الفرع الثاني الأمر والنهي
تمهيد:
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: (أحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهي، لأن معظم الابتلاء بهما، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام) (١).
قال ذلك في مقدمة كتابه "الأصول" وهو كلام - بمنهجيته ودقته - جدير بأن يقال ونحن في معرض تفسير النصوص ومسالك الأئمة في الاستنباط، لأن الأحكام التكليفية أكثرُها قائم على طلب الفعل، وطلب الكف.
فالطلب بأمره ونهيه: قدر مشترك منبث في نصوص الأحكام من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
لهذا كان لا بد لمن يريد تفسير هذه النصوص من أن يعرف "الأمر والنهي" ومداهما في شريعة الإسلام.
ومن الجدير أن لا ننسى ما كان لهما، من أثر في علم الاختلاف، حيث تعددت أنظار المجتهدين في المدلول الشرعي لهما، وما يمكن أن يترتب على ذلك من اختلاف في الفروع والأحكام.
ثم إن خروج المكلف من العهدة: لا يمكن إلا بضبط ما تدل عليه
стр. 772
الأوامر والنواهي، حيث يكون على بينة من أمره في أداء المأمور به، واجتناب المنهي عنه.
ومن هنا كان لأئمة الاستنباط جهودهم المبرورة في هذه السبيل، التي يتعلق بها أكثر الأحكام التكليفية في شريعة الإسلام.
ولسوف نرى في الصفحات التالية - إن شاء الله - مظاهر ذلك وآثاره، فيما حققوا من قواعد، وفيما خرّجوا من الفروع على الأصول.
* * *
стр. 773
المبحث الأول الأمر
المطلب الأول ماهية الأمر ودلالته
الأمر "هو اللفظ الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء" (١) سواء أكان هذا الطلب بصيغة فعل الأمر التي هي "افعل" كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
أم كان بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر كقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
أم كان بالجملة الخبرية التي لم يقصد منها الإخبار، وإنما قصد منها الطلب كما في قوله جلَّ وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فالمقصود من الجملة الخبرية في الآية الأولى، ليس الإخبارَ عن إرضاع الوالدات لأولادهن مدة زمنية مقدارها حولان كاملان، لمن أراد أن يتم الرضاعة. وإنما المقصود الطلب، فكأنه قال: ليرضع الوالدات أولادهن،
стр. 774
قال تاج الدين السبكي: (وهذا أبلغ من عكسه؛ لأن الناطق بالخبر مريدًا به الأمر، كأنه نزَّل المأمور به منزلة الواقع) (١).
وكذلك في الآية الثانية، ليس المقصود الإخبار وإنما المقصود أمر المطلقات بأن تكون عدتهن ثلاثة قروء. وهذا أيضًا أبلغ من عكسه، كما قال تاج الدين السبكي هناك.
وجوه استعمال الأمر:
لم يكن موقف العلماء متفقًا في معنى الأمر الذي هو دلالته - كما سيأتي - ولكن قرروا من حيث الاستعمال: أن صيغة الأمر تستعمل في عدد كبير من الوجوه.
فقد يجيء الأمر للإيجاب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وللندب كما في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] إذ يرى الكثيرون أن المكاتبة مندوبة أخذًا من الآية (٢). كما يجيء للتأديب كقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة (٣): "سم االله وكل بيمينك وكل مما يليك" (٤).
стр. 775
وقد يجيء كقول الله جلَّ وعلا في شأن كتابة الدين والإشهاد عليه فيما ذهب إليه الجمهور (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد فرق العلماء بين الندب، والإرشاد بأن الندب طلب فعل يتعلق به ثواب الآخرة، والإرشاد طلب فعل تتعلق به منافع الدنيا.
ومن وجود استعمال الأمر: الإباحة كما في قوله سبحانه: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] (٢) وكما في قوله ﵇ حينما سئل عن الجنين يوجد في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة ميتًا أنلقيه أم نأكله: "كلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" (٣). والوعيد نحو قوله جلَّ ثناؤه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ومن الوعيد الإنذار كقوله سبحانه: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]، [الروم: ٣٤].
ومنها: الامتنان كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١١٤]
стр. 776
والإكرام كقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر: ٤٦] والتعجيز كقوله سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣].
ومن ذلك أيضًا استعمال الأمر للإهانة كقوله - جلَّ ذكره -: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] وللتسوية كقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وللدعاء كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧ و ١٩٣] وللتمني كقولك لشخص تراه: "كن فلانا". وللخبر كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] والمعنى أنهم سيضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا. وللتفويض والتسليم نحو قوله سبحانه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] وللمشورة كقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] وللتلهف والتحسير كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ [آل عمران: ١١٩].
ومن وجوه استعماله أيضًا:
الاعتبار، نحو قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] والتكذيب: كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] والتبصير: نحو قوله سبحانه: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ [الزخرف: ٨٣] والتسخير: كقوله جلَّ وعلا: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ و الأعراف: ١٦٦].
وبعد هذا العرض للمعاني التي يستعمل فيها الأمر، نود أن نبين أن بعضها قد يكون متداخلًا مع غيره في بعض الأحيان، الأمر الذي جعل العلماء يختلفون في تعدادها كثرة وقلة (١) وللقرينة - كما سيأتي - أثر كبير في اعتبار وجه الاستعمال، وتحديد الصنف الذي ينتمي إليه.
стр. 777
ولذلك قال الغزالي بعد أن ذكر الوجوه الخمسة عشر الأولى مما أثبتناه: (وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفًا منهم بالتكثير - وبعضها كالمتداخل، فإن قوله: "كل مما يليك" جعل للتأديب وهو داخل في الندب، والآداب مندوب إليها. وقوله: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ للإنذار وهو قريب من قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] الذي هو للتهديد (١).
دلالة الأمر:
لقد اتسع ميدان الاختلاف بين العلماء فيما يدل عليه الأمر، إذ كونه
стр. 778
يستعمل على وجوه متعددة كما رأينا أنفًا: لا يعني أن كل معنًى من هذه المعاني هو على الحقيقة.
ومدار الخلاف: هو المعنى الحقيقي للأمر، لأن التسوية مثلًا أو غيرها مما سبق، إنما استفيدت من القرائن.
فإذا ورد أمر من الأوامر في نص من نصوص الكتاب أو السنة، فهل يدل على الوجوب؟ ومعنى ذلك أن تاركه عاص مستحق للعقاب والمكلف لا يخرج من العهدة إلا بالإتيان بالمأمور به. أم أنه للمندب فلا يستحق المكلف العقاب يتركه، أم هو للإباحة فقط، أم هو لغير ذلك من المعاني؟.
