما ضاع من أطهار زوجاته وذلك لاشتغاله بالغزو والقتال عن الاستمتاع بهن.
وجاء القرء بمعنى الحيض في قوله ﷺ بشأن أحكام المستحاضة:
"تدع الصلاة أيام أقرائها" (٢) أي: أيام حيضها لأنها هي المدة التي يجب فيها ترك الصلاة.
وهو في الآية الكريمة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يحتمل كلًا من الطهر والحيض.
فإن حملناه على الطهر، كان الواجب على المطلقة أن تعتد بثلاثة أطهار، فإن احتسبنا الظهر الذي وقع الطلاق فيه من العدة: اعتبرت العدة
стр. 705
منتهية بابتداء الحيضة الثالثة، وإن لم يحتسب من العدة: لم تنته عدتها إلا بابتداء الحيضة الرابعة.
وإن حمل القرء على الحيض وجب على المطلقة أن تعتد بثلاث حيضات، فلا تنتهي عدتها إلا بانتهاء الحيضة الثالثة.
وقد اختلف في تعيين المعنى المراد من القرء في الآية:
فذهب مالك والشافعي وأحمد - في رواية - وداود الظاهري وأبو ثور إلى أن المراد الطهر. وهو قول عائشة، والمروي عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، كما أنه قول فقهاء المدينة السبعة (١)، وقتادة والزهري وأبان بن عثمان (٢).
وذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل إلى أن المراد الحيض. وهو قول الخلفاء الراشدين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأبي موسى الأشعري، وكثير من الصحابة والتابعين، وهو مذهب العترة والحسن البصري والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح (٣).
ما استدل به القائلون بالطهر:
استدل القائلون بأن القروء في الآية مراد بها الأطهار بأدلة أهمها ما يلي:
стр. 706
١ - إن تأنيث اسم العدد وهو "ثلاثة" يدل لغة على أن الممدود مذكر والمذكر هو الطهر لا الحيضة، وعلى ذلك تكون الأطهار هي المراد من لفظ "القروء" الوارد في الآية الكريمة.
٢ - ومن جهة ثانية فإن الله تعالى يقول في سورة الطلاق (الآية ١): ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ والمعنى: في عدتهن؛ لأن اللام هنا بمعنى في، مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة وقد أمر الرسول صلوات الله عليه أن يكون الطلاق وقت الطهر، وذلك حين قال لعمر وقد أخبره أن ابنه عبد الله طلق امرأته وهي حائض: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تظهر، ثم تحيض ثم تظهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق فيها النساء" (١).
وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يكون الطهر هو المعتبر في المدة فإن قول الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لوقت يعتدون به فيكون ذلك الوقت هو الوقت الذي أمر الرسول أن يكون الطلاق فيه وهو الطهر.
فما قاله الرسول ﷺ لعمر في شأن طلاق ابنه عبد الله لزوجته، يدل على أن زمن الظهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلَّق فيه النساء؛ إذ إن العلماء متفقون على أن المرأة إذا طلقها الرجل في حيضها لم تعتد بتلك
стр. 707
الحيضة؛ فإذا طلقها الرجل في طهر لم يطأها فيه اعتدَّت بما بقي منه، ولو كان هذا الباقي لحظة، ثم استقبلت طهرًا ثانيًا بعد حيض، ثم ثالثًا بعد حيضة ثالثة، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للزواج وخرجت من العدة (١).
ما استدل به القائلون بأن القرء هو الحيضة:
واستدل القائلون بأن القروء في الآية مراد بها الحَيض بأدلة أهمها ما يلي:
١ - إن قول الرسول ﷺ بشأن المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها" واستعماله للقرء في الحيض مما يدل على أن عرف الشريعة قائم على تخصيص القرء بالحيض دون الطهر.
ومما يؤيد ذلك في نظرهم قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]. حيث جعل الاعتداد بالأشهر مكان الاعتداد بالحيض الميؤوس منه، وفي ذلك دلالة على أن الحيض هو المعتبر في العدة لا الطهر.
٢ - إن العدة إنما شرعت للمرأة بعد حصول الفرقة بينها وبين زوجها، لتعرف براءة الرحم من الحمل، كيلا تختلط الأنساب، وإنما يكون ذلك بالحيض لا بالطهر.
٣ - ومما استدلوا به أن لفظ ﴿ثَلَاثَة﴾ الوارد في الآية خاص، ودلالة الخاص على معناه دلالة قطعية، ولا يتحقق مدلول الثلاثة التي هي الخاص هنا، إلا بأن تعتد المطلقة ثلاثة قروء كاملة من غير زيادة ولا نقصان، وذلك لا يحصل إلا إذا اعتبر المراد من القرء الحيض لا الطهر، لأن من المتفق عليه أن الطلاق المشروع - كما من قريبًا - هو ما يكون والمرأة في حال طهرها.
فإذا حصل الطلاق في الطهر واحتسب من العدة، كانت العدة طهرين
стр. 708
كاملين وبعض الطهر، وهو المدة الزمنية التي بقيت من الطهر الذي وقع الطلاق فيه.
وإن لم يحتسب ذلك الطهر من العدة، كانت العدة ثلاثة أطهار وبعض الطهر، ففي كلا الحالين: - حال احتساب الطهر الذي وقع الطلاق فيه من العدة، وحال عدم احتسابه - يؤول الأمر إلى عدم تحقق مدلول الخاص - وهو ثلاثة - بالنقصان منها، أو الزيادة عليها، وذلك غير جائز (١).
وهكذا نرى الاتفاق قائمًا على أن القرء مشترك بين الحيض والظهر، ولكن الخلاف كان لتفاوت الأنظار في تقييم الأدلة التي ترجح أحد المعنيين على الآخر في الآية الكريمة، وعلى أساس ذلك تحتسب العدة، إما بالحِيَض وإما بالأطهار (٢).
ب - ومما ارتبط الخلاف فيه بالمشترك - كما يرى الزنجاني - مسألة تخيير ولي المقتول عمدًا بين القصاص والدية.
فقد ذهب الشافعي ﵀ إلى أن موجب العمد التخيير بين القصاص
стр. 709
والدية، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فإن السلطان يحتمل الدية والقصاص.
فالشافعي خيَّر بينهما وأثبت وصف الوجوب لكل واحد منهما سيرًا مع قاعدته في عموم المشترك.
