← Книги сунны

Книги сунны · id 1547

شرح معاني الآثار - ت البهرائجى

الطحاوي

Полный текст (4 166 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فأردنا أن ننظر ما أبيح بالضرورة من العدو، هل يكون مباحا بالضرورة بالمرض أم لا؟ فوجدنا الرجل إذا كان يطيق القيام كان فرضه أن يصلي قائما، فإن كان يخاف إن قام أن يعاينه العدو فيقتله، أو كان العدو قائما على رأسه فيمنعه عن القيام، فكلّ قد أجمع أنه قد حل له أن يصلي قاعدا، وسقط عنه فرض القيام. وأجمعوا أن رجلا لو أصابه مرض أو زمانة فمنعه ذلك من القيام أنه قد سقط عنه فرض القيام، وحل له أن يصلي قاعدا يركع ويسجد إذا أطاق ذلك، أو يومئ إن كان لا يطيق ذلك. فرأينا ما أبيح له من هذا بالضرورة من العدو، قد أبيح له بالضرورة من المرض ورأينا الرجل إذا حال العدو بينه وبين الماء، سقط عنه فرض الوضوء، ويتيمم ويصلي، وكذلك لو كانت به علة يضرها الماء كان كذلك أيضا يسقط عنه فرض الوضوء ويتيمم ويصلي. فكانت هذه الأشياء التي قد عذر فيها بالعدو، قد عذر فيها أيضا بالمرض، وكانت الحال في ذلك سواء. ثم رأينا الحاج المحصر بالعدو، قد عذر فجعل له في ذلك أن يفعل ما جعل للمحصر أن يفعل حتى يحل، واختلفوا في المحصر بالمرض، فالنظر على ما ذكرنا من ذلك أن يكون ما وجب له من العذر بالضرورة بالعدو، يجب له أيضا بالضرورة بالمرض، ويكون حكمه في ذلك سوا كما كان حكمه في ذلك أيضا سواء في الطهارات والصلوات.

стр. 2172

ثم اختلف الناس بعد هذا في المحرم بعمرة، يحصر بعدو أو بمرض. فقال قوم (١): يبعث بهدي ويواعدهم أن ينحروه عنه، فإذا نحر حلّ. وقال آخرون (٢): بل يقيم على إحرامه أبدا، وليس لها وقت كوقت الحج. وكان من حجة الذين ذهبوا إلى أنه يحل منها بالهدي ما روينا عن رسول الله ﷺ في أول هذا الباب لما أحصر بعمرة زمن الحديبية حصرته كفار قريش، فنحر الهدي وحل ولم ينتظر أن يذهب عنه الإحصار إذ كان لا وقت لها كوقت الحج، بل جعل العذر في الإحصار بها، كالعذر في الإحصار بالحج. فثبت بذلك أن حكمهما في الإحصار فيهما سواء، وأنَّه يبعث بالهدي حتى يحل به مما أحصر به منهما، إلا أن عليه في العمرة قضاء عمرة مكان عمرته، وعليه في الحجة حجة مكان حجته وعمرة لإحلاله. وقد روينا في العمرة أنه قد يكون المحرم محصرا بها ما قد تقدم في هذا الباب عن عبد الله بن مسعود ﵁. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما النظر في ذلك، فإنا قد رأينا أشياء قد فرضت على العباد مما جعل لها وقت خاص، وأشياء قد فرضت عليهم مما جعل الدهر كله وقتا لها، منها: الصلوات فرضت عليهم في أوقات خاصة، تؤدى في تلك الأوقات بأسباب متقدمة لها، من التطهر بالماء،

стр. 2173

وستر العورة. ومنها الصيام في كفارات الظهار، وكفارات الصيام، وكفارة القتل، جعل ذلك على المظاهر، والقاتل لا في أيام بعينها بل جعل الدهر كله وقتا لها، وكذلك كفارة اليمين جعلها الله على الحانث في يمينه وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة. ثم جعل الله لمن فرض عليه الصلاة بالأسباب التي يتقدمها، والأسباب المفعولة فيها في ذلك عذرا لمن منع منه. فمن ذلك ما جعل له في عدم الماء من سقوط الطهارة بالماء والتيمم. ومن ذلك ما جعل لمن منع من ستر العورة أن يصلي بادي العورة. ومن ذلك ما جعل لمن منع من القبلة أن يصلي إلى غير قبلة. ومن ذلك ما جعل للذي منع من القيام أن يصلي قاعدا يركع ويسجد، فإن منع من ذلك أيضا، أومأ إيماء، فجعل له ذلك. وإن كان قد بقي عليه من الوقت ما قد يجوز أن يذهب عنه ذلك العذر، ويعود إلى حاله قبل العذر، وهو في الوقت لم يفته. وكذلك جعل لمن لا يقدر على الصوم في الكفارات التي أوجب الله عليه فيها الصوم لمرض حل به مما قد يجوز برؤه منه بعد ذلك، ورجوعه إلى حال الطاقة لذلك الصوم، فجعل ذلك له عذرا في إسقاط الصوم عنه به، ولم يمنع من ذلك إذا كان ما جعل عليه من الصوم لا وقت له. وكذلك فيما ذكرنا من الإطعام في الكفارات والعتق فيها، والكسوة إذا كان الذي فرض ذلك عليه معدما.

