стр. 1541
← Книги сунны следующие страницы →
Книги сунны · id 1547
شرح معاني الآثار - ت البهرائجى
الطحاوي
Полный текст (4 166 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1542
٤ - كتاب الزكاة
١ - باب: الصدقة على بني هاشم
٢٧٤٩ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا شريك، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قدِمتْ عير (١) المدينة، فاشترى منه النبي ﷺ ، متاعا، فباعه بربح أواق فضة، فتصدق منها على أرامل بني عبد المطلب، ثم قال: "لا أعود أن أشتري بعدها شيئا أبدا وليس ثمنه عندي" (٢).
قال أبو جعفر: فذهب قوم (٣) إلى الحديث وأباحوا الصدقة على بني هاشم.
وخالفهم في ذلك آخرون (٤)، فقالوا: لا تجوز الصدقة من الزكوات والتطوع وغير ذلك على بني هاشم، وهم كالأغنياء فما حرم على الأغنياء من الصدقة فهي على بني
стр. 1543
هاشم حرام، فقراء كانوا أو أغنياء. وكل ما يحل للأغنياء من غير بني هاشم فهو حلال لبني هاشم فقرائهم وأغنيائهم.
وليس على أهل هذه المقالة عندنا حجة في الحديث الأول؛ لأنَّه يجوز أن يكون ما تصدق به النبي ﷺ من ذلك على أرامل بني عبد المطلب لم يجعله من جهة الصدقة التي تحرم على بني هاشم في قول من يحرّمها عليهم ولكنه جعلها من جهة الصدقة التي تحل لهم. فإنا قد رأينا الأغنياء من غير بني هاشم قد يتصدق الرجل على أحدهم بداره أو بعبده، فيكون ذلك جائزا حلالا، ولا يحرمه عليه ماله. فكان ما يحرم عليه بماله من الصدقات، هو الزكوات والكفارات والصدقات التي يُتَقرّب بها إلى الله تعالى. وأما الصدقات التي يراد بها طريق الهبات وإن سُمِّيت صدقات فلا، وكذلك بنو هاشم حرم عليهم من الصدقات لقرابتهم مثل ما حرم على الأغنياء بأموالهم. فأما ما كان لا يحرم على الأغنياء بأموالهم، فإنه لا يحرم على بني هاشم بقرابتهم.
فلهذا جعلنا ما كان تصدق به رسول الله ﷺ على أراملهم من جهة الهبات وإن سمي ذلك صدقة، وهذا الذي ينبغي أن يحمل تأويل ذلك الحديث الأول عليه. لأنَّه قد روي عن ابن عباس ﵄ ما قد
٢٧٥٠ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سعيد وحماد ابنا زيد، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: دخلنا على ابن عباس رضي الله
стр. 1544
عنهما، فقال: ما اختصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل (١).
٢٧٥١ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أبي هضم … فذكر بإسناده مثله (٢).
٢٧٥٢ - حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحَوضي، قال: ثنا مرجّا بن رجاء، عن أبي جهضم … فذكر بإسناده مثله (٣).
قال أبو جعفر: فهذا ابن عباس يخبر في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ اختصهم أن لا يأكلوا الصدقة.
فليس يخلو الحديث الأول من أن يكون على ما ذكرنا في الفصل الأول، فيكون ما أباح لهم فيه غير ما حرم عليهم في هذا الحديث الثاني، ويكون معنى كل واحد منهما على ما ذكرنا. أو يكون الحديث الأول يبيح (٤) ما منع منه هذا الحديث الثاني، فيكون هذا
стр. 1545
الحديث الثاني ناسخًا له؛ لأن عبد الله بن عباس يخبر فيه بعد موت النبي ﷺ أنهم مخصوصون به دون الناس، فلا يجوز أن يكون ذلك إلا وهو قائم في وقته ذلك. فإن احتج محتج في إباحة الصدقة عليهم بصدقات رسول الله ﷺ .
٢٧٥٣ - فذكر ما حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر ﵁ تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ فيما أفاء الله على رسوله ﷺ ، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة رسول الله ﷺ بالمدينة وفَدَك، وما بقي من خُمس خيبر، فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: "إنا لا نُورث، ما تركنا صدقة" إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني -والله- لا أغير شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملنّ في ذلك بما عمل فيها رسول الله ﷺ (١).
стр. 1546
٢٧٥٤ - حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح (ح)
وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: ثنا الليث، قال: حدثني (١) عُقيل، عن ابن شهاب … فذكر بإسناده مثله (٢).
