← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

من ثمرات الاختلاف في التطبيق مرّ بنا من خلال عرضنا لبعض مباحث الأمر عدد من الأمثلة التي وضح فيها اختلاف العلماء في بعض الأحكام، نتيجة الاختلاف في مدلول الأمر في نصٍ من كتاب أو سنة. وذلك كالذي رأينا في أحكام كتب الدين، والإشهاد عليه، وكون الإشهاد على شكل معيَّن. تلك الأحكام الواردة في آية المداينة من سورة البقرة، حيث تعددت مذاهب العلماء في مدلول الأمر فكانت وجوبًا أو غيره. وكالذي سلَف في حكم مكاتبة الرقيق أخذًا من الأمر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٢٣] حيث تعددت الأقوال في حكم هذه المكاتبة من وجوب وغيره. وكالذي رأينا أيضًا من حكم الوليمة في الزفاف أخذًا من قوله ﵊ لعبد الرحمن بن عوف: "أولِم ولو بشاة" حيث رأي الظاهرية، وقول أو وجه عند الشافعية: وجوب الوليمة، ورأي غيرهم استحبابها؛ لأن الأمر في الحديث محصول على الندب في نظرهم. وأمثال ذلك كثير وكثير، يراه المتتبع لكتب الأحكام. ونقدم الآن يسيرًا من الأمثلة الأخرى، لعل فيها شيئًا من البيان لبعض ثمرات الاختلاف في مدلول الأمر عند التطبيق، وأنا إذ نكتفي باليسير، نأمل أن يشفع لهذا الاكتفاء: كون اليسير دليلًا على ما وراءه من الكثير. أ - من ذلك ما يرى الباحث في أحكام الحوالة، مما يدور حول مدلول الأمر في قوله ﵊ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "مطل الغني ظلم، فإذا أُتبع أحدكم على مليء فليُتبَع" (١).

стр. 807

فقوله ﷺ : "فليتبع"، وهو أمر، مأخوذ من قولنا: أتبعت فلانًا: إذا جعلته تابعًا للغير. والمراد هاهنا تبعيته في طلب الحق بالحوالة، قال الحافظ ابن حجر: و "معنى قوله أتبع فليتبع، أي أحيل فليحتل" (١). فإذا أحال المدين دائنه على شخص ثالث مليء ليستوفي منه دينه، فهل يجب على هذا المدين قبول الحوالة على المليء أم لا يجب؟ لقد اختلفت في مدلول هذا الأمر أنظار العلماء: ١ - فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: إلى أن الأمر في الحديث مصروف من الوجوب. أ - وإذا كان كذلك فقد اعتبره البعض كالخطابي: للإذن والإباحة. جاء في "معالم السنن": (وقوله: "فليتبع" معناه: فليحتل، وهذا ليس على الوجوب وإنما هو على الإذن له والإباحة فيه، إن اختار ذلك وشاء) وإليه جنح ابن الهمام في "فتح القدير" واعتبره هو الحق الظاهر (٢). ب - والجمهور على أن الأمر في الحديث للندب، كما قرر ابن دقيق العيد؛ فللمدين اختيار الاحتيال وله عدمه. وممن ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، الذي اعتبر أن القول بالإباحة: قول شاذ (٣).

стр. 808

وعلى أية حال: فقد صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب عند الجمهور؛ لما في هذا الأمر من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده والتخفيف عنه، وذلك بتحويل الحق عنه وترك تكليفه التحصيل بالطلب والإحسانُ مستحب (١). ٢ - وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير الطبري وأهل الظاهر على ظاهره من الوجوب، ولم يروا ما يدعو إلى صرفه عنه، فإذا أحيل الدائن على مليء فواجب أن يحول ماله عليه (٢) ونقل الخطابي عن داود الظاهري أنه يُكره على ذلك إن أباه (٣). وهكذا كان لاختلاف العلماء في مدلول الأمر في هذا النص من نصوص السنة: أثره في الحكم المترتب عليه. ٢ - ومنه ما جاء في حكم الإسراع بالجنازة: فقد جاء عن رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة: فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك: فشر تضعونه عن رقابكم" (٤). فقد جرى اختلاف العلماء في مدلول الأمر من قوله ﷺ : "أسرعوا". أ - فالجمهور على أن هذا الأمر للاستحباب، قال ابن قدامة المقدسي:

стр. 809

(لا خلاف بين الأئمة ﵏ في استحباب الإسراع بالجنازة) (١) وقد صرح أبو إسحاق الشيرازي بذلك في "المهذب" حين قال: (ويستحب الإسراع بالجنازة) مستشهدًا لما ذهب إليه بالحديث الآنف الذكر والذي ورد فيه الأمر بالإسراع بالجنازة (٢). ب - وذهب ابن حزم إلى أن الإسراع واجب حملًا للأمر على ظاهره في قوله ﵊: "أسرعوا" (٣). هذا: والمراد بالإسراع عند الجمهور: ما فوق سجية المشي المعتاد، وذلك بحيث لا ينتهي الإسراع، إلى شدة يُخاف معها حدوث مفسدة بالميت (٤)، قال الحافظ في "الفتح": (والحاصل أنه يستحب الإسراع، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة، أو عدم إدخال المشقة على المسلم) (٥). ومما يؤيد ذلك ما جاء في الحديث أنه "مُرَّ على رسول الله ﷺ بجنازة تمخض مخض الزّق، فقال رسول الله ﷺ : "عليكم القصدَ في جنائزكم" (٦).

стр. 810

وهكذا وجد الجمهور القرينة التي صرفت الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، بينما حمله ابن حزم على الوجوب ليس إلا. واعتبر ما ذهب إليه شذوذًا عند الكثيرين (١). ٣ - جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولين إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (٢). ولقد كان البحثُ حول تحديد مدلول الأمر في قوله ﷺ : "فاصنع ما شئت" مجالًا لتعدد الأقوال فيما هو المراد من هذا الأمر في نص من نصوص السنة، يعطي للحياء عظيم الأهمية والاعتبار. وكانت أهم هذه الأقوال ثلاثة: أحدها: أن الأمر في النص: معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر. فكأنه يقول: إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت أي ما تدعوك إليه نفسك قال الخطابي: (وإلى نحو من هذا ذهب أبو عبد القاسم بن سلام رحمة الله عليه) (٣). الثاني: أن الأمر هنا للوعيد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وإليه ذهب أبو العباس أحمد بن فارس. الثالث: ما ذهب إليه أبو إسحاق المروزي أن قوله ﵇: "فاصنع ما شئت" معناه أن ينظر فإذا كان الشيء الذي يريد أن يفعله مما لا يستحي منه فليفعله، قال الخطابي: (يريد أن ما يستحي منه فلا يفعله) (٤). وهكذا تبدو الأقوال الثلاثة نتيجة الاجتهاد العلماء في البحث عما يمكن أن يصرف الأمر عن مدلول إلى آخر.

стр. 811

هذا وقد رتب أبو سليمان الخطابي الأقوال الثلاثة على الشكل الذي أوردناه. والذي نختاره هو القول الأول؛ لما يلاحظ من أن الرسول ﵊ جعل ما يفعله الإنسان من القبيح: إنما يكون نتيجة لفقدان الحياء. ولقد جئنا بهذا القدر من الأمثلة نموذجًا لما تزخر به بطون الكتب في هذه الشريعة؛ فأكثر الأحكام - كما ذكرنا غير مرة - قائم على الطلب في أمره ونهيه، ولقد أدى علماؤنا الأمانة حين لم يألوا جهدًا في بذل المستطاع عند تفسير النصوص: ببيان مدلولات الأمر، كاشفين أثر ذلك في الأحكام، تجد ذلك في كتب الأصول والفروع وتفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنة. وقد بلغ من عنايتهم في ذلك: أن عالمًا من علماء الحديث كالبيهقي (١) ﵀ أفرد في "السنن الكبرى" بابًا خاصًّا، للأمر متى يكون الوجوب ومتى يكون للندب والإرشاد ومثل ذلك كثير. * * * المطلب الرابع ما يدل عليه الأمر المطلق في الوحدة والكثرة يرى المتتبع لمباحث العلماء في تفسير النصوص أن مسألة هامة قد عرضت لهم في مدلول الأمر: وذلك من ناحية ما يقتضيه من الوحدة أو الكثرة. ولقد كان ذلك ميدان اختلاف في وجهات النظر، حتى تعددت المذاهب وعُنيَ كل فريق بالاستدلال على ما أراد.