стр. 2174

وقد يجوز أن يجد بعد ذلك فيكون قادرا على ما أوجب الله عليه من ذلك من غير فوات لوقت شيء مما كان أوجب عليه فعله فيه. فلما كانت هذه الأشياء يزول فرضها بالضرورة فيها، وإن كان لا يخاف فوت وقتها، فجعل ذلك وما خيف فوت وقته سواء من الصلوات في أواخر أوقاتها، وما أشبه ذلك. فالنظر على ما ذكرنا أن تكون كذلك العمرة، وإن كان لا وقت لها أن يباح في الضرورة فيها ما يباح بالضرورة في غيرها مما له وقت معلوم. فثبت بما ذكرنا قول من ذهب إلى أنه قد يكون الإحصار بالعمرة، كما يكون الإحصار بالحج سواء. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى. ثم تكلم الناس بعد هذا في المحصر إذا نحر هديه، هل يحلق رأسه أم لا؟. فقال قوم (١): ليس عليه أن يحلق لأنَّه قد ذهب عنه النسك كله، وممن قال ذلك: أبو حنيفة، ومحمد رحمهما الله. وقال آخرون (٢): بل يحلق، فإن لم يحلق حل ولا شيء عليه، وممن قال ذلك: أبو يوسف ﵀. وقال آخرون (٣): يحلق ويجب ذلك عليه، كما يجب على الحاج والمعتمر.

стр. 2175

وكان من حجة أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله في ذلك أنه قد سقط عنه بالإحصار جميع مناسك الحج من الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وذلك مما يحل المحرم به من إحرامه. ألا ترى أنه إذا طاف بالبيت يوم النحر حل له أن يحلق فيحل له بذلك الطيب، واللباس، والنساء. قالوا: فلما كان ذلك مما يفعله حتى يحل، فسقط ذلك عنه كله بالإحصار، سقط أيضا عنه سائر ما يحل به المحرم بسبب الإحصار، هذه حجة لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وكان من حجة الآخرين عليهما في ذلك أن تلك الأشياء من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، قد صَدّ عنه المحرم، وحيل بينه وبينه، فسقط عنه أن يفعله. والحلق لم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله. فما كان يصل إلى أن يفعله فحكمه فيه في حال الإحصار كحكمه فيه، في غير حال الإحصار. وما لا يستطيع أن يفعله في حال الإحصار فهو الذي يسقط عنه بالإحصار، فهو النظر عندنا. وإذا كان حكمه في وقت الحلق عليه وهو محصر كحكمه في وجوبه عليه، وهو غير محصر، كان تركه إياه أيضا وهو محصر كتركه إياه وهو غير محصر.

стр. 2176

وقد روي عن رسول الله ﷺ ، ما قد دل على أن حكم الحلق باق على المحصرين كما هو على من وصل إلى البيت. ٣٨٧٢ - وذلك أن ربيعا المؤذن حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون. فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله المحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلقين"، قالوا يا رسول الله والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلقين"، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: "والمقصرين". قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: "إنهم لم يشكوا" (١). ٣٨٧٣ - حدثنا فهد قال: ثنا يوسف بن بهلول: قال ثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق … فذكر بإسناده مثله (٢).