قال النووي في "المنهاج": (موجب العمد القود، والدية بدل عند سقوطه. وفي قول: أحدهما مبهمًا، وعلى القولين: للولي عفو على الدية بغير رضا الجاني) (١).
وذهب الحنفية إلى عدم التخيير بين القصاص والدية، لأنه لا عموم للمشترك عندهم. جاء في "الهداية" بشأن القود: (وهو واجب عينًا وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل) (٢).
ج - ومن أمثلة المشترك الذي وقع الخلاف فيه: اختلاف الفقهاء في معنى "نكح"، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
فإن هذه اللفظة مشتركة بين العقد والوطء، وبسبب هذا الاشتراك نشأ الاختلاف في معنى الآية وهو اختلاف في أمر بالغ الأهمية في شؤون الأسرة والبيوت.
وقد وردت هذه الكلمة في القرآن و "لسان العرب"، بمعنى الوطء مرة كما وردت بمعنى العقد أخرى، وكان طبيعيًا أن يختلف المجتهدون في تعيين المعنى المراد، وكان لا بد من البحث عن القرائن والأدلة التي ترجع في نص من النصوص أحد المعنيين، أو المعاني، إذا لم يعينه الشارع.
ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ
стр. 710
سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] (١) حملها أبو حنيفة على الوطء حكم يحرمة زواج الابن بمزنية أبيه (٢).
وحملها الشافعي وآخرون على العقد، وترتب على ذلك عدم تحريم من زنى بها الأب على الابن (٣).
وهكذا كان الاشتراك في كلمة "نكح" وعدم تصريح الشارع بإرادة أحد المعنيين: الوطء أو العقد في الآية الآنفة الذكر: مدعاة للاختلاف والبحث عن القرائن والمؤيدات لترجيح أحد المعنيين.
وأمثلة المشترك يراها المتتبع لكتب الأحكام وقد ذكر البطليوسي صاحب "الإنصاف" من الأمثلة: "أو" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣] حيث ذهب قوم إلى أن ﴿أَوْ﴾ في الآية للتخيير كما ذهب آخرون إلى أنها للتفصيل والتعيين، وهي تستعمل في لسان العرب لكلا المعنيين.
وبناءً على أنها للتخيير: يكون الإمام مخيرًا في العقوبات التي عرضت لها الآية، وبناء على أنها للتفصيل: لا يكون تخيير بل من حارب وقتل وأخذ المال صلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده (٤).
والحق أن ميدان الاجتهاد متسع - كما أسلفنا - في تفسير النصوص لإزالة الغموض الطارئ من الاشتراك، بحيث يمكن تعيين المعنى المراد من اللفظ المشترك ليتسنى الخروج من العهدة في العمل بمدلول اللفظ الوارد في النص الشرعي من كتاب أو سنة.
стр. 711
الباب الثاني دلالة الألفاظ على الأحكام في حالة الخصوص
الخاص
ويشتمل على فصلين:
- ماهية الخاص ودلالته على الأحكام.
- أنواع الخاص.
стр. 712
تمهيد:
كما يطلق اللفظ في لسان العرب، فيدل على الاستغراق والشمول دون حصر بعدد معين، فيكون عامًا، كذلك يطلق في المقابل ليدل على معنًى واحد على سبيل الانفراد أو على كثير محصور فيكون خاصًّا.
ولدراسة "الخاص" في ميدان تفسير النصوص أهمية يرى أثرها في عناية العلماء وجهودهم، ذلك لأن الخاص في ماهيته ودلالته وأنواعه له علاقة واضحة بمسالك الأئمة في الاستنباط، وما نشأ عن ذلك من اختلاف في الفروع والأحكام؛ فهو يقابل العام، كما أنه قطعي في دلالته على الأحكام. وأنواعه كثيرة منها العدد، والمطلق والمقيد، وصيغ التكليف من أمر ونهي.
وستعرض في القادم من أبحاثنا إلى ماهية الخاص ودلالته وبعض أنواعه، لندرس منها المطلق، والمقيد، وحمل المطلق على المقيد، كما تعرض للأمر ودلالته وما يتعلق به، وللنهي ودلالته وأثره في المنهي عنه، إلى غير ذلك من بعض الجوانب التي لها أثرها في تفريع الأحكام عند الاستنباط من النصوص.
* * *
стр. 713
الفصل الأول ماهية تفسير النصوص
المبحث الأول ماهية الخاص ودلالته
الاختصاص في اللغة: التفرد وقطع الشركة، وكل اسم لمسمى معلوم على الانفراد يقال له: خاص، ومنه خصَّه بالشيء: أفرده به دون غيره ويقال: اختص فلان بالأمر وتخصص له: إذا انفرد. وخصني فلان بكذا: أي أفرده لي. وفلان خاص فلان (١) ومنه قول أبي زيد:
إن امرأ خصني عمدًا مودَّته … على التنائي لعندي غير مكفور (٢)
ولا يبدو في تعريف الخاص في الاصطلاح ابتعاد عن المعنى اللغوي؛
стр. 714
فقد عرفه فخر الإسلام البزدوي بأنه: (كل لفظ وضع لمعنًى واحد على انفراد وقطع المشاركة) (١).
وبمثل ذلك عرفه شمس الأئمة السرخسي فقال: (هو كل لفظ وضع لمعنًى واحد على الانفراد) (٢).
ويبدو أن العلماء يعنون بالمعنى الواحد: ما يتناول الحقيقي والاعتباري، فيدخل فيه أسماء العدد كاثنين وثلاثة وأربعة التي تدل على كثير محصور، إذ إنها وضعت وضعًا واحدًا للكثير، وهي مستغرقة جميع ما يصلح لها، لكن هذا الكثير محصور، ومن هنا كانت من الخاص (٣).
وما دام المراد بالخصوص الانفراد وقطع الاشتراك، فقد يكون الخاص واحدًا بالشخصي كزيد، وقد يكون بالنوع كرجل وإنسان، وقد يكون بالجنس كحيوان، وقد يكون واحدًا بالمعاني كالعلم والجهل (٤).
وعلى هدي ما ذكر يمكن أن نقول في تعريف الخاص: (هو اللفظ الذي وضع على معنًى واحد على سبيل الانفراد أو على كثير محصور). وبقولنا: (أو على كثير محصور) نكون كشفنا عن المعنى الواحد الاعتباري كأسماء الأعداد، فشمله التعريف مع المعنى الواحد الحقيقي.
