وعرفه ابن قدامة المقدسي من الحنابلة بأنه: (المتناول لواحد لا يعينه باعتبار حقيقة شاملة لمجنسه) وتابعه عبد القادر بدران "شارح روضة الناظر" فقال: (المطلق ما تناول واحدًا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه) (١).
وقال الآمدي في "الإحكام": (المطلق هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه) (٢).
التعريف الذي نراه:
وهكذا يمكن لنا - في ضوء ما مر - جنوحًا إلى التيسير: أن نعرف المطلق بأنه "اللفظ الذي يدل على الماهية بدون قيد يقلل من شيوعه".
فهو يتناول عند دلالته على موضوعه واحدًا غير معين، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، دون أن يكون هنالك ما يقيده من وصف، أو شرط، أو زمان، أو مكان، أو غيرها.
وبذلك تخرج عن المطلق مثلًا ألفاظُ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، كما تخرج المعارف كـ "زيد" و "أحمد" وهكذا …
فلفظ ﴿رَقَبَةٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البلد] لفظ خاص مطلق، إذ إنه تناول واحدًا غير معين من جنس الرقاب، لم يقيَّد بأي قيد يقلل من شيوعه في أفراده.
стр. 737
فالمطلوب تحرير رقبة من غير ملاحظة أن تكون واحدةً أو أكثر، مؤمنةً أو غير مؤمنة، بل المراد ما يسمى "رقبة".
ومثله لفظ ﴿الدَّمُ﴾ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فالدم فرد شائع في جنس الدماء، لم يقلل من شيوعه أي قيد من القيود، فهو مطلق.
كذلك لفظ "ولي" في قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدل" (١) مطلقٌ (٢) إذ إن اللفظ تناول واحدًا غير معين من جنس الأولياء دون أي قيد يقيده.
ثانيًا: المقيد:
أما المقيد: فهو ما يقابل المطلق، على اختلاف التعريفات التي ذكرناها للمطلق، والتي تدور حول دلالة اللفظ على الماهية، بدون قيد يقلل من شيوعه.
فمثلًا عرفه ابن قدامة المقدسي بأنه (اللفظ المتناول لمعيَّن أو غيرٍ معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه) (٣).
وقد عرفه العضد في شرحه لـ "مختصر المنتهى" لابن الحاجب بأنه (ما بدل لا على شائع في جنسه) وذلك بعد أن عرف ابن الحاجب المطلق بأنه (ما دل على شائع في جنسه) وقال: (والمقيد بخلافه) (٤). أما صاحب "مسلم الثبوت": فقد عرفه بأنه (ما خرج عن انتشار بوجه ما) (٥) بعد أن عرف المطلق بأنه: (ما دل على فرد ما منتشر) - كما أسلفنا -.
стр. 738
التعريف الذي نراه:
لذا فمن الممكن تعريفه بأنه "اللفظ الذي يدل على الماهية بقيد بقلل من شيوعه " فهو يتناول عند دلالته على موضوعه واحدًا توفر فيه قيد من القيود.
فلفظ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ مثلًا في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] من الخاص العقيد، فالمراد بالتحرير: رقبة موصوفة بالإيمان، لا يجدي غيرها للخروج من عهدة الامتثال.
وفي قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] قُيد الشهران بالتتابع.
وفي قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قُيد الدم بكونه مسفوحًا.
ومن الأمثلة الثلاثة يتبين أن القيد جاء وصفًا زائدًا على حقيقة اللفظ نفسه، فـ "الإيمان" وصف زائد على حقيقة الرقبة نفسها، لأن الرقبة قد تكون مؤمنة وقد تكون كافرة. كما أن "التتابع" وصفٌ زائد على حقيقة الشهرين نفسيهما. كذلك "السفح" وصف زائد على حقيقة نفس الدم: فكان اللفظ في كل هذا من المقيد.
وهكذا تتبين لنا مقابلة المقيد للمطلق - كما أسلفنا -، فالمطلق خال من القيد في دلالته على الحقيقة، إذ الفرد الذي يدل هو عليه: شائع منتشر.
أما المقيد: فالفرد الذي يدل هذا المقيد عليه، غيرُ شائع في أفراده، إذ قلل من شيوعه قيد من القيود.
هذا: ويلاحظ أن كلًا من الإطلاق والتقييد، قد يكونان في سياق الأمر حينًا، وفي سياق الخبر حينًا آخر.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فلفظ الرقبة هو في الآية الأولى مطلق، وفي الثانية مقيد وكلاهما جاء في سياق الأمر.
ومن الثاني: قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشهود" (١) "لا نكاح إلا بوَلي
стр. 739
وشاهدي عدل" (١) فالشهادة في الحديث الأول جاءت مطلقة، وفي الحديث الثاني جاءت مقيدة، وكلاهما جاء في سياق الخبر.
تفاوت مراتب المقيد:
وليست الألفاظ المقيَّدة كلها بمرتبة واحدة؛ فذلك تابع لكثرة القيود وقلتها، فبمقدار ما تكثر القيود أو تقل، تتفاوت مراتب المقيد في تقييده.
فالمقيد في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥] هو أعلى وأدخل في التقييد منه في قوله جلَّ وعلا: ﴿مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ لا غير وهكذا ....
* * *
المطلب الثاني حكم كلٍّ من المطلق والمقيد
أولًا: حكم المطلق:
من المسلم به أن اللفظ إذا ورد في نص من النصوص مطلقًا: فالأصل العمل به على إطلاقه إلا إذا وجد دليل التقييد. ففي معرض تفسير النص: ليس من حق المفسر أن يقلل من شيوع ذلك اللفظ المطلق، إلا إذا قام الدليل على التقييد، بحيث يثبت وجود ما يفيد أن المراد من اللفظ المطلق الشائع في أفراد كثيرة، فردٌ واحد معين مقيد بقيد ما: من شرط، أو وصف، أو غير ذلك مما يحدُّ من ذلك الشيوع، ويحصرُ مدلول اللفظ في دائرة معينة محدودة بذلك القيد، فالمطلق على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده (٢).
قال الزركشي: (والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط، ثم ورد حكم آخر مطلقًا: نُظر، فإن لم يكن له أصل إلا ذلك
стр. 740
الحكم المقيّد: وجب تقييده به، وإن كان له أصل غيره: لم يكن ردُّه إلى أحدهما بأولى من الآخر).
ولقد يتضح ذلك بالأمثلة التالية:
١ - جاء في سورة البقرة بشأن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها وأنها أربعة أشهر وعشرة أيام قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
فلفظ ﴿أَزْوَاجًا﴾ ورد في النص القرآني - كما نرى - مطلقًا عن التقييد بكون هؤلاء الأزواج مدخولًا بهن، أو غير مدخول بهن، ولم يزد هذا اللفظ في نص آخر موردًا يفيد تقييده.
كما لم يقم عند العلماء دليل يفيد أن الأزواج اللاتي تتحدث عنهن الآية الكريمة لبيان عدتهن، إنما تكون العدة لهن بهذا القدر، إذا كن على حال كذا أو حال كذا، من دخول أو عدمه مثلًا.
وعلى ذلك: فالعالم عند تفسير النص، يعمل بهذا اللفظ على إطلاقه، ومن هنا كان الحكم في ذلك: أن الرجل إذا توفي فعلى زوجته أن تعتد عدة الوفاة المقدرة في الآية بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ سواء أكانت هذه الزوجة مدخولًا بها أم غير مدخول (١).
