← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فنهى رسول الله ﷺ في حديث أبي الزناد عن الصلاة في الثوب الواحد متزرا به. وقد جاء عنه ﷺ أيضا أنه نهى أن يصلي الرجل في السراويل وحده، ليس عليه غيره ٢١١٨ - حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني زيد بن الحباب، عن أبي المنيب، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن النبي ﷺ بذلك (١). فهذا مثل ذلك، وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، فإن كان لا يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متزرا به. فهذا تصحيح معاني هذه الآثار المروية عن النبي ﷺ في هذا الباب. وقد رويت عن أصحابه في ذلك آثار منها ما ٢١١٩ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رجالا من المسلمين كانوا يشهدون

стр. 1192

الصلاة مع رسول الله ﷺ ، عاقدي ثيابهم في رقابهم، ما على أحدهم إلا ثوب واحد (١). ٢١٢٠ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا محمد بن حمير، قال: ثنا ثابت بن العجلان، قال: ثنا أبو عامر سليم الأنصاري، أنه صلى مع أبي بكر في خلافته سبعة أشهر، فرأى أكثر من يصلي معه من الرجال في ثوب واحد يدعى بردًا، ليس عليهم غيره (٢). ٢١٢١ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى بنا خالد بن الوليد يوم اليرموك، في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه (٣).

стр. 1193

٢١٢٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن قيس بن أبي حازم، قال: أمنا خالد بن الوليد يوم اليرموك، في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه، وخلفه أصحاب محمد ﷺ (١). ففيما قد روينا عمن ذكرنا من أصحاب النبي ﷺ من الصلاة في الثوب الواحد، ما يضاد ما روينا عن عمر ﵁. ثم قد ثبت عن النبي ﷺ في الآثار المتقدمة ما قد وافق ذلك، فذلك أولى أن يؤخذ به مما روي عن عمر ﵁. وهذا الذي صححنا، قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، رحمهم الله تعالى.

стр. 1194

٥٤ - باب: الصلاة في أعطان (١) الإبل ٢١٢٣ - حدثنا يزيد بن سنان، وصالح بن عبد الرحمن، وبكر بن إدريس، قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا يحيى بن أيوب أبو العباس المصري، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق بيت الله (٢). ٢١٢٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا الخضر بن محمد الحراني، قال: ثنا عباد بن العوام، قال: أنا الحجاج، قال: ثنا عبد الله بن عبد الله -مولى بني هاشم، وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه-، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا في مرابض (٣) الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" (٤).

стр. 1195

٢١٢٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب ﵁، قال: قال رجل للنبي ﷺ : أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: "لا" قال: أصلي في معاطن الإبل؟ قال: "لا" قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: "نعم" (١). ٢١٢٦ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر (ح) وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قالا: ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم، ومعاطن الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل" (٢).

стр. 1196

٢١٢٧ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة: أن رجلا قال: يا رسول الله، أصلي في مباءات (١) الغنم؟ قال: "نعم" قال: أصلي في مباءات الإبل؟ قال: "لا" (٢). ٢١٢٨ - حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ … مثله (٣). ٢١٢٩ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" (٤).

стр. 1197

قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى أن الصلاة في أعطان الإبل مكروهة، واحتجوا بهذه الآثار، حتى غلظ بعضهم في حكم ذلك، فأفسد الصلاة. وخالفهم في ذلك آخرون (٢)، فأجازوا الصلاة في ذلك الموطن. وكان من الحجة لهم أن هذه الآثار التي نهت عن الصلاة في أعطان الإبل قد تكلم الناس في معناها، وفي السبب الذي كان من أجله النهي. فقال قوم: أصحاب الإبل من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول، فينجسون بذلك أعطان الإبل، فنهي عن الصلاة في أعطان الإبل لذلك، لا لعلة الإبل، وإنما هي لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع ما كانت. وأصحاب الغنم من عادتهم تنظيف مواضع غنمهم، وترك البول فيه والتغوط، فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك. هكذا روي عن شريك بن عبد الله أنه كان يفسر هذا الحديث على هذا المعنى. وقال يحيى بن آدم: ليس من قبل هذه العلة عندي جاء النهي، ولكن من قبل أن الإبل يخاف وثوبها فيعطب من يلاقيها حينئذ، ألا تراه أنه قال: فإنها جن ومن جن خلقت.