стр. 812

وسنعرض لأهم هذه المذاهب، ثم نأتي بأدلة كل منها، ونرجع ما نراه المختار. وبيان ذلك فيما يلي: ١ - كان في مقدمة هذه المذاهب القول، بأن الأمر لمطلق الطلب من غير إشعار بالوحدة أو الكثرة، فهو لا يقتضي المرة، كما لا يقتضي التكرار، وعلى ذلك: فهو لا يدل على فعل المأمور به مرة واحدة بخصوصها، كما لا يدل على فعله متكررًا، وإنما يدل على ما به يحصل وجود الفعل، والمرة أقل ما يمكن أن يتحقق به هذا الوجود للفعل، فصارت من ضروريات الإتيان بالمأمور به. فإذا ورد الأمر في الكتاب أو السنة؛ فإن المكلف يخرج من عهدة الامتثال، بأن يأتي بما يحقق وجود ما أمر به، وأقل ما يمكن أن يحقق ذلك هو المرة، فإذا فعل المأمورَ به مرة: فقد خرج من العهدة واعتبر مؤديًا لما أمر به. وإتيانه بالمرة مطلوب، لا على أن الأمر يدل عليها بذاته، بل على أنها أقل ما به يمكن حصول الفحل المطلوب أداؤه. وبناء على هذا المذهب؛ فإن دلالة الأمر على تكرار المأمور به أحيانًا: لا تستفاد من الأمر، وإنما تستفاد من القرائن التي تحيط به؛ كأن يكون الأمر معلقًا على شرط، أو مقيدًا بوصف يعتبر الشارع كلًا منهما علة أو سببًا للمأمور به؛ وذلك كتقييد الأمر بجلد الزاني بالزنى في قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فإن الأمر يدل في هذا النص على طلب الجلد وإقامة حد الزنى وتكراره كلما وجد الزنى؛ لأن الشارع جعل الزنى علة، أو سببًا لوجوب الجلد فيتكرر بتكرره. وقد ذهب إلى أن الأمر لمطلق الطلب - كما يقول الشوكاني - جماعة من المحققين، واختاره الحنفية وإمام الحرمين، والآمدي، والرازي، وابن الحاجب. وهو ما نراه عند البيضاوي والسبكي الذي قال: (وأراه رأي أكثر أصحابنا).

стр. 813

واختاره أيضًا المعتزلة وأبو الحسين البصري (١). والمتأخرون من أئمة الزيدية، وهو أيضًا مذهب الإباضية، كما نصّ على ذلك السالمي في "طلعة الشمس" (٢). ٢ - وقال قوم: إن الأمر يقتضي المرة الواحدة لفظًا، فإذا ورد الأمر في الكتاب والسنة: فالخروج من العهدة: يكون بالإتيان بمرة واحدة؛ لأن الأمر يدل عليها بذاته. والفرق بين هذا المذهب وسابقه - كما يلاحظ - أن المرة هناك لا يدل عليها الأمر بذاته، وإنما هي أقل ما به يتأدى المأمور به، أما هنا: فالمرة الواحدة بخصوصها: يدل عليها الأمر بذاته. فمدلوله هناك مطلق الطلب، ومدلوله هنا المرة الواحدة. وقد عزا هذا المذهب أبو إسحاق الإسفراييني إلى أكثر الشافعية وقال: (إنه مقتضى كلام الشافعي وإنه الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء، وهو رواية عن أبي الحسين البصري). على أن ابن الحاجب لم يصرح بأصحاب هذا المذهب، وإنما عبر عنهم بالكثير، وقال العضد: (وقال كثير مثل أبي الحسين وغيره: هو للمرة ولا يحتمل التكرار) (٣) وعزاه الشوكاني إلى أبي علي الجبائي وأبي عبد الله البصري وأبي هاشم وإلى جماعة من قدماء الحنفية (٤).

стр. 814

٣ - وقال آخرون: إن الأمر يقتضي التكرار مدة العمر مع الإمكان، إلا إذا قام دليل على خلاف ذلك: وقيدوه بالإمكان، لتخرج أزمنة ضروريات الإنسان وقضاء حاجاته، فالأمر يدل عند هؤلاء على فعل المأمور به متكررًا، فلا يكون الخروج من عهدة الامتثال إلا بذلك. وإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين (١). ٤ - وقيل: إن الأمر يدل على المرة مع احتمال التكرار، وعزاه بعضهم إلى الشافعي (٢). والفرق بين هذا وسابقه: أنه على المذهب الأول: يثبت التكرار من غير قرينة. أما على هذا المذهب: فلا يثبت التكرار إلا بقرينة، فالأمر هناك يوجب التكرار، وهنا يحتمله. ٥ - ومن المذاهب في ذلك: القول بالوقف في كون صيغة الأمر لمطلق الطلب، أو للمرة، أو للتكرار؛ على اختلاف في تفسير هذا الوقف. فقيل: المراد منه لا ندري أوضع المرة، أو للتكرار، أو للمطلق من غير دلالة على مرة أو تكرار، وقيل: المراد أنه لا يدرى مراد المتكلم، للاشتراك اللفظي بين المعاني المذكورة، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، وجماعة، ويراه الإسنوي مذهب إمام الحرمين (٣) - كما سيأتي -. مسلك القائلين بمطلق الطلب: ١ - كان من أهم ما استدل به أصحاب هذا المذهب: أن صيغة الأمر في اللغة بهيئتها ومادتها: إنما تدل على طلب الفعل فقط، فقد أطبق أهل العربية - كما يرى ابن الهمام وغيره (٤) - على أن هيئة الأمر لا دلالة لها إلا

стр. 815

على الطلب في خصوص زمان، أما خصوص المطلوب: من قيام وقعود وغيرهما فإنما هو من المادة، ولا دلالة للمادة على غير مجرد الفعل، فحصل من مجموع الهيئة والمادة في الأمر، أن تمام مدلول الصيغة هو طلب الفعل فقط، والبراءة بالخروج من عهدة الامتثال في الأمر، تحصل بفعل المأمور به مرة واحدة، لأن المرة الواحدة تحقق ما هو المطلوب بإدخاله في الوجود، لأنه لا يوجد بأقل منها. وبهذا يندفع ما يحتج به القائلون بالمرة - كما سيأتي - من أن الامتثال يحصل بالمرة فيكون الأمر لها. وإنما تندفع هذه الحجة وتصبح عديمة الجدوى؛ لأن حصول الامتثال بالمرة لا يستدعي اعتبارها جزءًا من مدلول الأمر، بل هي لازم من لوازم معناه؛ لأن ما حصل كان على تقدير الإطلاق كما عرفنا، لا على التقييد بمرة (١). ٢ - ومما استدلوا به - وهو ما نراه عند ابن الحاجب وغيره -: أن مدلول صيغة الأمر: طلب حقيقة الفعل، والمرة والتكرار خارجان عن حقيقته، فيجب أن تحصل البراءة من عهدة الامتثال به في أيهما وجد، ولا يتقيد بأحدهما دون الآخر. وقد أورد على ذلك: أنه استدلال بمحل النزاع؛ فإن نفاة كون الأمر لمطلق الطلب، منهم من يرى أن صيغة الأمر للحقيقة المقيدة بالمرة، ومنهم من يرى أنها للحقيقة المقيدة بالتكرار. ٣ - كما استدلوا أيضًا بأن المرة والتكرار من صفات الفعل؛ كالقلة والكثرة، لأنك تقول: ضربًا قليلًا أو كثيرًا أو مكررًا، أو غير مكرر، فيقيد الفعل بصفاته المتنوعة، قال القاضي العضد: (ومن المعلوم أن الموصوف بالصفات المتقابلة لا دلالة له على خصوصية شيء منها، وإذا ثبت ذلك: فمعنى "اضرب" طلب ضرب فلا يدل على صفة للضرب من تكرار أو مرة).

