← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

فأخبر ابن عمر ﵄ في حديث بكر هذا أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو ملبي بالحج. وقد أخبر في حديث سالم أن رسول الله ﷺ بدأ فأحرم بالعمرة. فهذا معناه عندنا -والله أعلم-، أنه كان أحرم أولا بحجة على أنها حجة، ثم فسخها فصيرها عمرة، فلبي بالعمرة، ثم تمتع بها إلى الحج، حتى يصح حديث سالم وبكر هذين، ولا يتضادان. وفسخ رسول الله ﷺ الحج الذي كان فعله وأمر به أصحابه، هو بعد طوافهم بالبيت، قد ذكرنا ذلك في باب فسخ الحج، فأغنانا ذلك عن إعادته هاهنا. فاستحال بذلك أن يكون الطواف الذي كان رسول الله ﷺ فعله للعمرة التي انقلبت إليها حجته مجزيًا عنه من طواف حجته التي أحرم بها بعد ذلك. ولكن وجه ذلك، عندنا -والله أعلم-، أنه لم يطف لحجته قبل يوم النحر؛ لأن الطواف الذي يفعل قبل يوم النحر في الحجة إنما يفعل للقدوم، لا لأنَّه من صلب الحجة، فاكتفى ابن عمر ﵄ بالطواف الذي كان فعله بعد القدوم في عمرته عن إعادته في حجته. وهذا مثل ما قد روي عن ابن عمر ﵄ أيضا من فعله. ٣٦٦٢ م - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا قدم مكة رمل بالبيت، ثم طاف بين الصفا والمروة، وإذا لبى من مكة

стр. 2032

بها لم يرمل بالبيت، وأخر الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر، وكان لا يرمل يوم النحر (١). فدل ما ذكرنا أن ابن عمر ﵄ كان إذا أحرم بالحجة من مكة لم يطف لها إلى يوم النحر. فكذلك ما روي عن رسول الله ﷺ من إحرامه بالحجة التي أحرم بها بعد فسخ حجته الأولى لم يكن طاف لها إلى يوم النحر. فليس في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ من حكم طواف القارن لعمرته وحجته شيء. وثبت بما ذكرنا أيضا، خطأ الدراوردي في حديث عبيد الله الذي وصفناه. واحتج أهل المقالة الأولى ٣٦٦٣ - بما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك (ح) وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا". فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة"، فلما قضيت الحج

стр. 2033

أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال: "هذه مكان عمرتك"، قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافا واحدا (١). قالوا: فهذه عائشة ﵂ قد قالت: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا وهم كانوا مع رسول الله ﷺ ، وبأمره كانوا يفعلون. ففي ذلك ما يدل على أن على القارن لحجته وعمرته طوافا واحدا، وليس عليه غير ذلك. وكان من حجتنا عليهم لمخالفيهم أنا قد روينا عن عُقَيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ فيما تقدم من هذا الباب أن رسول الله ﷺ في حجة الوداع تمتع وتمتع الناس معه. والمتمتع قد علمنا أنه الذي يهل بحجة بعد طوافه للعمرة.

стр. 2034

ثم قالت عائشة ﵂: في حديث مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، فأخبرت أنهم دخلوا في إحرامهم كما يدخل المتمتعون. قالت: ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما"، ولم يبين في هذا الحديث الموضع الذي قال لهم فيه هذا القول. فقد يجوز أن يكون قاله لهم قبل دخول مكة، أو بعد دخول مكة قبل الطواف، فيكونون قارنين بتلك الحجة للعمرة التي كانوا أحرموا بها قبلها. ويجوز أن يكون قال لهم ذلك بعد طوافهم للعمرة، فيكونون متمتعين بتلك الحجة التي أمرهم بالإحرام بها. فنظرنا في ذلك، فوجدنا جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري ﵃ قد أخبرا في حديثيهما اللذين رويناهما عنهما في باب: فسخ الحج، أن رسول الله ﷺ قال ذلك القول في آخر طواف على العمرة. فعلمنا أن قول عائشة ﵂ في حديث مالك. وأما الذين جمعوا بين العمرة والحج أنها تعني جمع متعة، لا جمع قرآن، قالت فإنما طافوا طوافا واحدا أي: فإنما طافوا طوافا بعد جمعهم بين الحج والعمرة، التي قد كانوا قد طافوا لها طوافا واحدا؛ لأن حجتهم تلك المضمومة مع العمرة، كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها قبل عرفة، إنما يطاف لها بعد عرفة، على ما كان ابن عمر يفعل فيما قد رويناه.