стр. 1198

وفي حديث رافع بن خديج عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش" وهذا فغير مخوف من الغنم، فأمر باجتناب الصلاة في معاطن الإبل خوف ذلك من فعلها، لا لأن لها نجاسة ليس للغنم مثلها، وأبيحت الصلاة في مرابض الغنم، لأنه لا يخاف منها ما يخاف من الإبل. حدثني خلاد بن محمد، عن ابن شجاع الثلجي، عن يحيى بن آدم بالتفسيرين جميعا ٢١٣٠ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عياضا قال: إنما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل، لأن الرجل يستتر بها ليقضي حاجته (١). فهذا التفسير موافق لتفسير شريك. ٢١٣١ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يصلي إلى بعيره (٢). ٢١٣٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا يحيى بن أبي بكير العبدي، قال: أنا إسرائيل، عن زياد المصفّر، عن الحسن، عن المقدام الرهاوي، قال: جلس عبادة بن

стр. 1199

الصامت، وأبو الدرداء، والحارث بن معاوية ﵃. فقال أبو الدرداء: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ حين صلى بنا إلى بعير من المغنم؟ فقال عبادة: أنا قال: فحدث قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، ثم مدّ يده فأخذ وبرة من البعير فقال: "ما يحل لي من غنائمكم مثل هذه، إلا الخمس، وهو مردود فيكم" (١). ففي هذين الحديثين إباحة الصلاة إلى البعير، فثبت بذلك أن الصلاة إلى البعير جائزة، وأنه لم ينه عن الصلاة في أعطان الإبل، لأنه لا تجوز الصلاة بحذائها. واحتمل أن تكون الكراهة لعلة ما يكون من الإبل في معاطنها، من أرواثها وأبوالها. فنظرنا في ذلك فرأينا مرابض الغنم، كل قد أجمع على جواز الصلاة فيها، وبذلك جاءت الروايات التي روينا عن رسول الله ﷺ . وكان حكم ما يكون من الإبل في أعطانها من أبوالها وغير ذلك، حكم ما يكون من الغنم في مرابضها من أبوالها وغير ذلك، لا فرق بين شيء من ذلك في نجاسة ولا

стр. 1200

طهارة، لأن من جعل أبوال الغنم طاهرة، جعل أبوال الإبل كذلك، ومن جعل أبوال الإبل نجسة، جعل أبوال الغنم كذلك. فلما كانت الصلاة قد أبيحت في مرابض الغنم في الحديث الذي نهي فيه عن الصلاة في أعطان الإبل، ثبت أن النهي عن ذلك ليس لعلة النجاسة ما يكون منها، إذ كان ما يكون من الغنم حكمه مثل ذلك. ولكن العلة التي لها كان النهي هو ما قال شريك، أو ما قال يحيى بن آدم. فإن كان لما قال شريك فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول، كان عطنا أو غيره. وإن كان لما قال يحيى بن آدم، فإن الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس، كان عطنا أو غيره. فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما حكم ذلك من طريق النظر، فإنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم وأن الصلاة فيها جائزة، وإنما اختلفوا في أعطان الإبل، فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها، فكان يجيء في النظر أيضا أن يكون حكم الصلاة في موضع الإبل كهو في موضع الغنم قياسا ونظرا على ما ذكرنا. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى

стр. 1201

٢١٣٣ - وقد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: هذه نسخة رسالة عبد الله بن نافع إلى الليث بن سعد يذكر فيها: أما ما ذكرت من معاطن الإبل، فقد بلغنا أن ذلك يكره، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة، فيصلي إليها وهي تبعر وتبول (١).