стр. 816

ولكن أورد على هذا أيضًا: أنه إنما يقتضي انتقاء دلالة المادة - وهي المصدر - على المرة والتكرار، والكلام في الصيغة هل هي تدل على شيء منهما أم تدل على مطلق الطلب؟ وعلى ذلك فلم لا يجوز أن تدل الصيغة على المرة والتكرار، وهو المتنازع فيه، واحتمال الصيغة لهما لا يمنع ظهور أحدهما، والمدعى إنما هو الدلالة ظاهرًا لا نصًا. على أن الإيرادين في نظرنا: ليسا من الظهور بحيث يصلح واحد منهما للقضاء على ما أورد عليه. فالذي نحن فيه، هو الذي يدل عليه صفة الأمر على وجه الحقيقة من الوحدة والكثرة، وقد دل استعمال اللغة أنها تدل على مطلق الطلب. ولذا نرى القاضي العضد نفسه حين أوردهما على ابن الحاجب، أوردهما على صيغة التضعيف، حيث قال بعد أن عرض الدليلين بوضوح. (وقد يقال: دليلاك يفيدان عدم الدلالة عليهما بالمادة، فلم لا يدل عليهما بالصيغة - وهو المتنازع فيه - واحتمالهما لا يمنع ظهور أحدهما) (١). ٤ - ويرى الرازي أن الأمر قد ورد في نصوص الكتاب والسنة للتكرار، كما ورد للمرة، ويرد مثل ذلك في حق العباد، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل. فلا بد من جعله للقدر المشترك بين التكرار والمرة، وهو ما به يتحقق وجود المأمور به، وبناء على ذلك لا يدل على التكرار ولا على المرة الواحدة. جاء في "المحصول": (أن صيغة الفعل لطلب إدخال ماهية المصدر في الوجود، فوجب أن لا تدل على التكرار). بيان الأولى: أن المسلمين أجمعوا على أن أوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما في قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ومنها ما جاء على غير التكرار كما في الحج. وفي حق العباد أيضًا قد لا يفيد التكرار؛ فإن السيد إذا أمر عبده بدخول

стр. 817

الدار أو بشراء اللحم: لم يعقل منه التكرار، ولو ذمه السيد على ترك التكرار للامه العقلاء. ولو كرر العبد الدخول: حَسُنَ من السيد أن يلومه ويقول له: إني أمرتك بالدخول وقد دخلت فيكفي ذلك، وما أمرناك بتكرار الدخول. وقد يفيد التكرار، فإنه إذا قال: (احفظ دابتي فحفظها ثم أطلقها يذم) (١). قال ﵀: (إذا ثبت هذا فنقول: الاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين، وما ذلك إلا طلب إدخال ماهية المصدر في الوجود، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يدل على التكرار، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة فيه على ما به تمتاز إحدى الصورتين عن الأخرى، لا بالوضع ولا بالالتزام. والأمر لا دلالة فيه البتة على التكرار ولا على المرة الواحدة، بل على طلب الماهية من حيث هي هي، إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة، فصارت المرة الواحدة من ضروريات المأمور به، فلا جرم دل على المرة الواحدة من هذا الوجه) (٢). الاختلاف في مذهب إمام الحرمين ورأينا في الموضوع: هذا: وقد ذكر الآمدي عن إمام المحرمين الجويني أنه من القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي المرة ولا التكرار، ولكن يقتضي ما به يتحقق وجود الفعل، وقال ابن الحاجب: (صيغة الأمر بمجردها لا تدل على تكرار ولا على مرة وهو مختار الإمام) وجاء شارحه القاضي العضد ليقول: (صيغة الأمر بمجردها لا تدل على فعل المأمور به متكررًا ولا على فعله مرة واحدة

стр. 818

وهو مختار إمام الحرمين) (١) والشوكاني، من المحدثين، نص على ذلك أيضًا في كتابه "إرشاد الفصول" غير أن الإسنوي في "شرحه لمنهاج البيضاوي" ينكر أن يكون إمام الحرمين من أهل هذا المذهب، وإنما هو من أهل التوقف، قال في "نهاية السول": (واختار إمام الحرمين التوقف، ونقل عنه ابن الحاجب المذهب الأول تبعًا للآمدي) ثم قال الإسنوي: (وليس كذلك فافهمه) (٢). وأنت ترى أن الإسنوي لم يرتض ما ذهب إليه الآمدي ومن تابعه، دون أن يأتينا بما يثبت مدعاه، فقد اقتصر على نفي ما رأه الآمدي وابن الحاجب في مذهب إمام الحرمين، وقرر أن مذهبه التوقف وحضر القارئ على أن يفهم ذلك: ونحن الآن أمام نقلين: أحدهما للآمدي وتابعه فيه ابن الحاجب والآخر للإسنوي. والحق في نظرنا هو ما ذهب إليه الآمدي: ذلك لأنا لو صرفنا النظر عن قرب صاحب "الإحكام" من الجويني زمنًا، وأنه قد يكون عرف من مذهبه وآرائه في تفسير النصوص ما لم يعرفه المتأخرون، ثم احتكمنا إلى كلام إمام الحرمين في "البرهان" - الذي هو بالنسبة إلينا مصدر كلامه حتى الآن - فستجد نص "البرهان" صريحًا في أن الأمر عند الجويني يقتضي ما به يتحقق وجود الفعل - وهو المرة - ولكنه يتوقف فيما وراء ذلك حتى يرد البيان. قال ﵀: (الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال، والمرة الواحدة لا بد منها، وأنا على الوقف في الزيادة، فلست أنفيها ولست أثبتها، والقول في ذلك يتوقف على القرينة).

стр. 819

والدليل القاطع فيه: أن صيغة الأمر وجملة صيغ الألفاظ عن المصدر، والمصدر لا يقتضي استغراقًا، ولا يختص بالمرة الواحدة، والأمر استدعاء المصدر، فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة، والمتوقف فيما سواها، فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح له لو وصف به. . . وذلك يستدعي إبانة بقرينة) (١). وهكذا نرى هذا الكلام واضحًا في ثبوت ما ادعاء الآمدي عن إمام الحرمين في أن الأمر لمطلق الطلب، وأن المرة ضرورية للملك، أما توقفه فيما زاد على تلك المرة: فموضوع آخر. ولعل نقطة التوقف فيما وراء المرة التي هي ضرورية للامتثال، هي التي جلبته الالتباس للإسنوي، خصوصًا وأن إمام المحرمين معروف عنه الوقف في عدد من المواطن. الخلاف حول احتمال التكرار في المذاهب: عرفنا أن أصحاب هذا المذهب هم الحنفية وكثير من محققي المتكلمين كإمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب والرازي وغيرهم، والعلماء حين يتحدثون عن هذا المذهب والقاتلين به يتحدثون دون وضع فوارق ضمن المذهب بين الحنفية وغيرهم، غير أن هنالك أمرًا يدعونا للتساؤل، وهو احتمال التكرار الذي صرح به بعض المتكلمين كالآمدي، حين قرر أن الأمر لمطلق الطلب والمرة ضرورية لتحقق وجود المأمور به، ولكنه يحتمل التكرار، فإذا توافرت القرينة انصرف إليه (٢). واستدل الآمدي على ذلك بأنه إذا قال إنسان لآخر: (صلّ أو صم) فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم وهو مصدر (افعل) والمصدر محتمل للاستغراق والعدد، ولهذا يصح تفسيره به فإنه لو قال لزوجته: (أنت طالق

стр. 820

ثلاثًا) وقع به ما كان تفسيرًا للمصدر وهو الطلاق، ولو اقتصر على قوله: (أنت طالق) لم يقع سوى طلقة واحدة مع احتمال اللفظ الثلاث (١). هذا هو المذهب كما يراه الآمدي، ولكن ذلك لم يمنع علماء الأصول من الحنفية، من عد الآمدي وغيره، مع الحنفية القائلين بأن موجب الأمر مطلق الطلب، والمرة ضرورية للامتثال كما فعل صاحب "مسلم الثبوت" وغيره كصاحب "تيسير التحرير" وصاحب "التقرير والتحبير" (٢). مع تصريح السرخسي والبزدوي وغيرهما من قبلُ: أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا يحتمله. فهل من فارق بين الاتجاهين بعد التقائهما في أن الأمر لمطلق الطلب؟. لقد اعتبر صاحب "مسلم الثبوت" أن الاتجاه واحد بين الحنفية، وبين من يقول بهذا القول من المتكلمين، حيث قال في حديثه عن مذهب الحنفية: (والأمر لطلب الفعل مطلقًا عندنا فيبرأ بالمرة ويحتمل التكرار) (٣). فكلام صاحب "مسلم الثبوت" - كما ترى - يلتقي تمام الالتقاء مع كلام الآمدي، فكلاهما يقرر ضرورة المرة للامتثال، وكلاهما يقرر احتمال التكرار. غير أن صاحب "سلم الوصول إلى نهاية السول" (٤) في شرحه لكلام الإسنوي، أورد كلام صاحب "مسلم الثبوت"، واعتبر من مجانبة الصواب التسوية بين اتجاهي الحنفية والمتكلمين، وقد قال في ذلك: (فالحنفية يقولون بأن الأمر لطلب الفعل مطلقًا وأنه لا يحتمل التكرار، لأن التكرار