٢٧٥٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهدي، قال: ثنا عبد الرزاق، قال أنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النصري، قال أرسل إليّ عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إنه قد حضر المدينةَ أهل أبيات من قومك، وقد أمرنا لهم برضخ فاقسمه فيهم. فبينا أنا كذلك إذ جاءه يرفأ فقال: هذا عثمان، وعبد الرحمن، وسعد، والزبير -ولا أدري أذكر طلحة أم لا-، يستأذنون عليك. فقال: ائذن لهم. قال: ثم مكثنا ساعة فقال: هذا العباس وعلي يستأذنان عليك، فقال: ائذن لهما. فلما دخل العباس قال: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا الرجل، وهما حينئذ فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير. فقال القوم: اقض بينهما يا أمير المؤمنين وأرح كل واحد منهما من صاحبه. فقال عمر ﵁: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُوَرث ما تركنا صدقة"؟ قالوا: قد قال ذلك. ثم قال لهما مثل ذلك، فقالا: نعم. قال: فإني سأخبركم عن هذا
стр. 1547
الفيء، إن الله خص نبيه ﷺ بشيء لم يعطه غيره، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] فكانت هذه لرسول الله ﷺ خاصة، ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم، ولقد قسمها بينكم وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان ينفق منه على أهله رزق سنة، ثم يجمع ما بقي منه، فجمع مال الله . فلما قُبِض رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله بعده أعمل فيها بما كان رسول الله ﷺ يعمل … ثم ذكر الحديث (١).
٢٧٥٦ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن ابن شهاب … فذكر مثله بإسناده وأثبت أن طلحة كان في القوم ولم يقل: وبثها فيكم (٢).
стр. 1548
٢٧٥٧ - حدثنا يزيد بن سنان، وأبو أمية، قالا: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب … فذكر بإسناده مثله وقال فكان ينفق منها على أهله (١).
٢٧٥٨ - حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو شهاب، عن سفيان، وورقاء، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقسِم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة" (٢).
قالوا: ففي حديث أبي هريرة ﵁ هذا ما يدل على أنها كانت صدقات في عهد رسول الله ﷺ لقوله: "بعد مؤنة عاملي" وعامله لا يكون إلا وهو حي.
قالوا: ففي هذه الآثار ما قد دل على أن الصدقة لبني هاشم حلال؛ لأن رسول الله ﷺ وأهله وفيهم فاطمة بنته قد كانوا يأكلون من هذه الصدقة في
стр. 1549
حياة رسول الله ﷺ . فدل ذلك على إباحة سائر الصدقات لهم، فالحجة عليهم في ذلك أن تلك الصدقة كصدقات الأوقاف، وقد رأينا ذلك يحل للأغنياء.
ألا ترى أن رجلا لو أوقف داره على رجل غني أن ذلك جائز لا يمنعه ذلك غناه، وحكم ذلك خلاف حكم سائر الصدقات من الزكوات والكفارات، وما يُتقرّب به إلى الله ، فكذلك من كان من بني هاشم ذلك لهم حلال، وحكمه خلاف حكم سائر الصدقات التي ذكرنا.
ثم قد جاءت بعد هذه الآثار عن رسول الله ﷺ متواترة بتحريم الصدقة على بني هاشم، فمما جاء في ذلك ما
٢٧٥٩ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن ابن بُريد ابن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي ﵄: ما تحفظ من رسول الله ﷺ ؟ قال: أذكر إني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في فيّ، فأخرجها رسول الله ﷺ بلعابها فألقاها في التمر. قال رجل: يا رسول الله ما كان عليك في هذه التمرة لهذا الصبي؟ قال: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" (١).
стр. 1550
٢٧٦٠ - حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن ثابت بن عمارة، عن ربيعة بن شيبان، قال: قلت للحسن ﵁ … فذكر نحوه، إلا أنه قال في آخره: ولا لأحد من أهله (١).
٢٧٦١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄، قال: اُستُعمِل أرقم بن أرقم الزهري على الصدقات، فاستتبع أبا رافع، فأتى النبي ﷺ فسأله فقال: "يا أبا رافع، إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد، وإن مولى القوم من أنفسهم" (٢).