لقد حملت إلينا كتب الأصول عددًا من المذاهب في هذا الموضوع نعرض لأهمها، ثم نرجح ما نختار فيما يلي:
الأول: ما ذهب إليه الجمهور: وهو أن الأمر يدل على الوجوب حقيقة، وإنما يصرف إلى غيره بقرينة، وقد ذكر الجويني والآمدي أنه مذهب الشافعي (١) وقال أبو بكر الجصاص من الحنفية: (هو مذهب أصحابنا، وإليه كان يذهب شيخنا أبو الحسن) (٢) وصحح هذا المذهب ابن الحاجب والبيضاوي، والمطهَّر الحلي من الشيعة، وقال الإمام الرازي: إنه الحق - وقيل: هو الذي أملاء الأشعري على أصحاب (٣) أبي إسحاق الإسفراييني (٤).
стр. 779
الثاني: أن الأمر حقيقة في الندب: وإليه ذهب أبو هاشم وعامة المعتزلة وجماعة من الفقهاء، وقد حكاه الغزالي والآمدي قولًا للشافعي (١).
الثالث: الوقف في تعيين مدلول الأمر حقيقة: وأصحاب هذا المذهب يسمون بالواقفية. وهؤلاء يرون أن الأمر ما دام يستعمل في معان كثيرة بعضها على الحقيقة اتفاقًا، وبعضها على المجاز (٢) اتفاقًا؛ فعند الإطلاق يكون محتملًا للكثير من المعاني، وبسبب هذا الاحتمال، يتوقفون حتى يأتي البيان. وهؤلاء فريقان:
أ - فقد حكي عن ابن سريج (٣) من الشافعية وعن الأشعري - في رواية - وكذلك عن بعض الشيعة، الوقفُ في تعيين المعنى المراد من الأمر عند الاستعمال، لا في تعيين المعنى الموضوع له عند الاستعمال، لأنه موضوع عند هؤلاء بالاشتراك للوجوب، والندب والإباحة، والتهديد.
فإذا جاء الأمر، كان محتملًا لهذه المعاني الأربعة، ولا بد لتعيين المراد من البيان فيتوقفون حتى يرد ذلك البيان (٤).
ب - أما الغزالي والقاضي الباقلاني والأشعري - في رواية - وجماعة من المحققين: فالتوقف كائن عندهم في تعيين الموضوع له الأمرُ حقيقة، وقد صرح الغزالي بهذا المذهب في "المستصفى" واختاره (٥).
стр. 780
وقد نقله الرازي عنه في "المحصول" - كما يقول الإسنوي - على الصواب. غير أن الذي جاء في "المنخول" يدل على أن الغزالي يقول بالوجوب، فقد قال هناك: (وظاهر الأمر الوجوب، وما عداه فالصيغة مستعارة فيه) قال الإسنوي: (هذا لفظه وهو مخالف لكلامه في "المستصفى") (١) وذكر مثل ذلك ابن اللحام (٢) من الحنابلة في قواعده (٣).
الرابع: القول بالاشتراك: فقيل: الأمر مشترك بين الوجوب والندب اشتراكًا لفظيًا. وهو قول للشافعي في رواية عنه وقيل: إنه مشترك اشتراكًا لفظيًا بين الوجوب والندب والإباحة.
وحكي عن جمهور الشيعة أنه مشترك بين هذه المعاني الثلاثة، ومعها التهديد وغيره (٤).
الخامس: القول بأن الأمر للمقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، أي ترجيح الفعل على الترك: وهذا المذهب منسوب إلى أبي منصور الماتريدي ومشايخ سمرقند، وقد أوضح ذلك المحلّي في شرحه على "جمع الجوامع" فحين ذكر السبكي أن صيغة الأمر عند أبي منصور: هي للقدر المشترك بين الوجوب والندب، قرر المحلى أن القدر المشترك بينهما هو الطلب، حذرًا من الاشتراك والمجاز (فاستعمالها في كل منهما من حيث إنه طلب استعمال حقيقي، والوجوب الطلب المجازم كالإيجاب. تقول
стр. 781
منه: وجب كذا: أي طُلب بالبناء. للمفعول طلبًا جازمًا) (١) وعلى هذا فموجَب الأمر واحد وهو الطلب، فهو حقيقة فيه.
السادس: القول بأن الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة، وهو الإذن برفع الحرج عن الفعل: وعلى هذا فموجب الأمر حينئذ واحد أيضًا، وهو الإذن، فهو حقيقة فيه (٢).
* * *
المطلب الثاني مسألك القائلين بالوجوب
وقبل عرضنا لأدلة القول بالوجوب، نرى لزامًا علينا أن نوضح أن القائلين بالوجوب اختلفوا: هل كان الوجوب بوضع اللغة والشرع أم بوضع الشرع فقط؟
فذهب الجمهور إلى أنه بوضع اللغة والشرع.
وذهب البلخي وأبو عبد الله البصري والجويني إلى أنه يوضع الشرع فقط.
والواقع أن المستفاد من اللغة: جزم الطلب، إذ إن صيغة (افعل) أو ما في معناها، هي في وضع اللغة لجزم الطلب على الحقيقة وفي غيره مجاز. أما الوجوب: فقد استفيد من الشرع؛ وذلك بما حصل من التوعد بالعقاب على مخالفة ذلك الطلب الجازم. قال ابن القيم: (ويستفاد لكون الأمر المطلق للوجوب من ذمه - يعني الشارع - لمن خالفه وتسميته إياه عاصيًا، وترتيبه عليه العقاب العاجلي أو الآجل) (٣).
стр. 782
وقد أوضح السعد التفتازاني العلاقة بين الطلب الجازم في اللغة، وترتيب المقلب على الترك في الشرع، حيث أفاد الوجوب، فقال: (الأمر حقيقة لغوية في الإيجاب بمعنى الإلزام وطلب الفعل وإرادته جزمًا، وحقيقة شرعية في الإيجاب بمعنى الطلب والحكم باستحقاق تاركه الذم والعقاب لا بمعنى إرادة وجود الفعل، والأدلة يدل بعضها على الأول وبعضها على الثاني) (١).
وهكذا نرى أن هذه الشريحة التي جاءت بلسان عربي مبين: يدل الأمر في نصوصها على الوجوب، إذ إن الأمر في أصل اللغة حقيقة في جزم الطلب، وجاء الشرع فأمر ورتب على ترك المأمور به المؤاخذة والعقاب، فكانت دلالة الأمر على الوجوب في نصوص الشريعة العربية تابعة من اللغة والشرع معًا.
ولقد سار استدلال القائلين بالوجوب في طريقين:
أولهما: الاستشهاد بموقف أعلى اللغة والسلف من دلالة الأمر، بما يعطي أنه للوجوب.
الثاني: استقراء دلالة الأمر في عدد من نصوص الكتاب والسنة، مما دل على أنه للوجوب.