стр. 2035

فقد عاد معنى ما روينا عن عائشة ﵂ في هذا الباب، وما صححنا من ذلك لنفي التضاد عنه إلى معنى ما روينا عن ابن عمر ﵄ وما صححنا من ذلك. فليس شيء من هذا يدل على حكم القارن حجة كوفية مع عمرة كوفية كيف طوافه لهما، هل هو طواف واحد، أو طوافان؟ واحتج الذين ذهبوا إلى أن القارن يجزئه لعمرته وحجته طواف واحد أيضا. ٣٦٦٤ - بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح) وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قالا: ثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: "إذا رجعت إلى مكة، فإن طوافك يكفيك لحجك وعمرتك" (١). قالوا: فقد أخبر رسول الله ﷺ أن الذي عليها لحجتها وعمرتها طواف واحد. قيل لهم ليس هكذا لفظ هذا الحديث الذي رويتموه، إنما لفظه أنه قال: "طوافك لحجك يجزئك لحجك وعمرتك" فأخبر أن الطواف المفعول للحج يجزئ عن

стр. 2036

الحج والعمرة، وأنتم لا تقولون هذا، إنما تقولون: إن طواف القارن طواف لقرانه، لا لحجته دون عمرته، ولا لعمرته دون حجته، مع أن غير ابن أبي نجيح من أصحاب عطاء، قد روي هذا الحديث بعينه عن عطاء على معنى غير هذا المعنى. ٣٦٦٥ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حجاج، وأنا عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة ﵂ أنها قالت: قلت يا رسول الله! أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري؟ قال: "انفري فإنه يكفي" (١). قال حجاج في حديثه عن عطاء قال: ألحت (٢) على رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تخرج إلى التنعيم، فتهل منه بعمرة، وبعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأهلت منه بعمرة، ثم قدمت فطافت وسعت وقصرت، وذبح عنها رسول الله ﷺ قال عبد الملك، عن عطاء ذبح عنها بقرة، فأخبر عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة ﵂ بقصتها بطولها، وأنها إنما أحرمت بالعمرة في وقت ما كان لها أن تنفر بعد فراغها من الحجة، وأن الذي ذكر أنه يكفيها هو الحج من الحجة والعمرة لا الطواف.

стр. 2037

فقد بطل أن يكون في حديث عطاء هذا حجة في حكم طواف القارن كيف هو؟ واحتج من ذَهب أيضا في القارن أنه يطوف لعمرته وحجته طوافا واحدا. ٣٦٦٦ - بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عثمان بن الهيثم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أن جابر بن عبد الله يقول: دخل النبي ﷺ على عائشة وهي تبكي، فقال: "ما لك تبكين؟ ". قالت أبكي؛ لأن الناس حلوا، ولم أحلل، وطافوا بالبيت ولم أطف، وهذا الحج قد حضر كما ترى، فقال: "هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي وأهلّي بالحج، ثم حجي، واقضي ما يقض الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي"، قالت: ففعلت ذلك، فلما طهرت قال: "طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم قد حللت من حجِك وعمرتِك". فقلت: يا رسول! إني أجد في نفسي من عمرتي، أني لم أكن طفت حتى حججت، فأمر عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم (١). ٣٦٦٧ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال أخبرني الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ … مثله (٢).

стр. 2038

قالوا: فقد أمرها النبي ﷺ وهي محرمة بالعمرة والحجة أن تطوف بالبيت وتسعى بين الصفا والمروة، ثم تحل. فدل ذلك على أن حكم القارن في طوافه لحجته وعمرته هو كذلك، وأنَّه طواف واحد ولا شيء عليه من الطواف غيره. فكان من الحجة على أهل هذه المقالة للآخرين أن حديث عائشة ﵂ هذا قد روي على غير ما ذكرنا. ٣٦٦٨ - حدثنا أبو بكرة ومحمد بن خزيمة، قالا: ثنا عثمان بن الهيثم، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: أمرنا النبي ﷺ فقال: "من شاء أن يهل بالحج، ومن شاء فليهل بالعمرة". قالت: كنت ممن أهل بعمرة، فحضت، ودخل عليّ النبي ﷺ ، فأمرني أن أنقض رأسي، وأمتشط، وأدع عمرتي (١).

стр. 2039

٣٦٦٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن زيد بن الحسن (١)، عن عكرمة، عن عائشة … مثله (٢). ٣٦٧٠ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة … مثله (٣). ففي هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أمرها حين حاضت أن تدع عمرتها، وذلك قبل طوافها، فكيف يكون طوافها في حجتها التي أحرمت بها بعد ذلك يجزئ عنها من حجتها تلك، ومن عمرتها التي قد رفضتها؟ هذا محال. وقد روى الأسود عنها في ذلك أيضا ما ٣٦٧١ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدم مكة طاف ولم يحل، وكان معه الهدي، فطاف من معه من نسائه وأصحابه، فحل منهم من لم يكن معه الهدي، قال: وحاضت هي، قالت: فقضينا مناسكنا من حجنا، فلما كانت ليلة الحصبة ليلة النفر، قلت: يا رسول الله! أيرجع أصحابك بحج وعمرة، وأرجع أنا بحج؟