٢٧٦٢ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا جويرية بن أسماء، عن مالك، عن الزهري، أن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه، قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب، فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين -لي وللفضل بن العباس- على الصدقة فأدّيا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يُصيب الناس، قال: فبينما هما في ذلك، جاء علي
стр. 1551
بن أبي طالب ﵁، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال علي ﵁: لا تفعلا! فوالله ما هو بفاعل. فقال ربيعة بن الحارث ما يمنعك من هذا إلا نفاسة علينا، فوالله لقد نلتِ صِهر رسول الله ﷺ فما نفسناه عليك. فقال علي ﵁: أنا أبو حسن [القوم] أرسلاهما، فانطلقا، واضطجع. فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عند بابها حتى جاء، فأخذ بآذاننا وقال: "اخرجا ما تصرران" (١). ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا قال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاحَ، وقد جئناك لتؤمّرنا على بعض الصدقات، فنؤدّي إليك كما يؤدّون، ونصيب كما يصيبون. فسكت حتى أردنا أن نكلمه، وجعلت زينب تلمع (٢) إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. فقال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محْمِية -وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب". فجاءاه فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك" للفضل بن العباس فأنكحه. وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" لي فأنكحني. وقال لمحمية: "أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا" (٣).
стр. 1552
فإن قال قائل: فقد أصدق عنهما من الخمس، وحكمه حكم الصدقات. قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك من سهم ذوي القربى في الخمس، وذلك خارج من الصدقات المحرمة عليهم لأنَّه إنما حرم عليهم أوساخ الناس، والخمس ليس كذلك.
٢٧٦٣ - حدثنا فهد: قال ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن عبيد المكتّب، عن أبي الطفيل، عن سلمان قال: أتيت النبي ﷺ بصدقة، فردها، وأتيته بهدية فقبلها (١).
٢٧٦٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي، وذكر حديثا طويلا ذكر فيه: أنه كان عبدا قال: فلما أمسيت جمعت ما كان عندي، ثم خرجت حتى جئت رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، ومعه نفر من أصحابه فقلت: إنه بلغني أنه ليس بيدك شيء وأن معك أصحابا لك، وأنتم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة، فلمّا ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق به، ثم وضعته له. فقال رسول الله ﷺ : "كلوا
стр. 1553
وأمسك هو ". ثم أتيته بعد أن تحوّل إلى المدينة وقد جمعت شيئا، فقلت: رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحببت أن أكرمك به كرامةً ليس بصدقة. فأكل وأكل أصحابه (١).
٢٧٦٥ - حدثنا أبو بكرة، وابن مرزوق، قالا: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. فقال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ . فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "إن آل محمد لا يحل لهم الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم" (٢).
٢٧٦٦ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد: قال: ثنا ورقاء بن عمر، عن عطاء بن ربيع السائب، قال: دخلت على أم كلثوم بنت علي ﵄، فقالت: إن مولى لنا يقال
стр. 1554
له: هرمز، أو كيسان، أخبرني أنه مر على رسول الله ﷺ قال: فدعاني فجئت، فقال: يا أبا فلان! إنا أهل بيت قد نُهِينا أن نأكل الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم، فلا تأكل الصدقة" (١).
٢٧٦٧ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا شبابة بن سوار، (ح)
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا علي بن الجعد، (ح)
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالوا: ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة، فأدخلها في فيه، فقال له النبي ﷺ : "كخ كخ ألقِها ألقِها، أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة" (٢).
стр. 1555
٢٧٦٨ - حدثنا أبو بكرة، وابن مرزوق، قالا: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بالشيء سأل: "أهدية هو أم صدقة؟ فإن قالوا هدية، بسط يده (١)، وإن قالوا صدقة، قال لأصحابه: "كلوا" (٢).
٢٧٦٩ - حدثنا أبو بكرة، وابن مرزوق، قالا: ثنا عبد الله بن بكر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في إبل سائمة: "في كل أربعين بنت لبون من أعطاها مؤتجرا (٣) فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لأحد منا منها شيء" (٤).
стр. 1556
٢٧٧٠ - حدثنا ابن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يمر في الطريق بالتمرة، فما يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة (١).
٢٧٧١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى عن سفيان، قال: ثنا منصور، عن طلحة، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى تمرة، فقال:" لولا أني أخاف أن تكون صدقة، لأكلتها" (٢).
٢٧٧٢ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الحكم بن مروان الضرير، (ح)
وحدثنا ابن أبي داود: قال: ثنا أحمد بن يونس، قالا: ثنا معرّف بن واصل السعدي، قال: حدثتنا حفصة في سنة تسعين، قال ابن أبي داود في حديثه: ابنة طلق تقول: ثنا رُشَيد بن مالك أبو عميرة (٣) قال: كنا عند النبي ﷺ فأتي بطبق عليه تمر فقال: "أصدقة أم هديّة؟ " فقال: بل صدقة، فوضعه بين يدي القوم والحسن
стр. 1557
يتعفر (١) بين يديه، فأخذ الصبي تمرة فجعلها في فيه، فأدخل رسول الله ﷺ إصبعه وجعل يترفق به، فأخرجها فقذفها ثم قال: "إنا آل محمد لا نأكل الصدقة" (٢).