стр. 821

إثبات الفعل مرة بعد أخرى فهو ملزوم العدد، وقد نص صاحب "المسلم" نفسه بعد ذلك أنه لا يحتمل العدد عند الحنفية، وإذا لم يحتمل العدد لم يحتمل التكرار بالطريق الأولى) ثم قرر أن الفرق بين الاتجاهين: بعد اتفاق الفريقين على أن الأمر لطلب الفعل مطلقًا: أنه عند الحنفية لا يحتمل التكرار، وعند الآخرين يحتمل التكرار (١). رأينا في المسألة: ويبدو لي أنه ليس هناك ما يمنع من القول باحتمال التكرار، بعد الاتفاق على أن مدلول الأمر ليس هو المرة، وإنما هو ما يتحقق به وجود المأمور به. وإذ ذاك تكون دلالته على هذا القدر الذي يحصل بالمرة من طريق الحقيقة، ودلالته على ما وراء ذلك من طريق المجاز. فإذا توافرت القرينة: فيها ونعمت، وإلا اقتصر على مدلوله الأول، كما قلنا عند دلالة الأمر على الوجوب. والحنفية لا يجافي قواعدَهم اعتبار أن دلالة الأمر في هذا المقام من باب الظاهر الذي يمكن تأويله بالقرينة. ولعل ذلك هو ما دعا علماء الأصول الحنفية إلى عدم التفرقة بين الحنفية والمتكلمين في هذا المذهب (٢)، وهو أيضًا ما دعا صاحب "مسلَّم الثبوت" لأن يصرح باحتمال التكرار، إذ كون الأمر يدل على العدد مثلًا عند توافر القرينة، كأن يقول لزوجته: (أنت طالق ثلاثًا) ليس معناه القول بأن مدلول الأمر هو المرة، ويحتمل التكرار كما يقول أصحاب هذا المذهب (٣). على أن الجصاص من متقدمي علماء الأصول الحنفية، قد صرح بما

стр. 822

يستأنس به لما نحن فيه فقد قال في كتابه "الأصول": (والذي يدل عليه مذهب أصحابنا: أن الأمر يقتضي الفعل مرة واحدة ويحتمل أكثر منها، إلا أن الأظهر حمله على الأقل حتى تقوم الدلالة على إرادة أكثر منه لأن الزيادة لا تقوم إلا بدلالة) (١). وقد استند في ذلك إلى فروع الأصحاب حيث قال: (والذي يدل على ذلك من مذهب أصحابنا قولهم فيمن قال لامرأته: (طلقي نفسك) أن هذا على واحدة إلا أن يريد ثلاثة فيكون ثلاثًا. . . فهذا يقتضي أن يكون مذهبهم في الأمر إذا لم يتعلق بعدد مذكور في اللفظ أنه يتناول مرة واحدة، ويحتمل أكثر منها، إلا أنه لا يحمل على الأكثر إلا بدلالة) (٢). مسلك القائلين بالمرة: كان من أهم ما استدل به أصحاب هذا المذهب: أن فعل المرة هو عنوان البراءة من عهدة الامتثال. وما دام الامتثال يحصل بالمرة، فمعنى ذلك أن الأمر يدل عليها، فلو قال الرجل لولده مثلًا: ادخل الدار فدخلها عد ممتثلًا عرفًا. وقد رأينا عند استدلالنا للمذهب الأول القائم على أن الأمر لمجرد الطلب: أن أصحاب هذا المذهب لا يعوزهم الرد على هذا الاستدلال؛ فمن المسلم به أن المرة تُخرج من عهدة الأمر، ولكن لا على اعتبارها جزءًا من مدلوله بحيث يدل عليها بذاته، بل على أنها لازم معناه، لأن أهل اللغة متفقون - كما أسلفنا - على أن تمام مدلول صيغة الأمر هو طلب الفعل، والمرة هي أقل ما به يمكن الخروج من عهدة الامتثال؛ فدلالة الأمر عليها حاصلة من هذه الناحية، لا من ناحية كونها مرة واحدة بخصوصها (٣).

стр. 823

ففي المثال المذكور: إنما عُد الولد ممتثلًا لأن المأمور به - وهو الحقيقة - حصل في ضمن المرة، لا لأن الأمر ظاهر في المرة بخصوصها فإنه غير ظاهر فيها، ولا في التكرار، بل في المشترك، ويحصل في ضمنهما، ولولا ذلك لما امتثل بالتكرار. حول وجود مذهب المرة: لقد علمنا من قبل أن القول بالمرة معزو إلى أكثر الشافعية، وأن أبا إسحاق الإسفراييني يرى أنه مقتضى كلام الشافعي، وأنه الصحيح الأشبه بمذاهب العظماء. غير أن بعض العلماء يرى أن القول بأن مقتضى الأمر مرة واحدة بخصوصها: ليس مذهبًا قائمًا بذاته، وأن الذين يعبرون بالمرة إنما يريدون ما يقوله أصحاب المذهب الأول من أن المرة ضرورية لتحقيق وجود الفعل المأمور به، فإذا عبروا بالمرة فهذا مرادهم. فقد نقل عبد القادر بدران في كتابه "نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر" لابن قدامة المقدسي، عن الواسطي أحد شراح "مختصر المنتهى" لابن الحاجب: أنه قال عند ذكره لمذهب أكثر الشافعية: (وإنما تفيد - أي صيغة الأمر - طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة، ثم لا يمكن إدخال الماهية في الموجود بأقل من مرة فوقعت المرة ضرورة) وأضاف إلى ذلك قوله: (وهو رأي أكثر أصحابنا - يعني الشافعية - وإن صرح أحد منهم باقتضاء المرة فهذا مراده) (١). والسبكي بعد أن عرض للقائلين بالمرة قال: (النَّقَلة لهذا عن أصحابنا لا يفرقون بينه وبين الرأي المختار، وليس غرضهم إلا نفي التكرار، والخروج من العهدة بالمرة) واستدل السبكي على ذلك بقوله: (ولذا لم يحك أحد منهم المذهب المختار مع حكاية هذا، فهو عندهم هو) (٢).

стр. 824

وعلى أية حال: سواء أكان هذا القول مذهبًا قائمًا بذاته، أم كان قولًا يراد به غيره؛ فإن الاستدلال لادعاء أن مقتضى الأمر مرةٌ واحدة بخصوصها على غاية من الضعف - كما رأينا - فهو لا يقوى على الصمود أمام المذهب الذي اختاره الأكثرون. مسلك القائلين بالتكرار: لقد كان أهم ما احتج به أصحاب مذهب التكرار: ما ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا"، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء، فدعوه") (١). وطريق الاحتجاج بهذا الحديث عند أصحاب هذا المذهب: أنه لو لم تكن صيغة الأمر في قوله ﵊: "حُجوا" ترجب التكرار لما

стр. 825

أشكل ذلك على السائل وهو الأقرع بن حابس، مع أنه من أهل اللسان. قالوا: ولا يرد على ذلك أن الأقرع بن حابس، لو فهم لما سأل لأنا نقول: علم أن في حمل الأمر على موجبه من التكرار حرجًا عظيمًا، والحرج منفي في الدين يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ومن هنا جاءه الإشكال فسأل. هذا من جهة: ومن جهة أخرى فإن الرسول ﷺ ، لمَّا لم ينكر عليه سؤاله عما ليس من محتملات اللفظ، وإنما اشتغل ببيان معنى دفع الحرج في الاكتفاء بمرة واحدة، عرفنا أن موجب هذه الصيغة (١) التكرار. وهكذا: ففي استشكال الأقرع بن حابس - وهو من أهل اللسان - والنصوص عربية، وعدم إنكار النبي ﷺ ، وبيانه أن في التكرار حرجًا، ودفع الحرج يكون بالمرة والواحدة في العمر، دليل على أن صيغة الأمر توجب التكرار، فيكون معنى قوله ﵊: "لو قلت: نعم لوجبت" لو قلت: نعم، لتقرر الوجوب كل عام، وهو المستفاد من الأمر. ويرى البزدوي في تصويره لهذا الاستدلال أنه لو لم يحتمل اللفظ، لما أشكل عليه، أي أن اللفظ عند الأقرع احتمل المرة والتكرار ولولا الاحتمال، لما أشكل عليه، والتكرار من المرة يجري مجرى العموم من الخصوص؛ فيجب القول بالعموم حتى يقوم دليل الخصوص (٢). وقد أجيب عن هذه الحجة بأن الأقرع ﵁ لم يكن سؤاله لأنه فهم التكرار، وإنما كان سؤاله لما أشكل عليه من سبب الحج أهو الوقت وهو متكرر؟ فيتكرر الحج بتكرره قياسًا على سائر العبادات من الصلاة والصوم والزكاة حيث تكررت بتكرر الأوقات، أم هو البيت الحرام وهو ليس بمتكرر فلا يتكرر الحج (٣)؟

