← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1546

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي

محمد أديب الصالح

Полный текст (929 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

بتكرار الحكم بتجدد السبب (أن أداء العبادات كالصوم والصلاة مثلًا واجب على سبيل التكرار فلا يخلو: إما أن يكون مضافًا إلى الأسباب أو إلى الأوامر. وإضافة هذا الوجوب إلى الأسباب باطل؛ لأن وجوب الأداء لا يضاف إلى السبب؛ فتعين الثاني وهو الإضافة إلى الأوامر. وأجيب عن هذا الإيراد، بأن المراد هاهنا العلل، لا الأسباب المحضة كما ظن. وكثيرًا ما يطلق السبب على العلة، ولا شك أن تكرار العلة يستلزم تكرار المعلول) (١). غير أن صاحب "المرآة" لم يعجبه هذا الجواب، ورأى أن القول بأن المراد بالأسباب العلل لا يدفع الإشكال، وأن الأفضل بقاء إضافة التكرار إلى الأمر؛ بأن يعتبر متوجهًا في أول الوقت في الصوم، وفي آخره في الصلاة بحيث يتكرر الوقت يتكرر توجه الأمر، ويتكرر توجهه يتكرر وجوب الأداء. قال ﵀: (لأن حاصله - أي السبب المتجدد في الصوم والصلاة - هو الوقت. ووجوب الأداء المكرر لا يضاف إلى الوقت حتى يكون تكرره بتكرره، وإنما يضاف إلى الأمر وهو ليس بمتكرر، فتعين اقتضاؤه التكرار. ولا يدفعه العدول عن تسمية الوقت سببًا إلى تسميته علة. فالصواب في الجواب: أن يختار إضافة تكرار وجوب الأداء إلى الأمر، لا بمعنى أن الأمر الواحد يدل على التكرار ويحتمله، بل بمعنى أن الأمر يعتبر متوجهًا في أول الوقت في الصوم وآخره في الصلاة، فيتكرر الوقت بتكرر توجه الأمر، ويتكرر توجهه يتكرر وجوب الأداء) (٢). ونحن لا نوافق صاحب "المرآة" في تحوله عن رد التكرار إلى تجدد الأسباب، حين يراد بها العلل، غير أنا نضيف ما يراه الإمام الغزالي أن العلة - حتى الشرعية - ليست لوحدها عامل التكرار، وإنما معها قرينة التعبد؛ إذ نحن متعبدون شرعًا بالعلل. فتكرر العلة يستلزم تكرار المعلول، والعلة معتبرة شرعًا (٣).

стр. 842

ثمرة الاختلاف: وقد أورد صدر الشريعة في "التوضيح" مسألة بناها على أصلهم تُظهر ثمرة الخلاف بين القائلين بعدم التكرار - حتى عند التعليق، أو التقييد - وبين أرباب هذا المذهب. والمسألة هي: إن دخلت الدار فطلقي نفسك، فعلى مذهب هؤلاء: ينبغي أن يثبت التكرار. قال: (وإنما قلت: ينبغي؛ لأنه لا رواية عن هؤلاء في هذه المسألة، لكن بناء على أصلهم وهو أنه يوجب التكرار إذا كان معلقًا بشرط، يجب أن يثبت التكرار عندهم). ولو رجعنا إلى كلامه عنهم عند عرض مذهبهم، لرأيناه يعبر بالاحتمال حيث يقول: (وعند بعض علمائنا: لا يحتمل التكرار إلا أن يكون معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف) بينما عبر بالوجوب عند عرضه للمسألة التي بناها على أصلهم (١). ولقد أصرَّ التفتازاني على أن المذهب عند القائلين به هو وجوب التكرار، وذلك حين كشف في "التلويح" عن تناقض الكلام عند صدر الشريعة الذي أثبت الاحتمال عند نسبة المذهب إلى بعض العلماء، ثم اعترف بالوجوب، حين أتى بالمسألة الفقهية المذكورة (٢). ومن هنا ترى أن هذا المذهب، يقوم على وجوب التكرار عند التعليق أو التقييد، حتى لا ينتفي إلا بدليل، وهذا غير الاحتمال، وإنما يظهر أثر ذلك عند تفريع الأحكام.

стр. 843

ثانيًا: عند المتكلمين: والآن نسير مع طريقة المتكلمين لنرى كيف اتجهوا في هذه المسألة. مسلك الشيرازي: يرى أبو إسحاق الشيرازي أن الأمر المعلق بالشرط لا يقتضي التكرار، فتراه بعد أن أورد الرأيين في الموضوع؛ رأيَ القائلين بالتكرار، ورأيَ القائلين بعدمه: قرر أن القول بعدم التكرار هو الأصح. وقام احتجاجه لما ذهب إليه، على التنظير بين الأمر المعلق والأمر المتجز؛ فما دام المنجز لا يقتضي تكرارًا، فالمعلق كذلك؛ إذ إنه لا فرق بينهما في نظره، فلا فرق بين قول الرجل لزوجته: أنت طالق، وبين قوله: إذا زالت الشمس فأنت طالق (١). مسلك الغزالي: أما الإمام الغزالي: فقد عرض لنا ما قررناه في مقدمة البحث، من أن مسألة التكرار بالأمر المعلق، إنما ترد عند القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، والذين انقسموا في الأمر المضاف إلى الشرط إلى فريقين فقال قوم: لا أثر للإضافة وقال آخرون: يتكرر بتكرر الشرط. والمختار عنده أنه لا أثر للشرط. ويوافق الشيرازي في الاحتجاج فيقول: (لأن قوله: أضربه أمر ليس يقتضي التكرار فقوله: اضربه إن كان قائمًا، أو إذا كان قائمًا، لا يقتضيه أيضًا، بل لا يريد إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة القيام وهو كقوله لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار، لا يقتضي التكرار بتكرار الدخول، بل لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول: كلما دخلت الدار).

стр. 844

ولا يقتصر الغزالي على هذه الأمثلة بل يرى أن مثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ﷺ : "إذا زالت الشمس فصل" وقول الرجل لزوجاته: من شهدت منكن الشهر فهي طالق، ومن زالت عليها الشمس فهي طالق (١). وفي النصوص التي يرى فيها الأمر مقتضيًا للتكرار، يكون مرد التكرار عند الغزالي إلى الدليل الجديد، لا إلى التعليق نفسه سواء أقيلَ: إن الشرط كالعلة، والحكم يتكرر بتكرار العلة، أم قيل إن التكرار كان بالأسباب. فالقائلون برد التكرار إلى أن الشرط كالعلة، والحكم يتكرر بتكرر العلة، فليتكرر بتكرر الشرط، وأن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب: هم في نظر الغزالي قائلون بأن الأمر المعلق يقتضي التكرار، لذا كان كل شق من كلامهم شبهة أخذ على نفسه الرد عليها. ١ - أما رد التكرار إلى العلة: فقد أجاب عنه، بأن العلة التي كان إليها الرد: إما أن تكون عقلية، وإما أن تكون شرعية. فالعقلية: لا يعقل وجود ذاتها دون المعلول. والشرعية: لا ينفصل النظر إليها عن ارتباطها بالقرينة، ذلك أنه لا يسلم تكرر المحكم بمجرد إضافته إلى العلة، بل لا بد من القرينة، والقرينة هي التعبد بالقياس القائم على العلة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن الشريعة أمرت باتباعها؛ لأنها اعتبرت أن الحكم يثبت بها، فالتكرار ليس من الإضافة إلى العلة، ولكن من قرينة الأمر باتباع العلة. ب - أما تكرار الأوامر بتكرار الأسباب: فليس ذلك بموجب اللغة، بل بدليل شرعي في كل شرط. ومن أورد واقعة كان عدم التكرار فيها بدليل، يرد عليه وقائع كان التكرار فيها بدليل أيضًا؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا … ﴾