٢ - وفي حكم المريض أو المسافر في رمضان جاء قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فلفظ ﴿أَيَّامٍ﴾ وارد في الآية مطلقًا عن أي قيد، كالتتابع أو غيره مثلًا، فظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع (٢)، وليس في نص آخر ما يفيد تحديد هذه الأيام بقيد ما.
كما لم يقم لدى الجمهور دليل على أن المقصود بالأيام الواردة في آية الصوم أيام يشترط فيها كذا، أو أيام موصوفة بكذا، وعلى ذلك فليس أمام
стр. 741
من يريد تفسير هذا النص القرآني: إلا أن يبقي المطلق على إطلاقه.
فالأيام يمكن أن تكون متتابعة، ويمكن أن تكون متفرقة، ومن هنا كان الحكم عند الجمهور: أن من أفطر في رمضان لعذر المرض، أو السفر، وأراد قضاء الأيام التي فاتته، لم يجب عليه أن يصوم تلك الأيام بالتتابع، بل له أن يصومها متتابعة، وله أن يصومها متفرقة، يختار ما يشاء من الحالين، لأن النص الذي ألزمه قضاء أيام عما فاته، لم يقيد تلك الأيام بصفة معينة، أو شرط معين (١).
جاء في "المبسوط" للسرخي قوله: (وكل صوم في القرآن لم يذكره الله متابعًا فله أن يغرقه، وما ذكر متتابعًا فليس له أن يفرقه) … وبعد أن أتى على ذكر الصوم المفيد قال: (فأما ما لم يذكره متتابعًا: فصوم القضاء، قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ويجوز انقضاء متابعًا ومتفرقًا، لأنه مطلق عن الوصف، وقال ابن عباس ﵄: أبهموا ما أبهم الله) (٢).
على أن السنة قد أبدت ما جاء في الكتاب من إطلاق لفظ ﴿أَيَّامٍ﴾
стр. 742
دون تقييد. فعن ابن عمر ﵂ أن النبي ﷺ قال: "قضاء رمضان إن شاء فرَّق وإن شاء تابع"، قال البخاري: قال ابن عباس: لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١).
وهكذا عملًا بمبدأ "المطلق على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده" قرر الإمام السرخسي عدم الالتزام بالتابع في قضاء الصوم إذ كان الوارد في الشرع غير مقيد بالتتابع.
أما إذا قام الدليل على تقييد المطلق: أصبح مدلوله مقيدًا، وانتفى عنه ذلك الشيوع في أفراده.
فبينما كان الخروج من العهدة في المطلق يمكن أن يحصل بأي فرد من أفراده الشائعة: يُرى أن الخروج من العهدة في المقيد لا يكون إلا بذلك الفرد الذي توافر فيه ذلك القيد.
٣ - ومن المطلق الذي قام الدليل على تقييده كلمة (وصية) التي وردت مطلقة في نص قرآني، وجاءت السنة فقيدتها.
قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فلفظ ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مطلق، لم يفيد بمقدار معين من ربع ما يملك المكلف أو نصفه أو ثلثه … إلخ ولكن ثبت في السنة ما يدل على تقييد الوصية بما لا يزيد عن الثالث، وذلك فيما روي عن ابن عباس أنه قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير") (٢) وجاء
стр. 743
ذلك بوضوح عن النبي ﷺ حين قال لسعد بن أبي وقاص: "الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (١).
فمنعه من الوصية بأكثر من الثلث، فكانت السنة بيانًا لذلك المطلق الوارد في الآية، بحيث قيدته وأوضحت حدوده، فأوجبت أن تكون الوصية في حدود الثلث من مال ذلك الموصي (٢).
ثانيًا: حكم المقيد:
لئن كان من الواجب أن يؤخذ بالمطلق على إطلاقه حتى يرد ما يقيده: إن الواجب في العقيد أن يعمل به مع تقييده، ولا يصح العدول إلى الإطلاق إلا بقيام دليل يدل على ذلك (٣):
أ - ومن المقيد الذي لم يقم دليل على إطلاقه ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ فيما ورد بشأن كفارة القتل الخطأ، حيث قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢].
ب - ومثله ما ورد في كفارة الظهار حيث قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤].
стр. 744
فأوجب النص القرآني صوم الشهرين وقيَّدهما بأن يكونا متتابعين، وهكذا لا يكون من وجبت في حقه كفارة الصيام هذه مؤديًا ما وجب عليه، خارجًا من العهدة: إلا إذا صام شهرين متابعين، فلا يجزئه عمومهما متفرقين ولو فعل، لم يخرج من العهدة واعتبر كأنه لم يكفِّر (١).
ففي الكفارتين المذكورتين: كفارة القتل، وكفارة الظهار، وردَ النص بقدر معلوم من المدة الزمنية، مقيَّدٍ بوصف التتابع، فيجب العمل بهذا الفيد ما دام لم يثبت دليل يُخرج المقيد إلى الإطلاق.
وكما لا يجوز الإخلال بالقدر المنصوص وهو الشهران: فكذا لا يجوز الإخلال بالوصف الذي قيدا به وهو التتابع (٢).
ولقد أوضح شمس الأئمة السرخسي - كما أسلفنا - بأن كل صوم في القرآن لم يذكره الله متتابعًا: فله أن يفرقه، وما ذكر متتابعًا: فليس له أن يفرقه، ثم قال ﵀: (أما المذكور متتابعًا: فصوم كفارة القتل وكفارة الظهار، فإن النص ورد بقدر معلوم مقيد بوصف، وكما لا يجوز الإخلال بالقدر المنصوص، فكذا بالوصف المنصوص) (٣).
* * *
стр. 745
المبحث الثاني حمل المطلق على المقيد
المطلب الأول مسالك العلماء في حمل المطلق على المقيد
كان فيما ذكرناه آنفًا: بيان حكم الخاص المطلق، إذا ورد مطلقًا في نصر ولم يرد مطلقًا في نص آخر، أو لم يقم عند العلماء دليل على تقييده، وبيان حكم المقيد إذا ورد مقيدًا في نص، ولم يرد مطلقًا في نص آخر، أو لم يقم دليل أن المراد به الإطلاق لا التقييد، وحكم ما جاء مطلقًا وورد نص بتقييده.
وفي مقابل ذلك: تعرض حالات أخرى لا بد من بيان حكم كل من المطلق والمقيد فيها.
ومنشأ هذه الحالات كلها: أن يرد اللفظ مطلقًا في نص، ويرد هو بعينه مقيدًا في نص آخر، ففي مثل هذا الوضع: هل يعمل بكل من المطلق والمقيد في موضعه، ويؤخذ الحكم من مدلول كل منهما على حدة، أم يحمل المطلق على المقيد، ويكون المراد بذلك المطلق الوارد في هذا النص، هو المقيد الوارد في نص آخر؟
الواقع أن مذاهب العلماء تعددت في الموضوع، وقبل أن نعرض لتلك المذاهب، نود أن نشير إلى أن حمل المطلق على المقيد معناه: بيان المقيد للمطلق بأن يقلل من شيوعه. فبدلًا من أن يكون مدلول
اللفظ حكمًا في فرد منتشر، يصبح حكمًا في فرد مقيد بالقيد نفسه
стр. 746
الذي هو في المقيد؟ فعندما يطلب الشارع مثلًا عتق رقبة، يفيد في تحقيق المطلوب أيُّ رقبة، ولكن عندما نحمل هذا المطلق على المقيد الذي وصفت فيه الرقبة بالإيمان في نص آخر، لا تجزيء إلا الرقبة التي توافر فيها ذلك الوصف.
