← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قومه أن حلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادًا من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فهو «سحت» (١). ٢٨٠٢ - حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا سليمان بن حرب قال: ثنا حماد عن هارون بن رئاب عن كنانة بن نعيم العدوي عن قبيصة بن المخارق، عن النبي ﷺ . . . نحوه (٢). ٢٨٠٣ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب. . . فذكر بإسناده مثله، وزاد «رجل تحمل بحمالة» (٣) عن قومه أراد بها الإصلاح» (٤).

стр. 1577

فأباح رسول الله ﷺ في هذا الحديث لذي الحاجة أن يسأل لحاجته حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش. فدلّ ذلك أن الصدقة لا تحرم بالصحة إذا أراد بها الذي تصدق بها عليه سدّ فقره. وإنما تحرم عليه إذا كان يريد بها غير ذلك من التكثر ونحوه، ومن يريد بها ذلك فهو ممن يطلبها لسوى المعاني الثلاث التي ذكرها رسول الله ﷺ في حديث قبيصة بن مخارق الذي ذكرنا فهو عليه سحت وقد روى سمرة مثل ذلك، عن رسول الله ﷺ ٢٨٠٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، قال: سمعت سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "السائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو يسأل في أمر لا يجد منه بدا" (١). ٢٨٠٥ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة … فذكر بإسناده مثله (٢).

стр. 1578

٢٨٠٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، عن رسول الله ﷺ … مثله (١). قال أبو جعفر: فقد أباح هذا الحديث المسألة في كل أمر لا بد من المسألة فيه، فدخل في ذلك ما أبيحت فيه المسألة في حديث قبيصة، وزاد هذا الحديث عليه ما سوى ذلك من الأمور التي لا بدّ منها، وفي ذلك إباحة المسألة بالحاجة خاصة، لا بالزمانة. وقد روي عن أنس، عن النبي ﷺ في هذا المعنى. ما قد ٢٨٠٧ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ فسأله، فقال: "إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث، لغرم (٢) موجع، أو دم مفظع (٣)، أو فقر مدقع (٤) " (٥).

стр. 1579

قال أبو جعفر: فكل هذه الأمور، مما لا بد منه، فقد دخل ذلك أيضا في معنى حديث سمرة. وقد روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في ذلك أيضا. ٢٨٠٨ - ما حدثنا فهد هو ابن سليمان، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو إسحاق، عن سفيان (١)، عن عمران البارقي، عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا أن يكون في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو يكون له جار فيتصدق عليه، فيهدي له أو يدعوه" (٢). ٢٨٠٩ - حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ … مثله (٣). فأباح رسول الله ﷺ الصدقة للرجل إذا كان في سبيل الله أو ابن السبيل، فقد جمع ذلك الصحيح وغير الصحيح.

стр. 1580

فدل ذلك أيضا على أن الصدقة إنما تحل بالفقر كانت معه الزمانة، أو لم تكن. وقد روي عن وهب بن خنبش، عن النبي ﷺ . ٢٨١٠ - ما قد حدثنا أبو أمية، قال: ثنا المعلى بن منصور، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أخبرني مجالد عن الشعبي، عن وهب، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة، فسأله رداءه، فأعطاه إياه، فذهب به، ثم قال النبي ﷺ : "إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع أو غرم مفظع، ومن سأل الناس ليثري (١) به ماله فإنه خموش (٢) في وجهه ورضف (٣) يأكله من جهنم، إن قليلا فقليل، وإن كثيرا فكثير" (٤). فأخبر النبي ﷺ أيضا في هذا الحديث أن المسألة تحل بالفقر والغرم، فذلك دليل على أنها تحل بهذين المعنيين خاصة، ولا يختلف في ذلك حال الزمن وغيره، وقد

стр. 1581

٢٨١١ - حدثنا ابن أبي داود، قال ثنا مخول بن إبراهيم، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سأل من غير فقر، فإنما يأكل الجمر" (١). ٢٨١٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل … فذكر بإسناده مثله (٢). فهذا حبشي قد حكى هذا عن النبي ﷺ ، فوافق ما حكى من ذلك، ما حكاه الآخرون من أن المسألة إنما تحل بالفقر. وقد جاءت الآثار أيضا عن رسول الله ﷺ بذلك متواترة. ٢٨١٣ - حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي (ح) وحدثنا نصر (٣) بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قالا جميعا: عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسأل عبد مسألة، وله ما يغنيه إلا جاءت