стр. 845

[المائدة: ٢] لم يكن التكرار إلا بدليل شرعي في كل شرط، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة (١). مسلك ابن قدامة: أما ابن قدامة المقدسي: فقد أورد الخلاف في اقتضاء الأمر المعلق التكرارَ، وعدمَ اقتضائه، وجاء بحجج القائلين بالتكرار، ثم برهن على ما رآه المختار وهو عدم التكرار. وكان ما أورده من حجج القائلين بالتكرار، هو اعتمادهم على التسوية بين العلة والشرط؛ بحيث يكون تعلقُ الحكم بالشرط، كتعلقه بالعلة. وما دام الأمر كذلك؛ فإن المحكم كما يتكرر بتكرر عليه يتكرر بتكرره شرطه. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنه لا اختصاص للحكم بالشرط الأول دون بقية الشروط. ودليل اعتباره: النهيُ المعلّق على شرط، فكما يقتضي

стр. 846

النهي المعلق التكرار، يجب أن يقتضي ذلك الأمر، لأن النهي والأمر يلتقيان في أن كلًا منهما طلب (١). ولم يرد ابن قدامة إلا على مسألة التسوية بين العلة والشرط: فالعلة تقتضي حكمها، فيوجد هذا الحكم بوجودها. والشرط لا يقتضي الحكم، وإنما هو بيان الزمان الحكم، فإذا وجد ثبت عنده ما كان يثبت بالأمر المطلق، كاليمين والنذر … إلخ (٢). وعلى هذا فيمكن أن يكون ابن قدامة من القائلين بالتكرار حين يكون الشرط أو الوصف علة مقتضية للحكم يوجد بوجودها، وإلا فلا تكرار. مسلك الآمدي: أما الآمدي: فيلخص محل النزاع بين الفريقين المثبتين للتكرار والمنافين له، بأن ما علق به المأمور من الشرط أو الصفة: إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الأمر لوجوب الفعل المأمور به، كالزنى لإقامة الحد: أو لا يكون كذلك: بلى الحكم متوقف عليه من غير تأثير له فيه، كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنى. فإن كان الأول - أي الذي ثبت كونه علة لوجوب الفعل المأمور به - فالاتفاق كما يرى واقع على تكرر الفعل بتكرره.

стр. 847

ويستند الآمدي في ذلك إلى: أ - تكرر العلة التي يتكرر بتكررها المعلول. ب - وإلى الاتفاق على التعبد باتباع العلة مهما وجدت؛ فالتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا إلى الأمر. وإن كان الثاني - وهو الذي يتوقف عليه الحكم من غير تأثير له فيه - فهو - في نظره - محل الاختلاف. فمن قائل بالتكرار. ومن قائل بعدمه. والمختار أنه لا تكرار. وقد أورد لأصحاب هذا المذهب حججًا اعتبرها واهية، رد اثنتين منها لأنهما تقومان على القياس في اللغة، ثم أصلح الثالثة وبين ما يجب أن يقال في الاحتجاج (١). ثم أورد ستة اعتراضات على القائلين بهذا المذهب: أهمها: نصوص كان الأمر المعلق فيها مقتضيًا للتكرار. والتسوية بين الشرط والعلة، والتسوية بين الأمر المعلق والنهي المعلق، إذ النهي المعلق على الشرط مفيد للتكرار والأمر ضد النهي فكان مشاركًا في حكمه ضرورة اشتراكهما في الطلب والاقتضاء، ثم عدم اختصاص الحكم بالشرط الأول دون بقية الشروط. وهذه الاعتراضات هي التي أوردها ابن قدامة حججًا للقائلين بالتكرار ما عدا النصوص، فإنه ثم يأت بها، وقد رأينا أنه لم يرد إلا على مسألة تسوية العلة بالشرط (٢). أ - وقد أجاب الآمدي عن النصوص التي وقع التكرار في أحكامها حيث الأوامر معلقة بشروط أو صفات كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ

стр. 848

الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة] وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور]. أجاب بأنه إذا كان الشرط أو الصفة علة للحكم المكرر في نفس الأمر: فالتكرار لم يكن بالأمر، وإنما كان التكرار بالعلة الموجبة للحكم، ولا كلام فيه. فإذا لم يكن الشرط أو الصفة، علة للحكم المكرر في نفس الأمر، فيجب اعتقاد كونه متكررًا لدليل اقتضاه، غير الأمر المعلق بالشرط أو الصفة، لما ذكر من عدم اقتضائه، ولأنه قد لا يتكرر الفعل المأمور به بتكرر الشرط كما في الأمر بالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير متكرر بتكررها. ب - وأجاب عن التسوية بين العلة والشرط، بأن الشرط غير موجب للحكم. أما العلة: فهي موجبة للحكم، فلا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة، تكرره بتكرر الشرط. وهكذا ينفي الآمدي التسوية بين العلة والشرط، بأن العلة موجبة للحكم، والشرطُ ليس كذلك (١). ج - أما عن عدم اختصاص الحكم بالشرط الأول دون بقية الشروط: فأجاب بأن ذلك إنما يلزم القائلين بأن الأمر يقتضي الفور، وهو لا يقول به؛ بل الأمر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه، فإذا علم تجدد الشرط غلب على الظن بقاء المأمور، ويكون قد اقتضى تعلق المأمور به على الشروط كلها على طريق البدل، من غير اختصاص له ببعضها دون بعض. وأما إذا لم يغلب على الظن تجدد الشرط، ولا بقاء المأمور إلى حالة

стр. 849

وجود الشرط الثاني، فقد تعيَّن اختصاص المأمور بالشرط الأول، لعدم تحقق ما سواه (١). د - أما عن التسوية بين النهي المعلق على شرط، والأمر المعلق على شرط: فقد أجاب الآمدي بأنه قياس في اللغة وهو باطل، كيف وأنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط، بل ما اقتضاء النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الأول، سواء تجدد الشرط ثانيًا أو لم يتجدد (٢). مسلك ابن الحاجب والعضد: وابن الحاجب (٣) وشارحه العضد، نهجا نهج الآمدي فيما ذهب إليه من تحرير محل النزاع، والتفريق بين ما ثبت كونه علة موجبة للحكم في نفس الأمر، وما لم يثبت من الصفات أو الشروط، وأن الاتفاق واقع على التكرار في الأول، وأن الخلاف في الثاني. ثم المختار عدم التكرار. وهكذا يكون مذهب الآمدي ومن وافقه كابن الحاجب والعضد، بارزًا في تحرير محل النزاع؛ فالشرط أو الوصف حين يكون علة: يقتضي وجود الحكم بنفس الأمر، فالتكرار واقع بالاتفاق، وإلا فالخلاف. واعتمد هؤلاء عدم التكرار في هذه الحالة، حين لا يكون الشرط أو الوصف علة موجبة للحكم في نفس الأمر. والذي رأيناه عند الآمدي من إتيان بحجج الآخرين ثم ردّها، وإيراد الاعتراضات، ثم ردها واحدًا واحدًا، تابعه في أكثره ابن الحاجب وشارحه العضد (٤).

стр. 850

مسلك البيضاوي والإسنوي: والقاضي البيضاوي صاحب "منهاج الوصول"، يرى أن الأمر المعلق على الشرط والصفة لا يقتضي التكرار لفظًا، وإنما يقتضيه قياسًا: بمعنى أن التكرار لا يكون بموجب اللغة، بل يكون بمقتضى القياس. وذلك لأن ترتيب الحكم على الوصف أو الشرط، يفيد علِّية الشرط أو الصفة لذلك الحكم، فيتكرر الحكم بتكرر ذلك؛ لأن المعلول يتكرر بتكرر العلة (١). فحين نعبر بالقياس، وأن التعليق بالوصف أو الشرط مشعر بالعلية، فمعنى ذلك أن التكرار لم يكن من الأمر، وإنما كان من اقتضاء تكرار المعلول بتكرر العلة. وقد مثل البيضاوي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وبقوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. فترتيب الحكم في النص الأول على الشرط، وفي الثانية على الوصف، أفاد العلِّية في المحكم، ومن هنا جاء التكرار. هذا وترتيب الحكم على الوصف أو الشرط، إنما يفيد العلية إذا كان في نصوص الكتاب أو السنة؛ لأن المعتبر تعليل الشارع. أما في كلام الناس: فليس كذلك. ومن هنا يجيء الجواب على عدم لزوم تكرار الطلاق بتكرار القيام فيما إذا قال: إن قمت فأنت طالق؛ لأن وقوع الطلاق حكم شرعي، وآحاد الناس لا عبرة بتعليلهم في أحكام الله تعالى، لأن من نصب علة لحكم، فإنما يتكرر حكمه بتكرر علته لا حكم غيره، فلذلك لم يتكرر الطلاق منه، قال الإسنوي:

стр. 851

(ألا ترى أنه لو صرَّح بالتعليل فقال: أطلقها لقيامها، لم تطلق امرأة أخري له قامت) (١). وقد نقل الإسنوي في "نهاية السول" المذهب المذكور - وهو اقتضاء الأمر المعلق التكرار قياسًا لا لفظًا - عن الإمام الرازي في "المحصول" وذكر أنه عنده المذهب المختار. ومن هنا لم يرتض الإسنوي من الآمدي وابن الحاجب ادعاءهما الاتفاق على أن ما ثبت من الشرط أو الصفة كونه علة الوجوب الفعل المأمور به، فإن الفعل يتكرر بتكروه، كالزنى بالنسبة لإقامة الحد، وأن الاختلاف كان فيما له يثبت كونه علة كالإحصان، بدليل أن الإمام الرازي أورد الآيتين الكريمتين حين مثل بالسرقة والجنابة، مع أنه قد ثبت التعليل بهما، وتابعه في ذلك البيضاوي (٢). ومن قبل رأينا أن التكرار عند الإمام الغزالي، مردُّه لقرينة أو دليل جديد يدل عليه، لا للتعليق نفسه، سواء أقيل: إن الشرط كالعلة والحكم يتكرر بتكرر العلة فليتكرر بتكرر الشرط، أم قيل: إن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب. ففي الحالة الأولى: إن كانت العلة شرعية، فلا بد من القرينة وهي التعبد بالقياس.

стр. 852

وفي الحالة الثانية: جاء التكرار من دليل شرعي في كل شرط. وفي رأينا: أن موقفًا كهذا، لا يعتبر إلا القرينة أو الدليل، لا يساعد - في الأصل - على ادعاء الاتفاق في الشكل الذي صوره الآمدي، ووافقه عليه ابن الحاجب وشارحه العضد. فإذا ضم هذا إلى موقف الإمام الرازي الذي اختاره القاضي البيضاوي، كان ادعاء الاتفاق الذي أراده الآمدي محل نظر كما قال الإسنوي. المسالك الأساسية بين الحنفية والمتكلمين: وهكذا نرى أننا في مسألة اقتضاء التكرار في الأمر المعلق بشرط أو المقيد بوصف، سواء أشعر ذلك بالعلية أم لا: أمام ثلاثة مسالك: الأولى: مسلك القائلين بأن الأمر إذا علق بشرط أو قيد بوصف، يقتضي التكرار لفظًا أي الوضع، وهم القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار، بل قولهم هنا يكون بالأولى، ثم الفئة من الحنفية التي ذكرها البزدوي ثم لم ينف ذلك عنها. وذكرها السرخسي ونفى ذلك عنها. وتابع البزدوي في ذلك من تابعه من المتأخرين كما أسلفنا الحديث عنهم، حيث يقولون: وقال بعض علمائنا يقتضي التكرار إذا علق بشرط أو قيد بوصف (١). الثاني: مسلك القائلين بعدم التكرار، سواء أشعر التعليق بالعلِّية أم (٢).

стр. 853

الثالث: مسلك الجمهرة من الحنفية والمتكلمين الذين يقولون بعدم التكرار من الصيغة نفسها، ويردّون التكرار إلى ما هو غير التعليق بالشرط، أو التقييد بالوصف. أ - فالبزدوي والسرخسي ومن وراءهما من الحنفية يردون التكرار في نصوص الكتاب والسنة إلى الأسباب؛ فوجوب الأداء إنما يتكرر بتجدد الأسباب لا بالتعليق بالشرط، أو التقييد بالوصف، حتى إذا لم يكن الشرط أو الوصف سببًا لا يدل الكلام على التكرار المشروط لتكرر الشرط، لأن وجود الشرط لا يقتضي وجود المشروط، بخلاف السبب، فإن وجوده يقتضي وجود المسبب (١). والمتكلمون يصرحون برد التكرار إلى تجدد العلل، حيث إن تكرر العلة يستلزم تكرر المعلول. غير أنهم قد اختلفت تعبيراتهم؛ فالشيرازي ينفي التكرار ويدافع عن رأيه بما يشبه دفاع السرخسي عن الحنفية. والآمدي وابن الحاجب وابن قدامة وابن السبكي والمحلي والبناني والعبادي، يرون التكرار إن أشعر التعليقُ أو التقييد بالعلية. ويعبر البيضاوي ومن بعده الإسنوي تبعًا للإمام الرازي في "المحصول" بأن التعليق أو التقييد يقتضي التكرار قياسًا لا لفظًا. غير أن الإمام الغزالي كما رأينا، ينفرد بأن مرد التكرار إلى العلة لا يقتضي أنها وحدها، وإنما معها قرينة اعتبار الشرع للعلة الشرعية، وأنا متعبدون بها. أما العلة العقلية: فهي وإن كانت موجبة لذاتها، فإنه لا يعقل وجود ذاتها دون المعلول. أما إذا أردنا تكرار أوامر الشرع إلى الأسباب: فليس ذلك من وضع اللغة، بل بدليل شرعي في كل شرط. وهكذا تتضح معالم الخلاف بين القائلين بالتكرار، وبين الجمهرة التي لا تقول به.

стр. 854

فأولئك يقولون: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار لفظًا - أي بوضع اللغة - وإذا علق أو قيد اقتضى التكرار بالأولى. وهؤلاء لا يقولون بذلك، على اختلاف طرائقهم في التعبير الوصول إلى تقرير الحقيقة التي يريدون … فإذا كان الإمام الغزالي، يرى أن العلة ليست وحدها - عندما تتجدد - عاملَ التكرار في وجوب أداء أوامر الشرع، بل هناك القرينة وهي اعتبار الشرع للعلة وأنا متعبدون بها، فأحسب أن التعبد بالعلة هو الأساس الذي قام عليه قول من ذكروا مسألة الإشعار بالعلية: لأن الشرع فعلًا هو الذي أعطى للعلة هذه القيمة؛ ففيما عدا الظاهرية تقريبًا، ترى الجمهور على اعتبار العلة؛ لما قام لديهم من أدلة الشرع على اعتبارها. قال صاحب "فواتح الرحموت": (لكن يبعد كل البعد إنكار الحكم بعد ثبوت علية العلة إلا من منكري القياس مطلقًا) (١). وإذا تقرر ذلك: كان القول بالعلة الشرعية، أو بالعلة ومعها القرينة، لا يحمل خلافًا في الجوهر، وإنما هو خلاف لفظي. أما القول بالأسباب: فقد رأى بعض الأصوليين كما مرّ، أن المراد بالأسباب هنا العلل (٢) ومن أولى من اتباع أبي حنيفة بالقول بالعلة والقياس. ولعل الخلاف في الفروع الناشئة عن هذا الأصل، مردُّه مقدار تقييم كل من الفرقاء لارتباط الحكم بتلك العلة أو ذلك السبب، وتقدير العلاقة بينهما ومقدار اعتبار النسبة بين الحكم وما علق به الأمر من شرط أو قُيد به من وصف … إلخ. ما نخلص إليه من نتائج، ورأينا في الموضوع: وهكذا نخلص بعدما تقدم إلى النتائج التالية:

стр. 855

١ - أن الجمهور النافين للتكرار باعتبار الصيغة، يريدون أنها غير موضوعة له (١). ٢ - القول برد التكرار إلى العلة: قائم على اعتبار الشرع لها. ٣ - المراد بالأسباب فيمن رد التكرار إلى تجددها: هو العلل، كما نقلنا عن صاحب "المرآة" وإنما الاختلاف في الاصطلاح، بل إن صاحب "فواتح الرحموت" جاء بالمسألة على الشكل التالي: (صيغة الأمر المعلق بشرط أو صفة، قيل: للتكرار مطلقًا، وقيل: ليس له مطلقًا، فإن كان علة فهو يتكرر بتكررها. والحق نعم يتكرر وقيل: لا) (٢). وعلى هذا: فإننا نختار أن الأمر إذا علق على علة ثابتة عليتُها بالدليل: وجب تكرار الفعل بتكرر العلة، فما ثبتت عليته كالزنى في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وكالسرقة في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وكالجنابة في قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فهو واضح وليس محل نزاع - كما قال العضد - أما في غير هذه الحال: فنرى أن التكرار لا يثبت إلا بدليل خاص، يهدينا إلى ذلك أن الحج لم يتكرر بتكرر الاستطاعة فالمطلوب أداؤه مرة واحدة، ولو وجدت الاستطاعة بعدها لم يجب وأمثال ذلك كثيرة (٣). موقع القول بالتكرار عند التعليق في طريقتي الحنفية والمتكلمين: قد يكون من الخير بعد الجولة مع مسالك العلماء في التكرار عند التعليق، أن نبيِّن موقع هذا القول في طريقتي الحنفية والمتكلمين، وذلك بالكشف عن نقطتين اثنتين: الأولى: أن القول بالتكرار عند التعليق: اعتبره الحنفية مذهبًا قائمًا بذاته

стр. 856

وناقشوه على هذا الأساس، سواء أكان هنالك اعتراف بوجود جماعة من الحنفية يقولون به، أم لم يكن. واعتباره مذهبًا قائمًا بذاته نراه عند القاضي الدبوسي في "التقويم" (١) كما نراه عند فخر الإسلام البزدوي (٢)، وشمس الأئمة السرخسي (٣). غير أن شمس الأئمة السرخسي يقرر - كما أسلفنا من قبل - أن الصحيح عنده كون التكرار عند التعليق: ليس بمذهب العلماء الحنفية ﵏ (٤). أما المتكلمون: فقد لا يتضح من آثارهم اعتبار هذا القول عند جميعهم على أنه مذهب قائم بذاته. فالبعض اعتبروه مذهبًا قائمًا بذاته، كما نرى عند أبي إسحاق الشيرازي (٥)، بينما نرى الغزالي يكتفي بأن يجعل من هذا القول مسألة مختصة بالقائلين بأن الأمر ليس للتكرار، الذين اختلفت مسالكهم في الحكم عليها (٦). ونسير مع الزمن قليلًا، لنرى الآمدي بعد الغزالي يفرد لهذا القول مسألة خاصة من مسائل الأمر هي "المسألة الرابعة" (٧). الثانية: يلاحظ أن الحنفية والمتكلمين كانوا في عرضهم للمسألة يعتبرون أن الأمر المعلَّق بشرط أو المقيد بصفة: ليس قسيمًا للأمر

стр. 857

المطلق، فالأمر المطلق في هذا المجال هو المجرد عن قرينة التكرار أو المرة، سواء أكان معلقًا بشرط أو مؤقتًا بوقت أو مخصوصًا بوصف، أو مجردًا عن جميع ذلك. ويظهر هذا في ثنايا حديثنا عن مسالكهم فيما أسلفنا من القول (١). موقف بدران من ابن قدامة، ورأينا في ذلك: لم يكن لابن قدامة مسلك جديد من النسبة القائمة بين الأمر المعلق إلى الأمر المطلق، وأن الأمر المعلَّق بشرط أو المقيد بوصف: ليس قسيمًا للأمر المطلق، وأن الأمر العريَّ عن القرائن ليس هو العريَّ من تعليق بشرط أو تقييد بصفة، وكان واضحًا من كلامه أن آراء العلماء من اقتضاء التكرار أو عدمه في الأمر، واقتضائه إن كان الأمر معلقًا بشرط .... كلها تَرِدُ على الأمر المطلق، أي العري عن قرينة المرة أو التكرار (٢). غير أن الشارح لم يعجبه مسلك ابن قدامة، في جعله القول بالتكرار عند التعليق بالشرط ينسلك في ظل الأمر المطلق؛ فقد قرر أن (هذا القول ليس من الأقوال التي يصح دخولها تحت فرض المسألة لأن المسألة مفروضة في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ والمقترن بالشرط ليس مطلقًا فالتكرار فيه لقرينة الشرط لا لكونه أمرًا) (٣). ولست مع الشيخ بدران ﵀ في نقده لابن قدامة، لأن مسلك ابن قدامة هو المسلك السليم حين لم يجعل التعليق بالشرط مقيدًا للأمر، وكان

стр. 858

صنيعه في هذا صنيع كل من سلفه ممن كتبوا حول هذه القضية، واعتبروا المطلق هو المجرد من قرينة التكرار أو المرة، كما ذكرنا من قبل. ولقد أوضح التفتازاني هذه النقطة، حين قرر أن المراد بالأمر المطلق هو المجرد عن قرينة التكرار أو المرة، سواء كان مؤقتًا بوقت، أو معلقًا بشرط، أو مخصوصًا بوصف، أو مجردًا من جميع ذلك (١). وكان جواب التفتازاني ﵀: على إشكال قد يرد، كما أورده بعد أمد شارح "روضة الناظر" لابن قدامة. والجلال المحلى في "شرحه على جمع الجوامع" لابن السبكي، قال في معرض الحديث عن الأمر المعلق بشرط أو صفة: (ويحمل المعلق المذكور على المرة بقرينة، كما في أمر الحج المعلق بالاستطاعة، فإن لم يعلق الأمر فللمرة، ويحمل على التكرار بقرينة) (٢). فالحج قد علق بالاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فعلى مذهب التكرار بالأمر المعلق بالشرط والصفة: يتكرر الحج بتكرر الاستطاعة، لأن الآية على تقدير: من استطاع فليحج. أو ليحج المستطيع. ولكن قول الرسول ﷺ : "بل للأبد" جوابًا للأقرع بن حابس أو غيره حسب الروايات - كما مر - كان قرينة دالة على المرة (٣). ذلك لأن المسائل قال: "ألعامنا هذا أم إلى الأبد؟ ".

стр. 859

وبهذا يتضح صواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن قدامة ﵀ حين لم يخرج عما أراده القوم، واصطلحوا عليه، وأحاطوه بسياج من الأدلة والبراهين، فهو لم يعتبر الشرط قرينة من القرائن، ولذا أدرج مذهب التعليق تحت الأمر المطلق؛ لأن المراد بالأمر المطلق: العريُّ عن قرينة المرة أو التكرار، لا العريُّ حتى عن التعليق بشرط أو صفة، كما أراد الشيخ بدران، وحكم عليه بأنه أدخل تحت فرض المسألة قولًا ليس من الأقوال التي يصح دخوله تحتها. وقد عرّف الشيخ بدران المطلق كما يريد، فجعله العري عن قرينة المرة، والتكرار، والشرط، والصفة (١) وأراد أن يحاسب المصنف على نتيجة هذا التعريف، بينما كان المصنف متسق الخطا، ومنسجمًا كل الانسجام مع طريقة من قبله، حين أتى بمذهب التعليق تحت الأمر المطلق وهو - كما يرى - العريُ عن قرينة الأمر والتكرار. * * * المطلب السادس دلالة الأمر على المجال الزمني لفعل المأمور به كما عني العلماء ببحث دلالة الأمر على الوجوب أو غيره، وبحث دلالته على الوحدة أبو الكثرة، عنوا أيضًا بتحديد المجال الزمني الذي يخرج فيه المكلف من عهدة الامتثال في الإتيان بما أمر به. واقتضاهم ذلك أن يبحثوا في دلالة الأمر من هذه الناحية. وهل هي الأداء على الفور، ومعنى ذلك أن على المكلف المبادرة بالامتثال دون تأخير. أم هي على التراخي، وعندها يكون في وسعه أن لا يبادر على الفور؟ أما القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار؛ فهم قائلون بأنه يقتضي الفور ضرورة؛ لأن القول بالتكرار يلزم منه استغراق الأوقات بالفعل المأمور به مرة بعد أخري، وعليه فلا بد من المبادرة.