٢٧٧٣ - حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا علي بن حكيم الأودي، قال: أنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: دخلت مع النبي ﷺ بيت الصدقة، فتناول الحسن تمرة، فأخرجها من فيه وقال: "إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة أو لا نأكل الصدقة" (٣).
٢٧٧٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك … فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة" (٤). ولم يشك.
стр. 1558
٢٧٧٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم (١)، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها" (٢).
٢٧٧٦ - حدثنا أحمد بن عبد المؤمن الخراساني، قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: ثنا الحسين بن واقد، قال: ثنا عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي يقول: جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فقال رسول الله ﷺ : ما هذا يا سلمان؟ قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال: ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة". فرفعها، فجاءه من الغد بمثله، فوضعه بين يديه، فقال: "ما هذا يا سلمان؟ " قال هدية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "انبسطوا" (٣).
стр. 1559
قال أبو جعفر: فهذه الآثار كلها قد جاءت بتحريم الصدقة على بني هاشم، ولا نعلم شيئا نسخها ولا عارضها إلا ما قد ذكرناه في هذا الباب، مما ليس فيه دليل على مخالفتها.
فإن قال قائل: تلك الصدقة إنما هي الزكاة خاصة، فأما ما سوى ذلك من سائر الصدقات فلا بأس به لهم.
قيل له: في هذه الآثار ما قد دفع ما ذهبت إليه، وذلك ما (١) في حديث بهز بن حكيم: أن النبي ﷺ كان إذا أتي بالشيء سأل: "أهدية أم صدقة؟ " فإن قالوا: صدقة، قال لأصحابه: "كلوا"، واستغنى بقول المسئول: إنه صدقة عن أن يسأله: صدقة من زكاة أم غير ذلك؟ فدل ذلك على أن حكم سائر الصدقات في ذلك سواء.
وفي حديث سلمان ﵁ فقال: فجئت فقال: "أهدية أم صدقة؟ "، فقلت بل صدقة؛ لأنَّه بلغني أنكم قوم فقراء، فامتنع من أكلها لذلك، وإنما كان سلمان ﵁ يومئذ عبدا ممن لا يجب عليه زكاة.
فدل ذلك على أن حكم الصدقات من التطوع وغيره قد كان محرما على رسول الله ﷺ وعلى سائر بني هاشم. والنظر أيضا يدل على استواء حكم الفرائض والتطوع في ذلك، وذلك أنا رأينا غير بني هاشم من الأغنياء والفقراء في
стр. 1560
الصدقات المفروضات والتطوع سواء من حرم عليه أخذ صدقة مفروضة، حرم عليه أخذ صدقة غير مفروضة. فلما حرم على بني هاشم أخذ الصدقات المفروضات حرم عليهم أخذ الصدقات غير المفروضات.
فهذا هو النظر في هذا الباب أيضا، وهو قول أبي يوسف (١)، ومحمد رحمهما الله تعالى.
وقد اختلف عن أبي حنيفة ﵀ في ذلك، فروي عنه: أنه قال: لا بأس بالصدقات كلها على بني هاشم. وذهب في ذلك عندنا إلى أن الصدقات إنما كانت حرمت عليهم من أجل ما جعل لهم في الخمس من سهم ذوي القربى. فلما انقطع ذلك عنهم ورجع إلى غيرهم بموت رسول الله ﷺ حلّ لهم بذلك ما قد كان محرما عليهم من أجل ما قد كان أحل لهم.
٢٧٧٧ - وقد حدثني سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة ﵏ في ذلك مثل قول أبي يوسف ﵀ (٢). فبهذا نأخذ.
فإن قال قائل: أفتكرهها على مواليهم؟ قلت: نعم، لحديث أبي رافع الذي قد ذكرناه في هذا الباب، وقد قال ذلك أبو يوسف ﵀ في كتاب الإملاء، وما علمت أحدا من أصحابنا خالفه في ذلك. فإن قال قائل: أفتكره للهاشمي أن يعمل على الصدقة؟ قلت: لا.
стр. 1561
فإن قال ولمَ؟، وفي حديث ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس ﵃ الذي ذكرت منع النبي ﷺ إياهما من ذلك؟ قلت: ما فيه منع لهم من ذلك؛ لأنهم سألوه أن يستعملهم على الصدقة، ليسدوا بذلك فقرهم، فسد رسول الله ﷺ فقرهم بغير ذلك.