стр. 1582

شينا، أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة". قيل: يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: "خمسون درهما أو حسابها من الذهب" (١). ٢٨١٤ - حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: ثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان … فذكر بإسناده مثله. غير أنه قال "كدوحا (٢) في وجهه" ولم يشك، وزاد: فقيل لسفيان: لو كانت من غير حكيم فقال: حدثناه زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، مثله (٣). ٢٨١٥ - حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، قال: حدثني سهل بن الحنظلية ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سأل الناس عن

стр. 1583

ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم". قلت: يا رسول الله، وما ظهر غنى؟ قال: "أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم، أو ما يعشيهم" (١). ٢٨١٦ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل وله ما يغنيه، جاءت شينًا (٢) في وجهه يوم القيامة" (٣). ٢٨١٧ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: من سأل وله قيمة أوقية (٤) فقد ألحف (٥) " (٦).

стр. 1584

٢٨١٨ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا محمد بن الفضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما هو جمر، فليستقل منه، أو ليستكثر (١) " (٢). ٢٨١٩ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد، فقال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله ﷺ فاسأله لنا شيئا نأكله، وجعلوا يذكرون حاجتهم. فذهبت إلى رسول الله ﷺ فوجدت عنده رجلا يسأله، ورسول الله ﷺ يقول: "لا أجد ما أعطيك"، فولى الرجل وهو مغضب وهو يقول: لعَمري إنك لتفضل من شئت. فقال رسول الله ﷺ : "إنه ليغضب عليّ أن لا أجد ما أعطيه، من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سألها إلحافا". قال الأسدي: فقلت لَلَقحة لنا خير من أوقية قال: والأوقية أربعون درهما، قال: فرجعت ولم

стр. 1585

أسأله. فقدم علي رسول الله ﷺ بعد ذلك بشعير وزبيب وزبد، فقسم لنا منه حتى أغنانا الله (١). ٢٨٢٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف ما استطعت، ولا تعجز عن نفسك، ولا تلام على كفاف وإذا آتاك الله خيرا فليُر عليك" (٢). قال أبو جعفر: فكانت المسألة التي أباحها رسول الله ﷺ في هذه الآثار كلها هي للفقر لا لغيره. وكان تصحيح هذه الآثار، عندنا يوجب أن من قصد إليه النبي ﷺ بقوله "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي"، هو غير من استثناه من ذلك في حديث وهب بن خنبش بقوله: "إلا من فقر مدقع، أو غرم مفظع" وأنَّه الذي يريد بمسألته أن يكثر ماله، ويستغني من مال الصدقة، حتى تصح هذه الآثار، وتتفق معانيها ولا تتضاد.

стр. 1586

وهذا المعنى الذي حملنا عليه وجوه هذه الآثار، هو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى. فإن سأل سائل عن معنى حديث عمر المروي عنه عن رسول الله ﷺ في نحو من هذا. وهو ما ٢٨٢١ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال أنا شعيب، عن الزهري، قال: ثنا السائب بن يزيد أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة كرهتها، فقال: نعم. فقال عمر ﵁: فما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا أتجر، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين. فقال عمر ﵁: فلا تفعل، فإني قد كنت أردت الذي أردتَ، وقد كان النبي ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا: فقلت له ذلك، فقال النبي ﷺ : "خذه فتموله فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك" (١).

стр. 1587

قال: ففي هذا الحديث تحريم المسألة أيضا. قيل له: ليس هذا على أموال الصدقات، إنما هذا على الأموال التي يقسمها الإمام على الناس، فيقسمها على أغنيائهم وفقرائهم. كما فرض عمر لأصحاب رسول الله ﷺ حين دوّن الدواوين، ففرض للأغنياء منهم وللفقراء، فكانت تلك الأموال التي يعطاها الناس، لا من جهة الفقر، ولكن لحقوقهم فيها. فكره رسول الله ﷺ لعمر ﵁، حين أعطاه الذي كان أعطاه منها قوله: "أعطه لمن هو أفقر إليه مني". أي: إني لم أعطك ذلك لأنك فقير، إنما أعطيتك ذلك لمعنى آخر غير الفقر. ثم قال له خذه، فتموله فدل ذلك أيضا أنه ليس من أموال الصدقات؛ لأن الفقير لا ينبغي له أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالا، كان ذلك عن مسألة منه أو عن غير مسألة. ثم قال: فما جاءك من هذا المال الذي هذا حكمه وأنت غير مشرف، أي تأخذه بغير إشراف. والإشراف: أن تريد به ما قد نهيت عنه. وقد يحتمل قوله ولا مشرف أي: ولا تأخذ من أموال المسلمين أكثر مما يجب لك فيها، فيكون سرفا فيها ولا سائل أي: ولا سائل منها ما لا يجب لك. فهذا وجه هذا الباب، عندنا، والله أعلم. فأما ما جاء في أموال الصدقات فقد أتينا بمعاني ذلك فيما تقدم ذكره، من هذا الباب.