стр. 2177

٣٨٧٤ - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأنصاري، قال: ثنا أبو سعيد الخدري، قال: سمعت النبي ﷺ يستغفر يوم الحديبية للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين مرة (١). ٣٨٧٥ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، أن أبا إبراهيم الأنصاري حدثه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ عام الحديبية استغفر للمحلقين مرة، وللمقصرين مرة. وحلق رسول الله ﷺ وأصحابه رءوسهم غير رجلين: رجل من الأنصار، ورجل من قريش (٢). قال أبو جعفر: فلما حلقوا جميعا إلا من قصر منهم، وفضل رسول الله ﷺ من حلق منهم على من قصر، ثبت بذلك أنهم قد كان لهم الحلق أو التقصير،

стр. 2178

كما كان عليهم لو وصلوا إلى البيت، ولولا ذلك لما كانوا فيه إلا سواء، ولا كان لبعضهم في ذلك فضيلة على بعض. ففي تفضيل النبي ﷺ في ذلك المحلقين على المقصرين دليل على أنهم كانوا في ذلك كغير المحصرين. فقد ثبت بما ذكرنا أن حكم الحلق أو التقصير لا يزيله الإحصار.

стр. 2179

٣٢ - باب: حج الصغير ٣٨٧٦ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن صبي هل لهذا من حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (١). ٣٨٧٧ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن إبراهيم بن عقبة … فذكر بإسناده مثله (٢). ٣٨٧٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال ثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن إبراهيم بن عقبة … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 2180

قال أبو جعفر: فذهب قوم (١) إلى أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأه ذلك من حجة الإسلام، ولم يكن عليه أن يحج بعد ذلك بعد بلوغه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وخالفهم في ذلك آخرون (٢) فقالوا: لا يجزئه من حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى. وكان من الحجة لهم عندنا على أهل المقالة الأولى أن هذا الحديث إنما فيه أن رسول الله ﷺ أخبر أن للصبي حجا، وهذا مما قد أجمع الناس جميعا عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجا كما أن له صلاة وليست تلك الصلاة بفريضة عليه. فكذلك أيضا قد يجوز أن يكون له حج، وليس ذلك الحج بفريضة عليه، وإنما هذا الحديث حجة على من زعم أنه لا حج للصبي. فأما من يقول: إن له حجا وإنه غير فريضة فلم يخالف شيئا من هذا الحديث، وإنما خالف تأويل مخالفيه خاصة. وهذا ابن عباس ﵄ هو الذي روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، ثم قد صرف هو حج الصبي إلى غير الفريضة، وأنَّه لا يجزئه بعد بلوغه من حجة الإسلام.

стр. 2181

٣٨٧٩ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: سمعت ابن عباس يقول: يا أيها الناس أسمعوني ما تقولون، ولا تخرجوا تقولون: قال ابن عباس أيما غلام حج به أهله فمات، فقد قضى حجة الإسلام، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات، فقد قضى حجة الإسلام، فإن أعتق فعليه الحج (١). ٣٨٨٠ - حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد عن يونس بن عبيد، عن عبيد صاحب الحلي، قال: سألت ابن عباس عن المملوك إذا حج ثم عتق بعد ذلك؟ قال: عليه الحج أيضا، وعن الصبي يحج ثم يحتلم، قال: يحج أيضا (٢). وقد زعمتم أن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله، فهذا ابن عباس ﵄ قد روى عن النبي ﷺ ما قد ذكرنا في أول هذا الباب ثم قال هو، ما قد ذكرنا. فيجب على أصلكم أن يكون ذلك دليلا على معنى ما روي عن النبي ﷺ من ذلك. فإن قال قائل: فما الذي دلّك على أن ذلك الحج لا يجزئه من حجة الإسلام؟ قلت قول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يكبر"، وقد ذكرت ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من هذا الكتاب.

стр. 2182

فلما ثبت أن القلم عن الصبي مرفوع، ثبت أن الحج عليه غير مكتوب. وقد أجمعوا أن صبيا لو دخل في وقت صلاة فصلاها، ثم بلغ بعد ذلك في وقتها أن عليه أن يعيدها، وهو في حكم من لم يصلها. فلما ثبت ذلك من اتفاقهم ثبت أن الحج كذلك، وأنَّه إذا بلغ وقد حج قبل ذلك أنه في حكم من لم يحج، وعليه أن يحج بعد ذلك. فإن قال قائل: فقد رأينا في الحج حكما يخالف حكم الصلاة، وذلك أن الله إنما أوجب الحج على من وجد إليه سبيلا، ولم يوجبه على غيره. فكان من لم يجد سبيلا إلى الحج، فلا حج عليه كالصبي الذي لم يبلغ. ثم قد أجمعوا أن من لم يجد سبيلا إلى الحج، فحمل على نفسه ومشى حتى حج أن ذلك يجزئه، وإن وجد سبيلا بعد ذلك لم يجب عليه أن يحج ثانية للحجة التي قد كان حجها قبل وجوده السبيل. فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك الصبي إذا حج قبل البلوغ، ففعل ما لم يجب عليه أجزاه ذلك، ولم يجب عليه أن يحج ثانية بعد البلوغ. قيل له: إن الذي لا يجد السبيل إنما سقط الفرض عنه لعدم الوصول إلى البيت، فإذا مشى فصار إلى البيت، فقد بلغ البيت، وصار من الواجدين للسبيل، فوجب الحج عليه لذلك، فلذلك قلنا: إنه أجزأه حجة؛ لأنَّه صار بعد بلوغه البيت كمن كان منزله هنالك فعليه الحج.