стр. 860

وقد احتج هؤلاء للفور بما احتجوا به للتكرار (١). وما قيل في رد اقتضاء التكرار، يقال في رد اقتضاء الفور (٢). أما من عدا القائلين بالتكرار: فقد فرقوا بين الأمر المقيد بوقت، والأمر غير المقيد بوقت. أ - فإذا كان الأمر مقيدًا بوقت يفوت الأداء بفواته؛ كالأمر بالصلوات الخمس، فلا خلاف في أن دلالة الأمر في هذه الحال: هي وجوب أداء الفعل في وقته. ب - أما إذا لم يكن مقيدًا بوقت؛ كالأمر بالكفارات، وقضاء ما فات من الصوم والصلاة، فقد اختلفت أنظار العلماء فيه. ١ - فقال قوم: إن الأمر في هذه الحال لا يدل على الفور، ولا على التراخي - على اختلاف في التعبير عن ذلك - بل يدل على مطلق الفعل. أما الفور أو التراخي: فيكون بالقرينة. وعلى هذا يكون من الجائز للمكلف تأخير المطلوب منه بالأمر، على وجه لا يفوت به، وفي هذه الحال لا يكون آثمًا. هذا من ناحية الخروج من العهدة، أما من ناحية الفضيلة: فالأولى في حقه المسارعة إلى الامتثال، والمبادرة إلى الفعل بمجرد التمكن، عملًا بعموم الأدلة الداعية إلى السباق في الخير، والبدار إلى اغتنام فرصه ومناسباته، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران] (٣) وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ

стр. 861

مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (١). وهذا هو الصحيح عند الحنفية (٢). وعزي إلى الشافعي وأصحابه. قال العضد متابعًا ابن الحاجب الذي قرر ذلك: (روي عن الشافعي مثل ما اخترناه في كونه للتكرار، وهو أنه لا يدل على الفور ولا على التراخي، بل على مطلق الفعل وأيُّهما حصل كان مجزئًا (٣). واختاره الرازي والآمدي وابن الحاجب، وهو ما جنح إليه التلمساني في "مفتاح الوصول"، وقال به البيضاوي في "المنهاج" (٤). ويبدو أن نسبة هذا المذهب إلى أبي حنيفة والشافعي، إنما كانت استنتاجًا من فروعهما في الأحكام، فقد قال ابن برهان (٥): (لم ينقل عن الشافعي وأبي حنيفة نص، وإنما فروعهما تدل على ذلك) (٦). وذلك أيضًا ما ذكره إمام الحرمين بالنسبة للشافعي فقد جاء في "البرهان": (وذهب ذاهبون إلى أن مقتضاها - يعني صيغة الأمر - الامتثال مقدمًا أو مؤخرًا وهذا

стр. 862

منسوب إلى الشافعي وأصحابه، وهو الأليق بتفريعاته في الفقه، وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول (١). ٢ - وقيل: يوجب الفور في أول أوقات الإمكان، فالواجب على المكلف امتثال المأمور به عقيب ورود الأمر، فلو تأخر في ذلك: عُدَّ عاصيًا لأنه لم يخرج عن العهدة بالفورية. وهذا المذهب - كما جاء في "التقرير والتحبير" - معزو إلى المالكية وبعض الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية، وقد صرح البزدوي والسرخسي بأنه مذهب أبي الحسن الكرخي (٢)، وهو ما ذكره أيضًا الشوكاني في "إرشاد الفحول" (٣). على أنا أشرنا آنفًا إلى أن ابن الحاجب - وهو من المالكية - اختار المذهب الأول، وهو دلالة الأمر على مطلق الفعل واعتبره هو الصحيح، وجرى في بحثه على الاستدلال له، والرد على أدلة الآخرين (٤). ثم إن التلمساني - من المالكية أيضًا - اعتبر المذهب الأول هو ما جرى عليه المحققون (٥). وممن قال بالفور: الإباضية. قال السالمي: (ونسب القول بالفور في الأمر المطلق إلى كثير من فقهاء قومنا، وكثير من متكلميهم، وهو ظاهر كلام ابن بركة حيث أوجب تعجيل الحج عند الإمكان) (٦). أما الزيدية: فمنهم من قال بالفور، ومنهم من قال بالتراخي (٧).

стр. 863

رأينا في نسبة الفور إلى الحنفية: نسب القول بالفور إلى الحنفية في بعض كتب الشافعية، كما نرى عند القاضي البيضاوي والإسنوي، قال البيضاوي: (الأمر المطلق لا يفيد الفور خلافًا للحنفية) وقال الإسنوي عند تعداد المذاهب التي ذكرها صاحب "المنهاج": (الثاني: أنه يفيد الفور وجوبًا وهو مذهب الحنفية، غير أن الواقع يهدي إلى أن القول بالفور، هو مذهب بعض الحنفية ومنهم الكرخي كما صرح بذلك البزدوي والسرخسي) (١). ولو رجعنا إلى البزدوي والسرخسي ومن تابعهما، وجدنا أن الصحيح عندهم هو المذهب الأول الذي يرى أن الأمر المطلق لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، وإنما هو لمجرد الطلب، وهو ما ذكرناه حين عرضنا لأصحاب هذا المذهب (٢) وذلك ما نراه عند صدر الشريعة في "التوضيح" وما بيّن التفتازاني في حاشيته "التلويح" أنه المختار حيث قال: (والمختار أنه لا يدل على الفور ولا على التراخي بل كل منهما بالقرينة) (٣). وقد صرح به

стр. 864

الكمال بن الهمام في "التحرير" حين أبان أن الأمر غير المقيد بوقت: هو لمجرد الطلب فيجوز التأخير، وجاء ابن أمير الحاج فقرر في شرحه لكلام ابن الهمام: أن التأخير يجوز على وجه لا يفوت المأمور به أصلًا، وأن البدار به يجوز ثم قال: (وهو الصحيح عند الحنفية) (١). على أنه يبدو من تعبير التفتازاني بالمختار، وتعبير أبي أمير الحاج بالصحيح: أنهم لا يغفلون أن هنالك من يقول بالفور من الحنفية كما أشرنا من قبل - وهو ما صرح به صاحب "التقرير والتحبير" فيما بعد من أن القول بالفور معزو إلى البعض منهم، ولكنه قول خارج على الصحيح وخارج على المختار عند أهل المذهب. وهكذا يظهر لنا أن الإطلاق في نسبة القول بالفور إلى الحنفية دون إيضاح أن المختار أو الصحيح عندهم غير ذلك: لا يتسق مع المحرر في كتبهم. وعلى ذلك: فمن الخير إذا كان هنالك اختلاف بين الشافعية والحنفية مثلًا في بعض الفروع؛ أن لا نردَّه إلى اختلافهم في الفور والتراخي، وإنما إلى تقديم القرينة التي صرفت الأمر المطلق عن مجرد الطلب، إلى غيره عند كل فريق (٢) مثلما جرى في اختلافهم بشأن الحج: فهو واجب على الفور عند الحنفية، وعلى التراخي عند الشافعية كما سيأتي.

стр. 865

مسلك القائلين بمجرد الطلب: ١ - استدل القائلون بأن الأمر لمجرد الطلب دون فور أو تراخ إلا بقرينة، بما استدلوا به على أنه لا يدل على الوحدة أو الكثرة إلا بقرينة؛ وهو ما ثبت لديهم من إطباق أهل العربية على أن صيغة الأمر لا دلالة لها على الطلب دون خصوص زمان، أما خصوص المطلوب فعله: فهو من المادة، ولا دلالة لها إلا على مجرد الفعل، فحصل من مجموع الصيغة والمادة: أن تمام مدلول الصيغة والمادة هو طلب الفعل دون تقييد بالفور أو التراخي. وإذا كان مدلول الأمر هو طلب حقيقة الفعل: فالفور والتراخي أمران خارجان عن الحقيقة؛ إذ هما من صفات الفعل فلا دلالة الأمر عليهما، وإنما يفهم ذلك بالقرائن، فلا بد من جعلها حقيقة في القدر المشترك بين الفور والتراخي. والموضوع لإفادة القدر المشترك بين القسمين، لا يكون فيه إشعار بخصوصية أحدهما على التعيين، لأن تلك الخصوصية - كما يقولون - مغايرة لمسمى اللفظ، وغير لازمة. وهكذا يثبت لدينا أن اللفظ في الأمر، لا إشعار له بخصوص كونه فورًا، ولا بخصوص كونه تراخيًا (١). قال التلمساني في "مفتاح الوصول": (والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر المطلق لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، لأنه تارة يتقيد بالفور، كما إذا قال لعبده: "سافر الآن"، فإنه يقتضي الفور، وتارة يتقيد بالتراخي، كما إذا قال له: "سافر رأس الشهر" فإنه يقتضي التراخي، فإذا أمره بأمر مطلق من غير تقييد بفور ولا بتراخٍ، فإنه يكون محتملًا لهما، وما كان محتملًا لشيئين، فلا يكون مقتضيًا لواحد منهما بعينه) (٢).