стр. 2040

قال: "أما كنت طفت بالبيت ليالي قدمنا؟ قالت: قلت لا قال: "انطلقي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة، ثم موعدك مكان كذا وكذا" (١). ففي هذا الحديث ما يدل أنها قد كانت خرجت من عمرتها التي صارت مكان حجتها بفسخ الحج بمضيها إلى عرفة قبل طوافها لها. لأن رسول الله ﷺ قال لها "أما كنت طفت ليالي قدمنا؟ " أي: لو كنت طفت كانت قد تمت لك عمرتك مع حجتك التي قد فرغت منها. فلما أخبرته أنها لم تكن طافت ليالي قدموا جعلها بما فعلت بعد ذلك لحجها من وقوفها بعرفة، أو توجهها إليها خارجة من عمرتها، فأمر لها أن تعتمر أخرى مكانها من التنعيم. فكيف يجوز لقائل أن يقول: إن طوافها بالبيت لحجة هي فيها يكون لتلك الحجة، ولعمرة أخرى قد خرجت منها قبل ذلك هذا عندنا محال. وقد روى القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ في ذلك.

стр. 2041

٣٦٧٢ - ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نذكر (١) إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يبكِيك؟ " فقلت: لوددت أني لم أحج العام، أو لم أخرج العام، قال: "لعلك نفستِ؟ ". قلت: نعم، قال: "فإن هذا أمر قد كتبه الله تعالى على بنات آدم، فافعلي ما يفعل، الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت. قالت: فلما جئنا مكة، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: اجعلوها عمرة"، فحل الناس إلا من كان معه هدي، فكان الهدي معه ومع أبي بكر، وعمر وعثمان (٢)، وذي اليسارة، ثم أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر طهرت، فأرسلني رسول الله ﷺ ، فأفضت فأتى بلحم بقر، فقلت ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر، حتى إذا كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله! يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني خلفه، فإني لأذكر أني كنت أنعس، فتضرب وجهي مؤخرة الرحل، حتى جئنا التنعيم، فأهللت بعمرة، جزاء عمرة الناس التي اعتمروا بها (٣).

стр. 2042

فهذا مثل الحديث الذي قبله، وقد رواه عروة، عن عائشة ﵂ أبين من ذلك. ٣٦٧٣ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد سلمة، بن عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا موافين للهلال، فقال رسول الله ﷺ : "من شاء أن يهل بالحج، فليهل، ومن شاء أن يهل بالعمرة فليهل، وأما أنا فإني أهل بالحج؛ لأن معي الهدي". قالت عائشة ﵂: فمنّا مَن أهلّ بالحج، ومنَا من أهل بالعمرة، وأما أنا فإني أهللت بالعمرة، فوافاني يوم عرفة وأنا حائض، فقال رسول الله ﷺ : "دعي عنك عمرتك، وانقضي شعرك، وامتشطي، ثم لبّي بالحج، فلبيت بالحج". فلما كانت ليلة الحصبة وطهرت أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر، فذهب بي إلى التنعيم، فلبيت بالعمرة (١). قضاء لعمرتها

стр. 2043

فبينت عائشة أن حجتها كانت مفصولة من عمرتها، وأنها قد كانت فيما بينهما نقضت شعرها وامتشطت. فكيف يجوز أن يكون طوافها لحجتها التي بينها وبين عمرتها ما ذكرنا من الإحلال يجزئ عنها لعمرتها ولحجتها؟ هذا محال، وهو أولى من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁؛ لأن ذلك إنما أخبر فيه جابر ﵁ بقصة عائشة ﵂، وأنها لم تكن حلت بين عمرتها وحجتها، وأخبرت عائشة ﵂ في هذا بأمر النبي ﷺ إياها قبل دخولها في حجتها: أن تدع عمرتها، وأن تفعل ما يفعل الحلال مما ذكرت في حديثها. ودل ذلك أيضا على أن حديث عطاء عن عائشة ﵂، كما رواه عنه الحجاج، وعبد الملك، لا كما رواه عنه ابن أبي نجيح. واحتج أيضا الذين قالوا: يطوف القارن لحجته وعمرته طوافا واحدا. ٣٦٧٤ - بما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا محمد بن خازم، قال: ثنا الحجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافا واحدا" (١). قيل لهم: ما أعجب هذا إنكم تحتجون بمثل هذا، وقد رويتم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله ﷺ أفرد الحج، وعن ابن جريج

стр. 2044

والأوزاعي، وعمرو بن دينار، وقيس بن سعد، عن عطاء، عن جابر ﵄ أنهم قدموا صبيحة رابعة مهلّين بالحج، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يجعلوها عمرة، وهو على الصفا في آخر طواف، فكيف تقبلون مثل ذلك، وتدعون مثل هذا؟ فإن احتجوا في ذلك ٣٦٧٥ - بما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن جابر: أن أصحاب النبي ﷺ لم يزيدوا على طواف واحد (١). قيل لهم: إنما يعني جابر ﵁ هذا الطواف بين الصفا والمروة، وقد بين ذلك عنه أبو الزبير. ٣٦٧٦ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، سمع جابرا يقول: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا (٢).