الدليل الأول:
أ - من المعلوم أن الأمر في اللغة - كما ذكرنا آنفًا - هو للطلب الجازم، ومن الأمور التي لا تقبل الجدل أن أهل اللغة متفقون على ذم من يخالف الأمر، فلو أمر والد ولده بأمر فلم يمتثل عدَّ عاصيًا، ولا يُذم ويوصف بالعصيان، إلا من كان مخالفًا لما كان عليه أن يفعله (٢).
стр. 783
ويكفي ذلك من مدلول اللغة؛ فإن الوجوب بمعناه الشرعي مرتبط بما جاءت به الشريعة من مفهومات جديدة، عن الحلال، والحرام والثواب، والعقاب.
قال أحمد بن فارس: (الأمر عند العرب ما إذا لم يفعله المأمور سمي عاصيًا).
وقال في مسألة الوجوب: (فإن قال قائل: فما حال الأمر في وجوبه وغير وجوبه؟ قيل له: أما العرب فليس يحفظ عنهم في ذلك شيء، غير أن العادة جارية بأن من أمر خادمه بسقيه ماء فلم يفعل: أن خادمه عاص وأن الآمر معصي) (١).
ب - وأما عن موقف السلف: فإن في الآثار المروية عنهم - وهي السبيل التي تصلنا بحِقبة التنزيل - ما يدل بوضوح على تكرار استدلالهم بصيغة الأمر أو ما في معناها على الوجوب، مع تجردها عن القرائن.
ولقد شاع هذا الاستدلال واستفاض، وظهرت آثاره في مآخذهم للأحكام، دون أن يلقى ما يدل على استنكار ما يجنحون إليه، الأمر أوجب العلم العادي بأن دلالة الأمر هي الوجوب.
ما يرد على هذا الدليل وجوابه:
ولقد يرد على ذلك، أن الوجوب الذي يُرى في استدلال السلف: مرده إلى قرائن حفت به، فنقلته من الندب إلى الوجوب، بدليل أنهم استدلوا بالأمر على كثير من الأحكام التي تقع في دائرة الندب.
ولكن هذا مردود بما دل عليه الاستقراء من أن القرائن التي صرفت الوجوب إلى الندب في صنيع السلف، هي قرائن تفيد بذاتها الندب. أما الوجوب: فلا يحتاج إلى قرينة، لتبادره إلى الذهن، فهو الأصل، والتحول عنه إنما كان بالقرائن التي عينت معنى من المعاني الأخرى.
وذلك ما قرره الشوكاني تبعًا لابن الحاجب والكمال بن الهمام
стр. 784
وغيرهما، حين ذكر أن استدلالهم - يعني السلف - بما استدلوا به على الندب، إنما كان بقرائن صارفة عن المعنى الحقيقي - وهو الوجوب - معينة للمعنى المجازي - وهو الندب - علمنا ذلك باستقراء الواقع منهم في الصيغ المنسوب إليها الوجوب، والصيغ المنسوب إليها الندب في الكتاب والسنة، وعلمنا بالتتبع أن فهم الوجوب لا يحتاج إلى قرينة، لتبادره إلى الذهن، بخلاف فهم الندب، فإنه يحتاج إليها (١).
ولقد يرد أيضًا على الاستدلال بصنيع السلف، أنه استدلال بدليل ظني، والأدلة الظنية غير مقبولة في الأصول.
وابن الحاجب لم يسلّم بهذه الظنية، ولكنه قرر مع شارحه العضد: أنه لو سُلّم كونُ ما ينقل عن السلف دليلًا ظنيًا: لكفى هذا الدليل في الأصول، وإلا تعذر العمل بأكثر الظواهر، لأنها لا تفيد إلا الظن، والقطعُ لا سبيل إليه، فالظهور ونقل الآحاد كافيان في مدلولات الألفاظ (٢).
الدليل الثاني:
أما الدليل الثاني: فتعرض فيه لمجموعة من نصوص الأحكام في الكتاب والسنة التي نوردها فيما يلي:
أولًا: من نصوص الكتاب:
١ - إن الله ﵎ ذم إبليس على مخالفة ما أُمر به من السجود لآدم؛ وذلك في قوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف] (٣).
стр. 785
فإبليس لم يسجد إذ أمره الله بالسجود، بينما امتثل الملائكة فسجدوا.
ولقد دلت الآية على توجيه الذم لإبليس على هذه المخالفة باستفهام فيه الإنكار والتوبيخ، وذلك في قوله سبحانه: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾.
فإذا ثبت الذم على ترك المأمور: ثبت أن الأمر للوجوب، ولو لم تفد صيغة الأمر الوجوب: لما كان مجرد ترك السجود - وهو المأمور به، المعلوم من فعل الأمر ﴿اسْجُدُوا﴾ - موجبًا للذم الذي رأيناه في هذا الاستفهام، ولو حصل الذم في مثل هذه الحال لكان عبثًا، ولكان لإبليس الحق في أن يقول: إنك ما ألزمتني فلم التوبيخ والإنكار والاعتراض (١)؟.
وهكذا يكون ذم إبليس وطرده من الجنة دار الكرامة: لمخالفة ما أُمر به وعدم امتثاله: دليلًا على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب.
وقد يرد على هذا التعميم، أن صيغة الأمر تفيد الوجوب مطلقًا، فهمًا من قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ إذ لا مانع أن تفيد وجوب السجود، ولكن من أين جاء كونها حقيقة لهذا؟
وفي رأينا أن قوله تعالى ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ بعد قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ يفيد تحليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ مذكور في معرض التحليل والأمر الوارد في الآية والمذكور في قوله: ﴿أَمَرْتُكَ﴾ يفيد كونه أمرًا على إطلاقه، لا كونه أمرًا مخصوصًا في صورة مخصوصة.
هذا إلى أن الأمر بالسجود في قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا﴾ كان بلا قرينة، إذ لا مانع من الصرف إلى المجاز لو وجدت القرينة.
وعلى هذا وجب أن يكون ترك الأمر - من حيث هو أمر - موجبًا للذم، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب (٢).
стр. 786
٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [المرسلات] (١).
فدلت الآية على ذم هؤلاء القوم بأنهم لا يركعون إذا أمروا بالركوع، وقد جاء الذم من ترك ما أمروا بفعله فلم يفعلوه، ولو كان الأمر لا يفيد الوجوب، لما كان تركهم لما أمروا به سببًا لذمهم ومقت الله إياهم (٢).
وقد يرد على هذا الاستدلال: أن الذم إنما كان بسبب كفرهم. ولكنه مدفوع بأنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه كثيرة، إلا أن ذمه لهم في هذه الآية إنما كان - كما هو النص - لأنهم تركوا الامتثال، فلم يفعلوا المأمور به.
فعلم أن ترك المأمور به مدعاة للإنكار والذم، وأن المأمور لا يخرج من العهدة إلا بامتثال ما أمر به، والإتيانِ بما اقتضته صيغة الأمر (٣).
٣ - قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤).