стр. 1202

٥٥ - باب: الإمام تفوته صلاة العيد هل يصليها من الغد أو لا؟ ٢١٣٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن أبي عمير بن أنس بن مالك، قال: أخبرني عمومتي من الأنصار: أن الهلال خفي على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان في زمن النبي ﷺ فأصبحوا صياما، فشهدوا عند النبي ﷺ بعد زوال الشمس أنهم رأوا الهلال الليلة الماضية. فأمر رسول الله ﷺ الناس بالفطر، فأفطروا تلك الساعة، وخرج بهم من الغد، فصلى صلاة العيد (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى هذا، فقالوا: إذا فات الناس صلاة العيد في صدر يوم العيد صلوها من غد ذلك اليوم، في الوقت الذي يصلونها فيه يوم العيد. وممن ذهب إلى ذلك، أبو يوسف. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: إذا فاتت الصلاة يوم العيد حتى زالت الشمس من يومه لم تصل بعد ذلك في ذلك اليوم، ولا فيما بعده.

стр. 1203

وممن قال ذلك، أبو حنيفة رحمه الله تعالى. وكان من الحجة لهم في ذلك أن الحفاظ ممن روى هذا الحديث عن هشيم لا يذكرون فيه أنه صلى بهم من الغد. فممن روى ذلك عن هشيم ولم يذكر فيه هذا، يحيى بن حسان، وسعيد بن منصور وهو أضبط الناس لألفاظ هشيم، وهو الذي ميز للناس ما كان هشيم يدلس به من غيره ٢١٣٥ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، قال: أخبرني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أغمي علينا هلال شوال، فأصبحنا صياما، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس. فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا من يومهم، ثم ليخرجوا لعيدهم من الغد إلى مصلّاهم (١). ٢١٣٦ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر … فذكر بإسناده مثله (٢). فهذا هو أصل هذا الحديث، لا كما رواه عبد الله بن صالح، وأمره إياهم بالخروج من الغد لعيدهم، قد يجوز أن يكون أراد بذلك أن يجتمعوا فيه ليدعوا، أو لترى

стр. 1204

كثرتهم، فيتناهى ذلك إلى عدوهم فتعظم أمورهم عنده، لا لأن يصلوا كما يصلى للعيد وقد رأينا المصلي في يوم العيد قد كان أمر بحضور من لا يصلي. ٢١٣٧ - حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: أنا هشيم، قال: أنا منصور، عن ابن سيرين، عن أم عطية، وهشام، عن حفصة، عن أم عطية قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج الحيض وذوات الخدور يوم العيد فأما الحيض فيعتزلن ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. وقال هشيم: فقالت امرأة: يا رسول الله فإن لم يكن لإحدانا جلباب؟ قال: "فلتعرها أختها جلبابها" (١). فلما كان الحيض يخرجن لا للصلاة، ولكن لأن تصيبهن دعوة المسلمين، احتمل أن يكون النبي ﷺ أمر الناس بالخروج من غد العيد لأن يجتمعوا فيدعون، فتصيبهم دعوتهم، لا للصلاة. وقد روى هذا الحديث شعبة، عن أبي بشر، كما رواه سعيد ويحيى، لا كما رواه عبد الله بن صالح.

стр. 1205

٢١٣٨ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت أبا عمير بن أنس (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر … فذكر مثله بإسناده، غير أنه قال: "وأمرهم إذا أصبحوا أن يخرجوا إلى مصلاهم" (١). فمعنى ذلك أيضا معنى ما روى يحيى وسعيد، عن هشيم، وهذا هو أصل الحديث. ولما لم يكن في الحديث ما يدل على حكم ما اختلفوا فيه من الصلاة في الغد، فنظرنا في ذلك فرأينا الصلوات على ضربين: فمنها ما الدهر كله لها وقت غير الأوقات التي لا تصلي فيها الفريضة، فكان ما فات منها في وقته، فالدهر كله وقت يقضى فيه غير ما نهي عن قضائها فيه من الأوقات. ومنها ما جعل له وقت خاص، ولم يجعل لأحد أن يصليه في غير ذلك الوقت من ذلك الجمعة، حكمها أن تصلي يوم الجمعة من حين تزول الشمس إلى أن يدخل وقت العصر، فإذا خرج ذلك الوقت فاتت، ولم يجز أن تصلي بعد ذلك في يومها ذلك، ولا فيما بعده. فكان ما لا يقضى في بقية يومه بعد فوات وقته لا يقضى بعد ذلك.