وقد يجوز أيضا أن يكون أراد بمنعهم أن يؤكلهم على العمل على أوساخ الناس، لا لأن ذلك يحرم عليهم، لاجتعالهم منه عمالتهم عليه. وقد وجدنا ما يدل على هذا.
٢٧٧٨ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن أبي رزين، عن أبي رزين، عن علي ﵁ قال: قلت للعباس: سل النبي ﷺ يستعملك على الصدقات (١). فسأله فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس" (٢).
أفلا ترى أنه إنما كره له الاستعمال على غسالة ذنوب الناس لا لأنَّه حرم ذلك عليه الحرمة الاجتعال منه عليه. وقد كان أبو يوسف ﵀ يكره لبني هاشم أن يعملوا
стр. 1562
على الصدقة إذا كانت جعالتهم منها قال: لأن الصدقة تخرج من مال المتصدق إلى الأصناف التي سماها الله تعالى، فيملك المصدق بعضها، وهي لا تحل له.
واحتج في ذلك أيضا بحديث أبي رافع حين سأله المخزومي أن يخرج معه ليصيب منها، ومحال أن يصيب منها شيئا إلا بعمالته عليها واجتعاله منها.
وخالف أبا يوسف ﵀ في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس أن يجتعل منها الهاشمي؛ لأنَّه إنما يجتعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء.
فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء الذين يحرم عليهم غناهم الصدقة، كان كذلك أيضا في النظر لا يحرم ذلك على بني هاشم الذين يحرم عليهم نسبهم أخذ الصدقة. وقد روي عن رسول الله ﷺ فيما تصدق به على بريرة أنه أكل منه وقال: "هو عليها صدقة، ولنا هدية".
٢٧٧٩ - حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة قالت: دخل علي النبي ﷺ ، وفي البيت رِجل شاة معلقة، فقال: ما هذه؟ فقلت: تُصُدق به على بريرة فأهدته لنا. فقال: "هو عليها صدقة، وهو لنا هدية. ثم أمر بها فشويت" (١).
стр. 1563
٢٧٨٠ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكا أخبره، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ والبرمة تفور بلحم [فقرب إليه خبز] وأدم من أدم البيت، فقال رسول الله ﷺ : "ألم أر برمة فيها لحم؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، ولكن ذاك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : "هو صدقة عليها، وهو لنا هدية" (١).
٢٧٨١ - حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة … فذكر بإسناده مثله (٢).
٢٧٨٢ - حدثنا علي، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تُصُدق على بريرة بصدقة، فأهدت منها لعائشة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "هو لنا هدية، ولها صدقة" (٣).
стр. 1564
٢٧٨٣ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن جويرية بنت الحارث ﵂، قالت: تصدق على مولاة لي بعضو من لحم، فدخل عليّ النبي ﷺ فقال: "هل عندكم من عَشاء؟ ". فقلت: يا رسول الله! مولاتي فلانة تصدق عليها بعضو من لحم، فأهدته لي، وأنت لا تأكل الصدقة. فقال: "قد بلغت محِلّها فهاتيه" فأكل منها رسول الله ﷺ (١).
٢٧٨٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان قال: ثنا الزهري قال: أخبرني عبيد بن السباق، عن جويرية … مثله (٢).
٢٧٨٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: دخل النبي ﷺ على عائشة فقال: "هل عندكم شيء؟ " قالت: لا إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من
стр. 1565
الشاة التي بعثتَ به إليها من الصدقة. فقال النبي ﷺ : "إنها قد بلغت محلّها" (١).
٢٧٨٦ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن أبي معن يزيد بن يسار، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن عبد الله بن وهب، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قسم غنما من الصدقة، فأرسل إلى زينب الثقفية بشاة منها، فأهدت زينب من لحمها لنا، فدخل علينا رسول الله ﷺ فقال: "هل عندكم شيء تطعمونا؟ " قلنا: لا والله يا رسول الله. فقال: ألم أر لحما آنفا أُدخِل عليكم؟ قلنا: يا رسول الله ذاك من الشاة التي أرسلت بها إلى زينب من الصدقة، وأنت لا تأكل الصدقة، فلم نحب أن نمسك ما لا تأكل منه. فقال رسول الله ﷺ : "لو أدركته لأكلت منه" (٢).
فلما كان ما تُصدِّق به على بريرة جائزا للنبي ﷺ أكله؛ لأنَّه إنما
стр. 1566
ملكه بالهدية، جاز أيضا للهاشمي أن يجتعل من الصدقة لأنَّه إنما يملكه بعمله لا بالصدقة.