стр. 826

أما شمس الأئمة السرخسي، فقد رد عليهم بما احتجوا به حين قرر أن الحديث نفسه ناطق بنفي التكرار. ففي قوله ﵇: "لو قلت في كل عام لوجبت": دليل على أن الوجوب كل عام كان منوطًا بأن يقول: نعم، لا بمطلق الأمر (١). ويرى الإمام النووي (٢): أن قوله ﵊: "ذروني ما تركتكم" ظاهر في أن الأمر لا يقتضي التكرار (٣). كما يرى بعض العلماء: أن احتمال التكرار قد يكون جاء للأقرع من جهة الاشتقاق إلا من جهة الأمر، لأن الحج في اللغة قصدٌ فيه تكرر. قال الأزهري: (الحج من قولك: حججته إذا أتيته مرة بعد أخرى) وقال الخليل: (الحج كثرة القصد إلى معظّم). ولقد نقل النووي عن الماوردي أنه قال: (ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده - يعني الأقرع - من وجه آخر، لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرر، فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا من مطلق الأمر) (٤). هذا: وللقائلين بالتكرار شبه أوردها العلماء وردّوا عليها، وقد حصرها الإمام الغزالي بثلاث، وأوصلها الآمدي إلى إحدى عشرة، وقد وصلت عنده إلى هذا العدد من تفصيلٍ لبعض ما أجمله الغزالي حينًا، وزيادة على ما أتى به حينًا آخر، أما ابن الحاجب: فقد أورد شيئًا من كلامهم وردَّ عليه دون أن يسميه شبهًا.

стр. 827

الشبهة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يعم كل مشرك فقوله: "صم وصل" ينبغي أن يعم جميع الأزمان لأن إضافته إلى جميع الأزمان واحد كإضافة لفظ المشرك إلى جميع الأشخاص. وأنت ترى أنهم يريدون أن يجعلوا من قوله: "صم وصل" نظيرًا لقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ من ناحية شمول جميع الأزمان في الثاني، مقابلَ شمول كل مشرك في الأول. ولم يرتض الإمام الغزالي ومن تابعه هذا التنظير، فقرروا أنه عند تسليم صيغة العموم؛ فليس "صم وصل" نظيرًا لقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بل نظيره أن يقال: "صم الأيام" و "صل في الأوقات" أما مجرد قوله: "صم": فلا يتعرض للزمان لا بعموم، ولا بخصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل، وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة وكذلك الزمان (١). الشبهة الثانية: أنهم أرادوا أن يقيسوا الأمر في قوله: "صم" على النهي في قوله: "لا تصم" فكما أن موجب النهي ترك الصوم أبدًا؛ فليكن موجب الأمر فعل الصوم أبدًا. وهذا مردود من عدة أوجه: أولها: أن هذا قياس في اللغات وهو باطل لأنها تثبت بالتوقيف (٢). الثاني: غير مسلم أن لزوم الانتهاء مطلقًا كان بمجرد اللفظ. بل لو قيل للصائم: لا تصم، يجوز أن يقول: نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم أبدًا؟ فيستفسر، بل التصريح أن يقول: لا تصم أبدًا، ولا تصم يومًا واحدًا، فإذا اقتصر على قوله: "لا تصم"، فأنهى يومًا واحدًا جاز أن يقال: قضى حق النهي.

стр. 828

ولا يرد على ذلك: أن هناك مناهي شرعية وعرفية قد أخذت حالة الدوام؛ كعدم الزنى والسرقة، وسائر الفواحش مطلقًا؛ فهذا الدوام إنما عرف بأدلة أفادت علمًا ضروريًا، بأن الشرع يريد عدمها على الدوام وفي كل حال، لا بمجرد صيغة النهي. فالأدلة هي التي أفادت العلم الضروري هنا، لا مجرد صيغة النهي. قال الغزالي: (وهذا كما أنا نوجب الإيمان دائمًا لا بمجرد قوله: ﴿آمَنُوا﴾ لكن الأدلة دلت على أن دوام الإيمان مقصود) (١). الثالث: أنا نفرق - ولعله الأصح - بين الأمر والنهي؛ فالأمر لا يدل على أن المأمور ينبغي أن يوجد مطلقًا، والنهي يدل على أن المنهي عنه ينبغي أن لا يوجد مطلقًا. والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم؛ فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا، ومثَّل الإمام الغزالي لهذا بمن قال في اليمين: لأفعلن؛ فإنه يبرَّ بمرة، ومن قال: لأصومن؛ صدق وعده بمرة. ومن قال: لا أصوم كان كاذبًا بصيام مرة (٢). أما الآمدي: فقد فرق بينهما؛ بأن من أمر غيره أن يضرب، فقد أمره بإيقاع مصدر الأمر وهو الضرب، فإذا ضرب مرة واحدة يصبح أن يقال: وجد الضرب، وإذا قال له: لا تضرب، فمقتضاه عدم إيقاع الضرب، فإذا انتهى في بعض الأوقات دون البعض، يصح أن يقال: لم يعدم الضرب. ومن جهة أخرى: فإن حمل الأمر على التكرار: مما يفضي إلى تعطيل الأشغال كلها، مما ينتج عنه توقف الحوائج المهمة. كما أنه يفضي كذلك إلى امتناع الإتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها، بينما نرى أن حمل النهي على التكرار، لا يفضي إلى ذلك؛ إذ

стр. 829

يمكن الانتهاء عن أشياء كثيرة في حال واحدة (١). هذا وقد سار ابن حزم من قبل في هذه الطريق، فقرر أن ترك المرء أفعالًا كثيرة في وقت واحد موجود واجب، وفعلُه بخلاف ذلك، بل إن المرء في حال نومه وأكله وصلاته ونظره في أسبابه: تارك لكل ما نهي عن تركه إن أراد الترك، وليس الأمر كذلك، بل لا يقدر على أداء أكثر الأوامر في الأحوال التي ذكرنا. وإذا كان النهي أمرًا بالترك: فإن الترك ممكن لكل أحد، وليس يمتنع الترك على مخلوق. أما الفعل: فهو بخلاف ذلك؛ فمنه الممكن ومنه ما لا يقدر عليه (٢). الشبهة الثالثة: أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة والزكاة، حملت على التكوير، فدل ذلك على أن الأمر موضوع له. وأجيب من ذلك بأن التكرار إنما استفيد من أدلة أخرى لا من ظاهر الأمر، وإلا كان ما حمل من الأوامر على المرة الواحدة؛ كالحج ونحوه مستفادًا من ظاهر الأمر، ويلزم من ذلك إما التناقض، أو اعتقاد الظهور في أحد الأمرين دون الآخر من غير أولوية، وهو محال. وقد حمل الأمر في الحج على المرة الواحدة، وإذن فليدلَّ على أنه موضوع له، فإن كان هذا الأمر بالدليل، كما هو واضح في حديث الأقرع بن حابس، فكذلك الأوامر الأخرى بالصلاة والزكاة والصوم، حملت على التكرار بأدلة وقرائن (٣). الزنجاني ونسبة المذهب إلى الشافعي نفسه: مر بنا عند الحديث عن مذهب اقتضاء الأمر للتكرار، أن ممن قال به أبو إسحاق الشيرازي وأبو إسحاق الإسفراييني، وجماعة من الفقهاء