يلاحظ في هذا النص القرآني أن الله يحذر الذين يخالفون أمره أن تحل بهم المحنة في الدنيا، أو يصيبهم العذاب الأليم في الآخرة.
стр. 787
فرتب العقوبة على تلك الجناية التي حذرهم منها، وهي المخالفة عن أمره (١).
وهكذا نجد في الآية تهديدًا يعطي أن ظاهر الأمر الوجوب، إذ إن الذي استحق العقاب إنما استحقه على ترك المأمور به.
ولا أدل على معنى الوجوب في الأمر: من أن يستحق المكلف العقاب على ترك موجَب الأمر ومقتضاه، ولولا ذلك لكان التحذير من المخالفة لا معنى له، وعُدَّ من العبث. قال السعد التفتازاني: (والأقرب أن يقال: المفهوم من الآية التهديد على مخالفة الأمر وإلحاق الوعيد بها، فيجب أن تكون مخالفة الأمر حرامًا وتركًا للواجب ليلحق بها الوعيد والتهديد) (٢).
هذا وقد جاء الإمام الشافعي بهذه الآية في "الرسالة" ضمن مجموعة من النصوص القرآنية الأخرى في (باب ما أمر الله من طاعة رسول الله) وقال في آخر كلامه حول تلك النصوص: (فأحكم فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله وإعلامهم أنها طاعته. . . فجمع لهم أن أعلمهم أن الفرضَ عليهم اتباعُ أمره وأمرِ رسوله، وأن طاعةَ رسوله طاعتهُ، ثم أعلمهم أنه فرض على رسوله اتباع أمره جلَّ ثناؤه) (٣). وهذا واضح في ذهاب الشافعي إلى أن الأمر للوجوب بدليل من الآية السابقة وغيرها. وقد قرر ذلك الغزالي وصوّبه
стр. 788
حين قال: (والشافعي حمل أوامر الشرع على الوجوب. وقد أصاب؛ إذ ثبت لنا بالقرائن أن من خالف أمر رسول الله ﷺ : عصى وتعرض للعقاب) (١).
٤ - ومما استدل به القائلون بالوجوب: ما يقرره القرآن من الحكم على تارك المأمور به أنه عاص، وذلك في قوله تعالى على لسان موسى يخاطب أخاه هارون ﵇: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه] حين ترك مقتضى ما أمره به وهو أن يخلفه في قومه، فقد قال له من قبل ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وهو أمر مجرد عن أي قرينة. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣].
ففي هذا دلالة على أن تارك الأمر عاص. ولقد اعتبر ابن الحاجب وشارحه العضد، أن الاستدلال على الوجوب بهاتين الآيتين بيِّن لا يحتاج إلى تفصيل (٢) وذلك ما ذهب إليه ابن الهمام حين قرر أن العاصي متوعَّد وذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فترتيب الوعيد على الترك - كما يقول - دليل الوجوب (٣).
٥ - ومن الأدلة على أن الأمر الموجوب: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
стр. 789
وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦] (١).
ومعنى الآية، أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة، اختيار مع أمر الله وأمر رسوله، بل الواجب عليهم الانقياد والامتثال، وهذا ليس خاصًّا بجماعة أو طائفة من المؤمنين، بل هو للجميع؛ لأن الضمير في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ راجع إلى الجمع الذي يقتضيه قوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ فإن معناه العموم، لأنه نكرة في سياق النفي. وهذا لا يتعارض مع وجود سبب خاص للنزول - كما سيأتي - لأن خصوص السبب عند الكثيرين: لا يمنع عموم اللفظ.
والذي نقوله من دلالة هذه الآية على أن الأمر للوجوب، هو ما فهمه ابن عباس ﵁، فقد روى ابن كثير في "تفسيره" ما روى ابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهما عن ابن جريج قال: أخبرني عامر بن مصعب عن طاوس قال: أنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر: فنهاه، لأن السنة غير ذلك، وقرأ ابن عباس ﵁: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٢).
وهذا الأثر، جاء أوضح من ذلك في رسالة الشافعي حيث قال: أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج أن طاوسًا أخبره أنه سأل ابن عباس عن المركعتين بعد العصر، فنهاه عنهما، قال طاوس: فقلت ما أدعهما، فقال ابن عباس: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون لهم الخيرة من أمرهم".
قال الإمام الشافعي: (فرأى ابن عباس الحجة قائمة بخبره عن النبي ﷺ ، ودله بتلاوة كتاب الله على أن فرضًا عليه أن لا تكون له الخيرة إذا قضى الله ورسوله أمرًا) (٣).
стр. 790
هذا: وقد صدّر الإمام المطلبي بهذه الآية ما ذكره في باب (طاعة رسول الله مقرونة بطاعة الله ومذكورة وحدها) وختم الباب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١).
ولقد أورد ابن حزم الآية أيضًا دليلًا على أن الأمر في الكتاب والسنة للوجوب، حيث رأى النص جازمًا في نفي الاختيار وإذا بطل الاختيار: فقد لزم الوجوب ضرورة؛ لأن الاختيار إنما يكون فيما ليس بواجب. جاء في "الإحكام" قوله: (فكل ما أمر الله به ورسوله فلا اختبار فيه لأحد، وإذا بطل الاختيار: فقد لزم الوجوب ضرورة؛ لأن الاختيار هو في الندب والإباحة اللذين فيهما الخيرة إن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل، فأبطل الله الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه ﷺ ، وثبت بذلك الوجوب والفرض في جميع أوامرهما، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب] وهكذا يكون عند ابن حزم وجوب الفعل فيما جاء به الأمر، والندب والإباحة فيما جاء به التخيير، وترك المأمور معصية، والمعصية ضلال مبين.
وقد أوضح ذلك مرة ثانية فقال: (وليس يقابَل الأمر الوارد إلا بأحد
стр. 791
ثلاثة أوجه لا رابع لها، فعلم ذلك بضرورة الطبيعة بل ببديهة العقل: إما الوجوب - وهو قولنا - وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك وقد أبطل الله هذا الوجه في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وإما الترك - وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالًا مبينًا، فارتفع الإشكال جملة) (١).
ثانيًا: من نصوص السنة:
١ - ومن أوضح الأدلة في نصوص السنة ما ورد في كتب الصحيح من قوله ﵊: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢).
ووجه دلالة هذا النص على أن الأمر للوجوب، أنه لو أمر الرسول ﷺ بالسواك عند كل صلاة لوجب فعله، سواء أكان في ذلك مشقة أم لم يكن.
ولكنه لا يريد أن يشق على أمته فلم يأمرهم به.
وإنما فهم ذلك من أن "لولا" عند علماء العربية حرف امتناع لموجود، فهي كلمة تمنع الشيء لوقوع غيره، فيكون امتناع الأمر بالسواك في الحديث إنما حصل لوجود المشقة، واستحباب السواك عند كل صلاة ثابت، وإذن فالمنتفي للمشقة إنما هو الوجوب، وبأن الندب لا مشقة فيه فتركه جائز.