والمثال الحقيقي: إنسان، وأحمد، وكتاب، والمثال الاعتباري: أربعة، وخمسة، وستة، وسائر أسماء الأعداد.
دلالة الخاص:
لقد تناول العلماء الخاص بالمعنى المتقدم، وقرروا نتيجة للبحث والاستقراء حكمه من حيث الدلالة على المعنى المراد، وهل هي قطعية أو
стр. 715
ظنية. وإنما عُنوا بذلك، لما يترتب على القطعية والظنية من الآثار في الفروع والأحكام.
ولقد كان ما وصلوا إليه: أن دلالة الخاص قطعية: فهو يتناول مدلوله قطعًا، وبذا يتيقن ما أريد به من الحكم الشرعي. ولا يصرف عن المعنى الذي دل عليه، إلا بدليل يدل على تأويله وإرادة ذلك المعنى الآخر.
قال فخر الإسلام البزدوي: (اللفظ الخاص يتناول المخصوص قطعًا ويقينًا بلا شبهة لما أريد به الحكم، ولا يخلو الخاص عن هذا في أصل الوضع وإن احتمل التغير عن أصل وضعه لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان لكونه بينًا لما وضع له) (١).
وذلك ما عبر عنه شمس الأئمة السرخسي (بمعرفة المراد باللفظ ووجوب العمل فيما هو موضوع له لغة، لا يخلو خاص عن ذلك، وإن كان يحتمل أن يتغير اللفظ عن موضوعه عند قيام الدليل، فيصير عبارة عنه مجازًا، ولكنه غير محتمل للتصرف فيه بيانًا، فإنه مبين في نفسه عامل فيما هو موضوع له بلا شبهة) (٢).
وهكذا جاءت القطعية من كونه بينًا في نفسه يتناول الخصوص قطعًا ويقينًا بلا شبهة.
ومن أمثلة الخاص: لفظ ﴿مِائَةَ﴾ في قوله تعالى في حد الزنى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾.
ولفظ ﴿ثَمَانِينَ﴾ في قوله تعالى في حد القذف: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
стр. 716
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٢ - ٤].
فالمائة، والثمانون، وهما من أسماء الأعداد، يدلُّ كل منهما على المعنين الذي وُضع له دلالة قطعية ولا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان (١).
ومنها أيضًا لفظ ﴿رَقَبَةٍ﴾ و ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ و ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ في قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
وإذا كانت هذه الألفاظ من "الخاص": فإن الآية تدل دلالة قطعية على أن كفارة اليمين المنعقدة هي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام من غير زيادة أو نقصان، لأن هذه الألفاظ تناولت الحكم المخصوص قطعًا حسبما وضعت له بلا شبهة.
وقد ذهب إلى هذا القطع البزدوي والسرخسي ومن تبعهما، وإن كان الخاص يحتمل التغيُّر قبل أن يراد به غير موضوعه مجازًا، إذا قام الدليل. وإنما جنحوا إلى ذلك: لأن هذا الاحتمال لما لم يدل عليه دليل اعتبر كأن لم يكن، وجعل هو والعدم سواء، فلم يؤثر في تناول الخاص للحكم المخصوص على وجه القطع (٢).
ويمكن الاستعانة بالمجاز لإيضاح ما نقول، فإذا قال قائل: واجهت أسدًا، من غير قرينة في الكلام: فإن لفظ الأسد، يدل في هذه العبارة على
стр. 717
الحيوان المخصوص الذي وضعت له الكلمة على وجه القطع. ومع هذا يحتمل أن يكون المراد منه على سبيل المجاز: الرجل الشجاع، إلا أن هذا الاحتمال - مع كونه مرافقًا للقطع في المعنى الأول - لما لم يكن ناشئًا عن دليل: لم يقم له أي وزن، واعتبر مع العدم على حد سواء.
قال صاحب "كشف الأسرار": (وبيانه أن لفظ الأسد الموضوع للحيوان المخصوص في قولك: رأيت أسدًا من غير قرينة تقبل أن يراد به الشجاع مجازًا، فهذا هو الاحتمال، وإرادة الشجاع هو المحتمل. فإذا قلنا: المراد منه موضوعه قطعًا، فالمراد بالقطع المحتمل لأن ثبوته متوقف على قيام الدليل ولم يوجد، فيكون منقطعًا لا محالة، لا قطع الاحتمال. إذ صلاحية اللفظ باقية؛ حتى لو انقطع الاحتمال أيضًا يسمى محكمًا، فثبت أن القطع يجتمع مع الاحتمال) (١).
مع عبد العزيز البخاري:
ولقد يسعنا أن نسير مع عبد العزيز البخاري في محاولته التدليل على إمكان اجتماع القطع مع الاحتمال؛ وذلك أن الاحتمال - كما يقول - صفة اللفظ وهو صلاحيتُه لأن يراد به غير الموضوع له، وإرادةُ الغير هو المحتمل، فقولنا: (قطعًا) راجع إلى المحتمل لا إلى الاحتمال.
رحم الله صاحب "كشف الأسرار" فقد أجهد نفسه في التفريق بين القطع المحتمل وقطع الاحتمال، ثم ثباتِ أن المراد القطع المحتمل لا قطع الاحتمال، أنه كان يكفيه تجلية أن المراد بالقطع معناه الأعم؛ لأنا مهما حاولنا: فالاحتمال واقع، وما أحسب القادحين في القطعية من أجل هذا الاحتمال متنكبين طريق الجادة. وإن كان التفريق بين المعنى الأعم للقطع والمعنى الأخص: تفريق مقبول ومقنع إلى حد كبير، بحيث يكاد الأمر يكون في حدود الاختلاف اللفظي والوقوف عند المصطلحات (٢).
стр. 718
ولقد زاد الرهاوي في حاشيته على "المنار" هذه النقطة إيضاحًا؛ حين قرر أن القائل بالقطع لا يقول بالمعنى الأخص، إذ احتمال المجاز قائم اتفاقًا. ولهذا يحق تأكيده فيكون المراد القطع بالمعنى الأعم، إذ الخلاف في المجرد عن القرائن الصارفة، والمعنى الأعم فيه قرينة. فيكون المراد نفي القطع بالمعنى الأخص (١).