ولقد اتفق العلماء على جواز حمل المطلق على المقيد، ولكن اختلفت أنظارهم في الحالات التي يصح فيها هذا الحمل.
وعن هذا الاختلاف نشأ اختلاف في عدد من الأحكام الشرعية، لأن تفاوت الأنظار في الأصول، ينبني عليه اختلاف فيما يتولد عنها من فروع وأحكام. وبيان حالات الاتفاق والاختلاف في حمل المطلق على المقيد فيما يلي:
إذا ورد اللفظ الخاص مطلقًا في نص، وورد بعينه مقيدًا في نص آخر: فهو على وجهين:
أولهما: أن يكون الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، والحكم والموضوع متحدان.
الثاني: أن يكون الإطلاق والتقييد في الحكم نفسه.
١ - فإذا ورد في موضوع واحد نصان قد أفادا حكمًا واحدًا، ولكن جاء الإطلاق والتقييد في سبب هذا الحكم؛ فبين العلماء خلاف: أما الحنفية: فلا يحملون المطلق على المقيد بأن يجعلوا المفيد بيانًا للمطلق، بل يعتبرون كلًا منهما سببًا للحكم، ويعمل بكل في دائرته وحسب مدلوله (١).
وحجتهم في ذلك: أن الأصل التزام ما جاء عن الشارع في دلالات ألفاظه على الأحكام، فالمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده؛ لأن كل
стр. 747
نص حجة قائمة بذاتها، وتقييده من غير دليل من ذات اللفظ أو من الكلام في موضوعه: تضييق من غير أمر الشارع.
فلا يلزم حمل المطلق على المقيد إلا إذا كان الأخذ بكل من المطلق والمقيد على حدة: مدعاة للتناقض، بأن يكون هناك تناف بين الإطلاق والتقييد. وحين يكون الإطلاق والتقييد في سبب الحكم: لا يقع أي تناف بينهما، فليس ما يمنع أن تتعدد الأسباب لحكم واحد، وهذا الحكم يثبت بأي واحد من هذه الأسباب، كما في انتقال الملك من شخص إلى آخر، فإنه حكم واحد، وله أسباب كثيرة؛ كالبيع والهبة والوصية، فيصبح أن يثبت بأي واحد منها (١).
٢ - وذهب الشافعية وغيرهم إلى حمل المطلق على المقيد، فيكون المقيد بيانًا للمطلق (٢).
وحجتهم في ذلك، أن التنافي واقع في هذه الحال بين الإطلاق والتقييد، لأنهما واردان في أمر واحد والأمر الواحد لا يجوز أن يكون مطلقًا ومقيدًا في آن واحد، ولهذا لا بد من جعل المقيد أصلًا يبين به المطلق، لأن المطلق ساكت عن القيد، والمقيد ناطق به، فهو أولى أن يكون أصلًا للبيان. وفي عدم حمل المطلق على المقيد وجعلِ المقيد مبينًا له: لا يكون لذكر القيد فائدة، ونصوص الشارع منزهة عن العبث.
مثال ذلك: ما ورد في السنة بشأن صدقة الفطر، حيث جاء سبب الحكم مقيدًا بنص، ومطلقًا بنص آخر:
стр. 748
أ - فقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" (١).
ب - وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمر أيضًا: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر - أو قال: رمضان - على الذكر والأنثى، والحر والمملوك: صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير" (٢).
فالموضوع في النصين واحد: وهو زكاة الفطر، والحكم فيهما واحد أيضًا، وهو وجوب زكاة الفطر، وجاء الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، وهو من يمونه المزكي؛ فإنه سبب لوجوب صدقة الفطر.
ففي الرواية الأولى: جعل سبب وجوب هذه الصدقة: من يمونه المزكي ويلي عليه من المسلمين، وفي الرواية الثانية: جعل سبب الوجوب من يمونه المزكي مطلقًا، سواء أكان من المسلمين أم لم يكن، فالسبب في الرواية الأولى: مقيد بصفة الإسلام، وفي الثانية: مطلق.
وعلى هذا وقع الاختلاف بين العلماء:
فالحنفية لم يحملوا المطلق على المقيد، بل عملوا بكل منهما؛ فلم يعتبروا الإسلام سببًا في وجوب صدقة الفطر: فالمسلم وغير المسلم سواء في استحقاق هذه الصدقة، عملًا بالمقيد في النص الأول، والمطلق في النص الثاني.
стр. 749
بل إن أبا جعفر الطحاوي ﵀ من أئمة الحنفية - أراد أن يخرج المسألة عن حدود المطلق والمقيد، فحاول الجمع بين الروايتين بأن جعل قيد "الإسلام" في "من المسلمين"، صفة المخرجي الصدقة لا للمخرَج عنهم، وأُراني أميلَ إلى ما ذهب إليه الصنعاني من أن هذا التأويل يأباه ظاهر الحديث (١).
أما الشافعية ومن معهم من المالكية والحنابلة: فقد حملوا المطلق على المقيد، فلم يعتبروا إلا الإسلام سببًا في وجوب صدقة الفطر، وجنح إلى ذلك الشوكاني (٢).
وبناءً على ما تقدم أوجب الحنفية على المسلم صدقة من يمون من مسلمين وغيرهم (٣).
وقال غير الحنفية ممن ذكرنا: لا يخرج المسلم الصدقة إلا عمن يمون من المسلمين.
مدى تطبيق القاعدة عند الحنفية:
هذا: وقد أُورد على الحنفية: أنهم لم يلتزموا هذه القاعدة عند التطبيق في بعض النصوص.
فإذا كانوا قد التزموها في صدقة الفطر، فأوجبوا على المسلم زكاة من
стр. 750
يمونه مسلمًا كان أو غير مسلم، فإنهم لم يلتزموها في وجوب الزكاة في النّعم. ذلك أن زكاة النعم ورد في وجوبها عدد من النصوص كان فيها اختلاف في الإطلاق والتقييد، إذ جاءت النعم في بعضها مطلقة عن أي قيد، وجاءت في بعضها الآخر مقيدة بصفة السوم، وهو الرعي في الكلأ المباح، إذ ورد في شأن الإبل مثلًا قوله ﷺ : "في خمس من الإبل شاة" كما ورد أيضًا: "في خمس من الإبل سائمةً شاة" (١) وكلا الروايتين في "الصحيح".
وواضح أن الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، والموضوع واحد وهو الزكاة؛ فحمل الشافعية المطلق على المقيد وأوجبوا الزكاة في السائمة فقط.
ولكن الحنفية أيضًا أوجبوا الزكاة في السائمة دون المعلوفة والمعاملة. وهذا ما يخالف قاعدتهم في عدم حمل المطلق على المقيد في هذه الحال؛ إذ لو عملوا بالمطلق والمقيد كليهما لأوجبوا الزكاة في السائمة والمعلوفة على السواء، واعتبروا كلًا منهما سببًا للحكم وهو وجوب الزكاة (٢).