стр. 1588

٣ - باب: المرأة هل يجوز (١) لها أن تعطي زوجها من زكاة مالها أم لا؟ ٢٨٢٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله، قال (٢): فذكرته لإبراهيم، فحدثني إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله، مثله سواء قالت: كنت في المسجد فرآني النبي ﷺ في المسجد فقال: "تصدقن ولو من حليكن"، وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزئ عني إن أنفقت عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ قال: سلي أنتِ رسول الله ﷺ . فانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي. فمر علينا بلال، فقلت: سل لنا رسول الله ﷺ : هل يجزئ عني أن أتصدق على زوجي وأيتام في حجري من الصدقة؟ وقلنا: لا تخبر بنا. قالت: فدخل بلال فسأله، فقال من هما؟ قال: زينب، قال أي الزيانب هي؟ قال: امرأة عبد الله؟ فقال: "نعم يكون لها أجر القرابة وأجر الصدقة" (٣).

стр. 1589

قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى أن المرأة جائز لها أن تعطي زوجها من زكاة مالها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وممن ذهب إلى ذلك، أبو يوسف ومحمد رحمهما الله. وخالفهم في ذلك آخرون (٢)، منهم أبو حنيفة ﵀، فقالوا: لا يجوز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاة مالها كما لا يجوز له أن يعطيها من زكاة ماله. وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في حديث زينب الذي احتجوا به عليهم أن تلك الصدقة التي حض عليها رسول الله ﷺ في ذلك الحديث إنما كانت من غير الزكاة. وقد بين ذلك ما قد ٢٨٢٣ - حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا الليث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن رائطة بنت عبد الله امرأة عبد الله بن مسعود وكانت امرأة صنعاء وليس لعبد الله بن مسعود مال، فكانت تنفق عليه وعلى ولده منها. فقالت: لقد شغلتني والله أنت وولدك عن الصدقة، فما أستطيع أن أتصدق معكم بشيء. فقال: ما أحب إن لم يكن لك في ذلك أجر أن تفعلي، فسألت رسول الله

стр. 1590

ﷺ هي وهو فقالت: يا رسول الله! إني امرأة ذات صنعة أبيع منها وليس لولدي ولا لزوجي شيء فشغلوني فلا أتصدق، فهل لي فيهم أجر؟. فقال: "لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم، فأنفقي عليهم" (١). ففي هذا الحديث أن تلك الصدقة مما لم يكن فيه زكاة. ورائطة هذه هي زينب امرأة عبد الله لا نعلم أن عبد الله كانت له امرأة غيرها في زمن رسول الله ﷺ . والدليل على أن تلك الصدقة كانت تطوعا كما ذكرنا قولها كنت امرأة صنعا أصنع بيدي فأبيع من ذلك، فأنفق على عبد الله. فكان قول رسول الله ﷺ الذي في هذا الحديث، وفي الحديث الأول جوابا لسؤالها هذا. وفي حديث رائطة هذا "كنت أنفق من ذلك على عبد الله، وعلى ولده مني". وقد أجمعوا على أن المرأة لا يجوز لها أن تنفق على ولدها من زكاتها. فلما كان ما أنفقت على ولدها ليس من الزكاة، فكذلك ما أنفقت على زوجها ليس هو أيضا من الزكاة.