وعلى هذا نكون انتهينا إلى أن أهل المذهب الأول والمعترضين: ملتقون عند الاحتمال، ولكن الأولين لا يرون مانعًا من القطعية لأنه احتمال غير ناشئ عن دليل، والمعترضون يرون أن الاحتمال - مطلقًا - قادح في القطعية؛ فإذا اعتبرنا القطع على نوعين: أعم وأخص، أصبح الخطب سهلًا وانحلت العقدة.
هذا وأمثلة الخاص كثيرة موفورة في نصوص الأحكام من الكتاب والسنة.
فقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٦].
يدل دلالة قطعية على وجوب إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الرسول، لأن صيغ الأوامر من قبيل "الخاص".
وفي قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] دلالةٌ قطعية على تحريم القتل بدون حق، لأن صيغ النواهي من "الخاص" أيضًا.
كذلك العدد من "الخاص" ففي قوله تعالى من آيات المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
стр. 719
فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء] نرى ألفاظ الثلثين، والنصف، والثلث، والربع، والثمن، تدل على معانيها وتعطي أحكامها بشكل قطعي، ولا تحتمل الصرف عنه إلى غيره من ذاتها؛ لأنها من الخاص.
ومثل ما مر أيضًا: قوله ﷺ : "في صدقة الغنم في سائمتها من كل أربعين شاة شاة" (١).
فالحكم المستفاد منه، هو تقدير النصاب الذي تجب الزكاة فيه من الغنم بأربعين، وتقدير الواجب بشاة، بلا احتمال زيادة أو نقص في النصاب وما يجب فيه. وكذلك ما ورد في مثل تلك النصوص، فإنه من الخاص وتدل على معانيها الدلالة المذكورة.
القطع المراد في دلالة الخاص:
لقد اتضح مما سبق: أن القطع فيما نحن فيه يطلق ويراد به أحد معنيين:
أما الأولى: قهر إطلاقه على نفي الاحتمال أصلًا.
وأما الثاني: فهو إطلاقه على نفي الاحتمال الناشئ عن دليل.
والثاني أعم من الأول، لأن احتمال الناشئ عن دليل أخص من مطلق الاحتمال. ونقيض الأخص أعم من نقيض الأعم.
والقطع المواد في قولهم: (الخاص يتناول المخصوص قطعًا … ) إنما هو القطع بالمعنى الأعم، وهو نفي الاحتمال أصلًا.
قال صدر الشريعة عندما قرر أن الخاص من حيث هو خاص: يوجب
стр. 720
الحكم قطعًا: (والمراد هاهنا المعنى الأعم وهو أن لا يكون له احتمال ناشئ عن دليل، لا أن لا يكون له احتمال أصلًا) (١).
ولقد يرد على هذا أن الاحتمال قادح في اليقين، فلا قطع مع الاحتمال، لذا قالوا: إن الخاص يوجب اليقين ما دام الاحتمال قائمًا:
ولكن هذا الإيراد دُفع - كما مر - بأن الاحتمال لما لم يقم عليه دليل: ألحق بالعلم، فلا يمتنع القطع به. فالخاص يحتمل أن يكون المراد به معنًى آخر غير معناه الذي وضع له، ولكن لما لم يقم دليل على أنه المراد: صار المعنى الموضوع له مقطوعًا به (٢)، ولهذا فالخاص عند الحنفية لا يحتمل البيان.
علم الطمأنينة وعلم اليقين:
هذا ومن الجدير بالذكر أن القطع بالمعنى العام، وهو عدم الاحتمال الناشئ عن دليل، يسمى عند العلماء "علم الطمأنينة"، كالعلم المستفاد من الظاهر، والنص، والخاص، والعام، والحديث المشهور عند الحقية.
أما القطع بالمعنى الخاص، وهو عدم الاحتمال مطلقًا سواء أكان ناشئًا عن دليل، أم غير ناشئ عن دليل، فيسميه العلماء "علم اليقين". وذلك كالسلم المستفاد من المتواتر والمفسَّر والمحكم، والنص عند الشافعية كما تقدم. فالخاص - وهو مما يوجب علم الطمأنينة - يمكن أن يتحول إلى معنى آخر بطريق المجاز، إذا قام الدليل المناسب، وإن كان لا يحتمل البيان من ذاته فيما وضع له (٣).
وهكذا إذا قام الدليل الذي لا ينزل عن درجة الخاص في القوة، يمكن به تأويل ذلك الخاص عن معناه إلى معنى آخر من المعاني التي يحتملها.
стр. 721
كالذي رأينا من تأويل الحنفية الشاة في حديث نصاب الأربعين السابق بما يعم الذات والقيمة، وتأويلهم إطعام الستين مسكينًا بإطعام مسكين واحد ستين يومًا، وغير ذلك من الفروع التي مر بنا بعض نماذجها في مباحث التأويل (١).
ومن هنا كان حديث الآحاد مثلًا - لا يقوى على تأويل الخاص عن معناه إلى معنى آخر يحتمله، لأن الخاص يفيد القطع فيما يدل عليه، بينما لا يفيد حديث الآحاد إلا الظن من الناحية الاصطلاحية في مقابل القطع.
* * *
стр. 722
المبحث الثاني من آثار قطعية الخاص في التطبيق
لقد كان للقول بأن الخاص قطعيُّ الدلالة، وأنه لا يحتمل البيان: أثر كبير في تفسير النصوص ومآخذ الأحكام.
ثم إن المتتبع لكتب الأصول عند الحنفية - مثلًا - يرى أنهم جنحوا إلى بناء بعض الفروع على قطعية الخاص، وخرّجوها عليها، وهي فروع قال بها أئمة المذهب أو بعضهم، ولكن لم يكن ذلك منهم بناء على قطعية الخاص، وإنما كان في الغالب لأدلة أخرى قامت لديهم على ما ذهبوا إليه.
وكان ما قصده هؤلاء الأصوليون ﵏ شأنهم في كثير من الفروع التي يخرّجونها على القواعد الأصولية - تقوية مسلك أولئك الأئمة فيما ذهبوا إليه في استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، وتأكيد أن فروع الأحكام مرتبطة بما تتصل به من قواعد الأصول، وليست خلوًا من هذه القواعد التي ترد إليها، وترتبط بها ارتباط الجزئيات بالكليات. وإن كانوا قد اعتبروا تلك الفروع - في كثير من الأحيان - سبيلهم إلى ثبوت القاعدة بعد البحث والاستقراء.