وقد يجاب عن ذلك بأن ما أخذ به الحنفية في هذا الحكم من إيجاب الزكاة في السائمة من النَّعم فقط، لم يكن من طريق حمل المطلق على المقيد، وإنما كان من طريق النسخ، حيث يرون أن النص المقيد جاء متأخرًا عن النص المطلق، فكان ناسخًا له في غير السالمة.
ولكن هذا الجواب - على فرض التأكد من ثبوت تأخر المقيد عن المطلق - إنما يصلح لدفع ما ورد عليهم لو أنهم يقولون بمفهوم المخالفة
стр. 751
حيث يأخذون بمفهوم الوصف في النص الذي ورد فيه القيد، فيكون بين النصين تعارض ويكون الأخير ناسخًا.
ولكنهم لا يقولون بمفهوم المخالفة، وعلى ذلك لا تعارض بين النصين، ولا يكون المتأخر منهما ناسخًا.
ولكن هذا أيضًا لا يجدي، ولو فرض - كما قال أستاذنا الشيخ علي الخفيف - لكان المنطوق أقوى دلالة من المفهوم فيعمل به ويكون السبب مِلكَ مطلق النعم (١).
وهكذا اتفق الحنفية مع الشافعية في هذا الحكم، وكان المفروض - لو أن الحنفية التزموا قاعدة عدم حمل المطلق على المفيد في هذه الحال -: أن يكون مذهبهم هو ما ذهب إليه المالكية من وجوب الزكاة في السوائم وفي غير السوائم (٢).
وإن كان لهم أن يقولوا: بأن الأصل عدم الزكاة، ثم جعل الرسول الزكاة في السائمة فالتزمنا بهديه ﵊.
وإذ أتينا على حالة الإطلاق والتقييد في سبب الحكم مع أن الموضوع والحكم متحدان، فلننتقل إلى حالة الإطلاق والتقييد في الحكم نفسه.
٢ - إذا وقع الإطلاق والتقييد في الحكم نفسه: فلذلك عدة صور؛ لأنه:
إما أن يتحد الحكم في النصين، ويتحد أيضًا السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما.
وإما أن يختلف الحكم في النصين، ويتحد السبب الذي بني عليه كل من الحكمين.
وإما أن يتحد الحكم في النصين، ويختلف السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما.
стр. 752
أ - فإن اتحد الحكم والسبب الذي بني عليه الحكم في النصين الواردين؛ فالاتفاق حاصل بين العلماء على اعتبار المقيد بيانًا المطلق وحمل المطلق عليه.
على أن بعضهم نقل اختلافًا عن الحنفية، وأن بعضهم ذهب إلى الحمل، والآخر ذهب إلى عدمه. ونقل آخرون اختلافًا عن المالكية وبعض الحنابلة، ولكن المحققين صححوا أنه لا خلاف يعتد به.
قال الشوكاني ﵀: (وقد نقل الاتفاق في هذا القسم القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الوهاب وابن فورك والكيا الطبري وغيرهم. وقال ابن برهان في "الأوسط": اختلف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل، والصحيح من مذهبهم أنه يحمل. ونقل أبو زيد الحنفي وأبو منصور الماتريدي في "تفسيره" أن أبا حنيفة يقول بالحمل في هذه الصورة. وحكى الطرطوسي الخلاف فيه عن المالكية وبعض الحنابلة. وفيه نظر فإن من جملة من نقل الاتفاق القاضي عبد الوهاب وهو من المالكية) (١).
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وقوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. والدم المسفوح هو الدم المهراق الذي سال عن مكانه (٢).
стр. 753
فلم يختلف العلماء - أخذًا من هذين النصين - أن المحرم هو الدم المسفوح لا سواء.
وبيان ذلك أن الحكم في النصين واحد، وهو تحريم تناول الدم، والسبب واحد؛ وهو ها يصيب العرب من الأذى في هذا التناول، وجاء لفظ "الدم" مطلقًا في أحد النصين ومقيدًا بكونه مسفوحًا في الآخر.
فحمل الأئمة المطلق على المقيد، فكانت دلالة النصين مجتمعين: أن المحرَّم ليس هو الدم مطلقًا، وإنما هو الدم المسفوح، أما ما يبقي في اللحم والعروق: فإنه حلال يجوز تناوله (١).
جاء عن قتادة قوله: "حُرِّم الدم ما كان مسفوحًا، وأما لحم خالطه دم فلا بأس به"، وذلك ما قرر الطبري أن في اشتراط أن يكون الدم مسفوحًا: الدليل الواضح على أن ما لم يكن منه مسفوحًا: فحلال غير نجس (٢).
ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] (٣) وقول الرسول ﷺ في بيانه للتيمم فيما رواه ابن عمر وجابر: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" (٤).
فالأيدي وردت في الآية مطلقة عن القيد، وهي في الحديث مقيدة بالمرفقين، والحكم في النصين واحد: هو وجوب المسح، والسبب واحد: وهو الحدث وإرادة الصلاة، فجعل المقيد بيانًا للمطلق وحمل المطلق عليه،
стр. 754
فكان الواجب في التيمم مسح اليدين إلى المرفقين، وذلك ما ذهب إليه الحنفية والشافعية (١).
أما المالكية: فلا يوجبون المسح إلى المرفقين، وإنما يكفي عندهم المسح إلى الكوعين (٢). وكذلك الحنابلة؛ فقد نصوا على الرسغين، حتى نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد قوله: من قال: (إن التيمم إلى المرفقين فهو شيء زاده من عنده) (٣).
ولكن لم يكن ذلك، لأنهم لا يحملون المطلق على المقيد في هذه الصورة، بل الذي صح عندهم من السنة هو ما رواه عمار بن ياسر قال: "أجنبت فتمعكت في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك هكذا"، وضرب النبي ﷺ يكفيه على الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه" وفي رواية عنه أن النبي ﷺ قال له: "في التيمم ضربة للوجه واليدين" (٤) فجعلوا حديث عمار الذي لا يأتي على ذكر "المرفقين" بيانًا للآية وقيدوا ما ورد فيها من إطلاق.
وهكذا نرى أن الاختلاف في القدر المطلوب بمسح اليدين في التيمم:
стр. 755
لم يكن لاختلاف في حمل المطلق على المقيد فيما نحن فيه، ولكن من الاختلاف في نظرتهم إلى النص الذي جرى به التقييد.
فالفريقان حملوا المطلق على المقيد، ولكنَّ كلًّا منهما قيد الإطلاق بالنص الذي ثبت عنده من السنة.
رأينا في المسألة:
وفي رأينا أن الاتفاق على حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة - وهي صورة اتحاد المحكم في النصين واتحاد السبب الذي بني عليه الحكم - يبدو هو المقبول. ذلك لأن اتحاد الحكم والسبب الذي بني عليه الحكم، لا يتصور معه اختلاف بالإطلاق والتقييد، فذلك يؤدي إلى التنافي، لأن ما يقتضيه الإطلاق: يخالف ما يقتضيه التقييد.
فإذا كان المكلف يخرج من عهدة العمل بالمطلق، بأن يمتثل في أي فرد من أفراده، فإنه لا يخرج من العهدة في الحقيقة في المقيد، إلا بالامتثال في هذا الفرد المعين الذي اقترن به ما أفاد التقييد.