стр. 2183

وأما الصبي ففرض الحج غير واجب عليه قبل وصوله إلى البيت، وبعد وصوله إليه لرفع القلم عنه فإذا بلغ بعد ذلك فحينئذ وجب عليه فرض الحج. فلذلك قلنا: إن ما قد كان حجة قبل بلوغه، لا يجزئه، وأن عليه أن يستأنف الحج بعد بلوغه كمن لم يكن حج قبل ذلك. فهذا هو النظر في هذا، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى.

стр. 2184

٣٣ - باب: دخول الحرم هل يصلح بغير إحرام؟ ٣٨٨١ - حدثنا علي بن معبد قال: ثنا معلى بن منصور (ح) وحدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا علي بن حكيم الأودي (ح) وحدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قالوا: ثنا شريك، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء (١). ٣٨٨٢ - حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، (ح) وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ … مثله (٢). ٣٨٨٣ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكا حدثه (ح).

стр. 2185

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال ثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه مِغْفَر، فلما كشف المِغْفر عن رأسه، قيل له: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أنه لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون (٣)، فقالوا: لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل مكة إلا بإحرام. واختلف هؤلاء، فقال بعضهم (٤): وكذلك الناس جميعا، من كان بعد الميقات وقبل الميقات غير أهل مكة خاصة.

стр. 2186

وقال آخرون (١): من كان منزله في بعض المواقيت أو فيما بعدها إلى مكة، فله أن يدخل مكة بغير إحرام. ومن كان منزله قبل المواقيت لم يدخل مكة إلا بإحرام، وممن قال هذا القول أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ﵏. وقال آخرون (٢): أهل المواقيت حكمهم حكم مَنْ كان قبل المواقيت، وجعل أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ﵏ حكم أهل المواقيت كحكم مَنْ كان من ورائهم إلى مكة. وليس النظر في هذا عندنا ما قالوا، لأنا رأينا من يريد الإحرام إذا جاوز المواقيت حلالا حين فرغ من حجته، ولم يرجع إلى المواقيت كان عليه دم. ومن أحرم من المواقيت كان محسنا، وكذلك من أحرم قبلها كان كذلك أيضا. فلما كان الإحرام من المواقيت في حكم الإحرام مما قبلها، لا في حكم الإحرام مما بعدها ثبت أن حكم المواقيت كحكم ما قبلها، لا كحكم ما بعدها. فلا يجوز لأهلها من دخول الحرم إلا ما يجوز لأهل الأمصار التي قبل المواقيت. فانتفى بهذا ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ في حكم أهل المواقيت. واحتجنا إلى النظر في الأخبار هل فيها ما يدفع دخول الحرم بغير إحرام؟ وهل فيها ما ينبئ عن معنى في هذين الحديثين المتقدمين يجب بذلك المعنى أن ذلك الدخول الذي كان من النبي ﷺ بغير إحرام خاصة له؟ فاعتبرنا في ذلك

стр. 2187

٣٨٨٤ - فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، ووضعها بين هذين الأخشبين، لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، لا يُختلى خلاها، ولا يُعضد شجرها، ولا يُرفع لقطتها إلا منشد"، فقال العباس ﵁: إلا الإذخر فإنه لا غنى لأهل مكة عنه لبيوتهم وقبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر" (١). ٣٨٨٥ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد المقبري، قال: سمعت أبا شريح الكعبي، يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرّم مكة ولم يحرمها الناس، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما، ولا يعضدن فيها شجرا، فإن ترخص مترخص فقال: قد