وهكذا لم يأمر الرسول ﷺ الأمة باستعمال السواك عند كل صلاة، لئلا يوقع الناس في المشقة، لأن الخروج من عهدة الأمر، لا يكون إلا بالعمل بالمأمور به، والعمل بالمأمور به هنا هو الاستياك عند كل صلاة، وفي ذلك
стр. 792
ما فيه من الحرج، فلم يأمر به لئلا يكون واجبًا. وهذا يقتضي أن الأمر للوجوب (١).
ولقد عبر الخطابي من ذلك بكل جلاء ووضوح؛ فبعد أن أخذ من الحديث عدم وجوب السواك قال: (وفيه دليل أن أصل أوامره - يعني الرسول ﷺ - على الوجوب، ولولا أنه إذا أمرنا بالشيء صار واجبًا لم يكن تقوله: "لأمرتهم به" معنى، وكيف يشق عليهم من الأمر بالشيء وهو إذا أمر به لم يجب ولم يلزم؟ فثبت أنه على الوجوب ما لم يقم دليل على خلافه (٢).
قال أبو الوليد الباجي (٣) في شرحه "للموطأ": (فالمراد هنا الوجوب واللزوم دون الندب، فقد ندب ﷺ إلى السواك، وليس في الندب إليه مشقة؛ لأنه إعلام بفضيلته واستدعاء لفضله، لما فيه من جزيل الثواب) (٤).
وهذا الاتجاه كان صنيع الزرقاني (٥) أيضًا ولكن بشكل أوضح، إذ قال عندما عرض للحديث في شرحه "الموطأ": (وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين:
стр. 793
أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان الندب لما جاز النفي.
ثانيهما: أنه جعل الأمر للمشقة عليهم، وإنما يتحقق إذا كان للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه، لأنه جائز الترك (١).
ولقد كان من آثار ذلك، عملًا بهذا الحديث، أن اتجه جمهور العلماء إلى عدم وجوب السواك؛ لأن الرسول ﷺ لو أراد من الأمة أن تفعله: لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق، ويبقى حكم الاستياك في حيز الندب والاستحباب (٢).
стр. 794
٢ - ومن الأدلة ما ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ أنكر على أبي
стр. 795
سعيد بن المعلى إذ ناداه فلم يستجب له - وكان يصلي - فقال له رسول الله ﷺ : "ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] " (١).
فقد أفهم النبي ﷺ أصحابه بهذا: أن مطلق الأمر يفيد الوجوب، وكان إنكاره على أبي سعيد بن المعلى أنه لم يجب نداءه، مع كونه واقفًا في الصلاة، فدل هذا الإنكار على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ يشمل كل الأحوال، حتى ولو كان المسلم واقفًا في الصلاة، لا يعد ذلك عذرًا في عدم الاستجابة التي فرضت يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢).
стр. 796
وفي خاتمة الاستقراء لمواطن دلالة الأمر في هذه المجموعة من نصوص الكتاب والسنة: يتضح لدينا أن ما يدل عليه الأمر: هو الوجوب على وجه الحقيقة، وليس أبين من استعمال كتاب الله، وسنة رسوله، حيث إن الكتاب هو المصدر الأول لهذه الشريعة والسنة في بيانه والمصدر الثاني من بعده. فعلى هدي الاستعمال فيهما: يسير استنباط الأحكام من النصوص في طريق بعيدة عن الانحراف لا تجافي عرف الشريعة، ولا تهمل مدلولات الخطاب في لسان العرب (١).
* * *
المطلب الثالث مسالك القائلين بغير الوجوب
مسلك القائلين بالندب:
كان من أهم ما استدل به القائلون بأن الأمر حقيقة في الندب: ما ثبت في السنة الصحيحة من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (٢).
ووجه الاستدلال بالحديث: أن الرسول صلوات الله عليه، رد الأمر إلى مشيئتنا، وذلك هو معنى الندب، حيث لا يأثم المأمور بالترك؛ فله أن يفعل، وله أن لا يفعل.
وكان جواب الجمهور على ذلك: أن الحديث في الواقع يصلح دليلًا للقول بالوجوب؛ لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا، وإنما يجب علينا ما
стр. 797
نستطيعه، أما المندوب: فلا حرج في تركه مع الاستطاعة، وهو مرتبط بمشيئتنا أيضًا.
ولقد اعتبر صاحب "التقرير والتحبير" ذهولًا عظيمًا، القول بأن الحديث رد الأمر إلى مشيئة المأمورين، فقال عند الرد على أصحاب هذا المذهب: (ثم لا خفاء في أن قولهم: رده إلى مشيئتنا مع روايتهم الحديث بلفظ: "ما استطعتم" ذهول عظيم) (١).
مسلك القائلين بالاشتراك:
والقائلون بالاشتراك اللفظي؛ سواء بين الوجوب والندب، أو بين الوجوب والندب والإباحة، أو بين هذه الثلاثة ومعها التهديد: استدلوا بثبوت إطلاق الأمر حقيقة على أكثر من الوجوب.
فالقائلون بالاشتراك بين الوجوب والندب: يدعون ثبوت إطلاق الأمر حقيقة عليهما.
والقائلون بالاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة: يدعون ثبوت إطلاق الأمر حقيقة على هذه المعاني الثلاثة.
والقائلون بالاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد: يدعون ثبوت إطلاق الأمر حقيقة عليها جميعًا.
ووجه ثبوت إطلاق الأمر حقيقة على أكثر من الوجوب عندهم: أنه قد ثبت الإطلاق، والأصل فيه الحقيقة.
والرد الطبيعي على هذا الادعاء: أن المجاز أولى من الاشتراك؛ وذلك من أبسط القواعد في خطابات العربية التي هي لغة الكتاب والسنة.
ولقد تبين من أدلة الجمهور: أن الوجوب متعين للحقيقة عند الإطلاق، فتكون دلالة الأمر على المعاني الباقية من قبيل المجاز (٢).
стр. 798
مسلك القائلين بمطلق الطلب:
أما القائلون بأن الأمر لمطلق الطلب: فقد احتجوا بأنه ثبت رجحان الطلب، الذي هو المعنى المشترك، بين الوجوب والندب بالضرورة من اللغة، ولم يقم ما يدل على تخصيصه بواحد منهما، وهو الوجوب.
ومعنى ذلك أن الرجحان قد ثبت لغة في الواجب، كما ثبت في المندوب، وجعلُ هذا الرجحان لواحد منهما - وهو الواجب - تقييد بلا دليل، فيكون القول به عاريًا عن السند. وإذن فلا بد من القول بأن الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب، وقالوا هذا دفعًا للاشتراك والمجاز (١).