стр. 830

والمتكلمين، ولم نر فيمن نقلنا عنهم نسبةَ المذاهب إلى أصحابها: من نَسب هذا المذهب إلى الشافعي ﵀ بالذات. غير أن أبا المناقب الزنجاني أحد أئمة الشافعية في القرن السابع الهجري، تفرد بذلك في كتابه "تخريج الفروع على الأصول" حيث قرر بكل وضوح: أن الأمر المطلق عند الشافعي يقتضي التكرار (١). وقد وضع في مقابل ذلك مذهب عدم التكرار الذي ذهب إليه الحنفية - كما يقول - ثم احتج لكل من المذهبين، وعلى طريقته لم ينتصر لأحدهما على الآخر (٢) وبنى على ذلك عددًا من الفروع. ولتفرده فيما جنح إليه من نسبة المذهب إلى الشافعي بالذات، نرى من الأفضل أن نثبت نص كلامه. قال ﵀ (ذهب الشافعي ﵁ إلى أن مطلق الأمر يقتضي التكرار، وإليه ذهب طائفة من العلماء) .... واحتج في ذلك بأن قول القائل: "افعل"، أمر بإيجاد جنس الفعل، فإنه لو صرح بذلك وقال: "أوجد الضرب" كان ذلك صحيحًا، واسم الجنس يقتضي الاستغراق، وهذا المعنى لا يُثنى ولا يجمع، فيتناول أعدادًا من الفعل لا نهاية لها؛ فإن الجنس متناول للوجود الكائن، والذي يكاد أن سيكون إلى قيام الساعة. فلا جرم نقول: يجب عليه إثبات ما قدر عليه، فإن عجز مسقط، لا لأنه من مقتضى الصبغة بل لعجزه. ثم قال: وذهب الحنفية إلى أنه لا يقتضي التكرار.

стр. 831

واحتجوا في ذلك بأن التكرار معنى زائد من الفعل، لأن مقتضى قوله: "افعل" أن يفعل ما يصير به فاعلًا، وهو بالمرة الواحدة يصير فاعلًا على الحقيقة، فمدعي الزيادة يحتاج إلى دليل) (١). وإذا تركنا للزنجاني أمر نسبة هذا المذهب إلى الشافعي نفسه، فإنا مع القائلين بنفي اقتضاء التكرار عن صيغة الأمر المطلق، لما رأينا سابقًا من أدلة ذلك ولما ذكر هو دليلًا للحنفية في الموضوع. ولهذا الرأي مزيد من البيان نأتي إليه قريبًا إن شاء الله. مسلك القائلين بالمرة مع احتمال التكرار: لقد أورد فخر الإسلام البزدوي سؤال الأقرع بن حابس الذي استدل به القائلون بالتكرار دليلًا لاحتمال التكرار؛ حيث قرر هؤلاء أنه لو لم يحتمل اللفظ في قوله ﵇: "حجوا" لما أشكل ذلك على الأقرع؛ فاحتمال

стр. 832

التكرار هو الذي دعا هذا الصحابي - وهو من أهل اللسان - أن يستفهم من الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن التكرار. ولكن يرد على هذا الاستدلال أن كون الأمر ظاهرًا في المرة، لا يستلزم كون السؤال في محل الحاجة؛ لجواز العمل بما كان الأمر ظاهرًا فيه - وهو المرة - دون الحاجة إلى الاستخبار عن الاحتمال المرجوح وهو التكرار. وهذا بخلاف ما لو كان مراد المتكلم خفيًا على السامع، فإن السؤال حينئذ يكون في محل الحاجة. ثم يقال هنا أيضًا ما قاله الأكثرون في رد وجوب التكرار: من أن الإشكال عند الأقرع، قد يكون مرده سبب الحج؛ فإذا كان السبب هو الوقت، فمعنى ذلك أن الحج مطلوب على التكرار، قياسًا على الصلاة والصوم وغيرهما، وإذا كان السبب هو البيت، فالمحج غير مطلوب على التكرار؛ لأن البيت لا يتكرر. ومن هنا يكون ما نُفي به وجوب التكرار، صالحًا لنفي احتمال التكرار بعد المرة (١). وهكذا يُرى أن الاستدلال على أن الأمر للمرة مع احتمال التكرار - بحديث الأقرع بن حابس - لم يسلم لأصحابه. حول نسبة المذهب إلى الشافعي: درج أكثر علماء الأصول من الحنفية على نسبة هذا المذهب إلى الإمام الشافعي ﵀، فتراهم يوردون القول باحتمال التكرار في مقابل القول بوجوبه، مع الاستدلال له، والرد على هذا الاستدلال أو تركه ثم إقامة الدليل على المذهب المختار. فالبزدوي يعرض لمذهب احتمال التكرار ويقول: (وهو قول الشافعي) (٢)

стр. 833

ويقول السرخسي في معرض تعداده للمذاهب: (وقال الشافعي: مطلقة لا يوجب التكرار لكن يحتمله) (١). وتابعهما في ذلك من بعدهم من المؤلفين، فترى صدر الشريعة مثلًا يقول: (وعند الشافعي ﵀ يحتمله) (٢) وقد مشى على ذلك بعض المحدثين وأكد صحة ما ذهب إليه بقوله: (هكذا هو منقول في المحررات) (٣). إلا أن فريقًا آخر منهم صرح بنفي ذلك، فقد نقل عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار" عن أبي اليسر قوله: (الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار ولا يحتمله معلقًا كان أو مطلقًا وهو قول مالك والشافعي وعامة الفقهاء) (٤) وعند قول النسفي في "المنار": (وقال الشافعي يحتمله) قال عزمي زاده في حاشيته: (وإن كان لا يوجبه، يعني التكرار، وهذا رواية عن الشافعي ﵀، والصحيح أن مذهبه كمذهبنا كذا في فصول البدائع) (٥). هذا ما نراه عند أصوليي الحنفية في نسبة المذهب إلى الإمام محمد بن إدريس. وإذا توجهنا شطر الذين كتبوا على طريقة المتكلمين رأيناهم لا ينسبون ذلك إليه (٦). إلا أن الشوكاني ﵀ ذكر أن المذهب مروي عن الشافعي،

стр. 834

دون أن يقفنا على من رواه عنه. جاء في "إرشاد الفحول": (وقيل: إنها - أي صيغة الأمر - للمرة وتحتمل التكرار، وهذا مروي عن الشافعي) (١). رأينا في المسألة: على أن الشافعي لم يفرد الأمر بابًا خاصًّا في الرسالة لنجد فيه ما يدل عليه الأمر من وحدة وكثرة، وإنما جام الحديث عن الأمر فيما ذكره تحت باب "فرض الله طاعة رسوله مقرونة بطاعة الله، ومذكورة وحدها" (٢) وما ذكره تحت باب "ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه" (٣) مما يفهم منه أن الأمر في الأصل للوجوب، أما ما نحن فيه من تكرار واجب، أو محتمل: فلم يعرض له. ويبدو إلى جانب ذلك: أن الأصوليين من المتكلمين لم يجدوا في الأحكام التي استنبطها الشافعي من النصوص، ما يدل على جنوحه إلى هذا المذهب، ولذلك لم ينسبوه إليه. وقد يكون من الواضح أن إمكان الالتباس واقع بين القول بأن صيغة الأمر لمطلق الطلب مع احتمال التكرار، وبين القول بأن صيغة الأمر تدل على المرة مع احتمال التكرار، خصوصًا إذا وضعنا في الحسبان ما جنح إليه المواسطي أحد شراح "مختصر المنتهى" والسبكي - كما مر سابقًا (٤) - من أن القائلين بالمرة من الشافعية إنما يعنون القول المختار - وهو أن الأمر يدل على مطلق الطلب، وأقلُّ ما يتحقق به هو المرة. هذا: مع العلم أن القول بالمرة، يراه أبو إسحاق الإسفراييني مقتضى كلام الشافعي كما أسلفنا ذلك من قبل (٥).