стр. 1591

وقد روي أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن تلك الصدقة التي أباح لها رسول الله ﷺ إنفاقها على زوجها كانت من غير الزكاة ٢٨٢٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن عمر بن نُبيه الكعبي، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ انصرف من الصبح يوما، فأتى على النساء في المسجد فقال: "يا معشر النساء ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بعقول ذوي الألباب منكن، وإني قد رأيت أنكن أكثر أهل النار يوم القيامة، فتقربَن إلى الله بما استطعتُن". وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود، فانقلبت إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فأخبرته بما سمعت من رسول الله ﷺ وأخذت حليًا لها. فقال ابن مسعود ﵁ أين تذهبين بهذا الحلي؟ فقالت: أتقرب به إلى الله وإلى رسوله، لعل الله أن لا يجعلني من أهل النار. قال هلمي بذلك ويلك تصدقي به عليّ وعلى ولدي فقالت: لا والله حتى أذهب به إلى رسول الله ﷺ فذهبت تستأذن على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! هذه زينب تستأذن، فقال: "أي الزيانب هي؟ " قالوا: امرأة عبد الله بن مسعود. فدخلت على النبي ﷺ فقالت: إني سمعت منك مقالة، فرجعت إلى ابن مسعود فحدثته، فأخذت حليي أتقرب به إلى الله وإليك رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار. فقال ابن مسعود ﵁: تصدقي به عليّ وعلى بني، فإنّا له موضع، فقلت له: حتى أستأذن رسول الله صلى الله

стр. 1592

عليه وسلم. فقال رسول الله ﷺ : "تصدقي به عليه وعلى بنيه، فإنهم له موضع" (١). ٢٨٢٥ - حدثنا الحسين بن الحكم الحبري، قال: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني [عمرو] بن أبي عمرو، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ … مثله (٢). قال أبو جعفر: فبين أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ إنما أراد بقوله: "تصدقن" الصدقة التطوع التي تكفر الذنوب. وفي حديثه قال: فجاءت بحلي لها إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، خذ هذا أتقرب به إلى الله وإلى رسوله. فقال لها رسول الله ﷺ : تصدقي به على عبد الله، وعلى بنيه، فإنهم له موضع، فكان ذلك على الصدقة بكل الحلي، وذلك من التطوع لا من الزكاة؛ لأن الزكاة لا توجب الصدقة بكل المال، وإنما توجب الصدقة بجزء منه. فهذا أيضا دليل على فساد تأويل أبي يوسف ﵀ ومن ذهب إلى قوله للحديث الأول. فقد بطل بما ذكرنا أن يكون في حديث زينب ما يدل على أن المرأة تعطي

стр. 1593

زوجها من زكاة مالها إذا كان فقيرا. وإنما نلتمس حكم ذلك بعد من طريق النظر وشواهد الأصول، فاعتبرنا ذلك، فوجدنا المرأة باتفاقهم لا يعطيها زوجها من زكاة ماله، وإن كانت فقيرة، ولم تكن في ذلك كغيرها؛ لأنا رأينا الأخت يعطيها أخوها من زكاته إذا كانت فقيرة وإن كان على أخيها أن ينفق عليها، ولم تخرج بذلك من حكم من يعطى من الزكاة. فثبت بذلك أن الذي يمنع الزوج من إعطاء زوجته من زكاة ماله ليس هو وجوب النفقة لها عليه، ولكنه السبب الذي بينه وبينها، فصار ذلك كالسبب الذي بينه وبين والديه في منع ذلك إياه من إعطائهما من الزكاة. فلما ثبت بما ذكرنا أن سبب المرأة الذي منع زوجها أن يعطيها من زكاة ماله وإن كانت فقيرة، هو كالسبب الذي بينه وبين والديه الذي يمنعه من إعطائهما من زكاته وإن كانا فقيرين، ورأينا الوالدين لا يعطيانه أيضا من زكاتهما، إذا كان فقيرا، فكان الذي بينه وبين والديه من السبب يمنعه من إعطائهما من الزكاة، ويمنعهما من إعطائه من الزكاة. فكذلك السبب الذي بين الزوج والمرأة، لما كان يمنعه من إعطائها من الزكاة، كان أيضا يمنعها من إعطائه من الزكاة. وقد رأينا هذا السبب بين الزوج والمرأة يمنع من قبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه، فجعلا في ذلك كذوي الرحم المحرم الذي لا تجوز شهادة كل واحد منهما لصاحبه. ورأينا أيضا كل واحد منهما لا يرجع فيما وهب لصاحبه في قول من يجيز الرجوع في الهبة فيما بين القريبين. فلما كان الزوجان فيما ذكرنا قد جعلا كذوي الرحم

стр. 1594

المحرم فيما منع فيه من قبول الشهادة، ومن الرجوع في الهبة كانا في النظر أيضا في إعطاء كل واحد منهما صاحبه من الزكاة كذلك. فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

стр. 1595

٤ - باب: الخيل السائمة هل فيها صدقة أم لا؟ ٢٨٢٦ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد: قال ثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ذكر الخيل فقال: "هي لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل سترٌ، وعلى رجل وزرٌ، فأما الذي هي له ستر، فالرجل يتخذها تكرما وتجملا، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها" (١). ٢٨٢٧ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ … مثله غير أنه قال: "ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها" (٢). فقط.