стр. 2188

أحلت لرسول الله ﷺ فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلها لي ساعة" (١). ٣٨٨٦ - حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، قال: لما بعث عمرو بن سعيد البعث إلى مكة لغزو ابن الزبير أتاه أبو شريح فكلمه بما سمع من رسول الله ﷺ ، ثم خرج إلى نادي قومه، فجلس، فقمت إليه، فجلست معه، قال: فحدث عما حدث عمرو عن رسول الله ﷺ وعما جاوبه به عمرو. قال: قلت له: إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح، خَطَبنا فقال: يا أيها الناس إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، لا تحل لرجل يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد بها شجرا، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا ثم قد عادت كحرمتها بالأمس، فمن قال لكم: إن رسول الله ﷺ قد أحلها فقولوا له: إن الله

стр. 2189

قد أحلها لرسوله، ولم يحلها لك. فقال لي: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعرف بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم ولا مانع خربة، ولا خالع طاعة. قلت: قد كنت شاهدا وكنت غائبا وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك (١). ٣٨٨٦ م - حدثنا بحر هو ابن نصر، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي ﷺ … نحوه (٢). ٣٨٨٧ - حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن الدراوردي، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على الحجون، ثم قال: "والله إنك لخير

стр. 2190

أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وما أحلت لي إلا ساعة من النهار، وهي بعد ساعتها هذه حرام إلى يوم القيامة" (١). ٣٨٨٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، وأبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو … فذكر بإسناده مثله (٢). ٣٨٨٩ - حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: ثنا أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله ﵇ مكة، قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية. فقام النبي ﷺ فقال: "إن الله حبس عن أهل مكة الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعتين من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يعضد شجرها، ولا يختلى شوكها، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد" (٣).

стр. 2191

٣٨٩٠ - حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير … فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "إن الله حبس عن أهل مكة الفيل، قال: ولا يلتقط ضالتها إلا لمنشد" (١). فأخبر رسول الله ﷺ في هذه الآثار أن مكة لم تحل لأحد كان قبله، ولا تحل لأحد بعده، وأنها إنما أحلّت له ساعة من نهار، ثم عادت حراما كما كانت إلى يوم القيامة، فدل ذلك أن النبي ﷺ كان دخلها يوم دخلها. وهي له حلال، فكان له بذلك دخولها بغير إحرام، وهي بعد حرام، فلا يدخلها أحد إلا بإحرام. فإن قال قائل: إن معنى ما أحل للنبي ﷺ منها هو شهر السلاح فيها للقتال، وسفك الدماء لا غير ذلك. قيل له: هذا محال إن كان الذي أبيح للنبي ﷺ منها هو ما ذكرت خاصة إذا لم يقل "ولا تحل لأحد بعدي". وقد رأيناهم أجمعوا أن المشركين لو

стр. 2192

غلبوا على مكة فمنعوا المسلمين منها أنه حلال للمسلمين قتالهم، وشهر السلاح بها وسفك الدماء، وأن حكم من بعد النبي ﷺ في ذلك في إباحتها في حكم النبي ﷺ . فدل ذلك على أن المعنى الذي كان النبي ﷺ خص به فيها، وأحلّت له من أجله ليس هو القتال. وإذا انتفى أن يكون هو القتال ثبت أنه الإحرام. ألا ترى إلى قول عمرو بن سعيد، لأبي شريح: إن الحرم لا يمنع سافك دم، ولا مانع خربة، ولا خالع طاعة جوابا لما حدثه به أبو شريح عن النبي ﷺ ، فلم ينكر ذلك عليه أبو شريح، ولم يقل له: إن النبي ﷺ إنما أراد بما حدثتك عنه، أن الحرم قد يجير كل الناس ولكنه عرف ذلك، فلم ينكره. وهذا عبد الله بن عباس ﵄، فقد روى ذلك عن النبي ﷺ ، ثم قال: من رأيه لا يدخل أحد الحرم إلا بإحرام، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. فدل قوله هذا أن ما روي عن النبي ﷺ فيما أحلت له ليس هو على إظهار السلاح بها، وإنما هو على المعنى الآخر. لأنَّه لما انتفى هذا القول، ولم يكن غيره وغير القول الآخر، ثبت القول الآخر. ثم احتجنا بعد هذا إلى النظر في حكم من هم بعد المواقيت إلى مكة، هل لهم دخول الحرم بغير إحرام أم لا؟. فرأينا الرجل إذا أراد دخول الحرم لم يدخله إلا بإحرام، وسواء أراد دخول الحرم لإحرام، أو لحاجة غير الإحرام. ورأينا من أراد دخول المواضع