стр. 2045

وإنما أراد جابر بهذا أن يخبرهم أن السعي بين الصفا والمروة لا يُفعل في طواف يوم النحر، ولا في طواف الصدر كما يفعل في طواف القدوم. وليس في شيء من هذا دليل على أن ما على القارن من الطواف لعمرته وحجته طواف واحد، أو طوافان فإن قال قائل: فقد صح عن ابن عمر من قوله في القارن: أنه يطوف لعمرته وحجته طوافا واحدا، فإلى قول من تخالفون قوله في ذلك؟ قيل له: إلى قول علي، وعبد الله ﵄. ٣٦٧٧ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان عن منصور، عن إبراهيم، أو مالك بن الحارث، عن أبي نصر، قال: أهللت بالحج، فأدركت عليا فقلت له: إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة؟ قال لا، لو كنت أهللت بالعمرة، ثم أردت أن تضم إليها الحج ضممته. قال: قلت كيف أصنع إذا أردت ذلك؟ قال: تصب عليك إداوة من ماء، ثم تحرم بهما جميعا، وتطوف لكل واحدة منهما طوافا (١).

стр. 2046

٣٦٧٨ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني منصور، عن مالك بن الحارث، عن أبي نصر السلمي، عن علي ﵁ .... . مثله (١). قال أبو داود، قال قيس: قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: ما كنا نفتي الناس إلا بطواف واحد، فأما الآن فلا. ٣٦٧٩ - حدثنا محمد بن الحجاج، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا يزيد بن عطاء، عن الأعمش، عن إبراهيم، ومالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن أذينة، قال: سألت عليا ﵁ … فذكر مثله (٢). ٣٦٨٠ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 2047

٣٦٨١ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم، عن مالك، عن أبي نصر … مثله. قال: منصور فذكرت ذلك لمجاهد فقال: ما كنت أفتي الناس إلا بطواف واحد، فأما الآن فلا (١). ٣٦٨٢ - حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا شجاع بن مخلد، (ح) وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قالا: ثنا هشيم عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن زياد بن مالك، عن علي، وعبد الله ﵄، قالا: القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين (٢). فهذا علي وعبد الله ﵄، قد ذهبا في طواف القارن إلى خلاف ما ذهب إليه ابن عمر ﵄. وأما وجه ذلك من طريق النظر، فإنا رأينا الرجل إذا أحرم بحجة وجبت عليه بما فيها من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ووجب عليه في انتهاك ما قد حرم عليه بإحرامه بها من الكفارات ما يجب عليه في ذلك. وكذلك إذا أحرم بعمرة وجبت عليه أيضا بما فيها من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ووجب عليه

стр. 2048

في انتهاك ما قد حرم عليه بإحرامه بها من الكفارات ما يجب عليه في ذلك. وكان إذا جمعهما فكل قد أجمع أنه في حرمتين: حرمة حج، وحرمة عمرة. فكان يجيء في النظر أن يجب عليه لكل واحدة: منهما من الطواف والسعي، وغير ذلك من الكفارات في انتهاك الحرمة التي قد حرمت عليه بها، ما كان يجب عليه لها لو أفردها. فأدخل على هذا القول فقيل: قد رأينا الحلال يصيب الصيد في الحرم، فيجب عليه الجزاء لحرمة الحرم، ورأينا المحرم يصيب صيدا في الحل فيجب عليه الجزاء لحرمة الحرام. ورأينا المحرم إذا أصاب صيدا في الحرم وجب عليه جزاء واحد لحرمة الإحرام، ودخل فيه حرمة الجزاء لحرمة الحرم. وهو في وقت ما أصاب ذلك الصيد في حرمتين: في حرمة إحرام، وحرمة حرم، فلم يجب عليه لكل واحدة من الحرمتين ما كان يجب عليه لها لو أفردها. قالوا: فكذلك القارن فيما كان يجب عليه لكل واحدة من عمرته وحجته لو أفردها، لا يجب عليه في ذلك لما جمعهما إلا مثل ما يجب عليه في إحداهما، ويدخل ما كان يجب للأخرى لو كانت مفردة في ذلك. قيل لهم: إنكم لم تقولون أن ما يجب على المحرم في قتله الصيد في الحرم جزاء واحد.