стр. 835

نقول هذا كله غير ناسين أن من المتفق عليه بين الفريقين - إذا كان هنالك فريقان - أنه إذا توافرت القرينة التي تدل على التكرار، وكانت من القوة بحيث يمكن بها التحويل عن الظاهر إلى المحتمل، كان لا بد من السير مع ما دلت عليه تلك القرينة من التكرار، وعدم الاكتفاء بالمرة للخروج من العهدة، سواء أكان ذلك من جهة أن المرة أقل ما به يتحقق وجود المأمور به في الأصل، أم من جهة أنها مدلول عليها بخصوصها في صيغة الأمر. مسلك القائلين بالوقف: مر بنا أن القاتلين بالوقف يتوقفون في كون صيغة الأمر، هي لمطلق الطلب، أو للمرة، أو للتكرار. وقد استدلوا على مذهبهم بما استدلوا به للتوقف في كون صيغة الأمر المطلق للوجوب، أو لغيره. فإذا كانوا هنالك ينفون قيام دليل على أن مدلول الأمر هو الوجوب أو غيره؛ فإنهم هنا ينفون قيام دليل على أن مدلول الأمر من ناحية الموحدة والكثرة، هو واحد من الثلاثة التي هي مطلق الطلب، والمرة، والتكرار. وذلك لأن الدليل على استعمالها في هذا الواحد، دون غيره أما أن يقوم من طريق العقل، أو من طريق النقل، والعقل الصرف لا مدخل له في هذه الأمور، فلم يبق غير النقل. فإما أن يقوم الدليل من طريق الآحاد، أو من طريق التواتر. فإذا قام من طريق الآحاد: فهو غير مقبول، إذ الآحاد لا تفيد العلم، وهو المطلوب في هذه المسألة التي نحن بصددها. أما التواتر: فلو حصل، لم يكن خلاف؛ لأنه يوجب استواء طبقات الباحثين فيه، إذ لا بد للكل من الاطلاع عليه لبذلهم جهدهم في طلبه، ولكن الاختلاف ثابت، ومعنى ذلك أن التواتر لم يقع.

стр. 836

ويجاب عن ذلك بأن الظن كاف في مثل هذه الأمور، وإلا لتعطل العمل بكثير من الظواهر (١). وقد رأينا عند الاستدلال للمذهب الأول إطباق أهل العربية على أن الأمر لمطلق الطلب، وما وراء ذلك يثبت بالقرينة، فلا داعي للتوقف (٢). وقد توسط إمام الحرمين بين الأكثرين أهل المذهب الأول. والواقفية فتوقف فيما وراء المرة التي هي أقل ما يحقق وجود المأمور به، وشارك أولئك بأن الأمر المطلق الطلب، وقد رأينا في كلامه من قبل ما ينفي ادعاء الإسنوي أن صاحب "البرهان" من الواقفية الذين يدور الحديث معهم في هذه النقطة (٣). رأينا في دلالة الأمر من ناحية الوحدة والكثرة: هذا: وبعد الذي رأينا من أدلة المذاهب سنختار ما درج عليه الأكثرون والذي يعبر عنه بالمذهب بالمختار وهو الدلالة على مطلق الطلب. فهو المذهب الذي يحدد مدلول صيغة الأمر المطلق في الوحدة والكثرة، في ضوء مفهومات العربية التي بها نزل الكتاب. وغير خاف أن في حمل الأمر على التكرار: تفسيرًا للغة بما يرجع إلى المشقة والتعذر، كما قرر الإمام ابن حزم. والرسول صلوات الله وسلامه عليه حين ذكر النهي، أمرنا أن تجتنب ما نهانا عنه. وفي معرض المأمورات، أمرنا أن نفعل مما أمرنا به، ما استطعنا، ولم

стр. 837

يقل ﵊: "فأتوه ما استطعتم" وكان حينئذ يلزم التكرار وإنما جاء (بمن) التي تفيد التبعيض وقال: فأتوا منه ما استطعتم". ومن أدى من الأمر ما استطاع: فقد فعل ما أمر به، ومن فعل ما أمر به: فقد سقط عنه موجَب الأمر. وفي هذا بُعد عن التكليف بما لا يطاق، الذي يلزم من حمل صيغة الأمر على التكرار (١). قال ابن حزم: (والقول بالتكرار باطل، لأنه تكليف ما لا يطاق، أو القول بلا برهان، وكلاهما باطل، لأننا نسألهم - يعني أهل المذهب - عن تكرار الأوامر المختلفة، وبعضها يقطع عن فعل بعض، فلا بد ضرورة من ترك جميعها إلا واحدًا، فأيها هو الواجب؟ وهذا هو القول بلا برهان. وكل ما كان كذلك فهو باطل بلا شك (٢). وهكذا يرجح في نظرنا أن الأمر المطلق، يدل على مجرد الطلب دون إشعار بالوحدة أو الكثرة، ويتحقق ذلك بمرة واحدة، فإذا قامت قرينة تشعر بإرادة التكرار جنحنا إليه، لهذه القرينة، وإلا اقتصرنا عند تفسير النص على أقل ما يتحقق به وجود المأمور به. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [للبقرة: ١٨٥] (٣) فقد دل الأمر في هذا النص على التكرار، ولم يكن ذلك من ذات الأمر، وإنما كان من تعليق هذا الأمر - وهو طلب الصوم - على شرط متكرر وهو شهود الشهر، فعلى المكلف كلما شهد الشهر أن يصوم، ولا يخرج عن عهدة الامتثال إلا بذلك. وقد أشرنا من قبل إلى وجوب إقامة حد الزنى وتكراره كلما وجد الزنى، لأن الشارع قيد الأمر بجلد الزاني بالرني إذ جعله

стр. 838

سببًا أو علة لوجوب الجلد، ومن هنا جاء التكرار، لا من كون الأمر يدل على التكرار. وهكذا: فالأصل في مدلول الأمر مطلق الطلب، وما وراء ذلك لا بد لثبوته من القرينة. * * * المطلب الخامس دلالة الأمر المعلق بشرط أو المقيد بصفة من ناحية الوحدة والكثرة هناك اتفاق على أن مسألة الأمر المعلق بشرط، أو المقيد بصفة: لا تَرِدُ إلا عند القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار. أما عند أولئك القائلين بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار: فإن اقتضاء المعلق بشرط، أو المقيد بصفة للتكرار: كائن عندهم بالأولى. وسنعرض للمسألة لنراها عند كل من الحنفية والمتكلمين فيما يلي: أولًا: عند الحنفية: نسب إلى بعض العلماء من الحنفية القول بأن الأمر إذا علق بشرط أو قيد بصفة: يقتضي التكرار. ١ - واحتجوا بنصوص من الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. ففي النص الأول: قيد الأمر بالطهارة، بكونه عند تحقق وصف الجنابة؛ فهو يتكرر بتكرر الجنابة المتعلقة به. وفي النص الثاني: قيد الأمر بالصلاة، بتحقق وصف دلوك الشمس، فهو يتكرر بتكرر الدلوك لتقييده به.

стр. 839

٢ - واحتجوا أيضًا بأن الشرط كالعلة؛ فإنه إذا وجد الشرط وجد المشروط، كما أنه إذا وجدت العلة وجد المعلول، ثم لا خلاف أن الأمر المتعلق بالعلة يتكرر بتكررها، فكذا المتعلق بالشرط (١). وقد نسب البزدوي هذا المذهب - في خلال عرضه للمذاهب - إلى بعض مشايخ الحنفية (٢) وتابعه في ذلك من تابعه من المصنفين (٣) ونسبه السعد التفتازاني إلى الدبوسي (٤). غير أن شمس الأئمة السرخسي، بعد أن جاء على ذكر المذهب قال في موضع آخر: (والصحيح عندي أن هذا ليس بمذهب علمائنا ﵏ (٥). ويفهم من كلام السرخي الذي نراه، أنه ما دام العلماء الذين يعنيهم لم يقولوا باقتضاء التكرار في الأمر المطلق: فهم - أو فريق منهم - لا يقولون بالتكرار أيضًا، ولو كان الأمر معلقًا بشرط أو مقيدًا بوصف؛ إذ إن المعلق بالشرط يكون عند وجود الشرط كالمنجز (٦). ثم إن السرخسي بعد أن نفي المذهب من علماء الحنفية، أيّد رأيه بمسألة من مسائل الفقه، ثم قرر أن النصوص التي يوردها أصحاب هذا المذهب، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] إنما جاء التكرار من تجدد السبب

стр. 840

الذي جمله الشرع موجبًا للحكم (١). ففي قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ جعل الدلوك وهو زوال الشمس (٢) سببًا موجبًا للصلاة؛ فكلما دلكت الشمس: وجبت الصلاة، فلم يتجدد وجوب الصلاة من التقييد بالوصف، وإنما تجدد بتجدد السبب وهو الدلوك. وهكذا ارتبط الأمر هنا بالزمان المتكرر، وهو السبب، فتكرر بتكرره (٣). موقف صاحب "المرآة" ورأينا في المسألة: على أن بعض المتأخرين - وهو صاحب "المرآة". أورد على القول