стр. 1206

وما يقضى بعد فوات وقته في بقية يومه ذلك قضي من الغد وبعد ذلك، وكل هذا مجمع عليه. وكانت صلاة العيد جعل لها وقت خاص في يوم العيد آخره زوال الشمس، وكل قد أجمع على أنها إذا لم تصل يومئذ حتى زالت الشمس أنها لا تصلى في بقية يومها. فلما ثبت أن صلاة العيد لا تقضى بعد خروج وقتها في يومها ذلك، ثبت أنها لا تقضى بعد ذلك في غد ولا غيره، لأنا رأينا ما للذي فاته أن يقضيه من غد يومه جائز له أن يقضيه في بقية اليوم الذي وقته فيه وما ليس للذي فاته أن يقضيه في بقية يومه ذلك، فليس له أن يقضيه من غده. فصلاة العيد كذلك لما ثبت أنها لا تقضى إذا فاتت في بقية يومها، ثبت أنها لا تقضى في غده. فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة، فيما روى عنه بعض الناس، ولم نجده في رواية أبي يوسف عنه.

стр. 1207

٥٦ - باب: الصلاة في الكعبة ٢١٣٩ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: إنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بدخوله يعني البيت؟ فقال: لم يكن ينهى عن دخوله، ولكن سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه شيئا حتى خرج، فلما خرج صلى ركعتين وقال: "هذه القبلة" (١). ٢١٤٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ أن الفضل بن عباس أخبره، أن النبي ﷺ دخل البيت ولم يصل، ولكنه لما خرج صلى عند باب البيت ركعتين (٢).

стр. 1208

٢١٤١ - حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: أنا موسى بن داود، قال: ثنا همام، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سواري، فقام إلى كل سارية كذا ولم يصل (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أنه لا تجوز الصلاة في الكعبة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وبقول رسول الله ﷺ حين صلى خارجا من الكعبة: "إن هذه القبلة". وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا لا بأس بالصلاة في الكعبة، وقالوا: قد يحتمل قول النبي ﷺ "هذه القبلة" ما ذكرنا، ويحتمل أن يكون أراد به هذه القبلة التي يصلي إليها إمامكم الذي تأتمون به، وعندها يكون مقامه فأراد بذلك تعليمهم ما أمر الله به من قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وليس في ترك النبي ﷺ الصلاة فيها دليل على أنه لا تجوز الصلاة فيها.

стр. 1209

وقد رويت عن رسول الله ﷺ آثار متواترة أنه صلى فيها. فمن ذلك ما ٢١٤٢ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكا حدثه، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وبلال وعثمان طلحة الحجبي وأغلقها عليهم، ومكث فيها. قال ابن عمر ﵄: فسألت بلالا حين خرج: ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودا على يساره وعمودين على يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع (١). ٢١٤٣ - حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ مثله، وأنه صلى بين العمودين اليمانيين، إلا أنه لم يذكر كيف جعل العمد التي ذكرها مالك في حديثه (٢).

стр. 1210

٢١٤٤ - حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، قال: ثنا سلامة بن روح، عن عُقيل، قال: أخبرني ابن شهاب، قال أخبرني سالم، أن ابن عمر ﵄ أخبره .... فذكر بإسناده مثله (١). ٢١٤٥ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا دحيم بن اليتيم، قال: ثنا عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄ مثله … غير أنه قال: أخبرني أنه صلى على وجهه (٢) حين دخل بين العمودين عن يمينه (٣). ٢١٤٦ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة، ورديفه أسامة بن زيد، فأناخ في ظل الكعبة. قال ابن عمر ﵄: فسبقت الناس وقد دخل رسول الله ﷺ وبلال وأسامة في البيت، فقلت لبلال من وراء الباب: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: صلى بحيالك بين الساريتين (٤).