стр. 1596

٢٨٢٨ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم … فذكر بإسناده مثله (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى وجوب الصدقة في الخيل إذا كانت ذكورا وإناثا وكان صاحبها يلتمس نسلها، واحتجوا في إيجابهم الزكاة فيها بقول رسول الله ﷺ "ولم ينس حق الله فيها". قالوا: ففي هذا دليل على أن الله فيها حقا، وهو كحقه في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة واحتجوا في ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁. ٢٨٢٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن السائب بن يزيد أخبره، قال: رأيت أبي يقوّم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب ﵁ (٣).

стр. 1597

٢٨٣٠ - حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن عمر ﵁ كان يأخذ من الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة (١). ٢٨٣١ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، والحجاج بن المنهال، قالا: ثنا حماد بن سلمة … فذكر بإسناده مثله (٢). وممن ذهب إلى هذا القول أيضا، أبو حنيفة، وزفر رحمهما الله. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، منهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن رحمهما الله، فقالوا: لا صدقة في الخيل السائمة البتة. وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به لقولهم من قول رسول الله ﷺ : "ولم ينس حق الله فيها"، أنه قد يجوز أن يكون ذلك الحق حقا سوى الزكاة، فإنه قد روي عن رسول الله ﷺ ما

стр. 1598

٢٨٣٢ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي ﷺ أنه قال: "في المال حق سوى الزكاة"، وتلا هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية (١). فلما رأينا المال قد جعل فيه حق سوى الزكاة احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره رسول الله ﷺ في الخيل هو ذلك الحق أيضا. وحجة أخرى أن الزكاة في الحديث الذي رويناه عن أبي هريرة ﵁، إنما هو في الخيل المرتبطة، لا في الخيل السائمة وحجة أخرى إنا قد رأينا رسول الله ﷺ ذكر الإبل السائمة أيضا فقال فيها حق، فسئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحة سمينها". ٢٨٣٣ - حدثنا بذلك، إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي ﷺ … (٢). فلما كانت الإبل أيضا فيها حق غير الزكاة احتمل أن يكون كذلك الخيل.

стр. 1599

وأما ما احتجوا به مما رويناه عن عمر بن الخطاب ﵁، فلا حجة لهم فيه أيضا عندنا؛ لأن عمر لم يأخذ ذلك منهم على أنه واجب عليهم. وقد بين السبب -الذي من أجله أخذ ذلك منهم عمر بن الخطاب-، حارثة بن مضرب. ٢٨٣٤ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن القاسم المعروف بسُحيم الحراني، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: حججت مع عمر بن الخطاب ﵁، فأتاه أشراف من أشراف أهل الشام، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا قد أصبنا دواب وأموالا، فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، وتكون لنا زكاة. فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي، ولكن انتظروا حتى أسأل المسلمين، فسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم علي بن أبي طالب ﵁ فقالوا: حسن، وعلي ﵁ ساكت لم يتكلم معهم. فقال: ما لك يا أبا الحسن لا تتكلم؟ فقال: قد أشاروا عليك، ولا بأس بما قالوا، إن لم يكن أمرًا واجباً ولا جزيةً راتبةً يؤخذون بها. قال: فأخذ من كل عبد عشرة، ومن كل فرس عشرة، ومن كل هجين (١) ثمانية، ومن كل برذون أو بغل خمسة دراهم في السنة، ورزقهم كل شهر، والفرس عشرة دراهم، والهجين ثمانية، والبغل خمسة خمسة، والمملوك جريبين في كل شهر (٢).