стр. 866

ب - ومما استدلوا به أنه لو قال والد لولده: افعل هذا الفعل الآن، أو افعل هذا الفعل غدًا، لم يكن متناقضًا في الحالتين وكان ذلك مقبولًا منه، ولو كان الأمر مقتضيًا للفور لكان لفظ "الآن" في الأولى لغوًا، ولفظ "غدًا" في الثاني نقضًا لمعناه (١). مسلك القائلين بالفور: أ - جاء فيما استدل به أهل هذا المذهب: أن كل مخبر بكلام خبري: كالقائل: زيد قائم، وعمرو في الدار، وكلُّ منشئٍ: كالقائل: بعت فلانًا، وهي طالق: فإنما يقصد الزمان الحاضر عند الإطلاق عن القرائن حتى يكون موجدًا للبيع والطلاق بما ذكر، فكذلك الأمر، إلحاقًا له بالأعم الأغلب. والجامع بينه وبين الخبر: أن كلًا منهما من أقسام الكلام، وبينه وبين سائر الإنشاءات التي يقصد بها الحاضر، كون كل منهما إنشاء (٢). ولم يسلم هذا الدليل لأصحابه، وذلك لسببين: أولهما: أنه قياس في اللغة، لأن فيما قالوه قياسًا للأمر في إفادته للفور على غيره من الخبر والإنشاء. والقياس في اللغة - كما هو معلوم - غير جائز. الثاني: أن الأمر يفترق عن غيره من الخبر والإنشاء، وذلك أن الأمر فيه دلالة على الاستقبال قطعًا، فلا يمكن توجهه إلى الحال؛ لأن الحاصل لا يطلب، والاستقبال الذي يتوجه إليه الأمر؛ إما المطلق، وإما الأقرب إلى الحال، وكلاهما في حيز الاحتمال، فلا يصار إليه إلا الدليل.

стр. 867

وهكذا يكون ما قالوه قياسًا في اللغة وهو غير جائز فيما لو كان الأمر غير مختلف الحكم مع ما قيس عليه، فكيف والمقيس مع المقيس عليه مفترقان (١)؟. ب - ومما استدلوا به أيضًا: أن النهي يفيد الفور، فكذا الأمر، والجامع بينهما أن كلًا منهما طلب. وقد وقعوا في هذا الدليل بما وقعوا في سابقه من القياس في اللغة وهو غير جائز. ثم إن الفور ضروري في النهي، لأن المطلوب في النهي - كما أشرنا في مبحث التكرار - الترك باستمرار، والمطلوب في الأمر ليس كذلك (٢). وأيضًا: فإن الامتثال بترك المنهي عنه، هو المطلوب بالنهي، وترك المنهي عنه لا يتحقق إلا بأن يكون الترك في كل الأوقات، لا أن النهي يفيد الفور؛ فالنفور ضروري في الامتثال للنهي، وليس هو المدلول للنهي (٣). ج - ولقد رأى القائلون بالفور في ذم إبليس على ترك المبادرة بالسجود، حين أمر فلم يفعل: دليلًا على ما يريدون. وبيان ذلك إن الله تعالى ذم إبليس بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] والذم إنما كان بسبب عدم المبادرة، فدل ذلك على أن الفور هو مدلول الأمر، وإلا لم يكن هنالك مجال لذم. إبليس على عدم مبادرته بالسجود (٤). وقد يسلم هذا الدليل لأصحابه، لو أن الأمر مطلق غير مقيد بوقت

стр. 868

معين، ولكن السجود المطلوب، كان بوقت معين هو وقت تسوية آدم ونفخ الروح فيه، حيث قال جلَّ ذكره: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: ٢٩]. وقد امتثل الملائكة فسجدوا، وفوَّت إبليس الامتثال، فلم يسجد في هذا الوقت الذي عُيِّن للسجود، فجاء الذم من ترك الامتثال في ذلك الوقت المعين. قال ابن أمير الحاج: (فامتناع تأخير السجود عن زمان التسوية والنفخ، مستفاد من امتناع تأخير المظروف عن ظرفه الزماني لا من مجرد الأمر) (١). د - ونسير مع القائلين بالفور، لنراهم يستدلون أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (٢) وقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (٣) ووجه الاستدلال أن المقصود بالمغفرة في النص الأول سببها، وهو فعل المأمور به، لأن المغفرة نفسها ليست من مقدور العبد. فيكون في الآية، أمر بالمسارعة إلى الطاعة والامتثال، بفعل المأمور به، وذلك بفعل الخيرات التي جاء الأمر باستباقها في النص الثاني، وعلى هذا: فمن الواجب المسارعة إلى هذا الخير واستباقه، وإنما يتحقق ذلك بفعل المأمور به على وجه الفور (٤). غير أن الآخرين يحملون الأمر بالمسارعة والاستباق في الآيتين على الأفضلية، لا على الوجوب، وقالوا من ذلك: إنه لو حمل الأمر على الوجوب هنا: لوجب الفور، فلم يكن هناك مسارعة ولا استباق؛ لأنهما إنما يتصوران حيث يكون في المأمور به فسحة وتوسع، لا أن يكون فيه ضيق وتقييد (٥)،

стр. 869

وكما ذكر القاضي العضد: (لا يقال لمن قيل له: صم غدًا، فصام، أنه سارع إليه أو استبق) (١). هذه هي أهم الأدلة التي جاء بها القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي الفور، وقد رأيت، كيف أن أهل المذهب الأول قد أوردوا على كل منها ما منع الاستدلال به، أو أضعفه على الأقل. رأينا في الموضوع: هذا: وقد ظهر مما تقدم أن السلك الذي ينتظم الاتجاه في مسألة دلالة الأمر على الوحدة أو التكرار، كما ينتظم الاتجاه في مسألة دلالته على الفور أو التراخي: إنما هو كون الأمر لمجرد الطلب - كما ثبت لدى الجمهور - وأن الوحدة والتكرار، والفور والتراخي، أمور خارجة صالحة لأن يقيد بها عن طريق القرائن. ولذا فإننا نميل في مسألة الفور والتراخي، إلى ما اعتبر المذهب المختار عند الحنفية والصحيح عند الشافعية ومن معهم؛ وهو أن الأمر المجرد لا يدل على فور أو تراخ، وإنما يدل على مطلق الطلب: لأنه ليس في لفظ الأمر المجرد عن القرينة ما يقتضي وجوب التعجيل بفعل المأمور به، ولا ما يقتضي جواز التأخير، فكان لا بد من الاعتماد على القرائن لتحديد المجال الزمني الذي يبرأ المكلف عن العهدة إذا امتثل فيه. وحسنٌ ما أوضحه صاحب "منهاج الوصول" من الزيدية حيث قال: (والحق عندي في هذه المسألة؛ أن لفظ الأمر إنما وضع لمجرد الطلب. والفورُ والتراخي، ونحوهما من التكرار والمرة، موقوفة على القرائن الخارجة عنه، حاليةً كانت، أم مقاليةً، لأنه ليس في لفظ الأمر مع تجرده عن القرائن ما يقتضي وجوب التعجيل، ولا ما يقتضي جواز التأخير، فوجب أن يعتمد في ذلك على القرائن فيختلف الحال بحسبها).