стр. 2049

وقد قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ﵏: إن القياس كان عندهم في ذلك أنه يجب عليه جزاءان: جزاء لحرمة الإحرام، وجزاء لحرمة الحرم، وأنهم إنما خالفوا ذلك استحسانا. ولكنا لا نقول في ذلك كما قالوا، بل القياس عندنا في ذلك ما ذكروا أنهم استحسنوه. وذلك أنا رأينا الأصل المجتمع عليه أنه يجوز للرجل أن يجمع بين حجة وعمرة، ولا يجمع بين حجتين، ولا بين عمرتين فكان له أن يجمع بإحرام واحد بين شكلين مختلفين، فيدخل بذلك فيهما، ولا يجمع بين شيئين من صنف واحد. فلما كان ما ذكرنا كذلك، كان له أن يجمع أيضا بأدائه جزاء واحدا ما يجب عليه بحرمتين مختلفتين وهما حرمة الحرم التي لا يجزئ فيها الصوم، وحرمة الإحرام التي يجزئ فيها الصوم، ويكون بذلك الجزاء الواحد مؤديا عما يجب عليه فيهما. فلم يكن له أن يجمع بأدائه جزاء واحدا عما يجب عليه في انتهاك حرمتين مؤتلفتين من شكل واحد، وهما: حرمة العمرة، وحرمة الحج. كما لم يكن له أن يدخل بإحرام واحد في حرمة شيئين مؤتلفين. ولما كان ما ذكرنا أيضا كذلك وكان الطواف للحجة، والطواف للعمرة من شكل واحد أيضا لم يكن بطواف واحد داخلًا فيهما، ولم يكن ذلك الطواف مجزئا عنهما، واحتاج أن يدخل في كل واحد منهما دخولا على حدة قياسا ونظرا على ما ذكرنا مما يجمعه

стр. 2050

بإحرام واحد من الحجة والعمرة المختلفتين، ومما ذكرنا مما لا يجمعه من الحجتين المؤتلفتين، ومن العمرتين المؤتلفتين. فإن قال قائل: فقد رأيناه يحل من حجته وعمرته بحلق واحد، ولا يكون عليه غير ذلك، فكذلك أيضا يطوف لهما طوافا واحدا ويسعى لهما سعيا واحدا، ليس عليه غير ذلك. قيل له: قد رأيناه يحل بحلق واحد من إحرامين مختلفين، لا يجزئه فيهما إلا طوافان مختلفان. وذلك أن رجلا لو أحرم بعمرة، فطاف لها وسعى وساق الهدي، ثم حج من عامه، فصار بذلك متمتعا أن كان حكمه في يوم النحر أن يحلق حلقا واحدا فيحل بذلك الحلق منهما جميعا. وكان يحل بحلق واحد من إحرامين مختلفين، قد كان دخل فيهما دخولا متفرقا. ولم يكن ما وجب من ذلك من حكم الحلق موجبا أن حكم الطواف لهما كان كذلك، وأنَّه طواف واحد، بل هو طوافان. فكذلك ما ذكرنا من حلق القارن لعمرته وحجته حلقا واحدا لا يجب به أن يكون كذلك حكم طوافه لهما طوافا واحدا. ولما كان قد يحل في الإحرامين اللذين قد دخل فيهما دخولا متفرقا بحلق واحد كان في الإحرامين اللذين قد دخل فيهما دخولا واحدا أحرى أن يحل منهما كذلك. فهذا هو النظر في هذا الباب على ما قد روي عن علي وعبد الله ﵄، من وجوب الطواف لكل واحدة من العمرة والحجة، وعلى ما ذكرنا من النظر على ذلك

стр. 2051

من وجوب الجزاء لكل واحدة منهما في انتهاك حرمتهما. وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى.

стр. 2052

١٩ - باب: حكم الوقوف بالمزدلفة ٣٦٨٣ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ بجمع، فقلت: يا رسول الله! هل لي من حج وقد أنضيت راحلتي؟ فقال: من صلى معنا هذه الصلاة، قد وقف معنا قبل ذلك وأفاض من عرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" (١). ٣٦٨٤ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال أنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، وزكريا، عن الشعبي، وداود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس ﵁، عن النبي ﷺ … مثله (٢).

стр. 2053

٣٦٨٥ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، داود بن أبي هند عن الشعبي، وزكريا [بن أبي زائدة]، عن الشعبي قال: سمعت عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي ﵁، يقول: أتيت رسول الله ﷺ بمزدلفة، فقلت: يا رسول الله جئت من جبلي طيئ، ووالله ما جئت حتى أتعبت نفسي، وأنضيت راحلتي، وما تركت حبلا (١) رملًا من هذه الحبال إلا وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من شهد معنا هذه الصلاة صلاة الفجر بالمزدلفة، وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه (٢) ". قال سفيان، وزاد زكريا فيه، وكان أحفظ الثلاثة لهذا الحديث، قال: فقلت يا رسول الله! أتيت هذه الساعة من جبلي طيئ، قد أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي فهل لي من حج؟ فقال: "من شهد معنا هذه الصلاة، ووقف معنا حتى نفيض، وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة من ليل أو نهار، فقد تم حجه، وقضى تفثه" قال سفيان: وزاد داود بن أبي هند، قال: أتيت رسول الله ﷺ حين برق الفجر … ثم ذكر الحديث (٣).