стр. 1600

فدلّ هذا الحديث على أن ما أخذ منهم عمر ﵁ من أجله، ما كان أخذ منهم في ذلك، أنه لم يكن زكاة ولكنها صدقة غير زكاة. وقد قال لهم عمر ﵁ إن هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁. فدل ذلك على أن رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ لم يأخذا مما كان بحضرتهما من الخيل صدقة، ولم ينكر على عمر ما قال من ذلك أحد من أصحاب رسول الله ﷺ . ودلّ قول علي لعمر ﵄: قد أشاروا عليك، إن لم يكن جزية راتبة، وخراجا واجبا. وقبول عمر ذلك منه أن عمر إنما كان أخذ منهم ما أخذ منهم بسؤالهم إياه أن يأخذه منهم، فيصرفه في الصدقات، وأن لهم منع ذلك منه متى أحبوا، ثم سلك عمر ﵁ بالعبيد أيضا في ذلك مسلك الخيل، ولم يكن ذلك بدليل على أن العبيد الذين لغير التجارة تجب فيهم صدقة وإنما كان ذلك على التبرع من مواليهم بإعطاء ذلك (١). وقد روي عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".

стр. 1601

٢٨٣٥ - حدثنا بذلك، فهد قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ (١). ٢٨٣٦ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان، وشريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ … مثله (٢). ٢٨٣٧ - حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ … مثله (٣).

стр. 1602

فذلك أيضا ينفي أن تكون في الخيل صدقة. فإن قال قائل: فقد قرن مع ذلك الرقيق، فلما كان ذلك لا ينفي أن تكون الصدقة واجبة في الرقيق إذا كانوا للتجارة، فكذلك لا ينفي ذلك أن تكون الزكاة واجبة في الخيل إذا كانت سائمة. وكما كان قوله: "قد عفوت لكم عن صدقة الرقيق" إنما هو على صدقة الرقيق للخدمة خاصة، فكذلك قوله: "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل" إنما هو على خيل الركوب خاصة. قيل له: هذا يحتمل ما ذكرته، وإذا بطل أن تنتفي الزكاة بهذا الحديث انتفت بما ذكرنا قبله مما في حديث حارثة؛ لأن فيه أن عليا قال لعمر ما قد ذكرنا، فدل ذلك أن معنى قول رسول الله ﷺ هذا كان عند علي ﵁ على نفي الزكاة منها، وإن كانت سائمة. وقد روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ما معناه قريب من معنى حديث عاصم، والحارث عن علي ﵁. ٢٨٣٨ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، قال سمعت سليمان بن يسار يحدث، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" (١).

стр. 1603

٢٨٣٩ - حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا وهب، وسعيد بن عامر، قالا: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان، عن عراك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ … مثله (١). ٢٨٤٠ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار … فذكر بإسناده مثله (٢). ٢٨٤١ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 1604

٢٨٤٢ - حدثني محمد بن عيسى بن فليح، قال: ثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، عن سليمان، قال أحمد بن علي: هو ابن بلال بن فليح، عن عبد الله بن دينار … فذكر بإسناده مثله (١). ٢٨٤٣ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عراك … فذكر بإسناده مثله (٢). ٢٨٤٤ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن خثيم بن عراك، عن أبيه … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 1605

فلما لم يكن في شيء مما ذكرنا من هذه الآثار دليل على وجوب الزكاة في الخيل السائمة، وكان فيها ما ينفي الزكاة منها ثبت بتصحيح هذه الآثار قول الذين لا يرون فيها زكاة فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر، فإنا رأينا الذين يوجبون فيها الزكاة لا يوجبونها حتى تكون ذكورا وإناثا يلتمس منها صاحبها نسلها، ولا تجب الزكاة في ذكورها خاصة، ولا في إناثها خاصة، وكانت الزكوات المتفق عليها في المواشي السائمة تجب في الإبل والبقر والغنم ذكورا كانت كلها أو إناثا. فلما استوى حكم الذكور خاصة في ذلك، وحكم الإناث خاصة وحكم الذكور والإناث، وكانت الذكور من الخيل خاصة، والإناث، منها خاصة لا تجب فيها زكاة، كان كذلك في النظر للإناث منها والذكور إذا اجتمعت، لا تجب فيها زكاة. وحجة أخرى أنا قد رأينا البغال والحمير لا زكاة فيها وإن كانت سائمة، والإبل والبقر والغنم فيها الزكاة إذا كانت سائمة، وإنما الاختلاف في الخيل. فأردنا أن ننظر في أي الصنفين هي به أشبه، فنعطف حكمه على حكمه فرأينا الخيل ذوات حوافر، وكذلك الحمير والبغال هي ذوات حوافر أيضا، وكانت المواشي من البقر والغنم والإبل ذوات أخفاف، فذو الحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف. فثبت بذلك أن لا زكاة في الخيل، كما لا زكاة في الحمير والبغال. وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو أحب القولين إلينا، وقد روي ذلك عن سعيد بن المسيب.