стр. 1211

٢١٤٧ - حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال، أن رسول الله ﷺ صلى في الكعبة (١). ٢١٤٨ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني محمد بن جعفر، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، قال: كنت مع أبي، فلقينا عبد الله بن عمر ﵄ فسأله أبي، وأنا أسمع: أين صلى رسول الله ﷺ حين دخل البيت؟ فقال ابن عمر ﵄: دخل النبي ﷺ بين أسامة بن زيد، وبلال، فلما خرجا سألتهما: أين صلى يعني رسول الله ﷺ ؟. فقالا: على جهته (٢). ٢١٤٩ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي الشعثاء، عن ابن عمر ﵄، قال: رأيته دخل البيت حتى إذا كان بين الساريتين مضى حتى لزق بالحائط، فقام يصلي، فجئت فقمت إلى جنبه، فصلى أربعا، فقلت: أخبرني أين صلى رسول الله ﷺ من البيت؟ فقال: هاهنا أخبرني أسامة أنه رأى رسول الله ﷺ صلى في البيت (٣).

стр. 1212

قال أبو جعفر: فهذا أسامة بن زيد، قد روى عنه عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى النبي ﷺ صلى في البيت. وقد اختلف هو وابن عباس ﵄ فيما رويا عن أسامة من ذلك، وروى ابن عمر ﵁ أيضا عن بلال مثل ما روي عن أسامة. فكان ينبغي لما تضادت الروايات عن أسامة، وتكافأت أن ترتفع ويثبت ما روي عن بلال إذ كان لم يختلف عنه في ذلك. وقد روي عن ابن عمر ﵄ مطلقا أن رسول الله ﷺ صلى في الكعبة. ٢١٥٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب -هو ابن جرير-، قال: ثنا شعبة، عن سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عمر يقول: صلى رسول الله ﷺ في البيت، وسيأتيك من ينهاك، فتسمع قوله: يعني ابن عباس (١). ٢١٥١ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر، عن سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عباس يقول: لا تجعل شيئا من البيت خلفك، وائتم به جميعا، وسمعت ابن عمر يقول: صلى رسول الله ﷺ فيه (٢).

стр. 1213

وقد روي عن غير ابن عمر ﵄ في ذلك عن النبي ﷺ ، مثل ما روى ابن عمر عن أسامة وبلال فمن ذلك ما ٢١٥٢ - حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: ثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي صفوان أو عبد الله بن صفوان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم الفتح قد قدم، فجمعت علي ثيابي، فوجدته قد خرج من البيت فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ في البيت؟ فقالوا تجاهك، قلت: كم صلى؟ قالوا: ركعتين (١). ٢١٥٣ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: قلت لعمر: كيف صنع النبي ﷺ حين دخل الكعبة؟ فقال: "صلى ركعتين" (٢). ٢١٥٤ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد … فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: عبد الله بن صفوان (٣).

стр. 1214

قال أبو جعفر: فهذا عمر ﵁ قد حكي عنه في ذلك ما يوافق ما حكى ابن عمر ﵄ عن أسامة، وبلال، من صلاة رسول الله ﷺ في البيت. وقد روي عن جابر بن عبد الله مثل ذلك. ٢١٥٥ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا شبابة، عن مغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: دخل النبي ﷺ البيت يوم الفتح، فصلى فيه ركعتين (١). وقد روي أيضا عن شيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة مثل ذلك ٢١٥٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن عبد الرحمن بن الزجاج، قال: أتيت شيبة بن عثمان فقلت: يا أبا عثمان: إن ابن عباس ﵄ يقول: إن رسول الله ﷺ دخل الكعبة فلم يصل، قال: بلى، صلى ركعتين عند العمودين المقدمين ثم ألزق بهما ظهره (٢).

стр. 1215

٢١٥٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال أنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الله بن مسلم فذكر بإسناده مثله (١). ٢١٥٨ - حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد سلمة، قال: أنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عثمان بن طلحة ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل البيت، فصلى فيه ركعتين وجاهك بين الساريتين (٢). قال أبو جعفر: فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق تواتر الآثار، فإن الآثار قد تواترت أن رسول الله ﷺ قد صلى في الكعبة، ما لم يتواتر بمثله أنه لم يصل. وإن كان يؤخذ بأن يلقى ما يزاد (٣) منها، عمن يزاد (٤) ذلك عنه ويعمل بما سوى ذلك فإن أسامة بن زيد، الذي حكى عنه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة، خرج منها ولم يصل. فقد روى عنه ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ حين دخلها صلى فيها، فقد تضاد ذلك عنه، فتنافيا.