ب - وهذه صورة أخرى جرى فيها اتفاق العلماء أيضًا، ولكن لا على حمل المطلق على المقيد، بل على عدم حمله عليه. وهي: ما إذا اختلف الحكم في النصين واختلف السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما. فهنا لا يعتبر المقيد بيانًا للمطلق، ولا يحمل المطلق عليه، بل يعمل بكل منهما حيث ورد، إذ ليس ما يدعو للحمل فلا ارتباط بينهما ولا علاقة، وقد حكى الاتفاق على ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني، والكيا الهراسي الطبري وغيرهم (١).
مثال ذلك قوله تعالى في شأن حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله في آية الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
стр. 756
فالحكم في هذين النصين مختلف؛ إذ إنه وجوب القطع في الأول، ووجوب الغسل في الثاني.
كما أن السبب في الحكمين مختلف أيضًا؛ فهو في الحكم الأول: جناية السرقة، وفي الحكم الثاني: القيام إلى الصلاة وإرادتها.
فلم يعتبر العلماء المقيد بيانًا للمطلق، ولم يحملوا المطلق عليه (١).
ولكن الإطلاق في آية السرقة الذي يقتضي قطع يد السارق دون قيد يقيدها: قد جاء في السنة ما دل على تقييده بالرسغ، حيث رُوي أن النبي ﷺ أمر بقطع يد سارق من المفضل (٢).
ج - والصورة الثالثة لهذه الحال: أن يختلف الحكم في النصين ويتحدّ السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما، فلا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق أيضًا شأن الصورة السابقة.
مثال ذلك: ما جاء في شأن الوضوء من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
فالحكم في النصين مختلف، وهو وجوب الغسل في النص الأول.
стр. 757
ووجوب المسح في النص الثاني، والسبب في الحكمين متحد؛ فهو في الوضوء والتيمم: القيام إلى الصلاة وإرادتها، وجاء لفظ الأيدي مقيدًا بالمرافق في النص الأول، كما جاء مطلقًا من هذا القيد في النص الثاني.
فلم يكن خلاف بين العلماء في عدم حمل المطلق في آية التيمم على المقيد في آية الوضوء، وكان مقتضى هذا: أن يكون الواجب في التيمم مسح اليدين كلتيهما، فلا يجزئ المكلفَ إلا ذلك. غير أن هذا الإطلاق في آية التيمم: ورد في السنة - كما مر بنا من قبل - ما دل على تقييده بالمرافق، كما في حديث ابن عمر وجابر الذي أخذ به المالكية والحنابلة (١).
وعلى أية حال، لقد بينت السنة آية التيمم، فقيدت إطلاقها تقييدًا اختلفت الأنظار في تحديده بناء على القدر الذي جاءت به السنة التي تبين عن الله ما أراد.
فالمالكية والحنابلة: يجزئ عندهم في التيمم: مسح الكفين، بينما لا يجزئ عند الحنفية والشافعية إلا مسح الذراعين (٢).
د - أما الصورة الرابعة التي تنطوي تحت حالة الإطلاق والتقيد في الحكم: فهي: أن يكون الحكم في النصين متحدًا، ويكون السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما مختلفًا.
ولقد اختلفت أنظار العلماء حول حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، أو عدمه.
١ - فذهب الحنفية إلى أن المطلق لا يعمل على المقيد هنا وإنما يعمل بكل منهما؛ فالمطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده (٣).
стр. 758
٢ - وذهب الشافعية إلى حمل المطلق على المقيد، ولكنهم كانوا في ذلك فريقين: فالجمهور منهم يرون الحمل دون شروط؛ فهو حملٌ من طريق اللفظ.
وبعض المحققين منهم كالشيرازي والبيضاوي من المتأخرين: يرون تقييد المطلق بالقياس على المقيد، وهم لا يدَّعون وجوب هذا القياس، ولكن يقولون: إن حصل القياس الصحيح: ثبت التقييد وإلا فلا.
وإذن فهؤلاء المحققون يرون حمل المطلق على المقيد إذا توافرت العلة الجامعة بينهما، وإلا فلا يقيدون المطلق بالمقيد. واعتبر الرازي هذا المذهب أعدل المذاهب ونسبه الآمدي وغيره إلى الإمام الشافعي (١).
وقد نقل عن بعض الشافعية، أن حمل المطلق على المقيد من جنسه موقوف على الدليل؛ فإن قام الدليل على تقييده: قيد، وإن لم يقم الدليل: صار كالذي لم يرد فيه نص، فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة.
وقد رد الزركشي هذا المذهب حيث قال: (وهذا أفسد المذاهب لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها عائدًا إليها ولا يعدل إلى غيره) (٢).
٣ - وقد اختلف النقل عن المالكية: فقال التلمساني منهم: (وأما إن اختلف المسبب واتحد الحكم: فإنه يحمل المطلق على المقيد بجامع، وقيل: بغير جامع، ولا يحمل إن لم يكن جامع) (٣).
ونقل الشوكاني عن القاضي عبد الوهاب من المالكية أيضًا، أن أكثر المالكية لا يجيزون حمل المطلق على المقيد، دون تفصيل.
стр. 759
كما أن ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: ذكر في كتابه "روضة الناظر" عن المالكية القول بالحمل دون أي تفصيل أيضًا، وتابعه في ذلك شارحه عبد القادر بن بدران (١).
ونرى من نقل التلمساني والقاضي عبد الوهاب، أن المالكية إجمالًا: يقولون بالحمل إذا توافرت العلة الجامعة، ولعلهم في ذلك يلتقون مع بعض محققي الشافعية الذين أوردنا مذهبهم آنفًا.
٤ - أما الحنابلة: فقد اختلفوا في الحمل أو عدمه.
فالقاضي أبو يعلى (٢) يرى في هذه الصورة حمل المطلق على المقيد وتقييده به.
واختار أبو إسحاق بن شاقلا عدم جواز الحمل، فيعمل بكل من المطلق والمقيد في موضعه، وذكر ابن قدامة المقدسي أنه روي عن أحمد ﵀ ما يدل على ذلك.
وقال أبو الخطاب (٣): إن عضده قياس: حمل عليه، وإلا فلا.
وبهذا يكون للحنابلة ثلاثة أقوال:
قول يتفقون فيه مع الحنفية، وهو القول بعدم الحمل.
قول يتفقون فيه مع جمهور الشافعية، وهو القول بالحمل مطلقًا.
стр. 760
قول يتفقون فيه مع بعض محققي الشافعية، وهو القول بالحمل إذا توافر القياس (١).
هذا: وقد نقل الشوكاني مذهبًا يقوم على أن يعتبر أغلظ الحكمين في المقيد، فإن كان الحكم المقيد أغلظ، حُمل المطلق على المقيد، ولا يحمل على إطلاقه إلا بدليل؛ لأن التغليظ إلزام، وما تضمنه الإلزام لا يسقط التزامه باحتمال.
وكان عجيبًا أن يعتبر الماوردي هذا المذهب أولى المذاهب، ونحن مع الشوكاني الذي اعتبره أبعدها عن الصواب (٢)، إذ ما الحكمة في أن تحكم تفسيرَ النصوص روحُ الحرج والتغليظ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
المذاهب الأساسية في الموضوع:
وهكذا يكون لدينا في حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم واختلاف السبب ثلاثة مذاهب أساسية هي:
١ - عدم جواز الحمل لفظًا دون شرط.