стр. 2193

التي بين المواقيت، وبين الحرم لحاجة أن له دخولها بغير إحرام. فثبت بذلك أن حكم هذه المواضع إذا كانت تُدخل للحوائج بغير إحرام كحكم ما قبل المواقيت، وأن أهلها لا يدخلون الحرم إلا كما يدخله من كان أهله وراء المواقيت إلى الآفاق. فهذا هو النظر عندي في هذا الباب، وهو خلاف قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. وذلك أنهم إنما قلدوا فيما ذهبوا إليه من هذا ٣٨٩١ - ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم قال: أنا عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر: أنه خرج من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قديدا بلغه عن جيش قدم المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام (١). ٣٨٩٢ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا أيوب، عن نافع، أن ابن عمر ﵄ خرج من مكة وهو يريد المدينة، فلما كان قريبا لقيه جيش ابن دلجة، فرجع فدخل مكة حلالا (٢).

стр. 2194

٣٨٩٣ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن نافع، أن عبد الله بن عمر أقبل من مكة حتى إذا كان بقديد بلغه خبر من المدينة فرجع فدخل مكة حلالا (١). فقلدوا ذلك واتبعوه، وكان النظر في ذلك عندنا خلاف ما ذهبوا إليه. وقد روي عن غير ابن عمر ﵄ في ذلك ما يخالف هذا. ٣٨٩٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عثمان المؤذن، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال عطاء، قال ابن عباس: لا عمرة على المكي إلا أن يخرج من الحرم، فلا يدخله إلا حراما، فقيل لابن عباس ﵄: فإن خرج رجل من مكة قريبا؟ قال: نعم، يقضي حاجته، ويجعل مع قضائها عمرة (٢). ٣٨٩٥ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن عطاء، قال: لا يدخل أحد الحرم إلا بإحرام. فقيل: ولا الحطابون؟ قال: ولا الحطابون، قال: ثم بلغني بعد أنه رخص للحطابين (٣).

стр. 2195

٣٨٩٦ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبد الملك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أنه كان يقول: لا يدخل مكة تاجر ولا طالب حاجة إلا وهو محرم (١). ٣٨٩٧ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يونس، عن الحسن، أنه كان يقول ذلك (٢). ٣٨٩٨ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لا يدخل أحد مكة إلا محرما (٣). ٣٨٩٩ - حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، قال: لا يدخل أحد مكة إلا محرما (٤). فإن قال قائل: أفيجوز لمن كان بعد المواقيت إلى مكة أن يتمتع؟ قيل له: نعم، وهو في ذلك أيضا خلاف أهل مكة، وهذا أيضا خلاف قول أصحابنا، ولكنه النظر عندنا على ما قد ذكرنا وبينا، وحاضرو المسجد الحرام عندنا هم أهل مكة خاصة.

стр. 2196

وقد قال بهذا القول الذي ذهبنا إليه في هذا نافع مولى ابن عمر، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج. ٣٩٠٠ - حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت نافعا مولى ابن عمر يسأل عن قول الله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أجوف مكة، أم حولها؟ قال: جوف مكة، وقال: ذلك عبد الرحمن الأعرج (١).

стр. 2197

٣٤ - باب: الرجل يوجه بالهدي إلى مكة، ويقيم في أهله هل يتجرد إذا قلد الهدي؟ ٣٩٠١ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة، عن عبد الملك بن جابر، عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ جالسا فقدّ قميصه من جيبه، حتى أخرجه من رجليه. فنظر القوم إلى النبي ﷺ فقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم، وتشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي، وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة (١). قال أبو جعفر: فذهب قوم (٢) إلى أن الرجل إذا بعث بالهدي، وأقام في أهله فقلد الهدي وأشعر أنه يتجرد، فيقيم كذلك حتى يحل الناس من حجهم. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، ورووا أيضا عن ابن عباس وابن عمر ﵃ ٣٩٠٢ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة، أن عبد الله بن

стр. 2198

عباس قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، وقد بعثت بهدي، فاكتبي إلي بأمرك، أو مري صاحب الهدي، فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي (١). ٣٩٠٣ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبيد الله، عن نافع قال: كان ابن عمر، إذا بعث بهديه وهو مقيم أمسك عما يمسك عنه المحرم حتى ينحر هديه (٢). ٣٩٠٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا بعث بهديه أمسك عن النساء (٣).