وإنها لجهود بعثت في القواعد الأصولية نوعًا من الحياة، جعلتها تعيش مع الفروع الفقهية في إطار من النسب المتصل في العدد من النصوص، وإن كانت تبدو أحيانًا مع بعض الفروع وهي على غير هذه الحال.
من أمثلة ذلك ما رأينا في بعض أنواع المجمل - وهو المشترك الذي ينسد فيه باب الترجيح - والتفريق عند بعضهم في هذه الحالة بين الإثبات
стр. 723
والنفي في عموم المشترك، ومنها ما جاء في قاعدة عموم المقتضى واللجوء إلى التفريق بين المقتضى والمحذوف عندما خرجت بعض الفروع عن القاعدة.
ولعل من ذلك أيضًا ما يلاحظ في أمر تخصيص العام بخبر الواحد، أو تقييد المطلق به، حيث وضعت قاعدة الحديث المشهور جوابًا على تخصيص كثير من العمومات، أو تقييد المطلق أحيانًا بأخبار الآحاد، إلى غير ذلك من الأسئلة التي ترى في مظانها من كتب الأصول والفروع وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
١ - ومما بناه أصوليو الحنفية على قطعية الخاص: الحكم على الأقراء أنها الحِيَض في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وجعلُ عدة المطلقات غيرِ الحوامل وغير الصغيرات والآيساتِ: تُحتسب بالحِيَض لا بالأطهار خلافًا للشافعية والمالكية (١).
ومنزع ذلك عندهم: أن لفظ ﴿ثَلَاثَةَ﴾ من الخاص، لأنه موضوع العدد معلوم لغة لا يحتمل النقصان عنه أو الزيادة عليه. ولا يتحقق مدلول هذا العدد إلا إذا حملت الأقراء على مرات الحيض. إذ بذلك يكون التربص بثلاثة قروء كوامل.
أما احتساب الأطهار: ففيه ترك للعمل بلفظ الثلاث، لأنه لا يمكن بالأطهار استكمال قروء ثلاثة. وعدم الاستكمال إما بنقصان أو زيادة.
ذلك أن الطهر الذي يقع فيه الطلاق عملًا بالسنة، إن احتسب من الأقراء، تكون مدة العدة للمطلقة قُرأين وبعض القرء، وهو الذي يقع فيه الطلاق.
стр. 724
وإن لم يحتسب ذلك الطهر من الأقراء، وأوجبنا على المرأة أن تتربص ثلاثة أطهار كاملة خلافَ الظهر الذي يقع الطلاق فيه: لزم الزيادة وكانت العدة ثلاثة قروء وبعض القرء، وهو الذي يقع الطلاق فيه.
وفي كلا الحالين - من النقص والزيادة - تفويت لموجَب الخاص، وهو هنا ثلاثة آحاد. أما إذا حملت القروء على مرات الحيض واحتسبت العدة بها - كما قال الحنفية - فإن موجب الخاص وهو الثلاثة قروء يتحقق بثلاث حيضات كوامل، دون زيادة ولا نقصان (١).
وذلك ما ذهب إليه أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" عند قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وتابعه علماء الأصول كالبزدوي والسرخسي وغيرهما من العلماء.
قال أبو بكر: (واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاءها بكمالها فيمن طلقها للسنة، لأن طلاق السنة أن يوقعه في طهر لم يجامعها فيه، فلا بد إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهرًا قد مضى بعضه. ثم تعتد بعده بطهرين آخرين - فهذان طهران وبعض الثالث - فلما تعذر استيفاء الثلاثة إذا أراد طلاق السنة علمنا أن المراد الحيض الذي يمكن استيفاء العدد المذكور بكماله (٢).
وقد جاء الجصاص على اعتراض يمكن أن يورده الآخرون، وهو أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] والمراد شهران وبعض الثالث ولم يعتبر ذلك عدوانًا على مدلول الأشهر.
ومما أجاب به عن هذا الاعتراض المحتمل، أن الأشهُر لم تحصر بعدد وإنما ذكرت بلفظ الجمع، والأقراء محصورة بعدد لا يحتمل الأقل منه وهو
стр. 725
الثلاثة. قال أبو بكر: (ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: رأيت ثلاثة رجال ومرادك رجلان، وجائز أن تقول رأيت رجالًا والمراد رجلان) (١).
والراجح عندنا: أن استخدام قطعية الخاص للاستدلال على أن القروء هي مرات الحيض وأن عدة أولئك المطلقات تحتسب بالحيض لا بالأطهار: هو جانب من الاستدلال أو مما يستأنس به للاستدلال، وإلا فالمسألة من باب "المشترك" (٢). وجميع الفقهاء متفقون على أن القرء موضوع لغة لكل من الطهر والحيض. والأمر بعد ذلك أمر ترجيح بالأدلة والقرائن، ولكل وجهة في الموضوع (٣). وقد أتينا على ذكر المسألة في موطنها من بحث المشترك حيث رأينا أدلة كل من الأئمة على ما يرى أنه الصواب، وأنه هو الذي به يحقق موجب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٤).
٢ - ومن ذلك مسألة فرضية الطمأنينة في الصلاة، فالإمام أبو حنيفة ومعه محمد بن الحسن لا يشترطها لصحة الصلاة، بينما يراها أبو يوسف والإمام الشافعي فرضًا من الفروض لا تصح الصلاة إلا بها.
والأصل عند أبي حنيفة وصاحبه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٥) والركوع يتأدى بأدنى انحناء؛ لأن اللفظ موضوع لغة للميل عن الاستواء يقال: ركعت النخلة إذا مالت، وركع البعير إذا طأطأ رأسه (٦).
стр. 726
فدلالة الركوع في ذلك: من دلالة الخاص فهي قطعية في موجبه الموضوع له لغة، فلا تحتمل البيان وراءها، فإذا أريد تقييد ذاك الميلان فيجب أن يكون بدليل في قوة الخاص، وإلا كان ذلك تركًا للعمل بما وضع له هذا الخاص لغة، كما لو اعتبرنا الطمأنينة فرضًا، أخذًا من حديث الأعرابي المسيء صلاته الذي هو حديث آحاد (١).
فقد جاء في الحديث الصحيح: "أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ". فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلّ" - ثلاثًا - فقال: والذي بعثك بالحق لا أُحسن غيره فعلمني، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها" (٢).
فقوله ﷺ : "ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ" حديث آحاد رتبته - من صحته - ظنية، لا يقوى - كما يرون - على الزيادة على الخاص القطعي وهو قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ باعتبار أن الخاص لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان، لكونه بينًا لما وضع له من ذلك (٣).