ولكن الذي قاله هؤلاء مدفوع بما يلي:
أ - في أدلة الوجوب التي ساقها الجمهور: ما يدل على أن تقييد الأمر بالوجوب حقيقة قائم على الدليل، وليس تخصيصًا بدون دليل.
ب - ثم إن جعل الأمر لمطلق الطلب: إثبات للغة بلوازم الماهيات، وذلك - كما يرى ابن الحاجب وشارحه العضد - أن القائلين بهذا القول، جعلوا الرجحان لازمًا للوجوب والندب، فجعلوا باعتباره صيغة الأمر لهما، مع احتمال أن تكون للمقيد بأحدهما وللمشترك بينهما، وذلك باطل (٢).
وهكذا، يبدو اتجاه القائلين بأن الأمر لمطلق الطلب في نظرنا: غير سليم.
فالدليل قائم على تقييد الأمر بأنه حقيقة في الوجوب، وادعاؤهم: إثبات للُّغة بلوازم الماهيات.
وما قيل هنا، يقال لمن جنحوا إلى أن الأمر يفيد الإذن؛ لأنه موضوع
стр. 799
للقدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة، ذلك أن هؤلاء أيضًا احتجوا بأن الإذن ثبت بضرورة اللغة، وأن التقييد بواحد من المعاني الثلاثة - وهو الوجوب - لا دليل عليه.
مسلك القائلين بالوقف:
وإذا أتينا إلى القائلين بالوقف، رأيناهم يستدلون على ما ذهبوا إليه من التوقف: بأنه لو ثبتت دلالة الأمر على الوجوب أو غيره: لثبتت بدليل، وليس هناك من دليل؛ ذلك أن الدليل إما أن يكون عن طريق العقل أو عن طريق النقل.
أما العقل: فلا مدخل له في مثل هذه الأمور.
وأما النقل: فإما نقل آحادٍ: فلا يفيد العلم، وإما نقل بالتواتر الذي يوجب استواء طبقات الباحثين فيه، فلو وقع هذا التواتر في النقل، لامتنع الاختلاف في مدلول الأمر حقيقة، ولكن الاختلاف واقع، ومعنى ذلك أن النقل لم يحصل بالتواتر. فإذا كان العرب قد أطلقوا الصيغة للندب مرة، وللوجوب أخرى مثلًا، ولم يوقفونا على أنها موضوعة لواحد دون الآخر: وجب التوقف (١).
стр. 800
هذا ما يحتج به الواقفية، سواء منهم من يتوقف في تعيين المعنى المراد من الأمر، ومن يتوقف في تعيين الموضوع له الأمر حقيقة.
ولكن الجمهور لم تعوزهم الإجابة على هذا الاستدلال، فمن غير المسلم به أنه ليس إلا دليل النقل الذي يريدون وهو غير متوافر، بل هنالك الأدلة الاستقرائية الكثيرة - وقد رأينا قسمًا منها - التي كانت ثمرة جهود العلماء في تتبع مظان استعمال الألفاظ ودلالتها على معانيها، وفي تلك الأدلة من نصوص الكتاب والسنة: ما يجعل القول بالتوقف غير ذي موضوع (١).
على أن القائلين بالتوقف لا يعدو مذهبم - في نظرنا - الحدود النظرية للنقاش المنطقي، وهم لا يعدمون حين يتضح الخلاق الأمر على الوجوب، أن يجدوا قرينة يدَّعون أنها هي التي رجحت معنًى على آخر.
ولو رأينا توقفًا في نصوص الأحكام بعد بيان السنة واتضاح معالم الطريق: لقلنا مع ابن حزم: إن في هذا الاتجاه تجميدًا للنصوص وتعطيلًا للأحكام.
رأينا في دلالة الأمر:
والآن، وبعد تطواف مجرد مع أدلة العلماء في دلالة الأمر، نرى أن نلقي عصا التسيار لنختار مذهب الجمهور، في أن الأمر يدل بحقيقته على
стр. 801
الوجوب، ونرى أن يكون ذلك قاعدة لفهم مدلولات الطلب في نصوص الكتاب والسنة عند التفسير.
وما أحسب هذا الاتجاه بحاجة إلى مزيد من التأييد، فالقرآن - وهو كلي الشريعة - الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، والرسول الذي أنزل عليه القرآن: أرسله الله من ذؤابة العرب بلسان قومه، ليبين للناس ما نزل إليهم.
والأمر في هذا اللسان الذي هو لغة الكتاب والسنة: يقيد الطلب الجازم على وجه الحقيقة، واللفظ عند إطلاقه يدل على معناه الحقيقي الذي وضع له، ولا يصرف عنه إلا لقرينة.
ثم إن الأوامر في كلام الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، اقترن أكثرها بالوعيد على المخالفة بالعقاب العاجل، أو الآجل، أو كليهما معًا، الأمر الذي جعل العرف الإسلامي يقضي بأن الامتثال طاعة تجلب الخير والثواب وأن المخالفة معصية توقع في المهلكة والعذاب.
ولقد كان من ثمرات ذلك: أن أصبح شعار المسلم، هو امتثاله لما يومر به خروجًا من العهدة، وأداء لحق الله وحق رسوله.
كما أصبح ذلك هو النبراس الواضح والطريق المتبع لأولئك القوم من أصحاب رسول الله صلوات الله عليه الذين تربوا في مدرسة النبوة مؤهلين - مع الإيمان - بسليقة عربية يدركون معها مدلولات الخطاب في أوامر الله وأوامر رسوله.
ولقد رأينا من قبل كيف أن ابن عباس ﵄، احتج على طاوس في شأن الركعتين بعد العصر اللتين هما خلاف السنة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (١).
وروي عن ابن مسعود: (أنه جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب،
стр. 802
فسمعه يقول: "اجلسوا"، فجلس بباب المسجد، فرآه النبي ﷺ فقال له: "تعال يا عبد الله بن مسعود") (١). و (سمع عبد الله بن أبي رواحة - وهو بالطريق - رسول الله وهو يقول: "اجلسوا"، فجلس في الطريق، فمر به رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنك؟ " فقال: سمعتك تقول: "اجلسوا"، فجلست، فقال له النبي ﷺ : "زادك الله طاعة") (٢).
أما توقف أبي سعيد بن المعلى - كما رأينا من قبل - أو أُبيّ بن كعب عن الاستجابة لنداء رسول الله صلوات الله عليه: فلم يكن لأنه لا يفهم الأمر للوجوب، وإنما كان لأنه لم يكن يتصور أن الإجابة مطلوبة في كل الأحوال، حتى لو كان من يناديه رسول الله ﷺ واقفًا في الصلاة (٣).