стр. 1216

ثم قد روي عن عمر، وبلال، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، ما يوافق ما روى ابن عمر عن أسامة فذلك أولى مما تفرد به ابن عباس، عن أسامة. ثم قد روي عن رسول الله ﷺ من قوله، ما يدل على جواز الصلاة فيها ٢١٥٩ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن صفية بنت شيبة أم منصور، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم، ولدت عامة أهل دارنا، قالت: أرسل النبي ﷺ إلى عثمان بن طلحة فقال: "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (١)، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصليا" (٢). وقد روي عنه أيضا في ذلك ما ٢١٦٠ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، قال: ثنا علقمة بن أبي علقمة أمه، عن عائشة ﵂ قالت: كنت أحب أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحجر وقال:

стр. 1217

"إن قومك لما بنوا الكعبة، اقتصروا في بنائها فأخرجوا الحجر من البيت، فإذا أردت أن تصلي في البيت، فصلي في الحجر، فإنما هو قطعة منه" (١). فهذا رسول الله ﷺ قد أجاز الصلاة في الحجر الذي هو من البيت. فقد ثبت بما ذكرنا تصحيح قول من ذهب إلى إجازة الصلاة في البيت. فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما حكمه من جهة النظر فإن الذين ينهون عن الصلاة فيه إنما نهوا عن ذلك لأن البيت كله عندهم قبلة، قالوا: فمن صلى فيه فقد استدبر بعضه، فهو كمستدبر بعض القبلة فلا تجزئه صلاته. فكان من الحجة عليهم في ذلك أنا رأينا من استدبر القبلة، أو ولاها يمينه أو شماله أن ذلك كله سواء، وأن صلاته لا تجزئه. وكان من صلى مستقبل جهة من جهات البيت أجزأته الصلاة باتفاقهم، وليس هو في ذلك مستقبل جهات البيت كلها، لأن ما عن يمين ما استقبل من البيت، وما عن

стр. 1218

يساره ليس هو مستقبله ولما كان لم يتعبد باستقبال كل جهات البيت في صلاته، وإنما تعبّد باستقبال جهة من جهاته، فلا يضره ترك استقبال ما بقي من جهاته بعدها. كان النظر على ذلك أن من صلى فيه، فقد استقبل إحدى جهاته، واستدبر غيرها. فما استدبر من ذلك فهو في حكم ما كان عن يمين ما استقبل من جهات البيت وعن يساره، إذا كان خارجا منه. فثبت بذلك أيضا قول الذين أجازوا الصلاة في البيت وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى. وقد روي ذلك أيضا عن عبد الله بن الزبير ٢١٦١ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير ﵄ يصلي في الحجر (١).

стр. 1219

٥٧ - باب: من صلى خلف الصف وحده ٢١٦٢ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة (ح) وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت هلال بن يساف يحدث، عن عمرو بن راشد، عن وابصة: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة (١). ٢١٦٣ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد، فأقامني على وابصة بن معبد بالرقة، فقال: هذا حدثني أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة (٢).

стр. 1220

٢١٦٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبّان بن هلال، قال: ثنا ملازم بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن بدر السحيمي، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان السحيمي، عن أبيه وكان أحد الوفد، قال صليت خلف رسول الله ﷺ فقضى صلاته، ورجل فرد يصلي خلف الصف، فقام نبي الله ﷺ حتى قضى صلاته، ثم قال: "استقبل صلاتك، فلا صلاة لفرد خلف الصف" (١). فذهب قوم (٢) إلى أن من صلى خلف صف منفردا، فصلاته باطلة واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: من فعل ذلك فقد أساء، وصلاته مجزئة عنه وقالوا: ليس في هذه الآثار ما يدل على خلاف ما قلنا. وذلك أنكم رويتم أن النبي ﷺ أمر الذي صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة فقد يجوز أن يكون أمره بذلك، لأنه صلى خلف الصف.