стр. 870

ثم قال: (ولهذا حُكم بأن الحج على التراخي بقرينةٍ، هي تراخيه ﷺ بعد نزول آية الحج، وحكم على غيره بأنه للفور بقرينة (١). فإن تجرد عن القرائن: أفاد مجرد الطلب لا غير، فمتى أتى المكلف بالمطلوب فقد امتثل في أي وقت فعل ذلك) (٢). * * * المطلب السابع دلالة الأمر الوارد بعد المنع والتحريم في صدر هذا الموضوع: عرضنا لمذاهب العلماء في مدلول الأمر من ناحية الوجوب أو غيره، وكان الأمر الذي تحدثنا عنه هو غير المسبوق بمنع المأمور به وتحريمه.

стр. 871

ولكن الأوامر ليست كلها كذلك. فكثيرًا ما تُطالع الباحث في دلالات الألفاظ على الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، نصوص يرد الأمر فيها مسبوقًا بمنع المأمور به وتحريمه، كما في أمر المتحللين من الإحرام بالاصطياد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (١) فإنه وارد بعد المنع منه في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]. وكما في الأمر بأدخار لحوم الأضاحي بعد النهي عنه في قول الرسول ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدافّة، فكلوا وادخروا وتصدقوا) (٢) وذلك بعد نهيت: "نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث". فالأمر بالادخار سبقه النهي عنه - كما هي نص الحديث -. ولقد كانت للعلماء مذاهب في دلالة الأمر بعد أن يسبقه التحريم، نعرض لأهمها فيما يلي: أ - فالقائلون بأن موجَب الأمر قبل التحريم: هو الندب، أو الإباحة، فهو عندهم بعد التحريم كذلك، ولا حاجة إلى تجديد البحث في هذا المسلك. ب - أما القائلون بأن موجب الأمر قبل الحظر: هو الوجوب، فقد اختلفوا على ثلاثة مذاهب: الأول: القول بأن الأمر الوارد على هذه الشاكلة: يدل على الإباحة. الثاني: القول بأن الأمر الوارد بعد الحظر والتحريم: يدل على الوجوب. الثالث: القول بأن الأمر الوارد بعد الحظر والتحريم: يدل على ما كان عليه من قبل ورود المنع.

стр. 872

ج - أما أرباب الوقف: فعندهم جديد، سنراه في عرضنا لرأي كل من إمام الحرمين والغزالي والآمدي. القول بالإباحة: أما القول بالإباحة: فهو المروي عن الشافعي وعدد من أصحابه وقد نقله عن الشافعي - كما ذكر الإسنوي - القيرواني في كتاب "المستوعب" - وابن التلمساني في "شرح المعالم"، والأصفهاني في "شرح المحصول" (١). كما نقله ابن برهان والآمدي أيضًا عن أكثر الفقهاء (٢)، ورجحه ابن الحاجب في "مختصر المنتهي" (٣)، والتلمساني في "مفتاح الوصول" (٤)، ونسبه السالمي إلى الإباضية (٥). وقد احتج العلماء لهذا القول، بأن الغالب في عرف الشارع استعمال الأمر بعد الحظر للإباحة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] بعد قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فالأمر بالانتشار في الأرض بعد الصلاة طلبًا للرزق من طريق البيع وغيره: إنما كان للإباحة عند الجمهور، وقد جاء بعد المنع في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٦). وكقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] بعد المنع من الاصطياد في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وقد أشرنا إلى ذلك آنفًا. وكقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالأمر بالإتيان بعد تطهر الزوجة للإباحة وقد جاء بعد المنع من القربان في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 873

ومثل ذلك ما جاء في الحديث من قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١). فالأمر بزيارة القبور هنا للإباحة، وقد جاء بعد منع الرسول منها كما هو نص الحديث (٢). ومثله أيضًا ما أشرنا إليه من حديث ادخار لحوم الأضاحي حيث جاءت الإباحة بعد نهيه ﵊ عنه. وإذا كان الغالب في عرف الشرع استعمال الأمر بعد المنع والتحريم للإباحة، فذلك يدل على أن ورود الأمر بعد الحظر، قرينة على صرف الأمر عن الوجوب للإباحة، لأنه المتبادر إلى الفهم، وهو حاصل بالإباحة. والوجوبُ أو الندبُ لا بد له من دليل. ويضاف إلى ذلك، أن عجز المأمور قرينة دالة على أن المقصود ظهور عجزه، لا وجود الفعل، فصار كأن الآمر قال: قد كنت منعتك فرقعت من كذا، فرفعت ذلك المنع، وأذنت لك فيه (٣). القول بالوجوب: أما القول بالوجوب: فهو قول ابن حزم وعامة متأخري الحنفية، بل عزاه عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار" إلى عامة القائلين بالوجوب قبل الحظر وذلك قوله: (واعلم أن جمهور الأصوليين على أن موجب الأمر المطلق قبل الحظر وبعده سواء، فمن قال بأن موجبه التوقف أو الندب أو

стр. 874

الإباحة قبل الحظر فكذلك يقول بعده، ومن قال بأن موجبه الوجوب قبل الحظر، فعامتهم على أن موجبه الوجوب بعد الحظر أيضًا) (١). وقد أوضح ابن حزم مذهبه بقوله: (فإذا نسخ الحظر نظرنا فإن جاء نسخه بلفظ الأمر، وجب فعله بعد أن كان حرامًا) (٢). وممن قال بالوجوب أيضًا القاضي أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الشيرازي، والإمام الرازي والبيضاوي والإسنوي، ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن القاضي، كما نقله الآمدي عن المعتزلة (٣) ونسبه صاحب "غابة السول" إلى الزيدية (٤). وقد احتج أصحاب هذا القول: بأن مقتضى الوجوب قائم؛ إذ الأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، فالوجوب هو الأصل، ومجيء الأمر بعد الحظر لا يصلح قرينة على صرفه من إفادة الوجوب إلى غيره فوروده بعد الحرمة، لا يعارض ما ثبت له من الوجوب، فوجب حملة على ما دل عليه قبل المنع، عملًا بالمقتضى السالم عن المعارضة، لأنه كما جاز الانتقال من المنع إلى الإذن: جاز الانتقال منه إلى الإيجاب وقد ثبتت دلالة بعض الأوامر على الوجوب، مع ورودها بعد الحظر والتحريم كقول الله جلَّ وعلا: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فإن الأمر بقتال المشركين وارد بعد تحريمه في الأشهر الحرم، والاتفاق حاصل على أن هذا الأمر للوجوب وكقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] بعد قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ

стр. 875

فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب]، فالانتشار في هذه الآية هو الخروج عن بيوت النبي ﷺ ، وهو فرض. فلا يحل لهم القعود بعد أن يطعموا ما دعوا إلى طعامه. وكجوابه ﷺ لفاطمة بنت حبيش حين جاءته فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ حيث قال: "لا إنما ذلك دم عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي" (١) ولا شك أن أمر الرسول صلوات الله عليه لفاطمة بعد انتهاء الحيضة للوجوب، وهو وارد بعد الحظر والتحريم الذي ثبت في الحديث نفسه. جوابهم عن النصوص التي كان الأمر فيها بعد الحظر للإباحة: وقد أجاب هؤلاء عن بعض النصوص التي كان الأمر فيها بعد الحظر للإباحة - ومنها ما أوردناه آنفًا: أن المثال الجزئي لا يصح قاعدة كلية. كما أن الإباحة في هذه النصوص، إنما فهمت بقرائن أخرى غير التحريم الذي سبقها، حتى لو لم يسبق هذا التحريم، لفُهمت الإباحة أيضًا من تلك القرائن. فالاصطياد بعد التحلل من الإحرام وغيرُه من الأحكام التي تثبت بتلك النصوص، إنما هي أحكام شرعت حقًّا للعبد، فلو وجبت لصارت حقًّا عليه لله تعالى، فيعود الأمر على موضوعه بالنقض قال عبد العزيز البخاري في بيان ذلك: (ولهذا لم يحمل الأمر بالكتابة عند المداينة، ولا الأمر بالإشهاد عند المبايعة على الإيجاب، وإن لم يتقدمه حظر لئلا يصير حقًّا علينا بعدما شرع حقًّا لنا) (٢).