فهذا هو النظر، وهو أصح مما ذهب إليه أبو يوسف ﵀ في ذلك.
стр. 1567
٢ - باب: ذي المرة (١) السوي (٢) الفقير هل تحل له الصدقة أم لا؟
٢٧٨٧ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني سعد ابن إبراهيم، قال: سمعت ريحان بن يزيد، وكان أعرابيا صدوقا، قال: قال عبد الله بن عمرو ﵄: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي (٣) (٤).
٢٧٨٨ - حدثنا ابن مرزوق: قال ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد، عن رجل من بني عامر، عن عبد الله بن عمرو يقول ذلك (٥).
٢٧٨٩ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، (ح)
وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ … مثله (٦).
стр. 1568
٢٧٩٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن سماك أبي زُمَيل، عن رجل من بني هلال قال: سمعت رسول الله ﷺ … فذكر مثله (١).
٢٧٩١ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلى بن منصور، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ … (٢)
٢٧٩٢ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ … مثله (٣).
٢٧٩٣ - حدثنا فهد: قال ثنا أبو غسان قال: ثنا أبو بكر بن عياش … فذكر بإسناده مثله (٤).
стр. 1569
قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى أن الصدقة لا تحل لذي المرة السوي، وجعلوه فيها كالغني، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
وخالفهم في ذلك آخرون (٢)، فقالوا: كل فقير من قوي وزمن فالصدقة له حلال. وذهبوا في تأويل هذه الآثار المتقدمة إلى أن قول النبي ﷺ : "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" أي أنها لا تحل له، كما تحل للفقير الزمن الذي لا يقدر على غيرها، فيأخذها على الضرورة وعلى الحاجة من جميع الجهات منه إليها. فليس مثله ذو المرّة السوي القادر على اكتساب غيرها في حلها، له؛ لأن الزمن الفقير يحل له من قبل الزمانة، ومن قبل عدم قدرته على غيرها.
وذو المرّة السوي إنما تحل له من جهة الفقر خاصّة، وإن كانا جميعا قد يحل لهما أخذها، فإن الأفضل لذي المرّة السوي تركها، والأكل من الاكتساب بعمله. وقد يغلظ الشيء من هذا فيقال: لا يحل أو لا يكون كذا على أنه غير متكامل الأسباب التي بها يحل ذلك المعنى، وإن كان ذلك المعنى قد يحلّ بما دون تكامل تلك الأسباب من ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليس المسكين بالطواف ولا بالذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل، ولا يفطن له
стр. 1570
فيتصدق عليه" فلم يكن المسكين الذي يسأل خارجا من أسباب المسكنة وأحكامها، حتى لا يحل له أخذ الصدقة، وحتى لا يجزئ من أعطاه منها شيئا مما أعطاه من ذلك، ولكن ذلك على أنه ليس بمسكين متكامل أسباب المسكنة. فكذلك قوله: "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" أي أنها لا تحل له من جميع الأسباب التي بها تحل الصدقة، وإن كان قد تحل له ببعض تلك الأسباب.
واحتج أهل المقالة الأولى لمذهبهم أيضا بما
٢٧٩٤ - حدثنا أبو أمية، قال: ثنا جعفر بن عون قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: حدثني رجلان من قومي أنهما أتيا النبي ﷺ وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع البصر وخفضه، فرآهما جلدين قويين، فقال: "إن شئتما فعلتُ، ولا حق فيها لغني، ولا لقوي مكتسب" (١).
٢٧٩٥ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، عن هشام بن عروة … فذكر بإسناده مثله (٢).
стр. 1571
٢٧٩٦ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، وهمام، عن هشام … فذكر بإسناده مثله (١).
قالوا: فقد قال لهما: "لا حق فيها لقوي مكتسب" فدلّ ذلك على أن القوي المكتسب لا حظ له في الصدقة، ولا تجزئ من أعطاه منها شيئا.
فالحجة للآخرين عليهم في ذلك أن قوله ﵇: "إن شئتما فعلتُ ولا حق فيها لغني" أي إن غناكما يخفى علي، فإن كنتها غنيين فلا حق لكما فيها، وإن شئتما فعلت، لأني لم أعلم بغناكما، فمباح لي إعطاؤكما، وحرام عليكما أخذ ما أعطيتكما إن كنتما تعلمان من حقيقة أموركما في الغنى خلاف ما أرى من ظاهر كما الذي استدللت به على فقركما. فهذا معنى قوله: "إن شئتما فعلت، ولا حق فيها لغني".