стр. 2199

وخالفهم في ذلك آخرون (١)، فقالوا: لا يجب على أحد تجريد ولا ترك شيء مما يتركه المحرم إلا بدخوله في الإحرام، إما بالحج وإما بالعمرة. وكان مما احتجوا به في ذلك، ما قد رويناه عن عائشة ﵂ فيما أجابت به زيادًا. ٣٩٠٥ - وبما حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قلت لعائشة إن رجالا هاهنا يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذين يبعثون معه بمعلم لهم يقلدونها ذلك اليوم، فلا يزالون محرمين حتى يحل الناس. فصفقت بيدها، فسمعت ذلك من وراء الحجاب، فقالت: سبحان الله، لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، فيبعث بها إلى الكعبة، ويقيم فينا، لا يترك شيئا مما يصنع الحلال حتى يرجع الناس (٢).

стр. 2200

٣٩٠٦ - حدثنا علي بن معبد قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد … فذكر بإسناده مثله (١). ٣٩٠٧ - حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: كنت أفتل بيدي لبدُن رسول الله ﷺ فيبعث بالهدي وهو مقيم بالمدينة، ويفعل ما يفعل المحل قبل أن يصل إلى البيت (٢). ٣٩٠٨ - حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن، يونس قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: لربما فتلت القلائد لهدي رسول الله ﷺ ، فيقلده، ثم يبعثه به، ثم يقيم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم (٣).

стр. 2201

٣٩٠٩ - حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا محمد بن جحادة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: كنا نقلد الشاة فترسل أو قالت فنرسل بها ورسول الله ﷺ حلال لم يحرم منه شيء (١). ٣٩١٠ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، [عن حماد]، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: ربما فتلت القلائد لهدي رسول الله ﷺ ، فيقلده، ثم يبعث به، ثم يقيم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم (٢). ٣٩١١ - حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن زيد، عن منصور، عن إبراهيم … فذكر بإسناده مثله (٣).

стр. 2202

٣٩١٢ - حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن منصور … فذكر بإسناده مثله (١). ٣٩١٣ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة … مثله (٢). ٣٩١٤ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، عن الليث، عن ابن شهاب حدثه، عن عروة، وعمرة، عن عائشة … مثله (٣).

стр. 2203

٣٩١٥ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة … مثله (١). ٣٩١٦ - حدثنا ربيع، قال: ثنا شعيب، قال: ثنا الليث، عن هشام، عن عروة، عن عائشة … مثله (٢). ٣٩١٧ - حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة … مثله (٣). ٣٩١٨ - حدثنا صالح بن عبد الرحمن، وربيع الجيزي قالا حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا أفلح، عن القاسم، عن عائشة … مثله (٤).

стр. 2204

٣٩١٩ - حدثنا يونس، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة .... مثله (١). ٣٩٢٠ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث قال: ثنا الليث، عن عبد الرحمن بن القاسم … فذكر بإسناده مثله (٢). ٣٩٢١ - حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم … فذكر بإسناده مثله، وزاد ولا نعلم المحرم يحله إلا الطواف بالبيت (٣). ٣٩٢٢ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة … مثله، غير أنه لم يذكر الزيادة التي فيه على ما قبله (٤).

стр. 2205

فقد تواترت هذه الآثار عن عائشة ﵂ بما ذكرنا بما لم يتواتر عن غيرها بما يخالف ذلك. فإن كان هذا يؤخذ من طريق صحة الأسانيد، فإن إسناد حديث عائشة ﵂ هذا إسناد صحيح، لا تنازع بين أهل العلم فيه. وليس حديث جابر بن عبد الله كذلك، لأن من رواه دون من روى حديث عائشة ﵂. وإن كان ذلك يؤخذ من طريق ظهور الشيء، وتواتر الرواية به، فإن حديث عائشة أيضا أولى، لأن ذلك موجود فيه، ومعدوم في حديث جابر. وإن كان ذلك يؤخذ من طريق النظر، فإنا قد رأينا الذين يذهبون إلى حديث جابر ﵁ يقولون: إن الحرمة التي تجب على باعث الهدي بتقليده إياه وإشعاره، فيحل عنه إذا حلّ الناس بغير فعل يفعله هو، فيحل به. فأردنا أن ننظر في الإحرام المتفق عليه هل هو كذلك أم لا؟ فرأينا الرجل إذا أحرم بحج أو عمرة، فقد صار محرما إحراما متفقا عليه، ورأيناه غير خارج من ذلك الإحرام إلا بأفعال يفعلها، فيحل بها منه، ولا يحل بغيرها.