٢ - وجوب الحمل لفظًا دون شروط، فيكون الحمل لغة من طريق اللفظ.
٣ - وجوب الحمل عن طريق القياس، حين تتوافر العلة المشتركة بين المطلق والمقيد.
هذا: والمثال لما نحن بصدده قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقوله تعالى في كفارة
стр. 761
الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] (١).
فإن الرقبة المطلوب تحريرها وردت في النص الأولى مقيدة بالإيمان، أما في النص الثاني: فقد وردت مطلقة من هذا القيد، والحكم في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار متحد وهو تحرير الرقبة، ولكن السبب في الحكم مختلف، فهو في الأول: القتل الخطأ، وفي الثاني: إرادة المُظاهر العود إلى الاستمتاع بزوجته حيث يحنث بيمينه.
فالحنفية لا يحملون المطلق على المقيد في النصين، ويوجبون العمل بكل منهما حيث ورد؛ ففي كفارة الظهار: تجزئ الرقبة الكافرة، عملًا بالمطلق الوارد في شأنها وهو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أما في كفارة القتل الخطأ: فلا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة، عملًا بالمقيد الوارد في شأنها وهو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (٢).
أما القائلون بحمل المطلق على المقيد: فاعتبروا أن آية القتل الخطأ قد قيدت إطلاق آية الظهار؛ ففي كلا الكفارتين: كفارةِ القتل الخطأ وكفارةِ الظهار: لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة (٣).
وحجة الحنفية - كما ذكرنا سابقًا في حالة اتحاد الموضوع والحكم واختلاف السبب - أن الأصل التزام ما جاء به الشارع من دلالات ألفاظه على الأحكام، فكل نص حجة قائمة بذاتها، والتقييد بلا دليل عدول عن هذا الاعتبار، ولذلك فلا يُلجأ إلى حمل المطلق على المقيد إلا عند التنافي
стр. 762
بين الحكمين، بحيث يؤدي العمل بكل منهما إلى التناقض، وهذا مأمون فيما نحن فيه من اختلاف السبب؛ فالشارع في خطابه أوجب الرقبة على إطلاقها في موضع، وأوجبها مقيدة بالإيمان في موضع، وليس في ذلك من تعارض، والعمل بكل من الحكمين ممكن بدون أي تناف (١).
أما القائلون بحمل المطلق على المقيد دون شرط في هذه الصورة: فقد اعتبروا ذلك من باب المحذوف الذي سبق إلى الفهم معناه كما في قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راض والرأي مختلف
أي: نحن بما عندنا راضون.
ومما احتج به هؤلاء على اعتبار المطلق محمولًا على المقيد هاهنا: أن القرآن كالكلمة الواحدة في وجوب بناء بعضه على بعض، فإذا وردت كلمة في القرآن مبينةً حكمًا من أحكامه، فلا بد أن يكون الحكم واحدًا في كل موضع تذكر فيه الكلمة، فإذا نص على الإيمان في كفارة القتل: لزم هذا الإيمان في كفارة الظهار أيضًا، كأن القيد متصل به كذلك، لئلا يكون هناك تختلف بين النصوص الواردة في حكم واحد.
ولكن يرد على هذه الحجة: أن القرآن كالكلمة الواحدة في أنها لا تتناقض، لا في كل شيء، وإلا وجب أن يتقيد كل عام ومطلق: بكل خاص ومقيد (٢).
وعلى هذا فاعتبار الوحدة في كلام الله: إنما يكون عند الحاجة إلى التفسير، وهذه الحاجة قد تكون عندما يؤدي العمل بكل من المطلق والمقيد إلى التنافي، كما إذا كان كل من الحكم والسبب الذي بني عليه في
стр. 763
النصوص المختلفة متحدًا، أما فيما نحن فيه من اختلاف السبب الذي بني عليه الحكم في هذه النصوص: فلا حاجة لاعتبار الوحدة لعدم التنافي - كما سلف -.
ولقد كان إمام الحرمين شديد الوطأة على من احتجوا بوحدة كلام الله على حمل المطلق على المقيد هاهنا، واعتبر كلامهم من الهذيان لأن كلام الله فيه الأحكام المختلفة المتباينة من نفي وإثبات وأمر وزجر … فادعاء الوحدة مع الأحكام المتغايرة: أمر غير مقبول.
قال ﵀: (إن هذا الاستدلال من فنون الهذيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعلق والاختصاص، ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع، فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم واحد - مع العلم بأن كتاب الله فيه النفي والإثبات، والأمر والزجر - فقد ادعى أمرًا عظيمًا) (١).
ومما احتجوا به أيضًا: أن المطلق ساكت عن ذكر القيد، فلا يدل عليه ولا ينفيه، والسكوت عدم. أما المقيد: فهو ناطق بالقيد الذي يوجب الجواز عند وجوده، وبنفيه عند عدمه، فكان كالمفسر، فكان أولى أن يجعل أصلًا يبنى المطلق عليه، وبذلك يكون المقبل صارفًا للمطلق عن إطلاقه ومبينًا المراد منه (٢).
أثر مفهوم المخالفة فيما نحن فيه:
وأنت ترى أن هذه الحجة قائمة على اعتبار مفهوم المخالفة، والواقع أن الاختلاف فيما نحن فيه: يرجع إلى الاختلاف في ذلك المفهوم، فقوله
стр. 764
تعالى في شأن كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] يدل على إجزاء كل من الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة، وقوله في شأن كفارة القتل الخطأ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يدل بمنطوقة على إجزاء الرقبة المؤمنة، ويدل بمفهومه المخالف - عند القائلين به - على عدم أجزاء الرقبة غير المؤمنة، لانتفاء المقيد الذي قيد به الحكم في المنطوق.
وعلى ذلك يُرى بين النصين تعارض في الرقبة غير المؤمنة، إذ النص المطلق يدل على أنها تجزئ في الكفارة. والنص المقيد بدل على أنها لا تجزئ، فيجب حمل المطلق على المقيد. وعندها يشترط لتكون الرقبة مجزئة في كفارة الظهار وفي كفارة القتل الخطأ: أن تكون مؤمنة.
أما الحنفية - وهم ينكرون مفهوم المخالفة -: فتقييد ﴿الرقبة﴾ في كفارة القتل الخطأ بوصف الإيمان، لا يدل عندهم على أن حكم ما عداها بخلافها؛ فالنص يدل على إجزاء الرقبة المؤمنة، ولكنه لا ينفي الجواز عن غير المؤمنة، بل هو ساكت عنها، فلا تنافي بين المطلق والمقيد، ولا داعي للحمل (١).
ولذلك ردوا هذه الحمية السابقة، بما ردوا به مفهوم المخالفة، حتى إن فخر الإسلام البزدوي بعد رد مفهوم المخالفة بأنواعه كحجة شرعية قال: (وأبعد من هذه الجملة: ما قاله الشافعي من حمل المطلق على المقيد في حادثة واحدة بطريقي الدلالة) (٢).
ومعنى كلامه - كما يرى عبد العزيز البخاري - أنه إذا كان الخطأ في مفهوم المخالفة من وجه واحد - وهو إضافة النفي إلى النص الموجب - فهو في حمل المطلق على المقيد: أبعد عن الصواب، لأن الخطأ فيه من وجهين:
стр. 765
أولهما: إضافة النفي إلى النص الموجب.
والثاني: إبطال الإطلاق بما هو ساكت (١).