стр. 2054

قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يجوز الحج إلا بإصابته. واحتجوا في ذلك بقول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وبهذا الحديث الذي رويناه. وقالوا: قد ذكر الله في كتابه المشعر الحرام، كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله ﷺ في سنته، فحكمهما واحد، لا يجزئ الحج إلا بإصابتهما. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: أما الوقوف بعرفة فهو من صُلب الحج الذي لا يجزئ الحج إلا بإصابته، وأما الوقوف بمزدلفة فليس كذلك. وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] ليس فيه دليل على أن ذلك على الوجوب لأن الله إنما ذكر الذكر، ولم يذكر الوقوف، وكلٌّ قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجه تام. فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صُلب الحج، فالموطن الذي يكون ذلك الذكر فيه الذي لم يذكر في الكتاب أحرى أن لا يكون فرضا.

стр. 2055

وقد ذكر الله أشياء في كتابه من الحج، ولم يرد بذكرها إيجابها، حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابتها في قول أحد من المسلمين من ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وكل قد أجمع أنه لو حج ولم يطف بين الصفا والمروة، أن حجه قد تم، وعليه دم مكان ما ترك من ذلك. فكذلك ذكر الله المشعر الحرام في كتابه ليس في ذلك دليل على إيجابه حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابته. وأما ما في حديث عروة بن مضرس ﵁، فليس فيه دليل أيضا على ما ذكروا؛ لأن رسول الله ﷺ إنما قال فيه: من صلى معنا صلاتنا هذه، وقد كان أتى عرفة قبل ذلك من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه" فذكر الصلاة، وكل قد أجمع على أنه لو بات بها، ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام. فلما كان حضور الصلاة مع الإمام المذكور في هذا الحديث ليس من صلب الحج الذي لا يجزئ الحج إلا بإصابته كان الموطن الذي تكون فيه تلك الصلاة الذي لم يذكر في هذا الحديث أحرى أن لا يكون كذلك. فلم يتحقق بهذا الحديث ذكر الفرض إلا بعرفة خاصة. على ذلك وقد روى عبد الرحمن بن يعمر الديلي، عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. ٣٦٨٦ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا سفيان، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا

стр. 2056

بعرفات، فأقبل أناس من أهل نجد، فسألوه عن الحج. فقال: "الحج يوم عرفة، ومن أدرك جمعا قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة أيام التشريق ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] " ثم أردف خلفه رجلا ينادي بذلك (١). ٣٦٨٧ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، قال: قال رسول الله ﷺ … ثم ذكر مثله، ولم يذكر سؤال أهل نجد، ولا إردافه الرجل (٢). ففي هذا الحديث أن أهل نجد سألوا رسول الله ﷺ عن الحج، فكان جوابه لهم: "الحج يوم عرفة".

стр. 2057

وقد علمنا أن جواب رسول الله ﷺ هو الجواب التام الذي لا نقص فيه، ولا فضل؛ لأن الله تعالى قد آتاه جوامع الكلم وخواتمه، فلو كان عندما سألوه عن الحج أرادوا بذلك ما لا بد منه في الحج، لكان يذكر عرفة، والطواف، ومزدلفة، وما يفعل من الحج سوى ذلك. فلما ترك ذكر ذلك في جوابه إياهم، علمنا أن ما أرادوا بسؤالهم إياه عن الحج هو ما إذا فات فات الحج، فأجابهم بأن قال: "الحج يوم عرفة" فلو كانت مزدلفة كعرفة لذكر لهم مزدلفة مع ذكره، عرفة، ولكنه ذكر عرفة خاصة؛ لأنها صلب الحج الذي إذا فات فات الحج. ثم قال كلاما مستأنفا، ليعلم الناس: من أدرك جمعا قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، ليس على معنى أنه أدرك جميع الحج؛ لأنَّه قد ثبت في أول كلامه "الحج عرفة" فأوجب بذلك أن فوت عرفة فوت الحج. ثم قال: "ومن أدرك جمعا قبل صلاة الصبح، فقد أدرك الحج" ليس على معنى أنه لم يبق عليه من الحج شيء؛ لأن بعد ذلك طواف الزيارة، وهو واجب لا بد منه، ولكن فقد أدرك الحج، بما تقدم له من الوقوف بعرفة. فهذا أحسن ما خرج من معاني هذه الآثار، وصحت عليه ولم تتضاد. وأما وجه ذلك من طريق النظر، فإنا قد رأينا الأصل المجتمع عليه أن للضعفة أن يتعجلوا من جمع بليل.

стр. 2058

وكذلك أمر رسول الله ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب، وسنذكر ذلك في موضعه من كتابنا هذا، إن شاء الله تعالى. ورخص لسودة ﵂ في ترك الوقوف بها. ٣٦٨٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كانت سودة امرأة ثبطة (١)، ثقيلة، فاستأذنت النبي ﷺ أن تفيض من جمع قبل أن تقف، فأذن لها، ولوددت أني كنت استأذنته فأذن لي (٢). قال أبو جعفر: فسقط عنهم الوقوف بمزدلفة للعذر، ورأينا عرفة لا بد من الوقوف بها، لا يسقط ذلك لعذر. فما سقط بالعذر فهو الذي ليس من صُلب الحج، وما لا بد منه فلا يسقط بعذر ولا بغيره فهو الذي من صلب الحج.