стр. 876

موقف ابن حزم من هذه النصوص: ذكر ابن حزم من نصوص القائلين بأن الأمر بعد الحظر للإباحة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله ﵇: "كنت نهيتكم من زيارة القبور فزوروها" (١) "وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا" (٢) وقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وإذا كان القائلون بالوجوب بعد الحظر، قد أرجعوا دلالة الأمر على الإباحة في هذه النصوص وغيرها إلى قرائن أخرى، فإن ابن حزم أوضح أن بعضها قامت الإباحة فيه على الدليل، وبعضها لم يسلّم مع الآخرين أن الأمر فيه للإباحة، وإنما هو للوجوب. وأبو محمد يسلم بغير الوجوب إذا قام عليه الدليل، ولكنه ينكر العدول عن البرهان إلى الهوى والرأي الفاسد: قال في "الإحكام": (وأما الأوامر التي ذكرنا من قبل فإن دلائل النصوص قد صحت على أنها ندب، ونحن لا نأبى الإقرار بما أتى به نص، بل نبادر إلى قبوله، وإنما ننكر الحكم بالآراء الفاسدة والأهواء الزائفة بغير برهان من الله . فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] يرى ابن حزم أن الذي أفهمنا دلالة الأمر على الإباحة في هذه الآية هو فعل الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإن رسول الله حل من عمرته ومن حجه، ولم يصطد؛ فعلمنا أنه ندب وإباحة. أما في قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فقد فسر ابن حزم الأمر بما صح عن النبي ﷺ : "أن

стр. 877

الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه ما لم يحدث" (١) ولم يخص صلاة من صلاة، بحيث شمل صلاة الجمعة وغيرها مع أن الصلاة التي ورد الأمر بالانتشار بعدها هي صلاة الجمعة، فصح أن الانتشار مباح، إلا للحدث، والنظر في مصالح نفسه وأهله: فهو فرض. وفي قوله ﷺ بعد النهي عن زيارة القبور: "إلا فزوروها" بيّن ابن حزم أن الفرض لا يكون إلا محدودًا، أو موكولًا إلى المرء ما فعل منه، أو محمولًا على الطاقة والمعروف، وليس في زيارة القبور نص بشيء من هذه الموجوه. ثم لو كان فرضًا: لكان زائرها مرة واحدة قد أدى فرضه في ذلك لما تقدم من إبطال التكرار. وعن أمر الرسول ﷺ بالانتباذ بعد نهيه عنه، قرر ابن حزم ما ثبت أن الرسول لم ينتبذ وإنما كان ينتبذ له، فصح أن الانتباذ ليس فرضًا ولكنه إباحة. وفي قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] اعتبر ابن حزم الأمر في هذا النص للوجوب؛ فالمباشرة من الرجل لزوجته فرض ولا بد، ولا يحل له هجرها في المضجع، ولا الامتناع من وطئها إلا بتجافيها له عن ذلك (٢). القول بالوقف: هذا ولم يخلُ الأمر بعد الحظر من القول بالوقف في دلالته حتى يرد البيان، ولكن كان ذلك على وجوه متعددة، كما سنرى عند إمام المحرمين والغزالي والآمدي، حيث وعدنا بذلك من قبل. أ - فإمام الحرمين صريح في هذا التوقف دون أي تفصيل، وقد قال في "البرهان" بعد الحديث عما نحن فيه: (والحق عندي الوقف في هذه القضية، فلا يمكن القضاء على مطلقها، وقد قام الحظر بالإيجاب

стр. 878

وبالإباحة، فلئن كانت الصيغة في الإطلاق موضوعة للاقتضاء، فهي مع الحظر مشكلة فتعين الوقوف إلى البيان) (١). ب - أما الغزالي: فالمختار عنده التفريق بين حالتين: أولهما: ما إذا كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة "افعل" بزوالها. الثانية: ما إذا لم يكن الحظر السابق لعلة، ولا صيغة "افعل" علقت بزوالها. فإذا كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة "افعل" بزوالها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة، لكن الأغلب ما ذكرناه، كقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وكقوله ﷺ : "كنت نهيتكم من لحوم الأضاحي فادخروا. أما إذا لم يكن الحظر عارضًا لعلة، ولا صيغة "افعل" علقت بزوالها: فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة، قال الغزالي: (ونزيح هاهنا احتمال الإباحة، ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال وإن لم تعينه. إذ لا يمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع) (٢). وهذا التفريق بين الحالتين عند الغزالي منوط بما إذا ورد الأمر بصيغة "افعل" فإذا لم ترد صيغة "افعل" لكن قال مثلًا: فإذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد، فهذا في نظر أبي حامد يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه الصورة، وقوله: "أمرتكم بكذا" يضاهي قوله: "افعل" في جميع المواضع لا في هذه الصورة وما يقرب منها (٣).

стр. 879

ج - أما أبو الحسن الآمدي: فقد جعل صيغة الأمر بعد الحظر مترددة بين الإباحة والوجوب، وسواء أقلنا بالتساوي، أم بوجوب الترجيح؛ فالتوقف لا بد منه. وكان اختياره لهذا المسلك قائمًا على أن صيغة "افعل" إذا وردت بعد الحظر، احتمل أن تكون مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر، واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب. أما الأول: فكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وكما في قوله ﷺ : "كنت نهيتكم من ادخار لحوم الأضاحي فادخروا". وأما الثاني: فقد مثل له الآمدي بما لو قيل للحائض: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي (١). وإذ انتهى الآمدي من هذه الوقفة أمام نصوص بعضُها يحتمل الإباحة وبعضُها يحتمل الوجوب: انتقل بنا إلى مرحلة ثانية يستكمل فيها أن التوقف لا بد منه، وهي حال احتمال الإباحة واحتمال الوجوب، ففي هذه الحال: إما أن يقال: بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر. فإن قيل: بالتساوي، امتنع الجزم بأحدهما، ووجب التوقف. وإن قيل: بوجوب الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه، فليس اختصاص الوجوب بالترجيح أولى من الإباحة إلا أن يقوم دليل على تخصيص الوجوب بذلك، والأصلُ عدمه، وعلى هذا أيضًا يجب التوقف. ولقد أكد الآمدي استبعاد الصرف إلى الوجوب في هذه الحال بقوله: (كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح، نظرًا إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب، وعلى كل تقدير فيمتنع الصرف إلى الوجوب) (٢).

стр. 880

رأي الإسنوي في حقيقة مذهب الآمدي وما نراه في ذلك: لقد عدّ الإسنوي أبا الحسن الآمدي من القائلين بالتوقف في هذه المسألة، ثم قرر أن صاحب "الإحكام" له مع ذلك ميل إلى الإباحة، وقد أخذ الإسنوي هذا الميل من قول الآمدي: (واحتمال الإباحة أرجح نظرًا لغلبته). والذي في "الإحكام" - كما نقلنا عبارة الآمدي من قبل - هو (كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح). فالاحتمال الذي يعنيه الآمدي، ليس احتمال الإباحة مطلقًا، ولكنه احتمال الحمل عليها نظرًا إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب. وعلى كلٍّ: فقد قرر الآمدي بعد ذلك - بما لا يحتمل الشك - أنه يقول بالتوقف، ويعتبره الأصح، وذلك ما عناه بقوله: (وبالجملة فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة "افعل" إذا وردت مطلقة هل هي ظاهرة في الوجوب، أو الندب، أو موقوفة؟) فربَط هذه المسألة بمسألة ورود "افعل" مطلقة دون أن يسبقها حظر. ونعود إلى ما نقلناه عن مذهبه في دلالة الأمر من قبل لنراه يقول: (ومنهم من توقف: وهو مذهب الأشعري ﵀، ومن تابعه من أصحابه كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الأصح (١). رأينا في دلالة الأمر بعد الحظر والتحريم: هذا: وبعد عرضنا لمذهب القول بالإباحة، والقول بالوجوب، ثم القول بالتوقف، نلاحظ أن النصوص التي كانت مستند الاحتجاج لا تعطي بمجموعتها جزمًا بوجوب أو إباحة، لأن منها ما دل الأمر فيه بعد الحظر على الإباحة، ومنها ما دل فيه على الوجوب، وإن كانت نصوص الإباحة تبدو أكثر لدى الاستقراء، ولا يعني ذلك أن المخرج هو القول بالتوقف،
следующие страницы →