стр. 1606

٢٨٤٥ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار قال: قلت لسعيد بن المسيب أعلى البراذين صدقة؟ فقال: أو على الخيل صدقة؟ (١).

стр. 1607

٥ - باب الزكاة هل يأخذها الإمام أم لا؟ ٢٨٤٦ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص ﵁، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقال لهم: "لا تحشروا (١) ولا تعشروا (٢) " (٣). ٢٨٤٧ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل بن يونس، عن إبراهيم بن مهاجر البجلي، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر العرب احمدوا الله، إذ رفع عنكم العشور" (٤).

стр. 1608

٢٨٤٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن رجل حدثه، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكر مثله (١). ٢٨٤٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن معبد، والحماني، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن جده أبي أمه، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على أهل الذمة" (٢).

стр. 1609

قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى أن الإمام ليس له أن يبعث على المسلمين من يتولى أخذ صدقاتهم، ولكن المسلمين بالخيار إن شاءوا أدوها إلى الإمام فتولى وضعها في مواضعها التي أمره الله بها، وإن شاءوا فرقوها في تلك المواضع. وليس للإمام أن يأخذها منهم بغير طيب أنفسهم، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار التي رويناها عن رسول الله ﷺ وبما روي عن عمر بن الخطاب ﵁. ٢٨٥٠ - كما قد حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا سفيان، عن عمرو، عن مسلم بن يسار، قال قلت لابن عمر، أكان عمر يعشر المسلمين؟ قال: لا (٢). وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: للإمام أن يولي أصحاب الأموال صدقات أموالهم، حتى يضعوها مواضعها، وللإمام أيضا أن يبعث عليها مصدقين، حتى يعشروها، ويأخذوا الزكاة منها. وكان من الحجة على أهل المقالة الأولى لهم، أن العشر الذي كان رسول الله ﷺ رفعه عن المسلمين، هو العشر الذي كان يؤخذ في الجاهلية، وهو خلاف الزكاة، وكانوا يسمونه المكس، وهو الذي روى عقبة بن عامر فيه عن النبي ﷺ

стр. 1610

٢٨٥١ - ما قد حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا عبد الرحيم، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة صاحب مكس" (١). يعني: عاشرا فهذا هو العشر المرفوع عن المسلمين، وأما الزكاة، فلا. وقد بين ذلك أيضا. ٢٨٥٢ - ما قد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن رجل من أخواله أن رسول الله ﷺ استعمله على الصدقة، وعلمه الإسلام، وأخبره بما يأخذ فقال: يا رسول الله! كل الإسلام قد علمته إلا الصدقة، أفأعشر المسلمين؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما يعشر اليهود والنصارى" (٢). ففي هذا الحديث أن رسول الله ﷺ بعثه على الصدقة، وأمره أن لا يعشر المسلمين، وقال له: إنما العشور على اليهود والنصارى. فدل ذلك أن العشور المرفوعة عن المسلمين، هي خلاف الزكاة. ومما يبين ذلك أيضا

стр. 1611

٢٨٥٣ - أن حسين بن نصر حدثنا، قال: ثنا الفريابي، قال: أنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله الثقفي، عن خال له من بكر بن وائل، قال: أتيت النبي ﷺ فسألته عن الإبل والغنم أعشرهن؟ قال: "إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين" (١). فدل هذا على أن العشر الذي ليس على المسلمين المأخوذ من اليهود والنصارى هو خلاف الزكاة؛ لأن ما يؤخذ من النصارى واليهود من ذلك إنما هو حق للمسلمين واجب عليهم، كالجزية الواجبة لهم عليهم والزكاة ليست كذلك لأنها إنما تؤخذ طهارة لرب المال، وهو مثاب على أدائها. واليهود والنصارى ليس ما يؤخذ منهم من العشر طهارة لهم، ولا هم مثابون عليه. فرفع رسول الله ﷺ ما يؤخذ منهم مما لا ثواب لهم عليه، وأقر ذلك على اليهود والنصارى. ٢٨٥٤ - حدثنا أبو بكرة، وإبراهيم بن مرزوق، قالا ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى أيوب بن شرحبيل: أن خذ من المسلمين من كل أربعين دينارا دينارا، ومن أهل الكتاب من كل عشرين دينارا دينارا إذا كانوا يريدونها، ثم لا تأخذ منهم شيئا حتى رأس الحول، فإني سمعت ذلك ممن سمعه من النبي ﷺ ، يقول ذلك (٢).