стр. 727
٣ - ومن ذلك قوله تعالى في سورة المائدة [الآية: ٦]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 728
آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
فدلالة الآية على أفعال الوضوء من غسل ومسح ثابتة بهذا النص على وجه القطع، فلا تحتمل البيان وراء ذلك.
فاشتراط النية كما في قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (١)، واشتراط التسمية كما في قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه" (٢) ليكون كل من النية والتسمية فرضًا لا يزول الحدث بدونه مع وجود الغسل والمسح، لا يكون عملًا بالخاص، وإنما يكون من باب نسخ القطعي، وهو الخاص، بالظني وهو خبر الواحد.
وهكذا فإن الآية عند الحنفية لا تحتاج إلى بيان من ذاتها، والحديثان المذكورات وأمثالهما أحاديث آحاد لا تقوى على نسخ القرآن (٣).
هذه مسائل قليلة من عدد كثير ذكره البزدوي والسرخسي، وتابعهما فيها أو في أكثرها الأصوليون الذين أتوا بعدهما من الحنفية، وأنت ترى أنا أتينا بنموذجين من هذه المسائل:
أولهما: مسألة القروء وأنها مرات الحيض تحقيقًا لموجب النص.
والثاني: ثلاث مسائل من الوضوء والصلاة، وقوامها أن الخاص القطعي لا يقوى على بيانه حديث الآحاد الظني.
والنموذجان وإن كانا يلتقيان عند تأكيد قطعية الخاص، وبناء الحكم عليها بناء يحقق موجَبَهُ فيما وضع له دون أن يحتمل البيان، إلا أن مسألة
стр. 729
الأقراء تحقيق مجرد للقطعية يرتبط به الحكم، دون أن يكون هنالك بحث حول دليل ظني كخبر الآحاد يراد بيان الخاص عن طريقه.
ففي اعتبار أن القروء مرات الحيض، وأن بها تحتسب عدة ذلك النوع من المطلقات، تحقيق لموجَب الخاص فيما وضع له، ولقد قلنا هناك: إن المسألة من بحث "المشترك"، وموضوع الخاص فيها جانب من الاستدلال أو مما يستأنس به للاستدلال.
هذه حال النموذج الأول. أما النموذج الثاني: ففيه زيادة على الأول، وهي أن الحكم مرتبط بعدم بيان الخاص بالظني وهو خبر الآحاد؛ فالطمأنينة في الصلاة: القول بفرضيتها ترك لموجَب الخاص، وذلك ببيانه بالظني مع أنه هو قطعي.
وكذلك الأمر في فرض التسمية والنية للوضوء، فإنَّ مرد القول بعدم الفرضية في ذلك كله، الوقوف عند مدلول الخاص ودلالته القطعية عليه.
ولعل من المفيد أن نشير إلى أن الأصوليين لم يرد في كلامهم ما يشعر بنسبة قاعدة قطعية الخاص إلى الإمام أبي حنيفة وأصحابه وإنما أسندوها إلى علمائهم (١).
وقد أشرنا من قبل إلى جهود أولئك الأعلام في الاستقراء لربط ما ورد عن أئمة المذهب من جزئيات بقواعد أصولية (٢)، ونحن إذا كنا نحمد لهم هذا الصنيع الكريم، فما نحسب أن فقهاء العراق كان الأمر في هذه النقطة عندهم أمر "خاص قطعي" و"خبر آحاد ظني"، وإنما مرد الأمر - كما تمليه ظروفهم وصلتهم بالحديث - حيطة في الأخذ بخبر الواحد ما أمكن العمل بالنص القرآني.
وأكثر من هذا: لعل ما بلغ أبا يوسف من حديث الاطمئنان في الصلاة
стр. 730
مثلًا: لم يبلغ الإمام أبا حنيفة - رحمهما الله -، إضافة إلى ما عهد عنه من تورع في شأن العبادات (١).
وإذن فليكن مناط القبول أو الرفض، صحة الحديث أو عدم صحته لا توهينه واعتباره لا يقوى على بيان الخاص لأنه خبر آحاد، علمًا بأن المقبول من الحديث في ساحة الأحكام هو الصحيح والحسن كما أسلفنا من قبل. ثم إن ظنية خبر الآحاد المقبول عند علماء الحديث: لا تعني نزوله عن درجة الصلاحية لبيان القرآن الكريم؛ ذلك بأنه ظني - اصطلاحًا - في مقابل القطعي اصطلاحًا وهو المتواتر، كما نقول: حرف جر زائد وحرف جر أصلي، فهذا لا يعني أن حرف الجر الزائد لا معنى لوجوده، بل قد يؤدي دورًا بلاغيًا مكينًا، فالقضية قضية اصطلاح وكفى، والمهم أن يكون الحديث مقبولًا عند أهل الحديث ليؤدي مهمة البيان.
وأغلب الظن أن من أحجم عن قبول خبر الآحاد من أئمة المذهب إنما كان إحجامه لما كان من رواج الكذب على رسول الله ﷺ ، أما وقد ماز علماؤنا الخبيث من الطيب وبينوا صحيح السنة من غيره فليكن ما نبتغيه:
стр. 731
صحة الحديث وذلك بانطباقه على قواعد الجرح والتعديل تلك القواعد المنضبطة الأمينة التي تفردت بها أمتنا عن أسم الأرض قاطبة. ولن تعوزنا موارد السُّنن التي هي قانون البيان، ولن يهيم الباحث الواعي في الليل بعد أن طلع النهار.
وما أحسب الباحث إلا سيجد كثيرًا من النماذج، كالذي رأينا من أخذ الإمام أبي يوسف بحديث المسيء صلاته، وحكمه بفرضية الطمأنينة في الصلاة، مع أن الحديث خبر آحاد.
* * *
стр. 732
الفصل الثاني أنواع الخاص
تمهيد:
للخاص أنواع كثيرة - كما أشرنا من قبل - تتعدد باعتبار الحالة والصفة التي يرد فيها، فقد يرد مطلقًا عن التقييد، فيكون فردًا شائعًا في جنسه، وقد يرد مقيدًا بقيد من وصف أو شرط أو نحوهما، فيتحدد شيوعه، وقد يأتي على صيغة الأمر بالفعل، كما يأتي على صيغة النهي عن الفعل، وذلك حين يكون واردًا للطلب، وقد يكون الخاص عددًا.