الأمر مع القرينة:
وإذا كنا تقرر اختيار أن الأمر للوجوب، فإنما ذلك عند تجرد الأمر عن القرائن الصارفة إلى معنًى آخر. فأما إن احتفت بالأمر قرينة تبين المراد من الطلب: خرجت المسألة عن موضوع الاختلاف، وحُمل الأمر على ما دلت عليه هذه القرينة.
فقد يرد الأمر في نص، وتدل القرينة على أن هذا الأمر للندب، ويرد، وتدل القرينة على أنه للإباحة أو الإرشاد، وقد نرى أمرًا في نص ثالث تدل القرينة على أنه للتهديد. . . وهكذا نستطيع أن نقرر أن الاستعمالات المجازية التي أوردناها في صدر هذا المبحث، والتي لها من اللغة وكلام العرب الأصيل: شواهد، هي معان مجازية يتحول الوجوب إليها بما يصحب الأمر من قرائن.
وفي نصوص الكتاب والسنة الكثير من الأوامر، التي دلت على غير
стр. 803
الوجوب. وما كان ذلك إلا لقرائن صحبتها فحولت مدلول الأمر من الوجوب إلى غيره.
وفي أمثلتنا على المعاني التي يستعمل فيها الأمر، كثير من هذا.
ذلك قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠]. حيث حمل العلماء الأمر في الآية على الإباحة والإذن؛ وذلك لأن الأكل والشرب من الأمور التي تستدعيها طبيعة الحياة، ولا يستغني عنها الإنسان في نمو جسمه والحفاظ عليه.
فكان ذلك قرينة على أن الأمر بالأكل والشرب في الآية: ليس للوجوب، وإنما هو للإباحة والإذن. على أن هذا لا ينفي وجوب الأكل أو الشرب عندما يكون في ترك واحد منهما قتل للإنسان؛ إذ حرام عليه أن يمتنع حتى يقتل نفسه.
ومنه قول الرسول صلوات الله عليه لعبد الرحمن بن عوف في شأن وليمة الزفاف: "أولم بشاة" (١) فالأمر عند الجمهور محمول على الندب، بقرينة أن مثل هذه الأمور إنما يتعلق بأحوال الناس الخاصة وأعرافهم وعاداتهم، وقد يكون في الوجوب حرج يباعد عنه الدين.
ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإن الجمهور: - كما سبق - ذهبوا إلى أن الأمر بالكتابة في هذا النص ليس للوجوب، وإنما هو للإرشاد إلى ما يضع التعامل بين الناس في إطار من الحيطة يحفظ الحقوق لأصحابها، والقرينة التي صرفت
стр. 804
الأمر بكتابة الدين عن الوجوب إلى الإرشاد، هو قول الله جلّ وعلا بعد هذه الآية: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
إذ دل هذا النص على أن الدائن إذا وثق بمدينه، فله أن لا يكتب الدين عليه. ومعنى ذلك أنه إذا لم يكتب في هذه الحالة لا يكون مخالفًا لأمر الله (١).
ومن ذلك أيضًا ما رويَ من قول الرسول صلوات الله عليه لعمر بن أبي سلمة - وهو غلام صغير -: "سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" (٢) حيث قرر العلماء أن الأمر فيه ليس للوجوب وإنما هو محمول على التأديب والتهذيب، وتعويد الطفل محاسن الأخلاق والعادات.
وقرينة صرف الأمر عن الوجوب إلى ما ذكرنا، هي كون المأمور هنا، ليس أهلًا للتكليف حتى يكلف ويلتزم.
موقفنا من مسالك العلماء في دلالة الأمر:
لقد كان للخلاف بين العلماء في دلالة الأمر: أثره الواضح في الأحكام التي استنبطوها من نصوص الكتاب والسنة، وإذا كان الجمهور على أن مدلول الأمر هو الوجوب، ولا يصرف عنه إلا بقرينة، فكثيرًا ما اختلفت أنظارهم في وجود القرينة، أو عدم وجودها، وفي تقويم هذه القرينة إن وجدت، ومقدار صلاحها لصرف الأمر عن ظاهره - وهو الوجوب - إلى معنى آخر؛ فقد تصلح للصرف عند أناس، ولا تصلح عند آخرين.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن الخلاف لم يكن بينهم وبين القائلين بأن مدلول الأمر هو الندب أو غيره من المعاني الأخرى، بقدر ما كان بينهم وبين الظاهرية، ذلك أن القائلين بأن الأمر للندب أو غيره مثلًا: يتفقون أحيانًا صنع الجمهور في النتيجة وإن اختلفت الطريق.
стр. 805
فالجمهور يقولون: الأصل هو الوجوب، والندب مثلًا جاء من القرينة، وأولئك يقولون: الأصل هو الندب. ويظهر ذلك في كثير من أبواب الفقه لمن أراد الاستقصاء (١).
أما الظاهرية: فالأصل عندهم هو الأخذ بالظاهر على الشكل الذي يرون. والظاهر في دلالة الأمر هو الوجوب، ولقد رأينا في مبحث التأويل أن ابن حزم يرى في العدول عن الوجوب - الذي هو الظاهر - إلى غيره، انحرافًا عن الطريق الصحيح، وتقولًا على الله ورسوله، وخروجًا على مدلولات الخطاب في لغة القرآن (٢).
وعند استدلالنا فيما سبق على الأمر للوجوب، رأينا القسمة عند ابن حزم ثلاثية: فإما أمر: فهو يقتضي الوجوب، وإما تخيير: فهو يقتضي الندب، وإما ترك: فهو المعصية والضلال.
فابن حزم لا يرى صارفًا عن الوجوب إلى غيره يسمى القرينة، وإنما يرى نديًا يقوم على التصريح بالتخيير، والعدول عن ذلك معصية أخبر الله أن من فعلها فقد ضل ضلالًا مبينًا.
وهكذا تأثرت الأحكام في الفروع، باختلاف العلماء فيما بنيت عليه من قواعد وأصول؛ فمن وقوف عند الظاهر يحكم بأن كل أمر فهو للوجوب دون التفات إلى القرائن، إلى تفاوت الأنظار في الوجوب أو الندب أو الإباحية. . . أو الاشتراك أو غير ذلك، إلى تعدد الآراء عند القائلين بالوجوب أنفسِهم في وجود القرينة أو عدم وجودها، وإن وجدت: ففي مقدار صلاحيتها لصرف الأمر عن الوجوب.
وعلى أية حال: فإذا كنا نرى أن الأمر في حقيقته للوجوب، فلسنا مع ابن حزم في عدم الالتفات مطلقًا لأي قرينة؛ لأن الاستعمالات المجازية عن طريق القرائن واقعة في اللغة التي يتهم ابن حزم الجمهور بالخروج عنها، وهذا واضح في فهم السلف ﵏ أتم الوضوح.