стр. 841

بتكرار الحكم بتجدد السبب (أن أداء العبادات كالصوم والصلاة مثلًا واجب على سبيل التكرار فلا يخلو: إما أن يكون مضافًا إلى الأسباب أو إلى الأوامر. وإضافة هذا الوجوب إلى الأسباب باطل؛ لأن وجوب الأداء لا يضاف إلى السبب؛ فتعين الثاني وهو الإضافة إلى الأوامر. وأجيب عن هذا الإيراد، بأن المراد هاهنا العلل، لا الأسباب المحضة كما ظن. وكثيرًا ما يطلق السبب على العلة، ولا شك أن تكرار العلة يستلزم تكرار المعلول) (١). غير أن صاحب "المرآة" لم يعجبه هذا الجواب، ورأى أن القول بأن المراد بالأسباب العلل لا يدفع الإشكال، وأن الأفضل بقاء إضافة التكرار إلى الأمر؛ بأن يعتبر متوجهًا في أول الوقت في الصوم، وفي آخره في الصلاة بحيث يتكرر الوقت يتكرر توجه الأمر، ويتكرر توجهه يتكرر وجوب الأداء. قال ﵀: (لأن حاصله - أي السبب المتجدد في الصوم والصلاة - هو الوقت. ووجوب الأداء المكرر لا يضاف إلى الوقت حتى يكون تكرره بتكرره، وإنما يضاف إلى الأمر وهو ليس بمتكرر، فتعين اقتضاؤه التكرار. ولا يدفعه العدول عن تسمية الوقت سببًا إلى تسميته علة. فالصواب في الجواب: أن يختار إضافة تكرار وجوب الأداء إلى الأمر، لا بمعنى أن الأمر الواحد يدل على التكرار ويحتمله، بل بمعنى أن الأمر يعتبر متوجهًا في أول الوقت في الصوم وآخره في الصلاة، فيتكرر الوقت بتكرر توجه الأمر، ويتكرر توجهه يتكرر وجوب الأداء) (٢). ونحن لا نوافق صاحب "المرآة" في تحوله عن رد التكرار إلى تجدد الأسباب، حين يراد بها العلل، غير أنا نضيف ما يراه الإمام الغزالي أن العلة - حتى الشرعية - ليست لوحدها عامل التكرار، وإنما معها قرينة التعبد؛ إذ نحن متعبدون شرعًا بالعلل. فتكرر العلة يستلزم تكرار المعلول، والعلة معتبرة شرعًا (٣).

стр. 842

ثمرة الاختلاف: وقد أورد صدر الشريعة في "التوضيح" مسألة بناها على أصلهم تُظهر ثمرة الخلاف بين القائلين بعدم التكرار - حتى عند التعليق، أو التقييد - وبين أرباب هذا المذهب. والمسألة هي: إن دخلت الدار فطلقي نفسك، فعلى مذهب هؤلاء: ينبغي أن يثبت التكرار. قال: (وإنما قلت: ينبغي؛ لأنه لا رواية عن هؤلاء في هذه المسألة، لكن بناء على أصلهم وهو أنه يوجب التكرار إذا كان معلقًا بشرط، يجب أن يثبت التكرار عندهم). ولو رجعنا إلى كلامه عنهم عند عرض مذهبهم، لرأيناه يعبر بالاحتمال حيث يقول: (وعند بعض علمائنا: لا يحتمل التكرار إلا أن يكون معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف) بينما عبر بالوجوب عند عرضه للمسألة التي بناها على أصلهم (١). ولقد أصرَّ التفتازاني على أن المذهب عند القائلين به هو وجوب التكرار، وذلك حين كشف في "التلويح" عن تناقض الكلام عند صدر الشريعة الذي أثبت الاحتمال عند نسبة المذهب إلى بعض العلماء، ثم اعترف بالوجوب، حين أتى بالمسألة الفقهية المذكورة (٢). ومن هنا ترى أن هذا المذهب، يقوم على وجوب التكرار عند التعليق أو التقييد، حتى لا ينتفي إلا بدليل، وهذا غير الاحتمال، وإنما يظهر أثر ذلك عند تفريع الأحكام.

стр. 843

ثانيًا: عند المتكلمين: والآن نسير مع طريقة المتكلمين لنرى كيف اتجهوا في هذه المسألة. مسلك الشيرازي: يرى أبو إسحاق الشيرازي أن الأمر المعلق بالشرط لا يقتضي التكرار، فتراه بعد أن أورد الرأيين في الموضوع؛ رأيَ القائلين بالتكرار، ورأيَ القائلين بعدمه: قرر أن القول بعدم التكرار هو الأصح. وقام احتجاجه لما ذهب إليه، على التنظير بين الأمر المعلق والأمر المتجز؛ فما دام المنجز لا يقتضي تكرارًا، فالمعلق كذلك؛ إذ إنه لا فرق بينهما في نظره، فلا فرق بين قول الرجل لزوجته: أنت طالق، وبين قوله: إذا زالت الشمس فأنت طالق (١). مسلك الغزالي: أما الإمام الغزالي: فقد عرض لنا ما قررناه في مقدمة البحث، من أن مسألة التكرار بالأمر المعلق، إنما ترد عند القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، والذين انقسموا في الأمر المضاف إلى الشرط إلى فريقين فقال قوم: لا أثر للإضافة وقال آخرون: يتكرر بتكرر الشرط. والمختار عنده أنه لا أثر للشرط. ويوافق الشيرازي في الاحتجاج فيقول: (لأن قوله: أضربه أمر ليس يقتضي التكرار فقوله: اضربه إن كان قائمًا، أو إذا كان قائمًا، لا يقتضيه أيضًا، بل لا يريد إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة القيام وهو كقوله لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار، لا يقتضي التكرار بتكرار الدخول، بل لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول: كلما دخلت الدار).

стр. 844

ولا يقتصر الغزالي على هذه الأمثلة بل يرى أن مثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ﷺ : "إذا زالت الشمس فصل" وقول الرجل لزوجاته: من شهدت منكن الشهر فهي طالق، ومن زالت عليها الشمس فهي طالق (١). وفي النصوص التي يرى فيها الأمر مقتضيًا للتكرار، يكون مرد التكرار عند الغزالي إلى الدليل الجديد، لا إلى التعليق نفسه سواء أقيلَ: إن الشرط كالعلة، والحكم يتكرر بتكرار العلة، أم قيل إن التكرار كان بالأسباب. فالقائلون برد التكرار إلى أن الشرط كالعلة، والحكم يتكرر بتكرر العلة، فليتكرر بتكرر الشرط، وأن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب: هم في نظر الغزالي قائلون بأن الأمر المعلق يقتضي التكرار، لذا كان كل شق من كلامهم شبهة أخذ على نفسه الرد عليها. ١ - أما رد التكرار إلى العلة: فقد أجاب عنه، بأن العلة التي كان إليها الرد: إما أن تكون عقلية، وإما أن تكون شرعية. فالعقلية: لا يعقل وجود ذاتها دون المعلول. والشرعية: لا ينفصل النظر إليها عن ارتباطها بالقرينة، ذلك أنه لا يسلم تكرر المحكم بمجرد إضافته إلى العلة، بل لا بد من القرينة، والقرينة هي التعبد بالقياس القائم على العلة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن الشريعة أمرت باتباعها؛ لأنها اعتبرت أن الحكم يثبت بها، فالتكرار ليس من الإضافة إلى العلة، ولكن من قرينة الأمر باتباع العلة. ب - أما تكرار الأوامر بتكرار الأسباب: فليس ذلك بموجب اللغة، بل بدليل شرعي في كل شرط. ومن أورد واقعة كان عدم التكرار فيها بدليل، يرد عليه وقائع كان التكرار فيها بدليل أيضًا؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا … ﴾

стр. 845

[المائدة: ٢] لم يكن التكرار إلا بدليل شرعي في كل شرط، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة (١). مسلك ابن قدامة: أما ابن قدامة المقدسي: فقد أورد الخلاف في اقتضاء الأمر المعلق التكرارَ، وعدمَ اقتضائه، وجاء بحجج القائلين بالتكرار، ثم برهن على ما رآه المختار وهو عدم التكرار. وكان ما أورده من حجج القائلين بالتكرار، هو اعتمادهم على التسوية بين العلة والشرط؛ بحيث يكون تعلقُ الحكم بالشرط، كتعلقه بالعلة. وما دام الأمر كذلك؛ فإن المحكم كما يتكرر بتكرر عليه يتكرر بتكرره شرطه. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنه لا اختصاص للحكم بالشرط الأول دون بقية الشروط. ودليل اعتباره: النهيُ المعلّق على شرط، فكما يقتضي
следующие страницы →