على أنه مما يجب التنبه إليه، أن فخر الإسلام البزدوي عندما أراد أن ينفي القول بحمل المطلق على المقيد في الصورة المذكورة، جاء في كلامه (وعندنا لا يحمل المطلق على المقيد أبدًا) مما اضطر الكاتبين إلى تأويل قوله: (أبدًا) أنه لا يعني نفي الحمل بالكلية. قال عبد العزيز البخاري في شرحه لكلامه: (ولا تلتفت إلى ما توهم البعض أن المزاد نفي الحمل بالكلية وإن كان القيد والإطلاق في حكم واحد في حادثة واحدة، فإن ذلك مخالف للروايات أجمع) ثم أورد عدة نصوص عن القوم تؤيد ما يقول. منها ما نقله من شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في شرح كتاب "الصوم": إنما لا يحمل المطلق على العقيد عندنا: إذا وجد القيد والإطلاق في سبب الحكم، كما في صدقة الفطر، أو في نوعين مختلفين من حكم السبب، كما في كفارة الظهار، فإنه ذكر الإعتاق والصوم فيها مقيدين بالقبلية على المسيس والإطعام مطلقًا ولم يحمل المطلق على المقيد، فأما إذا وردا في شيء واحد من حكم السبب: فإنه يحمل المطلق على المقيد، كما في حديث الأعرابي: قال له النبي ﷺ : "صم شهرين متتابعين"، وروي أنه قال له: "صم شهرين" وهذا لأن الحكم الواحد لا يجوز أن يكون مطلقًا ومقيدًا.
قبال: (وذكر شمس الأئمة ﵀ في شرح كتاب "الزكاة" في أثناء مسألة، أن المطلق محمول على المقيد في هذا الباب، لأنها في حادثة واحدة في حكم واحد. وذكر في شرح كتاب "الأيمان" في اشتراط التتابع في صوم كفارة اليمين، وأن ها هنا المطلق والمقيد في الحكم وهو الصوم الواجب كفارة، وبين التتابع والتفرق منافاة في حكم واحد، فمن ضرورة ثبوت صفة التتابع أن لا يبقى مطلقًا) (٢).
стр. 766
القائلون بالحمل قياسًا وموقف الحنفية منهم:
أما الذين يقولون بالحمل عن طريق القياس - وهم من محققي الشافعية - كالشيرازي، والرازي، والبيضاوي من المتأخرين وبعض المالكية، وأبي الخطاب من الحنابلة فهم - كما قدمنا - لا يوجبون القياس كلما وجد مطلق ومقيد، وإنما يرون حمل المطلق على المقيد فيما نحن فيه، من طريق القياس، إذا توفرت علة جامعة بين المطلق والمقيد (١).
وذلك ما جزم به البيضاوي في "المنهاج"، حين قرر أنه إن حصل قياس صحيح مقتضٍ لتقييد المطلق: قُيّدَ، كاشتراك الظهار والقتل الخطأ في خلاص الرقبة المؤمنة عن قيد الرق، لتشوف الشارع إليه، وإن لم يحصل ذلك: فلا (١).
ومثله ما جاء في "جمع الجوامع" من تعليل الحمل باشتراك الكفارتين في القتل الخطأ والظهار: بحرمة سببهما (٢) فلا تكون الكفارة إلا بتحقيق الغاية العلوية، وهي خلاص الرقبة المؤمنة، لما ثبت من تشوف الشارع إليه، وطالبه بتأكيد، فلولا هذا الاشتراك: لم يقولوا بالحمل.
وهكذا يرى القائلون بالحمل عن طريق القياس، أن ذلك قد توافر في نصي هاتين الكفارتين، فلا يكون الخروج من العهدة: إلا بتحرير الرقبة المؤمنة التي حرص الشارع كل الحرص على تحريرها، فهو مع حرصه على تحرير الرقاب الأخرى، يرى أن المؤمنة أولى وأحرى.
هذا: ومن ثمرات الاختلاف بين القول بحمل المطلق على المقيد لفظًا، وبين القول بالحمل قياسًا، ما ذكره الرازي في "المحصول" حيث قال: (إذا أطلق الحكم في موضع وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين كيف يكون حكمه؟ مثاله: قضاء رمضان الوارد مطلقًا في قوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ
стр. 767
أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وصوم التمتع الوارد مقيدًا بالتفريق في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وصوم كفارة الظهار الوارد مقيدًا بالتتابع في قوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] قال: فمن زعم أن المطلق يتقيَّد بالمقيد لفظًا: ترك المطلق هاهنا على إطلاقه، لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر، ومن حمل المطلق على المقيد للقياس: حمله هاهنا على ما كان القياس عليه أولى). وهذه قاعدة يظهر أثرها في كثير من الأحكام (١).
وقد منع الحنفية الحمل عن طريق القياس أيضًا، لأن القياس يجب ألا يعارضه مقتضى نص في المقيس، وحمل المطلق على المقيد هنا: رفعٌ لما اقتضاء المطلق من إجزاء المقيد وغيره، وحكمٌ بأن غير المقيد لا يجزئ، ففي مثالنا: حين نحمل المطلق على المقيد، لا يخرج المكلف عن العهدة إلا بتحرير الرقبة المقيدة بالإيمان، حتى في كفارة الظهار. وهذا رفع لما يقتضيه المطلق من إجزاء أي رقبة، سواء أكانت مؤمنة أم لم تكن (٢).
* * *
المطلب الثاني شروط حمل المطلق على المقيد
لقد أحاط القائلون بحمل المطلق على المقيد مذهبهم بإطار من الاحتراس والدقة، فاشترطوا للحمل شروطًا، أوصلها الشوكاني في "إرشاد الفحول" إلى سبعة (٣)، معظمها متفق عليه، نذكر أهمها فيما يلي:
стр. 768
الأول: أن يكون المقيد من باب الصفات، مع ثبوت الذوات في الموضعين، فأما في إثبات أصل الحكم من زيادة أو عدد: فلا يحمل المطلق على المقيد.
وذلك كما في إيجاب غسل الأعضاء الأربعة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] مع الاقتصار على عضوين في التيمم يقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فإن الاتفاق حاصل على أن المطلق لا يحمل على المقيد في هذين النصين في آية الوضوء، وذلك لأن في الحمل إثبات حكم لم يذكر، وحملُ المطلق على المقيد يختص - كما ذكرنا - بالصفات.
الثاني: أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد، كما في تقييد ميراث الزوجين بأن يكون بعد الوصية والدَّين، وذلك بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] مع إطلاق الميراث فيما أطلق فيه، فيكون ما أطلق من المواريث كلها مقيدًا بأن يكون بعد الوصية والدين.
الثالث: أن يكون المطلق والمقيد على صورة لا يمكن معها الجمع بينهما إلا بالحمل، لأن إعمالهما ما أمكن، أولى من تعطيل ما دل عليه أحدهما (١).
الرابع: أن لا يذكر مع المقيد قدر زائد يشعر أن القيد إنما كان لأجل ذلك القدر الزائد، فإذا كان الأمر كذلك، فالمقطوع به عدم جواز الحمل.
الخامس: أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد؛ فإن قام دليل على ذلك لم يصبح حمل المطلق على المقيد (٢).
стр. 769
رأينا في الموضوع:
والذي نراه: هو ما ذهب إليه الجمهور في اختلافهم مع الحنفية من حمل المطلق على المقيد.