وسنعرض في أبحاثنا: للمطلق والمقيد وحكمهما، وحمل المطلق على المقيد، كما نعرض للأمر والنهي ومداهما. لما لذلك من ارتباط بالتشريع اللفظي.
فنصوص الأحكام في الكتاب والسنة: جاءت وفي ألفاظها الكثير من المطلق، والكثير من المقيد، وقد يكون هنالك ما يوجب حمل المطلق على المقيد، وقد لا يكون؛ جرى في ذلك اختلاف العلماء.
كذلك يلاحظ أن غالبية الأحكام التكليفية في الشريعة قائمة على طلب الفعل، وطلب الكف، اللذين هما الأمر والنهي على تعدد الصور التي تعبر عنهما. والخروجُ من العهدة لا بد له من إدراك المدلول الواضح لما كان به التكليف. ومن هنا كان البحث في أنواع الخاص هذه، بالغ الأهمية، في تفسير النصوص واستنباط الأحكام. ولسوف نجد مصداق ذلك - إن شاء الله - فيما نتناوله في الأبحاث التالية من تلك الأنواع.
* * *
стр. 733
الفرع الأول المطلق والمقيد
أسلفنا أن اللفظ في النص: قد يرد في حالة إطلاق لا يقيده قيد، وقد يرد في حالة تقييد بصفة، أو شرط، أو نحوهما، وأنه في الحالة الأولى "مطلق"، وفي المحالة الثانية "مقيد".
ولا بد عند تفسير النصوص من معرفة مدلول اللفظ في حالة إطلاقه، ومدلوله في حالة تقييده.
وإلى جانب ذلك: لا بد من معرفة مدى سلطان المفيد على المطلق من حيث تقييدُه، أو عدم تقييدِه، وقد كان ذلك مجال اختلاف بين العلماء تعددت فيه آراؤهم، وتقاريت أو تباعدت أنظارهم، الأمر الذي ترتب عليه اختلاف في كثير من الفروع والأحكام.
لذا كان لا بد من معرض للمطلق والمقيد لغة واصطلاحًا، وبيان حكم كل من المطلق والمقيد، ومتى يحمل المطلق على المقيد؟ مع وقفات موضوعية عند بعض ثمرات الاختلاف في الفروع والأحكام عند التطبيق؛ تلك الثمرات التي بنيت على اختلاف العلماء في هذه الضوابط، التي كان إليها مردُّ الفروع والأحكام.
* * *
стр. 734
المبحث الأول ماهية المطلق والمقيد وحكمهما
المطلب الأول ماهية المطلق والمقيد
قال ابن فارس في كتابه "الصاحبي" تحت عنوان "الخطاب المطلق والمقيد": (أما الإطلاق: فأن يذكر الشيء باسمه لا يقرن به صفة، ولا شرط، ولا زمان، ولا عدد، ولا شيء يشبه ذلك.
والتقييد: أن يذكر بقرين من بعض ما ذكرناه، فيكون ذلك القرين زائدًا في المعنى - من ذلك أن يقول القائل: "زيد ليث" فهذا إنما شبهه بليث في شجاعته، فإذا قال: "هو كالليث الحَرِب"، فقد زاد "الحرِب" وهو الغضبان الذي حُربَ فريستَه، أي: سُلبها، فإذا كان كذا كان أدهى له) (١).
стр. 735
هذا: ويبدو كما يذكر ابن قدامة: (أن المطلق والمقيد في الألفاظ مستعاران منهما في الأشخاص يقال: رجل أو حيوان مطلق: إذا خلا من قيد أو عقال أو شكال. ومقيد: إذا كان في رجله قيد أو عقال أو شكال، أو نحو ذلك من موانع الحيوان من الحركة الطبيعية الاختيارية التي ينتشر بها بين جنسه، فإذا قلنا: "أعتق رقبة" فهذه الرقبة شائعة في جنسها شيوع الحيوان المطلق بحركته الاختيارية بين جنسه، وإذا قلنا: "أعتق رقبة مؤمنة" كانت هذه الصفة لها كالقيد المميز للحيوان المقيد من بين أفراد جنسه ومانعة لها من الشيوع، كالقيد المانع للحيوان من الحركة في جنسه) (١).
* * *
المطلق والمقيد في الاصطلاح
أولًا: المطلق:
أما المطلق: فقد عرفه علماء الأصول تعريفات متعددة تلتقي عند دلالته على الحقيقة من حيث هي، وذلك أنه يدل على فرد غير مقيد لفظًا بأي قيد، فهو شائع منتشر في جنسه. قال الرازي: (المطلق هو اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي).
وبمثل ذلك عرفه صدر الشريعة من الحنفية (٢).
стр. 736
وعرفه ابن قدامة المقدسي من الحنابلة بأنه: (المتناول لواحد لا يعينه باعتبار حقيقة شاملة لمجنسه) وتابعه عبد القادر بدران "شارح روضة الناظر" فقال: (المطلق ما تناول واحدًا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه) (١).
وقال الآمدي في "الإحكام": (المطلق هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه) (٢).
التعريف الذي نراه:
وهكذا يمكن لنا - في ضوء ما مر - جنوحًا إلى التيسير: أن نعرف المطلق بأنه "اللفظ الذي يدل على الماهية بدون قيد يقلل من شيوعه".
فهو يتناول عند دلالته على موضوعه واحدًا غير معين، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، دون أن يكون هنالك ما يقيده من وصف، أو شرط، أو زمان، أو مكان، أو غيرها.
وبذلك تخرج عن المطلق مثلًا ألفاظُ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، كما تخرج المعارف كـ "زيد" و "أحمد" وهكذا …
فلفظ ﴿رَقَبَةٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البلد] لفظ خاص مطلق، إذ إنه تناول واحدًا غير معين من جنس الرقاب، لم يقيَّد بأي قيد يقلل من شيوعه في أفراده.
стр. 737
فالمطلوب تحرير رقبة من غير ملاحظة أن تكون واحدةً أو أكثر، مؤمنةً أو غير مؤمنة، بل المراد ما يسمى "رقبة".
ومثله لفظ ﴿الدَّمُ﴾ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فالدم فرد شائع في جنس الدماء، لم يقلل من شيوعه أي قيد من القيود، فهو مطلق.