стр. 1221

ويجوز أن يكون أمره بذلك لمعنى آخر كما أمر النبي ﷺ الذي دخل المسجد فصلى أن يعيد الصلاة، ثم أمره أن يعيدها حتى فعل ذلك مرارا في حديث رفاعة، وأبي هريرة ﵄. فلم يكن ذلك، لأنه دخل المسجد فصلى، ولكنه لمعنى غير ذلك، وهو تركه إصابة فرائض الصلاة. فيحتمل أيضا ما رويتم من أمر النبي ﷺ الرجل الذي صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة، لا لأنه صلى خلف الصف، ولكن لمعنى آخر كان منه في الصلاة. وفي حديث علي بن شيبان معنى زائد على المعنى الذي في حديث وابصة، وذلك أنه قال: صلينا خلف رسول الله ﷺ فقضى صلاته، ورجل فرد يصلي خلف الصف، فقام عليه نبي الله ﷺ حتى قضى صلاته ثم قال: "استقبل فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف". قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أنه أمره أن يعيد الصلاة وقال: "لا صلاة لفرد خلف الصف" فيحتمل أن يكون أمره إياه بإعادة الصلاة كان للمعنى الذي وصفنا في معنى حديث وابصة. وأما قوله: "لا صلاة لفرد خلف الصف" فيحتمل أن يكون ذلك كقوله: "لا وضوء لمن لم يسم الله" وكالحديث الآخر "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وليس ذلك على أنه إذا صلى كذلك كان في حكم من لم يصل، ولكنه قد صلى صلاة تجزئه، ولكنها ليست بمتكاملة الأسباب في الفرائض والسنن، لأن من سنة الصلاة مع الإمام

стр. 1222

اتصال الصفوف، وسد الفرج، هكذا ينبغي للمصلي خلف الإمام أن يفعل، فإن قصر ذلك فقد أساء وصلاته تجزئه ولكنها ليست بالصلاة المتكاملة في فرائضها وسننها، فقيل لذلك لا صلاة له أي: لا صلاة له متكاملة، كما قال النبي ﷺ : "ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يعرف فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس"، فكان معنى قوله "ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان" إنما معناه: ليس هو بالمسكين المتكامل في المسكنة، إذ هو يسأل فيعطى ما يقوته ويواري عورته. ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يعرفونه فيتصدقون عليه. فنفي في هذا الحديث من كان مسكينا غير متكامل أسباب المسكنة أن يكون مسكينا. فيحتمل أن يكون أيضا إنما نفي بقوله "لا صلاة لمن صلى خلف الصف وحده" من صلى خلف الصف أن لا يكون مصليا، لأنه غير متكامل أسباب الصلاة، وهو قد صلى صلاة تجزئه. فإن قال قائل: فهل تجدون عن النبي ﷺ في هذا شيئا يدل على ما قلتم؟. قيل له: نعم ٢١٦٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، أن زياد الأعلم أخبرهم عن الحسن عن أبي بكرة، قال: جئت ورسول الله ﷺ راكع، وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف، ثم مشيت إلى الصف. فلما قضى رسول

стр. 1223

الله ﷺ الصلاة، قال: أيكم الذي ركع دون الصف؟ " قال أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصا ولا تعُد" (١). ٢١٦٦ - حدثنا الحسين بن الحكم الحبري، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة … فذكر بإسناده مثله (٢). ٢١٦٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن زياد الأعلم، قال: ثنا الحسن: أن أبا بكرة ركع دون الصف فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حرصا ولا تعُد" (٣). قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أنه ركع دون الصف، فلم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة.

стр. 1224

فلو كان من صلى خلف الصف لا تجزئه صلاته لكان من دخل في الصلاة خلف الصف لا يكون داخلا فيها. ألا ترى! أن من صلى على مكان قذر أن صلاته فاسدة، ومن افتتح الصلاة على مكان قذر ثم صار إلى مكان نظيف أن صلاته فاسدة. فكان كل من افتتح الصلاة في موطن لا يجوز له فيه أن يأتي بالصلاة فيه بكمالها لم يكن داخلا في الصلاة. فلما كان دخول أبي بكرة في الصلاة دون الصف دخولا صحيحا كانت صلاة المصلي كلها دون الصف صلاة صحيحة. فإن قال قائل: فما معنى قوله "ولا تعُد" قيل له: ذلك عندنا يحتمل معنيين: يحتمل: فلا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف، كما قد روى عنه أبو هريرة ٢١٦٨ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: حدثني عمر بن علي، قال: ثنا ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف، حتى يأخذ مكانه الصف" (١). ويحتمل قوله "ولا تعُد" أي: ولا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيا يحفزك فيه النفس، كما قد جاء عنه في غير هذا الحديث