فمما لا ريب فيه: أن المقيد ناطق والمطلق ساكت، فالمقيد أولى أن يكون بيانًا للمطلق، ما دام الحكم متحدًا وإن اختلف السبب: وجميل ما ذكره الزنجاني في تعليل الحمل حين قال: (لأن الحكيم إنما يزيد في الكلام لزيادة في البيان، فلم يحسن إلغاء تلك الزيادة، بل يجعل كأنه قالهما معًا، ولأن موجب المقيد متيقن وموجَب المطلق محتمل) (١).
ولقد رأينا من قبل كيف أن الحنفية لم يمكنهم - في نظر الآخرين - التزام قاعدتهم في عدم حمل المطلق على المقيد في حالة اتحاد الموضوع والحكم، واختلاف السبب في الإطلاق والتقييد، فلم يوجبوا الزكاة إلا في السائمة من النعم، مع وجود الإطلاق عن السوم إلى جانب التقييد به في النصوص.
ثم إن وحدة كلام الله تعالى مهما قيل في شأنها: فهي بمعنى تآخي الأحكام وتجانسها: واقعة ومحققة. ففي القتل والظهار: الكفارةُ في كل منهما كفارة عن ذنب، وقد أوجب الله في إحداهما أن تكون عتق رقبة مؤمنة. والمعنى الذي من أجله كان ذلك - وهو تحرير رقاب المؤمنين نظرًا لأخوتهم بسبب الإيمان - متحقق في الظهار، فوجبه في كفارته: أن يكون الحكم كذلك.
وعلى أية حال: فإن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي - كما قال الشوكاني - حصول التناسب بينهما بجهة الحمل قال ﵀: (ولا نحتاج في مثل ذلك إلى هذا الاستدلال البعيد، فالحق ما ذهب إليه القائلون بالمحمل) (٢).
стр. 770
ومن هنا فإن القائلين بحمل المطلق على المقيد بما أحاطوه من ضوابط: لم يخرجوا على قواعدهم في ذلك، حتى رأينا إمامًا كالقرافي المالكي يؤكد هذا المعنى ويدافع عنه. قال ﵀: (وكان قاضي القضاة صدر الدين الحنفي يقول: إن الشافعية تركوا أصلهم لا لموجب فيما ورد عن رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب" وورد "أولاهن بالتراب" فقوله: "إحداهن" مطلق، وقوله ﵇: "أولاهن" مقيد بكونه أولًا، ولم يحملوا المطلق على المقيد فيعينوا الأولى يل أبقوا الإطلاق على إطلاقه … ثم قرر القرافي أن هذا لا يلزمهم - يعني الشافعية - لأجل قاعدة أصولية مذكورة في هذا الباب، وهي أنا إذا قلنا بحمل المطلق على المقيد، فورد المطلق مقيدًا بقيدين متضادين، فتعذر الجمع بينهما: تساقطا، فإن اقتضى القياس الحمل على أحدهما ترجَّح، وفي هذا الحديث ورد المطلق فيه مقيدًا بقيدين متضادين، فورد "أولاهن" وورد "أخراهن" فتساقطا وبقي "إحداهن" على إطلاقه فلم يخالف الشافعية أصولهم) (١).
* * *
стр. 771
الفرع الثاني الأمر والنهي
تمهيد:
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: (أحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهي، لأن معظم الابتلاء بهما، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام) (١).
قال ذلك في مقدمة كتابه "الأصول" وهو كلام - بمنهجيته ودقته - جدير بأن يقال ونحن في معرض تفسير النصوص ومسالك الأئمة في الاستنباط، لأن الأحكام التكليفية أكثرُها قائم على طلب الفعل، وطلب الكف.
فالطلب بأمره ونهيه: قدر مشترك منبث في نصوص الأحكام من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
لهذا كان لا بد لمن يريد تفسير هذه النصوص من أن يعرف "الأمر والنهي" ومداهما في شريعة الإسلام.
ومن الجدير أن لا ننسى ما كان لهما، من أثر في علم الاختلاف، حيث تعددت أنظار المجتهدين في المدلول الشرعي لهما، وما يمكن أن يترتب على ذلك من اختلاف في الفروع والأحكام.
ثم إن خروج المكلف من العهدة: لا يمكن إلا بضبط ما تدل عليه
стр. 772
الأوامر والنواهي، حيث يكون على بينة من أمره في أداء المأمور به، واجتناب المنهي عنه.
ومن هنا كان لأئمة الاستنباط جهودهم المبرورة في هذه السبيل، التي يتعلق بها أكثر الأحكام التكليفية في شريعة الإسلام.
ولسوف نرى في الصفحات التالية - إن شاء الله - مظاهر ذلك وآثاره، فيما حققوا من قواعد، وفيما خرّجوا من الفروع على الأصول.
* * *
стр. 773
المبحث الأول الأمر
المطلب الأول ماهية الأمر ودلالته
الأمر "هو اللفظ الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء" (١) سواء أكان هذا الطلب بصيغة فعل الأمر التي هي "افعل" كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
أم كان بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر كقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
أم كان بالجملة الخبرية التي لم يقصد منها الإخبار، وإنما قصد منها الطلب كما في قوله جلَّ وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فالمقصود من الجملة الخبرية في الآية الأولى، ليس الإخبارَ عن إرضاع الوالدات لأولادهن مدة زمنية مقدارها حولان كاملان، لمن أراد أن يتم الرضاعة. وإنما المقصود الطلب، فكأنه قال: ليرضع الوالدات أولادهن،
стр. 774
قال تاج الدين السبكي: (وهذا أبلغ من عكسه؛ لأن الناطق بالخبر مريدًا به الأمر، كأنه نزَّل المأمور به منزلة الواقع) (١).
وكذلك في الآية الثانية، ليس المقصود الإخبار وإنما المقصود أمر المطلقات بأن تكون عدتهن ثلاثة قروء. وهذا أيضًا أبلغ من عكسه، كما قال تاج الدين السبكي هناك.
وجوه استعمال الأمر:
لم يكن موقف العلماء متفقًا في معنى الأمر الذي هو دلالته - كما سيأتي - ولكن قرروا من حيث الاستعمال: أن صيغة الأمر تستعمل في عدد كبير من الوجوه.
فقد يجيء الأمر للإيجاب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وللندب كما في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] إذ يرى الكثيرون أن المكاتبة مندوبة أخذًا من الآية (٢). كما يجيء للتأديب كقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة (٣): "سم االله وكل بيمينك وكل مما يليك" (٤).
стр. 775
وقد يجيء كقول الله جلَّ وعلا في شأن كتابة الدين والإشهاد عليه فيما ذهب إليه الجمهور (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد فرق العلماء بين الندب، والإرشاد بأن الندب طلب فعل يتعلق به ثواب الآخرة، والإرشاد طلب فعل تتعلق به منافع الدنيا.
ومن وجود استعمال الأمر: الإباحة كما في قوله سبحانه: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] (٢) وكما في قوله ﵇ حينما سئل عن الجنين يوجد في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة ميتًا أنلقيه أم نأكله: "كلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" (٣). والوعيد نحو قوله جلَّ ثناؤه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ومن الوعيد الإنذار كقوله سبحانه: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]، [الروم: ٣٤].
ومنها: الامتنان كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١١٤]