стр. 2059

ألا ترى أن طواف الزيارة هو من صلب الحج، وأنَّه لا يسقط عن الحائض بالعذر، وأن طواف الصدر ليس من صلب الحج، وهو يسقط عن الحائض بالعذر، وهو الحيض. فلما كان الوقوف بمزدلفة مما يسقط بالعذر، كان من شكل ما ليس بفرض، فثبت بذلك ما وصفناه. وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى.

стр. 2060

٢٠ - باب: الجمع بين الصلاتين بجمع كيف هو؟ ٣٦٨٩ - حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود ﵁ إلى مكة، فلما أتى جمعا صلى الصلاتين كل واحدة منهما بأذان وإقامة، ولم يصل بينهما (١). ٣٦٩٠ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، أنه صلى مع عمر بن الخطاب ﵁ صلاتين مرتين بجمع، كل صلاة بأذان وإقامة، والعشاء بينهما (٢). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٣) إلى هذين الحديثين فزعموا أن المغرب والعشاء يجمع بينهما بمزدلفة بأذانين وإقامتين.

стр. 2061

وخالفهم في ذلك آخرون (١) فقالوا: أما الأولى منهما فتصلى بأذان وإقامة، وأما الثانية فتصلى بلا أذان ولا إقامة. وقالوا: أما كان من فعل عمر ﵁ ومن تأذينه للثانية فإنما فعل ذلك لأن الناس قد كانوا تفرقوا لعشائهم، فأذن ليجمعهم. وكذلك نقول نحن: إذا تفرق الناس عن الإمام لعشاء أو لغيره، أمر المؤذن فأذن ليجتمعوا لأذانه. فهذا معنى ما روي في هذا عن عمر ﵁، والذي روي عن عبد الله، فهو مثل هذا أيضا. ٣٦٩١ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كان ابن مسعود ﵁ يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين (٢). فقد عاد معنى ما روي عن عبد الله في هذا إلى معنى ما روي عن عمر رضي عنه أيضا. ثم نظرنا فيما روي في ذلك إذا صُليتا معا، كيف نفعل فيهما.

стр. 2062

٣٦٩٢ - فإذا ابن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن الحكم أنه صلى مع سعيد بن جبير بجمع المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة، ثم حدث أن ابن عمر ﵄ صنع مثل ذلك، وحدث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ صنع مثل ذلك في ذلك المكان (١). ٣٦٩٣ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، أنه صلى مع سعيد بن جبير بجمع المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين، بإقامة واحدة، ثم حدث أن ابن عمر ﵄ صنع مثل ذلك، وحدث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ صنع مثل ذلك في ذلك المكان (٢). ٣٦٩٤ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل: قالا: صلى بنا سعيد بن جبير بإقامة المغرب ثلاثا، فلما سلم قام فصلى ركعتي العشاء، ثم حدث عن ابن عمر ﵄ أنه صنع بهم في ذلك المكان مثل ذلك، وحدث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ صنع بهم في ذلك المكان مثل ذلك (٣).

стр. 2063

٣٦٩٥ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: شهدت سعيد بن جبير أقام بجمع الصلاة، وأحسبه قال: أذن فصلي المغرب ثلاثا، ثم قام فصلى العشاء ركعتين بالإقامة الأولى، وحدث أن ابن عمر ﵄ صنع في هذا المكان هذا، وحدث أن رسول الله ﷺ صنع مثل ذلك (١). ٣٦٩٦ - حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال صلى رسول الله ﷺ المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة (٢). ٣٦٩٧ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ … مثله (٣).

стр. 2064

٣٦٩٨ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، (ح) وحدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان بن سعيد الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، قال: صليت مع ابن عمر ﵄ المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن! ما هذا؟ فقال: صليتهما مع رسول الله ﷺ في هذا المكان بإقامة واحدة (١). ٣٦٩٩ - حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن مالك بن الحارث، قال: صلى عبد الله بن عمر ﵄ بالمزدلفة صلاة المغرب بإقامة ليس معها أذان ثلاث ركعات، ثم سلم، ثم قال: الصلاة، ثم قام فصلى العشاء ركعتين، ثم سلم. فقال له خالد بن مالك الحارثي: ما هذه الصلاة يا أبا عبد الرحمن؟ قال: صليت هاتين الصلاتين مع النبي ﷺ في هذا المكان، ليس معهما أذان (٢).

стр. 2065

٣٧٠٠ - حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: حدثني أربعة، كلهم ثقة، منهم سعيد بن جبير، وعلي الأزدي، عن ابن عمر أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة (١). فهذا ابن عمر ﵄ يخبر عن رسول الله ﷺ أنه صلاهما، ولم يؤذن بينهما ولم يقم. وقد روي عن ابن عمر ﵄ في هذا شيء بلفظ غير هذا اللفظ. ٣٧٠١ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال أخبرني ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ، صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا، لم يناد في واحدة منهما إلا بالإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما (٢).