كذلك لفظ "ولي" في قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدل" (١) مطلقٌ (٢) إذ إن اللفظ تناول واحدًا غير معين من جنس الأولياء دون أي قيد يقيده.
ثانيًا: المقيد:
أما المقيد: فهو ما يقابل المطلق، على اختلاف التعريفات التي ذكرناها للمطلق، والتي تدور حول دلالة اللفظ على الماهية، بدون قيد يقلل من شيوعه.
فمثلًا عرفه ابن قدامة المقدسي بأنه (اللفظ المتناول لمعيَّن أو غيرٍ معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه) (٣).
وقد عرفه العضد في شرحه لـ "مختصر المنتهى" لابن الحاجب بأنه (ما بدل لا على شائع في جنسه) وذلك بعد أن عرف ابن الحاجب المطلق بأنه (ما دل على شائع في جنسه) وقال: (والمقيد بخلافه) (٤). أما صاحب "مسلم الثبوت": فقد عرفه بأنه (ما خرج عن انتشار بوجه ما) (٥) بعد أن عرف المطلق بأنه: (ما دل على فرد ما منتشر) - كما أسلفنا -.
стр. 738
التعريف الذي نراه:
لذا فمن الممكن تعريفه بأنه "اللفظ الذي يدل على الماهية بقيد بقلل من شيوعه " فهو يتناول عند دلالته على موضوعه واحدًا توفر فيه قيد من القيود.
فلفظ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ مثلًا في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] من الخاص العقيد، فالمراد بالتحرير: رقبة موصوفة بالإيمان، لا يجدي غيرها للخروج من عهدة الامتثال.
وفي قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] قُيد الشهران بالتتابع.
وفي قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قُيد الدم بكونه مسفوحًا.
ومن الأمثلة الثلاثة يتبين أن القيد جاء وصفًا زائدًا على حقيقة اللفظ نفسه، فـ "الإيمان" وصف زائد على حقيقة الرقبة نفسها، لأن الرقبة قد تكون مؤمنة وقد تكون كافرة. كما أن "التتابع" وصفٌ زائد على حقيقة الشهرين نفسيهما. كذلك "السفح" وصف زائد على حقيقة نفس الدم: فكان اللفظ في كل هذا من المقيد.
وهكذا تتبين لنا مقابلة المقيد للمطلق - كما أسلفنا -، فالمطلق خال من القيد في دلالته على الحقيقة، إذ الفرد الذي يدل هو عليه: شائع منتشر.
أما المقيد: فالفرد الذي يدل هذا المقيد عليه، غيرُ شائع في أفراده، إذ قلل من شيوعه قيد من القيود.
هذا: ويلاحظ أن كلًا من الإطلاق والتقييد، قد يكونان في سياق الأمر حينًا، وفي سياق الخبر حينًا آخر.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فلفظ الرقبة هو في الآية الأولى مطلق، وفي الثانية مقيد وكلاهما جاء في سياق الأمر.
ومن الثاني: قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشهود" (١) "لا نكاح إلا بوَلي
стр. 739
وشاهدي عدل" (١) فالشهادة في الحديث الأول جاءت مطلقة، وفي الحديث الثاني جاءت مقيدة، وكلاهما جاء في سياق الخبر.
تفاوت مراتب المقيد:
وليست الألفاظ المقيَّدة كلها بمرتبة واحدة؛ فذلك تابع لكثرة القيود وقلتها، فبمقدار ما تكثر القيود أو تقل، تتفاوت مراتب المقيد في تقييده.
فالمقيد في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥] هو أعلى وأدخل في التقييد منه في قوله جلَّ وعلا: ﴿مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ لا غير وهكذا ....
* * *
المطلب الثاني حكم كلٍّ من المطلق والمقيد
أولًا: حكم المطلق:
من المسلم به أن اللفظ إذا ورد في نص من النصوص مطلقًا: فالأصل العمل به على إطلاقه إلا إذا وجد دليل التقييد. ففي معرض تفسير النص: ليس من حق المفسر أن يقلل من شيوع ذلك اللفظ المطلق، إلا إذا قام الدليل على التقييد، بحيث يثبت وجود ما يفيد أن المراد من اللفظ المطلق الشائع في أفراد كثيرة، فردٌ واحد معين مقيد بقيد ما: من شرط، أو وصف، أو غير ذلك مما يحدُّ من ذلك الشيوع، ويحصرُ مدلول اللفظ في دائرة معينة محدودة بذلك القيد، فالمطلق على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده (٢).
قال الزركشي: (والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط، ثم ورد حكم آخر مطلقًا: نُظر، فإن لم يكن له أصل إلا ذلك
стр. 740
الحكم المقيّد: وجب تقييده به، وإن كان له أصل غيره: لم يكن ردُّه إلى أحدهما بأولى من الآخر).
ولقد يتضح ذلك بالأمثلة التالية:
١ - جاء في سورة البقرة بشأن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها وأنها أربعة أشهر وعشرة أيام قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
فلفظ ﴿أَزْوَاجًا﴾ ورد في النص القرآني - كما نرى - مطلقًا عن التقييد بكون هؤلاء الأزواج مدخولًا بهن، أو غير مدخول بهن، ولم يزد هذا اللفظ في نص آخر موردًا يفيد تقييده.
كما لم يقم عند العلماء دليل يفيد أن الأزواج اللاتي تتحدث عنهن الآية الكريمة لبيان عدتهن، إنما تكون العدة لهن بهذا القدر، إذا كن على حال كذا أو حال كذا، من دخول أو عدمه مثلًا.
وعلى ذلك: فالعالم عند تفسير النص، يعمل بهذا اللفظ على إطلاقه، ومن هنا كان الحكم في ذلك: أن الرجل إذا توفي فعلى زوجته أن تعتد عدة الوفاة المقدرة في الآية بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ سواء أكانت هذه الزوجة مدخولًا بها أم غير مدخول (١).
٢ - وفي حكم المريض أو المسافر في رمضان جاء قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فلفظ ﴿أَيَّامٍ﴾ وارد في الآية مطلقًا عن أي قيد، كالتتابع أو غيره مثلًا، فظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع (٢)، وليس في نص آخر ما يفيد تحديد هذه الأيام بقيد ما.
كما لم يقم لدى الجمهور دليل على أن المقصود بالأيام الواردة في آية الصوم أيام يشترط فيها كذا، أو أيام موصوفة بكذا، وعلى ذلك فليس أمام