стр. 806
من ثمرات الاختلاف في التطبيق
مرّ بنا من خلال عرضنا لبعض مباحث الأمر عدد من الأمثلة التي وضح فيها اختلاف العلماء في بعض الأحكام، نتيجة الاختلاف في مدلول الأمر في نصٍ من كتاب أو سنة.
وذلك كالذي رأينا في أحكام كتب الدين، والإشهاد عليه، وكون الإشهاد على شكل معيَّن. تلك الأحكام الواردة في آية المداينة من سورة البقرة، حيث تعددت مذاهب العلماء في مدلول الأمر فكانت وجوبًا أو غيره.
وكالذي سلَف في حكم مكاتبة الرقيق أخذًا من الأمر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٢٣] حيث تعددت الأقوال في حكم هذه المكاتبة من وجوب وغيره.
وكالذي رأينا أيضًا من حكم الوليمة في الزفاف أخذًا من قوله ﵊ لعبد الرحمن بن عوف: "أولِم ولو بشاة" حيث رأي الظاهرية، وقول أو وجه عند الشافعية: وجوب الوليمة، ورأي غيرهم استحبابها؛ لأن الأمر في الحديث محصول على الندب في نظرهم. وأمثال ذلك كثير وكثير، يراه المتتبع لكتب الأحكام.
ونقدم الآن يسيرًا من الأمثلة الأخرى، لعل فيها شيئًا من البيان لبعض ثمرات الاختلاف في مدلول الأمر عند التطبيق، وأنا إذ نكتفي باليسير، نأمل أن يشفع لهذا الاكتفاء: كون اليسير دليلًا على ما وراءه من الكثير.
أ - من ذلك ما يرى الباحث في أحكام الحوالة، مما يدور حول مدلول الأمر في قوله ﵊ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "مطل الغني ظلم، فإذا أُتبع أحدكم على مليء فليُتبَع" (١).
стр. 807
فقوله ﷺ : "فليتبع"، وهو أمر، مأخوذ من قولنا: أتبعت فلانًا: إذا جعلته تابعًا للغير. والمراد هاهنا تبعيته في طلب الحق بالحوالة، قال الحافظ ابن حجر: و "معنى قوله أتبع فليتبع، أي أحيل فليحتل" (١). فإذا أحال المدين دائنه على شخص ثالث مليء ليستوفي منه دينه، فهل يجب على هذا المدين قبول الحوالة على المليء أم لا يجب؟ لقد اختلفت في مدلول هذا الأمر أنظار العلماء:
١ - فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: إلى أن الأمر في الحديث مصروف من الوجوب.
أ - وإذا كان كذلك فقد اعتبره البعض كالخطابي: للإذن والإباحة. جاء في "معالم السنن": (وقوله: "فليتبع" معناه: فليحتل، وهذا ليس على الوجوب وإنما هو على الإذن له والإباحة فيه، إن اختار ذلك وشاء) وإليه جنح ابن الهمام في "فتح القدير" واعتبره هو الحق الظاهر (٢).
ب - والجمهور على أن الأمر في الحديث للندب، كما قرر ابن دقيق العيد؛ فللمدين اختيار الاحتيال وله عدمه. وممن ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، الذي اعتبر أن القول بالإباحة: قول شاذ (٣).
стр. 808
وعلى أية حال: فقد صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب عند الجمهور؛ لما في هذا الأمر من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده والتخفيف عنه، وذلك بتحويل الحق عنه وترك تكليفه التحصيل بالطلب والإحسانُ مستحب (١).
٢ - وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير الطبري وأهل الظاهر على ظاهره من الوجوب، ولم يروا ما يدعو إلى صرفه عنه، فإذا أحيل الدائن على مليء فواجب أن يحول ماله عليه (٢) ونقل الخطابي عن داود الظاهري أنه يُكره على ذلك إن أباه (٣).
وهكذا كان لاختلاف العلماء في مدلول الأمر في هذا النص من نصوص السنة: أثره في الحكم المترتب عليه.
٢ - ومنه ما جاء في حكم الإسراع بالجنازة: فقد جاء عن رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة: فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك: فشر تضعونه عن رقابكم" (٤).
فقد جرى اختلاف العلماء في مدلول الأمر من قوله ﷺ : "أسرعوا".
أ - فالجمهور على أن هذا الأمر للاستحباب، قال ابن قدامة المقدسي:
стр. 809
(لا خلاف بين الأئمة ﵏ في استحباب الإسراع بالجنازة) (١) وقد صرح أبو إسحاق الشيرازي بذلك في "المهذب" حين قال: (ويستحب الإسراع بالجنازة) مستشهدًا لما ذهب إليه بالحديث الآنف الذكر والذي ورد فيه الأمر بالإسراع بالجنازة (٢).
ب - وذهب ابن حزم إلى أن الإسراع واجب حملًا للأمر على ظاهره في قوله ﵊: "أسرعوا" (٣).
هذا: والمراد بالإسراع عند الجمهور: ما فوق سجية المشي المعتاد، وذلك بحيث لا ينتهي الإسراع، إلى شدة يُخاف معها حدوث مفسدة بالميت (٤)، قال الحافظ في "الفتح": (والحاصل أنه يستحب الإسراع، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة، أو عدم إدخال المشقة على المسلم) (٥).
ومما يؤيد ذلك ما جاء في الحديث أنه "مُرَّ على رسول الله ﷺ بجنازة تمخض مخض الزّق، فقال رسول الله ﷺ : "عليكم القصدَ في جنائزكم" (٦).
стр. 810
وهكذا وجد الجمهور القرينة التي صرفت الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، بينما حمله ابن حزم على الوجوب ليس إلا. واعتبر ما ذهب إليه شذوذًا عند الكثيرين (١).
٣ - جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولين إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (٢).
ولقد كان البحثُ حول تحديد مدلول الأمر في قوله ﷺ : "فاصنع ما شئت" مجالًا لتعدد الأقوال فيما هو المراد من هذا الأمر في نص من نصوص السنة، يعطي للحياء عظيم الأهمية والاعتبار.
وكانت أهم هذه الأقوال ثلاثة:
أحدها: أن الأمر في النص: معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر. فكأنه يقول: إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت أي ما تدعوك إليه نفسك قال الخطابي: (وإلى نحو من هذا ذهب أبو عبد القاسم بن سلام رحمة الله عليه) (٣).
الثاني: أن الأمر هنا للوعيد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وإليه ذهب أبو العباس أحمد بن فارس.
الثالث: ما ذهب إليه أبو إسحاق المروزي أن قوله ﵇: "فاصنع ما شئت" معناه أن ينظر فإذا كان الشيء الذي يريد أن يفعله مما لا يستحي منه فليفعله، قال الخطابي: (يريد أن ما يستحي منه فلا يفعله) (٤).
وهكذا تبدو الأقوال الثلاثة نتيجة الاجتهاد العلماء في البحث عما يمكن أن يصرف الأمر عن مدلول إلى آخر.