стр. 2066

٣٧٠٢ - حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب … فذكر بإسناده مثله. غير أنه قال "لم يناد بينهما، ولا على إثر واحدة منهما إلا بإقامة" (١). وهكذا حفظي عن يونس، عن ابن وهب، غير أني وجدته في كتابي كما نصصته في الحديث الذي قبل هذا. ٣٧٠٣ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين بجمع، لم يناد في كل واحدة منهما إلا بإقامة، ولم يسبح بينهما (٢). فقوله في هذا الحديث، ولم يناد في كل واحدة منهما إلا بإقامة ولم يسبح بينهما، فذلك محتمل أن يكون أراد بذلك الإقامة التي أقامها لكل واحدة منهما. ويحتمل الإقامة التي أقامها لهما غير أن أولى الأشياء بنا أن نحمل ذلك على الإقامة التي أقامها ليتفق معنى ذلك، ومعنى ما رويناه قبل ذلك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ .

стр. 2067

وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري، وعن البراء بن عازب، ما يوافق من ذلك أيضا ٣٧٠٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عمر بن الرومي، قال: أنا قيس بن الربيع، قال: أنا غيلان، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: صليت مع رسول الله ﷺ المغرب والعشاء بإقامة واحدة (١). ٣٧٠٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا أبو يوسف، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ … مثله (٢). وخالفهم في ذلك آخرون (٣) فقالوا: بل تصلي الأولى منهما بأذان وإقامة، والثانية بإقامة بلا أذان. واحتجوا في ذلك بما

стр. 2068

٣٧٠٦ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله ﷺ لما أتى المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين (١). ففي هذا الحديث أن رسول الله ﷺ لما أتى المزدلفة صلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، وهذا خلاف ما روى خالد بن مالك الحارثي عن ابن عمر. وقد أجمعوا أن الأولى من الصلاتين اللتين تجمعان بعرفة يؤذن لها ويقام لها، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم الأولى من الصلاتين اللتين تجمعان بجمع. ٣٧٠٧ - حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن أسامة بن زيد، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب، نزل فبال، ثم توضأ، فلم يسبغ الوضوء، فقلت له الصلاة، فقال الصلاة أمامك. فركب حتى جاء المزدلفة، فنزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلاها، ولم يصل بينهما شيئا (٢).

стр. 2069

فقد اختلف عن النبي ﷺ في الصلاتين بمزدلفة، هل صلاهما معا أو عمل بينهما عملا؟ فروي في ذلك ما قد ذكرنا في حديث ابن عمر وأسامة ﵃. واختلف عنه كيف صلاهما؟ فقال بعضهم: بأذان وإقامة، وقال بعضهم: بأذان وإقامتين. وقال بعضهم: بإقامة واحدة ليس معهما أذان. فلما اختلفوا في ذلك على ما ذكرنا، وكانت الصلاتان يجمع بينهما بمزدلفة، وهما المغرب والعشاء، كما تجمع بين الصلاتين بعرفة، وهما الظهر والعصر، فكان هذا الجمع في هذين الموطنين جميعا لا يكون إلا لمحرم في حرمة الحج، ولا يكون الحلال ولا لمعتمر غير حاج، وكانت الصلاتان بعرفة تصلى إحداهما في إثر صاحبتها، ولا يعمل بينهما عمل، وكانتا يؤذن لهما أذان واحدا ويقام لهما إقامتان (١) كما يفعل بعرفة سواء. هذا هو النظر في هذا الباب وهو خلاف قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵃ وذلك أنهم يذهبون في الجمع بين الصلاتين بعرفة إلى ما ذكرنا، ويذهبون في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة إلى أن يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة، ويحتجون في ذلك بما روي عن ابن عمر ﵄.

стр. 2070

وكان سفيان الثوري يذهب في ذلك إلى أن يصليهما بإقامة واحدة لا أذان معهما، على ما روينا عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ والذي رويناه عن جابر من هذا أحب إلينا لما شهد له من النظر. ثم وجدنا بعد ذلك حديث ابن عمر ﵄ قد عاد إلى معنى حديث جابر ﵁. ٣٧٠٨ - وذلك أن هارون بن كامل وفهدا، حدثانا قالا: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، وهي المزدلفة صلى المغرب ثلاثا، ثم سلم، ثم أقام العشاء فصلاها ركعتين، ثم سلم ليس بينهما سبحة (١). فهذا يخبر أنه صلاهما بإقامتين. وقد وجدنا عن ابن عمر ﵄ نفسه مما لم يرفعه إلى النبي ﷺ أنه أذن لهما. ٣٧٠٩ - ما حدثنا يوسف بن يزيد، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم قال: أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄: أنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع بأذان وإقامة، ولم يجعل بينهما شيئا" (٢).
следующие страницы →