стр. 2206

ألا ترى أنه إذا كان حاجا فلم يقف بعرفة حتى مضى وقتها أن الحج قد فاته، ولا يحل إلا بفعل يفعله من الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، أو التقصير. ولو وقف بعرفة وفعل جميع ما يفعله الحاج غير الطواف الواجب، لم تحل له النساء أبدا حتى يطوف الطواف الواجب. وكذلك العمرة لا يحل منها أبدا إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، والحلق الذي يكون منه بعد ذلك. فكانت هذه أحكام الإحرام المتفق عليه لا يخرجه منه مرور مدة، وإنما يخرجه منه الأفعال. وكان من أحرم بعمرة، وساق الهدي وهو يريد التمتع فطاف لعمرته وسعى، لم يحل حتى يفرغ من حجة وينحر الهدي. فكانت هذه حرمة زائدة بسبب الهدي لأنه لولا الهدي لكان إذا طاف لعمرته وسعى حلق وحل له، فإنما يمنعه من ذلك الهدي الذي ساقه، ثم كان إحلاله من تلك الحرمة أيضا إنما يكون بفعل يفعله لا بمرور وقت. فكان هذا أحكام الإحرام المتفق عليه لا يخرج منها بمرور الأوقات ولا بأفعال غيره، ولكن بأفعال يفعلها هو. وكأن من بعث بهدي، وأقام في أهله، وأمر أن يقلّد ويشعر، فوجب عليه بذلك التجريد في قول من يوجب ذلك، يحل من تلك الحرمة، لا بفعل يفعله، ولكن في وقت ما يحل الناس.

стр. 2207

فخالف ذلك الإحرام المتفق عليه، فلم يجب ثبوته كذلك، لأنه إنما يثبت الأشياء المختلف فيها إذا اشتبهت الأشياء المجتمع عليها. فإذا كانت غير مشتبهة لها، لم يثبت إلا أن يكون معها التوقيف الذي تقوم به الحجة، فيجب القول بها لذلك. فإذا وجب ذلك انتفى الاختلاف، فثبت بما ذكرنا صحة قول من ذهب إلى حديث عائشة ﵂، وفساد قول من خالف ذلك إلى حديث جابر بن عبد الله. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى. ٣٩٢٣ - وقد حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير، أنه رأى رجلا متجردا بالعراق، قال: فسألت الناس عنه، فقالوا: أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد. قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير فقال: بدعة ورب الكعبة، ولا يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك (١). ٣٩٢٤ - حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي العالية قال: سألت ابن عمر ﵄ عن الرجل يبعث بهديه أيمسك عن النساء؟ فقال ابن عمر: ما علمنا المحرم يحل حتى يطوف بالبيت (٢).

стр. 2208

فمعنى هذا: أن المحرم الذي تحرم عليه النساء هو الذي يحل من ذلك بالطواف بالبيت، وهذا لا طواف عليه، فلا معنى لاجتنابه ذلك. وهذا خلاف ما قد رويناه عن ابن عمر ﵄ في أول هذا الباب.

стр. 2209

٣٥ - باب نكاح المحرم ٣٩٢٥ - حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا وابن أبي ذئب حدثاه، عن نافع، عن نُبيَه بن وهب أخي بني عبد الدار، عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبي عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" (١). ٣٩٢٦ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك، عن نافع … فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل: "ولا يخطب" (٢). ٣٩٢٧ - حدثنا يزيد قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عبد الجبار بن نبيه بن وهب، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، عن عثمان رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب" (٣).

стр. 2210

٣٩٢٨ - حدثنا محمد بن جعفر بن حفص، قال: ثنا يوسف القطان، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن إسحاق بن راشد، عن زيد بن علي، عن أبان بن عثمان، عن عثمان ﵁، عن رسول الله ﷺ مثله … غير أنه لم يقل: "ولا يخطب" (١). ٣٩٢٩ - حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا أيوب بن موسى المكي، قال: حدثني نبيه، عن أبان بن عثمان قال: حدثنا عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "المحرم لا يَنكح ولا يُنكح" (٢). قال أبو جعفر فذهب قوم (٣) إلى هذا الحديث فقالوا: لا يجوز للمحرم أن يَنكح ولا يُنكح ولا يخطب.
следующие страницы →