стр. 1225

٢١٦٩ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (١). ٢١٧٠ - حدثنا محمد بن خزيمة، وفهد، قالا: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة … فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "فاقضوا" (٢).

стр. 1226

٢١٧١ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة … فذكر بإسناده مثله (١). ٢١٧٢ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ … مثله (٢). ٢١٧٣ - حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ … مثله (٣).

стр. 1227

٢١٧٤ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا همام، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ … مثله (١). ٢١٧٥ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد سلمة، عن أيوب، عن محمد … فذكر بإسناده مثله (٢). ٢١٧٦ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثوّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣).

стр. 1228

٢١٧٧ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن العلاء، عن أبيه، وإسحاق بن عبد الله أنهما سمعا أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ ، ثم ذكر بإسناده مثله وزاد "فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة" (١). ٢١٧٨ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: أنا حميد الطويل، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا جاء أحدكم -يعني إلى الصلاة- فليمش على هينته، فليصل ما أدرك، وليقض ما سبق به منها" (٢). قال أبو جعفر: والنظر عندنا يدل على أن من صلى خلف الصف فصلاته جائزة. وذلك أنهم لا يختلفون في رجل كان يصلي وراء الإمام في صف، فخلا موضع رجل أمامه أنه ينبغي له أن يمشي إليه حتى يقوم فيه، وكذلك روي عن عبد الله بن عمر ﵄ ٢١٧٩ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عمرو بن مرة، قال: سمعت خيثمة بن عبد الرحمن يقول: صليت إلى جنب ابن عمر فرأى في الصف

стр. 1229

خللا، فجعل يغمزني أن أتقدم إليه، وجعلت إنما يمنعني أن أتقدم الضن (١) بمكاني إذا جلس أن أبعد منه فلما أن رأى ذلك تقدم هو (٢). والذي يتقدم من صف إلى صف على ما ذكرنا هو فيما بين الصفين في غير صف، فلم يضره ذلك، ولم يخرجه من الصلاة. فلو كانت الصلاة لا تجوز إلا لقائم في صف، لفسدت على هذا صلاته لما صار في غير صف، وإن كان ذلك أقل القليل. كما أن من وقف على مكان نجس وهو يصلي أقل القليل، أفسد ذلك عليه صلاته. فلما أجمعوا أنهم يأمرون هذا الرجل بالتقدم إلى ما خلا أمامه من الصف، ولا يفسد عليه صلاته كونه فيما بين الصفين في غير صف دل ذلك أن من صلى دون الصف أن صلاته مجزئة عنه. وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم ركعوا دون الصف، ثم مشوا إلى الصف، واعتدوا بتلك الركعة التي ركعوها دون الصف.

стр. 1230

فمن ذلك ما ٢١٨٠ - حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا يحيى بن عيسى عن سفيان، عن منصور، عن زيد بن وهب، قال: دخلت المسجد أنا وابن مسعود، فأدركنا الإمام وهو راكع، فركعنا ثم مشينا حتى استوينا بالصف. فلما قضى الإمام الصلاة، قمت لأقضي، فقال عبد الله: قد أدركت الصلاة (١). ٢١٨١ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بشير بن سليمان، قال: حدثني سيار أبو الحكم، عن طارق، قال: كنا مع ابن مسعود جلوسا، فجاء من آذنه فقال: قد قامت الصلاة، فقام وقمنا فدخلنا المسجد، فرأى الناس ركوعا في مقدم المسجد، فكبر فركع ومشى، وفعلنا مثل ما فعل به (٢). فإن اعتل في هذا معتل بأن عبد الله إنما فعل ذلك لأنه صار هو وأصحابه صفا قيل له: فقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك
следующие страницы →