وأما قوله: "ولا لقوي مكتسب" فذلك على أنه لا حق للقوي المكتسب من جميع الجهات التي بها يجب الحق فيها، فعاد معنى ذلك إلى معنى ما ذكرنا من قوله: "ولا لذي مرة قوي". وقد يقال: فلان عالم حقا، إذا تكاملت فيه الأسباب التي بها يكون الرجل عالما، ولا يقال: هو عالم حقا إذا كان دون ذلك وإن كان عالما فكذلك لا يقال: فقير حقا إلا لمن تكاملت فيه الأسباب التي يكون بها الفقير فقيرا وإن كان فقيرا، ولهذا قال لها: "ولا حق فيها لقوي مكتسب" أي: ولا حق له فيها، حتى يكون به من أهلها حقا، وهو قوي مكتسب. ولولا أنه يجوز للنبي ﷺ إعطاؤه للقوي المكتسب إذا كان فقيرا لما قال لهما: "إن شئتما فعلت".
стр. 1572
وهذا أولى ما حملت عليه هذه الآثار؛ لأنها إن حملت على ما حملها عليه أهل المقالة الأولى ضادت سواها مما قد روي عن رسول الله ﷺ .
فمن ذلك ما
٢٧٩٧ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، عن هلال بن حصن قال: نزلت دار أبي سعيد الخدري بالمدينة، فضمني وإياه المجلسُ، فقال: أصبحوا ذات يوم وقد عصب على بطنه حجرا من الجوع، فقالت له امرأته أو أمه: لو أتيت النبي ﷺ فسألته، فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه، وأتاه فلان فسأله فأعطاه. فقلت: لا والله حتى أطلب فطلبت، فلم أجد شيئا، فاستبقت إليه وهو يخطب وهو يقول: "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه، ومن استعف عنا واستغنى أحب إلينا ممن سألنا". قال: فرجعت فما سألت أحدا بعد، فما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت في المدينة أكبر أموالا منا (١).
٢٧٩٨ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا محمد بن المنهال قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن هلال بن مرة، عن أبي سعيد الخدري قال: أعوزنا (٢)
стр. 1573
مرة، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال النبي ﷺ : "من استعفّ أعفّه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سألنا أعطيناه". قال: قلت: فلأستعف فيعفني الله ولأستغنين فيغنيني الله. قال: فوالله ما كان إلا أيام حتى إن رسول الله ﷺ قسم زبيبا فأرسل إلينا منه، ثم قسم شعيرا، فأرسل إلينا منه ثم سألت علينا الدنيا، فغرقتنا إلا من عصم الله (١).
٢٧٩٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن هلال بن حصن أخي بني مرة بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ … مثله (٢). قال ابن أبي داود هذا هو الصحيح.
قال أبو جعفر: فهذا رسول الله ﷺ يقول: "من سألنا أعطيناه" ويخاطب بذلك أصحابه، وأكثرهم صحيح لا زمانة به إلا أنه فقير، فلم يمنعهم منها لصحتهم، فقد دل ذلك على ما ذكرنا وفضّل من استعف ولم يسأل على من سأل، فلم يسأله أبو سعيد ﵁ لذلك، ولو سأله لأعطاه إذ قد كان بذل ذلك له ولأمثاله من أصحابه.
وقد روي عن رسول الله ﷺ أيضا من غير هذا الوجه ما يدل على ما ذكرنا.
стр. 1574
٢٨٠٠ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم، أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي ﵁ يقول: أمّرني رسول الله ﷺ على قومي، فقلت: يا رسول الله! أعطني من صدقاتهم، ففعل وكتب لي بذلك كتابا. فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! أعطني من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو من السماء، فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك منها" (١).
قال أبو جعفر: فهذا الصدائي قد أمّره رسول الله ﷺ على قومه، ومحال أن يكون أمّره وبه زمانة. ثم قد سأله من صدقة قومه، وهي زكاتهم (٢) فأعطاه منها، ولم يمنعه منه لصحة بدنه.
ثم سأله الرجل الآخر بعد ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : "إن كنت من الأجزاء الذين جزّأ الله الصدقة فيهم أعطيتك منها". فرد رسول الله
стр. 1575
ﷺ بذلك حكم الصدقات إلى ما ردّها الله إليه بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.
فكل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف فهو من أهل الصدقة الذين جعلها الله لهم في كتابه، ورسوله في سنته، زمنا كان أو صحيحا. وكان أولى الأشياء بنا في الآثار التي رويناها عن رسول الله ﷺ في الفصل الأول من قوله: "لا تحل الصدقة لذي مرّة سويّ" ما حملناها عليه، لئلا يخرج معناها من الآية المحكمة التي ذكرنا، ولا من هذه الأحاديث الآخر التي روينا. ويكون معنى ذلك كله معنى واحدا يصدق بعضها بعضا.