стр. 1612

ففي هذا الحديث أمر رسول الله ﷺ للمصدقين أن يأخذوا من أموال المسلمين ما ذكرنا، ومن أموال أهل الذمة ما وصفنا. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما قد وافق هذا ٢٨٥٥ - حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا معاذ بن معاذ العنبري، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين، قال: أرسل إليّ أنس بن مالك فأبطأت عنه ثم أرسل إلي فأتيته، فقال إني كنت أرى لو أمرتك أن تعض على حجر كذا وكذا ابتغاء مرضاتي لفعلت، اخترت لك عملا فكرهته، أو أكتب لك سنة عمر ﵁؟ قال: قلت اكتب لي سنة عمر ﵁ قال: فكتب خذ من المسلمين من أربعين درهما درهما، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهما. قال: قلت، من لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يقدمون من الشام (١). فلما فعل عمر ﵁ هذا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ فلم ينكره عليه أحد منكر، كان ذلك حجة وإجماعا منهم عليه. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.

стр. 1613

وأما وجهه من طريق النظر، فإنا قد رأيناهم أنهم لا يختلفون أن للإمام أن يبعث إلى أرباب المواشي السائمة حتى يأخذ منهم صدقة مواشيهم إذا وجبت فيها الصدقة، وكذلك يفعل في ثمارهم ثم يضع ذلك في مواضع الزكوات على ما أمره به لا يأبى ذلك أحد من المسلمين. فالنظر على ذلك أن تكون بقية الأموال من الذهب والفضة وأموال التجارات كذلك. فأما معنى قول رسول الله ﷺ : "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى". فعلى ما قد فسرته فيما تقدم من هذا الباب وقد سمعت أبا بكرة يحكي ذلك عن أبي عمر الضرير. وهذا كله قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد ﵏. وقد روي عن يحيى بن آدم في تفسير قول النبي ﷺ : "ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى" معنى غير المعنى الذي ذكرنا، وذلك أنه قال: إن المسلمين لا يجب عليهم بمرورهم على العاشر في أموالهم ما لم يكن واجبا عليهم لو لم يمروا بها عليه؛ لأن عليهم الزكاة على أي حال كانوا عليها. واليهود والنصارى لو لم يمروا بأموالهم على العاشر لم يجب عليهم فيها شيء. فالذي رفع عن المسلمين، هو الذي يوجبه المرور بالمال على العاشر، ولم يرفع ذلك عن اليهود والنصارى.

стр. 1614

٦ - باب ذوات العوار (١) هل تؤخذ في صدقات المواشي أم لا؟ ٢٨٥٦ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: بعث النبي ﷺ مصدقا في أول الإسلام فقال: خذ الشارف (٢) والبكر وذوات العيب، ولا تأخذ حرزات الناس (٣). قال هشام أرى ذلك ليستألفهم ثم جرت السنة بعد ذلك. ٢٨٥٧ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه (٤). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٥) إلى تقليد هذا الخبر، وقالوا: هكذا ينبغي للمصدق أن يأخذ.

стр. 1615

وخالفهم في ذلك آخرون (١)، فقالوا: لا يأخذ في الصدقات ذات عيب، وإنما يأخذ عدلا (٢) من المال واحتجوا في ذلك بما. ٢٨٥٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني أبي، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس أن أبا بكر الصديق ﵁ لما استخلف وجه أنس بن مالك ﵁ إلى البحرين، فكتب له هذا الكتاب: هذه فريضةٌ يعني الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين التي أمر الله بها رسوله ﷺ . فمن سئلها من المؤمنين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه، فذكر فرائض الصدقة وقال: لا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم (٣) (٤). ٢٨٥٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحكم بن موسى، قال: ثنا يحيى بن حمزة، قال: ثنا سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه،
следующие страницы →