ثم قد روى قبيصة بن المخارق ﵁ عن النبي ﷺ ما قد دلّ على ذلك أيضا.
٢٨٠١ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نعيم، عن قبيصة بن المخارق ﵁ أنه تحمّل بحمالة، فأتى النبي ﷺ فسأله فيها فقال: "نخرجها عنك من إبل الصدقة، أو نعم الصدقة. يا قبيصة! إن المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمّل بحمالة، فحلت له المسألة حتى يؤديها، ثم يمسك، ورجل أصابته، جائحة، فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما (١) من عيش، أو سدادا (٢) من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من
стр. 1576
قومه أن حلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادًا من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فهو «سحت» (١).
٢٨٠٢ - حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا سليمان بن حرب قال: ثنا حماد عن هارون بن رئاب عن كنانة بن نعيم العدوي عن قبيصة بن المخارق، عن النبي ﷺ . . . نحوه (٢).
٢٨٠٣ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب. . . فذكر بإسناده مثله، وزاد «رجل تحمل بحمالة» (٣) عن قومه أراد بها الإصلاح» (٤).
стр. 1577
فأباح رسول الله ﷺ في هذا الحديث لذي الحاجة أن يسأل لحاجته حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش. فدلّ ذلك أن الصدقة لا تحرم بالصحة إذا أراد بها الذي تصدق بها عليه سدّ فقره. وإنما تحرم عليه إذا كان يريد بها غير ذلك من التكثر ونحوه، ومن يريد بها ذلك فهو ممن يطلبها لسوى المعاني الثلاث التي ذكرها رسول الله ﷺ في حديث قبيصة بن مخارق الذي ذكرنا فهو عليه سحت وقد روى سمرة مثل ذلك، عن رسول الله ﷺ
٢٨٠٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، قال: سمعت سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "السائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو يسأل في أمر لا يجد منه بدا" (١).
٢٨٠٥ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة … فذكر بإسناده مثله (٢).
стр. 1578
٢٨٠٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، عن رسول الله ﷺ … مثله (١).
قال أبو جعفر: فقد أباح هذا الحديث المسألة في كل أمر لا بد من المسألة فيه، فدخل في ذلك ما أبيحت فيه المسألة في حديث قبيصة، وزاد هذا الحديث عليه ما سوى ذلك من الأمور التي لا بدّ منها، وفي ذلك إباحة المسألة بالحاجة خاصة، لا بالزمانة.
وقد روي عن أنس، عن النبي ﷺ في هذا المعنى. ما قد
٢٨٠٧ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ فسأله، فقال: "إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث، لغرم (٢) موجع، أو دم مفظع (٣)، أو فقر مدقع (٤) " (٥).
стр. 1579
قال أبو جعفر: فكل هذه الأمور، مما لا بد منه، فقد دخل ذلك أيضا في معنى حديث سمرة.
وقد روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في ذلك أيضا.
٢٨٠٨ - ما حدثنا فهد هو ابن سليمان، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو إسحاق، عن سفيان (١)، عن عمران البارقي، عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا أن يكون في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو يكون له جار فيتصدق عليه، فيهدي له أو يدعوه" (٢).
٢٨٠٩ - حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ … مثله (٣).
فأباح رسول الله ﷺ الصدقة للرجل إذا كان في سبيل الله أو ابن السبيل، فقد جمع ذلك الصحيح وغير الصحيح.
стр. 1580
فدل ذلك أيضا على أن الصدقة إنما تحل بالفقر كانت معه الزمانة، أو لم تكن.
وقد روي عن وهب بن خنبش، عن النبي ﷺ .
٢٨١٠ - ما قد حدثنا أبو أمية، قال: ثنا المعلى بن منصور، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أخبرني مجالد عن الشعبي، عن وهب، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة، فسأله رداءه، فأعطاه إياه، فذهب به، ثم قال النبي ﷺ : "إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع أو غرم مفظع، ومن سأل الناس ليثري (١) به ماله فإنه خموش (٢) في وجهه ورضف (٣) يأكله من جهنم، إن قليلا فقليل، وإن كثيرا فكثير" (٤).
فأخبر النبي ﷺ أيضا في هذا الحديث أن المسألة تحل بالفقر والغرم، فذلك دليل على أنها تحل بهذين المعنيين خاصة، ولا يختلف في ذلك حال الزمن وغيره، وقد